تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها مسألتان:
المسألة الأولى في اشتقاق الاستبراء
وهو مأخوذ من التبري؛ وهو الانفصال والتخلص، ثم استعمل في الاستقصاء والبحث والكشف عن الأمر الغامض على يقين منه، وهو ما يعرف عند الفقهاء كناية عن أحوال الأرحام عند انتقال الأملاك حتى يعلم تخلصها من الحمل أو شغلها به بالعلامات التي جعل صاحب الشريعة وذلك دليلا عليها؛ مراعاة لحفظ الأنساب واحتياطًا لاختلاط الذرية وتمييز النسل، وهو لوجهين:
أحدهما: تمييز ماء البائع من المشتري، وذلك في كل موطوءة للبائع إذا لم يستبرئها أو في العلية التي يحط الحمل من ثمنها كثيرًا، وما لم توطأ فاستبرأها، ولا بالمواضعة؛ ومعنى هذه الكلمة الإيقاف مدة الاستبراء وهو وضع هذه الجارية على يد ثقة حتى تظهر براءة رحمها من شغل الحمل وتحل للمشتري، وهذا الاستبراء واجب.
وحكم هذه في هذه المدة حكم ما لم يخرج من ملك البائع، ونفقتها عليه، وضمانها منه؛ لأنه لما كان استبراؤها وإنفاقها بسببه من أجل ما به أو من أجل خلوص العلى من الحمل.
وإن لم يطأ البائع كان تمام بيعها إنما يكون يوم براءتها من ذلك، ولم يتم العقد المتقدم إلى الآن؛ ومن حينئذ يضمنها المشتري، والاستبراء الثاني
[ ٧ / ٢٠٣ ]
في غير هذه ممن لا تواضع فيمن لم يعرف البائع بوطئها من وخش الرقيق، أو ممن لا ينقصها الحمل من علية كالمتزوجة أو المطلقة أو الزانية، فهؤلاء لا مواضعة فيهن ولا استبراء إلا أن يريد المشتري الوطء فواجب عليه أن يستبرئ لنفسه مما لعلها أحدثته، وضمانها من مشتريها ويم الصفقة إلا أن يكون هناك عهدة الثلاث فمن يوم تمامها، واختلف في التي اشتريت وهي في عظم حيضتها، وفي البكر العذراء هل فيها مواضعة أم لا على قولين:
أحدهما: أنه لا مواضعة فيها، وأن تلك الحيضة تجري معهما، وهو قول ابن القاسم في المدونة في التي هي في عظم حيضتها، ويلزم مثله في العذراء.
والثاني: أنه لابد لها من الاستبراء والمواضعة، وهو قول أشهب على ما حكاه عنه أبو إسحاق بن شعبان، وفضل بن سلمة في التي هي في عظم حيضتها، وهو قول مالك في "كتاب ابن حبيب" وغيره [في] (١) التي قاربت الحلم ويخشى منها الحمل أنه لابد فيها من الاستبراء والمواضعة.
وسبب الخلاف: المواضعة هل هي مشروعة للاستبراء خاصة، أو هي مشروعة للاستبراء والتعبد؟
فمن رأى أنها مشروعة للاستبراء خاصة قال: إذا تحقق براءة الرحم فلا استبراء ولا مواضعة، ومن [رأى] (٢) أن فيها ضربا من التعبد قال لابد من المواضعة، [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٢٠٤ ]
المسألة الثانية إذا قبض المشتري الرائعة على غير المواضعة
فلا يخلو ذلك من خمسة أوجه:
إما أن يقبضها على الائتمان على استبرائها.
وإما أن يقبضها على براءة البائع من وطئها ومن حملها أن يكون منه.
وإما أن يقبضها على براءة البائع من حملها وهو مقر بوطئها.
فأما الوجه الأول: إذا قبضها المشتري على أنه مؤتمن في استبرائها فذلك جائز، وإن كانت المواضعة على يدي غيره أحسن، فإذا وضعت بيد المشتري كان أمينًا على حضيتها، ونفقتها على البائع حتى تحيض، وما أصابها في ذلك فمن البائع، والقول قول المشتري إن أصابها ذلك قبل أن تحيض؛ لأنها لو كانت بيد غيره فيتأخر حيضها وتربصت ثلاثة أشهر ثم تحل للمبتاع وتخرج من ضمان البائع إلا أن يظهر بها حمل فيرد أو يمسك فيها بحبس البطن فيكون المبتاع مخيرًا إن شاء تربص إلى تسعة أشهر وإن شاء ردها؛ لأن تأخير ذلك إلى تسعة أشهر كعيب وجده.
وأما الوجه الثاني والثالث: إذا قبضها على الجهل بالاستبراء وعلى تعمد تركه وقبضها كقبض الوخش فإنها تخرج من يد المشتري ويخرج فيها حكم المواضعة.
ويلحق الولد بالبائع في التي أقر بوطئها إن لم يدع استبراء.
فإن لم يرفع أمرها حتى ماتت بيد المبتاع وهو يقول ما حصلت، فإن ماتت فيما يكون فيه استبراؤها فهي من المبتاع وإن ماتت في مثل ما لا
[ ٧ / ٢٠٥ ]
يكون فيه الاستبراء فهي من البائع بغير يمين المبتاع أنها لم تحض عنده، وهذا قول مالك في "كتاب ابن حبيب"، وهو تفسير لما في "المدونة".
والبيع في ذلك كله جائز ولا يفسخ، وهو نص مالك في "كتاب الاستبراء" من "المدونة".
وأما الوجه الرابع: إذا قبضها على البراءة من حملها وهو مقر بوطئها فالمذهب فيها على قولين:
أحدهما: أنها تخرج من يد المشتري وتجري فيها أحكام المواضعة، وهو قول ابن حبيب عن مالك.
والثاني: أن البيع مفسوخ مع القيام، وهو قول مالك في "المدونة" و"الموازية".
وأما الوجه الخامس: إذا قبضها منه على وجه التبري من وطئها أو البراءة من حمل إن ظهر بها من غيره فلا يخلو من أن تكون رائعة من علية الرقيق أو متوسطة.
فإن كانت من وسط الجواري لا علية ولا وخشة فذلك جائز، ويدخل في ضمان المشتري بالعقد، ولا يطأها حتى تحيض، وله فيها التلذذ دون الوقاع.
فإن كانت رائعة من علية الرقيق لا يصلح مثلها إلا إلى الفراش فالبيع فاسد وترد إلى أن تفوت فتضمن قيمتها، وهذا على قول مالك في "كتاب ابن حبيب"، وهو تفسير لما في "المدونة".
وقد تقدم كثير من مسائل هذا "الكتاب" في "كتاب النكاح" فأغنى عن إعادته. والحمد لله وحده.
[ ٧ / ٢٠٦ ]
كتاب الصلح
[ ٧ / ٢٠٧ ]