تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها سبع مسائل:
المسألة الأولى في التفقه في أسئلة العينة والآجال
فمن ذلك ما روي عن يونس بن أبي إسحاق الهمداني عن أمه العالية بنت أيفع أنها قالت: خرجت أنا وأم محبة أم ولد لزيد بن أرقم إلى مكة، فدخلنا على عائشة - ﵂ - فسلمنا عليها، فقالت: من أنتن؟ فقلنا: من أهل الكوفة، قالت: فكأنها أعرضت عنا، فقالت أمُّ محبة: يا أم المؤمنين أتعرفين زيد بن أرقم؟ فقالت: نعم، قلت: فإني بعته عبدًا إلى العطاء بثمانمائة درهم، ثم إنه احتاج إلى ثمنه وأراد بيعه، فاشتريت منه بستمائة نقدًا قبل الأجل، قالت: فأقبلت علينا فقالت: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - ﷺ - إن لم يتب، قلت: أرأيت إن تركت مائتين وأخذت الستمائة؟ قالت: نعم، فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف (١).
وهذا وأمثاله أصل في حسم الذرائع، ودليل على منع الجرائر، ورد على الشافعي المجوز لبيوع الآجال؛ لأن عائشة - ﵂ - عدَّت هذا البيع دينًا، وأوعدت عليه بأبلغ ما يكون، ولا يبلغ إلى مثل هذا التغليظ في مسائل الاجتهاد؛ ففهم من هذا، والحالة هذه أنها ما قالت ذلك إلا لتوقيف تقرر عندها في النازلة؛ إذ بطلان الجهاد لا يعلم قياسًا، وإنما يثبت توقيفًا، وهذا الذي ذكرناه إنما يصح الاستدلال به على القول بأن التوقيف المقدر كالتوقيف المصرح به.
_________________
(١) تقدم.
[ ٦ / ٢٦٣ ]
ومنهم من جعله من باب القياس، لا من باب التوقيف المصرح به، واستدل بعض الأصحاب على ذلك من باب التوقيف أن القياس لا يدل على المنع إذ البيع تعاوض العوضين وتقابل البدلين من غير اكتراث بما مضى وانقضى، ولم يبق إلا التوقيف والتنزيل أن يكون قياسًا، إما أن يكون على وفقه أو خلافه. فإن كان على خلاف القياس: فذلك ما كنا نبغيه.
وإن كان على وفقه: فقياس الصحابة أولى من قياسنا؛ لأنهم شاهدوا ورغبنا، وحضروا ونأينا، وعاينوا وأخبرنا فهم أعلم بالتأويل منا.
واعترض على هذا التقدير والاستدلال بأن ما يعرف معناه ومغزاه من أقوال الصحابة - رضوان الله عليهم - لا يقال فيه أنهم قالوا توقيفًا؛ إذ هم من آحاد المجتهدين، والمعنى في مسألتنا موجود، وهو دفع قليل في مقابلة كثير، وإنما الذي يقال فيه: أنهم قالوه توقيفًا ما لا يعلم معناه، ولا فهم مغزاه.
وأما توعد عائشة - ﵂ - ببطلان الجهاد: فهذا قد يقوله المجتهد إذا كان المعنى جليًا عنده في حكم المقطوع به على طريق الإرعاد والإبراق والإيعاد، وللكلام في صور الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد مجال رحب، ومجرًا سخب في كلام العرب، ومثل هذا ما قاله ابن عباس - ﵁ - في الميراث: (هو أبيك)؛ القول أن الذي أحصى رمل عالج عددًا لم يجعل في المال نصفًا ونصفًا وثلثًا، وقد ذهب النصفان بالمال، فأين الثلث؟ فمن شاء باهلته، فدعي إلى المباهلة، لما كان ذلك عنده لظهوره في حكم المنطوق به على طريق الإرعاد والإبراق كما تقدم.
وهذا الاعتراض لبعض المتأخرين، وقد ينفصل عن هذا الاعتراض بأن يقال: إن حمل ذلك على التغليظ فمن باب المجاز، والأصل في الصيغ
[ ٦ / ٢٦٤ ]
الحقيقة إلا أن يقوم دليل المجاز على ما لا خفاء به على من طالع علم الأصول، فإذا ثبت ذلك فليرج بنا الكلام إلى تفسير حديث عائشة - ﵂ - ومن ذلك قولها -﵂: "بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت) " هل ذلك بمعنى واحد أم لا؟
فمنهم من يقول: إنهما بمعنى واحد على التأكيد والتكرار، وهو أشبه بمذهب ابن القاسم.
ويقال: شرى، واشترى بمعنى واحد.
وقيل: هما بمعنيين، وأن شريت بمعنى: بعت، واشتريت: على بابه، بمعنى أن صار الأمر فيما بعت واشتريت إلى الربا، وهذا التأويل يطيب جناه لعبد الملك الذي يرى فسخ البيعتين جميعًا -الأولى والثانية.
وقد روي: (بئس ما اشتريت أو بئس ما شريت) على الشك من الراوي، ومن ذلك قول عائشة ﵂في الحديث "أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - ﷺ -".
وقد ذهب بعض المتأخرين إلى تضعيف هذا الخبر؛ لما فيه من بطلان الجهاد، وأن ظاهره يقتضي إحباط الأعمال بالذنوب، وذلك خلاف نص كتاب الله وسنة رسوله.
ومذهب أهل السنة قاطبة: أن الأعمال لا تحبط بالذنوب؛ ومن ذلك اختصاصها الجهاد بالذكر دون سائر الأعمال وأنواع قرباته، ولا شك أن زيدًا كانت له الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة والجهاد، وأنواع البر كلها، وهو من فضلاء الصحابة، وأنه آخر كتَّاب الوحي عن رسول الله - ﷺ -.
فوجه تأويل قولها -﵂: أن ذلك خروج على معنى كلام
[ ٦ / ٢٦٥ ]
العرب ومجاز لفظه، وأنها قصدته بذلك وغلظت عليها لأنها إمام يقتدي بها، مع علمها - ﵂ - أن زيدًا لم يقصد بذلك إلى استحلال الربا، وإنما هو شيء ذكرته عنه أم ولده مع احتمال أن يكون ممن لا يرى بالذرائع، ولا يرى ذلك البيع حرامًا، لما فيه من إساءة الظن -الذي هو حرام بالإجماع- ويمكن أيضًا أن يكون ممن يرى سد الذرائع، إلا أنه يرى أن الربا جائز بين العبد وسيده، وأم الولد يجوز لسيدها أن ينتزع ما لها ما لم يمرض مرضًا مخوفًا منه؛ لأنه لم يذكر في الحديث أن زيدًا قد أبت عتقها قبل، إلا أن عائشة ذمت ذلك الفعل من زيد مخافة أن يفتح على الناس باب الفساد فيتبعوه فيه، ويدخل فيه المتهم وغير المتهم.
وأما اختصاصها الجهاد بالذكر دون سائر أعماله؛ لما رأت أنه يوازي جميع أعماله، وأنه أنفس ذخائره عند الله تعالى؛ إذ كان زيد غزى مع رسول الله - ﷺ - سبع عشرة غزوة -وهي عدد غزوات النبي - ﷺ - فكان أعظم أعماله وأفضل درجاته، وأوفر حسناته عنده، فخرج ذلك مخرج التهديد بالوعيد؛ لأن الأعمال [لا] (١) تحبط بالذنوب، بل إن ما عمل من خير يراه، وما عمل من شر يراه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٢).
وقال سبحانه: ﴿لَهَا مَا كسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٣)، فإذا ثبت ذلك، فمعنى قولها ببطلان الجهاد: أن يكتسب من السيئات ما يربو على ما كتب له من الحسنات في أجر جهاده؛ لقوله - ﷺ -: "من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سورة الزلزلة الآية (٨).
(٣) سورة البقرة الآية (٢٨٦).
[ ٦ / ٢٦٦ ]
ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا" (١).
وعلى هذا الوجه من التأويل يحمل قول عائشة -﵂.
فإذا ثبت ذلك فإن وقعت هذه البياعات الفاسدة في الآجال؛ مثل أن يشتري سلعة نقدًا بأقل مما باعها به إلى الأجل هل تفسخ البيعتان أو لا تفسخ؟
فلا يخلو من أن يعثر على ذلك قبل الفوات أو بعده.
فإن عثر على ذلك قبل فوات السلعة: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه تفسخ البيعتان جميعًا، وهو قول عبد الملك بن الماجشون.
والثاني: أنه لا يفسخ إلا البيعة الآخرة دون الأولى، وهو قول ابن القاسم.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تأويل حديث عائشة - ﵂ - في قولها: (بئس ما شريت وبئس ما اشتريت)، هل ذلك تكرار للفظ، أو إنما ذمت البيعتان جميعًا؟ فمن حمل الكلام على ظاهر يقول: تفسخ البيعتان جميعًا؛ لأن الثانية بنيت على الأولى.
ومن فهم حديث عائشة - ﵂ - أن ذلك تكرار للفظ، وأن ذلك شك من الراوي قال: تفسخ البيعة الثانية، دون الأولى لوقوعها على الصحة، وتفسخ الثانية؛ إذ بها توصلا إلى الربا.
فإن عثر على ذلك بعد الفوات هل يفسخ أو يمضي؟
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٠١٧).
[ ٦ / ٢٦٧ ]
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يفسخ البيعتان جميعًا، ولا يكون للبائع الأول على المبتاع إلا الثمن الذي دفعه إليه، يسترجعه منه؛ لأن سلعته قد رجعت إلى يده بالشراء الثاني، وهذا القول متأول على ابن القاسم.
والثاني: أنه يمضي، ولا يفسخ بعد الفوات، وهو قول ابن القاسم وعبد الملك، وعلى القول بأنه يمضي بعد الفوات ولا يرد، هل يمضي بالقيمة أو بالثمن؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يمضي بالثمن الأول، وهو قول محمَّد بن مسلمة في "مختصر ما ليس في المختصر".
والثاني: أنه يمضي بالقيمة، على تفضيل نذكره، وهو قول ابن القاسم وغيره، وهو مشهور المذهب.
وعلى القول بأنه يمضي بالقيمة: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن البيعة الأولى تمضي بالثمن وتصح الثانية بالقيمة وينظر.
فإن كانت القيمة أكثر من الثمن الذي باعها به أولًا قضى على المشتري الآخر الذي هو البائع الأول إذ لا تهمة في ذلك لكون القيمة أكثر من الثمن الذي باعها به أولًا.
فإن كانت القيمة أكثر من الثمن الذي باعها به أولًا قضى بالقيمة. فإذا حل الأجل لم يكن على المشتري الأول أكثر من ذلك يريد القيمة. وهو نص الرواية عن ابن القاسم في "العتبية" على ما نقله الشيخ أبو إسحاق التونسي.
[ ٦ / ٢٦٨ ]
والثاني: أنه ينظر إلى القيمة، فإن كانت أقل من الثمن فسخت البيعتان، ولم يكن للبائع على المبتاع الأول إلا الثمن الذي دفع إليه.
وإن كانت أكثر من الثمن: فسخت البيعة الثانية خاصة، وقضى عليه بالقيمة، فإذا حلَّ الأجل أخذ الثمن، وهذا القول متأول على ابن القاسم، وهو نص قول سحنون.
وعلى القول باعتبار الفوات، هل تفوت بحوالة الأسواق أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تفوت بحوالة الأسواق فأعلى، وهو قول سحنون.
والثاني: أنها لا يفتيها إلا العيوب المفسدة، وإليه ذهب أبو إسحاق التونسي.
وسبب الخلاف: الاختلاف بعد فوات السلعة المعيبة هل يمضي بالثمن أو يفسخ، أو يمضي بالقيمة، أو تصح الأولى بالثمن والثانية بالقيمة تعارض المكروهين، وأما تخصيص العقد الآخر بالرد لخصوصه بالجيد، وإما تخصيص سلعة العيبة بالقيمة؛ فالأول لا سبيل إليه لما فيه من الحمل على أحدهما كمثال لإمضاء التصحيح إلى تتميم الغرض الفاسد، وتنجيز الطمع، فلم يبق إلا الفسخ وزنًا بينهما بالقسطاس المستقيم.
وأما القول بالإمضاء بعد الفوات: فهو جنوح إلى مذهب الخصم المتمسك في أسئلة العينة بالقياس الجلي، وإنما قال قائل هذا القول: إنه يمضي بالثمن بعد الفوات، وهو مذهب ابن مسلمة، قال: لأني لا أدرى هل أراد الرغبة والدلسة أو تعمد الحرام فأمضي البيعتين على ما هما بعد الفوات.
[ ٦ / ٢٦٩ ]
فصل
فإذا ثبت ذلك فلا يخلو بائع السلعة من أربعة أوجه: إما أن يبيعها منه بنقد، ثم اشتراها منه بنقد: فإنك تنظر في الذي أخرج دراهمه أولًا، فإن رجع إليه مثلها أو أقل: فذلك جائز، وإن رجع إليه أكثر منها: نظرت، فإن كانا من أهل العينة أو أحدهما لم يجز ذلك بحال -كانت البيعة الأولى بنقد أو نسيئة- وإن لم يكونا من أهل العينة: جاز إذا كانت الأولى بالنقد، ولم يجز إن كانت بالنسيئة، وذلك أن أهل العينة يتهمون فيما لا يتهم فيه أهل الصحة.
والذي اعتبره مالك - ﵁ - في الذرائع في هذه البيوع التذرع بها إلى وجوه الربا المتفق على تحريمها؛ مثل التأخير، أو بيع وسلف، وذهب بذهب مع أحدهما سلعة، أو ضع وتعجل، أو بيع الطعام قبل أن يستوفى، أو بيع وصرف، فإن هذه أصول الربا، فمنها ما هو متفق عليه في المذهب، ومنها ما هو مختلف فيه، على ما لا يخفى على من طالع المذهب.
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٢٧٠ ]
المسألة الثانية في تحصيل أسئلة العينة
وإذا باع الرجل السلعة بثمن إلى أجل، ثم اشتراها منه: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون السلعة المبيعة مما يعرف بعد الغيبة.
والثاني: أن تكون مما لا يعرف بعد الغيبة.
فإن كانت مما يعرف بعد الغيبة: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشتريها منه نقدًا، أو إلى أجل دون أجله.
والثاني: أن يشتريها منه إلى الأجل نفسه.
والثالث: أن يشتريها منه إلى أبعد من أجله.
وكل قسم من هذه الأقسام ينتج اثنى عشر قسمًا، وذلك أن نقول: إذا اشتراها نقدًا فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يشتريها كلها، أو بعضها، أو زيادة معها.
فإن اشتراها كلها فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يشتريها بمثل الثمن، أو أقل، أو أكثر.
فإن اشتري بعضها: فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يشتريها بمثل الثمن، أو بأقل، أو بأكثر.
فإن اشترى زيادة معها: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يشتريها بمثل الثمن، أو أقل، أو أكثر.
[ ٦ / ٢٧١ ]
والوجه الثالث: إذا اشتراها إلى أبعد من أجله: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يشتريها كلها، أو بعضها أو زيادة.
فإن اشتراها كلها: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يشتريها بمثل الثمن، أو أقل، أو أكثر.
فإن اشترى بعضها: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يشتريها قبل الثمن، أو أقل، أو أكثر.
فمنتهى التقسيم والتفريع فيما يعرف بعد الغيبة إلى ستة وثلاثين مسألة.
فإن كانت السلعة مما لا يعرف بعد الغيبة؛ كالمكيل والموزون: فإن التقسيم يتضاعف على مثل هذا العدد، على حسب ما قدمناه فصلًا فصلًا، فينتهي العدد إلى اثنين وسبعين مسألة تعم هذه الأسئلة لا ترعب ولا ترهب، فإن لها في الصحة والإجزاء ضوابط وحدود، أو روابط وقيود نوردها عليك أيها المسترشد.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانت السلعة فيما يعرف بعد الغيبة، وكان الشراء إلى الأجل نفسه، وقد اشترى بعضها، أو كلها، أو زيادة معها بمثل الثمن أو بأقل أو بأكثر.
فإذا اتفقت السّكة جاز لوجوب الحكم بالمقاصة -وإن لم يشترطها- واتفاق الأجل ووجوب المقاصة ينفي العينة ويدرأ التهمة ولا جرم جاز ذلك، وإن اتفق الأجل لم يراع اختلاف الثمن، وإن اتفقت الأثمان لم يراع اختلاف الأجل.
وأما شراؤها أو بعضها نقدًا: فإنه يجوز بمثل الثمن أو أكثر؛ لبعد التهمة في دفع كثير في قليل، والمثل في المثل، ولبعد التهمة تأثير في
[ ٦ / ٢٧٢ ]
تخفيف الذريعة.
ولا تجوز بأقل؛ لأنه يتهم في دفع قليل ليأخذ كثيرًا عند الأجل.
وأما شراؤها نقدًا وزيادة معها فلا يجوز بوجه ولا بأقل ولا بأكثر -والعلة في الشراء بأقل: ما تقدم من التهمة في دفع قليل ليأخذ كثيرًا.
والعلة في الشراء بالمثل: سلف بزيادة؛ وذلك أن يقدر السلعة الأولى كأنها لم تكن، ولا قصد فيها بيعًا؛ لأنها رجعت إلى بائعها فيصح من بيعها أن البائع سلف دراهم في مثلها ليرد معها زيادة، وهي الزيادة التي اشتراها البائع مع سلعة أخرى، وذلك ربا.
والعلة في الشراء بالأكثر: كون ذلك بيعًا وسلفًا، وبيان البيع والسلف: أن يقدر أن البيع الأول بخمسة، والبيع الثاني كان بعشرة، والسلعة الراجعة إليه لغو، وكأنه اشترى الزيادة التي أخذ مع سلعته بخمسة على أن أسلف لبائعها خمسة أخرى إلى أجل، وصارت تلك العشرة التي دفع منها خمسة ثمن تلك الزيادة، ومنها خمسة سلف، فإذا حلَّ الأجل أخذها، وذلك ظاهر بحمد الله تعالى.
وأما شراؤها إلى أبعد من الأجل وحدها وزيادة معها: فإنه يجوز بالمثل وبالأقل؛ لأن المبتاع هاهنا هو السابق بالدفع، فلا يتهم في دفع كثير ليأخذ قليلًا، ولا في دفع المثل ليأخذ: المثل، كما تقدم.
ولا يجوز بالأكثر؛ لأنه يتهم أنه يدفع قليلًا في مقابلة كثير.
وأما شراء بعضها: فلا يجوز بالأكثر، ولا بالمثل، ولا بالأقل إلى أبعد من الأجل.
والعلة في منع الشراء بالأكثر: ما تقدم من سلف جر نفعًا، وهو دفع قليل في كثير؛ لأن المشتري الأول دفع قليلًا ليأخذ كثيرًا عند الأجل.
[ ٦ / ٢٧٣ ]
والعلة في الشراء بالمثل: سلف بزيادة، والزيادة هي البعض الذي بقي من السلعة في يد مشتريها، فكأن المشتري أسلفه عشرة دنانير على شرط الزيادة، فإذا حلَّ الأجل رد عليه البائع عشرة مع الزيادة التي بقيت عند البائع من تلك السلعة، والبعض الراجع منها لغو.
والعلة في الشراء بالأقل: بيع وسلف، وبيانه: أن الراجح من السلعة لغو؛ فكأن المشتري اشترى بعض الباقي من السلعة بخمسة على أن تسلفه خمسة أخرى، فصارت تلك العشرة التي يدفعها نصفها ثمن ونصفها سلف، يقبضها المشتري من البائع إذا حلَّ الأجل الأخير الذي ضرباه.
فهذه عدة مسائل تضمنها الوجه الأول، وهي ستة وثلاثون مسألة.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كانت السلعة المبيعة مما لا يعرف بعد الغيبة عليه؛ كالمكيل والموزون، وقد قدمنا لك في الوجه الأول أن الشراء إلى أجل دون الأجل الأول حكمه حكم النقد في جميع وجوه المسألة، ولم يبق إلا النظر في العقد الثاني هل هو واقع على النقد، أو إلى أبعد من الأجل؟
وأما إلى الأجل نفسه: فقد قدمناه في الوجه الأول أيضًا، وأنه جائز كيفما قدر ورضوا، فلا نعيده مرة أخرى.
وإذا وقع الشراء بالنقد: ذلك فيه في جانب المنع ضابطان، فاشدد وثاقهما تربت يداك:
أحدهما: شراء الأكثر.
والثاني: الشراء بالأقل.
فأما الضابط الأول: وهو شراء الأكثر؛ مثل أن يشتري منه مثل طعامه وزيادة معه، أو من غيره نقدًا: فلا يجوز متى كانت معه الزيادة، لا بأقل
[ ٦ / ٢٧٤ ]
من الثمن ولا بالمثل ولا بأكثر -غاب على المشتري أم لا- والعلة في شراء الأكثر بالأقل: دفع قليل في مقابلة كثير.
والعلة في شراء الأكثر بالمثل: إن كان قبل الغيبة عليه: سلف بزيادة بتقدير الراجع إليه لغو، وإن غاب عليه دخله مع ذلك دراهم وطعام بدراهم إلى أجل؛ وذلك بأن يجعل الطعام الراجع إليه ليس هو الأول، بل هو مثله فيتضح لك ذلك؛ لأن البائع الأول قد دفع دراهم، فإذا حلَّ الأجل أخذ مثلها مع الطعام الذي يعجله، وذلك واضح والعلة في شراء الأكثر بالأكثر: بيع وسلف؛ وذلك بأن يعجل الراجح لغو وتقابل الزيادة في المثمون فيكون ذلك بيع والسلف ما بقي من الثمن الذي نقده يأخذه البائع الأول من المشتري إذا حل، مثل أن يبيع له قفيز قمح بخمسة دنانير إلى شهر، ثم يشتري منه سنة البائع قفيزين أو قفيز، أو سلعة أخرى معه بعشرة دنانير نقدًا، فإذا جعلت أحد القفيزين أو القفيز الذي رد ومعه السلعة التي مع القفيز الأول إن كانت تلك الزيادة عرضًا بعشرة دنانير؛ خمسة منها ثمن السلعة التي مع القفيز المردود، وخمسة سلف من البائع الأول يقبضها من المشتري إذا حلّ الأجل، وذلك حرام، فافهم هذا المعنى ترشد، فإنه في غاية من الظهور.
فأما الضابط الثاني: في جانب المنع وقوعًا بأقل من الثمن نقدًا فإنه لا يجوز متى وقع، وسواء اشترى الأقل بالأقل، أو الأكثر بالأقل غاب عنه.
والعلة في منع شراء الأقل بالأقل قبل الغيبة عليه: دفع قليل في كثير؛ لأن الطعام الراجح إليه بعينه لغو، وصار البائع قد دفع مثلًا خمسة مع ما بقي عند المشتري من الطعام ليأخذ عشرة إذا حل الأجل؛ بناءً على أن بقية الطعام ولا يساوى عشرة، فإن غاب عليه دخله بيع وسلف؛ وذلك بأن يقدر أنه اشترى منه قفيزين بعشرة دراهم إلى أجل، ثم اشترى منه البائع الأول بعد الغيبة على الطعام قفيزًا دراهم، فيقدر هذا القفيز الراجع إليه
[ ٦ / ٢٧٥ ]
لغو، فآل أمرهما إلى أن اشترى منه المشتري الأول قفيزًا واحدًا بعشرة دراهم إلى أجل، على أن يسلف البائع خمسة دراهم نقدًا، وتلك الخمسة من جملة العشرة التي بها وقع البيع أولًا، ويدرعا بالبيع الواقع بينهما إلى ما لا يجوز لو فعلاه ابتداءً، وهذه العلة بعينها موجودة أيضًا إذا كان قبل الغيبة على الطعام فيكون السلف في العين وحده، وبعد الغيبة يكون السلف في العين المنفرد مع الطعام المردود بعد الغيبة والانتفاع؛ فكأنه اشترى ما بقي عنده من الطعام بخمسة على أن يسلفه البائع طعامًا ينتفع به ويرد مثله قبل الأجل مع خمسة دراهم تبقى عنده، وينتفع بها حتى يحل الأجل، فإذا حلّ الأجل أخذ من المشتري عشرة؛ منها خمسة ثمنًا، ومنها خمسة سلفًا.
والعلة في منع شراء المثل بالأقل: ما تقدم من سلف بزيادة إن كان قبل الغيبة على الطعام؛ لأنه في خير العدم لكونه مسترجعًا.
وبعد الغيبة: يدخله مع ذلك طعام ودراهم نقدًا بدراهيم إلى أجل.
والعلة في شراء الأكثر بالأقل من الثمن: ما تقدم من دفع قليل في أخذ كثير.
فإن اشترط للبائع مقاصة المبتاع بما عليه فيما له عليه من الثمن في شراء النقد، أو كان الشراء إلى أجل: فينظر، فإن كان قبل الغيبة عليه جاز ذلك، وحكم له بالمقاصة في جميع هذه الوجوه.
وإن كان بعد الغيبة عليه: لم تجز المقاصة؛ لأن ذلك بيع وسلف، أو سلف بزيادة، على حسب اختلاف الصور.
فيتحصل لك من ذلك أن ضوابط المنع: الشراء بالأقل، أو شراء الأكثر، فمتى حصل لم يحصل الإجزاء إلا بحصول المقاصة قبل الغيبة، لا بعدها، ومتى لم تحصل صحة المسألة بجميع وجوهها إلا وجه واحد ففيه تردد
[ ٦ / ٢٧٦ ]
لصاحب مذهبنا مالك - ﵁ - وهو شراء الأقل بعد الغيبة عليه بمثل الثمن مقاصة: فاختلف فيه قوله؛ فمرة منعه مخافة أن يدفع في ضمان الأكثر؛ لأنه يتهم أن يدفع القفيزين في ضمان القفيز إلى استرجاعه، وذكر الثمن من الطرفين لغو لمقاصتهما فيه، ولأجل تماثل الثمنين قدرًا وجنسًا.
وهذا القول قائم من المدونة من كتاب الآجال، أوله؛ حيث قال: لا بأس أن يشتري منه بالثمن الذي باعه به، وبأكثر من طعامه، وظاهره: أنه يمنع أن يشتري منه أقل من كيله، وهذا مثل قوله في "كتاب السلم الثالث" في الذي باع مائة سمراء بمائة دينار إلى أجل، فلما حلَّ الأجل أخذ منه بالمائة دينار خمسين سمراء؛ حيث قال: أخاف أن تكون الخمسين ثمنًا للمائة.
وهذا تأويل ابن محرز.
ومن جوزه لبعد التهمة في دفع كثير في قليل.
قال بعض الشيوخ: وهو مذهب أكثر أصحاب مالك، وهو ظاهر المدونة عندهم أيضًا.
وأما الوجه الثاني من الوجه الثاني: وهو الشراء إلى أبعد من الأجل: فينبغي أن تعلم أن لك أيضًا في جانب المنع رابطان:
فأحدهما: أن يقع الشراء بأكثر من الثمن.
والثاني: شراء الأقل.
فأما الرابط الأول: وهو الشراء بأكثر من الثمن، على عكس الأول، فمتى حصل [ذلك] (١) لم يحصل الإجزاء -غاب عليه أم لا- سواء اشترى
_________________
(١) في أ: لك.
[ ٦ / ٢٧٧ ]
المثل بأكثر من الثمن، أو اشترى الأكثر بالأكثر.
والعلة في المنع من شراء المثل: تطرق التهمة إلى المبتاع الأول في دفع قليل ليأخذ كثيرًا إذا حل الأجل؛ لأن المشتري الأول هو القابض بالدفع.
والعلة من منع شراء الأكثر بالأكثر: كون ذلك بيعًا وسلفًا، والبيع مقابلة الزيادة الثمنية بالزيادة المثمونية، والسلف في الثمنين المقابلين وهو المبتاع الأول، لأنه هو السابق بالدفع إذا كان ذلك قبل غيبته على الطعام؛ لأنه إذا حلَّ البيع الأول دفع العشرة دنانير التي اشترى بها مثلًا، فإذا حلَّ أجل البيع الثاني أخذ عشرين من المشتري الثاني؛ عشرة منها مقابلة العشرة السلف، والباقي ثمن الزيادة التي في المثمون فإن كان شراء البائع بعد غيبة المشتري على الطعام كان السلف من البائع ومن المشتري.
أما السلف من المشتري: فقد علم وتقدم بيانه.
وأما كونه من جهة البائع الأول: فهو الطعام الذي استرجعه، فيتهمان على أن يعملا على ذلك أولًا، فيقدم له السلف على أن يبيع له، ويسلف له هو عشرة دنانير يدفعها إليه بعد وجوب البيع.
وأما الرابط الثاني: فهو وقوع شراء الأقل؛ فمتى حصل ذلك لم يجز بوجه -اشترى الأقل بمثل الثمن أو اشترى الأقل بالأكثر، غاب عليه أم لا. والعلة في منع شراء الأقل بالأقل من الثمن: بيع وسلف بقدر ما انتقص من الكيل يمضي فيه البيع والسلف من كل واحد منهما إن غاب المشتري على الطعام.
وإن لم يغب عليه: فالسلف من المبتاع الأول، وبيان السلف من كل واحد منهما إذا غاب المشتري أن المردود من الطعام هو سلف من البائع الأول، والسلف من المشتري الأول هو ما زاد على الثمن الذي يؤديه يأخذه
[ ٦ / ٢٧٨ ]
من البائع الأول إذا حل الأجل الآخر، ولأن المشتري الأول هو السابق بالدفع، وقبل الغيبة عليه: فالسلف من المشتري الأول وحده.
والعلة في منع شراء الأقل بالمثل: سلف بزيادة.
وبيان الزيادة: أن الثمن الذي يؤديه المشتري الأول للبائع الأول عند حلول أجله هو سلف للبائع يأخذه منه إذا حلَّ الأجل الآخر، وزاده البائع الأول ما بقي عند المشتري من الطعام المبيع أولًا.
والعلة في شراء الأقل بالأكثر: دفع قليل في مقابلة كثير؛ لأن المشتري الأول هو السابق بالدفع، فإذا حلَّ الأجل يأخذ من العين أكثر من الذي دفع مع ما بقي عنده من الطعام.
فهذه علة المسائل التي تضمنها الوجه الثاني، وهي ستة وثلاثون، وقد أتينا بالبيان والوضوح على جميع ذلك بعون الله، فالحمد لله على ما أعطى ومنح وبه بالتوفيق.
[ ٦ / ٢٧٩ ]
المسألة الثالثة في سؤال البِرْذَوْن (١)
وإذا أسلم برذونًا في عشرة أثواب إلى أجل، وأخذ قبل الأجل بعض سلمه، وأخذ سلعة أخرى عوضًا عن سلمه: فلا يخلو ما أخذه قبل الأجل عوضًا عن سلمه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون البرذون الذي هو رأس ماله بعينه.
والثاني: أن يكون يأخذ من جنسه.
والثالث: أن يأخذ من غير جنسه.
فإن أخذ عين رأس ماله: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يأخذه عوضًا عن جميع سلمه.
والثاني: أن يأخذه عوضًا عن بعضه.
فإن أخذه عن جميع حقه: جاز، قولًا واحدًا، وبعد ذلك أقاله، وهو نص "المدونة".
فإن أخذه عن بعض حقه: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يأخذ مع بقية سلمه.
والثاني: أن يرخيه عليه إلى أجله.
والثالث: أن يؤخره بها عن أجله.
فإن أخذه مع بقية سلمه؛ مثل أن يأخذ البرذون في خمسة أثواب،
_________________
(١) نوع من الخيل.
[ ٦ / ٢٨٠ ]
وأخذ الخمسة الباقية معه: فذلك لا يجوز باتفاق المذهب، وعلل المنع في الكتاب بعلل ثلاث:
بيع وسلف، وحط عني الضمان وأزيدك، وضع وتعجل.
فأما البيع والسلف: فهي علة في الباب، والاعتراض عليها أصلًا.
وبيانه: أن البائع للبرذون كأنه اشتراه الآن بخمسة أثواب على أن يعجله الذي عليه السلم الخمسة الباقية قبل حلولها؛ فالبيع في البرذون، والسلف في الخمسة المعجلة؛ لأن تعجيل ما لم يجب، وتأخير ما قد وجب عن أجله فهو سلف.
وأما ضع وتعجل: فقد اختلف المتأخرون في صحة التعليل به في هذه المسألة على قولين:
أحدهما: أنه لا يصح التعليل به؛ لأن ذلك يؤدي إلى منع جواز أخذ عرض من العروض عن جميع سلمه مما يجوز أن يسلم في تلك الثياب إذا كان يفي بقيمتها؛ لأنه من باب ضع وتعجل.
فاتفاق أرباب المذهب على جواز أخذ العرض المخالف لسلمه عن جميع سلمه، وإن كان لا يفي دليل على ضعف التعليل، بضع وتعجل في هذه المسألة، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو إسحاق التونسي.
وقيل: إنها علة صحيحة لازمة في هذه المسألة، وأن ما ذكره أبو إسحاق لا يلزم لأجل اختلاف المسألة، وذلك أن الذي عاوض عن جميع الثياب لم يتعجل منها شيئًا حتى توجد فيه العلة، والذي عجل بعض الثياب قد خفف عنه في قيمة العوض المأخوذ عن بقيتها؛ وذلك ضع وتعجل.
وهذا القول هو الأصح.
وأما التعليل بحطيطة الطعام على شرط الزيادة: فقد قال في "الكتاب":
[ ٦ / ٢٨١ ]
إنها تدخل في المسألة دخولًا ضعيفًا، وإنما ضعفها ابن القاسم؛ لأن العرف المألوف من العباد أنهم لا يتعجلون ما عليهم من الديون قبل أجلها، إلا لشيء يرتفعون به من الحط عنهم إما من قدره أو من صفاته، وقلَّ ما يجد من يدفع أكثر ما عليه قبل أجله، ولو علم أن قيمة البرذون أكثر من قيمة ما بني عليه لكان دخول (حط عني وأزيدك) في هذه المسألة دخولًا قويًا.
ثم لا يخلو من وجهين:
إما أن يعثر على ذلك قبل حلول الأجل، أو بعد حلول الأجل، فإن عثر على ذلك قبل حلول الأجل: فلا يخلو ما قبضه من أن يكون قائمًا، أو فائتًا.
فإن كان قائمًا: فالخيار للذي له السلم من أن يتماسك بالبرذون ويرد الثياب إلى أجلها، وبين أن يرد البرذون والثياب إلى أجل ويبقى على رأس أمره في سلمه.
فإن فات ما قبضه: فإنه يغرم قيمته، فإذا حلَّ الأجل أخذ سلمه.
فإن عثر على ذلك بعد الحلول: فإنه يحاسب بالأثواب التي قبضها إن كانت قائمة ويتم له البقية عليها، ويرد البرذون مع قيامه، والقيمة عليه مع فواته، وليس له أن يحبس قيمة البرذون عوض الثياب إن فات ويحاسب، إلا أن يجتمعا على المقاصة: فيجوز.
وأما إذا أخذ البرذون على بعض حقه، وأخَّر البقية إلى أجله: جاز ذلك، قولًا واحدًا.
فإن أخذه عن بعض سلمه وأخره بالبقية إلى أبعد من أجله: فلا يجوز ذلك؛ لأنه بيع وسلف، والسلف في هذا الوجه من المشتري، وفي الأول من البائع.
[ ٦ / ٢٨٢ ]
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا أخذ من جنس رأس ماله: فإن ذلك لا يجوز سواء أخذه عن جميع حقه أو عن بعضه؛ لأن ذلك سلم الشيء في جنسه، وهو من باب سلف جر منفعة.
وأما الوجه الثالث: إذا أخذ سلعة أخرى من غير جنس ماله عوضًا عن جميع سلمه أو عن بعضه فالجواب فيه كالجواب عن الوجه الأول إذا أخذ عين رأس ماله عن جميع حقه أو عن بعضه، على ما فيه من التحصيل والتفصيل، فلا فائدة للتطويل، فافهم هذا التلخيص تسعد إن شاء الله وتسدد.
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٢٨٣ ]
المسألة الرابعة في مسألة حمار ربيعة
وإذا باع حمارًا بعشرة دنانير إلى أجل، ثم استقاله المبتاع بربح دينار نقدًا، فأقاله البائع، أو باعه بنقد، فاستقاله المبتاع بزيادة دينار إلى أجل:
فتحصيل هذه المسألة أن نقول: لا تخلو الزيادة من [أن] (١) تكون من البائع، أو من المبتاع.
فإن كانت من المبتاع: فلا تخلو من أن تكون نقدًا، أو إلى أجل.
فإن كانت إلى أجل. فلا تخلو من أن تكون من جنس الثمن، أو من غير جنسه.
فإن كانت الزيادة من جنس الثمن وكان عينًا، فإن اتفقت الزيادة مع الثمن في الصفة والجودة، وكان سكة واحدة: جاز على المقاصة عند الحلول.
وإن كانت الزيادة من غير جنس الثمن؛ كالدراهم مع الدنانير، أو عرضًا، أو طعامًا مع العين: فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه دين بدين.
فإن كانت الزيادة نقدًا: فلا تخلو من أن تكون عينًا، أو عرضًا.
فإن كانت عينًا: فلا تجوز الإقالة؛ لأنه إن كان الثمن دنانير كان بيعًا وسلفًا بقدر أن الحمار يساوي ثمانية دنانير، اشتراه منه بتسعة على أن يسلفه المشتري الأول دينار ويستوفيه من نفسه عند حلول الأجل من العشرة التي للبائع الأول عليه.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ٢٨٤ ]
فإن كانت الزيادة عرضًا أو طعامًا: جاز ذلك، ولا علة تبقى.
فإن حلَّ الأجل وكان شراؤه نقدًا، أو لم ينتقد: فلا تخلو الزيادة -أيضًا- من أن تكون عينًا أو عرضًا.
فإن كانت عينًا، وكانت دراهم والثمن دنانير، والدراهم مثل صرف دينار فأكثر: فذلك بيع وصرف إذا انتقد، ويجري على الخلاف المعهود بين ابن القاسم وأشهب.
وإن لم ينتقد: كان ذلك صرفًا مستأخرًا، ودينًا بدين، مع ما فيه من بيع وصرف من المستأخر منهما.
فإن كانت الزيادة دراهم يسيرة: جاز بشرط التناقد.
فإن كانت الزيادة دنانير: جاز على المقاصة دون غيرها.
وإن كانت الزيادة عرضًا: جاز على النقد، ولا يجوز إلى أجل؛ لأنه فسخ دين في دين، وبيع وسلف.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كانت الزيادة مع البائع فلا تخلو الزيادة من أن تكون من صنف المبيع، أو من غير صنفه.
فإن كانت من صنف المبيع؛ مثل أن يبيعه حمارًا، ثم أقاله بزيادة حمار آخر، فإن تعجلت الزيادة وانتقدت: جاز، فإن كان إلى أجل: فلا يجوز، وذلك سلم الشيء في مثله إلى أجل، وهو حرام؛ لأنه سلف بزيادة، أو ضمان بجعل، على حسب اختلاف الصور.
فإن زاده من غير جنس المبيع: جازت الزيادة -كانت نقدًا أو إلى أجل- وسواء كان المبيع نقدًا أو مؤجلًا؛ إذ لا محضور هناك، ويعد ذلك بيعة أخرى، وفي ذلك يقول ربيعة - ﵁ - في شعره لما سئل عنها:
[ ٦ / ٢٨٥ ]
إذا [] (١) متاع إلى أجل وزاد نقدًا فخذه ثم لا تسل
حاشا من الذهب المرجي إلى أجل إلا إلى ذلك الميقات والأجل
وزده أنت من الأشياء قاطبة ما شئت نقدًا ومضمونًا إلى أجل
ما لم يكن صنف ما استرجعت [] (٢) إلى زمان ولا بأس على عجل
إلا أن هذه الأبيات إن حملت على ظاهرها كان قول ربيعة مخالفًا للمذهب، فإن تأولت كانت وفاقًا.
وموضع الاحتمال من قوله: (وزده نقدًا) فإن أراد أن تكون الزيادة عرضًا كان قوله وفاقًا للمذهب، وإن أراد أن ذلك يكون كيف ما كانت الزيادة وإن كانت عينًا: كان خلافًا.
وقوله أيضًا: (إلا إلى ذلك الميقات): فإن كان معناه على التقاصص كان وفاقًا، فإن كان على الإخراج فلا يجوز.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) غير واضحة في أ.
(٢) غير واضحة في أ.
[ ٦ / ٢٨٦ ]
المسألة الخامسة في بيع الدَّين بالدَّين
وينبغي أن يعلم أن هناك أمرين:
أحدهما: بيع الدَّين بالدَّين.
والآخر: فسخ الدَّين في الدَّين.
وأحدهما أَسَدّ من الآخر؛ فبيع الدَّين بالدَّين عبارة عما ليس عند الإنسان، وهو عبارة عن إشغال الذمتين، وفسخ الدين في الدين عبارة عن إشغال ذمة واحدة.
والعلة في فسخ الدين في الدين -على القول بتعليله: ربا الزيادة؛ فلذلك كان فسخ الدين في الدين أشد من ابتداء الدين بالدين.
واختلف قول مالك في "الكتاب" في بيع الدين هل يكون في المضمون والمعين أو لا يكون إلا في المضمون والمعين، أو لا يكون إلا في المضمونين جميعًا، وقد نص في "كتاب بيع الغرر" على أن الدين بالدين لا يكون إلا في المضمونين، ويؤخذ له أيضًا من غير ما موضع من "المدونة" أنه يكون في المعين والمضمون؛ فمن ذلك قوله فيمن له دين علي رجل؛ حيث قال: لا يجوز له أن يأخذ في دينه ما لا يتعجله من سكنى الدار، أو خدمة عبد أو جارية يتواضعانها؛ لأن ذلك فسخ دين في دين، فجعل ذلك بيعًا يتأخر قبضه وإن كان معينًا.
وأما فسخ الدين في الدين فلا يخلو من وجهين:
إما أن يفسخه في شيء مضمون في الذمة، أو في شيء بعينه.
[ ٦ / ٢٨٧ ]
فإن فسخه في شيء مضمون في الذمة: فلا يخلو من أن يفسخه في شيء إلى أبعد من الأجل، أو إلى الأجل نفسه.
فإن فسخه إلى أبعد من الأجل: منع اتفاقًا؛ لوجود الربا المتفق على تحريمه، وهو ربا الجاهلية تقضي أو تربي؛ لأن الزيادة في الأجل تقتضي الزيادة في مقدار الدين، والزيادة في الصفة كالزيادة في القدر، واستبدال الجنس بجنس آخر في الذمة يستدعي تلك الزيادة على كل حال.
فإن فسخه إلى الأجل نفسه، أو إلى دونه: فإنه يتخرج على قولين: الجواز، والمنع [والمنع] (١) أشهر وأسعد بظاهر "الكتاب" والجواز أظهر في النظر.
ويبنى الخلاف على الخلاف في النهي عن فسخ الدين في الدين هل هو معلل أو غير معلل.
فمن علله بالزيادة قال بالجواز؛ إذ لا زيادة في الصورة المفروضة؛ لأن الزيادة في الأجل يستدعي الزيادة في كمية ما قدمناه، وإذا لم يزد في الأجل فلا يزيد له الآخر في الدين؛ إذ لا رفق له في ذلك ومن رأى أن النهي غير معلل، وإنما هو شريعة غير معقولة المعنى: قال بالمنع.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا فسخه في شيء بعينه، فلا يخلو ذلك المعين من وجهين:
أحدهما: أن يكون مما يقبض ويقتضي مرة واحدة.
والثاني: أن يكون مما يقتضي أو يقتضي كرة بعد كرة.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ٢٨٨ ]
فإن فسخه فيما يقبض مرة واحدة، فقبضه أو مكن من قبضه، ولم يتعلق به حق التوفية: فلا إشكال في الجواز، ويقبضه متى شاء؛ لأنه بالفسخ صار في ضمانه.
فإن فسخه فيما يستوفي مرة بعد مرة، كسكن دار، أو ركوب دابة، أو استخدام عبد: فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: المنع، وهو نص "المدونة" في "كتاب الآجال"، وغيره.
والثاني: الجواز، وهو مذهب أشهب، وهو ظاهر "المدونة"؛ حيث جوز كراء هذه الأشياء بالدين، فإذا جاز أن يكتري بالدين جاز أن يقتضي.
والثالث: التفصيل بين أن يشرع في السكنى فيجوز، أو يتراخى عنه فلا يجوز.
وهو قول ابن القاسم في "كتاب الحوالة" من "المدونة".
وسبب الخلاف: المنافع هل تتعين بتعين المنتفع به أم لا؛ فمن رأي أن المنافع لا تتعين وإن عين الشيء المنتفع به: منع، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الآجال"، وفي كتاب الجعل والإجارة: إذا أدخل على الغنم غنمًا أخرى أو اتخذ راعيًا يرعى له ويعينه؛ حيث جوز له ذلك، ولم يره متعديًا؛ بناء على أن المنافع لا تتعين وإن عين الراعي.
ومن رأى أنها تتعين بتعيين ذلك الشيء: جوز، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الجعل" و"الإجارة" و"كتاب الرواحل والدواب"، وقد منع هناك للراعي وللمكتري استبدال عين بعين أخرى، واستبدال الدابة بأخرى؛ بناء منه على أن المنافع قد عينت في تلك الأعيان.
[ ٦ / ٢٨٩ ]
وللخلاف تطلع آخر، وهو: قبض الأوائل هل هو كقبض الأثمان أم لا؟
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٢٩٠ ]
المسألة السادسة في البيع والسَّلف
وإذا باع سلعة بمائة دينار على أن يسلف أحدهما لآخر عشرين دينارًا إلى أجل: فإن ذلك لا يجوز؛ لنهيه - ﷺ - عن بيع وسلف، واتفق العلماء على أنه من البيوع الفاسدة.
واختلف إذا ترك الشرط قبل القبض؛ ومنعه أبو حنيفة والشافعي وسائر العلماء، إلا في مشهور مذهبه، على ما سنبينه تأصيلًا وتفصيلًا إن شاء الله تعالى.
وقد روى أن محمَّد بن أحمد بن سهل البرمكي سأل عن هذه المسألة إسماعيل بن إسحاق القاضي؛ فقال له: ما الفرق بين السلف والبيع، وبين رجل باع غلامًا بمائة دينار وزق خمر، فلما عقدا البيع قال: أنا أدع الزق؟
قال: هذا البيع مفسوخ بإجماع العلماء.
فأجاب عن هذا إسماعيل بجواب لا تقوم به حجة؛ وهو أن الفرق بينهما أن مشترط السلف مخير بين تركه وأخذه، وأنه يملك صحة البيع وفساده، وليس كذلك مسألة زق الخمر، ولا يخفى على لبيب أن هذا الجواب هو نفس الشيء الذي طولب بالفرق به؛ لأنه يقال: لما كان مخيرًا هاهنا، ولم يكن هناك مخيرًا في أن يترك الزق ويصح البيع.
وقد انفصل بعض المتأخرين عن سؤال البرمكي بأن قال: إن التحريم هاهنا لم يكن الشيء محرم لعينه وهو السلف لأن السلف مباح في نفسه، وإنما وقع من أجل اقترانه بالبيع، والبيع في نفسه جائز، وإنما امتنع لاقتران الشرط به، وفي مسألة الخمر امتنع لإتيانه بشىء محرم لعينه لأنه شيء
[ ٦ / ٢٩١ ]
محرم من قبل الشرط.
وهذا الانفصال لا بأس به.
فإذا ثبت ذلك فنحن نرجع إلى تحصيل [المسألة] (١) فنقول وبالله التوفيق: إذا اشترط السلف مع البيع فلا تخلو السلعة من أن تكون قائمة، أو فائتة.
فإن كانت قائمة: فلا يخلو مشترط السلف من أن يسامح بتركه أو يشح على شرطه ولم تطب نفسه بتركه فالبيع باطل والشرط باطل، ولا أعرف نص خلاف في المذهب إلا متأولًا؛ ويؤخذ من "المدونة". من مسألة الذي باع السلعة على أنه إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا فلا بيع بينهما قال: البيع جائز، والشرط باطل.
فإن سامح مشترط السلف فهل يجوز البيع أم لا؟
فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن البيع باطل وإن رضي من له الشرط بإسقاطه، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم -من أصحابنا- وروي عن علي بن زياد مثله، وهو ظاهر قوله في آخر "كتاب الدور والأرضين" من "المدونة" في الذي أكرى أرضه بدنانير وخمر، قال: لا يجوز وإن رضي المكري بإسقاط الخمر.
والثاني: أن البيع جائز إذا أسقط مشترط السلف سلفه، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الآجال".
والثالث: التفصيل بين أن يقبض مشترط السلف سلفه أم لا؛ فإن قبضه وغاب عليه: فالبيع مفسوخ وإن أسقط السلف ورده؛ لأن الربا قد تم
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ٢٩٢ ]
بينهما لغيبته على السلف، وهو مذهب سحنون.
وتأوله أكثر شيوخنا القرويين على "المدونة" وأن قوله في "الكتاب": إذا رضي بإسقاط شرطه يريد: قبل القبض.
وبعضهم يجعله خلافًا "للمدونة" ويستدل بقوله في "الكتاب" يريد السلف والرد عبارة عن استرجاع ما قد قبض، وهو نص قول أصبغ في غير "المدونة".
والرابع: أن البيع جائز، والشرط باطل، وهو قوله في "الكتاب" فيما إذا باعه سلعة على أنه إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا فلا بيع بينهما؛ حيث قال: البيع جائز، والشرط باطل.
فوجه القول الأول: كون العقد وقع على الفساد، وفساده في ثمنه، وأن السلف له حصة في الثمن، ولاسيما إذا كان من جهة المشتري؛ لأن البائع لم يرض أن يبيع بهذا القدر من الثمن إلا من أجل السلف الذي سلفه المشتري.
فإن كان من جهة البائع: فالمشتري ما اشترى بهذا الثمن الغالي إلا من أجل السلف الذي سلفه للبائع؛ فبان أنه باع بثمن بعضه حلال وبعضه حرام؛ كمسألة الخمر إذا كان بعض أجزاء الثمن.
ووجه القول الثاني: ما قدمناه من أن السلف والبيع كل واحد منهما مباح على الانفراد، وإنما منع اجتماعهما لما فيه من سلف جر منفعة، فإذا أسقطه مشترطه جاز البيع لزوال تلك العلة، وهذا القول أضعف الأقوال.
ووجه القول الثالث: أنه إذا قبض السلف وغاب عليه وكان مما لا يعرف بعد الغيبة أن الربا قد تم بينهما فلا فائدة لرد السلف بعد ذلك للغرض المبتغى، ثم لابد من فسخ البيع ورده.
[ ٦ / ٢٩٣ ]
والجواب عن الوجه الثاني: إذا فاتت السلعة بماذا تمضي؟ فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه تمضى بالقيمة -بالغة ما بلغت- قياسًا على سائر البيعات الفاسدة إذا فاتت، وهو قول أشهب في الذي باع فرسًا واشترط أن يغرر عليه؛ حيث قال: إن فات ففيه القيمة.
والثاني: أنه ينظر، فإن كان السلف من المشتري فللبائع الأكثر من الثمن أو القيمة وإن كانت أكثر من الثمن والسلف.
فإن كان السلف من البائع: كان له الأقل، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الآجال".
والثالث: أنه إن كان السلف من المشتري: كان عليه الأكثر من الثمن أو القيمة ما لم يكن أكثر من الثمن والسلف، وهو قول أصبغ.
والرابع: أن السلعة تقوم بشرط السلف، وبغير شرطه، فما كان بين القيمتين رجع به البائع على المبتاع إذا كان البائع هو المشترط للسلف.
واختلف في بيع الثنيا؛ وهو أن يبيع له سلعة على أنه متى جاء بالثمن فهو أحق بها هل هي بيع أو رهن؟ على قولين:
أحدهما: أنه بيع.
والثاني: أنه رهن.
وفائدة الخلاف وثمرته: في العلة هل يلزمه ردها إذا فسخ فعلهما أو لا يردها؟
فمن رأي أنه بيع قال: لا يرد العلة، وقد قال مالك في "العتبية" فيمن اشترى أرضًا على بيع ثنيا فبنى وغرس: إنه فوت، وقال أيضًا فيمن اشترى حائطًا على مثل ذلك فاعتل وبنى وحفر، فقال: العلة للمشتري بالضمان،
[ ٦ / ٢٩٤ ]
ويرد الحائط، وللمشتري على البائع ما أنفق في بناء الجدار أو حفره؛ فجعله بيعًا، وأنه ضامن والعلة له، ولم يجعل البناء والحفر فوتًا؛ لأن ذلك لا يكون فوتًا إلا فيما دخل المتبايعان فيه على البت، وعلى أن لا يرد وإن كان فاسدًا، فكان رده بعد حدوث مثل ذلك فيه مضرة على المشتري تارة، وعلى البائع تارة، وهذا إن دخلا على الرد بعد أن كان حدوث مثل ذلك، فلا يكون قويًا.
ومن رأى أنه رهن قال: يرد العلة، وأنه في ضمان البائع في كل بيع ويغض نظرًا عليه من غير سبب المشتري، وما كان من سببه فهو ضامن له، وحكمه حكم الرهان في سائر أحكامها فيما يغاب عليه.
واختلف إذا أسقط مشترط الثنيا شرطه، هل يجوز البيع أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن البيع باطل والشرط باطل، وهو المشهور.
والثاني: أن البيع جائز إذا أسقط شرطه، وهو قوله في "كتاب محمَّد" وقال محمَّد: إذا رضي المشتري، وقال الشيخ أبو محمَّد: وقد فسخ الأول، والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٢٩٥ ]
المسألة السابعة فط حكم المُقَاصَّة في الديون
وفيه ثلاثة أسئلة:
أحدها: أن يكون الدينان طعامًا.
والثاني: أن يكونا طعامًا من قرض.
والثالث: أن يكونا عينًا.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا كان الدينان طعامًا: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يكونا من بيع، أو من قرض، أو منهما.
فإن كانا من بيع: فلا تجوز المقاصة قبل الحلول، قولًا واحدًا.
وإن كان بعد الحلول: فلا يخلو من أن تتفق رؤوس أموالهما، أو تختلف.
فإن اختلفت رؤوس أموالهما: فلا تجوز المقاصة.
فإن اتفقت رؤوس أموالهما: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المقاصة لا تجوز، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن المقاصة جائزة، وهو قول أشهب، ويصير إقالة معنوية.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الإقالة هل تنعقد بغير لفظها أم لا؛ فمن رأي أنها تنعقد بغير لفظها: قال بجواز المقاصة، ويعد ذلك منهما إقالة معنوية.
[ ٦ / ٢٩٦ ]
ومن رأى أن الإقالة لا تنعقد إلا بلفظها، ولا تنعقد بغيره قال: لا تجوز المقاصة؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه.
وأما الوجه الثاني: إذا كانا من قرض، والصفة والمقدار متفق فالمقاصة جائزة باتفاق المذهب.
ويلزم فيها قول آخر: ألا تجوز المقاصة كما قال ابن نافع في المذهبين، ولا عبرة باتفاق الآجال، ولا بحلولها أو بعضها لحصول الإبراء في المقاصة في الحالة الراهنة على وجه ليس لواحد منهما سلطان على صاحبه.
وأما الوجه الثالث: إذا كان أحدهما من بيع والآخر من قرض ولا يخلو من أن يحلا أو لم يحلا، أو حلَّ أحدهما دون الآخر.
فإن حلَّا جميعًا: ففي جواز المقاصة قولان:
أحدهما: جوازه، وهو نصه في المدونة، وهو المنقول.
والثاني: أن المقاصة لا تجوز، وهو المعقول؛ لأن ذلك يخرجه عن بيع الطعام قبل قبضه في طعام البيع.
فإن لم يحلَّا وكانت آجالهما مختلفة: فلا تجوز المقاصة، قولًا واحدًا.
فإن اتفقت الآجال: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المقاصة جائزة، وهو قول ابن حبيب، وعلى هذا جميع أصحاب مالك، إلا ابن القاسم.
والثاني: أنها لا تجوز حتى يحلا، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
فإن حلَّ أحدهما ولم يحل الآخر فقولان أيضًا:
أحدهما: أن المقاصة لا تجوز حتى يحلا جميعًا، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنها تجوز المقاصة بحلول أجل السلم، ولا يجوز بحلول أجل
[ ٦ / ٢٩٧ ]
القرض، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف بين المعقول والمنقول: اختلافهم في المقاصة هل تبرأ بها الذمم، أو لا تبرأ إلا بانصرام الأمد.
فمن رأى أن الذمم تبرأ بالمقاصة قبل انصرام الأمد: قال بجواز المقاصة.
ومن رأى أن الذمم مشغولة إلى الأجل المجعول قال: لا تجوز المقاصة.
ووجه القول بالمنع وإن حلَّ أحد الأجلين: أن التقاصص إبراء، وإذا لم يحل الأجلان يبطل الإبراء.
وكان أشهب يرى أن الأجل من جانب المقترض بما لم يلزم صار في حكم الحال، غير أن هذا الكلام لا يتمشى له، فلا يجب لمصيره، إلا أن المقترض لا يجبر على الأخذ قبل الأجل، وإنما يتمشى له أدنى شيء لابن القاسم؛ لأنه يقول بالجبر على الأخذ، وهو يقول بالمقاصة كما ترى، ولعله إنما آثر الأجل في المنع لأنه منعوت باللزوم على وجه ما، فلا حجة في تقديره حالًا من الأجلين.
ووجه قول ابن حبيب: أن اتفاق الأجلين يدرأ المكايسة عنده لكون انحلال الذمم وقتًا وأمدًا، والإبراء يتنجز في الحال فلم يجعل ذلك مبايعة رآهما في حكم الحالين، وربك أعلم.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا كان الثابت في الذمتين عروضًا، ولا تخلو هذه العروض من وجهين:
أحدهما: أن يكونا من جنس واحد.
والثاني: أن يكونا من جنسين.
[ ٦ / ٢٩٨ ]
فإن كانا من جنس واحد: فلا يخلو من وجهين:
إما أن يتفق العدد، أو يختلف.
فإن اتفقا في العدد: فلا يخلو من أن تتفق الآجال، أو تختلف.
فإن اتفقت الآجال: جازت المقاصة قبل الحلول، على المذهب المنقول أن الذمم تبرأ.
وإن اختلفت الآجال: فلا يخلو من أن يتفقا في الجودة والدناءة، أو يختلفا.
فإن اتفقا في الجودة والدناءة: فالمقاصة جائزة بعد حلولها، قولًا واحدًا.
فإن لم يحلا، أو حل أحدهما ولم يحل الآخر: فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو نص "المدونة" في "كتاب الآجال". ويتخرج في المذهب قول آخر: أنها لا تجوز حتى يحلا جميعًا.
وسبب الخلاف: ما تقدم.
فإن اختلفا في الجودة والدناءة: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يكونا من بيع، أو من قرض، أو منهما.
فإن كانا من بيع: لم تجز المقاصة، سواء كان أولهما حلولًا أو أدناهما أو أرفعهما؛ لأنه في الأدنى: ضع وتعجل، وفي الأرفع: حط عني الضمان وأزيدك.
فإن كانا من قرض وكان أولهما حلولًا، أو أدناهما لم يجز لوجود ما تقدم من ضع وتعجل، وإن كان أولهما حلولًا أدناهما لم يجز كان من بيع أو قرض لأنه ضع وتعجل.
[ ٦ / ٢٩٩ ]
فإن كان أولهما حلولًا أرفعهما جاز في البيع، ولا يجوز في القرض لأنه من باب حط عني الضمان وأزيدك.
وأما إن اختلفا في العدد: فلا يخلو من أن يكونا من بيع، أو من قرض، أو أحدهما من قرض والآخر من بيع.
فإن كان من بيع: لم يجز التقاصص -كان الحال منهما الأقل أو الأكثر؛ لأنه في الأكثر: حط عني الضمان وأزيدك، وفي الأقل: ضع وتعجل.
فإن كانا من قرض: منعت المقاصة بحلول الأقل اتفاقًا، وفي حلول الأكثر أو حلولهما جميعًا ثلاثة أقوال:
أحدها: جواز المقاصة، وهو قول أشهب في جواز القرض جملة.
والثاني: أنها لا تجوز، وهو أحد قولي مالك في جواز الزيادة جملة.
والثالث: أنها مكروهة وهو قول مالك في الزيادة في القرض؛ حيث جوزها بعد مجلس القضاء ومنعها في المجلس.
فإن كان أحدهما من قرض، والآخر من بيع: لم تجز المقاصة أيضًا -كانت أولهما حلولًا الأقل أو الأكثر- لأنه إن كان الأقل فهو وضيعة على تعجيل حق في البيع والقرض، وإن كان الأكثر هو قرض: كان حط عن الضمان وأزيدك، وإن كان بيعًا: منع قبل الحلول وبعده؛ لأن ذلك زيادة في القرض.
فأما الجنس الثاني -إذا كانا من جنسين- فلا يخلو من أن يتفقا في الصفة والمقدار، أو يختلفا.
فإن اتفقا في الصفة والمقدار: فهما كالعرضين المتحدي الجنس في جميع الفصول التي قدمناها.
[ ٦ / ٣٠٠ ]
فإن اختلفا في الجنس والصفة: فلا يخلو من أن تتفق آجالهما أو تختلف.
فإن اتفقت الآجال: جازت المقاصة عند الحلول، قولًا واحدًا، وقبل الحلول: قولان:
أحدهما: الجواز، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنها لا تجوز المقاصة، وهذا القول قائم من "المدونة".
وسبب الخلاف: ما تقدم في صدر هذه المسألة من براءة الذمم.
فإن اختلفت الآجال: فلا تجوز المقاصة قبل حلولها، وتجوز بعد حلولها.
وفي حلول أحدهما قولان:
أحدهما: جواز المقاصة، وهو قوله في المدونة.
والثاني: أن المقاصة لا تجوز إلا بحلولهما جميعًا، وهو قوله في "الموَّازية".
فانظر كيف منع المقاصة إذا اختلف الأجلان، واختلف الغرضان؛ لاجتماع علتين.
وفقه هذا الباب أن يقال: إن قَدَّرْنَا أن التناجز يحصل بالتقاصص في الحالة الراهنة حتى يكون تراضيهما عليه قاطعًا لحكم الأجل؛ إذ ليس لواحد منهما تباعة على صاحبه، فلا شبهة في الإجزاء في هذه الفصول كلها.
فإن لم يقدر ذلك، وأن التراخي الآنف غير قاطع للتأجيل السالف: لم يجز ذلك جملة بلا تفصيل؛ لكون ذلك دينًا بدين؛ لكون كل واحد منهما أحال صاحبه على حقه يستوفيه لنفسه من نفسه إذا حلَّ الأجل، غير
[ ٦ / ٣٠١ ]
أن الاطراد في محل الترداد من دأب الفقيه المتدين، والتقاصص تردد بين التكايسين، فحملوه على التكايس عند اختلاف الأغراض من الوجهين؛ لأن الذمم تتفاوت ولا تتماثل في اليسار والإعسار، فيريد الموسر عند اختلاف الأجلين الاكتفاء بما عليه قضاء عن المعسر، وهذا تكايس بين لا جرم لم يجز عند الاختلاف من الجانبين -الدينين والأجلين- لأن تفاوت الأغراض يحرك دواعي المكايسة، وتشب نار المنافسة لتعذر تماثل الذِّمم.
بخلاف إذا انفرد أحد الاختلافين؛ كاختلاف الدينين، فإن انحلال الذمم لما لم يكن بينهما ترتيب يوجب التوريث للتهمة لم يمتنع الإجزاء؛ فلهذا جوزت المقاصة إذا اتفق الدينين من غير اكتراث بتطابق الأجلين مقدارًا وحلولًا.
فتدبر هذه المعاني؛ فإنها الأصول التي بنيت عليها هذه الفصول.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا كان الدين الثابت في الذمة عينًا: فلا يخلو من أن يتفقا في الجنسية، أو يختلفا.
فإن اختلفا؛ مثل أن يكون أحدهما ذهبًا، والآخر فضة.
فإن حلَّا: جازت المقاصة، قولًا واحدًا.
وإن لم يحلَّا، أو حلَّ أحدهما: فالمذهب في جواز المقاصة على قولين:
أحدهما: أنها لا تجوز، وبه قال مالك، وابن القاسم، وهو مشهور المذهب، وكذلك في طعامي القرض إذا اختلفا.
والثاني: أن المقاصة جائزة، وهو قوله في "المدونة" في العرضين إذا حلَّ أحد الأجلين.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الذِّمم، هل تبرأ بالمقاصة، أو لا تبرأ؛
[ ٦ / ٣٠٢ ]
فمن قال: إنها لا تبرأ: منع المقاصة قبل حلولهما جميعًا؛ لأن العين والطعام من الأموال الربوية -نقدًا ونساء- وقد قدمنا أنه لا يصح فيه تنجيز بالإبرام قبل انصرام المدى؛ لأنه في الذهب والفضة صرف مستأخر، وفي طعام القرض طعام بطعام متفاضلًا إلى أجل، فلا شك ولا خفاء أن تنزيل حلول ما في الذمة منزلة حلول ما به مشغولة في تنجيز القبض بالإبراء غير متقايس، وإنما المنع فيه أثر ابن عمر - ﵁ - على مشهور مذهبنا -نحن المالكية- القائلون بجواز صرف ما في الذمة.
فمن رأي أن الذمم تبرأ: قال بجوازها؛ كما قال في العرضين المختلفين مع جواز اختلاف الذمم عند حلول آخر الأجلين.
ولا فرق في ذلك بين العين والعرض إذا لم يقل بالإبراء، فإن التخاطر في ذلك واحد.
فإن اتفقا في الجنسية -ذهبًا كلها أو فضة كلها- فإن حلَّت الآجال جازت المقاصة، قولًا واحدًا.
فإن لم يحلَّا: فالمذهب في جواز المقاصة على ثلاثة أقوال:
أحدها: جوازها من غير اعتبار بالآجال ولا بحلولها، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن المقاصة جائزة إن حلَّا، أو حلَّ أحدهما، ولا تجوز إن لم يحلَّا -اتفق الأجلان أو اختلفا- وهو قول ابن نافع.
والثالث: التفصيل بين أن تتفق الآجال فتمنع المقاصة، أو [لا] (١) تتفق فتجوز، وهو ظاهر قول مالك -﵁.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ٣٠٣ ]
ووجه قول ابن القاسم: أن الذِّمم تبرأ بالمقاصة.
ووجه قول ابن نافع: أن الذمم لا تبرأ. وأن ذلك بيع الدين بالدين.
ووجه قول مالك -﵀-: أن الآجال متفقة إذا اتفقت سلم من المكايسة، وإن اختلفت الآجال كان مكايسة.
وما قدمناه في السؤال الثاني من الفقه والتحصيل نحو منه يقال هاهنا، ومن تأمله بان له سبب النزاع؛ لأنه يدخل في القرضين والطعامين المتفقين.
وقد اختلف الأشياخ في المقاصة هل يتوقف جوازها على معرفة أصل المداينة؛ فمنهم من يقول: لا اعتبار بأصل المداينة كيف كانت، ولا على ماذا وقعت.
ومنهم من يقول: لابد من اعتباره فتمنع المقاصة إذا كان هناك تهمة؛ مثل أن يكون أحد الذهبين ثمن قمح والآخر ثمن تمر؛ لا فيه من بيع الطعام بالطعام ليس يدًا بيد، وكذلك في عوضي البيع إذا كان رؤوس أموالهما ذهبًا وفضة، أو كانا ذهبين، غير أن الآخر من المسلمين أكثرهما فيمنع ذلك خيفة التعامل على صرف مستأخر، أو على ذهب فأكثر منه، إلا أن يكون المسلمان في وقت واحد فتبعد التهمة وتزول المظنة فيجوز. والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٣٠٤ ]
كتاب البيوع الفاسدة
[ ٦ / ٣٠٥ ]