• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في البيوع، وما شاكل البيوع.
﴿وأحل الله البيع وحرم الربوا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وكان ربا الجاهلية في الديون إما أن يقضيه وإما أن يربى له فيه.
ومن الربا في غير النسيئة بيع الفضة بالفضة يدا بيد متفاضلا وكذلك الذهب بالذهب ولا يجوز فضة بفضة ولا ذهب بذهب إلا مثلا.
بمثل يدا بيد.
والفضة بالذهب ربا إلا يدا بيد.
والطعام من الحبوب والقطنية وشبهها [كان] (^١) مما يدخر من قوت أو إدام لا يجوز الجنس منه بجنسه إلا مثلا بمثل يدا بيد ولا يجوز فيه تأخير.
والقمح والشعير والسلت كجنس واحد فيما يحل منه ويحرم.
والذبيب كله صنف والتمر كله صنف والقطنية أصناف في البيوع واختلف فيها قول مالك ولم يختلف قوله في الزكاة أنها صنف واحد. ولحوم ذوات الأربع من الأنعام والوحش صنف ولحوم الطير كله صنف ولحوم دواب الماء كلها صنف، وما تولد من لحوم الجنس الواحد من شحم فهو كلحمه وألبان ذلك الصنف وجبنه وسمنه صنف).
الشرح
البيع: لغة: أخذ شيء وإعطاء شيء، فقد أخذوه من الباع الذي يمد،
_________________
(١) نسخة الحلبي.
[ ٣ / ١٠٢١ ]
إما لقصد الصفقة، أو للتقابض على المعقود عليها من الثمن والمثمن. ولفظ البيع من الأضداد، فيطلق على الشراء بيع، غير أن لغة قريش يطلق فيها البيع على ما خرج من الملك، والشراء على ما دخل في الملك، وهذا المعنى هو الذي استقر في عصرنا وجاء في «حاشية الصاوي»: «لغة قريش استعمال باع إذا أخرج، واشترى إذا أدخل، وهي أفصح، واصطلح عليها العلماء تقريبا للفهم» (^١).
وشرعا قال ابن عرفة: «عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة» وزاد الشارح: أن يزاد مع الحد الأعم «ذو مكايسة أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة معين غير العين فيه».
قال الرصاع في «شرحه»: «فذو مكايسة» أخرج به هبة الثواب و«أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة» أخرج به المراطلة والصرف وقوله: «معين غير العين فيه» أخرج به السلم وغير العين فيه نائب عن فاعل معين وفيه متعلق بمعين وهو صفة لعقد ومعناه أن غير العين في ذلك العقد معين ليس في ذمة …» إلخ (^٢).
والبيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى غير ذلك من الآيات.
وروى البخاري عن ابن عباس قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فلما كان الإسلام تأتموا فيه فأنزلت: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ يعني: في مواسم الحج، وعن الزبير نحوه (^٣).
_________________
(١) حاشية الصاوي على الشرح الصغير للدردير (٣/ ١٢)، وانظر: الخرشي (٣/ ٥).
(٢) شرح حدود ابن عرفة للرصاع (٣٢٦)، وانظر: التوضيح على جامع الأمهات (٥/ ١٩٠).
(٣) البخاري (١٩٤٥)، وأخرجه أبو داود (١٧٣٤)، (١٧٣٥).
[ ٣ / ١٠٢٢ ]
وأما السنة فقول النبي ﷺ: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» (^١) ونحوه من الأحاديث، وأجمع المسلمون على جواز البيع في الجملة، والحكمة تقتضيه، لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، وصاحبه لا يبذله بغير عوض، ففي شرع البيع وتجويزه شرع طريق إلى وصول كل واحد منهما إلى غرضه، ودفع حاجته (^٢).
قال الحافظ: البيع كله إما بالنقد أو بالعرض، حالا، أو مؤجلا فهي أربعة أقسام:
فبيع النقد إما بمثله وهو المراطلة.
وإما بنقد غيره وهو الصرف.
وبيع العرض بنقد يسمى النقد ثمنا والعرض عرضا.
وبيع العرض بالعرض يسمى مقابضة، والحلول في جميع ذلك جائز.
وأما التأجيل فإن كان النقد بالنقد مؤخرا فلا يجوز.
وإن كان العرض جاز.
وإن كان العرض مؤخرا فهو السلم.
وإن كان مؤخرين فهو بيع الدين بالدين وليس بجائز، إلا في الحوالة عند من يقول أنها بيع والله أعلم (^٣).
وللبيع ثلاثة أركان:
١ - العاقد وهو البائع والمبتاع، ويشترط فيه: أ التمييز فلا ينعقد بيع غير المميز لصبا أو جنون، ب والتكليف وهو شرط في لزوم البيع دون
الانعقاد، ج - والإسلام وهو شرط في شراء المصحف والعبد المسلم. ٢ - المعقود عليه من ثمن ومثمن وشرطه:
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٤٠٢) (١٥٣٨٨) و(٤٣٤/ ٣) (١٥٦٦١)، والبخاري (٣/ ٧٦) (٢٠٧٩)، ومسلم (٥/ ١٠) (٣٨٥٣).
(٢) المغني لابن قدامة (٤/ ٣)، دار الفكر، ١٤٠٥ هـ.
(٣) فتح الباري للحافظ ابن حجر (٤/ ٤٤٧).
[ ٣ / ١٠٢٣ ]
أن يكون طاهرا، منتفعا به، مقدورا على تسليمه، معلوما للمتبايعين، غير منهي عن بيعه.
٣ - ما ينعقد به البيع وهو الإيجاب والقبول وما شاركهما في الدلالة على الرضا كالمعاملات.
قال المصنف مفتتحا الباب بقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربواا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ليشير إلى حرمة الربا وإثم المعاملة فيه.
الربا: لغة: الزيادة ومنه قوله تعالى: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾ [النحل: ٩٢].
وفي الشرع: فضل مخصوص مستحق لأحد المتعاقدين، خال عما يقابله من العوض، أو الزيادة في أشياء مخصوصة (^١).
وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربواا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]، وقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربواا﴾ وهو أصل ما ذكره المصنف، ومن السنة حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (^٢)، وحديث ابن مسعود ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله» (^٣)، وفي لفظ: «وشاهديه وكاتبه» (^٤)، وحديث عبد الله بن
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/ ٣٤٨) (١٨/ ٢٦٢).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الوصايا، وكتاب الحدود، باب رمي المحصنات (٤/ ١٢) (٢٧٦٦)، ومسلم في كتاب الإيمان: باب بيان الكبائر وأكبرها (١٧٥).
(٣) البخاري (٢٠٨٦)، ومسلم (٥/ ٥٠) (٤١٠٠).
(٤) أخرجه أحمد (٣/ ٣٠٤) (١٤٣١٣)، وأبو داود (٣٣٣٣)، والترمذي (١٢٠٦)، وابن ماجه (٢٢٧٧)،.
[ ٣ / ١٠٢٤ ]
حنظلة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم، أشد من ست وثلاثين زنية» (^١).
وانعقد الإجماع على تحريمه فمن استحله كفر بلا خلاف (^٢)؛ وقال النووي: «أجمع المسلمون على تحريم الربا، وعلى أنه من الكبائر» (^٣).
ومن الوعيد في أكل الربا حديث سمرة بن جندب ﵁ في روايته حديث الذين رآهم النبي ﷺ في الرؤيا وفيه: «حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم على وسط النهر ورجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان … . إلى أن قال في «تفسيره» … والذي رأيته في النهر آكلوا الربا» (^٤).
• ربا النسيئة:
(وكان ربا الجاهلية)؛ أي: أهل الجاهلية وهي الأزمنة التي كانت قبل الإسلام (في الديون إما أن يقضيه) دينه (وإما أن يربي)؛ أي: يزيد (له فيه)؛ أي: ويؤخره، وسواء كانت الزيادة في القدر أو الصفة، روى الطبري عن السدي قال: «في قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم مؤمنين﴾: نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة، كانا شريكين في الجاهلية في الربا إلى أناس من ثقيف» (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٥) (٢٢٣٠٣)، قال الألباني: صحيح كما في الصحيحة (١٠٣٣) وغيرها.
(٢) مراتب الإجماع لابن حزم (٦٥)، وانظر: المقدمات مع المدونة (٣/ ١٦ - ٢١)، والمغني لابن قدامة (٤/ ٣).
(٣) المجموع للنووي (٩/ ٣٩١).
(٤) البخاري (١٣٢٠).
(٥) تفسير الطبري (٦/ ٧).
[ ٣ / ١٠٢٥ ]
وقال الجصاص: «الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل، بزيادة على مقدار ما استقرض، على ما يتراضون به … ومعلوم أن ربا الجاهلية كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلا من الأجل، فأبطله الله تعالى وحرمه» (^١).
والسنة المطهرة بينت أن «من زاد أو استزاد فقد أربى» (^٢).
وقال الرازي: «ربا النسيئة هو الأمر الذي كان مشهورا متعارفا عليه في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ويكون رأس المال باقيا، ثم إذا حل الدين طلبوا المديون برأس المال، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به». اه (^٣).
قال ابن المنذر: «أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة، أو هدية فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا» (^٤)
وقال القرطبي: «أجمع المسلمون نقلا عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا، ولو كان قبضة من علف كما قال ابن مسعود أو حبة واحدة» (^٥).
قال ابن رشد الجد في «مقدماته»: «وأما الربا في النسيئة فيكون في الصنف الواحد وفي الصنفين، أما الصنف الواحد فهو في كل شيء من جميع الأشياء، لا يجوز واحد باثنين من صنفه إلى أجل من جميع الأشياء» (^٦)
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٦٥ - ٤٦٧).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٤٩) (١١٤٨٦)، ورواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (٤٤/ ٥) (٤٠٦٩)
(٣) تفسير الرازي (٤/ ٩٢).
(٤) الإجماع لابن المنذر (ص ٣١) رقم (٥٨٠)، وانظر: المغني (٤/ ٣٦٩).
(٥) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/ ٢٤١).
(٦) مقدمات ابن رشد (٢/ ١٣ - ١٤).
[ ٣ / ١٠٢٦ ]
١ - التماثل في الجنس
• ربا الفضل:
(ومن الربا في غير النسيئة) بالمد والهمز كخطيئة (بيع الفضة بالفضة يدا بيد متفاضلا وكذلك منه بيع الذهب بالذهب) يدا بيد متفاضلا «ولا يجوز فضة بفضة، ولا ذهب بذهب إلا مثلا بمثل يدا بيد» لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز»، وفي لفظ: «إلا يدا بيد»، وفي لفظ: «مثلا بمثل سواء بسواء» (^١)، وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل» (^٢)
فلا بد من أمرين في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة:
١ - التماثل في الجنس بغير زيادة ولا نقصان، ويسقط هذا الشرط إذا اختلف الجنسان كذهب بفضة أو عملة ورقية كدينار بريال.
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٨٤٥)، والبخاري (٣/ ٩٧) (٢١٧٧)، ومسلم (٥/ ٤٢) (٤٠٥٩). ولا تشفوا: بضم أوله، وكسر الشين المعجمة، وتشديد الفاء؛ أي: لا تفضلوا بعضها على بعض. وهو رباعي من «أشف»، والشف - بالكسر: - الزيادة ويطلق على النقص أيضا، فهو من الأضداد.
(٢) مسلم (٤٠٧٣)، والنسائي (٧/ ٢٧٨)، وفي «الكبرى» (٦١١٧). فائدة: «الجنس: هو الشامل لأشياء مختلفة بأنواعها. والنوع الشامل لأشياء مختلفة بأشخاصها. وقد يكون النوع جنسا بالنسبة إلى ما تحته، نوعا بالنسبة إلى ما فوقه، والمراد هنا؛ الجنس الأخص، والنوع الأخص. فكل نوعين اجتمعا في اسم خاص، فهما جنس، كأنواع التمر، وأنواع الحنطة. فالتمور كلها جنس واحد؛ لأن الاسم الخاص يجمعها، وهو التمر، وإن كثرت أنواعه. وكل شيئين اتفقا في الجنس ثبت فيهما حكم الشرع بتحريم التفاضل، وإن اختلفت الأنواع من كتاب فقه البيع والاستيثاق لشيخنا الدكتور علي السالوس حفظه الله تعالى (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣) وانظر: كتاب شيخنا العلامة محمد محفوظ ولد المختار قال الشنقيطي: الموسوم بالتنكيل المشدد.
[ ٣ / ١٠٢٧ ]
٢ - القبض في المجلس قبل الافتراق
٢ - القبض في المجلس قبل الافتراق؛ فلا يباع غائب بناجز، ولا يتأخر القبض، فإن تأخر القبض فالصرف فاسد بغير خلاف.
(والفضة بالذهب ربا إلا يدا بيد)؛ أي: فيجوز ولو اختلفا في العدد ما دام القبض في المجلس، وهذا ما يسمى عند الفقهاء بالصرف لاختلاف الجنسين، وقد بينا الشرطين آنفا.
فالصرف لغة: مادته تدور على التقلب والتغير في الأشياء، قال في «اللسان»: «الصرف بيع الذهب بالفضة، وبالعكس، لأنه يتصرف به عن جوهر إلى جوهر» (^١).
وفي «الاصطلاح»: هو بيع الأثمان بعضها ببعض، والأحاديث في الباب كثيرة مشهورة منها حديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الذهب بالورق ربا، إلا هاء وهاء …»، «هاء وهاء» (^٢)؛ أي: خذ وهات، وفي الباب من حديث عبادة بن الصامت وغيره (^٣).
والنقود التي كانت موجودة في عصر الرسول ﷺ كانت من الذهب وهي الدينار، ومن الفضة وهو الدرهم. ومع مر القرون تطورت النقود وصار الأمر إلى ما نحن فيه، وأخذت النقود أحكام الذهب والفضة، كما هو عليه قرارات المجامع الفقهية المعاصرة، والعلماء المعتبرين (^٤).
«والصرف ثلاثة أنواع:
بيع عين بعين ليست من جنسها، وهو الأصل في معنى الصرف، وبيع الذهب
_________________
(١) لسان العرب، مادة: (صرف).
(٢) البخاري (٢١٧٤)، ومسلم (٤٠٦٤).
(٣) مسلم (٣/ ١٢١١) (٤١٤٧).
(٤) انظر: موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة والاقتصاد الإسلامي (ص ٧٩ - ٨٣) (٤٢٤ و٤٢٧) قرارات المجامع، وانظر: مبحث النقود في كتاب فقه البيع والاستيثاق لشيخنا الدكتور علي السالوس حفظه الله تعالى (٢/ ١٠٤١)، ط: مؤسسة الريان، وانظر: مبحث الصرف في كتاب المعاملات في الفقه المالكي أحكام وأدلة للشيخ الصادق الغرياني (٩٣ - ٩٤ فما بعدهما).
[ ٣ / ١٠٢٨ ]
بالذهب، وبيع الفضة بالفضة، ولهما أيضا حكم الصرف، مع أن علماءنا اصطلحوا على تسميتها (مراطلة) إذا كان بيع كل واحد منهما بجنسه وزنا، و(مبادلة) إن تم بيعهما عددا، وهذا مجرد اصطلاح فإن أحكام الصرف تشمل الجميع» (^١).
(والطعام من الحبوب) ذوات السنابل وهي القمح والشعير والسلت؛ وذوات الأغلاف وهي: الذرة، والدخن، والأرز، ومفاده أن القطنية ليست من الحبوب (و) من (القطنية) بكسر القاف وفتحها: الفول، والحمص، والبسيلة، والجلبان، والترمس، واللوبيا، والعدس (و) من (شبهها)؛ أي: القطنية (مما يدخر من قوت) وهو ما تقوم به البنية الآدمية كاللحم والسمن (أو إدام) كالعسل والخل (لا يجوز) خبر عن قوله والطعام؛ أي: الطعام كله لا يجوز (الجنس)؛ أي: بيع الجنس الواحد (منه بجنسه إلا مثلا بمثل يدا بيد، ولا يجوز فيه التأخير) (^٢) لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد، أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» (^٣).
وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد، أو استزاد، فقد أربى، إلا ما اختلفت ألوانه» (^٤)، وحديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء» (^٥).
_________________
(١) المعاملات في الفقه المالكي أحكام وأدلة للشيخ الفقيه الصادق الغرياني (٩٣)، ط: ابن حزم.
(٢) وانظر: التوضيح (٣٠٠)، من تحقيق: مختار قمري، جزء البيوع، جامعة أم القرى.
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٤٩) (١١٤٨٦)، ورواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (٥/ ٤٤) (٤٠٦٩)، والنسائي (٢٧٧)، وفي «الكبرى» (٦١١٣).
(٤) رواه مسلم (٤١٥٠).
(٥) تقدم تخريجه.
[ ٣ / ١٠٢٩ ]
(ولا يجوز طعام)؛ أي: بيعه (بطعام إلى أجل كان من جنسه أو من خلافه، كان مما يدخر أو لا يدخر) لدخول ربا النساء في كل المطعومات لحديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد» (^١)، وابن ماجة بنحوه وفي آخره: «وأمرنا أن نبيع البر بالشعير، والشعير بالبر يدا بيد كيف شثنا» (^٢).
لقد اتفق العلماء في الأعيان المنصوص عليها في الحديث واختلفوا فيما سواها، والذي ذهب إليه مالك رحمه الله تعالى أن العلة القوت، أو ما يصلح به القوت من جنس المدخرات.
ويشترط لصحة الصرف شرطان: القبض والمماثلة بين العوضين في الجنس الواحد، أما قبض العوضين في مجلس واحد فقد دلت عليه الأحاديث المتقدمة كحديث عبادة بن الصامت وغيره، وهو شرط صحة باتفاق العلماء قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: «أجمع كل من نحفظ عليه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد» (^٣).
ومن تأمل الحكمة الناتجة عن منع الصرف غيبا لوجدها للعيان ماثلة في أسواق (البورصة) اليوم وما ينتج عن تلك الصفقات الصرفية المؤجلة التسليم من مفاسد عند تغير السوق بين ثانية وأخرى تكون الخسارة بالملايين، فسبحان من شرع الشرع لكل زمان ومكان، فصدق به أهل الإيمان، وشكك فيه أهل النفاق والبهتان.
(ولا بأس)؛ أي: يجوز (بالفواكه والبقول، وما لا يدخر متفاضلا، وإن
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) ابن ماجه (٢٣٣٩).
(٣) الإجماع لابن المنذر (٩٢)، من مطبوعات رئاسة المحاكم القطرية، ١٤١١ هـ/ ١٩٩١ م.
[ ٣ / ١٠٣٠ ]
كان من جنس واحد) لأن علة الربا عند مالك الادخار والاقتيات فلا تجري الربا فيما ليس كذلك كالفواكه والبقول، (يدا بيد) لا نسيئة، لأن ربا النساء يدخل الطعام وإن لم يكن ربويا لقوله ﷺ في حديث عبادة السابق: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» فأجاز التفاضل ومنع النساء.
(ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد فيما يدخر من الفواكه اليابسة) كالجوز واللوز والبندق عند ابن نافع وابن حبيب لأن علة الربا عندهما الادخار للأكل لا للاقتيات، وهذه الأشياء تدخر للأكل، والمشهور جواز التفاضل فيه مناجزة لما تقدم من علة مالك.
وسائر الإدام والطعام والشراب مثل العسل والخل ممتنع فيها التفاضل لأنه يدخر للاقتيات (إلا الماء وحده) فإنه يجوز فيه التفاضل، ولا يجوز بيعه بالطعام إلى أجل على المشهور فيهما.
(وما اختلفت أجناسه من ذلك)؛ أي: من الشراب (ومن سائر الحبوب والثمار والطعام فلا بأس بالتفاضل فيه يدا بيد) لقوله ﷺ في حديث عبادة السابق: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد».
(ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه)؛ أي: من الطعام (إلا في الخضر والفواكه) شمل كلامه ما يدخر منها وما لا يدخر، وهو مخالف لقوله سابقا فيما يدخر من الفواكه اليابسة، لكن تقدم أن المشهور جواز التفاضل فيها، والفرق بين جواز ذلك في الخضر والفواكه وبين منعه في الطعام، أن الطعام فيه الاقتيات والادخار بخلاف هذا، فإن اتجر بعضه لا يقتات غالبا، ولما ذكر أن الجنس الواحد لا يجوز إلا مناجزة أراد أن يبين ما هو فقال:
(والقمح والشعير والسلت (^١) كجنس واحد فيما يحل منه ويحرم) لأنه مقتات تساوت منفعته فوجب أن يحرم فيه التفاضل كما لو كان برا كله أو
_________________
(١) نوع من الشعير ليس له قشر كأنه حنطة يوجد في اليمن.
[ ٣ / ١٠٣١ ]
شعيرا كله ولما رواه مالك في «الموطأ» حيث قال: «بلغني أن سليمان بن يسار قال: فني علف حمار سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال لغلامه: خذ من حنطة أهلك فابتع بها شعيرا ولا تأخذ إلا مثله» (^١)، وروي أيضا عن نافع عن سليمان بن يسار أنه أخبره أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فني علف دابته فقال لغلامه: «خذ من حنطة أهلك طعاما فابتع بها شعيرا ولا تأخذ إلا مثله»، وذكر بلاغا عن ابن معيقيب الدوسي مثل ذلك (^٢).
ولما في «صحيح مسلم» عن معمر بن عبد الله أنه أرسل غلامه بصاع قمح فقال: «بعه ثم اشتر به شعيرا، فذهب الغلام فأخذ صاعا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرا أخبره بذلك فقال له معمر لم فعلت ذلك؟ انطلق فرده ولا تأخذه إلا مثلا بمثل قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير قيل له: فإنه ليس بمثله، قال: إني أخاف أن يضارع (^٣)، هذا هو المشهور.
والصحيح كما قال ابن عبد السلام (^٤)، وغيره خلافه لقوله ﷺ: «البر بالبر، والشعير بالشعير، مثلا بمثل» ولقوله ﷺ: «لا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يدا بيد» (^٥)، وفي رواية تقدمت قريبا وأمرنا يعني النبي ﷺ: أن نبيع البر بالشعير، والشعير بالبر، يدا بيد كيف شئنا» فهذه صراحة لا تقبل التأويل، وأما حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ ومعمر فلا حجة فيهما لأنه لم يصرح فيهما بأنهما جنس واحد، وإنما فعلا ذلك تورعا واحتياطا أو تساهلا وتكرما فلا دليل فيه، ثم لو كان صريحا لما كان فيه دليل أصلا لمعارضته للمرفوع الثابت عن النبي ﷺ ولا معارضة بين مرفوع وموقوف.
_________________
(١) الموطأ (٢/ ٦٤٥) البيوع، باب: بيع الطعام بالطعام لا فضل بينهما (١٣٢١).
(٢) الموطأ (٢/ ٦٤٦) البيوع، باب: بيع الطعام بالطعام لا فضل بينهما (٣٩١).
(٣) أخرجه أحمد (٦/ ٤٠٠)، ومسلم (٤١٦٤).
(٤) انظر: التمهيد (١٩/ ١٧٨)، ومواهب الجليل (٤/ ٣٤٧)، والزرقاني (٥/ ٦٣)، وعنهم الغرياني (١٩٥) في المعاملات.
(٥) أخرجه أبو داود (٣٣٤٩)، والنسائي (٢/ ٢٢٢)، قال الألباني: وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، غير مسلم بن يسار المكي وهو ثقة عابد.
[ ٣ / ١٠٣٢ ]
(والزبيب كله) أعلاه وأدناه، أحمره وأسوده (صنف) واحد يجوز فيه التماثل، ويحرم فيه التفاضل (و) كذلك (التمر كله) على اختلاف أنواعه قديما وحديثا (صنف) واحد يجوز بيع بعضه ببعض متماثلا، ويحرم متفاضلا لحديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن رسول الله ﷺ: «استعمل رجلا على خيبر فجاءه بتمر جنيب فقال له رسول الله ﷺ: أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله ﷺ: لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا» (^١)، وقال في «الميزان» مثل ذلك (^٢).
(والقطنية أصناف في البيوع لاختلافها في الصورة والمنافع، وعدم استحالة بعضها إلى بعض، واختصاص بعض البلاد ببعضها دون بعض واختلف فيها قول مالك) فمرة قال: إنها جنس واحد لا يجوز التفاضل فيها لأنها تجمع في الزكاة وهي رواية ابن وهب، ومرة قال: هي أجناس مختلفة يجوز التفاضل فيها وهي رواية ابن القاسم.
(ولم يختلف قوله في الزكاة أنها صنف واحد) لتقارب منافعها واتفاق معظم الأغراض فيها كذا قالوا وهو تناقض وتضارب قال من أجله الباجي (^٣): والأظهر عندي لا يضاف إلى غيره في الزكاة والبيوع، لأننا إن عللنا الجنس بانفصال الحبوب بعضها من بعض اطرد ذلك فيها وانعكس وصح، وإن عللنا باختلاف الصور والمنافع صح والله أعلم.
ويقول التتائي: إنه احتياط للربا في البيوع، ولحظ الفقراء في الزكاة.
قال الغماري: «وهو كلام فاسد أيضا لأن الاحتياط للربا يقتضي أن تكون القطنية صنفا واحدا حتى لا يقع التفاضل المباح بين الأصناف
_________________
(١) الجمع والجنيب نوعان من أنواع التمر.
(٢) مالك «الموطأ» (١٨٢٥)، والبخاري (٢٢٠١ و٢٢٠٢)، ومسلم ٥/ ٤٧ (٤٠٨٦)، قال في الفتح: أي: والموزون مثل ذلك لا يباع رطل برطلين.
(٣) الباجي في المنتقى، (باب: ما لا زكاة فيه من الثمار).
[ ٣ / ١٠٣٣ ]
المتنوعة» (^١).
(ولحوم ذوات الأربع من الأنعام) الإبل والبقر والغنم (والوحش) كالغزال وبقر الوحش كله (صنف) واحد يجوز بيع بعضه ببعض متماثلا، ويحرم متفاضلا، لتشابه لحمها وتقارب منفعتها.
(ولحوم الطير كله) إنسيه ووحشيه وإن كان طير ماء (صنف) واحد، لتقاربها في الشبه والمنفعة، ومخالفة جميعها للحوم الأنعام في الصورة والمنفعة، (ولحوم دواب الماء كلها صنف) واحد لما مر في الصنفين قبلها (وما تولد من لحوم الجنس الواحد من شحم فهو كلحمه) فلا يباع شحم بهيمة الأنعام بلحمها إلا مثلا بمثل يدا بيد، ولا شحم الحوت بالحوت إلا مثلا بمثل يدا بيد لأنها متولدة عنها فلها حكم أصلها كشحم الخنزير لورود النص في اللحم (وألبان ذلك الصنف وجبنه وسمنه صنف) له حكم أصله كما في الذي قبله، وصنيع كلامه يقتضي جواز بيع بعضه ببعض متماثلا لأن ذلك شأن الصنف الواحد، وهو من مشكلات الرسالة، ولم يجزه مالك ولا أصحابه وقد أجاب عنه الجزولي بأن تقدير كلامه: وألبان ذلك الصنف صنف، وجبنه صنف، وسمنه صنف، فهؤلاء الأصناف الثلاثة يجوز بيع كل صنف بعضه ببعض متماثلا ولا يجوز متفاضلا.
• بيع الطعام قبل قبضه:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن ابتاع طعاما فلا يجوز بيعه قبل أن يستوفيه إذا كان شراؤه ذلك على وزن أو كيل أو عدد. بخلاف الجزاف وكذلك كل طعام أو إدام أو شراب إلا الماء وحده، وما يكون من الأدوية والزراريع التي لا يعتصر منها زيت فلا يدخل ذلك فيما يحرم من بيع الطعام قبل قبضه أو التفاضل في الجنس
_________________
(١) مسالك الدلالة (٢٦٠).
[ ٣ / ١٠٣٤ ]
الواحد منه، ولا بأس ببيع الطعام القرض قبل أن يستوفيه.
ولا بأس بالشركة والتولية والإقالة في الطعام المكيل قبل قبضه).
الشرح
(ومن ابتاع طعاما) ربويا كان أو غيره فلا يجوز بيعه قبل أن يستوفيه لحديث جابر ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ: «إذا ابتعت طعاما، فلا تبعه حتى تستوفيه» (^١)، وحديث ابن عباس ﵄، أنه قال: أما الذي نهى عنه النبي ﷺ: فهو الطعام أن يباع حتى يقبض، قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله» (^٢).
والنهي عن بيع الطعام قبل قبضه مقيد بما (إذا كان شراؤه)؛ أي: شراء المبتاع (ذلك) الطعام (على وزن، أو كيل، أو عدد) لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من اشترى طعاما بكيل أو وزن فلا يبعه حتى يقبضه»، وفي رواية: «نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه» (^٣)، وحديث جابر ﵁ «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، صاع البائع، وصاع المشتري» (^٤)، (بخلاف الجزاف) للتقييد بالمكيل والموزون في الأحاديث السابقة وقوله ﷺ: «حتى يستوفيه»، ولم يقل حتى ينقله أو يأخذه، فعلق هذا الحكم بما ثبت له حكم الاستيفاء وهو المكيل والموزون والمعدود، أما الجزاف فاستيفاؤه بتمام العقد، وليس فيه توفية أكثر من ذلك، ولاضطرار الناس وحاجتهم للبيع الجزاف أباحه الشارع واستثناه من الأصل العام في وجوب معرفة العدد أو الكيل أو الوزن، وله
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٣٢٧) (١٤٥٦٤)، ومسلم ٥/ ٩ (٣٨٤٥).
(٢) أحمد (١/ ٢١٥) (١٨٤٧)، والبخاري (٢٠٢٨)، والترمذي" (١٢٩١)، والنسائي (٧/ ٢٨٥).
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ١١١) (٥٩٠٠)، وأبو داود (٣٤٩٥)، والنسائي (٧/ ٢٨٦)، وفي الكبرى (٦١٥٣).
(٤) ابن ماجه (٢٢٢٨)، وحسنه الألباني.
[ ٣ / ١٠٣٥ ]
شروط سنذكرها لاحقا عند قوله: ولا بأس ببيع الجزاف بحول الله تعالى.
(وكذلك كل طعام) ربويا كان أو غير ربوي (أو إدام) كالشحم واللحم (أو شراب)، لا يجوز بيع شيء من ذلك حتى يستوفيه للأدلة السابقة في النهي عن بيع الطعام قبل استيفائه، والإدام والشراب مطعومان داخلان في النهي ولا يستثنى منه شيء (إلا الماء وحده) لعدم مشاحة الناس فيه، ولأنه ليس بطعام بدليل جواز بيعه بالطعام إلى أجل (وما يكون من الأدوية) كالعسل يركب مع غيره من العقاقير فيجعل دواء (والزراريع (^١) التي لا يعتصر منها زيت، فلا يدخل ذلك فيما يحرم من بيع الطعام قبل قبضه) لأنه ليس بطعام فلا يتناوله النهي الوارد عن الشارع ﷺ، وقوله: لا يعتصر … إلخ، يحترز به عن حب السمسم، والقرطم، وحب الفجل الأحمر، والزيتون فهذه لا يجوز بيعها قبل قبضها، وكذا مصلح الطعام كبصل وثوم وتابل كفلفل وكزبرة والكمونين أبيض وأسود، لأن هذه داخلة في الربويات الملحقة بالأربعة المطعومة في الحديث، أما التي لا يعتصر منها مما سوى ذلك (فلا يدخل ذلك فيما)؛ أي: الذي (يحرم من الطعام قبل قبضه أو) فيما يحرم (التفاضل في الجنس الواحد منه) لأنه ليس بمدخر ولا مقتات فلا تدخله الربا.
(ولا بأس ببيع الطعام القرض قبل أن يستوفيه) فيجوز للمقترض أن يبيعه قبل أن يستوفيه من المقرض وغيره شرط النقد، ولا يجوز لأجل لأنه إذا باعه للمقرض يكون من فسخ الدين في الدين، وإن باعه من غيره يكون من بيع الدين بالدين، ولأن الممتنع من بيع الطعام قبل قبضه ما توالى فيه بيعتان لم يتخللهما قبض وليس القرض كذلك
(ولا بأس بالشركة) في الطعام المكيل قبل قبضه، وهو أن يشرك غيره في البعض (والتولية فيه) وهو أن يولي ما اشتراه لآخر (و) كذا لا بأس ب (الإقالة في الطعام المكيل قبل قبضه) وهو أن يقيل البائع المشتري أو
_________________
(١) الصواب: الزرائع؛ لأن الواحدة زريعة بتخفيف الراء غير مشددة خلافا لما ينطق به العوام فإنه لحن.
[ ٣ / ١٠٣٦ ]
العكس، لما رواه سحنون في «المدونة» بسنده إلى سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ما كان من شركة أو تولية أو إقالة» (^١)، ولاجتماع أهل العلم على أنه لا بأس بالشركة والتولية والإقالة في الطعام قبل أن يستوفى إذا انتقد الثمن ممن يشركه أو يقيله أو يوليه كما قال مالك في «المدونة» (^٢).
• بيوع الغرر:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
وكل عقد بيع أو إجارة أو كراء بخطر أو غرر في ثمن أو مثمون أو أجل فلا يجوز.
ولا يجوز بيع الغرر، ولا بيع شيء مجهول، ولا إلى أجل مجهول. ولا يجوز في البيوع التدليس، ولا الغش، ولا الخلابة، ولا الخديعة، ولا كتمان العيوب، ولا خلط دنيء بجيد. ولا أن يكتم من أمر سلعته ما إذا ذكره كرهه المبتاع أو كان ذكره أبخس له في الثمن).
-الشرح
الغرر في اللغة؛ معناه: الخطر والتعرض للهلكة في النفس أو المال. واصطلاحا: هو التردد بين أمرين أحدهما موافق للغرض، والآخر على خلافه، والغرر في البيع يطلق في الغالب على بيع ما يجهله المتبايعان أو ما لا يوثق بتسلمه، وذلك كبيع المجهول الذي لا يعرف قدره وما لا يقدر على تسليمه فهو بهذا الوصف يقوم على المقامرة والخطر (^٣).
(وكل عقد بيع، أو إجارة، أو كراء بخطر أو غرر)؛ أي: وكان فيه خطر
_________________
(١) المدونة الكبرى (٨٤/ ٩/ ٥).
(٢) نفس المرجع.
(٣) انظر: المعاملات في الفقه المالكي للغرياني (٧١ و٢٤٩).
[ ٣ / ١٠٣٧ ]
أو غرر، فالخطر ما لم يتيقن وجوده كقوله: بعني فرسك بما أربح غدا، والغرر ما يتيقن وجوده وشك في سلامته كبيع الثمار قبل بدو صلاحها والنهي عن الغرر أصل عظيم من أصول الشرع.
قال القرافي: قاعدة الغرر ثلاثة أقسام:
متفق على منعه في البيع كالطير في الهواء.
ومتفق على جوازه كأساس الدار.
ومختلف فيه هل يلحق بالقسم الأول لعظمه، أو بالقسم الثاني لخفته أو للضرورة إليه كبيع الغائب على الصفة والبرنامج ونحوهما فعلى هاتين القاعدتين يتخرج الخلاف في البراءة (^١).
والحاصل: أن المعاملات المحرمة ترجع إلى ضوابط، أعظمها الثلاثة
الآتية: -
الأول: الربا بأنواعه الثلاثة، ربا الفضل، وربا النسيئة، وربا القرض.
الثاني: الجهالة والغرر، ويدخل فيها جزئيات كثيرة، وصوره متعددة.
الثالث: الخداع والتغرير، ويشمل أنواعا متعددة (^٢).
وقال في «التلقين»: ويجمع بيع الغرر ثلاثة أوصاف.
أحدهما: تعذر التسليم غالبا.
والثاني: الجهل
والثالث: الخطر والقمار (^٣).
(في ثمن، أو مثمون، أو أجل فلا يجوز) مثاله في الثمن: أن يشتري منه سلعة ببعيره الشارد أو سيارته المسروقة، ومثاله في المثمون: أن يشتري منه
_________________
(١) الذخيرة للقرافي (٥/ ٩٤).
(٢) انظر: تيسير العلام (٢/ ١٢٦)، ط: دار الفيحاء، دمشق، ١٤٢٤ هـ ٢٠٠٤ م الطبعة الرابعة.
(٣) التلقين للقاضي عبد الوهاب المالكي (المتوفى: ٤٢٢ هـ)، (٢/ ١٥٠) تحقيق: محمد بوخبزة، الناشر: دار الكتب العلمية، ط: الأولى، ١٤٢٥ هـ/ ٢٠٠٤ م.
[ ٣ / ١٠٣٨ ]
عبده الآبق أو صقره المفقود، ومثاله في الأجل: أن يشتري منه سلعة إلى قدوم زيد، ولا يدري متى يقدم، لحديث أبي هريرة ﵁: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر» (^١).
وبيع الحصاة هو أن يقول (^٢): بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه هذه الحصاة ويرمي الحصاة، وقيل: هو أن يجعل نفس الرمي بيعا. وحديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر» (^٣)، وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص» (^٤).
والحكمة في النهي عن الغرر: ما قد يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل، وقد نبه النبي ﷺ على هذا بقوله ﷺ في بيع الثمار قبل بدو صلاحها، أو قبل أن توجد «أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه» (^٥). (ولا يجوز بيع الغرر، ولا بيع شيء مجهول، ولا إلى أجل مجهول) للأحاديث المذكورة فهذا مكرر مع ما قبله.
(ولا يجوز في البيوع التدليس) وهو كتمان العيب لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه عيب إلا بينه له» (^٦).
_________________
(١) مسلم (٣٨٠٠)، وأبو داود (٣٣٧٦).
(٢) التوضيح على جامع الأمهات (٥/ ٣٤٦) مركز نجبيويه.
(٣) أخرجه أحمد (١/ ٣٨٨) (٣٦٧٦).
(٤) أخرجه أحمد (٣/ ٤٢) (١١٣٩٧)، والترمذي (١٥٦٣) بعضه، وابن ماجه (٢١٩٦) واللفظ له.
(٥) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٨٠٨)، البخاري (١٤٨٨)، ومسلم (٣٩٧٨).
(٦) أخرجه أحمد (٤/ ١٥٨) (١٧٥٨٨)، وابن ماجه (٢٢٤٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (١٠٥١٥)
[ ٣ / ١٠٣٩ ]
(ولا الغش) وهو خلط الشيء بما ليس منه كاللبن بالماء والسمن بالشحم وهو أيضا شامل للتدليس، حيث يظهر البائع ما يوهم الجودة ويخفي ضدها، قال تعالى: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ [المطففين: ١ - ٣]، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» قال أصابته السماء يا رسول الله، قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني» (^١)، وحديث ابن عمر ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ بطعام وقد حسنه صاحبه، فأدخل يده فيه، فإذا طعام رديء فقال: «بع هذا على حدة، وهذا على حدة، فمن غشنا فليس منا» (^٢)، وحديث ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من غشنا فليس منا، والمكر والخديعة في النار» (^٣).
وقد صار التعامل بالغش والخديعة دين كثير من ضعاف الإيمان لا سيما وقد كثرت البضائع وتنوعت جودة ورداءة غلاء ورخصا، فتجد الثعلب الآدمي الماكر يغلف البضاعة الرديئة بعلب الدولة المتميزة بالجودة، فينفق سلعته بهذه الطريقة الكاذبة فيزهق أرواحا، وينشئ في أموال الناس وأنفسهم أتراحا، فإنا لله وإنا إليه راجعون في زمن صار ينعت فيه الكافر بالصدق والأمانة، والمسلم بالغش والخيانة.
(ولا الخلابة) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وهي الخديعة بالكذب في الثمن كأن يقول له: أنا أخذتها بعشرين دينارا وأنقص لك من ذلك لحديث ابن عمر ﵁ أن رجلا ذكر للنبي ﷺ، أنه يخدع في البيوع،
_________________
(١) مسلم (١٩٧)، وأبو داود (٣٤٥٢)، الترمذي (١٣١٥)، ابن ماجه (٢٢٢٤).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٥٠) (٥١١٣)، والمجمع (٤/ ٧٨). صحيح لغيره.
(٣) أخرجه ابن حبان (٥٥٥٩)، والطبراني في (الكبير) (١٠٢٣٤)، وفي «الصغير»، له (٧٢٥)، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/ ١٨٨ - ١٨٩)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (٢٥٣) و(٢٥٤)، وهو حديث قوي بطرقه.
[ ٣ / ١٠٤٠ ]
فقال: «إذا بايعت فقل: لا خلابة» (^١)، وحديث أنس ﵁ أن رجلا على عهد رسول الله ﷺ كان يبتاع وكان في عقدته؛ يعني: في عقله ضعف، فأتى أهله النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، احجر عليه، فدعاه نبي الله ﷺ، فنهاه، فقال: يا رسول الله، إني لا أصبر عن البيع، فقال: «إذا بايعت فقل هاء وهاء، ولا خلابة» (^٢)
(ولا الخديعة) وهي أن يخدعه بالكلام حتى يوقعه مثل أن يقول له: اشتر مني وأنا أرخص لك. لحديث ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «من غشنا فليس منا، والمكر والخديعة في النار» (^٣)
(ولا خلط دنيء بجيد) كخلط حنطة دنيئة بجيدة. لما سبق في التدليس ولحديث واثلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من باع عيبا لم يبينه، لم يزل في مقت الله، ولم تزل الملائكة تلعنه» (^٤)
(ولا) يجوز أن يكتم من أمر سلعته ما؛ أي: شيئا (إذا ذكره كرهه المبتاع) كثوب لميت، أو لمجذوم (أو كان ذكره أبخس له)؛ أي: للبائع (في الثمن) كالثوب الجديد إذا كان نجسا أو مغسولا.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
ولا تفيت الرباع حوالة الأسواق.
ولا يجوز سلف يجر منفعة.
ولا يجوز بيع وسلف، وكذلك ما قارن السلف من إجارة أو كراء.
والسلف جائز في كل شيء إلا في الجواري، وكذلك تراب الفضة.
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٩٩٩)، والبخاري (٣/ ٨٥) (٢١١٧)، ومسلم (٥/ ١١) (٣٨٥٥).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٢١٧) (١٣٣٠٩)، وأبو داود (٣٥٠١)، والترمذي (١٢٥٠)، وصححه.
(٣) تقدم قريبا تخريجه.
(٤) ابن ماجه (٢٢٤٧)، وقال الشيخ الألباني: «ضعيف». انظر: حديث رقم (٥٥٠١) في ضعيف الجامع.
[ ٣ / ١٠٤١ ]
ولا تجوز الوضيعة من الدين على تعجيله، ولا التأخير به على الزيادة فيه، ولا تعجيل عرض على الزيادة فيه إذا كان من بيع. ولا بأس بتعجيله ذلك من قرض إذا كانت الزيادة في الصفة. ومن رد في القرض أكثر عددا في مجلس القضاء فقد اختلف في ذلك إذا لم يكن فيه شرط ولا وأي ولا عادة: فأجازه أشهب، وكرهه ابن القاسم ولم يجزه، ومن عليه دنانير أو دراهم من بيع أو قرض مؤجل فله أن يعجله قبل أجله وكذلك له أن يعجل العروض والطعام من قرض لا من بيع).
الشرح
(ولا تفيت الرباع حوالة الأسواق) الرباع: جمع ربع، وهو البناء كالدار والحانوت والحمام ونحوها.
الغالب في شراء العقار أن يكون للقنية فلا يطلب فيه كثرة الثمن ولا قلته بخلاف غيره، وقد ذهب ابن وهب إلى فواته بحوالة الأسواق كما في شرح ابن ناجي، قال في «مسالك الدلالة» عن استثناء الرباع من الفوات اعتمادا على ما مر من التعليل: «هي تعليلات فارغة، والحق أن هذه آراء متناقضة متضاربة لا تتمشى مع معقول ولا منقول، وليست من شرع الله ورسوله في ورد ولا صدر». اه.
قال زروق ﵀: قاعدة: المسألة أن ما كان شأنه أن يتخذ للأسواق كالعروض والحيوان الرقيق تفيته الأسواق، وما شأنه أن لا يتخذ للأسواق كالرباع والعقار لا تفيته، وما تردد بينهما كالطعام فقولان.
• ما لا يجوز من البيوع في صفقة واحدة:
(ولا يجوز سلف يجر منفعة) السلف؛ أي: القرض وليس المقصود به هنا السلم، لحديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كل قرض جر منفعة فهو ربا» ضعيف (^١) لكن له شواهد منها عن فضالة بن عبيد موقوفا قال: «كل
_________________
(١) بغية الحارث (١/ ١٤٢) لكنه ساقط الإسناد؛ لأنه من رواية سوار بن مصعب وهو=
[ ٣ / ١٠٤٢ ]
قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا» (^١)، وحديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله: «إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبه ولا يقبلها إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك» (^٢).
(و) كذا (لا يجوز بيع وسلف)، قال ابن العربي: ويركب على هذا الحديث أصل بديع من أصول المالكية وهو أن: كل عقدين يتضادان وضعا، ويتناقضان حكما لا يجوز اجتماعهما (^٣)، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحل سلف وبيع» (^٤)، وصورة ذلك أن تبيع سلعتين بدينارين إلى شهر مثلا ثم تشتري واحدة منهما بدينار نقدا، فكأن البائع خرج من يده سلعة ودينار نقدا، يأخذ عنهما عند الأجل دينارين، أحدهما: عوض عن السلعة وهو بيع، والثاني: عوض عن الدينار المنقود وهو سلف، ومن صوره قرض الرديء لأخذ الجيد، وقرض البعيد ليحط عن نفسه كلفة النقل لمحله الذي يسكن فيه، ونحو ذلك فهذا من النفع المترتب على القرض إلا إذا لم يقصده، والله أعلم بالمقاصد، فعن مالك؛ أنه بلغه أن عمر بن الخطاب، قال في رجل أسلف رجلا طعاما على أن يعطيه إياه في بلد آخر. فكره ذلك عمر بن الخطاب. وقال: فأين الحمل؟ يعني حملانه (^٥).
وقد جمعت العقود الممنوعة في صفقة واحدة في رمز (جص مشنق) في البيتين التاليين:
عقود منعناها مع البيع ستة … ويجمعها في اللفظ جي مشنق
_________________
(١) = متروك، وضعفه الألباني في الإرواء (٥/ ٢٥٣)، وانظر: حديث رقم (٤٢٤٤) في ضعيف الجامع.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (٥/ ٣٥٠).
(٣) رواه ابن ماجه (٢٤٢٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» وسنده ضعيف أيضا. كما قال الألباني في الإرواء (١٤٠٠).
(٤) المسالك (٦/ ١٤٤).
(٥) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٤) (٦٦٢٨)، وأبو داود (٣٥٠٤)، والترمذي (١٢٣٤)،.
(٦) الموطأ (٢٥١٠).
[ ٣ / ١٠٤٣ ]
فجعل وصرف والمساقاة شركة … نكاح قراض منع هذا محقق (^١)
(وكذلك) لا يجوز (ما قارن السلف من إجارة أو كراء) بشرط السلف لأنهما من ناحية بيع. ولا خصوصية لهما بذلك بل النكاح والشركة والقراض والمساقاة والصرف، لا يجوز شرط السلف مع واحد منها. وملخصه أن كل عقد معاوضة يمتنع جمعه مع السلف.
(والسلف) في اللغة: القطع، والقرض وهو دفع المال على وجه القربة لله تعالى لينتفع به آخذه ثم يرد له مثله (^٢).
وسمي المال الذي يأخذه المقترض بالقرض لأن المقرض يقطعه قطعة من ماله (جائز)؛ أي: مندوب إليه مرغب فيه، لما فيه من إيصال النفع للمقترض وتفريج كربته. وهو قربة يتقرب بها إلى الله سبحانه، لما فيه من الرفق بالناس، والرحمة بهم، وتيسير أمورهم، وتفريج كربهم.
وإذا كان الإسلام ندب إليه وحبب فيه بالنسبة للمقرض فإنه أباحه للمقترض، ولم يجعله من باب المسألة المكروهة لأنه يأخذ المال لينتفع به في قضاء حوائجه ثم يرد مثله، ودليله الكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقضايا رسول الله ﷺ في السلف الواقع منه ومن غيره في عصره كثيرة شهيرة يأتي بعضها، فعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة» (^٣). وعن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ: «رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا جبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة؟ قال: لأن السائل يسأل
_________________
(١) حاشية العدوي (٢/ ١٦٤).
(٢) وانظر: الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (٢/ ١١٢٢)، تحقيق: فرحات فقد نبه الشارح الى تعريفه.
(٣) رواه ابن ماجه (٢٤٣٠)، وقال في الزوائد: هذا إسناده ضعيف. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم (٥٧٦٩) في صحيح الجامع.
[ ٣ / ١٠٤٤ ]
وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة» (^١).
وقد يعرض له ما يقتضي وجوبه أو حرمته كمن يستقرض من أجل ارتكاب الحرام ويجوز القرض (في كل شيء) يحل تملكه ولو لم يصح بيعه، فيدخل جلد الميتة المدبوغ، ولحم الأضحية، والثياب، والحيوان، فقد ثبت «أن الرسول ﷺ استلف بكرا» (^٢)، كما يجوز قرض ما كان مكيلا أو موزونا، أو ما كان من عروض التجارة.
كما يجوز قرض الخبز والخمير، لحديث عائشة ﵂: «قلت: يا رسول الله، إن الجيران يستقرضون الخبز والخمير، ويردون زيادة ونقصانا، فقال: «لا بأس. إنما ذلك من مرافق الناس، لا يراد به الفضل»» (^٣).
وعن معاذ أنه سئل عن اقتراض الخبز والخمير فقال: «سبحان الله، إنما هذا من مكارم الأخلاق، فخذ الكبير وأعط الصغير، وخذ الصغير وأعط الكبير، خيركم أحسنكم قضاء. سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك».
عقد القرض: وعقد القرض عقد تمليك لأنه ينقل الملكية للمقترض، وله أن يستهلك العين، ويتعهد برد المثل لا العين، والمقترض ضامن للقرض إذا أتلف أو هلك أو ضاع، يستوي في هذا تفريطه وعدم تفريطه (^٤). ولا يتم إلا ممن يجوز له التصرف، ولا يتحقق إلا بالإيجاب والقبول (^٥) كعقد البيع والهبة. وينعقد بلفظ القرض والسلف، وبكل لفظ يؤدي إلى معناه.
_________________
(١) سنن ابن ماجه (٢٤٣١)، باب: القرض.
(٢) البخاري (٢١٨٢)، وأخرجه مسلم في المساقاة، باب من استلف شيئا فقضى خيرا منه رقم (١٦٠١).
(٣) أورده ابن قدامة في المغني (٤/ ٣٥٩)، وضعفه الألباني في الإرواء وقال: رواه أبو بكر في الشافى (ص ٣٤٩). انظر: الإرواء (٥/ ٢٣٢): ضعيف. وأخرجه ابن الجوزي في «التحقيق» (٢ - ١/ ٢٦/ ٣). وقال الحافظ ابن عبد الهادى في «تنقيح التحقيق» (٣/ ١٩١): «هذا الحديث غير مخرج في شيء من الكتب الستة، قال شيخنا: في إسناده من يجهل حاله».
(٤) موسوعة القضايا المعاصرة للشيخ السالوس (١٢٠).
(٥) انظر: فقه السنة (١٠/ ١٤٦).
[ ٣ / ١٠٤٥ ]
وعند المالكية أن الملك يثبت بالعقد ولو لم يقبض المال، ويجوز للمقترض أن يرد مثله أو عينه، سواء أكان مثليا أم غير مثلي، ما لم يتغير بزيادة أو نقص، فإن تغير وجب رد المثل (^١).
والقاعدة تقول: القرض يقضى بمثله لا بقيمته.
وقال مالك: يجوز اشتراط الأجل، ويلزم الشرط. فإذا أجل القرض إلى أجل معلوم تأجل، ولم يكن له حق المطالبة قبل حلول الأجل، لقول الله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ولما رواه عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «المسلمون عند شروطهم» (^٢).
وتبعا للقاعدة الفقهية القائلة: كل قرض جر نفعا فهو ربا.
والحرمة مقيدة هنا بما إذا كان نفع القرض مشروطا أو متعارفا عليه؛ فإن لم يكن مشروطا ولا متعارفا عليه، فللمقترض أن يقضي خيرا من القرض في الصفة أو يزيد عليه في المقدار، أو يبيع منه داره إن كان قد شرط أن يبيعها منه، وللمقرض حق الأخذ دون كراهة، لحديث أبي رافع ﵁: أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكرا، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا، فقال: «أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء» (^٣). وقال جابر بن عبد الله: «كان لي على النبي ﷺ دين، فقضاني وزادني» (^٤).
_________________
(١) الذخيرة للقرافي (٥/ ٩٧).
(٢) البخاري تعليقا، باب: أجر السمسرة من كتاب الإجارة، وأبو داود (٣٥٩٦)، والترمذي (١٣٥٢)، وابن ماجه (٢٣٥٣).
(٣) البخاري (٢١٨٢)، وأخرجه مسلم في المساقاة، باب: من استلف شيئا فقضى خيرا منه رقم ١٦٠١).
(٤) البخاري (٤٣٢)، ومسلم (١٦٨٩).
[ ٣ / ١٠٤٦ ]
• التعجيل بقضاء الدين قبل الموت:
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله ﵃ قال: «كان رسول الله ﷺ لا يصلي على رجل مات وعليه دين، فأتي بميت، فقال: «أعليه دين؟» قالوا: نعم، ديناران، قال: «صلوا على صاحبكم» فقال أبو قتادة الأنصاري: هما علي يا رسول الله، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ، فلما فتح الله على رسول الله ﷺ، قال: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك دينا فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته» (^١).
• استحباب إنظار المعسر:
يقول الله سبحانه: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة: ٢٨٠] وعن عبد الله بن أبي قتادة، أن أبا قتادة طلب غريما له، فتوارى عنه، ثم وجده، فقال: «إني معسر، فقال: الله؟ قال: الله، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر، أو يضع عنه» (^٢).
وهكذا فقد تبين لك أن القرض حسن في كل شيء (إلا في الجواري) فإنه لا يجوز لأنه يؤدي إلى إعارة الفروج، إلا أن يكون القرض لامرأة أو كانت في سن من لا توطأ، فإنه يجوز، كما قيد به اللخمي وغيره (^٣). (وكذلك تراب الفضة) قال الفاكهاني: لا يجوز قرضه لأن فيه جهلا وغررا لعدم انحصار وصفه. وهو ساقط في بعض الروايات.
• ضع وتعجل:
(ولا تجوز الوضيعة من الدين على تعجيله) على المشهور (^٤)، وقد
_________________
(١) البخاري (٣/ ١٢٤) (٢٢٨٩)، ومسلم (٤١٦٦)، وأبو داود (٢٧١٠) واللفظ له.
(٢) مسلم (٥/ ٣٣) (٤٠٠٥)، وفي (٥/ ٣٤) (٤٠٠٦) في فضل إنظار المعسر.
(٣) التوضيح على جامع الأمهات (٦/ ٦٢).
(٤) الذخيرة للقرافي (٥/ ١١ - ١٢).
[ ٣ / ١٠٤٧ ]
ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم وضع قدر من الدين نظير التعجيل بالقضاء قبل الأجل المتفق عليه. فمن أقرض غيره قرضا إلى أجل، ثم قال المقرض للمقترض: أضع عنك بعض الدين نظير أن ترد الباقي قبل الأجل فإنه يحرم.
وصورتها: أن يكون لرجل على آخر دين إلى أجل مثل أن يكون عليه مائة درهم إلى شهر فيقول له رب الدين: عجل لي خمسين وأنا أضع عنك خمسين. وإنما امتنع هذا لأن من عجل شيئا قبل وجوبه مسلفا، فكأن الدافع أسلف رب الدين خمسين ليأخذ من ذمته إذا حل الأجل مائة ففيه سلف بزيادة، فإن وقع ذلك رد إليه ما أخذه منه، فإذا حل الأجل أخذ منه جميع ما كان له أولا وهو المائة، ويروى عن ابن عباس وزفر جواز ذلك (^١)، لما رواه ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ لما أمر بإخراج بني النضير، جاءه ناس منهم، فقالوا: يا نبي الله، إنك أمرت بإخراجنا، ولنا على الناس ديون لم تحل، فقال رسول الله ﷺ: «ضعوا وتعجلوا» (^٢).
أما عامة الصحابة والتابعين ﵃ والأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء تعالى على خلافه. وروى عبد الرزاق عن ابن المسيب وابن عمر ﵃ قالا: «من كان له حق على رجل إلى أجل معلوم، فتعجل بعضه وترك له بعضه، فهو ربا، قال معمر: ولا أعلم قبلنا إلا وهو يكرهه» (^٣).
باب ما جاء في الربا في الدين كما في «الموطأ»: قال مالك رحمه الله تعالى: «والأمر المكروه الذي لا اختلاف فيه عندنا أن يكون للرجل على الرجل الدين إلى أجل فيضع عنه الطالب ويعجله المطلوب، وذلك عندنا بمنزلة الذي يؤخر دينه بعد محله عن غريمه ويزيده الغريم في حقه. قال: فهذا
_________________
(١) بداية المجتهد (٢/ ١٤٤)، مصطفى الحلبي وأولاده.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٢/ ٦٢) رقم (٢٣٢٥)، والبيهقي في السنن (٦/ ٢٨) (١٠٩٢٠)، والدارقطني (٣/ ٤٦) (١٩٠)، وفي إسناده اضطراب، وقد ضعف لأن في إسناده مسلم بن خالد الزنجي، وهو ثقة إلا أنه سيئ الحفظ.
(٣) في مصنفه (٨/ ٧١).
[ ٣ / ١٠٤٨ ]
الربا بعينه لا شك فيه، قال مالك في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل فإذا حلت قال له الذي عليه الدين بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقدا بمائة وخمسين إلى أجل هذا بيع لا يصلح، ولم يزل أهل العلم ينهون عنه، قال مالك: وإنما كره ذلك لأنه إنما يعطيه ثمن ما باعه بعينه ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكر له آخر مرة ويزداد عليه خمسين دينارا في تأخيره عنه فهذا مكروه ولا يصلح وهو أيضا يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهلية إنهم كانوا إذا حلت ديونهم قالوا للذي عليه الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي فإن قضى أخذوا وإلا زادوهم في حقوقهم وزادوهم في الأجل» (^١). وأورد حديثين عن صحابيين جليلين: زيد بن ثابت، وابن عمر، فعن عبيد أبي صالح مولى السفاح أنه قال: «بعت برا لي من أهل دار نخلة إلى أجل ثم أردت الخروج إلى الكوفة فعرضوا علي أن أضع عنهم بعض الثمن وينقدوني فسألت عن ذلك زيد بن ثابت فقال: لا آمرك أن تأكل هذا ولا توكله» (^٢)؛ وعن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر ﵁: «أنه سئل عن الرجل يكون له الدين على الرجل إلى أجل فيضع عنه صاحب الحق ويعجله الآخر فكره ذلك عبد الله بن عمر ونهى عنه» (^٣). ولابن عباس ﵄ قول مخالف يقتضي جوازه (^٤).
• الزيادة مقابل الأجل:
(و) كذلك (لا) يجوز (التأخير به)؛ أي: بالدين (على الزيادة فيه) كما كانت الجاهلية تفعله لأن فيه سلفا بزيادة، وتسمى هذه المسألة: أخرني وأزيدك، مثل أن يقول من عليه الدين عند حلول أجل الدين: أخرني وأنا أعطيك أكثر مما لك علي. وهو من ربا الجاهلية كما مر، ولما رواه مالك في
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ٤١٠)، باب: ما جاء في الربا في الدين
(٢) الموطأ (٢٤٤٨).
(٣) الموطأ (٢٤٧٩)، وانظر: بداية المجتهد (٢/ ١٤٤).
(٤) عبد الرزاق في المصنف (٨/ ٧٣) رقم (١٤٣٦٠).
[ ٣ / ١٠٤٩ ]
«الموطأ» عن زيد بن أسلم أنه قال: «كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل قال: أتقضي أم تربي؟ فإن قضى وإلا زاده في حقه، وأخر عنه في الأجل» (^١).
(و) كذلك (لا) يجوز (تعجيل عرض) على الزيادة فيه (إذا كان من بيع) لأنه من باب حط الضمان وأزيدك مثال ذلك: أن يكون لك على رجل مائة ثوب موصوفة فيقول لك: خذ ثيابك فتقول له: اتركها عندك لا حاجة لي بها الآن.
فيقول من هي عليه: خذها وأزيدك عليها خمسة مثلا لأن تلك الخمسة في مقابلة إسقاط الضمان عنه. ولأنه من أكل المال بالباطل والله تعالى يقول: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨]، (ولا بأس بتعجيل ذلك) العرض بشرطين أحدهما: (إذا كان العرض من قرض، والآخر: إذا كانت الزيادة في الصفة) مثل أن تكون الثياب دنيئة فيقول: أعطيك أجود منها إن تعجلتها لأن النبي ﷺ استقرض سنا - من الإبل - فأعطى سنا خيرا من سنه وقال: «خياركم أحاسنكم قضاء» (^٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وقد مضى حديث استلافه البكر وقضائه خيرا منها كما في الصحيحين وهو أصل الحديث المذكور هنا (^٣).
(ومن رد في القرض أكثر عددا في مجلس القضاء) وهو الوقت الذي يقضيه فيه سواء كان قبل الأجل أو بعده (فقد اختلف في) جواز ذلك إذا لم يكن فيه:
١ - (شرط) مثل أن يقول: لا أسلفك إلا أن تزيدني على ما أسلفتك،
٢ - (و) أن (لا) يكون فيه (وأي) بفتح الواو وسكون الهمزة الوعد،
٣ - (و) أن (لا) تكون (عادة) خاصة بالمستقرض بأن يزيد عند القضاء أم لا (فأجازه أشهب) ووجه الجواز للأحاديث السابقة وحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال:
_________________
(١) الموطأ (٢٤٨٠).
(٢) أحمد (١٠٦٠٩)، والترمذي (١٣١٦).
(٣) وانظر: التوضيح على جامع الأمهات (٥/ ٣٠٢) المحقق: د. أحمد بن عبد الكريم نجيب للناشر: مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث، الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م.
[ ٣ / ١٠٥٠ ]
«أتيت النبي ﷺ وكان عليه دين فقضاني وزادني» (^١)، وهو ظاهر في الزيادة في العدد، بل وقع في رواية عند مسلم والبيهقي وأرسل - يعني النبي ﷺ إلى بلال فقال: «أعطه أوقية من ذهب وزده»، قال: فأعطاني أوقية من ذهب، وزادني قيراطا … الحديث (^٢)، فهذه صريحة في الزيادة في العدد قال ابن عمر: ظاهر كلام المصنف أن أشهب يجيز مطلقا قلت الزيادة أو كثرت. والمنصوص لأشهب فيما قل مثل زيادة الدينار في المائة والإردب في المائة. ويحتمل أن يكون لأشهب قول عام في القليل والكثير، (وكرهه ابن القاسم) كراهة تحريم على المشهور. ولعله لم يقف على الحديث، فقوله: (ولم يجزه) توكيد.
(ومن عليه دنانير أو دراهم من بيع) مؤجل (أو) من (قرض مؤجل فله)؛ أي: لمن عليه الدنانير أو الدراهم (أن يعجله)؛ أي: يعجل ما عليه (قبل أجله) لأن الحق في الأجل له فإذا أسقط حقه لزم المقرض قبوله وأجبر على ذلك.
(وكذلك له)؛ أي: لمن عليه دين أن يعجل العروض والطعام من قرض لا من بيع فلا يلزم صاحب الدين والعرض والطعام قبوله قبل الأجل لأن الأجل في عرض البيع ومنه السلم من حقهما، فإذا عجله من عليه لا يلزم صاحبه ولو قرب الأجل كاليوم واليومين.
• النهي عن بيع الحب والثمر قبل بدو صلاحه:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا يجوز بيع ثمر أو حب لم يبد صلاحه ويجوز بيعه إذا بدا صلاح بعضه، وإن نخلة من نخيل كثيرة).
_________________
(١) البخاري (٤٣٢) في الصلاة، وفي الاستقراض، ومسلم (١٦٨٩).
(٢) أخرجه مسلم (٥/ ٥٢) (٤١٠٨)، وأبو داود (٢٠٤٨)، وأخرجه البخاري، تعليقا، (٢٧١٨) (٣/ ٢٤٨)
[ ٣ / ١٠٥١ ]
الشرح
(ولا يجوز بيع ثمر) ذات الأشجار كبلح وعنب ما دامت خضراء (أو حب لم يبد صلاحه) كقمح وفول لما فيه من الجهل والغرر والمخاطرة، لحديث ابن عمر ﵄: «أن رسول الله ﷺ، نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع» (^١)، وحديث أنس ﵁ ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد» (^٢)، وفي حديث آخر عن أنس ﵁: وقال ﷺ: «إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك؟» (^٣)، وعدم الجواز لعدم الانتفاع به شرعا في البيع قبل بدو صلاحه، وبدو صلاح البلح أن يحمر أو يصفر. وأما بدوه في نحو العنب فظهور الحلاوة، وبدو صلاح الحب أن ييبس فلو عقد عليه قبل ذلك فسخ، إلا أن يكون القصد منه حصاده أخضر فيجوز تبعا.
(ويجوز بيعه)؛ أي: الثمر (إذا بدا)؛ أي: ظهر (صلاح بعضه، وإن نخلة) واحدة (من نخيل كثيرة) لقوله ﷺ في الأحاديث السابقة: «لا تبيعوا الثمرة حتى يبدو صلاحها» وبدو الصلاح ظهوره، فإذا ظهر في البعض يطلق عليه في اللغة والعرف أنه قد بدا صلاح هذا الثمر، ولو أراد ﷺ صلاح الجميع لقال حتى يصلح جميعه، ولأن جميع الثمار يبدو صلاح بعضه ثم يتتابع صلاحه شيئا فشيئا فلا يصلح آخره إلا ولو ترك أوله لفسد وضاع، وهو خلاف المقصود مع النهي عن إضاعة المال كما في الصحيح، ولأن العمل جار بهذا في كل زمان منذ عصره ﷺ في جميع أقطار أهل الإسلام.
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٨٠٧)، والبخاري (٣/ ١٠٠) (٢١٩٤)، ومسلم (٥/ ١١) (٣٨٥٧)
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٢٢١) (١٣٣٤٧)، وأبو داود (٣٣٧١)، وابن ماجه (٢٢١٧)، والترمذي (١٢٢٨)، قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث حماد بن سلمة.
(٣) مالك (١١٢٨)، والبخاري (٢٠٤٨)، ومسلم (٢٩٠٧).
[ ٣ / ١٠٥٢ ]
ما لم تكن باكورة وهي التي تسبق بالزمن الطويل بحيث لا يحصل معه تتابع الطيب فهذه لا يجوز بيع الحائط بطيبها ويجوز بيعها وحدها.
قال القرافي: فرع في «الجواهر»: إذا اشترى الثمرة قبل الزهو والشجر في صفقتين فإن بدأ بالشجر صح وله الإبقاء إلا أنه منتفع بملك نفسه ومنع المغيرة وغيره سدا للذريعة، ولو باع الشجر وحده ولم يشترط قطع الثمرة صح لأن المبيع هو الشجر ولا محذور فيه.
فرع: قال: بدو الصلاح في البعض كاف لأن الغالب التقارب (^١).
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن ابتاع عبدا فوجد به عيبا فله أن يحبسه ولا شيء له أو يرده ويأخذ ثمنه إلا أن يدخله عنده عيب مفسد فله أن يرجع بقيمة العيب القديم من الثمن أو يرده ويرد ما نقصه العيب عنده، وإن رد عبدا بعيب وقد استغله فله غلته).
الشرح
(ومن ابتاع عبدا) أو غيره (فوجد به عيبا) يمكن التدليس فيه (فله)؛ أي: للمبتاع الخيار بين أن يحبسه ولا شيء له في مقابلة العيب الذي وجده (أو يرده ويأخذ ثمنه) لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر» (^٢)، وأشبه العبد الحيوان في التملك والبيع والهبة وغير ذلك، والتقييد بما يمكن التدليس فيه، احترازا مما لا يمكن التدليس به إما لظهوره كالعور، وإما لخفائه كالجوز يكسره فيجده فارغا، فإنه لا كلام للمشتري (إلا أن يدخله)؛ أي: المبيع (عنده)؛ أي: المبتاع (عيب مفسد)؛ أي: منقص من الثمن كثيرا (فله)؛ أي: للمبتاع (أن
_________________
(١) الذخيرة للقرافي (٥/ ١٩٠).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٤٢٤)، والبخاري (٢١٤٨)، ومسلم (٣٨٠٩).
[ ٣ / ١٠٥٣ ]
يرجع) على البائع بقيمة العيب القديم من الثمن الذي أخذه (أو يرده)؛ أي: المبيع ويرد معه ما نقصه العيب الحادث (عنده) للحديث المذكور، ووجه الدليل منه أن المشتري لما أتلف اللبن وبقي سائر الحيوان جعل له النبي ﷺ الخيار بين أن يغرم ما أتلف ويرد الحيوان أو يمسكه، ولقول مالك في «الموطأ»: إنه الأمر المجتمع عليه عند علماء المدينة، ولأن البائع قد دلس بعيب والمشتري قد حدث عنده عيب بغير تدليس منه وكل واحد منهما غير راض لما كان عند صاحبه من العيب فلما تعارض الحقان كان أولاهما بالرد المشتري لأنه لم يوجد منه تدليس ولا تعمد (وإن رد المبتاع (عبدا) أو غيره بسبب عيب (و) الحال أنه قد استغله) غلة غير متولدة كالخدمة (فله غلته) إلى حين الفسخ ولا يلزمه شيء لذلك لقوله ﵊: «الخراج بالضمان» (^١). وفي رواية مسلم بن خالد الزنجي: أن رجلا اشترى عبدا فاستغله، ثم وجد به عيبا فرده، فقال: يا رسول الله: إنه قد استغل غلامي. فقال رسول الله ﷺ: «الخراج بالضمان» (^٢)
قال بعضهم: معنى ذلك أن المبيع إذا كان في ضمان المشتري فغلته له، فإذا فسخ فالغلة حينئذ للبائع كالغلة المتولدة كالولد.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والبيع على الخيار جائز.
إذا ضربا لذلك أجلا قريبا إلى ما تختبر فيه تلك السلعة أو ما تكون فيه المشورة.
ولا يجوز النقد في الخيار ولا في عهدة الثلاث ولا في المواضعة بشرط.
والنفقة في ذلك والضمان على البائع.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ٤٩)، وأبو داود (٣٥٠٨)، وابن ماجه (٢٢٤٢)، والترمذي (١٢٨٥)، وصححه، والنسائي (٧/ ٢٥٤).
(٢) رواه ابن ماجه (٢٢٤٣)، وحسنه الألباني.
[ ٣ / ١٠٥٤ ]
وإنما يتواضع للاستبراء الجارية التي للفراش في الأغلب أو التي أقر البائع بوطئها، وإن كانت وخشا ولا تجوز البراءة من حملها (^١) إلا حملا ظاهرا.
والبراءة في الرقيق جائزة مما لم يعلم البائع).
الشرح
• بيع الخيار وأنواعه:
تعريف الخيار الخيار في اللغة: اسم مصدر من الاختيار وهو الاصطفاء، والانتقاء، والفعل منهما اختار. وقول القائل: أنت بالخيار، معناه: اختر ما شئت.
والخيار في الاصطلاح له تعاريف كثيرة إلا أنها في الغالب تناولت هذا اللفظ مقرونا بلفظ آخر لأنواع الخيارات دون أن يقصد بالتعريف «الخيار» عموما، على أنه يمكن استخلاص تعريف للخيار من حيث هو من خلال تعاريف أنواع الخيار بأن يقال: هو حق العاقد في فسخ العقد أو إمضائه، لظهور مسوغ شرعي أو بمقتضى اتفاق عقدي (^٢).
• وأقسام بيع الخيار سبعة وهي:
١ - خيار المجلس: هو حق المتعاقدين في إمضاء البيع أو فسخه ما داما لم يتفرقا بالأبدان عند الشافعية والحنابلة، والأقوال عند المالكية والأحناف.
٢ - خيار الشرط: ويسمى خيار التروي، وهو ما يشترطه أحد العاقدين أو كلاهما عند العقد لينظر هل يمضي في البيع أو يتركه وذلك خلال مدة معلومة لا يجوز له أن يتجاوزها، وعند مالك يثبت هذا الخيار بالشرط أو
_________________
(١) (من الحمل): في نسختي (الحلبي) و(الغرب).
(٢) الموسوعة الفقهية الكويتية (١٦/ ١١٣).
[ ٣ / ١٠٥٥ ]
بالعادة فإذا أثبت الناس بالعادة خيارا في سلعة معينة، فإن المعروف عرفا كالمشروط شرطا (^١).
٣ - خيار الغبن: ويسمى خيار النقص، والمغبون المنقوص في الثمن
في البيع والشراء، فإذا كان من البائع فالنقص في الثمن حقيقي، وإن كان من المشتري فالنقص في أنه لا يقابل جزءا من الثمن بشيء من المبيع وذلك في تلقي الركبان، والنجش، والمسترسل الذي جهل القيمة، ولا يحسن المماكسة.
٤ - خيار العيب: هو أن يكون لأحد العاقدين الحق في فسخ العقد أو إمضائه إذا وجد عيبا في أحد البدلين، حيث يقتضي العرف سلامة المبيع منها غالبا ولم يكن صاحبه عالما به وقت العقد. فإذا لم تتوافر السلامة اختل رضا العاقد بالعقد، والرضا أساس العقود، فشرع له الخيار لتدارك الخلل الحادث، ويجب الفسخ فورا فإن تمادى سقط الخيار (^٢).
٥ - خيار التدليس: وهو إخفاء العيب في السلعة أو ما يفعله البائع في السلعة مما هو كمال عادة ولا يقصد منه سوى تضليل المشتري.
٦ - خيار الخبير بالثمن: وهو أن يخبر البائع المشتري بالثمن وذلك خاص ببيوع الأمانة (الوضيعة، والتولية، والتشريك، والمرابحة).
٧ - خيار الرؤية: تعريفه: هو إثبات حق المشتري في إمضاء العقد أو فسخه عند رؤية المعقود عليه إذا لم يكن رآه عند العقد أو قبله (^٣).
(والبيع على الخيار) من البائع أو المبتاع أو كل منهما (جائز) لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على
_________________
(١) حاشية الدسوقي (٩١ - ١٠٨)، ومواهب الجليل (٤/ ٤٠٩ - ٤٢٧). انظر: مناقشة بيع الخيار في المذهب المالكي مع المذاهب الأخرى في كتاب فقه المعاملات للشيخ العلامة محمد إدريس الأثيوبي الجزائري رحمه الله تعالى (١٤٥ فما بعدها).
(٢) المهذب (١/ ٢٧٤)، حاشية الدسوقي (٣/ ١٢٧).
(٣) حاشية الدسوقي (٣/ ٢٥)، انظرها بتوسع في: الموسوعة (١٦/ ١١٣)، وفي المعاملات في الفقه المالكي للغرياني (١٣٧).
[ ٣ / ١٠٥٦ ]
صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار (^١)؛ ومعناه على تأويل مالك وأصحابه أن المتساومين لهما الخيار قبل الإيجاب، فإذا انعقد البيع بينهما لزم إلا إذا اشترطا الخيار فيثبت لهما الخيار على حسب ما شرطا (^٢)، وشرط الجواز (إذا ضربا لذلك أجلا) ويشترط في الأجل أن يكون (قريبا) ونهايته إلى (ما تختبر فيه تلك السلعة أو) إلى (ما تكون فيه المشورة) والمشورة تكون في قلة الثمن أو كثرته وفي الإقدام على الشراء أو على البيع، والاختبار يكون في حال السلعة وهو مختلف باختلافها فالخيار في الدابة ونحوها كالسيارة ثلاثة أيام ونحوها؛ وفي الرقيق خمسة أيام والجمعة لاختبار حاله وعمله؛ وفي الدار الشهر ونحوه.
ولأن الخيار في البيع أصله غرر، وإنما جوزته السنة لحاجة الناس إلى ذلك، لأن المشتري قد لا يحسن الشراء ولا الوقوف على حقيقة ما اشتراه من جودة وسلامة وغير ذلك فيحتاج إلى مشورة واختبار، وإذا كانت العلة حاجة الناس إلى ذلك فالواجب أن تقدر بقدر ما يحصل المقصود لأن فيما زاد على ذلك ضررا على البائع وتفويتا لمصلحته وتضييعا لماله وذلك ممنوع.
(ولا يجوز النقد في) بيع (الخيار) إذا كان باشتراط من البائع (ولا في) البيع على (عهدة الثلاث) وهي بيع الرقيق على أن يكون الضمان على البائع فيما يظهر فيه من العيوب مدة ثلاثة أيام بعد العقد.
(ولا) يجوز أيضا النقد (في) بيع الأمة (المواضعة) وهي أن توقف الجارية العلية أو التي أقر البائع بوطئها على يد أمين رجل له أهل، أو امرأة حتى يتبين هل رحمها مشغول أم لا. وإنما يمتنع النقد في هذه المسائل لثلاث إذا كان بشرط النقد لأنه تارة يصير بيعا، وتارة سلفا فهو متردد بين السلفية والثمنية.
_________________
(١) الموطأ (١٣٤٩)، وخرجه البخاري في: ٣٤ كتاب البيوع: ٤٤ باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا (٢٠٠٥)، ومسلم (٥/ ٩).
(٢) شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ٤٠٦).
[ ٣ / ١٠٥٧ ]
وكذلك لا يجوز تقديم الثمن في بيع الغائب على الصفة لأن للمشتري الخيار إذا رآه فوجده على خلاف ما وصف له، ومنها بيع الأرض التي لم يؤمن ريها.
(والنفقة في ذلك)؛ أي: في بيع الخيار وعلى عهدة الثلاث وعلى المواضعة (والضمان على البائع)؛ أي: إذا لم يظهر كذب المشتري ولكن لا بد من حلفه ولو غير متهم، والفقهاء لم يتنازعوا في كون النفقة على البائع، أما الضمان ففيه اختلاف فقيل: الضمان من البائع إن اشترط هو الخيار، وعلى المشتري إن كان الخيار منه، (وإنما يتواضع) وجوبا (للاستبراء) جاريتان الجارية (التي) تكون (للفراش في الأغلب) وإن لم يعترف البائع بوطئها إذ الغالب فيمن هي كذلك الوطء فنزل الأغلب منزلة المحقق احتياطا للفروج (أو) الجارية (التي أقر البائع بوطئها وإن كانت وخشا (^١» خشية أن تكون حملت فترد، (ولا تجوز البراءة من الحمل) إذا كانت الأمة علياء ولم يطأها البائع، فلو تبرأ من حملها فسخ البيع (إلا) أن يكون الحمل (حملا ظاهرا) فيجوز حينئذ اشتراط البراءة من حملها، والتقييد بالعلياء احتراز من الوخش فإنه يجوز اشتراط البراءة من حملها مطلقا سواء كان الحمل ظاهرا أم لا (والبراءة في الرقيق جائزة) لحديث يحيى بن سعيد عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ﵄ باع غلاما له بثمانمائة درهم وباعه بالبراءة فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: «بالغلام داء لم تسمه لي فاختصما إلى عثمان بن عفان بالبراءة فقضى عثمان بن عفان على عبد الله بن عمر أن يحلف له لقد باع العبد وما به داء يعلمه فأبي عبد الله أن يحلف وارتجع العبد فصح عنده فباعه عبد الله بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم» (^٢)؛ فهذا حكم عثمان وإقرار عبد الله بن عمر ﵃ إياه ولم يعلم لهما مخالف من الصحابة، وفيه دليل على البراءة مما لم يعلم دون ما علم ولذلك استحلف عثمان عبد الله بن عمر أنه
_________________
(١) الوخش: الرديء من كل شيء، وقد يثنى أنشد الجوهري للكميت: تلقى الندى … ومخلدا حليفين ليسا من الوكس ولا بوخشين تاج العروس.
(٢) الموطأ (١٢٧٤)، باب العيب في الرقيق.
[ ٣ / ١٠٥٨ ]
لم يعلم العيب ليحكم له بعدم الرد، فلما امتنع من ذلك حكم عليه بالرد لعدم ثبوت جهل البائع بالعيب شرعا لا بالنسبة لابن عمر لأن الأحكام يراعى فيها حال العموم لا حال الأفراد.
وظاهره أن غير الرقيق لا تجوز فيه البراءة، وهو المشهور، والجواز مقيد بشيئين أحدهما أشار إليه بقوله: (ما لم يعلم به البائع) أما إذا علم أن به عيبا وتبرأ منه فلا يفيده والآخر أن تطول إقامته عنده. أما إذا اشترى عبدا مثلا فباعه بقرب ما اشتراه وشرط البراءة فإنه لا ينتفع بذلك.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا يفرق بين الأم وولدها في البيع حتى يثفر. وكل بيع فاسد فضمانه من البائع، فإن قبضه المبتاع فضمانه من المبتاء من يوم قبضه، فإن حال سوقه أو تغير في بدنه فعليه قيمته يوم قبضه ولا يرده، وإن كان مما يوزن أو يكال فليرد مثله).
الشرح
(ولا يفرق) بمعنى لا يجوز أن يفرق بين الأم لكن من النسب فقط (وبين ولدها في البيع) سواء كانا مسلمين أو كافرين أو أحدهما مسلما والآخر كافرا، لعموم حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» (^١)، وحديث أبي موسى ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ من فرق بين الوالدة وولدها، وبين الأخ وبين أخيه» (^٢)، والتقييد بالأم من النسب احتراز من الأم من الرضاع فإن التفرقة بينها وبين الولد جائزة وبفقط احتراز من غير
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٤١٢)، والترمذي (١٢٨٣، ١٥٦٦)، وقال الترمذي: «حسن غريب»، وفي الباب عن علي ﵁. تنبيه: أخرجه البيهقي ٩/ ١٢٦ منقطعا، وانظر: انتقاد الألباني للغماري في خلطه بين حديثي أبي أيوب وأبي موسى (٣٠٠١) السلسلة الضعيفة.
(٢) ابن ماجه (٢٢٥٠)، والدارقطني (٢٥٥) (٣/ ٦٧).
[ ٣ / ١٠٥٩ ]
الأم كالأب، فإن التفرقة بينه وبين الولد جائزة والمنع من التفرقة مغيا بغاية وهي (حتى يثغر) بضم الياء وسكون المثلثة وكسر الغين المعجمة بمعنى حتى تسقط أسنانه لاستغنائه عن أمه، وللإجماع على العمل بالحديث المتقدم إذا كان الولد طفلا لم يبلغ سبع سنين حكاه ابن المنذر في الإشراف (^١)، وما زاد على السبع ففيه خلاف، لكن الحديث مطلق فلا ينبغي تقييده إلا بتوقيف وهو نقل ابن يونس عن ابن عبد الحكم. وعلى القول بالجواز إذا أثغر جازت التفرقة حينئذ لاستغنائه عن أمه في أكله وشربه ومنامه.
(وكل بيع فاسد) سواء فسد لعقده أو ثمنه أو مثمونه أو أجله كالبيع وقت نداء الجمعة (فضمانه من البائع) لأنه على ملكه لم ينتقل إلى ملك المشتري، ويجب فسخه إن لم يفت لحديث أبي قلابة، قال: كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث، قال: قالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث، فجلس، فقلت له: حدث أخانا حديث عبادة بن الصامت، قال: نعم، غزونا غزاة وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت، فقام، فقال: «إني سمعت رسول الله ﷺ: ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد، أو ازداد، فقد أربى»، فرد الناس ما أخذوا (^٢)، وعن سليمان بن أبي مسلم، قال: سألت أبا المنهال، عن الصرف، يدا بيد، فقال: اشتريت أنا وشريك لي شيئا يدا بيد ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب، فسألناه، فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم وسألنا النبي ﷺ عن ذلك فقال: «ما كان يدا بيد، فخذوه وما كان نسيئة فذروه» (^٣)، (فإن قبضه)؛ أي: المبيع بيعا فاسدا (المبتاع فضمانه من
_________________
(١) الإشراف (١٩٣٠).
(٢) مسلم (١٥٨٧).
(٣) البخاري (٢٤٩٧).
[ ٣ / ١٠٦٠ ]
(المبتاع) لأنه لم يقبضه على جهة أمانته، وإنما قبضه على جهة التمليك، هكذا علله عبد الوهاب (^١). قال الفاكهاني: وفي تعليله من الاضطراب كما لا يخفى حيث جعل فيما تقدم البيع الفاسد غير ناقل، وفي هذا جعله ناقلا. ويمكن الجواب بأن قوله: إنما قبضه على جهة التمليك؛ أي: بحسب زعمه، فلما قبضه على جهة التمليك بحسب زعمه وتعدى وأخذه ضمن وإن لم ينتقل له الملك بحسب نفس الأمر وحيث قلنا يضمنه المشتري (^٢)، فإنه يكون (من يوم قبضه) لا من يوم عقده، وإنما يضمن يوم العقد ما يكون صحيحا (فإن فات المبيع بيعا فاسدا بأن حال عليه (سوقه)؛ أي: تغير. بزيادة في الثمن أو نقص فيه (أو تغير في بدنه)؛ أي: في نفسه بزيادة أو نقص فإن كان مقوما (فعليه قيمته) بلغت ما بلغت ولو كانت أكثر من الثمن (يوم قبضه) لا يوم الفوات ولا يوم الحكم ولا يرده)؛ أي: لا يلزمه رد المقوم إذا كان موجودا.
(وإن كان) مثليا (مما يوزن أو يكال) أو يعد (فليرد مثله) فإن تعذر المثلي فالقيمة كثمر فات أبانه وتعتبر القيمة يوم التعذر.
• أنواع من البيوع المنهي عنها:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا يجوز بيع ما في الأنهار والبرك من الحيتان.
ولا بيع الجنين في بطن أمه، ولا بيع ما في بطون سائر الحيوانات، ولا بيع نتاج ما تنتج الناقة، ولا بيع ما في ظهور الإبل. ولا بيع الآبق والبعير الشارد. ونهي عن بيع الكلاب، واختلف في بيع ما أذن في اتخاذه منها، وأما من قتله فعليه قيمته. ولا يجوز بيع اللحم بالحيوان من جنسه. ولا بيعتان في بيعة، وذلك أن يشتري سلعة إما بخمسة نقدا أو عشرة إلى أجل قد لزمته بأحد الثمنين).
_________________
(١) الإشراف للقاضي عبد الوهاب (٢/ ٥٥٣).
(٢) الثمر الداني (١/ ٥٠٥).
[ ٣ / ١٠٦١ ]
الشرح
(ولا يجوز بيع ما في الأنهار) جمع نهر بفتح الهاء وسكونها (و) لا بيع ما في (البرك) بكسر الباء جمع بركة بكسر الباء أيضا (من الحيتان) لحديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تشتروا السمك في الماء؛ (^١) فإنه غرر».
والغرر فيه من جهتين عدم التسليم وكونه يقل ويكثر.
قال الحافظ: فشراء السمك في الماء نوع من أنواع الغرر، ويلتحق به الطير في الهواء، والمعدوم المجهول والآبق ونحو ذلك، قال النووي: النهي عن بيع الغرر أصل من أصول البيع فيدخل تحته مسائل كثيرة جدا، ويستثنى من بيع الغرر أمران: أحدهما: ما يدخل في المبيع تبعا فلو أفرد لم يصح بيعه.
والثاني: ما يتسامح بمثله إما لحقارته أو للمشقة في تمييزه وتعيينه، فمن الأول بيع أساس الدار والدابة التي في ضرعها اللبن والحامل.
ومن الثاني: الجبة المحشوة والشرب من السقاء. قال: وما اختلف العلماء فيه مبني على اختلافهم في كونه حقيرا أو يشق تمييزه أو تعيينه فيكون الغرر فيه كالمعدوم فيصح البيع وبالعكس. اه (^٢).
(و) كذا (لا) يجوز (بيع الجنين في بطن أمه) آدمية أو غيرها للغرر لأنه لا يدرى أحي هو أو ميت ناقص أو تام ذكر أو أنثى لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع … الحديث» (^٣). فقوله: (ولا بيع ما في بطون سائر الحيوان)؛ أي: لا يجوز تكرار؛ (و) كذا (لا) يجوز (بيع نتاج) بكسر النون (ما تنتج الناقة) بضم التاء الأولى من الفعل وفتح الثانية على ما لم يسم فاعله لما صح من
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ٣٨٨)، انظر: الفتح الرباني (١٥/ ٣٤).
(٢) الفتح باب بيع الغرر (٤/ ٣٥٧)، دار المعرفة.
(٣) أحمد (١١٣٧٧)، وابن ماجه (٢١٩٦)، وقال الألباني والأرنؤوط: ضعيف.
[ ٣ / ١٠٦٢ ]
حديث ابن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع حبل الحبلة» (^١). وحبل الحبلة: «أن تنتج الناقة ما في بطنها، ثم تحمل التي نتجت» (^٢)، وفي رواية: «نهى عن بيع حبل الحبلة وكان بيعا يتبايعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها» (^٣)، ولا يخفى ما في هذا من شدة الغرر لأنه إذا امتنع بيع الجنين فكيف بجنين الجنين؟ وحاصله أن الحبلة اسم لما في البطن وحبلها ولد ذلك الذي في البطن.
(و) كذا (لا) يجوز (بيع ما في ظهور الإبل) لحديث ابن عمر ﵂ قال: «نهى النبي ﷺ عن ثمن عسب الفحل» (^٤)، (وعسب الفحل) بيع ماء الذكر من الإبل أو البقر أو أخذ أجرة على ضرابه؛ أي: تلقيحه؛ وحديث جابر ﵁ «أن النبي ﷺ نهى عن بيع ضراب الفحل» (^٥)، وروى مالك في «الموطأ» عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى أنه قال: «لا ربا في الحيوان، وإنما نهى من الحيوان عن ثلاثة: عن المضامين، والملاقيح، وحبل
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٩٠٨)، والبخاري (٣/ ٩١ (٢١٤٣)، ومسلم (٥/ ٣) (٣٨٠١)، وأبو داود (٣٣٨٠)، والترمذي (١٢٢٩).
(٢) أبو داود (٣٣٨٣)، وصححه الألباني.
(٣) هو حديث ابن عمر السابق. حبل الحبلة: بفتح الحاء والباء فيهما. و«الحبلة» جمع «حابل» كظالم وظلمة وكاتب وكتبة وأكثر استعمال الحبل للنساء خاصة والحمل لهن ولغيرهن من إناث الحيوان الجزور: هو البعير ذكرا كان أو أنثى وجمعه جزر وجزائر. تنتج: بضم التاء الأولى وإسكان النون وفتح التاء الثانية وبعدها جيم معناه: تلد. وهو آت على صيغة المبنى للمجهول دائما. وقد أسند إلى الناقة. الجاهلية: يطلق هذا الاسم على الزمن الذي قبل الإسلام وأهله مشتق من الجهل لغلبته عليهم، تنتج التي في بطنها: يريد بيع نتاج النتاج؛ أي: بيع أولاد أولادها، وذلك بأن ينتظر أن تلد الناقة فإذا ولدت أنثى ينتظر حتى تشب ثم يرسل عليها الفحل فتلقح فله ما في بطنها.
(٤) البخاري (٢١٦٤)، وأبو داود (٣٤٢٩)، والترمذي (١٢٧٣).
(٥) مسلم (٤٠٨٨)، النسائي (٧/ ٣١٠). عسب الفحل: ماؤه، والمنهي عنه هو ثمنه، والأجر الذي يؤخذ عليه، وإلا فإعارته حلال، وإطراقه مباح جائز، والعسب أيضا: الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل، تقول: عسب فحله يعسبه عسبا؛ أي: أكراه، وعسب الفحل أيضا: ضرابه.، نطرق: إطراق الفحل: إعارته للضراب.
[ ٣ / ١٠٦٣ ]
الحبلة، والمضامين: بيع ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح بيع ما في ظهور الجمال» (^١). قال ابن ناجي: إن كان النزو (^٢) مضبوطا بمرات أو زمان جاز. وروى ابن حبيب كراهته للنهي عنه. (و) كذا (لا) يجوز بيع (الآبق) في حال إباقه للغرر المنهي عنه. لحديث أبي سعيد ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، …» (^٣)، وأما إن كان حاضرا وبين له غاية إباقه جاز؛ أي: غايته باعتبار الزمان كأن يقول له: غاية إباقه أربعة أيام مثلا، وباعتبار المكان كأن يقول: إن غاية إباقه إلى تلمسان مثلا.
(و) كذا (لا) يجوز بيع (البعير الشارد) للغرر لعدم القدرة عليه. (ونهى عن بيع الكلاب) المنهي عن اتخاذها وهو المشهور (^٤)، قال في «البيان» وهو المعلوم من قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وأشار بذلك لحديث أبي مسعود عقبة بن عمرو ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن» (^٥)، وحديث ابن عباس ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، وإن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا» (^٦)، وعن رافع بن خديج ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثمن الكلب خبيث …» (^٧).
_________________
(١) الموطأ (١٣٣٤)، وانظر: شرح الزرقاني (٣/ ٣٨٥)، والبيهقي (١٠٨٣١)، وانظر: التوضيح على جامع الأمهات (٥/ ٣٤٧).
(٢) النزو: الوثبان ومنه: نزو التيس. ولا يقال ينزو إلا في الدواب والشاء والبقر في معنى السفاد. لسان العرب.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) التوضيح على جامع الأمهات (٥/ ٢٠٨)، وانظر: حاشية الدسوقي (٣/ ١١).
(٥) أخرجه مالك في «الموطأ» ٤٠٧، والبخاري (٢٢٣٧)، ومسلم (٤٠١٤)، وفي (٤٠١٥)
(٦) إسناده حسن: أخرجه أحمد (٢٣٥/ ١) (٢٠٩٤) (١/ ٣٥٥) (٣٣٤٤)، وأبو داود (٣٤٨٢)
(٧) مسلم (٥/ ٣٥) (٤٠١٧). ومهر البغي: بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتية فعيل بمعنى فاعل يستوي فيه المذكر والمؤنث هو ما تأخذه المرأة على فرجها، =
[ ٣ / ١٠٦٤ ]
(واختلف في) جواز (ما أذن في اتخاذه منها)؛ أي: من الكلاب للحراسة والصيد في جوازه ومنعه على قولين مشهورين. قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله﴾ [المائدة: ٤] دلت الآية على جواز اتخاذ الكلاب واقتنائها للصيد، وثبت ذلك في صحيح السنة وزادت الحرث والماشية؛ كما في حديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اقتنى كلبا إلا كلب صيد، أو ماشية، فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان» (^١)، وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أمسك كلبا، فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط، إلا كلب حرث أو ماشية»، قال ابن سيرين، وأبو صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «إلا كلب غنم أو حرث أو صيد»، وقال أبو حازم: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «كلب صيد أو ماشية» (^٢)؛ قال الزهري: وذكر لابن عمر قول أبي هريرة ﵃ فقال: «يرحم الله أبا هريرة، كان صاحب زرع»؛ فقد دلت السنة على ما ذكرنا، وجعل النقص من أجر من اقتناها على غير ذلك من المنفعة؛ إما لترويع الكلب المسلمين وتشويشه عليهم بنباحه.
أو أنه يمنع لمنع دخول الملائكة البيت أو لنجاسته على ما يراه الشافعي، أو لاقتحام النهي عن اتخاذ ما لا منفعة فيه؛ والله أعلم.
وقال في إحدى الروايتين: (قيراطان) وفي الأخرى (قيراط) وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب أحدهما أشد أذى من الآخر؛ كالأسود الذي أمر ﵊ بقتله، ولم يدخله في الاستثناء حين نهى عن قتلها فقال: «عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين، فإنه شيطان» (^٣).
_________________
(١) = وسمي مهرا مجازا لكونه على صورته، وحلوان الكاهن: بضم الحاء ما يأخذه على كهانته، شبه بالشيء الحلو من حيث إنه يأخذه بلا مشقة.
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٧٧٧)، والبخاري (٣/ ١٣٦) (٢٣٢٣)، ومسلم (٥/ ٣٨) (٤٠٤١)
(٣) البخاري (٢٣٢٢)، ومسلم (٤٠٣٦).
(٤) أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٣) (١٤٦٢٩)، ومسلم (٥/ ٣٦) (٤٠٢٥).
[ ٣ / ١٠٦٥ ]
ويحتمل أن يكون ذلك لاختلاف المواضع، فيكون ممسكه بالمدينة مثلا أو بمكة ينقص قيراطان، وبغيرهما قيراط؛ والله أعلم.
وأما المباح اتخاذه فلا ينقص أجر متخذه كالفرس والهر، ويجوز بيعه وشراؤه، حتى قال سحنون: ويحج بثمنه، وكلب الماشية المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يسرح معها لا الذي يحفظها في الدار من السراق، وكلب الزرع هو الذي يحفظه من الوحوش بالليل والنهار لا من الشراق؛ وقد أجاز غير مالك اتخاذها لسراق الماشية والزرع والدار في البادية (^١). وورد من طرق متعددة أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب كما في «الصحيحين» (^٢).
لطيفة: نقل ابن القيم عن شيخه رحمهما الله جميعا: «إذا كانت الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أو صورة، فكيف تلج معرفة الله ﷿ ومحبته وحلاوة ذكره، والأنس بقربه في قلب ممتلئ بكلاب الشهوات وصورها» قال ابن القيم: «هذا من إشارة اللفظ الصحيحة» (^٣).
(وأما من قتله)؛ أي: المأذون في اتخاذه (فعليه قيمته) على تقدير جواز بيعه (^٤). وأما غير المأذون في اتخاذه فلا قيمة فيه (^٥)، قال عطاء والنخعي: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره «لنهي رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد» (^٦).
(و) كذا (لا) يجوز بيع اللحم بالحيوان لنهيه ﵊ عن
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ٧٤).
(٢) رواه البخاري (٤/ ١٣٨) (٣٢٢٥)، ومسلم (٦/ ١٥٧) (٥٥٧٠ و٥٥٧١)، وأبو داود (٤١٥٣)
(٣) مدارج السالكين (٢/ ٤١٨).
(٤) الفتح (٤/ ٤٢٥)، وتحفة الأحوذي (٤/ ٤١٤).
(٥) التوضيح على جامع الأمهات (٥/ ٢٠٨).
(٦) رواه النسائي عن جابر ﵁. قال الحافظ: ورجال إسناده ثقات إلا أنه طعن في صحته «الفتح» (٤/ ٤٢٦).
[ ٣ / ١٠٦٦ ]
ذلك، لحديث سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ "نهى عن بيع الحيوان باللحم" (^١) قال ابن عبد البر هذا أحسن أسانيده (^٢)، وعن القاسم بن أبي أبزة عنه قال: «قدمت المدينة فوجدت جزورا قد نحرت فجزئت أجزاء، كل جزء منها بعناق، فأردت أن أبتاع منها جزءا فقال لي رجل من أهل المدينة: إن رسول الله ﷺ نهى أن يباع حي بميت. قال: فسألت عن ذلك الرجل فأخبرت عنه خيرا»، وقول أبي بكر الصديق ﵁: لا يصلح هذا، قال الشافعي: لا أعلم مخالفا لأبي بكر ﵁، وقال أبو الزناد: وكان من أدركت ينهى عن بيع اللحم بالحيوان، ولأنه بيع معلوم بمجهول وهو معنى المزابنة (^٣).
والنهي عند مالك مخصوص باللحم مع نوعه من الحيوان وإليه أشار الشيخ بقوله: (من جنسه) أراد الجنس اللغوي الصادق بالنوع والصنف، مثل أن يبيع لحم بقر مثلا بغنم، وقيد في المختصر المنع بما إذا لم يطبخ وإلا جاز كما يجوز بيعه بغير جنسه كبيع لحم الغنم بالطير (^٤).
(و) كذا (لا) يجوز (بيعتان) وفي نسخة بيعتين وهي مؤولة تقدير ولا بيع بيعتين (في بيعة) لحديث أبي هريرة ﵁ «نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة» (^٥)، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ «أن رسول الله ﷺ نهى
_________________
(١) الموطأ (١٣٣٥) كتاب البيوع باب بيع الحيوان باللحم، رواه البيهقي وقال: هذا إسناد صحيح ومن أثبت سماع الحسن البصري من سمرة عده موصولا ومن لم يثبته فهو مرسل جيد يضم إلى مرسل سعيد بن المسيب والقاسم بن أبي بزة وقول أبي بكر الصديق .. (السنن الكبرى ٥/ ٢٩٦ - ٢٩٧)، ورواه الدارقطني في سننه (٣/ ٧٠ - ٧١) (٢٦٥)، وصوب إرساله.
(٢) التمهيد (٦/ ٤٢٤).
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (٥/ ٢٩٧).
(٤) انظر: مواهب الجليل (٦/ ٢٢٤)
(٥) ورواه مالك في بلاغاته، وبين السيوطي وصله في تنوير الحوالك (٢/ ٧٤)، وذكر ابن عبد البر طرقه في التمهيد (١٢/ ٢٣٠)، والاستذكار (٢٠/ ١٧١)، والترمذي (١٢٣١)، وصححه والنسائي (٧/ ٢٩٥) وفي «الكبرى» (٦١٨٣)، وابن حبان (٤٩٧٣ و٥٤٢٦)، قال الألباني: إسناده حسن (الإرواء ٥/ ١٤٩).
[ ٣ / ١٠٦٧ ]
«عن بيعتين في صفقة …» (^١)، ولأبي داود: «من باع بيعتين في بيعة فله أو كسهما أو الربا» (^٢) (و) صوروا (ذلك) بصورتين:
إحداهما: أن يبيع سلعة واحدة بثمنين مختلفين. وإليها أشار الشيخ بقوله: (أن يشتري سلعة إما بخمسة نقدا، أو عشرة إلى أجل قد لزمته بأحد الثمنين) فأراد بالبيعتين الثمنين من إطلاق اسم الكل على الجزء لأن الثمن من أركان البيع؛ لكن يفترقان دون أن يعلم المشتري أي البيعتين تمت؟ العاجلة أم الآجلة!!!، وبهذا فسره رواة الحديث الذين فهموا معناه بالمشافهة وقرائن الأحوال فعن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ﵁ قال: «نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة» قال سماك: «هو الرجل يبيع البيع فيقول: هو نسأ (مؤجل) بكذا، وهو نقدا بكذا وكذا» (^٣)، وروى البيهقي حديث أبي هريرة ﵁ السابق من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا نهى عن بيعتين في بيعة قال عبد الوهاب: يعني يقول: هو لك نقدا بعشرة ونسيئة بعشرين (^٤). (و) الأخرى (أن يبيعه إحدى سلعتين مختلفتين بثمن واحد) كثوب وشاة بدينار على اللزوم، فشرط المنع في الصورتين معا كون البيع على اللزوم للمتبايعين أو لأحدهما للغرر، إذ لا يدري البائع بم باع ولا المشتري بم اشترى، فإن لم يكن على اللزوم جاز (^٥).
_________________
(١) الموطأ (١٣٣٩)، قال الزرقاني: «وقد وصله أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح»، وهو الذي تقدم بعضه مرفوعا.
(٢) أبو داود (٣/ ٢٧٤)، وسنده حسن الصحيحة (٥/ ٤١٩).
(٣) أحمد (٣٧٨٣)، والبزار (٢٠١٧) (٥/ ٣٨٤)، والمجمع للهيثمي (٤/ ٨٤ ٨٥): وقال «رواه البزار وأحمد ورواه الطبراني في «الأوسط» ولفظه: .. «لا تحل صفقتان في صفقة» .. ورجال أحمد ثقات»! وللحديث شواهد من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو، وانظر: الإرواء للألباني (٥/ ١٤٩).
(٤) انظر: التوضيح على جامع الأمهات (٥/ ٣٤٧).
(٥) شرح الزرقاني (٣/ ٣٩٣)، وانظر: المنتقى للباجي (٣/ ٤٣٩) النهي عن بيعتين في بيعة.
[ ٣ / ١٠٦٨ ]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
ولا يجوز بيع التمر بالرطب، ولا الزبيب بالعنب لا متفاضلا، ولا مثلا بمثل، ولا رطب بيابس من جنسه من سائر الثمار والفواكه، وهو مما نهي عنه من المزابنة، ولا يباع جزاف بمكيل من صنفه.
ولا جزاف بجزاف من صنفه إلا أن يتبين الفضل بينهما إن كان مما يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه.
ولا بأس ببيع الشيء الغائب على الصفة، ولا ينقد فيه بشرط، إلا أن يقرب مكانه أو يكون مما يؤمن تغيره من دار أو أرض أو شجر فيجوز النقد فيه.
والعهدة جائزة في الرقيق إن اشترطت أو كانت جارية بالبلد.
فعهدة الثلاث الضمان فيها من البائع من كل شيء.
وعهدة السنة من الجنون والجذام والبرص).
الشرح
المزابنة: بضم الميم، وفتح الزاي والباء، والنون، على وزن المفاعلة. وهي مأخوذة من «الزبن» وهو: الدفع الشديد، كأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه (^١).
قال في «المصباح»: (المزابنة) بيع الثمر في رؤوس النخل بتمر كيلا (^٢). قال المصنف ﵀:
(و) كذا (لا يجوز بيع التمر بالرطب) لا متفاضلا ولا متماثلا فعن ابن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة: أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا، وإن كان زرعا، أن يبيعه بكيل طعام، ونهى عن ذلك كله» (^٣)، وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال:
_________________
(١) تيسير العلام للبسام (٢/ ١٤٩).
(٢) المصباح، كتاب الزاي (زبنت).
(٣) الموطأ (١٢٩٤)، والبخاري (٢٠٦٣)، ومسلم (١٥٤٢)، (الثمر) الرطب على النخيل. =
[ ٣ / ١٠٦٩ ]
«سمعت رسول الله ﷺ يسأل عن شراء التمر بالرطب، فقال رسول الله ﷺ: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهاه رسول الله ﷺ عن ذلك» (^١). (و) كذا (لا) يجوز بيع الزبيب بالعنب لا متفاضلا ولا مثلا بمثل لأن التماثل لا يتأتى فيه، لأن الرطب إذا يبس قد يكون أكثر من اليابس أو أقل منه أو مثله، فهذا غرر والجهل بالتماثل كتحقق التفاضل، والتفاضل لا يجوز لأنه جنس واحد.
(و) كذا (لا) يجوز (رطب) بفتح الراء؛ أي: بيعه (بيابس من جنسه) لو اقتصر على هذا ولم يذكر قوله: (من سائر الثمار والفواكه) لكان أولى ليدخل فيه الحبوب، واحترز بقوله: بيابس من جنسه عما لو اختلفا؛ أي: الرطب واليابس في الجنس، فإنه جائز إذ التفاضل بين الأجناس جائز (وهو)؛ أي: بيع الرطب باليابس من جنسه (مما)؛ أي من بعض الذي (نهى عنه من المزابنة)؛ أي: الذي هو المزابنة، لحديث ابن عمر المتقدم ﵄، إذ المزابنة بيع معلوم بمجهول من جنسه؛ والمزابنة عند المالكية لا تختص بالربوي وإن وقعت مفسرة في الحديث بالربوي.
(ولا يباع جزاف) مثلث الجيم (بمكيل من صنفه) كبيع صبرة قمح لا يعلم كيلها بوسق أو وسقين منه للمزابنة.
(و) كذا (لا) يباع (جزاف بجزاف من صنفه) كصبرة قمح لا يعلم كيلها بصبرة قمح لا يعلم كيلها لأنه مجهول بمجهول وكل ذلك غرر وخطر وقد تقدم النهي عنه. واحترز بصنفه مما إذا اختلف الجنسان فإنه يجوز بشرط المناجزة؛ أي: فيجوز إذا اختلف الجنسان بيع مجهول بمعلوم وبيع معلوم بمجهول سواء تبين الفضل أو لم يتبين (إلا أن يتبين الفضل بينهما)؛ أي: بين الجزاف بالمكيل والجزاف بالجزاف، فإنه يجوز البيع (إن كان مما يجوز
_________________
(١) = (الكرم) شجر العنب، والمراد: العنب نفسه.
(٢) رواه أبو داود (٣٣٥٩)، والترمذي وصححه (١٢٢٥)، قال مالك: فلا يباع إذا (٢٣١٢)
[ ٣ / ١٠٧٠ ]
التفاضل في الجنس الواحد منه) لكونه ليس مما يدخله ربا الفضل للأدلة السابقة، وبأن لا يكون مما يقتات ويدخر ولا من أحد النقدين بل كان مما يدخله ربا النساء فقط، أو لا يدخله ربا أصلا كالنحاس والحديد. (ولا بأس ببيع الشيء الغائب) عند مالك وجميع أصحابه (^١) بشروط:
أحدها: أن يقع (على الصفة) وهو ما يسمى اليوم (الكتلوج) للعمل حكاه مالك في «الموطأ» وقياسا على السلم المضمون في الذمة، ولأن الصفة تقوم مقام الموصوف لقوله تعالى: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ [البقرة: ٨٩] فأسند إلى اليهود معرفة النبي ﷺ من نعته المذكور في التوراة وكذلك قال فيهم: ﴿يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ [البقرة: ١٤٦]، وروى البيهقي عن سعيد بن المسيب قال: قال أصحاب النبي ﷺ: «وددنا أن عثمان، وعبد الرحمن بن عوف قد تبايعا حتى ننظر أيهما أعظم جدا في التجارة، فاشترى عبد الرحمن من عثمان ﵄ فرسا بأرض أخرى بأربعين ألف درهم، أو نحو ذلك إن أدركتها الصفقة وهي سالمة، ثم أجاز قليلا فرجع، فقال: أزيدك ستة آلاف درهم إن وجدها رسولي سالمة، فقال: نعم، فوجدها رسول عبد الرحمن قد هلكت فخرج منها بشرطه الآخر ورواه غيره، وزاد فيه: ولا أخال عبد الرحمن إلا وقد عرفها» (^٢)؛ وروي أيضا عن ابن أبي مليكة أن عثمان، ابتاع من طلحة بن عبيد الله أرضا بالمدينة ناقله بأرض له بالكوفة فلما تباينا ندم عثمان ثم قال: بايعتك ما لم أره، فقال طلحة: «إنما النظر لي إنما ابتعت مغيبا، وأما أنت فقد رأيت ما ابتعت فجعلا بينهما حكما فحكما جبير بن مطعم فقضى على عثمان أن البيع جائز وأن النظر لطلحة أنه ابتاع مغيبا» (^٣)، قال البيهقي: وروي ذلك عن النبي ﷺ ولا يصح (^٤)؛ ثم أسند من
_________________
(١) انظر: مواهب الجليل (٦/ ١١٨).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (١٠٧٢٦) (٥/ ٢٩٤).
(٣) انظر: التمهيد (١٨/ ١٣).
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (١٠٧٢٨) (٥/ ٢٩٤).
[ ٣ / ١٠٧١ ]
مكحول رفع الحديث إلى النبي ﷺ قال: «من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه» (^١)؛ قال ابن ناجي: ظاهر كلامه أنه لو بيع دون صفة، ولا تقدم رؤية لا يجوز وإن كان على خياره عند رؤيته وهو نص ما في كتاب الغرر من «المدونة» (^٢).
ثانيها: أن يصفه غير البائع لأن البائع لا يوثق بوصفه إذ قد يقصد الزيادة في الصفة لينفق سلعته، لكن اشتراط وصف غير البائع إن حصل نقد الثمن ولو تطوعا وجاز ولو بوصف البائع على الراجح.
ثالثها: أن لا يكون المبيع بعيدا جدا وهذا الشرط إذا وقع البيع على البت، وأما لو وقع على الخيار فيجوز لأنه لا ضرر على المشتري إذا.
رابعها: أشار إليه بقوله: (ولا ينقد فيه بشرط) وإنما امتنع مع الشرط لأنه يجوز أن يسلم المبيع فيكون ذلك ثمنا وأن لا يسلمه فيكون سلفا ثم استثنى من منع اشتراط النقد مسألتين فقال: (إلا أن يقرب مكانه)؛ أي: مكان المبيع الغائب سواء كان حيوانا أو عرضا أو عقارا كاليوم واليومين (أو يكون) المبيع الفائت بعيدا بعدا غير متفاحش وهو (مما يؤمن تغيره) غالبا (من دار أو أرض أو شجر فيجوز النقد فيه)؛ أي: فيما ذكر من الفرعين بشرط واحترز بقوله: مما يؤمن تغيره مما يسرع إليه التغير كالحيوان فإنه لا يجوز اشتراط النقد فيه مع البعد.
(والعهدة) وهي تعلق ضمان المبيع بالبائع بعد العقد مما يصيبه في مدة خاصة (جائزة) يقضى بها (في الرقيق) خاصة دون الحيوان لأن له قدرة على كتمان ما به من العيوب دون غيره، لأنه قد يكتم عيبه كراهية في المشتري؛ أي: فيخفيه يريد ضرره أو كراهية في البائع، ولا يقضي بها إلا (إن اشترطت
_________________
(١) ثم قال البيهقي: هذا مرسل وأبو بكر بن أبي مريم ضعيف، نفس المرجع السابق والصفحة والحديث رقم (١٠٧٢٨).
(٢) المدونة (٣/ ٢٥٣).
[ ٣ / ١٠٧٢ ]
أو كانت جارية بالبلد) أو حمل السلطان الناس عليها فإن لم يكن شيء من ذلك فلا يقضى بها (فعهدة الثلاث الضمان فيها من البائع من كل شيء) ولو موتا أو غرقا أو حرقا أو قتل نفسه فإن وجد المشتري داء في ثلاثة أيام رده بغير بينة، وإن وجد داء بعد الثلاثة كلف البينة أنه اشتراه وبه هذا الداء، ونفقته وكسوته في هذه المدة عليه وغلته له.
(وعهدة السنة) معمول بها وتكون بعد عهدة الثلاث والضمان فيها على البائع (من) ثلاثة أشياء: (الجنون) الذي يكون بمس جان أو بطبع، لا ما يكون من ضربة أو طربة فإنه لا يرد به لإمكان زواله بمعالجة دون الأولين (والجذام والبرص) لما رواه ابن وهب عن ابن سمعان قال: سمعت رجالا من علمائنا منهم يحيي بن سعيد وغيره يقولون: لم تزل الولاة بالمدينة في الزمان الأول يقضون في الرقيق بعهدة السنة من الجنون والجذام والبرص، وإن ظهر بالمملوك شيء من ذلك قبل أن يحول الحول عليه فهو رد إلى البائع؛ ويقضون في عهدة الرقيق بثلاث ليال فإن حدث في الرأس في تلك الثلاث ليال حدث من حدث أو سقم فهو من الأول (^١)؛ وروى ابن وهب أيضا عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: «قضى عمر بن عبد العزيز في رجل باع من أعرابي عبدا فوعك العبد في عهدة الثلاث فمات فجعله عمر من الذي باعه» (^٢).
وروى مالك في «الموطأ» عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع أبان بن عثمان بن عفان وهشام بن إسماعيل يقولان في خطبتهما: «عهدة الرقيق في الأيام الثلاثة من حين يشترى العبد أو الوليدة وعهدة السنة» (^٣)، وروى ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: «في العهدة في كل داء عضال نحو الجنون والجذام والبرص سنة»، قال ابن شهاب: «القضاة منذ أدركنا يقضون في
_________________
(١) المدونة (٥/ ٩/ ٣٥٧).
(٢) نفس المرجع والصفحة.
(٣) شرح الزرقاني (٣/ ٣٢٨).
[ ٣ / ١٠٧٣ ]
الجنون والجذام والبرص سنة» (^١).
وإنما اختصت هذه العهدة بهذه الأدواء، وهي جمع داء لأن أسبابها تتقدم ويظهر ما يظهر منها في فصل من فصول السنة دون فصل بحسب ما أجرى الله تعالى عادته فيه باختصاص تأثير ذلك السبب بذلك الفصل، فانتظر بذلك الفصول الأربعة وهي السنة كلها حتى يؤمن من هذه العيوب.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا بأس بالسلم في العروض والرقيق والحيوان والطعام والإدام بصفة معلومة وأجل معلوم.
ويعجل رأس المال أو يؤخره إلى مثل يومين أو ثلاثة، وإن كان بشرط.
وأجل السلم أحب إلينا أن يكون خمسة عشر يوما، أو على أن يقبض ببلد آخر، وإن كانت مسافته يومين أو ثلاثة.
ومن أسلم إلى ثلاثة أيام يقبضه ببلد أسلم فيه فقد أجازه غير واحد من العلماء وكرهه آخرون، ولا يجوز أن يكون رأس المال من جنس ما أسلم فيه.
ولا يسلم شيء في جنسه أو فيما يقرب منه إلا أن يقرضه شيئا في مثله صفة، ومقدارا.
والنفع للمتسلف.
ولا يجوز دين بدين.
وتأخير رأس المال بشرط إلى محل السلم أو ما بعد من العقدة من ذلك).
الشرح
السلم: هو السلف، وزنا ومعنى، وسمي سلما، لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفا، لتقديمه. وذكر الماوردي أن السلف لغة أهل العراق،
_________________
(١) المدونة (٥/ ٩/ ٣٥٧).
[ ٣ / ١٠٧٤ ]
والسلم لغة أهل الحجاز، وقيل: السلف تقديم رأس المال والسلم تسليمه في المجلس فالسلف أعم. ويسمى بيع المفاليس، والمحاويج.
وتعريفه شرعا: «بيع معلوم في الذمة محصور بالصفة بعين حاضرة أو ما هو في حكمها إلى أجل معلوم» (^١).
وقال ابن عرفة: «عقد معاوضة يوجب عمارة ذمة بغير عين ولا منفعة غير متماثل العوضين» (^٢).
والأصل في جوازه، الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح.
فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال ابن عباس: «أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية» (^٣).
وأما السنة، فسيأتي الحديث في ذلك.
وأما الإجماع، فلم ينقل عن أحد من العلماء منعه. قال الشافعي: أجمعت الأمة على جواز السلم فيما علمت؛ ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك وغيره (^٤).
وهو على وفق القياس والمصلحة للبائع والمشتري، وقد اشترطت فيه الشروط التي تحقق فيه المصلحة، وتبعده عن الضرر والغرر، وأركانه:
١ - الصيغة،
٢ - بائع وهو المسلم إليه،
٣ - ومشتر وهو المسلم، أو رب السلم، أو صاحب المال
٤ - ومبيع وهو المسلم فيه، أو دين السلم،
٥ - الثمن.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (ط - دار الشعب بالقاهرة) (ص ١١٨٦).
(٢) شرح حدود ابن عرفة (٣٩٥)
(٣) موصول كما قال الشافعي من طريق أبي حسان الأعرج عن ابن عباس، وأخرجه الحاكم من هذا الوجه وصححه، وروى ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ (٢٢٣١٩)، كما قال الحافظ في الفتح (٤/ ٤٣٥).
(٤) الإجماع لابن المنذر (٩٣)، وانظر: فتح الباري (٤/ ٤٣٣).
[ ٣ / ١٠٧٥ ]
• قال المصنف:
(ولا بأس بالسلم) لقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وأما السنة ففي «الصحيحين» عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث. فقال: «من أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» (^١).
وقد أجمعت الأمة على جوازه (في العروض والرقيق والحيوان والطعام والإدام) بشرط أن يكون المسلم فيه معلوم الجنس والقدر والصفة وإلى هذه الشروط أشار بقوله: (بصفة معلومة وأجل معلوم) فإن كان المسلم فيه طعاما يعين الجنس إما قمحا، أو شعيرا، أو ذرة؛ وإن كان فاكهة يعين إما زبيبا، أو تمرا، ويعين القدر بما جرت العادة بتقديره من الوزن أو الكيل أو العدد أو الذرع أو غير ذلك، ويعين الصفة فإن كان طعاما ذكر ما يصفه به، وإن كان حيوانا ذكر النوع واللون والذكورة والأنوثة وقد كان النبي ﷺ «يأخذ البعير بالبعيرين والثلاثة إلى إبل الصدقة» (^٢)، فلو لم تكن منضبطة بالوصف لما فعل النبي ﷺ ذلك، وكذلك ما ورد من وصف البقرة لبني إسرائيل بأنها ﴿بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك﴾ ﴿إنها بقرة صفراء فاقع لونها﴾ ﴿إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها﴾ [البقرة: ٦٨ - ٧١] فبحثوا عنها وجدوها وعرفوها بالوصف وذبحوها، ويدل عليه نهي النبي ﷺ عن «وصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه يراها» (^٣).
ويعتبر في الأجل شيئان: أن يكون معلوما، وأن يكون مما تتغير في مثله الأسواق، فأقله نصف شهر، واحترز بالأجل من الحال فلا يصح السلم الحال على المعروف من المذهب، لقوله ﷺ: «من أسلف … إلى أجل معلوم»
_________________
(١) أحمد (١/ ٢١٧) (١٨٦٨)، والبخاري (٣/ ١١١) (٢٢٣٩)، ومسلم (٥/ ٥٥) (٤١٢٥)
(٢) كما في حديث أبي داود (٢٩١٣)، باب في الحيوان بالحيوان نسيئة.
(٣) انظر: المعاملات في الفقه المالكي للغرياني (١٥٤ - فما بعدها)، وفقه المعاملات للشيخ صالح الفوزان (١٥٢).
[ ٣ / ١٠٧٦ ]
فالحديث فيه اشتراط كون السلم فيه معلوم الكيل والوزن، وكونه إلى أجل، فكونه يشترط فيه معرفة المقدار فكذا الأجل، فدل الحديث بمفهومه على عدم جواز الحال. ولأن السلم شرع من أجل المصلحة والحاجة ولمن ليس عنده سلع حاضرة يبيعها، فينتفع بثمنها فيبيع السلع في الذمة بثمن حال ينتفع به، أما إذا كانت السلعة عنده فلا حاجة إلى السلم فيبيع السلعة وينتفع بثمنها (^١).
• شروط السلم:
أشار إلى شروط رأس مال السلم بقوله: (ويعجل رأس المال)؛ يعني: جميعه لأنه متى قبض البعض وأخر البعض فسد لأنه دين بدين؛ أي: ابتداء دين بدين فلا بد من التعجيل للثمن لقوله ﷺ: «فليسلف» لأن السلف هو البيع، الذي عجل ثمنه وأجل مثمنه. ولأن الحكمة فيه: أن البائع ينتفع بشراء السلعة بأقل من قيمتها حاضرة والمشترى ينتفع بتوسعه بالثمن.
ويجوز أن يكون رأس المال (الثمن) نقودا، أو حيوانا، أو طعاما، أو عروضا لعموم الإذن، ولا يجوز تسليم الطعام في الطعام، ولا النقود أو الذهب والفضة في مثلها، لأنه لا يجوز بيع الطعام بالطعام، ولا العين بمثلها إلا يدا بيد.
ونبه بقوله: (أو يؤخره)؛ أي: رأس مال السلم (إلى مثل يومين أو ثلاثة) على أنه لا يشترط قبضه في المجلس بل إذا عقد السلم على النقد وأخر قبض رأس مال السلم اليومين أو الثلاثة جاز ولا يخرج بذلك عن كونه معجلا (^٢)، وقد قيل: ما قارب الشيء يعطى حكمه، ولأن فيه رفق بالناس وهو أمر تتشوف إليه الشريعة، ولا يؤجل أكثر من ذلك حتى لا يكون دينا بدين المنهي عنه شرعا؛ وبالغ على ذلك فقال: (وإن كان) التأخير المذكور (بشرط) وظاهر كلامه إن تأخر أكثر من ثلاثة أيام لم يجز بشرط أو غيره.
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/ ٣٧٩)، وانظر: التوضيح على جامع الأمهات (٦/ ٣ فما بعدها) ط: نجبيويه.
(٢) انظر: التوضيح على جامع الأمهات (٦/ ٣ - ٤).
[ ٣ / ١٠٧٧ ]
ومن المعلوم أن الشرط إذا كان مخالفا الكتاب أو السنة أو الإجماع سواء كان مخالفا لمقصود الشرع كاشتراط الولاء، أو منافيا لمقصود العقد كاشتراط الطلاق في النكاح فهو باطل.
(وأجل السلم أحب إلينا أن يكون خمسة عشر يوما) لأن الأسواق تتغير في مثل هذه المدة غالبا والظاهر أنه عنى نفسه وكأنه قال: أجل السلم خمسة عشر يوما على ما نختاره، ومذهب مالك: أن أجل السلم ما تتغير في مثله الأسواق من غير تحديد، ففي «المدونة» قال ابن القاسم: ولقد سمعت بعض أهل العلم وهو الليث بن سعد يذكر عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن السلم إلى يوم أو يومين أو ما أشبهه، قال سعيد: لا إلا إلى أجل ترتفع فيه الأسواق وتنخفض، قال سحنون: قلت: وما هذا الذي ترتفع فيه الأسواق وتنخفض ما حده؟ قال: ما حد لنا مالك فيه حدا وإني لأرى الخمسة عشر يوما والعشرين يوما (^١).
ومحل الخلاف إذا كان قبض رأس مال السلم والمسلم فيه في بلد واحد، أما إذا كان قبض كل واحد منهما ببلد فلا يشترط الأجل المذكور وإليه أشار بقوله: (أو على أن يقبض) بالبناء للمفعول؛ أي: المسلم فيه (ببلد آخر) غير البلد الذي قبض فيه رأس مال السلم، وتكون مسافة ما بين البلدين أجل السلم، لأن الغالب في اختلاف المواضع اختلاف الأسعار.
وقوله: (وإن كانت مسافته يومين أو ثلاثة) ليس بشرط، وكذا لو كانت نصف يوم.
(ومن أسلم) في شيء يجوز السلم فيه إلى ثلاثة أيام على أنه (يقبضه ببلد أسلم فيه فقد أجازه) بمعنى أمضاه (غير واحد)؛ أي: أكثر من واحد (من العلماء) منهم مالك في رواية ابن وهب عنه لأنها مدة يجوز فيها خيار الشرط، ولأنها آخر حد القلة فصح إطلاق الأجل الوارد في الحديث عليها (وكرهه) بمعنى فسخه (آخرون) من العلماء منهم ابن القاسم لأن الأجل
_________________
(١) المدونة (٥/ ٩/ ٣٠).
[ ٣ / ١٠٧٨ ]
إنما اعتبر في السلم ليتحقق الرفق الذي من أجله شرع السلم ولا يحصل ذلك بالمدة التي لا وقع لها في الثمن وتغير الأسواق كالثلاثة أيام وكونها آخر حد القلة لا يقتضي التقدير بها.
(ولا يجوز أن يكون رأس المال)؛ أي: مال السلم (من جنس ما أسلم فيه) هذا إذا كان المسلم فيه أزيد من رأس المال كقنطار حديد في قنطارين لأنه سلف جر نفعا، أو كان أنقص كثوبين في ثوب من جنسهما، لأنه ضمان بجعل. وأما إذا كان رأس مال السلم مثل المسلم فيه صفة وقدرا جاز كما سينص عليه.
وقوله: (ولا يسلم شيء في جنسه) تكرار كرره ليرتب عليه قوله: (أو فيما يقرب منه)؛ أي: من جنس المسلم فيه في الخلقة والمنفعة كالحمر الأهلية في البغال أو رقيق الكتان في رقيق القطن لأن منافعهما متقاربة ثم استثنى من منع سلم الشيء من جنسه، فقال: (إلا أن يقرضه) قرضا (شيئا) وفي نسخة بينا (في مثله صفة ومقدارا) وجواز القرض في مثله صفة ومقدارا مقيد بما إذا كان (النفع في ذلك للمتسلف) أما إذا كان النفع للمسلم فلا يجوز.
والقاعدة في الأموال التي يصح فيها السلم والتي لا يصح فيها وما يجوز أن يكون رأس مال السلم هي: «أن كل جنسين جاز بيع أحدهما بالآخر نسيئة جاز السلم فيهما، وكل جنسين لا يجوز بيع أحدهما بالآخر نسيئة لم يجز السلم فيهما» (^١).
(ولا يجوز دين)؛ أي: بيعه (بدين) للإجماع (^٢) حكاه أحمد، ولحديث ابن عمر ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، هو النسيئة بالنسيئة» (^٣). قال أهل اللغة: وبالهمز النسيئة بالنسيئة؛ أي: الدين بالدين،
_________________
(١) انظر: عمل من طب لمن حب للمقري التلمساني (١٢٣) تحقيق أبي الفضل بدر بن عبد الإله العمراني الطنجي. العلمية.
(٢) الإجماع لابن المنذر (٩٢)، وانظر: تفسير القرطبي (٣/ ٣٧٨).
(٣) بلوغ المرام (١/ ١٧٣)، وإسناده ضعيف، تعقيب قال الفقي (١/ ١٧٣): هو من =
[ ٣ / ١٠٧٩ ]
وهو عند الفقهاء عبارة عن ثلاثة أشياء: بيع الدين بالدين، (كما لو أسلم شيئا في شيء في الذمة، وكلاهما مؤخر فهذا لا يجوز بالاتفاق) والحكمة في ذلك أنه لم تحصل منفعة حاضرة للطرفين، وابتداء الدين بالدين (وهو شراء سلعة يتأخر قبضها بثمن مؤجل)، وفسخ الدين في الدين ويسمى المقاصة وهو جائز عند مالك وأبي حنيفة، وحينئذ يكون بيع الدين بالدين له إطلاقان ما يعم الثلاثة، وعلى ما يخص واحدا منها.
(و) لا يجوز (تأخير رأس المال)؛ أي: مال السلم (بشرط إلى محل السلم)؛ أي: أجله (أو) إلى (ما بعد من العقدة) وفي رواية (من القيمة)؛ أي: عن عقدة السلم بأكثر من ثلاثة أيام (من ذلك)؛ أي: من الدين بالدين لأن فيه تعمير كل من الذمتين.
شروط السلم:
١ - أن يكون إلى أجل معلوم ليسلم من الغرر.
٢ - أن تكون السلعة مضبوطة في كيلها أو وزنها أو عددها حسب معيارها، كخذ مائة دينار سلما في خمسة قناطر من القمح.
٣ - أن تكون السلعة معروفة الصفة غير معينة لحديث إسلام زيد بن سعنة أنه قال للنبي ﷺ: «هل لك أن تبيعني تمرا معلوما من حائط بني فلان …» (^١).
٤ أن تكون السلعة محققة الوجود عند حلول الأجل بحيث يقدر على تسليمها.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا يجوز فسخ دين في دين، وهو أن يكون لك شيء في ذمته فتفسخه في شيء آخر لا تتعجله.
ولا يجوز بيع ما ليس عندك على أن يكون عليك حالا، وإذا بعت
_________________
(١) = رواية الدراوردي عن موسى بن عبيدة الربذي. قال أحمد: لا تحل الرواية عنه ولا أعرف هذا الحديث عن غيره. وضعفه الألباني (ح) رقم: (٦١) في ضعيف الجامع.
(٢) ابن حبان (٢٨٨).
[ ٣ / ١٠٨٠ ]
سلعة بثمن مؤجل فلا تشترها بأقل منه نقدا، أو إلى أجل دون الأجل الأول، ولا بأكثر من أجله، وأما إلى الأجل نفسه فذلك كله جائز وتكون مقاصة.
ولا بأس بشراء الجزاف فيما يكال أو يوزن.
سوى الدنانير والدراهم ما كان مسكوكا، وأما نقار الذهب والفضة فذلك فيهما جائز.
ولا يجوز شراء الرقيق والثياب جزافا، ولا ما يمكن عده (^١) بلا مشقة جزافا).
الشرح
• حكم فسخ الدين بالدين:
(ولا يجوز فسخ دين في دين، وهو أن يكون لك شيء في ذمته فتفسخه في شيء آخر لا تتعجله) وذلك لأنه من ربا الجاهلية، أو يكون ذريعة له، مثل أن يكون لك عليه عشرة دنانير إلى سنة فتفسخها في عشرة أثواب مثلا فإن كان الفسخ إلى الأجل نفسه أو دونه فقولان الجواز، وهو أظهر في النظر، والمنع وهو أشهر. ومقتضى النظر أن فيه تيسيرا على الطرفين في التقاء مصالحهما، ولربما دل عليه حديث ابن عمر ﵄: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول الله ﷺ وهو في بيت حفصة، فقلت يا رسول الله: رويدك أسألك إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه فقال رسول الله ﷺ: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء»؛ وفي رواية: كنت أبيع الذهب بالفضة أو الفضة
_________________
(١) (عده): في نسخة الحلبي.
[ ٣ / ١٠٨١ ]
بالذهب فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك فقال: «إذا بايعت صاحبك فلا تفارقه وبينك وبينه لبس» (^١).
• النهي عن بيع ما ليس عندك:
(ولا يجوز بيع ما ليس عندك على أن يكون عليك حالا) لحديث حكيم بن حزام ﵁ قال: قلت: يا رسول الله يأتني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي هل أبيعه منه ثم أبتاعه من السوق؟ فقال: «لا تبع ما ليس عندك» (^٢)، وحديث عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك» (^٣)، قال الأزهري: والظاهر أنه أراد السلم الحال وهو أن يبيع شيئا في ذمته ليس عنده على أن يمضي للسوق فيشتريه ويدفعه للمشتري، لأنه غرر، لأنه إما أن يجده أو لا، وإذا وجده فإما بأكثر مما باعه فيؤدي من عنده ما يكمل به الثمن، وذلك من السفه المنهي عنه. وإما أن يجده بأقل فيأكل ما بقي باطلا وهو لا يجوز (^٤).
(وإذا بعت سلعة بثمن مؤجل فلا تشترها بأقل منه نقدا أو إلى دون الأجل) الذي بعت به.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٣) (٤٨٨٣)، وأبو داود (٣٣٥٤)، والترمذي (١٢٤٢)، والنسائي (٧/ ٢٨١)، وفي الكبرى (٦١٣٦)، وابن ماجه (٢٢٦٢)، قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مرفوعا، إلا من حديث سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، وروى داود بن أبي هند هذا الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عمر موقوفا. وقد أورده الحافظ ابن عبد البر بسنده في التمهيد (١٦/ ١٣).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٤٠٢) (١٥٣٨٥) و(٣/ ٤٣٤) (١٥٦٥٨)، وأبو داود (٣٥٠٣)، والترمذي (١٢٣٢).
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٨) (٦٦٧١)، وأبو داود (٣٥٠٤)، والترمذي (١٢٣٤)، والنسائي (٧/ ٢٩٥)، وفي «الكبرى» (٦١٨).
(٤) الثمر الداني (٢/ ٢٠).
[ ٣ / ١٠٨٢ ]
مثال الأولى: أن يبيع ثوبا بعشرة دراهم إلى شهر ثم يشتريه بخمسة نقدا.
ومثال الثانية: أن يبيعه بمائة إلى شهر ثم يشتريه بخمسين إلى خمسة عشر يوما. وهاتان ممنوعتان لأنهما دخلهما سلف بزيادة، لأنه دفع قليلا ليأخذ أكثر منه (ولا بأكثر)؛ أي: وكذا إذا بعت سلعة بثمن مؤجل فلا تشترها بأكثر (منه إلى أبعد من أجله) مثل أن يبيع رجلا سلعة بمائة إلى شهر ثم يشتريها منه بمائة وخمسين إلى شهرين لأنه يدخله الدين بالدين. وقد ورد في ذلك أثر وليس بذاك عند أهل الحديث لاضطرابه وضعفه وهو «أن أم ولد زيد بن أرقم، أخبرت عائشة ﵂: أنها باعت غلاما من زيد، بثمانمائة إلى العطاء، ثم اشترته منه بستمائة درهم فقالت لها عائشة: بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدا بن أرقم أنه قد بطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب» وفيه ضعف واضطراب (^١).
والظاهر أنها لا تقول مثل هذا باجتهاد منها، لأن هذا التغليظ لا يكون إلا بتوقيف من النبي ﷺ إن صح.
ودليل هذا الباب عند مالك هو سد الذرائع (^٢)، قال ابن رشد في «المقدمات»: إن ما بني عليه هذا الكتاب - يعني: كتاب بيوع الآجال - هو الحكم بالذرائع ومذهب مالك القضاء بها والمنع منها وهي الأشياء التي ظاهرها الإباحة ويتوصل بها إلى فعل المحظور، ومن ذلك البيوع التي ظاهرها الصحة ويتوصل بها إلى استباحة الربا، وذلك مثل أن رجلا باع
_________________
(١) الحديث رواه الدارقطني (٣/ ٥٢) بنحوه، والبيهقي (٥/ ٣٠٠)، قال الدارقطني: أم محبة وعالية مجهولتان لا يحتج بهما اه. وعزاه الحافظ الزيلعي لأحمد، ونقل تجويد ابن عبد الهادي لإسناده في التنقيح وتعقب قول الشافعي بعدم ثبوت الأثر، وتضعيف الدارقطني لرواته. راجع: نصب الراية (٤/ ٤٦٧)، بتحقيق: أيمن شعبان. ط: دار الحديث.
(٢) لأخينا الشيخ العلامة محمد أحمد زاروق الشنقيطي كتاب ماتع بعنوان: سد الذرائع في المذهب المالكي. ط: دار ابن حزم.
[ ٣ / ١٠٨٣ ]
سلعة من رجل بمائة إلى أجل ثم يبتاعها بخمسين نقدا فيكونان قد توصلا بما أظهراه من البيع إلى سلف خمسين دينارا في مائة إلى أجل وذلك حرام ولا يحل ولا يجوز (^١). (وأما) إذا بعت سلعة بثمن مؤجل فاشتريتها بثمن مؤجل (إلى الأجل نفسه فذلك) الشراء بأقل أو بأكثر أو بالمثل المفهوم من الكلام (كله جائز) لأنه لا علة حينئذ تتقى (وتكون مقاصة) فإذا بعت سلعة بمائة إلى شهر ثم اشتريتها بمائة إلى الأجل، فهذا في ذمته مائة. وهو كذلك فإذا حل الأجل يقطع هذه المائة في المائة، لأنه برئت ذمة كل منهما، وفي ذلك منفعة لهما لحديث ابن عمر ﵄ قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم واخذ الدنانير، أخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول الله ﷺ وهو في بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله رويدك أسألك إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه فقال رسول الله ﷺ: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء»؛ وفي رواية: كنت أبيع الذهب بالفضة أو الفضة بالذهب فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك فقال: «إذا بايعت صاحبك فلا تفارقه وبينك وبينه لبس» (^٢)
ومثلها في صرف اليوم لمن كان له على آخر دين من عملة فإنه يجوز له أن يستوفيها بعملة أخرى بشرط أن تكون بسعر يومها، وأن يفترقا وليس بينهما شيء والله أعلم (^٣).
_________________
(١) البيان والتحصيل لابن رشد (٩٥/ ٧ - ٩٦).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٣) (٤٨٨٣)، وأبو داود (٣٣٥٤)، والترمذي (١٢٤٢)، والنسائي (٧/ ٢٨١)، وفي «الكبرى» (٦١٣٦)، وابن ماجه (٢٢٦٢)، قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مرفوعا، إلا من حديث سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، وروى داود بن أبي هند هذا الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عمر موقوفا. وقد أورده الحافظ بسنده في التمهيد (١٦/ ١٣).
(٣) كما ذكر ذلك شيخنا السالوس في كتابه «فقه البيع والاستيثاق».
[ ٣ / ١٠٨٤ ]
جدول يبين حكم بيوع الآجال (^١):
صور الأجل
صور الثمن حال دون الأول مثله أبعد منه مثل الأول جائز جائز جائز جائز أكثر منه جايز محرم جائز محرم أقل منه محرم جائز جائز جائز
• بيع الجزاف:
(ولا بأس بشراء الجزاف) مثلث الجيم وهو: ما جهل قدره أو وزنه أو كيله أو عدده، واستعمل لا بأس هنا بمعنى الجواز (فيما يكال أو يوزن) أو يعد، وجوازه لثبوت المعاملة به في زمان النبي ﷺ بين الصحابة واطلاعه على ذلك كما في عدة أحاديث وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵂ قال: «قد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا ابتاعوا الطعام جزافا، يضربون في أن يبيعوه في مكانهم، وذلك حتى يؤووه إلى رحالهم» (^٢). وفي رواية عنه: «كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه» (^٣)، وشروطه: منها:
١ - أن يكون مرئيا، فلا يجوز بيع غائب جزافا إذ لا يمكن حزره، فإن كانت الأرض منخفضة ولم يعرف ذلك إلا بعد تمام البيع فالخيار للبائع، وإن كانت مرتفعة فالخيار للمشتري (^٤).
٢ - ألا تكون أحاده مقصودة كالجوز واللوز …
_________________
(١) العجالة في شرح الرسالة للعلامة الفقيه ابن حنفية العابدين (٤/ ١٢٧).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٣٩٧)، والبخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (٣٩٢٠)، وأبو داود (٣٤٩٨)، والنسائي (٢/ ٢٢٥).
(٣) رواه أبو داود (٢٢٢٩)، وابن ماجه في سننه (٢٢٢٩)، وصححه الألباني.
(٤) المواق (٤/ ٢٨٧).
[ ٣ / ١٠٨٥ ]
٣ - أن يكون مما يتأتى حزره، فإن كان من الكثرة بحيث لا يتأتى حزره لم يبع جزافا، لكثرة الغرر، ذكره الباجي (^١) وغيره.
٤ - جهل المتعاقدين بكميته، فلو علم أحدهما وأخبر الآخر قبل العقد فسد البيع، وإن كان بعد العقد فللجاهل منهما الخيار.
٥ - أن يكونا عالمين بالحزر، بحيث لا يخطئ إلا يسيرا (^٢).
والأدلة على جوازه منها حديث ابن عمر ﵄: «كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول الله ﷺ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه» (^٣)، وفي رواية: «قد رأيت الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا ابتاعوا الطعام جزافا، يضربون في أن يبيعوه في مكانهم، وذلك حتى يؤووه إلى رحالهم» (^٤) وفي هذا دلالة على جوازه.
وما كان من الجزاف الذي إذا فتح أو فكت أربطته لحقه الفساد، فتسقط منه الرؤية ويرجع إلى ما تعارف عليه التجار، مثل الأثواب الرفيعة التي إذا فتحت فسدت، ومثل الشاحنات المحملة بالسلع لحق الضرر أصحابها إذا أنزلوها، وكالأدوية ونحو ذلك.
(سوى الدنانير والدراهم ما كان مسكوكا)؛ أي: ما دامت مسكوكة فإنه يمتنع شراؤها جزافا لأنه من بيع المخاطرة والقمار وهو منهي عنه.
(وأما نقار) بكسر النون جمع نقرة بالضم، القطعة من الذهب والفضة (الذهب والفضة فذلك فيهما جائز) إذا لم يتعامل بهما، أما إذا تعومل بهما فلا يجوز بيعهما جزافا. لقوله ﷺ: «فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد» (^٥)، ولحديث أبي بكرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ،
_________________
(١) المنتقى (٦/ ٣٣٠).
(٢) التوضيح على جامع الأمهات (٤/ ١٣٤)، تحقيق: عبد القاهر محمد أحمد قمر جامعة أم القرى pdf.
(٣) رواه أحمد (٦٢٧٥)، وابن ماجه في سننه (٢٢٢٩)، وصححه الألباني.
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (٣٩٧)، والبخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (٣٩٢٠).
(٥) تقدم تخريجه.
[ ٣ / ١٠٨٦ ]
عن الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، إلا سواء بسواء، وأمرنا أن نشتري الفضة بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شثنا»، قال: فسأله رجل، فقال: يدا بيد؟ فقال: «هكذا سمعت» (^١).
(ولا يجوز شراء الرقيق والثياب جزافا، ولا) يجوز شراء (ما يمكن عده بلا مشقة جزافا) كالحيتان؛ أي: القلائل التي لا مشقة في عدها. لأن الأفراد تختلف اختلافا كثيرا يؤدي إلى المخاطرة والمقامرة وهي حرام.
• بيع النخل المؤبرة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، وكذلك غيرها من الثمار.
والإبار: التذكير، وإبار: الزرع خروجه من الأرض.
ومن باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع).
الشرح
(ومن باع نخلا قد أبرت) كلها أو أكثرها وفيها ثمر لم يبعه (فثمرها للبائع)؛ أي: باق على ملكه، لا يدخل في العقد على النخل (إلا أن يشترطه المبتاع لنفسه) فيدخل في العقد ونص المصنف نص حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع» (^٢).
(وكذلك غيرها)؛ أي: غير النخل قياسا عليها (من) الأشجار ذات (الثمار) العنب والزيتون فيه التفصيل المذكور. ثم فسر التأبير بقوله (والإبار) في النخل (التذكير) بأن يجعل على الثمرة دقيقا يكون في فحل النخل، وأما
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠٧١)، ومسلم (٤١٥٧).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٣٨٢)، والبخاري (٣/ ١٠٢) (٢٤٧)، ومسلم (٥/ ١٦).
[ ٣ / ١٠٨٧ ]
غير النخل كالخوخ والتين فالتأبير فيه أن تبرز الثمرة فيه عن موضعها وتتميز بحيث تظهر للناظر وإبار الزرع خروجه من الأرض على المشهور، وعليه فمن اشترى أرضا مبذورة لم يبرز زرعها فإنها تتناول بذرها.
(ومن باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) للحديث السابق وفيه: «من ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع»، وحديث عبادة بن الصامت ﵁: «إن من قضاء رسول الله ﷺ أن ثمر النخل لمن أبرها إلا أن يشترط المبتاع، وإن مال المملوك لمن باعه إلا أن يشترط المبتاع» (^١).
ومعنى يشترطه المبتاع؛ أي: يشترطه للعبد لا لنفسه فإن اشترطه لنفسه امتنع إن كان الثمن ذهبا والمال ذهبا أو فضة عند الشافعي ولا يضر عند مالك للإطلاق.
قال ابن دقيق العيد: استدل به لمالك على أن العبد يملك لإضافة الملك إليه باللام وهي ظاهرة في الملك، قال غيره: يؤخذ منه أن العبد إذا ملكه سيده مالا فإنه يملكه، وب هـ قال مالك وكذا الشافعي في القديم لكنه إذا باعه بعد ذلك رجع المال لسيده إلا أن يشترطه المبتاع (^٢).
• البيع على وفق البرنامج:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا بأس بشراء ما في العدل على البرنامج بصفة معلومة. ولا يجوز شراء ثوب لا ينشر ولا يوصف.
أو في ليل مظلم لا يتأملانه، ولا يعرفان ما فيه، وكذلك الدابة في ليل مظلم ولا يسوم أحد على سوم أخيه، وذلك إذا ركنا وتقاربا لا في أول التساوم. والبيع ينعقد بالكلام، وإن لم يفترق المتبايعان).
_________________
(١) أحمد (٢٢٧٧٨)، وابن ماجه (٢٢١٣)، وفي الزوائد في إسناده إسحق بن يحيى بن الوليد، وأيضا لم يدرك عبادة بن الصامت قاله البخاري وغيره، قال الشيخ الألباني: صحيح لغيره، والبيهقي (١١٠٨٧).
(٢) فتح الباري (٥/ ٥٠).
[ ٣ / ١٠٨٨ ]
الشرح
(ولا بأس)؛ بمعنى: الجواز وكان الأصل منعه لكنه أجيز لما في حل العدل (وهي الأحمال أو الأكياس التي فيها البضاعة) من الحرج والمشقة على البائع من تلويث ما فيه، ومؤنة شده إن لم يرضه المشتري فأقيمت الصفة مقام الرؤية (بشراء ما في العدل على البرنامج) بفتح الباء وكسر الميم. قال الفاكهاني: هي كلمة فارسية والمراد بها الصفة لما في العدل المكتتبة، وفي عرف زماننا الدفتر (بصفة معلومة) لأن النبي ﷺ أقام الصفة مقام المعاينة كما في قوله: «لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها» (^١). وللعمل حكاه مالك في «الموطأ» فقال: «وهذا الأمر الذي لم يزل الناس عندنا يجيزونه بينهم إذا كان المبتاع موافقا للبرنامج ولم يكن مخالفا له. اه (^٢)، ولأن حل العدل (^٣) فيه حرج ومشقة على البائع من تلويث ما فيه وابتذاله ولذهاب الكثير من حسنه ومؤنة شده إذا لم يرضه المشتري، ولأنه بيع على الصفة فجاز في العين الغائبة كالسلم المضمون في الذمة، فإن وجده على الصفة التي في البرنامج لزمه البيع ولا خيار له، وإن وجده على غيرها فهو بالخيار باللزوم والفسخ» (^٤).
• الملامسة:
(ولا يجوز شراء ثوب لا ينشر ولا يوصف) ظاهره أنه لو وصفه لجاز، والمشهور عدم الجواز لأنه لا مشقة في إخراجه ونشره، (أو في ليل مظلم لا يتأملانه ولا يعرفان ما فيه) لما روى مالك في «الموطأ» عن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة» (^٥)، وحديث أنس ﵁ قال:
_________________
(١) البخاري (٧/ ٤٩) (٥٢٤) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وأبو داود (٢١٥٠).
(٢) (٢/ ٦٧٠)، وانظر: شرح الزرقاني (٣/ ٤٠٥).
(٣) (العدل) الذي يعادل في الوزن والقدر (مصباح)، والمراد به: المتاع المربوط بصفة معينة ووزن معين.
(٤) انظر: حاشية الدسوقي (٣/ ٢٤).
(٥) أخرجه أحمد (٣/ ٩٥) (١١٩٢٤)، والبخاري (٣/ ٩١) (٢١٤٤)، ومسلم (٥/ ٣) (٣٧٩٨).
[ ٣ / ١٠٨٩ ]
«نهى النبي ﷺ عن المحاقلة، والمخاضرة، والملامسة، والمنابذة، والمزابنة» رواه البخاري (^١)، قال يونس بن القاسم: «والمخاضرة بيع الثمار قبل أن تطعم وبيع الزرع قبل أن يشتد ويفرك منه».
قال مالك: والملامسة أن يلمس الرجل الثوب ولا ينشره ولا يتبين ما فيه أو يبتاعه ليلا ولا يعلم ما فيه والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه على غير تأمل منهما، ويقول كل واحد منهما: هذا بهذا، فهذا الذي نهي عنه من الملامسة والمنابذة.
قال أبو عمر: كان بيع الملامسة، وبيع المنابذة وبيع الحصى بيوعا يتبايعها أهل الجاهلية وكذلك روي عن أبي سعيد وابن عمر ﵁ فنهى رسول الله ﷺ عنها ومعناها: يجمع الخطر والغرر والقمار لأنه بغير تأمل، ولا نظر، ولا تقليب، ولا يدري حقيقة ما اشترى، وتفسير مالك لذلك وغيره من العلماء قريب من السواء وهو معنى ما ذكرنا. اه (^٢).
قال النووي: اعلم أن الملامسة والمنابذة ونحوهما، مما نص عليه، هي داخلة في النهي عن بيع الغرر، ولكن أفردت بالذكر، لكونها من بيعات الجاهلية المشهورة.
قال: والنهي عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة (^٣).
ومفهوم كلامه: لو كان في ليل مقمر لجاز والذي في المدونة لا يجوز مطلقا كان الليل مظلما أو مقمرا (^٤).
(وكذلك الدابة) لا يجوز شراؤها (في ليل مظلم) وكذلك بهيمة الأنعام
_________________
(١) البخاري (٢٢٠٧)، وأخرجه النسائي (٧/ ٣٨)، وفي «الكبرى» (٤٥٩٦) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) الاستذكار لابن عبد البر (٦/ ٤٥٩).
(٣) شرح مسلم للنووي (١٠/ ١٥٧). (باب بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر).
(٤) المدونة (٥/ ١٠/ ٢٠٦).
[ ٣ / ١٠٩٠ ]
عند ابن القاسم. وفضل أشهب بين ما يؤكل لحمه، أجاز شراء ما يؤكل لحمه لأنه يمكن اختباره بالليل إذ جسه باليد تبين الغرض المقصود منه من سمن أو هزال. ولا يسو (م أحد على سوم أخيه) وهو الزيادة في الثمن، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن التلقي، وأن يبتاع المهاجر للأعرابي، وأن تشترط المرأة طلاق أختها، وأن يستام الرجل على سوم أخيه؛ ونهى عن النجش وعن التصرية» (^١)، وحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا يبيع الرجل على بيع أخيه حتى يبتاع أو يذر» (^٢)، وكان الواجب على المصنف حذف الواو من يسوم حيث كانت لا ناهية، وسهل ذلك كونه خبرا لفظا (وذلك)؛ أي: النهي عن السوم (إذا ركنا وتقاربا) وهو أن يميل البائع إلى المبتاع؛ أي: بحيث لم يبق بينهما إلا الإيجاب والقبول باللفظ لا في أول التساوم «لأن النبي ﷺ باع فيمن يزيد» (^٣)، وبيع من يزيد سوم رجل على سوم. أخيه ولكن البائع لم يرض السوم الأول حتى طلب الزيادة، فإذا ركنا فلم يبق له تطلع ولا تشوف إلى ثمن زائد يحرم السوم.
قال التتائي: والسوم في المبايعة طلب كمية الثمن.
(والبيع) عندنا (ينعقد بالكلام) وبكل ما يدل على الرضا كالإشارة، والمعاطاة، والعقود الجارية ديثا بالهاتف والفاكس وغير ذلك من وسائل الاتصال الحديثة بشرط تيقن المتحدث (وإن لم يفترق المتبايعان) وما في الحديث من قوله ﵊: «المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا». محمول عند الامام مالك على التفرق بالأقوال.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٥٧٧)، واللفظ له، ومسلم (٣٥٢٤).
(٢) سنن النسائي (٤٥٠٤) باب بيع الرجل على بيع أخيه، وصححه الألباني انظر: حديث رقم (٧٥٨٨) في صحيح الجامع.
(٣) أبو داود (١٦٤١)، والترمذي (١٢١٨)، والنسائي (٧/ ٢٥٩) وابن ماجه (٢١٩٨)، قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن. وبوب له البخاري في صحيحه: (باب بيع المزايدة)، الفتح (٤/ ٤١٤).
[ ٣ / ١٠٩١ ]
• الإجارة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والإجارة جائزة، إذا ضربا لها أجلا وسميا الثمن، ولا يضرب في الجعل أجل في رد آبق، أو بعير شارد، أو حفر بئر، أو بيع ثوب ونحوه. ولا شيء له إلا بتمام العمل. والأجير على البيع إذا تم الأجل ولم يبع وجب له جميع الأجر، وإن باع في نصف الأجل فله نصف الإجارة).
الشرح
اشتقاق الإجارة من الأجر وهو العوض قال الله تعالى: ﴿لو شئت لاتخذت عليه أجرا﴾ [الكهف: ٧٧]، قال القرافي: قال صاحب «التنبيهات»: هي بيع المنافع، ويقال: أجر بالمد والقصر، وأنكر بعضهم المد وهو منقول، وأصل هذا كله الثواب، وفي الصحاح الأجرة الكراء (^١).
• شرع يتكلم على ما شاكل البيوع فقال:
(والإجارة جائزة) بالكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قالت إحدثاهما ياأبت استئجره إن خير من استئجرت القوي الأمين (٢٦) قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين﴾ [القصص: ٢٦، ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦].
ومن الأحاديث ما روى البخاري: «أن النبي ﷺ استأجر رجلا من بني
_________________
(١) الذخيرة للقرافي (٥/ ٣٧١). قال القرافي: «غلب وضع الفعالة بالكسر للصنائع نحو: الصناعة والخياطة والنجارة والفعالة بالفتح لأخلاق النفوس الجبلية نحو: السماحة والشجاعة والفصاحة والفعالة بالضم لما يطرح من المحتقرات نحو: الكناسة والقلامة والنخالة والفضالة».
[ ٣ / ١٠٩٢ ]
الديل (^١) - يقال له: عبد الله بن الأريقط وكان هاديا خريتا؛ أي: ماهرا» (^٢).، وروى ابن ماجه أن النبي ﷺ قال: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» (^٣)، وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «كنا نكري الأرض بما على السواقي من الزرع» فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك وأمرنا أن نكريها بذهب أو ورق وغيرهما (^٤).
وعلى مشروعية الإجارة أجمعت الأمة، قال ابن المنذر (^٥): «وأجمعوا على أن الإيجارات ثابتة»، ولا عبرة بمن خالف هذا الإجماع من العلماء لما في الحديث من قوله ﵊: قال: قال الله: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعط أجره» (^٦).
(إذا ضربا لها أجلا، وسميا الثمن) لئلا يكون فيها جهل مؤد إلى الغرر وأكل المال بالباطل وقد قال تعالى حكاية عن شعيب: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هتين على أن تأجرني ثمني حجج﴾ [القصص: ٢٧] فضرب الأجل للإجارة، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ في تسمية الثمن: «أن النبي ﷺ نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره» (^٧).
_________________
(١) بنو الديل: وهم بنو عامر بن الحارث بن أنمار بن عمرو بن وديعة، والعمور وهم بنو الديل بن عمرو، ومحارب بن عمرو، وعجل بن عمرو الجوف والعيون والأحساء، ودخلت قبائل منهم جوف عمان فصاروا شركاء للأزد في بلادهم.
(٢) البخاري (٢١٠٣)
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٤٤٣)، وصححه الألباني.
(٤) أخرجه أحمد (١/ ١٧٨) (١٥٤٢)، وأبو داود (٣٣٩١)، والنسائي (٧/ ٤١)، وفي «الكبرى» (٤٦٠٧).
(٥) الإجماع (١٠١).
(٦) أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٨) (٨٦٧٧)، والبخاري (٢٢٢٧)، وابن ماجه (٢٤٤٢). أي: أعطى الأمان بما شرعته من ديني - وفي نسخة حرا ومعناه أنه باع نفس الحر.
(٧) أخرجه أحمد (٣/ ٥٩) (١١٥٨٦)، وأبو داود في المراسيل (١٨١)، وأخرجه النسائي (٧/ ٣١)، وفي «الكبرى» (٤٦٥٦).
[ ٣ / ١٠٩٣ ]
وظاهر كلام المصنف أنه لا بد من ضرب الأجل في كل إجارة وليس كذلك، إذ من الإجارات ما لا يحتاج إلى ضرب أجل، وهو ما يكون غايته الفراغ منه كالخياطة والنسج. وأما تسمية الثمن فلا بد منها كما قال ابن ناجي؛ وإذا لم تقع تسمية لم تجز إلا أن يكون عرف لا يختلف فتجوز.
ويشترط في عوضي الأجرة: أولا: انتفاء الجهالة (فلا بد من النص على الأجرة).
ثانيا: أن تكون المنفعة مقدورا على تسليمها حسا وشرعا فلا يجوز مثلا تأجير سيارة ضائعة.
ثالثا: ألا تكون المنفعة من القربات (كالصلاة والصوم).
رابعا: أن تكون المنفعة مملوكة للمؤجر، لا أن يؤجر ما لا يملك كالطريق ومجالس الناس فيها.
تنبيه: يكره تأجير الحوانيت المبنية من حرام، كالمال المأخوذ ظلما، او من رشوة، أو من عقود باطلة.
وتحرم الإجارة لمن يستعمل الآلة في معصية الله، كتأجير محل لبيع أشرطة الأغاني الماجنة، أو بنك ربوي، أو خمارة وما أشبه ذلك لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان ومعصية الرحمان.
• الجعالة:
الجعالة من الجعل: ما يجعل للعامل على عمله، قال القرافي وهي: من فعل؛ أي: التزم مالا لمن يأتي بعبده الآبق، أو نحو ذلك وأنكره جماعة من العلماء لغرره.
واصطلاحا: التزام شخص مؤهل للتعاقد بعوض يدفعه لآخر على عمل بالفراغ منه دون تحديد مدة لإتمامه، والجعل هو العوض المدفوع على الجعالة.
ودليل الجعالة قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ [يوسف: ٧٢].
[ ٣ / ١٠٩٤ ]
قال القرطبي: قال بعض العلماء: في هذه الآية دليلان: أحدهما: جواز الجعل وقد أجيز للضرورة؛ فإنه يجوز فيه من الجهالة ما لا يجوز في غيره؛ فإذا قال الرجل: من فعل كذا فله كذا صح، وشأن الجعل أن يكون أحد الطرفين معلوما والآخر مجهولا للضرورة إليه؛ بخلاف الإجارة؛ فإنه يتقدر فيها العوض والمعوض من الجهتين؛ وهو من العقود الجائزة التي يجوز لأحدهما فسخه؛ إلا أن المجعول له يجوز أن يفسخه قبل الشروع وبعده، إذا رضي بإسقاط حقه، وليس للجاعل أن يفسخه إذا شرع المجعول له في العمل (^١).
قال رحمه الله تعالى: (ولا يضرب في الجعل)؛ بمعنى: الجعالة (أجل) لأن ذلك مما يزيد في غرر الجعل إذ قد ينقضي الأجل قبل تمام العمل فيذهب عمله باطلا، أو يأخذ ما لا يستحق إن انقضى العمل قبل تمام الأجل.
والجعالة تكون (في) أشياء كثيرة ك (رد آبق أو بعير شارد أو حفر بئر أو بيع ثوب ونحوه) وقوله: (ولا شيء له)؛ أي: للمجعول له (إلا بتمام العمل) نحوه في «المختصر». قال بهرام: ولعله فيما لا يحصل للجاعل فيه نفع إلا بتمام العمل، وإلا فمتى حصل له ذلك ولو لم يتم العمل فينبغي أن يكون له مقدار ما انتفع به. مثال ذلك: إذا طلب الآبق في ناحية ولم يجده بها فإنه وقع للجاعل النفع بذلك، لأنه تحقق أنه لم يكن في تلك الناحية؛ ومفهوم كلام الشيخ والمختصر أنه إذا لم يتم العمل لا شيء له (^٢)، وهو كذلك لقوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير﴾ [يوسف: ٧٢]، ولحديث أبي سعيد الخدري ﵁ فهو من باب الجعالة وذلك في أمر الرقية (^٣) فعن أبي سعيد ﵁ قال: … فقال بعضهم: نعم والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا فصالحوهم على قطيع من الغنم، … فقدموا
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٩/ ٢٣٢).
(٢) الثمر الداني (١/ ٥٢٣).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٣/ ١٨٥).
[ ٣ / ١٠٩٥ ]
على رسول الله ﷺ فذكروا له، فقال: «وما يدريك أنها رقية» ثم قال: «قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم سهما فضحك رسول الله ﷺ» (^١).
(والأجير على البيع) بشيء معين (إذا تم الأجل ولم يبع، وجب له جميع الأجر، وإن باع في نصف الأجل فله نصف الإجارة) لأن الإجارة إذا تعلقت بمنافع كان كل جزء منها في مقابلة جزء من المنافع فإن قيل: قد تقدم أنه لا يضرب في الجعل أجل، وقال هنا: إذا تم الأجل فهذه مناقضة، أجيب: بأنه لا مناقضة لأن ما قاله أولا في الجعل، وما قاله هنا في الإجارة، وهي لا تجوز إلا بضرب الأجل. قاله ابن عمر الأنفاسي (^٢).
• فائدة في الفرق بين الإجارة والجعالة:
أن العامل في الجعالة لا يستحق شيئا من الأجرة إلا بتمام العمل، بخلاف الأجرة فقد تكون بتمام العمل وقد تكون بحسب العمل إذا كان يقبل التجزئة.
ثانيا: عقد الجعالة عقد جائز غير لازم، ولا يلزم المجاعل العقد إلا بالشروع في العمل.
• أحكام الكراء:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والكراء كالبيع فيما يحل ويحرم.
ومن اكترى دابة بعينها إلى بلد فماتت انفسخ الكراء فيما بقي. وكذلك الأجير يموت، والدار تنهدم قبل تمام مدة الكراء. ولا بأس بتعليم المتعلم (^٣) القرآن على الحذاق.
_________________
(١) البخاري (٢١٥٦)، ومسلم (٢٢٠١).
(٢) الثمر الداني (١/ ٥٢٣).
(٣) كما في نسخة الحلبي، وفي الغرب: (المعلم).
[ ٣ / ١٠٩٦ ]
ومشارطة الطبيب على البرء.
ولا ينتقض الكراء بموت الراكب أو الساكن.
ولا بموت غنم الرعاية وليأت بمثلها.
ومن اكترى كراء مضمونا فماتت الدابة فليأت بغيرها.
وإن مات الراكب لم ينفسخ الكراء وليكتروا مكانه غيره.
ومن اكترى ماعونا أو غيره فلا ضمان عليه في هلاكه بيده، وهو مصدق إلا أن يتبين كذبه).
الشرح
(والكراء) بالمد لا غير قال ابن عمر الأنفاسي: يستعمل في كراء ما لا يعقل، والإجارة فيمن يعقل (كالبيع فيما يحل)؛ يعني: من الأجل المعلوم والأجرة المعلومة، إذ كل منهما يقصد منه العوض (و) فيما (يحرم)؛ يعني: من جهل الأجل ونحوه، ويؤخذ الفرق بين الكراء والإجارة من قوله: (ومن اكترى دابة بعينها) وذلك أنه عبر في الدابة بالاكتراء فدل على أن الاكتراء بيع منفعة الحيوان الذي لا يعقل وكذا سيارة ونحوها.
وقال بعد: وكذا الأجير فدل على أن الإجارة تتعلق بالعاقل، فهي بيع منفعة حيوان يعقل مثل أن يقول له: اكر لي هذه الدابة، وعينها بالإشارة إليها الأسافر عليها (إلى بلد كذا) مثلا (فماتت) أو غصبت (انفسخ الكراء فيما بقي) وله بحساب ما سار من الطريق بقيمة أخرى من غير التفات إلى الكراء الأول، لأنه قد يرخص ويغلو.
(وكذلك الأجير) إجارة ثابتة في عينه مدة معلومة على خدمة بيت أو رعاية غنم (يموت) إجارة المدة؛ حكمه حكم الدابة المعينة تنفسخ الإجارة في باقي المدة.
(و) كذا (الدار) تنهدم كلها أو جلها أو ما فيه مضرة كبيرة أو أحرقت أو استحقت (قبل تمام مدة الكراء) سواء كانت مشاهرة أو مساناة؛ أي: كل شهر بكذا أو كل سنة بكذا، فإنها تنفسخ ويعطى بحساب ما سكن.
[ ٣ / ١٠٩٧ ]
• تعليم القرآن بالأجرة:
(ولا بأس بتعليم المتعلم القرآن على الحذاق) بكسر الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة، كما في «الصحاح»؛ والمعنى: أنه يجوز لمعلم القرآن أن يجاعل على تعليم الصبيان القرآن حتى يحذقوا من باب ضرب؛ أي: يحفظوا كلا أو بعضا، وقد اختلف العلماء بين مجوز ومانع، وقال النووي رحمه الله تعالى في كتابه «الماتع التبيان في آداب حملة القرآن» ما نصه: وأما أخذ الأجرة على تعليم القرآن فقد اختلف العلماء فيه: فحكى الإمام أبو سليمان الخطابي منع أخذ الأجرة عليه من جماعة من العلماء منهم: الزهري وأبو حنيفة، وعن جماعة أنه يجوز إن لم يشترطه، وهو قول الحسن البصري، والشعبي، وابن سيرين، وذهب عطاء ومالك والشافعي وآخرون إلى جوازها إن شارطه واستأجره إجارة صحيحة (^١) …، واستدل كل فريق بأدلة بسطناها في أصل هذا المختصر والله الموفق (^٢)
(و) كذا لا بأس ب (مشارطة)؛ أي: بمجاعلة (الطبيب على البرء) حتى يبرأ لحديث أبي سعيد ﵁ المار قريبا بالمشارطة على الرقية بفاتحة الكتاب، ولأن ذلك منفعة مباحة فجازت المشارطة عليها كسائر المنافع.
(ولا ينتقض)؛ بمعنى: لا ينفسخ (الكراء بموت الراكب أو الساكن) لأن عين المستأجر باقية، ويجوز للورثة أن تكري لمن هو مثله أو دونه.
(و) كذلك (لا) ينتقض الكراء بموت غنم الرعاية وليأت بمثلها فإن لم يأت دفع جميع الأجر، (ومن اكترى كراء مضمونا) مثل أن يقول له: اكر لي دابة لأحمل عليها كذا إلى موضع كذا (فماتت الدابة فليأت بغيرها) لأن المنافع مستحقة في الذمة وليست متعلقة بهذه العين.
وقوله: (وإن مات الراكب لم ينفسخ الكراء) مكرر كرره ليرتب عليه
_________________
(١) التبيان في آداب حملة القرآن (٣٠)، الناشر: الوكالة العامة للتوزيع، سنة ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣ م، دمشق.
(٢) المناهل الزلالة في شرح وأدلة الرسالة (٣/ ١٦٢٤).
[ ٣ / ١٠٩٨ ]
قوله: (وليكتروا مكانه غيره)؛ يعني: من اكترى دابة ونقد كراءها ثم مات لم ينفسخ الكراء، بل تكري ورثته الدابة لمن هو مثله في القدر والحال.
(ومن اكترى ماعونا) الماعون اسم جامع لمنافع البيت من قدر وقصعة وفأس وقدوم ومنخل (أو غيره) كالثوب والدابة (ف) إنه لا ضمان عليه في هلاكه بيده وهو مصدق في تلفه لأنه مؤتمن على ما استأجره (إلا أن يتبين كذبه) فلا يصدق ويضمن. مثل أن يقول: هلكت أول الشهر، ثم ترى عنده بعد ذلك. ومفهوم بيده أنه لو أخرجه عن يده فهلك في يد الغير يضمن إذا أكرى لغير أمين، أو لمن هو أثقل منه أو أضر.
• ضمان الصناع ونحوهم:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والصناع ضامنون لما غابوا عليه عملوه بأجر أو بغير أجر. ولا ضمان على صاحب الحمام.
ولا ضمان على صاحب السفينة، ولا كراء له إلا على البلاغ).
الشرح
(والصناع) الذين نصبوا أنفسهم للصنعة التي معاشهم منها كالخياطين والحدادين والنجارين ونحوهم (ضامنون لما غابوا عليه)؛ أي: ضامنون قيمته يوم القبض ولا أجرة لهم فيما عملوه؛ أي: لأنهم يضمنون قيمته غير مصنوع، قال في «الموازية»: ليس لربه أن يقول: أنا أدفع الأجرة وآخذ قيمته معمولا (^١).
قال ابن رشد: إلا أن يقر الصانع أنه تلف بعد العمل (^٢) روى ابن وهب عن طلحة بن أبي سعيد أن بكير بن الأشج حدثه أن عمر بن
_________________
(١) البهجة في شرح التحفة التسولي (٢/ ٣٠٥)، العلمية، لبنان - بيروت، ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٨ م، الأولى، تحقيق: محمد عبد القادر شاهين.
(٢) الخرشي على مختصر خليل (٧/ ٢٨).
[ ٣ / ١٠٩٩ ]
الخطاب ﵁ كان يضمن الصناع الذين في الأسواق وانتصبوا للناس ما دفع إليهم، وكان ذلك عمل الخلفاء يضمنون الصناع، قال ابن وهب: وأخبرني الحارث بن نبهان عن عطاء بن السائب قال: كان شريح يضمن الصناع والقصار. اه (^١).
وهو أصلح للعامة كما في «المدونة» لأن الأصل في الصناع عدم الضمان لكونهم مؤتمنون لأنهم أجراء، وقد أسقط النبي ﷺ الضمان عن الأجراء عموما، والعموم يحتمل الخصوص، وخصص أهل العلم في ذلك الصناع وأخرجهم من حكم الأجراء في الائتمان وضمنهم نظرا واجتهادا لضرورة الناس إلى استعمالهم، فلو جرى الحكم بعدم ضمانهم لسارعوا لأخذ أموال الناس واجترأوا على أكلها، فكان ذلك ذريعة لإتلاف الأموال وإهلاكها، ولحق الناس لذلك أعظم الضرر لأنهم بين أن يدفعوها إليهم للاستصناع فيعرضوها للهلاك أو يمسكوها مع الحاجة إلى صناعتهم فيضر ذلك بهم، إذ ليس كل أحد يحسن الخياطة أو النسج أو غير ذلك من الأعمال، فكان من النظر المصلحي الحكم بضمانهم إلا ما قامت بهلاكها البينة فحينئذ يسقط الضمان عنهم وإن لم يكن منهم تقصير في الحفظ كما قال القلشاني، وانظر رعاك الله كتاب الأوسط لابن المنذر في ذكر تضمين الصناع، واختلاف الفقهاء في ذلك.
قال ابن رشد: «ومن ضمنه فلا دليل له إلا النظر إلى المصلحة وسد الذريعة» (^٢).
(ولا ضمان على صاحب الحمام) قال ابن ناجي: ظاهر كلامه أنه المكري لا حارس الثياب. وقرر ابن عمر الأنفاسي كلامه بعكس هذا ولفظه: صاحب الحمام حارس الثياب سواء كان يحرسها بأجرة أو بغير أجرة، وهذا
_________________
(١) المدونة (٦/ ١١/ ٣٨٨) القضاء في تضمين الصناع. والقصار من: (قصرت) الثوب (قصرا) بيضته، مصباح.
(٢) بداية المجتهد (٤/ ١٧).
[ ٣ / ١١٠٠ ]
إذا سرقت أو تلفت بأمر من الله تعالى، وأما إذا قال: جاء رجل يطلبها فظننت أنه صاحبها فأعطيتها له فإنه يضمن، وكذا إذا قال: رأيت من أخذها فظننت أنه صاحبها. وقال ابن المسيب: يضمن صاحب الحمام، وبه قال أبو حنيفة.
(و) كذا (لا ضمان على صاحب السفينة) إذا غرقت بسبب ريح أو موج (ولا كراء له)؛ أي: لصاحب السفينة (إلا على البلاغ) لأن الإجارة في السفينة جارية مجرى الجعل فإذا لم يحصل الغرض المطلوب لم يستحق الأجرة. وقيل: له من الأجرة بحساب ما سار، واستظهر لأن رد الكراء إلى الاجرة أولى من رده إلى الجعل لأن الغاية معلومة والأجرة معلومة فيكون له بحسب ما سار وهو قول ابن وهب.
• الشركة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا بأس بالشركة بالأبدان إذا عملا في موضع واحد عملا واحدا أو متقاربا.
وتجوز الشركة بالأموال على أن يكون الربح بينهما بقدر ما أخرج كل واحد منهما والعمل عليهما بقدر ما شرطا من الربح لكل واحد، ولا يجوز أن يختلف رأس المال ويستويا في الربح).
الشرح
الشركة بفتح المعجمة وكسر الراء وبكسر أوله وسكون الراء، وقد تحذف الهاء، وقد يفتح أوله مع ذلك فتلك أربع لغات.
وهي شرعا: ما يحدث بالاختيار بين اثنين فصاعدا من الاختلاط لتحصيل الربح وقد تحصل بغير قصد كالإرث (^١) فهو شركة جبرية، أو هي الاجتماع في استحقاق أو تصرف (^٢).
_________________
(١) فتح الباري (٥/ ١٥٢)
(٢) وانظر: تعريف ابن عرفة كما في شرح حدود ابن عرفة (٤٣١).
[ ٣ / ١١٠١ ]
وهي ثابتة بالكتاب قال الله سبحانه: ﴿فهم شركاء في الثلث﴾ [النساء: ١٢]، وقوله سبحانه: ﴿وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض﴾ [ص: ٢٤].
ومن السنة ما روي «أن البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة، فبلغ رسول الله ﷺ فأمرهما أن ما كان بنقد فأجيزوه، وما كان نسيئة فردوه» (^١). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما» (^٢).
وروي عن النبي ﷺ: أنه قال: «يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا» (^٣).
وأجمع العلماء على هذا، ذكر ذلك ابن المنذر (^٤).
والجمهور يقولون: الشركة نوعان: شركة أملاك، وشركة عقود. وشركة العقود أصلا لا تفتقر إلى شركة الأملاك، كما أن شركة الأملاك لا تفتقر إلى شركة العقود، وإن كانا قد يجتمعان.
فشركة الأملاك: وهي أن يتملك أكثر من شخص عينا من غير عقد، كاشتراك الورثة في التركة، واشتراك الموهوب لهم في الهبة، وغيرهم فهي عبارة عن انتقال الملك لهم من غير سعي فيه منهم، ولذلك عرفت بأنها: «ثبوت الحق في شيء لاثنين على جهة الشيوع». وشركة العقود: هي أن يعقد اثنان فأكثر عقدا على الاشتراك في المال وما نتج عنه من ربح، وهي مدار البحث في كلام المصنف رحمه الله تعالى.
• أركان الشركة:
١ - العاقدان، ويشترط فيهما أن يكون صالحين للوكالة بطرفيها، أي وكيلا وموكلا، فلا تصح من المحجور عليه، والصبي.
_________________
(١) البخاري (٢٠٦٠)، ومسلم (٤١٥٥).
(٢) رواه أبو داود (٢٩٣٦)، والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد (٢/ ٥٢).
(٣) الدارقطني (٣/ ٣٥) (١٤٠)، وضعفه الألباني كما في غاية المرام (١/ ٢٠٩/ ٣٥٦)، والإرواء (٥/ ٢٨٩).
(٤) الإجماع (٩٥).
[ ٣ / ١١٠٢ ]
٢ - الصيغة، ويقصد بها ما يحصل به الإذن في التصرف من كلام أو كتابة، وخلط الأموال مع العمل.
٣ - المحل: هو ما يقع الاشتراك فيه من مال وأعمال. وأنواعها كما يلي:
١ - شركة العنان. ٢ - شركة المفاوضة. ٣ - شركة الأبدان أو الأعمال. ٤ - شركة الوجوه.
وقد أجاز المالكية كل الشركات، ما عدا شركة الوجوه.
أ - شركة العنان: وهي أن يشترك اثنان في مال لهما على أن يتجرا فيه والربح بينهما، ولا يستبد أحدهما بالتصرف في شيء إلا بإذن صاحبه (^١)، قال القرافي: وإنما تجوز شركة العنان بأربعة شروط: الأول استواء المالين في الجنس والصفة؛ والثاني خلطها. والثالث إذن كل واحد في التصرف؛ والرابع اتفاقهما على أن الربح والخسران على قدر المال.
ب - شركة المفاوضة: وهي الاختلاط في كل شيء من أموال التجارة وهي الجائزة عندنا باتفاق، وهي أن يفوض كل واحد منهما إلى الآخر التصرف مع حضوره وغيبته، وتكون يده كيده ولا يكون شركة إلا بما يعقد أن الشركة عليه وكل ذلك جائز (^٢).
ج - أما شركة الذمم فعلى ثلاثة أضرب شركة في شراء شيء بعينه فهذه تجوز اتفاقا، أو اختلافا بينهما، ويتبع كل منهما بقدر نصيبه (^٣).
الثانية: اشتراكهما في معين على أن يتحمل كل منهما لصاحبه فإن كانا معتدلين فيهما جازت الشركة والبيع وإن كانا مختلفين لم تجز.
الثالثة: أن يشتركا على غير معين فهذا لا يجوز لأنه من باب تحمل عني
_________________
(١) الزرقاني (٦/ ٥٢).
(٢) انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد (٣/ ٣٦).
(٣) أورد النسائي ﵀ صيغ عقود شركة المفاوضة والعنان في سننه عن سعيد بن المسيب فانظرها، باب: شركة مفاوضة بين أربعة على مذهب من يجيزها.
[ ٣ / ١١٠٣ ]
وأحمل عنك، وأسلفني وأسلفك، فإن وقعت فالمشترى بينهما، لأن غير المشتري أذن للمشتري قاله ابن القاسم. وقال سحنون: لكل واحد ما اشتراه لفساد العقد، لأنه داخل في باب الضمان بالجعل، وفي السلف الذي يجر نفعا (^١).
د - شركة الأبدان أو الأعمال: وقد اقتصر المصنف على الجائز من تلك الشركات فقال المصنف: (ولا بأس بالشركة بالأبدان) وهي إذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في أن يتصرف مع نفسه، أو هي: أن يشترك صانعان فأكثر على أن يعملا معا ويقتسما أجرة عملهما بنسبة العمل بشرط أن تكون الصنعة متحدة كحد أدنى، أو أن يتلازم عمل أحدهما مع عمل الآخر وأن يتساويا في العمل أو يتقاربا فيه (^٢).
وهي ثلاثة أضرب منها: الشراكة بغير آلة، ولا رأس مال، كالحمل على الرؤوس، والتعليم، والخياطة، والبناء، وشرطها:
١ - التقارب في القدرة والمعرفة بذلك (وفي خليل جوازها، وإن بمكانين على ما في العتبية) (^٣)
٢ - وأن يكونا فيه مجتمعين.
٣ - وأن يشتركا في ملك الآلة.
وأن يقسم الناتج على رؤوس أموالهما.
دليلها أن الله تعالى قال: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة: ٢]، وما ثبت في «الصحيح»: أن زهرة بن معبد كان يخرج به جده فيشتري الطعام فيلقاه ابن عمر وابن الزبير فيقولان له: «أشركنا فإن النبي ﷺ قد دعا لك بالبركة، فيشركهما فربما أصاب الراحلة كما هي فيبعث بها إلى
_________________
(١) شرح زروق على الرسالة (٢/ ٧٨٢)، من كلام عياض مختصرا، وانظر: الذخيرة للقرافي (٨/ ٢٩)، وانظر: العجالة للشيخ ابن حنفية العابدين (٤/ ١٥٦).
(٢) حاشية الدسوقي (٣/ ٣٦١).
(٣) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (٦/ ١٥٨).
[ ٣ / ١١٠٤ ]
المنزل» (^١)، (إذا عملا في موضع واحد) اتحدت الصنعة أو لا وهذا مذهب المدونة. وصرح ابن عمر الأنفاسي بمشهوريته، وأجاز في العتبية تعدد المكان إن اتحدت الصنعة وشهره صاحب المختصر (^٢) (عملا واحدا) كخياطين (أو متقاربا) بأن يتوقف عمل أحدهما على عمل الآخر كما إذا كان أحدهما يجهز الغزل للنسج والآخر ينسج.
وأما إذا اختلفت صنعتهما ولم تتلازم كخياط وحداد لم تجز الشركة للغرر، إذ قد تنفق صنعة هذا دون هذا، فيأخذ من صاحبه ما لا يستحقه. ومما استدلوا به أيضا على شركة الأبدان حديث أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: «اشتركت أنا وعمار، وسعد، فيما نصيب يوم بدر قال: فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشيء» (^٣).
(وتجوز الشركة بالأموال) الدنانير والدراهم من كلا الجانبين إجماعا بشرط اتحادهما الذهب من ناحية وفضة من الآخر لأنها شركة وصرف، قاله في «المدونة»، وأجازه سحنون ونحوه في كتابه ابن المواز (^٤)، وبالطعام المتفق صفة ونوعا عند ابن القاسم ومنعه مالك؛ أي: منع المتفق صفة ونوعا وقدرا فأولى المختلف وحيث قيل: بالجواز فإنما هو على أن يكون الربح بينهما بقدر ما أخرج كل واحد منهما، (و) على أن يكون العمل عليهما بقدر ما شرطا من الربح لكل واحد فإذا أخرج أحدهما مثلا مائة والآخر مائتين فالربح والخسران بينهما أثلاثا، «وإذا عمل أحدهما وغاب الآخر فإنهما يقتسمان الربح بحسب النسبة المتفق عليها، وعلى الغائب أن يدفع أجرة العمل لشريكه عن المدة التي غابها، لأن الربح في شركة الأموال، إنما هو عن
_________________
(١) كتاب الشركة، باب: الشركة في الطعام وغيره (٢٣٦٨، ٥٩٩٢، ٦٧٨٤).
(٢) كما أشرنا إليه سابقا.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٣٨٨)، والنسائي (٧/ ٥٧)، (٣١٩)، وابن ماجه (٢٢٨٨)، وانظر: إرواء الغليل (١٤٧٤) وضعفه.
(٤) شرح الرسالة لزروق (٢/ ٧٨٣).
[ ٣ / ١١٠٥ ]
المال، وهم شركاء فيه، والعمل تبع للمال، فمن عمل زائدا أخذ أجرة على عمله» (^١).
وإذا عقدا بينهما عقدا على التساوي في المال والتفاوت في الربح فالعقد باطل لا يصح، وكذا لو تنازل أحدهما عن بعض حقه بعد العقد جاز ذلك، لأن الذي يضر هو اشتراط عدم التساوي قال خليل: «وله التبرع والسلف والهبة بعد العقد» (^٢).
وقوله: (ولا يجوز أن يختلف رأس المال ويستويا في الربح) تكرار مع قوله على أن يكون الربح بينهما … إلخ.
• المضاربة
المضاربة أو القراض:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والقراض جائز بالدنانير والدراهم وقد أرخص فيه بنقار الذهب والفضة.
ولا يجوز بالعروض، ويكون إن نزل أجيرا في بيعها، وعلى قراض مثله في الثمن.
وللعامل كسوته وطعامه إذا سافر في المال الذي له بال، وإنما يكتسى في السفر البعيد.
ولا يقتسمان الربح حتى ين رأس المال).
الشرح
(والقراض)؛ أي: المضاربة فأهل الحجاز يسمونها قراضا، فنظروا في ذلك إلى رب المال، وأما أهل العراق فيسمونها مضاربة، نظروا في ذلك
_________________
(١) فتاوى المعاملات الشائعة للشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني (١١٦)، ط: دار ابن حزم.
(٢) انظر: العجالة في شرح الرسالة لابن حنفية العابدين (٤/ ١٥٩).
[ ٣ / ١١٠٦ ]
للعامل، (والمضاربة) هي مأخوذة من الضرب في الأرض وهو السفر والمشي، والعامل: مضارب بكسر الراء، قال الرافعي: ولم يشتق للمالك منه اسم فاعل؛ لأن العامل يختص بالضرب في الأرض، فعلى هذا تكون المضاربة من المفاعلة التي تكون من واحد مثل: عاقبت اللص (^١).
واصطلاحا: «القراض توكيل على تجر بنقد مضروب مسلم بجزء من ربحه إن علم قدرهما» (^٢).
(جائز) إجماعا (^٣).
وقد دلت السنة على ذلك حيث أقر النبي ﷺ هذا النوع من المعاملات التي كانت في الجاهلية ومنها «أنه ﷺ خرج في قراض بمال خديجة ﵂ فلما جاء الإسلام أقره، وعمل به المسلمون عملا متيقنا بنقل الخلف عن السلف» (^٤).
ومنها أن العباس ﵁ كان يعطي ماله قراضا وربا فأقر الإسلام ما نتج عن مضاربة ووضع الربا كما في خطبة حجة الوداع، وبوروده أيضا عن جماعة من الصحابة كعمر وابنه عبد الله وعلي وعثمان وابن مسعود وابن عباس وأبيه وجابر وحكيم بن حزام ﵃ فعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: خرج عبد الله، وعبيد الله، ابنا عمر في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، فرحب بهما وسهل، وهو أمير البصرة، فقال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما لفعلت، ثم قال: بلى ها هنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه، فتبتاعان به من متاع العراق، ثم تبيعانه
_________________
(١) المطلع (١/ ٢٦١)، ونيل الأوطار (٥/ ٣١٥).
(٢) حاشية الدسوقي (٣/ ٥٢٣).
(٣) مراتب الإجماع لابن حزم (٩١)، والمحلى (٨/ ٢٤٧).
(٤) وخروجه بمال خديجة مبثوث في السير، وقد أخرج البزار والطبراني كما في المجمع (٩/ ٢٢٢) وإسناده حسن. انظر: السيرة النبوية في ضوء مصادرها التحليلية للدكتور مهدي رزق الله (١٣٢ - ١٣٣).
[ ٣ / ١١٠٧ ]
بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما، فقالا: وددنا، وكتب إلى عمر بن الخطاب، أن يأخذ منهما المال، فلما قدما على عمر، قال: أكل الجيش أسلفه كما أسلفكما؟ فقالا: لا، قال أديا المال وربحه، قال: فأما عبد الله، فسكت، وأما عبيد الله، فقال: ما ينبغي لك هذا يا أمير المؤمنين، هذا، لو هلك المال أو نقص لضمناه؟ فقال: أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لو جعلته قراضا؟ قال: قد جعلته قراضا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله، وعبيد الله، نصف ربح ذلك المال (^١).
وأركانه:
١ - العاقدان ويشترط فيهما ما يشترط في الوكيل والموكل.
٢ - المال المسلم للعامل، ولا بد أن يكون معلوما لأنه إن لم يعلم كانت حصة الربح مجهولة فيفسد العقد، وأن لا يكون دينا في ذمة العامل، ويشترط ألا يكون رأس المال مضمونا من العامل، إلا أن يتعدى، وتكون أجرة العامل للعامل منه لا من رأس المال وربحه قبل القسم.
٣ - الصيغة: وهي ما يكون به التراضي.
٤ - ما يكون من الربح بين رب المال والعلم بنسبة محددة لا مجهولة، لا شيئا معينا كمائة دينار كان ربا فلا يصح.
ويكون القراض بشروط:
أحدها: أن يكون (بالدنانير والدراهم)؛ أي: نقدا سواء كان التعامل بهما بالعد أو بالوزن (وقد أرخص فيه)؛ أي: في القراض (بنقار الذهب والفضة) النقار: بكسر النون القطعة من الذهب أو الفضة (ولا يجوز) القراض (بالعروض) ولا بشيء من المكيلات أو الموزونات، لأن القراض في الأصل
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (١٣٧٢)، والشافعي (١٣٣٢)، وعنه البيهقي (٦/ ١١٠)، وقال الحافظ في التلخيص (٣/ ٥٧): «إسناده صحيح».
[ ٣ / ١١٠٨ ]
غرر، لكونه إجارة مجهولة إذ العامل لا يدري هل يربح أو لا؟ وعلى تقدير الربح كم مقداره؟ وكذلك رب المال لا يدري هل يربح أم لا؟ وهل يرجع إليه رأس ماله أم لا؟ فكان ذلك غررا من هذه الوجوه إلا أن الشارع جوزه للضرورة إليه ولحاجة الناس إلى التعامل به، فيجب أن يجوز منه مقدار ما جوزه الشارع وهو النقد المضروب، وما في حكمه من نقار الذهب والفضة، أما العروض ما عدا الذهب والفضة، فلا تجوز لأن العروض تحتاج إلى بيع فيكون العامل فيها أجيرا وليس مضاربا كما سيذكر المصنف، ولا يدري كم يكون رأس المال منها فصار مجهولا، فالحاصل من العروض نقدا يمكنه المضاربة فيه، قال مالك: «فإن جهل ذلك حتى يمضي، نظر إلى قدر أجر الذي دفع إليه القراض، في بيعه إياه، وعلاجه فيعطاه. ثم يكون المال قراضا من يوم نض. واجتمع عينا. ويرد إلى قراض مثله» (^١)
(و) إذا امتنع القراض بها؛ أي: بالعروض فإن العامل (يكون إن نزل)؛ أي: وقع القراض بها (أجيرا في بيعها) ويكون (على قراض مثله في الثمن)؛ أي: إذا اتجر بالثمن، والذي في المختصر أن أجرة مثله في بيع العروض، وأما عمله في القراض بعد ذلك فله قراض مثله من الربح إن كان ثم ربح، وإلا فلا شيء له ثم بين أمورا يستبد بها العامل دون رب المال بقوله:
(وللعامل)؛ أي: وجوبا (كسوته وطعامه) المراد به نفقته ذهابا وإيابا بشرطين: أحدهما السفر، ومن شرطه أن ينوي به تنمية المال، أما إذا سافر به لزيارة أهله أو لحج فلا نفقة له.
والآخر: أن يكون المال له بال وإليهما أشار بقوله: (إذا سافر في المال الذي له بال) كان السفر قريبا أو بعيدا بالنسبة للطعام.
(و) أما الكسوة فإنما يكتسي في السفر البعيد لا القريب إذا كان المال كثيرا لا قليلا حد القريب مثل مسيرة عشرة أيام وحد المال الكثير
_________________
(١) موطأ مالك (٢٥٥٦).
[ ٣ / ١١٠٩ ]
خمسون دينارا فأكثر (ولا يقسمان الربح حتى ينض رأس المال) بكسر النون من نص ينص. قال الأجهوري: وكسر النون هو مقتضى ما في لامية الأفعال والصحاح (^١)، ومعنى ينض المال يصير ذهبا أو فضة، صورة ذلك أن يبيع بعض السلع ويبقي بعضها ويكون فيها رأس المال فيقول له: نقتسم هذا الذي نض، فهذا لا يجوز لأنه قد تهلك السلعة الباقية، أو ترخص السلع ولا يمكنه جمع رأس المال، فمن أين يأتي الربح؟.
• المساقاة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والمساقاة جائزة.
في الأصول.
على ما تراضيا عليه من الأجزاء.
والعمل كله على المساقى، ولا يشترط عليه عملا غير عمل المساقاة.
ولا عمل شيء ينشئه في الحائط إلا ما لا بال له من شد الحظيرة، وإصلاح الضفيرة وهي: مجتمع الماء من غير أن ينشئ بناءها، والتذكير على العامل، وتنقية مناقع الشجر، وإصلاح مسقط الماء من الغرب، وتنقية العين وشبه ذلك جائز أن يشترط على العامل.
ولا تجوز المساقاة على إخراج ما في الحائط من الدواب.
وما مات منها فعلى ربه خلفه.
ونفقة الدواب والأجراء على العامل.
وعليه زريعة البياض اليسير ولا بأس أن يلغى ذلك للعامل وهو أحله.
_________________
(١) انظر: تاج العروس للزبيدي (١٩/ ٧٢).
[ ٣ / ١١١٠ ]
وإن كان البياض كثيرا لم يجز أن يدخل في مساقاة النخل إلا أن يكون قدر الثلث من الجميع فأقل.
الشرح
(والمساقاة) تعريفها: مفاعلة من السقي، وهذه المفاعلة على غير بابها وهي من المفاعلة التي تكون من الواحد وهو قليل نحو سافر، وعافاه الله.
ومعناها اصطلاحا: أن يدفع الرجل كرمه، أو حائط نخله مثلا لمن يكفيه القيام بما يحتاج إليه من السقي والعمل، على أن ما أطعم الله من ثمرها بينهما نصفين أو على جزء معلوم من الثمر كثلث وربع. وسميت بهذه التسمية لأن شجر أهل الحجاز أكثر حاجة إلى السقي لأنها تسقى من الآبار، فسميت بهذه التسمية. وقال ابن عرفة: «عقد على عمل مؤنة النبات بقدر لا من غير غلته لا بلفظ بيع أو إجارة أو جعل» (^١).
ويسمى القائم على سقيها المساقي، والطرف الآخر برب الشجر.
حكمها: أنها (جائزة) لحديث ابن عمر ﵄: «أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» (^٢). ولأن الأنصار قالت للنبي ﷺ: «اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: «لا» فقالوا: تكفونا المؤونة، ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا»؛ أي: «أن الأنصار أرادوا أن يشركوا معهم المهاجرين في النخيل فعرضوا ذلك على الرسول ﷺ، فأبى، فعرضوا أن يتولوا أمره، ولهم الشطر، فأجابهم» (^٣).
قال الحازمي: «روي عن علي بن أبي طالب، وجماعة من الصحابة والتابعين، فقالوا: تجوز المزارعة والمساقاة بجزء من الثمر أو الزرع قالوا: ويجوز العقد على المزارعة والمساقاة مجتمعين فتساقيه على النخل وتزارعه
_________________
(١) شرح حدود ابن عرفة (٥٠٨).
(٢) البخاري (٢٥٨٠)، مسلم (٤٠٤٤) واللفظ له.
(٣) البخاري (٢٢٠٠) (٢٥٧٠، ٣٥٧١).
[ ٣ / ١١١١ ]
على الأرض كما جرى في خيبر» (^١).
وهي مستثناة من المخابرة وهي كراء الأرض بما يخرج منها ومن بيع الثمرة والإجارة بها قبل طيبها وقبل وجودها، ومن الإجارة بالمجهول. ولها شروط منها: العاقدان، ويشترط فيهما أهلية الإجارة.
ومنها: أن تكون بلفظ: ساقيت فلا تنعقد بعاملتك ونحوه.
وتكون المساقاة (في الأصول) الثابتة، ظاهره عدم جوازها في غيرها وليس كذلك بل تصح في الزرع كالقصب والبصل والمقاثئ بشروط: أحدها: عجز رب الزرع عن القيام به.
ثانيها: أن يخاف عليه الموت بترك السقي.
ثالثها: أن يبرز من الأرض.
رابعها: أن لا يبدو صلاحه لأنه إذا جاز بيعها لا ضرورة حينئذ للمساقاة.
ومنها: أن يساقي على جزء معلوم سواء كان كثيرا كالثلثين أو قليلا كالربع، وإليه أشار بقوله: (على ما تراضيا عليه (من الأجزاء) فلو ساقاه على أصع أو أوسق معدودة لم يجز.
(و) منها: أن يكون (العمل كله على المساقى) بفتح القاف وهو العامل، والعمل القيام بما تفتقر إليه الثمرة من السقي والآبار، والتنقية، والجذاذ، وإقامة الأدوات من الدلاء والمساحي إلخ.
(و) منها: أن رب الحائط (لا يشترط عليه عملا) آخر (غير عمل المساقاة) مثل أن يساقيه ويشترط عليه أن يبيع له ثوبا ونحو ذلك مما لا تعلق له بالثمرة.
(و) كذا (لا) يجوز له أن يشترط عليه (عمل شيء ينشئه)؛ أي: يحدثه (في الحائط إلا ما)؛ أي: شيئا (لا بال)؛ أي: لا خطر (له) لقلته، فإنه
_________________
(١) نيل الأوطار (٦/ ٩)، كتاب المساقاة والمزارعة، بتصرف.
[ ٣ / ١١١٢ ]
يجوز له أن يشترطه عليه من شد الحظيرة بالظاء المشالة وهي الحائط المحيطة بالبستان (و) من (إصلاح الضفيرة) بالضاد المعجمة (وهي) كما قال المصنف: (مجتمع الماء)؛ أي: موضع اجتماع الماء كالصهريج، وأما بناؤها من أصلها فلا يجوز أن يشترط ذلك على العامل، وإليه أشار بقوله: (من غير أن ينشئ بناءها) لأن ذلك مما يبقى بعد الثمرة.
(والتذكير)؛ أي: التلقيح (على العامل)؛ أي: عليه شراء ما يلقح به وتعليقه وهو المذهب (وتنقية مناقع الشجر) جمع منقع بفتح القاف موضع يستنقع فيه الماء، قال في المصباح: ومنقع الماء بالفتح مجتمعه (وإصلاح مسقط الماء) موضع السقوط (من الغرب) وهو الدلو الكبير (وتنقية العين) وهو كنسها بما يقع فيها من تراب أو ورق (وشبه ذلك) من عمل المساقاة؛ أي: مثل الجذاذ والجرين (^١). وقوله: (جائز) خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا، وشبهه جائز بعد (أن يشترط على العامل).
ومنها: ما أشار إليه بقوله: (ولا تجوز المساقاة على إخراج ما في الحائط من الدواب) ومما في حكمها من الالآت اليوم، ولفظ «المدونة»: ولا ينبغي لرب الحائط أن يساقيه على أن ينزع شيئا مما في الحائط من الرقيق والدواب. قال بهرام: قوله: ولا ينبغي على التحريم لا على الكراهة (وما مات منها)؛ أي: الدواب التي في الحائط (فعلى ربه خلفه) وإن لم يشترط العامل ذلك عليه، لأن العقد كان على عمل في ذمة صاحب الحائط؛ أي: من حيث تلك الدواب التي وقع عقد المساقاة وهي في الحائط، ولو شرط خلفهم على العامل لم يجز.
(و) أما (نفقة الدواب)؛ أي: علفهم (و) نفقة (الأجراء) جمع أجير؛ أي: إطعامهم وكسوتهم ف (على العامل على المشهور، لأن عليه العمل وجميع المؤن المتعلقة به، وعليه) أيضا (زريعة) بفتح الزاي وكسر الراء
_________________
(١) الجرين: هو المربد الذي يسميه أهل المدينة: الجرين وأهل الشام: الأندر، وأهل العراق: البيدر، وأهل البصرة: الجوخان.
[ ٣ / ١١١٣ ]
مخففة والتشديد من لحن العوام، (البياض اليسير)؛ أي: الأرض الخالية عن الشجر، والثلث فما دونه يسير، (ولا بأس أن يلغى)؛ أي: يترك (ذلك) البياض اليسير (للعامل وهو)؛ أي: الإلغاء (أحله)؛ أي: أحل له؛ أي: رب الحائط ليسلم من كراء الأرض بجزء ما يخرج منها (وإن كان البياض كثيرا لم يجز أن يدخل في مساقاة النخل إلا أن يكون قدر الثلث من الجميع فأقل):
وحاصل المسألة أن البياض اليسير يجوز إدخاله في المساقاة بالشروط المتقدمة، ويختص به العامل إن سكتا عنه أو اشترطه، ويفسد عقد المساقاة إن اشترطه ربه له إن كان يناله سقي العامل، كما يفسد عقد المساقاة بإدخال الكثير أو اشتراطه للعامل أو إلغائه له بل يبقى لربه. والمعتبر يسارته وكثرته بالنسبة لجميع الثمرة لا بالنسبة لحصة العامل فقط.
• المزارعة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والشركة في الزرع جائزة إذا كانت الزريعة منهما جميعا، والربح بينهما وكانت الأرض لأحدهما والعمل على الآخر.
أو العمل بينهما واكتريا الأرض أو كانت بينهما.
أما إن كان البذر من عند أحدهما، ومن عند الآخر الأرض والعمل عليه.
أو عليهما، والربح بينهما لم يجز.
ولو كانا اكتريا الأرض والبدر من عند واحد، وعلى الآخر العمل جاز إذا تقاربت قيمة ذلك.
ولا ينقد في كراء أرض غير مأمونة قبل أن تروى) ..
الشرح
المزارعة مفاعلة من الزرع، وهي دفع الأرض إلى من يزرعها ويعمل عليها والزرع بينهما (والشركة في الزرع جائزة) ومنهم من يعبر عنها
[ ٣ / ١١١٤ ]
بالمزارعة. وقد ذكر الشيخ في هذا الفصل ثمانية مسائل أربعة جائزة منها:
ثلاثة متوالية والرابعة متأخرة وأربعة ممنوعة واحدة بالمفهوم وثلاثة بالمنطوق.
أما الثلاثة الجائزة: فأشار إلى أولها بقوله: (إذا كانت الزريعة منهما جميعا والربح بينهما، كانت الأرض لأحدهما والعمل على الآخر)، بشرط مساواته لأجرة الأرض في القيمة أو مقاربته، كأن تكون قيمة الأرض تسعة عشر وقيمة العمل عشرين أو عكسه. وأما لو تباعدت فلا جواز.
وثانيها: أشار إليه بقوله: (أو العمل بينهما واكتريا الأرض) فهي المسألة المتقدمة بحالها إلا أن المتقدمة كانت الأرض في مقابلة العمل، وفي هذه العمل بينهما واكتريا الأرض. وثالثها: أشار إليه بقوله: (أو كانت)؛ أي: الأرض (بينهما) والمسألة بحالها. خلاصتها:
١ - أن يشتركا في البذر، والأرض لأحدهما، والعمل على الآخر.
٢ - أن يكون العمل بينهما، والأرض لهما، والبذر بينهما.
٣ - أن تكون الأرض لهما، والعمل والبذر عليهما.
وأما الثلاثة الممنوعة المأخوذة بالمنطوق فأشار إليها بقوله: (أما إن كان البذر من عند أحدهما، ومن عند الآخر الأرض والعمل عليه أو عليهما) معا (والربح بينهما لم يجز) بيان أخذها من المنطوق أن الضمير في عليه يحتمل عوده على صاحب الأرض، فيكون أحدهما أخرج البذر والآخر الأرض والعمل وهذه مسألة؛ ويحتمل عوده على مخرج البذر فيكون أحدهما أخرج البذر والعمل والآخر الأرض وهذه مسألة. وقوله: أو عليهما؛ أي: العمل عليهما. والمسألة بحالها أخرج أحدهما الأرض والآخر البذر، وهذه مسألة.
وخلاصتها:
١ - أن يكون على أحدهما البذر والعمل، وعلى الآخر الأرض.
٢ - أو يكون على أحدهما البذر وعلى الآخر الأرض والعمل.
٣ - أو يكون على أحدهما البذر وعلى الآخر الأرض، والعمل بينهما.
[ ٣ / ١١١٥ ]
ثم أشار إلى المسألة الرابعة المكملة للمسائل الجائزة بقوله: (ولو كانا اكتريا الأرض) أو كانت بينهما أو كانت لأحدهما ويعطيه الآخر كراء نصفه (والبذر من عند واحد وعلى الآخر العمل جاز) ذلك (إذا تقاربت قيمة ذلك البذر والعمل) مفهومه: إذا لم تتقارب لا تجوز وهو كذلك، وتكون هذه المسألة هي المكملة للأربعة الممنوعة. جدول للصور الجائزة والممنوعة في عقد شركة الزرع (^١):
الأرض البذر العمل الحكم على الأول عليهما على الثاني جائز عليهما عليهما عليهما جائز لهما كراء عليهما على واحد جائز على الأول على الثاني على الثاني ممنوع على الأول على الثاني على الأول ممنوع على الأول على الثاني عليهما ممنوع عليهما على الأول على الثاني جائز (تقارب القيمة) عليهما على الأول على الثاني ممنوع (تباعد القيمة)
(ولا ينقد) بشرط (في كراء أرض غير مأمونة) الري (قبل أن تروى) كأرض المطر وأرض العين القليلة الماء، أما جواز كرائها بالنقد، فلحديث حنظلة بن قيس في رواية عنه أنه سأل رافع ابن خديج ﵁ عن كراء الأرض فقال: «نهى رسول الله ﷺ عن كراء الأرض، قلت: بالذهب والورق؟ قال: لا، إنما نهى عنها بما يخرج منها، فأما الذهب والفضة، فلا بأس» (^٢)، وحديث سعد قال: «كنا نكري الأرض بما على السواقي من الزرع وما سعد
_________________
(١) العجالة في شرح الرسالة للشيخ العلامة ابن حنفية العابدين (٤/ ١٧٥).
(٢) الموطأ (١٣٩٠)، والبخاري (٢٣٤٦)، ومسلم في البيوع، باب: كراء الأرض بالطعام رقم (١٥٤٨)، واللفظ للنسائي (٣٩٠٠).
[ ٣ / ١١١٦ ]
بالماء منها، فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك، وأمرنا أن نكريها بذهب أو فضة» (^١)، وأما كونه لا ينقد في أرض غير مأمونة قبل أن تروى فلأن المنفعة المقصودة منها لا تتم إلا بالمطر، ولما كان عدمه معتادا جاز أن يتخلف المطر فيجب رده، فيكون تارة كراء وتارة سلفا إن عدم المطر وذلك لا يجوز كما سبق، أما لو كانت مأمونة الري كأرض النيل القريبة من البحر الشديدة الانخفاض، وكأرض المطر في بلاد المشرق فيجوز عقد الكراء فيها على النقد ولو مع الشرط، كما يجوز عقد كرائها ولو طالت المدة كالثلاثين سنة.
• الجوائح:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن ابتاع ثمرة في رؤوس الشجر فأجيح ببرد أو جراد أو جليد أو غيره فإن أجيح قدر الثلث فأكثر وضع عن المشتري قدر ذلك من الثمن، وما نقص عن الثلث فمن المبتاء. ولا جائحة في الزرع ولا فيما اشتري بعد أن يبس من الثمار. وتوضع جائحة البقول، وإن قلت وقيل: لا يوضع إلا قدر الثلث).
الشرح
الجوائح: جمع جائحة، وهي الآفة التي تصيب الزروع أو الثمار فتهلكها دون أن يكون لآدمي صنع فيها، مثل القحط والبرد والعطش، قال ابن عرفة: «ما أتلف من معجوز عن دفعه عادة قدرا من ثمر أو نبات بعد بيعه»، وبعد بيعه هو المبحوث فيه فقها أما قبل فلا، وقال في «المطلع»: «الجائحة الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها، وكل مصيبة عظيمة، وفتنة مبيرة جائحة، والجمع الجوائح وجاح الله المال، وأجاحه أهلكه والسنة كذلك» (^٢)
_________________
(١) أبو داود (٣٣٩٣)، وحسنه الألباني.
(٢) المطلع (٢٤٤).
[ ٣ / ١١١٧ ]
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن ابتاع)؛ أي: اشترى (ثمرة) من أي الثمار دون أصلها بعد الزهو قبل كمال طيبها (في رؤوس الشجر فأجيح ببرد) بفتح الباء (أو) أجيح ب (جراد أو جليد) وهو الماء الجامد في زمان البرد له لمعان كالزجاج (أو) أجيح ب (غيره)؛ أي: غير ما ذكر كالريح والثلج، ودخل في عبارته الجيش والسارق (فإن أجيح قدر الثلث) فأكثر (وضع عن المشتري قدر ذلك من الثمن) لحديث جابر ﵁ «أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح» (^١)، وفي رواية لمسلم أيضا أن النبي ﷺ قال: «لو بعت من أخيك ثمرا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟!» (^٢).
وأما تقدير ذلك بالثلث فأكثر فلما رواه سحنون عن ابن وهب عن يزيد بن عياض عن رجل حدثه عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري أنه بلغه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا ابتاع الرجل الثمرة، فأصابتها جائحة، فذهبت بثلث الثمرة، فقد وجب على صاحب المال الوضيعة»، قال ابن وهب: وأخبرني يزيد بن عياض عند عبد الرحمن بن القاسم وربيعة بن أبي عبد الرحمن وأبي الزناد عن القاسم بن محمد قال: إذا أصيب المتاع بثلث الثمرة فقد وجب على البائع الوضيعة، قال سحنون: وأخبرني عثمان بن الحكم عن يحيى بن سعيد أنه قال: لا جائحة فيما أصيب دون ثلث رأس المال؛ قال يحيى: وذلك في سنة المسلمين (^٣)، (و) أما (ما نقص عن الثلث فمن المبتاع).
روى مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز قضى بوضع الجائحة، قال مالك وعلى ذلك الأمر عندنا قال مالك: والجائحة التي توضع عن المشتري
_________________
(١) أحمد (٣/ ٣٠٩) (١٤٣٧١)، ومسلم (٥/ ٢٩) (٣٩٨١).
(٢) أبو داود (٣٤٧٠)، وابن ماجه (٢٢١٩).
(٣) المدونة الكبرى (٦/ ١٢/ ٣١ - ٣٢)، قال الغماري في مسالك الدلالة: لكنه ساقط بالمرة، قلت: روى أبو داود (٣٤٧٤)، قول يحيى وقال الألباني: حسن مقطوع.
[ ٣ / ١١١٨ ]
الثلث فصاعدا ولا يكون ما دون ذلك جائحة (^١).
قال أبو عمر رحمه الله تعالى: «ليس في حديث عمرة ما يدل على إيجاب وضع الجائحة وإنما فيه الندب إلى الوضع»، وهو نحو حديث بن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري، قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ: «تصدقوا عليه»، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك» (^٢)، فلم يأمر بوضع الجائحة وأخبرهم أن ليس لهم إلا غير ما وجدوا لأنهم لم يبق له شيء يأخذونه، وقد أنظر الله المعسر إلى الميسرة.
«وأما اعتبار مالك في مقدار الجائحة الثلث، فلأن ما دونه عنده في حكم التافه الذي لا يسلم منه بهذه» (^٣)
وما ذكره من التحديد في وضع الجائحة بالثلث محله إذا كان سبب الجائحة غير العطش. أما إذا كان سببها العطش فلا تحديد، بل يوضع قليلها وكثيرها، كانت تشرب من العيون أو من السماء، لأن السقي لما كان على البائع أشبه ما فيه حق توفية.
«فإن لم يكن التلف بسبب الجائحة بل كان من عمل الآدمي، فللمشتري الخيار بين الفسخ والرجوع بالثمن على البائع وبين الإمساك ومطالبة المتلف بالقيمة، وقد ذهب إلى هذا أحمد بن حنبل وأبو عبيد وجماعة من أصحاب الحديث. ورجحه ابن القيم قال في «تهذيب سنن أبي داود»: وذهب جمهور العلماء إلى أن الأمر بوضع الجوائح أمر ندب واستحباب، عن طريق المعروف والإحسان، لا على سبيل الوجوب والإلزام (^٤).
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ٣٤١)، الجائحة في الثمار والزرع.
(٢) رواه مسلم (١٥٥٦).
(٣) الاستذكار (٦/ ٣١٣).
(٤) تهذيب السنن (٢/ ١٧١).
[ ٣ / ١١١٩ ]
وبه قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (^١)، وقال مالك بوضع الثلث فصاعدا، ولا يوضع فيما هو أقل من الثلث. قال أصحابه: ومعنى هذا الكلام أن الجائحة إذا كانت دون الثلث كان من مال المشتري، وما كان أكثر من الثلث فهو من مال البائع.
واستدل من تأول الحديث على معنى الندب والاستحباب دون الإيجاب: بأنه أمر حدث بعد استقرار ملك المشتري عليها، فلو أراد أن يبيعها أو يهبها لصح ذلك منه فيها. وقد نهى رسول الله ﷺ، عن ربح ما لم يضمن، فإذا صح بيعها ثبت أنها من ضمانه. وقد نهى رسول الله ﷺ بيع الثمرة قبل بدو صلاحها. فلو كانت الجائحة بعد بدو الصلاح من مال البائع لم يكن لهذا النهي فائدة. اه (^٢).
(ولا جائحة في الزرع) لأنه لا يباع إلا بعد يبسه. (و) كذا (لا) جائحة (فيما اشترى بعد أن يبس من الثمار) لأن تأخيره بعد اليبس محض تفريط من المشتري فلا جائحة إذا. (وتوضع جائحة البقول) كالبصل والسلق والخضروات (وإن قلت) لأن غالبها من العطش (وقيل: لا يوضع إلا إذا كانت قدر الثلث).
• العرايا:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن أعرى ثمر نخلات لرجل من جنانه فلا بأس أن يشتريها إذا أزهت بخرصها تمرا يعطيه ذلك عند الجذاذ إن كان فيها خمسة أوسق فأقل ولا يجوز شراء أكثر من خمسة أوسق إلا بالعين والعرض).
الشرح
العرية: فعيلة؛ بمعنى: مفعولة، وجمعها عرايا مثل مطية ومطايا. قال
_________________
(١) الاستذكار لابن عبد البر (٣/ ٣١٤).
(٢) انظر: فقه السنة للسيد سابق (٣/ ٩٧).
[ ٣ / ١١٢٠ ]
في «مختار الصحاح»: وإنما أدخلت فيها الهاء، لأنها أفردت فصارت في عداد الأسماء، كالنطيحة، والأكيلة. وسميت «عرية» لانفرادها بالرخصة عن أخواتها.
واصطلاحا: أن يمنح الرجل لآخر ثمر نخلة أو نخلات العام والعامين يأكلها هو وعياله. تقدم أن بيع التمر على رؤوس النخيل بتمر مثله محرم، لأنه بيع المزابنة المنهي عنه، لما فيه من الجهل بتساوي النوعين الربويين.
وأشد حالاته إذا باعه على رؤوسه وهو رطب، بتمر جاف، فقد خفي تساويه من وجهتين:
١ - كونهما بيعا خرصا.
٢ - وكون أحدهما رطبا، والآخر جافا، فهذا البيع أحد صور «ربا الفضل».
ولما كانت الأثمان قليلة في الزمن الأول، فيأتي الرطب في المدينة والتفكه به، والناس محتاجون إليه، وليس عند بعضهم ما يشترى به من النقود، فرخص لهم أن يشتروا ما يتفكهون به من الرطب بالتمر الجاف ليأكلوها رطبة، مراعين في ذلك تساويهما لو آلت ثمار النخل إلى الجفاف (^١).
وقد عقب المصنف رحمه الله تعالى الجوائح بالعرايا وهي آخر ما ذكره مما شاكل البيوع، ولها شروط أحدها: أن تكون بلفظ العرية وأخذ هذا من قوله: (ومن أعرى) فلو أعطاه بلفظ الهبة ونحوها لم يجز (ثمر نخلات لرجل) الرجل ليس بشرط، بل المرأة وكذلك الصبي والعبد (فلا بأس أن يشتريها) إن بدا صلاحها وإليه أشار بقوله: (إذا أزهت)؛ أي: بدا صلاح ما هي فيه من ثمر أو غيره، وإذا اشتراها فلا يشتريها إلا (بخرصها) بكسر الخاء؛ أي: بكيلها، وأما بالفتح فهو الفعل، وصورة ذلك أن يقال: كم في هذه النخلة من وسق؟ فيقال: كذا وكذا وهلم إلى خمسة أوسق أو غير ذلك. ثم يقال: كم ينقص ذلك إذا جف؟ فيقال: وسق أو أكثر، فإن كان الباقي بعد
_________________
(١) تيسير العلام شرح عمدة الأحكام للبسام (٢/ ١٥٦).
[ ٣ / ١١٢١ ]
ذلك خمسة أوسق فأقل جاز كما سينص عليه، وإن كان أكثر من ذلك لم يجز (تمرا) يريد من نوعه إن صيحانيا فصيحاني، وإن برنيا فبرني، لحديث زيد بن ثابت رضي عنه: «أن رسول الله ﷺ رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها كما في «البخاري»؛ ولمسلم: بخرصها تمرا، يأكلونها رطبا» (^١)، (يعطيه ذلك عند الجذاذ) المراد أن لا يدخلا على شرط تعجيلها بل دخلا إما على التوفية عند الجذاذ أو سكتا، فالمضر الدخول على شرط تعجيلها. وأما تعجيلها من غير شرط فلا يضر إن كان فيها خمسة أوسق فأقل لحديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا بخرصها في ما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق شك الراوي قال: «دون خمسة أو في خمسة» (^٢)، وذهب المالكية - إلى الجواز في الخمسة عملا برواية الشك، وبما روي عن سهل بن أبي حثمة [أن العرية ثلاثة أوسق أو أربعة أو خمسة] وهو رواية عن الإمام أحمد (^٣)، نظر فيها إلى عموم الرخصة، فلا يضر الشك في الزيادة القليلة (^٤) والوسق بسكون السين - ستون صاعا نبويا، فيكون ثلاثمائة صاع، (ولا يجوز) للمعري ولا لغيره (شراء أكثر من خمسة أوسق إلا بالعين والعرض) نقدا أو إلى أجل؛ أي: يشتريها كلها بالعين أو العرض، وأما لو أراد أن يشتري من الأكثر من خمسة أوسق خمسة أوسق بخرصها والزائد بعين أو عرض إنه لا يجوز.
وخلاصة شروط العرايا:
١ - أن تكون بلفظ العرية لا غيرها.
٢ - أن تكون من التمر لا غير ذلك من الثمار، وأجاز طائفة من العلماء كونها في كل الثمار، لأن الرطب فاكهة المدينة ولكل بلد فاكهة، والحكمة المرخصة موجودة فيها كلها، والرخصة عامة.
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٣٨٣)، والبخاري (٢٠٧٢)، ومسلم (٣٩٦٠).
(٢) البخاري (٢٠٧٨ - ٢٢٥٣).
(٣) الفتح (٤/ ٣٨٩).
(٤) انظر: تيسير العلام في شرح عمدة الأحكام (٢/ ١٥٩).
[ ٣ / ١١٢٢ ]
٣ - أن يكون الشراء بعد الزهو، والخرص.
٤ - أن يكون النوع في التمر واحدا إن صيحاني فصيحاني أو برني فبرني مثلا.
٥ - أن يكون ذلك عند الجذاذ.
٦ - أن يكون كيلها خمسة أوسق فما دون.
٧ - أن يتقابضا قبل التفرق، فالتمر بكيله، والنخلة بتخليتها.
٨ - أن يكون المشتري هو صاحب الحائط لا غيره.
[ ٣ / ١١٢٣ ]