باب في بيان حكم الصيام
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وصوم شهر رمضان فريضة.
يصام لرؤية الهلال، ويفطر لرؤيته، كان ثلاثين يوما، أو تسعة وعشرين يوما، فإن غم الهلال فيعد ثلاثين يوما من غرة الشهر الذي قبله ثم يصام، وكذلك في الفطر.
ويبيت الصيام في أوله، وليس عليه البيات في بقيته، ويتم الصيام إلى الليل.
ومن السنة تعجيل الفطر، وتأخير السحور؛ وإن شك في الفجر فلا يأكل.
ولا يصام يوم الشك ليحتاط به من رمضان، ومن صامه كذلك لم يجزه وإن وافقه من رمضان، ولمن شاء صومه تطوعا أن يفعل، ومن أصبح فلم يأكل ولم يشرب ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان لم يجزه، وليمسك عن الأكل في بقيته ويقضيه.
وإذا قدم المسافر مفطرا، أو طهرت الحائض نهارا فلهما الأكل في بقية يومهما.
ومن أفطر في تطوعه عامدا أو سافر فيه فأفطر لسفره فعليه القضاء، وإن أفطر ساهيا فلا قضاء عليه بخلاف الفريضة.
ولا بأس بالسواك للصائم في جميع نهاره، ولا تكره له الحجامة إلا خيفة التغرير.
[ ٢ / ٦١٧ ]
ومن ذرعه القيء في رمضان فلا قضاء عليه، وإن استقاء فقاء فعليه القضاء.
وإن خافت الحامل على ما في بطنها أفطرت ولم تطعم، وقيل تطعم، وللمرضع إن خافت على ولدها ولم تجد من تستأجره له أو لم يقبل غيرها أن تفطر وتطعم.
ويستحب للشيخ الكبير إذا أفطر أن يطعم.
والإطعام في هذا كله مد عن كل يوم يقضيه.
وكذلك يطعم من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر.
ولا صيام على الصبيان حتى يحتلم الغلام، وتحيض الجارية، وبالبلوغ لزمتهم أعمال الأبدان فريضة قال الله ﷾: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستذنوا﴾ [النور: ٥٩].
ومن أصبح جنبا ولم يتطهر أو امرأة حائض طهرت قبل الفجر فلم يغتسلا إلا بعد الفجر أجزأهما صوم ذلك اليوم.
ولا يجوز صيام يوم الفطر، ولا يوم النحر، ولا يصوم اليومين اللذين بعد يوم النحر إلا المتمتع الذي لا يجد هديا، واليوم الرابع لا يصومه متطوع ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك.
ومن أفطر في نهار رمضان ناسيا فعليه القضاء فقط، وكذلك من أفطر فيه لضرورة من مرض.
ومن سافر سفرا تقصر فيه الصلاة فله أن يفطر، وإن لم تنله ضرورة وعليه القضاء.
والصوم أحب إلينا.
ومن سافر أقل من أربعة برد فظن أن الفطر مباح له فأفطر فلا كفارة عليه، وعليه القضاء.
وكل من أفطر متأولا فلا كفارة عليه، وإنما الكفارة على من أفطر متعمدا بأكل أو شرب أو جماع مع القضاء.
والكفارة في ذلك إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مد بمد النبي ﷺ
[ ٢ / ٦١٨ ]
فذلك أحب إلينا، وله أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، وليس على من أفطر في قضاء رمضان متعمدا كفارة.
ومن أغمي عليه ليلا فأفاق بعد طلوع الفجر فعليه قضاء الصوم، ولا يقضي من الصلوات إلا ما أفاق في وقته.
وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه وجوارحه ويعظم من شهر رمضان ما عظم الله ﷾.
ولا يقرب الصائم النساء بوطء، ولا مباشرة، ولا قبلة للذة في نهار رمضان، ولا يحرم ذلك عليه في ليله.
ولا بأس أن يصبح جنبا من الوطء.
ومن التن في نهار رمضان بمباشرة أو قبلة فأمنى لذلك فعليه القضاء، وإن تعمد ذلك حتى أمنى فعليه الكفارة.
ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، وإن قمت فيه بما تيسر فذلك مرجو فضله، وتكفير الذنوب به. والقيام في مساجد الجماعات بإمام، ومن شاء قام في بيته وهو أحسن لمن قويت نيته وحده، وكان السلف الصالح يقومون فيه في المساجد بعشرين ركعة ثم يوترون بثلاث، ويفصلون بين الشفع والوتر بسلام، ثم صلوا بعد ذلك ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر، وكل ذلك واسع، ويسلم من كل ركعتين، وقالت عائشة ﵂: «ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره عن اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر»).
• حكم الصيام:
(باب في بيان حكم الصيام) وما يتعلق به أي بالصيام؛ أي: ما يرتبط به كصلاة التراويح، والاعتكاف في العشر الأواخر.
والصيام لغة: الإمساك والترك، فمن أمسك عن شيء [ما] قيل له صائم. قال تعالى حكاية عن مريم: ﴿إني نذرت للرحمن صوما﴾ [مريم: ٢٦]؛ أي: صمتا وهو الإمساك عن الكلام،
[ ٢ / ٦١٩ ]
وقال الشاعر (^١):
خيل صيام، وخيل غير صائمة … تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
يعني: بالصائمة الممسكة عن الجري والحركة.
وشرعا: الإمساك عن شهوتي البطن والفرج وما في معناهما من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التقرب (^٢)، قبل الفجر أو معه في غير أيام الحيض والنفاس وأيام الأعياد.
والصوم باعتبار حكمه ينقسم إلى واجب وغيره، ومن الواجب الكفارات والنذور وصوم رمضان، وإليه أشار بقوله: (وصوم شهر رمضان فريضة) دل على فرضيته الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى قوله - ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]. وأما السنة: فعن ابن عمر، ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» (^٣).
وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان، على المكلف الخالي من الأعذار المبيحة، والموجبة للفطر (^٤).
فمن جحد وجوب صوم رمضان فهو كافر إجماعا، يستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل، ومن أقر بوجوبه وامتنع من صومه فهو عاص يجبر على فعله، فإن لم يفعل قتل حدا كالصلاة؛ أي: بعد أن يؤخر إلى أن يبقى من وقت نيته قدر ما يسعها (^٥)
_________________
(١) البيت للنابغة الذبياني كما هو في ديوانه (صنعة ابن السكيت) (٢١٢).
(٢) التوضيح (١/ ١٤٢) تحقيق: هالة بنت الحسين، إشراف: أبي الأجفان رحمه الله تعالى، مخطوط جامعة أم القرى (١٤٢٤ هـ / ٢٠٠٣ م)، والمذهب (٢/ ٥٠٩).
(٣) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ في «الصحيحين»، والبخاري (٨)، ومسلم (١٦).
(٤) مراتب الإجماع لابن حزم (٤٥).
(٥) التوضيح على جامع الأمهات لخليل (١/ ١٤٣)، والذخيرة (٢/ ٤٨٢ - ٤٨٤).
[ ٢ / ٦٢٠ ]
• ما يثبت به دخول شهر رمضان:
يثبت صوم رمضان بأحد أمرين:
إما بإتمام شعبان ثلاثين يوما، كما في حديث كريب ﵁.
وإما برؤية الهلال، وإليه أشار بقوله: (يصام لرؤية الهلال)؛ يعني:
هلال رمضان ظاهر كلامه سواء كانت الرؤية مستفيضة بأن وقعت من جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، لأن خبرهم يفيد العلم وذلك مثل ما ثبت في حديث كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، فاستهل رمضان وأنا بالشام، فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ قلت: رأيته ليلة الجمعة. قال: أنت رأيته؟ قلت: نعم، وراه الناس، وصاموا وصام معاوية. قال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصومه حتى نكمل الثلاثين أو نراه. فقلت: أفلا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال لا: «هكذا أمرنا رسول الله ﷺ» (^١) والشاهد فيه: رأيته ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، وفي الحديث أحكام أخر.
أو يثبت بشاهدي عدل فقط مع غيم أو صحو، قال أبو عمر (^٢): وهو الذي ذهب إليه مالك وعليه جمهور أهل العلم أنه لا يصام رمضان إلا بيقين من خروج شعبان، واليقين في ذلك رؤية الهلال، أو إكمال شعبان ثلاثين يوما، وكذلك لا يقضى بخروج رمضان إلا بيقين مثله. قال الله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]، يريد والله أعلم: من علم منكم بدخول الشهر علم يقين فليصمه، والعلم اليقين: الرؤية الصحيحة الفاشية الظاهرة أو إكمال العدد، وكذلك في الشريعة أيضا شهادة عدلين أنهما رأيا
_________________
(١) مسلم (٣/ ١٢٦) (٢٤٩٥)، وأبو داود (٢٣٣٢)، والترمذي (٦٩٣)، والنسائي (٤/ ١٣١)، وابن خزيمة (١٩١٦).
(٢) الاستذكار (٣/ ٢٧٦)، وانظر: تفسير القرطبي (٢/ ٢٩٤).
[ ٢ / ٦٢١ ]
الهلال ليلة ثلاثين فيصح بذلك أن الشهر الماضي من تسع وعشرين.
وهذا عند بعضهم إذا لم تكن في السماء علة فهذا معنى قوله ﷺ: «فاقدروا له» عند أكثر أهل العلم. اه.
ولحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (^١) أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ، وساءلتهم، وإنهم حدثوني أن رسول الله ﷺ قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسكوا لها فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان (^٢) فصوموا، وأفطروا» (^٣)، قال أبو عمر (^٤): «لم يذكر مالك في موطئه حكم إشهاده على هلال رمضان، وذكره غير واحد من أصحابه عنه. ولم يختلف قوله وقول أصحابه أنه لا يجوز على شهادة رمضان أقل من رجلين عدلين، وهلال شوال وسائر الأحكام». اه.
أي: ولا فرق بين البلد الكبير والصغير، ومثل العدلين العدل الواحد الموثوق بخبره ولو عبدا أو امرأة، وقد وردت آثار صحيحة ثابتة تبين أن النبي ﷺ قبل خبر ابن عمر ﵄ ففي «سنن أبي داود» وغيره أن ابن عمر ﵁ قال: «تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصامه وأمر الناس بصيامه» و(^٥)، وفي «سنن أبي داود» أيضا حديث أعرابي (^٦)، والعادة أن إثبات هلال الصوم لا يتهم فيه الناس لحصول المشقة بإثباته، بخلاف رؤية
_________________
(١) انظر: تلخيص الحبير للحافظ (٢/ ١٨٦).
(٢) وفي رواية أحمد زيادة (مسلمان) بعد قوله: شاهدان.
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٣٢١) (١٩١٠١)، وأخرجه النسائي (٤/ ١٣٢)، وفي «الكبرى» ٢٤٣٧، وانظر: إتحاف المهرة للحافظ (١٢/ ١٩٦ - ١٩٧)، والحديث صحيح.
(٤) الاستذكار (٣/ ٢٨١).
(٥) أخرجه الدارمي (١٦٩١)، وأبو داود (٢٣٤٢)، والحديث صحيح.
(٦) أخرجه الدارمي (١٦٩٢)، وأبو داود (٢٣٤٠)، وابن ماجه (١٦٥٢)، والترمذي (٦٩١)، والنسائي (٤/ ١٣١).
[ ٢ / ٦٢٢ ]
شوال فالتهمة موجودة لتطلع النفس إلى الفطر (^١).
(و) كما يصام لرؤيته (يفطر لرؤيته)؛ أي: لرؤية هلال شوال سواء (كان) الشهر الذي قبل الشهر تثبت رؤيته (ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما)؛ أي: لأن الشهر يأتي ناقصا وكاملا (فإن غم) بضم الغين وتشديد الميم (الهلال)؛ يعني: هلال رمضان بأن حال بينه وبين الناس غيم (فيعد ثلاثين يوما من غرة؛ يعني: من أول الشهر الذي قبله) وهو شعبان (ثم يصام، وكذلك في الفطر) يفعل فيه كذلك فإن غم هلال شوال فإنه يعد ثلاثين يوما من أول الشهر الذي قبله وهو رمضان، ثم يفطر، وأصل هذا قوله ﷺ: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة» (^٢).
شروط الصيام:
اعلم أن شروط الصوم سبعة:
أولها: النية، وأشار إليه بقوله: (ويبيت الصيام في أوله)؛ أي: ينوي بقلبه أول ليلة من رمضان بعد غروب الشمس وقبل طلوع الفجر بأداء ما افترض عليه بالإمساك عن الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس (^٣). (و) بعد أن يبيت الصيام أول ليلة ف (ليس عليه) وجوبا (البيات في بقيته)؛ أي: بقية شهر رمضان لأنه عبادة واحدة متصلة الأجزاء (^٤)، ووجه المذهب قول تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥] فتناول هذا الأمر صوما واحدا وهو صوم الشهر وإنما كانت مبيتة لحديث حفصة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له» (^٥).
_________________
(١) انظر: بداية المجتهد لابن رشد (٢/ ٥٧) بتصرف.
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٤١٥) (٩٣٦٥)، والبخاري (١٩٠٩)، ومسلم (٢٤٨٢).
(٣) تفسير القرطبي (٢/ ٣١٩) و(٢/ ٣٢٧)، والتوضيح (١/ ١٩٩)، تحقيق: هالة حسن.
(٤) التوضيح (١/ ٢٠٢).
(٥) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٢١٠) موقوفا عليها. وهو حديث صحيح الإسناد قال =
[ ٢ / ٦٢٣ ]
ثانيها: الإسلام ثالثها: العقل، رابعها: النقاء من الحيض والنفاس، خامسها: الإمساك عن المفطرات، سادسها: القدرة على الصوم، سابعها: البلوغ (^١).
ثم بين غايته بقوله: (ويتم الصيام إلى الليل) للآية، ولقوله ﵊ في الصحيح: «إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» (^٢)؛ أي: انقضى صومه وتم.
من سنن الصيام:
قال رحمه الله تعالى: (ومن السنة تعجيل الفطر) بعد تحقق دخول الليل، فإن دخل الليل فيكره له التمادي في الصوم إذا كان لغير ضرورة (^٣)، وقد رخص في الوصال إلى السحر (^٤).
(و) من السنة أيضا (تأخير السحور) بفتح السين وضمها، فالفتح اسم للمأكول، والضم اسم للفعل، لحديث أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار، وأخروا السحور» (^٥)، ويستحب للصائم أن يفطر على رطب فإن لم يجد فعلى تمر، فإن لم يجد فعلى ماء؛ لحديث سلمان بن عامر الضبي ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد تمرا فالماء فإنه طهور» (^٦).
_________________
(١) = ابن عبد البر رحمه الله تعالى: وهذا حديث فرد في إسناده ولكنه أحسن ما روي مرفوعا في هذا الباب، الاستذكار (٤/ ٢٨٦)، ورواه أبو داود (٢٤٥٤)، والنسائي (٤/ ١٩٦)، والترمذي (٧٣٠).
(٢) ينصح بالرجوع إلى المناهل ففيها أدلة كل مسألة.
(٣) البخاري (١٩٥٤)، ومسلم (٢٥٢٦).
(٤) انظر: التمهيد لابن عبد البر (١٤/ ٣٦٣)، ط: المغربية، عام النشر: ١٣٨٧ هـ.
(٥) كما في صحيح البخاري (باب: الوصال إلى السحر)، كتاب الصوم حديث (١٩٦٧).
(٦) رواه أحمد (٥/ ١٤٧)، وقد ضعف، وله شواهد كثيرة يتقوى بها.
(٧) رواه أبو داود (٢٣٥٥)، والترمذي (٦٩١)، واللفظ له وصححه ابن حبان.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
(وإن شك) صائم رمضان (في) طلوع (الفجر فلا يأكل) ولا يشرب ولا يجامع، وهذا النهي يحتمل الكراهة والتحريم، والمشهور التحريم، وإن شك في الغروب فيحرم الأكل ونحوه اتفاقا.
• صيام يوم الشك:
(ولا يصام يوم الشك ليحتاط به من رمضان) وهذا النهي للكراهة على ظاهر المدونة، وقال ابن عبد السلام: الظاهر أنه للتحريم فعن عمار بن ياسر ﵁ قال: «من صام اليوم الذي يشك فيه الناس فقد عصى أبا القاسم ﷺ» (^١).
ويوم الشك المنهي عن صيامه عندنا أن تكون السماء مغيمة ليلة ثلاثين، ولم تثبت الرؤية فصبيحة تلك الليلة هو يوم الشك.
(ولمن صامه)؛ يعني: يوم الشك (كذلك)؛ يعني: احتياطا، ثم ثبت أنه من رمضان لم يجزه وإن وافقه من رمضان لعدم جزم النية، ولمن شاء صومه تطوعا أن يفعل؛ أي: بدون أن تكون عادته سرد الصوم أو صوم يوم بعينه.
• حكم من أصبح مفطرا ثم تبين أن النهار من رمضان:
(ومن أصبح يوم الشك) (فلم يأكل ولم يشرب ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان لم يجزه) لفقد النية وعدم تحققها (وليمسك) وجوبا (عن الأكل) والشرب وعن كل ما يبطل الصوم في بقيته، وكذلك يجب عليه الصوم إن أكل أو شرب أو نحو ذلك في قول عامة الفقهاء إلا ما ذكر عن عطاء قال ابن عبد البر وهو مخالف في ذلك للجميع، وقوله: (ويقضيه)؛ أي: ولا كفارة إذا كان ناسيا أو عامدا متأولا، وأما غيره فتجب عليه الكفارة.
_________________
(١) أبو داود (٢٣٣٤)، وابن ماجه (١٦٤٥)، والترمذي (٦٨٦)، والنسائي (٤/ ١٥٣)، وأخرجه البخاري (٣/ ٣٤) (١٩٠٦) تعليقا.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
• حكم المفطر بعذر في رمضان إذا زال عذره:
(وإذا قدم المسافر) من سفره نهارا حالة كونه (مفطرا أو طهرت الحائض نهارا ف) يباح (لهما الأكل في بقية يومهما) ولا يستحب لهما الإمساك، بل وله الجماع لأنه لا فرق بين تلك الموانع وقد احتج الثوري بحديث عن جابر بن زيد (^١) في المسألة: أنه قدم من سفره في رمضان، فوجد امرأته قد طهرت فأصابها.
وكذا الصبي يبلغ، والمجنون يفيق، والمريض يصبح مفطرا، ثم يصح، وكذا المغمى عليه ثم يفيق، والمضطر لضرورة جوع أو عطش، والمرضع يموت ولدها نهارا، وكذا الكافر يسلم إلا أن هذا يستحب له الإمساك دون غيره.
وأما من أفطر ناسيا، أو لكون اليوم يوم شك، أو أفطر مكرها فإذا زال عذرهم فيجب عليهم الإمساك.
وإذا أفطر المكره بعد زوال الإكراه وجب القضاء والكفارة إلا أن يتأول.
حكم المتطوع يقطع صومه عامدا أو ساهيا:
(ومن أفطر في تطوعه عامدا) من غير ضرورة ولا عذر (أو سافر فيه)؛ أي: أحدث سفرا حالة كونه متلبسا بصوم التطوع (فأفطر ل) أجل (سفره فعليه القضاء) في الصورتين وجوبا.
قال مالك: ولا ينبغي أن يدخل الرجل في شيء من الأعمال الصالحة الصلاة، والصيام، والحج، وما أشبه هذا من الأعمال الصالحة التي يتطوع بها الناس فيقطعه حتى يتمه على سنته (^٢).
_________________
(١) الاستذكار لابن عبد البر (٣/ ٣٠٩).
(٢) قال أبو داود: لا يثبت حديث حفصة وعائشة، قال ابن عبد البر مرفوعا فيه كلام، وقال الترمذي: فيه مقال، وضعفه الجوزجاني وغيره، ثم هو محمول على الاستحباب =
[ ٢ / ٦٢٦ ]
قال ابن عمر: واختلف إذا أفطر عامدا هل يستحب إمساك بقيته أم لا؟، الراجح لا يستحب كما أفاده الأجهوري؟ وسكت عن الجاهل، والمشهور أنه كالعامد.
(وإن أفطر) في تطوعه (ساهيا فلا قضاء عليه) وجوبا بلا خلاف، فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه﴾ (^١)، وزاد الدارقطني (^٢): «ولا قضاء عليه» (^٣) واختلف في قضائه استحبابا على قولين سماع ابن القاسم منهما الاستحباب، وهذا (بخلاف الفريضة) إذا أفطر فيها ساهيا فإنه يجب عليه القضاء، والراجح لا قضاء على الناسي قال عياض: مشهور مذهب مالك قضاء من أفطر في رمضان ناسيا، قال زروق: وذلك مشعر بوجود الخلاف في المذهب (^٤).
• حكم السواك للصائم:
(ولا بأس بالسواك للصائم) قال عامر بن ربيعة: رأيت النبي ﷺ ما لا أحصي «يتسوك وهو صائم» (^٥)، وقوله ﵊: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (^٦)، فعم الصائم وغيره، (في جميع
_________________
(١) = إلا أن العلماء يرون الوفاء بما شرع فيه من هذه النوافل. انظر: الاستذكار في الباب السابق، وبداية المجتهد لابن رشد (٢/ ٩٠ - ٩١)، والمغني لابن قدامة (٤/ ٤١٠).
(٢) البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (٢٧٠٩)، واللفظ له.
(٣) الدارقطني (٢/ ١٧٩).
(٤) الفتح (٤/ ١٨٦)، قال الحافظ: وله حديث صالح للمتابعة، وأقل درجات الحديث بهذه الزيادة يكون حسنا فيصلح للاحتجاج به.
(٥) شرح الرسالة لزروق (١/ ٤٥٠)، ط: دار الكتب العلمية.
(٦) قال الترمذي: هذا حديث حسن، عارضة الأحوذي (٣/ ٢٥٥)، وأبو داود (١/ ٥٥٢)، باب: السواك للصائم.
(٧) البخاري (٨٣٨)، وأبو داود (٤٧)، والترمذي (٢٣)، والنسائي، في «الكبرى» (٣٠٢٩).
[ ٢ / ٦٢٧ ]
نهاره) لما روى الطبراني بإسناد يحتمل التحسين (^١) عن عبد الرحمن بن غنم قال سألت معاذ بن جبل أأتسوك وأنا صائم؟ قال: نعم، قلت: أي النهار أتسوك؟ قال: أي النهار شئت غدوة أو عشية، قلت: إن الناس يكرهونه عشية، ويقولون: إن رسول الله ﷺ قال: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» فقال سبحان الله: «لقد أمرهم بالسواك وهو يعلم أنه لا بد أن يكون بفي الصائم خلوف وإن استاك، وما كان بالذي يأمرهم أن ينتنوا أفواههم عمدا، ما في ذلك من الخير شيء، بل فيه شر إلا من ابتلى ببلاء لا يجد منه بدأ …» (^٢)، وفي قوله جميع نهاره إشارة لمن قال بكراهة السواك آخر النهار.
• حكم الحجامة للصائم:
(ولا تكره له)؛ أي: للصائم (الحجامة إلا خيفة التغرير)؛ أي: المرض، لما روى البخاري عن ابن عباس ﵄: «أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم» (^٣)، قال في «القاموس»: غرر بنفسه تغريرا؛ أي: عرضها للهلكة. وأما إذا علمت السلامة فلا كراهة. قال زروق: وهي على ثلاثة أوجه جائزة باتفاق لمن تحقق سلامته وغير جائزة لمن تحقق عكسها، ومكروهة لمجهول الحال (^٤).
• أحكام في القيء والبلغم للصائم
(ومن ذرعه) بذال معجمة وراء وعين مهملتين مفتوحتين سبقه وغلبه (القيء في) صوم شهر (رمضان) وغيره (فلا قضاء عليه) لا وجوبا ولا استحبابا سواء كان لعلة أو امتلاء، هذا إذا علم أنه لم يرجع منه شيء بعد
_________________
(١) كما قال الألباني في السلسلة الضعيفة.
(٢) أخرجه الطبراني، وجود الحافظ ابن حجر إسناده انظر: تلخيص الحبير (٢/ ٢٠٢).
(٣) البخاري (٣/ ٤٣)، باب: الحجامة والقيء للصائم، من كتاب الصوم، وأبو داود (١/ ٥٥٣)، والترمذي (٣/ ٣٠٥).
(٤) شرح الرسالة لزروق (١/ ٤٥١).
[ ٢ / ٦٢٨ ]
وصوله إلى فمه، أما إن علم برجوع شيء منه بعد وصوله إلى فمه فعليه القضاء (^١) إذا لم يتعمد وإلا كفر، وكذا يجب القضاء إذا شك في الوصول.
والقلس كالقيء وهو ما يخرج من فم المعدة عند امتلائها.
وأما البلغم يصل إلى طرف اللسان وتعمد ابتلاعه فلا قضاء عليه عند ابن حبيب، وقال سحنون عليه القضاء (^٢)، وكذا الريق يتعمد جمعه في فيه ثم يبتلعه فلا قضاء عليه.
(وإن استقاء الصائم؛ أي: طلب القيء فقاء فعليه القضاء) على المشهور (^٣)، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من ذرعه القيء، فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض» (^٤).
مسائل يجب فيها الفطر وأخرى يباح:
اعلم أن الفطر في رمضان يجب في مسائل ويباح في بعضها، فمن الأول: المرأة تحيض نهارا فيجب عليها الفطر بقية يومها، ويحرم عليها الصيام، ومثلها النفساء (و) منه (إذا خافت) المرأة (الحامل) وهي صائمة في شهر رمضان (على ما في بطنها) أو نفسها هلاكا أو حدوث علة (أفطرت) وجوبا (ولم تطعم) على المشهور لأنها مريضة، وتقضي (وقد قيل تطعم) رواه ابن وهب (^٥)، لقول الله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤] (^٦)، وهما داخلتان في عموم الآية. قال ابن عباس:
_________________
(١) المذهب (٢/ ٤٩٧) قال ابن راشد: وفي الخارج منه يسترد قولان كالبلغم حكاه ابن الحاجب، وانظر: شرح الرسالة لزروق (١/ ٤٥١).
(٢) تنوير المقالة (٣/ ١٥٤)، وشرح الرسالة لزروق (١/ ٤٥٢).
(٣) جامع الأمهات لابن الحاجب (١٧٢ - ١٧٣).
(٤) مالك في الموطأ موقوفا على ابن عمر ﵁ (٢/ ٢٥٠)، ورواه أبو داود (٢٣٨٠)، والترمذي (٧٢٠) قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب.
(٥) شرح الرسالة لزروق (١/ ٤٥٣)، تنوير المقالة للتتائي (٣/ ١٥٥).
(٦) وانظر: كلام القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة (١/ ٢١٥)، والإشراف له (١/ ٤٣٩).
[ ٢ / ٦٢٩ ]
«كانت رخصة للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم مسكينا، والحبلى والمرضع إذا خافتا»، قال أبو داود: «يعني على أولادهما أفطرنا وأطعمتا» (^١).
ومنه ما أشار إليه بقوله:
(وللمرضع) بناء على أن اللام للإباحة؛ أي: أن محل كونه من الثاني إذا جعلت اللام للإباحة؛ أي: ويباح للمرأة المرضع (إن خافت على ولدها) هلاكا أو شديد أذى (^٢)، أو على نفسها من الصوم (ولم تجد ما) ويروى من (تستأجره له أو) وجدت ولكنه؛ أي: الولد (لم يقبل غيرها أن تفطر و) يجب عليها حينئذ أن (تطعم).
ومنه ما أشار إليه بقوله: (ويستحب للشيخ الكبير) الذي لا يقدر على الصوم في زمن من الأزمنة (إذا أفطر أن يطعم) قاله مالك في «الموطأ» (وهو المشهور) (^٣)، لما روى عن ابن عباس ﵄ قال: «من أدركه الكبر فلم يستطع أن يصوم رمضان فعليه لكل يوم مد من قمح». وقال ابن عمر ﵄: «إذا ضعف عن الصوم أطعم عن كل يوم مدا» وروي أن أنسا ﵁: «ضعف عن الصوم عاما قبل وفاته فأفطر وأطعم» (^٤).
(والإطعام) المتقدم ذكره (في هذا كله)؛ أي: في فطر الحامل الخائفة على ما في بطنها، والمرضع الخائفة على ولدها، والشيخ الكبير الذي لا يقدر على الصوم (مد) بمده ﵊ وهو رطل وثلث (^٥) (عن كل يوم يقضيه)؛ أي: إن كان يجب عليه القضاء، فلا يرد الشيخ الهرم وغيره فإنهما يطعمان ولا
_________________
(١) رواه أبو داود (١٩٧٤)، والبيهقي في السنن (٤/ ٢٣٠).
(٢) تنوير المقالة للتتائي (٣/ ١٥٦).
(٣) تنوير المقالة للتتائي (٣/ ١٦١)، شرح الرسالة لزروق (١/ ٤٥٣).
(٤) انظر: مصنف عبد الرزاق (٤/ ٢٣٥).
(٥) انظر: تفسير القرطبي (٢/ ٢٤٨؛ ٢٨٩)، وقد تقدم بيان مقدار المد في الطهارة فليرجع له من شاء.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
يقضيان، والتشبيه في قوله: (وكذلك يطعم من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر) راجع إلى القدر لا إلى الحكم، فإن الحكم مختلف لأن إطعام الشيخ كما تقدم مستحب، وإطعام المرضع واجب، وظاهر كلامه أن قضاء رمضان على التراخي، وهو الذي يدل عليه حديث عائشة في «الموطأ»، وغيره «أنها قالت: كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان» (^١)، فظاهره لو كان يجوز تأخيره عن شعبان لأخرته، ولو كان واجبا على الفور لقدمته، فلزم من ذلك أن يكون واجبا موسعا (^٢).
والقول بالإطعام ذكره ابن المنذر عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء، والقاسم بن محمد، والزهري (^٣).
وفيه حديث ضعف رفعه، وصحح موقوفا عن أبي هريرة ﵁ قال: من أدركه رمضان وهو مريض، ثم صح فلم يقضه، حتى أدركه رمضان آخر، صام الذي أدرك، ثم صام الأول، وأطعم عن كل يوم نصف صاع من قمح، قال معمر: «ولا أعلم كلهم إلا يقولون هذا في هذا» (^٤).
وعلى الثاني الضعيف إنما يراعى تفريطه في شوال بقدر ما عليه من الصيام على قياس ما قلنا في شعبان ولو كان رمضان ثلاثين وصام شهرا قضاه عنه فكان تسعة وعشرين كمل ثلاثين، ويجوز القضاء في كل وقت يجوز فيه التطوع بالصوم ولا يقضي في الأيام الممنوع فيها الصوم (^٥).
• صيام الصبيان:
أشار إلى الشرط الموعود بمجيئه وهو البلوغ بقوله: (ولا صيام على
_________________
(١) البخاري (٣/ ٤٥)، باب: متى يقضي قضاء رمضان من كتاب الصوم، ومسلم (٢/ ٨٠٢ - ٨٠٣)، باب: قضاء رمضان في شعبان.
(٢) تنوير المقالة (٣/ ١٦٣).
(٣) نقل ذلك عنه القاضي في شرح الرسالة له (١/ ٢٢٣).
(٤) قال القرطبي في تفسيره (٢/ ٢٨٣): أخرجه الدارقطني، وقال: إسناد صحيح، وأخرجه في مصنف عبد الرزاق (٧٦٢٠).
(٥) انظر: المذهب لابن راشد (٢/ ٥٠٣)، الإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/ ٤٤٥).
[ ٢ / ٦٣١ ]
الصبيان) وجوبا (حتى يحتلم الغلام، وتحيض الجارية) لحديث علي ﵁ وفيه: «وعن الصبي حتى يحتلم» (^١).
(وبالبلوغ) ولو قال بالتكليف إلخ لكان أولى من قوله وبالبلوغ (لزمتهم أعمال الأبدان) من صلاة وصيام وحج وغزو (فريضة) بالنصب على الحال المؤكدة لعاملها لأن اللزوم والفرض مترادفان، وكذلك بالبلوغ لزمتهم أعمال القلوب كوجوب النيات؛ أي: النيات الواجبة لأن الذي من عمل القلب النية لا وجوبها والاعتقادات كاعتقاد أن الله واحد مثلا واستدل على لزوم الصبيان الفرائض بالبلوغ بقوله:
(قال الله سبحانه) وتعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفل منكم الحلم فليستأذنوا﴾ لأن الاستئذان واجب، وقد علقه بالبلوغ، وعلق أحكام البلوغ بالاحتلام؛ ولحديث: «رفع القلم عن ثلاث … وفيه .. وعن الصبي حتى يحتلم» (^٢).
• حكم الصائم يصبح جنبا أو حائضا:
(ومن أصبح)؛ بمعنى: طلع عليه الفجر (جنبا) كانت الجنابة من وطء أو احتلام عمدا أو نسيانا في فرض أو تطوع (ولم يتطهر) بالماء. (أو امرأة حائض طهرت) بمعنى انقطع عنها دم الحيض، ورأت علامة الظهر (قبل) طلوع (الفجر) الصادق (فلم يغتسلا)؛ أي: الجنب والحائض المذكوران (إلا بعد الفجر) سواء أمكنهما الغسل قبل طلوع الفجر أم لا (أجزأهما صوم ذلك اليوم) ولا شيء عليهما (^٣)، لقوله تعالى: ﴿فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] فمن نزع من جماعه مع طلوع الفجر فإنه لا يمكنه الاغتسال إلا بعده فدل على جواز الإصباح
_________________
(١) شرح الرسالة لزروق (١/ ٤٥٥)، والقاضي (١/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، وتنوير المقالة (٣/ ١٦٤).
(٢) رواه أبو داود (٤٤٠١)، وهو صحيح.
(٣) بداية المجتهد لابن رشد (١/ ٦٥ - ٦٦)، وتفسير القرطبي (٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦).
[ ٢ / ٦٣٢ ]
بالجنابة اتفاقا في المذهب وعلى المشهور في الحائض (^١)، ولما روى أبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: «ذهبت أنا وأبي حتى دخلنا على عائشة فقالت: أشهد على رسول الله ﷺ إن كان ليصبح جنبا من جماع من غير احتلام ثم يصومه ثم دخلنا على أم سلمة فقالت مثل ذلك، ثم أتينا أبا هريرة ﵁ فأخبرناه بذلك، فقال: هما أعلم بذلك، إنما حدثنيه الفضل بن عباس» (^٢).
• أوقات نهى الشارع الحكيم عن الصوم فيها:
(ولا يجوز صيام يوم الفطر ولا صيام يوم النحر) إجماعا؛ أي: ولا يصح إذ لا يلزم من عدم الجواز عدم الصحة لنهيه ﵊ عن صيامهما (^٣)، روى مالك عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب فصلى، ثم انصرف فخطب الناس، فقال: «إن هذين يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، … والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم» (^٤)، وهل النهي تعبد أو معلل بضيافة الله؟ قولان.
(ولا يصام اليومان اللذان بعد يوم النحر إلا المتمتع الذي لا يجد هديا) ومثل المتمتع القارن والمفتدي ومن وجب عليه الدم لنقص في الحج غير ما ذكر، والنهي في قوله: ولا يصام … إلخ، للتحريم على الراجح، لحديث عمرو بن العاص ﵁ أنه قال له لما كان عيد الأضحى: «أفطر فإن
_________________
(١) تنوير المقالة للتتائي (٣/ ١٦٧).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» صفحة (١٩٤) عن عبد ربه بن سعيد، وفي (١٩٤ و١٩٥) عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأحمد (١/ ٢١١)، والبخاري (٣/ ٣٨)، ومسلم (٣/ ١٣٧)، وأبو داود (٢٣٨٨)، والترمذي (٧٧٩)، والنسائي في «الكبرى»، انظر: (تحفة الأشراف) (١٢/ ١٧٦٩٦).
(٣) الذخيرة للقرافي (٢/ ٤٩٦).
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (٤٩١)، والبخاري (٣/ ٥٥) (١٩٩٠)، ومسلم (٣/ ١٥٢) (٢٦٤١).
[ ٢ / ٦٣٣ ]
هذه الأيام التي كان رسول الله ﷺ يأمر بإفطارها وينهى عن صيامها» (^١)، قال مالك: وهي أيام التشريق ..
وأما من لم يجد الهدي فقد روي عن ابن عمر وعائشة ﵃ أنهما قالا: «لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن، إلا لمن لم يجد الهدي»؛ أي: المتمتع إذا عدم الهدي (^٢)، ويقاس عليه كل مفروض.
(واليوم الرابع) من يوم النحر (لا يصومه متطوع، ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك) كمن صام شوالا وذا القعدة عن كفارة ظهار أو قتل ثم مرض ثم صح في ليلة الرابع، فإنه يصومه (^٣).
• مسائل في القضاء والكفارة:
(ومن أفطر) بأكل أو شرب أو جماع (في نهار رمضان) حال كونه (ناسيا فعليه القضاء فقط) وفي مشهور المذهب وجوبا، وعلى الراجح لا شيء عليه، لحديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: «إذا أكل الصائم ناسيا أو شرب ناسيا فإنما هو رزق ساقه الله تعالى إليه» ولا قضاء عليه في رواية - «وليتم صومه فإن الله أطعمه وسقاه» أخرجه الدارقطني (^٤)، ويجب عليه الإمساك، لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى اليل﴾ الآية.
(وكذلك) يجب على (من أفطر فيه)؛ أي: في نهار رمضان (ل) أجل (ضرورة من مرض) يشق معه الصوم أو لا يشق، لكن يخاف معه طول المرض أو زيادته أو تأخر برء فعليه القضاء فقط من غير كفارة لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٤] وقد أجمع أهل العلم
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (٧٤١).
(٢) البخاري، باب صيام أيام التشريق من كتاب الصوم (٣/ ٥٦)، وأخرجه مالك في باب صيام التمتع من كتاب الحج (١/ ٤٢٦)
(٣) الإشراف للقاضي عبد الوهاب (١/ ٤٤٧ - ٤٤٨)، والمذهب (٢/ ٥١٣).
(٤) أخرجه الدارقطني (٢٢٦٥)، وقال: إسناد صحيح وكلهم ثقات، ورواه النسائي في الكبرى (٣٢٧٥).
[ ٢ / ٦٣٤ ]
على إباحة الفطر للمريض في الجملة، أما إذا كان المرض لا يشق معه الصوم ولا يخاف زيادة المرض ولا تأخر البرء وأفطر فعليه القضاء والكفارة.
(ومن سافر سفرا)؛ أي: تلبس بسفر وقت انعقاد النية بأن وصل إلى محل بدء القصر قبل طلوع الفجر (تقصر فيه الصلاة) بأن كان أربعة برد فأكثر ذاهبا أو راجعا، ولم يكن سفر معصية، (ف) يباح (له أن يفطر) بأكل أو شرب أو جماع، وبالغ على ذلك بقوله: (وإن لم تنله ضرورة) غير ضرورة السفر فمع الضرورة أحرى (و) مع إباحة الفطر للمسافر يجب (عليه القضاء) إذا أفطر من غير خلاف لقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة: ١٨٥]، والتقدير فأفطر فعدة (والصوم) في السفر (أحب إلينا)؛ أي: إلى المالكية لمن قوي عليه على المشهور لقوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤] (^١)، وعن عثمان بن أبي العاص وأنس بن مالك صاحبي رسول الله ﷺ أنهما قالا: الصوم في السفر أفضل لمن قدر عليه (^٢).
ولا يجوز الفطر في رمضان في سفر معصية بلا خلاف، ولا في سفر آخر دون مسافة القصر بلا خلاف.
(ومن سافر أقل من أربعة برد فظن)؛ أي: اعتقد يقينا (أن الفطر مباح له فأفطر) لذلك فلا كفارة عليه لأنه متأول، ولعدم النص في تحديد تلك المسافة ولا إجماع (^٣)، (و) إنما يجب (عليه القضاء) فقط من غير خلاف، ولو ذكر هذه المسألة بعد قوله: (وكل من أفطر متأولا فلا كفارة عليه) لكان أولى لأنها جزئية من هذه الكلية. وظاهر كلامه أن المتأول لا كفارة عليه مطلقا، وهو خلاف المشهور إذ المشهور التفصيل وهو إن كان التأويل قريبا، وهو ما قوي سببه، فلا كفارة عليه لأنه معذور باستناده إلى
_________________
(١) قال القاضي: والدلالة على ذلك ﴿وسارعوا﴾ … [آل عمران: ١٣٣]. انظر: شرح الرسالة له (١/ ٢٥٩).
(٢) تفسير القرطبي (٢/ ٢٨٠).
(٣) راجع مسافة القصر واختلاف الفقهاء في ذلك.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
سبب قوي، وإن كان التأويل بعيدا وهو ما لم يقو سببه فالكفارة، وفي المناهل صور من التأويلات فيمن أفطر في رمضان (^١).
• حكم من أفطر متعمدا في رمضان:
قال المصنف: (وإنما الكفارة على من أفطر متعمدا بأكل أو شرب) بالفعل [وذلك للعلة الجامعة بين الجماع عمدا في نهار رمضان والأكل والشرب فيه، وهي انتهاك حرمة شهر رمضان، ولأن الوصف المتعدي إلى غيره أرجح من الوصف الذي لم يتعد إلى غيره، لأن التعدية من المرجحات وكون العلة هي انتهاك حرمة رمضان يتعدى بها الحكم من الجماع إلى الأكل والشرب فيجب الكفارة في الجميع] (^٢)، ولما كان الأغلب الأكل والشرب بالفم أطلقه المؤلف (^٣) أو (جماع) من غير خلاف إن كان على سبيل الانتهاك.
لحديث أبي هريرة ﵁ قال: «بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت. قال: «ما لك؟» قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ: «هل تجد رقبة تعتقها؟» قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين»، قال: لا، فقال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينا». قال: لا، قال: فمكث النبي ﷺ، فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرة فيها تمر - والعرق المكتل - قال: «أين السائل؟» فقال: أنا، قال: «خذها، فتصدق به» فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لا بتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك» (^٤).
_________________
(١) تنوير المقالة للتتائي (٣/ ١٧٧)، وشرح الرسالة لزروق (١/ ٤٦١)، وانظر: التوضيح على جامع الأمهات لخليل (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠) تحقيق: هالة بنت الحسين
(٢) مذكرة أصول الفقه للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ص (٣٠٥)، وانظر: مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة للرجراجي (٢/ ١٤٥).
(٣) تنوير المقالة للتتائي (٣/ ١٨٢).
(٤) مالك في الموطأ (٢/ ٢٢٨)، والبخاري (١٩٣٦)، ومسلم (٢٥٩٠).
[ ٢ / ٦٣٦ ]
وعلى المشهور إن كان بتأويل بعيد واحترز بالمتعمد من الناسي والجاهل؛ أي: ناسي الحرمة وجاهلها، وهو من لم يستند لشيء كحديث عهد بالإسلام يعتقد أن الصوم لا يحرم الجماع مثلا وجامع فلا كفارة عليه، وأشار بقوله: (مع القضاء) إلى أن القضاء لازم للكفارة ففي كل موضع تلزم فيه الكفارة يلزم فيه القضاء.
ولما تقدم له ذكر الكفارة استشعر سؤال سائل قال له: وما هي؟ فقال: (والكفارة في ذلك)؛ أي: في الأكل والشرب والجماع عمدا في رمضان على وجه الانتهاك (^١)، أو التأويل البعيد تكون بأحد أمور ثلاثة على وجه التخيير كما في حديث أبي هريرة ﵁ السالف أحدها:
(إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مد بمد النبي ﷺ) وهو وزن رطل وثلث بالبغدادي؛ أي: ما يعادل خمسمائة وثلاثة وأربعون غرامات حسب قول الجمهور (^٢)، وهل يكون من عيش المكفر أو من غالب عيش الناس إن اختلف ذلك؟ قال اللخمي: يجري ذلك على الخلاف في الكفارة؛ أي: كفارة اليمين، وفي زكاة الفطر، والراجح فيها قوت أهل البلد، وكون كفارة رمضان واجبة على التخيير هو المشهور (^٣)، وانبنى الخلاف في أي أنواعها الثلاثة أفضل، والمشهور أنه الإطعام، وإليه أشار الشيخ بقوله: (فذلك)؛ أي: الإطعام المذكور (أحب إلينا)؛ أي: إلى بعض أصحاب مالك وهو منهم، لأنه أعم نفعا.
وهل يجوز إعطاء قيمة المد بدلا من إخراجه؟ قال أشهب هو مخير بين ذلك، وبين الغداء والعشاء.
_________________
(١) التوضيح (١/ ٢٧٤)، تحقيق: هالة بنت محمد حسين.
(٢) انظر: بحثا موثقا في مجلة الحكمة عدد (٢٣) قدم للندوة التاسعة لقضايا الزكاة المعاصرة، تحت إشراف ورعاية الهيئة الشرعية العالمية للزكاة بدولة الكويت، بعنوان: تحويل المكاييل والموازين للأوزان المعاصرة، د. محمود إبراهيم مصطفى الخطيب.
(٣) شرح الرسالة لزروق (١/ ٤٦٣)، والتوضيح (١/ ٢٨٤) تحقيق: هالة بنت محمد حسين، والتفريع لابن الجلاب (١/ ٣٠٧).
[ ٢ / ٦٣٧ ]
وثانيها: العتق وإليه أشار بقوله: (وله أن يكفر بعتق رقبة) ويشترط فيها أن تكون كاملة غير ملفقة مؤمنة سليمة من العيوب كالعمى والبكم والجنون إلخ، محررة وتحريرها أن يبتدئ إعتاقها من غير أن تكون مستحقته بوجه.
وثالثها: الصوم وإليه أشار بقوله: (أو صيام شهرين متتابعين) وتتعدد الكفارة بتعدد الأيام، ولا تتعدد بتكررها في اليوم الواحد قبل إخراجها اتفاقا ولا بعد التكفير على المذهب وليس على من أفطر في قضاء رمضان متعمدا كفارة لأن الكفارة من خصائص رمضان، ويصح قضاء رمضان متفرقا ومتتابعا.
• حكم المغمى عليه ومن في حكمه في نهار رمضان:
(ومن أغمي عليه)؛ أي: ذهب عقله (ليلا فأفاق بعد طلوع الفجر فعليه قضاء الصوم) قال ابن حبيب ولا يؤمر بالكف عن الأكل بقية النهار. والمعتمد أنه إن أغمي عليه كل النهار أو جله فلا بد من القضاء سلم أوله أو لا (^١)
(ولا يقضي) من أغمي عليه ليلا وأفاق بعد طلوع الفجر (من الصلوات) المفروضة (إلا ما أفاق في وقته) وقد تقدم هذا في باب جامع الصلاة، وتقدم دليل ذلك، وإنما أعاده لينبه على أن الصوم يخالف الصلاة، ألا ترى أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة لمشقة التكرار.
• جملة من آداب الصيام:
(وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه) قيل ينبغي في كلامه بمعنى الاستحباب، وقيل: بمعنى الوجوب، ولا معارضة بين القولين، فيحمل من قال بالوجوب على الكف عن المحرم، ومن قال بالندب على الكف عن غير المحرم كالإكثار من الكلام المباح (وجوارحه) من عطف العام على الخاص. وجوارحه سبعة (^٢): السمع والبصر، واللسان، واليدان، والرجلان، والبطن،
_________________
(١) مواهب الجليل (٦/ ٣٧٩)، وانظر: التفريع (١/ ٣٠٩).
(٢) انظر: تفسير القرطبي (١١/ ٩٨) و(٢/ ٣٣٠) و(٢٠/ ٢٣٩).
[ ٢ / ٦٣٨ ]
والفرج، وإنما صرح باللسان وإن كان داخلا فيها لأنه أعظمها آفة قيل: ما من صباح إلا والجوارح تشكو اللسان: ناشدناك الله إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا.
فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال النبي ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، …» (^١)، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «… والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم» (^٢)، وغيرهما من النصوص الدالة على حفظ الجوارح واجتناب الفواحش.
وما أحسن ما قيل:
لا تجعلن رمضان شهر فكاهة … كيما تقضى بالقبيح فنونه!
واعلم بأنك لن تفوز بأجره … وتصومه حتى تكون تصونه!
(و) ينبغي للصائم أيضا أن (يعظم من شهر رمضان ما عظم الله) من زائدة المعنى، ويعظم شهر رمضان الذي عظمه الله ﷾ بقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥] الآية بقراءة القرآن والذكر والصيام والقيام والصدقة وسائر العبادات وما أكثرها وأكثر فضائلها، ويكره تعظيمه بالتزويق وإيقاد المصابيح ووضع الأعلام ونحو ذلك فإن هذا مناف لما كان عليه السلف رحمهم الله تعالى.
• من محظورات الصيام:
(ولا يقرب) بضم الراء وفتحها وهو الأفصح؛ أي: لكونها لغة القرآن كما قال التتائي (^٣) (الصائم) فاعله و(النساء) مفعوله بوطء ولا مباشرة ولا قبلة للذة أما الوطء فحرام إجماعا، وأما ما بعده فقيل حرام وقيل مكروه،
_________________
(١) البخاري (٩)، ومسلم (٥٨)، باب: بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل من كتاب الإيمان.
(٢) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٢٦٢)، والبخاري (١٨٩٤).
(٣) تنوير المقالة للتتائي (٣/ ١٩٧).
[ ٢ / ٦٣٩ ]
وقد قال النبي ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (^١)، ويكره للشيخ والشاب رجلا أو امرأة أن يقبل زوجته أو أمته وهو صائم أو يباشر أو يلاعب، لا سيما إذا خاف على نفسه الوقوع في المحظور وإلا فالاحتياط أولى من الحوم حول الحمى لحديث عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه» (^٢).
قال الحافظ (^٣): فأشارت بذلك إلى أن الإباحة لمن يكون مالكا لنفسه دون من لا يأمن من الوقوع فيما يحرم، فإن أمذى من الفكر أو القبلة ونحوهما: قضى عند مالك رحمه الله تعالى.
وكذلك أن ينظر أو يذكر إذا علم من نفسه السلامة من مني ومذي، وإن علم عدم السلامة أو شك فيها حرمت؛ ولا يحرم ذلك عليه في ليله إلا أن يكون معتكفا أو صائما في كفارة ظهار فيستوي عنده الليل والنهار، فإن فعل شيئا من ذلك وهو صائم وسلم فلا شيء عليه، وإن أنزل فعليه القضاء والكفارة (في نهار رمضان) ثم صرح بمفهوم هذا زيادة في الإيضاح فقال: (ولا يحرم ذلك)؛ أي: ما ذكر من الوطء والمباشرة والقبلة (عليه)؛ أي: على الصائم (في ليله)؛ أي: ليل رمضان لقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ (^٤) [البقرة: ١٨٧]، وقد نزلت في الصحابيين عمر بن الخطاب وقيس بن صرمة ﵄، وإنما يستوي الليل والنهار في حق المعتكف وصائم كفارة الظهار.
(ولا بأس أن يصبح) الصائم (جنبا من الوطء) للحديث المتقدم، وللإجماع (^٥).
وليس في قوله تكرار وإنما أراد أن يبين هنا إباحة الإصباح بالجنابة.
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٥١٨)؛ تنبيه: وقع قلب في الحديث في المناهل فانتبه له (٣/ ١٠٩٠).
(٢) رواه البخاري (١٩٢٧)، ومسلم (٢٥٧١)، ومالك في الموطأ (٢/ ٢٢١).
(٣) الفتح (٤/ ١٧٧).
(٤) انظر: تفسير القرطبي (٢/ ٣١٤).
(٥) شرح الزرقاني (٢/ ٢١٧).
[ ٢ / ٦٤٠ ]
(ومن التذ في نهار رمضان بمباشرة أو قبلة فأمنى لذلك)؛ أي:
خرج منه المذي (ف) يجب (عليه القضاء)، مفهومه أنه إذا لم يمذ لا قضاء عليه وإن أنعظ وهو ما رواه ابن وهب وأشهب عن مالك في المدونة وهو الراجح. وقال ابن القاسم: إذا حرك ذلك منه لذة وأنعظ كان عليه القضاء.
(وإن تعمد ذلك)؛ أي: المباشرة والقبلة (حتى أمنى فعليه) مع القضاء (الكفارة) على المشهور، قياسا على الجماع، وسكت عن النظر والتذكر.
قال الفاكهاني: إن تابع النظر حتى أنزل فعليه القضاء والكفارة، وإن لم يتابعه فعليه القضاء فقط على المشهور، وفي المختصر: وإن أمنى بتعمد نظرة، فتأويلان.
فضل القيام في شهر الصيام:
(ومن قام رمضان إيمانا)؛ أي: تصديقا بالأجر الموعود عليه (واحتسابا)؛ أي: محتسبا أجره على الله تعالى يدخره له في الآخرة لا يفعل ذلك رياء ولا سمعة (غفر له ما تقدم من ذنبه) هذا لفظ حديث رواه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (^١)، وهذا ترغيب منه دون أن يأمرهم بعدد محدد، ولا إلزام بفعل، ولهذا قال أبو هريرة ﵁ كما في «الموطأ» (^٢): «أن رسول الله ﷺ كان يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيها بعزيمة»؛ والمراد بالذنوب التي يكفرها القيام الصغائر التي بينه وبين ربه. وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة أو عفو الله.
وحكم قيام رمضان الاستحباب، ثم إن ثواب القيام لا يتقيد بالليل كله بل يحصل لكل من قام منه شيئا على قدر حاله من غير تحديد، وإلى ذلك أشار بقوله: (وإن قمت فيه)؛ أي: في رمضان (بما تيسر فذلك) القيام (مرجو فضله و) مرجو (تكفير الذنوب) به وخير الأعمال وأحبها إلى الله
_________________
(١) البخاري (٣٧).
(٢) الموطأ (٢٣٠)، وسنن النسائي (٢٠٧٧)، وسنن البيهقي (٢/ ٤٩٢)، وانظر: كتاب التراويح للشيخ عطية محمد سالم رحمه الله تعالى (ص ١٠)، ط: مكتبة دار التراث.
[ ٢ / ٦٤١ ]
أدومها وإن قل كما في الحديث (^١)، (والقيام) فيه؛ أي: في رمضان يجوز فعله (في مسجد الجماعات) وفي كل ما يجتمعون فيه ويكون (بإمام) وجواز فعل التراويح بإمام مستثنى من كراهة صلاة النافلة جماعة المشار إليه بقول الشيخ خليل عطفا على المكروه وجمع كثير بنفل، أو بمكان مشتهر، لفعل النبي ﷺ فإنه ﵊ صلى بالناس في رمضان ثلاثا، ثم تخلف في الثالثة أو في الرابعة وقال: «إني خشيت أن تفرض عليكم» (^٢)، ثم ترك ذلك ﵊؛ أي: الاجتماع للصلاة بهم خشية فرضه، وبقيت الأمة على ذلك يصلون أفذاذا وجماعات في خلافة أبي بكر الصديق وصدر من خلافة عمر (^٣)، حتى جمعهم أمير المؤمنين عمر ﵁ على تميم الداري وأبي بن كعب ﵃ (^٤).
ووقت القيام بعد عشاء صحيحة وشفق إلى طلوع الفجر فوقته وقت الوتر (ومن شاء قام في بيته وهو أحسن)؛ أي: أفضل (لمن قويت نيته) يعني نشطت نفسه (وحده) ولم يكسل، لأن النبي ﷺ قال للصحابة في الليلة الثالثة أو الرابعة: «ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم، حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة» (^٥)، واستحباب النوافل في البيت أبعد عن الرياء وأقرب للإخلاص، وقيد بعضهم هذا بأن لا تعطل المساجد.
عدد ركعات التراويح:
لما فرغ من بيان المحل الذي يفعل فيه شرع يبين عدده فقال:
_________________
(١) عند البخاري (٦٤٦٤).
(٢) رواه مالك في الموطأ (١/ ٣٣٢)، والبخاري (١١٢٩)، ومسلم (١٧٨٠).
(٣) رواه البخاري في الصحيح (٢٠١٠)، ورواه مالك بسنده إلى ابن شهاب (٣٧٨).
(٤) مالك في الموطأ (١/ ٣٣٩)، والبيهقي (٢/ ٤٩٦)، وانظر: كتاب التراويح تأليف: عطية محمد سالم رحمه الله تعالى.
(٥) تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
(وكان السلف الصالح) وهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين (يقومون فيه)؛ أي: في زمن عمر بن الخطاب ﵁ وفي عهد الخليفتين بعده عثمان وعلي ﵃ (^١) (في المساجد بعشرين ركعة) وهو اختيار جماعة منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد، والعمل عليه الآن في الحرمين الشريفين.
(ثم) بعد قيامهم بالعشرين ركعة (يوترون بثلاث)؛ أي: ثلاث ركعات.
(ويفصلون بين الشفع والوتر بسلام) لما روى مالك (^٢) عن يزيد بن رومان (^٣) أنه قال: «كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب، في رمضان، بثلاث وعشرين ركعة» (^٤)، قال الزرقاني (^٥): «وجمع البيهقي وغيره بين هذا وسابقه، بأنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة، واحدة منها الوتر، ثم قاموا بعشرين وأوتروا، ونقل عن الباجي قوله: فأمرهم أولا بتطويل القراءة لأنه أفضل ثم ضعف الناس فأمرهم بثلاث وعشرين فخفف من طول القراءة، واستدرك بعض الفضيلة بزيادة الركعات»، (ثم صلوا)؛ أي: السلف غير السلف الأول؛ أي: فهم سلف بالنسبة إلينا، وقد تقدم أن السلف الأول الصحابة فيكون المراد بهذا السلف التابعين (بعد ذلك)؛ أي: بعد القيام بعشرين ركعة غير الشفع والوتر (ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر) وكان الأمر لهم بذلك عمر بن عبد العزيز (^٦) لما في ذلك من المصلحة، لأنهم كانوا يطيلون القراءة الموجبة للملل والسآمة، فأمرهم بتقصير القراءة وزيادة الركعات (^٧)، والظاهر أنه تقدم
_________________
(١) انظر: التراويح للشيخ عطية (ص ٤١ - ٤٢).
(٢) انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٣٤٢)، وانظر: الفتح (٢/ ٥٦١ ٥٦٢).
(٣) يزيد بن رومان المدني مولى آل الزبير، ثقة، من الخامسة، مات سنة ثلاثين؛ أي: بعد المائة. تقريب التهذيب.
(٤) ثم استمر العمل بعشرين ركعة في زمن علي ﵁، كما جاء في سنن الترمذي (٨٠٦).
(٥) شرح الزرقاني (١/ ٣٤١).
(٦) المدونة (١/ ٢٢٣) عن ابن وهب أن عمر بن عبد العزيز أمر القراء يقومون بست وثلاثين ويوترون بثلاث ويقرؤون بعشر آيات في كل ركعة، وانظر: الفتح (٤/ ٢٩٨)، وقال مالك: هو الأمر القديم عندنا.
(٧) انظر: تنوير المقالة للتتائي (٣/ ٢٠٧).
[ ٢ / ٦٤٣ ]
العمل به قبل زمان مالك، لأن محمد بن سيرين روى أن معاذا القاري كان يصلي بالناس إحدى وأربعين ركعة، ومعاذ أبو حليمة (^١) هذا هو أحد القراء الذين أقامهم عمر بمصلى التراويح، وكان ذلك قبل الحرة، والحرة كانت سنة ثلاث وستين (^٢).
(وكل ذلك)؛ أي: القيام بعشرين ركعة أو بست وثلاثين ركعة (واسع)؛ أي: جائز (ويسلم من كل ركعتين) ولما بين قيام السلف استشعر سؤال سائل قال له: هذا قيام السلف فما قيام النبي ﷺ؟ فأجاب بقوله: (وقالت عائشة ﵂ ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر) ما ذكره عن عائشة مخالف لما في «الموطأ» من قولها: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة» (^٣)؛ أي: ومخالف أيضا لما روي عنها من أن قيامه بخمس عشرة وسبع عشرة، اللهم ما كان من رواية السائب بن يزيد قال: كنا نصلي زمن عمر في رمضان ثلاث عشرة، قال ابن إسحاق وهذا أثبت ما سمعت في ذلك وهو موافق لحديث عائشة في صلاة النبي ﷺ من الليل والله أعلم (^٤).
_________________
(١) معاذ بن الحارث الأنصاري المازني النجاري القارئ، أبو حليمة، ويقال: أبو الحارث، المدني: صحابي، الوفاة: (٦٣ هـ) (استشهد بالحرة) ب المدينة روى له: (أبو داود في المسائل).
(٢) انظر: التراويح للشيخ عطية محمد سالم يرحمه الله تعالى.
(٣) الموطأ (٢٤٢).
(٤) الفتح (٤/ ٢٩٨ - ٢٩٩).
[ ٢ / ٦٤٤ ]
باب في الاعتكاف
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في الاعتكاف:
والاعتكاف من نوافل الخير، والعكوف الملازمة.
ولا اعتكاف إلا بصيام، ولا يكون إلا متتابعا، ولا يكون إلا في المساجد، كما قال الله ﷾: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ فإن كان بلد فيه الجمعة فلا يكون إلا في الجامع، إلا أن ينذر أياما لا تأخذه فيها الجمعة.
وأقل ما هو أحب إلينا من الاعتكاف عشرة أيام.
ومن نذر اعتكاف يوم فأكثر لزمه، وإن نذر ليلة لزمه يوم وليلة، ومن أفطر فيه متعمدا فليبتدئ اعتكافه، وكذلك من جامع فيه ليلا أو نهارا ناسيا أو متعمدا.
وإن مرض خرج إلى بيته فإذا صح بنى على ما تقدم، وكذلك إن حاضت المعتكفة، وحرمة الاعتكاف عليهما في المرض وعلى الحائض في الحيض فإذا طهرت الحائض أو أفاق المريض في ليل أو نهار رجعا ساعتئذ إلى المسجد.
ولا يخرج المعتكف من معتكفه إلا لحاجة الإنسان.
وليدخل معتكفه قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يبتدئ فيها اعتكافه.
ولا يعود مريضا ولا يصلي على جنازة ولا يخرج لتجارة.
ولا شرط في الاعتكاف.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
ولا بأس أن يكون إمام المسجد، وله أن يتزوج أو يعقد نكاح غيره،
ومن اعتكف أول الشهر أو وسطه خرج من اعتكافه بعد غروب الشمس من آخره، وإن اعتكف بما يتصل فيه اعتكافه بيوم الفطر فليبت ليلة الفطر في المسجد حتى يغدو منه إلى المصلى).
الشرح
(باب في الاعتكاف) الاعتكاف لزوم المرء شيئا، وحبس نفسه عليه برا كان أو إثما، قال الله تعالى: ﴿ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ [الأنبياء: ٥٢]، وقال تعالى في البر: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧].
• معنى الاعتكاف لغة وشرعا:
سمي الاعتكاف الشرعي اعتكافا لملازمة المسجد، يقال: عكف يعكف ويعكف - بضم الكاف وكسرها لغتان مشهورتان عكفا وعكوفا؛ أي: أقام على الشيء ولازمه، وعكفته أعكفه - بكسر الكاف عكفا لا غير.
الاعتكاف في الشرع: هو اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية مخصوصة.
قال القرافي: «الاحتباس في المساجد على وجه مخصوص» (^١).
وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فلما مر من قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾، وأما السنة فمن ذلك ما روى البخاري بزيادة من حديث عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان» (^٢) وفي حديث عائشة: «حتى توفاه الله».
وإنما عقب الصيام بالاعتكاف لأنه شرع عقبه وبدأ بحكمه فقال:
(والاعتكاف من نوافل الخير) المرغب فيها وهو مندوب على قول، وسنة في
_________________
(١) الذخيرة للقرافي (٢/ ٥٣٤).
(٢) البخاري (٣/ ٦٢) (٢٠٢٥)، ومسلم (٤/ ١٧٤) (٢٧٥٠)، وأبو داود (٢٤٦٥)، وابن ماجه (١٧٧٣).
[ ٢ / ٦٤٦ ]
آخر، لحديث ابن عباس ﵄: «… من اعتكف يوما ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق أبعد مما بين الخافقين» (^١)، وأفضله في العشر الأواخر من رمضان لمواظبته ﷺ عليه؛ أي: على العشر الأواخر كما تقدم في حديث عائشة ﵂، ويكفي الاعتكاف فضلا أن الله ذكره، والمصطفى ﷺ فعله.
(والعكوف الملازمة) (^٢)؛ أي: لزوم المسلم المميز المسجد للذكر والصلاة وقراءة القرآن، صائما، كافا عن الجماع ومقدماته يوما فما فوقه بنية.
قال التتائي: «وحكمة مشروعيته: التشبه بالملائكة الكرام في استغراق الأوقات بالعبادات وحبس النفس عن شهواتها واللسان عن الخوض فيما لا يعني» (^٣).
(ولا اعتكاف إلا بصيام) على المشهور (^٤)، قال القاضي عياض: وهو قول جمهور العلماء (^٥).
واحتج لهؤلاء بأن النبي ﷺ: «اعتكف هو وأصحابه ﵃ صياما في رمضان»، وبحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لا اعتكاف إلا بصيام» (^٦)،
_________________
(١) رواه الطبراني في الأوسط كما في المجمع (٨/ ١٩٢) وجود إسناده، وقال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن عبد العزيز بن أبي رواد إلا بشر بن سلم البجلي، تفرد به ابنه»، ورواه البيهقي في الشعب (٣٩٦٥) واللفظ له، والحاكم مختصرا في المستدرك (٤/ ٢٧٠)، وقال: صحيح الإسناد، كذا قال، وقد ضعفه بعض أهل العلم كالبيهقي؛ والألباني في ضعيف الترغيب، وقد أورده المنذري في الترغيب والترهيب (٢٥٣)، ط: دار الأفكار الدولية.
(٢) وعرفه ابن عرفة بقوله: بأنه لزوم مسجد مباح لقربة قاصرة بصوم معزوم على دوامه يوما وليلة، سوى وقت خروجه لجمعة أو لمعينه الممنوع فيه. حدود ابن عرفة مع شرح الرصاع (١/ ١٦٢).
(٣) تنوير المقالة (٣/ ٢١١).
(٤) المدونة (١/ ١٩٥)، ومناهج التحصيل للرجراجي (٢/ ١٥١ - ١٥٣).
(٥) المدونة (١/ ١٩٦)، والحجة على أهل المدينة (١/ ٤٢٠)، والكافي لابن عبد البر (١/ ٣٥٢).
(٦) رواه أبو داود (٢٤٧٣)، باب المعتكف يعود المريض، قال الحافظ في البلوغ =
[ ٢ / ٦٤٧ ]
قال النووي (^١): حديث عائشة ضعيف بالاتفاق (^٢)، (أي: رفعه)، والثاني: لو ثبت لوجب حمله على الاعتكاف الأكمل جمعا بين الأحاديث، والصحيح جوازه من غير صوم، لحديث عمر ﵁ أنه قال للنبي ﷺ: «كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: «فأوف بنذرك»» (^٣).
وقد قال الرجراجي: وكثيرا ما يتسارع أهل المذهب إلى الاستدلال على أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم، لقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى اليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾، ولا دليل في ذلك، غير أنه من باب الاستئناس بالقرآن. اه (^٤).
(و) من شرط الاعتكاف أن (لا يكون إلا متتابعا) لأن النبي ﷺ كان اعتكافه كذلك، ما لم ينذره متفرقا، فإن نذره كذلك لم يلزمه التتابع.
(ولا يكون) الاعتكاف (إلا في المساجد كما قال الله ﷾: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧]) فلا يصح في البيوت والحوانيت ونحوها، ولا في المصليات المخصصة للمدارس والشركات ونحو ذلك، ولا يعتكف في السقائف، ولا في المنارة، ولا على ظهر المسجد، واختلف في المؤذن المعتكف هل يصعد المنار أم لا؟ على قولين منصوصين في «المدونة» (^٥)؛ ويصح الاعتكاف في أي مسجد كان، ولو كان غير المساجد الثلاثة في أي بلد كان و(أل) في المساجد تفيد العموم (^٦)، وحمل قول النبي ﷺ: «لا
_________________
(١) = (٥٧٢): ولا بأس برجاله، إلا أن الراجح وقف آخره، وصححه الألباني في الإرواء (٤/ ١٣٩). وأخرجه عبد الرزاق (٤/ ٣٥٤) رقم (٨٠٣٧)، ورواه الدارقطني في باب الاعتكاف من كتاب الصيام (٢/ ٢٠٠)، وقال: تفرد به سويد عن سفيان بن حسين قلت: وسويد بن عبد العزيز ضعيف باتفاق المحدثين، والبيهقي (٤/ ٣١٧) السنن.
(٢) المجموع للنووي (٦/ ٤٦٨).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٤/ ٤٥٩)
(٤) البخاري (٢٠٣٢).
(٥) مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة للرجراجي (٢/ ١٥٣).
(٦) انظر: المدونة (١/ ٢٣٠)، والنوادر (٢/ ٩٣)، ومناهج التحصيل للرجراجي (٢/ ١٧٠).
(٧) المدونة (١/ ٢٣٥)، والتفريع لابن الجلاب (١/ ٣١٣)، والمنتقى للباجي (٢/ ٨٧)،
[ ٢ / ٦٤٨ ]
اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» (^١) أن المقصود من ذلك الأفضلية والكمال، لا نفي الصحة والإجزاء. ثم إنه ثبت ثبوتا قطعيا أن النبي ﷺ لم يعتكف في غير المسجد (^٢)، ولأنه إجماع (^٣).
(فإن كان بلد بالرفع على أن كان تامة، وبالنصب على أنها ناقصة اسمها ضمير فيها تقديره كان هو أي اعتكافه في بلد (فيه الجمعة) وهو ممن تلزمه الجمعة، ونذر أياما تأخذه فيها الجمعة (فلا يكون)؛ بمعنى: لا يصح الاعتكاف (إلا في المسجد الجامع) في المكان الذي تصح فيه الجمعة، لقول عائشة ﵂: «من السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لحاجة الإنسان، ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة» (^٤)، والمستحب عجز المسجد لأنه أخفى للعبادة، (إلا أن ينذر أياما لا تأخذه فيها الجمعة) (^٥) مثل ستة أيام فأقل فإنه يصح أن يعتكف في أي مسجد كان على المذهب، فإن خرج للجمعة فقولان قائمان من «المدونة» (^٦) (وأقل ما هو أحب)؛ أي: مستحب (إلينا)؛ أي: إلى المالكية على رأي وهو أحد قولي مالك من الاعتكاف عشرة أيام) (^٧) لكون النبي ﷺ كان يفعله غالبا، وقيل أكمله شهر لأنه ﷺ أقصى ما فعل ذلك متتابعا والله أعلم، وعلى رأي أقله يوم وليلة وأكمله عشرة أيام وهو قول ابن
_________________
(١) = وانظر: مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة للرجراجي (٢/ ١٦٧).
(٢) رواه ابن أبي شيبة (٩٠) (٢/ ٥٠٣)، وعبق (٨٠١٤)، وقد أطال الألباني رحمه الله تعالى في تخريج هذا الحديث في «السلسلة الصحيحة» (٦/ ٦٦٧)، ورجح العمل به.
(٣) البخاري (٤/ ٣٢٠) (٢٠٢٩)، ومسلم: الحيض (١/ ٢٤٤) (٦/ ٢٩٧).
(٤) حكاه ابن قدامة في المغني (٤/ ٤٦١) دار عالم الكتب، وتفسير القرطبي (٢/ ٣٣٣).
(٥) رواه أبو داود، ولا بأس برجاله، والراجح وقف آخره كما قال الحافظ في بلوغ المرام (٥٧٢). تقدم تخريجه
(٦) وقال عبد الملك بن الماجشون: لا يبطل اعتكافه إن خرج للجمعة. انظر: الكافي لابن عبد البر (١/ ٣٥٣)، وانظر: مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة للرجراجي (٢/ ١٦٦).
(٧) انظر: مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة للرجراجي (٢/ ١٦٨).
(٨) انظر: الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٥٤٦)، والكافي (١/ ٣٥٢).
[ ٢ / ٦٤٩ ]
حبيب (^١)، وما زاد عليها مكروه أو خلاف الأولى قاله اللخمي (^٢).
(ومن نذر اعتكاف يوم فأكثر لزمه) ما نواه ظاهره أنه إذا نذر يوما لا يلزمه ليلته، ومذهب المدونة خلافه؛ أي: إذا نذر يوما يلزمه يوم وليلة (^٣)، فإن قلت هذا مشكل إذ كيف يلزم مع أنه مكروه لأن المدونة صرحت بكراهة ما دون العشرة على القول بأن أقل مستحبه عشرة، ويجاب عنه بما قيل في ناذر رابع النحر، فإنه يلزمه مع أنه مكروه، وذكره الأجهوري.
(وإن نذر ليلة لزمه يوم وليلة) على المشهور، وعن سحنون البطلان لأن من نذر الاعتكاف ليلا فقد نواه بغير شرطه، قلت: والصحيح الذي لا مفر منه أنه لو نذر ليلة دون يومها صح منه عند كل من لم يشترط الصيام، والحق أحق أن يتبع، لأن حديث عمر ﵁ المتقدم قريبا دال عليه، ولو كان شيئا باطلا لما أقره النبي ﷺ على ذلك ولأرشده إلى ما هو أفضل في قضاء اعتكافه.
• مفسدات الاعتكاف:
شرع يتكلم على مفسدات الاعتكاف فقال: (ومن أفطر فيه)؛ أي: في اعتكافه بأكل أو شرب (متعمدا فليبتدئ اعتكافه) ظاهر كلامه التفريق بين العامد والناسي (^٤)، وهو كذلك في «المدونة» (^٥)، ومثل الفطر ناسيا المرض والحيض؛ أي: فإذا أكل ناسيا أو مرض أو حاضت فلا يبتدئه لعدم بطلانه، ويقضيه بعد زوال عذره الذي حصل فيه الفطر (^٦).
(وكذلك) يبتدئ اعتكافه (من جامع فيه ليلا أو نهارا ناسيا أو متعمدا)
_________________
(١) شرح الرسالة لزروق (١/ ٤٧١).
(٢) تنوير المقالة (٣/ ٢١٩).
(٣) مناهج التحصيل (٢/ ١٦٤ - ١٦٥).
(٤) شرح الرسالة لزروق (١/ ٤٧٢).
(٥) المدونة (١/ ١٩٦).
(٦) انظر تفصيلا مطولا في مناهج التحصيل (٢/ ١٥٤).
[ ٢ / ٦٥٠ ]
للآية، زاد في «المدونة» أو قبل أو باشر أو لمس، قال ابن ناجي: ظاهره وإن لم تحصل لذة، لقول عائشة ﵂: «من السنة … ولا يمس امرأة ولا يباشرها»، وقيدها أبو الحسن بقوله يريد إذا وجد لذة أو قصدها ولم يجدها، قلت: والظاهر أن اللمس غير مبطل للاعتكاف إذا لم يجد لذة أو يقصدها كما قال أبو الحسن، لأن عائشة ﵂: «كانت ترجل شعر رسول الله ﷺ وهو معتكف» (^١)، ولو كان ذلك مبطلا لما أخر بيانه عن وقته والله أعلم. ووقفت على مثل هذا الكلام للباجي في «المنتقى» (^٢) فلينظر والحمد لله على توفيقه.
(وإن مرض) المعتكف مرضا يمنعه من المكث في المسجد أو من الصوم خاصة دون المكث في المسجد (خرج) منه (إلى بيته)؛ أي: وجوبا مع المرض المانع من المكث في المسجد، وجوازا مع المانع من الصوم فقط، لأنه على القول الصحيح يجوز أن يعتكف من غير صوم، وفي الرجراجي أنه يجب عليه المكث في المسجد ما دام يأمن عدم الإيذاء (^٣)، (فإذا صح) من مرضه رجع إلى المسجد (ويبني على ما تقدم) من الاعتكاف المراد بالبناء في كلامه الإتيان ببدل ما فات بالعذر سواء كان على وجه القضاء بأن كانت أياما معينة وفاتت، أو لا على وجه القضاء بأن كانت الأيام غير معينة بل مضمونة.
(وكذلك) يجوز للمرأة أن تعتكف في المسجد، لأن النبي ﷺ أقر أزواجه لما أردن الاعتكاف، إلا أن سبب إنكاره لهن هو ظنه ﵊ إنما فعلن ذلك تنافسا في الكون معه، فقال: «البر أردتن!» (^٤)، ولما كان يعتريها الحيض فإن الحكم (إن حاضت الـ) مرأة وهي (معتكفة) أو نفست فإنها تخرج لأن الحيض مانع للمكوث في المسجد لقوله ﷺ: «إني لا أحل حل المسجد لحائض ولا الجنب» (^٥)، وقوله ﷺ: «افعلي ما يفعل الحاج غير
_________________
(١) الموطأ (٦٠٥)، والاعتكاف، والبخاري (١٨٨٨)، ومسلم (٤٤٥)
(٢) المنتقى للباجي (الاعتكاف).
(٣) مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة للرجراجي (٢/ ١٥٤).
(٤) البخاري (١٨٩٢)، ومسلم (٣/ ١٧٥).
(٥) رواه أبو داود (٢٣٢)، وابن خزيمة في صحيحه (١٣٢٧)، والبيهقي (٢/ ٤٤٢).
[ ٢ / ٦٥١ ]
ألا تطوفي بالبيت» (^١)، وتبني على ما تقدم (وحرمة الاعتكاف) مستمرة (عليهما) فلا يجوز لهما أن يفعلا خارج المسجد ما ينافي الاعتكاف إلا الفطر. وقوله (في المرض) عائد على المريض. وقوله: (وعلى الحائض في الحيض) عائد على الحيض إلا أنه لو قال في المرض والحيض لكان أحسن ليسلم من التكرار، إذ قوله: وعلى الحائض مكرر باعتبار دخولها في عليهما، لأنه عائد على المريض والحائض.
(فإذا طهرت الحائض) بمعنى أنها رأت علامة الظهر واغتسلت (أو أفاق المريض) من مرضه سواء حصل لهما ذلك (في ليل أو نهار رجعا) وفي نسخة رجع؛ أي: كل من الحائض والمريض (ساعتئذ)؛ أي: ساعة إذ طهرت الحائض من الحيض بعد غسلها، أو أفاق المريض من مرضه (إلى المسجد) وإن لم يرجعا حينئذ ابتدءا على المشهور وإذا رجعا نهارا لا يعتد بذلك اليوم لتعذر الصوم فيه.
(ولا يخرج المعتكف من معتكفه إلا لحاجة الإنسان) وهي كل ما يحمله على الخروج من بول، وغائط، وغسل جمعة، وعيد، ووضوء، وغسل جنابة، وأكل وشرب، بشرط أن لا يتجاوز محلا قريبا إلى ما هو أبعد، وإلا فسد اعتكافه، وبشرط أن لا يشتغل مع أحد بالمحادثة فيما لا فائدة فيه، أو لم يثبت فعله عن النبي ﷺ، وإلا فسد اعتكافه أيضا قالت عائشة ﵂: «السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لما لا بد له منه» (^٢)، وقالت أيضا: «كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» (^٣)، قال ابن المنذر (^٤): [أجمع أهل العلم على أن للمعتكف
_________________
(١) أخرجه مالك في الموطأ صفحة (٢٦٥ و٢٦٦)، والبخاري (١/ ٨١) (٢٩٤)، ومسلم (٤/ ٣٠).
(٢) باب: المعتكف يعود المريض من كتاب الصيام سنن أبي داود (١/ ٥٧٥).
(٣) أخرجه البخاري (٣/ ٦٣)، باب: لا يدخل البيت إلا للحاجة من كتاب الاعتكاف، ومسلم (١/ ٢٤٤) في باب جواز غسل الحائض رأس زوجها، من كتاب الحيض، ومالك في الموطأ، باب: ذكر الاعتكاف (١/ ٣١٢).
(٤) الإجماع لابن المنذر (ص ٤٨)، وانظر: تفسير القرطبي (٢/ ٣٣٢).
[ ٢ / ٦٥٢ ]
أن يخرج من معتكفه للغائط والبول]. وهل يخرج لغسل الجمعة، قال الرجراجي: واختلف في خروجه لغسل الجمعة (^١).
قال في «النوادر»: «قال ابن وهب عن مالك: ولا بأس أن يخرج لغسل الجمعة إلى الموضع الذي يتوضأ فيه، ولا بأس أن يخرج يغتسل للحر يصيبه» (^٢)، والظاهر عندي جوازه لترجيل عائشة ﵂ لشعر النبي ﷺ، والله أعلم.
• وقت بدء الاعتكاف:
شرع يبين الوقت الذي يبتدأ منه الاعتكاف فقال: (وليدخل معتكفه قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أن يبتدئ فيها اعتكافه) وهذا الأمر على جهة الاستحباب، وشهره في المختصر، وقال سحنون وابن الماجشون بالوجوب (^٣)، وانظر مع ما في «الصحيحين» من حديث عائشة ﵂ ما قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه وإنه أمر بخبائه فضرب» (^٤)، وأجيب عنه بأنه دخل من أول الليل، وإنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لاعتكافه بعد صلاة الصبح.
وبعضهم قال: إن نذر الاعتكاف دخل قبل الغروب، وإن تطوع فقبل الفجر، وإن نذر الليالي فقبل الغروب، والأيام فقبل الفجر (^٥).
• ما ينهى عنه المعتكف مدة اعتكافه:
(ولا يعود مريضا)؛ أي: أنه ينهى المعتكف في مدة اعتكافه عن عيادة المريض لما روي عن عائشة ﵂: أنها قالت: «السنة على المعتكف أن لا
_________________
(١) مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة للرجراجي (٢/ ١٧٢).
(٢) النوادر (٢/ ١٩٣).
(٣) تنوير المقالة (٣/ ٢٢٥).
(٤) البخاري (٢٠٣٣)، ومسلم (٢٠٠٧)، باب: متى يدخل من أراد الاعتكاف في معتكفه.
(٥) تنوير المقالة (٣/ ٢٢٥)
[ ٢ / ٦٥٣ ]
يعود مريضا ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه» (^١) تقدم، وعنها قالت: «كان النبي ﷺ يمر بالمريض، وهو معتكف، فيمر كما هو، ولا يعرج يسأل عنه» (^٢)، ما لم يكن أحد أبويه أو هما معا فيجب أن يخرج لبرهما لوجوبه بالشرع ويبطل اعتكافه، (ولا يصلي على جنازة) ولو جارا فإن فعل لم يبطل اعتكافه، وقد تقدم الخلاف فيما يفعله المعتكف وما لا يفعله من أعمال البر والخلاف في ذلك.
(ولا يخرج لتجارة) إلا ما لا بد له منه كأكل ونحوه، فيجوز بشرط أن لا يتخطى محلا قريبا إلى أبعد منه، وبشرط أن لا يجد من يشتري له.
قال الأقفهسي: إن عقد على سلعة داخل المسجد لم يفسد اعتكافه (^٣)، وكذا خارجه بين يديه، وأما إذا خرج عن ذلك بطل اعتكافه.
وخلاصة القول: أن المعتكف جوز له الخروج من المسجد لما لا بد له منه إما عادة أو شرعا: أما العادة فكالأكل والشرب، وقضاء الحاجة من بول أو غائط، وزيادة لباس لحاجته له عند اشتداد البرد.
وأما شرعا: فكأن يخرج ليغتسل من جنابة أو جمعة، أو للوضوء فهذا لا بد منه شرعا.
• حكم الاشتراط في الاعتكاف:
ومعنى قوله: (ولا شرط في الاعتكاف) أنه لا يجوز الشرط فيه (^٤)، ظاهره الحرمة مثل أن يقول أعتكف عشرة أيام، فإن بدا لي رأي في الخروج خرجت، أو يقول: أعتكف الأيام دون الليالي أو العكس. قلت ولعل: من قال بجواز الشرط أدخل القياس على حديث ضباعة بنت الزبير بن
_________________
(١) أبو داود (٢٤٧٣).
(٢) أبو داود (١/ ٥٧٥) (٢١١٤) من السنن.
(٣) تنوير المقالة (٣/ ٢٢٨).
(٤) المدونة (١/ ١٩٨).
[ ٢ / ٦٥٤ ]
عبد المطلب ﵂: حيث جاءت تقول للرسول ﷺ إنها تريد الحج وهي شاكية، فقال لها: حجي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث حبستني" (^١).
وانظر هل أراد بقوله (ولا بأس (^٢) أن يكون إمام مسجد) إن تركه أحسن؛ أي: فيكره كونه إماما للمسجد أو أشار به إلى من يقول لا يكون إمام المسجد؛ أي: للرد عليه، فقد حكى ابن وضاح عن سحنون أنه لم يجز للمعتكف أن يكون إماما في الفرض والنفل؛ أي: بل يجوز أن يكون إمام المسجد جوازا مستوي الطرفين على ما قال ابن ناجي، وقد نص في المختصر على كراهة كونه إماما راتبا، قلت: وانظره مع ما صح أن النبي ﷺ كان يعتكف وهو الإمام اه؛ ولا يخفاك ضعف ما في «المختصر»، واعتماد القول بالاستحباب الموافق للحديث.
(وله)؛ أي: ويباح للمعتكف (أن يتزوج) بمعنى يعقد لنفسه (أو يعقد نكاح غيره) وقيده في المدونة بأن يغشاه وهو في مجلسه؛ أي: يتلبس به وهو في مجلسه. وقيد أيضا بأن لا يطول التشاغل به وإلا كره سواء كان زوجا أو وليا، فإن قيل المحرم ممنوع من عقد النكاح فما الفرق بينه وبين المعتكف مع أن كلا منهما في عبادة يمنع فيها الوطء؟
وأجيب بأجوبة منها: أن الأصل جواز عقد النكاح لكل أحد خرج المحرم بقوله ﷺ: ﴿لا ينكح المحرم، ولا ينكح﴾ (^٣) بالفتح في الأول؛ أي: لا يعقد لنفسه وبالضم في الثاني؛ أي: لا يعقد لغيره، وبقي ما عداه على الأصل وهو الجواز.
(ومن اعتكف أول الشهر)؛ يعني: أول شهر من الشهور غير (رمضان أو وسطه) (خرج) بمعنى جاز له الخروج (من اعتكافه بعد غروب الشمس من آخره)؛ أي: من آخر أيام اعتكافه من غير خلاف في المذهب. هذا إن
_________________
(١) البخاري (٤٦٩٩) (٧/ ٩)، ومسلم (٢/ ٨٦٨)، وانظر: بداية المجتهد في مسألة الاشتراط (١/ ٢/ ٩٩)، ط: دار المعرفة.
(٢) لا بأس هنا إشارة لما استوى طرفاه. التتائي.
(٣) رواه البخاري (٢/ ١٦٩)، ومسلم (٢/ ٨٣٤).
[ ٢ / ٦٥٥ ]
اعتكف بزمن غير رمضان وأما إن كان اعتكافه في رمضان فقد أشار إليه الشيخ بقوله: (وإن اعتكف بما يتصل فيه اعتكافه بيوم الفطر فليبت ليلة الفطر)؛ يعني: أن من اعتكف بزمن يكون آخره غروب الشمس ليلة عيد الفطر فليبت تلك الليلة على جهة الاستحباب (في المسجد)؛ أي: الذي اعتكف فيه (حتى يغدو منه إلى المصلى) لفعل بعض السلف ذلك فقد روي عن النخعي وأبي مجلز، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي قلابة وقال إبراهيم: كانوا يحبون لمن اعتكف العشر الأواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، ثم يغدو إلى المصلى من المسجد (^١).
_________________
(١) الموطأ كتاب الاعتكاف، باب: خروج المعتكف للعيد (١/ ٣١٦).
[ ٢ / ٦٥٦ ]