• قال المصنف رحمه الله تعالى:
والأضحية سنة واجبة على من استطاعها.
وأقل ما يجزئ فيها من الأسنان الجنع من الضأن وهو ابن سنة، وقيل: ابن ثمانية أشهر، وقيل: ابن عشرة أشهر والثني من المعز وهو ما أوفى سنة ودخل في الثانية، ولا يجزئ في الضحايا من المعز والبقر والإبل إلا الثني، والثني من البقر ما دخل في السنة الرابعة، والثني من الإبل ابن ست سنين.
وفحول الضأن في الضحايا أفضل من خصيانها، وخصيانها أفضل من إناثها، وإناتها أفضل من ذكور المعز ومن إناثها، وفحول المعز أفضل من إناثها، وإنات المعز أفضل من الإبل والبقر في الضحايا، وأما في الهدايا، فالإبل أفضل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز.
ولا يجوز في شيء من ذلك عوراء ولا مريضة، ولا العرجاء البين ضلعها، ولا العجفاء التي لا شحم فيها ويتقى فيها العيب كله ولا المشقوقة الأذن إلا أن يكون يسيرا، وكذلك القطع، ومكسورة القرن إن كان يدمي فلا يجوز، وإن لم يدم فذلك جائز.
وليل الرجل ذبح أضحيته بيده.
بعد ذبح الإمام أو نحره يوم النحر ضحوة.
ومن ذبح قبل أن يذبح الإمام أو ينحر أعاد أضحيته.
ومن لا إمام لهم فليتحروا صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه.
[ ٢ / ٨١٨ ]
ومن ضحى بليل أو أهدى لم يجزه.
وأيام النحر ثلاثة يذبح فيها أو ينحر إلى غروب الشمس من آخرها وأفضل أيام النحر أولها.
ومن فاته الذبح في اليوم الأول إلى الزوال فقد قال بعض أهل العلم: يستحب له أن يصبر إلى ضحى اليوم الثاني.
ولا يباع شيء من الأضحية جلد ولا غيره.
وتوجه الذبيحة عند الذبح إلى القبلة.
وليقل الذابح: بسم الله، والله أكبر.
وإن زاد في الأضحية: ربنا تقبل منا، فلا بأس بذلك.
ومن نسي التسمية في ذبح أضحية أو غيرها، فإنها تؤكل.
وإن تعمد ترك التسمية لم تؤكل، وكذلك عند إرسال الجوارح على الصيد.
ولا يباع من الأضحية والعقيقة والنسك لحم ولا جلد ولا ودك ولا عصب ولا غير ذلك.
ويأكل الرجل من أضحيته ويتصدق منها أفضل له وليس بواجب عليه.
الشرح
(باب في الضحايا) حكما وصفة (و) في (الذبائح)؛ أي: بيان ما يذبح وما ينحر وصفة الذكاة (والعقيقة)؛ أي: صفة وحكما (و) في حكم (الصيد)؛ أي: الاصطياد وتقسيمه، (و) في بيان حكم (الختان و) في بيان (ما يحرم من الأطعمة والأشربة) وما لا يحرم منها.
الأضاحي
بدأ المصنف في الكلام بما صدر به فقال:
(والأضحية): بضم الهمزة وكسرها وسكون الضاد وكسر الحاء وتشديد
[ ٢ / ٨١٩ ]
الياء والجمع أضاحي: بتشديد الياء وهي ما تقرب بذكاته من الأنعام يوم الأضحى وتالييه، سميت بذلك لأنها تذبح يوم الأضحى وقت الضحى، وسمي يوم الأضحى من أجل الصلاة فيه في ذلك الوقت.
• حكم الأضحية:
وحكمها أنها (سنة واجبة) (^١)؛ أي: مؤكدة على المشهور وفي رواية عن مالك أنها واجبة، ولذلك عبر المصنف بالوجوب استنانا ملمحا للرواية والله أعلم، وقال ابن حزم: «لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة، وصح أنها غير واجبة عن الجمهور» (^٢) وعن البراء ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، من فعله فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل، فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء» (^٣).
وهي (على من استطاعها) قال ابن الحاجب والمستطيع من لا تجحف بماله؛ أي: من لا يحتاج إلى ثمنها في عامه (^٤)، وذلك لحديث أم سلمة لنهما أن النبي قال: «إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئا» (^٥). قال الشافعي «في هذا الحديث دليل على عدم وجوب الأضحية؛ لأنه علقه بالإرادة والإرادة تنافي الوجوب وروى الشعبي عن أبي سريحة الغفاري، قال: رأيت أبا بكر وعمر وما يضحيان» (^٦)، قال الحافظ أبو
_________________
(١) من اصطلاح المالكية للسنة المؤكدة الوجوب أحيانا قال في المراقي: وربما سمى الذي قد أكدا … منها بواجب فخذ ما قيدا وانظر: المقدمات الممهدات لابن رشد (٤٣٥)، وجامع الأمهات (٢٢٧)، والتفريع (١/ ٣٨٩). وقال في الذخيرة (٤/ ١٤١): قال اللخمي: المراد بالوجوب السنة المؤكدة.
(٢) فتح الباري (٣/ ١٠).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأضاحي، باب: سنة الأضحية، برقم (٥٥٤٥).
(٤) جامع الأمهات لابن الحاجب (٢٩).
(٥) رواه مسلم (٥١١٧).
(٦) رواه البيهقي في السنن (٩/ ٢٦٥)، ورواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح، كما في المجمع (٤/ ١٨).
[ ٢ / ٨٢٠ ]
عمر: ضحى رسول الله ﷺ طول عمره ولم يأت عنه أنه ترك الأضحية، وندب إليها، فلا ينبغي لمؤمن موسر أن يتركها، وأما من تركها من بعض السلف؛ فلأنهم كانوا محل القدوة، فخشوا من المواظبة ظن الناس أنها واجبة اه.
والشركة فيها في الأجر جائزة دون الشركة في ثمنها لما روى أبو أيوب ﷺ قال: «كان الرجل في عهد النبي ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون الناس» حديث حسن صحيح (^١).
وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية (^٢)
• شروط الضحايا والهدايا ومراتب التفاضل بينها:
(وأقل ما يجزئ فيها)؛ أي: الأضحية (من الأسنان الجذع من الضأن وهو) على المشهور (ابن سنة)، وعليه اقتصر خليل لحديث جابر ﷺ أن النبي ﷺ قال: ﴿لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن﴾ (^٣)؛ قال النووي: قال الجمهور: هذا الحديث محمول على الاستحباب والأفضل وتقديره: يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة فإن عجزتم فجذعة ضأن (^٤)، (وقيل) هو (ابن ثمانية أشهر) وهو مروي عن مالك، (وقيل) هو (ابن عشرة أشهر) وهو لابن وهب ولسحنون: ابن ستة أشهر (^٥) (والثني من المعز ما أوفى سنة ودخل في الثانية) ما ذكره في سن الثني من المعز هو المشهور، وعليه يظهر الفرق بين سن الجذع من الضأن
_________________
(١) مالك في باب: الشركة في الضحايا …، من كتاب الضحايا الموطأ (٢/ ٤٨٦). ورواه الترمذي: باب ما جاء في أن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت، من أبواب الأضاحي، عارضة (٦/ ٣٠٤)، وابن ماجه (٢/ ١٠٥١).
(٢) ذكره ابن قدامة في المغني (١٣/ ٣٦٠).
(٣) مسلم (٦/ ٧٧) (٥١٢٣)، وأبو داود (٢٧٩٧)، وابن ماجه (٣١٤١)، والنسائي (٧/ ٢١٨)، وفي «الكبرى».
(٤) شرح مسلم للنووي (١٣/ ١١٧). باب: سن الأضحية.
(٥) الكافي: باب سن الأضحية وأي الضحايا أفضل وما يتقى فيها من العيوب.
[ ٢ / ٨٢١ ]
والثني من المعز (^١) (ولا يجزئ في الضحايا من المعز والبقر والإبل إلا الثني) قال أبو عمر (^٢): أمر مجتمع عليه عند العلماء أن الجذع من المعز لا تجزئ اليوم عن أحد؛ لأن أبا بردة خص بذلك. ولحديث جابر المتقدم وفيه: «لا تذبحوا إلا مسنة»، والثني من البقر ما دخل في السنة الرابعة هذا مفسر لقوله في الزكاة: «وهي بنت أربع سنين» (والثني من الإبل ابن ست سنين)؛ أي: ما دخل في السنة السادسة، (وفحول الضأن في الضحايا أفضل من خصيانها)، لما روى أنس قال: «أن النبي ﷺ كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين …» (^٣)، (وخصيانها أفضل من إناثها) وفي بعض النسخ: وفحول الضأن في الضحايا، وخصيانها أفضل من إناثها. والنسخة الأولى موافقة للمشهور وهو: أن الفحل أفضل من الخصي وعلل بأنه أكمل منه في الخلقة، وفي حديث جابر: «أقرنين أملحين موجأين» (^٤) (^٥).
وقال مالك: الأفضل الجذع من الضأن، ثم البقرة، ثم البدنة؛ لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين ولا يفعل إلا الأفضل، ولو علم الله خيرا منه لفدى إسحاق به (^٦).
(وإناثها)؛ أي: إناث الضأن (أفضل من ذكور المعز ومن إناثها)؛ أي: وفحول المعز أفضل من خصيانها (وفحول المعز)؛ أي: وخصيانها (أفضل من إناثها، وإناث المعز أفضل من الإبل والبقر في الضحايا)؛ أي: وذكورهما أفضل من إناثهما. عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «الجذع
_________________
(١) مشارق الأنوار على صحاح الآثار للقاضي أبو الفضل عياض السبتي المالكي (١/ ١٤٣) دار النشر: المكتبة العتيقة ودار التراث.
(٢) التمهيد (١٠/ ٧٦).
(٣) البخاري (٥٥٦٥)، ومسلم (٥١٩٩).
(٤) موجوأين: تثنية موجوء. اسم مفعول من وجأ؛ أي منزوعين. قد نزع عرق الأثنيين منهما. وذلك أسمن لهما.
(٥) أبو داود (٢٧٩٧)، وابن ماجه (٣١٢٢) والحديث صحيح. وأصله في البخاري دون موجأين (١٧١٤).
(٦) على القول بأن إسحاق هو الذبيح. انظر: المقدات الممهدات لابن رشد (٤٣١).
[ ٢ / ٨٢٢ ]
«من الضأن خير من السيد من المعز». قال داود: «والسيد الجليل» (^١).
فالمراتب اثنا عشر أعلاها فحل الضأن، وأدناها أنثى الإبل والبقر. وهذا آخر الكلام على التفضيل في الضحايا (^٢).
(وأما في الهدايا فالإبل أفضل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز) هذا هو المشهور لأن المقصود من الهدايا تكثير اللحم للمساكين، والمقصود من الضحايا طيب اللحم؛ أي: لإدخال المسرة على الأهل كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (^٣).
قال بهرام: والحجة لنا في الموضعين أن النبي ﷺ كان أكثر هداياه الإبل، وضحى ﵊ بكبشين، كما ورد في الصحيح.
العيوب التي تتقى في الضحايا والهدايا:
شرع في الكلام عن هذه الصفات التي إذا وجدت منعت من الإجزاء فقال:
(ولا يجوز) بمعنى لا يجزئ (في شيء من ذلك)؛ أي: من الضحايا والهدايا (عوراء) هي من ذهب نور إحدى عينيها، وإن بقيت صورتها، أما إن كان على الناظر بياض يسير لا يمنع الإبصار فلا يمنع الإجزاء، وإذا لم تجز
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٤٠٢) (٩٢١٦). وإسناده ضعيف لضعف أبي ثفال: وهو ثمامة بن وائل. وأخرجه الحاكم (٤/ ٢٢٧) من طريق إبراهيم بن إسحاق الحنيني، عن داود بن قيس، بهذا الإسناد. قال الذهبي: إسحاق هالك، وأخرجه البزار (١٢٠٧)، والبيهقي (٩/ ٢٧١)
(٢) انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد (٤٣٦).
(٣) البخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠).
[ ٢ / ٨٢٣ ]
العوراء فالعمياء أولى (و) كذلك (لا) تجزئ فيهما (مريضة) مرضا بينا، أما إن كان خفيفا لا يمنعها التصرف فتجزئ، ومنه الجرب الكثير، وسقوط الأسنان كلها أو بعضها ما عدا الواحدة إذا كان السقوط لغير إثغار أو كبر وإلا فتجزئ ولو الجميع.
(و) كذلك (لا) يجزئ فيهما (العرجاء البين ضلعها) بفتح الضاد المعجمة واللام. وروي بالظاء المشالة؛ أي: المرتفعة؛ أي: البين عرجها وهي التي لا تلحق الغنم أما إن كان العرج لا يمنعها أن تسير بسيرهم فلا يمنع الإجزاء.
(و) كذلك (لا) يجزئ فيهما (العجفاء) بالمد هي التي لا مخ في عظامها. وهذه العيوب الأربعة مجمع عليها وبها ورد الحديث، لما روى البراء قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: «أربع لا يجزن العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة التي لا تنقي» (^١)، والنقي المخ.
واختلف هل يقاس عليها غيرها من العيوب أم لا؟ المشهور القياس، قال أبو عمر (^٢): ومعلوم أن ما كان في معناها داخل فيها … اه. وعليه مشى الشيخ رحمه الله تعالى فقال: (ويتقى فيهما)؛ أي: في الهدايا والضحايا (العيب كله إذا كان كثيرا ويغتفر اليسير، ويعني بذلك:
الخرقاء: وهي التي في أذنها خرق مستدير.
والمقابلة: وهي التي قطع من أذنها من قبل وجهها وترك معلقا.
والمدابرة: وهي التي قطع من أذنها من جهة قفاها.
والشرقاء: وهي المشقوقة الأذن، وإليها أشار بقوله: (ولا المشقوقة الأذن إلا أن يكون) الشق (يسيرا) وهو الثلث فما دونه، وكذلك القطع)؛
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (١٧٥٧/ ٤٧٠)، وأبو داود (٢٨٠٢)، والنسائي (٤٣٦٩)، والترمذي (١٤٩٧) وصححه.
(٢) الاستذكار (٢١٥/ ٥).
[ ٢ / ٨٢٤ ]
أي: قطع الأذن لا يجوز إلا أن يكون يسيرا لحديث علي ﵁ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، ولا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا شرقاء، ولا خرقاء» (^١)، والراجح: أن ذهاب ثلث الأذن يسير، وذهاب ثلث الذنب كثير؛ لأن الذنب لحم وعصب ولا كذلك الأذن وهذا في ذنب الغنم التي لها إلية كبيرة. وأما نحو الثور والجمل والغنم في بعض البلدان مما لا لحم في ذنبه فالذي يمنع الإجزاء منه ما ينقص الجمال ولا يتقيد بالثلث.
وقيل: تجزئ الأضحية بمقطوعة الذنب من الإبل والبقر والمعز مع الكراهة قياسا على مقطوعة الأذن؛ ولأن في بعض ألفاظ حديث علي ﵁: «أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نضحي ببتراء» (^٢)، ومن مقطوعة الذنب، هذه الغنم التي ترد من أستراليا فإنه ليس لها أي إلية في أصل الخلقة وإنما لها ذيل كذيل البقر وهي مقطوعة الذيل، فمن ضحى بها أجزأت، ولكن الأفضل أن لا يضحي بها؛ لأنها ناقصة الخلقة، أما مقطوعة الإلية من الضأن فلا تجزئ في الأضحية وإن كانت من نوع لا إلية له من أصل الخلقة فلا بأس بها.
• ثم قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومكسورة القرن إن كان يدمي)؛ يعني: لم يبرأ (فلا يجوز) وقد كرهه مالك (وإن لم يكن يدمي) بأن برئ (فذلك جائز) وهو قول جمهور العلماء، ومن لازم الجواز الإجزاء.
• ما يستحب فعله للمضحي:
(وليل الرجل ذبح أضحيته) أو نحرها وكذلك هديه (بيده) على جهة الاستحباب إن أمكنه ذلك اقتداء برسول الله ﷺ، لحديث أنس ﵁ قال: «أن النبي ﷺ كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين، ويضع رجله على صفحتهما
_________________
(١) أخرجه أحمد (٨٠/ ١) (٦٠٩)، وأبو داود (٢٨٠٤)، والترمذي (١٤٩٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٤٢٢)، والترمذي (١٤١٨)، وأخرجه النسائي في سننه، في كتاب: الضحايا من حديث علي بن أبي طالب ﵁ (٤٢٩٦) (٩٧ - ٩٩).
[ ٢ / ٨٢٥ ]
«ويذبحهما بيده» (^١)، وروى البخاري تعليقا: «أن أبا موسى أمر بناته أن يضحين بأيديهن» (^٢)، فإن لم يمكنه ذلك لعذر وكل مسلما، فقد وكل النبي ﷺ عليا فنحر ما بقي من البدن بمنى (^٣)، قال البخاري: «وأعان رجل ابن عمر في بدنته» (^٤)، ويستحب أن يكون من أهل الفضل والصلاح، فإن وكل تارك الصلاة كره وتجزئ على المشهور، وإن وكل كافرا كتابيا أو غيره لم تجزه.
• وقت الذبح:
وابتداء زمن الذبح في الأضحية (بعد ذبح الإمام) ما يذبح (أو نحره) ما ينحر (يوم النحر)؛ أي: في يوم النحر، وهو العاشر من ذي الحجة وذبح الإمام يوم النحر يكون (ضحوة) وهو وقت حل النافلة، فمن ذبح قبل يوم النحر أو يوم النحر بعد الفجر وقبل طلوع الشمس لم يجزه وأعاد أضحيته، (و) كذا (من ذبح قبل أن يذبح الإمام أو ينحر) لم يجزه (وأعاد أضحيته) لقوله تعالى: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١]، قال الحسن البصري: نزلت في قوم ذبحوا قبل الإمام (^٥). ولحديث جابر: «صلى بنا النبي ﷺ يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا، وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر، فأمر النبي ﷺ من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي ﷺ» (^٦)، والأحاديث في هذا كثيرة أوردنا بعضها هناك.
(و) أما (من لا إمام لهم فليتحروا صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه) فيذبحون حينئذ، فلو نحروا ثم تبين خطؤهم أجزأهم على المشهور، والمعتبر إمام الصلاة على المشهور، لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦].
_________________
(١) البخاري (٥٥٦٥)، ومسلم (٥١٩٩).
(٢) البخاري، كتاب الأضاحي، ١٠ - باب من ذبح ضحية غيره.
(٣) مسلم (١٢١٨).
(٤) الموضع السابق والمرجع.
(٥) التمهيد (٢٣/ ١٨٠).
(٦) أخرجه أحمد (٣/ ٢٩٤) (١٤١٧٦)، ومسلم (٦/ ٧٧) (٥١٢٤).
[ ٢ / ٨٢٦ ]
(ومن ضحى بليل) في ليلة اليوم الثاني أو الثالث (أو أهدى لم يجزه) لقوله تعالى: ﴿فذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾ [الحج: ٢٨] فذكر الأيام دون الليالي، والمراد بالليالي هنا من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، قال القرافي: وفي الإكمال روي عن مالك الإجزاء بالليل (^١)، ومن ضحى في اليوم الثاني أو الثالث بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس أجزأه، ويكون تاركا للمستحب، بخلاف من ضحى في اليوم الأول بعد الفجر وقبل طلوع الشمس فإنه لا يجزئه.
(وأيام النحر) عند مالك تبعا لجماعة من الصحابة (ثلاثة)؛ أي: ثلاثة أيام يوم النحر ويومان بعده، وهو قول عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأنس ﵃ (^٢) (يذبح فيها) ما يذبح (أو ينحر) ما ينحر. وقد تقدم أن ابتداء زمن النحر والذبح من ضحوة يوم النحر بعد صلاة الإمام وذبحه، وأما آخره ف (إلى غروب الشمس من آخرها)؛ أي: من آخر الأيام الثلاثة، وهي متفاوتة في الفضيلة روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله: «قال: الأضحى يومان بعد يوم الأضحى»، وذكر مالك: «أنه بلغه عن علي رضي الله مثله» (^٣)، وقد بين ذلك بقوله: (وأفضل أيام النحر) للأضحية (أولها) لمواظبة النبي ﷺ على الذبح فيه ولقول علي ﵁: «الأيام المعدودات ثلاثة أيام يوم الأضحى ويومان بعده اذبح في أيها شئت وأفضلها أولها» (^٤)، ولفعله ﷺ والخلفاء الراشدين بعده، ولأنه اليوم المقصود بذلك، وقيل في تأويل قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢] صل العيد، وانحر الأضحية (^٥) قاله قتادة وعطاء وعكرمة (^٦)، (ومن فاته الذبح) أو النحر (في اليوم الأول
_________________
(١) الذخيرة (٤/ ١٥٠).
(٢) التمهيد (١٠/ ٨٥ - ٨٦)، وسنن البيهقي (٩/ ٤٩٩).
(٣) مالك في الموطأ (٦ - ١٠٣٥)، (٦) - باب الضحية عما في بطن المرأة، وذكر أيام الأضحى (١٠٣٦).
(٤) البيهقي (٩/ ٥٠٠).
(٥) انظر: المعونة للقاضي عبد الوهاب (١/ ٤٣٦).
(٦) انظر: تفسير القرطبي (٢٠/ ٢١٨).
[ ٢ / ٨٢٧ ]
إلى الزوال فقد قال بعض أهل العلم) (^١) وهو ابن حبيب ونقله بهرام من روايته عن مالك: (يستحب له أن يصبر إلى ضحى اليوم الثاني) قال بهرام: لا خلاف أن ما قبل الزوال من أول يوم أفضل مما بعده.
واختلف هل ما بعد الزوال منه أفضل مما قبل الزوال من اليوم الثاني؟ وهو ظاهر لفظ المختصر (^٢)، وهو مذهب الرسالة وغيرها. وإليه ذهب ابن المواز، أو ما قبل الزوال من الثاني أفضل مما بعده من الأول، وهو قول مالك في كتاب ابن حبيب وهو ضعيف، فالمعتمد أن جميع اليوم الأول أفضل مما بعده، حتى أن القابسي أنكر رواية ابن حبيب.
(ولا يباع) على جهة المنع (شيء من الأضحية) التي تجزئ بعد الذبح، وكذا كل ما هو قربة كالهدي والعقيقة، لحديث علي ﷺ قال: ﴿بعثني النبي ﷺ، فقمت على البدن، فأمرني فقسمت لحومها، ثم أمرني فقسمت جلالها وجلودها﴾، وفي لفظ: «أن أقوم على البدن، ولا أعطي عليها شيئا في جزارتها» وقال: «نحن نعطيه من عندنا» (^٣).
وقوله: (جلد ولا غيره) لحديث أبي سعيد أن قتادة بن النعمان أخبره أن النبي ﷺ قام فقال: إني كنت أمرتكم أن لا تأكلوا الأضاحي فوق ثلاثة أيام، لتسعكم وإني أحله لكم، فكلوا منه ما شئتم قال: «ولا تبيعوا لحوم الهدي والأضاحي فكلوا، وتصدقوا، واستمتعوا بجلودها، وإن أطعمتم من لحومها شيئا فكلوه إن شئتم» (^٤).
(وتوجه الذبيحة) في الأضحية وغيرها (عند الذبح إلى القبلة)
_________________
(١) وقول ابن حبيب ضعيف لا دليل عليه ولا مستند له، ولذلك أنكره عليه العلماء كما قال الغماري في مسالك الدلالة (١٥٥).
(٢) مواهب الجليل (٤/ ٣٧٤).
(٣) البخاري (١٦٢٩ - ١٦٣١، ٢١٧٧)، وأخرجه مسلم في الحج، باب في الصدقة بلحوم الهدي وجلودها وجلالها رقم (١٣١٧).
(٤) أخرجه أحمد (٤/ ١٥) (١٦٣١١)، وابن ماجه (٣١٦٠)، قال الشيخ الألباني: صحيح.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
استحبابا لقول ابن عمر (^١) ﵄ في ذبح النبي ﷺ كبشي العيد ثم وجههما وقال … الحديث، فإن تركه لعذر أو نسيانا أكلت اتفاقا.
(وليقل الذابح) عند الذبح: (باسم الله والله أكبر) والجمع بين التسمية والتكبير هو الذي مضى عليه عمل الناس أما التكبير فسنة؛ أي: مستحب، وأما التسمية فيؤخذ من كلامه بعد وهو مذهب المدونة: أنها واجبة مع الذكر، والقدرة ساقطة مع العجز والنسيان: وإن اقتصر عليها أجزأه لقوله تعالى: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١١٨] ولأن النبي ﷺ كان إذا ذبح قال: «بسم الله والله وأكبر» (^٢) وفي حديث أنس ﵁: وسمى وكبر (^٣) وكذلك كان يقول ابن عمر ﵁.
(وإن زاد) الذابح على التسمية والتكبير (في) ذبح (الأضحية): والهدي أو النسك والعقيقة اللهم هذا منك ولك (ربنا تقبل منا) أو من فلان (فلا بأس بذلك) وبه قال أكثر أهل العلم: لأن النبي ﷺ أتي بكبش له ليذبحه فأضجعه ثم قال: «اللهم تقبل من محمد وآل محمد وأمة محمد ثم ضحى» (^٤)، وفي حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اللهم منك ولك عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر، ثم ذبح» (^٥).
قيل: لا بأس هنا بمعنى الاستحباب، وقيل: بمعنى الإباحة.
(ومن نسي التسمية في ذبح أضحية أو غيرها فإنها تؤكل)؛ لحديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما
_________________
(١) رواه أبو داود (٢/ ٨٦)، وابن ماجه (٢/ ١٠٤٣)، والدارمي (٢/ ٧٥ - ٧٦)، وأحمد (٣/ ٣٧٥)
(٢) رواه مسلم في باب استحباب الضحية …، من كتاب الأضاحي (٣/ ١٥٥٧)، وأبو داود (٢/ ٨٦)، والترمذي كما في العارضة (٦/ ٣١٨).
(٣) متفق عليه البخاري (٥٥٦٥)، ومسلم (٥١٩٩) ..
(٤) رواه مسلم (٥٢٠٣).
(٥) أخرجه أحمد (٣/ ٣٧٥) (١٥٠٨٦)، وابن خزيمة (٢٨٩٩)، وأبو داود (٢٧٩٥)، وابن ماجه (٣١٢١). قال شيخنا شعيب الأرناؤوط: إسناده محتمل للتحسين، وضعفه الألباني، وقال حسين سليم أسد: إسناده ضعيف، ولكن الحديث صحيح بشواهده.
[ ٢ / ٨٢٩ ]
استكرهوا عليه» (^١)، وفي «الموطأ» عن يحيى بن سعيد أن عبد الله بن عباس ﵄ سئل عن الذي نسي أن يسمي الله تعالى على ذبيحته فقال: يسمي ويأكل فلا بأس (وإن تعمد ترك التسمية لم تؤكل) لقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ [الأنعام: ١٢١]، هذا على مذهب المدونة أنها فرض مع الذكر ساقطة مع النسيان.
(وكذلك) من نسي التسمية (عند إرسال الجوارح) أو رمي السهم وغيره مما يصاد به (على الصيد) فإنه يؤكل وإن تعمد ترك التسمية لم يؤكل، ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾ [المائدة: ٤]، ولحديث عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك، فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل، ولم يأكل منه فكله، وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره، وقد قتل فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله، وإن رميت سهمك، فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يوما، فلم تجد فيه إلا أثر سهمك، فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء، فلا تأكل» (^٢).
وفي قوله: (ولا يباع من الأضحية والعقيقة والنسك لحم ولا جلد ولا ودك)؛ أي: دهن (ولا عصب)؛ أي: عروق (ولا غير ذلك) مثل القرن والشعر والصوف تكرار مع قوله: ولا يباع شيء من الأضحية. وقد تقدمت أدلة ذلك، قال ابن عمر: يحتمل تكراره ليرتب عليه قوله: (ويأكل الرجل) يريد أو غيره (من أضحيته) لحديث ثوبان ﵁ قال: «ذبح رسول الله ﷺ أضحيته» ثم قال: «يا ثوبان أصلح لي لحم هذه فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة» (^٣)، ويتصدق منها أفضل له لقوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ [الحج: ٣٦] وقوله تعالى: ﴿وأطعموا البائس الفقير﴾ [الحج: ٢٨] القانع الفقير؛ أي: سواء كان يسأل أم لا؛ وقيل: الفقير الذي لا يسأل،
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٢٠٤٥)، وصححه الألباني.
(٢) البخاري (١/ ٥٤) (١٧٥)، ومسلم (٦/ ٥٦) (٥٠١٢) واللفظ له.
(٣) مسلم (٦/ ٨١) (٥١٥٢) وفي (٦/ ٨٢) (٥١٥٣)، وأبو داود (٢٨١٤).
[ ٢ / ٨٣٠ ]
والمعتر: الزائر المتعرض لما يناله من غير سؤال. ويكره التصدق بالجميع، وليس لما يؤكل أو يطعم حد؛ «لأن النبي ﷺ أهدى مائة بدنة، وأمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها»، ونحر بدنات أو ست بدنات وقال: «من شاء فليقطع ولم يأكل منهن شيئا» (^١)، والجمهور على منع إطعام الكافر منها مطلقا كتابيا كان أو مجوسيا.
وقوله: (وليس بواجب عليه) تكرار مع قوله: أفضل له، وإنما هو مباح لا سيما وأن الأمر بعد الحظر يفيد ذلك كما هو معلوم عند الأصوليين، فقد نهى النبي ﷺ عن الادخار فوق ثلاث ثم أباحه، قال الطبري (^٢): (فكلوا ..) هو أمر بمعنى: الإطلاق والإذن للأكل، لا بمعنى: الإيجاب، ولا خلاف بين سلف الأمة وخلفها في عدم الحرج على المضحي بترك الأكل من أضحيته ولا إثم، فدل على أن الأمر بمعنى الإذن والإطلاق اه.
والأكل من أضحية التطوع والواجب غير المنذور سنة مستحبة لما مر أنه ﷺ كان لا يأكل يوم النحر شيئا حتى يرجع فيأكل من أضحيته (^٣).
• حكم التصرف في الفدية والنذر والهدي والعقيقة:
قال المصنف رحمه الله تعالى:
﴿ولا يأكل من فدية الأذى وجزاء الصيد ونذر المساكين، وما عطب من هدي التطوع قبل محله ويأكل مما سوى ذلك إن شاء﴾.
الشرح
لما كان يتوهم من مشاركة الفدية والهدي للأضحية في أحكام كثيرة
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٠٥٧ و١٠٨٩ و١٠٩٠ و١٠٩٧)، ومسلم (٤/ ٦٤) (٣٠٢٨)
(٢) انظر: عمدة القاري (١٠/ ٧٦).
(٣) رواه الدارقطني، وصححه ابن القطان، كما قال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٣١٩)، قال شيخنا شعيب الأرنؤوط: حديث حسن وهذا إسناد ضعيف من أجل عقبة بن عبد الله الرفاعي.
[ ٢ / ٨٣١ ]
مشاركتها لهما في جواز الأكل قال: (ولا يأكل) الرجل أو غيره ممن وجب عليه هدي (من فدية الأذى) المترتبة في ذمته إذا بلغت محلها هذا إذا جعلها هديا بأن قلدها أو أشعرها؛ فإن لم يجعلها فإنه لا يأكل منها بلغت محلها أم لا.
(و) كذلك لا يأكل من (جزاء الصيد) الذي ترتب في ذمته بعد بلوغ محله (و) كذا لا يأكل من (نذر المساكين) غير المعين بعد محله (و) كذلك لا يأكل ما عطب من هدي التطوع قبل محله؛ أي: لاتهامه على عطبه، لحديث ذؤيب بن حلحلة ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يبعث معه بالبدن ثم يقول: «إن عطب منها شيء، فخشيت عليه موتا فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب به صفحتها، ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك»» (^١)، و(ويأكل مما سوى ذلك) كفدية الأذى قبل بلوغ محلها، وجزاء الصيد قبل محله ونذر المساكين قبل محله، وما عطب من هدي التطوع بعد محله وهدي القران والتمتع، وهدي الفساد وكل هدي لنقص شعيرة من شعائر الحج. وقوله: (إن شاء) إشارة إلى أن الأصل في الهدي عدم الأكل بخلاف الأضحية.
ثم اعلم أن المحل هو منى إن وقف بها بعرفة وكان في أيام النحر ومكة، إن لم يقف بها أو خرجت أيام النحر
قال في «الذخيرة» (^٢): قال ابن القصار: يستحب لمن أراد التضحية ألا يقص شعره ولا ظفره إذا أهل ذو الحجة حتى يضحي، فعن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره. - وفي رواية -: «… فلا يمس من شعره وبشره شيئا» (^٣) فإذا ضحى أخذ من كل ما منع من أخذه.
_________________
(١) مسلم (٤/ ٩٢) (٣١٩٧)، وابن ماجه (٣١٠٥).
(٢) الذخيرة (٤/ ١٤٢).
(٣) مسلم (٦/ ٨٣)، وابن ماجه (٣١٤٩)، والنسائي (٧/ ٢١٢).
[ ٢ / ٨٣٢ ]
الذكاة
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والذكاة قطع الحلقوم والأوداج ولا يجزئ أقل من ذلك، وإن رفع يده بعد قطع بعض ذلك ثم أعاد يده فأجهز فلا تؤكل.
وإن تمادى حتى قطع الرأس أساء ولتؤكل.
ومن ذبح من القفا لم تؤكل.
والبقر تذبح فإن نحرت أكلت، والإبل تنحر فإن ذبحت لم تؤكل وقد اختلف في أكلها، والغنم تذبح فإن نحرت لم تؤكل، وقد أختلف أيضا في ذلك.
وذكاة ما في البطن ذكاة أمه إذا تم خلقه ونبت شعره.
والمنخنقة بحبل ونحوه، والموقوذة بعصا وشبهها والمتردية والنطيحة، وأكيلة السبع إن بلغ ذلك منها في هذه الوجوه مبلغا لا تعيش معه لم تؤكل بذكاة.
ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع ويتزود فإن استغنى عنها طرحها.
ولا بأس بالانتفاع بجلدها إذا دبغ.
ولا يصلى عليه.
ولا يباع.
ولا بأس بالصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها.
وينتفع بصوف الميتة وشعرها، وما ينزع منها في حال الحياة، وأحب إلينا أن يغسل ولا ينتفع بريشها ولا بقرنها، وأظلافها، وأنيابها.
وكره الانتفاع بأنياب الفيل وقد أختلف في ذلك.
وما ماتت فيه فأرة من سمن أو زيت أو عسل ذائب طرح، ولم يؤكل ولا بأس أن يستصبح بالزيت وشبهه في غير المساجد وليتحفظ منه.
وإن كان جامدا طرحت، وما حولها وأكل ما بقي قال سحنون: إلا أن يطول مقامها فيه فإنه يطرح كله.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
ولا بأس بطعام أهل الكتاب وذبائحهم.
وكره أكل شحوم اليهود منهم من غير تحريم.
ولا يؤكل ما ذكاه المجوسي.
وما كان مما ليس فيه ذكاة من طعامهم فليس بحرام).
الشرح
الذكاة: يقال: ذكى الشاة ونحوها تذكية: ذبحها، والاسم: الذكاة، والمذبوح ذكي، فعيل بمعنى مفعول.
واصطلاحا: الذكاة قطع مسلم أو كتابي ذكر أو أنثى مميز تمام الحلقوم والودجين من المقدم (^١)
• صفة الذبح:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والذكاة قطع الحلقوم) جميعه (و) قطع جميع (الأوداج)؛ أي: الودجين عبر بالجمع عن المثنى (ولا يجزئ أقل من ذلك)؛ أي: من قطع الحلقوم بتمامه والأوداج هذا قول سحنون وشهر لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب﴾ [المائدة: ٣]، ولحديث رافع بن خديج ﵁ أنه قال: «يا رسول الله إنا نرجو - أو نخاف - أن نلقى العدو غدا وليس معنا مدى، فنذبح بالقصب؟» فقال: «اعجل - أو أرني - ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا ليس السن، والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن: فعظم، وأما الظفر: فمدى الحبشة» (^٢)، ولحديث ابن عباس وأبي هريرة ﵄ قالا: نهى رسول الله ﷺ عن شريطة الشيطان زاد ابن عيسى في
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٤٢٧).
(٢) رواه البخاري (٥٥٤٣)، ومسلم (٢/ ١٩٦٨).
[ ٢ / ٨٣٤ ]
حديثه: «وهي التي تذبح فيقطع الجلد ولا تفرى الأوداج، ثم تترك حتى تموت» (^١). وروى مالك: «أنه بلغه أن عبد الله بن عباس ﵄ ما كان يقول: ما فرى الأوداج فكلوه» (^٢).
وقيل: يكتفى بقطع تمام الودجين ونصف الحلقوم، وظاهر كلام الشيخ: أنه لا يشترط قطع المريء.
وقال ابن العربي: «ليس في الحديث الصحيح ذكر الذكاة بغير إنهار الدم، أما فري الأوداج وقطع الحلقوم والمريء فلم يصح فيه شيء» (^٣).
قال عياض: المريء بفتح الميم وكسر الراء وهمز آخره، وقد يشدد آخره ولا يهمز مبلع الطعام والشراب وهو البلعوم، وفسره الجوهري: بالحلق (وإن رفع) الذابح (يده) عن الذبيحة (بعد قطع بعض ذلك) الحلقوم والأوداج (ثم أعاد يده فأجهز فلا تؤكل) ظاهره سواء طال الرفع أو لم يطل، وهو كذلك باتفاق في الطول واختلف إذا رجع بالقرب، فقال سحنون: تحرم، وقال ابن حبيب: تؤكل لأن كل ما طلب فيه الفور يغتفر فيه التفريق اليسير وهو المعتمد وقال ابن عبد البر: هو الأصح (^٤).
(وإن تمادى الذابح) عمدا (حتى قطع الرأس) من الذبيحة (أساء) لحديث ابن عباس ﵁: «أن النبي ﷺ نهى عن الذبيحة أن تفرس قبل أن رضي تموت» (^٥)، والفرس: كسر رقبتها قبل أن تبرد (^٦)، وبه سميت فريسة الأسد،
_________________
(١) أبو داود (٢٨٢٦)، وسكت عنه مع أن فيه عمرو بن عبد الله الصنعاني وهو ضعيف، وذكره ابن حبان في الثقات.
(٢) مالك في الموطأ (٣/ ١٠٩).
(٣) أحكام القرآن (١/ ٥٤٢).
(٤) ابن عبد البر في الكافي (١/ ١٧٩).
(٥) أخرجه الطبراني في «الكبير» بسند ضعيف (١٢/ ٢٤٨/ ١٣٠١٣)، وسنن البيهقي (٩/ ٢٨٠)
(٦) قال ابن الأثير في النهاية في مادة: (فرس) (٣/ ص ٢٠٨): في رواية: نهى عن الفرس في الذبيحة وهو كسر رقبتها قبل أن تبرد انتهى.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
وفي الباب أثر عن عمر بالنهي عن ذلك (ولتؤكل)؛ يعني: وتؤكل ولم يرد الأمر، وإذا أكلت مع العمد فأحرى مع النسيان أو غلبة السكين (^١)، ولقول أبي مجلز قال: «سألت ابن عمر عن ذبيحة قطع رأسها فأمر ابن عمر بأكلها» (^٢).
(ومن ذبح من القفا) أو من صفحة العنق (لم تؤكل) لأنه لم يأت بالذكاة المشروعة ولأنه قد أنفذ المقتل بقطع النخاع (^٣)، وإذا أنفذت المقاتل قبل الذبح لم تؤكل، ولو قطع الحلقوم وعسرت السكين على الودجين لعدم حد السكين فقلبها وقطع بها الأوداج من داخل لم تؤكل على المذهب كما قاله سحنون، قال ابن رشد في مقدمته:
والقطع من فوق العروق بته … وإن يكن من تحتها فميته
حكي عن علي، وسعيد بن المسيب، قال إبراهيم النخعي: تسمى هذه الذبيحة القفينة.
(والبقر تذبح فإن نحرت أكلت، والإبل تنحر فإن ذبحت لم تؤكل) فالبقر يجوز فيها الأمران، لأن لها موضع النحر وموضع الذبح، ومحل النحر اللبة وهو موضع القلادة من الصدر من كل شيء، ولا يشترط في النحر قطع شيء من الحلقوم والودجين لأن محله اللبة، وهو محل تصل منه الآلة إلى القلب فيموت بسرعة، لما روى سعيد عن الفرافصة قال: «كنا عند عمر ﵁ فنادى أن النحر في اللبة والحلق لمن قدر» (^٤)، ولما في الدارقطني عن النبي ﷺ قال: «الذكاة في الحلق واللبة» (^٥)، ويستحب في نحر الإبل أن تكون قائمة، قال ابن العربي (^٦): والبقر مذبوحة لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا﴾
_________________
(١) القبس لابن العربي (٢/ ٦١٨).
(٢) الفتح (٩/ ٥٦).
(٣) انظر: الذخيرة (٤/ ١٢٨)، والكافي لابن عبد البر (١/ ١٧٩).
(٤) ابن أبي شيبة (١٩٨٣٢)، وأخرجه البيهقي في الصغرى (٣٠٢٠).
(٥) البخاري (٧/ ٩٣).
(٦) القبس (٢/ ٦١٥).
[ ٢ / ٨٣٦ ]
﴿بقرة﴾ [البقرة: ٦٧] ومنحورة بحديث النبي ﷺ: «نحر رسول الله ﷺ على نسائه بقرة» (^١)، وعن علمائنا في أكل جميع ما ذبح إذا نحر وأكل جميع ما ينحر إذا ذبح على الإطلاق روايتان.
(وقد اختلف في أكلها)؛ أي: المذبوحة من الإبل فقوله: إنها لا تؤكل إذا ذبحت مثله في المدونة (^٢) وحمله ابن حبيب على التحريم وشهره ابن الحاجب وهو الراجح. وحمله غيره على الكراهة. ومحل الخلاف إذا وقع الذبح لغير ضرورة، وأما إن كان لضرورة كما لو وقع بعير في مهواة ولم يصل إلى لبته فذبح فأكله جائز اتفاقا. أو شرد ولم يقدر عليه إلا برمي جاز أيضا.
(والغنم تذبح، فإن نحرت لم تؤكل، وقد اختلف أيضا في ذلك)؛ أي: في أكلها وهو مقيد أيضا بما إذا لم تكن ضرورة، والمشهور التحريم وإن كان لضرورة كما لو وقع في مهواة ونحر أكل اتفاقا، والصحيح عندي في الغنم بنوعيها ذبحها لا نحرها والأصل في ذلك كله حديث رافع بن خديج: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا ليس السن، والظفر» (^٣) اه.
(وذكاة ما في البطن ذكاة أمه)؛ معناه: أن البهيمة من ذوات الأنعام إذا ذكيت فخرج من بطنها جنين ليس فيه روح فإنه يؤكل بشروط (إذا تم خلقه ونبت شعره) يريد بتمام خلقه وتناهي خلقته ووصولها إلى الحد الذي ينزل عليه من بطن أمه لا كمال أطرافه فيؤكل ناقص يد أو رجل، كما قال الباجي (^٤)، لقوله ﷺ: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» (^٥)، ولحديث مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يقول: «إذا نحرت الناقة، فذكاة ما في بطنها في ذكاتها. إذا كان قد تم خلقه، ونبت شعره. فإذا خرج من بطن أمه، ذبح حتى يخرج الدم
_________________
(١) الموطأ (٨٨١)، والبخاري (١٧٠٩)، ومسلم (٣٢٥٤).
(٢) المدونة (١/ ٥٤٣).
(٣) البخاري (٣/ ١٨١) (٢٤٨٨)، ومسلم (٦/ ٧٨) (٥١٣٣).
(٤) انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ١١١).
(٥) الترمذي (١٤٧٦) وحسنه، وأبو داود (٢٨٢٨)، وابن ماجه (٣١٩٩).
[ ٢ / ٨٣٧ ]
من جوفه» (^١).
قال أبو عمر: لم يرد ابن عمر بذبح الجنين ها هنا شيئا من الزكاة؛ لأن الميت لا يذكى، وإنما أراد خروج الدم من جوفه، ولو كان خرج حيا لم تكن ذكاة أمه له بذكاة، (بإجماع من العلماء).
وعن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى؛ أنه كان يقول: «ذكاة ما في بطن الذبيحة، في ذكاة أمه. إذا كان قد تم خلقه، ونبت شعره» (^٢).
• ما لا تعمل فيه الذكاة من الأنعام:
انتقل يبين ما لا تعمل فيه الذكاة من الأنعام (وهو أشياء منها: المنخنقة بحبل ونحوه والموقوذة) وهي المضروبة (بعصا وشبهها) كالرمح والحجر (والمتردية) وهي الساقطة من علو إلى أسفل (والنطيحة)؛ أي: المنطوحة وأكيلة السبع وهي التي ضربها السبع وهو كل ما يتسبع (إن بلغ ذلك) الفعل المذكور (منها)؛ أي: من الخمسة المذكورة في هذه الوجوه من ترد ونحوه مبلغا لا تعيش معه لم تؤكل بذكاة لأن سبيلها سبيل الميتة.
والمقاتل خمسة:
١ - انقطاع النخاع وهو المخ الذي في عظام الرقبة والصلب.
٢ - وقطع الأوداج، وقضية كلام التوضيح وكلام أبي الحسن أن شق الواحد ليس بمقتل (^٣).
٣ - وخرق المصران.
٤ - وانتشار الحشوة.
٥ - ونثر دماغ (^٤).
_________________
(١) «الموطأ» (١٠٨٣)، وإسناده صحيح.
(٢) الاستذكار (٥/ ٢٦٣).
(٣) حاشية العدوي على الرسالة (٤/ ٣٥٨).
(٤) المرجع السابق (٤/ ٣٥٨).
[ ٢ / ٨٣٨ ]
وأما إذا لم تنفذ مقاتلها فإن كانت مرجوة الحياة فلا خلاف في إعمال الذكاة فيها، وإن كانت غير مرجوة، فعن مالك من رواية أشهب: أنها لا تذكى ولا تؤكل وهو الذي مشى عليه الشيخ، ومذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أنها تذكى وتؤكل وهو الراجح، وحرمة ما تقدم لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣].
ولحديث ابن عباس ﵁ أنه قال:
«المنخنقة: التي تخنق قصدا أو اتفاقا، بأن تتخبل في وثاقتها فتموت به، فهي حرام.
والموقوذة: التي تضرب بالخشب حتى يوقذها فتموت.
والمتردية: التي تتردى من الجبل.
والنطيحة: الشاة تنطح الشاة.
وما أكل السبع ما أخذ السبع، إلا ما ذكيتم إلا ما أدركتم ذكاته من هذا كله يتحرك له ذنب أو تطرف له عين فاذبح واذكر اسم الله عليه فهو حلال» (^١)، ومن طريق قتادة: «إذا أدركت منه عينا تطرف أو ذنبا يتحرك أو قائمة ترتكض فذكيته فقد أحل لك» (^٢).
(ولا بأس للمضطر) وهو من خاف الهلاك على نفسه، ولا يعني بذلك أن يكون قد أشرف على الموت إذ الأكل حينئذ لا ينفع (أن يأكل الميتة) من كل حيوان غير الآدمي ولو كافرا ولو مما لا حرمة له كالمرتد والحربي إما لأنه يؤذي أكله أو لمحض التعبد، لقوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم﴾ [الأنعام: ١٤٥].
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير (٣/ ١٨)، وانظر: الذخيرة للقرافي (٤/ ١٢٨).
(٢) أخرجه الطبري والبيهقي موصولا، والبخاري معلقا فتح الباري (٩/ ٥١٤).
[ ٢ / ٨٣٩ ]
ولو وجد المحرم الصيد والميتة أكل الميتة، وإذا وجد ميتة وخنزيرا أكل الميتة، وإن لم يجد إلا خنزيرا أكل منه ويستحب له تذكيته وذكاته العقر.
قال التتائي: والظاهر أنه لا يحتاج إلى تذكيته لأن الذكاة لا تفيد في محرم الأكل (و) كذلك لا بأس للمضطر أن (يشبع ويتزود) من الميتة إذا خاف العدم فيما يستقبل، وقد أكل الصحابة حتى شبعوا وتزودوا من لحم حوت العنبر وذلك قبل أن يعرفوا حله، وإنما جوزه لهم أميرهم لأنهم مضطرون لذلك فدل على أن الميتة للمضطر يباح له منها ذلك قال أبو عبيدة ﵁: «وقد اضطررتم فكلوا، فأكلنا حتى سمنا» (^١) قال الحافظ: وحاصل قول أبي عبيدة أنه بناء أولا على عموم تحريم الميتة، ثم تذكر تخصيص المضطر بإباحة أكلها إذا كان غير باغ ولا عاد، وحملوا معهم فلما قدموا المدينة ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «كلوا، رزقا أخرجه الله، أطعمونا إن كان معكم فأتاه بعضهم فأكله. اه (^٢).
ولحديث جابر بن سمرة ﵁: «أن أهل بيت كانوا بالحرة محتاجين»، قال: فماتت عندهم ناقة لهم، أو لغيرهم، فرخص لهم النبي ﷺ في أكلها»، قال: «فعصمتهم بقية شتائهم، أو سنتهم» (^٣).
ومحل جواز أكل الميتة للمضطر حيث لم يجد طعام الغير وإلا قدمه حيث لم يكن (^٤).
(فإن استغنى عنها طرحها)؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها.
(ولا بأس بالانتفاع بجلدها)؛ أي: الميتة ويباح الانتفاع به (إذا دبغ) بما يزيل ريحه ورطوبته. لحديث عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ أمر أن ينتفع
_________________
(١) من رواية أبي الزبير عند مسلم (١٧) (١٩٣٥)، والحديث في البخاري في المغازي (٤٣٦١).
(٢) البخاري (٤٣٦٢)، انظر: الفتح (٩/ ٥٣٣).
(٣) أحمد (٢٠٨٣٤) تعليق شيخنا شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف. وفي (٥/ ١٠٤) (٢١٣٠٤)، وأبو داود (٣٨١٦).
(٤) انظر: مواهب الجليل (٤/ ٣٥٣)، وانظر: القبس (٢/ ٢٢٨).
[ ٢ / ٨٤٠ ]
بجلود الميتة، إذا دبغت» (^١)، وطهارته عامة في المائعات وغيرها كما لسحنون وغيره والمشهور: أن طهارته مقيدة باليابسات والماء وحده من بين المائعات لأن له قوة يدفع بها عن نفسه (^٢).
(ولا يصلى عليه)؛ أي: ولا فيه على المشهور (ولا يباع) على إحدى الروايتين وهي المشهورة في المذهب (^٣)، وطهارته طهارة مخصوصة بجواز استعماله في اليابسات وفي الماء وحده من بين سائر المائعات وليست عامة حتى في جواز بيعه والصلاة فيه وعليه.
(ولا بأس بالصلاة) استعمل لا بأس هنا بمعنى الجواز؛ أي: وتجوز الصلاة (على جلود السباع إذا ذكيت)؛ أي: ونحوها من كل حيوان مكروه الأكل ليشمل الفيل والذئب والثعلب والضبع بشرط أن تذكى (و) كذلك لا بأس ب (بيعها)؛ أي: بيع جلود السباع إذا ذكيت (^٤)، والظاهر أن هذا (^٥) مخالف لما روى مالك عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أكل كل ذي ناب من السباع حرام» (^٦) وما حرم أكله حرم الانتفاع به؛ كما قال أبو عمر (^٧)، ويشهد له أيضا ما رواه أشهب، عن مالك أنه لا تعمل الزكاة في السباع، لا للحومها، ولا لجلودها، كما (قال): لا تعمل في الخنزير.
قال جامع هذه الورقات عفا الله عنه: والأحاديث في النهي عن افتراش جلود السباع كما في «المسند» و«السنن» منها: حديث أبي المليح بن أسامة
_________________
(١) مالك في الموطأ (١٨٣١/ ٤٨٥)، وأبو داود (٤/ ٤٣٠) رقم (٤١٢١)، وابن ماجه (٢/ ١١٩٤) رقم (٣٦١٢)، والنسائي (٧/ ١٧٦) رقم (٤٢٥٢).
(٢) مواهب الجليل للحطاب (١/ ١٤٤ - ١٤٥).
(٣) جامع الأمهات لابن الحاجب (٣٣٧).
(٤) جامع الأمهات (٣٣٧).
(٥) كما قال الغماري رحمه الله تعالى في مسالك الدلالة (١٩٦) بتصرف.
(٦) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٤٣٤)، ومسلم (٥٠٣٢)، وأحمد (٢/ ٢٣٦ (٧٢٢٣).
(٧) الاستذكار (٥/ ٢٨٦).
[ ٢ / ٨٤١ ]
عن أبيه: «أن رسول الله ﷺ نهى عن جلود السباع»، وفي رواية: «أن رسول الله ﷺ نهى عن جلود السباع أن تفترش» (^١). وغيرها مما ذكرناه في أصل هذا الكتاب ولله الحمد والمنة.
إلا أن المهلب قال: وحجة مالك في كراهية الصلاة عليها وبيعها وتجويز الانتفاع بها في بعض الأشياء أن النبي ﷺ أهدى حلة من حرير لعمر، وقال: «إني لم أعطكها لتلبسها، ولكن تبيعها أو تكسوها» (^٢) فأباح له ﷺ التصرف في الحلة في بعض الوجوه، فكذلك جلد الميتة يجوز الانتفاع به في بعض الوجوه دون بعض (^٣).
(وينتفع بصوف الميتة وشعرها) بعد الجز انتفاعا عاما من البيع، والصلاة عليه، والتصدق به، وغير ذلك إلا أنه إذا باع بين على أنها جلد ميتة، لعموم حديث ابن عباس له عن النبي ﷺ: «إنما حرم أكلها» (^٤) ولعموم قوله تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين﴾ [النحل: ٨٠]، ولحديث ابن عباس ﵁: «إنما حرم من الميتة لحمها وأما الجلد والشعر والصوف فلا بأس به» (^٥).
أما الانتفاع بصوف الميتة (و) كذلك (ما ينتزع منها)؛ أي: الميتة (في) حال (الحياة)؛ أي: على تقدير لو انتزع منها في حال الحياة لم يؤلمها إلا اللبن فإنه نجس وهو مما ينتزع منها في حال الحياة ولا يؤلمها.
(وأحب إلينا)؛ أي: المالكية (أن يغسل) ما ذكر من الصوف وما بعده
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٧٤) (٢٠٩٨٢)، وأبو داود (٤١٣٢)، والترمذي (١٧٧١)، والنسائي (٧/ ١٧٦)، وفي الكبرى (٤٥٦٥).
(٢) البخاري (٥٩٨١).
(٣) شرح ابن بطال (٥/ ٤٤٣)، باب: جلود الميتة، من كتاب الذبائح.
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (٣٠٨)، وأحمد (١/ ٢٦١) (٢٣٦٩)، والبخاري (٢/ ١٥٨) (١٤٩٢)، ومسلم (١/ ١٩٠) (٧٣٣).
(٥) السنن للبيهقي (١/ ٢٤)، والتلخيص للحافظ (١/ ٢٠٢)، قال الحافظ في التلخيص: قال البيهقي: تابعه أبو بكر الهذلي عن الزهري.
[ ٢ / ٨٤٢ ]
إذا لم تتيقن طهارته ولا نجاسته، لحديث: «لا بأس بصوفها إذا غسل بالماء» (^١)، أما إن تيقنت طهارته فلا يستحب غسله، وإن تيقنت نجاسته وجب غسله.
(ولا ينتفع بريشها)؛ أي: الميتة ظاهره معارض لقوله أولا: وما ينتزع منها في حال الحياة، وقد تقدم ما يزيل الاعتراض وهو تخصيص ما تقدم بقوله:
ولا يؤلمها، (و) كذلك (لا) ينتفع (بقرنها) أي: الميتة (وأظلافها وأنيابها) ظاهره على جهة التحريم لأن الحياة تحله فتنجس بمفارقتها لحديث: «ما أبين من حي فهو ميت» (^٢) (وكره الانتفاع بأنياب الفيل) وكذا عبر في «المدونة» (^٣).
(وقد اختلف في ذلك)؛ أي: في أنياب الفيل على أربعة أقوال مشهورها: أن ذلك كله نجس بناء على أنه تحله الحياة.
قال ابن وهب: طاهر؛ أي: بناء على أنه لا تحله الحياة، وما تقرر من كون ناب الفيل نجسا إذا كان من ميتة مثله المنفصل من الفيل حال الحياة، وحيث كان المنفصل من الميتة نجسا فالكراهة في قول «المدونة»: «ولا أنياب الفيل ولا يتجر فيها ولا يمشط بأمشاطها ولا يدهن بمداهنها» (^٤)، لأنها ميتة محمولة على التحريم، قاله ابن ناجي وعزاه للأم (^٥).
وأما أنياب الفيل المذكى ولو بالعقر فإنه مكروه والكراهة على التنزيه؛ وفي «الجواهر»: قال الشيخ أبو بكر: إذا نحر الفيل انتفع بعظمه وجلده، قال
_________________
(١) رواه الدارقطني (١/ ٤٧) ح (١٩)، وانظر: نصب الراية للزيلعي، وقال: فيه يوسف وهو متروك (١/ ١١٨).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي في التلخيص على شرط البخاري ومسلم، وانظر: صحيح الجامع (٤٥٣٣) فقد صححه الألباني، وانظر: التلخيص الحبير (١/ ٢٩).
(٣) المدونة (١/ ١٩٨).
(٤) المدونة (٩/ ٢٦٠) كتاب البيوع الفاسدة، في بيع الربل والرجيع وجلود الميتة والعذرة.
(٥) مواهب الجليل للحطاب (١/ ٣٣٦).
[ ٢ / ٨٤٣ ]
أبو الوليد: وخصه بالنحر مع قصر عنقه، لأنه لا عنق له (^١).
قال الزهري رحمه الله تعالى في عظام الموتى نحو الفيل وغيره:
«أدركت ناسا من سلف العلماء يمتشطون بها، ويدهنون فيها، لا يرون به بأسا، وقال ابن سيرين وإبراهيم: لا بأس بتجارة العاج» (^٢).
ولحديث ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: «يا ثوبان اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج» (^٣)؛ وأما الكراهة فالاختلاف في أنها ميتة.
(وما مات فيه فأرة) بالهمز (من سمن أو زيت أو عسل) أو ودك (ذائب) راجع للجميع (طرح ولم يؤكل)، لأن المائع تسري فيه النجاسة بخلاف الجامد، إن لم تطل فيه حتى تحللت أجزاؤها لحديث ميمونة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الفأرة تقع في السمن فقال: «إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه» (^٤)؛ ولا يباع؛ ومثل الفأرة كل ما له نفس سائلة، ولما ذكر أنه يطرح ولا يؤكل وخشي أن يتوهم أنه لا ينتفع به أصلا رفع ذلك الإيهام بقوله:
(ولا بأس) بمعنى ويباح (أن يستصبح بالزيت المتنجس وشبهه) كالودك والسمن في غير المساجد كالبيوت والحوانيت، (و) أما المساجد ف (ليتحفظ منه)، لأنه نجس فلا يستصبح به فيها لتنزيهها عن النجاسات (^٥)، فلحديث أبي هريرة ﵁ في المسألة وفيه: «وإن كان ذائبا، أو مائعا، فاستصبحوا به، أو فاستنفعوا به» أو قال: «انتفعوا به» (^٦).
_________________
(١) الذخيرة للقرافي (٤/ ١٣٢).
(٢) والأثر أورده البخاري معلقا في كتاب الوضوء، باب: ما يقع من النجاسات في السمن والماء، ورواه عبد الرزاق (١/ ٦٨).
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٥) (٢٢٧٢١)، وأبو داود (٤٢١٣) بسند ضعيف ..
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (٦٠١)، والبخاري (١/ ٦٨)، وأبو داود (٣٨٤١)، والترمذي (١٧٩٨)، والبخاري (١/ ٦٨).
(٥) مواهب الجليل للحطاب (١/ ٣٦٣).
(٦) صححه ابن حزم المحلى (١/ ١٤١)، وانظر: التمهيد (٩/ ٣٥)، والاستذكار (٨/ ٥٠٩).
[ ٢ / ٨٤٤ ]
ثم صرح بمفهوم ذائب فقال: (وإن كان) ما ذكر من السمن وما عطف عليه (جامدا طرحت الفأرة التي ماتت فيه هي (وما حولها وأكل ما بقي) وله بيعه إلا أنه يبين لأن النفس تكرهه (^١)، ولا تحديد فيما يطرح منه، وإنما ذلك على حسب غلبة الظن (قال) سحنون: إلا أن يطول مقامها بضم الميم؛ أي: إقامتها فيه فإنه يطرح كله، لأن النجاسة إذا طال مقامها في الجامد نفذت في جميع أجزائه وقد تقدم لك الدليل.
• طعام أهل الكتاب:
ولا بأس بطعام أهل الكتاب وذبائحهم لا بأس هنا للإباحة قال تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم﴾ [المائدة: ٥]. «الجمهور من المفسرين على أن المراد بالطعام في الآية هي ذبائحهم، من الصحابة ابن عباس، وأبو أمامة، ومن التابعين مجاهد، وسعيد بن جبير وغيرهما رحمهم الله تعالى، وقال ابن كثير: وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حل للمسلمين». اه (^٢).
ومن شرط تذكية الكتابي:
١ - أن يذبحه بيده لا أن يصعقه بالتيار الكهربائي ونحوه) (^٣).
٢ - أن يكون ملكا له.
٣ - وأن يكون مذبوحه حلال له بشرعنا.
٤ - وأن لا يذبحه باسم الصنم.
(وكره أكل شحوم اليهود منهم من غير تحريم)؛ أي: مما هو محرم عليهم بشرعنا كشحم البقر والغنم الخالص كالشحم الرقيق الذي يغشى الكرش والأمعاء، وفي «البخاري» من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ قال: «كنا
_________________
(١) مواهب الجليل (١/ ٣٦٣).
(٢) تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (٢/ ٦٨٧)، ط: الأوقاف القطرية.
(٣) انظر: الإعجاز العلمي في القرآن والسنة للشيخ الدكتور زغلول النجار.
[ ٢ / ٨٤٥ ]
محاصرين قصر خيبر، فرمى إنسان بجراب فيه شحم، فنزوت لأخذه، فالتفت، فإذا النبي ﷺ، فاستحييت منه» (^١)، قال الحافظ (^٢): «فنزوت بنون وزاي؛ أي: وثبت؛ وفيه حجة على من منع ما حرم عليهم كالشحوم لأن النبي ﷺ أقر ابن مغفل على الانتفاع بالجراب المذكور، وفيه جواز أكل الشحم مما ذبحه أهل الكتاب ولو كانوا أهل حرب». اه. قال علماؤنا: تبسمه ﷺ إنما كان لما رأى من شدة حرص ابن مغفل على أخذ الجراب ومن ضنته به ولم يأمره بطرحه ولا نهاه.
• طعام الكفار غير الكتابيين:
(ولا يؤكل ما ذكاه المجوسي) مطلقا وثنيا (^٣) كان أو غير وثني، ذكاه لنفسه أو لمسلم لمفهوم قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم﴾ [المائدة: ٥] ففهم منه أن طعام غيرهم من ملل الكفر الأخرى لا يحل، والمقصود الذبائح، ولحديث علي ﵁: «أن النبي ﷺ كتب إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم قبل منه، ومن لم يسلم ضرب عليه الجزية غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم» (^٤).
وكذلك لا تؤكل ذبيحة السكران والمجنون ولو أصابا الذكاة لفقدان عقلهما، قال ابن الحاجب وتصح من الصبي المميز والمرأة، من غير ضرورة على الأصح (^٥).
_________________
(١) البخاري (٥٥٠٨).
(٢) الفتح (٩/ ٥٥٤)، وانظر: تفسير القرطبي (٣/ ٢٧٤).
(٣) وهو من يعبد الوثن؛ أي: الصنم، قال في المصباح: الوثن الصنم سواء كان من خشب أو حجر.
(٤) نصب الراية، وإسناد المرسل جيد، وقال الألباني في غاية المرام: لم يثبت مرفوعا من قول النبي ﷺ سوى قوله: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب والله أعلم. قلت: وهو في الموطأ عند مالك في باب جزية أهل الكتاب (ص ١٢١).
(٥) التوضيح على جامع الأمهات (٣/ ٢١٨).
[ ٢ / ٨٤٦ ]
(وما كان مما ليس فيه ذكاة من طعامهم فليس بحرام) يجوز أكله اتفاقا لحديث علي ﵁: «لا بأس بطعام المجوس إلا الذبيحة»، وعن سويد غلام سلمان ﵁ قال: «أتيت سلمان ﵁ يوم هزم الله أهل فارس بسلة وجد فيها خبز وجبن وسكين فجعل يطرح لأصحابه من الخبز ويقطع لهم من الجبن فيأكلون وهم مجوس، فعرفنا أنه لا بأس بطعامهم ما خلا الذبيحة، وفيه دليل أنه لا بأس للغانمين أن يتناولوا من طعام الغنيم قبل القسمة» (^١)، هذا إن تيقنت طهارته أما إن تيقنت نجاسته فيحرم أكله، وما شك فيه يحمل على التنجيس، وقد كان سعيد بن جبير يأكل من كواميخ (^٢) المجوس، وأعجبه ذلك، وروى هشام عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا بطعام المجوس في المصر، ولا بشواريزهم (^٣)، ولا بكواميخهم.
الصيد
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والصيد للهو مكروه والصيد لغير اللهو مباح.
وكل ما قتله كلبك المعلم أو بازك المعلم فجائز أكله إذا أرسلته عليه، وكذلك ما أنفذت الجوارح مقاتله قبل قدرتك على ذكاته، وما أدركته قبل إنفاذها لمقاتله لم يؤكل إلا بذكاة.
وكل ما صدته بسهمك أو رمحك فكله فإن أدركت ذكاته فذكه، وإن فات بنفسه فكله إذا قتله سهمك ما لم يبت عنك، وقيل: إنما ذلك فيما بات عنك مما قتلته الجوارح، وأما السهم يوجد في مقاتله فلا بأس بأكله.
ولا تؤكل الإنسية بما يؤكل به الصيد).
_________________
(١) رواه عبد الرزاق عن قتادة (٨٤٩٦)، وابن أبي شيبة، رقم الحديث: (٢٣٧٧٠)، وهو (حديث مقطوع).
(٢) الكامخ: بفتح الميم: إدام.
(٣) جمع الشيراز، وهو اللبن الرائب.
[ ٢ / ٨٤٧ ]
الأول: الإباحة
الشرح
الصيد لغة: هو مصدر صاد يصيد صيدا، ثم أطلق الصيد على المصيد نفسه، تسمية للمفعول بالمصدر كقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥].
أي: المصيد، واستخدم ذلك في أكثر من موضع في القرآن. ومعناه: أي: الصيد لغة: هو الاقتدار على ما كان ممتنعا ولا مالك له (^١).
والصيد شرعا: قال ابن عرفة: أخذ مباح أكله غير مقدور عليه من وحش طير أو بر أو حيوان بحر بقصد؛ أي: نية الإصطياد (^٢).
(والصيد للهو مكروه) اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على جواز قتل الصيد للأكل، وأما قتله لغير الأكل فلا لحديث عبد الله بن عمرو ما يرفعه قال: «من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها سأل الله ﷿ عنها يوم القيامة قيل: يا رسول الله فما حقها؟ قال: حقها أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فيرمى بها» (^٣).
قال في «التنبيه»: اللهو مصدر لهوت بالشيء بالفتح لهوا إذا لعبت به لحديث النبي ﷺ: «كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا ثلاث …»، ولحديث ابن عباس ﵄: «من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن» (^٤).
• وللصيد ثلاثة أحكام:
الأول: الإباحة وهذا الذي أشار إليه المصنف بقوله: (والصيد لغير
_________________
(١) انظر: المصباح المنير (ص ١٣٥)، مادة: (صيد)، وانظر: كتاب أحكام الذبائح في الإسلام للدكتور محمد أبو فارس (ص ٧٤).
(٢) نقله النفراوي في الفواكه الدواني (١/ ٣٩٠).
(٣) والشافعي في المسند، والحاكم وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، غير أن ابن القطان أعله بصهيب مولى ابن عامر، وانظر: حديث رقم (٥٧٥٠) في ضعيف الجامع.
(٤) وحسنه الألباني في السلسلة (١٢٧٢)، وفي الجامع الصغير (٦١٢٣).
[ ٢ / ٨٤٨ ]
الثاني: الكراهة
اللهو مباح) وقد يكون واجبا إذا كان لا يمكنه الإنفاق على عياله إلا منه، وهذا ثابت بالكتاب والسنة، والإجماع؛ فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة: ٤]، وأما السنة فوردت أحاديث كثيرة مشتهرة منها حديث عدي بن حاتم، وأبي ثعلبة الخشني، المتفق عليهما وسيأتي ذكر بعضها إن شاء الله تعالى.
وأما الإجماع فقد قام على إباحة الصيد (^١)؛ وهذا الحكم هو الأصل؛ فالأصل في الصيد أنه مباح لدفع الحاجة، والانتفاع بلحمه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ [البقرة: ٢٩]؛ لأن الأصل في الأشياء الإباحة، حتى يقوم دليل على النقل عن هذا الأصل.
الثاني: الكراهة. وذلك إذا كان القصد منه التلهي به والمفاخرة، وهو قصد المصنف والله أعلم لقوله ﷺ: «من بدا جفا، ومن تبع الصيد غفل» (^٢).
الثالث: التحريم؛ ويحرم الصيد في حالتين:
الأولى: إذا ترتب عليه ظلم للناس بالعدوان على زروعهم، وبساتينهم وأموالهم وأراضيهم، وممتلكاتهم؛ لأن ذلك من الاعتداء على أموال الغير؛ ولأن المقاصد لها أحكام الوسائل.
الثانية: إذا كان الصيد في الحرم، أو في حال التلبس بالإحرام؛ أما الصيد في الحرم فلقوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا﴾ [العنكبوت: ٦٧]، ولقوله ﷺ: «ولا ينفر صيدها» (^٣) وتنفير الصيد: إزعاجه عن موضعه، وتهييجه. فالنهي عن الصيد يكون من باب أولى في الحرمة، أما تحريم الصيد في حال الإحرام لقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ [المائدة: ٩٥].
_________________
(١) أبو داود (٢٨٥٩)، والترمذي (٢٢٥٦).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٨٨)، والترمذي في كتاب الفتن بدون تسمية رقم (٢٢٩٢)، والنسائي كتاب الصيد (٤٧٨٨)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٢٧٢).
(٣) رواه البخاري رقم (١٢٦٢)
[ ٢ / ٨٤٩ ]
(وكل ما قتله كلبك المعلم أو بازك المعلم فجائز أكله) لقوله تعالى: ﴿يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾ [المائدة: ٤]، ولحديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ، فقلت: يا نبي الله، إنا بأرض قوم من أهل الكتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ وبأرض صيد، أصيد بقوسي، وبكلبي الذي ليس بمعلم وبكلبي المعلم، فما يصلح لي؟ قال: «أما ما ذكرت من أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم الله فكل، وما صدت بكلبك غير معلم فأدركت ذكاته فكل» (^١)، وعن عدي بن حاتم قال: إني أرسل كلبي وأسمي، فقال النبي ﷺ: «إذا أرسلت كلبك وسميت، فأخذ فقتل فأكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه» قلت: إني أرسل كلبي، أجد معه كلبا آخر، لا أدري أيهما أخذه؟ فقال: «لا تأكل، فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره»، وسألته عن صيد المعراض، فقال: «إذا أصبت بحده فكل، وإذا أصبت بعرضه فقتل فإنه وقيد، فلا تأكل» (^٢).
ولا خصوصية لهذين بل كل ما علم بالفعل من الكلاب والسباع والطيور وهو أن يكون بحيث إذا أرسل أطاع، وإذا زجر انزجر، إلا أن يكون طيرا فيكفي فيه الإطاعة عند إرادة الإرسال، ولا يشترط فيه قبول الانزجار بعد الإرسال (إذا أرسلته عليه) فقتله فإنه يجوز أكله لقول النبي ﷺ: «فإن أخذ الكلب ذكاته» (^٣). وهناك شروط في الصائد والمصيد والمصاد به.
فيشترط في المصاد به: إذا كان حيوانا:
_________________
(١) البخاري (٥٤٨٨).
(٢) البخاري (٥٤٧٥).
(٣) البخاري في باب قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد …﴾ (٧/ ١١٠)، ومسلم كتاب الصيد والذبائح (١٥٣٠/ ٣).
[ ٢ / ٨٥٠ ]
١ - أن يكون علم بالفعل، للآية، ولو كان من نوع ما لا يقبل التعليم كالأسد والنمر والنمس، وأولى ما يقبله من كلب وباز وسنور، ولو كان طبع المعلم بالفعل الغدر كذب فإنه لا يمسك إلا لنفسه.
٢ - وأن يكون مرسلا من يد الصائد. لقول النبي ﷺ: «إذا أرسلت كلبك وسميت فكل».
ويشترط في المصيد:
١ - أن يكون مرئيا، أو يكون في مكان محصور كغار أو غيضة علم به أو لم يعلم به أبصره أو لا.
٢ - ويشترط أن لا يكون لهما منفذ آخر (الغار والغيضة) وإلا لم يؤكل ما كان بواحد منهما.
٣ - وأن يكون مما يؤكل لحمه ولو ظن خلافه، كما لو ظنه أرنبا مثلا فأرسل عليه كلبه فإذا هو ظبي.
٤ - وأن يكون غير مقدور عليه؛ أي: جملة أو في القدرة عليه مشقة ككونه في شاهق جبل أو على شجرة ولا يتوصل إليه إلا بأمر يخاف منه العطب، أو كان في جزيرة كبيرة.
وأما الصائد فيشترط فيه:
١ - أن ينوي.
٢ - وأن يسمي حال الإرسال فإن ترك التسمية عامدا لم يؤكل مصيده بخلاف النسيان.
٣ - وأن يكون مسلما وهذا خاص بصيد البر، وأما صيد البحر فإنه جائز لكل أحد.
٤ - وأن يكون عاقلا فالمجنون والسكران لا يصح منهما.
(وكذلك) جائز أكل كل (ما أنفذت الجوارح مقاتله قبل قدرتك على ذكاته) إذا تبعته ولم تفرط في طلبه (و) أما (ما أدركته قبل إنفاذها) لمقاتله (لم يؤكل إلا بذكاة) ولا يجوز أكله بدون ذكاة. لحديث عدي بن حاتم ﵁
[ ٢ / ٨٥١ ]
أن النبي ﷺ قال: «إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك، فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل، ولم يأكل منه فكله» وفي رواية: «وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاة» (^١).
قال ابن عمر: يريد إذا فرط لم تكن عنده السكين وأخذ يطلبها من غيره حتى مات. أما إن لم يفرط فإنه يؤكل وإن لم تنفذ مقاتله إذا نيبه؛ أي:
أصابه بنابه إذ لا بد من الإدماء ولو في الأذن سواء شق جلده أم لا، لا أن يكون شق جلده بدون إدماء في وحشي صحيح، فلا يكفي بخلافه في مريض فيكفي، لأنه قد يكون قليل الدم.
(وكل ما صدته بسهمك أو رمحك) وكل سلاح عصري ببارود ونحوه وبكل ما له حد ولو غير حديد وقتله السهم أو الرمح أو جرحه ومات قبل قدرتك على ذكاته (فكله) حيث نويت وسميت عند رمي السهم أو الرمح فلو أدركته حيا بعد إنفاذ شيء من مقاتله ندب تذكيته (فإن أدركت ذكاته فذكه، وإن فات بنفسه فكله إذا قتله سهمك) لحديث عدي: وسئل رسول الله ﷺ عن صيد المعراض فقال: «ما خرق فكل وما قتل بعرضه فقتل فلا تأكل، فإنه وقيذ» (^٢)، وفي لفظ: «فأدركته حيا فاذبحه».
ومفهوم قوله: سهمك أيضا وكلبك فلو قتله سهم آخر أو كلب آخر فلا تأكل؛ لأنك سميت على كلبك ولم تسم على الآخر، ولربما لم يسم عليه صاحبه وذلك لقول النبي ﷺ قال: «إذا أرسلت كلبك وسميت فكل» قلت: أرسل كلبي فأخذ معه كلبا آخر؟ قال: «لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الآخر» (^٣)، وفي لفظ: «وإذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل» (^٤)، وفي حديث أبي ثعلبة: «وما صدت بقوسك ذكرت اسم الله عليه فكل».
_________________
(١) البخاري (٥٤٧٥)، ومسلم (١٩٢٩).
(٢) رواه البخاري (١٩٤٩)، ومسلم (١٩٢٩).
(٣) البخاري (٢٠٥٤).
(٤) البخاري (٥٤٨٤).
[ ٢ / ٨٥٢ ]
(ما لم يبت عنك) لا خصوصية للسهم بذلك الشرط الذي هو قوله:
«ما لم يبت عنك، فقد قال في المدونة: إذا بات عنه الصيد ثم وجده منفود المقاتل فإنه لا يؤكل وسواء في ذلك الكلب والباز والسهم، كما نبهنا على ذلك، وحينئذ فالأولى للمصنف أن يحذف قوله: إذا قتله سهمك» (وقيل: إنما ذلك؛ أي: عدم أكل ما فات بنفسه فيما بات عنك فيما قتلته الجوارح، وأما السهم يوجد في مقاتله فلا بأس بأكله) لا بأس هنا بمعنى الجواز.
أما السهم فلحديث عدي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «وإن رميت سهمك، فاذكر اسم الله، فإن غاب عنك يوما، فلم تجد فيه إلا أثر سهمك، فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء، فلا تأكل» (^١)، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁: «أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أفتني في سهمي قال: قال: ما رد عليك سهمك فكل قال: وإن تغيب علي؟ قال: وإن تغيب عليك، ما لم تجد فيه أثر سهمك غير سهمك أو تجده قد صل» (^٢)»، وعن أبي ثعلبة عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا رميت الصيد فأدركته بعد ثلاث وسهمك فيه فكله ما لم ينتن» (^٣).
ولأن جرحه بسبب سهمه وقد وجد يقينا ولا يدفع بشك عارض. والله أعلم.
(ولا تؤكل الإنسية بما يؤكل به الصيد) ظاهره ولو ندت والتحقت بالوحش، وكذلك الحيوان الوحشي إذا تأنس وصار مقدورا عليه، فلا يؤكل
_________________
(١) البخاري، باب: الصيد إذا غاب عنه يوما، أو ثلاثة من كتاب الذبائح والصيد (٧/ ١١٣)، ومسلم، باب: الصيد بالكلاب المعلمة من كتاب الصيد (٣/ ١٥٣١).
(٢) صل اللحم: أنتن. انظر: لسان العرب، مادة: (صلل). والحديث رواه أبو داود، باب في الصيد من كتاب الصيد (٢/ ٩٩ - ١٠٠)، والنسائي كما في المجتبى (٧/ ١٦٨)
(٣) مسلم، باب إذا غاب عنه الصيد ثم وجده، من كتاب الصيد والذبائح (٣/ ١٥٣٢)، وأبو داود (٢/ ١٠٠)، وأحمد (٤/ ١٩٤) المسند.
[ ٢ / ٨٥٣ ]
إلا بالذبح هكذا قال مالك، وربيعة، والليث بن سعد، واحتج لمالك بأن الحيوان الإنسي إذا توحش لم يثبت له حكم الوحشي بدليل أنه لا يجب على المحرم الجزاء بقتله، وخالفهم الجمهور، قال أبو عمر (^١): وقول الجمهور أظهر في أهل العلم لحديث رافع بن خديج في غنائم خيبر قال: «فند منها بعير، فطلبوه، فأعياهم وكان في القوم خيل يسيرة، فأهوى رجل منهم بسهم، فحبسه الله» ثم قال: «إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا» (^٢).
وقد علل المالكية بأن فعلهم ذلك للبعير من قبل النادر، والنادر لا يؤخذ به، قلت: لكن يرده قول النبي ﷺ وهو دليل في العموم: «فاصنعوا به هكذا».
العقيقة
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والعقيقة سنة مستحبة ويعق عن المولود يوم سابعه بشاة مثل ما ذكرناه من سن الأضحية وصفتها ولا يحسب في السبعة الأيام اليوم الذي ولد فيه.
وتذبح ضحوة.
ولا يمس الصبي بشيء من دمها.
ويؤكل منها ويتصدق وتكسر عظامها.
وإن خلق شعر رأس المولود وتصدق بوزنه من ذهب أو فضة فذلك مستحب حسن.
وإن خلق رأسه بخلوق بدلا من الدم الذي كانت تفعله الجاهلية فلا بأس بذلك).
_________________
(١) الاستذكار (٥/ ٢٦٩).
(٢) كما في المغني لابن قدامة (١٣/ ٢٩٢).
[ ٢ / ٨٥٤ ]
الشرح
العقيقة هي: الذبيحة التي تذبح عن المولود وقيل: هي الطعام الذي يصنع ويدعى إليه من أجل المولود. قال أبو عبيد: الأصل في العقيقة الشعر الذي على المولود وجمعها عقائق ومنها قول الشاعر:
أيا هند لا تنكحي بوهة … عليه عقيقته أحسبا (^١)
ثم إن العرب سمت الذبيحة عند حلق شعره عقيقة على عاداتهم في تسمية الشيء باسم سببه أو ما جاوره، ثم اشتهر ذلك حتى صار من الأسماء العرفية وصارت الحقيقة مغمورة فيه فلا يفهم من العقيقة عند الإطلاق إلا الذبيحة (^٢).
• حكم العقيقة:
(والعقيقة سنة) في قول عامة أهل العلم منهم ابن عباس وابن عمر وعائشة رضي الله وفقهاء التابعين وأئمة الأمصار أطلقت شرعا على الشاة المذبوحة يوم سابع المولود منقولة من معناها، لغة: وهو شعر رأس المولود، لأنها تذبح عند حلقه، وهي في الأصل: فعيلة بمعنى مفعولة من العق وهو القطع.
ولا يخفى وجوده في كل من الشعر، والذبيحة لقطع أوداجها وحلقها وقوله: (مستحبة) فيه نظر لأن الشيء الواحد لا يجتمع فيه حكمان وأجيب عنه بأنه عنى بقوله: مستحبة؛ أي: غير مؤكدة، وحكى ابن عبد البر عن مالك أنها سنة واجبة يجب العمل بها (^٣). والأصل في مشروعيتها قوله ﷺ: ﴿من ولد له ولد، فأحب أن ينسك عن ولده، فليفعل﴾ (^٤)، وما رواه أحمد بسند جيد من حديث
_________________
(١) البيت لامرئ القيس وهو في ديوانه ١٢٨؛ والبوهة: البومة، سمي به الضعيف من الرجال، الطائش. الأحمق، والأحسب: الذي في شعر رأسه شقرة، يصفه باللؤم والشح، يقول: إنه لم تحلق عقيقته في صغره حتى شاخ.
(٢) انظر: التوضيح (٣/ ٢٧٩).
(٣) التمهيد (٤/ ٣٠٦)، ولعل القول الذي حكاه ابن عبد البر هو الذي أشار إليه خليل في التوضيح من أنه في العتبية (٣/ ٢٧٩).
(٤) باب: ما جاء في العقيقة، من كتاب العقيقة (٢/ ٥٠٠). وأبو داود (٢/ ٩٦)،
[ ٢ / ٨٥٥ ]
سمرة بن جندب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كل غلام رهينة بعقيقته، يذبح عنه يوم سابعه، ويحلق، ويسمى» (^١).
(ويعق عن المولود) ذكرا كان أو أنثى (يوم سابعه)؛ أي: سابع ولادته بشرط حياته إليه لحديث سمرة ﵁ (بشاة) من الضأن أو المعز والحجة في ذلك لمالك ولمن قال بقوله ما رواه أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: «أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن، والحسين كبشا كبشا» (^٢)، كان ابن عمر ﵄ يقول: «شاة شاة عن الغلام والجارية» (^٣).
وعن هشام بن عروة «أن أباه عروة بن الزبير كان يعق عن بنيه، الذكور والإناث، بشاة شاة» (^٤).
من مات له ولد قبل السابع فماذا يفعل؟ إن مات قبل السابع فليس عليهم أن يذبحوا عنه (^٥)، ولكن يسمى (^٦).
ويشترط في النسيكة أن تكون (مثل ما ذكرناه) فيما تقدم (من سن الأضحية) وهو الجذع من الضأن والثني من المعز (وصفتها) بأن تكون سليمة من العيوب، قال أبو عمر: وقد أجمع العلماء أنه لا يجوز في العقيقة إلا ما يجوز في الضحايا من الأزواج الثمانية، إلا ما شد مما لا يعد خلافا. اه (^٧).
_________________
(١) = والنسائي (٧/ ١٤٥).
(٢) أبو داود (٢/ ٩٥)، والترمذي، كما في العارضة (٦/ ٣١٩)، والنسائي (٧/ ١٤٧) والحديث صحيح. كما قال الألباني في إرواء الغليل (٤/ ٣٧٩).
(٣) في باب العقيقة من كتاب الأضاحي (٢/ ٩٦)، بلفظ: «كبشا كبشا»، والترمذي (٦/ ٣١٧)، والنسائي (٧/ ١٢٥) إلا أن في روايته «كبشين كبشين».
(٤) أخرجه عبد الرزاق في باب العقيقة المصنف (٤/ ٣٣١)، وابن أبي شيبة (٨/ ٢٣٩) باب من قال: يسوى بين الغلام والجارية، من كتاب العقيقة.
(٥) في الموطأ (٣/ ١٣٠).
(٦) المسالك لابن العربي (٥/ ٣٣٣)، والذخيرة (٤/ ١٦٥).
(٧) الذخيرة (٤/ ١٦٥)، وقال به ابن حبيب واللخمي وغيرهما كثير. والبيان والتحصيل (٣/ ٣٨٧).
(٨) الاستذكار (٥/ ٣٢١)، والتوضيح (٣/ ٢٨٠).
[ ٢ / ٨٥٦ ]
(ولا يحسب في السبعة الأيام اليوم الذي ولد فيه) من بعد الفجر، فإن ولد مع الفجر حسب (^١)، وقال أصبغ: يلغى ذلك اليوم وإن حسب سبعة أيام من تلك الساعة إلى مثلها أجزأ (^٢).
(وتذبح ضحوة) قياسا على الأضحية على جهة الاستحباب، ويكره من بعد الزوال إلى الغروب فلا يجزئ ذبحها ليلا على المشهور، ولا قبل طلوع الشمس (^٣).
(ولا يمس الصبي بشيء من دمها) كما تقدم من قول مالك وذلك حذرا مما كان يفعله أهل الجاهلية لأن النبي ﷺ قال: «مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دما، وأميطوا عنه الأذى» (^٤) وهذا يقتضي أن لا يمس بدم لأنه أذى.
وروى يزيد بن عبد المزني عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «يعق عن الغلام، ولا يمس رأسه بدم» (^٥).
(ويؤكل منها ويتصدق)؛ أي: يستحب أن يطعم منها أهل بيته وجيرانه.
ولا حد للإطعام فيها بل يأكل ما شاء ويتصدق بما شاء، ولو قدم الصدقة لكان أولى لما قيل: إنها لا تكون عقيقة حتى يتصدق بها كلها أو بعضها، فالمقصود من العقيقة الصدقة، والصدقة تكون منها طريا ومطبوخا (^٦)، لما روي عن عائشة أنها قالت: «عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة تقطع جدولا (^٧)، ولا يكسر لها عظم، فيأكل، ويطعم، ويتصدق» (^٨)
_________________
(١) التوضيح (٣/ ٢٨٠).
(٢) المرجع السابق (٣/ ٢٨١).
(٣) البيان والتحصيل (٣/ ٣٨٧)، والذخيرة (١٦٥/ ٤)، والتوضيح (٢٨٠/ ٣).
(٤) البخاري (٥٤٧١)، وأبو داود في باب: العقيقة من كتاب الأضاحي (٩٥ - ٩٦/ ٢).
(٥) رواه ابن ماجه وله شواهد (٣١٦٦)، وابن الملقن في البدر المنير (٣٤٢/ ٩)، وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (٥٠٦/ ٩ ٥٠٨)، وصححاه.
(٦) البيان والتحصيل لابن رشد (٣/ ٣٩٢).
(٧) الجدول: قال المبرد: الجدل العظم يفصل بما عليه من اللحم.
(٨) في المستدرك (٤/ ٢٣٨ - ٢٣٩) باب طريق العقيقة وأيامها، قال الذهبي: صحيح، وابن أبي شيبة كما في المصنف (٨/ ٢٣٩).
[ ٢ / ٨٥٧ ]
(وتكسر عظامها) استحبابا مخالفة للجاهلية، فإنهم كانوا لا يكسرون عظامها مخافة ما يصيب الولد (^١)، وقال عبد الوهاب: مباح وليس بمستحب (^٢)، (وإن حلق شعر رأس المولود) ذكرا كان أو أنثى (^٣) (وتصدق بوزنه من ذهب أو فضة فذلك مستحب) لما في حديث علي ﵁: أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن بكبش وقال: «يا فاطمة احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة» فوزناه فكان درهما أو بعض درهم (^٤).
وقوله: (حسن) تأكيد فإن المستحب هو الحسن، ويستحب أن يسمى يوم سابعه إن عق عنه، وإن لم يعق عنه سمي قبل ذلك، لأن النبي ﷺ قال: «ولد الليلة لي غلام فسميته باسم أبي إبراهيم» (^٥)، وسمى الغلام الذي جاءه به أنس بن مالك فحنكه وسماه عبد الله (^٦).
ويستحب أن يسبق إلى جوف المولود الحلاوة لأنه ﷺ حنك عبد الله بن أبي طلحة بتمرة، ويستحب أن يحسن اسمه لأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم» (^٧)، وعن أبي وهب الجشمي ﵁ وكانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ: «تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله ﷿ عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام» (^٨) حديث صحيح.
_________________
(١) التوضيح على جامع الأمهات (٣/ ٢٨٢).
(٢) الذخيرة (٤/ ١٦٣).
(٣) عند المالكية، والشافعية، وقول بعض الحنابلة.
(٤) الموطأ من رواية يحيى (١٤٤٣)، ورواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب وليس بمتصل؛ قال المباركفوري في التحفة: «فإن قلت: كيف حسن الترمذي هذا الحديث مع الحكم عليه بأن إسناده ليس بمتصل، قلت: الظاهر أنه حسنه بتعدد طرقه»، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٩٦٠).
(٥) البخاري (٢/ ١٠٥) (١٣٠٣)، ومسلم (٧/ ٧٦) (٦٠٩٤)، وأبو داود (٣١٢٦).
(٦) البخاري (٥٤٧٠)، ومسلم (٥٦٦٣)، وأبو داود (٤٩٥١)، والنسائي (٦/ ١١٤).
(٧) أخرجه أحمد (٥/ ١٩٤) (٢٢٠٣٥)، وأبو داود (٤٩٤٨).
(٨) البخاري في «الأدب المفرد» (٨١٤)، وأبو داود (٢٥٤٣ و٢٥٥٣ و٤٩٥٥) (مقطعا)
[ ٢ / ٨٥٨ ]
(وإن خلق رأسه بخلوق) بفتح الخاء كالطيب والزعفران، ابن العربي (^١).
ولا يسمى خلوقا حتى يعجن بماء الورد لما مر من حديث بريدة وعائشة ﵂، وذلك (بدلا من الدم الذي كانت تفعله الجاهلية فلا بأس بذلك) لما في حديث بريدة ﵁ قال: «كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها، فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة، ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران» (^٢).
مسألة: إن ذبح أضحيته للأضحية والعقيقة، أو أطعمها وليمة، قال ابن العربي: قال شيخنا أبو بكر الفهري: إذا ذبح أضحيته للأضحية والعقيقة لا يجزيه، وإن أطعمها وليمة أجزأه.
والفرق أن المقصود في الأولين إراقة الدم وإراقته لا تجزئ عن إراقتين، والمقصود من الوليمة الإطعام وهو غير مناف للإراقة فأمكن الجمع اه (^٣).
فرع: قال الشبيبي: سئل مالك عن ادخار لحم العقيقة؟ فقال: شأن الناس أكله وما بذلك بأس اه (^٤).
الختان
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والختان سنة في الذكور واجبة، والخفاض في النساء مكرمة).
الشرح
(الختان): بكسر المعجمة وتخفيف المثناة مصدر ختن؛ أي: قطع، والختن بفتح ثم سكون قطع بعض مخصوص من عضو مخصوص، قال
_________________
(١) = وفي (٢٥٤٤)، والنسائي (٦/ ١٢٨)، وفي «الكبرى» (٤٣٩١).
(٢) القبس (١/ ٦٥٢)، والمسالك (٥/ ٣٢٨).
(٣) أبو داود (٢٨٤٣)، وقال الألباني: حسن صحيح.
(٤) القبس (٣/ ٦٥١)، والمسالك (٥/ ٣٣١).
(٥) مواهب الجليل في شرح خليل (٤/ ٣٩٤).
[ ٢ / ٨٥٩ ]
الزرقاني: «الاختتان: هو قطع القلفة التي تغطي الحشفة من الرجل، وقطع بعض الجلدة التي بأعلى الفرج من المرأة كالنواة أو كعرف الديك، ويسمى ختان الرجل إعذارا، وختان المرأة خفضا بمعجمتين» (^١).
(والختان سنة في الذكور) وكذا عبر في آخر الكتاب وزاد هنا (واجبة)؛ أي: مؤكدة (^٢)، وقال سحنون بوجوبه (^٣)، لحديث أبي هريرة له: «أن رسول الله ﷺ قال: الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب» (^٤) ولحديث عثيم عن أبيه عن جده له أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال له: «ألق عنك شعر الكفر، واختتن» (^٥)، ولحديث أبي المليح بن أسامة عن أبيه عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء» (^٦)
• وقت الختان:
قال مالك: وحد وقت الختان من وقت يؤمر بالصلاة من سبع سنين إلى عشر؛ وكره أن يختن يوم يولد أو يوم سابعه، وقال: هو من فعل اليهود، ولم يكن هذا من عمل الناس إلا حديثا (^٧)، قلت: جاء من حديث جابر: «أن
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٣٦٠).
(٢) الذخيرة (٤/ ١٦٦)، مواهب الجليل للحطاب (٩/ ١٥٨)، والبيان والتحصيل (٢/ ١٦٣)
(٣) المنتقى للباجي (٧/ ٢٣٢).
(٤) البخاري (٥٨٨٩) وفي (٥٨٩١) وفي (٦٢٩٧)، وفي «الأدب المفرد» (١٢٩٢)، ومسلم (٥١٨)، وأبو داود (٤١٩٨)، وابن ماجه (٢٩٢)، والترمذي (٢٧٥٦)، والنسائي (١/ ١٣)، وفي «الكبرى» (١٠).
(٥) أخرجه أحمد (٣/ ٤١٥)، وأبو داود (٣٥٦)، ورواه الطبراني، قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٣٥٤): وتعقب بأن سند الحديث ضعيف، إلا أن الألباني حسنه في صحيح الجامع (١٢٥١).
(٦) أخرجه أحمد (٥/ ٧٥) (٢٠٩٩٤)، والبيهقي في السنن (١٧٣٤٣) وقال: هذا إسناد ضعيف والمحفوظ موقوف، وكذا قال الألباني في السلسلة الضعيفة (٤/ ٤٠٧)
(٧) التوضيح على جامع الأمهات (٣/ ٢٨٣)، وشرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٣٦١).
[ ٢ / ٨٦٠ ]
رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين، وختنهما لسبعة أيام (^١).
واختلف في الكبير إذا أسلم وخاف على نفسه هل يختن أم لا؟ قال سحنون يلزمه الختان، قائلا: أرأيت إن وجب قطع سرقة أيترك للخوف على نفسه؛ ومن ترك الختان لغير عذر لم تجز إمامته ولا شهادته.
(والخفاض في النساء) مكرمة، وليس بسنة واجبة (^٢)، ويستحب قطع الجلدة المستعلية من الفرج دون استئصاله فإنه (مكرمة) بفتح الميم وضم الراء؛ أي: كرامة بمعنى مستحب، فعن أم عطية ﷺ أن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال لها النبي ﷺ: «لا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة» (^٣).
وهنا انتهى الكلام على النصف الأول من الرسالة ولله الحمد ثم انتقل يتكلم على النصف الثاني فقال:
_________________
(١) البيهقي (٨/ ٣٢٤)، وصححه ابن السكن كما قال الصنعاني في سبل السلام (٤/ ٩٧)، وانظر: تمام المنة (١/ ٦٧) حيث قال: وإسناده رجاله ثقات لكن فيه محمد بن أبي السري العسقلاني، وفيه كلام من قبل حفظه. وفي الإرواء (٤/ ٣٨٣) قال: سنده ضعيف ..
(٢) البيان والتحصيل (٢/ ١٦٣).
(٣) (٥٢٧١)، قال أبو داود: ليس هو بالقوي وقد روي مرسلا، قال أبو داود ومحمد بن حسان: مجهول وهذا الحديث ضعيف. قال الحافظ في الفتح: وله شاهدان من حديث أنس، ومن حديث أم أيمن ﷺ عند أبي الشيخ في كتاب العقيقة، وآخر عن الضحاك بن قيس عند البيهقي، فتح الباري (١١/ ٣٥٢ - ٣٥٣). وصححه الألباني الصحيحة (٧٢١).
[ ٢ / ٨٦١ ]