[ ٣١ ]
العرف قانون قبلي يختلف بين ناحية وأخرى ويندرج الكثير منه في العادات المحكمة من طرف الشرع في كثير من الأحايين طبقًا لقاعدة "تحكيم العرف" "ومبدأ المصالح المرسلة" عند الإمام مالك وقد أدخلت فرنسا هذه الأعراف ضمن القانون وكونت محاكم عرفية تحكم بمقتضى هذه القوانين العرفية وصدرت في ذلك نصوص وفي الصحراء أيضًا أعطت إسبانيا للعرف الصحراوي في الساقية الحمراء ووادي الذهب صبغة قانونية حيث تقدمت عام ١٩٦٠ إلى مجلس الكورطيس بمشروع في الموضوع.
وقد أوردت مجلة هسبريس (ج ٤ سنة ١٩٢٤) نماذج للقانون العرفي بماسة قبل عام ١٢٩٨ هـ/ ١٨٨٠ م) وهو يحتوي على ٢٩ فصلًا و١٩٠ بندًا وقد نص البند العاشر بعد المائة أن في وسع شخصين أن يتفقا على إحالة دعوى الشرع بعد تقديمها إلى مجلس القبيلة أو الجماعة وأن الواجب آنذاك هو تطبيق الشريعة الِإسلامية لا العرف المحلي وبذلك فتح البرابرة الباب على مصراعيه للتخلص من العرف البربري الوضعي بمحض إرادة المتخاصمين. ومنذ الفتح الِإسلامي تغلغل القرآن ولغته في أعماق المغرب العربي فاستعمل التشريع الِإسلامي مع تطبيقات محلية في (العمل الفاسي والعمل السجلماسي) في الأقاليم التي لا ترتكز على العرف وأما في أقاليم أخرى فإن الحماية الفرنسية استصدرت من السلطان تحت الضغط في ١٦ ماي ١٩٣٠ ما يسمى بالظهير البربري الذي أثار ثورة عربية بربرية عارمة كانت منطلقًا للحركة الوطنية المغربية وكان هذا الظهير بادرة استعمارية
[ ٣٣ ]
لتركيز التفرقة بين المنطقتين في المغرب وحاولت فرنسا بعد ذلك راغمة السماح بصدور ظهير ٨ إبريل ١٩٣٤ الذي أعاد نظام المحاكم العرفية بتوحيد القضاء الجنائي وقد عملت فرنسا على تعميق الهوة بين العرب والبربر في الأمة المغربية الواحدة لتسود سياسيًا وإلا فالعرف البربري كما نفهمه ليس وليد اليوم وإنما هو ترخيص مشروع انطلاقًا من مبدأ تحكيم العادة الصالحة. فالبربري المسلم لا يسمح له إيمانه بتطبيق قانون أو عرف يتعارض مع الشريعة ولذلك كانت الأعراف في الغالب تطبيقات فقهية ذات ألوان محلية خاصة لا تمس الجوهر، وهي أشبه باجتهادات داخل مذهب أو مذاهب إلا أن الأعراف نفسها تختلف في الشمال عنها في الجنوب حيث تصطبغ بالطابع المحلي بينما ظل الفقه في أجزاء السهول والصحراء في صفائه الأصيل خلوًا من كل الأعراف، وأول ما قام به المرابطون البرابرة " رد أحكام البلاد إلى القضاة وإسقاط ما دون الأحكام الشرعية" (ابن أبي
زرع ج ٢ ص ٣٧) بل "عدم القطع في أي آمر دون مشاورة القضاة الذين هم ممثلو الشريعة (المعجب ص ١٠٢) وقد لاحظ (طيراس) في "تاريخ المغرب" أن "المرابطين والموحدين قضوا على بقايا رواسْب الوثنية في الأطلس والريف والسهول البربرية وقطعوا أشواطًا كبرى في بث الروح الإِسلامية في النفوس والتمسك بالشريعة". وحدثنا الحسن بن محمد الوزان المعروف
بليون الإِفريقي عن بعض القبائل البربرية التي زارها في القرن العاشر فلمس رغبة الناس في طبع مظاهر حياتهم بالطابع الِإسلامي واستعداد البربر لِإيواء حملة الشريعة الإِسلامية الذين تنقلهم الصدف إلى قراهم وتمنيتهم بالمال وقد حكّموا (ليون الِإفريقي) نفسه (وهو من علماء فاس) في نزاعاتهم وفي الأطلس الكبير لاحظ الوزان أن القبائل تصرف أموالًا طائلة على قضاة دائمين كما هو الحال في (مرنيسة) وفي (بني زروال) وشيشاوة وبتنمل وكذلك الريف غير أن كثيرًا من القبائل اضطرت - إزاء عدم وجود
قضاة شرعيين أكفاء - إلى تحكيمِ جماعة الأعيان الذين كانوا يصدرون - نظرًا لجهلهم بالشريعة - أحكامًا حسب رأيهم فكان في ذلك ركون إلى أعراف تجمعت مع الأجيال غير أن الأوضاع الخاصة لدى قبائل البربر
[ ٣٤ ]
حالت أحيانًا دون تطبيق الشريعة من ذلك تنحية المرأة عن الِإرث بسبب ما يخشاه البربر من تسرب زوج أجنبي وتدخله في الملك العائلي، فانتشار الأعراف في بعض القبائل راجع لقلة الوثائق ويتصل جانب كبير من العرف بالمرأة التي يحظر عليها مهما يكن سنها ومستواها الاجتماعي أن تكون عضوًا في الجماعة حتى ولو سمح لها بأن تكون على رأس عائلة بدلًا من الرجل وليس معنى هذا أنه ليس لها حق اسماع صوتها واقناع الجماعة بمشاطرتها الرأىِ فذلك كثيرًا ما كان يقع لا سيما إذا كان للمرأة تأثير في المجتمع وربما ناب عن المرأة في إبلاغ رأيها إلى مجلس الجماعة أحد أعيان القبيلة. وهكذا "فإن تجريد الرأة من الميراث لا يستمد من روح معارضة الإِسلام" (كما يقول سوردون في كتابه المؤسسات البربرية ص ٢١٣) ويلاحظ سوردون هذا في دراسته للأعراف البربرية أنه "لا يوجد تعارض ما بين الشريعة والعرف على الِإسلام نفسه يحكم الأعراف المحلية الصالحة التىِ لا تتعارض معِ نصوص الشريعة" فالعادة - كما يقول سوردون - تسمى إما شرعًا وإما عرفًا فالشرع هو العرف العام أما العرف الحقيقي فهو تلك المجموعة من الأجراءات الجنائية والاتفاقات المبرمة بين مختلف الجماعات لتحديد بعض نقط العرف أو تعديلها لا سيما في خصوص المخازن العامة "أجدير" أو " السواقي" (ص ٢٨١).
ولكل قبيلة عرفها الخاص (ص ٢٤٠) ففي وادىِ درعة مثلًا حيث استمر العمل بالعرف "يسمى القانون الخاص غالبًا شرعًا وكان يطبقه قبل اليوم حكام يدعون قضاة أو مفتين يختارون من بين الطلبة الأكفاء الذين درسوا الشرع الِإسلامي وحذقوا جزئياته "وهنا أيضًا" لم يقم أي تصادم بين الشريعة والعرف" (ص ٣٤٢).
ولذلك صادق كثير من ملوكنا على أعراف محلية باقتراح من أشراف القبيلة ورجال الدين كالظهير الحسني الصادر في شأن الأعراف الجنائية بزمور الشلح أو كما وقع فىِ (اداوتنان) عام ١١٠٦ هـ / ١٦٩٤ م في زاوية سيدي إبراهيم وعلي.
[ ٣٥ ]
وكثيرًا ما ترجع القبائل تلقائيًا إلى تطبيق الشرع الِإسلامي متى تيسرت لها الأسباب فقد نشرت مجلة (هسبريس (Hesperis ج ١٨ ص ٤٦ عام ١٩٣٤) وثيقتين ذكرت أنهما أقدم ما يوجد في الفقه الجنائي العرفي بالمغرب ويرجع تاريخهما لعام ١٥١٢ م/ ٩١٨ هـ وقد ورد في مقدمتهما أنه "بعد التعرف على الضلال الذي تنطوي عليه الأعراف العتيقة أصبح رئيس القبيلة يطبق ما ورد في القرآن الكريم وسنة الرسول - ﷺ - في خصوص الجرائم تبعًا لآية القصاص وقد نشر لائحة من الديات فالذي كان ينقص النواحي البربرية أذن لتطبيق الشرع الِإسلامي هو الوسائل، وقد توفرت بحول الله بعد استقلال المغرب وإلغاء الظهير البربري حيث وجد النظام القضائي بالمملكة على أسس بدأت تعمل على الاستمداد من الشريعة الِإسلامية كما تقر كل ما يتلاءم وروح الِإسلام مما تنطوي عليه الأعراف المحكمة". (معطيات الحضارة المغربية - عبد العزيز بنعبد الله - ج ٢ ص ٤٢).
وقد قامت المدارس الفقهية في البوادي المغربية بدور فعال لنشر مذهب الِإمام مالك والتوعية الِإسلامية. وكانت هنالك مدارس خاصة منها نحو الخمسين في دكالة ومن هذا النوع مدرسة ستاوت "الملحقة بزاوية الشَّيخ محمد بن مبارك الزعري بعمالة خنيفرة ورد ذكرها بتقييد لمؤلف مجهول (خع ٧٢٦) وقد أشار إليه الأستاذ محمد المنوني ومن ذلك مدرسة أبي الرجاء في شتوكة من كبار قادتها الحبيبي إبراهيم الميلكي. وتوجد رسالة في الأمر بالمعروف موجهة إلى العروسي بن عبد الله الجراري من شيخه محمد بن سعيد المرغيثي إمام مسجد المواسين بمراكش (١٠٨٩ هـ/ ١٦٧٨ م) يشكره على بناء مدرسة وأن لا يساعد على حفظ القرآن من لا يعرف عقيدة السلام وفرائض الدين. خع ٢١٦٠ د (١٠٣ هـ).
وكانت المدارس العلمية تقام في الصحراء وفي سوس بالأعشار فكانت الحكومة نفسها رعاية للدور الذي تقوم به هذه المعاهد ثقافيًا ودينيًا واجتماعيًا لا تنفذ الأعشار لها بل ترخص للقبائل بدفع زكواتهم إليها
[ ٣٦ ]
وكانت تصدر لذلك ظهائر شريفة من الملوك وقد نشر الشَّيخ محمد المختار السوسي نماذج منها في المعسول بخصوص زاوية "تيمكيدست" (ج ٦ ص ٣٠٦). وقد صنف محمد يحيى بن محمد الشَّنقيطي الولاتي (١٣٢٩ هـ/ ١٩١١ م) كتابًا سماه (حسام العدل والِإنصاف القاطع لكل مبتدع باتباع الأعراف) بين فيه حقيقة العرف وتقسيمه وكيفية أعماله عند الفقهاء في
الأحكام الشرعية، مكتبة حسن حسني عبد الوهاب). (١٧٩٨٦).
وورد في (المعيار للونشريسي (ج ٣ ص ٣٦) أن العرف كالشرط يقضي به لمن طلبه.
أجوبة في شأن القوانين العرفية لأحمد بابا السوداني خم ٥٨١٣.
مساهمة في دراسة القانون العرفي البربري في المغرب ١٩٢٧، Robert Aspinion
العرف قانون بشمال المعرب الوثائق المغربية م ٣ ص ٣٣١ (آيت حديدو)
، G. H. Bousquet، le droit coutumier des Ait haddidou، AIEO Alger ١٩٥٦(P.١١٣ - ٢٣٠(.
العرف في بني مطير
L. Marty. ١'Orf des Beni M'tir - (Rev. des etudes islamiques،١٩٢٨،٢ V. PP ٤٨١ - ٥١١).
العرف بزمور
Marcy - Le droit coutumier'Zemmour -Larose، Alger، Carbonel،١٩٤٩(٤٠٦ P.)١. H. E. M (T. X. L).
العرف بالسوس
J. Lafond - Les sources du droit coutumier dans le Sous - Le statut per
- sonnel et succesoral - Agadir، Ed. Imp. du Sous (١٩٤٩)، (٩٥ P
H. Bruno، lntrod. a ١'etude du droit coutumier des Berberes du Maroc
Central، Arch. Berb. Vol II،١٩١٨ Bousquet، Hesperis، ١٩٥٢، ٥٠٨ .
- G. Marcy، le probleme du droit coutumier berbere، in la France mediterranneenne et Africaine،١٩٣٩ (٧).
[ ٣٧ ]
E. Ubach et E."Rackow، Sitte und Recht in Nordafrika، Stutgart، ١٩٢٣ (traduction francaise، Rabat،١٩٢٤).
J. Berque، Contribution a L'etude des contracts nord - africains، AL - ger ١٩٦٣.
اللوح: ويسمى العرف أو الديوان أو القانون وهو صفيحة من خشب أو عظم تثبت بها قوانين القبيلة.
(راجع ألواح جزولة - للأستاذ محمد السوسي العثماني (مخطوط).
[ ٣٨ ]