(من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان أن الله إله واحد لا إله غيره، ولا شبيه له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا شريك له. ليس لأوليته ابتداء، ولا لآخريته انقضاء، لا يبلغ كنه صفته الواصفون، ولا يحيط بأمره المتفكرون، يعتبر المتفكرون بآياته، ولا يتفكرون في ماهية (^١) ذاته، ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يعوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥].
العالم (^٢) الخبير، المدبر (^٣) القدير، السميع البصير، العلي الكبير، وأنه فوق عرشه المجيد بذاته، وهو في كل مكان بعلمه.
خلق الإنسان، ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين.
على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى، لم يزل بجميع صفاته وأسمائه، تعالى أن تكون صفاته مخلوقة، وأسماؤه محدثة.
كلم موسى بكلامه الذي هو صفة ذاته، لا خلق من خلقه، وتجلى للجبل فصار دكا من جلاله، وأن القرآن كلام الله، ليس بمخلوق فيبيد، ولا صفة لمخلوق فينفد.
_________________
(١) في نسخة: (مائية).
(٢) في نسخة: (العليم).
(٣) في نسخة: (المريد).
[ ١ / ٤٥ ]
والإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وكل ذلك قد قدره الله ربنا، ومقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه.
علم كل شيء قبل كونه، فجرى على قدره، لا يكون من عباده قول ولا عمل إلا وقد قضاه وسبق علمه به ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤].
يضل من يشاء، فيخذله بعدله، ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله، فكل ميسر بتيسيره، إلى ما سبق من علمه وقدره من شقي أو سعيد.
تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد، أو يكون لأحد عنه غنى، أو يكون خالق لشيء إلا هو (^١) رب العباد، ورب أعمالهم، والمقدر لحركاتهم وآجالهم، الباعث الرسل إليهم لإقامة الحجة عليهم.
ثم ختم الرسالة والندارة والنبوة بمحمد نبيه (^٢)، فجعله آخر المرسلين، بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وأنزل عليه كتابه الحكيم، وشرح به دينه القويم، وهدى به الصراط المستقيم. وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من يموت، كما بدأهم يعودون.
وأن الله ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات، وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات، وغفر لهم الصغائر باجتناب الكبائر، وجعل من لم يتب من الكبائر صائرا إلى مشيئته ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨].
ومن عاقبه الله بناره أخرجه منها بإيمانه، فأدخله به جنته ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧]، ويخرج منها بشفاعة النبي ﷺ (^٣) من شفع له من أهل الكبائر من أمته.
_________________
(١) في نسخة: (إلا هو). الجملة كما في نسخة البابي الحلبي؛ وأما في نسخة دار الغرب، تحقيق: أبي الأجفان: (تعالى أن يكون خالق لشيء إلا هو رب العباد) (ص ٧٧).
(٢) في نسخة: (محمد ﷺ).
(٣) في نسخة: (محمد نبيه ﷺ).
[ ١ / ٤٦ ]
وأن الله سبحانه قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه، وأكرمهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم (^١)، وهي التي أهبط منها آدم نبيه وخليفته إلى أرضه، بما (^٢) سبق في سابق علمه.
وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألحد في آياته وكتبه ورسله، وجعلهم محجوبين عن رؤيته.
وأن الله ﵎ يجيء يوم القيامة والملك صفا صفا؛ لعرض الأمم وحسابها، وعقوبتها وثوابها، وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ويؤتون صحائفهم بأعمالهم، فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا، ومن أوتي كتابه وراء ظهره فأولئك يصلون سعيرا.
وأن الصراط حق، يجوزه العباد بقدر أعمالهم، فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم، وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم. والإيمان بحوض رسول الله ﷺ، ترده أمته لا يظمأ من شرب منه، ويذاد عنه من بدل وغير.
وأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بزيادة الأعمال، وينقص بنقصها (^٣)، فيكون فيها النقص وبها الزيادة، ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل، ولا قول وعمل إلا بنية (^٤)، ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة.
وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة.
وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون، وأرواح أهل الشقاوة (^٥) معذبة إلى يوم الدين.
_________________
(١) سقط من نسخة لفظ: (الكريم).
(٢) في نسخة: (لما).
(٣) في نسخة: (بنقص الأعمال).
(٤) في نسخة: (وأنه لا قول ولا عمل إلا بنية).
(٥) في نسخة: (الشقاء).
[ ١ / ٤٧ ]
وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويسألون (^١)، ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم، ولا يسقط شيء من ذلك عن علم ربهم، وأن ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه.
وأن خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله ﷺ وآمنوا به، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.
وأفضل الصحابة (^٢) الخلفاء الراشدون المهديون؛ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي له أجمعين.
وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول ﷺ إلا بأحسن ذكر، والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس، أن يلتمس لهم أحسن المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب.
والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم (^٣) وعلمائهم، واتباع السلف الصالح واقتفاء آثارهم، والاستغفار لهم، وترك المراء والجدال في الدين، وترك كل ما أحدثه المحدثون.
وصلى الله على سيدنا محمد [نبيه] (^٤) وعلى آله وأزواجه وذريته، وسلم تسليما كثيرا) (^٥).
شرح عنوان كتاب المعتقد:
بدأ المصنف رحمه الله تعالى بهذا الباب العظيم الذي هو من أصول الدين فقال: (باب) والباب في اللغة هو: فرجة بين شيئين يتوصل به من الداخل إلى الخارج أو العكس، ومن الكتاب هو عبارة عن قسم يجمع تحته
_________________
(١) في نسخة: (ويثبت) على أن الواو ليست من الآية.
(٢) في نسخة: (أصحابه).
(٣) في نسخة: (أمرهم).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من نسخة.
(٥) في نسخة: (محمد نبيه وآله وسلم) وسقط وأزواجه وذريته.
[ ١ / ٤٨ ]
بعض المسائل من جنس واحد، وهذا الباب الذي بدأ به هو:
(ما تنطق به الألسنة)؛ أي: في بيان الأمور التي يجب أن تجري على ألسنة الموحدين الله رب العالمين، وأتباع سيد الأولين والآخرين الذي جاءنا بالعقيدة الصافية والشريعة الشافية الكافية، ولم يتركنا في لجج الهوى نتخبط ولا في غياهب ظلمات الشك والشرك نتردد، وأن من لم ينطق به وهو قادر على ذلك فليس بمسلم لأن النبي ﷺ اشترط في دخول الإسلام: النطق بالشهادتين فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (^١). (و) هو الذي يجب أن (تعتقده الأفئدة)؛ أي: تنطوي عليه القلوب من أمور الاعتقاد.
معنى لفظ العقيدة:
قال ابن فارس (^٢): (عقد - العين والقاف والدال - أصل واحد يدل على شد وشدة وثوق؛ وإليه ترجع فروع الباب كلها).
جاء في المعجم الوسيط (العقيدة): الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده.
ومن هذا المعنى اللغوي أخذ تعريف العقيدة في الاصطلاح الشرعي: (هي الأمور التي يجب أن يصدق بها قلبك، وتطمئن إليها نفسك، وتكون يقينا عندك لا يمازجه ريب ولا يخالطه شك).
قوله: (من واجب أمور الديانات) فالواجب ما أمر الشارع بفعله أمرا جازما، يثاب فاعله ويستحق العقاب تاركه، إن وجدت الشروط وانتفت الموانع، وذلك كالوضوء والصلاة، وما إلى ذلك من الفرائض المقطوع بفرضيتها ومن أعظمها أمور الاعتقاد، التي داننا الله بها ولذلك قال من أمور
_________________
(١) البخاري (٢٥) واللفظ له، ومسلم (١٣٣).
(٢) في معجم مقاييس اللغة (١٠).
[ ١ / ٤٩ ]
الديانات، فذلك فرض على المسلم أن يدين الله تعالى بما سيذكره المصنف من أمور الاعتقاد الجازم.
والديانات: مفردها ديانة وهي ما يتعبد به، ودان بالإسلام دينا بالكسر، وتدين به كذلك فهو دين.
ويشمل الدين أقساما ثلاثة أخبر بها النبي ﷺ: وهي الإسلام، والإيمان والإحسان، كما في حديث جبريل في «الصحيح»: «هذا جبريل ﷺ، أتاكم يعلمكم دينكم» (^١).
• أصل أصول الإيمان هو توحيد الله تعالى:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(من ذلك: الإيمان بالقلب، والنطق باللسان أن الله إله واحد لا إله غيره، ولا شبيه له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا شريك له).
الشرح
قوله: (من ذلك)؛ أي: الواجب (الإيمان) وهو التصديق (^٢)؛ (يعني: في اللغة)، وأما في الاصطلاح فإن: الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وثبت إجماعهم على ذلك.
وهو قول المصنف في الرسالة كما سيأتي، وفي الجامع حيث قال: وأن الإيمان قول باللسان، وإخلاص بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية اه (^٣). والقصد من قولهم: (قول وعمل)؛ أي: أرادوا قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، وقد عقد الإمام البخاري في كتابه
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٨) (١٩١)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (٢٦)، ومسلم (١/ ٢٨) (١)، وأبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٠).
(٢) ابن منظور: لسان العرب انظر: مادة: (أ م ن).
(٣) كتاب الجامع لابن أبي زيد القيرواني (ص ١٤٢).
[ ١ / ٥٠ ]
«الصحيح الجامع»، كتابا باسم الإيمان وافتتحه بقوله: باب قول النبي ﷺ: (بني الإسلام على خمس …) وهو قول وفعل، يزيد وينقص (^١).
ولذلك فإن الإيمان قول وعمل بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح.
وعليه فقد نوه المصنف أن الإيمان (بالقلب)؛ أي: التصديق الجازم المتيقن الذي لا يخالطه شك بالقلب، ويستقر استقرارا ثابتا لا يزعزعه ريب، (و) لا يكفي هذا الاعتقاد القلبي حتى يكون بمعية (النطق باللسان)؛ أي: النطق بالشهادتين، فإن قلت أين العمل في قول المصنف؟، فالقول إنه «لا يقال: إنه لم يذكر الأعمال فيشابه مرجئة الفقهاء (^٢)، لأنه قد ذكر في هذه المقدمة أن الإيمان يكون بالقلب واللسان والعمل»؛ وهذا هو مسمى الإيمان كما تقدم عند أهل السنة والجماعة وقد أخرج أبو نعيم في «الحلية» بإسناده إلى عمرو بن عثمان الرقي قال: قيل لابن عيينة: إن قوما يقولون الإيمان كلام، فقال: كان هذا قبل أن تنزل الأحكام، فأمر الناس أن يقولوا: (لا إله إلا الله) فلما علم صدقهم أمرهم بالصلاة ففعلوا، ولو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار … فذكر الأركان، إلى أن قال: فلما علم الله ما تتابع عليهم من
_________________
(١) انظر: الجامع الصحيح للبخاري، كتاب الإيمان (١/ ٧ - ٢٠)، والجامع الصحيح لمسلم (بشرح النووي)، كتاب الإيمان (١/ ١٤٥ - ٢٤٤) و(٢/ ٢ - ٢٣٣).
(٢) هناك من سمي من الفقهاء بمرجئة أهل السنة، وهم أهل الكوفة كأبي حنيفة ﵀ وأصحابه، وأول من قال بأن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان هو حماد بن أبي سليمان شيخ الإمام أبي حنيفة، وأبو حنيفة له روايتان في حد الإيمان. الأولى: أنه تصديق القلب وقول اللسان، وهذه الرواية عليها أكثر أصحابه. والثانية: أن الإيمان هو تصديق القلب فقط وأما قول اللسان فهو ركن زائد خارج عن مسمى الإيمان. وعلى هذه الرواية يوافق قول الماتريدية أن الإيمان هو تصديق القلب فقط. وجمهور أهل السنة يقولون: العمل من الإيمان وهو جزء منه فالأعمال واجبة وهي من الإيمان، ومرجئة الفقهاء يقولون: الأعمال واجبة وليست من الإيمان، ولهذا قال من قال بأن الخلاف بينهم وبين جمهور أهل السنة خلاف لفظي، وقال بهذا شارح الطحاوية والصواب أنه ليس لفظيا.
[ ١ / ٥١ ]
الفرائض وقبولهم قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] فمن ترك شيئا من ذلك كسلا أو مجونا أدبناه عليه، وكان ناقص الإيمان، ومن تركها جاحدا كان كافرا (^١).
فلذلك يجب في رأس أعمال المؤمن بالله أن يعتقد اعتقادا جازما: (أن الله - لا إله واحد) في كل شيء، في نفسه (^٢)، وصفاته، وأفعاله، وهذا هو توحيد الباري، قال تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو﴾ [البقرة: ١٦٣].
وقوله: (لا إله غيره) تأكيد لقوله إله واحد، وهذا معنى كلمة التوحيد التي لا يصح إسلام عبد إلا بالنطق بها.
(و) الله لا (لا شبيه له، ولا نظير له) الشبيه والنظير: مترادفان على معنى واحد وهو نفي المماثل أي لا مثيل له، قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]، وقال تعالى: ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ [الإخلاص: ٤]؛ أي: لم يكن له شبه ولا عدل، وليس كمثله شيء، قال شيخ الإسلام نعيم بن حماد شيخ البخاري: «من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت الله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة، والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى» (^٣).
(ولا ولد له) قال تعالى: ﴿لم يلد﴾ [الإخلاص: ٣]، وقال سبحانه:
_________________
(١) نقلا عن الحافظ في الفتح (١/ ١٠٣) دار المعرفة، بيروت، ١٣٧٩ هـ. رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي.
(٢) وإنما قلت لفظ: «نفسه» بدل ذاته لأن الله جل وعلا قال في كتابه: ﴿كتب على نفسه﴾، قال شيخنا العلامة محمد سالم ولد عدود ل: مع تسليمنا للعلماء في إيرادهم لفظ الذات للرد على نفاة الاستواء. يقال نفسه كما قال: ﴿كتب ربكم﴾ الآية أما من نسب: ذاتا له فقد عنى … التي له ملته شرعته سبيله
(٣) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٢/ ٩١٢).
[ ١ / ٥٢ ]
﴿ما اتخذ الله من ولد﴾ [المؤمنون: ٩١]، فعن أبي موسى له قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس أحد أو ليس شيء أصبر على أذى سمعه من الله إنهم ليدعون له ولدا وإنه ليعافيهم ويرزقهم» (^١).
أي: لا أحد أشد حلما من الله سبحانه، فإنه يسمع ما يؤذيه به بعض عباده من نسبة الولد له، وهو قادر أن ينتقم منهم ويسلط عليهم عذابه، ولكنه سبحانه مع ذلك حبس العقوبة على مستحقها عاجلا، ويحسن إليهم مع كفرهم به، فما أحلمه سبحانه! (^٢).
وقد بدأ الله تعالى في سورة الإخلاص بنفي الولد لأن أكثر من أشرك نسب الولد له - تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا -، قال تعالى عن افتراء النصارى واليهود: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصرى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضهلون قول الذين كفروا من قبل قتلهم الله أنى يؤفكون﴾ [التوبة: ٣٠]، وقال في شأن المشركين: ﴿ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكذبون أصطفى البنات على البنين﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٣].
(ولا والد) قال تعالى: ﴿ولم يولد﴾ (ولا صاحبة)؛ أي: لا زوجة لأن هذا شأن المحتاج وهو الغني المطلق، قال تعالى على لسان الجن لما آمنوا وأسلموا: ﴿وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صحبة ولا ولدا﴾ [الجن: ٣]، الجد: العظمة؛ أي: أنه تعالت عظمة ربنا، وقال سبحانه: ﴿بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة﴾ [الأنعام: ١٠١]، (ولا شريك له) تأكيد وبيان لما قاله من قبل، فإن الله جلت قدرته وعظم سلطانه لا شريك له لا في ربوبيته، ولا ألوهيته، ولا في أسمائه، ولا صفاته، ولا أفعاله، وما ورد من تشابه في ذلك فهو في اللفظ لا في المعنى، وقد نفى الله الشريك في أكثر من آية قال تعالى: ﴿ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان
_________________
(١) البخاري (٦٠٩٩).
(٢) انظر: الفتح (١٠/ ٥١٢).
[ ١ / ٥٣ ]
الله رب العرش عما يصفون﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ولذلك كان أعظم ذنب يرتكبه المخلوق هو الشرك بالله، ومن نجا من الشرك فقد أريد له النجاة، قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: وقوله: ﴿لو كان فيهما عالمة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] والمراد بذلك تعظيم أمر الشرك. وهذا الفرض والتقدير الذي ذكره جل وعلا هنا في شأن الملائكة، ذكره أيضا في شأن الرسل على الجميع صلوات الله وسلامه قال تعالى: ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين﴾ [الزمر: ٦٥] ا هـ (^١)، وقال تعالى: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق﴾ [الحج: ٣١]، ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأونه النار﴾ [المائدة: ٧٢]، ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا﴾ [النساء: ٣٦]، والآيات في التحذير من الشرك كثيرة، ومن الأحاديث عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله؛ وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان عليه من عمل» (^٢).
«وما جاء في كلام ابن أبي زيد ﵀ من نفي الشبيه والنظير والوالد والولد والصاحبة هو نفي على طريقة السلف، وهو نفي متضمن إثبات كمال الله ﷿، فنفي الشبيه والنظير متضمن إثبات كمال أحديته، ونفي الوالد والولد والصاحبة متضمن إثبات كمال غناه، وكل ما جاء في القرآن من نفي شيء عن الله فإنه يتضمن إثبات كمال ضد ذلك المنفي، مثل قوله: ﴿وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا﴾ [فاطر: ٤٤] فإنه دال على كمال قدرته، … ومثل قوله: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ [الكهف: ٤٩] دال على كمال عدله، وقوله: ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض
_________________
(١) أضواء البيان للشنقيطي (٤/ ٤٢٣).
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٠٥١)، والبخاري (٣٤٣٥)، ومسلم (٤٩).
[ ١ / ٥٤ ]
ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾ [يونس: ٦١] دال على إثبات كمال علمه. وهذا بخلاف النفي عند أهل الكلام» (^١).
• لا أولية لوجود الله تعالى ولا آخرية له، ووجوب التفكر في خلقه، وامتناع التفكر في ذاته:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ليس لأوليته ابتداء، ولا لآخريته انقضاء، لا يبلغ كنه صفته الواصفون، ولا يحيط بأمره المتفكرون، يعتبر المتفكرون بآياته، ولا يتفكرون في ماهية ذاته، ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾).
الشرح
(ليس لأوليته ابتداء)؛ أي: ليس وجوده مفتتحا بأولية فيكون له أول، ولا منقضيا بآخرية فيكون له آخر في ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾ [الحديد: ٣] وقد كان من دعاء المصطفى ﷺ كما في حديث أبي هريرة ﷺ أنه كان يقول إذا أوى إلى فراشه: «… اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء …» (^٢)؛ ولا يتنافى مع بقاء الجنة والنار، لأن لهما ابتداء فهو خالقهما وكذلك فإن الله تعالى هو الذي قضى بعدم فنائهما.
(لا يبلغ كنه صفته الواصفون)، كنه الشيء، قال في «المصباح»: كنه الشيء حقيقته، ونهايته، وعرفته (كنه) المعرفة.
حقيقته وماهيته؛ أي: لا تدرك حقيقة صفته، وبالأولى حقيقة نفسه، وإن
_________________
(١) قطف الجنى الداني بتصرف يسير (٦٤).
(٢) أحمد (٢/ ٣٨١) (٨٩٤٧)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٢١٢)، ومسلم (٦٩٨٨).
[ ١ / ٥٥ ]
كان معنى الصفات معلوم في لغة العرب، وإلا لما قال مالك رحمه الله تعالى «الاستواء معلوم، ولكان أول من يحتج كفار قريش عن هذا الذي يزعم أن القرآن عربي وهو آت بما لا يفهمونه، ولذلك فإن أهل السنة المتبعون لنبيهم ﷺ يقتصرون على وصف الله بما وصف به نفسه دون الخوض في الكيفية التي هي من علم علام الغيوب، فالحقائق الواقعية التي تضمنتها آيات القرآن - والتي هي شيء وراء المعنى الذي يدركه الذهن عند سماع الخطاب - نوعان:
- نوع يمكن إدراكه، وهو حقائق ما جاء في القرآن مما يتعلق بالإنسان والكون المحيط به ذواتا وأفعالا، مثل ذلك قوله سبحانه: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم * فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة: ١٢٨/ ١٢٩]، ففي الآية ذكر للرسول ووصف له بأنه رؤوف ورحيم، ومن نزل فيهم الوحي يعرفون معاني هذه الكلمات الثلاث، كما أنهم يدركون واقعها وهو الرسول نفسه محمد ﷺ ورأفته ورحمته المتمثلتان في تصرفاته معهم».
- ونوع لا يمكن إدراكه، وهو حقائق الوجود الغيبي سواء كانت حقائق ذات الله وصفاته من حيث كنهها وكيفيتها، أو حتى حقائق العالم الغيبي مثل ما أعد الله للناس من ألوان النعيم والعذاب. فقوله سبحانه: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهر من ماء غير آسن وأنهر من لبن لم يتغير طعمه، وأنهر من خمر لذة للشاربين وأنهر من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم﴾ [محمد: ١٥] اشتركت في الأسماء واختلفت في المعاني.
(ولا يحيط بأمره المتفكرون)؛ أي: ولا يحيط المتفكرون بشأنه سبحانه لقصور عقولهم عن إدراك جلاله، قال سبحانه: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما﴾ [طه: ١١٠]، ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ [البقرة: ٢٥٥] والله لة وتقدست أسماؤه
[ ١ / ٥٦ ]
يقول: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ [الأعراف: ٥٤]؛ أي: الملك والتصرف، فلذلك لا يجوز لعبد أن يجعل لغير الله الأمر والنهي في التشريع، والتصرف في الملك كما يزعم ذلك بعض الملاحدة، والمتفكر هو من قام به الفكر من ترتيب أشياء معلومة لإدراك أشياء مجهولة، فمهما فكر فإنه لا يمكنه إدراك أمره؛ أي: شأنه جل وعلا، وعليه فل ﴿يعتبر المتفكرون بآياته﴾؛ أي: يتعظ المتأملون بالعلامات التي نصبها لله دالة على باهر قدرته، وعظيم صنعته، وسطر أحرفها في الآفاق، قال تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (١٩٠) الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١]. وقال سبحانه: ﴿قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾ [يونس: ١٠١]، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «يرشد تعالى عباده إلى التفكر في آلائه وما خلق في السموات والأرض من الآيات الباهرة لذوي الألباب، مما في السموات من كواكب نيرات، ثوابت وسيارات، والشمس والقمر، والليل والنهار، واختلافهما، وإيلاج أحدهما في الآخر، حتى يطول هذا ويقصر هذا، ثم يقصر هذا ويطول هذا، وارتفاع السماء واتساعها، وحسنها وزينتها، وما أنزل الله منها من مطر فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج فيها من أفانين الثمار والزروع والأزاهير، وصنوف النبات، وما ذرأ فيها من دواب مختلفة الأشكال والألوان والمنافع، وما فيها من جبال وسهول وقفار وعمران وخراب، وما في البحر من العجائب والأمواج، وهو مع هذا [مسخر] مذلل للسالكين، يحمل سفنهم، ويجري بها برفق بتسخير القدير له، لا إله إلا هو، ولا رب سواه» اه (^١).
قال بشر بن الحارث: «لو تفكر الناس في عظمة الله لما عصوا الله» (^٢).
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (٤/ ٢٩٩) تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار: طيبة للنشر والتوزيع، ١٤٢٠ هـ/ ١٩٩٩ م.
(٢) إحياء علوم الدين (٤/ ٤٢٤)، دار المعرفة، بيروت.
[ ١ / ٥٧ ]
(ولا يتفكرون في ماهية ذاته) الماهية؛ أي: المعبر عنه بما هو؟ قال ابن حمامة: مائية ذاته، المائية: حقيقة الشيء وذاته، والمائية أيضا السؤال بما؛ أي: ما هو؟ فكأنه قال: لا يتفكرون في كيفية ذاته، لأن المتفكر يتخيل ما يعرف صفته وكنهه أما الله ﷺ: ﴿لا تدركه الأبصر وهو يدرك الأبصر … وهو اللطيف الخبير﴾ [الأنعام: ١٠٣] ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]، قال تعالى: ﴿أولم يتفكروا في أنفسهم﴾ [الروم: ٨].
وقال تعالى: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء﴾ [الأعراف: ١٨٥] فالمتفكر في ذلك لا طائل من وراء تفكيره إلا الحيرة والضياع، والخيبة والهلاك، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك فقال: «تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله» (^١) وفي لفظ: «فتهلكوا» (^٢).
قال أبو جعفر الطحاوي: «لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام».
_________________
(١) من حديث ابن عباس ﵁ رواه الطبراني في المعجم الأوسط، وانظر: حديث رقم (٢٩٧٦) في صحيح الجامع وأورده أيضا الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٣٩٦)، وقال: هذا إسناد ضعيف، عطاء كان اختلط. قلت: وهو كما قال؛ لأن عطاء بن السائب قال فيه الحافظ: صدوق اختلط. التقريب (٢/ ٢٢). وقد تقدم.
(٢) قال السيوطي في الجامع الصغير: أخرجه أبو الشيخ عن أبي ذر ﵁، وقال البيهقي: هذا إسناد فيه نظر قال الحافظ العراقي: قلت فيه الوزاع بن نافع. متروك. وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٥٤): فيه الوزاع متروك، شيخه العراقي: سنده ضعيف جدا قال: ورواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب من وجه أصح من هذا، وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (ص ١٥٩) بعد أن ذكر من أخرج الحديث: «وأسانيدها ضعيفة، لكن اجتماعها يكتسب قوة، والمعنى صحيح، ففي صحيح مسلم» (٢/ ١٥٣) عن أبي هريرة مرفوعا: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله» .. وفي كتاب العظمة لأبي الشيخ جملة من الأحاديث في المعنى (١/ ٢١٤)، ط: دار العاصمة - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ، تحقيق: رضاء الله بن محمد إدريس المباركفوري. وقد أورده الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: (١٣/ ٣٨٣)، وقال: موقوف، وسنده جيد.
[ ١ / ٥٨ ]
وعلاج من وجد شيئا من ذلك أن يعرض عنه ويقطع التفكير فيه .. ويستعيذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم، وليقل: «لا إله إلا الله، آمنت بالله».
دواء الوسوسة:
إن وجد المسلم شيئا من وساوس الشيطان الذي لا ينفك ينفث في صدور الناس الموحدين، ويشككهم في خالقهم، فمن وجد من ذلك شيئا فدواؤه أن يقول:
آمنت بالله، وبرسله،
وليتفل عن يساره، ثم ليتعوذ بالله العظيم، وليقل (الله أحد الله الصمد). وليتوقف عن التفكر فيما لا يمكن إدراكه، وقد بسطنا الأدلة في المناهل (^١).
قال المصنف:
قال تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض … ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥].
الشرح
أورد المصنف الآية عقب كلامه عن التفكر في الخلق ومنعه في حق الخالق، وهي جزء من أعظم آية في القرآن الكريم لما تضمنته من أسماء الله الحسنى، ولئلا يتفكر الناس في ذاته وصفاته، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾؛ أي: لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله ل وأطلعه عليه، ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته، إلا بما أطلعهم الله عليه، كقوله: (ولا يحيطون به علما) (^٢). ولعل القول الأخير هو موضع الاستدلال.
وقوله تعالى: ﴿ولا يئوده حفظهما﴾؛ أي: لا يثقله ولا يكرثه (^٣) حفظ
_________________
(١) المناهل الزلالة (١/ ١٥٦).
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٣٥٢) والآية الأخيرة من سورة طه (١١٠).
(٣) قال في اللسان: كرث: كرثه الأمر يكرثه ويكرته كرثا، وأكرثه: ساءه واشتد عليه، وبلغ منه المشقة.
[ ١ / ٥٩ ]
السموات والأرض ومن فيهما، ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت … وقوله: ﴿وهو العلي العظيم﴾، كقوله: وهو ﴿الكبير المتعال﴾، وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح، أمروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه اهـ (^١).
• قول المصنف:
(العالم الخبير، المدبر (^٢) القدير، السميع البصير، العلي الكبير، وأنه فوق عرشه المجيد بذاته، وهو في كل مكان بعلمه).
الشرح
ذكر المصنف ثمانية من أسماء الله جل وعلا بعد ذكره لاسمين من أسمائه في آية الكرسي، وقد أتى بهذه الأسماء كما جاءت مقترنة بعضها ببعض في كتاب الله جل وعلا، خلا [المدبر] فلم يرد في القرآن، وأما القدير فبكثرة، وجلها أسماء دلت صيغها على المبالغة خلا المدبر.
قوله: (العالم الخبير) «العليم الخبير» اسمان من أسماء الله يدلان على صفتي العلم والخبرة، وهما متقاربان في المعنى، والعليم المحيط بكل شيء، والخبير من أسمائه الحسنى العظيمة، فعيل من الخبر كالعليم من العلم، وهو بمعنى العليم، أتى به للمبالغة.
قال الله: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقنكم إن الله عليم خبير﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال سبحانه: ﴿من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير﴾ [التحريم: ٣].
(المدبر) هو المبرم للأشياء على علمه بأدبارها؛ أي: عواقبها، وما يؤول إليه أمرها (^٣)، قال الحليمي: ومعناه مصرف الأمور على ما يوجب حسن
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٣٥٣).
(٢) في نسخة: (المريد).
(٣) شرح الرسالة لزروق (٢٧).
[ ١ / ٦٠ ]
عواقبها، فلا يخفى عليه عواقب الأمور … وهذا الاسم فيما يؤثر عن نبينا ﷺ، قد رويناه في حديث عبد العزيز بن الحصين (^١)، وقد جاء وصف الله بالتدبير في القرآن الكريم، ولم يأت منه اسم الفاعل المدبر، قال تعالى: ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون﴾ [السجدة: ٥]، وورد اسم المدبر في بعض روايات حديث عدد أسماء الله الحسنى، كما أخرج ذلك السيوطي في الجامع الصغير عن أبي هريرة ﷺ وضعف الحديث.
و(القدير) لفظ مبالغة من قادر، قال الحليمي: «والقدير التام القدرة لا يلابس قدرته عجز بوجه» (^٢).
(السميع البصير) إن صفتي - السمع والبصر - ثابتتان الله بالكتاب والسنة، وإجماع أتباع الرسل، وبالعقل، والفطرة. قال - تعالى -: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١].
قال البيهقي: «السميع من له سمع يدرك به المسموعات، والبصير من له بصر يدرك به المرئيات، وكل منهما في حق الباري صفة قائمة بذاته» (^٣). وما أجمل قول أبي العلاء المعري (^٤):
يا من يرى مد البعوض جناحها … في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى مناط عروقها في نحرها … والمخ من تلك العظام النحل
ور خرير الدم في أوداجها … متنقلا من مفصل في مفصل
ويرى وصول غذى الجنين ببطنها … في ظلمة الأحشاء بغير تمقل
_________________
(١) الأسماء والصفات للبيهقي (١/ ١٢٨)، باب: جماع أبواب ذكر الأسماء التي تتبع إثبات التدبير له دون غيره.
(٢) الأسماء والصفات للبيهقي (١/ ١١٣)، باب: جماع أبواب ذكر الأسماء التي تتبع إثبات التدبير له دون غيره.
(٣) الاعتقاد (ص ٥٨).
(٤) وممن نسبها إليه: القرطبي في التذكرة في أحوال الموتى والآخرة (٢١٣)، وابن كثير في البداية والنهاية (١٢/ ٧٥)، ط: مكتبة المعارف، بيروت.
[ ١ / ٦١ ]
ويرى مكان الوطء من أقدامها … في سيرها وحثيثها المستعجل
ويرى ويسمع حس ما هو دونها … في قاع بحر مظلم متهول
امنن علي بتوبة تمحو بها … ما كان مني في الزمان الأول
• علو العلي الغفار:
(العلي) على خلقه علو ذات، وقهر، وقدر، فإن من لوازم العلي العلو المطلق بكل اعتبار، ومن جميع الوجوه، قال تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١].
ومن الأحاديث: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» (^١).
وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه (^٢)، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل» (^٣).
ومن الأحاديث قوله ﷺ: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء» رواه البخاري (^٤).
والسؤال عنه بأين مما يدل على أنه ليس في كل مكان فوجب أن يكون سبحانه في العلو ومن الأدلة على ذلك: حديث معاوية بن الحكم ﵁ قال: «أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن جارية لي كانت ترعى غنما لي،
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٢٣)، والبخاري (٥٥٥)، ومسلم (١٣٧٦).
(٢) ذهب أهل التأويل إلى أن اليمين هنا بمعنى الرضا والقبول، قال الحافظ في الفتح: وقال الترمذي في جامعه: قال أهل العلم من أهل السنة والجماعة: نؤمن بهذه الأحاديث ولا نتوهم فيها تشبيها ولا نقول كيف، هكذا روي عن مالك وابن عيينة وبن المبارك وغيرهم، وأنكرت الجهمية هذه الروايات. انتهى. فتح الباري (٣/ ٢٨٠).
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (٦١٥)، والبخاري (١٣٤٤)، ومسلم (١٠١٤).
(٤) البخاري في كتاب المغازي (٥/ ١١٠)، ط: المكتبة الإسلامية، استانبول.
[ ١ / ٦٢ ]
فجئتها، وقد فقدت شاة من الغنم، فسألتها عنها فقالت: أكلها الذئب، فأسفت عليها، وكنت من بني آدم فلطمت وجهها وعلي رقبة أفأعتقها، فقال لها رسول الله ﷺ: «أين الله؟ فقالت: في السماء، فقال: «من أنا؟» فقالت: أنت رسول الله قال: «أعتقها»» (^١)، وفي رواية: «أعتقها فإنها مؤمنة»» (^٢).
ومما روي عن عثمان ﷺ أنه خطب في الناس الخطبة التي لم يخطب بعدها فقال: «الحمد لله الذي دنا في علوه، وناء في دنوه، لا يبلغ شيء مكانه، ولا يمتنع عليه شيء أراده» (^٣).
وقال إمامنا مالك رحمه الله تعالى: «الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه مكان» (^٤)؛، أي: علمه.
قال ابن جزي في التسهيل: ﴿استوى على العرش﴾ حيث وقع، حمله قوم على ظاهره منهم ابن أبي زيد وغيره، وتأوله قوم بمعنى قصد كقوله ثم استوى إلى السماء ولو كان كذلك لقال ثم استوى إلى العرش، وتأولها الأشعرية أن معنى استوى استولى بالملك والقدرة. قال: والحق الإيمان به من غير تكييف فإن السلامة في التسليم، والله در مالك بن أنس في قوله للذي سأله عن ذلك: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والسؤال عن هذا بدعة (^٥).
(الكبير)؛ أي: المصرف عباده على ما يريده منهم من غير أن يروه، وقال الخطابي: «الكبير الموصوف بالجلال وكبر الشأن، فصغر دون جلاله كل كبير، ويقال: هو الذي كبر عن شبه المخلوقين» (^٦) سبحانه، قال تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾ [سبأ: ٢٣].
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (١٤٦٨).
(٢) مسلم (٥٣٧).
(٣) المرجع السابق (٢٨).
(٤) ترتيب المدارك لعياض (٢/ ٤٣)، إثبات صفة العلو لابن قدامة (٢٨).
(٥) التسهيل لعلوم التنزيل (٣٥٦) في تفسيره لسورة الأعراف.
(٦) الأسماء والصفات للبيهقي (١/ ١٠٠)، باب: جماع أبواب ذكر الأسماء التي تتبع نفي التشبيه عن الله.
[ ١ / ٦٣ ]
(وأنه) تعالى ﷻ، وتقدست أسماؤه، وتنزهت صفاته، (فوق عرشه المجيد) مستو استواء يليق بجلاله وذلك (بذاته)، قال ابن أبي زيد الله في كتابه «الجامع» عند كلامه على تكليم الله لموسى ﵇ قال: وأن الله كلم موسى بذاته، وأسمعه كلامه، لا كلاما قام في غيره. اهـ (^١)، ونقل ابن القيم عن المصنف من كلامه في «مختصر المدونة» قوله: «وأنه تعالى فوق عرشه بذاته فوق سبع سمواته دون أرضه» (^٢).
قال الأشعري في مقالات الإسلاميين:
وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال ﷺ: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥] ولا نقدم بين يدي الله في القول بل نقول استوى بلا كيف وأنه نور كما قال تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ [النور: ٣٥] وأن له وجها كما قال الله: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٧] وأن له يدين كما قال: ﴿خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥] وأن له عينين كما قال: ﴿تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر﴾ [القمر: ١٤] وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ [الفجر: ٢٢] وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث ولم يقولوا شيئا إلا ما وجدوه في الكتاب أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ، وقالت المعتزلة أن الله استوى على عرشه بمعنى استولى (^٣).
وهنا مسائل أولها: أن ورود الفوقية في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وكلام السلف ثابتة، قال الله تعالى: ﴿يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [النحل: ٥٠]، وقال: ﴿وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير﴾ [الأنعام: ١٨].
_________________
(١) كتاب الجامع لابن أبي زيد القيرواني (ص ١٤٠)، تحقيق: عبد المجيد تركي.
(٢) اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (المتوفى: ٧٥١ هـ) (٢/ ١٥٦)، تحقيق: عواد عبد الله المعتق: مطابع الفرزدق التجارية، الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.
(٣) مقالات الإسلاميين للأشعري (٢١١)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة.
[ ١ / ٦٤ ]
المسألة الثانية: كلمة العرش: لقد وردت مادة: (عرش) بجميع صيغها في ثلاث وثلاثين موضعا، في كتاب الله مختلفة الصيغ والأبنية، وتتفق في معنى مشترك وهو العلو والارتفاع.
وقد جاءت هذه الصفة المباركة في سبع آيات مباركة قال تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه: ٥]، وفي الأعراف، ويونس، والرعد، والفرقان، والسجدة، والحديد.
وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها»، قالوا: يا رسول الله، أفلا ننبئ الناس بذلك؟ قال: «إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة» رواه البخاري (^١).
قال ابن خزيمة: «فالخبر يصرح أن عرش ربنا - جل وعلا - فوق جنته، وقد أعلمنا ﷿-أنه مستو على عرشه، فخالقنا عال فوق عرشه، الذي هو فوق جنته» (^٢).
وذكر بسنده، عن عبد الله بن مسعود ﵁: «قال: ما بين كل سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله على العرش، ويعلم أعمالكم» (^٣).
_________________
(١) البخاري (٧٤٢٣)، باب: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ [هود: ٧]، ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة: ١٢٩].
(٢) كتاب «التوحيد» (ص ١٠٤).
(٣) كتاب «التوحيد» لإمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله تعالى (ص ١٠٥).
[ ١ / ٦٥ ]
وذكر له طرقا عدة، وهو صحيح، ورواه البيهقي عن أبي ذر مرفوعا، قريبا من لفظه (^١).
المسألة الثالثة: لم ينفرد المصنف بإيراد كلمة: (ذاته)؛ أي: بذاته على العرش من أئمة المذاهب الأربعة رحمهم الله تعالى، منهم أبو منصور السجزي (المتوفى سنة ٤٤٤ هـ) رحمه الله تعالى - فقد قال:
«وأئمتنا كالثوري، ومالك، وابن عيينة، وحماد بن زيد، والفضيل، وأحمد، وإسحاق، متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان» انتهى.
وأبو إسماعيل الهروي (المتوفى سنة ٤٨١ هـ) رحمه الله تعالى - لما صرح في كتبه بلفظ: (الذات) قال: «ولم تزل أئمة السلف تصرح بذلك» انتهى (^٢).
ومن أئمة المالكية: أبو عمرو الطلمنكي المالكي، ت سنة (٣٩٩ هـ).
وأبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المالكي، ت سنة (٤٠٣ هـ).
ومحمد بن موهب القبري (^٣) المالكي تلميذ ابن أبي زيد وأحد شراح الرسالة، المتوفى سنة (٤٠٦ هـ) (^٤).
ويحيى بن عمار السجزي، ت سنة (٤٢٢ هـ)، والقاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي، ت سنة (٤٢٢ هـ)، ولم يعلق عليها مما يقتضي ارتضاؤها.
وعبد القادر الجيلاني الولي السني الحنبلي العارف المعروف ت سنة (٥٦١ هـ).
_________________
(١) انظر: «الأسماء والصفات» للبيهقي (ص ٤٠١).
(٢) انظر بقية الأقوال في: كتابنا المناهل الزلالة في شرح وأدلة الرسالة (١٨٤)، ط: دار ابن حزم.
(٣) القبري بفتح القاف وسكون الباء نسبة إلى مدينة قبرة بالأندلس. انظر ترجمته في: «تاريخ علماء الأندلس» (١/ ٢٢٦). قال ياقوت: قبرة بلفظ تأنيث القبر، أظنها عجمية رومية، وهي: كورة من أعمال الأندلس تتصل بأعمال قرطبة من قبليها.
(٤) ترجم له في جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس (١/ ٩٢) لمحمد بن فتوح الميورقي الحميدي، (المتوفى: ٤٨٨ هـ)، الناشر: الدار المصرية للتأليف والنشر، القاهرة، عام ١٩٦٦ م.
[ ١ / ٦٦ ]
ومحمد بن فرج القرطبي المالكي ت سنة (٦٧١ هـ). وغيرهم كثير.
تنبيه: ذهب شيخنا العلامة محمد سالم ولد عدود ﵀ إلى أنه ينبغي أن يقال: نفسه بدل كلمة ذات، لأنها لم ترد في القرآن ولا في السنة، ولأن ذات اسم موصول مؤنث يقابله ذو للمفرد المذكر، ولم تأت أبدا عند العرب مضافة للفظ الجلالة، وإنما أتت مضافة للضمير والمراد بها ملته أو شرعته أو سبيله، كقول النابغة:
مجلتهم ذات الإله ودينهم … قويم فما يرجون غير العواقب
ويروى محلتهم بالحاء.
ومعنى مجلتهم؛ أي: مكان إجلالهم وتعظيمهم الذي يجلونه ويعظمونه هو ذات الإله، ومعناه: ملة الله وشريعة الله، والرواية الأخرى: محلتهم ذات الإله؛ أي: أن الذي يعدلون به ويرجعون إليه في أمورهم هو شرعة الله، ولا يرجعون إلى هواهم ولهذا قال: ﴿فما يرجون غير العواقب﴾؛ أي: أمور الآخرة، فهنا قال: (ذات الإله) ولم يقل: ذات الله، فأضاف لفظة (ذات) إلى الإله، لأنه ليس علما ولا ضميرا، فهذا هو السياق اللغوي.
وقد استشهد أيضا بقول خبيب بن عدي ﵁ عندما أرادوا صلبه فقال:
ولست أبالي حين أقتل مسلما … على أي جنب كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ … يبارك على أوصال شلو ممزع
الشلو: العضو، ممزع: مقطع ومفرق.
فأضافا كلاهما الذات للإله وليس للعلم، أو الضمير، وما أتى من إضافتها للعلم نادر أو شاذ، فمن النادر قول إبراهيم الخليل: لقد كذبت في ذات الله ثلاث كذبات، ومن الشاذ ما وجده ابن الزبير ﵄ في حجر داخل الكعبة حين هدمها لإعادة بنائها، فوجد فيها حجرا كتب عليه: أنا الله ذو بكة، حرمتها يوم خلقت السماوات والأرض (ذو بكة)؛ معناه: مالك مكة وبكة هي مكة.
[ ١ / ٦٧ ]
قال شيخنا رحمه الله تعالى:
يقال نفسه كما قال: ﴿كتب﴾ … ﴿ربكم﴾ الآية، أما من نسب
ذاتا له فقد عنى التي له … ملته، شرعته، سبيله
والأصل أن تضاف للإله … لا للضمير أو للفظ الله
كمثل ما قال خبيب إذ صلب … وقال نابغة ذبيان الذرب
لأنها تأنيث (ذي) الملتزم فيه … الإضافة لغير العلم
من ظاهر، قال ابن مالك - … وقد ذكر ما يلزم (ذو) في ذا الصدد
(ذو ذات أنثاه، ذوات الجمع … وجريان الأصل يجري الفرع)
نعم، أتت مضافة الله … في كذبات القانت الأواء
وهو شذوة، ونظيره ذو … بكة مما شأنه الشذوذ
لأنه اعتبر أن ذات هي اسم موصول مؤنث ذو الموصولة، ثم استشهد بقول ابن مالك في «الكافية» (^١).
• قال المصنف:
(وهو في كل مكان بعلمه)، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في ج صلى السماء، قال تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾ [المجادلة: ٧]، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ثم قال تعالى مخبرا عن إحاطة علمه بخلقه، واطلاعه عليهم، وسماعه كلامهم، ورؤيته مكانهم حيث كانوا، وأين كانوا فقال تعالى: ﴿إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا﴾؛ أي: من سر ثلاثة ﴿إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا﴾؛ أي: مطلع عليهم يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، ورسله من ملائكته أيضا مع ذلك تكتب ما يتناجون به مع علم الله
_________________
(١) الكافية لابن مالك (٢/ ٩٢٥)، ط: جامعة أم القرى.
[ ١ / ٦٨ ]
به، وسمعه له، كما قال تعالى: ﴿ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب﴾ (^١).
المسألة الرابعة: الاستواء في اللغة، وفي القرآن:
حقيقة الاستواء في اللغة: التساوي واستقامة الشيء واعتداله.
وقد ورد في كلام العرب على معان اشترك لفظه فيها؛ فيكون بمعنى الاستقرار، ويكون بمعنى القصد، ويأتي بمعنى العلو والركوب؛ ويأتي بمعنى المماثلة والمساواة كقوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور﴾ [الرعد: ١٦]، وجاء بهذا المعنى في سبعة عشرة موضعا (^٢).
قال ابن عبد البر: «الاستواء: الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله ﷺ فقال: ﴿واستوت على الجودي﴾ [هود: ٤٤]، وقال: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك﴾ [المؤمنون: ٢٨]».
وقال الشاعر:
فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة … وقد حلق النجم اليماني فاستوى
وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد: استولى؛ لأن النجم لا يستولي.
وقد ذكر النضر بن شميل (^٣) - وكان ثقة مأمونا، جليلا في علم الديانة،
واللغة قال: حدثني الخليل - وحسبك بالخليل - قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا، فرد علينا السلام، وقال لنا: استووا، فبقينا متحيرين، ولم ندر ما قال؟ قال: فقال لنا أعرابي إلى جنبه، إنه أمركم أن ترتفعوا، قال الخليل: هو من قول الله ﷺ: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ [فصلت: ١١]، فصعدنا إليه، فقال: هل لكم في خبز فطير (^٤)، ولبن
_________________
(١) انظر: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل (١٣٥ - ١٤١)، وتفسير ابن كثير (عند تفسير قوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة﴾)، والدارمي عثمان بن سعيد الشافعي في الرد على الجهمية (١٨ - ٢٠).
(٢) انظر: محاسن التأويل للقاسمي، (٧/ ٢٧٠٤).
(٣) انظر ترجمته الزاهرة في: سير أعلام النبلاء (٩/ ٣٢٩).
(٤) الخبز الفطير: هو كل خبز أعجلته عن إدراكه فهو فطير.
[ ١ / ٦٩ ]
هجير (^١)، وماء نمير؟ فقلنا: الساعة فارقناه، فقال: سلاما، فلم ندر ما قال، فقال الأعرابي: إنه سألكم متاركة لا خير فيها، ولا شر، قال الخليل: هو من قول الله: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ [الفرقان: ٦٣] (^٢). اهـ.
وذكر ابن حجر في تفسير: [استوى] أقوالا عديدة ثم قال: (وأما تفسير [استوى] علا فهو صحيح وهو المذهب الحق وقول أهل السنة، لأن الله ﵎ وصف نفسه بالعلو (^٣)، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾) [الشورى: ١١].
وما دمت لا تدرك الذات فما عليك إلا أن تؤمن يقينا أنك لا تدرك الصفات.
قال شيخنا العلامة الحافظ محمد سالم بن عبد الودود الملقب (ولد عدود) الشنقيطي رحمه الله تعالى:
وما نقول في صفات قدسه … فرع الذي نقوله في نفسه
فإن يقل جهميهم: كيف استوى؟ … كيف يجي؟ فقل له: كيف هوا؟
لا فرق بين ما سميه يعد … وصفا لنا ك (علم) أو جزء ك (يد)
الباب في الجميع واحد فلا … تكن معطلا ولا ممثلا (^٤)
• منهج السلف في مثل ذلك:
وهذا هو منهج السلف في إثبات الاستواء لله على وجه يليق بجلاله وكماله من غير تكييف، ولا تحريف، ولا تمثيل، ولا تعطيل (^٥).
_________________
(١) خاثر طيب لم يحمض بعد.
(٢) التمهيد (٧/ ١٣١، ١٣٢).
(٣) فتح الباري للحافظ ابن حجر (١٣/ ٤٠٦).
(٤) عقيدة السلف من مقدمة التكميل في نظم مختصر سيدي خليل رحمه الله تعالى، لشيخنا العلامة اللغوي الفقيه فريد عصره وحافظ دهره محمد سالم ولد محمد عالي بن عبد الودود الشنقيطي، رحمك الله شيخي وأسبل عليك غيوث الرحمة وفيوض الأنوار وأسكنك فسيح جنانه فقد توفي سنة (٢٠٠٨ م) بقريته أم القرى بواد الناقة موريتانيا.
(٥) أ - التحريف لغة: التغير والتبديل والتحريف في باب الأسماء والصفات هو: تغيير =
[ ١ / ٧٠ ]
أما منهج أهل البدع فعن أشهب بن عبد العزيز قال سمعت مالك بن أنس يقول: إياكم والبدع؟ قال: «أهل البدع الذين يتكلمون في أسمائه وصفاته، وكلامه، وعلمه، وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون» (^١).
ولهذا قال الإمام مالك ﵀: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة» (^٢).
قال الحافظ الذهبي في كتاب العلو بعد ذكره لقول مالك: وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به: لا نتعمق، ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيا ولا إثباتا؛ بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون؛ ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه؛ ونعلم يقينا مع ذلك أن الله ﷻ مثل له في صفاته ولا في استوائه ولا في نزوله ﷾ (^٣).
وأصل الشبهة التي حملت القوم على التأويل زعمهم أن لفظ استوى يؤدي إلى التشبيه، فحرفوا الكلمة وزادوا لها لاما ﴿فبدل الذين ظلموا قولا
_________________
(١) = ألفاظ نصوص الأسماء والصفات أو معانيها عن مراد الله بها. ب - التعطيل لغة: مأخوذ من العطل الذي هو الخلو والفراغ والترك، والتعطيل في باب الأسماء والصفات هو: نفي أسماء الله وصفاته كلها كما فعل الجهمية المعطلة أو بعضها كما فعل كثير من الفرق المنتمية للإسلام. ج - التكييف لغة: جعل الشيء على هيئة معينة معلومة، والتكييف في صفات الله هو: الخوض في كنه وهيئة الصفات التي أثبتها الله لنفسه. د - التمثيل لغة: من المثيل وهو الند والنظير، والتمثيل في باب الأسماء والصفات هو: الاعتقاد في صفات الخالق أنها مثل صفات المخلوق.
(٢) رواه الصابوني في عقيدة السلف (٥٤)، والأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (١/ ١٠٣ - ١٠٤)، وعنهما الدعجان في كتابه عقيدة الإمام مالك (٤٥).
(٣) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (ص ٣٣)، واللالكائي (٦٦٤)، وأخرجه البيهقي عن عبد الله بن وهب وجود إسناده، وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد، وغيرهم كثير.
(٤) انظر: محاسن التأويل للقاسمي (٧/ ٢٧٠٤).
[ ١ / ٧١ ]
غير الذي قيل لهم﴾ [البقرة: ٥٩]، وزعموا أنها توهم غير اللائق، وكلمة استولى هي المنزهة اللائقة بالله، مع أنه لا يعقل تشبيه أشنع من تشبيه استيلاء الله على عرشه المزعوم باستيلاء بشر بن مروان على العراق.
وهل كان أحد يغالب الله على عرشه، حتى غلبه على العرش، واستولى عليه؟
وهل يوجد شيء إلا والله مستول عليه، فالله مستول على كل شيء، وهل يجوز أن يقال إنه تعالى استوى على كل شيء غير العرش؟ فافهم …
وما فروا منه وقعوا فيه، فهل نزهوه حينما شبهوا استواءه (باستيلاء) بشر بن مروان على العراق، لأن تشبيه استيلاء الله على عرشه باستيلاء بشر من أفظع أنواع التشبيه، وليس بلائق قطعا، إلا أن يقولوا: إن الاستيلاء المزعوم منزه عن مشابهة استيلاء الخلق، مع أنه ضرب له المثل باستيلاء بشر على العراق، والله يقول: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٧٤].
أيها المؤول أي الكلمتين أحق وأليق بالتنزيه؟ أكلمة جاءت من الحق بالحق، أم كلمة لا يدري من قائلها، ولا سند لها في كتاب ولا سنة ولا قول عربي فصيح (^١).
بل نقل أئمة عظام اتفاق العلماء على أن معنى الاستواء هو ما أشار إليه مالك رحمه الله تعالى، مثل الإمام إسحاق بن راهويه، والحافظ ابن عبد البر وغيرهم، بل ورد المعنى موقوفا على أمنا أم سلمة رضي اللاه عنها كما قال الحافظ في «الفتح»: أخرج أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة من طريق الحسن البصري عن أمه عن أم سلمة رضي اللاه عنها أنها قالت: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار به إيمان والجحود به كفر»؛ ومن طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سئل كيف استوى على العرش؟ فقال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وعلى الله الرسالة، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا
_________________
(١) انظر: الإقليد للأسماء والصفات والاجتهاد والتقليد للشيخ الحجة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى (٤٦).
[ ١ / ٧٢ ]
«التسليم» (^١).
والبيت المزعوم في حق بشر بن مروان، مصنوع، وأنه غير موجود في دواوين العرب، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروه وقالوا: إنه بيت مصنوع لا يعرف في اللغة وقد علم أنه لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى صحته فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده وقد طعن فيه أئمة اللغة؛ وذكر أبو المظفر في كتابه «الإفصاح»: فقال: سئل الخليل هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟ فقال: هذا ما لا تعرفه العرب؛ ولا هو جائز في لغتها وهو إمام في اللغة على ما عرف من حاله فحينئذ حمله على ما لا يعرف حمل باطل.
• إبطال دعوى أن أحاديث الصفات لا تثبت بأحاديث الآحاد:
إننا نعلم جميعا أن أكثر المؤولين قالوا: نحن لا نثبت أمور الغيبيات بأحاديث الآحاد لأنها في زعمهم ولو كانت ثابتة سندا إلا أنها ظنية الدلالة! فنقول لهم: كيف أجزتم لأنفسكم أن تستشهدوا ببيت لا يعرف قائله؟!. وتستدلوا به على تفسير صفة من صفات الله الثابتة في القرآن والسنة وإجماع صدر هذه الأمة، ضاربين عرض الحائط بأحاديث صحاح رواها أئمة ثقات، وبتفسير الراسخين من أهل العلم كالصحابة والتابعين والأئمة المتبعين الأزكياء المتقين.
ثم لو فرضنا أن البيت صح، وأنه يستدل بشعره كما استدل بشعر من كفر قبله لكان ينبغي أن يحمل اللفظ على ما اتفق من معانيه لا أن يخترع له معنى لا يعرفه المبرزون في اللغة كابن الأعرابي والخليل بن أحمد الفراهيدي وغيرهم، وكل أهل فن أدرى بما فيه قال تعالى: ﴿فسئل به خبيرا﴾ [الفرقان: ٥٩].
قال ابن الأعرابي: العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى، ومن قال ذلك فقد أعظم (أي: الفرية والكذب). قالوا: وإنما يقال استولى فلان على
_________________
(١) انظر: فتح الباري للحافظ ابن حجر (باب: وكان عرشه على الماء) (١٣/ ٤٠٦).
[ ١ / ٧٣ ]
كذا، إذا كان بعيدا عنه غير متمكن منه، ثم تمكن منه؛ والله ل لم يزل مستوليا على الأشياء؛ والبيتان لا يعرف قائلهما، كذا قال ابن فارس اللغوي؛ ولو صحا، فلا حجة فيهما لما بينا من استيلاء من لم يكن مستوليا. نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة. اهـ (^١).
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(خلق الإنسان، ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾) [الأنعام: ٥٩].
الشرح
(خلق الإنسان)، قال تعالى: ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان﴾ [الرحمن: ١ - ٣] وبين سبحانه مادة خلق الإنسان ﴿خلق الإنسان﴾ ﴿من صلصال كالفخار﴾ [الرحمن: ١٤]، والإنسان من الناس، اسم اشتق من الأنس كما قال البصريون، أو من النسيان قال الكوفيون.
وهل يجوز إطلاق لفظ خلق بمعنى الإيجاد أو الصنع لغير الله تعالى؟
قال الألوسي رحمه الله تعالى: والخلق بمعنى التقدير وهو وصف يطلق على غيره تعالى كما في قوله تعالى: ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير﴾ [المائدة: ١١٠]، وقول زهير:
ولأنت تفري ما خلقت وبعض … القوم يخلق ثم لا يفري
فريت: معناه أن تقدر الشيء وتعالجه وتصلحه، وفي معنى ذلك تفسيره بالصنع كما فعل ابن عطية، ولا يصح تفسيره بالإيجاد عندنا إذ لا خالق بذلك المعنى غيره تعالى إلا أن يكون على الفرض والتقدير. والمعتزلة يفسرونه بذلك لقولهم: بأن العبد خالق لأفعاله وموجد لها استقلالا، فالخالق الموجد
_________________
(١) المحرر الوجيز لابن عطية (٣/ ٣٣٩)، عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ [يونس: ٣]، والبيت مصنوع.
[ ١ / ٧٤ ]
متعدد عندهم، وقد تكلفت الكتب الكلامية بالرد عليهم» اهـ (^١).
وهو سبحانه خلق الإنسان ﴿ويعلم ما توسوس به نفسه﴾؛ أي: ما يختلج في سره وقلبه وضميره، وفي هذا زجر عن المعاصي التي يستخفي بها.
والوسوسة: حديث النفس؛ يقال: وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواسا (بكسر الواو). والوسواس (بالفتح): اسم، مثل الزلزال.
والوسوسة هي ما يجول في الصدر من الخواطر، والأفكار السيئة والمشغلة للعبد عن ربه، والبعد به عن صراط الله المستقيم، وهي أقسام ودركات، أشنعها ما تقدم معنا في وسوسة الشيطان اللعين في التفكر في شأن الخالق، ومنها ما يتعلق بالعبادات والمعاملات ومخالطة الناس، نعوذ بالله من شر الوسواس الخناس.
(وهو أقرب إليه من حبل الوريد)، وكل هذا الذي أورده المصنف منتزع من قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق: ١٦] قال ابن كثير: قوله تعالى: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾؛ يعني: الملائكة، أقرب إلى الإنسان من حبل وريده، ومن تأوله على العلم؛ فإنما فر لئلا يلزم حلول، أو اتحاد، وهما منفيان بالإجماع، تعالى الله وتقدس، ولكن اللفظ لا يقتضيه، فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد، وإنما قال: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، كما قال في «المحتضر»: ﴿ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون﴾؛ يعني: ملائكته (^٢).
(﴿وما تسقط من ورقة﴾ قد فقدت حياتها وأصابها الذبول والفناء فسقطت من علو إلى سفل، ومن حياة إلى اندثار ﴿إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض﴾) قد بزغت ونمت، وانبثقت من الغور إلى السطح، ومن كمون وسكون إلى اندفاع وانطلاق، فأزهرت وأثمرت إلا يعلمها جل في علاه، قال تعالى: ﴿وما
_________________
(١) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لشهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، (عند تفسير قوله تعالى: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾).
(٢) تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (٤/ ٢١٩٠).
[ ١ / ٧٥ ]
تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه﴾ [فصلت: ٤٧] ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩]. فلا يغيب عن علم الله من ذلك شيء جملة وتفصيلا ﴿عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾ [سبأ: ٣].
قال القرطبي: وقيل: المعنى «وما تسقط من ورقة»؛ أي: من ورقة الشجر إلا يعلم متى تسقط، وأين تسقط، وكم تدور في الهواء، ولا حبة إلا يعلم متى تنبت، وكم تنبت، ومن يأكلها، «وظلمات الأرض» بطونها وهذا أصح اه (^١)؛ والآية من أعظم الأدلة على أن الذي يعلم الغيب إنما هو الله الخالق البارئ، ومن ادعى علم الغيب من الكهنة والسحرة والمشعوذين فهو كافر.
• فصل في استواء الرب على العرش، وذكر ما يتعلق بأسمائه الحسنى:
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(﴿على العرش استوى﴾ [طه: ٥] و﴿على الملك احتوى﴾، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى لم يزل بجميع صفاته وأسمائه، تعالى أن تكون صفاته مخلوقة، وأسماؤه محدثة).
الشرح
(﴿على العرش استوى﴾ [طه: ٥]) وقد تقدم الكلام عن هذه الصفة المباركة وهي صفة الاستواء، وسنذكر هنا ما قاله ابن كثير ﵀: وأما قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدا ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك (فبدأ بإمامنا) والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٧/ ٥).
[ ١ / ٧٦ ]
المشبهين منفي عن الله لا يشبهه شيء من خلقه ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]. قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى في «الإبانة» (^١): وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قول الله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، أنه استولى وملك وقهر، وأن الله تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله مستو على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة وذكر البراهين والأدلة على ما ذهبوا إليه فانظره في الإبانة تستفد، وقد بينا ذلك في أصل هذا المختصر فارجع إليه.
(وعلى الملك احتوى)، قال في «القاموس»: احتواه واحتوى عليه: جمعه، وأحرزه؛ من حويت الشيء إذا جمعته (^٢). فالمراد باحتوى في كلام المصنف: الإحاطة والله أعلم.
قال الله ﷿: ﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير﴾ [الملك: ١] وقال سبحانه: ﴿ولم يكن له شريك في الملك﴾ [الإسراء: ١١١]، وقال تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير﴾ [سبأ: ٢٢].
• أسماء الله وصفاته:
قوله: (له الأسماء الحسنى والصفات العلى لم يزل بجميع صفاته وأسمائه، تعالى أن تكون صفاته مخلوقة، وأسماؤه محدثة).
الشرح
(له الأسماء الحسنى) قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال سبحانه: ﴿الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى﴾
_________________
(١) الإبانة في أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري (١٠٨) دار الأنصار - القاهرة، الطبعة الأولى، (١٣٩٧ هـ)، تحقيق: د. فوقية حسين محمود.
(٢) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (١٠٩١) باب الحاء مع الواو.
[ ١ / ٧٧ ]
[طه: ٨]، والأسماء: جمع اسم وهو مأخوذ من السمة وهي العلامة، أو من السمو وهو العلو والرفعة، ووصفها بالحسنى لدلالتها على أشرف المعاني وأفضلها، قال القرطبي: سمى الله سبحانه أسماءه بالحسنى، لأنها حسنة في الأسماع والقلوب؛ فإنها تدل على توحيده وكرمه وجوده ورحمته وإفضاله.
والحسنى مصدر وصف به؛ ويجوز أن يقدر «الحسنى» فعلى، مؤنث الأحسن؛ كالكبرى تأنيث الأكبر، والجمع الكبر والحسن اهـ.
يقول قوام السنة الأصفهاني (ت ٥٣٥ هـ):
«قال بعض العلماء: أول فرض فرضه الله على خلقه: معرفته، فإذا عرفه الناس عبدوه، قال الله (تعالى): ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩]، فينبغي للمسلمين أن يعرفوا أسماء الله وتفسيرها؛ فيعظموا الله حق عظمته، ولو أراد رجل أن يعامل رجلا: طلب أن يعرف اسمه وكنيته، واسم أبيه وجده، وسأل عن صغير أمره وكبيره، فالله الذي خلقنا ورزقنا، ونحن نرجو رحمته، ونخاف من سخطه، أولى أن نعرف أسماءه ونعرف تفسيرها» (^١).
وفقه أسماء الله تعالى وصفاته يوجب تحقيق الإيمان والعبادة لله وحده، وإفراده - سبحانه - بالقصد والحب والتوكل وسائر العبادات، كما بين ذلك أهل العلم.
ولذا: يقول العز بن عبد السلام: «فهم معاني أسماء الله (تعالى) وسيلة إلى معاملته بثمراتها من: الخوف، والرجاء، والمهابة، والمحبة، والتوكل، وغير ذلك من ثمرات معرفة الصفات» (^٢).
ويقول أيضا: «ذكر الله بأوصاف الجمال موجب للرحمة، وبأوصاف الكمال موجب للمهابة، وبالتوحد بالأفعال موجب للتوكل، وبسعة الرحمة موجب للرجاء، وبشدة النقمة موجب للخوف، وبالتفرد بالإنعام موجب للشكر، ولذلك قال (سبحانه): ﴿اذكروا الله ذكرا كثيرا﴾ [الأحزاب: ٤١]».
_________________
(١) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٢٢).
(٢) شجرة المعارف والأحوال (ص ١).
[ ١ / ٧٨ ]
وقد ورد من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر» (^١)، [ومعنى أحصاها: حفظها، لورود رواية مرجحة بلفظ «حفظها» كما ذهب إلى ذلك البخاري رحمه الله تعالى] (^٢)؛ والحديث أيضا أخرجه الترمذي (^٣) في «جامعه»، وزاد بعد قوله: «يحب الوتر: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم …». ثم ذكر بقية أسماء الله الحسنى.
وقد جمع كثير من أهل العلم تلك الأسماء وغيرها مما صح ذكره في الآثار، وثبت خبره في كلام الواحد الغفار، وقد أوردناها في أصل هذا الكتاب، وممن أوردها الحافظ ابن حجر فقد جمع هذا العدد في كتاب «فتح الباري» (^٤)، وفي «التلخيص الحبير» (^٥)، ومنهم الشيخ محمد بن عثيمين في كتابه «القواعد المثلى»، وهذه الكتب الثلاثة متفقة في أكثر الأسماء، ويوجد في أحدها ما لا يوجد في الآخر.
والصحيح أسماء الله الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين بدليل ما رواه الإمام أحمد في «مسنده» من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو علمته أحدا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه
_________________
(١) البخاري (٢٧٣٦ و٧٣٩٢)، ومسلم (٦٩٠٦).
(٢) ولمعنى الإحصاء تفسيرات أخرى منها: الإحاطة بجميع معانيها، ومنها: العمل بها حيث إذا قال الحكيم سلم الأمر الله في جميع ما يصيبه ويخطئه، وإذا قال الرحيم اتسم بصفة الرحمة وهكذا. انظر: الفتح، والعقيدة في الله للأشقر.
(٣) الترمذي (٣٥٠٨).
(٤) فتح الباري (١١/ ٢١٥).
(٥) التلخيص الحبير (٤/ ١٧٢)،
[ ١ / ٧٩ ]
وحزنه، وأبدله مكانه فرحا»، قال: فقيل: يا رسول الله، ألا نتعلمها؟ فقال: «بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها» (^١)، وذكر الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية في كتابه «عارضة الأحوذي في شرح الترمذي» أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله ألف اسم، فالله أعلم اهـ (^٢).
وقد بحث الحافظ ابن حجر في «الفتح» مسألة الأسماء بحثا قيما ينبغي أن ينظر في «باب لله مائة اسم غير واحد» (^٣).
ضوابط تتعلق بالأسماء الحسنى:
الضابط الأول: أن أسماء الله تعالى توقيفية بمعنى تحتاج إلى دليل مخبر أن هذا اسم من أسمائه الحسنى (^٤)، وهو مذهب الجمهور كما أشار إليه زروق في شرح الرسالة (^٥).
الضابط الثاني: ليس كل فعل يمكن اشتقاق اسم منه لله فلا يسمى سبحانه الفاعل والزارع أخذا من قوله تعالى: ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فعلين﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ومن قوله تعالى: ﴿أفرءيتم ما تحرثون * أءنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤] (^٦). ولا يطلق على الله جل وعلا أسماء نشتقها من أوصاف جاءت في ذكر الجزاء والعدل والمشاكلة، وهي فيما سيقت فيه مدح وكمال، كما في قوله تعالى: ﴿إن
_________________
(١) أحمد (٣٧١٢)، وانظر: تضعيف شيخنا المحدث شعيب الأرناؤوط له، وانظر: المجمع (١٠/ ١٣٦ - ١٨٦).
(٢) تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (٢/ ٩٦٥).
(٣) فتح الباري للحافظ ابن حجر، كتاب الدعوات (١١/ ٢١٨)، وألف الإمام المفسر القرطبي كتابا سماه: «الأسنى في معاني أسماء الله الحسنى»، ولأبي نعيم الأصبهاني «طرق حديث الأسماء الحسنى» مطبوع.
(٤) قاله الأشعري. انظر: زروق (٢٦)، والقواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى للشيخ محمد بن صالح العثيمين (١٣)، وانظر: بدائع الفوائد لابن القيم (١/ ١٦٢).
(٥) شرح زروق (ص ٣٣).
(٦) معارج القبول للحافظ الحكمي (١/ ٧٧).
[ ١ / ٨٠ ]
المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾ [النساء: ١٤٢]، وقوله: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقوله: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧]. فلا يطلق على الله سبحانه مخادع، وماكر، وناس، ومستهزئ، ولا يقال: الله يستهزئ، ويخادع، ويمكر وينسى على سبيل الإطلاق وإنما يجب ذكر ذلك مقيدا كما ورد في الذكر الحكيم (^١).
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: نسبة هذا الفعل له تعالى قالوا إنه: من باب المقابلة كقوله: ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمران: ٥٤]، وقوله: ﴿إنما نحن مستهزءون الله يستهزئ بهم﴾ [البقرة: ١٤، ١٥]، وهو في اللغة، كقول القائل، لما سئل عن أي الطعام يريد، وهو عار يريد كسوة.
قالوا: اختر طعاما نجد لك طبخه … قلت اطبخوا لي جبة وقميصا. وقد اتفق السلف، أنه لا ينسب إلى الله تعالى على سبيل الإطلاق، ولا يجوز أن يشتق له منه اسم، وإنما يطلق في مقابل فعل العباد، لأنه في غير المقابلة فهو في غاية العلم والحكمة والقدرة، والكيد أصله المعالجة للشيء بقوة اهـ (^٢).
واعلم أن من أسماء الله تعالى ما لا يطلق إلا مقترنا بمقابله، لأنه إن أطلق وحده أوهم نقصا فمن ذلك: المانع، الضار، القابض، المذل، الخافض، فلا تطلق إلا مقترنة بما يقابلها فيقال: القابض الباسط، المعز المذل، الضار النافع، الخافض الرافع.
ومن ذلك المنتقم، لم يأت في القرآن سوى المصدر مضافا إلى: (ذو) كقوله تعالى: ﴿إن الله عزيز ذو انتقام﴾ [إبراهيم: ٤٧]، أو مقيدا بالانتقام من المجرمين كقوله: ﴿إنا من المجرمين منتقمون﴾ [السجدة: ٢٢].
الضابط الثالث:
اسم الله الأعظم: لقد جاءت أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ تشير أن الله تعالى اسما أعظم من بين أسمائه، من دعا به أعطي سؤله، ونال أمله،
_________________
(١) انظر: معارج القبول، والعقيدة في الله تعالى للأستاذ عمر الأشقر (٢٠٨).
(٢) أضواء البيان للأمين (٩/ ١٤٦).
[ ١ / ٨١ ]
وأجيبت دعوته فمن تلك الأحاديث: حديث أنس ﵁ قال: كنت جالسا مع النبي ﷺ في المسجد، ورجل يصلي فقال: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي ﷺ: لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى» (^١).
وقوله ﷺ: «اسم الله الأعظم في سور من القرآن ثلاث في [البقرة] و[آل عمران] و[طه]» (^٢).
قال القاسم أبو عبد الرحمن فالتمست في البقرة فإذا هو في آية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفي آل عمران فاتحتها ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [آل عمران: ٢]، وفي طه ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾ [طه: ١١١].
(فائدة): «قول القاسم: إن الاسم الأعظم في آية ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾ من سورة (طه)، لم أجد في المرفوع ما يؤيده فالأقرب عندي أنه في قوله في أول السورة: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا﴾ … فإنه الموافق لبعض الأحاديث الصحيحة» (^٣).
ورجح بعض العلماء أن الاسم المقصود هو اسم الجلالة (الله) لوروده في جميع النصوص التي أخبر النبي ﷺ أنه موجود بها، وأنه تكرر في القرآن (٢٦٩٧) سبعا وتسعين وستمائة وألفين (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٢٧٢) (٢٩٣٥٢). وأحمد (٣/ ١٢٠) (١٢٢٢٩)، وأبو داود (١٤٩٧)، والترمذي (٣٥٤٤)، وابن ماجه (٣٨٥٨)، وأخرجه الضياء في الأحاديث الجياد (١٨٨٤)، وقال: إسناده حسن، وابن حبان في صحيحه (٨٩٣)، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده قوي.
(٢) ابن ماجه (٣٨٥٦)، وللطحاوي «مشكل الآثار» (١/ ٦٣) .. قال الألباني «حسن».
(٣) فانظر: الفتح (٢٢٥/ ١١)، وصحيح أبي داود (١٣٤١) قاله، الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة (٢/ ٣٧١).
(٤) انظر: العقيدة في الله تعالى (٢١٢)، وقال: حسب المعجم المفهرس للقرآن الكريم.
[ ١ / ٨٢ ]
وقد ادعى بعض الناس أن لكل اسم من أسماء الله خواص وأسرارا، وفتح بابا للخرافات والقول على الله بغير علم، وقام سوق المتاجرة بإعطاء هذا ومنع ذاك من الاسم الأعظم، وأن فلانا ربما يصل به الحال إلى أنه يحيي ويميت به، وخلاصة الأمر أن ذلك ضحك من الشيطان على قوم صدوا عن اتباع السنن الصحيحة، والشريعة الواضحة الفصيحة «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد» (^١)
الضابط الرابع: اعلم أن معرفة أسماء الله جل وعلا تزيد المؤمن إيمانا واطمئنانا، وتأخذ بيده إلى الاستعانة به ودعائه بأسمائه التي أمرنا أن ندعو بها قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وكان من هدي المصطفى ﷺ الدعاء بها والحث على تعلمها وتعليمها كما مر قريبا في حديث: «أسألك بكل اسم هو لك …» الحديث. وحري بالعبد الموحد أن يلجأ إلى الله بما شرع في كتابه وهدي رسوله ﷺ، ويبتعد عن المحدثات التي تهدم دينه وعقيدته.
الضابط الخامس: أن أسماء الله كلها مشتقة تدل على صفات على، وليس فيها اسم جامد.
(والصفات العلى) جمع صفة وهي المعنى القائم بالموصوف كالقدرة والإرادة. والعلم، والحياة، والقدرة، والعلى جمع العليا تأنيث الأعلى؛ أي: المرتفعة عن كل نقض ونقص، والصفات قسمان: صفات ذات، وصفات فعل.
فصفات الذات هي ما اتصفت بها الذات العلية أزلا وأبدا، كالعلم والحياة والقدرة والوجه واليد ونحوها، وصفات الفعل هي ما تعلق بمشيئة الله وإرادته، كالخلق والرزق والإحياء، وهذا النوع من الصفات نوعها قديم؛ وآحادها حادثة كما بين ذلك المحققون (^٢)، فمثلا: صفة الخلق باعتبار نوعها
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦/ ٧٣)، والبخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (٤٥٨٩).
(٢) انظر: قطف الجنى الداني (٩٣).
[ ١ / ٨٣ ]
صفة أزلية من صفات الخالق، وحدوثها يتجدد مع أمره للشيء (كن فيكون)، قال تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢]، والصفات منها أيضا ما اتصف الله جل وعلا به مرة كالاستواء، ومنها ما يتكرر على الكيفية التي يعلمها ﷻ كالنزول.
والله جل وعلا (لم يزل بجميع صفاته وأسمائه، تعالى أن تكون صفاته مخلوقة، وأسماؤه محدثة)؛ أي: لم يزل متصفا بجميع صفاته، ومسمى بجميع أسمائه، فهو الخالق قبل أن يكون مخلوق، والرازق قبل أن يوجد مرزوق، والمحيي والمميت قبل أن يكون أحد من خلقه، تعالى أن تكون أسماؤه محدثة تسمى بها بعد إيجاد خلقه، أو صفاته مخلوقة فتنافي قدسيته في أوليته وآخريته.
• الكلام صفة من صفات الله العظيم، وأنه تعالى كلم موسى تكليما:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(كلم الله موسى بكلامه الذي هو صفة ذاته، ولا خلق من خلقه، وتجلى للجبل فصار ذكا من جلاله).
الشرح
كما قال في كتابه الكريم: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء: ١٦٤] وقال سبحانه: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ [الأعراف: ١٤٣] فالرب هو المتكلم، وموسى المتلقي لكلام الله جل وعلا، فأكد الله في الآية الأولى الكلام بالمصدر المثبت النافي للمجاز، وأنه كلام الله حقا لا غيره، ولا خلق كلامه في غيره، ولا عبارة عن كلامه، بلا كيفية منه بدأ، وإليه يعود، وقد قال بعض المعتزلة الضالين لأبي عمرو بن العلاء - أحد القراء السبعة المشهورين - رحمه الله تعالى: أريد أن تقرأ (﴿وكلم الله موسى﴾) بنصب اسم الجلالة الله، ليكون موسى هو المتكلم لا الله! فقال أبو عمرو: هب أني قرأت هذه الآية
[ ١ / ٨٤ ]
كذا، فكيف تصنع بقوله تعالى: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ [الأعراف: ١٤٣] فبهت المعتزلي! وكم من دليل في الكتاب والسنة على تكلم الله تعالى لأهل الجنة وغيرهم (^١).
قوله: (وتجلى للجبل فصار دكا من جلاله)؛ أي: لما اطلع الرب للجبل، جعل الجبل دكا من عظمة الباري سبحانه؛ أي: فصار مستويا بالأرض ﴿وخر موسى صعقا﴾؛ أي: مغشيا عليه (^٢).
وقال القرطبي: «وتجلى معناه ظهر، من قولك: جلوت العروس؛ أي: أبرزتها» (^٣). قال تعالى: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه، قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه، فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين﴾ [الأعراف: ١٤٣].
لقد طلب موسى له من ربه ما يعتقد أنه ممكن وإلا لكان معتديا في السؤال، فاستجاب الله لطلبه، لأنه في حيز الممكن كما يشاء الرب جل وعلا، وجعل لذلك علامة إن تحققت أمامه فإنه سيراه في الدنيا وإلا فإنه لا يطيق الرؤية، فتجلى للجبل فاندك الجبل وساخ في الأرض ولم يتحمل، فصعق موسى لله من ذلك وعلم أنه غير مهية في هذه الحياة لرؤية الرب جل وعلا، وعدم رؤيته في الدنيا بقوله: ﴿لن تراني﴾ ليس نفيا للرؤية في الآخرة كما فهمه المعتزلة وبعض أهل البدع، وأنكروا الأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة، والآيات الفصيحة المتكاثرة التي أخبرت عن رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة وفي جنات النعيم (^٤)؛ قال القرطبي: قال علي بن مهدي الطبري: «لو كان سؤال موسى مستحيلا ما أقدم عليه مع معرفته بالله، كما لم يجز أن
_________________
(١) والقصة نسبها أيضا ابن كثير لأبي بكر بن عياش المقرئ (١/ ٦٥٩)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية لأبي العز الحنفي (١٣١ - ١٣٢).
(٢) تفسير الطبري (١٣/ ٩٧).
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٧/ ٢٧٨).
(٤) وسيأتي الكلام عن رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة.
[ ١ / ٨٥ ]
يقول له يا رب ألك صاحبة وولد» (^١). نسأل الله ألا يحرمنا من رؤيته يوم الدين.
• القرآن كلام الله جل وعلا:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وأن القرآن كلام الله، وليس بمخلوق فيبيد، ولا صفة لمخلوق فينفد).
الشرح
أي: (وأن القرآن) الكريم الذي هو بين أيدينا من فاتحة الكتاب إلى سورة الناس هو (كلام الله) لا كلام غيره، ولا هو عبارة عن كلامه، لأن الله قال: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ [التوبة: ٦] فسماه كلامه، والمستجير لا يسمع كلام الله من الله سبحانه، وإنما يسمعه من مبلغه عن الله، (و) هو كلام منه سبحانه بدأ (ليس بمخلوق) كسائر مخلوقاته التي خلقها بأمره «كن»، لأنه فرق بين الأمر والخلق فقال: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ [الأعراف: ٥٤]، فدل على أن الأمر غير الخلق وكلامه سبحانه أمر (ف) لا (يبيد)؛ أي: يفنى، (ولا) هو (صفة لمخلوق) حادث (فينفد) بذهاب المخلوق وفنائه، قال تعالى: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده، سبعة أبحر ما نفدت كلمت الله إن الله عزيز حكيم﴾ [لقمان: ٢٧].
فكلامه صفة من صفاته سبحانه وصفاته باقية، والآية تدل على فساد قول من قال: إن المسموع عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله، فإنه تعالى قال: ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ ولم يقل حتى يسمع ما هو عبارة عن كلام الله، والأصل الحقيقة وقال النبي ﷺ: «ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي، فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي» (^٢).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٤/ ٢٧٩).
(٢) أبو داود في «السنن» (٤/ ٣٢٤).
[ ١ / ٨٦ ]
وقال أبو نصر السجزي: «فأما الله - تعالى - فإنه متكلم فيما لم يزل، ولا يزال، إذا شاء ذلك، ويكلم من يشاء تكليمه بما يعرفه [المخاطب] ولا يجهله، وكلامه أحسن الكلام، وفيه سور وآي، وكلمات، وكل ذلك حروف، وهو المسموع منه على الحقيقة سماعا يعقله الخلق، وجائز وجود أعداد من المكلمين يكلمهم في حال واحدة، بما يريده من كل واحد منهم، من غير أن يشغله تكليم هذا عن تكليم هذا. والقرآن في الأصل مصدر، فتارة يذكر ويراد به القراءة كما في قوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ [الإسراء: ٧٨] وقال ﷺ: «زينوا القرآن بأصواتكم» (^١)، وتارة يذكر ويراد به المقروء قال تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرحيم﴾ [النحل: ٩٨]، وقال سبحانه: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقال تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾» [فصلت: ٢٦].
قوله: (وليس بمخلوق فيبيد، ولا صفة لمخلوق فينفد) بالنصب في جواب النفي. وقد تقدم الكلام على ذلك بحمد الله تعالى.
• الإيمان بالقضاء والقدر:
القضاء والقدر: أما القضاء في اللغة: الحكم والفصل.
وشرعا: هو ما قضى به الله ﷾ في خلقه من إيجاد أو إعدام أو تغيير.
والقدر لغة: التقدير، يقال قدر الشيء يقدره قدرا وقدرا من باب (ضرب)، إذا أحاط بمقداره، وفي الاصطلاح: هو ما قد عرفه به المصنف، وقيل هو: جزئيات ذلك الحكم القضائي، وهو إيجاد الأشياء بمعنى أن الله علم مقادير الأشياء قبل إيجادها، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته.
وقيل القضاء: إحكام الشيء وإمضاؤه والفراغ منه، فيكون بمعنى الخلق.
_________________
(١) «سنن أبي داود» (٢/ ٩٩)، والنسائي (٢/ ١٣٩)، وابن ماجه (٢/ ٢٤٦)، والدارمي (٢/ ٤٧٤)، وأحمد في «المسند» (٤/ ٢٨٣، ٢٨٥).
[ ١ / ٨٧ ]
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وكل ذلك قد قدره الله ربنا، ومقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه، علم كل شيء قبل كونه فجرى على قدره، لا يكون من عباده قول ولا عمل إلا وقد قضاه وسبق علمه به ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤]).
الشرح
أي: ومما يجب اعتقاده أن جميع الأشياء بتقدير الله لا يخرج منها شيء عن إرادته، تعالى أن يقع في ملكه إلا ما أراده من خير وشر، والأدلة على القضاء والقدر كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع: فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿وكان أمر الله قدرا مقدورا﴾ [الأحزاب: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات: ٩٦] وقوله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر: ٤٩]. وفي حديث جبريل ﷺ في «الصحيح» أن النبي ﷺ قال: «وأن تؤمن بالقدر خيره وشره» (^١)، وقال النبي ﷺ: «إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر، ما كان، وما هو كائن إلى الأبد» (^٢)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء» (^٣).
(كتب الله مقادير الخلائق) قال العلماء: المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره، لا أصل التقدير فإن ذلك أزلي لا أول له (وعرشه على الماء)؛ أي: قبل خلق السموات والأرض.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٢٨) (١٩١)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (٢٦)، ومسلم (١/ ٢٨).
(٢) رواه أبو داود (٤٧٠٢)، والترمذي (٣٣١٩)، وقال: هذا حديث حسن غريب وفيه عن ابن عباس ﵄، وقال الشيخ الألباني: صحيح.
(٣) رواه مسلم (٢٦٥٣).
[ ١ / ٨٨ ]
وقد قسم أهل السنة القدر إلى أربع مراتب:
المرتبة الأولى: مرتبة العلم: وهي أن يؤمن الإنسان إيمانا جازما بأن الله ﵎ بكل شيء عليم، وأنه علم ما كان وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف كان يكون، وأنه يعلم ما في السموات وما في الأرض جملة وتفصيلا. قال تعالى: ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما﴾ [الطلاق: ١٢]، وقال ﷺ لما سئل عن أولاد المشركين «الله أعلم بما كانوا عاملين» (^١)، وغيرها من الأحاديث الدالة على ذلك.
وأما المرتبة الثانية: فهي مرتبة الكتابة: وهي أن الله ﵎ كتب عنده في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء، وقد جمع الله بين مرتبتي العلم والكتابة في قوله: ﴿ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتب إن ذلك على الله يسير﴾ [الحج: ٧٠]؛ وجاء في الحديث عن رسول الله ﷺ: «إن أول ما خلق الله القلم، قال: اكتب، قال: ربي، ماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» (^٢).
ولهذا سئل النبي ﷺ: عما نعمله، أشيء مستقبل أم شيء قد قضي وفرغ منه. فقال: «إنه قد قضي» قالوا: يا رسول الله، أفلا ندع العمل ونتكل؟ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له». فقال لهم الرسول ﷺ: «اعملوا». ثم تلا قوله تعالى: ﴿فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (^٣).
_________________
(١) البخاري في القدر (١٣١٧)، (٦٢٢٤)، باب: الله أعلم بما كانوا عاملين، ومسلم (ح ٢٦٥٩).
(٢) صحيح، رواه أحمد (٥/ ٣١٧)، وأبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٢١٥٥)، وابن أبي عاصم (١٠٢، ١٠٣، ١٠٤، ١٠٥)، قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وسكت عنه أبو داود، وقد صححه الشيخ الألباني.
(٣) الحديث أخرجه البخاري (٢/ ١٢٠) (١٣٦٢) و(٦/ ٢١٢) (٤٩٤٨)، ومسلم (٨/ ٤٦) (٦٨٢٤).
[ ١ / ٨٩ ]
ويدخل في هذه المرتبة خمسة تقادير:
أ - التقدير الأزلي قبل خلق السموات والأرض قال تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير﴾ [الحديد: ٢٢].
وفي «الصحيح»: قال النبي ﷺ: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة - قال - وعرشه على الماء» (^١)، وقال ﷺ: «إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة» (^٢)، وقال ﷺ: «يا أبا هريرة جف القلم بما هو كائن» (^٣).
ب - كتابة الميثاق يوم أن قال سبحانه لذرية آدم: ﴿ألست بربكم﴾ ففي الذكر ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين … أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].
ج - التقدير العمري عند تخليق النطفة في الرحم، فيكتب إذ ذاك ذكورتها وأنوثتها، أجلها، ورزقها، وشقي أو سعيد. كما في حديث ابن مسعود ﵁: وفيه … أن رسول الله ﷺ يقول: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى، فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله، فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب
_________________
(١) رواه مسلم (القدر/ ١٦)، والترمذي (٢١٥٦).
(٢) رواه أحمد (٥/ ٣١٧)، وأبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٢١٥٥)، وابن أبي عاصم (١٠٢، ١٠٣، ١٠٤، ١٠٥) قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وسكت عنه أبو داود، وقد صححه الشيخ الألباني.
(٣) رواه البخاري (٥٠٧٦).
[ ١ / ٩٠ ]
رزقه فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص» رواه مسلم (^١).
د - التقدير الحولي: أي: السنوي، وذلك في ليلة القدر قال تعالى: ﴿حم * والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ١ - ٤]. قال ابن كثير: قوله: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾؛ أي: في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها. وهكذا روي عن ابن عمر، وأبي مالك، ومجاهد، والضحاك، وغير واحد من السلف، وقوله: ﴿حكيم﴾؛ أي: محكم لا يبدل ولا يغير؛ ولهذا قال: ﴿أمرا من عندنا﴾؛ أي: جميع ما يكون ويقدره الله تعالى، وما يوجبه فبأمره وإذنه وعلمه. اه. وقال عند قوله تعالى: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر﴾ [القدر: ٤]، قال قتادة وغيره: تقضى فيها الأمور، وتقدر الآجال والأرزاق، كما قال تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٤].
هـ - التقدير اليومي: وهو سوق المقادير إلى المواقيت التي قدرت لها فيما سبق، قال الله ﵎: ﴿يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن﴾ [الرحمن: ٢٩]، وقد روي في آثار ضعيفة أن النبي ﷺ سئل عن الشأن فقال: «يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين» (^٢).
أما المرتبة الثالثة: فهي مرتبة المشيئة بمعنى: أن الله ﵎
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٤٥).
(٢) رواه ابن ماجه برقم (٢٠٢). قال البوصيري في الزوائد (١/ ٨٨): «هذا إسناد حسن لتقاصر الوزير ابن صبيح - عن درجة الحفظ والإتقان»، وانظر: تفسير الطبري (٢٧/ ٧٩)، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٤٠١) («مجمع البحرين»)، والبزار في مسنده برقم (٢٢٦٦) «كشف الأستار» من طريق عمرو بن بكر السكسكي وهو متروك عن الحارث بن عبدة به. قال ابن كثير في تفسيره: قلت: وقد روي موقوفا، كما علقه البخاري بصيغة الجزم، فجعله من كلام أبي الدرداء، فالله أعلم. انظر: صحيح البخاري (٨/ ٦٢٠) («فتح»)، ورواه البيهقي في شعب الإيمان موصولا برقم (١١٠٢) من طريق إسماعيل بن عبد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء موقوفا.
[ ١ / ٩١ ]
شاء لكل موجود أو معدوم في السموات أو في الأرض، فما وجد موجود إلا بمشيئته، ولا عدم معدوم إلا بمشيئته سبحانه، وهذا ظاهر في القرآن الكريم، وقد أثبت الله تعالى مشيئته في فعله، ومشيئته في فعل العباد؛ فقال الله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم (٢٨) وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩].
المرتبة الرابعة مرتبة الخلق: أي: أن نؤمن بأن الله تعالى خالق كل شيء فما من موجود في السموات والأرض إلا الله خلقه، حتى الموت يخلقه الله ﵎، وإن كان هو عدم الحياة، يقول تعالى: ﴿الذي خلق الموت والحيوة ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ [الملك: ٢]، والله خلقنا وخلق أفعالنا، وقد يشكل على المرء كيف يصح أن نقول في فعلنا وقولنا الاختياري: إنه مخلوق لله ﷿، نقول: نعم، يصح أن نقول ذلك، لأن فعلنا وقولنا ناتج عن أمرين، أحدهما: القدرة، والثاني: الإرادة، فإذا كان فعل العبد ناتجا عن إرادته وقدرته، فإن الذي خلق هذه الإرادة، وجعل قلب الإنسان قابلا لهذه الإرادة هو الله ﷿، وكذلك أيضا الذي خلق فيه القدرة هو الله ﷿، ويخلق السبب التام الذي يتولد عنه المسبب، نقول: إن خالق السبب التام خالق للمسبب.
وقد نهى النبي ﷺ عن المراء والجدال في القدر، وحذر من الخوض فيه، لأن القدر هو سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبي مرسل، بل حجبه الله عن الخلق كلهم، فالخائض فيه مدع للاطلاع على أمر اختص الله تعالى به، فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه ذات يوم وهم يختصمون في القدر، هذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: «أبهذا أمرتم؟ أم بهذا وكلتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فانتهوا» وفي رواية: «يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض، ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضا، ما عرفتم
[ ١ / ٩٢ ]
منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به» وفي رواية: «فإن الأمم قبلكم لم يلعنوا حتى اختلفوا، وإن المراء في القرآن كفر» (^١).
كما سمى منكري القدر مجوس هذه الأمة، لأن المجوس اتخذوا خالقين من دون الله تعالى، والقدرية جعلوا الخلق أيضا لخالقين.
سئل الشافعي عن القدر فقال:
ما شئت كان وإن لم أشأ … وما شئت إن لم تشأ لم يكن
خلقت العباد على ما علمت … ففي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننت، وهذا خذلت … وهذا أعنت، وذا لم تعن
فمنهم شقي، ومنهم سعيد … ومنهم قبيح، ومنهم حسن (^٢)
قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى: عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص﴾ [هود: ١٠٩]، قال: ما قدر لهم من خير وشر؛ وجملة القول في القدر أنه سر الله لا يدرك بجدال ولا نظر، ولا تشفي منه خصومة ولا احتجاج، وحسب المؤمن من القدر أن يعلم أن الله لا يقوم شيء دون إرادته ولا يكون شيء إلا بمشيئته، له الخلق والأمر كله، لا شريك له، نظام ذلك قوله: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ [الإنسان: ٣٠]، وقوله: ﴿إنا كل شيء خلقته بقدر﴾ [القمر: ٤٩]، وحسب المؤمن من القدر أن يعلم أن الله لا يظلم مثقال ذرة، ولا يكلف نفسا إلا وسعها، وهو الرحمن الرحيم، فمن رد على الله تعالى خبره في الوجهين (أو في أحدهما كان عنادا
_________________
(١) الحديث أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٩٦). ورجاله ثقات، وأخرج ابن ماجه نحوه في المقدمة، باب في القدر، الحديث رقم (٨٥)، (١/ ٣٣)، وقال صاحب الزوائد في حديث ابن ماجه: «هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات». وفي الترمذي: كتاب القدر، باب ما جاء في التشديد في الخوض في القدر، حديث رقم (٢١٣٣)، (٤/ ٤٤٣) وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث صالح المري، وصالح المري له غرائب ينفرد بها لا يتابع عليها.
(٢) مناقب الشافعي (١/ ٤١٢ - ٤١٣)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٢/ ٧٠٢).
[ ١ / ٩٣ ]
وكفرا)، وقد ظاهرت الآثار في التسليم للقدر والنهي عن الجدل فيه والاستسلام له، والإقرار بخيره وشره، والعلم بعدل مقدره وحكمته، وفي نقض عزائم الإنسان برهان فيما قلنا وتبيان والله المستعان (^١).
قال النووي رحمه الله تعالى: «واعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر ومعناه: أن الله ﵎ قدر الأشياء في القدم، وعلم - سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده ﷾ وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها ﷾. وأنكرت القدرية هذا وزعمت أنه ﷾ لم يقدرها ولم يتقدم علمه بها، وأنها مستأنفة العلم؛ أي: إنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها وكذبوا على الله ﷾ وجل عن أقوالهم الباطلة علوا كبيرا. وسميت هذه الفرقة قدرية لإنكارهم القدر.
وقال الخطابي: وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله ﷾ العبد وقهره على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمونه وإنما معناه: الإخبار عن تقدم علم الله ﷾ بما يكون من اكتساب العبد، وصدورها عن تقدير منه، وخلق لها خيرها وشرها.
وقد تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل الحق والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله ﷾. وقد أكثر العلماء من التصنيف فيه ومن أحسن المصنفات فيه وأكثرها فوائد كتاب الحافظ الفقيه أبي بكر البيهقي ﵁، وقد قرر أئمتنا من المتكلمين ذلك أحسن تقرير بدلائلهم القطعية السمعية والعقلية والله أعلم» اهـ (^٢).
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(يضل من يشاء فيخذله بعدله، ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله، فكل ميسر إلى ما سبق من علمه وقدره، من شقي أو سعيد).
_________________
(١) التمهيد لابن عبد البر (٣/ ١٤٠) في شرحه لأحاديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١/ ١٣٠ - ١٣١) بتصرف.
[ ١ / ٩٤ ]
الشرح
لقد جاءت الآيات والأحاديث مبينة تسيير العبد من قبل الرب، وأن لا فعل يفعله إلا بإذن المولى جل في علاه، ففي حديث الكرب الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك» (^١).
فقد بين أن كل قضائه في عبده عدل؛ ولهذا يقال: كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل. ويقال: أطعتك بفضلك والمنة لك، وعصيتك بعلمك - أو بعدلك - والحجة لك، فأسألك بوجوب حجتك علي وانقطاع حجتي إلا ما غفرت لي.
قال القاضي عبد الوهاب رحمه الله تعالى: وهذا الذي قاله - المصنف - لا خلاف فيه بين المسلمين وسلف الدين، أن الله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وأنه لا يهتدي أحد إلا بهدايته، ولا يضل إلا بإضلاله، وزعمت القدرية أن الله تعالى لا يضل أحدا، وأنه قد هدى الخلق كلهم، فمنهم من اهتدى، ومنهم من لم يهتد وضل باختياره وعدوله عن طرق الهداية، وسوء نظره لنفسه، لا أن الله أضله؛ قالوا لأن الله تعالى لو فعل ذلك لكان جائرا في حكمه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا اهـ (^٢).
ولو كان أحد بيده هداية التوفيق من البشر لهدى نبينا ﷺ عمه الذي مات على الكفر وقد حاول النبي ﷺ أن ينقذه فقال له الرب جل وعلا: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [العنكبوت: ٥٦]، اللهم اهدنا فيمن هديت، فالهداية والضلال بيد ذي العزة والجلال، وقد قال الله على لسان أوليائه الذين أنعم عليهم في دار كرامته: ﴿وقالوا الحمد لله الذي هدينا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدينا الله﴾ [الأعراف: ٤٣].
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٣٩١) (٣٧١٢) و(١/ ٤٥٢) (٤٣١٨).
(٢) شرح عقيدة الرسالة للقاضي (٢٢٠)، ط: دار إحياء التراث العربي.
[ ١ / ٩٥ ]
وكل من الهداية والضلال، والتوفيق والخذلان، والكفر والإيمان، داخل تحت مشيئة الله وإرادته قال تعالى: ﴿كما بدأكم تعودون فريقا هدى … وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون﴾ [الأعراف: ٢٩/ ٣٠]، ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فلا يعترض على قضاء الله وقدره إلا جاهل، ولا يترك العمل إلا مفرط متساهل.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد، أو يكون لأحد عنه غنى، خالقا لكل شيء، ألا هو رب العباد، ورب أعمالهم، والمقدر لحركاتهم وآجالهم).
قال الغني الحميد في كتابه المجيد: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ [هود: ١٠٧]، لا يكون في ملكه شيء لا يريده، فهو الخالق للخلق وما يعملون من خير وشر، ورشد ومكر، وليس هناك أحد هو مستغن عن الله كائنا من كان في السموات والأرض كلهم فقراء إليه وهو الغني جل في علاه قال تعالى: ﴿إن الله لغني عن العالمين﴾ [العنكبوت: ٦]، وقال: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله … والله هو الغني الحميد﴾ [فاطر: ١٥]، فهو رب العباد ورب أعمالهم؛ أي: هو خالقها ومقدرها قال تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات: ٩٦]، قال ابن كثير: يحتمل أن تكون «ما» مصدرية، فيكون تقدير الكلام: والله خلقكم وعملكم، ويحتمل أن تكون بمعنى «الذي» تقديره: والله خلقكم والذي تعملونه، وكلا القولين متلازم، والأول أظهر؛ لما رواه البخاري في كتاب «أفعال العباد»، عن علي بن المديني، عن مروان (^١) بن معاوية، عن أبي مالك، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة مرفوعا قال: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته» (^٢). وهو سبحانه الذي يقدر حركاتهم وسكناتهم، ومنتهى آجالهم، ومحط رحالهم في الدار الآخرة، لا إله غيره ولا رب سواه.
_________________
(١) في بعض النسخ: (هارون).
(٢) خلق أفعال العباد (ص ٧٣).
[ ١ / ٩٦ ]
ومن الأحاديث الدالة على تقدير الحق جل وعلا لأفعال العباد: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ كان يدعو: «رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى إلي، وانصرني على من بغى علي، رب اجعلني لك شكارا، لك ذكارا، لك رهابا، لك مطواعا، إليك مخبتا، لك أواها منيبا، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي» (^١).
مناظرة القدرية وإفحامهم:
ذكر القاضي عبد الوهاب أن أهل النقل أوردوا أثرا عن ابن عباس ﵁ أنه جاءه رجل فقال: أنت تزعم أن الله أراد أن يعصى؟ قال: نعم، فقال: ما أراد أن يعصى، فقال ابن عباس: ويحك فما أراد الله؟ قال: أراد أن يطاع ولا يعصى، قال ابن عباس: ويحك فمن حال بين الله وبين ما أراد؟ فكأنما ألقمه حجرا.
قال: ومثله قول غيلان لربيعة: «أترى الله يريد أن يعصى؟» فقال ربيعة: «أترى الله يعصى قسرا؟ فكأنما ألقمه حجرا» (^٢). وقال ابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز: «لو شاء الله أن لا يعصى؛ ما خلق إبليس» (^٣).
وقد أورد شيخ مشايخنا العلامة محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله تعالى - حكايتين توضحان فساد مذهب المعتزلة في باب القضاء والقدر، فقال: «ولما تناظر أبو إسحاق الإسفرائيني مع عبد الجبار المعتزلي، قال عبد الجبار: سبحان من تنزه عن الفحشاء، وقصده أن المعاصي كالسرقة والزنا بمشيئة العبد دون مشيئة الله، لأن الله أعلى وأجل من أن يشاء القبائح في زعمهم، فقال أبو إسحاق: كلمة حق أريد بها باطل، ثم قال: سبحان من
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٩٩٧)، والترمذي (٣٥٥١) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) القدر للفريابي (١/ ٢٧٨)، وانظر: شرح القاضي عبد الوهاب للرسالة.
(٣) شرح القاضي عبد الوهاب للرسالة (٢٢٦ - ٢٢٧).
[ ١ / ٩٧ ]
لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، فقال عبد الجبار: أتراه يخلقه ويعاقبني عليه؟ فقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبرا عليه؟ أأنت الرب وهو العبد؟! فقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني إلى الهدى، وقضى علي بالردى، أتراه أحسن إلي أم أساء؟ فقال أبو إسحاق: إن كان الذي منعك منه ملكا لك فقد أساء، وإن كان له: فإن أعطاك ففضل، وإن منعك فعدل، فبهت عبد الجبار، وقال الحاضرون: والله! ما لهذا جواب! …
وجاء أعرابي إلى عمرو بن عبيد وقال: ادع الله لي أن يرد علي حمارة سرقت مني، فقال: اللهم إن حمارته سرقت ولم ترد سرقتها فارددها عليه، فقال الأعرابي: يا هذا! كف عني دعاءك الخبيث؛ إن كانت سرقت ولم يرد سرقتها، فقد يريد ردها ولا ترد» (^١).
• الإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(الباعث الرسل إليهم لإقامة الحجة عليهم؛ ثم ختم الرسالة والندارة والنبوة بمحمد نبيه ﷺ فجعله آخر المرسلين، بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وأنزل عليه كتابه الحكيم، وشرح به دينه القويم، وهدى به الصراط المستقيم).
الشرح
الرسالة: السفارة بين الله وعباده بوحيه لتقرير أحكامه ونحوها (^٢).
والنذارة: النذارة (بكسر النون) قال صاحب «القاموس»: «النذير: الإنذار كالنذارة، بالكسر». «الإنذار الإبلاغ والإعلام» (^٣).
_________________
(١) دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب للعلامة المفسر شيخ مشايخنا محمد الأمين الشنقيطي (١/ ٢٧١).
(٢) شرح الرسالة لزروق (١/ ٥٩).
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١/ ١٨٤).
[ ١ / ٩٨ ]
النبوة (^١): من النبأ وهو الإخبار، وقيل من النبوة: وهي المكان العالي المرتفع، ولا شك أنه مخبر من العلي الحكيم، فصارت له الرفعة بذلك.
والإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام من أركان الإسلام التي لا يقبل إيمان عبد إلا بها، ولا يجوز أن يفرق المؤمن بين نبي وآخر بل عليه الإيمان بلا تفريق، ويجب عليه الإيمان بما ذكر على وجه الإجمال إجمالا، وعلى التفصيل تفصيلا وامتثالا؛ قال تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملتبكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وقال جل من قائل: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا﴾ ﴿أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولبك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما﴾ [النساء: ١٥٠/ ١٥٢].
وجاء في حديث عمر ﵁ أن جبريل ﵇ سأل النبي ﷺ عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره» (^٢).
والرسل عليهم الصلاة والسلام منهم من قصهم الله علينا، ومنهم من لم يقصصهم امتحانا لنا ليختبر المؤمن من الكافر، وذكر منهم خمسة وعشرين نبيا؛ قال تعالى: ﴿ورسلا قد قصصنهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك﴾ [النساء: ١٦٤]، ومن كفر بواحد منهم فهو كافر بالجميع كما أشارت إليه الآية السالفة؛ والرسل هم حجة الله وشهوده، أنبأهم الله بوحيه، وأرسلهم لتبليغ الرسالة لخلقه، ليعرفوهم به، وبشرعه، وينبهوهم إلى آياته ويذكروهم بإنعاماته ويبشروهم بالسعادة والنجاة إذا اتبعوهم، ويخوفوهم من الشقاوة
_________________
(١) انظر: مبحثا قيما عن النبي ومما اشتق منه في: تفسير الإمام الجليل ابن جرير الطبري «جامع البيان في تأويل القرآن» بتحقيق: أحمد محمد شاكر، ط: مؤسسة الرسالة. الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ/ ٢٠٠٠ م.
(٢) تقدم تخريجه قريبا.
[ ١ / ٩٩ ]
والهلاك إذا خالفوهم، فقامت بهم - لما بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة - حجة الله على خلقه، وكانوا وهم العدول الأمناء الصادقون شهداء عليهم يوم لقائه لقوله تعالى: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما﴾ [النساء: ١٦٥]، واختارهم من جنس الرجال لقدرتهم على تحمل المتاعب والمشاق، لقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى﴾ [يوسف: ١٠٩]، وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري، ﵀، الإجماع على ذلك.
وقد ذكر الله منهم في القرآن خمسة وعشرين رسولا، ذكر في سورة الأنعام منهم ثمانية عشر هم: إبراهيم، وإسحاق ويعقوب، ونوح، وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوط، قال تعالى: ﴿وتلك حجتنا اتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم * ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين﴾ [الأنعام: ٨٣/ ٨٦].
وذكر في مواضع أخرى من كتابه العزيز السبعة الباقين وهم: آدم، وهود، وصالح، وشعيب، وذو الكفل، وإدريس، وسيد الأولين والآخرين سيدنا ونبينا محمد ﷺ. وقد جمع ذلك في بيتين:
في تلك حجتنا منهم ثمانية … من بعد عشر، ويبقى سبعة وهم
إدريس، هود، شعيب صالح وكذا … ذو الكفل، آدم، بالمختار قد ختموا
والعرب منهم أربعة وهم: شعيب، وهود، وصالح، ومحمد عليهم الصلاة والسلام؛ ويرمز لهم بـ: شهصم.
وأولو العزم خمسة وهم: محمد، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، قال تعالى: ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن
[ ١ / ١٠٠ ]
مريم﴾ [الأحزاب: ٧] وللبزار عن قتادة ﵁ موقوفا عليه قال: «خيار ولد آدم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ (^١).
عدد الرسل والأنبياء: عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: «ثلاثمائة وبضعة عشر جما غفيرا»، وفي رواية: «كم وفاء الأنبياء»؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل منهم ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا» (^٢).
وقد نظم الشيخ العلامة عبد الرحمن بن محمد بلال الجملي الشنقيطي:
يا سائلا عن عد كل الأنبيا … فقكد من الألوف فادريا
والرسل منهم سيج أو سيد … أو سيه والأول المعتمد (^٣).
وأول الأنبياء والرسل آدم ﵇، (ثم ختم الرسالة والنذارة والنبوة بمحمد نبيه ﷺ فجعله آخر المرسلين، بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) فقال وهو أصدق القائلين: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما﴾ [الأحزاب: ٤٠] ختم الله به النبوة، وقرأ عاصم: (خاتم) بفتح التاء على الاسم؛ أي: آخرهم، وقرأ الآخرون بكسر التاء على الفاعل، لأنه ختم به النبيين فهو خاتمهم (^٤).
_________________
(١) قال الهيثمي في المجمع (٨/ ٤٥٨)، رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.
(٢) رواه أحمد، وصحح إسناده الألباني كما في مشكاة المصابيح بتحقيقه (٣/ ١٢٢).
(٣) تبيين المسالك شرح تدريب السالك إلى أقرب المسالك للشيخ العلامة محمد الشيباني الشنقيطي رحمه الله تعالى (١/ ٦٩). وسيج فالسين ثلاثمائة والياء عشرة والجيم ثلاثة، فيكون الجميع ثلاثمائة وثلاثة عشر، وقيل: ثلاثمائة وأربعة عشر، وأشار إليها ب (سيد) فالدال أربعة، وقيل: خمسة عشر بعد الثلاثمائة وإليها أشار بـ (سيه) فالهاء خمسة.
(٤) تفسير البغوي (٦/ ٣٥٨). حققه وخرج أحاديثه: محمد عبد الله النمر، عثمان جمعة ضميرية، سليمان مسلم الحرش الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة: الرابعة، ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٧ م.
[ ١ / ١٠١ ]
قال ابن كثير: «فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول [بعده] بطريق الأولى والأحرى؛ لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي، ولا ينعكس. وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ من حديث جماعة من الصحابة» (^١).
روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» (^٢).
فإن قلت: كيف كان آخر الأنبياء وعيسى ينزل في آخر الزمان؟ قلت: معنى كونه آخر الأنبياء أنه لا ينبأ أحد بعده، وعيسى ممن نبئ قبله، وحين ينزل، ينزل عاملا على شريعة محمد ﷺ، مصليا إلى قبلته، كأنه بعض أمته (^٣).
«وقد أجمع الصحابة على أن محمدا ﷺ خاتم الرسل والأنبياء، وعرف ذلك وتواتر بينهم وفي الأجيال من بعدهم، ولذلك لم يترددوا في تكفير مسيلمة والأسود العنسي، فصار معلوما من الدين بالضرورة فمن أنكره فهو كافر خارج عن الإسلام ولو كان معترفا بأن محمدا ﷺ رسول الله للناس كلهم.
ولذلك لا يتردد مسلم في تكفير من يثبت نبوءة لأحد بعد محمد ﷺ وفي إخراجه من حظيرة الإسلام، ولا تعرف طائفة من المسلمين أقدمت على ذلك إلا البابية والبهائية وهما نحلتان مشتقة ثانيتهما من الأولى» (^٤).
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (٣/ ٥٩٥) دار الفكر.
(٢) البخاري (٣٣٤٢)، ونحوه في مسلم (٢٢٨٦).
(٣) الكشاف للزمخشري (٣/ ٥٥٤). دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق: عبد الرزاق المهدي.
(٤) تفسير التحرير والتنوير للشيخ الطاهر بن عاشور (١١/ ٣٥١)، وانظر: الموسوعة الميسرة في المذاهب والأديان (١/ ٩٢).
[ ١ / ١٠٢ ]
(وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) قال تعالي: ﴿ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]
فالشاهد: المخبر عن حجة المدعي المحق، ودفع دعوى المبطل، فالرسول ﷺ شاهد بصحة ما هو صحيح من الشرائع وبقاء ما هو صالح للبقاء منها، ويشهد على أمته يوم القيامة.
والمبشر: المخبر بالبشرى والبشارة. وهي الحادث المسر لمن يخبر به والوعد بالعطية، والنبي ﷺ مبشر لأهل الإيمان والمطيعين بمراتب فوزهم؛ وقدمت البشارة على النذارة لأن النبي ﷺ غلب عليه التبشير لأنه رحمة للعالمين، ولكثرة عدد المؤمنين في أمته.
والنذير: مشتق من الإنذار وهو الإخبار بحلول حادث مسيء أو قرب حلوله، والنبي ﵊ منذر للذين يخالفون عن دينه من كافرين به ومن أهل العصيان بمتفاوت مؤاخذتهم على عملهم.
والداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى ترك عبادة غير الله، ويدعوهم إلى اتباع ما يأمرهم به الله، وترك ما ينهاهم عنه.
قوله: (وسراجا منيرا) تشبيه بليغ بطريق الحالية وهو طريق جميل؛ أي: أرسلناك كالسراج المنير في الهداية الواضحة التي لا لبس فيها، والتي لا تترك للباطل شبهة إلا فضحتها، وأوقفت الناس على دخائلها، كما يضيء السراج الوقاد ظلمة المكان، ووصف السراج بـ (منيرا) مع أن الإنارة من لوازم السراج هو كوصف الشيء بالوصف المشتق من لفظه في قوله: شعر شاعر، وليل أليل لإفادة قوة معنى الاسم في الموصوف به الخاص فإن هدى النبي ﷺ هو أوضح الهدى، وإرشاده أبلغ إرشاد.
روى البخاري في كتاب «التفسير» من صحيحه في الكلام على سورة الفتح عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: «إن هذه الآية التي في القرآن: ﴿ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا﴾ قال في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين،
[ ١ / ١٠٣ ]
أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح (أو ويغفر) ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتح (أو فيفتح) به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفاء» (^١) اهـ (^٢).
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وأنزل عليه كتابه الحكيم، وشرح به دينه القويم، وهدى به الصراط المستقيم).
الشرح
أي: يجب الإيمان بأن القرآن العظيم المنزل على قلب سيدنا ونبينا محمد ﷺ هو من عند الله تعالى، جاء هدى للناس، وهو محفوظ بحفظ الله تعالى من فاتحة الكتاب إلى الناس، ووصفه بالحكيم وهو وضع الشيء في محله، لأنه من حكيم عليم سبحانه، وفصل فيه شريعته المطهرة، قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ [النحل: ٤٤]، ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ [النحل: ٦٤].
﴿قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم﴾ [الأحقاف: ٣٠].
• الإيمان بأن الساعة حق وبالبعث والنشور:
(وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من يموت، كما بدأهم يعودون).
_________________
(١) البخاري (٤٨٣٨).
(٢) من تفسير شيخ الإسلام الطاهر بن عاشور المسمى بالتحرير والتنوير (٢٢/ ٥٥)، وحقا فإنه تحرير لأقوال المفسرين وتنوير العقول المستبصرين. وللشيخ ترجمة وافية كتبها عنه فضيلة الشيخ العلامة الحبيب بن خوجة في مقدمة تحقيق كتاب المقاصد للشيخ الطاهر.
[ ١ / ١٠٤ ]
الشرح
الساعة هي فناء العوالم كلها وانتهاء هذه الحياة الدنيوية، قال الخازن في تفسيره: وسميت القيامة ساعة: لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها أحد إلا الله ﵎.
وقيل: سميت ساعة لسرعة الحساب فيها لأن حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة أو أقل من ذلك (^١). والساعة هي اليوم الآخر من أيام الدنيا لاختلال نظام أيام الدنيا بأكبر الأشراط وأظهرها وهو شروق الشمس من المغرب.
قال تعالى: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير﴾ [لقمان: ٣٤]، وقال سبحانه: ﴿يستلونك عن الساعة أيان مرسئها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يستلونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقال جل من قائل: ﴿ولله غيب السموات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير﴾ [النحل: ٧٧].
والآيات كثيرة في شأن قيام الساعة والرد على المكذبين، ومما جاء عن النبي ﷺ كما في حديث جبريل ﷺ أنه قال: قال يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربها فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله ثم تلا: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث
_________________
(١) لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن أبي الحسن علي بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحي (٢/ ١٢٨)، دار النشر: دار الفكر، بيروت - لبنان، ١٣٩٩ هـ/ ١٩٧٩ م.
[ ١ / ١٠٥ ]
ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (٣٤)﴾ (^١)
ومنها حديث عوف بن مالك ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة أدم» فقال: «اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان (^٢) يأخذ فيكم كقعاص الغنم (^٣)، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر (^٤) فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية (^٥)، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا» (^٦).
وأشراط الساعة كبرى وصغرى، والتي ظهرت وتظهر الآن في وقتنا كثير من الأشراط الصغرى، قال البيهقي في صفة يوم القيامة: «أما انتهاء الحياة الأولى فإن لها مقدمات تسمى أشراط الساعة، وهي أعلامها منها خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ وقتله الدجال، ومنها خروج يأجوج ومأجوج، ومنها خروج دابة الأرض، ومنها طلوع الشمس من
_________________
(١) متفق عليه، واللفظ لمسلم، وتقدم تخريجه.
(٢) موتان: بضم الميم وسكون الواو هو الموت كثير الوقوع، النهاية في غريب الحديث (٤/ ٣٧٠).
(٣) قعاص الغنم: القعاص بالضم: هو داء يصيب الدواب، فيسيل من أنوفها شيئا فتموت فجأة. النهاية في غريب الحديث (٤/ ٨٨).
(٤) بنو الأصفر: هم الروم، وسبب تسميتهم بذلك قولان كما حكاهما القرطبي، الأول: أن جيشا من الحبشة غلبوا على ناحيتهم في بعض الدار، فوطئوا نساءهم فولدن أولادا صفرا، قاله ابن الأنباري والثاني: أنهم نسبوا إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم قاله ابن إسحاق. وقال القرطبي: وهذا أشبه من القول الأول. التذكرة للقرطبي (٢/ ٦٨٩)، النهاية في غريب الحديث (٣/ ٣٧).
(٥) الغاية: الراية، سميت بذلك لأنها غاية المتبع إذا وقفت وقف، وروي بالباء الموحدة وهو الأجمة، كأن كثرة الرماح شبهت بالأجمة، قال القرطبي: والصحيح: الأول، وقد جاء في بعض الروايات: كلمة «الراية بدل الغاية»، التذكرة (٢/ ٦٨٩)، والنهاية في غريب الحديث (٣/ ٤٠٤)، وفتح الباري لابن حجر (٦/ ٢٧٨).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجزية والموادعة (٤/ ٦٨).
[ ١ / ١٠٦ ]
مغربها فهذه هي الآيات العظام، وأما ما تقدم هذه من قبض العلم، وغلبة الجهل واستعلاء أهله، وبيع الحكم، وظهور المعازف، واستفاضة شرب الخمر، واكتفاء النساء بالنساء، والرجال بالرجال، وإطالة البنيان، وإمارة الصبيان، ولعن آخر هذه الأمة أولها، وكثرة الهرج وغير ذلك فإنها أسباب حادثة، ورواية الأخبار المنذرة بها بعدما صار الخبر عيانا تكلف» اهـ (^١).
قال القرطبي ﵀ وهو يتحدث عن أشراط الساعة أولها النبي ﷺ، لأنه نبي آخر الزمان، وقد بعث وليس بينه وبين القيامة نبي (^٢).
ومنها ظهور انشقاق القمر في عهده ﷺ آية مصدقة لنبوته قال تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ [القمر: ١] ففي «الصحيحين» - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين، فقال النبي ﷺ اشهدوا» (^٣)، وفي رواية: «انشق القمر ونحن مع النبي ﷺ بمنى فقال: اشهدوا»، وذهبت فرقة نحو الجبل.
ومنها نار عظيمة تضيء لها أعناق الإبل ببصرى فقد روى البخاري في «الصحيح المسند» عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى» (^٤)، وقد ذكر القرطبي في «التذكرة»: أنها قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة في الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت اهـ (^٥). وتدافع الناس إلى المسجد النبوي الشريف والتزموا الروضة المنيفة وكثر البكاء والعويل، والذكر والاستغاثة واللجوء إلى الله الكبير، وجعل الله فيها خاصية أنها تضيء ولا تحرق رغم هديرها، وعظمتها.
_________________
(١) شعب الإيمان (١/ ٥٢٩).
(٢) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص ٧٣٣).
(٣) البخاري (٤/ ٢٥١) (٣٦٣٦)، ومسلم (٨/ ١٣٢) (٧١٧٣)، والترمذي (٣٢٨٧).
(٤) أخرجه البخاري (٩/ ٧٣) (٧١١٨)، ومسلم (٨/ ١٨٠).
(٥) قاله الحافظ في فتح الباري (١٣/ ٨٠).
[ ١ / ١٠٧ ]
وقيل أحرقت الحجارة، ولم تحرق الشجر (^١).
وأما الآيات الكبرى فقد أخبر النبي ﷺ أنها إذا أذن الله تعالى بظهور واحدة منها تتابعت كحبات خرز انقطع سلكها، فقال ﷺ: «الآيات خرزات منظومات في سلك، فإن يقطع السلك يتبع بعضها» (^٢) وثبت ذكرها في أحاديث صحيحة منها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر فقال: «ما تذاكرون؟». قالوا: نذكر الساعة، قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات، فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» رواه مسلم واللفظ له (^٣).
وما يهم المؤمن بعد سرد هذه الآيات هو الإيمان بها، وكثرة اللجوء إلى الله ﷻ في حفظ إيمانه له وأن يجنبه مضلات الفتن، اللهم إنا نعوذ بك من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن آمين.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وأن الله يبعث من يموت، كما بدأهم يعودون).
_________________
(١) كما ذكر ذلك اليافعي في كتابه «مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان» في حوادث سنة أربع وخمسين وستمائة، وانظر: التذكرة للقرطبي (٧٤٥)، والبداية والنهاية لابن كثير (١٣/ ١٨٧).
(٢) قال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤/ ٣٦١): [أخرجه الحاكم (٤/ ٤٧٣ - ٤٧٤)، وأحمد (٢/ ٢١٩) من طريقين عن خالد بن الحويرث عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: فذكره. «قلت: إسناده ضعيف خالد بن الحويرث ليس بالمشهور»، قال ابن معين: «لا أعرفه وذكره ابن حبان في الثقات». لكن للحديث شاهد من رواية أنس بن مالك مرفوعا به إلا أنه قال: «الأمارات خرزات …». أخرجه الحاكم (٤/ ٥٤٦) وقال: «صحيح على شرط مسلم». ووافقه الذهبي، وهو كما قالا].
(٣) أحمد (٤/ ٦) (١٦٢٤٠)، ومسلم (٨/ ١٧٨) (٧٣٨٨).
[ ١ / ١٠٨ ]
الشرح
البعث والنشور: يجب الإيمان بالبعث والنشور، فما هو البعث؟
البعث هو إحياء المخلوقات بعد فنائها، للحساب والجزاء، من خير وشر. قال تعالى: ﴿ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾ [النجم: ٣١].
وقال ابن حجر: «أصل البعث: إثارة الشيء وتحريكه عن سكون، والمراد به هنا إحياء الأموات وخروجهم من قبورهم ونحوها» (^١).
وقد دل على البعث الكتاب والسنة والإجماع والعقل، قال تعالى: ﴿واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب * يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج * إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير * يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير * نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ [ق: ٤١ - ٤٥].
إن القرآن قرر إثبات البعث بأدلة منطقية سهلة، يفهمها أدنى من له مسكة عقل، فقد ضرب الأمثال بواقع يعيشه المخلوق يوميا، وبنى ذلك على أسس وبراهين تقطع الشك وتزيل الريب، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ [الروم: ٢٧].
ومن أعظم البراهين على إعادة الإنسان وإحيائه مرة أخرى هذا النوم الذي يسلط على الإنسان فيسلب منه شعوره وإدراكه، وإذا به جثة هامدة، ثم يأذن الله للروح فتعود مرة أخرى، وهو لا يدري كيف نام ولا كيف استيقظ، كآلة انقطع عنها التيار الكهربائي فانطفأت وعاد إليها فسرت فيها الحركة من جديد. قال تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾ [الزمر: ٤٢]. وقد كان النبي ﷺ من دعائه إذا
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ٣٩٣).
[ ١ / ١٠٩ ]
استيقظ من النوم يقول: «الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور» من حديث حذيفة ﵁ (^١).
ووردت أحاديث كثيرة في إثبات البعث منها حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله ﷿: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد» (^٢).
والبعث والنشور لعرض الأعمال على الله وحساب الناس، قال تعالى: ﴿ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾ [النجم: ٣١].
وقال ﷺ فيما يرويه عن رب العزة سبحانه: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» (^٣).
كرم الله بمضاعفة الحسنات، وتكفير السيئات:
قال المصنف:
(وأن الله ﷾ ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات، وغفر لهم الصغائر باجتناب الكبائر، وجعل من لم يتب من الكبائر صائرا إلى مشيئته ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾) [النساء: ٤٨].
(ومن عاقبه الله بناره أخرجه منها بإيمانه فأدخله به جنته ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧] ويخرج منها بشفاعة النبي ﷺ من شفع له من أهل الكبائر من أمته).
_________________
(١) رواه البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٨/ ٧٨) (٦٩٨٦).
(٢) رواه البخاري في صحيحه برقم (٤٩٧٤) من طريق شعيب عن أبي الزناد به، وفيه: «ولم يكن لي كفوا أحد».
(٣) رواه مسلم (٦٧٣٧).
[ ١ / ١١٠ ]
الشرح
قوله: (وأن الله الله ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات)؛ أي: أنه مما يجب اعتقاده أن الله تعالى يضاعف الحسنات لعباده المؤمنين بقدر الإخلاص، والمتابعة للنبي ﷺ وعلى حسب درجات الخشوع والإخبات، قال تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله ﷿ (^١)». فالتضعيف يرتقي من عشر إلى سبعمائة بل إلى غاية عظيمة لا يعلمها إلا واسع العطاء سبحانه، فعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﷿ قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة» (^٢)، وكلمة خير في الآية نكرة تفيد الإطلاق الذي لا يقيد بقيد ولا يحصى بعد.
والحسنة ما يحمد عليها شرعا عكس السيئة وهي ما يذم عليها شرعا، وحسنت الشيء تحسينا: زينته، وأحسنت إليه وبه، وهو يحسن الشيء؛ أي: يعمله. ويستحسنه: يعده حسنا، والحسنة: خلاف السيئة، والمحاسن: خلاف المساوي (^٣).
قال حسان بن ثابت:
من يفعل الحسنات، الله يشكرها … والشر بالشر عند الله مثلان
_________________
(١) البخاري (١٧/ ١) (٤٢)، ومسلم (١/ ٨٢) في الإيمان، واللفظ له.
(٢) البخاري (١٢٨/ ٨) (٦٤٩١)، ومسلم (١/ ٨٣) (٢٥٦).
(٣) مختار الصحاح للرازي (٦٦).
[ ١ / ١١١ ]
قوله: (وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات) (^١) وهو مما تفضل الله به على عباده المؤمنين أن من اقترف منهم شيئا من كبائر السيئات ثم تاب وأصلح أنه يتجاوز عنه ويعفو على سبيل الفضل والكرم؛ قال تعالى: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما﴾ [الفرقان: ٧٠]، قال الشوكاني: قال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة الحسنة، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة.
وقيل: «إن السيئات تبدل بحسنات، وبه قال جماعة من الصحابة، ومن بعدهم» (^٢).
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى (^٣) القول الثاني: أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا أنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار. فيوم القيامة وإن وجده مكتوبا عليه لكنه لا يضره وينقلب حسنة في صحيفته، كما ثبتت السنة بذلك، وصحت به الآثار المروية عن السلف، رحمهم الله تعالى - وهذا سياق الحديث - عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها. فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا. فيقول نعم. لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه. فيقال له فإن لك مكان كل سيئة حسنة. فيقول رب قد عملت أشياء لا أراها ها هنا». فلقد رأيت رسول الله ﷺ «ضحك حتى بدت نواجذه» (^٤). والآيات في هذا كثيرة جدا.
_________________
(١) الكلام على التوبة جاء مستوفى في الباب الجامع لجملة من الفرائض والسنن من هذا الشرح المبارك إن شاء الله تعالى.
(٢) فتح القدير للشوكاني (٤/ ١٢٨).
(٣) تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (٣/ ٣٩٨) دار الفكر.
(٤) مسلم (٤٨٧).
[ ١ / ١١٢ ]
• اجتناب الكبائر سبب في تكفير الصغائر:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
﴿وغفر لهم الصغائر باجتناب الكبائر﴾ مصداقا لقول الغفور الرحيم: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾ [النساء: ٣١]، ﴿ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبير الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة﴾ [النجم: ٣١، ٣٢] أي: إن تجتنبوا كبائر ما نهيتم عنه في هذه السورة من المناكح الحرام وأكل الأموال بالباطل وغير ذلك مما تقدم، نكفر عنكم ما كان من ارتكابها فيما سلف. انتهى بتصرف (^١).
عدد الكبائر: أما في عد الكبائر فقد روى عبد الرزاق عن ابن عباس ﵄ أنه قيل له: هل الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب، وروى ابن جبير أنه قال له: هي إلى السبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. وقد أورد ابن كثير في تفسيره عند الآية كثيرا من أحاديث الكبائر فلتنظر هناك.
وقد خرج ابن جرير من رواية الحسن: أن قوما أتوا عمر، فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله لا يعمل بها، فقال لرجل منهم: أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم، قال: فهل أحصيته في نفسك؟ قال: اللهم لا، قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثرك؟ ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم، ثم قال: ثكلت عمر أمه، أتكلفونه أن يقيم على الناس كتاب الله؟ قد علم ربنا أنه سيكون لنا سيئات (^٢)، قال: وتلا: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾ [النساء: ٣١].
وبإسناده عن أنس بن مالك ﵁: أنه قال: لم أر مثل الذي بلغنا عن
_________________
(١) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لشهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (٥/ ١٧) دار إحياء التراث العربي - بيروت.
(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٧٣١٣).
[ ١ / ١١٣ ]
ربنا تعالى، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال، ثم سكت، ثم قال: والله لقد كلفنا ربنا أهون من ذلك، لقد تجاوز لنا عما دون الكبائر، فما لنا ولها، ثم تلا: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾ [النساء: ٣١] وخرجه البزار في «مسنده» مرفوعا، والموقوف أصح (^١).
ثم قال رحمه الله تعالى: (وجعل من لم يتب من الكبائر صائرا إلى مشيئته ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾).
أي: أن من اقترف شيئا من كبائر السيئات من المؤمنين، ومات غير تائب، فأمره موكول إلى مشيئة الله، إن شاء عفا عنه فضلا، وإن شاء عاقبه عدلا ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، ولحديث عبادة بن الصامت ﵁ وكان شهد بدرا وهو أحد النقباء ليلة العقبة أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك» (^٢).
وقال ابن عمر ﵄: كنا معشر أصحاب النبي ﷺ لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، فأمسكنا عن الشهادة.
_________________
(١) الرواية الموقوفة أخرجها: البزار كما في «كشف الأستار» (٢٢٠٠)، والطبري في «تفسيره» (٧٣١٤)، وطبعة التركي (٦/ ٦٥٩) قال المعلق على جامع العلوم والحكم: ولم أقف على الرواية المرفوعة لفظا.
(٢) البخاري (١/ ١١) (١٨)، ومسلم (٥/ ١٢٦) (٤٤٨١).
[ ١ / ١١٤ ]
وفي «الدر المنثور» (^١) بسند صحيح، عن ابن عمر، قال: «كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا ﷺ: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ قال: إني ادخرت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي: قال فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا، ثم نطقنا بعد ورجونا» (^٢).
قال ابن جرير: «وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرة شركا بالله». وذلك لأن الكبائر لا يكفر بها أهل السنة والجماعة مرتكبها إلا أن يكون مستحلا لها.
• قال المصنف:
(ومن عاقبه الله بناره أخرجه منها بإيمانه فأدخله به جنته ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧]).
أي: ومما يجب التصديق به أن عصاة المؤمنين إن أراد الله تعذيبهم في دار العقاب يكون العقاب بقدر ما جنوا على أنفسهم من السيئات، ثم تتغمدهم الرحمة فيخرجون من دار العقاب إلى دار السلام، لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحيا أو الحياة شك مالك فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل (^٣) ألم تر أنها تخرج»
_________________
(١) الدر المنثور للسيوطي (٢/ ١٦٩).
(٢) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٥)، وقال: «رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح، غير حرب بن سريج، وهو ثقة. انظر: تعليق الشيخ أحمد محمد شاكر على تفسير ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى. وقال [حكم حسين سليم أسد]: إسناده حسن».
(٣) ما يحمله السيل من طين ونحوه. شبه نباتهم بذلك لأنه أسرع في الإنبات.
[ ١ / ١١٥ ]
صفراء ملتوية (^١).
وفي لفظ آخر من حديث أبي سعيد الخدري أنه ﷺ قال: «… وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ويحرم الله صورهم على النار فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا ثم يعودون فيقول اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون فيقول اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه فيخرجون من عرفوا قال أبو سعيد فإن لم تصدقوني فاقرءوا: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها﴾، فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواما قد امتحشوا (^٢) فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة وإلى جانب الشجرة فما كان إلى الشمس منها كان أخضر وما كان منها إلى الظل كان أبيض فيخرجون كأنهم اللؤلؤ فيجعل في رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه» (^٣).
ولا يخلد في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فالإيمان سبب في عدم الخلود في النار، وسبب في دخول الجنة إلا أن مسببية الإيمان في دخول الجنة مع عفو الله ورحمته ﴿فبذلك فليفرحوا﴾ [يونس: ٥٨]، وما ورد من خلود بعض أهل المعاصي كقاتل النفس المؤمنة بغير حق، ومن انتحر بحديدة
_________________
(١) البخاري (٢٢/ ٦١٢٩)، ومسلم في الإيمان باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار رقم (١٨٤).
(٢) (امتحشوا) احترقوا واسودوا.
(٣) البخاري (٧٠٠١).
[ ١ / ١١٦ ]
أو خنق أو سم ونحو ذلك فهو خلود نسبي يدل على طول بقاء لا يعلمه إلا الله تعالى ثم يعفى عنهم ويصيرون إلى الجنة بمشيئة الله وعفوه والله أعلم.
• شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته:
قول المصنف:
(ويخرج منها بشفاعة النبي ﷺ من شفع له من أهل الكبائر من أمته).
أي: ومما يجب التصديق به ثبوت الشفاعة لنبينا محمد ولغيره أيضا، وإنما خصه بالذكر لكونه أول وأفضل شافع.
والشفاعة هي: قال أبو جعفر: و«الشفاعة» مصدر من قول الرجل: «شفع لي فلان إلى فلان شفاعة وهو طلبه إليه في قضاء حاجته». وإنما قيل للشفيع: «شفيع وشافع»، لأنه ثنى المستشفع به، فصار به شفعا فكان ذو الحاجة - قبل استشفاعه به في حاجته - فردا، فصار صاحبه له فيها شافعا، وطلبه فيه وفي حاجته شفاعة (^١)، والشفاعة يوم القيامة هي طلب الأنبياء والمرسلين والملائكة والشهداء والصالحين أن يشفعوا فيمن استحقوا العذاب، أو غير ذلك مما سيأتي من أنواع الشفاعة.
والشفاعة الله ل ملك له ليس لأحد فيها شيء، ولا تكون إلا برضاه، ولا تتم إلا بإذنه لمن شاء سبحانه قال تعالى: ﴿قل لله الشفعة جميعا﴾ [الزمر: ٤٤]، وما دام أنه يملكها سبحانه فقد أخبرنا أنها لا تكون إلا بإذنه قال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وكم من ملك في السموات لا تغني شفعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ [النجم: ٢٦].
• فلا شفاعة إلا بعد إذن الله ورضائه.
وتكون لأوليائه المرتضين الأخيار الذين أذن لهم في الشفاعة كما قال
_________________
(١) تفسير ابن جرير الطبري (١/ ٣٢).
[ ١ / ١١٧ ]
أنواع الشفاعة
تعالى: ﴿لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا﴾ [النبأ: ٣٨]، وقال: ﴿لا يملكون الشفعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا﴾ [مريم: ٨٧]. ولا يأذن أن يشفع إلا لمن ارتضى كما قال تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
أنواع الشفاعة: اعلم أن الشفاعة أنواع وأعظمها شفاعة سيد الشافعين نبينا محمد ﷺ وذلك لأن الأمم كلها يوم القيامة تأتي إليه ليشفع لها من شدة الموقف وهي أعظم الشفاعات، قال النووي: قوله ﷺ: «وأعطيت الشفاعة» (^١) هي الشفاعة العامة التي تكون في المحشر بفزع الخلائق إليه لأن الشفاعة في الخاصة جعلت لغيره أيضا، وهو المقام المحمود الذي وعده الله إياه كما قال تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وذلك أن الناس إذا ضاق بهم الموقف، وطال المقام، واشتد القلق، وألجمهم العرق، التمسوا الشفاعة في أن يفصل الله بينهم فيأتون آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى بن مريم وكلهم يقول نفسي نفسي إلى أن ينتهوا إلى نبينا محمد ﷺ فيقول: «أنا لها» (^٢) كما جاء مفصلا في الصحيحين وغيرهما. فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتي بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال: «أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون مم ذلك يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون ما قد بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض عليكم بآدم فيأتون آدم ﵇ فيقولون له أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما قد بلغنا فيقول آدم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٢/ ٦٣ ١٠٩٩).
(٢) كما في البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (الإيمان/ ٣٢٢، ٣٢٦).
[ ١ / ١١٨ ]
نوحا فيقولون يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقولون يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول لهم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات فذكرهن أبو حيان في الحديث نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى ابن مريم فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد صبيا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول عيسى إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله قط ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد فيأتون محمدا فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب أمتي يا رب أمتي يا رب فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين
[ ١ / ١١٩ ]
مكة وحمير أو كما بين مكة وبصر» (^١).
وقال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (^٢).
وأما الشفاعة الثانية: فهي في استفتاح باب الجنة، وأول من يستفتح بابها نبينا محمد ﷺ، وأول من يدخلها من الأمم أمته.
الثالثة: الشفاعة في أقوام قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها.
الرابعة: في من دخلها من أهل التوحيد فيشفع لهم ليخرجوا منها.
الخامسة: الشفاعة في رفع درجات أقوام من أهل الجنة؛ وهذه الثلاث ليست خاصة بنبينا ﷺ ولكنه هو المقدم فيها ثم بعده الأنبياء والملائكة والأولياء والأفراط يشفعون ثم يخرج الله تعالى برحمته من النار أقواما بدون شفاعة لا يحصيهم إلا الله فيدخلهم الجنة.
السادسة: الشفاعة في تخفيف عذاب بعض الكفار، وهذه خاصة لنبينا محمد ﷺ في عمه أبي طالب كما في مسلم وغيره.
الجنة دار كرامة لأولياء الله تعالى، والنار دار غضبه لأعدائه:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وأن الله سبحانه قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه، وأكرمهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم وهي التي أهبط منها آدم نبيه وخليفته إلى أرضه بما سبق في سابق علمه. وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألحد في آياته وكتبه ورسله وجعلهم محجوبين عن رؤيته).
• الجنة والنار:
إن مما يجب اعتقاده أن الله جل في علاه قد خلق الجنة وأعدها دارا
_________________
(١) البخاري (٤٧١٢).
(٢) حديث صحيح، ذكره السيوطي في الجامع الصغير، ونسبه لأحمد (١٣٢٢٢)، وأبي داود (٤٧٣٩)، والترمذي (٢٤٣٥)، وابن حبان، والحاكم - عن أنس. والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم - عن جابر. انظر: شرح المناوي الكبير رقم (٤٨٩٢) (٤/ ١٦٣). مسالك الجلالة في اختصار المناهل الزلالة
[ ١ / ١٢٠ ]
لأهل كرامته ونزلا للصالحين من عباده، وخلق النار وأعدها لمن كتبت عليهم الشقاوة ممن كفر وألحد في آياته، ولم يؤمن بكتبه ورسله واليوم الآخر.
والجنة والنار مخلوقتان لهما بداية وليست لهما نهاية، وهما موجودتان مذ خلقهما الباري سبحانه لا تبيدان ولا تفنيان، والأدلة من الكتاب والسنة على الجنة والنار متواترة فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿أكلها دائم وظلها﴾ [الرعد: ٣٥]، وقال سبحانه عن النار: ﴿يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم﴾ [المائدة: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ [البقرة: ٢٤].
والآيات في ذكر الجنة والنار كثيرة جدا فمن الأحاديث: عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء» (^١).
والجنة هي دار الثواب لمن أطاع الله أعدها نزلا لأهل كرامته من أصفيائه، وموضعها في السماء السابعة عند سدرة المنتهى، قال تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى … عند سدرة المنتهى … عندها جنة المأوى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥]، والجنة مائة درجة بين كل درجة والأخرى كما بين السماء والأرض كما في حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض» (^٢).
وأعلى الجنة الفردوس الأعلى وفوقه العرش ومنه تتفجر أنهار الجنة كما جاء في حديث أبي هريرة السابق عن النبي ﷺ قال: «فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة - أراه - فوقه عرش الرحمن، ومنه
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٢٧٩٠).
(٢) رواه البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٨٧١).
[ ١ / ١٢١ ]
تفجر أنهار الجنة» (^١).
• أبواب الجنة:
للجنة ثمانية أبواب قال تعالى: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا … حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ [الزمر: ٧٣]، وجاء في حديث سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «في الجنة ثمانية أبواب فيها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون» (^٢)، وعن عمر بن الخطاب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو: فيسبغ الوضوء - ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء» (^٣)، وأما الأبواب الأخرى فقد ذكرت في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله، دعي من أبواب الجنة، وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة، دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة، دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد، دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام، دعي من باب الريان». فقال أبو بكر: والله يا رسول الله، ما على أحد من ضرورة من أيها دعي، فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: «نعم، وإني أرجو أن تكون منهم» (^٤)، من حديث الزهري، بنحوه. قال القاضي عياض: ذكر مسلم في هذا الحديث من أبواب الجنة أربعة، وزاد غيره بقية الثمانية، فذكر منها باب التوبة، وباب الكاظمين الغيظ، وباب الراضين، «والباب الأيمن الذي يدخل منه من لا حساب عليه» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤/ ١٩) (٢٧٩٠).
(٢) صحيح البخاري برقم (٣٢٥٧).
(٣) أخرجه مسلم (١/ ١٤٤)، وأبو داود (١٦٩).
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٩٠)، والبخاري (١٨٩٧)، ومسلم (٣/ ٩١)، والترمذي (٣٦٧٤).
(٥) وسماه ابن بطال رحمه الله تعالى: بباب المتوكلين قال: ويمكن أن يكون الباب =
[ ١ / ١٢٢ ]
قال القرطبي في «التذكرة»: ذكر الحكيم الترمذي أبواب الجنة فعد أبوابا غير ما ذكر. قال فعلى هذا أبواب الجنة أحد عشر بابا، وقال عياض: وقد ذكر بعض العلماء أن عدة أبواب الجنة ثلاثة عشر بابا (^١).
وقد أعد الله لأهل الجنة فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم لأصحابه: «ألا مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها هي ورب الكعبة، نور يتلالأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة في مقام أبدا، في حبرة ونضرة في دور عالية سليمة بهية قالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله، قال: «قولوا إن شاء الله، ثم ذكر الجهاد وحض عليه»» (^٢).
• «والإيمان بالجنة والنار يتحقق بثلاثة أمور»:
الأول: الاعتقاد الجازم بأنهما حق وأن الجنة دار المتقين والنار دار الكافرين والمنافقين.
الثاني: اعتقاد وجودهما الآن.
الثالث: اعتقاد دوامهما وبقائهما وأنهما لا تفنيان ولا يفنى من فيهما. وقد أشار المصنف رحمه الله تعالى أن الجنة المذكورة في القرآن هي
_________________
(١) = الباقي، باب المتوكلين الذين يدخلون الجنة في سبعين ألفا من باب واحد، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم كالبدر: الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون من شرح ابن بطال شرح حديث من أنفق زوجين.
(٢) التذكرة للقرطبي (٤٤٠)، ط: دار السلام القاهرة، وانظر: النهاية لابن كثير (٢/ ٢٢٩)، وفتح الباري (٧/ ٢٨)، وزهر الربا على المجتبى للسيوطي (٥/ ٧ - ٨).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٤٣٣٢)، قال في حاشية السندي على السنن قال: في الزوائد في إسناده مقال والضحاك المعافري الدمشقي ذكره ابن حبان في الثقات وقال الذهبي في طبقات التهذيب: مجهول وسليمان بن موسى الأموي مختلف فيه وباقي رجال الإسناد ثقات، ورواه ابن حبان في صحيحه، وقد ضعفه الألباني كما في التعليق الرغيب (٤/ ٢٥٣)، الضعيفة (٣٣٥٨).
[ ١ / ١٢٣ ]
التي أهبط منها آدم ﷺ وهو قول من ثلاثة أقوال رجح المصنف ما ذكره قال تعالى: ﴿يتائادم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ [الأعراف: ١٩].
وقد سبق في علم الله تعالى خروج آدم من الجنة وهبوطه الأرض ليعمرها قال تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ٣٠]، ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها﴾ [هود: ٦١]. روى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «تحاج آدم وموسى، فحج آدم موسى، قال له موسى: أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى الذي أعطاه الله علم كل شيء واصطفاه على الناس برسالته، قال: نعم، قال: أفتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق» مالك في «الموطأ» والبخاري ومسلم (^١). وفي لفظ: «قال: احتج آدم وموسى؛ فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى ثلاثا».
• أعظم نعيم في الجنة:
إن من أعظم النعيم في الجنات، وأطيب الهبات والتفضل من رب البريات على أهل الجنة، أن يكشف الرب الجليل لهم عن وجهه الكريم فما أعطوا نعمة ولا فضلا ولا كرما أفضل مما يرون يومئذ، اللهم لا تحرمنا النظر إلى وجهك الكريم يا كريم، قال تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢/
_________________
(١) أخرجه مالك: «الموطأ» (٥٦٠)، والبخاري (١٥٧\ ٨) (٦٦١٤)، ومسلم (٤٩\ ٨) (٦٨٣٦).
[ ١ / ١٢٤ ]
٢٣]. وقال رسول الله ﷺ في قول الله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦] هو النظر إلى وجهه الكريم، كما روى مسلم في «صحيحه» عن صهيب، قال: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾، قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة» (^١). ورواه غيره بأسانيد متعددة وألفاظ أخر، معناها أن الزيادة: النظر إلى وجه الله. وكذلك فسرها الصحابة. روى ابن جرير ذلك. عن جماعة، منهم: أبو بكر الصديق عنه، وحذيفة، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس.
قال شيخ الإسلام أبو الحسن الأشعري في كتابه «الإبانة في أصول الديانة» ما نصه: أفضل لذات الجنة رؤية الله تعالى ثم رؤية نبيه ﷺ، فلذلك لم يحرم الله أنبياءه المرسلين وملائكته المقربين وجماعته المؤمنين والصديقين النظر إلى وجهه. انتهى (^٢).
• مجيء الرب جل وعلا للفصل بين العباد:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وأن الله ﵎ يجيء يوم القيامة والملك صفا صفا، لعرض الأمم وحسابها وثوابها).
الشرح
قال تعالى في محكم التنزيل: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (٢١) وجاء ربك
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ١١٢) (٣٦٨)، والترمذي (٢٥٥٢ و٣١٠٥)، وابن ماجه (١٨٧)، والنسائي في «الكبرى» (٧٧١٨).
(٢) الإبانة في أصول الديانة (٣٥).
[ ١ / ١٢٥ ]
والملك صفا صفا﴾ [الفجر: ٢١، ٢٢] وقال تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقال النبي ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري الطويل: «حتى إذا لم يبق إلا من يعبد الله أتاهم رب العالمين» (^١). هكذا ثبت في السمع أن الله يجيء يوم القيامة والملك صفا صفا ولا يسعنا إلا التصديق بذلك ونكل علمه إلى صاحب الشرع، قال شيخ الإسلام أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى: «وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث، ولم يقولوا شيئا إلا ما وجدوه في الكتاب أو جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ اهـ (^٢). قال ابن كثير … فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا» (^٣).
قلت: ومن فسر مجيء الرب بمجيء أمره، أو ملائكته، فإنه يعجزه تفسير قوله: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون﴾ [الأنعام: ١٥٨]، فذكر مجيء الملائكة وحده، ومجيئه سبحانه وحده، ومجيء آياته ففصل.
وقوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور﴾ [البقرة: ٢١٠].
قال شيخنا العلامة محمد سالم ولد عبد الودود رحمه الله تعالى:
وما نقول في صفات قدسه … فرع الذي نقوله في نفسه
فإن يقل جهميهم: كيف استوى؟ … كيف يجي؟ فقل له: كيف هوا؟
لا فرق بين ما سميه يعد … وصفا لنا كـ (علم) أو جزء كـ (يد)
_________________
(١) البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣)، كلاهما من حديث عطاء بن أبي سعيد مرفوعا.
(٢) مقالات الإسلاميين (٢١١).
(٣) تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (٤/ ٦٢٠) دار الفكر.
[ ١ / ١٢٦ ]
الباب في الجميع واحد فلا … تكن معطلا ولا ممثلا
يأتي، يجي، يكشف عن ساق يضع … قدمه على جهنم، يسع
بفضله الخلق يداه بالعطا … مبسوطتان، كيف شاء بسطا
كلتاهما في يمنها يمين … فهو بذا من خلقه يبين
ويأت الرب والملائكة ﴿لعرض الأمم وحسابها وثوابها﴾ متعلق بيجيء؛ يعني: أن جميع الأمم تعرض للنظر في أحوالها والحساب على أعمالها، وهو أن يعدد على من أحضر للحساب كل ما فعل من حسنة ومن سيئة فيحاسب المؤمن بالفضل والمنافق والكافر بالحجة والعدل.
• العرض والحساب:
﴿وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد ﴿فمن ثقلت موازينه فأولتبك هم المفلحون﴾ [المؤمنون: ١٠٢] ويؤتون صحائفهم بأعمالهم فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ومن أوتي كتابه وراء ظهره فأولئك يصلون سعيرا﴾.
الشرح
العرض والحساب ثابتان في الكتاب والسنة وأجمع أهل الإسلام على ذلك، قال السفاريني ذاكرا إجماع أهل العلم: (وهو حق ثابت ورد به الكتاب والسنة وانعقد عليه الإجماع وهو يوم القيامة) (^١)، وهذا أيضا ما قرره الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث (^٢) حيث قال: (والحساب حق).
قال تعالى: ﴿فيومئذ وقعت الواقعة ﴿١٥﴾ وانشقت السماء فهي يومئذ واهية ﴿١٦﴾ والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴿١٧﴾ يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (١٨)﴾ [الحاقة: ١٥ - ١٨].
_________________
(١) لوامع الأنوار (١/ ٣٩٤).
(٢) اعتقاد أئمة أهل الحديث (ص ٦٨).
[ ١ / ١٢٧ ]
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك» فقلت: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابا يسيرا﴾ [الانشقاق: ٧، ٨] فقال رسول الله ﷺ: «إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب» (^١).
وعن أبي موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فعرضتان جدال ومعاذير، وعرضة تطاير الصحف، فمن أوتي كتابه بيمينه، وحوسب حسابا يسيرا، دخل الجنة، ومن أوتي كتابه بشماله، دخل النار» (^٢).
وقد روى ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك: أنه أنشد في ذلك شعرا:
وطارت الصحف في الأيدي منشرة … فيها السرائر والأخبار تطلع
فكيف سهوك والأنباء واقعة … عما قليل، ولا تدري بما تقع
أفي الجنان وفوز لا انقطاع له … أم الجحيم فلا تبقي ولا تدع
تهوي بساكنها طورا وترفعهم … إذا رجوا مخرجا من غمها قمعوا
طال البكاء فلم يرحم تضرعهم … فيها، ولا رقية تغني ولا جزع
لينفع العلم قبل الموت عالمه … قد سال قوم بها الرجعي فما رجعوا (^٣)
فالمؤمن يخلو به ربه فيقول الله ﷿ له: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك يوم القيامة. والكافرون يحاسبون على رؤوس الأشهاد وينادى بهم ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين﴾ [هود: ١٨].
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦١٧٢).
(٢) رواه الترمذي (٢٤٢٥) عن الحسن عن أبي هريرة وقال: لا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ﵁، ورواه ابن ماجه وقال في الزوائد: رجال الإسناد ثقات إلا أنه منقطع والحسن لم يسمع من أبي موسى قاله علي بن المديني وأبو حاتم وأبو زرعة. وقد قال الشيخ الألباني: ضعيف.
(٣) حلية الأولياء (٩٤/ ٢).
[ ١ / ١٢٨ ]
قوله رحمه الله تعالى:
﴿وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون﴾ [المؤمنون: ١٠٢].
أي: تنصب الموازين لإظهار العدل، قال تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾ [الأنبياء: ٤٧]، ﴿والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون﴾ [الأعراف: ٨، ٩]، والموازين جمع ميزان، والميزان هو: «عبارة عن الآلة التي توزن بها أعمال العباد من خير أو شر، ويكون ذلك بعد الحساب، لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها، ليكون الجزاء بحسبها، وهو ميزان حقيقي له لسان وكفتان، توزن به أعمال العباد» (^١).
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده» (^٢).
قال الحافظ ابن حجر: «قال أبو إسحاق الزجاج أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال، وأنكرت المعتزلة الميزان وقالوا: هو عبارة عن العدل فخالفوا الكتاب والسنة؛ لأن الله أخبر أنه يضع الموازين لوزن الأعمال، ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين، وقال ابن فورك (^٣).
_________________
(١) التذكرة للقرطبي (٣٧٣)، والنهاية لابن كثير (٢/ ٥٦).
(٢) البخاري (٦٠٤٣، ٦٣٠٤، ٧١٢٤)، ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء رقم (٢٦٩٤).
(٣) ابن فورك (٤٠٦ هـ): هو محمد بن الحسن بن فورك، أبو بكر من أهل أصبهان وأقام بالري وبالعراق. متكلم فقيه، أصولي، ولغوي، مشارك في أنواع من العلوم، مكثر =
[ ١ / ١٢٩ ]
أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها إذ لا تقوم بأنفسها، قال وقد روى بعض المتكلمين عن ابن عباس ﵁ أن الله تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها إنتهى.
ويقع القصاص بين السادة والعبيد، وحتى بين الحيوانات العجماوات، فما بالك الإنسان المكلف كثير الذنوب والعصيان فمن الأول ما روت أمنا الصديقة بنت الصديق ﵂ وعن أبيها: أن رجلا فعد بين يدي النبي ﷺ فقال يا رسول الله: إن لي مملوكين، يكذبونني، ويخونونني، ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم، قال: «يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلا لك وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل» قال فتنحى الرجل فجعل يبكي ويهتف، فقال رسول الله ﷺ: «أما تقرأ كتاب الله ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال﴾ الآية فقال الرجل والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئا خيرا من مفارقتهم أشهدكم أنهم أحرار كلهم» (^١).
_________________
(١) من التصنيف تخرج به جماعة في الأصول بالكلام، كان شديد الرد على أبي عبد الله بن كرام، قتله محمود بن سبكتكين بالسم لاتهامه بأنه قال: كان رسول الله ﷺ رسولا في حياته فقط، ورد ذلك ابن السبكي، ونسب ما حصل له من المحنة إلى «شغب أصحاب ابن كرام وشيعتهم من المجسمة». من تصانيفه: «مشكل الآثار»، «تفسير القرآن»، و«النظامي» في أصول الدين، ألفه للوزير نظام الملك. [الطبقات الكبرى لابن السبكي (٤/ ٢١)، والنجوم الزاهرة (٤/ ٢٤٠)، ومعجم المؤلفين (٩) (٢٠٨)]
(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٢٨٠)، والترمذي (٣١٦٥). قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن غزوان وقد روى أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن غزوان، هذا الحديث، وعبد الرحمن من صغار أتباع التابعين، توفي: (١٨٧ هـ)، روى له خ د ت س (البخاري - أبو داود - الترمذي - النسائي) رتبته عند ابن حجر: ثقة له أفراد، وأما رتبته عند الذهبي: يحفظ، وله ما ينكر، وثقه علي، والحديث رواه أحمد (٦/ ٢٨٠).
[ ١ / ١٣٠ ]
وعن عبد الله بن أنيس ﵁ قال سمعت النبي ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة - أو قال: العباد - عراة غرلا بهما» قال: قلنا: وما بهما؟ قال: «ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار، أن يدخل النار، وله عند أحد من أهل الجنة حق، حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، ولأحد من أهل النار عنده حق، حتى أقصه منه، حتى اللطمة «قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله ﷿ عراة غرلا بهما؟ قال: «بالحسنات والسيئات»» (^١).
ومن الثاني: ما جاء في «صحيح مسلم» من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (^٢).
• تطاير الصحف:
قال المصنف: (ويؤتون صحائفهم بأعمالهم فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ومن أوتي كتابه وراء ظهره فأولئك يصلون سعيرا).
الشرح
يختلف الناس في أخذ صحفهم يوم القيامة فأخذ بيمينه ومن أمامه، وآخذ بشماله ومن وراء ظهره، وعلى حسب الإعطاء تكون السعادة والشقاوة، والفوز والخسران والحزن والاطمئنان، فيا فوز من سعدت يمينه بأخذ كتابها، وستر ذنبها، وقربها من ربها، اللهم يمن كتابنا، ويسر حسابنا، وألهمنا صوابنا.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٦١٣٨)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٩٧٠) قال: حدثنا موسى. وفي «خلق أفعال العباد» (٥٩)، وانظر: فتح الباري (٧/ ٣٧١) باب القصاص.
(٢) أخرجه مسلم (٢٥٨٢)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٨٣).
[ ١ / ١٣١ ]
قال تعالى: ﴿ويوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه، فأولبك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا﴾ [الإسراء: ٧١]، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: أي: من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح، يقرؤه ويحب قراءته، قد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثا بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قول الله: ﴿ويوم ندعوا كل أناس بإممهم﴾ قال: «يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤة تتلألأ فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد، فيقولون: اللهم ائتنا بهذا، وبارك لنا في هذا. فيأتيهم فيقول لهم: أبشروا، فإن لكل رجل منكم مثل هذا. وأما الكافر فيسود وجهه، ويمد له في جسمه، ويراه أصحابه فيقولون: نعوذ بالله من هذا - أو: من شر هذا - اللهم لا تأتنا به. فيأتيهم فيقولون: اللهم اخزه فيقول: أبعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا». ثم قال البزار: لا يروى إلا من هذا الوجه (^١).
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وأن الصراط حق يجوزه العباد بقدر أعمالهم فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم).
الشرح
الإيمان بالصراط
• ما هو الصراط؟ في اللغة الطريق، والمراد هنا جسر على متن جهنم. أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات الصراط، وهو جسر - بفتح الجيم وكسرها - ممدود على جهنم ليعبر المسلمون عليه إلى الجنة، وهو أحد من السيف وأدق من الشعر، وهو ممر خطير، وطريق عسير كما وصفه البشير النذير ﷺ فقال: كما في «صحيح مسلم» عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن
_________________
(١) ورواه الترمذي في السنن برقم (٣١٣٦) من طريق عبد الله بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن موسى به، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب».
[ ١ / ١٣٢ ]
رسول الله ﷺ: «… قيل يا رسول الله وما الجسر»؟ قال: «دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم، …» (^١).
وذهب أكثر المفسرين إلى تفسير قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا﴾ [مريم: ٧١]، فسرها عبد الله بن مسعود وقتادة وزيد بن أسلم (بالمرور على الصراط)، قال ابن أبي العز: (والأظهر أنه المرور على الصراط، وفسرها جماعة منهم ابن عباس بالدخول في النار لكن ينجون منها) (^٢).
وقد بوب الإمام البخاري في «صحيحه» باب (الصراط جسر جهنم) ذكر فيه حديث أبي هريرة الطويل وفيه: «ويضرب جسر جهنم، قال رسول الله ﷺ: فأكون أول من يجيز، ودعاء الرسول يومئذ: اللهم سلم سلم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان» (^٣) الحديث، وأنكره بعض المعتزلة.
قال ابن كثير: ثم ينتهي الناس بعد مفارقتهم مكان الموقف، إلى الظلمة التي دون الصراط وهي على جسر جهنم كما في عائشة: «أن رسول الله ﷺ سئل
_________________
(١) مسلم (١٨٣). (دحض مزلة) الدحض والمزلة؛ بمعنى واحد، وهو الموضع الذي تزل فيه الأقدام ولا تستقر فيها خطاطيف وكلاليب وحسك أما الخطاطيف فجمع خطاف بضم الخاء في المفرد والكلاليب بمعناه وقد تقدم بيانهما، وأما الحسك فهو شوك صلب من حديد وكأجاويد الخيل والركاب من إضافة الصفة إلى الموصوف، قال في «النهاية»: الأجاويد جمع أجواد وهو جمع جواد وهو الجيد الجري من المطي والركاب؛ أي: الإبل واحدتها راحلة من غير لفظها فهو عطف على الخيل، والخيل جمع الفرس من غير لفظه: «فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم معناه: أنهم ثلاثة أقسام قسم يسلم فلا يناله شيء أصلا، وقسم يخدش ثم يرسل فيخلص وقسم يكردس ويلقى فيسقط في جهنم؛ قال في النهاية (٤/ ١٥٥): وتكدس الإنسان إذا دفع من ورائه فسقط ويروى بالشين المعجمة من الكدش وهو السوق الشديد والكدش الطرد والجرح أيضا».
(٢) انظر: تفسير البغوي (٥/ ٢٤٦).
(٣) البخاري (٦٢٠٤).
[ ١ / ١٣٣ ]
أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال: هم في الظلمة دون الجسر» (^١). قال الحافظ: «والصراط جسر موضوع على متن جهنم، وأن الجنة وراء ذلك فيمر عليه الناس بحسب أعمالهم، فمنهم الناجي وهو من زادت حسناته على سيئاته أو استويا أو تجاوز الله عنه، ومنهم الساقط وهو من رجحت سيئاته على حسناته إلا من تجاوز الله عنه، فالساقط من الموحدين يعذب ما شاء الله ثم يخرج بالشفاعة وغيرها، والناجي قد يكون عليه تبعات وله حسنات توازيها أو تزيد عليها فيؤخذ من حسناته ما يعدل تبعاته فيخلص منها؛ واختلف في القنطرة المذكورة فقيل هي من تتمة الصراط وهي طرفه الذي يلي الجنة، وقيل إنهما صراطان، وبهذا الثاني جزم القرطبي» اهـ.
• الحوض:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والإيمان بحوض رسول الله ﷺ ترده أمته لا يظمأ من شرب منه … ويذاد عنه من بدل وغير).
الشرح
الحوض في اللغة: مجمع الماء، وجمعه حياض وأحواض. وشرعا: هو حوض النبي ﷺ الذي أكرمه الله تعالى به، وهو في عرصات يوم القيامة قبل الميزان، وخوض الناس الصراط.
الإيمان بالحوض: يجب الإيمان بالحوض لأنه من الإيمان باليوم الآخر، الذي هو ركن من أركان الإيمان السنة التي لا يتم إيمان عبد إلا بها إجمالا في المجمل وتفصيلا فيما فصل. قال الإمام النووي نقلا عن عياض رحمهما الله تعالى: أحاديث الحوض صحيحة والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة، لا يتأول، ولا
_________________
(١) النهاية في الملاحم والفتن لابن كثير (٢٦٥/ ٢). والحديث جزء من حديث ثوبان برقم (١٨٢).
[ ١ / ١٣٤ ]
يختلف فيه. ثم قال القاضي: «وحديثه متواتر النقل، رواه خلائق من الصحابة».
وقال ابن حجر: قال القرطبي في المفهم تبعا للقاضي عياض في غالبه: مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن الله ﷾ قد خص نبيه محمدا بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي، إذ روى ذلك عن النبي ﷺ من الصحابة نيف على الثلاثين، منهم في الصحيحين ما ينيف على العشرين وفي غيرهما بقية ذلك مما صح نقله واشتهرت رواته، ثم رواه عن الصحابة المذكورين من التابعين أمثالهم ومن بعدهم أضعاف أضعافهم وهلم جرا، وأجمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف، وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة وأحالوه على ظاهره وغلوا في تأويله من غير استحالة عقلية ولا عادية تلزم من حمله على ظاهره وحقيقته، ولا حاجة تدعو إلى تأويله، فخرق من حرفه إجماع السلف وفارق مذهب أئمة الخلف «ثم عقب الحافظ فقال: قلت: أنكره الخوارج وبعض المعتزلة، وممن كان ينكره عبيد الله بن زياد أحد أمراء العراق لمعاوية وولده، ولما تليت عليه الأحاديث رجع عن ذلك وقال: أشهد أن الحوض حق» (^١).
وقد جاء وصفه في الأحاديث المتواترة منها أن طوله: مسيرة شهر، وزواياه سواء، ماؤه أبيض من اللبن والورق، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وريحه أطيب من المسك، وكيسانه كنجوم السماء وهو في غاية الاتساع (^٢)، ترد عليه أمة محمد ﷺ، وهو فرطهم عليه، من شرب منه فلا يظمأ بعده أبدا (^٣).
_________________
(١) فتح الباري (٤٦٧/ ١١).
(٢) شرح مسلم للنووي (٥٨/ ١٥)، إثبات حوض نبينا ﷺ.
(٣) كما في «الصحيحين» البخاري ومسلم وغيرهما، وأحاديث الحوض من المتواتر.
[ ١ / ١٣٥ ]
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «والحوض في العرصات، قبل الصراط، لأنه يختلج عنه ويمنع منه أقوام قد ارتدوا على أعقابهم، ومثل هؤلاء لا يجازون الصراط، كما سيرد من طرق متعددة، وقد جاء مصرحا به أنه في العرصات».
وسيرده المؤمنون المتبعون لهدي خير البرية، وسيذاد عنه أقوام بدلوا وغيروا دين رب العالمين، وحاربوا سنة سيد الأولين والآخرين، فالويل لمن حيل بينه وبينه، وهنيئا لمن كانت له شربة منه، اللهم لا تحرمنا بسبب ذنوبنا ورود حوض المصطفى ﷺ. فقد أخرج مسلم (^١) بسنده عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم ورفعوا إلي اختلجوا دوني، فلأقولن: أي رب أصيحابي، أصيحابي، فليقالن لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك». قال النووي رحمه الله تعالى: (هذا مما اختلف العلماء في المراد به على أقوال: أحدها: أن المراد به المنافقون والمرتدون، فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل فيناديهم النبي ﷺ للسيماء التي عليهم، فيقال: ليس هؤلاء ما وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك، أي: لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم).
والثاني: أن المراد من كان في زمن النبي ﷺ ثم ارتد بعده فيناديهم النبي ﷺ وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه ﷺ في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك. والثالث: أن المراد به أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام. وعلى هذا القول لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار، بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله ﷾ فيدخلهم الجنة بغير عذاب.
قال أصحاب هذا القول: (ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل، ويحتمل أن يكون كانوا في زمن النبي ﷺ وبعده لكن عرفهم بالسيما) (^٢).
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا ﷺ (٤/ ١٨٠٠).
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي (٣/ ١٣٦ - ١٣٧).
[ ١ / ١٣٦ ]
وقال ابن عبد البر (^١): (كل من أحدث في الدين ما لا يرضاه الله فهو من المطرودين عن الحوض، وأشدهم من خالف جماعة المسلمين كالخوارج والروافض وأصحاب الأهواء، وكذلك الظلمة المسرفون في الجور وطمس الحق، والمعلنون بالكبائر، فكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر) (^٢).
• الإيمان زيادته ونقصانه:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وأن الإيمان: قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها. فيكون فيها النقص وبها الزيادة ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل، ولا قول وعمل إلا بنية ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة).
الشرح
قد تقدم الكلام في أول الكتاب عن الإيمان وحقيقته فمن نطق بالشهادتين وأذعن بقلبه بصدق الرسول ﷺ بما جاء به وعمل بأحكام الشريعة كالصلاة والصوم كان مؤمنا، قال عبد الله بن نافع كان مالك يقول: «الإيمان قول وعمل يزيد وينقص …» (^٣)، وفي «العتبية»: قال مالك في قوله تبارك
_________________
(١) هو: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، (٣٦٨ - ٤٦٤ هـ). إمام الأندلس وعالمها، من كبار حفاظ الحديث، فقيه، أديب، من تصانيفه: «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد»، «الاستيعاب في معرفة الأصحاب»، «الكافي في الفقه المالكي»، «شرح مذاهب علماء الأمصار»، «جامع بيان العلم وفضله» وغيرها. انظر: نفح الطيب (٤/ ٢٩ - ٣١)، والأعلام (٨/ ٢٤٠).
(٢) شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، المكتبة التجارة الكبرى، مصر، ١٩٥٩ م، (١/ ٦٥)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٤/ ١٦٨). عند قوله تعالى: ﴿يوم تبيض وجوه﴾.
(٣) رواه عبد الله بن أحمد في السنة (٢١٣)، وابن عبد البر في الانتقاء (٣٥)، وانظر: مسائل العقيدة التي قررها الأئمة المالكية للحمادي (٧١).
[ ١ / ١٣٧ ]
وتعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ قال: هي صلاة المؤمنين إلى بيت المقدس قبل أن ينصرف القبلة، فلما أنزل صرف القبلة، أنزل الله تعالى في هذا: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ للصلاة التي يصلونها تلقاء بيت المقدس. اهـ (^١)، واحتج بهذه الآية على المرجئة الذين لا يرون العمل داخلا في مسمى الإيمان.
قال ابن كثير: عند تفسير قوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ قال ابن جرير وغيره: والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولا واعتقادا وعملا: قال: وقد تدخل الخشية الله في معنى الإيمان، الذي هو تصديق القول بالعمل والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل. قلت - القائل ابن كثير -: أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن، والمراد به ذلك، كما قال تعالى: ﴿يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾ [التوبة: ٦١]، وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين﴾ [يوسف: ١٧]، وكذلك إذا استعمل مقرونا مع الأعمال؛ كقوله: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [الانشقاق: ٢٥، والتين: ٦]، فأما إذا استعمل مطلقا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادا وقولا وعملا.
هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إجماعا: «أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص» اهـ (^٢).
وقال البخاري: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص (^٣).
وقد عقد البخاري ﵀ بابا فقال: «باب قول النبي ﷺ بني الإسلام على خمس وهو قول وفعل ويزيد وينقص قال الله تعالى ﴿ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم﴾
_________________
(١) الانتقاء لابن عبد البر (٣٤).
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٥٦) دار الفكر.
(٣) فتح الباري (١/ ٤٧).
[ ١ / ١٣٨ ]
[الفتح: ٤]، ﴿وزدناهم هدى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى﴾ [مريم: ٧٦]، ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقونهم﴾ [محمد: ١٧]، وقوله: ﴿ويزداد الذين آمنوا إيمانا﴾ [المدثر: ٣١]، وقوله: ﴿أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقوله جل ذكره: ﴿فاخشوهم فزادهم إيمانا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿وما زادهم إلا إيمانا وتسليما﴾ [الأحزاب: ٢٢]، والحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص …» اهـ (^١).
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارا شديدا، وممن أنكر ذلك على قائله، وجعله قولا محدثا: سعيد بن جبير، وميمون بن مهران، وقتادة، وأيوب السختياني، وإبراهيم النخعي، والزهري، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. وقال الثوري: هو رأي محدث، أدركنا الناس على غيره. وقال الأوزاعي: «كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل» (^٢).
وقوله: (ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة) (^٣).
الشرح
أي: أنه لا يكون العبد مؤمنا إيمانا كاملا إلا إذا اقترن مع التصديق العمل، وذلك لاقترانهما في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾.
_________________
(١) فتح الباري (١/ ٤٧).
(٢) جامع العلوم والحكم لابن رجب (٤٧).
(٣) ورد ما يشبه هذا النص في الجامع للمصنف (١٤٢ - ١٤٣).
[ ١ / ١٣٩ ]
[العصر: ١ - ٣]، ولا يقبل قول ولا عمل إلا بنية لقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾ [البينة: ٥].
ولحديث عمر بن الخطاب ﵁ يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (^١)، قال ابن رجب: وقد اختلف في تقدير قوله: «الأعمال بالنيات»، فكثير من المتأخرين يزعم أن تقديره: الأعمال صحيحة، أو معتبرة، أو مقبولة بالنيات، وعلى هذا فالأعمال إنما أريد بها الأعمال الشرعية المفتقرة إلى النية، فأما ما لا يفتقر إلى النية كالعادات من الأكل والشرب، واللبس وغيرها، أو مثل رد الأمانات والمضمونات، كالودائع والغصوب، فلا يحتاج شيء من ذلك إلى نية، فيخص هذا كله من عموم الأعمال المذكورة هاهنا.
وقال آخرون: بل الأعمال هنا على عمومها، لا يخص منها شيء.
وحكاه بعضهم عن الجمهور، وكأنه يريد به جمهور المتقدمين، وقد وقع ذلك في كلام ابن جرير الطبري، وأبي طالب المكي وغيرهما من المتقدمين، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد.
قال في رواية حنبل: أحب لكل من عمل عملا من صلاة، أو صيام، أو صدقة، أو نوع من أنواع البر أن تكون النية متقدمة في ذلك قبل الفعل، قال النبي ﷺ: «الأعمال بالنيات»، فهذا يأتي على كل أمر من الأمور اهـ (^٢)، وما أجمل ابن الحاج شيخ خليل رحمهما الله تعالى والذي سمى كتابه: «المدخل
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» من رواية محمد بن الحسن الشيباني (ص ٣٣٨) رقم (٩٨٣)، والبخاري (١/ ٢) (١) و(١/ ٢١) (٥٤) و(٣/ ١٩٠) (٢٥٢٩) و(٥/ ٧٢) (٣٨٩٨) و(٧/ ٤) (٥٠٧٠) و(٨/ ١٧٥) (٦٦٨٩) و(٩/ ٢٩) (٦٩٥٣)، ومسلم (٦/ ٤٨) (١٩٠٧). وغيرهم.
(٢) جامع العلوم والحكم لابن رجب رحمه الله تعالى (٩)، وانظر: طرح التثريب (٢/ ٧).
[ ١ / ١٤٠ ]
إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على بعض البدع والعوائد التي انتحلت وبيان شناعتها وقبحها».
فإذا اقترنت الأقوال والأعمال والنيات وجب النظر إلى موافقتها للسنة أو بعدها عنها، فكم من مجتهد في الخير محروم من الأجر والثواب، إما بسبب افتقاره للإخلاص ولو وافق السنة، أو بسبب إخلاصه واجتهاده لكن في بدعة، قال تعالى: ﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: ١١٠]، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (^١) من حديث عائشة ﵂.
ولعل المصنف رحمه الله تعالى استقى عبارته هنا من حديث روي مرفوعا ومرسلا، فالأول من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ، ذكر حديثا طويلا، وقال فيه: «لا قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بنية، ولا قول وعمل ونية إلا باتباع السنة» (^٢)، وهو من مراسيل الحسن، وروي موقوفا على صحابيين جليلين هما أنس وعبد الله بن مسعود ﵄ قالا: «لا ينفع قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بقول، ولا قول وعمل إلا بنية، ولا نية إلا بموافقة السنة» (^٣)، وروي موقوفا من كلام الحسن (^٤)، وقال الحميدي قال: «السنة عندنا أن يؤمن الرجل بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وأن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن ذلك كله قضاء من الله ﷿، وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ولا ينفع قول إلا بعمل ولا عمل وقول إلا بنية ولا قول وعمل ونية إلا بسنة» (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم وتقدم تخريجه.
(٢) وضعفه الألباني في السلسلة (٣٩٩١)، وانظر: الإبانة الكبرى لابن بطة رحمه الله تعالى، باب: لا قول إلا بعمل.
(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ٧٠)، وإسناده ضعيف، وانظر المصدر: البدر المنير (٢/ ٦٢٨)، وهو ضعيف.
(٤) المرجع السابق، وانظر: الشريعة للآجري رقم (٢٥٧) فقد روى الأثر موقوفا.
(٥) مسند الحميدي (٢/ ٥٤٦).
[ ١ / ١٤١ ]
وقال الحسن حمله: (الإيمان قول، ولا قول إلا بعمل، ولا قول وعمل إلا بنية ولا قول وعمل ونية إلا بسنة) (^١).
• ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة:
(وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة).
الشرح
المقصود بأهل القبلة هم المسلمون الذين رضوا بالله ربا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا وبالإسلام دينا، وصدقوا بذلك كله ولم يجحدوا معلوما من الدين بالضرورة، فهؤلاء لا يجوز تكفيرهم وإخراجهم من دين الله لغير ذنب محرم استحلوه، وذلك لقوله ﷺ: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله، وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته» (^٢).
وعند النسائي: «من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلكم المسلم» (^٣). قال في «النهاية»: خفرت الرجل: أجرته. وأخفرته: إذا نقضت عهده وذمامه، قال الحافظ: والاطلاع على حال المرء في صلاته وأكله يمكن بسرعة في أول يوم بخلاف غير ذلك من أمور الدين» (^٤)، وقال الطحاوي رحمه الله تعالى: ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين … ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحله (^٥).
وقال الشيخ العباد: «إذا جحد المرء واجبا علم وجوبه من الدين بالضرورة كالصلاة والزكاة والصيام والحج، فإنه يكفر، وكذا إذا جحد تحريم
_________________
(١) أصول السنة لابن أبي زمنين (١٠٩).
(٢) البخاري (٣٩١).
(٣) أخرجه البخاري (١/ ١٠٨) (٣٩١)، والنسائي (٨/ ١٠٥).
(٤) فتح الباري (١/ ٤٩٦).
(٥) شرح العقيدة الطحاوية (٣١٣ - ٣١٦)، تحقيق: جماعة من العلماء، وخرج أحاديثها الألباني.
[ ١ / ١٤٢ ]
ما علم تحريمه من الدين بالضرورة، كشرب الخمر والزنا ونحو ذلك، فإنه يكفر، وأما إذا فعل شيئا من الكبائر غير مستحل لها، فعند أهل السنة أنه يكون مؤمنا ناقص الإيمان، وإذا مات من غير توبة فأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه، وإذا عذبه فإنه لا يخلده في النار، وذلك بخلاف قول المعتزلة والخوارج القائلين بخروجه من الإيمان في الدنيا، وبتخليده في النار في الآخرة» (^١).
وهل تارك الصلاة من أهل القبلة: قال زروق: لا يكفر من يصلي إلى القبلة، وهل بالفعل (أي: من يصلي فعلا) وهذا لا يكفر، أو باللزوم (أي: من كان مسلما ومن حقه أن يصلي ولم يصل؛ أي: معتقدا أن الصلاة ركن من أركان الإسلام) فلا يخرج من الملة، قال: وهما (أي: العلماء) على قولين في تكفيره بتركها، والتكفير لأكثر المحدثين مع أقل الفقهاء، وعدمه لأكثر الفقهاء مع أقل المحدثين، ولم يقع لأهل السنة تكفير بعمل سوى ما ذكر. اهـ بتصرف (^٢).
البرزخ وأرواح الناس:
﴿وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون﴾، وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون، وأرواح أهل الشقاوة معذبة إلى يوم الدين؛ (وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون).
الشرح
الشهيد: قال القرطبي: «قيل: سمي شهيدا لأنه مشهود له بالجنة وقيل: سمي شهيدا لأن أرواحهم احتضرت دار السلام، لأنهم أحياء عند ربهم، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة، فالشهيد بمعنى الشاهد؛ أي: الحاضر للجنة، وهذا هو الصحيح.
_________________
(١) قطف الجنى الداني للعباد (٢٠٤).
(٢) شرح الرسالة لزروق (١/ ٨٠)، ط: دار الكتب العلمية، وانظر في أحكام الردة فيمن ترك الصلاة، من كتابنا هذا، والله الهادي إلى سواء السبيل.
[ ١ / ١٤٣ ]
قال تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم * يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠]، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار. فعن مسروق قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا» (^١).
• ما يلقاه الشهيد من الكرامات:
١ - يغفر له في أول دفعة.
٢ - ويرى مقعده من الجنة.
٣ - ويجار من عذاب القبر.
٤ - ويأمن من الفزع الأكبر.
٥ - ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها.
٦ - ويزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين.
٧ - «ويشفع في سبعين من أقاربه» (^٢).
_________________
(١) مسلم (٤٩٩٣).
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٣١) (١٧٣١٤)، والترمذي (١٦٦٣)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وابن ماجه (٢٧٩٩).
[ ١ / ١٤٤ ]
وفي «سنن ابن ماجة» عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم القرصة يقرصها» (^١).
وعن راشد بن سعد، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رجلا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» (^٢).
وعن ابن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «الشهداء على بارق - نهر بباب الجنة - في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة غدوة وعشية» (^٣).
قال ابن كثير: وكأن الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح، والله أعلم.
فائدة عظيمة عزيزة: قال ابن كثير: «» روينا في «مسند الإمام» أحمد حديثا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعده الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة؛ فإن الإمام أحمد، ﵀، رواه عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي، ﵀، عن الإمام مالك بن أنس الأصبحي، ﵀، عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله
_________________
(١) ابن ماجه (٢٨٠٢). (ما يجد الشهيد)؛ أي: يهون الله تعالى الأمر عليه - والله أعلم ..
(٢) أخرجه النسائي (٤/ ٩٩)، وفي الكبرى (٢١٩١)، وصححه الألباني.
(٣) قال ابن كثير: تفرد به أحمد، وقد رواه ابن جرير عن أبي كريب: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، وعبدة عن محمد بن إسحاق به. وهو إسناد جيد. أخرجه أحمد (١/ ٢٦٦) (٢٣٩٠)، وعبد بن حميد (٧٢١).
[ ١ / ١٤٥ ]
﵎ إلى جسده يوم يبعثه» (^١).
• مستقر أرواح الأتقياء السعداء، والأشقياء التعساء:
قوله: (وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون، وأرواح أهل الشقاوة معذبة إلى يوم الدين).
الشرح
لقوله تعالى: ﴿يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد﴾ ﴿فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق﴾ ﴿خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد﴾ ﴿وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ﴾ [هود: ١٠٥ - ١٠٨] وقال عن فرعون وآله: ﴿النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦]، قال البغوي رحمه الله تعالى: «صباحا ومساء، قال ابن مسعود: أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود يعرضون على النار كل يوم مرتين، تغدو وتروح إلى النار، ويقال: يا آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم الساعة» (^٢).
وفي «الصحيحين». وغيرهما عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار. فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله، ﷿، إلى يوم القيامة» (^٣).
• فتنة القبر وسؤال الملكين:
(وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويسألون ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ [إبراهيم: ١٤]).
_________________
(١) رواه أحمد في المسند (٣/ ٤٥٥)، وانظر: تفسير ابن كثير (٢/ ١٦٤).
(٢) تفسير البغوي (١٥٠/ ٧)، وانظر: البحر المحيط (٤٦٨/ ٧)، والقرطبي (٣١٨/ ١٥).
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (٦٤١)، والبخاري (١٣٧٩)، ومسلم (١٦٠/ ٨) (٧٣١٣).
[ ١ / ١٤٦ ]
الشرح
يجب الإيمان بسؤال القبر وفتنته، وضيق القبر وضغطته، ونعيمه وعذابه وذلك أن كل ميت يفتن في قبره إلا الشهيد كما تقدم، والمراد سؤال الملكين، وما أعظمها من فتنة لمن لم يثبته الله، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، وذلك أن الميت إذا وضع في قبره وانصرف الناس عنه يأتي إليه ملكان فيجلسانه ويسألانه، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قبر الميت - أو قال: أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له، نم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون، فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التيمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» (^١).
إن الواقع على العبد في قبره ثلاثة أشياء: الفتنة، والضغطة، والعذاب أو النعيم، فأما الفتنة، فهي عند أهل اللغة: الامتحان والاختبار، قال عياض: واستعمالها في العرف لكشف ما يكره. اهـ، وقد صح عن النبي ﷺ أن الناس يفتنون في قبورهم؛ فأما المؤمن فيثبته الله، وأما الكافر والمنافق فيضله ويخذله، ففي حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق حين خسفت الشمس فإذا الناس قيام يصلون … وفيه … ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثل …
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١٠٧١)، وقال: «حديث أبي هريرة حديث حسن غريب»، وابن حبان (٣١١٧).
[ ١ / ١٤٧ ]
أو قريبا من فتنة الدجال لا أدري أيتهما قالت أسماء: يؤتى أحدكم فيقال له ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن أو الموقن لا أدري أي ذلك، قالت أسماء فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا، فيقال له نم صالحا قد علمنا إن كنت لمؤمنا وأما المنافق أو المرتاب لا أدري أيتهما قالت أسماء فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته (^١)، قال الباجي رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور﴾ بيان أنه أعلم بذلك في ذلك الوقت، والفتنة الاختبار وليس الاختبار بالقبر بمنزلة التكليف والعبادة، وإنما معناه إظهار العمل وإعلام بالمال والعاقبة كاختبار الحساب، لأن العمل والتكليف قد انقطعا بالموت، قال مالك ومن مات فقد انقطع عمله وفتنة الدجال بمعنى التكليف والتعبد لكنه شبهها بها لصعوبتها وعظم المحنة فيها وقلة الثبات معها (^٢).
وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن جريج قال: قال عبد الله بن عمر ﵄: «إنما يفتتن رجلان مؤمن ومنافق، أما المؤمن فيفتن سبعا، وأما المنافق فيفتن أربعين صباحا، وأما الكافر فلا يسأل عن محمد ولا يعرفه». قال ابن جريج: «وأنا أقول: قد قيل في ذلك، فما رأينا مثل إنسان أغفل هالكه سبعا أن يتصدق عنه» (^٣).
وأما الشهيد فلا يفتن في قبره فعن راشد بن سعد، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ: «أن رجلا قال يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد، قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة» (^٤).
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٣٣)، والبخاري (١٨٤)، ومسلم (١٣٤٧).
(٢) المنتقى للباجي (١/ ٤٥٦).
(٣) مصنف عبد الرزاق (٦٧٥٧). وأخرج الإمام أحمد في كتاب الزهد عن طاوس قال: إن الموتى يفتنون في قبورهم سبعا فكانوا يستحبون أن يطعم عنهم تلك الأيام، كذا في شرح الصدور (٥٤).
(٤) أخرجه النسائي (٤/ ٩٩)، وفي «الكبرى» (٢١٩١).
[ ١ / ١٤٨ ]
فائدة: كان من هدي النبي ﷺ دبر كل صلاة يستعيذ بالله من أمور منها: عذاب القبر ففي «الصحيح» من حديث أبي هريرة ﵁ كان رسول الله ﷺ يدعو: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» وورد في رواية لمسلم (^١) الأمر به بلفظ: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال».
• الملائكة الحفظة وملك الموت:
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم، ولا يسقط شيء من ذلك عن علم ربهم، وأن ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه).
الشرح
أي: أن على العباد إنسهم وجنهم، مؤمنهم وكافرهم، ذكرهم وأنثاهم، أحرارا كانوا أو أرقاء، حفظة يحفظون الأعمال ويكتبونها ولا يدعون حتى المباح والأنين في المرض، وحتى عمل القلب؛ أي: جميع الخواطر التي تخطر به ويجعل الله لهم علامة على عمل القلب يميزون بها بين الحسنة والسيئة ومصدر علم ذلك قوله تعالى: ﴿وإن عليكم لحافظين (١٠) كراما كاتبين (١١) يعلمون ما تفعلون (١٢)﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، قال ابن كثير رحمه الله تعالى؛ يعني: وإن عليكم لملائكة حفظة كراما فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم اهـ (^٢).
وأجري على الملائكة الموكلين بإحصاء أعمالهم أربعة أوصاف هي: الحفظ، والكرم، والكتابة، والعلم بما يعلمه الناس (^٣).
_________________
(١) مسلم (١٢٨).
(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٨٣).
(٣) التحرير والتنوير (٣٠/ ١٧٩).
[ ١ / ١٤٩ ]
(ولا يسقط شيء من ذلك عن علم ربهم) لما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون» (^١). فقوله: وهو أعلم، والله جعل من حكمته أولئك الملائكة شهودا على بني آدم يحصون عليهم أعمالهم، ﴿وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾ [يونس: ٦١]، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: يخبر تعالى نبيه، صلوات الله عليه وسلامه أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته، وجميع الخلائق في كل ساعة وآن ولحظة، وأنه لا يعزب عن علمه وبصره مثقال ذرة في حقارتها وصغرها في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين، كقوله: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩]، فأخبر تعالى أنه يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات وكذلك الدواب السارحة في قوله: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ [هود: ٦].
وإذا كان هذا علمه بحركات هذه الأشياء، فكيف بعلمه بحركات المكلفين المأمورين بالعبادة». اهـ (^٢).
(وأن ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه).
ومما يجب الإيمان به أن الله سخر ملائكة لقبض الأرواح، وأن ملك
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٥٥٥)، وصحيح مسلم برقم (٦٣٢).
(٢) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٥١٤/ ٢).
[ ١ / ١٥٠ ]
الموت المذكور في القرآن هو رئيسهم، ولا تقبض روح إلا بإذن باريها وخالقها، فإسناد القبض لملك الموت لمباشرته ما أمر به، وأما الذي يتوفى الأنفس حقيقة فهو الله وإسناد التوفي إلى الرسل من الملائكة لأنهم أعوان ملك الموت في قبض الأرواح، قال تعالى: ﴿قل يتوفنكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون﴾ [السجدة: ١١]، وقد سخر الله ملك الموت ليتولى قبض الأرواح واستخراجها، ثم يأخذها منه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، ويتولونها بعده، كما تقدم في حديث خروج الروح، وكل ذلك بإذن الله وقضائه وقدره، وحكمه وأمره، فصحت إضافة التوفي إلى كل بحسبه، ولا يقبضون روح أحد إلا بإذنه ﷾.
من هم أفضل قرون هذه الأمة بعد نبيها ﷺ-؟
• قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأن خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله ﷺ وآمنوا به ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).
الشرح
القرن: قال الحافظ في الفتح: قول النبي ﷺ: «خير الناس قرني» قرني؛ أي: أصحابي، واختلف السلف في تعيين مدة القرن فقيل مائة سنة، وهو الأشهر وحكى الحربي الاختلاف فيه من عشرة إلى مائة وعشرين، ثم قال عندي أن القرن كل أمة هلكت فلم يبق منها أحد» (^١).
والمراد بقرن النبي ﷺ في هذا الحديث الصحابة، وقد سبق في صفة النبي ﷺ قوله: «وبعثت في خير قرون بني آدم وفي رواية بريدة عند أحمد خير هذه الأمة القرن الذين بعثت فيهم (^٢)، وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها بقليل
_________________
(١) مقدمة الفتح (١/ ١٧٢).
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٠) (٢٣٣٤٨).
[ ١ / ١٥١ ]
تعريف الصحابي
على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته ﷺ فيكون مائة سنة أو تسعين أو سبعا وتسعين، وأما قرن التابعين فإن اعتبر من سنة مائة كان نحو سبعين أو ثمانين، وأما الذين بعدهم فإن اعتبر منها كان نحوا من خمسين، فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان والله أعلم.
واتفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومائتين. اهـ (^١)
تعريف الصحابي: يجمع على صحابة، وهو من لقي الرسول ﷺ مؤمنا به ومات على ذلك.
والصحابة هم خير هذه الأمة كما أخبر الله عنهم، قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهر خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾ [التوبة: ١٠٠].
وهذه الآية ظاهرة الدلالة على تزكية الله لهم تزكية لا يخبر ولا يقدر عليها إلا الله، وهي تزكية بواطنهم وما في قلوبهم ومن هنا رضي عنهم، (ومن رضي عنه تعالى لا يمكن موته على الكفر، لأن العبرة بالوفاء على الإسلام، فلا يقع الرضا منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام، وأما من علم موته على الكفر فلا يمكن أن يخبر الله تعالى بأنه رضي عنه) (^٢).
وعن أبي سعيد قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن ابن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا أحدا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» (^٣).
وعن سعيد بن المسيب عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله
_________________
(١) فتح الباري (٧/ ٦).
(٢) الصواعق المحرقة (ص ٣١٦).
(٣) مسلم (٦٦٥١)، وشرح النووي على مسلم (٩٣ - ٩٢/ ١٦). والنصيف: النصف.
[ ١ / ١٥٢ ]
اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين» (^١).
قال الإمام أحمد ﵀ في عقيدته: (فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروه ولو لقوا الله بجميع الأعمال) (^٢).
وقال النووي: (وفضيلة الصحبة ولو لحظة لا يوازيها عمل، ولا تنال درجتها بشيء، والفضائل لا تؤخذ بقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (^٣).
وقد ذهب بعض المفسرين كسفيان في قوله تعالى: ﴿قل الحمد لله وسلم على عباده الذين اصطفى﴾ [النمل: ٥٩] قال: هم أصحاب محمد ﷺ.
وقال ابن عمر: (لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره)، وفي رواية وكيع: (خير من عبادة أحدكم أربعين سنة) (^٤).
• حكم من سب الصحابة أو تنقصهم:
السب: هو الكلام الذي يقصد به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما يفهم من السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم كاللعن والتقبيح ونحوهما (^٥).
إن سب أصحاب النبي ﷺ والطعن فيهم دليل على بغض الشخص، وعدم حبه لهم، فإن النبي ﷺ أخبرنا أن من أحبهم فلحبه الرسول الله ﷺ ومن أبغضهم فببغضه للرسول ﷺ، ولا يسبهم أحد إلا إذا كان وراءه هدف للطعن في الرسالة التي حملوها وبلغوها للناس، فهم واسطة العقد بيننا وبين نبينا ﷺ،
_________________
(١) رواه البزار في مسنده بسند رجاله موثوقون، وانظر: الإصابة في معرفة الصحابة للحافظ ابن حجر (١/ ١٢).
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة: اللالكائي (١/ ١٦٠).
(٣) مسلم بشرح النووي (١٦/ ٩٣).
(٤) رواه أحمد في فضائل الصحابة، وابن ماجه، وابن أبي عاصم بسند صحيح، قاله الألباني، فضائل الصحابة (١/ ٥٧، ٦٠)، شرح الطحاوية (٥٣١).
(٥) انظر: المطلع (١٤٩).
[ ١ / ١٥٣ ]
ومن طعن فيهم فهو أولى بالطعن والذم، يقول أبو زرعة الرازي ﵀: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق؛ وذلك أن رسول الله ﷺ عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة» (^١).
قال تعالى: ﴿والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾ [الحشر: ١٠].
وقد استنبط الإمام مالك ﵀ من آية الفتح ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ كفر من يبغضون الصحابة، لأن الصحابة يغيظونهم، ومن غاظه الصحابة فهو كافر، ووافقه الشافعي وغيره (^٢).
• الصحابة الأخيار وطبقاتهم في الفضل:
(وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ أجمعين).
الشرح
إن أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ هم الخلفاء الراشدون المهديون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، روى البخاري عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال: «كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ﵃» (^٣). وفي رواية عبيد الله بن عمر عن نافع كما في مناقب عثمان «كنا لا نعدل بأبي بكر أحدا ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ فلا نفاضل بينهم» (^٤).
_________________
(١) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص ٤٩).
(٢) الصواعق المحرقة (٣١٧)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٢٠٤).
(٣) البخاري (٣٦٥٥).
(٤) صحيح البخاري (٢/ ٢٨٩)، وانظر: فتح الباري (٧/ ١٦).
[ ١ / ١٥٤ ]
ولأبي داود من طريق سالم عن ابن عمر ﵄ «كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أفضل أمة النبي ﷺ بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان» زاد الطبراني في رواية: «فيسمع رسول الله ﷺ ذلك فلا ينكره» (^١). وسماهم النبي ﷺ بالخلفاء الراشدين المهديين فقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» (^٢).
وجوب ذكر الصحابة بأحسن الذكر، والكف عما شجر بينهم:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول ﷺ إلا بأحسن ذكر والإمساك عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب).
الشرح
لقد أمرنا ربنا سبحانه ونبينا ﷺ بإجلال الصحابة الكرام فعن ابن طاووس عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا» (^٣).
قال أبو نعيم ﵀: فالإمساك عن ذكر أصحاب رسول الله ﷺ وذكر زللهم، ونشر محاسنهم ومناقبهم، وصرف أمورهم إلى أجمل الوجوه، من
_________________
(١) انظر: فتح الباري للحافظ ابن حجر (٧/ ١٦).
(٢) قطعة من حديث صحيح من حديث العرباض بن سارية ﵄: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب … . رواه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (١٨١٦)، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٤٢ - ٤٤)، وابن حبان (١٠٢ موارد)، والدارمي (١/ ٤٤ - ٤٥)، والحاكم (١/ ٩٥)، وقال: صحيح ليس له علة وأقره الذهبي، وانظر للتوسع في تخريجه ولشرحه النفيس: جامع العلوم والحكم لابن رجب (ص ٢٢٥ - ٢٣٦)، رواه ابن أبي عاصم (٥٤).
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٧٨) عن ابن مسعود وصححه الألباني. انظر: حديث رقم (٥٤٥) في صحيح الجامع.
[ ١ / ١٥٥ ]
أمارات المؤمنين المتبعين لهم بإحسان الذين مدحهم الله جل بقوله: ﴿والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ [الحشر: ١٠].
ويقول أيضا في تعليقه على الحديث المشار إليه: (لم يأمرهم بالإمساك عن ذكر محاسنهم وفضائلهم، إنما أمروا بالإمساك عن ذكر أفعالهم وما يفرط منهم في ثورة الغضب وعارض الموجدة) (^١).
قال في الجوهرة:
وأول التشاجر الذي ورد … إن خضت فيه واجتنب داء الحسد
ولذا ينبغي على طلبة العلم والعلماء ألا يحدثوا العامة بما وقع بين الصحابة من الفتن، حتى لا يقع في قلوبهم شيء على أصحاب رسول الله ﷺ، لأنهم لا يعرفون مبدأ الخلاف، ولا حسن التراضي بينهم والإنصاف؛ وقد بوب الإمام البخاري ﵀: باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا، وقال علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ (^٢).
قال الحافظ في «الفتح» تعليقا على ذلك وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة، ومثله قول ابن مسعود: (ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) (^٣).
قال السيوطي في ألفية الأثر:
واجتنب المشكل كالصفات … ورخصا مع المشاجرات
قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى: يجب على المحدث في
_________________
(١) كتاب الإمامة والرد على الرافضة للأصبهاني (٣٤٥)، تحقيق: الدكتور علي بن محمد بن ناصر الفقيهي، الناشر: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م، وانظر: أصحاب رسول الله ومذاهب الناس فيهم (٣٦٠) عبد العزيز العجلان.
(٢) أخرجه البخاري (ح ١٢٧).
(٣) مقدمة مسلم (١٤)، باب: النهي عن الحديث بكل ما سمع.
[ ١ / ١٥٦ ]
الإملاء أن يختار الأحاديث المناسبة للمجالس العامة - وفيها من لا يفقه كثيرا من العلم - فيحدثهم بأحاديث الزهد ومكارم الأخلاق ونحوها، وليجتنب أحاديث الصفات، لأنه لا يؤمن عليهم من الخطأ والوهم والوقوع في التشبيه والتجسيم، ويجتنب أيضا الرخص والإسرائيليات، وما شجر بين الصحابة من الخلاف لئلا يكون ذلك فتنة للناس اهـ (^١).
قلت: وهو المعول عليه اليوم عند الرافضة وأذنابهم ممن اغتروا بمذهبهم الخبيث في الترويج لما وقع بين الصحابة وثلبهم، وهم أولى بالثلب واللعن لا صبحهم الله ولا مساهم بخير.
ولقد سمعنا عن انتشار هذه الفرقة الضالة من الزنادقة، والنحلة المارقة عن الدين حينما وجدوا لهم دولة تؤويهم وتعطيهم، فصار القدح والسب يسمعه أبناؤنا في البلاد السنية التي ضعف فيها الولاء والاعتناء بأمر الدين وحب الصحابة الميامين، ولذلك يتعين على كل مسؤول يؤمن بالله واليوم الآخر، وكل مسلم غيور أن ينافح عن حملة الحق، لأن الطعن في الصحابة طعن في النبي ﷺ، وما أذكى إمامنا مالكا حينما سأله الرشيد: هل لمن سب أصحاب رسول الله ﷺ في الفيء حق؟ قال: لا، ولا كرامة ولا مسرة، قال: من أين قلت ذلك؟ قال: قال الله تعالى: ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ فمن عابهم، فهو كافر، ولا حق لكافر في الفيء (^٢).
وقال: «إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي ﷺ فلم يمكنهم ذلك فقدحوا في أصحابه، حتى يقال: رجل سوء ولو كان صالحا لكان أصحابه صالحين، أو كما قال» (^٣).
ومن تتبع حال الصحابة وجدهم في الفتنة إلى ثلاث فئات، فئة اجتهدت مع علي والحق معها، لأنه أمير المؤمنين، وفئة اجتهدت ضده مع معاوية ولم
_________________
(١) ألفية السيوطي في علم الحديث، تعليق شاكر (١٨١ - ١٨٢)، ط: دار المعرفة، وانظر: (٢/ ١١٧) من شرحها للأثيوبي.
(٢) ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك (٢/ ٤٦ - ٤٧).
(٣) الصارم المسلول (٥٨٠).
[ ١ / ١٥٧ ]
يكن همهم شق العصا ولا الخروج عن علي ﵁، ولكن رأوا ما رأى معاوية ﵁ من طلب دم عثمان، وفئة ثالثة خرجت للصلح والوفاق ممن كان مع أمنا الصديقة ﵂، ومعظم الصحابة لم يخرجوا في قتال ولا دخلوا في فتنة مع أن عددهم كان يفوق العشرة آلاف، ولم يدخل منهم في هذا الأمر سوى قرابة الثلاثين، ولذلك يقول عمر بن شبه رحمه الله تعالى: «إن أحدا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليا في الخلافة ولا دعوا لأحد ليولوه الخلافة، وإنما أنكروا على علي منعه من قتال قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم» (^١).
ومما يؤكد ذلك هذه الرواية التي ذكرها ابن كثير: (جاء أبو مسلم الخولاني وأناس إلى معاوية، وقالوا: أنت تنازع عليا أم أنت مثله؟ فقال: لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما، وأنا ابن عمته، والطالب بدمه، فائتوه فقولوا له، فليدفع إلي قتلة عثمان، وأسلم له، فأتوا عليا، فكلموه. فلم يدفعهم إليه) (^٢) وفي رواية: (فعند ذلك صمم أهل الشام على القتال مع معاوية). وسبحان الله فبالرغم من اجتهاد معاوية ﵁ في أمر القصاص من قتلة عثمان ﵁ ومنازعته عليا ﵁ إلا أنه لما آل إليه الأمر لم يقتص منهم، ورأى ما كان يراه علي ﵁ من إسكان نار الفتنة وإخمادها، فدل أن نظر الخلفاء الراشدين الأربعة ﵃ أفضل من رأي غيرهم، والله أعلم.
• طاعة أولي الأمر بعد طاعة الله ورسوله ﷺ:
(والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم وعلمائهم).
الشرح
أي: يجب الانقياد لأئمة المسلمين من ولاة الأمور الذين نصبوا أنفسهم لمصالح المسلمين، من علماء وأمراء، وذلك ما أطاعوا الله ورسوله،
_________________
(١) سير أعلام النبلاء الذهبي (٣/ ١٤٠) بسند رجاله ثقات.
(٢) البداية والنهاية (٨/ ١٢٩).
[ ١ / ١٥٨ ]
واعتصموا بحبل الله ودينه، فإن أمروا بمعصية، أو ظهر منهم الكفر البواح فلا طاعة حينئذ، وتفسير المصنف رحمه الله تعالى لأولي الأمر بالعلماء والأمراء هو الحق الذي ذهب إليه السلف كما سيأتي بيانه، لأنه لا يتولى الإمامة الكبرى في الإسلام إلا عالم توفرت فيه شروط الإمامة التي سيأتي بيانها، والدليل من الكتاب والسنة على طاعة أولي الأمر قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ [النساء: ٥٩].
وعن رسول الله ﷺ قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (^١).
وعن عبادة بن الصامت له قال: «بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا، عندكم من الله فيه برهان» (^٢).
وفي الحديث الآخر، عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: «اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» (^٣).
• وسائل تحقيق التكامل بين الراعي والرعية:
إن من أهم الوسائل التي تتكامل فيها الرعية مع الراعي هي: الشورى قال الله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ [الشورى: ٣٨]، ثم النصيحة: النصيحة تبذلها عامة الرعية لولاتهم، كما يبذلها الولاة للرعية؛ قال رسول الله ﷺ: «ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة» (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري (٧١٤٤)، وصحيح مسلم (١٨٣٩)، وسنن أبي داود (٢٦٢٦).
(٢) صحيح البخاري برقم (٧١٩٩)، وصحيح مسلم برقم (١٧٠٩).
(٣) رواه البخاري (٣).
(٤) رواه البخاري في «الفتح» (١٣٥/ ١٣)، ومسلم «شرح النووي» (١٢/ ٢٩٧).
[ ١ / ١٥٩ ]
وفي نصح الرعية للراعي يقول الرسول ﷺ: «الدين النصيحة؛ قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (^١)، قال ابن حجر ﵀: «والنصيحة لأئمة المسلمين: إعانتهم على ما حملوا القيام به، وتنبيههم عند الغفلة، وسد خلتهم عند الهفوة، وجمع الكلمة عليهم، ورد القلوب النافرة إليهم، ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن» (^٢).
تم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهو الأمر بما أرشد الشارع إليه من قول وفعل، والنهي عما حذر منه، وهو يهدف إلى نشر الخير وإذاعته، وإشاعته، والتضييق على المنكر وحصره، ومن ثم إزالته، وهو واجب يتكامل فيه الراعي والرعية لتحقيق الهدف المنشود من ذلك.
قال الله تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ [التوبة: ٧١]. وقال تعالى: ﴿الذين إن مكنهم في الأرض أقاموا الصلاة وعاتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ [الحج: ٤١].
وقال الرسول ﷺ في أمر الرعية أمر ولاة أمورهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون؛ فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا؛ ما صلوا» (^٣).
وقد بوب النووي على هذا الحديث ونحوه «باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع، وترك قتالهم ما صلوا ونحو ذلك» (^٤). فالجميع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر تكميلا للخير وتقليلا للشر في سعي دائب نحو هدف مشترك يسعى الجميع لتحقيقه، وينبغي أن تنظر الشروط المستحقة لولي الأمر (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٢/ ٣٣٨) «شرح النووي».
(٢) فتح الباري (٢/ ١٦٧).
(٣) أخرجه مسلم (١٢/ ٣٣٨) «شرح النووي».
(٤) شرح مسلم للنووي (١٢/ ٣٣٨).
(٥) انظر: المناهل الزلالة للمؤلف (١/ ٣٨٤)، وانظر: كتاب الغياثي غياث الأمم في =
[ ١ / ١٦٠ ]
وجوب اتباع السلف الصالح في العلم والعمل، وترك الجدال في الدين:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(واتباع السلف الصالح واقتفاء آثارهم، والاستغفار لهم، وترك المراء والجدال في الدين وترك ما أحدثه المحدثون).
الشرح
«السلف: قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة» (^١): (سلف، السين واللام والفاء، أصل يدل على تقدم وسبق.
السلف في القرآن على وجهين: فوجه منهما، السلف: العبرة والعظة، كقوله تعالى: ﴿فجعلناهم سلفا﴾ [الزخرف: ٥٦]؛ يعني: عظة لمن يأتي بعدهم. والوجه الثاني، السلف: ما تقدم من الزمن الأول، كقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٣]؛ أي: مضى من الزمن الأول).
وفي الاصطلاح الشرعي: تطلق كلمة السلف بإطلاقين أحدهما خاص والآخر عام.
وعند الفقهاء من الشافعية والمالكية وعلماء الكلام، يقولون: السلف ما كان قبل الأربعمائة، والخلف ما كان بعد الأربعمائة (^٢).
وفي الإطلاق الشرعي العام، يراد بالسلف: كل من يقلد مذهبه في الدين ويقتفى أثره فيه، كالصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين (^٣).
_________________
(١) مقاييس اللغة (٣/ ٩٥).
(٢) نموذج من الأعمال الخيرية، لمحمد منير الدمشقي (ص ١٠ - ١١)، وانظر: الكليات لأبي البقاء (٣/ ٣٤).
(٣) انظر: كشاف اصطلاحات الفنون: (١٥/ ٤)، الكليات: (٣/ ٣٤).
[ ١ / ١٦١ ]
إذن فالسلف إذا أطلق هم سلف هذه الأمة المباركة المرحومة من الصحابة والتابعين وتابعيهم من أهل القرون المزكاة، الذين شهد لهم المعصوم بالخيرية، والسبق إلى اتباع خير البرية، فلذا وجب على أهل السنة اتباع السلف بمعرفة سبيلهم، ونهج صراطهم في أخذ الأدلة من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فهم الذين فهموا الشرع، وكانوا أبعد الناس عن البدع والأهواء، ولم يحدثوا في دين الله ما أحدثه الخلف ولذلك أوصى النبي ﷺ في موعظته باتباعهم والتمسك بهديهم، والتلبس بسمتهم كما في حديث العرباض بن سارية له: «… فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (^١).
ويجب علينا الاستغفار لهم والترحم عليهم امتثالا لقول ربنا: ﴿والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾ [الحشر: ١٠]، وجزاء لما قدموه لنا اعترافا بفضلهم، وشكرا لهم على جهدهم، وعظيم عملهم.
واختيار المصنف لكلمة الاتباع ظاهرة في أخذ المكلف بالدليل إذا تبين له من نصوص الكتاب والسنة والإجماع الصحيح، ولا يجوز له التقليد بحال؛ لأن كل اجتهاد يخالف النص، فهو اجتهاد باطل (^٢)، والفرق بين الاتباع والتقليد كما قال الحافظ ابن عبد البر ناقلا عن خويز منداد من أئمة المذهب: هو أن التقليد معناه في الشرع: الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه (^٣)، وذلك
_________________
(١) تقدم تخريجه
(٢) انظر: الإقليد للأسماء والصفات والاجتهاد والتقليد للشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب «أضواء البيان» (ص ١٧٥). ولا يفوتنك الاطلاع على كتاب الصوارم، والأسنة لمحمد أبي مدين ابن الشيخ أحمد بن سليمان الشنقيطي (١٩١)، ط: العلمية، بيروت، ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠١ م.
(٣) قال في المراقي: هو التزام مذهب الغير بلا … علم دلله الذي تأصلا
[ ١ / ١٦٢ ]
ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما يثبت عليه حجة، وقال في موضع آخر: كل ما اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح.
«وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع». اهـ.
لكن معلوم أنه ليس كل الناس يصلح أن يطلب الدليل كالعامة وهم السواد الأعظم ولذلك جاز لهم أن يقلدوا، ولذلك استدرك الحافظ ابن عبد البر فقال: «وهذا كله لغير العامة، فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها، لأنها لا تتبين موقع الحجة». اهـ (^١).
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وترك المراء والجدال في الدين، وترك ما أحدثه المحدثون).
الشرح
المراء: بكسر الميم والمد، ومعناه الجدال والتماري، والمماراة المجادلة على مذهب الشك والريبة ويقال للمناظرة مماراة لأن كل واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه كما يمتري الحالب اللبن من الضرع.
إن مما يجب أن يعمله المسلم السني هو الابتعاد عن مواطن المراء والجدال في الدين، لا سيما مع أهل البدع والأهواء فإن القلوب ضعيفة والأسماع خطافة، ولن تجد قوما أوتوا الجدل وتركوا العمل إلا وتيقن أنهم قد ضلوا عن الهدى، وقد صح عن النبي ﷺ بيان ذلك فقال: «ما ضل قوم بعد هدى إلا أوتوا الجدل ثم تلا تلك الآية: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون﴾ [الزخرف: ٥٨]» (^٢).
_________________
(١) انظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ١٤٣).
(٢) الحديث رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح (٣٢٥٠)، وابن ماجه (٤٨)، وأحمد (٥/ ٢٥٢ و٢٥٦).
[ ١ / ١٦٣ ]
وقال مالك رحمه الله تعالى: «المراء في العلم يقسي القلب، ويورث الظعن»، وقال بعض السلف: «إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرا أغلق عنه باب العمل وفتح له باب الجدل (^١)؛ ولك أن تتصور الجزاء العظيم عند رب كريم لمن ترك المراء والجدال ولو كان محقا فعن حديث أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه»» (^٢).
أما إذا كانت المناظرة في الحق؛ وابتغاء معرفة المنهج الصدق، فإنها نعمة، إذ المناظرة الحقة فيها إظهار الحق على الباطل، والراجح على المرجوح فهي مبنية على المناصحة، والحلم، ونشر العلم، قال الإمام أبوبكر الآجري رحمه الله تعالى: بعد أن حذر من الجدل والمراء: فإن قال قائل فما يصنع في علم قد أشكل عليه؟ قيل له: إن كان كذلك وأراد أن يستنبط علم ما أشكل عليه، قصد إلى عالم ممن يعلم أنه يريد بعلمه الله … فذاكره مذاكرة من يطلب الفائدة، وأعلمه أن مناظرتي إياك مناظرة من يطلب الحق، وليست مناظرة مغالب، ثم ألزم نفسه الإنصاف في مناظرته اهـ (^٣).
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: «ما كلمت أحدا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، وتكون عليه رعاية من الله وحفظ، وما كلمت أحدا قط إلا ولم أبال بين الله الحق على لساني أو لسانه» (^٤)، قلت: «ما أعظم هذا الإمام وما أجدره بأن يكون قدوة لمن بعده، يريد ظهور الحق ولو على حسابه فرضي الله عنه، وما أحوجنا أن نقتدي به». لا كأقوام ينصبون الفخاخ
_________________
(١) (م) فضل علم السلف على الخلف لابن رجب الحنبلي (٨٦).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٨٠٠)، واللفظ له، وابن ماجه، والترمذي، كذا في الترغيب.
(٣) أخلاق العلماء (٤١).
(٤) الفقيه والتفقه (٢/ ٢٦)، وعنه: آداب طالب العلم (٦٢).
[ ١ / ١٦٤ ]
وينبشون عن أخطاء الأموات والأحياء، وينفخون فيها زعما منهم أنهم حملة الشرع وأهل التجريح والتعديل والدفع، لا كثر الله منهم.
واجتنب المحدثات في الدين من البدع واحذر أن تتلبس بها، فإن النبي ﷺ حذرنا من ذلك فقال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد» (^١). وعن جابر به أن رسول الله ﷺ كان يقول في خطبة الجمعة: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (^٢).
وقال ﷺ: «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته» (^٣).
وذكر الشاطبي في الاعتصام أن ابن الماجشون قال: سمعت مالكا يقول: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدا خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣]، فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا» (^٤).
قال أبو عثمان النيسابوري رحمه الله تعالى: «من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة» (^٥).
وقال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى: «ما أحدث أحد في العلم شيئا إلا سئل عنه يوم القيامة، فإن وافق السنة سلم، وإلا فلا» (^٦).
وقال ابن عبد البر: «أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن
_________________
(١) رواه البخاري من حديث عن عائشة لا.
(٢) صحيح مسلم (٧٦٧).
(٣) قال المنذري: رواه الطبراني وإسناده حسن كما في الترغيب والترهيب (١/ ٦٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٥٢).
(٤) الاعتصام (١/ ٢٨).
(٥) حلية الأولياء لأبي نعيم (١٠/ ٢٤٤).
(٦) فتح الباري (١٣/ ٢٩٠).
[ ١ / ١٦٥ ]
أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز» (^١).
وما أحسن ما قاله الإمام بن الإمام عبد الله بن أبي داود السجستاني في مطلع منظومته الحائية:
تمسك بحبل الله واتبع الهدى … ولا تك بدعيا لعلك
ودن بكتاب الله والسنن التي … تفلح أتت عن رسول الله تنجو وتربح
واعرض أقوالك وأفعالك على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ فما وافق فهو الشرع والصراط المستقيم وما خالف فاضرب به عرض الحائط إن لم يسبقك إلى فهمه إمام عظيم، وتحرير عليم، واعمل بما علمت يكن لك نورا في الأرض وذخرا لك في السماء، أنار الله قلبي وقلبك بنوره التام الذي لا يخبو في الدنيا ولا في الآخرة آمين.
(وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعلى آله وأزواجه وذريته، وسلم تسليما كثيرا) (^٢).
الشرح
الصلاة في اللغة: الدعاء مطلقا، وتدخل الصلاة المخصوصة بالتكبير والركوع والسجود، لأنها في حقيقة الأمر دعاء، فإن قلت كيف تكون دعاء وفيها ما فيها من الأذكار؟ فأقول كما قال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى فيما رواه عنه الطبري (^٣) قال: حدثنا حسين بن حسن المروزي قال: سألت ابن
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله (٩٥/ ٢).
(٢) انظر: الشفا للقاضي عياض، فقد عقد أبوابا في أحكام الصلاة والسلام على النبي ﷺ، ولابن حجر الهيتمي كتاب يسمى «الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود» لابن حجر الهيتمي، وللحافظ ابن القيم كتاب «جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام».
(٣) انظر: الفتح (١٧٧/ ١١).
[ ١ / ١٦٦ ]
عيينة عن الحديث الذي فيه أكثر ما كان يدع به النبي ﷺ بعرفة: «لا إله إلا الله وحده لاشريك له … الحديث». فقال سفيان: هو ذكر، وليس دعاء، ولكن قال النبي ﷺ عن ربه ﷿: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» (^١). قال: وقال أمية بن أبي الصلت في مدح عبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوما … كفاه من تعرضك الثناء
قال سفيان: (فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء عن السؤال فكيف بالخالق) اهـ.
ومعنى الصلاة على النبي ﷺ هو طلب الثناء عليه من الله تعالى إذا كان الطالب بشرا، أما إن كانت من العلي الأعلى ﷾ فهو ثناء الله تعالى عليه في الملأ الأعلى، وهذا القول لأبي العالية (^٢).
فائدتان:
الأولى: وقع لبعض أهل العلم من الأفاضل الكبار في مصنفاتهم أنهم صلوا على النبي ولم يسلموا، [مثل الإمام مسلم في مقدمة «صحيحه»، وأجاب عليه النووي، ووقع لابن مالك في «ألفيته ولاميته»، وللشافعي في «الرسالة»، وللبخاري في «التاريخ الكبير» في مواضيع كثيرة، ولأبي إسحاق الشيرازي في «خطبة المهذب»، ولابن عبد البر في «مقدمة التمهيد» وآخرون] كما أفاده الشيخ العلامة بكر أبو زيد.
الثانية: ينبغي لكاتب اسم نبينا ﷺ أن يقرنه بالصلاة والسلام عليه،
_________________
(١) الحديث أخرجه الترمذي رقم (٢٩٢٦)، وقال: هذا حديث حسن غريب، قال المباركفوري في شرحه تحفة الأحوذي (٨/ ١٩٦): قال الحافظ في الفتح: رجاله ثقات إلا عطية العوفي ففيه ضعف. اهـ، وانظر في الفتح (١١/ ١٥١)، وفيه: محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني وهو أيضا ضعيف. ورواه الدارمي رقم (٣٢٣٤)، والبيهقي في شعب الإيمان رقم (٥٧٢).
(٢) انظر: تفسير ابن كثير، عند تفسيره في سورة الأحزاب الآية (٥٦). وذكره القاضي عياض في الشفا.
[ ١ / ١٦٧ ]
وكذلك إن كتبه بوصف الرسالة أو النبوة (رسول الله، نبي الله)، ولا يقتصر على ما يفعله بعض الكتاب المتمجهدين في هذا العصر، من سوء الأدب فيرمزون بـ «حرف الصاد» أو (صلعم) وغير ذلك، وقد نوه أئمة الحديث والأثر على هذا الفعل الشنيع، والأدب الوضيع، قال السيوطي في «ألفيته» (^١):
واكتب ثناء الله والتسليما … مع الصلاة والرضى تعظيما
ولا تكن ترمزها أو تفرد … ولو خلا الأصل خلاف أحمد
وكذلك الترضي على أصحاب النبي ﷺ فلا ينبغي أن يكتب (ض) بل يكتب ﵃، فاقتضى التنويه على هذا الأمر، وكنت نوهت عليه في «شرح البيقونية» (^٢).
• وحكم الصلاة والسلام على النبي ﷺ-:
قال تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي ياأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ [الأحزاب: ٥٦]، قال القاضي أبو عبد الله بن محمد بن سعيد: ذهب مالك وأصحابه وغيرهم من أهل العلم أن الصلاة على النبي ﷺ فرض بالجملة بعقد الأيمان، لا تتعين في الصلاة، وأن من صلى عليه ﷺ مرة واحدة من عمره سقط الفرض عنه.
واما الأحاديث في الصلاة والسلام على النبي ﷺ فكثيرة متواترة فلنقتصر على واحدة، قال البخاري - عند تفسير هذه الآية: عن كعب بن عجرة قال: قيل: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة؟ فقال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم، بارك على محمد وعلى آل محمد كما
_________________
(١) انظر: ألفية السيوطي في الأثر، تعليق: الشيخ أحمد شاكر (١٥١)، وشرح العراقي على مقدمة ابن الصلاح (١٧٤/ ١٧٥)، وتدريب الراوي للسيوطي (ص ١٥٣) وغيرها. وقد سماهم ابن جماعة رحمه الله تعالى بالمحررين المتخلفين، تذكرة السامع (ص ١٧٢).
(٢) التحفة السخونية في شرح البيقونية للمؤلف (ص ١٧/ ١٨).
[ ١ / ١٦٨ ]
باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد (^١). وليس من الأدب لمن يدعي حب النبي ﷺ واتباعه أن يعرض عن الصلاة والسلام عليه إذا سمع اسمه ﵊، وقد وصفه النبي ﷺ بالبخيل، وأنه مرغوم الأنف ملصق بالتراب، فعن عبد الله بن الحسين، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ قال: «البخيل من ذكرت عنده، ثم لم يصل علي». وقال أبو سعيد: «فلم يصل علي» (^٢).
فاللهم لك الحمد كما تحب أن تحمد، على كل شيء تحب أن تحمد عليه، وصل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٤٧٩٧).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ١/ ٢٠١) (١٧٣٦)، والترمذي (٣٥٤٦)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٥٥)، وفي «الكبرى» (٨٠٤٦).
[ ١ / ١٦٩ ]