تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها أربع مسائل (١):
المسألة الأولى
الإيلاء في اللغة الامتناع من فعل الشىء بيمين قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ وهذه الآية نزلت في أبى بكر الصديق ﵁ حين حلف ألا ينفق على ابن خالته مسطح حين خاض مع أَهل الإفك فيما خاضوا فيه على ما قال أهل العلم بالتأويل.
ومنه قول الشاعر (٢):
فآليت لا آتيك إن جئت مجرمًا ولا أبتغى جارًا سواك مجاورًا
فآليت لا آتيك أخذوا قصيدة تكون وإياها.
وهو في الشرع على ما هو عليه في وضع اللغة إلا أنه قد تعرف في الشرع في "الحلف على اعتزال الزوجات وترك جماعهن" كما ذكر الله تعالى في كتابه، ونص على الحُكم فيه وهو على ثلاثة أوجه:
أحدها: اليمين على ترك الوطء.
والثانى: ما كان بمعنى اليمين على تركه.
والثالث: اليمين بالطلاق التي يكون الحالف فيها على حنث.
فالجواب عن الوجه الأول: وهو اليمين على ترك الوطء فلا يخلو من ثلاثة
_________________
(١) لم يرد في الأصول إلا ثلاثة مسائل فقط.
(٢) النابغة الذبياني.
[ ٥ / ١١١ ]
أوجه:
أحدها: أن يحلف على ذلك بالله تعالى أو ما كان في معنى اليمين بالله مما يوجبه على نفسه إن وطيء.
والثانى: أن يحلف على ذلك بطلاق المؤلى منها.
والثالث: أن يحلف على ذلك بما ينعقد عليه بالحنث فيه حكم فلا يلزمه بمجرده شىء.
فأما إذا حلف على ذلك باليمين بالله تعالى أو بما كان في معناه مما يوجبه على نفسه إن وطئ من صلاة أو صدقة أو ما فيه قربه من عتق أو غيره مما ليس فيه قربه [كطلاق] (١) [غير] (٢) المؤلى عليها فذلك على وجهين:
أحدهما: أن يقول: والله لا أطأ امرأتى، أو على صدقة أو مشى أو ما أشبه ذلك إن وطئتها أبدًا، أو إلى أجل كذا وكذا لما هو أكثر من أربعة أشهر.
والثانى: أن يقول: [والله] (٣) لا أطأ حتى أفعل [كذا وكذا] (٤).
فأما الوجه الأول: فأنه مؤلى من يوم حلف ويوقف [إلى] (٥) حل الأجل، فإما بالوطء وإلا طلق.
وأما الثاني: فلا يخلو [من وجهين] (٦) أحدهما: أن يكون ذلك الفعل
_________________
(١) في أ: كالطلاق.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من هـ.
(٥) في هـ إذا.
(٦) سقط من أ.
[ ٥ / ١١٢ ]
مما يمكنه فعله.
والثانى: أن يكون مما لا يمكنه فعله ولا مؤنة عليه فيه كدخول الدار وركوب الدابة فلا يكون مؤليا ويقال له: طأ امرتك إن كنت صادقا فإنك لست بمؤلى.
وإن كان مما يتكلف فيه مؤنة كالحج وغيره فإنه يكون مؤليا من يوم حلف ويوقف إذا حل الأجل فإما وطء وإلا طلق عليه. وأما إذا كان الفعل [مما] (١) لا يمكنه فعله إما لمنع الشرع منه لكونه قتل نفس أو شرب خمر.
وإما لعدم القدرة عليه فإنه يوقف إذا حل الأجل أيضًا فإما بالوطء وإلا طلق عليه، ولا يمكن من البر بما لا يبيح الشرع من قتل أو شرب.
وأما الوجه الثاني: إذا حلف بطلاق المؤلى منها فلا يخلو من أن يكون ذلك الطلاق ثلاثًا أو ما دون الثلاث:
فإن كان ما دون الثلاث وقف إذا حل الأجل وقيل له: وفِّ على أن تنوى بباقى وطئك الرجعة.
وإن كانت غير مدخول بها لأنها تصير مدخولًا بها بالتقاء الختانين ليخرج من الخلاف.
فإن أبى من ذلك طلقت عليه بالإيلاء.
وإن تزوجها بعد انقضاء عدتها رجع [عليه] (٢) الإيلاء ما بقى من طلاق [ذلك] (٣) الملك شىء.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: عليه.
(٣) سقط من هـ.
[ ٥ / ١١٣ ]
وإن كان الطلاق ثلاثًا مثل قوله: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثًا، هل يكون مؤليا أم لا؟ على قولين منصوصين في "المدونة" [وعلى القول بأنه لا يكون مؤليًا هل يعجل عليه الطلاق بنفس اليمين أم لا؟ على قولين منصوصين في المدونة] (١):
أحدهما: أن الطلاق واقع عليه بنفس اليمين، [وهو] (٢) [ظاهر] (٣) قول الرواة في "المدونة".
والثانى: أن السلطان يطلق عليه بعدما ترفع أمرها إليه، وهذا القول مروى عن مالك في "المدونة".
وعلى القول بأنه يكون مؤليًا، هل يضرب له أجل المؤلى أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تطلق عليه بعد الرفع ولا يضرب له أجل الإيلاء، وهذا القول متأول على "المدونة".
والثانى: أنه يضرب له أجل المؤلى أربعة أشهر من يوم حلف، وهو نص قول مالك في "المدونة".
وعلى القول بأنه يضرب له الأجل فإذا حل هل يمكن من الفيئة بالوطء أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه لا يمكن من الوطء إذ باقى وطئها لا يجوز [له] (٤) بناء
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: وهذا.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ١١٤ ]
على [أن] (١) النزع حرام، وهو قول بعض الرواة في "المدونة".
والثانى: أنه يمكن من الوطء التام، وهو ظاهر قول ابن القاسم في هذا الكتاب، وفي "كتاب الظهار" من "المدونة"، ونص له في أصل "الأسدية".
والثالث: أنه يمكن من [التقاء] (٢) الختانين لا أكثر، وهذا القول مروى عن مالك.
والرابع: أنه يمكن من جميع الوطء إلا الإنزال، وهو قول أصبغ.
وسبب الخلاف: مذكور في "كتاب الظهار".
وأما الوجه الثالث: إذا حلف بما ينعقد عليه بالحنث فيه حكم من الأحكام، مثل قوله: "إن وطئتك، فكل مملوك اشتريته من الفسطاط [حر] (٣) ومثل قوله: والله لا أطأ امرأتى في هذه السنة إلا يومًا واحدًا أو مرة واحدة، أو يقول: إن وطئت امرأتى فهي علىَّ كظهر أُمىِّ، هل يكون مؤليًا أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المُدوّنة":
أحدهما: أنه لا يكون مُؤليًا إلا بالشراء أو الوطء وهو قول ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ يكون مؤليًا بنفس اليمين، وقبل الملك والوطء إذ [لا] (٤)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من هـ.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ١١٥ ]
يلزمُهُ بالوطء عقد يمين فيما يملك من رأس أو مال، وهو قول الغير في "المُدوّنة"، ولابن القاسم مثلَهُ أيضًا.
وفائدة الخلاف وثمرته: هل ينعقد عليه اليمين بنفس الإيلاء ويكون للمرأة أن توقفه إذا مضت أربعة أشهر من يوم اليمين.
أو لا ينعقد الإيلاء إلا بالوطء بعد الشراء؟.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: وهو ما كان بمعنى اليمين على ترك الوطء هو الإيلاء الداخل على [الظهار] (١) على سبيل [الإضرار] (٢)، وقد تقدم الكلام فيها في مسألة [مفردة] (٣) في كتاب الظهار".
والجواب عن الوجه الثالث: وهو اليمين بالطلاق الذي يكون الحالف فيها على حنث وهو أن يقول: امرأتى طالق إن لم أفعل كذا وكذا، وذلك ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون ذلك الفعل ممَّا يُمكنُهُ فعلهُ.
والثانى: أن يكون ذلك الفعل ممَّا لا يمكنه فعله في الحال ويمكنه في [الحال] (٤) الثاني.
والثالث: أن يكون ذلك الفعل مما لا يمكنه فعله لعدم الإمكان أو لمنع الشرع منه:
فأما الأول: فيمنع فيه من الوطء من وقت اليمين فإن [طالبته] (٥)
_________________
(١) في أ: الظاهر.
(٢) في هـ: الإضطرار.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: طلبته.
[ ٥ / ١١٦ ]
[امرأته] (١) بذلك، ضرب له أجل الإيلاء هل من يوم الحلف أو من يوم الرفع؟
وإذا تبين الضرر تجرى [فيه] (٢) هذه الأقوال الثلاثة التي أوردناها في "كتاب الظهار" وفيه يفعل ما حلف عليه وليس الفيئة بالوطء.
وأما الثاني والثالث: فهو أن يكون الفعل ممَّا لا يمكنه في الحال ويمكنه في ثانى حال أو لا يمكنه بحال، مثل: "أن يحلف بطلاق امرأته ليَحُجَنَّ، ولم يُؤقت عامًا بعينهِ"، هل يكَون مؤليًا حين تكلَّم بذلك أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المُدوّنة":
أحدها: أنه يكون مؤليًا حين تكلم بذلك وهو ظاهر قوله في كتاب في أول "كتاب الإيلاء" حيث قال: وسواءٌ كان ذلك الشىء ممَّا يقدر على فعله أم لا.
وعليه تأوّل بعض شُيوخنا، وهو نص قوله في "العُتبية" كتاب "ابن سحنون": أنَّهُ يمنع من وطئها من حين حلف.
والقول الثاني: أنه لا يكون مؤليًا ولا يمنع منها حتى يمكنه [الفعل] (٣) فإذا أمكنه الفعل فعند ذلك يمنع من وطئها، وهو قول ابن نافع في "المُدوّنة" حيث قال: "وإن لم يمكنه فعل ما حلف عليه لم يحل بينهما ولا يُضرب له أجل المؤلى.
فإذا أمكنه فعل ذلك حيل بينه وبينها".
والقول الثالث: أنَّه لا يكون مؤليًا ولا يدخل عليه الإيلاء حتى يضيق
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: فيها.
(٣) في أ: القول.
[ ٥ / ١١٧ ]
الوقت ويخشى فوات الحج، وهو ظاهر قوله في "المُدوّنة" في آخر المسألة: "إذا أمكنه وترك الخروج أو ترك الحج حتى جاء وقت إن خرج فيه لم يدرك الحج".
فمن حينئذ يقال له: لا تصب امرأتك.
فإن رفعت أمرها ضرب لها أجل الإيلاء.
فإن فعل قبل الأجل ما هو بره ومخرجه [إلى] (١) الحج لم يكن عليه الإيلاء وهذا ظاهر وهو تأويل بعض المتأخرين.
ويكون معنى قوله في "الكتاب" على هذا القول حتى جاء وقت إن خرج لم يدرك الحج. يعني على السير المعتاد ولكنه يدركه إذا جد [به] (٢) السير وشق على نفسه [أدركه] (٣).
ويدل عليه قوله: فإن فعل ما هو بره من الحج، والخروج بر".
والقول الرابع: أنه لا يمنع من الوطء فإن خرج وأحرم في الأجل لم تطلق عليه حتى يجىء وقتٌ يمكنه الخروج.
فإن لم يفعل ذلك ولم يخرج حتى تم الأجل طلق عليه.
وهذا تأويل بعضهم على ظاهر "المُدوّنة".
وسبب الخلاف: اعتبار المقاصد والألفاظ.
فمن اعتبر اللفظ قال: يكون مؤليًا [بنفس اليمين] (٤).
_________________
(١) في أ: من.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من هـ.
[ ٥ / ١١٨ ]
ومن اعتبر المقصد قال: يكون مؤليًا عند الإمكان أي إذا [أمكن] (١).
والقولان الآخران مبنيان على المقصد أيضًا.
وهذا التقييد قد احتوى على جملة مشكلات هذا الكتاب التي من جملتها: إذا حلف بطلاقها ثلاثًا إن وطئها.
ومسألة: التي حلف بطلاقها البتة [ليحجن] (٢)، ولم يسم العام بعينه.
فهما من مشكلات "كتاب الإيلاء": فليكمل العدة قائمًا ويبنى على بقية العدد عليها بحمد الله وحسن عونه.
_________________
(١) في ب: أمكث.
(٢) في أ: ليخرجن.
[ ٥ / ١١٩ ]
المسألة الثانية (١)
في أجل الإيلاء.
ولا خلاف في مذهب مالك ﵀ أن أجل الإيلاء لا يكون دون أربعة أشهر، وإنما الخلاف عندما عندنا في الأربعة الأشهر هل يكون مؤليًا إذا حلف ألا يطأها أربعة أشهر أو لا يكون مؤليًا حتى يزيد عليها؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يكون مؤليًا إذا حلف ألا يطأ امرأته أربعة أشهر، وهو مشهور المذهب.
والثانى: أنه يكون مؤليًا بالأربعة الأشهر، وهي رواية أشهب عن مالك وحكاه عبد الملك وابن نافع [وابن خويز منداد] (٢) عن مالك أيضًا أن الطلاق يقع على المؤلى بمرور الأربعة الأشهر، وهو قول جماعة السلف، وهو مذهب أبى حنيفة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم من قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا. .﴾ هل أراد أن تكون الفيئة داخلة في الأربعة، أو هى بعد الأربعة؟
فمن فهم من الآية أن الأربعة الأشهر [أجل] (٣)، لا يُزاد عليه، لنصه ﷿ عليها بلا زيادة ولا نقصان، قال: الفيئة [داخلة] (٤) في
_________________
(١) في جـ، ع هـ: المسألة الثالثة ولكن الترتيب يقتضى أن تكون المسألة الثانية.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: داخل.
[ ٥ / ١٢٠ ]
الأربعة ويجوز أن يكون بعد الأربعة، لأن ذلك زيادة على ما حد الله وقدره، والزيادة على مقادير الشريعة لا تجوز بغير دليل، [ومن فهم] (١) منها أن الأربعة الأشهر إنما جُعلت لأنها [مدة] (٢) تستضر فيها الزوجة بعدم الوطء كل الضرر، ولا يعظم عليها فيها المضرة إلا بالزيادة عليها، قال: [الوقف] (٣) إنما يكون بعد الأربعة الأشهر، كما هو مشهور مذهب مالك، وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عليه سأل النساء في المدينة في كم تشتاق المرأة إلى زرجها؟ وكم تقدر على الصبر [عنه] (٤)؟ فقلن: "في شهرين، ويقلَّ الصبر في ثلاثة، ويفنى الصبر في أربعة أشهر"، فجعل ﵁ [مغازى الناس] (٥) أربعة أشهر.
وعلى القول بأنه لا يكون مؤليًا إلا بزيادة على أربعة أشهر.
وكم قدر تلك الزيادة؟ فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن زيادة اليوم تؤثر، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
والثانى: أن زيادة اليوم غير مؤثرة.
والثالث: أنه لا يكون مؤليا بزيادة تكون مثل أجل التلوم، ولا شكَّ ولا خفاء أنه لابد من زيادة يمكن فيها الإنفاق، [ويحصل التأني] (٦) للزوج [بين] (٧) أن يفيء أو يطلق، وأدناه أن يكون ثلاثة أيام وهو أدنى
_________________
(١) في أ: يفهم.
(٢) في ع، هـ: أمد.
(٣) في جـ: المؤلف.
(٤) في أ: منه.
(٥) في أ: المغازي.
(٦) في هـ: وتجعل فيه التبرى.
(٧) سقط من أ.
[ ٥ / ١٢١ ]
مدة الخيار في البيع.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [تَرَبُّصُ] أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فالآية فيها تقدير مضمر، وتقديره للذين يحلفون على اعتزال نسائهم تربص أربعة أشهر، "فإن فاؤا" أي فإن رجعوا على ما حلفوا عليه من ترك الوطء، فإن الله غفور لهم ما اجترموه من الذنب في ترك الوطء، وقصدهم الإضرار بهن، [رحيم بهم] (١) ولسائر المؤمنين، "فإن عزموا [الطلاق] (٢): أي فإن امتنعوا من الفيئة وعولوا على الطلاق فإن الله سميع للفظهم عليم بما في قلوبهم.
وبهذه المعانى يستدل على أن الطلاق لا يكون بمضى الأربعة الأشهر، لأن "الفاء" في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فاءُوا﴾ للتعقيب. ولقوله أيضًا: ﴿فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ولا يسمع إلا الأصوات.
واختلفوا هل كل حالف على ترك الوطء يكون مؤليًا أو لا يكون مؤليًا إلا من قصد الضرر؟ على قولين قائمين من "المُدوّنة":
أحدهما: أنه لا يكون مؤليًا إلا من قصد الضرر بترك الوطء، وأما من قصد [بذك الصلاح] (٣) [فلا] (٤) ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾، وهو قول ابن القاسم في الذي حلف ألا يطأ امرأته، حتى تفطم ولدها، قال: لا يلزمه الإيلاء لأنه إنما قصد صلاح ولده.
والقول الثاني: أنه يكون مؤليًا سواء قصد [إلى] (٥) الصلاح أم لا
_________________
(١) في أ: غفور لهم.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ع: تقديم وتأخير.
(٤) سقط من ع.
(٥) سقط من أ.
[ ٥ / ١٢٢ ]
وهو ظاهر قوله آخر "الكتاب" في المريض الذي حلف ألا يطأ امرأته حتى يبرأ من مرضه، فقال هو مؤلٍ، ومعلوم أن المريض إنما قصد صلاح نفسه، ومن قصد صلاح نفسه أعذر ممن قصد صلاح غيره، والحمد لله وحده.
[ ٥ / ١٢٣ ]
المسألة الثالثة (١)
فيما تكون به فيئة المؤلى، وقد وقع في الكتاب ألفاظ مضطربة ومعان مختلفة تشعر بالخلاف.
ونحن [لكل] (٢) ذلك واضحون بحمد الله وعونه، فنقول وبالله التوفيق:
ولا يخلو من أن يكون يمين المؤلى بالله تعالى أو بغيره فإن كانت يمينه بالله تعالى، فلا يخلو من أن يعلقها بفعل أو لا يعلقها بشىء.
فإن علقها [بفعل] (٣) مثل أن يحلف بالله ألا يطأ حتى يدخل الدار أو حتى يخرج إلى بعض البلدان، ففيئه هاهُنا الفعل مع التمكين.
فإن أطلق بيمينه، فهل تصح [فيئته] بتقديم الكفارة على الوطء [أم لا] (٤)؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "الكتاب":
أحدهما: [أنها] (٥) تصح، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنها لا تصح بتقدم الكفارة حتى يطأ، وهو قول الغير في "المُدوّنة" ولابن القاسم مثل قول غيره في "المُدوّنة"، وذلك أنه قال في المريض إذا فاء بلسانه أجزأه.
وقد اختلف في ذوي الأعذار هل يقبل منهم الفيئة باللسان مع القدرة
_________________
(١) في جـ، ع، هـ: "المسألة الرابعة". والذي يقتضيه الترتيب أن تكون هذه هي المسألة الثالثة.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: بشيء.
(٤) سقط من ألف.
(٥) في أ: أنه.
[ ٥ / ١٢٤ ]
على الكفارة إن كانت يمينه بالله تعالى؟ على قولين قائمين من "المُدوّنة":
أحدهما: قول ابن القاسم أنها تقبل منهم، وهو قوله في المريض.
والثانى: أنها لا تقبل منهم، لأنه قادر على أن يكفر، وهو قول مالك في "الكتاب" في [الغائب] (١).
فإن كانت يمينه بغير الله تعالى، كالعتق والصدقة والطلاق، فلا يخلو ما حلف به من أن يكون معينًا أو مضمونًا.
فإن كان معينًا وكان الطلاق بتاتًا في غير المؤلى منها، [فلا خلاف] (٢) عندنا أن الفيئة تصح بفعل ما حلف على فعله إن كان له عذر فإن لم يكن له عذر فقولان:
أحدهما: أنه كالمعذور، وهو قوله في "الكتاب".
والثانى: أن فيئته الوطء دون [فعل] (٣) ما حلف على فعله وهو قول عبد الملك في "الواضحة"، ومثله في "المختصر".
وإن كان غير معين أو كان الطلاق دون البتات في غير المدخول بها، فهل تصح الفيئة بفعل ذلك دون الوطء أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المُدوّنة":
أحدهما: أن الفيئة تصح به دون الوطء، وهو قوله في آخر "كتاب الظهار" من "المُدؤنة" في الذي حلف بعتق رقبة أن لا يطأ أهله فعتق الرقبه لإسقاط الإيلاء، أتراه مجزئًا عنه ولا إيلاء عليه؟ قال: نعم، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
_________________
(١) في أ: الغاية.
(٢) في أ: فلا يخلو.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ١٢٥ ]
والثانى: أن فيئته لا تصح إلا بالوطء دون فعل ما حلف على فعله، وهو قوله في "كتاب الإيلاء" لاحتمال أن يفعل ذلك عن شىء قد سلف.
والحمد لله وحده [تم الكتاب بحمد الله وعونه وصلى الله على محمَّد خاتم النبيين وإمام المرسلين] (١).
_________________
(١) زيادة من ع.
[ ٥ / ١٢٦ ]
كتاب اللعان
[ ٥ / ١٢٧ ]