قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في زكاة العين والحرث والماشية وما يخرج من المعدن وذكر الجزية وما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيين.
وزكاة العين والحرث والماشية فريضة.
فأما زكاة الحرث فيوم حصاده، والعين والماشية ففي كل حول مرة، ولا زكاة من الحب والتمر في أقل من خمسة أوسق وذلك ستة أقفزة وربع قفير، والوسق: ستون صاعا بصاع النبي ﷺ وهو أربعة أمداد بمده ﵊.
ويجمع القمح والشعير والسلت في الزكاة، فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق فليزك ذلك، وكذلك تجمع أصناف القطنية، وكذلك تجمع أصناف التمر، وكذلك أصناف الزبيب، والأرز.
والدخن والدرة كل واحد منها صنف لا يضم إلى الآخر في الزكاة.
وإذا كان في الحائط أصناف من التمر أدى الزكاة عن الجميع من وسطه.
ويزكى الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق أخرج من زيته.
ويخرج من الجلجلان، وحب الفجل من زيته، فإن باع ذلك أجزأه أن يخرج من ثمنه إن شاء الله.
ولا زكاة في الفواكه والخضر.
ولا زكاة من الذهب في أقل من عشرين دينارا، فإذا بلغت عشرين
[ ٢ / ٦٥٧ ]
دينارا ففيها نصف دينار وهو (^١): ربع العشر، فما زاد فبحساب ذلك وإن قل.
ولا زكاة من الفضة في أقل من مائتي درهم، وذلك خمس أواق، والأوقية: أربعون درهما من وزن سبعة أعني أن السبعة دنانير وزنها عشرة دراهم، فإذا بلغت هذه الدراهم مائتي درهم، ففيها ربع عشرها خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك.
ويجمع الذهب والفضة في الزكاة، فمن كان له مائة درهم وعشرة دنانير، فليخرج من كل مال ربع عشره.
ولا زكاة في العروض حتى تكون للتجارة، فإذا بعتها بعد حول فأكثر من يوم أخذت ثمنها أو زكيته ففي ثمنها الزكاة لحول واحد أقامت قبل البيع حولا أو أكثر إلا أن تكون مديرا لا يستقر بيدك عين، ولا عرض، فإنك تقوم عروضك كل عام وتزكي ذلك مع ما بيدك من العين.
وحول ربح المال حول أصله، وكذلك حول نسل الأنعام حول الأمهات.
ومن له مال تجب فيه الزكاة وعليه دين مثله أو ينقصه عن مقدار مال الزكاة فلا زكاة عليه إلا أن يكون عنده مما لا يزكى من عروض مقتناة أو رقيق أو حيوان مقتناة أو عقار أو ربع ما فيه وفاء لدينه فليزك ما بيده من المال، فإن لم تف عروضه بدينه حسب بقية دينه فيما بيده، فإن بقي بعد ذلك ما فيه الزكاة زكاه.
ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية.
ولا زكاة عليه في دين حتى يقبضه، وإن أقام أعواما فإنما يزكيه لعام واحد بعد قبضه.
وكذلك العرض حتى يبيعه، وإن كان الدين أو العرض من ميراث فليستقبل حولا بما يقبض منه.
_________________
(١) (وهو): من نسخة (الغرب).
[ ٢ / ٦٥٨ ]
وعلى الأصاغر الزكاة في أموالهم في العين والحرث والماشية، وزكاة الفطر.
ولا زكاة على عبد ولا على من فيه بقية رق في ذلك كله، فإذا أعتق فليأتنف حولا من يومئذ بما يملك من ماله.
ولا زكاة على أحد في عبده وخادمه وفرسه وداره، ولا ما يتخذ للقنية من الرباع والعروض ولا فيما يتخذ للباس من الحلي.
ومن ورث عرضا أو وهب له أو رفع من أرضه زرعا فزكاه فلا زكاة عليه في شيء من ذلك حتى يباع ويستقبل به حولا من يوم يقبض ثمنه.
وفيما يخرج من المعدن من ذهب أو فضة الزكاة إذا بلغ وزن عشرين دينارا أو خمس أواق فضة ففي ذلك ربع العشر يوم خروجه، وكذلك فيما يخرج بعد ذلك متصلا به وإن قل فإن انقطع نيله بيده وابتدأ غيره لم يخرج شيئا حتى يبلغ ما فيه الزكاة.
الشرح
(باب في زكاة العين والحرث والماشية وما يخرج من المعدن)؛ أي:
في بيان حكم القدر الذي تجب فيه الزكاة والقدر المخرج منه (و) في بيان (ذكر الجزية)؛ أي: ذكر من تؤخذ منه ومن لا تؤخذ منه والقدر الذي يؤخذ منها (و) في بيان (ما)؛ أي: القدر الذي (يؤخذ من تجار) بالضم والتشديد جمع تاجر كفاجر فجار وبالكسر والتخفيف كصاحب وصحاب (أهل الذمة والحربيين) أما أهل الذمة فهم المعاهدون من أهل الكتاب، ومن جرى مجراهم. الذمي: هو المعاهد الذي أعطي عهدا يأمن به على ماله، وعرضه، ودينه.
وأما الحربيون فهم الذين أعلنوا الحرب على دولة الإسلام سواء أقاموا في دولتهم أم على أراضي أهل الإسلام.
وتبرع في هذا الباب بالكلام على شيئين الركاز، وزكاة العروض؛ أي: ذكرهما، ولم يترجم لهما.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
• الزكاة لغة واصطلاحا:
الزكاة في اللغة: النماء، وترد أيضا بمعنى التطهير، وهي الركن الثالث من الأركان التي بني الإسلام عليها.
وتعريفها بالشرع: «إخراج شيء مخصوص من مال مخصوص لأناس مخصوصين في زمن مخصوص».
• حكم الزكاة:
بدأ الشيخ ﵀ بالحكم فقال:
(وزكاة العين) وهو الذهب والفضة وسميا بالعين لشرفه؛ أي: الشرف ما ذكر كما أن العين شريفة، ودليل وجوب الزكاة فيهما هو قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ [التوبة: ٣٤] ولا يتوعد بهذه العقوبة إلا على ترك واجب (^١).
وقول النبي ﷺ: «ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته، إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه، وجبينه حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار …» (^٢) وسيأتي لكل صنف من أصناف الزكاة أدلته.
(والحرث) وهو المقتات المتخذ للعيش غالبا لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١] وقوله ﷺ: ﴿فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر﴾ (^٣)، (والماشية) وهي الإبل والبقر والغنم لحديث أبي هريرة ﵁ الآتي، (فريضة) فرضها الله تعالى في
_________________
(١) تفسير القرطبي (٤/ ٢٩١) و(٢٠/ ٢٣ و٢١٣).
(٢) مسلم (٩٨٧).
(٣) أخرجه البخاري (٢/ ١٥٥) (١٤٨٣) (عثريا) ما يشرب من غير سقي إما بعروقه أو بواسطة المطر والسيول والأنهار، وهو ما يسمى بالبعل سمي بذلك من العاثوراء وهي الحفرة لتعثر الماء بها. (العشر) عشرة من المائة. (بالنضح) بنضح الماء والتكلف في استخراجه.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ، ودل إجماع الأمة على وجوبها.
أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلوتك سكن لهم والله سميع عليم﴾ [التوبة: ١٠٣]، وأما السنة: فإن النبي ﷺ بعث معاذا إلى اليمن فقال: «فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» (^١)، في آي، وأخبار سوى هذين كثيرة.
وأجمع المسلمون في جميع الأمصار والأعصار على وجوبها، واتفق الصحابة ﵃ على قتال مانعيها، فقد روى البخاري بإسناده عن أبي هريرة ﵁ قال: لما توفي رسول الله ﷺ وكان أبو بكر ﵁، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر ﵁: كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله ﷺ:
«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله» فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها قال عمر ﵁: «فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر ﵁، فعرفت أنه الحق». «قال ابن بكير وعبد الله عن الليث عناقا وهو أصح» (^٢)، وعند أبي داود قال: «لو منعوني عقالا» وفي لفظ مالك في «الموطأ»: «لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه» (^٣)، قال أبو عبيد: العقال صدقة العام.
قال الشاعر:
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا … فكيف لو قد سعى عمرو عقالين؟ (^٤)
_________________
(١) البخاري (٢/ ١٣٠) (١٣٩٥) و(٩/ ١٤٠) (٧٣٧١)، ومسلم (١/ ٣٨) (٣٠).
(٢) البخاري (٢/ ١٣١)، (١٣٩٩ و١٤٠٠)، ومسلم (١/ ٣٨) (٣٢)، وأبو داود (١٥٥٦)، والترمذي (٢٦٠٧)، والنسائي (٥/ ١٤) و(٧/ ٧٧)، وفي الكبرى (٢٢٣٥ و٣٤١٨).
(٣) الموطأ، كتاب الزكاة، باب: ما جاء في أخذ الصدقات والتشديد فيها (٢/ ٣٧٩).
(٤) وقيل: العقال واحد العقل وهي التي تعقل بها الإبل والسبد: الشعر يقال في هذا =
[ ٢ / ٦٦١ ]
وقيل: كانوا إذا أخذوا الفريضة أخذوا معها عقالها، ومن رواه "عناقا" ففي روايته دليل على أخذ الصغيرة من الصغار. أما لو كان جاهلا بوجوبها فمنعها فإنه يعرف بذلك ولا يحكم بكفره كمن هو حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية نائية عن الأمصار، وإن نشأ بين أهل الإسلام والعلم فهو مرتد، لأنها من شعائر الدين التي لا تخفى على مسلم إلا من جحد واستكبر. وقد فرضت في السنة الثانية للهجرة وإن كان قد سبق التنويه عليها في المجتمع المكي لحاجة الدعوة وأتباعها للمال قال تعالى: ﴿وما آنيتم من زكوة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾ [الروم: ٣٩].
وقد جاء الوعيد والتهديد الشديد على من منع زكاة ماله فمن ذلك تسميتهم بالمشركين قال تعالى: ﴿وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كفرون﴾ [فصلت: ٦، ٧]، قال قتادة: لا يقرون بالزكاة أنها واجبة (^١)، وغيرها من الآيات الدالة على ذلك.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته، إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه، وجبينه حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها، إلا بطح لها بقاع قرقر، كأوفر ما كانت، تستن عليه، كلما مضى عليه أخراها
_________________
(١) = المعنى: ما له سبد ولا لبد؛ أي: ما له ذو سبد وهو الشعر، ولا ذو لبد وهو الصوف، فمعناه ما له شاة ولا عنز. وروى عيسى عن ابن القاسم أنه قال: العقال القلوص، كما في المنتقى للباجي. وروي أن معاوية بن أبي سفيان بعث عمرو بن عيينة بن أبي سفيان وهو ابن أخيه ساعيا على كليب فأساء فيهم السيرة فقال شاعرهم: سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا … فكيف لو قد سعى عمرو عقالين لأصبح القوم أوبادا ولم يجدوا … عند التحول للهيجا جمالين يريد صدقة عامين. والعناق: صغار المعز.
(٢) تفسير القرطبي (١٥/ ٣٤٠).
[ ٢ / ٦٦٢ ]
ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب غنم، لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر، كأوفر ما كانت فتطؤه بأخلافها وتنطحه بقرونها، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء، كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار» قال سهيل: «فلا أدري أذكر البقر أم لا …» (^١).
شروط وجوب وصحة الزكاة:
أما الأولى؛ أي: شروط الوجوب فسبعة في الجملة وإنما كانت سبعة في الجملة، لأن عد الإسلام من شروط الوجوب مبني على عدم خطاب الكفار بفروع الشريعة، والأصح خطابهم بها فيكون الإسلام شرط صحة.
الإسلام، فلا تصح من كافر لحديث معاذ: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب» (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري (١٤٠٢)، ومسلم (٢٢٨٩)، واللفظ له، ومالك في الموطأ (٢/ ١٥٠) بعضه. صفائح: جمع صفيحة، وهي حجارة عراض. رقاق. بقاع قرقر: القاع: هو المكان المستوي من الأرض والقرقر: القاع الأملس. بطح: أي: ألقي على وجهه. تستن: أي: تجري؛ لأن الاستنان هو الجري. أظلافها: الظلف من الشاء والبقر ونحوه كالظفر من الإنسان عقصاء: الشاة يلتوي قرناها، والذكر أعقص. جلحاء: هي الشاة التي لا قرن لها.
(٢) البخاري (١٤٩٦).
[ ٢ / ٦٦٣ ]
والحرية، فلا تجب على الرقيق لحديث جابر ﵁ مرفوعا: «ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق» (^١). ولأنه لا يملك فالمال الذي بيده لسيده لقول النبي ﷺ: «أيما امرئ أبر نخلا ثم باع أصلها، فللذي أبر ثمر النخل، إلا أن يشترطه المبتاع» (^٢)، أي: فماله الذي بيده هو للذي باعه فيكون بمنزلة الفقير الذي ليس له مال.
والنصاب، وهو المقدار الذي رتب الشارع وجوب الزكاة على بلوغه في كل جنس على حدته، وقد ثبت في كثير من الأحاديث التي ستأتي معنا بإذن الله تعالى.
والملك التام ولو في غلة موقوف على معين، فلا زكاة في حصة المضارب قبل قسمة المال ولو ملكت بالظهور، لنقصان ملكه بعدم استقراره، لأنه وقاية لرأس المال، ولا تجب في الدين حتى يقبضه ويزكيه لحول إن مر عليه. فعن عائشة ﵂: «ليس في الدين زكاة» (^٣).
والحول في غير المعادن والمعشرات لحديث عمر ﵁ أن النبي ﷺ: «ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول» (^٤).
وعدم الدين في العين (الدراهم والذهب والفضة).
ومجيء الساعي في الماشية إذا كان ثمت سعاة وأمكنهم الوصول لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «تؤخذ صدقات المسلمين
_________________
(١) مصنف أبي شيبة (٣/ ٥٠)، والبيهقي في السنن، باب: ليس في مال المكاتب زكاة (١٠٩/ ٤).
(٢) البخاري (٢٢٠٥) المساقاة، باب: الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل، ومسلم (٢٨٥٤).
(٣) عبد الرزاق في مصنفه (٧١١٤)، وابن أبي شيبة (٣/ ٥٣) (٥٥).
(٤) أبو داود (١٣٤٢)، والترمذي (٦٣١)، ووقفه أصح، والدارقطني والبيهقي في «شعب الإيمان»، وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال الترمذي: عبد الرحمن ضعيف، ووقفه على ابن عمر أصح، وكذا قاله البيهقي وغيره. انظر: تلخيص الحبير (٢/ ١٥٦)، وانظر: تفسير القرطبي (٨/ ٢٤٦).
[ ٢ / ٦٦٤ ]
على مياههم» (^١)، ولأبي داود أيضا: «لا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم» (^٢)، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الله بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب كتب إلى بعض عماله: «ادعوا الناس بأموالهم إلى أرفق المجامع بهم، وأقرب بها إلى مصالحهم، ولا تحبس الناس أولهم على آخرهم، فإن الدجن للماشية عليها شديد لها مهلك، ولا تسقها مساقا يبعد بها الكلأ، ووردها» (^٣).
وأما الثانية أي شروط الصحة فأربع:
١ - النية لقول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات ..».
٢ - وتفرقتها بموضع وجوبها لما تقدم في حديث عمرو بن شعيب.
٣ - وإخراجها بعد وجوبها، وأما قبله فعدم الإجزاء عند أشهب (^٤)، وذهب خليل إلى الإجزاء قبل حلول الحول ولم يحد في ذلك حدا، قلت: وهو الصحيح الذي يوافقه حديث خالد والعباس في إخراج صدقتهما، وإن كان القرطبي أنها صارت صدقة تطوع إذا جاء الحول وليس لهما مال.
وذهب ابن القاسم إن تقدمت بيسير، واليسير عنده بكيوم ويومين، وعند ابن حبيب بعشرة أيام (^٥).
ودفعها للإمام العدل في أخذها وصرفها إن كان أو لأربابها وهم الأصناف الثمانية المشار لها بقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ [التوبة: ٦٠].
• هل يجزئ دفع القيمة في الزكاة؟
قال القرطبي: قد اختلفت الرواية عن مالك في إخراج القيم في الزكاة،
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ١٨٤) (٦٧٣٠)، وأبو داود (١٣٥٧).
(٢) الدجن: هو الإقامة بالمكان.
(٣) عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٤٢) (٦٩١٢).
(٤) وصحح القرطبي قوله (١٦/ ٣٠٢) في سورة الحجرات.
(٥) البيان والتحصيل لابن رشد (٢/ ٣٧١)، وتنوير المقالة (٣/ ٢٤٣) و(٢٤٩).
[ ٢ / ٦٦٥ ]
فأجاز ذلك مرة ومنع منه أخرى، فوجه الجواز - وهو قول أبي حنيفة هذا الحديث.
وثبت في «صحيح البخاري» من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ: «… من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرنا له، أو عشرين درهما، …» (^١).
وقال ﷺ: «اغنوهم عن سؤال هذا اليوم»؛ يعني: يوم الفطر.
وإنما أراد أن يغنوا بما يسد حاجتهم، فأي شيء سد حاجتهم جاز.
وقد قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: ١٠٣] ولم يخص شيئا من شيء.
ولا يدفع عند أبي حنيفة سكنى دار بدل الزكاة، مثل أن يجب عليه خمسة دراهم فأسكن فيها فقيرا شهرا فإنه لا يجوز (^٢).
ثم قال في موضع آخر: لا تجزئ القيمة عن الطعام والكسوة، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: تجزئ، وهو يقول: تجزئ القيمة في الزكاة فكيف في الكفارة قال ابن العربي وعمدته أن الغرض سد الخلة، ورفع الحاجة، فالقيمة تجزئ فيه.
قلنا: إن نظرتم إلى سد الخلة فأين العبادة؟ [وأين] نص القرآن على الأعيان الثلاثة، والانتقال بالبيان من نوع إلى نوع؟ (^٣).
وقت وجوب زكاة الحرث:
(فأما زكاة الحرث فيوم حصاده) بفتح حاء حصاده وكسرها قراءتان
_________________
(١) البخاري (٢/ ١٤٤ و١٤٥ و١٤٦ و١٤٧) و(٣/ ١٨١) و(٩/ ٢٩).
(٢) تفسير القرطبي (٨/ ١٧٥).
(٣) المرجع السابق (٦/ ٢٨٠)، وانظر مناقشة أدلة الفريقين في كتاب: «نوازل الزكاة» للدكتور عبد الله بن منصور الغفيلي (٢١٩) ط: وزارة الأوقاف القطرية.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
سبعيتان (^١) في قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. اعلم أن في الحبوب قولين، وفي الثمار ثلاثة أقوال:
الأول لمالك قال: إذا أزهت النخل، وطاب الكرم، واسود الزيتون، أو قارب، وأفرك الزرع واستغنى عن الماء وجبت فيه الزكاة.
قال ابن عبد السلام: وهو المشهور.
والثاني لابن مسلمة أنها لا تجب في الزرع إلا بالحصاد ولا تجب في التمر إلا بالجذاذ. واحتج بقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾، وهذا معنى قوله بالحصاد والجذاذ.
والثالث خاص بالتمر أنها لا تجب إلا بالخرص وهو للمغيرة، وترتيب هذه الأشياء في الوجود، وهو أن الطيب أولا ثم الخرص ثم الجذاذ وأن الإفراك أولا ثم الحصاد.
(و) أما (العين) غير المعدن والركاز (والماشية) فتجب؛ أي: في كل منهما (في كل حول مرة)؛ أي: بعد تمام الحول لقول النبي ﷺ: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» (^٢).
قال زروق: «وشرط الماشية بعد الحول مجيء الساعي على المشهور إن كان ويصل، وإلا وجبت بالحول اتفاقا وعلى المشهور لو أخرجت قبل مجيئه حيث يكون لم تجز» (^٣).
مقادير ما يخرج من أنصبة الزكاة:
بين المصنف قدر النصاب الذي تجب فيه الزكاة من الحرث بقوله: (ولا زكاة من الحب والتمر في أقل من خمسة أوسق) لحديث أبي سعيد ﵁:
_________________
(١) قرأ ابن عامر، وعاصم، وأبو عمرو: بفتح الحاء، وهي لغة أهل نجد، وتميم. وقرأ ابن كثير، ونافع، وحمزة، والكسائي: بكسرها وهي لغة أهل الحجاز، ذكره الفراء. زاد المسير لابن الجوزي (عند تفسير الآية).
(٢) رواه أبو داود (١٣٤٢)، والترمذي (٦٣١)، ووقفه أصح.
(٣) شرح الرسالة لزروق (١/ ٤٨٢).
[ ٢ / ٦٦٧ ]
«ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر، ولا حب صدقة» (^١)، قال ابن عمر: انظر هل تدخل القطاني في الحب، والزبيب والزيتون في التمر أم لا؟. بعض الشراح أدخلها في الحب وجعل الحب شاملا لما عدا التمر الذي هو تسعة عشر نوعا وهي: القمح والشعير، والسلت (^٢)، والأرز، والدخن (^٣)، والذرة، والعلس (^٤)؛ والقطاني السبعة التي هي: العدس، واللوبيا، والفول، والحمص، والترمس، والبسيلة، والجلبان؛ وذوات الزيوت وهي: حب الفجل الأحمر، والسمسم المعبر عنه بالجلجلان، والقرطم (^٥)، والزيتون، والزبيب، فهي بالتمر عشرون نوعا، فلا تجب الزكاة في غيرها من بزر كتان، أو سلجم أو غير ذلك.
قال مالك (^٦): (والقطنية: الحمص والعدس واللوبيا، والجلبان، وكل ما ثبت عند الناس أنه قطنية، فإذا حصد الرجل من ذلك خمسة أوسق بالصاع الأول صاع النبي ﷺ كان من أصناف القطنية كلها ليس من صنف واحد من القطنية فإنه يجمع ذلك بعضه إلى بعض وعليه فيه الزكاة، قال مالك: وقد فرق عمر بن الخطاب بين القطنية والحنطة فيما أخذ من النبط ورأى أن القطنية كلها صنف واحد). اه.
وروى مالك عن سالم بن عبد الله عن أبيه: «أن عمر بن الخطاب ﵁
_________________
(١) رواه مسلم (٩٧٩)، والنسائي (٢٤٣٧).
(٢) السلت: ضرب من الشعير حامض، وقيل: هو نوع من الشعير لا قشر له، أو دقيق القشر صغار الحب، وقيل: هو الشعير بعينه المجموع (١٠/ ٧١).
(٣) هو حب صغار شبيه بالذرة إلا أنه أصغر منها، وأصله كالقصب، أقصر ساقا من الذرة. انظر: تهذيب الأسماء واللغات مادة: (جرس) لأنه يسمى الجاروس.
(٤) العلس: نوع من الحنطة يدخر في قشره، ويزعم أهله أنه إذا أخرج من قشره لا يبقى بقاء غيره من الحنطة، ويزعمون أنه يخرج على النصف فيعتبر نصابه في قشره للضرر في إخراجه، فإذا بلغ بقشره عشرة أوسق: ففيه العشر؛ لأن فيه خمسة أوسق. المغني (٤/ ١٥٥).
(٥) بكسرتين أو ضمتين: حب العصفر الذي يصبغ به. انظر: عمدة القاري (٣/ ٢٨١)، وانظر: البيان والتحصيل في الخلاف في زكاة القرطم (٢/ ٤٨١).
(٦) شرح الزرقاني (٢/ ١٧٩ - ١٨٠).
[ ٢ / ٦٦٨ ]
كان يأخذ من النبط من الحنطة والزيت نصف العشر يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة ويأخذ من القطنية العشر» (^١). وقد ذكروا للأوسق الخمسة ضابطين: أحدهما بالكيل، والآخر بالوزن.
أما الأول فبينه الشيخ بقوله: (وذلك)؛ أي: الخمسة أوسق (ستة أقفزة وربع قفيز) أقفزة جمع قفيز (^٢)، وهو ثمانية وأربعون صاعا.
(والوسق) بفتح الواو وكسرها واحد أوسق كفلس وأفلس، وهو لغة ضم شيء إلى شيء قال تعالى: ﴿واليل وما وسق﴾ [الانشقاق: ١٧]؛ أي: ضم وجمع؛ أي: من الظلمة والنجم أو لما عمل فيه واصطلاحا (ستون صاعا بصاع النبي ﷺ) قال ابن المنذر: هو قول كل من يحفظ عنه من أهل العلم، وقد روى أبو سعيد وجابر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الوسق ستون صاعا» (^٣).
(وهو أربعة أمداد بمده ﵊ وقد حرر النصاب؛ أي: في سنة سبع وأربعين وسبعمائة بمد معير على مد النبي ﷺ فوجد ستة أرادب ونصفا ونصف ويبة بأرادب القاهرة والإردب (^٤) ست ويبات، والويبة (^٥) ستة عشر قدحا هكذا قال الشارح قلت: وقد حرر في عصرنا فوجد بالغرامات: ألفان ومائة وخمسة وسبعون غراما تقريبا (^٦) (٢١٧٥ غراما).
_________________
(١) مالك كما في المرجع السابق، وابن أبي شيبة في مصنفه (٣/ ٨٨).
(٢) والقفيز لأهل المغرب، قال عبد الوهاب: لا نعرفه في المشرق. شرح الرسالة (١/ ٣٥١).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٨٣٣) ضعيف، وفي الإرواء (٣/ ٢٧٥)، وفي ضعيف أبي داود (٢٧٣).
(٤) والإردب بالغرامات المصري (الأسيوطي) ٧٢ صاعا مائة وستة وخمسون ألفا وستمائة غرام. وأما الإردب الشرعي ومن زمن الفاروق ٢٤ صاعا ما يساوي: ثنتان وخمسون ألفا ومائتا غرام. انظر: المرجع اللاحق.
(٥) والويبة المصرية الرسمية اثنا عشر صاعا ما يساوي: ستة وعشرون ألفا ومائة غرام. والويبة الشرعية: أربعة أصوع ما يساوي: ثمانية آلاف وسبعمائة غرام.
(٦) انظر: مجلة الحكمة العدد (٢٣) (ص ٢٣٤)، بحث مقدم للندوة التاسعة لقضايا الزكاة المعاصرة. وقال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع أن الصاع الفان وأربعون =
[ ٢ / ٦٦٩ ]
ثم إن القدر المأخوذ يختلف باختلاف المأخوذ منه، فإن كان المأخوذ منه حاصلا بعناء ومشقة كما لو سقي بالدواليب ففيه نصف العشر، وإن كان بغير مشقة كما لو سقي بماء السماء ففيه العشر لحديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر» (^١).
وعن جابر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سقي بالسانية نصف العشر» (^٢).
والأرض الخراجية وغيرها سواء في الزكاة.
ثم شرع يبين أن الأنواع تضم فإذا اجتمع من مجموعها نصاب زكيت وإلا فلا، وأن الأجناس لا تضم فإذا لم يجتمع من كل جنس نصاب لا زك، فمن الأول قوله:
(ويجمع القمح والشعير والسلت) بضم السين ضرب من الشعير ليس له قشر كأنه حنطة بناء على أنها كلها جنس واحد وهو المنصوص في المذهب ولا مفهوم لقوله: (في الزكاة) لأن هذه الثلاثة في البيع أيضا جنس واحد على
_________________
(١) = غراما؛ أي: كيلوين وأربعين غراما (٢/ ٥٨٥)، ط: المصرية، وانظر: فقه الزكاة للقرضاوي (١/ ٣٧٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ١٥٥) (١٤٨٣)، وأبو داود (١٥٩٦)، والترمذي (٦٤٠)، والنسائي (٥/ ٤١)، وفي «الكبرى» (٢٢٧٩)، وابن ماجه (١٨١٧). العثري: بفتح المهملة والمثلثة وكسر الراء وتشديد التحتانية، وحكي عن ابن الأعرابي تشديد المثلثة ورده ثعلب، وحكى ابن عديس في المثلث فيه ضم أوله وإسكان ثانيه قال الخطابي: هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي. زاد ابن قدامة عن القاضي أبي يعلى: وهو المستنقع في بركة ونحوها يصب إليه من ماء المطر في سواق تشق له قال: واشتقاقه من العاثور وهي الساقية التي يجري فيها الماء لأن الماشي يعثر فيها. النضح: بفتح النون وسكون المعجمة بعدها مهملة؛ أي: بالسانية، وهي رواية مسلم والمراد بها الإبل التي يستقى عليها وذكر الإبل كالمثال وإلا فالبقر وغيرها كذلك في الحكم، من الفتح للحافظ ابن حجر (٣/ ٤٠٨).
(٣) أخرجه مسلم (٣/ ٦٧) (٢٢٣٤)، وأبو داود (١٥٩٧).
[ ٢ / ٦٧٠ ]
المشهور؛ أي: فيحرم التفاضل في بيع بعضها ببعض، وما ذكره من الجمع محله إذا كانت زراعتها وحصادها في عام واحد. أما إذا كانا في عامين أو أعوام فقيل: المعتبر ما نبت في زمن واحد، فيضاف بعضه إلى بعض، ولا يضاف ما نبت في زمان إلى ما نبت في زمان آخر، وقيل: المعتبر الزراعة فإن زرع الثاني قبل حصاد الآخر ضم إليه وإلا فلا. والأول لمالك في كتاب ابن سحنون، والثاني لابن مسلمة، وعليه اقتصر صاحب المختصر (^١)، ثم بين فائدة الضم بقوله:
(فإذا اجتمع من جميعها)؛ أي: جميع ما ذكر من القمح والشعير والسلت (خمسة أوسق فليزك ذلك) قال ابن عمر: فيخرج من كل ما ينوبه فيخرج الأعلى عن الأعلى والأدنى عن الأدنى والأوسط عن الأوسط، فإذا أخرج الأعلى عن الأدنى أجزأه، وإن أخرج الأدنى عن الأعلى لم يجزه (^٢).
تنبيه: وقع الاتفاق في الحبوب أنه يخرج عن كل نوع ما ينوبه، ووقع الاتفاق في المواشي أنه يخرج الوسط؛ واختلف في التمر فقيل: هو مثل المواشي، وقيل: مثل الحبوب.
ومنه أيضا قوله: (وكذلك يجمع أصناف القطنية) بكسر القاف وفتحها، وأصلها من قطن بالمكان إذا أقام به، فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق زكاها بناء على أنها جنس واحد في الزكاة وهو المذهب، بخلاف البيع فإنها فيه أجناس، وقد تقدم عدها كما بينا في حديث عمر ﵁.
ومنه أيضا قوله: (وكذلك تجمع أصناف التمر) كالعجوة، والبرني، والصيحاني وغيرها على المشهور، فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق زكاها (وكذلك أصناف الزبيب) كجعرور مع غيره اتفاقا تجمع، فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق زكاها.
(و) من الثاني (الأرز) فيه ست لغات إحداها ضم الهمزة والراء
_________________
(١) انظر: شرح الرسالة للقاضي (١/ ٣٥١) فما بعدها.
(٢) تنوير المقالة للتتائي (٣/ ٢٥٩)، وشرح الرسالة للقاضي (١/ ٣٥٧).
[ ٢ / ٦٧١ ]
(والدخن) بضم الدال المهملة (والذرة) بضم الذال المعجمة (كل واحد منها صنف) على حدته (لا يضم إلى الآخر) على المذهب لتباين مقاصدها واختلاف صورها في الخلقة. قال ابن رشد (^١): والضابط في الضم هو اتفاق المنافع، فكل ما اتفقت منافعها فهي صنف واحد وإن اختلفت أسماؤها.
وقوله: (في الزكاة) إشارة لمن يقول إنها كلها صنف واحد في الربا؛ أي: فلا يجوز التفاضل بينها، وهو قول ابن وهب، والمشهور خلافه.
وإذا كان في الحائط أصناف ثلاثة (من التمر) جيد ورديء ووسط أدي الزكاة عن الجميع من وسطه على المشهور (^٢). أما إن كان فيها نوع واحد أخذت منه جيدا كان أو رديئا، وليس عليه أن يأتي بالوسط ولا بالأفضل منه، وإن كان فيها جيد ورديء أخذت من كل ما يصيبه بحصته. ولو كان الرديء قليلا لأن الأصل أن تؤخذ زكاة كل عين من أصله، فخصته السنة بالماشية؛ أي: فأخرجت السنة من عمومه الماشية بسبب أنها تؤخذ من الوسط وبقي ما سواه على الأصل.
(ويزكى الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق)؛ أي: مقدرة الجفاف، وقال ابن وهب: لا زكاة فيه ولا في كل ما له زيت، ابن عبد السلام، وهو الصحيح على أصل المذهب؛ أي: صحة جارية على قاعدة المذهب، وهو أن كل ما لا يقتات لا زكاة فيه.
وهو وإن لم يقتت فله مدخل فيه إذ هو مصلح للقوت، وعلى القول بأنه يزكى أخرجت زكاته (من زيته) لا من حبه على المشهور. ولا يشترط في الزيت بلوغه نصابا بالوزن، وإنما الشرط بلوغ الحب نصابا كما صرح به الشيخ، وحكى ابن الحاجب الاتفاق عليه (^٣)، وصححه خليل في
_________________
(١) بداية المجتهد (١/ ٣٤٧).
(٢) ذكر ابن المنذر الإجماع على إخراج الزكاة من التمر والزبيب (٤٣)، وانظر: تنوير المقالة (٣/ ٢٦١)، والمغني (٢/ ٥٤٨).
(٣) جامع الأمهات لابن الحاجب (١٦٣).
[ ٢ / ٦٧٢ ]
«التوضيح» (^١)، ثم ذكر الخلاف فلو أخرج من حبه لم يجزه؛ قال القاضي عبد الوهاب (^٢): والزيتون أعم منفعة في باب الأقوات، فكان أولى بوجوب الزكاة.
قال البيهقي: وأصح ما في الباب قول ابن شهاب: مضت السنة في زكاة الزيتون أن تؤخذ ممن عصر زيتونه حين يعصره (^٣).
قال الغماري (^٤): وأثره ورد من طرق عنه وأخرجه جماعة بألفاظ متعددة منهم: ابن أبي شيبة، وسحنون، ويحيى بن آدم القرشي، وآخرون، وهو قول ابن عباس ﵄ (^٥).
(و) كذلك (يخرج من الجلجلان) وهو السمسم (و) في (حب الفجل) ونحوهما مما يعصر (من زيته) إذا بلغ حبه خمسة أوسق (فإن باع ذلك)؛ أي: الزيتون وما بعده أجزأه أن يخرج من ثمنه كان الثمن نصابا أم لا وإنما يراعى نصاب الحب خاصة لا نصاب الثمن قال بعضهم إنما قال: (إن شاء الله) لضعف هذا القول ومنهم من قال: إنما قال ذلك لقوة الخلاف فيه. والذي في المختصر وشرحه أن الزيتون ونحوه إن كان له زيت أخرج من زيته، وإن لم يكن له زيت كزيتون مصر أخرج من ثمنه، وكذلك ما لا يجف كرطب مصر وعنبها (^٦).
والفول الأخضر يزكى من ثمنه وإن بيع بأقل مما تجب فيه الزكاة بشيء
_________________
(١) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٣/ ٩٨٩)، تحقيق: وليد بن عبد الرحمن الحمدان، جامعة أم القرى.
(٢) المعونة (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧)، وشرح الرسالة (١/ ٣٥٨).
(٣) قال الحافظ في التلخيص: ذكره صاحب المهذب عن ابن عباس وضعفه النووي، وقد أخرجه ابن أبي شيبة وفي إسناده ليث بن أبي سليم، (باب: زكاة المعشرات).
(٤) مسالك الدلالة (١٥١).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٣).
(٦) انظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (كتاب الزكاة عند قول المصنف: «نصف عشره كزيت ما له زيت»).
[ ٢ / ٦٧٣ ]
كثير إذا كان خرصه خمسة أوسق، وإن نقص عنها لم يجب فيه شيء، وإن بيع بأكثر مما تجب فيه الزكاة بأضعاف.
وليس في هذه الأبازير فيما اطلعت عليه أدلة خاصة وإنما الدليل العام وهو قوله ﷺ: «فيما سقت السماء العشر» (^١)، ولحديث معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «خذ الحب من الحب» (^٢). ثم إن مالكا والشافعي رأوا أن الزكاة فيما كان قوتا في حالة الاختيار لذلك إلا في الزيتون على اختلاف (^٣).
حكم زكاة الفواكه والخضروات:
(ولا زكاة في الفواكه) الخضرة كالتفاح والمشمش (و) لا في (الخضر) كالبصل والبطاطس ونحوهما، لأنه قد علل عدم تزكيتها (أي: الفواكه والخضروات) بأن الزكاة إنما تجب فيما يدخر، أما ما لا يدخر فلا زكاة فيه (^٤)، وأما ما ورد من الأحاديث في زكاتها فقال الترمذي: وليس يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء، وأورد حديث معاذ أنه كتب إلى النبي ﷺ يسأله عن الخضروات وهي البقول، فقال: «ليس فيها شيء» (^٥).
_________________
(١) رواه مالك من حديث بسر بن سعيد، والبخاري وغيرهما، وقد تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أبو داود في باب: صدقة الزرع، من كتاب الزكاة (١٥٩٩)، وابن ماجه، باب: ما تجب فيه الزكاة من الأموال من كتاب الزكاة (١٨١٤)، والحاكم في مستدركه (١/ ٥٤٦) برقم (١٤٣٣)، وقال: «هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين إن صح سماع عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل فإني لا أتقنه»، قال ابن حجر في التلخيص كتاب الزكاة باب زكاة المعشرات:: «قلت: لم يصح لأنه ولد بعد موته أو في سنة موته أو بعد موته بسنة، وقال البزار: لا نعلم أن عطاء سمع من معاد».
(٣) المغني لابن قدامة (٣/ ١٥٦).
(٤) تفسير القرطبي (٧ ١٠٠ - ١٠٤)، والتفريع لابن الجلاب (١/ ٢٩٤).
(٥) قال الترمذي: إسناد هذا الحديث ليس بصحيح، وليس يصح في هذا الباب شيء (٦٣٨) في الزكاة، باب ما جاء في زكاة الخضروات، وصححه الحاكم، وقال ابن عبد الهادي: وفي تصحيح الحاكم لهذا الحديث نظر، فإنه حديث ضعيف، تنقيح تحقيق أحاديث التعليق لابن عبد الهادي (٢/ ١٩٩).
[ ٢ / ٦٧٤ ]
وروى الدارقطني (^١) من طريق علي، وطلحة، ومعاذ مرفوعا: «لا زكاة في الخضروات» وهو حجة عند الجمهور إلا أنها لا تخلو من تضعيف، وأصحها مرسل عن موسى بن طلحة كما قال الترمذي: «أن معاذا لم يأخذ من الخضروات صدقة» (^٢)؛ وقال البيهقي (^٣): هذه الأحاديث كلها مراسيل إلا أنها من طرق مختلفة فبعضها يؤكد بعضا، ومعها قول بعض الصحابة ﵃، منها قول عائشة ﵂: «جرت السنة أن لا زكاة في الخضر على عهده ﷺ» (^٤).
قال مالك: (السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، والذي سمعت من أهل العلم أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة، الرمان والفرسك والتين وما أشبه ذلك، وما لم يشبهه إذا كان من الفواكه، قال: ولا في القضب ولا في البقول كلها صدقة، ولا في أثمانها إذا بيعت صدقة حتى يحول على أثمانها الحول من يوم بيعها ويقبض صاحبها ثمنها وهو نصا). اه (^٥).
قلت: قال ابن العربي (^٦): إن أقوى المذاهب وأحوطها للمساكين قول أبي حنيفة، وأولاها قياما بشكر النعمة، وقد تمسك بعموم الآية؛ أي: قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١].
والذي ينبغي أن يفعله المسلم أن يكثر من الصدقة فيها وحسبه حديث صاحب الحديقة وهو الصحيح.
زكاة الذهب والفضة:
(ولا زكاة من الذهب في أقل من عشرين دينارا (^٧)، فإذا بلغت) الدنانير
_________________
(١) سنن الدارقطني (٤/ ٢١٧).
(٢) رواه ابن أبي شيبة (٤/ ١٩)، ورجاله ثقات، والدارقطني (٢٠١)، والحاكم (١/ ٤٠١)، وقال: على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(٣) انظر: السنن الكبرى للبيهقي (٤/ ٢١٧).
(٤) الدارقطني (٢/ ٤٧٧) رقم (١٩٠٨).
(٥) في الموطأ (٢/ ١٨٢).
(٦) عارضة الأحوذي (٢/ ٣/ ١٣٥)، وانظر: شرح الزرقاني (٢/ ١٧٢).
(٧) الدينار الشرعي لوزن النقد (مثقال النقد) أربع غرامات وخمسة وعشرون من الغرام =
[ ٢ / ٦٧٥ ]
(عشرين دينارا ففيها نصف دينار) وقوله: (ربع العشر) تفسير لنصف الدينار (فما زاد) على العشرين دينارا (ف) يخرج منه (بحساب ذلك)؛ أي: ما زاد.
(وإن قل) فلا يشترط بلوغه أربعة دنانير في الذهب ولا أربعين درهما في الفضة. واشترط ذلك أبو حنيفة.
(ولا زكاة من الفضة في أقل من مائتي درهم وذلك)؛ أي: المائتا درهم (خمسة أواق) (^١) بحذف الياء وثبوتها مخففة ومشددة جمع أوقية، وتجمع على أواقي بياء مشددة كأماني.
وذلك لحديث علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «فإذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارا، فإذا كان لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك» (^٢).
(والأوقية) بضم الهمزة وتشديد الياء زنتها (أربعون درهما) بالدرهم الشرعي وهو الدرهم المكي وقد تقدم أن زنته خمسون حبة وخمسا حبة من الشعير المتوسط إلى آخره. ويقال له درهم الكيل (^٣)، لأن به تتحقق المكاييل الشرعية، إذ تركب منها الأوقية والرطل والمد والصاع (^٤)، (من وزن سبعة
_________________
(١) (٤، ٢٥ غراما)، والدرهم الشرعي لوزن النقد غرامان وتسعمائة وخمسة وسبعون من الغرام (٢، ٩٧٥ غرام). انظر: مجلة الحكمة العدد (٢٣) (ص ٢٣٣).
(٢) انظر: المقدمات الممهدات (١/ ٢٨٢)، والكافي (١/ ٢٨٥).
(٣) أخرجه أبو داود (١٥٧٣) في الزكاة، باب: في زكاة السائمة. قال: فلا أدري أعلي يقول فبحساب ذلك أو رفعه إلى النبي ﷺ، ورواه الدارقطني (٢/ ٤٧٢) رقم (١٨٩٨) مجزوما به، ليس فيه: أحسبه، وقال ابن القطان: إسناده صحيح، وكلهم ثقات، ولا أعني رواية الحارث وإنما أعني رواية عاصم كذا في نصب الراية (٢/ ٣٦٦). وحسنه الحافظ في بلوغ المرام وقال: اختلف في رفعه وهو مروي من طريقين عن علي ﵁، وقال البخاري: وكلاهما عندي صحيح. انظر: حاشية الشيخ حامد الفقي على بلوغ المرام ص (٢٠١)، ط: السوادي للتوزيع ١٩٩٣ م/ ١٤١٣ هـ.
(٤) الدرهم الشرعي لوزن الكيل (١٧،٣ غراما).
(٥) انظر: معادلة الأوزان والمكاييل الشرعية والأوزان والمكاييل المعاصرة للخطيب في =
[ ٢ / ٦٧٦ ]
أعني أن السبعة دنانير) شرعية (وزنها عشرة)؛ أي: وزن عشرة (دراهم) شرعية وذلك أنك إذا اعتبرت ما في سبعة دنانير وما في عشرة دراهم من درهم الكيل وجدتهما واحدا لأن وزن الدرهم كما تقدم خمسون حبة وخمسا حبة من الشعير المتوسط وكل دينار وزنه اثنتان وسبعون حبة، فإذا ضربت عشرة في خمسين خرج من ذلك خمسمائة وتبقى الأخماس وهي عشرون خمسا بأربع حبوب فهذه خمسمائة وأربع حبوب، وإذا ضربت سبعة في اثنين وسبعين يخرج من ذلك خمسمائة وأربع حبوب، فاتفق السبعة دنانير والعشرة دراهم في عدد الحبوب. وكرر قوله: (فإذا بلغت الدراهم من هذه الدراهم مائتا درهم) صوابه مائتي درهم ليرتب عليه قوله: (ففيها ربع عشرها) وهو (خمسة دراهم فما زاد) على المائتي درهم (فبحساب ذلك ويجمع الذهب والفضة في الزكاة) لما مر في حديث علي ﵁ وقد روي عن بكير بن عبد الله بن الأشج أنه قال: «مضت السنة أن النبي ﷺ ضم الذهب إلى الفضة والفضة إلى الذهب، وأخرج الزكاة عنهما». ثم فرع على الجمع فقال: (فمن له مائة درهم وعشرة دنانير فليخرج من كل مال ربع عشره) فالجمع بالأجزاء لا بالقيمة؛ أي: بالتجزئة والمقابلة بأن يجعل كل دينار بعشرة دراهم، ولو كانت قيمته أضعافها كما لو كان له مائة درهم وعشرة دنانير أو مائة وخمسون وخمسة دنانير، فلو كان له مائة وثمانون درهما ودينار يساوي عشرين درهما فلا يخرج شيئا، ويجوز إخراج أحد النقدين عن الآخر على المشهور، والأدلة على أنصبة الذهب والفضة منها حديث علي ﵁ المتقدم وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، …» (^١)، ولحديث ابن عمر وعائشة ﵄ أن النبي ﷺ «كان يأخذ من كل عشرين دينارا فصاعدا نصف دينار، ومن الأربعين دينارا» (^٢).
_________________
(١) = أبحاث الندوة التاسعة لقضايا الزكاة المعاصرة (١٥٨).
(٢) البخاري (١٤٤٥)، ومسلم (٢٢٦٠).
(٣) رواه ابن ماجه (١٧٩١)، وقال في مصباح الزجاجة (٢/ ٨٧): هذا إسناد فيه إبراهيم بن إسماعيل وهو ضعيف، قال ابن معين: لا شيء، وقال أبو حاتم: يكتب =
[ ٢ / ٦٧٧ ]
ولحديث أنس بن مالك ﵁ مرفوعا: «في الرقة ربع العشر» (^١).
وقال مالك (^٢): (السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارا عينا كما تجب في مائتي درهم). وقد ذكر الإجماع على ذلك ابن المنذر (^٣)، وقال: وأجمعوا على حديث رسول الله ﷺ: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة، وأجمعوا أن في مائتي درهم خمسة دراهم»، وأجمعوا على أن الذهب إذا كان عشرين مثقالا قيمتها مائتا درهم أن الزكاة تجب فيه، وانفرد الحسن البصري فقال: «ليس فيما دون أربعين دينارا صدقة»، وأجمعوا على أن «الذهب إذا كان أقل من عشرين مثقالا ولا يبلغ قيمتها مائتي درهم أن لا زكاة فيه».
وذكر بعض الإجماعات ابن حزم في مراتبه (^٤).
هذا جدول في معرفة أنصبة:
زكاة الذهب بأوزاننا المعاصرة … ٢٠ مضروبة في ٤، ٢٥ = ٨٥ غم من الذهب الخالص
زكاة الفضة بأوزاننا المعاصرة … ٢٠٠ مضروبة في ٢، ٩٧٥ = ٥٩٥ غم من الفضة الخالصة
زكاة الزروع والثمار … ٣٠٠ صاع مضروبة في ٢، ١٧٥ غم؛ أي: ٦٥٢، ٥ كغم
زكاة الفطر من غالب قوت البلد … ٢، ١٧٥ غراما من القمح أو ما يعادله، كيلوين ومائة وخمسة وسبعون غراما
تنبيه: ذكر ابن عمر عن أبي محمد صرف ستة دنانير، وسكت عن السابع وهو دينار الصرف؛ وإنما سكت عنه لأن السعر يرتفع وينخفض.
_________________
(١) = حديثه ولا يحتج به فإنه كثير الوهم، كذا في نصب الراية (٢/ ٣٦٩). ورواه الدارقطني (٢/ ٩٢) في سننه من هذا الوجه.
(٢) أبو دواد (١٥٦٧)، وأحمد (١/ ١١).
(٣) شرح الزرقاني على الموطأ (٢/ ١٣٤).
(٤) الإجماع له (ص ١٢ - ١٣). ط: القطرية.
(٥) مراتب ابن حزم (ص ٣٤ - ٣٥).
[ ٢ / ٦٧٨ ]
فذكر دينار الزكاة أن صرفه عشرة. وكذلك دينار الجزية.
وباقيها صرف كل واحد اثنا عشر درهما.
وكذلك دينار النكاح، ودينار اليمين، ودينار الدية، ودينار القطع في السرقة. اه.
ونظمها التتائي رحمه الله تعالى بقوله (^١):
ديات وصرف مع يمين … وسارق فصرف أخيرها بعشر دراهم
نكاح زكاة جزية تم عدها … وللباقي زده اثني غاية حدها
زكاة العروض:
العروض جمع عرض أو عرض بإسكان الراء، وهو المال المعد للتجارة وسمي بذلك لأنه لا يستقر يعرض ثم يزول، فإن المتجر لا يريد عينها ولكن يريد قيمتها، ولذلك وجبت الزكاة في قيمتها لا في عينها، وهو أعم أنواع التجارة إذ يدخل في جميع أصناف المال.
والعرض المتاع: وكل شيء سوى الدراهم والدنانير فإنهما عين، قال أبو عبيد: العروض: الأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن، ولا يكون حيوانا ولا عقارا (^٢).
والدليل على وجوبها أنها داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿والذين في أموالهم حق معلوم (٢٤) للسائل والمحروم (٢٥)﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقوله ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» (^٣) فقال في أموالهم.
ولا شك أن عروض التجارة مال.
_________________
(١) تنوير المقالة (٣/ ٢٧٧ - ٢٧٨).
(٢) انظر: الصحاح للجوهري (٣/ ١٠٨٣).
(٣) البخاري (٢/ ١٣٠) (١٣٩٥) و(٩/ ١٤٠) (٧٣٧١)، ومسلم (١/ ٣٨) (٣٠).
[ ٢ / ٦٧٩ ]
وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: «أما بعد: فإن رسول الله ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع» (^١) (^٢)، وعن أبي ذر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته» (^٣). قال الزرقاني (^٤): وقد أجمع الجمهور على زكاة عروض التجارة، وإن اختلفوا في الإدارة والاحتكار، والحجة لهم ما تقدم من عمل العمرين، وما نقله مالك من عمل أهل المدينة وخبر أبي داود ﷺ يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع (^٥)، قال الطحاوي ثبت عن عمر وابنه ﵄ (^٦) زكاة عروض التجارة ولا مخالف لهما من الصحابة، وهذا يشهد أن قول ابن عباس وعائشة ﵄: «لا زكاة في العروض إنما هو في القنية». اه.
_________________
(١) رواه أبو داود وسكت عنه، والمنذري، واختلف المحدثون بين محسن ومضعف فقال ابن عبد البر: إسناده حسن. وقال الألباني: إسناده ضعيف كما في تعليقه على المشكاة (١/ ٥٦٨)، وقال الغماري في مسألة الدلالة (ص ١٢٣): قال الحافظ: في إسناده جهالة كما في تلخيص الحبير (٢/ ١٧٩).
(٢) رواه البيهقي (٤/ ٢٤٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٨٨)، وصححه، قال ابن عبد الهادي في التنقيح (٢/ ٢٢٠): عبد الله بن معاوية الذي تكلم فيه البخاري والنسائي هو الزبيري من ولد الزبير بن العوام، يروي عن هشام بن عروة، وأما راوي الحديث فهو الجمحي وهو صالح الحديث، وقال ابن القطان: «لا يعرف حاله، وليس كما قال، بل هو مشهور، روى عنه أبو داود وابن ماجه وغيرهما، وذكره ابن حبان في الثقات من المعمرين». اه.
(٣) قال الحافظ في الدراية (١/ ٢٦٠): إسناده حسن، وحكم عليه في تلخيص الحبير بالصحة لطرقه (٢/ ١٧٩).
(٤) شرح الزرقاني على الموطأ (٢/ ١٤٨)، وحكى الوزير الصالح ابن هبيرة الإجماع على ذلك.
(٥) تخريجه تقدم قريبا.
(٦) أما أثر عمر ﵁ فأخرجه الشافعي وأحمد وابن أبي شيبة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وسحنون في المدونة، كما نص على ذلك الغماري في مسالك الدلالة (ص ١٥٣)، أما أثر ابن عمر ﵄ فقد أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي وقال: ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة. انظر: نصب الراية: كتاب الزكاة، فصل في العروض.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
قال ابن المنذر فقال: [أجمعوا على أن في العروض التي تدار للتجارة الزكاة إذا حال عليها الحول] (^١).
قال ابن رشد: «أما القياس الذي اعتمده الجمهور، فهو أن العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمية، فأشبه الأجناس الثلاثة التي فيها الزكاة باتفاق - أعني الحرث، والماشية والذهب والفضة». اه (^٢).
وإلى ذلك أشار المصنف:
(ولا زكاة في العروض) المراد بها في هذا الباب الرقيق والعقار، والرباع والثياب، والقمح، وجميع الحبوب، والثمار والحيوان إذا قصرت عن النصاب، وهي إما للقنية ولا زكاة فيها اتفاقا، وهي المقصودة بقول النبي ﷺ: «ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه» (^٣)، وذلك كالسيارة التي تستعملها ولو للأجرة، ومباني المصانع (^٤)، والحوانيت، والثياب، والبيت الذي تسكنه، وأما إن كانت للتجارة ففيها الزكاة اتفاقا في المذهب لما تقدم (^٥)، لأن التاجر إما مدير وسيأتي الكلام عليه، أو محتكر وهو الذي يترصد بها الأسواق لربح وافر.
ولوجوب الزكاة فيها شروط:
أحدها: النية، لقول النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات» وهذا نوى التجارة ففيها الزكاة إذا بلغت قيمتها النصاب، لأنه لو سئل ماذا تريد بهذه التجارة؟ لقال قيمتها من النقود، وإليه أشار بقوله: (حتى)؛ أي: إلا أن (تكون للتجارة)؛ أي: ينوي بها التجارة فقط، أو التجارة مع القنية أو الغلة
_________________
(١) الإجماع لابن المنذر (٤٥)، ومراتب الإجماع (٦٧).
(٢) بداية المجتهد لابن رشد (٢/ ٥٠٢).
(٣) مالك في الموطأ (٢٩٠)، والبخاري (١٤٦٤)، ومسلم (٩٨٢).
(٤) انظر حكم زكاة المصانع في كتاب نوازل الزكاة للدكتور منصور بن عبد الله الغفيلي (ص ١٢٧).
(٥) المدونة (١/ ٢١٤).
[ ٢ / ٦٨١ ]
احترازا من عدم النية، كأن يعاوض بها الظاهر قراءته بالفتح؛ أي: كأن تدفع عوضا له في مقابلة شيء يعطيه، أو تكون له نية مضادة لنية التجارة كالقنية فقط أو الغلة فقط أو هما معا، فلا زكاة إذن.
ثانيها: أنه يترصد بها الأسواق؛ أي: يمسكها إلى أن يجد فيها ربحا جيدا، وأخذ هذا من قوله: (فإذا بعتها بعد حول فأكثر).
ثالثها: أن يملكها بمعاوضة، وأخذ هذا من قوله: (من يوم أخذت ثمنها أو زكيته) احترازا من أن يملكها بإرث كان يموت مورثه ويخلف بضائع للتجارة مثلا أو أواني أو عقارات أو سيارات أو ما أشبه ذلك لأنه ملكها بغير فعله، أو ملكها بهبة ونحو ذلك، فإنه لا زكاة فيها إلا بعد حول من يوم قبضت ثمنها، ولو أخر قبضه هروبا من الزكاة. لحديث: «ليس على مال المستفيد زكاة حتى يحول عليه الحول» (^١).
رابعها: أن يبيعها بعين لا إن لم يبعها أصلا أو باعها بغير عين، إلا أن يقصد ببيعه بغير العين الهروب من الزكاة. ولا فرق في البيع بين أن يكون حقيقة وهو ظاهر، أو مجازا بأن يستهلكه شخص ويأخذ التاجر قيمته، ولا بد أن يكون المباع به نصابا لأن عروض الاحتكار لا تقوم بخلاف المدير فيكفي في وجود الزكاة في حقه مطلق البيع. ولو كان ثمن ما باعه أقل من نصاب لأنه يجب عليه تقويم بقية عروضه، وأخذ هذا الشرط من قوله: (ففي ثمنها الزكاة لحول واحد) احترازا من أن يبيعها بعرض، فإنه لا يزكي.
خامسها: مضي حول من يوم زكى الأصل أو ملكه. وسكت عن شرط
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢/ ٧١)، كتاب الزكاة، باب: ما جاء لا زكاة على المال المستفاد حتى يحول عليه الحول، الحديث (٦٢٦)، والدارقطني (٢/ ٩٠)، والبيهقي في السنن (٤/ ١٠٤) وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال الترمذي: عبد الرحمن ضعيف، ووقفه على ابن عمر أصح، وكذا قاله البيهقي وغيره. وروى البيهقي عن أبي بكر، وعلي، وعائشة موقوفا عليهم مثل ما روي عن ابن عمر، قال: والاعتماد في هذا وفي الذي قبله على الآثار عن أبي بكر، وغيره، قلت: حديث علي لا بأس بإسناده، والآثار تعذده فيصلح للحجة، والله أعلم. انظر: تلخيص الحبير (٢/ ١٥٦).
[ ٢ / ٦٨٢ ]
وهو أن يكون أصل ذلك العرض عينا اشتراه بها ولو كانت أقل من نصاب أو عرض ملك بمعاوضة ولو للقنية، ثم باعه واشترى به ذلك العرض لقصد التجارة (أقامت قبل البيع حولا أو أكثر) احترازا من أن يبيعها قبل تمام الحول فلا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول (^١).
ثم انتقل يتكلم على عروض الإدارة وهي التي تشترى للتجارة، وتباع بالسعر الواقع أي السعر السوقي، ولا ينتظر بها سوق نفاق البيع ولا سوق كساد الشراء كسائر أرباب الحوانيت المديرين للسلع، فقال مستثنيا من قوله ففي ثمنها الزكاة لحول واحد (إلا أن تكون مديرا لا يستقر)؛ أي: لا يثبت - وهو القسم الثاني من أقسام التجارة - (بيدك عين ولا عرض) بل تبيع بالسعر الحاضر وتخلفها، ولا تنتظر سوق نفاق البيع ولا سوق كساد الشراء، فإنك تقوم عروضك كل عام كل جنس بما يباع به غالبا في ذلك الوقت قيمة عدل على البيع المعروف دون بيع الضرورة، لأن بيع الضرورة يكون بالرخص الفاحش، فالديباج وشبهه كالثياب القطن الرفيعة والرقيق والعقار يقوم بالذهب، والثياب الغليظة واللبيسة؛ أي: الملبوسة؛ أي: التي شأنها كثرة اللبس (الخردوات) تقوم بالفضة وابتداء التقويم؛ أي: ابتداء حول التقويم عند أشهب من يوم أخذ في الإدارة. وقال الباجي: من يوم زكى الثمن أو من يوم إفادته، واستظهره بعضهم، وهو ظاهر قول الرسالة من يوم أخذت ثمنها أو زكيته (^٢).
(و) بعد أن تفرغ من التقويم (تزكي ذلك)؛ أي: الذي قومته من العروض بشرط أن ينض من أثمانها؛ أي: العروض المدارة شيء ما ولو درهما، ولا فرق بين أن ينض له شيء في أول الحول أو في آخره. أما إذا لم ينض له شيء بمعنى: بارت سلعته، وحدد البوار سحنون وابن نافع بعامين، أو بالفساد وهو لابن الماجشون واستظهره صاحب التوضيح، أو نض له بعد الحول
_________________
(١) تنوير المقالة (٣/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، وانظر: التفريع (١/ ٢٨١).
(٢) تنوير المقالة (٣/ ٢٨٢).
[ ٢ / ٦٨٣ ]
بشهر مثلا فإنه يقوم حينئذ وينتقل حوله إلى ذلك الشهر ويلغى الزائد على الحول، وكذا يزكي المدير النقد إن كان معه، وإليه أشار بقوله: (مع ما بيدك من العين) وكذلك يزكي عن دينه النقد الحال المرجو.
تنبيهان:
الأول: ربما أشعر كلامه بجواز الاحتكار، وهو كذلك عند مالك، ما لم يضر بالناس، وضرره بالناس إذا كان يعمد إلى ما في السوق كله، ويشتريه ولا يترك لغيره شيئا (^١).
الثاني: قال اللخمي: العروض تنقسم على سبعة أقسام:
كونها للقنية.
للتجارة.
للإجارة.
للإجارة والقنية.
للإجارة والاستخدام.
للإجارة والاستغلال.
للإجارة والتجارة.
فالتي للتجارة خاصة فيها الزكاة اتفاقا، ولا زكاة في التي للقنية، ولا زكاة في التي للإجارة والقنية اتفاقا؛ وفي كل واحد من الأربعة الباقية قولان في وجوب الزكاة وعدمها. اه (^٢)
حول الأرباح والنسل حول أصولهما:
(وحول ربح المال حول أصله) ظاهره كان الأصل نصابا أم لا، وهو كذلك على المشهور، مثاله أن يكون عنده دينار أقام عنده أحد عشر شهرا، ثم
_________________
(١) تنوير المقالة (٣/ ٢٨١).
(٢) تنوير المقالة (٢/ ٢٨٦)، وانظر: مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة للرجراجي (٢/ ٢٠٩).
[ ٢ / ٦٨٤ ]
اشترى به سلعة باعها بعد شهر بعشرين، فإنه يزكي الجميع على المشهور، ومقابله يستقبل بها عاما.
(وكذلك حول نسل الأنعام حول الأمهات) اتفاقا (^١)، وذلك لأن الساعي كان يخرج في زمن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين فيعد السخال مع الأمهات، روى مالك عن سفيان بن عبد الله "أن عمر بن الخطاب ﵁ بعثه مصدقا فكان يعد على الناس بالسخل، فقالوا: أتعد علينا بالسخل ولا تأخذ منه شيئا، فلما قدم على عمر بن الخطاب ذكر له ذلك، فقال عمر: نعم؛ تعد عليهم بالسخلة يحملها الراعي، ولا تأخذ الأكولة، ولا الربى، ولا الماخض، ولا فحل الغنم، وتأخذ الجذعة، والثنية، وذلك عدل بين غذاء الغنم وخياره".
قال مالك: والسخلة الصغيرة حين تنتج.
والربي التي قد وضعت فهي تربى ولدها.
والماخض هي الحامل.
والأكولة هي شاة اللحم التي تسمن لتؤكل (^٢).
متى يمنع الدين وجوب الزكاة، ومتى لا يسقط وجوبها:
قال المصنف: (ومن له مال)؛ يعني من العين (تجب فيه الزكاة) مثل أن يكون عنده عشرون دينارا (وعليه دين) بعوض، سواء كان عرضا أو طعاما أو ماشية أو غيرها وسواء كان حالا أو مؤجلا (مثله)؛ أي: مثل الذي له وهو عشرون دينارا (أو) عليه دين (ينقصه)؛ أي: ينقص المال الذي معه (عن مقدار مال الزكاة)؛ أي: القدر الذي تجب فيه الزكاة مثل أن يكون عنده عشرون وعليه نصف دينار مثلا (فلا زكاة عليه) في الصورتين، فعن السائب بن يزيد ﷺ: «أن عثمان بن عفان ﵁ كان يقول هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه حتى تحصل أموالكم فتؤدون منه الزكاة» (^٣)، قال ابن
_________________
(١) الذخيرة (٢/ ٤٦٥)، وانظر: تفسير القرطبي (٣/ ٣٢٤).
(٢) الاستذكار (٣/ ١٨٤)، وتفسير القرطبي (٣/ ٣٢٤).
(٣) مالك في الموطأ (٢/ ١٤٤) (٥٩٦)، والشافعي في مسنده كتاب الزكاة (٤٤٦) من =
[ ٢ / ٦٨٥ ]
قدامة: وقد قال ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكر عليه (^١).
تنبيه: حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا كان لرجل ألف درهم، وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه» هذا الحديث استدل به المالكية في كتبهم وهو حديث باطل (^٢).
وظاهر كلام الشيخ أن الدين يسقط الزكاة (^٣)؛ ولو كان مهر امرأته التي في عصمته، وأحرى إذا كانت مطلقة وعليه مهرها، وهو الراجح من أحد التشهيرين وعلى التشهير الآخر لا يسقطها، وعلى المشهور أيضا أن الدين يسقط الزكاة ولو دين زكاة بخلاف ديون النذور والكفارات، فإنها لا تسقط الزكاة (^٤). والفرق أن دين الزكاة تتوجه المطالبة به من الإمام العادل، وتؤخذ الزكاة ولو كرها ولا كذلك النذور والكفارات.
ثم استثنى من عموم ما تقدم مسألة فقال: (إلا أن يكون عنده)؛ أي: عند من له مال فيه الزكاة وعليه دين مثله أو دين ينقصه عن مال الزكاة شيء (مما لا يزكى من عروض مقتناة) تقدم أن المراد بها هنا الرقيق والعقار والرباع والثياب وجميع الحبوب والثمار والحيوان القاصرة عن النصاب، بل لو كان عنده حبوب أو ثمار أو حيوان زكيت فإنه يجعلها في مقابلة ما عليه من الدين ويزكي فقوله: (أو رقيق أو حيوان مقتناة أو عقار) بالفتح مخففا وهي الأصول الثابتة، وإن لم يكن لها عتبة كالأرض الساحة (أو ربع) وهو ما له عتبة كالدور من عطف الخاص على العام (ما) اسم يكون بمعنى شيء وخبرها
_________________
(١) = طريق مالك، وسنده صحيح كما قال الحافظ في المطالب العالية (٥\ ٥٠٤).
(٢) المغني (٤\ ٢٦٤).
(٣) قال ابن عبد الهادي في كتابه تنقيح تحقيق أحاديث التعليق (٢\ ١٤٢): وهذا الحديث منكر يشبه أن يكون موضوعا؛ لأن فيه عمير بن عمران، وقد ضعفه ابن عدي في الكامل (٥\ ٧٠)، وأورده العقيلي في الضعفاء (٣\ ٣١٨)، وكذا ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (٢\ ٢٣٤) والله أعلم، وانظر: نوازل الزكاة (٦١).
(٤) التفريع لابن الجلاب (١\ ٢٧٧)، وتنوير المقالة (٣\ ٢٨٩)، والإشراف للقاضي (١\ ٤٠٧).
(٥) مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة للرجراجي (٢\ ٢٣٠).
[ ٢ / ٦٨٦ ]
الظرف المتقدم ومما لا يزكى إلخ بيان لما الواقعة اسما، ففي كلامه تقديم وتأخير تقديره أن من له مال تجب فيه الزكاة وعليه دين مثله أو ينقصه عن مال الزكاة فإن الزكاة تسقط عنه إلا أن يكون عنده شيء (فيه وفاء لدينه) مما لا تجب فيه الزكاة من عروض القنية (فل) يجعله في مقابلة ما عليه من الدين بشرط أن يحول عليها الحول، وحول كل شيء بحسبه، فحول المعشر طيبه، والمعدن خروجه، وأن تكون مما يباع مثله في الدين، و(يزك ما بيده من المال) لأن ما عليه من الدين لا يؤثر في غناه مع ماله من العروض فوجبت الزكاة، هذا إذا وفت عروضه بدينه فعن عمر ﵁ أنه قال: إذا حلت الصدقة فاحسب دينك وما عندك واجمع ذلك كله وزكه (^١).
زكاة من عليه دين مقسط:
وهنا مسألة جديرة بالذكر وهي:
أن كثيرا من الناس في عالمنا اليوم تكون ديونهم مقسطة؛ أي: يدفع دينه أقساطا في سيارة أو غيرها فهل يؤدي زكاة ماله في هذه الحالة، أم ينتظر حتى يسدد آخر فلس من ديونه؟ فالجواب: «أنه إذا كانت الأقساط لمدة طويلة فعليه أن ينظر إلى الدين الذي حل أجله كالقسط الشهري فيدفعه الآن أما باقي أقساط السنوات التالية فلا يحسبها، وإنما يخرج الزكاة على المال الذي عنده بعد إخراج هذا القسط فقط». اه (^٢)
(فإن لم تف عروضه بدينه حسب بقية دينه فيما)؛ أي: الذي (بيده) من المال، فإن بقي بعد ذلك؛ أي: بعد أن يحسب بقية دينه مما بيده (ما)؛ أي: شيء (فيه الزكاة زكاه) مثاله أن يكون عنده ثلاثون دينارا، وعليه
_________________
(١) الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام (٤٤٣)، والمنتقى للباجي (٢/ ١١٩)، وبداية المجتهد (٢/ ٥).
(٢) انظر بتصرف يسير: كتاب شيخنا الدكتور علي السالوس: موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة والاقتصاد الإسلامي (ص ٥١١) التطبيق المعاصر للزكاة، ط: دار الثقافة، قطر، الطبعة السابعة، وانظر: نوازل الزكاة لعبد الله الغفيلي (٥٩ فما بعدها).
[ ٢ / ٦٨٧ ]
عشرون دينارا، وعنده من العروض التي تباع في الدين وحال عليها الحول ما يفي بعشرة تبقى عشرة يأخذها من الثلاثين ويعطيها؛ أي: يلاحظ أنها في مقابلة الدين. وليس المراد الأخذ والإعطاء بالفعل لجواز تأخر أجل الدين فتبقى عشرون خالية من الدين فيدفع عنها الزكاة وهو الذي بيناه آنفا.
الدين لا يسقط زكاة الأنعام والحبوب والثمار:
لما بين أن الدين يسقط زكاة العين شرع يبين أنه لا يسقط زكاة ما عداها فقال: (ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية) وكذلك لا يسقط زكاة معدن ولا ركاز مثل أن يكون عنده شيء من هذه المذكورات، وعليه دين يستغرق ما عنده فتجب عليه الزكاة، ولا يسقطها الدين المستغرق لما وجبت فيه والفرق بين ذلك وبين العين أن السنة إنما جاءت بإسقاط الدين في العين. وأما الماشية والثمار، فقد بعث رسول الله ﷺ والخلفاء بعده الخراص والسعاة فخرصوا على الناس وأخذوا منهم زكاة مواشيهم، ولم يسألوا هل عليهم دين أم لا؟.
وكذلك لا يسقط الدين زكاة الفطر عند أشهب؛ أي: وهو الراجح، ويسقطها عند عبد الوهاب. قال محمد بن سيرين: «كانوا لا يرصدون الثمار في الدين وينبغي للعين أن ترصد في الدين» رواه سحنون (^١)، وروى أيضا عن أبي الزناد أنه قال: «كان من أدركت من فقهاء المدينة وعلمائهم ممن يرضى وينتهي إلى قولهم منهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله، وسليمان بن يسار، في مشيخة سواهم من نظرائهم أهل فقه وفضل وربما اختلفوا في الشيء فأخذ يقول أكثرهم إنهم كانوا يقولون: لا يصدق المصدق إلا ما أتى عليه لا ينظر إلى غير ذلك وقال أبو الزناد وهي السنة» (^٢).
_________________
(١) المدونة (زكاة المديان) (٢/ ٢٧٢).
(٢) البيهقي (٤/ ١٤٨)، والمدونة (١/ ٣٢٧) زكاة الماشية يغيب عنها الساعي.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
تعلق الزكاة بصاحب الدين:
انتقل يتكلم على تعلق الزكاة بصاحب الدين فقال:
(ولا زكاة عليه)؛ أي: على من له مال (في دين) أصله عين عنده أو عرض تجارة (حتى يقبضه) يريد بالدين دين القرض، ودين البيع إذا كان محتكرا، مثال ذلك أن يكون عنده مال فسلفه لرجل أو يشتري به سلعة ثم يبيعها بدين. وإن أقام الدين (أعواما) عند المدين (فإنما يزكيه) ربه (لعام واحد) لما مضى من السنين (بعد قبضه) إذا كان نصابا أو مضافا إلى مال عنده قد جمعه وإياه الحول فيكمل به النصاب.
وظاهر قول المصنف إنما يزكيه لعام واحد إلخ، وإن كان تأخيره فرارا من الزكاة والذي قاله ابن القاسم: إن تركه فرارا من الزكاة زكى ما مضى من السنين، وإنما قيدنا قوله في دين بقولنا: أصله عين أو عرض تجارة احترازا مما إذا لم يكن كذلك بأن كان من ميراث مثلا، فإنه يستقبل به كما سيصرح به، وقيدنا دين البيع بما إذا كان محتكرا احترازا مما إذا كان مديرا، فإن حكم دينه حكم عروضه يقوم (^١).
(وكذلك العرض) يعني عرض تجارة الاحتكار فحكمه حكم الدين إذا كان أصله عينا، فإنه إنما يزكى لعام واحد، وإن أقام أعواما كثيرة (حتى يبيعه) وهذا مكرر مع قوله قبل، فإذا بعتها بعد حول إلخ …، ولعله إنما كرره ليرتب عليه:
حول الهبة والميراث:
بقوله: (وإن كان الدين أو العرض من ميراث)؛ أي: أتى له من ميراث ولم يقبضه إلا بعد أعوام، أو كان العرض الذي باعه من ميراث؛ أي: أتى له عرض من ميراث، ثم باعه بثمن ولم يقبض ذلك الثمن إلا بعد أعوام، أو كان الدين من هبة أو صدقة بيد واهبها أو متصدقها، أو صداقا بيد زوج أو خلع
_________________
(١) مناهج التحصيل (٢/ ٢٢٤).
[ ٢ / ٦٨٩ ]
بيد دافعه، أو أرش جناية بيد جانيه أو وكيله فلا زكاة فيه إلا بعد حول من قبضه، ولو أخره فرارا. ولو بقيت العطية بيد معطيها قبل القبول والقبض سنين فلا زكاة فيها لما مضى من الأعوام على واحد منهما، لا على المعطى بالفتح لعدم القبض ولا على المعطي بالكسر عند سحنون، لأنه بقبول المعطى بالفتح تبين أنها على ملكه من يوم الصدقة ولذا تكون له الغلة من يوم العطية (فليستقبل حولا بما يقبض منه)؛ يعني: من الدين أو من ثمن القرض سواء تركه فرارا من الزكاة أم لا.
زكاة مال الصبي:
(وعلى الأصاغر الزكاة في أموالهم في العين والحرث والماشية) لما في «الموطأ» (^١) عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أنه قال: كانت عائشة ﵂ تليني أنا وأخي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة. وفيه عن عمر ﵁: «اتجروا في أموال اليتامى لئلا تأكلها الزكاة» رواه الشافعي مرسلا ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي (^٢)، وروي من حديث أنس ﵁ (^٣) وروي بلفظ: «من ولي يتيما له مال، فليتجر له به، ولا يتركه تأكله الصدقة» (^٤).
ولا يخرج ولي الأيتام الزكاة عنهم إلا بعد أن يرفع الأمر للإمام أو
_________________
(١) الاستذكار، ٦ باب: زكاة أموال اليتامى والتجارة لهم فيها (٣/ ١٥٤).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٢٥١) بلاغا، ووصله الدارقطني (٣/ ٦) رقم (١٩٧٣)، قال البيهقي في السنن (٤/ ١٠٧): «إسناده صحيح، وله شواهد عن عمر ثم ذكرها ..». اه.
(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤١٥٢)، وهو في المجمع (٣/ ٢٠٧)، وقال: «أخبرني سيدي وشيخي أن إسناده صحيح» لكن الدارقطني قال: علي بن سعيد ليس بذاك والفرات بن محمد، قال ابن الحارث: كان ضعيفا متهما بالكذب؛ لكن كما قلت للحديث شواهد والله أعلم.
(٤) رواه الترمذي (٦٤١) قال الترمذي: وقال: إنما يروى هذا الحديث من هذا الوجه وفي إسناده مقال؛ لأن المثنى يضعف في الحديث ورواه البيهقي في الشعب، وفيه المثنى بن الصباح ضعيف وهو من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه خلاف. انظر: تلخيص الحبير (٢/ ١٥٧ - ١٥٨).
[ ٢ / ٦٩٠ ]
القاضي. ومثل الأصاغر في وجوب الزكاة في أموالهم المجانين. ثم إن الزكاة في مال الصبي والمجنون هي من باب الخطاب الوضعي ومتعلقه الأسباب والشروط والموانع.
وقوله: (وزكاة الفطر) روي بالرفع مبتدأ لخبر محذوف؛ أي: وعليهم زكاة الفطر وبالجر عطفا على ما قبله، وفي الجر ركة، إذ يصير تقديره حينئذ:
وعلى الأصاغر الزكاة في زكاة الفطر إلا أن يقال: يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع.
• حكم زكاة مال العبد، وماذا عليه لو أعتق:
(ولا زكاة على عبد) قن (ولا على من فيه بقية رق) (^١) كالمدبر والمكاتب والمعتق بعضه، زاد في المدونة ولا على ساداتهم عنهم (^٢)، أما عدم وجوبها على العبد فلقوله تعالى: ﴿عبدا مملوكا لا يقدر على شيء﴾ [النحل: ٧٥] (^٣)؛ أي: لا يملك ملكا تاما. ولقوله ﷺ: «من باع عبدا فماله لسيده إلا أن يشترط المبتاع» (^٤)، فقال: فماله: أي الذي بيده (للذي باعه)؛ أي: لا له، فيكون بمنزلة الفقير الذي ليس عنده مال، والفقير لا تجب عليه بالاتفاق؛ ولقول عمر وابن عمر وجابر ﵃: «ليس في مال العبد زكاة» (^٥)، واخرج أيضا عن ابن عمر وجابر أنهما قالا: «ليس في مال المكاتب ولا العبد زكاة» (^٦) وأما عدم وجوبها على السيد فلأن المال بيد غيره، والإشارة (في) قوله: (ذلك كله) عائدة على جميع ما تقدم من العين والحرث والماشية
_________________
(١) حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك. انظر: الإجماع (ص ١٣) وستأتي أنواع الرقيق في الفرائض بحول الله تعالى.
(٢) المدونة (١/ ٢١٣).
(٣) وانظر: تفسير القرطبي (١٠/ ١٤٧).
(٤) رواه البخاري (٢٢٠٥)، ومسلم (٢٨٥٤)، وأبو داود (٢٩٧٨)، والنسائي في «الكبرى» (٤٩٦٤).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠٢٣٦).
(٦) مصنف ابن أبي شيبة (١٠٢٣٣)، والبيهقي في السنن (٤/ ١٠٨).
[ ٢ / ٦٩١ ]
وزكاة الفطر (فإذا أعتق) العبد أو من فيه بقية رق (فليأتنف)؛ أي: يستأنف (حولا)؛ أي: عاما (من يومئذ)؛ أي: من يوم عتقه (بما يملك) وروي بما ملك من ماله إن كان مما يشترط فيه الحول وهو العين والماشية، وإن كان مما لا يشترط فيه الحول وهو الحبوب والثمار وعتق قبل الطيب وجبت عليه الزكاة، وأما إن عتق بعد الطيب فلا زكاة عليه.
ما جاء في عدم زكاة الخيل والرقيق:
(ولا زكاة على أحد في عبده وخادمه) قال ابن عمر: العبد تارة يطلق على الذكر دون الأنثى وهو ما ذكر هنا، وكذا قوله: وعلى العبد في الزنى خمسون جلدة. ويطلق على الذكر والأنثى وهو قوله قبل هذا: ولا زكاة على عبد، (و) كذا لا زكاة على أحد في فرسه وداره ولا في (ما يتخذ للقنية من الرباع والعروض) ولا يخلو من تكرار مع قوله قبل: ولا زكاة في العروض. قال بعضهم: كرره إشارة لحديث «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» (^١).
لا زكاة في حلي النساء المستعمل:
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا فيما يتخذ للباس) للنساء (^٢) (من الحلي) بفتح الحاء وسكون اللام واحد حلي بضم الحاء وكسر اللام كثدي، وظاهر كلامه أن الحلي إذا كان متخذا للكراء تجب فيه الزكاة، وظاهر
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٨٦)، والبخاري (١٤٦٣)، ومسلم (٢٢٣٥).
(٢) وقول الأزهري في الثمر الداني وبعض الشراح: «ولو كان ملكا لرجل» مخالف لما ذكره العلماء من وجوب الزكاة في الحلي الذي لا يجوز اتخاذه سواء كالخاتم من الذهب أو السوار للرجل مع الإثم، أو كان للمرأة كالمكحلة والميل، أو كان لهما معا كالإناء والملعقة ونحوهما. انظر: الأم للشافعي (٢/ ٤١)، والمجموع للنووي (٦/ ٣٢)، شرح الزرقاني للموطأ (٢/ ١٠٢)، والمغني لابن قدامة (٣/ ٩)، وللأحناف كما في الهداية (١/ ٥٢٤)، وانظر: كتاب زكاة الحلي على المذاهب الأربعة للشيخ عطية محمد سالم، رحم الله تعالى الجميع.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
«المدونة» (^١) عدم الزكاة، وهو المعتمد؛ وحجتهم في ذلك حديث جابر عن النبي ﷺ: «ليس في الحلي زكاة» (^٢) وسند الحديث ضعيف (^٣).
وأما الحلي المتخذ بنية التجارة فتجب زكاته بإجماع سواء كان لرجل أو امرأة، ويزكيه لعام من حين نوى به التجارة؛ أي: يزكي وزنه كل عام إذا كان فيه نصاب أو عنده من الذهب والفضة ما يكمل النصاب، وكذا تجب الزكاة فيما كان متخذا للعاقبة كان لرجل أو امرأة.
قال شيخنا علي السالوس (^٤): فأما حلي النساء فهي حلال لهن، واختلف الفقهاء هنا في وجوب الزكاة عليها، بعضهم قالوا تجب زكاتها، لبسها حلال لكن تجب فيها الزكاة، ولكن أكثر الفقهاء يرون أنه ما دامت المرأة تلبسها، ولا يزيد ما تلبس عن حد الحاجة فلا زكاة فيها، فإذا زادت عن الحاجة وجبت فيها الزكاة.
فالحلي التي لا تلبس
أو التي تزيد عن حد المعقول والمعروف
أو التي تشترى بقصد الادخار
تجب فيها الزكاة.
أما بالنسبة للذهب في غير الحلي، كالذهب في الأواني «هذا لهم - أي: الكفار - في الدنيا، ولكم أيها المؤمنون في الآخرة» (^٥) فإن استعملها المسلم
_________________
(١) المدونة (١/ ٢١١).
(٢) البيهقي في المعرفة، وقال: باطل لا أصل له، إنما يروى عن جابر من قوله. انظر: تفصيل إسناده في نصب الراية (٢/ ٣٧٤)، ورواه الدارقطني موقوفا في سننه، وانظر: أقوال العلماء والترجيحات في ذلك في كتاب الشيخ عطية محمد سالم، تستفد إن شاء الله تعالى.
(٣) تنوير المقالة (٣/ ٣١٥ - ٣١٦).
(٤) موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة بتصرف يسير (٥٠٨) التطبيق المعاصر للزكاة.
(٥) من حديث حذيفة مرفوعا أن النبي ﷺ قال: «يقول: لا تلبسوا الحرير، ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة» البخاري (٧/ ٩٩) (٥٤٢٦)، ومسلم (٦/ ١٣٦) (٥٤٤٥).
[ ٢ / ٦٩٣ ]
فقد ارتكب منكرا عظيما، وعليه الإثم وتلزمه الزكاة .. إلخ. اه.
مسألة: سئل مالك عن رجل يشتري الحلي فيريد أن يحبسه حتى يصدقه امرأته، فيحول عليه الحول، وهو عنده؛ أترى أن يزكيه؟ فقال: نعم (^١).
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
مسألة زكاة الفوائد (أي: ما استفاده من إرث ونحوه):
(ومن ورث عرضا، أو وهب له، أو رفع من أرضه زرعا فزكاه، فلا زكاة عليه في شيء من ذلك حتى يباع ويستقبل به حولا من يوم يقبض ثمنه) بما يقبض منه استفيد من قوله قبل: أو العرض من ميراث إلخ.
وما ذكره يسمى مسألة زكاة الفوائد؛ أي: ما عدا قوله: ومن رفع من أرضه زرعا.
والفائدة ما تجدد من المال من غير أصل كالموروث والموهوب، أو تجدد عن مال غير مزكى كثمن عرض القنية. وظاهر قوله: حتى يباع، سواء بيع بالنقد أو إلى أجل، وظاهره أيضا تركه فرارا من الزكاة أم لا. والأصل في زكاة المال المستفاد حديث ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من استفاد مالا، فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول» (^٢).
وقوله: أو رفع من أرضه زرعا خرج مخرج الغالب، إذ الحكم كذلك إذا رفعه من غير أرضه كما إذا استأجر أرضا فزرعها، فالحكم فيهما سواء، وكذا قوله: فزكاه؛ أي: الزرع خرج مخرج الغالب أيضا، فإن حكمه كذلك إذا لم يزكه، وقوله: بما يقبض منه بدل من به؛ أي: يستقبل بما يقبض من ثمنه، أي بما يقبضه، وقوله: منه، بيان لما.
زكاة المعدن: ثم شرع يتكلم على المعدن فقال: (وفيما يخرج من المعدن) بفتح الميم وكسر الدال من عدن بفتح الدال في الماضي وكسرها في المستقبل عدونا إذا أقام، ومنه جنة عدن؛ أي: إقامة (من ذهب أو فضة) بيان
_________________
(١) البيان والتحصيل (٢/ ٣٦٠).
(٢) رواه الترمذي وغيره، وقد تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
لما يخرج (الزكاة) ظاهره ولو كان ندرة بفتح النون وسكون المهملة (^١)، وهو ما يوجد من ذهب أو فضة بغير عمل أو عمل يسير (^٢)، والمشهور أن فيها الخمس لحديث أبي هريرة مرفوعا: «وفي الركاز الخمس» (^٣)، حيث جعلوها ركازا، ويدفع ذلك الخمس للإمام إن كان عدلا وإلا فرق على فقراء المسلمين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الركاز: هو الذهب الذي ينبت من الأرض» (^٤) وفي حديث عنه ﵇ أنه قال: «وفي السيوب الخمس» (^٥) قال أبو سعيد: «والسيوب عروق الذهب والفضة التي تحت الأرض» (^٦).
وروى مالك والشافعي عنه عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد: «أن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية، وهي من ناحية الفرع» (^٧) فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة، وقال ابن عبد البر (^٨): هذا منقطع في «الموطأ» وقد روي متصلا على ما ذكرنا في التمهيد من رواية الدراوردي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني عن أبيه عن النبي ﷺ، ورواه البيهقي من هذا الوجه بلفظ: «أن رسول الله ﷺ أخذ من المعادن القبلية (^٩) الصدقة، وأنه أقطع
_________________
(١) الندرة (بفتح فسكون): القطعة من الذهب والفضة توجد في المعدن.
(٢) المسالك (٤/ ٣١).
(٣) رواه البخاري (١/ ٣٨١)، ومسلم (٣/ ١٢٧).
(٤) الطبراني في الأوسط (١٧١٨٣).
(٥) الأحاد والمثاني لابن أبي عاصم، والطبراني في معجمه الكبير (١٧١٨٣).
(٦) لسان العرب (٧/ ٣١٥).
(٧) مالك في الموطأ (٨٥١)، وأبو داود (٣٠٦١).
(٨) الاستذكار (٣/ ١٤٣)، وانظر: التمهيد (٣/ ١٣٧)، ومسند أحمد (١/ ٣٠٦)، وأبو داود (٣٠٦٢).
(٩) قال صاحب عون المعبود: (معادن القبلية): قال في المجمع: هي منسوبة إلى قبل بفتح القاف والباء وهي ناحية من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام، وقيل: هو بكسر قاف ثم لام مفتوحة ثم باء انتهى. وفي النهاية نسبة إلى قبل بفتح القاف والباء، وهذا هو المحفوظ في الحديث. وفي كتاب الأمكنة: القلبة بكسر القاف =
[ ٢ / ٦٩٥ ]
بلال بن الحارث العقيق أجمع الحديث (^١)، وروى سحنون عن أشهب عن ابن أبي الزناد أن أباه حدثه أن عمر بن عبد العزيز كان يأخذ من المعادن ربع العشر.
قال ابن العربي: وأما تراب المعدن، فلا نعلم أحدا من أهل اللغة سماه ركازا (^٢).
ولا زكاة في معدن غير الذهب والفضة من معادن الرصاص والنحاس والحديد والزرنيخ إذا بلغ الخارج من معدن الذهب (وزن عشرين دينارا أو) بلغ الخارج من معدن الفضة وزن خمسة أواق فضة إثبات التاء لغير المؤنث (ف) حينئذ يكون في ذلك الخارج (ربع العشر) لا الخمس لعموم قوله: «وليس فيما دون خمس أواق صدقة»؛ أي بطريق المفهوم، فإن مفهومه أنه إذا كان خمس أواق فيها الزكاة وهو شامل للمعدن وظاهر قوله: (يوم خروجه)؛ أي: يوم خلاصه أنه لا يشترط فيه الحول، قال الأقفهسي: يريد الشيخ أن الحول ليس بشرط، ويريد بعد تصفيته، لأن الوجوب لا يتعلق به إلا بعد التصفية وهو أحد قولين المشهور منهما ما حمل عليه الأقفهسي الرسالة بقوله: يريد بعد تصفيته، وظاهرها أن الوجوب يتعلق بإخراجه، ولا يتوقف على التصفية، وإنما يتوقف عليها الإخراج للفقراء. لأن الحول يراد لكمال النماء وبالوجود يصل إلى النماء فلم يعتبر فيه الحول كالمعشر.
_________________
(١) =وبعدها لام مفتوحة ثم باء. انتهى. وقال: (الفرع): بضم فاء وسكون راء موضع بين الحرمين قال الزرقاني في شرح الموطأ: الفرع بضم الفاء والراء كما جزم به السهيلي وعياض في المشارق. وقال في كتابه التنبيهات: هكذا قيده الناس وكذا رويناه. وحكى عبد الحق عن الأحول إسكان الراء ولم يذكره غيره انتهى. فاقتصار صاحب النهاية والنووي في تهذيبه على الإسكان مرجوح. قال في الروض بضمتين من ناحية المدينة. اه. وأما وادي العقيق، وهو بقرب البقيع بينه وبين المدينة أربعة أميال. روى الزبير بن بكار في «أخبار المدينة» أن تبعا لما رجع من المدينة انحدر في مكان فقال: هذا عقيق الأرض، فسمي العقيق.
(٢) مالك في الموطأ (الزكاة في المعادن) (٥١٩)، وأبو داود (٣/ ١٧٣).
(٣) المسالك (٤/ ٣٢).
[ ٢ / ٦٩٦ ]
(وكذلك فيما يخرج من معدن الذهب والفضة (بعد ذلك)؛ أي: بعد ما خرج منه نصاب إذا كان متصلا به؛ أي: بالنصاب المخرج أولا (وإن قل). لحديث فما زاد فبحساب ذلك) (^١) وهذا الاتصال يحتمل أن يكون في النيل، وأن يكون في العمل، وأن يكون فيهما معا. فالاحتمالات ثلاثة يرجح أولها قوله: (فإن انقطع نيله)؛ أي: عرقه الذي في المعدن (بيده)؛ أي: بعمله بأن تبعه حتى انقضى فأطلق اليد هنا على العمل، (وابتدأ) آخر (غيره لم يخرج شيئا حتى يبلغ) الخارج بعد النصاب الذي خرج أولا (ما فيه الزكاة) فإن لم يبلغ نصابا فلا زكاة فيه.
• الجزية وشروطها:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وتؤخذ الجزية من رجال أهل الذمة الأحرار البالغين، ولا تؤخذ من نسائهم وصبيانهم وعبيدهم، وتؤخذ من المجوس ومن نصارى العرب.
والجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعون درهما، ويخفف عن الفقير.
ويؤخذ ممن تجر منهم من أفق إلى أفق عشر ثمن ما يبيعونه وإن اختلفوا في السنة مرارا.
وإن حملوا الطعام خاصة إلى مكة والمدينة خاصة أخذ منهم نصف العشر من ثمنه.
ويؤخذ من تجار الحربيين العشر إلا أن ينزلوا على أكثر من ذلك).
الشرح
الجزية: عرفها ابن رشد بقوله: ما يؤخذ من أهل الكفر جزاء على تأمينهم وحقن دمائهم مع إقرارهم على الكفر، وهي مشتقة من الجزاء وهو
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
المقابلة، لأنهم قابلوا الأمان بما أعطوه من المال، فقابلناهم بالأمان وقابلونا بالمال» (^١).
والجزية ثلاثة أنواع: صلحية، وعنوية، وعشرية (^٢).
• ممن تؤخذ الجزية؟:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وتؤخذ الجزية من رجال أهل الذمة والأحرار البالغين، ولا تؤخذ من نسائهم) ولا من (صبيانهم) ولا من (عبيدهم) لقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صغرون﴾ [التوبة: ٢٩] ولحديث المغيرة بن شعبة ﵁ أنه قال لكسرى: «أمرنا نبينا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية» (^٣)؛ وفي حديث بريدة ﵁: «… فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية …» (^٤)، وإنما لم تؤخذ من هؤلاء الثلاثة - أعني النساء والصبيان والعبيد - لأن الله تعالى إنما أوجبها على من قاتل، وقد قال تعالى: ﴿قاتلوا﴾ … الآية وبحسب الغالب لا يكون ذلك إلا من الرجال دون النساء والصبيان (^٥)، وعن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أمراء الأجناد لا تضربوا الجزية على النساء والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليهم المواسي" (^٦)، "وكان يختم أهل الجزية في أعناقهم" (^٧)،
_________________
(١) حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني (١/ ٤٣٣)، وانظر: مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة للرجراجي (٢/ ٢٧٥)، ابن حزم.
(٢) انظر: بداية المجتهد (٢/ ٢٠٩)، وتبيين المسالك (٢/ ٤٦٥).
(٣) أخرجه البخاري (٤/ ١١٨) (٣١٥٩ و٣١٦٠) و(٩/ ١٨٩) (٧٥٣٠)، وفي «خلق أفعال العباد» (٥٣).
(٤) مسلم (٥/ ١٣٩)، وأبو داود (٢٦١٢)، والترمذي (١/ ٣٠٥).
(٥) بداية المجتهد (٢/ ٢٠٦).
(٦) رواه البيهقي (٩/ ١٩٥) بسند صحيح، وأبو عبيد في كتاب الأموال (٩٣).
(٧) ابن أبي شيبة (٧/ ٥٨٢).
[ ٢ / ٦٩٨ ]
قال مالك: «مضت السنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب، ولا على صبيانهم. وأن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال الذين قد بلغوا الحلم. فهذا إجماع من علماء المسلمين لا خلاف بينهم فيه أن الجزية إنما تضرب على البالغين من الرجال دون النساء والصبيان» (^١).
قال ابن المنذر: ولا أعلم عن غيرهم خلافهم (^٢).
وأما العبيد فشأنهم الشغل بخدمة ملاكهم فليسوا مقاتلين بحسب الشأن، وقال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنه لا جزية على العبد كذا نقل ابن قدامة عنه (^٣).
ويؤخذ من كلام المصنف أن لأخذ الجزية أربعة شروط:
١ - الذكورية، ٢ - والبلوغ، ٣ - والحرية، ٤ - والكفر (^٤)، ويشترط أيضا أن يكون مخالطا لأهل دينه، فلا تؤخذ من المنعزل بدير أو صومعة، ويشترط في الكافر أن يقر على كفره؛ فالمرتد لا تؤخذ منه إذ لا يقر على كفره.
وبقي شرطان: العقل والقدرة على أدائها، فلا تؤخذ من المجنون ولا من الفقير الذي لا شيء عنده.
(وتؤخذ من المجوس) اتفاقا عند المذاهب (^٥)، والمجوس جمع مجوسي منسوب إلى مجوسة نحلة، والنحلة الدعوى كما في «الصحاح» و«القاموس» و«المصباح»؛ أي: ملة مدعاة وهي بالنون والحاء لا بالميم، مالك، أنه بلغه «أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس البحرين»؛ وفعله
_________________
(١) الاستذكار (٣/ ٢٥٠)، وانظر: الكافي له (١/ ٤٧٩)، وانظر: شرح الرسالة للقاضي (١/ ٤٢٤).
(٢) الإجماع (٥٩) كتاب الجهاد، تحقيق: فؤاد عبد المنعم، ط: قطر.
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٩/ ٣٤١).
(٤) بداية المجتهد لابن رشد (٢/ ٢٠٦).
(٥) انظر: الهداية للمرغيناني (١/ ٢١٠)، والإشراف (٢/ ١٠١ - ١٠٢)، والمغني (١٠/ ٥٦٩)، وروضة الطالبين (٧/ ١٣٥ - ١٣٦).
[ ٢ / ٦٩٩ ]
بعد رسول الله ﷺ: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃.
وأن عمر أخذها من مجوس فارس.
وأن عثمان أخذها من البربر (^١).
ولحديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه لم يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف ﵁: «أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر» (^٢)، وعن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه: «أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»» (^٣).
ثم قال: وأما قوله: «سنوا فيهم سنة أهل الكتاب»، فهو من الكلام الخارج مخرج العموم، والمراد منه الخصوص، لأنه إنما أراد: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب في الجزية، لا في نكاح نسائهم، ولا في أكل ذبائحهم».
وهذا لا خلاف فيه بين العلماء إلا شيء يروى عن سعيد بن المسيب: «أنه لم ير بذبح المجوس لشاة المسلم إذا أمره المسلم بذبحها بأسا، والناس على خلافه» (^٤).
(و) تؤخذ من نصارى العرب لعموم الآية والأدلة الأخرى ولحديث أنس ﵁: «أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة (^٥) فأخذ فأتوه
_________________
(١) الاستذكار (٣/ ٢٤١)
(٢) البخاري (٤/ ١١٧) (٣١٥٦ و٣١٥٧)، والترمذي (١٥٨٦) وفي (١٥٨٧)، والنسائي في «الكبرى» (٨٧١٥).
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (٧٥٦)، وهذا السند منقطع روي متصلا من أوجه حسان، كما قال ابن عبد البر وعبد الرزاق (١٠٠٢٥ و١٩٢٥٣).
(٤) الاستذكار (٣/ ٢٤١).
(٥) أكيدر دومة الجندل وأكيدر دومة هو أكيدر تصغير أكدر ودومة بضم المهملة وسكون الواو بلد بين الحجاز والشام، وهي دومة الجندل مدينة بقرب تبوك بها نخل وزرع وحصن على عشر مراحل من المدينة وثمان من دمشق، وكان أكيدر ملكها وهو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن بالجيم والنون بن أعباء بن الحارث بن معاوية =
[ ٢ / ٧٠٠ ]
به، فحقن له دمه وصالحه على الجزية» (^١)، ووجه الدليل منه أنه أكيدر دومة من العرب، وقال ابن القيم: وأخذها رسول الله ﷺ وخلفاؤه من بعده من نصارى العرب، ولم يسألوا أحدا منهم عن مبدأ دخوله في النصرانية هل كان قبل المبعث أو بعده، وهل كان بعد النسخ والتبديل أم لا؟ اه (^٢).
قال عبد الوهاب: العرب والعجم وبنو تغلب وغيرهم في ذلك سواء، قصد بذلك التعميم ردا لمن خالف، فقد قيل: إنها لا تؤخذ من العرب وليس إلا القتل أو الإسلام، وقال الثوري: إنها لا تؤخذ من نصارى بني تغلب فرقة من العرب فالنصرانية ليست متأصلة فيهم، لأن المتأصل فيها من أنزل عليه الإنجيل. فرده بقوله: وبنو تغلب وغيرهم في ذلك سواء لقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ … [التوبة: ٢٩] الآية، ولأن الشرك قد شملهم.
• القيمة المقدرة على أهل الجزية:
بين المصنف قيمة الجزية فقال:
(والجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعون درهما) فعن أسلم مولى عمر بن الخطاب «أن عمر بن الخطاب ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهما مع ذلك أرزاق المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام» (^٣)، هذا في حق أهل العنوة، وهم قوم من
_________________
(١) = ينسب إلى كندة وكان نصرانيا. وكان النبي ﷺ أرسل إليه خالد بن الوليد في سرية فأسره وقتل أخاه حسان وقدم به المدينة فصالحه النبي ﷺ على الجزية وأطلقه، ذكر ابن إسحاق قصته مطولة في المغازي. انظر: الفتح (كتاب الهبة، قبول الهدية من المشركين).
(٢) أبو داود (٣٠٣٧)، والبيهقي وسنده لا بأس به بل رجاله ثقات لولا عنعنة محمد بن إسحاق.
(٣) أحكام أهل الذمة لابن القيم، باب: معاملة أهل الذمة متوقفة على أديانهم لا أنسابهم وهو كتاب نفيس في بابه فلينظر.
(٤) الموطأ (٢/ ١٤٠)، ورواه أبو عبيد في الأموال، والبيهقي في السنن (٩/ ١٩٦)، انظر: جواهر الإكليل (٢/ ٢٦٧).
[ ٢ / ٧٠١ ]
الكفار فتحت بلادهم قهرا وغلبة، وكذا أهل الصلح، وهم قوم من الكفار حموا بلادهم حتى صالحوا على شيء يعطونه من أموالهم إن أطلق ولم يقدر عليهم شيء معين، أما إن قدر عليهم شيء معين أخذ منهم قليلا كان أو كثيرا (و) إذا أخذت منهم فإنه (يخفف عن الفقير) بقدر ما يراه الإمام، فإن لم يكن له قدرة على شيء سقطت عنه (^١).
وقال ابن حبيب: لا تؤخذ من الفقير، واستحسنه اللخمي (^٢)، ولنعم السياسة الاقتصادية كانت من الملهم أمير المؤمنين الفاروق أبي حفص عمر بن الخطاب ﵁.
وتؤخذ ممن تجر منهم (بفتح الجيم في الماضي وضمها في المضارع)؛ أي: من أهل الذمة رجالا كانوا أو نساء أحرارا كانوا أو عبيدا بالغين كانوا أو صبيانا (من أفق) بضم الهمزة والفاء وسكونها (إلى أفق)؛ أي من محل إلى غير محل جزيته؛ أي: من إقليم إلى إقليم آخر، والأقاليم خمسة مصر والشام والعراق والأندلس والمغرب (عشر ثمن ما يبيعونه) عند ابن القاسم، وقال ابن حبيب عشر ما يدخلون به كالحربيين:
فعلى قول ابن القاسم لو أرادوا الرجوع قبل أن يبيعوا أو يشتروا لا يجب عليهم، وهو ظاهر كلام الشيخ (^٣).
وعلى قول ابن حبيب يجب عليهم، ومنشأ الخلاف هل المأخوذ منهم لحق الانتفاع أو لحق الوصول إلى القطر.
ومفهوم كلامه أنه لا يؤخذ منهم العشر إذا تجروا في بلادهم وهو كذلك.
ثم بالغ على أخذ عشر الثمن فقال: (وإن اختلفوا)؛ أي: ترددوا في السنة مرارا وقال الإمامان أبو حنيفة والشافعي: لا يؤخذ منهم في السنة إلا
_________________
(١) الكافي لابن عبد البر (١/ ٤٧٩).
(٢) حاشية العدوي (١/ ٤٩٢).
(٣) تنوير المقالة (٣/ ٣٣٧).
[ ٢ / ٧٠٢ ]
مرة واحدة، لنا ما فعل عمر لله. وللعمل حكاه مالك في «الموطأ» فقال: «وإن اختلفوا في العام الواحد مرارا إلى بلاد المسلمين فعليهم كلما اختلفوا العشر، لأن ذلك ليس مما صالحوا عليه، ولا مما شرط لهم وهذا الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا» (^١)، ولتكرر الانتفاع والحكم يتكرر بتكرر سببه.
(وإن حملوا)؛ أي: أهل الذمة (الطعام خاصة) قيل المراد به الحنطة والزيت خاصة. وقيل: المراد به كل ما يقتات به أو يجري مجراه فيدخل في ذلك الحبوب والقطاني والزيتون والأدهان وما في معنى ذلك المذكور من الزيوت والأدهان؛ أي: من بقية الأدم ومن المصلح كجبن وعسل وملح. فعن عبيد الله بن عبد الله أن عمر بن الخطاب استعمل أباه ورجلا آخر على صدقات أهل الذمة مما يختلفون به إلى المدينة فكان يأمرهم أن يأخذوا من القمح نصف العشر تخفيفا عليهم ليحملوا إلى المدينة ومن القطنية وهي الحبوب العشر (^٢).
وعن عبد الله بن عمر: «أن عمر بن الخطاب كان يأخذ من النبط، من الحنطة والزيت، نصف العشر؛ يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة، ويأخذ من القطنية العشر» (^٣).
ورواه سحنون في «المدونة» «عن عمر بن الخطاب أنه قال لأهل الذمة الذين كانوا يتجرون إلى المدينة: إن تجرتم في بلادكم فليس عليكم في أموالكم زكاة وليس عليكم إلا جزيتكم التي فرضنا عليكم، وإن خرجتم وضربتم في البلاد وأدرتم أموالكم أخذنا منكم وفرضنا عليكم كما فرضنا جزيتكم فكان يأخذ منهم من كل ما جلبوا من الطعام نصف العشر كلما قدموا به من مرة ولا يكتب لهم براءة كما يكتب للمسلمين إلى الحول فيأخذ منهم كلما جاءوا وإن جاءوا في السنة مائة مرة» (^٤).
_________________
(١) الاستذكار (٣/ ٢٥١).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٨٨).
(٣) الموطأ، كتاب الزكاة (عشور أهل الذمة) (٥٤٧).
(٤) المدونة (في تعشير أهل الذمة)، وانظر: مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في =
[ ٢ / ٧٠٣ ]
(ويؤخذ من تجار الحربيين العشر)؛ أي: عشر ما قدموا به باعوا أو لم يبيعوا وسواء باعوا في بلد واحد أو في جميع بلاد الإسلام، وهو قول ابن القاسم، وتقدم مذهبه في أهل الذمة أنه لا يؤخذ منهم حتى يبيعوا، فعن عمرو بن شعيب أن أهل منبج قوم من أهل الحرب وراء البحر كتبوا إلى عمر بن الخطاب دعنا ندخل أرضك تجارا وتعشرنا، قال فشاور عمر أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك فأشاروا عليه به فكانوا أول من عشر من أهل الحرب» (^١).
وعن الحسن قال: «كتب أبو موسى إلى عمر ﵁ إن تجار المسلمين إذا دخلوا دار الحرب أخذوا منهم العشر، قال فكتب إليه عمر ﵁ خذ منهم إذا دخلوا إلينا مثل ذلك العشر، وخذ من تجار أهل الذمة نصف العشر، وخذ من المسلمين من مائتين خمسة فما زاد في كل أربعين درهما درهم (^٢).
وعن أنس بن مالك قال: «بعثني عمر بن الخطاب ﵁ على العشور وكتب لي عهدا أن آخذ من المسلمين مما اختلفوا فيه بتجارتهم ربع العشر، ومن أهل الذمة نصف العشر، ومن أهل الحرب العشر»، والفرق بينهما أن أهل الحرب قد حصل لهم الأمان ما داموا في أرض الإسلام، وجميع بلاد الإسلام كالبلد الواحدة.
وأما أهل الذمة فإنما يؤخذ منهم لانتفاعهم، وهم غير ممنوعين من بلادنا، فلما تكرر نفعهم تكرر الأخذ منهم.
وظاهر كلام الشيخ: أنه لا ينقص من العشر وإن رآه الإمام، وهو قول مالك وأشهب، وحاصله أنه إن كان قبل النزول يجوز أن يتفق معهم على أكثر من العشر، وإن كان بعد النزول لم يؤخذ منهم إلا العشر.
وقال ابن القاسم: يؤخذ منهم بحسب ما يراه الإمام. وصرح مرزوق
_________________
(١) = شرح المدونة للرجراجي (٢/ ٢٦٥).
(٢) الخراج لأبي يوسف (١٤٩).
(٣) الخراج ليحيى بن آدم القرشي (٢/ ٧٥).
[ ٢ / ٧٠٤ ]
بمشهوريته. وكذلك لا يزاد على العشر شيء. هذا كله إذا دخلوا بأمان مطلق، وأما إذا شارطوا على أكثر من ذلك عند عقد الأمان فأشار إليه بقوله: (إلا أن ينزلوا على أكثر من ذلك)؛ أي: من العشر فيجوز أخذ الأكثر الذي وقع عليه الشرط، قال ابن ناجي: ولا يمكنون من بيع خمر لمسلم باتفاق، والمشهور تمكينهم لغيره. ونص عبارة ابن عمر: إذا قدموا بالخمر والخنزير فإن كان هناك أهل الذمة الذين يشترون منهم ذلك تركوا، ويؤخذ منهم العشر بعد البيع، وإن لم يكن هناك من يبتاع ذلك منهم ردوا به ولم يتركوا يدخلون به (^١).
• الركاز:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وفي الركاز وهو دفن الجاهلية الخمس على من أصابه).
الشرح
(وفي الركاز وهو) المال المركوز في الأرض، مخلوقا كان أو موضوعا.
والمركوز بمعنى المثبوت. ومنه ركز رمحه يركزه - بضم الكاف - إذا غوره وأثبته (^٢)، وعلى ما قال صاحب العين يقال لما يوضع في الأرض، ولما يخرج من المعدن من قطع الذهب والورق (^٣).
واصطلاحا: هو (دفن الجاهلية) زاد في الواضحة خاصة؛ وأما الكنز فيقع على دفن الجاهلية ودفن الإسلام، والدفن بكسر الدال المهملة بمعنى المدفون كالذبح بمعنى المذبوح.
واختلف هل هو خاص بجنس النقدين أو عام فيه وفي غيره كاللؤلؤ والنحاس والرصاص، قولان لمالك اقتصر صاحب «المختصر» على الثاني،
_________________
(١) حاشية العدوي (١/ ٤٩٤).
(٢) المسالك في شرح موطأ مالك (٤/ ٣١).
(٣) انظر: تفسير القرطبي (٣/ ٣٢٢).
[ ٢ / ٧٠٥ ]
وبالغ فيه على أنه يطلق عليه ركاز. ولو شك أهو جاهلي أم لا إذا التبست الأمارات أو لم توجد لأن الغالب أن ذلك من فعلهم. وقال الفاكهاني: المعروف من المذهب الذي رجع إليه مالك، وأخبر به ابن القاسم تخصيصه بالنقدين، وحكمه أنه يجب فيه (الخمس على من أصابه) ظاهره ولو كان دون النصاب، وهو كذلك على المشهور لأن النبي ﷺ قال: «وفي الركاز الخمس» (^١)، فهو عام في الكثير والقليل.
وظاهر كلامه أيضا أنه لا يشترط في واجده الإسلام والحرية وهو كذلك، وظاهره أيضا أن فيه الخمس ولو وجد بنفقة كثيرة أو عمل في تخليصه، وليس كذلك، وإنما فيه الزكاة على ما في «المدونة» (^٢) و«الموطأ»، وظاهره أيضا أنه لمن وجده مطلقا وقرره ابن عمر بذلك وليس كذلك، بل فيه تفصيل، وهو إن وجده في الفيافي؛ أي: موات أرض الإسلام فهو لواجده، وإن وجده في ملك واحد من الناس فهو له اتفاقا. هذا حكم الركاز.
هـ حكم ما لفظه البحر من اللآلئ والجواهر ونحوهما:
ما لفظه البحر؛ أي: طرحه من جوفه إلى شاطئه كالعنبر واللؤلؤ وسائر الحلية التي يلفظها فهو لمن وجده ولا يخمس. قال الفاكهاني: إلا أن يتقدم ملك معصوم مسلم أو ذمي فقولان: سمع ابن القاسم من طرح متاعه خوف غرقه أخذه ممن غاص عليه، وكذلك ما ترك بمضيعة عجزا عنه ففيه قولان (^٣).
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ٣٨١) ومسلم (٣/ ١٢٧).
(٢) المدونة (١/ ٣٣٩).
(٣) تفسير القرطبي (١٠/ ٨٥).
[ ٢ / ٧٠٦ ]
باب في زكاة الماشية
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وزكاة الإبل والبقر والغنم فريضة، ولا زكاة من الإبل في أقل من خمس ذود وهي خمس من الإبل ففيها شاة جذعة أو ثنية من جل غنم أهل ذلك البلد من ضأن أو معز إلى تسع، ثم في العشر شاتان إلى أربعة عشر، ثم في خمسة عشر ثلاث شياه إلى تسعة عشر، فإذا كانت عشرين فأربع شياء إلى أربع وعشرين، ثم في خمس وعشرين بنت مخاض وهي بنت سنتين، فإن لم تكن فيها فابن لبون ذكر إلى خمس وثلاثين، ثم في ست وثلاثين بنت لبون: وهي بنت ثلاث سنين إلى خمس وأربعين، ثم في ست وأربعين حقة وهي التي يصلح على ظهرها الحمل ويطرقها الفحل وهي بنت أربع سنين إلى ستين، ثم في إحدى وستين جذعة: وهي بنت خمس سنين إلى خمس وسبعين، ثم في ست وسبعين بنتا لبون إلى تسعين، ثم في إحدى وتسعين حقتان إلى عشرين ومائة، فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون.
ولا زكاة من البقر في أقل من ثلاثين، فإذا بلغتها ففيها تبيع عجل جدع قد أوفى سنتين، ثم كذلك حتى تبلغ أربعين فيكون فيها مسنة، ولا تؤخذ إلا أنثى وهي بنت أربع سنين وهي ثنية، فما زاد ففي كل أربعين مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع.
ولا زكاة في الغنم حتى تبلغ أربعين شاة، فإذا بلغتها ففيها شاة جدعة أو ثنية إلى عشرين ومائة، فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة ففيها شاتان إلى مائتي شاة، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياء إلى ثلاثمائة، فما زاد ففي كل مائة شاة.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
ولا زكاة في الأوقاص وهي ما بين الفريضتين من كل الأنعام ويجمع الضأن والمعز في الزكاة، والجواميس والبقر، والبخت والعراب).
الشرح
(باب في) بيان (زكاة الماشية) من حيث حكمها ونصابها وما تزكى به، وإنما أفردها بباب لأنها كذلك وردت في الحديث؛ أي: مفردة، ولأن العمل فيها مختلف؛ أي: من حيث إنه لا ضابط معين بعشر أو نصفه أو ربع عشر.
وبدأ بحكمها فقال: (وزكاة الإبل والبقر والغنم فريضة) وقوة كلامه، يقتضي أن زكاة الماشية محصورة فيما ذكر، وهو كذلك عند معاشر المالكية لقوله ﵊: «ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة» (^١)، ولا زكاة في البغال والحمير، وظاهر كلام المصنف أن الماشية تجب فيها الزكاة مطلقا معلوفة أو عاملة وهو المذهب (^٢)، وعن أبي حنيفة والشافعي وأحمد لا زكاة في العاملة لقوله ﵊ كما في كتاب أبي بكر ﵁: «وصدقة الغنم في سائمتها …» (^٣)، وعن علي ﵁ قال: «ليس في البقر العوامل صدقة» (^٤). وأخذوا بالمفهوم، قال القرافي: «وجوابه أن المفهوم إن قلنا إنه حجة فالإجماع على أنه إذا خرج مخرج الغالب لا يكون حجة وغالب الأنعام اليوم لا سيما في الحجاز فلا يكون حجة سلمنا سلامته عن معارض الغلبة لكن المنطوق مقدم عليه إجماعا وهو معنى قوله ﷺ في كل أربعين شاة شاة وقوله ﷺ في أربع وعشرين فدونها الغنم في كل خمس شاة
_________________
(١) تقدم تخريجه
(٢) المنتقى للباجي (٢/ ١٢١).
(٣) البخاري (١٤٥٤)، ورواه مالك في الموطأ (٢/ ١٥٢)، أنه قرأ كتاب عمر بن الخطاب، وفيه مثل ما في كتاب أبي بكر.
(٤) أبو داود (٢/ ٩٩) بلفظ: «وليس في العوامل شيء»، وصححه الألباني، ورواه الدارقطني (٢/ ١٠٣) حديث رقم (٤)، وبلوغ المرام (٤٨٩). والراجح وقفه.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
وهو عام بمنطوقه ويؤكده أن الزكاة إنما وجبت في الأموال النامية شكرا لنعمة النماء في الأموال، والعلف يضاعف الجسد والعمل يضاعف المنافع فيكون هذا من باب مفهوم الموافقة لا مفهوم المخالفة فثبت الحكم في صورة النزاع بطريق الأولى وانعقد الإجماع على أن كثرة المؤنة لا يؤثر في إسقاط الزكاة بل في تنقيصها (^١).
وبدأ بالكلام على بيان فروض زكاة الإبل اقتداء بالحديث إذ جاء ذلك في كتاب الصدقة المكتوب لعمرو بن حزم.
وفروض زكاتها إحدى عشرة فريضة: أربعة منها المأخوذ فيها من غير جنسها وهو الغنم، وسبعة المأخوذ فيها من جنسها.
وقد أشار إلى أولى الأربعة بقوله: (ولا زكاة من الإبل في أقل من خمس ذود) بذال معجمة في أوله ودال مهملة في آخره (^٢) (وهي خمس من الإبل) لحديث «وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة» من حديث جابر وأبي سعيد (^٣)، فإذا بلغت هذا العدد (ف) الواجب (فيها شاة جذعة أو ثنية) وهما ما أوفى سنة ودخل في الثانية إلا أن الثنية ما أوفت سنة ودخلت في الثانية دخولا بينا والتاء فيهما للوحدة لا للتأنيث، إذ لا فرق بين الذكر والأنثى في الإجزاء (من جل غنم أهل ذلك البلد من ضأن أو معز) فالحكم للغالب فإن كان الغالب الضأن أخذت منه، وإن كان المعز أخذت منه، ولو دفع رب المال بعيرا بدلا عن الشاة الواجبة عليه أجزأه لأنه مواساة من جنس المال بأكثر مما وجب عليه.
وغاية أخذ الشاة (إلى تسع) فالخمس فرض والأربعة وقص، وهي أقل أوقاص الإبل.
(ثم في العشر شاتان إلى أربعة عشر ثم في خمسة عشر ثلاث شياه
_________________
(١) الذخيرة (٣/ ٩٧).
(٢) انظر: تنوير المقالة (٣/ ٣٤٤)، والمسالك لابن العربي (٤/ ١٧).
(٣) أما حديث جابر فرواه مسلم (٣/ ٦٧) (٢٢٣٣) وابن خزيمة (٢٢٩٩)، وأما حديث أبي سعيد فرواه: مالك في «الموطأ» (٦٥٢)، والبخاري (٢/ ١٣٣) (١٤٠٥)، ومسلم (٣/ ٦٦) (٢٢٢٥).
[ ٢ / ٧٠٩ ]
إلى تسعة عشر، فإذا كانت عشرون فأربع شياه إلى أربع وعشرين) فالوقص في كل واحد من هذه الفروض الثلاثة أربعة أيضا ثم شرع في السبعة الباقية فقال:
(ثم في خمس وعشرين بنت مخاض وهي بنت سنتين) ظاهره أنها كملت سنتين والمنصوص لغيره أنها ما أوفت سنة ودخلت في الثانية، وسميت بنت مخاض لأن أمها ماخض؛ أي: حامل لأن الإبل تحمل سنة وتربي سنة، (فإن لم تكن فيها بنت مخاض أو وجدت لكن معيبة (ف) المأخوذ حينئذ على سبيل الوجوب (ابن لبون) وهو ما أكمل سنتين ودخل في الثالثة وقوله: (ذكر) تأكيد لاستفادة الذكورية من قوله ابن فإن عدما؛ أي: بنت مخاض وابن لبون كلفه الساعي بنت مخاض، أي أحب أو كره، فجعل حكم عدم الصنفين كحكم وجودهما، فإن أتاه في تلك الحالة بابن لبون فذلك إلى الساعي بحسب ما يراه، فإن رأى أخذه جاز وإلا لزمه بنت مخاض، وغاية أخذ بنت مخاض أو ابن لبون إلى خمس وثلاثين) فالوقص في هذه الفريضة عشرة (ثم في ست وثلاثين بنت لبون وهي بنت ثلاث سنين ليس مراده ما أوفت ثلاث سنين، بل مراده ما أوفت سنتين ودخلت في الثالثة، وسميت بذلك لأن أمها ذات لبن وغاية أخذها إلى خمس وأربعين فالوقص في هذه الفريضة تسعة ثم في سن وأربعين حقة) بكسر الحاء المهملة (وهي التي يصلح على ظهرها الحمل ويطرقها الفحل) فلو دفع عنها بنتي لبون لم يجزيا عنها ولو عادلت قيمتهما قيمتها خلافا للشافعي (وهي بنت أربع سنين) مراده ما أكملت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة وغاية أخذها (إلى ستين) فالوقص في هذه الفريضة أربعة عشر (ثم) بعد ذلك يتغير الواجب ف (في إحدى وستين جذعة وهي بنت خمس سنين) مراده أيضا ما أكملت أربعة ودخلت في الخامسة سميت بذلك لأنها تجذع سنها؛ أي: تسقطه وهي آخر أسنان ما يؤخذ في الزكاة من الإبل وغاية أخذها إلى خمس وسبعين فالوقص أربعة عشر (ثم في ست وسبعين بنتا لبون إلى تسعين) فالوقص أربعة عشر أيضا (ثم في إحدى وتسعين حقتان إلى عشرين ومائة) فالوقص تسعة وعشرون.
فتلخص من هذا أن أوقاص الإبل على خمس مراتب (فما زاد على
[ ٢ / ٧١٠ ]
ذلك)؛ أي: على المائة وعشرين (ف) الواجب (في كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون) هل تحمل على زيادة العشرات؟ فتستمر فيهن الحقتان إلى مائة وثلاثين، أو على مطلق الزيادة فتؤخذ ثلاث بنات لبون، كما قال ابن القاسم، وهي إحدى المسائل التي أخذ فيها بغير قول مالك (^١).
قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن لا صدقة فيما دون خمس ذود من الإبل، وأن في خمس من الإبل شاة» (^٢).
ولحديث أنس ﵁: أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: «بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط:
في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم من كل خمس شاة؛ فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى؛ فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى؛ فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل؛ فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة؛ فإذا بلغت يعني سنا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون؛ فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل؛ فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاء» (^٣).
وعن ابن عمر ﵁ قال: «كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله وقرنه بسيفه حتى قبض، فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض، …» فذكر الحديث (^٤)، قال الترمذي حديث حسن.
_________________
(١) تنوير المقالة للتتائي (٣/ ٣٥٣).
(٢) الإجماع (ص ٤٢) لابن المنذر، ط: قطر.
(٣) رواه مالك في الموطأ (٢/ ١٥٢)، والبخاري (١٤٥٣) واللفظ له.
(٤) الترمذي (٦٢١)، وقال: حديث حسن صحيح.
[ ٢ / ٧١١ ]
وعن أنس رضي عنه أن أبا بكر رضي عنه كتب له فريضة الصدقة التي أمر الله رسوله ﷺ: من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة إلا بنت لبون فإنها تقبل منه بنت لبون ويعطي شاتين أو عشرين درهما، ومن بلغت صدقته بنت لبون وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت لبون وليست عنده وعنده بنت مخاض فإنها تقبل منه بنت مخاض ويعطي معها عشرين درهما أو شاتين» (^١).
• فائدة:
علم مما تقدم أن بنت المخاض، وابن اللبون صدقة نصاب واحد، وهو خمسة وعشرون.
وأن بنت اللبون صدقة ثلاث: ستة وثلاثين، وستة وسبعين وما زاد على عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون. وأن الحقة صدقة ثلاث: ستة وأربعين، وإحدى وتسعين ومازاد على عشرين ومائة ففي كل خمسين حقة. وأن الجذعة صدقة نصاب واحد، وهو: إحدى وستون. وفي ثلاثين ومائة حقة، وبنتا لبون؛ وفي الأربعين ومائة: حقتان، وبنت لبون (^٢).
• زكاة البقر:
البقر: مأخوذة من البقر وهو الشق، لأنها تشق الأرض لاستعمالها في حرث الأرض.
أشار المصنف إلى زكاة البقر ونصابها ثلاثون وأربعون وما زاد وما يزكى
_________________
(١) البخاري (١٤٥٣).
(٢) تنوير المقالة للتتائي (٣/ ٣٥٣).
[ ٢ / ٧١٢ ]
به بقوله: (ولا زكاة من البقر في أقل من ثلاثين بقرة (فإذا بلغتها)؛ أي: الثلاثين (ففيها تبيع) سمي بذلك لأنه يتبع أمه في السرح (عجل جذع) ظاهره اشتراط الذكر وليس كذلك بل المشهور عدم الاشتراط، وما ذكره في سنه من أنه ما (قد أوفى سنتين) هو الصحيح قال ابن بشير: على الصحيح عند أهل اللغة (ثم كذلك) يستمر أخذ التبيع حتى تبلغ أربعين) بقرة (فإذا بلغتها)؛ أي: الأربعين يتغير الواجب و(يكون فيها مسنة) بضم الميم وكسر السين المهملة ثم النون المشددة فعلى هذا الغاية غير داخلة في المغيا وقوله: (ولا تؤخذ إلا الأنثى زيادة بيان، فإن فقدت المسنة من البقر أجبر ربها على الإتيان بها إلا أن يعطي أفضل منها وهي بنت خمس سنين (وهي)؛ أي: المسنة (بنت أربع سنين) ظاهر كلامه ما أوفت أربع سنين وهو قول ابن حبيب وعبد الوهاب، ومنهم من أول كلامه بأن مراده ما أوفت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، وهو لابن حبيب أيضا فيكون له قولان ومعنى قوله (وهي ثنية) زالت ثناياها وهما السنتان اللتان من المقدم فوق وتحت، والتي بجوارهما فوق وتحت من أي ناحية يقال لها رباعية والنصاب الثالث وما يزكى به أشار إليه بقوله: (فما زاد)؛ أي: على الأربعين بقرة (ف) الواجب في كل أربعين) بقرة (مسنة وفي كل ثلاثين) بقرة (تبيع) فإن زادت خمسة على الأربعين فلا شيء فيها، وإذا بلغت خمسين فلا شيء في العشرة أيضا عندنا فإذا بلغت ستين ففيهما تبيعان، وإن بلغت سبعين ففيها تبيع ومسنة، وإن بلغت ثمانين ففيها مستتان، فما زاد يجري عليه فهو ضابط له (^١)، لحديث معاذ بن جبل ﵁ قال: «أمرني رسول الله ﷺ حين بعثني إلى اليمن أن لا أخذ من البقر شيئا حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها عجل تابع جزع أو جذعة حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة» (^٢)، وقال ابن عبد البر: لا خلاف
_________________
(١) انظر: التوضيح على جامع الأمهات لخليل (٣/ ٨٨١)، تحقيق: وليد بن عبد الرحمن الحمدان، وتنوير المقالة (٣/ ٣٥٥).
(٢) مالك في الموطأ (٢/ ١٥٦) بمعناه، وحسنه الترمذي، وأشار إلى اختلاف وصله، وصححه ابن حبان والحاكم، كما قال الحافظ في بلوغ المرام رقم (٦٢٤)، والنسائي =
[ ٢ / ٧١٣ ]
بين العلماء أن السنة في زكاة البقر ما في حديث معاذ هذا، وأنه النصاب المجمع عليه فيها، وحديث طاووس هذا عن معاذ غير متصل، والحديث عن معاذ ثابت متصل من رواية معمر والثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بمعنى حديث مالك اه (^١).
والإجماع منعقد كما قال ابن عبد البر على نصاب البقر، وقد ذكر العلماء على أن لا شيء فيما زاد على الأربعين من البقر حتى تبلغ ستين ففيها تبيعان إلى سبعين، فإذا بلغت سبعين ففيها تبيع ومسنة إلى ثمانين فيكون فيها مسنتان إلى تسعين فيكون فيها ثلاث تبائع إلى مائة فيكون فيها تبيعان ومسنة، ثم هكذا أبدا في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة (^٢).
• زكاة الغنم:
ثلث بالكلام على زكاة الغنم وفروضها أربعة وقد أشار إلى أولها وما تزكى به بقوله: (ولا زكاة في الغنم حتى تبلغ أربعين شاة فإذا بلغتها)؛ أي: الأربعين شاة (ف) الواجب (فيها) حينئذ (شاة جذعة أو ثنية) ولو معزا، لقول النبي ﷺ: «إنما حقنا في الجذعة أو الثنية»، والشاة تطلق على الذكر
_________________
(١) = (٢٤٥٣)، وقال الألباني: حسن صحيح. والانقطاع فيه بين معاذ وطاووس لأن طاووسا لم يلق معاذا، لكن قال الشافعي: إنه عالم بأمر معاذ وإن لم يلقه لكثرة من لقيه ممن أدرك معاذا، وهذا مما لا أعلم من أحد فيه خلافا، وقال البيهقي في السنن: طاووس يماني وسيرة معاذ بينهم مشهورة.
(٢) الاستذكار (٢/ ١٨٨)، وانظر: مسالك الدلالة للغماري (١٣٠)، وطريق الرشد تخريج أحاديث بداية ابن رشد ص (١٨٧ - ١٨٨).
(٣) الاستذكار (٢/ ١٨٩). فائدة: لم يذكر البخاري ولا مسلم في صحيحهما تفصيل زكاة البقر؛ وخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والدارقطني ومالك في موطئه وهي مرسلة ومقطوعة وموقوفة. قال أبو عمر: وقد رواه قوم عن طاوس عن معاذ، إلا أن الذين أرسلوه أثبت من الذين أسندوه، وممن أسنده بقية عن المسعودي عن الحكم عن طاوس، وقد اختلفوا فيما ينفرد به بقية عن الثقات. ورواه الحسن بن عمارة عن الحكم كما رواه بقية عن المسعودي عن الحكم، والحسن بن عمارة مجتمع على ضعفه. تفسير القرطبي (٨/ ٢٤٨).
[ ٢ / ٧١٤ ]
والأنثى والضأن والمعز، فقوله: جذعة؛ أي: سنها من الجذعة أو الثنية لا خصوص الأنثى، قاله ابن عمر، وقد تقدم بيانهما في زكاة نصاب الإبل، ويستمر أخذ الشاة (إلى عشرين ومائة) فالوقص ثمانون.
ثم أشار إلى الفريضة الثانية وغايتها وما تزكى به بقوله: (فإذا بلغت)؛ أي: كملت الغنم عند المزكي (إحدى وعشرين) شاة (ومائة)؛ أي: مائة شاة (ف) الواجب (فيها) حينئذ (شاتان) ويستمر ذلك (إلى مائتي شاة) فالوقص هنا تسعة وسبعون.
ثم أشار إلى الفريضة الثالثة وغايتها وما تزكى به فقال: (فإذا زادت) على المائتين (واحدة) فأكثر (ف) الواجب (فيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة).
ثم أشار إلى الفريضة الرابعة بقوله: (فإن زاد) عدد الغنم على ثلاثمائة من المئين (ف) الواجب في كل مائة شاة قال في "التفريع": «فما زاد بعد ذلك؛ يعني: بعد الثلاثمائة ففي كل مائة شاة وفي ثلاثمائة وتسعة وتسعين ثلاث شياه وفي الأربعمائة أربع شياه، وفي الخمسمائة خمس شياه، ثم العبرة فيما بعد ذلك من المئات كذلك؛ أي: في كل مائة «شاة» (^١).
• حكم الأوقاص:
ثم شرع يبين حكم ما بين الفريضتين، قال: (ولا زكاة في الأوقاص) جمع وقص بتسكين القاف عند الجمهور على ما قاله سند. وقال الأقفهسي: وقص بفتح القاف ومن رواه بالسكون، فهو خطأ يرده ما في «المصباح» حيث قال: الوقص بفتحتين وقد تسكن القاف، إلا أن الحافظ في الفتح صحح اللفظين (^٢).
(وهو) لغة من وقص العنق الذي هو القصر لقصوره عن النصاب، والوقص بسكون القاف: كسر العنق والرقبة.
_________________
(١) التفريع (١/ ٢٨٣).
(٢) فتح الباري (٣/ ٣٧٤)، (باب: زكاة الغنم).
[ ٢ / ٧١٥ ]
واصطلاحا هو: (ما بين الفريضتين من كل الأنعام) كان الأنسب أن يقول وهي أي الأوقاص، وأجاب التتائي بما محصله أن هذا تفسير للمفرد لا للجمع (^١)، ودليل عدم الأخذ ما رواه طاووس عن ابن عباس أن معاذ بن جبل ﷺ أتي بوقص البقر فقال: «لم يأمرني فيه النبي ﷺ بشيء»، قال الشافعي: الوقص ما لم يبلغ الفريضة (^٢).
الجمع بين أنواع الجنس الواحد في الزكاة:
(ويجمع الضأن) بالهمز وعدمه واحده ضائن، ويقال أيضا في الجمع ضئين بفتح الضاد وكسرها، والأنثى ضائنة، وجمعها ضوائن، وهي ذات الصوف (والمعز) وهي ذات الشعر (في الزكاة) إجماعا على ما نقل بعضهم؛ أي: وما نقل عن ابن لبابة من أنها لا تجمع فشاذ لم يقل به غيره (^٣)، كذا قاله في التحقيق، لأن اسم الجنس جمعهما في قوله ﵊: «ففي كل أربعين من الغنم شاة» (^٤).
قال ابن المنذر: [وأجمعوا أن لا صدقة في دون أربعين من الغنم، وأجمعوا على أن في الأربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين، وأجمعوا على أن الضأن والمعز يجمعان في الصدقة. اه (^٥)].
وللحديث الصحيح عن أنس أن أبا بكر ﷺ كتب له كتابا لما وجهه إلى البحرين وفيه … وفي صدقة الغنم في سائمتها:
إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت عن عشرين ومائة
_________________
(١) تنوير المقالة (٣٥٨/ ٣).
(٢) شرح مسند الشافعي للرافعي (١٠٧/ ٢)، تحقيق: أبي بكر وائل زهران، وسنن البيهقي (٩٨/ ٤)، وانظر: مشكاة المصابيح (١٨١٤).
(٣) تنوير المقالة للتائي (٣٥٩/ ٣).
(٤) رواه مالك في الموطأ في كتاب عمرو بن حزم، وروى ابن خزيمة في صحيحه قريبا من لفظه (٢٠٧٥).
(٥) الإجماع لابن المنذر (٤٣)، ومراتب الإجماع لابن حزم (٣٦).
[ ٢ / ٧١٦ ]
إلى مائتين شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها ..» (^١).
(و) كذلك تجمع في الزكاة (الجواميس والبقر) اتفاقا، ونقل ابن المنذر (^٢) الإجماع على أن حكم الجواميس حكم البقر، لأن اسم الجنس جمعهما في قوله ﵊: "ففي كل ثلاثين من البقر تبيع" (^٣).
(و) كذلك تجمع في الزكاة اتفاقا (البخت) وهي إبل خراسان ضخمة مائلة إلى القصر لها سنامان (والعراب) وهي إبل العرب المعهودة، إذ لفظ الإبل صادق عليهما في قوله ﵊: «في كل خمس شاة» (^٤).
قال مالك رحمه الله تعالى: «وكذلك الإبل العراب والبخت، يجمعان على ربهما في الصدقة. وقال: إنما هي إبل كلها. فإن كانت العراب هي أكثر من البخت، ولم يجب على ربها إلا بعير واحد، فليأخذ من العراب صدقتها.
فإن كانت البخت أكثر فليأخذ منها، فإن استوت، فليأخذ من أيتهما شاء»، وكذلك البقر والجواميس، تجمع في الصدقة على ربها. وقال: «إنما هي بقر كلها، فإن كانت البقر هي أكثر من الجواميس، ولا تجب على ربها إلا بقرة واحدة، فليأخذ من البقر صدقتهما، وإن كانت الجواميس أكثر، فليأخذ منها. فإن استوت، فليأخذ من أيتهما شاء. فإذا وجبت في ذلك الصدقة صدق الصنفان جميعا» (^٥).
_________________
(١) البخاري (١٤٥٤)، ورواه مالك في الموطأ (٢/ ١٥٢): أنه قرأ كتاب عمر بن الخطاب وفيه مثل ما في كتاب أبي بكر.
(٢) الإجماع لابن المنذر (ص ١٢)، ومراتب الإجماع (٣٦).
(٣) الترمذي (٦٢٢)، وصححه الألباني.
(٤) كما في كتاب عمر بن الخطاب الله (الموطأ وقد تقدم تخريجه).
(٥) الموطأ، (باب: ما جاء في صدقة البقر).
[ ٢ / ٧١٧ ]
• أثر الخلطة في الزكاة:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وكل خليطين فإنهما يترادان بينهما بالسوية.
ولا زكاة على من لم تبلغ حصته عدد الزكاة، ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق خشية الصدقة، وذلك إذا قرب الحول، فإذا كان ينقص أداؤهما بافتراقهما أو باجتماعهما أخذا بما كانا عليه قبل ذلك).
الشرح
عرف ابن عرفة رحمه الله تعالى: «الخلطة بقوله: اجتماع نصابي نوع نعم مالكين فأكثر فيما يوجب تزكيتهما على مالك واحد» (^١).
ولما كان للخلطة أصل في الشرع، وتخفيف في الزكاة على صاحب المال كما في قوله ﷺ: «وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» (^٢)، قال المصنف بناء على هذا:
(وكل خليطين فإنهما يترادان بينهما بالسوية) على عدد الماشية فالذي توجبه الخلطة المجتمع فيها الشروط الآتية أن يكون المأخوذ من المالكين كالمأخوذ من المالك الواحد في القدر والسن والصنف.
مثال الأول: ثلاثة لكل واحد أربعون شاة من الغنم، فإن الواجب عليهم شاة واحدة على كل واحد ثلثها.
ومثال الثاني: اثنان لكل واحد ستة وثلاثون من الإبل فإن الواجب عليهما جذعة على كل واحد نصفها.
ومثال الثالث: اثنان لواحد ثمانون من الضأن وللآخر أربعون من المعز، فإن الواجب شاة من الضأن على صاحب الثمانين ثلثاها وعلى الآخر الثلث.
_________________
(١) تنوير المقالة (٣/ ٣٦٤)، وانظر: الخلطة في شرح الرسالة للقاضي (١/ ٤٨٦).
(٢) البخاري (١٣٥٩)، وأبو داود (١٥٦٧) وهو حديث صحيح. ورواه أحمد والترمذي والحاكم وغيرهم. وجعله البخاري ترجمة لباب من أبواب الزكاة.
[ ٢ / ٧١٨ ]
وفائدة الخلطة التخفيف كما إذا كان لكل أربعون من الغنم فإن على كل واحد حالة الانفراد شاة وعليهما معا حالة الاجتماع شاة واحدة؛ وقد تفيد التثقيل كما إذا كان لكل مائة وعشرون من الغنم فإن كان على كل واحد منهما حالة الانفراد شاة واحدة وعند الاجتماع عليهما ثلاث شياه، وقد لا تفيدهما كما إذا كان لكل واحد مائة من الغنم، فإن على كل واحد حالة الانفراد واحدة، وكذا حالة الاجتماع.
ويشترط في كون المالكين كالمالك الواحد شروط منها: أن يكون لكل واحد نصاب فأكثر حال حوله، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿ولا زكاة على من لم تبلغ حصته عدد الزكاة﴾ لعموم قوله ﵊: ﴿ليس فيما دون خمس ذود صدقة﴾ (^١) ومنها أن يكونا مخاطبين بالزكاة احترازا من أن يكونا عبدين أو كافرين، ومنها أن يتحد الفحل، والراعي، والمراح، والمرعى، والدلو، والمبيت، وأن تكون الخلطة للارتفاق لا فرارا من الزكاة. وإلى هذا أشار بقوله: ﴿ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الزكاة في (الصدقة)﴾ ولو قدم هذا على قوله وكل خليطين إلخ لكان أولى لأنه وقع في الحديث مرتبا كذلك. وهو حديث أنس ﵁: «أن أبا بكر ﵁ كتب له التي فرض رسول الله ﷺ: ﴿ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة﴾ (^٢)»، قال عبد الوهاب: لا يخلو حالهما من ثلاثة أوجه أحدها أن يكونا صالحين مأمونين، وقالا: إنما افترقنا لعذر، واجتمعنا لعذر، فإنهم يصدقون ولا يتهمون في ذلك.
الثاني استواء حالهما ويتهمون في ذلك، فإنهم يحلفون على ما ادعوا فإن لم يحلفوا وإلا أخذوا بما كانوا عليه قبل ذلك.
الثالث أن يكونا معلومين بذلك وظهر فسقهم، فإنهم يؤخذون بما كانوا عليه قبل ذلك ولا يتكلفون اليمين.
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (٦٥٢)، والبخاري (٢/ ١٣٣) (١٤٠٥)، ومسلم (٣/ ٦٦) (٢٢٢٥).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ١١) (٧٢)، والبخاري (١٤٥٠)، وأبو داود (١٥٦٧).
[ ٢ / ٧١٩ ]
وقال ابن القاسم: «يؤخذون بما كانوا عليه قبل ذلك مطلقا سواء فعلوا خشية الصدقة أم لا، سدا للذريعة» (^١).
(وذلك)؛ أي: النهي عن التفريق والجمع (إذا قرب الحول) قال ابن شاس: هذا إذا كان ما وجدا عليه من افتراق أو اجتماع منقصا من الزكاة، فإن لم يكن منقصا فلا يتهمان، بل يزكى المال على ما يوجد عليه، وإلى هذا أشار الشيخ بقوله: (فإذا كان) التفريق أو الاجتماع عند قرب الحول ينقص أداؤهما بافتراقهما أو باجتماعهما أخذا بما كانا عليه قبل ذلك الافتراق أو الاجتماع.
مثال التفريق خوف الزيادة في الصدقة رجلان لكل واحد مائة شاة وشاة فيفترقان في آخر الحول فتجب عليهما شاتان، وقد كان الواجب عليهما ثلاثا. ومثال الجمع لذلك ثلاث رجال لكل واحد منهم أربعون فيجمعونها في آخر الحول لتجب عليهم شاة واحدة، وقد كان الواجب عليهم ثلاث شياه.
• ما لا يؤخذ في الزكاة من الأنعام:
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا تؤخذ في الصدقة السخلة وتعد على رب الغنم، ولا تؤخذ العجاجيل في البقر، ولا الفصلان في الإبل، وتعد عليهم، ولا يؤخذ تيس، ولا هرمة، ولا الماخض، ولا فحل الغنم، ولا شاة العلف، ولا التي تربي ولدها، ولا خيار أموال الناس، ولا يؤخذ في ذلك عرض، ولا ثمن، فإن أجبره المصدق على أخذ الثمن في الأنعام وغيرها أجزأه إن شاء الله. ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية).
الشرح
شرع يبين ما لا يؤخذ في الزكاة من الأنعام فقال: (ولا تؤخذ في الصدقة السخلة) وهي الصغيرة من الغنم ضأنا كانت أو معزا، ذكرا كانت أو
_________________
(١) تنوير المقالة (٣/ ٣٦٨).
[ ٢ / ٧٢٠ ]
أنثى، (و) مع ذلك تعد على أرباب الغنم كان في الأصل نصاب أم لا لما مر من حديث عمر رضي عنه (^١) عند الكلام على حول النسل والأرباح، (و) كذلك (لا) تؤخذ العجاجيل في صدقة (البقر) جمع عجل، وهو ما كان دون السن الواجب الذي هو التبيع.
(و) كذلك (لا) تؤخذ الفصلان في صدقة (الإبل) جمع فصيل وهو ما دون بنت مخاض (و) مع كونها؛ أي: الفصلان والعجاجيل لا تؤخذ في الصدقة تعد عليهم؛ أي: على أربابها لتؤخذ زكاتها.
(و) كذلك (لا) يؤخذ في الصدقة (تيس) وهو الذكر الفحل لحاجة الناس إليه في اللقاح، (و) كذلك (لا) يؤخذ في الصدقة (هرمة) وهي الكبيرة الهزيلة لقوله ﷺ: «ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار، ولا تيس إلا ما شاء المصدق» (^٢).
(و) كذلك (لا) تؤخذ في الصدقة (الماخض) وهي الحامل التي ضربها الطلق بفتح الراء مخففة أي تعلق بها الطلق، قاله الفاكهاني، وهو موافق للمصباح، فإنه قال: مخضت المرأة وكل حامل من باب تعب دنا ولادها وأخذها الطلق، وإنما لم تؤخذ لأنها من خيار أموال الناس.
(و) كذلك (لا) تؤخذ في الصدقة (شاة العلف) وهي المعدة للتسمين للأكل لا للنسل ذكرا كانت أو أنثى لأنها من خيار أموال الناس لقوله ﷺ لمعاذ: «وإياك وكرائم أموالهم» (^٣).
(و) كذلك (لا) تؤخذ في الصدقة (التي تربي ولدها) وتسمى الربى بضم الراء وبالموحدة المشددة مقصورة قال عمر لساعيه: «ولا تأخذ الأكولة، ولا
_________________
(١) الذي رواه مالك في الموطأ (٦٠١)، والبيهقي في السنن (٤/ ١٠٠) (٧٠٩٤)، قال النووي: سنده صحيح.
(٢) رواه مالك، والبخاري من حديث أنس وعمر ﵄، وقد تقدمت كتبهما مرارا.
(٣) رواه البخاري (١٤٩٦) كتاب الزكاة، وكتاب المغازي (٤٣٤٧)، ومسلم (١٩) كتاب الإيمان.
[ ٢ / ٧٢١ ]
الربى ولا الماخض ولا فحل الغنم (^١). ولا خيار أموال الناس يريد ولا شرارها، لأنه اعتداء عليهم في الخيار وغمط لأهل الحق في الزكاة إن أخذ الشرار، فلا إفراط ولا تفريط، لقول النبي ﷺ محذرا أخذ الكريمة: «المعتدي في الصدقة كمانعها» (^٢)، ولحديث عبد الله بن معاوية الغاصري، من غاضرة قيس، عن النبي ﷺ: أنه قال: «ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدة عليه كل عام، ولا يعطي الهرمة، ولا الدرنة، ولا المريضة، ولا الشرط اللئيمة، ولكن من وسط أموالكم، فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره» (^٣) رافدة: يعني: معينة، والدرنة: الجرباء، والشرط: رذالة المال (^٤).
وحاصله أنه لا تؤخذ في الصدقة خيار الأموال لتعلق حق أرباب الأموال بها، ولا شرارها لتعلق حق الفقراء بغيرها، فإن أعطى المالك الخيار طيبة بها نفسه جاز له ذلك، ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ [البقرة: ٢٦٧] وإن أعطى الشرار فلا تجزئ، ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وإن كانت الأموال كلها خيارا أو شرارا كلف الوسط، فإن امتنع أجبر على ذلك (^٥).
• هل تجزئ القيمة عن عين ما وجبت فيه الزكاة:
(ولا يؤخذ في ذلك)؛ أي: الصدقة (عرض ولا ثمن)؛ أي: عين بدل
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٨٥)، والترمذي (٦٤٦)، وابن ماجه (١٨٠٨)، وابن خزيمة (٢٣٣٥).
(٣) أبو داود بإسناده (١٥٨٢) وسكت عنه.
(٤) الرافدة: فاعلة من الرفد وهو الإعانة، يقال: رفدته أرفده إذا أعنته؛ أي: تعينه نفسه على أداء الزكاة الدرنة: بفتح الدال المهملة بعدها راء مكسورة ثم نون وهي الجرباء، قاله الخطابي. وأصل الدرن الوسخ كما في القاموس. الشرط: بفتح الشين المعجمة والراء. قال أبو عبيد: هي صغار المال وشراره. وقال الخطابي: والشرط رذالة المال اللئيمة: البخيلة باللبن ويقال: لئيم للشحيح والدني النفس والمهين.
(٥) تنوير المقالة (٣٧١/ ٣).
[ ٢ / ٧٢٢ ]
ما وجب عليه من حب أو تمر أو ماشية (فإن أجبره المصدق) بتخفيف الصاد وكسر الدال، وهو الساعي (على أخذ الثمن في الأنعام وغيرها) كالحبوب (أجزأه) مفهوم الشرط لو فعل ذلك اختيارا لم يجزه وهو كذلك على المشهور فيهما؛ أي في الطوع والإكراه. ونص ابن الحاجب وإخراج القيمة طوعا لا يجزئ وكرها يجزئ على المشهور فيهما (^١)، ونص ابن يونس أن الصواب الإجزاء (^٢). وقول الشيخ (إن شاء الله) إشارة إلى قوة الخلاف (^٣).
وقوله: (ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية) تقدم في الباب الذي قبل هذا ولم يظهر لتكراره معنى.
تتميم مهم مشتمل على عدة مسائل:
الأولى: أن يخرجها أي الصدقة بنية الزكاة، فإن أخرجها بغير نية الزكاة فلا تجزئ إلا أن يكون مكرها أي ونية المكره بالكسر كافية، لقوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات».
الثانية: أن لا ينقلها من الموضع الذي وجبت فيه إلا أن لا يكون فيه من يعطيها له فينقلها إلى أقرب المواضع إليه ويدل على معناه حديث معاذ مرفوعا: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» قيل: على فقراء البلد، وثمت أقوال أخر.
الثالثة: أن يخرجها وقت وجوبها فإن أخرها عنه أجزأ وارتكب محرما.
الرابعة: أن يصرفها في مصارفها الثمانية الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ [التوبة: ٦٠] الآية.
_________________
(١) جامع الأمهات (١٦٥)، وانظر: نوازل الزكاة (٥١٩)، وتحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال (١١٤) لأحمد بن الصديق الغماري.
(٢) تنوير المقالة (٣/ ٣٧٣).
(٣) التفريع (١/ ٢٨٩).
[ ٢ / ٧٢٣ ]
• تنبيه: مصارف الزكاة:
مما لم يذكره المصنف وهو من الأهمية بمكان مصارف الزكاة:
قال تعالى قول الله: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ [التوبة: ٦٠].
قال ابن عاشر رحمه الله تعالى:
مصرفها الفقير، والمسكين … غاز، وعشق، عامل، مدين
مؤلف القلب، ومحتاج غريب … أحرار إسلام، ولم يقبل مريب
فالأول والثاني: الفقير والمسكين - ويشترط فيهما الحرية والإسلام وأن تكون نفقتهما غير واجبة على مليء، وقدم الفقراء والمساكين في الآية لأنهم أحوج من غيرهم على المشهور، ويراعى أهل التقى منهم والصلاح لا سيما أهل العلم لأن إعطاء المستحقين منهم حفظ للعلم، ولا تعطى لسفيه (^١).
والثالث: الغازي، وهو من يجب عليه الجهاد ولو غنيا، ولا تعطى له إلا في حال تلبسه بالغزو، والجهاد هو سبيل الله.
الرابع: العتق بأن يشتري الوالي، أو من ولي زكاة نفسه بمال رقيقا مؤمنا لا عقد حرية فيه ويعتقه.
الخامس: العامل عليها وهو مفرقها وحارسها وتعطى له، وإن كان غنيا لأنها أجرته، ما لم يتقاضى راتبا من الدولة على عمله (^٢).
السادس: الغارم: أي: المدين فمن كان عليه دين لآدمي استدانه في مباح، أعطى من الزكاة إن دفع ما بيده من المال، أما إن كان سفيها يستدين لشرب المسكرات والسجائر ونحو ذلك من التبذير في مواطن اللهو واللعب والمجون فلا يعان بالزكاة على معصية رب الأرض والسموات.
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٨/ ١٨٣).
(٢) نوازل الزكاة (٣٨١).
[ ٢ / ٧٢٤ ]
السابع: المؤلفة قلوبهم والمراد بهم الكفار الذين يطمع في دخولهم للإسلام فيعطون منها ترغيبا لهم في الإسلام، وقيل حديثو العهد بالإسلام يعطون منها تثبيتا لهم على الإسلام (^١)، وقد قال ﵊: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكب في النار على وجهه» (^٢).
الثامن: ابن السبيل وهو الذي ذكره ابن عاشر بقوله: (محتاج غريب؛ أي: المسافر الغريب المحتاج المنقطع فيدفع إليه قدر كفايته ليستعين بذلك على الوصول لبلده، إذا كان مسافرا سفرا مباحا، فإن جلس أخذ منه كالغازي)، ويدخل في ذلك طالب العلم المنقطع له، العاجز عن الجمع بين التكسب والطلب فيعطى منها.
وقد ذكرت مصارف الزكاة في الآية السالفة الذكر وفي أحاديث منها ما رواه مالك في «الموطأ»: عن عطاء بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين، فأهداها المسكين للغني (^٣)، وعن أبي سعيد الخدري ل قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو جار فقير يتصدق عليه، فيهدي لك أو يدعوك» (^٤).
وأما المؤلفة قلوبهم فأصناف منهم من يعطى ليسلم، كما أعطى النبي ﷺ صفوان بن أمية فقد قال: «والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي» (^٥).
_________________
(١) المنتقى (٢/ ١٥٣)، والتاج والإكليل (٣/ ٣٣١).
(٢) البخاري (١/ ٣) (٢٧)، ومسلم (١/ ٩١) (٢٩٧) و(٣/ ١٠٤) (٢٣٩٨).
(٣) مالك (٦٠٤)، والحاكم (١/ ٥٦٦) رقم (١٤٨١)، ووصله أحمد (٢/ ١٦٤)، وأبو داود (١٦٣٥)، وغيرهما قال الأرناؤوط في تحقيقه للمسند: حديث صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين.
(٤) أبو داود (١٦٣٧) وسكت عنه.
(٥) مسلم (٥٩٧٦)، والترمذي (٦٦٦).
[ ٢ / ٧٢٥ ]
ومنهم من يعطى ليحسن إسلامه ويثبت قلبه، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «بعث علي نه، إلى النبي ﷺ بذهيبة فقسمها بين الأربعة الأقرع بن حابس الحنظلي، ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي، ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، فغضبت قريش، والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا، قال: «إنما أتألفهم»» (^١).
ثم انتقل يتكلم على زكاة الفطر فقال:
_________________
(١) البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (٢٤٤٨).
[ ٢ / ٧٢٦ ]
باب في زكاة الفطر
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وزكاة الفطر سنة واجبة فرضها رسول الله ﷺ على كل كبير أو صغير ذكر أو أنثى حر أو عبد من المسلمين صاعا عن كل نفس بصاع النبي.
وتؤدى من جل عيش أهل ذلك البلد من بر، أو شعير، أو سلت، أو تمر، أو أقط، أو زبيب، أو دخن، أو ذرة، أو أرز.
وقيل إن كان العلس قوت قوم أخرجت منه: وهو حب صغير يقرب من خلقة البر.
ويخرج عن العبد سيده، والصغير لا مال له يخرج عنه والده.
ويخرج الرجل زكاة الفطر عن كل مسلم تلزمه نفقته وعن مكاتبه، وإن كان لا ينفق عليه؛ لأنه عبد له بعد.
ويستحب إخراجها إذا طلع الفجر من يوم الفطر.
ويستحب الفطر فيه قبل الغدو إلى المصلى، وليس ذلك في الأضحى.
ويستحب في العيدين أن يمضي من طريق ويرجع من أخرى).
الشرح
(باب في) بيان (زكاة الفطر)؛ أي: في بيان الأحكام المتعلقة بها، ويقال: صدقة الفطر، وفرضت في السنة الثانية، والفطر في اللغة: تقال للمخرج بفتح الراء فطر بكسر الفاء خاصة، لفظة مولدة اصطلح الفقهاء عليها،
[ ٢ / ٧٢٧ ]
وليست عربية ولا معربة (^١).
(وزكاة الفطر سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة، وما ذكر من أنها سنة واجبة؛ أي: مؤكدة نقل الفاكهاني عن بعض شيوخه أنه المشهور. والظاهر من المذهب الوجوب، وصرح ابن الحاجب بمشهوريته (^٢)، واختلف في معنى قوله: (فرضها رسول الله ﷺ) فقيل معناه قدرها فيكون معناها على أنها سنة، ولا ينافيه قوله: على كل كبير وعلى الأصاغر، فإن الشيخ يستعمل (على) فيما دون الواجب، وقيل: معناه أوجبها، وعليه مشى صاحب «المختصر».
قال القرطبي: وأما زكاة الفطر فليس لها في الكتاب نص عليها إلا ما تأوله مالك هنا وقوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى … وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، وهو مروي عن أبي سعيد الخدري وابن عمر (^٣).
وقوله: (على كل كبير أو صغير ذكر أو أنثى حر أو عبد) متعلق بسنة، وقوله: (من المسلمين) بيان لكل كبير وما بعده، فعن ابن عمر قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (^٤).
قال البيهقي: «وقد أجمع أهل العلم على وجوب زكاة الفطر، وإن اختلفوا في تسميتها فرضا فلا يجوز تركها» (^٥).
قال ابن المنذر: [وأجمعوا على أن صدقة الفطر فرض] (^٦)، وعن
_________________
(١) تنوير المقالة (٣٧٤/ ٣). والمدونة (١/ ٢٩٣).
(٢) جامع الأمهات (١/ ٢٢٩)، ط: مركز نجبويه.
(٣) تفسير القرطبي (١/ ٣٤٤) و(٢٠/ ٢١).
(٤) مالك في الموطأ (٢/ ١٩٢) (١٥٠٣)، ومسلم (٢٢٧٩).
(٥) السنن الكبرى (٤/ ٢٦٩).
(٦) الإجماع (ص ١٢).
[ ٢ / ٧٢٨ ]
محمد بن علي الباقر مرسلا «أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى ممن تمونون» (^١).
وإنما تتعلق بمن فضل عن قوته في يومه صاع إن كان وحده، أو فضل عن قوته وقوت عياله يومه صاع إن كان له عيال، فإن لم يقدر على صاع بل على بعضه أخرجه، والصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ (صاع) بالرفع خبر مبتدأ محذوف تقديره قدرها صاع، وفي رواية صاعا بالنصب مفعول فرض.
والصاع المفروض المخرج (عن كل نفس بصاع النبي ﷺ) وهو أربعة أمداد بمده وقد بينا مقداره في الوضوء؛ (وتؤدى) الصدقة (من جل)؛ أي: غالب (عيش أهل ذلك البلد)؛ أي: بلد المزكي سواء كان قوتهم مثل قوته أو أعلى أو أدنى، فإن كان قوته أعلى من قوتهم وأخرج منه أجزأه، وإن كان دون قوتهم وأخرج منه فإن فعل ذلك شحا، فظاهر كلام ابن الحاجب أن ذلك لا يجزئه اتفاقا (^٢). ثم فسر الجل الذي تؤدى منه بقوله (من بر) وهو الحنطة (أو شعير، أو سلت) الشعير معروف، والسلت نوع منه ليس عليه قشر كالحنطة (أو تمر أو أقط) بفتح الهمزة وكسر القاف ويجوز إسكانها مع فتح الهمزة وكسرها وهو لبن يابس غير منزوع الزبد (أو زبيب) لحديث أبي سعيد الخدري له قال: «كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب» (^٣)، وحديث عبد الله بن عمر قال: «كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله ﷺ صاعا من شعير، أو تمر، أو سلت، أو زبيب» (^٤)، (أو دخن) بدال مهملة مضمومة (أو ذرة) بضم الذال المعجمة وفتح الراء المخففة حب معروف (أو أرز) بضم الهمزة والراء على أحد لغاته حب معروف، قياسا على
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (١٤٠/ ٢) وصوب وقفه، والبيهقي (٤/ ٢٧٢) من طريق الشافعي.
(٢) جامع الأمهات (١/ ٢٣١).
(٣) الموطا (٢/ ١٩٩) واللفظ له، والبخاري (١٥٠٦)، ومسلم (٢٢٨١).
(٤) رواه أبو داود (١٦١٤).
[ ٢ / ٧٢٩ ]
ما تقدم، وإذا أخرج من غير هذه الأنواع التسعة لا يجزئه على المشهور (^١)، هذا إذا كانت موجودة أو بعضها أقتيت أو لا.
وأما إذا لم توجد لا كلا ولا بعضا واقتيت غيرها أجزأ على ما شهره ابن الحاجب (^٢)، وزاد ابن حبيب عاشرا أشار إليه بقوله: (وقيل إن كان العلس) بفتح العين واللام المخففة وبالسين المهملة (قوت قوم أخرجت منه) الزكاة كما قال ابن حبيب (وهو)؛ أي: العلس (حب صغير يقرب من خلقة البر) وهو طعام أهل صنعاء، ولو كان طعام أهل البلد التين أو القطاني أو اللحم والسويق واللبن فالمشهور الإجزاء إن خرجت منه لأن في تكليفه غير قوته مشقة عليه (^٣).
الأصناف التي يخرج عنها زكاة الفطر:
شرع يبين من يلزمه إخراجها عنه فقال: (ويخرج عن العبد سيده) لحديث أبي هريرة الله أن رسول الله ﷺ قال: «ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر» (^٤)، فإن كان مبعضا بأن أعتق بعضه يخرج السيد عن حصته ويسقط عن العبد الجزء المعتق منه، والعبد المشترك يخرج كل بقدر ما يملك منه، (و) كذا الولد المسلم (الصغير) الذي لا مال له يخرج عنه والده) مفهومه أن الكبير لا يخرج عنه، وليس هو على إطلاقه بل فيه تفصيل، وهو إن كان ذكرا وبلغ صحيحا لا يخرج عنه ما دام مستغنيا براتبه أو ما يدر عليه من الرزق، وإن بلغ زمنا أخرج عنه؛ والأنثى يخرج عنها، وإن بلغت حتى تتزوج، والوالدان العاجزان يخرج عنهما؛ ومفهوم لا مال له أنه لو كان له مال لا يخرج عنه وهو كذلك، وتقييد الولد بالمسلم احترازا من الكافر فإنه لا يخرج عنه ولو اقتصر على قوله: (ويخرج الرجل)؛ يعني أو غيره (زكاة الفطر عن
_________________
(١) جامع الأمهات (١/ ٢٣١).
(٢) جامع الأمهات (١/ ٢٣١)
(٣) تنوير المقالة (٣/ ٣٨٢ - ٣٨٣).
(٤) رواه مسلم (٩٨٢).
[ ٢ / ٧٣٠ ]
كل مسلم تلزمه نفقته) بقرابة، أو رق، أو نكاح لأغنى عما قبله، فعن محمد بن علي الباقر مرسلا: «أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى ممن تمونون» (^١).
(و) كذلك يخرج زكاة الفطر (عن مكاتبه) على المشهور وعن مالك سقوطها عنهما، وقيل: تجب على المكاتب فمقابل المشهور قولان (وإن كان لا ينفق عليه لأنه عبد له بعد)؛ أي: بعد عجزه.
أفضل أوقات إخراجها:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ويستحب إخراجها)؛ أي: زكاة الفطر (إذا طلع الفجر من يوم الفطر) وذلك لما روى ابن عمر ﵄: «أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (^٢).
وعن عكرمة عن ابن عباس ﵄ -قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات» (^٣).
وتعرض المصنف لوقت الاستحباب، ولم يتعرض لوقت الوجوب، وفيه قولان مشهوران أحدهما أنها تجب بغروب الشمس من آخر أيام رمضان، والآخر بطلوع فجر يوم العيد، ويجوز إخراجها قبل يوم الفطر بيوم أو يومين، ومذهب المدونة الجواز لحديث أبي هريرة ﵁ قال: «وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثوا من الطعام فأخذته، وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله، قال: إني محتاج، وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي ﷺ: «يا أبا هريرة، ما فعل
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (٢/ ١٤٠) وصوب وقفه، والبيهقي (٤/ ٢٧٢) من طريق الشافعي مرسلا، وانظر: تعليق الحافظ في الفتح (٣/ ٣٦٩).
(٢) البخاري (١٥٠٩)، ومسلم (٢٢٨٥)، وأبو داود (١٦١٠) وغيرهم.
(٣) أبو داود (١٦٠٩)، وابن ماجه (١٨٢٧)، والحاكم (١/ ٤٠٩)
[ ٢ / ٧٣١ ]
أسيرك البارحة»، قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالا، فرحمته، فخليت سبيله، قال: «أما إنه قد كذبك، وسيعود» فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله ﷺ إنه سيعود، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، لا أعود، فرحمته، فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ: يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك، قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة، وعيالا، فرحمته، فخليت سبيله، قال: «أما إنه قد كذبك وسيعود، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات، … الحديث» (^١).
قال الحافظ: وفيه جواز جمع زكاة الفطر قبل ليلة الفطر، وتوكيل البعض لحفظها وتفرقتها. اه (^٢)، وثبت «أن عبد الله بن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر، بيومين أو ثلاثة» (^٣).
ولا تسقط بمضي زمنها لأنها حق للمساكين ترتب في الذمة ولا يأثم ما دام يوم الفطر باقيا، فإن أخرها مع القدرة على إخراجها أثم، وتدفع لحر مسلم فقير أو مسكين فلا تدفع لعبد ولو كان فيه شائبة حرية ولا لكافر ولا لغني، وعموم مصرفها مصرف الصدقات كما جاء في محكم الآيات ﴿إنما الصدقات للفقراء والمسكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ [التوبة: ٦٠].
• سنن مستحبة قبل وبعد صلاة العيد:
(ويستحب الفطر قبل الغدو إلى المصلى) فيه؛ أي: في يوم الفطر على
_________________
(١) رواه البخاري (٢٣١١).
(٢) الفتح (٤/ ٥٧١).
(٣) مالك في الموطأ (٩٩٤)، والبخاري (١٥١١).
[ ٢ / ٧٣٢ ]
أي شيء، لكن الأفضل أن يكون على تمر وترا لحديث أنس ﷺ قال: «كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات»؛ وقال مرجأ بن رجاء: «حدثني عبيد الله قال حدثني أنس عن النبي ﷺ ويأكلهن وترا» (^١).
(وليس ذلك)؛ أي: استحباب الفطر قبل الغدو إلى المصلى (في) عيد (الأضحى) بل المستحب فيه الإمساك حتى يرجع فيأكل من أضحيته، لحديث بريدة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل، ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع فيأكل من أضحيته» (^٢)، وفي رواية «من كبد أضحيته» (^٣)، وهل لأن الكبد أيسر في الطبخ، أو تفاؤلا بأصحاب الجنة لأنهم أول ما يأكلون، قولان.
وقال سعيد بن المسيب: «كان المسلمون يأكلون يوم الفطر قبل الصلاة ولا يفعلون ذلك يوم النحر» (^٤).
(ويستحب في العيدين أن يمضي من طريق ويرجع من أخرى) تكرار مع ما تقدم له في صلاة العيدين.
انتهى بحمد الله وتوفيقه كتاب الزكاة ويليه كتاب الحج
_________________
(١) رواه البخاري (٩٥٣)
(٢) أحمد (٢١٩٠٦)، والترمذي في سننه من أبواب العيدين (٥٤٢)، وابن ماجه في سننه كتاب الصيام (١٧٥٦)، والدارقطني (٢/ ٤٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٣٣) (١٠٨٨)، وابن حبان في صحيحه (٧/ ٥٢) (٢٨١٢)، وابن خزيمة (٢/ ٣٤١) (١٤٢٦).
(٣) البيهقي (٣/ ٣٨٣).
(٤) شرح مسند الشافعي للرافعي (٢/ ١٧) رقم (٣٢٢).
[ ٢ / ٧٣٣ ]