بسم الله الرحمن الرحيم.
تحصيل مُشكلات هذا الكتاب وجملتُها ثلاث عشرة مسألة.
المسألة الأولى
في الذي طَلَّق امْرأتهُ وقال لهُ رجلٌ: ما فعلت؟ فقال: هى طالق.
فإن نوى إخبارُه بِنيَّتهِ فلا تخلو هذه المرأة مِن أن يدخُل بها زوجها أو لم يدخُل بها.
فإن لم يدخُلُ بها فلا شىء عليهِ ولا يلزمهُ إلا طلقة.
فإن دخل بها فلا يخلو جوابَهُ مِن أن يقولَ فيه: "هى مُطلَّقة" أو قال: "هى طالق".
فإن قال: "هى مُطلَّقة" فلا يلزمُهُ غير الطَّلقة الأُولى بالإتفاق لأنَّ قولَهُ: "هى مُطلَّقة" إخبارٌ.
وإن قال: "هى طالق" فلا يخلو مِنْ أنْ يدْعى نيَّة أو لا يدَّعيها.
فإن ادَّعى نية وقال: "أردتُ الإخبار وأنَّها هى ذاتُ الطلاق".
فإنَّهُ يُقبل قولُهُ باتفاق المذهب، وهل يُقبل قولُهُ بيمينٍ أو بغير يمين؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ لا يمينَ عليهِ جُملةً.
والثانى: أنَّهُ يحلفُ جُملةً.
والثالث: التفصيل بين أن تتقدَّم لهُ فيها طلقة أم لا.
[ ٤ / ٢٨١ ]
فإن تقدَّمت لهُ فيها طلقة فإنَّهُ يحلفُ عند إرادة الرجعة.
فإن لم تتقدَّم لهُ طلقة فلا يمين عليه.
والأقوال الثلاثة لأصحابنا المتأخرين تأويلًا.
فإن لم يدَّع النيَّة وعدمها، فهل تلزمُهُ طلقةً أُخرى؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ تلزمُهُ تطليقة ثانية، وهو ظاهر "المُدوَّنة" في قوله: "فإنْ نَوَى إخبارهُ فله نيةٌ" ظاهره أنَّهُ: إن لم [تكن له نية] (١) أنه تلزَمُهُ تطليقة أُخرى، وإليه ذهب القاضى أبو الفضل تأويلًا على "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ لا شىء عليهِ غير التطليقة الأُولى، وهو قولُ الشيخ أبى الحسن اللخمى ﵁ [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في أ: ينوه.
(٢) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٤ / ٢٨٢ ]
المسألة الثانية
في الذي قال لزوجته: "إنْ أكلتِ أو شربتِ" [فقال] (١): هذه أيمانٌ كُلُّها.
قال في الكتاب: "وَمَن قال لزوجته: إنْ أكلت أو شربت أو لبست أو قُمتِ أو قعدتِ أو دخلت أو خرجت [أو ركبت] (٢) فأنت طالق. . ." قال: "هذهِ أيْمانٌ كُلُّها".
ولا يخلو ذلك مِن أن يكون ممَّا يُمكن فيه الترك والفعل أو ممَّا لا يُمكن فيه الترك.
فإن كان ممَّا يُمكن فيه الترك والفعل كدخول الدار وركوب الدابة فهذا لا خلاف أنَّهُ يمين، وأنَّهُ لا شىء عليهِ إلا بوجودِ الفعل منها.
فإن كان ممَّا لا يُمكن تركُهُ كالأكل والشُّرب والقُعود والقيام فلا يخلو مِن أن يُقيد ذلك بصفة أو مُدَّةٍ معلومةٍ [أو لا يقيد. فإن قيد ذلك بصفة أو مادة معلومة] (٣)، مِثل أن يقول لها: "إنْ أكلت [أو شربت] (٤) اليوم"، أو "قُمت أو قعدت إلى الظُهر"، أو "إنْ أكلتِ خُبزًا فطيرًا"، أو "شربتِ شرابًا حامضا"، أو نحو ذلك.
فهذا أيضًا: لا خلاف فيه أنَّها أيمانٌ، وأنَّهُ لا شىء عليه إلا بِوُجود فِعل ما حلف عليه، وهذا كُلُّهُ ممَّا يُمكن فيهِ الفعلُ والترك.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٨٣ ]
فإن لم يُقيد ذلك بصفةٍ معلومةٍ، فلا يخلو مِن أن [يعين] (١) لذلك عينًا مخصوصًا أو أطْلَق.
فإن عيَّن ذلك في عينٍ مخصوصة مثل أن يقول [لها] (٢): إنْ أكلت هذا الطَّعام أو شربتِ هذا الشراب لشىءٍ بعينه أو أكلت طعام زيد أو قعدتِ مع فُلانة في بيت فُلانة. فهذا أيضًا ممَّا لا خلَاف فيه أنَّهُ أيمان، ولا يحنث إلا بُوجود الفعل.
فإن أطلق ولم يُقيِّد بِصفةٍ ولا زمانٍ ولا عَيَّن ذلك في عينٍ.
فهل يُحكم عليه بالطلاق بذلك في الحال أو لا ينجز عليه ذلك إلا بِوقوع الفعل [عليه] (٣)؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوَّنةَ":
أحدهما: أنَّ الحنثَ ينجز عليهِ في الحال، لأنَّهُ علّق الطلاق بأجلٍ لابُدَّ لها منهُ، إذْ لا مندوحةَ لها عن الأكل والشُرب والقيام والقعود [لأنها لو استدامت القيام أو القعود] (٤) على الدوام لأدَّى ذلك إلى أن تترك الصلاة، وإلى هذا ذهب أكثرُ المتأخرين، فحملوا قولهُ في "الكتاب": أنَّها أيمان فيما يُمكن تركُهُ.
ولو استدامت ترك الأكل والشُرب لأدَّى ذلك إلى فواتِ نفسها وهلاكها، والله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، وهو ظاهر "المُدوّنة" فيمن علَّق الطلاق [بالشرط الذي لابُدَّ مِن إتيانه] (٥)، وهو مذهب سحنون: لأنَّهُ قال فيمن قال لزوجتهِ: "أنت طالق إذا صلَّيتِ" أنَّهُ
_________________
(١) في أ: تكون.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في هـ: بأجل لابد منه.
[ ٤ / ٢٨٤ ]
طلاقٌ إلى أجل، لأنَّ الصلاة لابُدَّ لها منها.
والثانى: أنَّهُ لا يحنث حتى [تفعل] (١) ما [حلف] (٢) عليه، من أكلٍ أو شُربٍ أو رُكوبٍ أو قيامٍ أو قُعودٍ، لأنَّ هذهِ الأشياء يُمكن [ألا تفعلها] (٣)، إذ هى مُتعلقة بمشيئة آدمى، وأنَّها مِن جنس مقدورهِ، لأنَّ الحالف إنَّما علَّقَ حنثهُ بفعلها، ومتى لم تفعل ذلك الفعل لم يقع الحنث، وهو ظاهر "المُدوّنة"، في قولهِ: "هذه أيمان".
وفي قولهِ في الحيضِ: إن قال لها: [أنت] (٤) "طالقٌ إذا حضت أو إن حضت" " [ليست] (٥) هذه يمين" لما كان الحيض ليس [من جنس] (٦) مقدُور النساء وإنَّما هو أمر يأتى على جِبِلَّة وعادةٍ قد أجراها الله في بنات آدم، وهذا على مذهبه في "المُدوّنة" في الحيض، وإلا فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلُّها قائمة مِنَ "المُدونة":
أحدها: أنَّه يعجل عليه الطلاق في الحال، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثانى: أنَّهُ لا شىء عليه في الحيض حتى تحيض، وهو قول أشهب في كتاب "محمَّد"، وهو ظاهر "المُدوّنة" فيما يُحتمل أن يكون ويُحتمل ألا يكون، وهو قول المخزومى وابن عبد الحكم وابن وهب.
_________________
(١) في هـ: يقع.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من هـ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: ليس.
(٦) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
والثالث: أنَّها لا تُطلَّق عليه بنفس اللفظ حتى ترفع إلى حاكم فيحكمُ عليهِ بالطلاق، لأنَّهُ أمرٌ مختلفٌ فيهِ، والحكم يرفع الاختلاف.
وهذا القول حكاهُ اللخمى في "المذهب" ولم يُسمِّ قائلَهُ، وهو قائم مِن "المُدوّنة" مِن "كتاب الأيمان بالطلاق" فيما إذا قال لامرأتهِ "إن لم أُطلقَكِ فأنت طالق" فقال في أحدُ الأقوال: أنها لا تُطلَّق عليهِ حتى ترفع أمرها إلى السلطان ويوقفه".
والقولُ بأنَّ ذلك كلَّهُ أيمان، وأنَّها لا تُطلَّق عليه إلا بوقوع الفعل، وهذا الذي اختارهُ الشيخ أبو القاسم بن محرز، وهو أسعد بظاهر "المُدوّنة" مِن هذا الكتاب ومِن آخر "كتاب النذور" ومن "كتاب أمَّهات الأولاد" في الذي حلف ليبعينَّ أمتهُ فألفاها حاملًا منهُ، حيثُ قال: "هو حانث"، وقال في مسألة "الحمامات [في كتاب النذور] (١) ": "لا حنثِ عليه" وما ذلك إلا لإمكان وُقوع البيع في أُم الولد على الجملة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الإمكان المُعتبر، هل هو الإمكانُ على الجُملة وافق الشرع أو خالفهُ، أو المُعتبر الإمكان الشرعى؟
فَمَنْ اعتبر الإمكان على الجُملة وافق الشرع أو خالفهُ قال: "هذهِ أيمانٌ كُلَّها، لا يلزم الزوج الطلاق حتى تَفعل، لأنَّها قادرة على أن تترك الأكل والشَرب حتى تموت".
وَمَنْ اعتبرَ الإمكان الشرعى قال: "هو حانثٌ في الحال، إذ لا يحلُّ لها في الشرع أنْ تقعُد بلا أكلٍ ولا شُرب حتى تموت ولا أنْ تقعُد أبدًا ولا أنْ تقف أبدًا".
ولهذا الخلاف مطلعٌ آخر وهو: هل الاعتبار بالمقاصد أو بالألفاظ؟
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٨٦ ]
فمَنْ اعتبر المقاصد قال: يحنث في الحال.
ومن اعتبر الألفاظ قال: لا يحنث إلا بوجود الفعل منها.
والحمد لله وحده.
[ ٤ / ٢٨٧ ]
المسألة الثالثة
في الطلاق المقُيَّد بالمشيئة: فإذا قال: "أنت طالق إنْ شئت [أو إذا شئت أو مثل ما شئت] (١) " فهل [يتعديان المجلس] (٢) أم لا؟
[و] (٣) الطلاق المُقيَّد لهُ سبعةُ ألفاظ: "كُلَّما" و"ومتى ما" "متى" و"إذا" و"إن" و"ما" و"كم".
فأمَّا "كُلَّما" إذا قال لها "أنت طالق كُلَّما شئت": فلا خلاف أنَّهُ يتعدى المجلس وأنَّ الوطء بطوعها لا يقطعها، ولها أن تقضى المرة بعد المرة لأن ذلك تفويض.
وأمَّا "متى ما [ومتى] (٤) ": فلا خلاف أنَّهما يتعديان المجلس، واختُلف هل يزول ذلك مِن يدها إذا وطئها طائعةً أم لا؟ على قولين.
إلا أنْ ينوى أنْ يكون "متى ما" بمنزلةِ كُلَّما، كان بمنزلتهِ إلى طرف.
وأمَّا "إن وإذا": فهل هما كالتفويض فيتعديان المجلس قولًا واحدًا أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّهما كالتفويض مِثل: "متى ما، ومتى"، وأنَّهما يتعدَّيان على قولى مالك جميعًا، وهو ظاهر قولُهُ في أول "كتاب الأيمان بالطلاق" في قوله: "أنت طالقٍ "إنْ شئت" أو "إذا شئت"، حيث قال: "ذلك
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: يقيد بالمجلس.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٨٨ ]
بيدها حتى توقف أو توطأ طوعًا أو يتلذذ بها طائعة، قال: "وكأن "إذا" عند مالك أشدُّ مِن "إنْ"، ثُمَّ ساوى بينهما"، وهو نصُّ قول ابن القاسم في غير "المُدوَّنة".
ومعنى قولُهُ في "المُدوّنة" في هذه المسألة في الطلاق المُقيد بمشيئتها فهو أشكل [وأشد] (١) مِن التمليك. أي أنَّ لها أن تقضى بعد المجلس على قولى مالك في التمليك المُطلق كالتمليك المُقيَّد.
فإذا قال مالك في التمليك المطلق أنَّها [تقضى] (٢) بعد المجلس على قولٍ [مالك] (٣)، فهذا الذي لم يختلف فيه قولُهُ أشد، وهكذا رأيتُ لبعض المتأخرين [في] (٤) تأويل هذا الكلام، وهو موضع مُشكل.
وهذا القول أيضًا قائمٌ مِن "المُدوّنة" من "كتاب الظهار"، فيما إذا قال: "إن شئت الظهار، فأنت [عليّ] (٥) كظهر أمى" أنَّ ذلك تفويض، على قولِ ابن القاسم:
والقولُ الثاني: أنَّ ذلك لا يتعدَّى المجلس، إلا على [أحد قولى] (٦) مالك في "التمليك المطلق"، وهو قولُ مالك، [و] (٧) أحد قولى ابن القاسم في كتاب "ابن حبيب"، وهو ظاهرُ قولُ الغير في "كتاب الظهار" في "إن" وظاهر قول ابن القاسم في "كتاب التخيير والتمليك"، وكتاب
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: هى.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: قول.
(٧) في هـ: في.
[ ٤ / ٢٨٩ ]
"العتق الثاني" مِن "المُدوّنة".
والثالث: التفصيل بين "إن، وإذا"، "فإنْ" بمنزلة التمليك المطلق، و"إذا" بمنزلة "متى"، فيتعدَّى المجلس فيكونُ تفويضًا، وهو أحد قولى مالك على ما قال ابن القاسم في [أول كتاب الأيمان بالطلاق -وكأن "إذا" عند مالك أشد من "إن" ثم ساوى بينهما. وهو قول الغير في كتاب الظهار وظاهر قول ابن القاسم في أول] (١) كتاب "التخيير والتمليك" في قولهِ: "أنت طالق إن شئت أو اختارى، أو أمرك بيدك".
فقال ابن القاسم: قد اختلف قولَهُ فيها، فكان يقول "ليس لها أنْ تقضي إلا في المجلس".
فظاهر قوله: أنَّه اختلف قولُهُ في "أنت طالق إن شئت" ولم يجعلهُ [كالتمليك] (٢) إذا علَّقهُ بالمشيئة.
وقال الشيخ أبو القاسم بن محرز ولقوله عندي وجهٌ صحيح، لأنَّ قولَهُ: أنت طالق إيقاع للطلاق، وإنَّما يُصِّيرهُ تمليكا [بتعليقه] (٣) بالمشيئة فيصيرُ كالتمليك المُطلق ولابد أنْ يكونَ الطلاقُ بنفس تعليقه بالمشيئة مِثل: التمليك المطلق المعلق لأنَّ بينهما رُتبة، فمتى ترقَّى الطلاق عن مرتبتهِ [بتقييد] المشيئة انتهاء إلى رُتبة التمليك المُطلق ولابد أن يكون للتفويض بالمشيئة تأثير وقوة، وذلك أن "إذا" ظرفٌ لما يأتى من الزمان، قال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾.
و"إن" شرطيَّة، وذلك موضوعها في اللُّغة إلا أنَّ الاستعمال قد
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: للتمليك.
(٣) في أ: بعد تعليقه.
[ ٤ / ٢٩٠ ]
ينقل كل واحدٍ منهما عن وضعهِ اللُّغوى.
ومثار الخلاف بين "إن" و"إذا"، هل النظر إلى وضعهما في عُرف اللُّغة أو النظر إلى وضعهما في عُرف الاستعمال، وهو نصُّ قول ابن القاسم في "الواضحة" و"المبسوط".
والقولُ الرابع: التفصيل بين الطلاق والتمليك، فتكون "إنْ" في الطلاقِ تفويضًا، ولا تكون في التمليك تفويضًا.
وهذا القولُ مُتأوّل على ابن القاسم، وحكاهُ أبو النجا الفرائضى، وهو أضعفُ الأقوال.
وأمَّا ["ما" و"كم"] (١) فيجرى في العدد دون الأمد، في الطلاق والتمليك جميعًا، ولا خلاف في ذلك [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في هـ: ما شئت وكم شئت.
(٢) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٤ / ٢٩١ ]
المسألة الرابعة
في تعليق الطلاق بأجل.
قال مالك في "العُتبيَّة" وغيرها: "ولمَّا لم يكُن للزوج في الزوجة غيرَ المُتعة فُحرِّمت المتعة [عليه] (١) بطلاقه إياها إلى أجلِ لم يُجز أن تبقى في عصمته. وعجَّلنا عليه ما أجل من الطلاق، كما لم يجز أن يتزوجها إلىَ أجل، فليس ذلك كَالعتق إلى أجل؛ لأنَّهُ بَقِى لهُ الأمة الخدمة. والعِتق يتبعَّض والعصمة لا تتبعَّض، وهذا قولُ عُمر وغيرهُ مِن الصحابة ووفدٌ مِن التابعين ﵃ أجمعين".
ولا يخلو ما يُعلَّق الطَّلاق بوقُوعِهِ مِن ثلاثة أوجه.
فمنها ما لابُدَّ مِن وُقوعهِ.
ومنها ما يُحتمل أن يكون، ويُحتمل ألا يكون، والغالب أن يكون.
ومنها ما يُحتمل أن يكون، ويحتمل ألا يكون، احتمالًا متساويًا.
فالجواب عن الوجهِ الأول: إذا علَّق بأجل لابدَّ [مِن مجيئه] (٢) فلا يخلو مِن ثلاثةِ أوجُه:
أحدها: ممَّا يُمكن أنْ يأتى قبل موتها.
والثانى: ممَّا يُمكن أن يأتى بعد موتها.
والثالث: مما يُمكن أنْ يأتى بعد موتها أو أحدهما.
فإن كان الأجلُ ممَّا يُمكن أنْ يأتى قبل موتها مِثل أن يقول: "إذا جاء
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: أن يأتى.
[ ٤ / ٢٩٢ ]
الشهرُ أو السنة فأنت طالق" وكان ذلك ممَّا يمكن أنْ يبلُغَهُ عمرها فلا خلافَ أعلمهُ في "المذهب" أنَّ الطلاقَ واقعٌ عليه حين التكلم بذلك، لأنَّ الشَّهرَ والسنة لابُدَّ من مجيئهما، فإن كان الأجَلُ ممَّا يُمكن أن يأتى بعد موتها مثل أن يقول لها: أنت طالق إلى مائة سنة، والزوج ابن سبعين سنة أو الزوجة أو كلاهما فلا يلزمُهُ الطلاق.
وَمَنْ طلق إلى أجلٍ لا يبلغُهُ عمُرهُ فلا شئ عليهِ، لأنَّهُ طلاقٌ يقعُ بعد الموت.
قال مالك ﵀: "ولا تُطلَّق ميتةٌ، ولا يُوصِى ميتٌ بِطلاق".
فإن كان الأجلُ ممَّا يُمكن أنْ يأتى بعدَ موتِها أو أحدهما مثل أن يقول لها: "أنت طالق إذا متُّ أنا" أو "إذا متِّ أنت" فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّه لا يلزمُهُ الطلاق، لأنَّهُ طلاق يقعُ بعد الموت، وهو نصُّ قولُه في "المُدوَّنة".
والثانى: التفصيل: بين أن يقول: "إذا مت أنا" فيلزمه الطلاق، وبين أن يقول: "إذا مت أنت" فلا يلزمُهُ الطلاق.
وهي رواية ابن وهب قال: "لأنَّ الطلاقَ يسبقُ الموت".
وفي المسألة قولُ ثالث: أنَّهُ يلزمُهُ الطلاق سواءٌ قال: "إذا متُّ أنا" أو قال: "إذا متِّ أنت".
وهذا القولُ ألزمهُ اللخمى للمذهب، وهو قائمٌ مِن "المُدوّنة" مِن كتاب "العِتق الأوّل" في الذي قال لعبدهِ: "إنْ بعتَك فأنت حُر" حيثُ قال: "يُعتق على البائع"، فانظر كيف ألزمهُ العِتق وهو عتقٌ وقع بعد البيع، وهو بعد أنْ خرج مِن ملكِه، فكذلك يلزمُهُ الطلاقُ في الحال.
[ ٤ / ٢٩٣ ]
والجواب عن الوجه الثاني: إذا علَّق الطلاق بأجلٍ يُحتمل أنْ يكُون ويُحتمل ألا يكون [والأغلب أن يكون] (١)، كتعليق الطلاق بوضعِ الحمل ومجىء الدم والطُهر، فهل يجوز عليهِ الطلاقُ في الحال؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ الطلاقَ يقعُ عليهِ في الحال، وهو قولُ ابن القاسم في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ لا يقع عليهِ بطلاق حتى يقع عليه ذلك الشرط، وهو قول أشهب.
والثالث: أنها لا تطلق عليه حتى ترفعَ أمرها إلى السُّلطان، وهذا القولُ قائمٌ مِن "المُدوَّنة".
والجواب عن الوجه الثالث: أنَّهُ إذا علَّق الطلاقَ بأجلٍ يُحتمل أن يكون، ويُحتمل ألا يكونَ، واحتمالهما احتمال متساوٍ، كدُخُول الدار وقُدُوم زيد. فهذا لا خلافُ عندنا أنَّها لا تُطلَّق عليهِ حتى تدخُل الدارَ أو يقدمَ زيدٌ [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٤ / ٢٩٤ ]
المسألة الخامسة
إذا قال لها: "إذا حملتِ فأنت طالق" فهل يُعجَّل عليه الطلاق أو يُمكَّن مِن وطئها؟ فالمذهب على أربعة أقوال كُلَّها قائمةٌ مِن "المُدَوَّنة":
أحدها: أنَّهُ يُمكن مِن وطئها [مرة واحدة ثم تطلق عليه وهو قول ابن القاسم في كتاب الأيمان بالطلاق من المدونة.
والثانى: أنه يمكن من وطئها] (١) في كل طهرٍ مرة واحدة، ثمَّ يَدَعْهَا حتى تحيض، فإذا حاضت تبيَّن أنَّها حائل، وإن تراخى الدمُّ عنها وتأخَّر عن عادتها فإنَّها تُطلَّق عليه، وهو قولُ ابن القاسم في كتاب "العتق الثاني" في الأمة إذا قال لها سَيِّدُها [إنْ] (٢) حملتِ فأنت حُرَّة"، وَلا فرق بين الأمة والزوجة [وهو نص ابن الجلاب] (٣).
والقول الثالث: التفصيل بين أن يطأها في ذلك الطهر فيُعجَّل عليه الطلاق في الحال، أو لا يطأها في ذلك الطُهر فيُمكَّن مِن وطئها مرةً واحدة ثُمَّ تُطلَّق عليه.
وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب "الأيمان بالطلاق".
والقولُ الرابع: التفصيل بين أن تكون مدخُولًا بها أو غير مدخول بها.
فإن كانت غيرُ مدخولٍ بها فلا تُطلَّق عليهِ حتى [يطأها] (٤).
وإن كانت مدخولًا بها فإنَّهُ يُعجَّل عليهِ الطلاق ساعتئذ [سواء] (٥)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: إذا.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: تطأ.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٩٥ ]
وطئها في ذلك الطُهر أم لا. لاحتمال أن تكونَ حاملًا مِن وطء سَبَقْ والحاملُ تحيض [عندنا] (١)، وهو ظاهر "المُدوّنة" مِن غير ما موضع.
وسببُ الخلاف: هل [المراد] (٢) بذلك وُجود الحمل بِها جُملةً مِن غير اعتبارٍ بأن يكون مِن وطء مُتقدَّم أو مِن [وطء] (٣) مُستقبل أو المرادَ بذلك أن يكونَ الحمل مِن وطء مستقبل؟
فمن قال: "يطأها في كُلِّ طهر مرَّة"، قال: لا تُطلق عليه بالشكِّ، وهو قول عبد الملك.
وَمَن قال: "تطلَّق عليه في الحال إن كانت مدخولًا بها قال: يُفرَّق بينهما بالشكِّ، لاحتمال أن تَكون حملت مِن وطء تقدَّم.
والحامل تحيضُ كما قدَّمناهُ، وربُك أعلم.
واختلف المذهبُ أيضًا، إذا قال لها: إن كُنتِ حاملًا، [أو] (٤) إن لم يكن بك حمل، هل تُطلَّق عليهِ أم لا؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّه يُعجَّل عليهِ الطلاق في الحال، وهو قول مالك في المُدوّنة.
لأنَّهُ في شكٍ مِن حملها وسواء قال لها: "إن كُنت حاملًا أو إن لم تكونى حاملًا".
والثانى: أنَّها لا تُطلَّق عليه وينتظر بها ظهور الحمل [فإذا] (٥) ظهر الحمل بها طُلِّقت عليه، وهو قولُ أشهب.
_________________
(١) في أ: عنده.
(٢) في أ: أراد.
(٣) سقط من.
(٤) في أ: و.
(٥) في أ: حين.
[ ٤ / ٢٩٦ ]
والثالث: أنَّهُ لا يقع عليهِ الطلاق إلا أنْ يُوقفهُ الحاكم، وهو قول مالك في كتاب ابن حبيب.
والرابع: التفصيل [بين] (١) أنْ يكون على بر، أو على حنث.
فإن قال: "إنْ كُنت حاملًا" لم يقع عليهِ الطلاق لأنَّهُ على بر حتى يعلم أنَّها حامل.
وإن قال لها: "إنْ لم تكونى حاملًا" عُجِّل عليهِ الطلاق لأنَّهُ على حنث، وهو قول أصبغ.
وعلى القول بأنَّ الطلاق لا يُعجَّل عليهِ وينتظر إن كان بها حملٌ أم لا.
فإن مات أحدهما قبل العلم بأنَّها حامل [أو حائل] (٢)، هل يتوارثان أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهما يتوارثان، والأصلُ استدامة الزوجية.
والثانى: ألا توارثَ بينهما، لأنَّها [موارثة بالشك والقولان قائمان من المدونة.
والقول الثالث: التفصيل بين أن تموت فلا يرثها وإن] (٣) مات هو ورثتهُ بعد الاستبيان [والاستقصاء] (٤)، هل يظهر بها حملٌ أم لا؟، وهو قول سحنون.
وقال الشيخ أبو الحسن اللخمى ﵁: "معنى ذلك إذا كانت يمينه بالثلاث" وعليه يُحمل قولُ مالك في "المُدوّنة".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٩٧ ]
ولو كانت بطلقة واحدة أو بطلقتين لتوارثا قولًا واحدًا، لأنَّهُ وإن كان حانثًا فهو طلاق رجعى.
وإن مات الزوج قبل أن يظهر، هل هى حامل أم لا؟ كان موتُهُ في العدَّة.
وكذلك إن كانت هى الميتة، أو أنَّها ماتت وهي في عدَّة، لأنّها على أحد [أمرين] (١):
إمَّا أن تكون حاملًا: فالعدَّة وضعُ الحمل.
وإمَّا أن تكون حائلًا: فالعدَّة [بالحيض] (٢).
فإن مات ثم حاضت: انتقلت إلى عدَّة الوفاة، فالموارثة بينهما على كُلِّ حال.
والله أعلم [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ: الأمرين.
(٢) في أ: في الحيض.
(٣) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٤ / ٢٩٨ ]
المسألة السادسة
فيما ينوى مِن حروف الطلاق، وما لا ينوى فيه، وذلك في [ستة] (١) أحرف:
منها: " [قوله] (٢) أنت طالق طالق [طالق] (٣) "، ومنها قولهُ: "أنت طالق أنت طالق [أنت طالق] (٤) ".
ومنها قولُهُ: "أنت طالق وأنت طالق [وأنت طالق] (٥) "، [ومنها قوله: "أنت طالق ثم أنت طالق"، ومنها قوله: "أنت طالق فأنت طالق".
ومنها قولُهُ: "قد طلَّقتُك".
أمَّا قولُهُ: "أنت طالق طالق [طالق] (٦) " و"أنت طالق أنت طالق أنت طالق" فهي ثلاث، إلا أن ينوى واحدة ويُريد بالبقيَّة الإسماع والتأكيد، فينوى باتفاق المذهب، ولا فرق بين أن تكون الزوجة مدخولًا بها أم لا.
[فإن] (٧) كان قولُهُ "أنت طالق" جُملةً [مستقبلة] (٨) مرَّكبة مِن
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من هـ.
(٧) في أ: وإن.
(٨) في أ: مستقلة.
[ ٤ / ٢٩٩ ]
مبتدأ وخبر، لأنَّ الكلام المنسوق المتتابع كالجملة الواحدة إذا [كانت] (١) مِن جنسٍ [واحد] (٢)، وهذا على "مذهب مالك" ﵀.
وأمَّا على "مذهب الشافعى [وأبى حنيفة] (٣) "، فإنَّهُ لا يلزمُهُ إلا تطليقة واحدة [إذا كان مِن جنسٍ واحدٍ، وهذا] (٤) في غير المدخول بها، لأنها بالطلقة الأولى بانت، والثانية والثالثة لم تُصادِف مَحَلًا قابلًا.
فأما قولُهُ: "أنت طالق وأنت طالق" بالواو فقد اختلف فيهِ قولُ مالك:
فمرَّة قال: "ينوى".
ومرةً قال: "لا ينوى"، وهو الأغلب مِن قولهِ.
قال بعض المتأخرين: "ينوى إن جاء مستفتيًا".
وسبب الخلاف: الشىء هل يُعطف على نفسهِ أو لا يعطف على نفسه؟
وأمَّا قولُهُ: "أنت طالق ثُمَّ أنت طالق" أو "أنت طالق فأنت طالق فلست أعرف في المذهب نصَّ خلاف أنَّهُ [لا ينوى] (٥).
والخلاف داخل فيه بالمعنى مِن اختلافهم في الطلاق لمجرد اللفظ، إذ لا شكَّ أن هذا مِن باب الطلاق باللفظ دون النية.
وأمَّا قولُهُ: "قد طلَّقُتكِ قد طلَّقتُكِ"، [فقد] (٦) حكى أبو إسحاق
_________________
(١) في أ: كان.
(٢) في أ: واحدة.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من هـ.
(٥) في هـ: ينوى.
(٦) في أ: فهكذا.
[ ٤ / ٣٠٠ ]
ابن شعبان في [كتاب] (١) "الزاهى" في قولهِ: "قد سرّحتُك قد سرحتُك" قولين في المذهب:
أحدهما: أنَّهُ ثلاث ولا ينوى.
والثانى: أنَّهُ ينوى إنْ ادَّعى نيةِ ويحلف على ما داعى.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٠١ ]
المسألة السابعة
في الشكِّ في الطلاق. والكلام في هذه المسألةِ على ستةِ أسئلة:
السؤال الأول: إذا شكَّ، هل حلفَ أم لا.
والثانى: أنْ يتيقَّن باليمين وشكَّ في المحلوف به.
والثالث: أنْ يُوقن أنَّ المحلوف به الطلاق وشكَّ [في] (١) عدده.
والرابع: أنْ يُوقن بالعدد ويشكُّ في عين المُطلَّقة مِن نسائهِ.
والخامس: أنْ يتيقَّن باليمين ويشكُّ في الحنث.
والسادس: أن يتيقَّن في الحنث ويشكُّ في اليمين.
والجواب عن [السؤال] (٢) الأول: إذا شكَّ، هل حلف أم لا؟، فهل يجبُ عليه بالشك حكم مِن الأحكام أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلُّها قائمة مِن المُدوّنة:
أحدها: أنَّهُ لا شىء عليه في يمينه، وأنَّ الشكَّ لا يُوجب عليه [حكمًا ولا يوجب عليه إثمًا] (٣)، وهو [ظاهر] (٤) "المدوّنة" في "كتاب الأيْمان بالطلاق"، وهو مشهور المذهب، لأنَّ الأصل براءة الذمَّة وفراغ الساحة، فلا تعمر إلا بيقين، والأصلُ استدامة العصمة.
والثانى: أنَّهُ يُقضى عليه بالطلاق، وهو قائم مِن "المُدوّنة" أيضًا مِن "الكتاب المذكور"، ومِن "كتاب الوُضوء" مِن قولهِ: "إذا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: أظهر.
[ ٤ / ٣٠٢ ]
أيقن بالوضوءِ وشكَّ في الحدث أنَّهُ يُعيد الوضوء" فظاهِرهُ [من قولهِ] (١) وُجوبًا، وهو تأويل حُذَّاق المتأخرين على "المدوّنة" لتشبيهه "بمسألة الصلاة"، وهو قول القاضى أبى الفرج المالكى في "كتاب الحاوى" "ولا فرق بين الوُضوء والطلاق"، وهو قولٌ ضعيفٌ جدًا في كوْنِ الشكِّ المُجرد يُؤثر فيما يُتيقَّن بهِ وقد قدَّمنا هذا في "كتاب الوُضوء" وقد مزَّقناهُ كُلَّ مُمزَّق.
والقولُ الثالث: أنَّهُ يُؤمر بالفراق ولا يُخيَّر، وهو ظاهر قولُهُ في كتاب "الأيمان بالطلاق" فيما إذا قال: "أنت طالق إنْ كُنت تبغضينى" فقالت: "أنا أُحبُّك".
ووجهُ هذا القول مُراعاة الشبهة.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا أيقن باليمين وشكَّ في المحلوفِ بهِ، هل هو طلاقٌ أو غيرهِ؟ وهل يُقضى عليهِ [بالطلاق] (٢) أو يُؤمر؟
فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّهُ يُقضى عليه بالطلاق وهذا القولُ قائمٌ مِن المُدوّنة إذا قال لامرأتهِ: "أنت طالق إن دخَلتِ الدار" فقالت [قد] (٣): دخلتها وصدَّقها قلت: هُو وإنْ صدَّقها، فلا يُخرجهُ ذلك مِن الشكِّ لاحتمال أن تكون صادقة ولاحتمال أن تكون كاذبة.
ووجهُ هذا القول: أن اليمين مُتيقَّن [بها] (٤) ولليمين تأثير في حلِّ
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: بالفراق.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٠٣ ]
العصمة المُنعقد على الجُملة فيما وقع فيه اليمينُ المُتيقَّن بما يقدح في العصمة، ولا يصح البقاء عليها مع احتمال انحلالها، والشرعُ مبنىٌ على صيانة الأبضاع.
والثانى: أنَّهُ يُؤمر ولا يُجبر، وهو نصُّ المُدوّنة.
ووجهُه أنَّهُ وإنْ أيقن باليمين فإنَّ ذلك لا يُخرجُهُ مِن باب الشكِّ ولا يرقى [به] (١) إلى مرتبة اليقين. وأدنى مراتبهُ أن يُؤمر لئلا يخلو يمينهُ من إيجاب الحكم.
وعلى القول بأنَّ الطلاقَ يلزمُهُ إمَّا ندبًا وإمَّا وُجوبًا، فهل يلزمُهُ ثلاث تطليقات أو طلقة واحدة؟ فالذي يتخرَّج مِن الكتاب قولان:
أحدهما: أنَّها تُطلق عليهِ ثلاثًا، وهو قولُهُ في "المُدوَّنة": تُطلَّق عليه نساؤه ويُعتق عليه عبيدهُ" فمقارنتهُ الطلاق بالعتق ينبئ بأنَّ الطلاق ثلاثًا، وبيانُهُ أنَّهُ [بالعتق] (٢) يزول ملكه عن العبد وَلا سلطة لهُ على رِقِّهِ بوجهٍ فكان ينبغى أن تكون الزوجة كذلك إذْ لا يصحُّ زوال العصمة بدون الثلاث في المدخول بها. إذ بها تنقضى العصمة مع الاحتمال أن تكونَ يمينهُ بذلك.
والثانى: أنَّها واحدة، لأنَّ شكَّهُ لا يتناول عددًا محصورًا، فوجب أن يلزم أقل ما يقع عليه اسم الطلاق وهي واحدة، وهو اختيار بعضُ المتأخِّرين.
ويتخرج في المسألة قولٌ ثالث: أنهُ ينظُر إلى عادة الحالف وما جُبِلَ عليهِ طبعُهُ وعادتُهُ وعود لسانه مِن الأيمان والعدد في الطلاق:
_________________
(١) في أ: فيه.
(٢) في أ: بالملك.
[ ٤ / ٣٠٤ ]
فإن كان ممن عوَّد لسانه الطلاق تقييدًا أو إطلاقًا قُضى عليه [بالبتَّة] (١) اتفاقًا حسمًا للباب وقطعًا لمادة [الارتياب] (٢).
وإن كان ممن قمع لسانهُ عن التلفظ بالطلاق الذي جعلهُ الشارع مِن أيمان الفُسَّاق، فلا يلزمُهُ الطلاق لا جبرًا ولا أمرًا، وهذا هو الصحيح مذهبًا ونظرًا.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا أيقن أنَّ المحلوف به الطلاق وشكَّ في عددهِ. فلا خلاف في المذهب أنَّ الطلاق يلزمُهُ على الجُملة، وإنَّما الخلافُ في كيفية ما يقعُ عليهِ على [قولين] (٣) قائمين على "المدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ يلزمُهُ ثلاث تطليقات، واحدةٌ إيجابًا، والثانية والثالثة استحبابًا، وهو قولُهُ في كتاب "ابن حبيب".
والثانى: أنَّ الثلاثة إيجابًا، وهو ظاهر المُدوّنة".
والقولان قائمان منها، وذلك أنَّهُ قد أيقن بحصول الثلم في النكاح وأنَّ هناك تحريم لا يدفعهُ إلا الرجعة إن كانت مدخولًا بها، أو العقد المبتدأ إن كانت غيرُ مدخولٍ بها.
والرجعة والعقد مشكوكٌ فيهما، فهل يملكُ الزوج إحداثهما وإيقاعهما أم لا؟
وحاصل ذلك يرجع إلى الشكِّ في الطلاق، ولا فرق بين أن يشكَّ في نفس الطلاق أو شكَّ في عددهِ، فقد تبيَّن لك كيف يستقرأ القولان مِن "المُدوّنة". وبالله التوفيق.
_________________
(١) في هـ: بالثلاث.
(٢) في أ: الإرتباط.
(٣) في أ: فرعين.
[ ٤ / ٣٠٥ ]
وعلى القول بأنَّها تُطلَّق عليه ثلاثًا إيجابًا، فإنْ استمر الشكُّ [ولم] (١) ينقشع بيقين [صدر] (٢)، هل يدور عى الزوج التحريم بعد كُلِّ طلاق إلا بعد زوج ولو بعدَ ألف أو يزول الدور ويسقط المور بعد ثلاثة أزواج؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ الدور لا ينقطع، و[المور] (٣) لا ينقلع إلا بالثلاث في كلمةٍ واحدة، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" وهو الأصح.
والثانى: أنَّ الدور ينقطع بعد ثلاثة أزواج، وهو قول أشهب في غير "المُدوّنة".
والجواب عن السؤال الرابع: إذا أيقن بالعدد وشكَّ في عين المُطلَّقة من نسائه، هل يُطلَّقن عليه كُلَّهُنَّ أو لهُ أن يختار مَنْ شاء منهنَّ، كما يختار للعِتق؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يطلقهن كلهن، ولا خيار لهُ في واحدةٍ بعينها، وهو مشهور المذهب، وهو نصُّ "المُدوَّنة".
والثانى: أن للزوج أن يختار مَن شاء منهنَّ للطلاق كما يختارُ للعتق، وهو قولُ المدنيين عن مالك ﵀.
وسببُ الخلاف: هل يجوز قياسُ الطلاقِ على العِتق أو لا يجوز، لأنَّ كلُّ واحدٍ منهما أصلٌ في نفسهِ؟
والجواب عن السؤال الخامس: إذا أيقن باليمين وشكَّ في الحنثِ هل يُقضى عليهِ بالطلاق أو يُؤمر؟ قولان قائمان مِن "المُدونة":
_________________
(١) في أ: فلا.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: الدور.
[ ٤ / ٣٠٦ ]
أحدهما: أنَّهُ يُؤمر، وهو نصُّ "الكتاب".
والثانى: أنَّهُ يُجبر، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا.
والجواب عن السؤال السادس: إذا أيقن في الحنث وشكَّ في اليمين، هل يؤمر أو يُجبر؟ قولان قائمان مِن "المدونة".
وهذا السؤال غيرُ منصوصٍ عليه في "الكتاب" إلا [أنه] (١) يُستقرأ مِن قوله: "إذا أيقن باليمين، وشَكَّ في المحلوف به"، حيث قال في "المُدوّنة": "تلزمه جميع الأيمان"، ولا شكَّ ولا خَفاء أنَّهُ [شاك] (٢) في حق كل يمين، هل حلفَ بها أم لا؟
والحمد لله وحدهُ.
_________________
(١) في أ: أن.
(٢) في أ: شك.
[ ٤ / ٣٠٧ ]
المسألة الثامنة
في الاستثناء في الطلاق. ولا يخلو ذلك مِن وجهين:
أحدهما: أن يكون الاستثناء في نفس الطلاق [والثانى: أن يكون الاستثناء في عدد الطلاق. فإن كان الاستثناء في نفس الطلاق] (١)، كتعليق الطلاق بالمشيئة فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يعلِّق ذلك بمشيئة الله تعالى، أو يُعلِّقهُ بمشيئة آدمي، أو بمشيئة مَنْ لا تُدرك مشيئتهُ [كالجماد] (٢) والحيوان.
فإن علَّق ذلك بمشيئة الله تعالى، فلا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك في يمين.
والثانى: أن يكون في غير يمين.
فإن كان ذلك في يمين مثل أن يقول: "إن دخلت الدار فامرأتهُ طالق إن شاء الله" هل ينفعهُ الاستثناء أو لا ينفعُهُ؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ لا ينفعهُ الاستثناء جُملةً، وهو قول [مالك] (٣) في "المُدوّنة".
والثانى: التفصيل: بين أن يكون الاستثناء عائدًا على الفعل أو عائدًا على المشيئة فإن كان عائدًا على الفعل فإنَّ الاستثناء ينفعُهُ.
وإن كان عائدًا على مشيئة الله تعالى فلا ينفعُهُ، ويلزمُهُ الطلاق، وهو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: كالجدار.
(٣) في هـ: ابن القاسم.
[ ٤ / ٣٠٨ ]
قول عبد الملك وأشهب في "المجموعة".
وإن كان ذلك في غير يمين مثل أن يقولَ: "أنت طالق إن شاء الله" فلا خلاف أعلمُهُ في المذهب أَنَّ الطلاق يلزمُهُ في الحال ولا ينفعهُ الاستثناء، وذلك أنَّ الاستثناء رخصةً جعلها اللهُ حلًا لليمين ورفعًا ومنعًا لها مِن الانعقاد على ما قدَّمنا بيانُهُ في "كِتاب النُذُور" والحالف بالطلاق عاصٍ [والعاصى] (١) لا يُرخَّص لهُ بالرُخص.
وإن [كان] (٢) هذا الأصل مختلفٌ فيه، فلا يُدخل ذلك الخلافُ في الاستثناء إن شاء الله.
وقال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب: وبيان ذلك: أن قوله "أنت طالق" [لفظه] (٣) لفظ خبرٍ على إيجاب وإيقاع، فإذا طلَّق اقتضى وقوع الحُكم مُطلقًا.
وإذا علق شرطًا وصفة تعلق بما علَّق له.
فإذا ثبت ذلك: نظرنا في قولِ القائل: "أنت طالق إن شاء الله تعالى" فقُلنا: لا يخلو هذا مِن أن يكون شرطًا أو استثناءً:
فإن كان شرطا وهو الذي يُوجبُهُ ظاهر الكلام في اللغة لأنَّ "إن" مِن أحرف الشرط كقولهِ "أنت طالق إنْ شاء زيد" فإذا ثبت أنَّهُ شرط وكُلُّ شرط عُلِّق الطلاق به ولا سبيل إلى العلم به فإنَّهُ يكون لغوًا ويصيرُ الكلام كالطلاق العارى من الشرط، كما لو قال: "أنت طالق إن كان الله خلق هذا اليوم حوتًا في بحر القلزم أو وُلد ببلاد الهند فيل"
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٠٩ ]
وما أشبهَ ذلك مما لا طريق إلى العلم به [فإنه يكون لغوًا ويحكم عليه بإيقاع الطلاق. فإذا كان ذلك كذلك لم تحل مشيئة الله تعالى لوقوع الطلاق من أن يكون لها طريقًا إلى العلم بها] (١).
فإن لم يكن [لها] (٢) طريق إلى معرفة ذلك بُطل تعليقُ الطلاقِ بهِ وكان لغوًا، فصار كأنَّهُ قال "أنت طالق" ولم يُعلِّق الطلاق بشىءٍ.
فإذا كانت معلومة لنا فلا سبيل لنا إلى ذلك لوقوع الفعلِ المُعلَّق بها فهو إذا قال: "أنت طالق" فقد لفظ بالطلاق وأوقعهُ.
وإذا قال "إن شاء الله": فقد علم أن مشيئة الله تعالى [خالصة] (٣).
إلى وقوع الفعل منهُ فوجبَ أن يُطلِّق، وهذا إذا كان شرطًا.
فإن كان استثناءً فذلك باطلٌ، لأنَّ الاستثناء إنَّما يكون في مستقبل الأفعال دون ماضيها.
وقولُهُ: "أنت طالق" لفظُ إيجاب وخبر عن إيقاع، فلا يصحُّ الاستثناء فيهِ، والدليل على ذلك أيضًا: أنَّ الاستثناء أضعف مِن الكفَّارة والكفَّارة أقوى منه لأنَّها تدخُل فيما [لا] (٤) يدخُل فيه الاستثناء ويُؤتى بها مُتصلة ومُنفصلة، وليس كذلك الاستثناء لأنَّهُ لا حُكم لهُ، إلا إذا اتَّصل باليمن ثُمَّ ثبت وتقرَّر أنَّ الكفارة التي هى أقوى [من الاستثناء] (٥) لا تدخُّل في الطلاق فكذلك الاستثناء.
فإن علَّق الاستثناء بمشيئة آدمى، فلا يخلو ذلك الآدمي مِن أن يكون
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: له.
(٣) في هـ: خاصة.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ٣١٠ ]
حيًا أو ميتًا:
فإن كان حيًا فلا يلزمُهُ الطلاق حتى يشاء من جُعلت إليه المشيئة.
فإن مات قبل أن تعرف مشيئته فلا شىء على الزوج وقدْ عُفِى مِن الطلاق.
وإن كان ميتًا والزوج عالمٌ بموتهِ فذلك يتخرّج على الخلاف في طلاق الهزل ونحن نذكره.
وإن لم يعلم فلا شىء على الزوج.
وإن علّقهُ بمشيئة ما لا تصح مشيئتهُ [ولا تدرك] (١) كالجمادات وغيرها مِن الحيوانات مثل: أن يقول لامرأتهِ: "إن شاء هذا الحجر" أو [ينشد] (٢) هذا الحمار: "قفا نبك مِن ذكرى. . . ." هل يلزمهُ الطلاق أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ لا شىء عليهِ، وهو قولُ ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّ الطلاق يلزمُهُ ويعدِ ذلك منهُ ندبًا، وهو قول ابن القاسم في "النوادر"، وبهِ أخذ سحنون.
وينبنى الخلاف على الخلاف: في طلاق الهزل هل يلزم أو لا يلزم؟
فمن قال أنَّ طلاق الهزل يلزم، قال في هذه المسألة: يلزم.
ومَن قال لا: يلزم [قال: لا يلزم] (٣)، في هذه [المسألة] (٤) أيضًا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: إن شاء.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ٣١١ ]
والوجهُ الثاني: أنَّهُ إذا كان الاستثناء [في عدد الطلاق] (١)، فلا يخلو مِن أربعة أوجه:
أحدهما: أن يستثنى جميع العدد.
[والثانى: أن يستثنى أكثره. والثالث: أن يستثنى أقله. والرابع: أن يستثنى من المستثنى. فإن استثنى جميع العدد] (٢) الذي طلَّق [امرأته] (٣)، مثل أن يقول لها أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا أو واحدة إلا واحدة، فلا يخلو مِن أن تكون [عليه بينة] (٤) أو لم تكن:
فإن كانت [عليه بينة] (٥)، هل يلزمُهُ الطلاق أم لا؟ فالمذهب يتخرج على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يلزمُهُ جميع العدد الذي طلّقهُ.
والثانى: أنَّهُ لا شىء عليه.
وهذا الخلاف يتخرج على الخلاف في طلاق الهزل، وذلك أنَّ استثناء الجميع [من الجميع] (٦) قد أتى فيهِ بما لا يُشبه فلا يُقبل منهُ.
وكقولهِ إن شاء هذا الحجر، هل يُعد ذلك منه ندم أم لا؟
فإن لم [تكن عليه بيِّنة] (٧) وإنَّما جاء مُستفتيًا فلا شىء عليهِ، ولا يلزمهُ مِن الطلاق شىء، لأنَّهُ طلاق بغير نيَّة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: ببينة.
(٥) في أ: ببينة.
(٦) سقط من أ.
(٧) في هـ: يكن ذلك ببينة.
[ ٤ / ٣١٢ ]
فإن استثنى أكثرهُ مِثل أن يقول [لها] (١) "أنت طالق ثلاثًا إلا اثنين" أو "اثنان إلا واحدة" هل ينفعُهُ الاستثناء أو لا ينفعهُ؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ ينتفع بذلك ويصح استثناؤُهُ وتلزمُهُ طلقةً واحدة [وهو قول محمَّد بن المواز] (٢).
والثاني: أنَّهُ لا يصحُّ استثناؤه ويلزمهُ جمي ما طلَّق، وهو مشهور المذهب.
وسبب الخلاف: اختلاف الأصوليين في استثناء أكثر الجُملة هل يجوز أو لا يجوز؟
فمن منعهُ قال: إنَّ ذلك صحيحٌ في اللفظ وقليلٌ في الاستعمال.
ومَن جوَّزهُ قال: فإنَّ موضع الاستثناء [أن] (٣) يخرج مِن الكلام ما لولاهُ لانتظمه، وهذا حاصل في الكثير كحصولهِ في القليل.
وكونهُ قبيحًا في نفسه أو قليلًا في الاستعمال لا يُؤثِّر، لأنَّ الكلام في الصحة لا في الحُسن والقُبح.
فإن استثنى أقل الجُملة مثِل أن يقولَ لها: "أنت طالق ثلاثا إلا واحدة" فلا خلاف في المذهب أنَّهُ ينتفع بذلك الاستثناء، وتلزمُهُ تطليقتان إذا حصلت [عنده شروط] (٤) الاستثناء على ما [وصفناهُ] (٥) في كتاب
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: بشروط.
(٥) في هـ: أوضحناه.
[ ٤ / ٣١٣ ]
"الأيْمان والنُذُور".
فإن استثنى مِن الاستثناء مثل أن يقول "أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين إلا واحدة" فلستُ أعرف في المذهب في هذه المسألة نصًا، والذي تقتضيه أصول مذهبنا أنَّهُ يلزمهُ اثنتان، كقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ فاستثنا مِن الاستثناء، وذلك جائزٌ في [كلام] (١) العرب.
واختلف المذهب عندنا في الاستثناء في طلاق مِن البتَّة أو مِن لفظ التحريم مثل أن يقول: "هى طالقٌ البتَّة إلا واحدة" و"هى عليهِ حرامٌ إلا واحدة"، هل يصح استثناؤُهُ أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يصحُّ، ولا يلزمُهُ إلا اثنتان، وهو قولُ أشهب في "العُتبيَّة" وسحنون وعبد الملك بن الماجشون.
والثانى: أنَّ ذلك الاستثناء لا يصحُّ، وإنَّما تلزمُهُ الثلاث، وهو قول سحنون في "المجموعة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في البتَّة، هل تتبعَّض أو لا تتبعَّض؟
فَمَنْ رأى أنَّها تتبعَّض، قال: يصحُّ الاستثناء.
وَمَنْ رأى أنَّها لا تتبعَّض، قال: لا يصحّ الاستثناء [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في هـ: لغة.
(٢) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٤ / ٣١٤ ]
المسألة التاسعة
في الطلاق بشرط التزويج. ولا يخلو ذلك مِن وجهين:
أحدهما: أنْ يعمَّ.
والثانى: أنْ يخُصَّ.
فأمَّا الوجهُ الأول: إذا عمَّ الجنس وقال: "كُلُّ امرأةٍ أتزوجها فهي طالق"، فلا يخلو ذلك مِن وجهين:
أحدهما: أن يضرب لذلك أجلًا.
والثانى: ألا يضربَ أجلًا.
فإن ضَرَبَ أجلًا فلا يخلو مِن أن يُقيِّدهُ بزمانٍ معلومٍ أو [يقيده] (١) بموتِ زيد.
فإن قيَّدهُ بزمان معلوم مِثل أن يقول "كُلُّ امرأةٍ أتزوجها إلى مُدَّةٍ معلومة"، فلا يخلو مِن أنْ يضرب لذلك أجلًا يبلغه عمره أو لا يبلغه:
فإن ضرب أجلًا يُبلُغهُ عُمُرهُ مثل أن يقول: "إلى عشرين سنة، وهو ابن ثلاثين سنة": فلا خلاف أعلمهُ في المذهب أنَّ الطلاق يلزمُهُ إنْ تزوج قبل الأجل إلا أن يخشى العنت على نفسهِ فيجوز لهُ أن يتزوّج عند ابن القاسم في "المُدوّنة"، ولا يجوز عند أشهب وابن وهب.
فإن ضرب أجلًا لا يبلُغُه [عمره] (٢)، فلا خلاف في المذهب أنَّ ذلك لا يلزمُهُ، ولهُ أن يتزوج أربعًا، خلافًا لأبي حنيفة في لُزوم الطلاق في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٤ / ٣١٥ ]
العموم والخصوص.
والدليل لمالك ﵀: أنَّهُ إذا عمَّ جميع النسوان أو ضرب أجلًا لا يبلغه عمره أو لم يضرب [أجلًا] (١) كونُهُ ضيَّق الواسع وسدَّ باب الإباحةِ على نفسه، فكان ذلك مِن باب الحرج والمشقَّة، وهذا من باب نذر المعصية والله تعالى يقول: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ وهكذا الحُكم فيما إذا لم يضرب أجلًا سواء.
فأمَّا إذا قيَّد الأجل بموت زيدٍ مثل أن يقول "كُلَّ امرأةٍ أتزوجها ما عاش [زيدٌ] (٢)، طالق" فهل يلَزمُهُ اليَمين؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك يلزمُهُ، وتُطلَّق عليهِ كُلُّ امرأةٍ تزوّج قبل موتِ فُلان، وهذا هو المشهور.
والثانى: أنَّهُ لا شىء عليهِ، لإمكان أن يموت الحالفُ قبل موت فُلان فيكون بمنزلة مَن عمَّ جميع الأزمنة.
وهذا الوجهُ يعم جميع النسوان الحرائر والإماء.
وأما الوجهُ الثاني إذا خصَّصَ، فلا يخلو مِن أربعةِ أوجه:
أحدها: أن يقع التخصيص بالأزمان.
والثانى: أن يقع التخصيص بالبُلدان.
والثالث: أنْ يقع التخصيص بأجناس النسوان.
والرابع: أن يقع التخصيص بالأعيان.
فالوجهُ الأول: إذا وقع التخصيص بالأزمان فقد تقدَّم.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: فلان.
[ ٤ / ٣١٦ ]
وأمَّا الوجهُ الثاني: إذا وقع التخصيص بالبُلدان مثل أن يُخصص بلدًا بعينها إمَّا بالحظْر وإمَّا بالإباحة، فلا يخلو ذلك مِن وجهين:
أحدهما: أن يكون يمينهُ على بِر.
والثانى: أن يكون على حنث.
فإن كانت يمينُهُ على بر مثل أن يقول "كُلُّ امرأةٍ أتزوجها إلا مِن بلدِ كذا طالق" أو قال: "كُلُّ امرأةٍ أتزوجها مِن بلد كذا طالق" هل يلزمُهُ الوفاءَ بذلك أو لا يلزمُهُ [وأن كُلَّ امرأة يتزوجهَا من تلك البلد أو من غيرها على اختلاف أم لا] (١)؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يلزمُهُ الوفاءُ بهِ، وأنَّ كُلُّ امرأة تزوَّجها مِن تلك البلد أو من غيرها على اختلاف ألفاظ يمينهِ هى طالق.
وهذا هو مشهور المذهب في النقل، وهو نصُّ "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ يلزمُهُ الوفاءُ بذلك، فلا يجوزُ لهُ النكاح ابتداءً، فإن نزل فإنَّهُ يمضي ولا يرد ويفوتُ بالدُخُول، وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة".
والقول الثالث: أنَّهُ يلزمُهُ الوفاء بذلك، ويجوز لهُ أن يتزوّج مِن تلك البلدة التي حَظَرها على نفسِهِ، وهو قول مالك في "مُختصر ما ليس في المُختصر".
وسبب الخلاف: مُعارضة القياس بخبرِ الواحد، وذلك أنَّ في حديث عمرو بن شُعيب عن جده قال: "لا طلاق إلا من بعد النكاح" وفي رواية: "لا طلاق فيما لا يَملك"، وعارضهُ القياس المصلحى وهو مِن
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٤ / ٣١٧ ]
باب تعليق الشرط بالمشروط.
وأمَّا إن كانت يمينُهُ على حنث مِثل قولُهُ: "إنْ لم أتزوج مِن بلدِ كذا أو إنْ لم أتزوَّج فُلانة، فكُلُّ امرأَةٍ أتزوجها طالق".
فهذا يفترق الجوابُ فيه.
فإذا قال: "إنْ لم أتزوّج فُلانة"، فلا شىء عليهِ فيما تزوج قبلها أو بعدها لأنَّهُ ضيَّق على نفسه كما لو استثنى بلدة صغيرة ليس فيها ما [يكفيه] (١) مِن النساء.
وأمَّا إذا قال: "إن لم أتزوَّج مِن بلدِ كذا فكُلَّ امرأةٍ أتزوّجها طالق" وكانت بلدةً كبيرة فيها ما يكفيه مِن النساء.
فإن تزوّج امرأةٍ مِن غيرها قبل أنْ يتزوّج منها هل تُطلَّق عليه أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يكون مؤليًا ممن تزوّج، وكأنه حلف بطلاقها "لأتزوجنَّ عليها مِن تلك البلدة" التي عيَّنها، وهو قولُ سحنون.
والثانى: أنَّها تُطلَّق عليه وهو قولُهُ في كتاب "محمَّد بن الموَّاز"، وهو ظاهر "المدوّنة" لقوله: "لزمهُ الحنث"، وبهِ قال بعض المتأخرين.
وأمَّا ما تزوَّج مِن غير تلك البلدة بعد أن تزوج منها فإنَّ نِكاحهُ جائزٌ، لأنَّ مقتضى يمينهُ فيما تزوج قبل أن يتزوج منها.
وأمَّا الوجهُ الثالث: إذا وقع التخصيص بأجناس النِّسوان، فلا يخلو من أنْ يُخصص الحرائر مِن الإماء [أو الإماء من الحرائر فإن خصص الحرائر من الإماء] (٢)، مثل: أن يقول:
_________________
(١) في أ: يكفيها.
(٢) سقط من أ.
[ ٤ / ٣١٨ ]
"كُلُّ [حرة] (١) أتزوَّجها فهي طالق"، هل يكون ذلك كما لو عمَ جنس النسوان أو يَعدُّ ذلك كالتخصيص بصفة [فالمذهب على قولين: أحدهما: أن ذلك كالتخصيص بصفة] (٢)، ويلزمهُ الطلاق في كُل امرأةٍ تزوجها، لأنَّهُ قد أبقى لنفسهِ جنسُ الإماء، ولاسيَّما على القول بجوازِ نكاح الأمة مع وجود الطول وعدم خوف العنت.
والثانى: أنَّ ذلك كعموم جِنس النِّساء، لأنَّ الاقتصار على الإماء ممَّا يُدرك منهُ الحرج قياسًا على عموم النكاح إذا أبقى التسرى، ولأنَّ المعرَّة تلحقُهُ بتزويج الإماء ويدرك بتسرِّيهنَّ ما يُدركُهُ أيضًا من المعرَّة في استرقاق الولد في النكاح، فكان النكاحُ في ذلك أشد فإن خصص الإماء من الحرائر مِثل أن يقولَ: كُلُّ [أمة] أتزوجها فلا خلاف أعلمهُ في المذهب أنَّه يلزمُهُ، لأنَّهُ أبقى لنفسهِ جنس الحرائر وهو الجنسُ المقصود بالنكاح على القول بأنَّهُ لا يلزمهُ إذا خَصَّصَ كجنس الحرائر، فيكونَ ذلك بمنزلة ما لو عمَّ.
فإن خصَّص جنس الحرائر بصفة مِثل: أن يقول: كُلَّ بكْرٍ أتزوّجُها" أو "كُلُّ ثيبٍ أتزوجها فهي طالق" أو "كُلُّ طويلة" أو "كُلُّ قصيرة" وما أشبهَ ذلك مِن الصفات التي يقع التخصيصُ بها ويصحُّ التمييزُ [لها] مِن غيرها.
أمَّا على القول بأنَّ الطلاق يلزمُهُ إذا خصَّص فلا خلاف أعلمهُ في المذهب أنَّ ذلك يلزمُهُ، لأنَّهُ أبقى جنسًا لنفسهِ فيهِ كفايةً عن غيرهِ.
واختُلف إذا قال: "كُلَّ بكرٍ أتزوْجها، فهي طالق" ثُمَّ قال بعد
_________________
(١) في أ: امرأة.
(٢) سقط من أ.
[ ٤ / ٣١٩ ]
ذلك: "كُلُّ ثيِّب أتزوّجها طالق"، فهل يُحكم لهُ بحكم العموم أو بحكم الخصوص؟
[على قولين: أحدهما: أن يحكم له بحكم الخصوص] (١) وأنَّ ذلك لازمٌ فيها جميعًا، وهو قولُهُ في كتاب "ابن الموّاز".
والثانى: أنَّهُ لا شىء عليه في اليمين الثانية، وهو اختيارُ محمَّد بن المواز والشيخ أبى إسحاق، وأكثَر المتأخِّرين، لأنَّ الثاني صار عمومًا يُؤدى إلى الحرج، فوجب أن يسقط كقولهِ: "كُلُّ امرأة". وإن كان الثاني لو انفرد لَلزِم. إلا أنَّهُ يُؤدى إلى الحرج والضيق، وهي العلَّة التي لأجلها مُنع العموم وسقط مُوجبُهُ.
وأمَّا الوجهُ الرابع: إذا وقع التخصيص بالأعيان مِثل أنْ يقصد امرأةٍ بعينها فلا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن يكون يمينهُ على برٍ.
والثانى: أن يكون على حنث.
فإن كان يمينهُ على بر مثل أن يقولَ: "إنْ تزوجت فُلانة فهي طالق" فذلك يلزمُهُ إذا تزوّجها على القول بأنَّ الطلاق يلزم إذا اشترط التزويج، وهو يعود عليه الطلاق متى تزوجها أو إنما تُطلق مرةً واحدة؟ فالحكم في ذلك يختلف باختلاف الألفاظ التي تركَّب منها يمينُهُ.
فإن قال: "إن تزوّجتها" أو "إذا" أو "متى" أو "متى ما" فذلك يقتضى مرةً واحدة إلا أنْ ينوى [بمتى ما] (٢)، [أن تكون بمنزلة] (٣)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: غيرها.
(٣) في أ: بمنزلة أن يكون.
[ ٤ / ٣٢٠ ]
كُلَّما على ما [نصف] (١) في حُكم "كُلَّما".
فإذا تمَّ العقدُ بينهما فُرق بينهما ساعتئذ، لأنَّ بتمام العقد وَقَعَ الطلاق السابق بالشرط، ويكونُ لها نصف الصداق.
فإن جهل الزوج ودَخَل بها كان لها صداقًا واحدًا لا صداقًا ونصفًا، خلافًا لأبي حنيفة الذي يقول: "لها صداق ونصف" وشُبهتهُ في ذلك أنَّ لها [بالعقد] (٢) نصف الصداق، فإن دَخل بها كان لها صداقٌ آخر.
ونحنُ نقول: "ليس لها إلا صداقٌ واحدٌ، لأنَّ الدُخول إنما وَقَعَ بالعقد المُتقدَّم، وهو دخول على وجه الشبهة، وكذلك لا يُحدُّ عندنا، والولدُ بهِ لاحق، ولاسيَّما على أحد قَولى المذهب "أنَّ ذلك لا يلزم".
وأمَّا "كلَّما": فإنَّها تقتضى التكرار كُلَّما تزوجها ولو بعد ألف مرَّة، غير أنَّها إنَّما يكونُ لها [نصف] (٣) الصداقُ حتى تُطلق ثلاث تطليقات.
فإذا تزوجها [في] (٤) الرابعة فلا شىء لها مِن الصداق ولا نصف ولا غيرهِ، إذْ لا يحلُّ العقدِ عليها حتى تنكح زوجًا غيرهُ.
وإذا تزوجت غيرهُ حلَّ لهُ العقدُ عليها وعادت إلى سيرتها الأُولى، فهكذا أبدًا حتى يموتَ أحدُهما.
قلتُ: كيف يجوز للشاهد الحُضور على هذا العقد الذي لا يُحصُلُ للزوج فائدتهُ ولا يجنى ثمرته ومآلَهُ إلى الفراق؟ فذهاب المال بغيرِ عِوَضٍ، ومحضُ العقد يُؤذن بالقصد إلى ذلك، وهو عبثٌ وسفة لمخالفة مشروعية
_________________
(١) في أ: نمد.
(٢) في أ: في العقد.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: من.
[ ٤ / ٣٢١ ]
النكاح الذي هو المقصود منهُ الواصلة والمؤالفة، ولهذا ينعقد للأبد ولا يجوز فيه الأمد، إذ لا يسمى عقدًا يلزمُ منهُ الطلاق، [ولا تستحق] (١) فيهِ المرأة نصف الصداق إلا بشهادة البينة، وكيف يسوغُ للبينة الحُضور على مِثل هذا العقد الذي ليس فيهِ من البر شىء، وإنما هو إعانة على ما لا ينبغى.
اللهمَّ إلا أنْ يكون صاحب "الكتاب" إنَّما تكلم على أمرٍ وقع ولم يتكلم على الابتداء والظنُّ به ذلك. والله أعلم.
فإن كانت يمينهُ على حنث مِثل أن يقول: "إن لم أتزوج فلانة، فكلُّ امرأةٍ أتزوجُها طالق" فهذا لا شىء عليه باتفاق المذهب لأنَّهُ حظر على نفسهِ نكاح كُلُّ امرأةٍ يتزوجها قبل أن يتزوج فُلانة وذلك مِن باب الحرج وسد باب الإباحة وهو داخل في باب العموم.
فرع ولو قال: "أول امرأة أتزوَّجها طالق" فإنَّ اليمين تلزمُهُ لأنَّهُ أبقى لنفسهِ ما بعد الأولى، ولا يحنث إلا في امرأةٍ واحدة.
ولو قال: "آخر امرأة أتزوجها طالق" هل يلزمُهُ ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ ذلك لا يلزمُهُ، [لأنه] (٢) كَمَنْ عمَّ تحريم جميع النساء ولم يبق مَنْ يتزوّج، وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة" و"الموّازيَّة".
والثانى: أنّ ذلك يلزمُهُ ويوقف عنها حتى إذا تزوّجها خوفًا ألا يتزوج عليها غيرها، فإنَّ تزوّج غيرها، حلَّت لهُ الأُولى
_________________
(١) في هـ: تستحق.
(٢) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٢٢ ]
[ويتوقف] (١) عن الثانية.
فإن تزوج ثالثة حلَّت لهُ الثانية ويوقف عن الثالثة.
فإنَّ تزوّج رابعة حلَّت لهُ الثالثة ويوقف عن الرابعة، وهو قولُ سحنون ومحمد.
وهذا القولُ أظهر في النظر. ووجهُهُ ظاهر، ووجهُ القول [الأول] (٢) أنَّه إن كان كلما تزوّج امرأة: فُرق بينهُ وبينها لاحتمال أن تكون هى آخر نسائهِ، فلا تستقر معهُ امرأة أبدًا وذلك يُؤدى إلى ألا يتزوج أصلًا [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في هـ: ويوقف.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٤ / ٣٢٣ ]
المسألة العاشرة
في الطلاق بالكتاب والنيابة فيه.
وأمَّا الطلاق بالكتاب فقد اختلف المذهب في الصفة التي يكتب [بها] (١) إذا كان الزوج غائبا على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يقول: "إذا جاءك كتابى هذا وأنتِ طاهر فأنت طالق" ولا يزيد على ذلك، فإنْ وصلَ الكتاب وهي طاهر وقع الطلاق.
وإن وصل وهي حائض بقيت زوجة، وهو قولُ ابن القاسم.
والثاني: أنْ يقول لها "إن كُنت حائضًا فأنت طالق إذا طهرت [من حيضتك] (٢) "، وهو قول أشهب في كتاب "محمَّد".
والثالث: أنَّهُ يكتب بإيقاع الطلاق يوم كتب الكتاب ولا يكتب "إذا طهُرت مِن حيضتِكِ بعد وُصول كتابى [إليك] (٣) فأنت طالق".
وهو قولُ [أحمد] (٤) بن المعدل في "المبسوط"، فإن كانت صغيرة [جاز أن يكتب] (٥) بإيقاع الطلاق الآن.
وسببُ الخلاف: اختلافهم في المنع مِن الطلاق في الحيض هل هو مُعلَّل أو غير مُعلل؟
فمن رأى أنَّهُ غيرُ مُعلَل قال: يكتب [على] (٦) ما ذهب إليه ابن
_________________
(١) في أ: إليها.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في هـ: محمَّد.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٢٤ ]
القاسم.
وَمَنْ رأى أنَّهُ مُعلَّل قال [يحرم] (١) عليه الطلاق من الآن وقد لا يصل الكتاب إلا وقد انقضت عدّتها.
فإذا ثبت ذلك فلا تخلوا حالة الزوج مِن أربعة أوجه:
إمَّا أنْ يكتب عازمًا على الطلاق.
وإمَّا أن يكتب وهو غير عازم على الطلاق وأخرجهُ عازمًا.
وإمَّا أن يكتبهُ غير عازم ويُخرجه غير عازم.
وإمَّا أن يكتبهُ غير عازم وأخرجه وهو لا يعلم هل كان عازمًا أم لا؟.
فالوجهُ الأول: إذا كتبهُ عازمًا على الطلاق فلا خلاف في لُزوم الطلاق ووقوعهُ مِن غير اعتبار بحالتهِ وقت إخراج الكتاب.
والوجهُ الثانى: إذا كتبهُ وهو غيرُ عازم وأخرجهُ وهو عازمٌ على الطلاق فالطلاق يلزمُهُ أيضًا بنفس إخراج الكتاب.
والوجه الثالث: إذا كتبهُ غير عازم وأخرجهُ غير عازم فهل يلزمهُ الطلاق إذا وصلَ الكتابُ إليها أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ الطلاق يلزمُهُ، وهو قولهُ في المُدوّنة.
والثاني: أنَّهُ لا يلزمهُ الطلاق إذا علم أنه إنما أخرجهُ لتنظرَ في ذلك وتؤامر.
وسببُ الخلاف: اختلافهم في الطلاق: لمجرد اللفظ هل يلزم أو لا يلزْم؟
فمن رأى أنَّهُ يلزم قال: يلزم الطلاق بوصول الكتاب.
_________________
(١) في أ: يجبر على أن يحرم.
[ ٤ / ٣٢٥ ]
ومن رأى أنَّهُ لا يلزم قال: لا يلزم [بوصول] (١) الكتاب، لأنَّهُ ليس معهُ إلا اللفظ الذي كتبهُ، وأدنى مراتبه أن يكون كالتعليق.
والوجه الرابع: وهو إذا كتبهُ غير عازم، وجهل الحال الذي أخرج عليهِ الكتاب، هل يلزم الطلاق بنفس إخراج الكتاب أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ الطلاق لا يلزمهُ، ولهُ أن يسترجع الكتاب ما لم يصل وهو ظاهر "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّ الطلاق يلزمهُ بنفسِ خروج الكتاب مِن يدهِ، لأنَّهُ كالناطق بهِ والإشهاد عليهِ، وهو قول مالك في غير "المُدوَّنة" وبهِ قال ابن الموّاز.
وأمَّا النيابة في الطلاق: فلا تخلو تلك النيابة مِن أن تكون رسالة أو وكالة أو تفويضا.
فإن كانت رسالة مثل أن يقول [للرجل] (٢): "أخْبر امرأتى بطلاقها" فالطلاق واقع بنفس القَول اتفاقًا بلَّغها الرسولُ أم لا.
وأمَّا الوكالة: إذا وكَّل رجلًا أن يُطلق امرأتهُ فلا خلاف أنَّ الطلاق لا يقع بنفس الوكالة حتى يُوقعهُ الوكيل أو الزوج إنْ أوقع الطلاق قبل الوكيل، وللزوج أن يعزل الوكيل عن الوكالة ويُسقط ما بيدهِ مِن النيابة متى شاء [كانَ] (٣) حاضرًا أو غائبًا.
وأمَّا التفويض: فهو أنْ يُفوِّض أمر امرأتهُ إلى رجلٍ في طلاقها، فهو كالوكالةُ في ذلك. يلزمُهُ الطلاق إذا طلقها المُفوِّض إليهِ غير أنَّ الزوج ليس
_________________
(١) في أ: في.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٢٦ ]
لهُ أن يعزِله ويُزيل ذلك مِن يدهِ، كما يفعل بالوكيل، وإنَّما يُزيل ذلك مِن يدهِ السُلطان بوقفه.
إمَّا أنْ يُطلَّق، وإلا ردَّ ما بيده، ويعودُ الحكم في ذلك إلى الزوج آخرًا كما كان لهُ أولا.
فعلى هذا تحمل أحكام النيابة في الطلاق.
والحمد لله وحده.
[ ٤ / ٣٢٧ ]
المسألة الحادية عشر
في طلاق المريض.
قال [الشيخ] (١) أبو محمَّد بن أبي زيد ﵀: "ولمَّا منع الرسول ﵇ المريضَ مِن التصرُّف في ثُلُثى مالهِ، لم ينقص ورثتهُ ما كان ممنوعًا أنْ يدخل عليهم وارثًا أو يخرج منهم وارثًا، ولمَّا منعَ رسول الله - ﷺ - أيضًا قاتل العمد مِن الميراث، لما أحدثَ مِن القتل ينبغى ألا يكون المريض مانعًا لزوجته الميراث بما أحدث مِن الطلاق، إذْ لا فرق بين الوارثين. أحدهما يدخلُ الميراث بوجهِ فيْمنع لأجلهِ، وآخر قد أخرج بغير ذلك الوجه".
وهذا الذي قالهُ الشيخ [أبو محمَّد] (٢) في القاتل مِن باب الاستدلال بالعكس، وقد اختلف الأصوليون [في القول به] (٣).
وقد قضى عثمان ﵁ بتوريث المُطلَّقة في المرض بمحضرٍ مِن المهاجرين والأنصار ﵃ أجمعين.
فإذا أثبت ذلك: فلا يخلو مِن أن يُطلِّقها وهو مريض، أو يُطلِّقُها وهو صحيح إلا أنَّهُ في حُكم المريض.
فإن طلَّقها وهو مريض فلا يخلو مرضة من ثلاثة أوْجُهٍ:
أحدها: أن يكون مرضهُ مرضًا غير مُخوِّف ولا مُطاول.
والثانى: أن يكونَ مُخوفًا غير مُطاول.
_________________
(١) زيادة من جـ، ع، هـ.
(٢) زيادة من هـ.
(٣) في أ: فيه.
[ ٤ / ٣٢٨ ]
والثالث: أن يكون مُطاولًا مُخوِّفًا.
فالجواب عن الوجه الأوَّل: إذا كان مرضُهُ غيرُ مُخوفٍ ولا مُطاوِل، فطلَّقها فيهِ ثُمَّ مات مِن ذَلك المرض فلا يخلو من أن يموت قبل انقضاء العدَّة أو مات بعد انقضائها.
فإن مات قبل انقضاء العدَّة فإنَّها ترثَهُ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الطلاقُ رجعيًا أو بائنًا أو بتاتًا، لأنَّهُ قد تبيَّن أنَّهُ مرضُ [موتٍ] (١).
وإن مات بعد انقضاء العدَّة فلا ميراث لها منهُ.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان المرضُ مُخوِّفًا غيرُ مُطاول فلا يخلو مِن أن يكونَ الطلاقُ بإيثارِ الزوج واختيارهِ أو يكون بغيرِ اختيارهِ.
فإن وقع الطلاق باختيار الزوج وإيثارِه ثُمَّ مات مِن ذلك المرض فإنَّها ترثُهُ وإن انقضت العدَّة، من غير اعتبارٍ بصفة الطلاق إن كان بائنًا أو بتاتًا، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الزوج [ممن] (٢) تتطرَّق إليه التُّهمة أو لا تتطرَّق إليهِ.
لأنَّ ذلك مِن باب سدِّ الذرائع، والقاعدة إذا [أُثبتت] (٣) لا تنقضها إحدى [المسائل] (٤)، وقد طلَّق عبد الرحمن بن عوف زوجتهُ [تماضر] (٥) حين مرِض وكان ذلك آخر طلاقها، فمات مِن ذلك المرض فَوَرَّثُهَا عُثمان ابن عفَّان ﵁ مِن تركة عبد الرحمن. فقيل لهُ: أتتهم أبا محمَّد؟ فقال: "لا ولكنَّها السُّنَّة يهاب الناس الفرار مِن كتابِ اللهِ تعالى".
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في هـ: أسست.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٢٩ ]
فإن وقع الطلاق بغير اختيار الزوج فلا يخلو من أن يكون للزوج في ذلك [سبب] (١) أو لا سببَ لهُ.
فإن كان للزوج في ذلك سببٌ [كالمعسر بالنفقة تطلق عليه زوجته وهو مربص ثم مات من ذلك المرض بعد انقضاء العدة وبعد أن أفاد مالًا فإنها ترثه كالطلاق الذي له فيه سبب اختيار ولا يبعد دخول الخلاف فيه بالمعنى فإن كان للزوج في ذلك بسبب] (٢)، فلا يخلو مِن أن يكون للزوجة في ذلك سببٌ أو لا سبب لها.
فإن كان لها فيه سبب مِثل أن يقول لها في صحَّته: "إنْ دخلت الدار فأنت طالق" فدخلتها وهو مريض أو قال لها: "إنْ فعلتِ كذا فأنت طالق" ففعلتهُ وهو مريضٌ معصيةً وخلافًا فمات مِن ذلك المرض، فهل ترثُهُ أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّها ترثُهُ، وهو قولُ مالك في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّها لا ترثُهُ، وهو قولُ مالك في كتاب "المدنيين".
ولا شكَّ ولا خفاء أنَّ الزوج من ذلك لم يقصد إلى الفرار ولا تلحقُهُ التهمة في ذلك غير أنَّ هذا مِن تفاصيل القاعدة.
فإن كان ممَّا لا سبب لها فيه إلا أنَّ للزوج فيهِ سبب في الصحَّة مِثل أن يقول لها في [صحته] (٣): "إذا قدم فُلان فأنت طالق" فقدم فُلان وهو مريض ثُمَّ مات مِن ذلك المرض فإنَّها ترثُهُ، ولا خلاف في المذهب أعلمُهُ نصا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: صحة.
[ ٤ / ٣٣٠ ]
واختُلف في الزوجة إذا كانت أمة أو نصرانية فطلَّقها في المرض ثُمَّ أعتقت الأمة وأسلمت النصرانية بعد انقضاء العدَّة على قولين:
أحدهما: أنَّهما ترثانهِ، وهو قول محمَّد.
والثانى: أنَّهما لا ترثانهِ، وهو قول عبد الملك في "المبسوط".
وهذا الخلاف يتخرّج على الخلاف في نكاح المريض إياهما في المرض:
فَمَنْ جوَّز نكاحهُما قال: هاهُنا لا يرثان.
ومَنْ منعَ نكاحهما قال: يرثان.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان مرضه مرضًا مُخوِّفًا مُتطاولًا كالسُّل والاستسقاء وحُمَّى الريع وما أشبه ذلك فطلَّقها وهو في ذلك المرض ثُمَّ مات منه، فلا يخلو مِن أن يعقَبهُ الموت قبل المُطاولة أو [مات بعد المطاولة. فإن عقبه الموت قبل المطاولة و] (١) قبل انقضاء العدة أو بعدها فلا خلاف في المذهب أنها ترثه.
فإن عقبهُ الموت بعد المُطاولة، فهل ترثُهُ أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّها ترثُهُ، وهو مذهب "المُدوّنة"، لأنَّهُ قال: "إذا تزوّجت بعد الأول أزواجًا، [كلهم] (٢) يُطلِّقُها وهو مريض، ثُمَّ تزوّجت آخر، والذين تزوجوها أحياء أنَّها ترثُهُم [كُلّهم] (٣) "، وبه قال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب، وإن كان بعضُّ [حذاق] (٤) المتأخِّرين يُضعِّف هذا الاستقراء مِن "المُدوّنة".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: كلٌ.
(٣) في هـ: جميعهم.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٣١ ]
قال: "والذي في الكتاب [يتفق أن يكون في المدة القرابية أو يكون جميعهم لم يدخل بها واتفق مرض كل واحد منهم بإثر عقد نكاحه أو تفترق الحالات] (١) فيكون الأوَّل [دخل] (٢) وتركها حاملًا فولدت مِن الغد ونحوه، ثُمَّ تزوّجت آخر فمِرض [لأمد] (٣) قريب، ثُمَّ ثالث فجرح جُرحًا مِرض منهُ وهكذا إلى ما لا يتناهى، وقد يتَّفق في الأيام اليسيرة، [وقد] (٤) يتصور مثل هذا في اليوم الواحد" والذي قالهُ ﵁ صحيحٌ ظاهرٌ، لا مِراء فيهِ.
والثانى: أنَّها لا ترثُهُ وأنَّ [حكمه] (٥) حكمُ [الصحيح] (٦)، وهو قول عبد الملك بن الماجشون في "المبسوط".
وأمَّا الوجهُ الثاني: إذا طلَّقها وهو صحيح إلا أنَّهُ في حُكم المريض فإنَّ ذلك يختلف.
فمِنهُ ما هو متفقٌ عليهِ.
ومنهُ ما هو مختلفٌ فيه، وذلك على حسب قوة الخوف عليهِ في الحالة التى هو فيها.
فإذا قرب للقتل في حقٍ وجب عليه إمَّا قصاصًا، وإمَّا حرابة، وأعتق أو عمل عملًا إذا عمله المريض يكون مصروفًا إلى ثُلُثهِ، فحُكمهُ حُكمُ المريض.
_________________
(١) في أ: يحتمل أن تكون مع الحالة.
(٢) سقط من أ.
(٣) في هـ: لأجل.
(٤) في أ: بل.
(٥) في أ: حكمها.
(٦) سقط من هـ.
[ ٤ / ٣٣٢ ]
فإن طلَّق امرأتهُ في تلك الحالة ورثَتهُ.
وإن أعتق عبدهُ أو تصدَّق أو وهب فذلك كُلُّهُ مصروفٌ إلى الثُلُث، ولذلك يتحقّق الخوف ويوقع ما منهُ الخوف.
ولا خلاف في المذهب في هذا الوجه.
واختلف المذهب في راكب البحر في حال [النوء] (١) الشديد إذا حصل في اللجة، وراكب النيل أو الدجلة، في حال الهول، هل هو كالصحيح في أفعالهِ أو هو كالمريض؟ على قولين منصوصين في "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ كالصحيح وأنَّ أفعالهُ مِن رأسِ المال، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّها مِن الثُلُث وحكمهُ حُكم المريض، وهي رواية ابن نافع عن مالك.
واختلف في حاضر الزحف هل يُحكم لهُ بِحكم مَنْ قرُب للقتلِ فيكونُ كالمريض قولًا واحدًا أو يحكم لهُ بِحكم راكب البحر؟
فيتخرَّج [الخلاف] (٢) على قولين:
أحدهما: أنَّهُ كالذى قرب للقتل، وهو قولُ مالك في المُدوّنة.
والثانى: أنَّهُ كراكب البحر، وهو قولُ قياسى، وحكاهُ الشيخ أبو الحسن اللخمى، وقد وقع في "المُدوّنة" لفظٌ مُشكل اضطربت في شرحه آراء المتأخرين وهو قولُهُ: "وَمَنْ قُرب لحد مِن قطع يدٍ أو رجلٍ أو جلدٍ، فطلَّق حينئذٍ ثُمَّ مات مِن ذلك".
_________________
(١) في هـ: الهواء.
(٢) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٣٣ ]
[حيث] (١) قال: "فإن خيف عليه مِن ذلك الموت فهو كالمريض"، فاختلفوا في ذلك على خمسة أقوال كُلُّها مُتأولة على [المدونة] (٢):
أحدها: أنَّ ذلك اختلاف قولٍ منهُ، لأنَّهُ قال في "كتاب القطع في السرقة" و"كتاب الرجم": "إنْ خيف عليه الموتُ مِن الحر أو البرد لم يُقطع، وظاهر قولُهُ في هذا الكتاب أنَّهُ يقطع.
والثانى: أنَّهُ لم يقصِد إلى جوازِ حدهِ، وإنما أجاب على القول الذي سُئل عنهُ، إذ لو سُئل هل يُقام الحدُّ على مَن هذه [حالته] (٣)؟
لقال: لا.
[وقد] (٤) وقع [له] (٥) مِثل هذا في "المُدوّنة" في مواضع كثيرة منها: ما وقع في "كتاب المُرابحة" إذا اشترى أمةً فولدت عندهُ حيثُ قال: "لا يبيع الأُم مُرابحةً ويحبس الولد [إلا أن] (٦) يتبيَّن" وذلك بعينهِ بيع التفرقة.
ومنها: ما وقع في "كتاب الشركة": [في الشركة] (٧) في حفر قبور الجاهلية، فقال: "إذا كان لا يغتر فإن الشركة جائزة"، وقد أجاب في غير ما موضع أنَّ حفرَ قُبور الجاهلية مكروهٌ، إلا أنَّهُ أجاب هناك على حُكم الشركة على الجملة.
والقولُ الثالث: أن ذلك إنَّما يتخرج على مذهب مَن يراهُ صوابًا مِن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: الكتاب.
(٣) في أ: حاله.
(٤) في أ: والذي.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: حتى.
(٧) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٣٤ ]
الحكام أو مكن يجهل ذلك منهم إذا وقع.
والرابع: أنَّ معنى ذلك بعد إقامة الحدِّ عليهِ.
قال الشيخ أبو الحسن بن القابسى: قال الشيخ أبو القاسم بن محرز: وهذا إحالة المسألة مِن وجهين:
أحدهما: أنَّهُ قال في السؤال قُرِّب لضرب الحد.
والثانى: قياس ابن القاسم لها على حاضر الزحف الصحيح [وراكب البحر] (١)، فحكمَ [له] (٢) بحُكمها، قال: "ولو كان كما قال، لكان مريضًا، لا يختلف في فعلهِ".
والقول الخامس: أنَّ الخوف إنَّما حدث منهُ وأدركهُ مِن الجزع والفزع ما يُدرك حاضر الزحف وراكب البحر، وهو تأويل الشيخ أبى محمَّد بن أبي زيد ﵀، وهذا أشبه وأولى من تأويل غيره.
[اعتراض] (٣) فإن قيل: لِمَ اتهم المريض [بطلاق] (٤) امرأتهِ [في] (٥) ميراثها، ولم يتهم في صداقها، إذا كان الطلاقُ قبل البناء حيثُ لم يجعل لها إلا نصف الصداق، وما الفرق بين الميراث والصداق عندكم، والتهمة إذا تحقَّقت عندكم وجب العملُ بمقتضاها من غير [تبعيض] (٦).
فالجواب عن ذلك أنَّ الميراث إنَّما اتُّهم فيهِ لأنَّهُ حقٌ مِن حقوق الله تعالى وفرضٌ مِن فروضهِ، فلو سُوِّغ لهُ الطلاق في مرضهِ لكان ذلك ذريعة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: لها.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: في طلاق.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٣٥ ]
إلى مخالفتهِ حُكم الله فى إسقاطِهِ فرضِهِ.
ووجوبه يختص بالموت، [فقويت] (١) التهمة على المُطلق عند حصول سببه.
والصداقُ أمرٌ يجبُ بِحكم المُعاوضة والتراضى على قدره، وليس جميعُهُ مُقدَّر بفرضِ الله تعالى، وإنَّما مجراه فيما يزيد على ربع دينار مجرى حقوق الآدميين [من الديون] (٢) وغيرها، ولم يحافظ عليهِ بتُهمة الزوج كما يحافظ على الميراث.
[ولأن] (٣) الناس قد اختلفوا فى وجوب الصداق.
فمنهم مَن يقول: "نصفهُ واجب بعد النكاح".
ومنهم مَن يقول: "كُلُّهُ واجب بالعقد".
ومنهم مَن يقول: "بل جميعُهُ مترقب لأنَّ النكاح مُعرَّض [للفسخ] (٤) ".
والقائل بأنَّهُ يستقر عليه جميعُهُ [بالعقد] (٥) يقول: له أن يسقط عن نفسه نصفهُ بالطلاق قبل البناء ولا تُهمة فى ذلك، لأن الصداقَ لم يزل واجبًا بالعقد، والزوج لم يزل مالِكًا للإسقاط بخلاف الميراث الذى لا يجب إلا بالموت.
فإذا حضر السبب مُنع الزوج مِن الطلاق [والله أعلم] (٦)، وهكذا
_________________
(١) فى هـ: فقوت.
(٢) سقط من أ.
(٣) فى أ: قال.
(٤) فى أ: للفسوخ.
(٥) سقط من أ.
(٦) زيادة من ع، هـ.
[ ٤ / ٣٣٦ ]
رأيت لبعض المتأخرين.
فرع: ومنْ تزوَّج امرأتين فَبَنَا بإحداهما [ثم طلق إحداهما] (١)، فمات فلا يخلو مِن ثلاثة أوجه:
إمَّا أن تعلم المدخول بها وجهلت المُطلَّقة.
وإمَّا أن تعلم المُطلَّقة وجهلت المدخولُ بها.
وإمَّا أن يجهلا جميعًا المُطلَّقة والمدخول بها.
فإن علمت المدخول بها وجهلت المُطلَّقة فلا يخلو مِن أن يكون الطلاق رجعيًا أو بائنًا.
فإن كان الطلاق رجعيًا، فلا يخلو من أن يعثُر على ذلك قبل انقضاء العدَّة أو بعد انقضائها.
فإن عثر على ذلك [قبل] (٢) انقضاء العدّة فللتى دخل بها الصداق كاملًا وثلاثة أرباع الميراث.
وللتى لم يدخل بها ثلاثة أرباع الصداق ورُبع الميراث.
وبيانُ ذلك أن الكلام في الصداق بين النساء والورثة، والكلام في الميراث بين النساء خاصة، وذلك أنَّ المدخول بها تقول للورثة "هب أنِّي أنا المُطلَّقة" [أليس أن المُطلَّقة بعد البناء يجبُ لها جميع الصداق، وغيرُ المدخول بها تقول: هب أنِّى أنا المُطلقة] (٣) والمطلقة قبل البناء يجب لها نصفُ الصداق.
فإذا أخذت النصف رجع الخصامُ بينها وبين الورثة في النصفِ الباقي،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: بعد.
(٣) سقط من هـ.
[ ٤ / ٣٣٧ ]
هى تقول: "صاحبتى هى المُطلَّقة"، والورثة [يقولون] (١): "أنت المُطلَّقة فتجادت الدعاوى وتساوت الأقدام في النصف الباقي فيُقسَّم بينهما بعد التحالُف.
وَمَنْ نكل منهما سقط حقُّهُ منهُ. إن نكلت هى أخذت النصف [خاصة] (٢)، وإنْ نكل الورثة أخذت جميع الصداق، وبهذا الوجه أخذت ثلاثة أرباع الصداق.
وأمَّا الميراث: فإنَّ المدخولُ بها تقول لغير المدخول بها: "هبى أنِّى [أنا] (٣) المُطلَّقة أليس أن لي نصف الميراث حقًا" قالت: "نعم".
فإذا أخذت النصف عاد التداعى بينهما في النصفِ الباقي كُلِّ واحدة تدَّعى أن صاحبتها هى المُطلَّقة فتساوت الدَّعاوى، فيُقسَّم بينهما نصفين، فيصبح للمدخولِ بها ثلاثة أرباع الميراث ولغير المدخولِ بها رُبع الميراث.
وهكذا الحُكم في الوجهِ الثاني: إذا علمت المُطلَّقة، وجهلت المدخولُ بها. فللتى لم تُطلَّق جميع الصداق وثلاثة أرباع الميراث، وللتى طُلِّقت ثلاثة أرباع الصداق ورُبع الميراث.
وذلك أنَّ التي لم تُطلَّق تقولُ للورثة: أنا أستحقُّ جميع الصداق بالموت وإن كنت غير المدخول [بها]، والتي طُلِّقت تقول: احسبوا أنى أنا غير المدخول بها أليس لي نصف الصداق؟
وإذا أخذت النصف رجع التداعى بينهما وبين الورثة في النصف الثاني،
_________________
(١) في أ: تقول.
(٢) في أ: خالصة.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٣٨ ]
هى تقول [أنا المدخول بها فلى جميع الصداق والورثة يقولون: صاحبتك هى المدخول بها فليس لك إلا نصف الصداق فيقسم النصف بينهما] (١) "وأمَّا الميراث فغير المُطلقة لها نصفُ الميراث في كلِّ وجهٍ" ويبقى التنازعُ بينهما وبين صاحبتها في النصف الثاني كُل واحدةٍ تقول: "أنا المدخولُ بها في [الجميع] (٢) " ويتحالفان ويتقاسمانهِ [بينهما] (٣).
فإن حلفت المُطلقة ونكلت الأخرى كان لها ذلك النصف.
فإن نكلت وحلفت المدخول بها، كان لها جميع [الميراث] (٤).
فإن انقضت العدَّة أو كان الطلاق بائنًا كان الصداق على ما ذكرنا والميراث بينهما نصفين لعدم المزيَّة.
وأمَّا إذا جهلت المُطلّقة وجهلت المدخول بها كان لهما صداقان إلا رُبع يقتسمان نصفين لكلِّ واحدةٍ [منهما] (٥) صداق إلا ثُمن.
وأمَّا الميراث: فالرُبع أو الثمن بينهما نصفين على حسب الفريضة إن كان فيها [من يحجبها] (٦) عن الرُبع أو لا.
ولهذه المسألة فروع كثيرة أضربتُ عن ذكرها وإيرادها مخافة التطويل [والحمد لله وحده] (٧).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: جميعه.
(٣) سقط من هـ.
(٤) في أ: الصداق.
(٥) في أ: منهن.
(٦) سقط من هـ.
(٧) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٤ / ٣٣٩ ]
المسألة الثانية عشرة
في الشهادة [على] (١) الطلاق: ولا يخلو الزوجُ مِن أن يكون مُقرا بالطلاق أو جاحدًا لهُ.
فإن جحد فلا يخلو مِن أن تشهد عليه [البينة بالطلاق أو لا تشهد عليه] (٢).
فإن اعترف الزوج فلا إشكال [بأنه] (٣) يحكم عليه بمقتضى ما اعترف بهِ مِن الطلاق.
فإن جحد ولم تشهد عليه البينة فلا يمين عليهِ باتفاق المذهب وذلك لسدِّ الذريعة، إذْ لو مكنَّا النساء مِن ذلك لو شاءت واحدةٌ منهنَّ أن تُحلِّف زوجها في كلِّ يومٍ مائة مرة لفعلت.
فإن كان الطلاقُ الذي تدَّعيهِ على الزوج ثلاثًا فقد قال مالك في "المُدوّنة": "لا تتزيَّن له ولا يرى شعرها ولا وجهها ولا صدرها إن قدرت، ولا يأتيها إلا [وهي] (٤) كارهة".
وقولهُ: "لا يرى وجهها" [فنهاها] (٥) مالك أن تمكِّنهُ من رُؤية وجهها، ومعناهُ: أن يراهُ على وجه التلذذ بها، لأنَّ النظر إلى وجهها مُحرَّمٌ على الجملة، ولا خلاف أنَّ وَجهَ المرأة ليس بعورة. وقد قال مالك
_________________
(١) في هـ: في.
(٢) سقط من أ.
(٣) في هـ: أنه.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: جـ: فنهى.
[ ٤ / ٣٤٠ ]
في "كتاب الطهارة" من "المُدوّنة": "لا بأس أن ينظر الزوج إلى وجهها، وقد يرى غير زوجها وجهها، وإنَّما منع من النظر إلى وجهها للَّذة مخافة الفتن".
واختُلف إذا قدرت على قتلهِ هل يسوغُ لها إذا أمنت مِن القصاص؟ على قولين:
أحدهما: أنَّ ذلك لها. كالغاصب والعادى والمُحارب، وهو قولُ ابن الموَّاز.
والثانى: أنَّهُ لا يجوز لها قتلُهُ ولا قتل نفسها، وهو قول سحنون.
وفي المسألة قول ثالث: بالتفصيل بين أن يطأها أو لا يطأها.
فإن وطئ أُبيح قتلُهُ.
وفيها قولٌ رابع: بالتفصيل بين أن يكون ذلك عند [إرادته] (١) غشيانها أو قبل.
فإن كان ذلك قبل [إرادته] (٢) غشيانها فلا يحلُّ لها قتلُهُ.
وإن كان ذلك عند محاولة إتيانها حلَّ لها الدفعُ عن نفسها وإن أدى ذلك إلى قتلهِ، وهو قولُ مالك في "كتاب الحجُّ [الثاني] (٣) " مِن "المُدوّنة": فيمن أراد قتل رجلٍ فدافعهُ عن نفسه فقتله "أنَّهُ لا شىء عليهِ"، ولا فرق بين من طلب [روح] (٤) الإنسان أوَ مالهِ أو طلبَ منهُ ما لا يحل.
_________________
(١) في أ: إرادة.
(٢) في أ: إرادة.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٤١ ]
فيتحصَّل في المسألة أربعة أقوال:
أحدها: أنَّ ذلك لا يجوز لها جُملةً.
والثانى: أنَّ ذلك جائزٌ لها [جملة] (١).
والثالث: التفصيل بين أن يَتقدَّم [له منها] (٢) وطء بعد الطلاق أم لا.
والرابع: التفصيل بين أن يكون ذلك [عند] (٣) مُحاولة إتيانها أو قبل المحاولة.
والأقوال كلها ظاهرة، إلا قول ابن الموّاز الذي قال: "لها أن تقتُلهُ قبل الفعل".
فإن شهدت عليهِ البينة بالطلاق فلا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن يكون الطلاق مُطلقًا.
والثانى: أن يكون الطلاق مقيَّدا.
فإن كان الطلاق مُطلقًا فلا يخلو مِن أن تثبت البيِّنة على عين المُطلَّقة [أو ينسوها] (٤).
فإن ثبتت البيِّنة على عين المُطلَّقة فلا يخلو مِن أن تكون البيِّنة حاضرة معهُ أو غائبة عنهُ:
فإن كانت [البينة] (٥) حاضرة مع الزوج فلا يخلو مِن وجهين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: لها.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: بعينها.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٤٢ ]
إمَّا أن يرفعوا شهادتهم إلى الإِمام.
أو لا يرفعوها إلا بعد موت الزوج.
فإن رفعوا شهادتهم في حين الطلاق فلا يخلو مِن أن تتفق شهادتُهُما على عددٍ أو تختلف:
فإن اتفقت شهادتهما على عددٍ فلا خلاف أنها تلفق ويلزمهُ ما شهدا بهِ عليهِ.
وإن اختلفت شهادتهما عليهِ مِثل أن يشهد أحدهما بثلاث تطليقات، وشهد الآخر بواحدة. فإنَّ شهادتهما تُلفَّق. وتلزمُهُ تطليقة واحدة، لاجتماعهما عليها، ويحلف الزوج على التطليقتين الباقيتين لانفراد شهادة الشاهد الواحد بها.
فلو شهد أحدهما بواحدةٍ والآخر بالبتة، فهل تُلفق شهادتهما أو لا تُلفق؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ شهادتهما لا تُلفق، وهو قولُ مالك ﵀: "ويحلف [مع] (١) كُلُّ واحد منهما"، قال سحنون: "وإلى هذا ذهب جميع أصحاب مالك إلا "المُغيرة" فإنَّهُ قال: تلفَّق شهادتهما، وهو القول الثاني: أنَّهُ تلزمُهُ واحدة لاجتماعهما عليها، وهو ظاهر "المُدوّنة".
فإن لم [يدفع شهادتهما] (٢)، حتى مات الزوج، ينبغى ألا تجوز
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: يدفعوا شهادتهم.
[ ٤ / ٣٤٣ ]
[شهادتهما] (١)، وترث الزوجة مِن زوجها وتعتَّد منهُ عدَّة [الوفاة] (٢)، وهو ظاهر المذهب لاسيما على مذهب ابن القاسم الذي يقول أنَّ: "الشهادة تجاز على المشهود" على ما سُنبيِّنهُ في "كتاب الشهادة" إن شاء الله، وهو نص قولُ يحيى بن سعيد في "المُدوّنة" في آخر كتاب "الأيْمان بالطلاق" ويُؤخذ أيضًا مِن كتاب النكاح الأوّل في باب نكاح السر.
فإن كانت البيِّنة غائبة عن الزوج ثُمَّ جاءت [البينة] (٣) بعد ذلك وشهدوا عليه بطلاق زوجتهِ وحكم عليه بطلاقها، فهل تبتدئ العدَّة من حُكم عليها بالطلاق أو من يوم ورخ الشهود بشهادتهم؟ فالمذهب يتخرَّج على قولين:
أحدهما: أنَّها تبتدئ العدَّة مِن يوم ورخت البيِّنة، وهو ظاهر قول الغير في: العبد. في كتاب "العتق" وغيره.
والثانى: أن العدَّة مِن يوم الحُكم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في هذا الكتاب [وفي الكتاب] (٤) المذكور.
وأمَّا إذا شهدت البِّينة على رجلٍ أنَّهُ طلَّق امرأةً مِن نسائه وقالوا: نسيناها، هل يلزمُهُ الطلاق أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلُّها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّهُ لا شىء عليهِ جملةً، وهو قولُ ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّ الطلاق يلزمُهُ فيمن عنده من النساء، وهو ظاهر "المُدوّنة" في نسيان الزوجُ عين المُطلَّقة.
_________________
(١) في هـ: شهادتهم.
(٢) في أ: الفوات.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٤٤ ]
والثالث: أئهُ يُحال بينهُ وبينهنَّ، ويُسجن حتى يقر بالمُطلَّقة، لأنَّ البيِّنة قطعت بأنَّ واحدةً منهنَّ حرام، وهو اختيار اللخمى، وهو ظاهر "المُدوّنة": فيما إذا شهد عليه واحد بطلاق امرأتهِ ونكل عن اليمين.
وعلى القول بأنَّهُ لا شىء عليهِ ولا يلزمُهُ الطلاق، هل يحلف أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يحلف ما طلَّق واحدةً منهنَّ، وهو قولُهُ في "المُدوّنة".
والثانى: [أنه] (١) لا يمين عليه، وهو قول ابن الموّاز.
فإنْ شهد عليه شاهدٌ واحد أنَّهُ طلَّق زوجتهُ، والزوج مُنكر، فإنَّ الزوج يحلفُ ويبرأُ، ولا خلاف في المذهب في ذلك وإن [كان] (٢) ذلك خلاف الأصول، لأنَّ اليمين مع الشاهد إنَّما هو في الأموال، ويحلف المدَّعى [على] (٣) شاهده [في الطلاق] (٤).
وفي هذه المسألة: الزوجُ المشهود عليه، إلا أنَّ الأثر وَرَدَ عن النبي - ﷺ - أنَّ المرأة إذا قامت بشاهدٍ واحد [على زوجها] (٥)، أنَّ الزوج يحلف.
واختُلف إذا نكلَ الزوج عن اليمين، هل يلزم الزوج الطلاق أم لا؟
فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة مِن "المُدوَّنة":
أحدها: أنَّهُ يُعجَّل عليه الطلاق في الحال، وهو قول مالك في "المُدوَّنة".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: مع.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٤٥ ]
والثانى: أنَّهُ يُسجن حتى يحلفُ عليه وإن كان سجنُهُ أبدًا، وهو قولُ مالك في "المدوَّنة" أيضًا.
والثالث: أنَّهُ إن طال سجنُهُ خُلى بينهُ وبين امرأتهِ، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والقول الرابع: أنَّهُ إنْ طال سجنُهُ دخل الإيلاء، لأنَّهُ مضار على رواية ابن نافع. عن مالك ﵀.
وسبب الخلاف: اختلافهم في النكول مع الشاهد، هل هو كاليمين مع الشاهد أم لا؟
وأمَّا الوجهُ الثاني: إذا كان الطلاقُ مُقيدًا، فلا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن يكون مُقيدًا باليمين.
والثانى: أن يكون مُقيدًا بالمال [فإن كان مقيدًا باليمين] (١) مثل: أن [يطلقها] (٢) بفعلٍ أو قول فهل تلفَّق الشهادة إذا كانت الشهادتان على قولين مُتفقين أو مُختلفين أو بفعلين مُتفقين أو مختلفين أو أحدهما على قول، والآخر على فعل في [موضع أو في موضعين. أما الأقوال فلا تخلوا من أربعة أوجه] (٣):
فالوجه الأول: إذا اتفق اللفظ والمعنى وما يوجبه الحكم.
والثانى: أن يختلف اللفظ ويتَّفق المعنى، ويتفق ما يُوجبهُ الحكم.
والثالث: أن يختلف اللفظ ويختلف المعنى ويتفق ما يُوجبهُ الحكم.
والرابع: أن يختلف اللفظ ويختلف المعنى وما يُوجبهُ الحكم.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: يطلق طلاقها.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٤٦ ]
فأمَّا الوجهُ الأول: إذا اتفق اللفظ والمعنى وما يُوجبهُ الحُكم فإن الشهادة تُلفَّق اتفاقًا.
وأمَّا الوجهُ الثاني: إذا اختلف اللفظ واتفق المعنى ويتفق ما يُوجبهُ الحُكم مثل أنْ يشهد أحدهما بقوله: "أنت برية"، ويشهد الآخر بقولهِ: "أنت خَلية": فإن الشهادة تلفق أيضًا لأنَّ المعنى واحد، والذي يُوجبهُ الحكم تطليقة بائنة.
والوجهُ الثالث: إذا اختلف اللفظ واختلف المعنى ويتفق ما يُوجبهُ الحُكم مِثل أن يشهد أحدهما بثلاث، والآخر بخلع فلا تلفَّق الشهادة اتفاقًا.
والوجه الرابع: إذا اختلف اللفظ والمعنى وما يُوجبهُ الحُكم مِثل أن يشهد أحدهما بواحدة، والآخر بخلع، فذكر القاضى أبو الوليد بن رُشد اتفاق المذهب في هذا الموضع "أنَّ الشهادة لا تُلفَّق".
وغيرُهُ مِن أهل المذهب يُخالفُهُ في ذلك، وقد وقع في "المُدوّنة" ما يرد على القاضى وهو: "إذا شهد أحدهما بواحدة، والآخر بثلاث، حيث قال ابن القاسم: "يحلف على الثلاث وتلزمُهُ الطلقة الواحدة".
ومعنى اتفاق ما يُوجبُهُ الحكم في الوجهِ الثالث: البينونة، وإسقاط الرجعة.
وفي الوجه الرابع: اختلف ما يُوجبهُ الحكم أيضًا، لأن أحدهما شهد برجعية والآخر ببائنة، وتحصيل ذلك على مذهب "المُدوَّنة" في ثلاثة أوجه:
الأفعال كُلُّها أو الأقوال كُلُّها أو الأفعال مع الأقوال.
[ ٤ / ٣٤٧ ]
فأمَّا الأفعال [كُلها] (١): فلا تخلو مِن أن تكون مِن جنسٍ واحد أو مِن جنسين:
فإن كانت من جنسٍ واحد [فإنَّها تُلفَّق] (٢)، [مثل: دخول] (٣) الدار، فإنَّها تُلفَّق إذا [دخلت] (٤) الدار وثبت الدُخول.
فإن كانت من جنسين كدخول الدار وركوب الدابة فلا تُلفَّق.
[وإن كانت من الأقوال كلها فقد قدمناها وقسمناها تقسيمًا لا مزيد عليه] (٥) فإن كانت مِن الأفعال والأقوال مِثل أن يشهد أحدهما أنَّهُ قال لها: "إن دخلت الدار فأنت طالق"، ويشهد الآخر أنَّهُ قال: "إنْ كلَّمت [زيدًا] (٦) فامرأتُهُ طالق"، ويشهد عليه هُما أو غيرهما [بالحنث] (٧)، فهل تُلفَّق شهادتهما أم لا؟
فالمنصوص في المذهب أنَّها لا تُلفَّق، و[هو] (٨) ظاهر ما وقع لمالك في كتاب "القذف" وغيرهِ مِن "كتاب الحُدود" أنها تُلفَّق.
فهذا تحصيل المسألة على ما في "المُدوّنة".
وأمَّا الشيخ أبو الحسن اللخمى ﵀، فقد خرّج فيها أربعة أقوال:
أحدها: أنَّهما [تضمان] (٩).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من هـ.
(٣) في ع، هـ: كدخول.
(٤) في أ: اتخذت.
(٥) سقط من أ.
(٦) في هـ: فلان.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
(٩) في أ: تضمنان.
[ ٤ / ٣٤٨ ]
والثانى: أنَّهما لا [تضمان] (١).
والثالث: أنَّهما [تضمان] (٢) إن كانتا على قول، ولا [تضمان] (٣) إن كانتا [على] (٤) فعل.
والرابع: إن اختلف القول والفعل ضُمتا، وهذا كُلُّهُ إذا كان الطلاق مُقيَّدًا باليمين.
وأمَّا الوجه الثاني: إذا كان الطلاق مُقيدًا بالمال مِثل أن يشهد شاهد أنَّهُ طلَّقها على ألف درهم ويشهد الآخر أنَّهُ طلَّقها على عبدها، فلا يخلو مِن أربعة أوْجه:
إمَّا أنْ يقوم الزوج بشهادتهما جميعًا أو قامت الزوجة بشهادتهما جميعًا أو قام الزوج بشهادة الواحد والزوجة مُنكرة أو قامت الزوجة بشهادة واحد والزوجُ مُنكر، وقام كُلُّ واحدٍ منهما بشهادة شاهد:
فإن قام الزوج بشهادتهما جميعًا والزوجة منكرة، فالطلاق يلزم الزوج لاعترافهِ [به] (٥)، وهل تحلف أو لا تحلف؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ عليها اليمين وهذا أحد أقوال "المُدوّنة" على ما ذكرهُ [ابن محيرير] (٦).
والثانى: [أنَّها] (٧) لا يمين عليها.
_________________
(١) في أ: تضمنان.
(٢) في أ: تضمنان.
(٣) في أ: تضمنان.
(٤) في ب: عن.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: ابن محمَّد.
(٧) في هـ: أنه.
[ ٤ / ٣٤٩ ]
وإن قامت الزوجة بشاهدتهما جميعًا والزوجُ مُنكر، فلا يلزمُهُ الطلاق بشهادتهما، وهل يحلف [الزوج] (١) على تكذيب كلِّ واحدٍ منهما أو لا يحلف؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يحلف، لأن شهادتهما وإن اختلفتا [فإنها] (٢) شبهة تُوجب اليمين.
والثانى: أنهُ لا يحلف، وهو ظاهر قول سحنون.
وكذلك [الحكم فيما] (٣) إذا كانا مُنكرين.
فإن كان الزوج هو القائم بشهادة الواحد وهي مُنكرة، فإنَّهُ يحلف ويستحق ما شهد لهُ بهِ شاهدُه ويلزمهُ الطلاق، وهو قولُ ابن القاسم.
زاد غيرُهُ: "ويحلف على شهادة الآخر".
فإن كانت الزوجة هى القائمة بالشهادة الواحدة والزوج مُنكر للجميع، حلف الزوج على تكذيبهِ لا غير.
فإن قام الزوج بشهادة أحدهما، وقامت هى بشهادة الآخر، فلا يخلو الزوج مِن أن يقوم بشهادة الشاهد على [الدراهم] (٤) أو بشهادة الشاهد على العبد:
فإن قام بشهادة الشاهد على الدراهم [أو بشهادة النساء على العبد] (٥).
فإن قام بشهادة الشاهد على الدراهم: فإنَّ العبد يُباع ثُمَّ ينظر:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في هـ: الألف.
(٥) سقط من هـ.
[ ٤ / ٣٥٠ ]
فإن بيع بكفاف ما يدَّعيهِ الزوج أخذهُ بلا يمين.
وإن بيع بأكثر ما يدَّعيهِ، فإنَّ الزائد يُوقّف حتى يرجع الزوج إلى قولها وتصديقها.
وإن طال الزمان أو مات الزوج قبل أن يرجع، فكان ينبغى أنْ يتصدق بتلك الفَضْلة، لأنَّ الزوجة قد أقّرت على نفسها أنَّها لا شىء لها فيها، وأنَّها مالٌ للزوج، وكذلك قال شاهدها والزوج قد جحدها ومات على ذلك، فكان الوجهُ أنْ يتصدق بها ويكون أجرها لمن ثبت لهُ في علم الله تعالى، وإلى ما ذكرناهُ من البيع ذهب الشيخ أبو الحسن القابسى.
فإن كان الزوج هو القائم بالعبد.
فإن كان العبد مضمونًا [أو معينًا] (١) في ملك غيرها فإنَّ الدراهم تُؤخذ مِن المرأة فيشترى بها العبدُ للزوج على الصفة أو يشترى بها العبد المُعيَّن في مِلك غيرها ولا أيمان في هذا الوجه.
فإن نقصت الدراهم عن [ثمن] (٢) العبد الموصوف أو [عن] (٣) قيمةُ عبدٍ وَسَط، إنْ كان غير موصوف فإنَّ الزوج يحلف ويستحق الزيادة.
فإن فضل مِن الدراهم شىء كان كالأول.
فإن كان [العبد] (٤) معينًا في ملكها، فإنَّ الزوجَ يحلفُ على ما شهد [له] (٥) بهِ شاهدُهُ ويحلف على تكذيب الشاهد الآخر، وهو قولُ
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ملك.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: كالأول.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٥١ ]
سحنون.
وقد قيل إنَّ الزوج إذا كان [هو] (١) القائم بشهادة العبد أنَّ يُفصل بين أن تكون [الشهادة] (٢) في مجلسٍ واحد أو في مجلسين:
فإن كانت في مجلسٍ واحد فقد تكاذبا ويقضى بأعدل الشاهدين مع يمين القائم بشهادته.
وذلك أنَّهُ إن كان شاهد الزوج أعدل مِن شاهدها لم يستحق ما ادَّعاهُ إلا بيمينِهِ مع شاهدهِ.
وإن كان شاهدُ المرأة أعدل، فلابُدَّ لها مِن اليمين على دعوى الزوج.
وإن كانت الشهادة في مجلسين، فلا يخلو مِن أن يُعرف الأول منهما أو لا يُعرف:
فإن عُرف الأوّل منهما فهو الخلع، يحلفُ القائم بالأول منهما وثبت له ما شهد بهِ شاهدهُ.
فإن جُهل الأول منهما وعُدم التاريخ حَلِفَا جميعًا، الزوج والمرأة وقُسِّم بينهما الدراهم والعبد، وهذا القولُ أصحُّ مِن الأوِّل.
والله أعلم [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: الشهادتان.
(٣) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٤ / ٣٥٢ ]
المسألة الثالثة عشر
في تفسير مسألة -ربيعة- الواقعة في [آخر] (١) الكتاب.
ونصها قال ربيعة: "ومن شهد عليهِ ثلاثةُ نفرٍ كلُّ واحدٍ منهم بطلقة ليس معه صاحبه فأُمِر أنْ يحلف فأبَى أن يحلف، فليُفَرَّق بينهما، وتعتدُّ من يوم نكل، وقُضى عليه لأنَّهُ لا أدرى عن أي شهادات النفر نَكَلَ".
فقد اختلف المتأخرون في تأويلهِ، هل هو وِفاق للمذهب أو خلاف للمذهب؟
فذهب الشيخ أبو الحسن القابسى إلى أنَّهُ وِفاق. ومعناهُ: أنَّ كلَّ واحدٍ شهد عليهِ في يمينِ حنث فيها، فلذلك إذا نكل طلّقت عليه بالثلاث.
فظاهر هذا أنَّهُ يحلف على تكذيب كُلِّ واحدٍ.
وأمَّا لو كان في يمين لزِمهُ طلقة واحدةُ، يريد لاجتماعهم عليها، ويحلف [مع] (٢) الآخر. وإن نكل لزمهُ طلقتان.
فعلى هذا التأويل يكون وفاقًا للمذهب على أحد قولى مالك "في لزوم الطلاق بالنُكول".
وقال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد: "أنَّهُ يلزمُهُ بالنكُول ثلاث.
فلو شهدوا أنَّ ذلك في وقت واحدٍ: للزمتهُ [طلقة] (٣) واحدة، ولم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٥٣ ]
يلزمُهُ يمين.
ولو ورخوا كُلهم وقتًا واحدًا كانت العدَّة منهُ لا مِن يوم الحكم.
ولو اختلف تأريخهم لاعتدّت مِن التاريخ الثاني.
وَلو اتَّفق اثنانِ على تاريخٍ [قديم، كانت العدَّة منهُ.
ولو اتَّفقا على تاريخٍ] (١) حديث، كانت العدَّة منهُ.
ولو أقرَّ الزوجُ بالقديم لم تكُن العدَّة منهُ".
فعلى هذا [التأويل] (٢) أيضًا لا يكون خلافًا.
وقال أبو عمران وابن القصار: "قولُ ربيعة [هاهنا] (٣) [موافق] (٤) لرواية عيسى في العُتبيَّة، [أنه يحلف] (٥) ولا يلزمُهُ شىء [بناءً] (٦) على أنَّ الشهادة في الأقوال لا تُلفَّق"، [فعلى هذا التأويل] (٧) يكون قول ربيعة خلافًا لمشهور المذهب الذي عليهِ جمهور الأصحاب: أنَّ الواحدة تلزمهُ، ويحلف على شهادة الآخر، وهو قول مطرف وأصبغ وعبد الملك، ورواهُ ابن القاسم عن مالك [في المدونة] (٨) والواضحة وغيرها.
وقال بعض المتأخرين: ظاهر قولُ ربيعة "أنَّهُ إنْ حلف فلا شىء عليهِ، لأنَّها شهادة الأنداد، وكل واحدٍ شهد على طلقة، فإن حلف بقيت زوجتهُ
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من هـ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في هـ: وفاق.
(٥) في أ: بحلفه.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٥٤ ]
وإن نكل طُلِّقت عليه ثلاثا، وهو ظاهر قولُهُ في "المُدوّنة" لأنَّهُ قال: "لا أدرى على أيِّ شهادات النفر نكلَ": يدلَّ على أنَّها شهادات كُلها وأنَّهُ لا يدرى أَنَكَل عن هذهِ أو عن هذه فيلزمُهُ ذلك كُلُّهُ.
وقال غيرهُ مِن الأشياخ: "فإن كانت الشهادة في مجالسٍ مُختلفة لزمتهُ ثلاث، فإن كانت في مجلسٍ واحدٍ فواحدة".
فهذه جُملة ما قيل في المسألة مِن التأويل فيما رأيتُ وسمعت.
فيتحصَّل في جُملة المسألة ثلاثةُ أقوال:
أحدها: أنَّ ذلك وِفاق، وهو تأويل الشيخين أبى محمَّد وأبى الحسن.
والثانى: أنَّ ذلك خلاف.
والثالث: التفصيل بين أن يكون ذلك في مجلسٍ أو مجالس.
وسببُ الخلاف: اختلافهم في الشهادة في الأقوال، هل تُلَّفق أو لا تُلفَّق؟ وقول ربيعة: والعدَّة في ذلك مِن يوم الحُكم باحتياط للأزواج إذا لم يتحقَّق اليوم الذي طلَّقها فيه.
وأمَّا ما يرجعُ إلى البينونة فمعتبرٌ عدَّتها مِن يوم طلَّق [أولًا] (١) من غير اعتبارٍ بيوم الحكم، لأن المرأة قامت بذلك فهي معترفة بأنَّ العصمة قد انقطعت بينهما مِن يومئذٍ.
وإن لم تقم فلا تُبيح لهُ الرجعة إذا لم يحلف على تكذيب واحدٍ منهم وهو كالمصدق لكُل واحد [منهم] (٢).
_________________
(١) في أ: قولًا.
(٢) سقط من أ.
[ ٤ / ٣٥٥ ]
والمذهب على ما قدَّمناهُ: أن العدّة مِن يوم ورخ الشاهد الثاني، وهو [الوقت] (١) الذي يحكم فيه بتطليقة.
تمَّ الكتاب بحمد الله [وصلى الله على محمَّد نبيه الكريم] (٢).
_________________
(١) في هـ: القول.
(٢) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٤ / ٣٥٦ ]
مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل
في
شرح المدَوَّنة وحَلِّ مُشكلاتها
تأليف
أبي الحسن علي بن سعيد الرجراجي
تقديم
فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور علي علي لُقَم
اعتنى به
أبو الفضل الدّمياطي
أحمد بن علي
الجُزءُ الخامِس
مركز التراث الثقافي المغربي
دار ابن حزم
[ ٥ / ١ ]
حقوقُ الطَّبعَ محْفوَظة
الطبعَة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
ISBN ٩٩٥٣ - ٨١ - ٤٣١ - ٧
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
مركز التراث الثقافي المغربي
الدار البيضاء - ٥٢ شارع القسطلاني - الأحباس
هاتف: ٤٤٢٩٣١ - ٠٢٢/ فا كس: ٤٤٢٩٣٥ - ٠٢٢
المملكة المغربية
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
بريد إلكتروني: ibnhazim@cyberia.net.lb
[ ٥ / ٢ ]
مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل
في
شرح المدونة وحلِّ مشكلاتها
(٥)
[ ٥ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٥ / ٤ ]
كتاب التخيير والتمليك
[ ٥ / ٥ ]