تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها خمس مسائل:
المسألة الأولى [مسألة الصائم] (١) في الاعتكاف
والاعتكاف في اللغة: اللبث والمكث [واللزوم] (٢)، قال الله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (٣)، أي: ملازمون.
وقال سبحانه: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ (٤)، وهو في الشرع على ما هو عليه في الوضع، إلا أنه في الشرع: الإقامة على عمل مخصوص في موضع مخصوص تقترن به أفعال مخصوصة، وأقوال معروفة على شرائط قد أحكمتها السنة.
ومن شرطه: الصوم -عندنا- سواء التزمه بالصيام وأوجبه على نفسه أم لا.
ولا خلاف في ذلك في مذهب مالك ﵀ إلا ما ذهب ابن لبابة من أنه لا يلزمه الصيام إلا أن يوجبه على نفسه.
وهل من شرطه أن يكون الصيام له؟ أو من شرطه: [أن يكون بالصوم] (٥) وسواء كان له أو لغيره؟ فهذا مما يحتاج إلى تفصيل
_________________
(١) في ب: في الصوم.
(٢) في ب: والدوام.
(٣) سورة الأنبياء الآية (٥٢).
(٤) سورة الأعراف الآية (١٣٨).
(٥) في ب: الصوم.
[ ٢ / ١٥١ ]
وتحصيل:
فنقول: لا يخلو اعتكافه من أن يكون منذورًا، أو غير منذور.
فإن كان غير منذور: فلا خلاف في المذهب أنه يجوز مع كل صوم وجب فعله على [المكلف] (١)؛ كان رمضان أو قضاؤه، أو [كفارة] (٢) قتل نفس، أو ظهار، أو غير ذلك، وأن الصوم لهذا الاعتكاف كالطهارة للصلاة، وأنه مراد لغيره لا لنفسه.
وأما إن كان الاعتكاف منذورًا؛ مثل قوله: لله عليَّ أن أعتكف شهرًا، أو سنة، فهل يجوز في صوم غيره أم لا؟
فالمذهب على قولين (٣):
أحدهما: أنه جائز [في] (٤) كل صوم كالوجه الأول، وهو المشهور.
والثاني: أنه لا يجوز أن يعتكف في صوم واجب عليه من رمضان، ولا في قضائه، ولا في صيام الكفارة؛ لأنه لزمه الصوم لنذره للاعتكاف، فلا يجزئه منه صوم قد لزمه بغير ذلك؛ كما لو نذر مشيًا لم يجز أن يجعله في حجة الفريضة، وهو قول عبد الملك، وذهب الشافعي إلى أن الاعتكاف يصح بغير صوم (٥).
وسبب الخلاف: المفهوم من اعتكافه - ﷺ - في رمضان.
فمن رأى أن الصوم المقترن به هو شرط في الاعتكاف، وإن لم يكن الصوم للاعتكاف نفسه، قال: لابد من الصوم مع الاعتكاف.
_________________
(١) في ب: المعتكف.
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: المدونة (١/ ٢٢٥)، والنوادر (٢/ ٨٩، ٩٠).
(٤) في ب: مع.
(٥) انظر: الأم (٢/ ١٠٥)، وروضة الطالبين (٢/ ٣٩٣).
[ ٢ / ١٥٢ ]
ومن فهم منه أن ذلك اتفاقًا اتفق، لا على أنه مقصود له - ﷺ - في الاعتكاف قال: ليس من شرطه الصوم.
وربما استظهرته المالكية بما يروى عن عائشة ﵂ قالت: لا اعتكاف إلا بصوم (١).
وكثير ما يتسارع أهل المذهب إلى الاستدلال على أن الاعتكاف لا يكون إلا بصوم؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢)، ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٣).
ولا دليل في ذلك، غير أنه من باب الاستئناس بالقرآن [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٤٧٣)، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى.
(٢) سورة البقرة الآية (١٨٧).
(٣) سورة البقرة الآية (١٨٧).
(٤) زيادة من جـ.
[ ٢ / ١٥٣ ]
المسألة الثانية في المعتكف إذا مرض، أو حاضت وهي امرأة
ولا يخلو ذلك من وجهين:
إما أن يكون غير منذور، أو منذورًا.
فإن كان غير منذور فمرض فيه المعتكف، أو حاضت المعتكفة:
أما الحائض: فإنها تخرج من ساعتها ولا تنتظر؛ لأن المكث في المسجد عليها حرام ما دامت حائضًا.
وأما المريض: فإن كان مريضًا لا يقوى معه على الصيام، ويؤمن من إيذائه المسجد: فإنه يلبث، ولا يخرج، ويكون مكثه في المسجد في حرمة الاعتكاف، وإن كان لا يعتد بتلك الأيام أولى من خروجه إلى داره [وهو قول القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب وابن شعبان، وقيل: إنه يخرج ولا يلبث في المسجد، وهو قوله في المجموعة، وهو ظاهر المدونة من مسألة الذي دخل عليه يوم العيد في اعتكافه] (١).
وإن كان لا يؤمن من أن يكون منه ما يؤدي به المسجد كالمبطون: فإنه يؤمر بالخروج كالحائض.
فإذا خرجا فهل ينسحب عليهما حرمة الاعتكاف، ويجتنبان ما يجتنبه المعتكف، ويلزمهما كل ما يلزمه إلا الصوم كما لو كان في المسجد؟
فالمذهب على قولين [متأولين على] (٢) المدونة (٣):
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: قائمين من.
(٣) انظر: المدونة (١/ ٢٢٥).
[ ٢ / ١٥٤ ]
أحدهما: أن المريض والحائض في حرمة الاعتكاف ويقتصران على عمله، ولا يجوز لهما الخروج عنه إلى مكان يمنعان منه في المسجد.
وهو قول مالك (١) في "المجموعة" و"الواضحة"، وهو قول سحنون [في الحائض] (٢): أنها في بيتها في حرمة الاعتكاف، غير أنها لا تدخل المسجد (٣).
والمريض كذلك إذا عجز عن البقاء في المسجد، وهو قول البغداديين تأويلًا على "المدونة"، وهو قول ابن شعبان.
والثاني: أن [جميع] (٤) هؤلاء لا يلزمهم [التمادي] (٥) على جميع [أحكام] (٦) الاعتكاف إذا حدث عليهم أمر يوجب إخراجهم [من المسجد] (٧)؛ إما إباحة كيوم العيد، وإما وجوبًا كالمرض والحيض، وأن لهم التصرف في جميع أمورهم خارجًا وداخلًا؛ إذ لا يصح الاعتكاف إلا بالصوم، وإذا لم يكن الصوم فلا يلزمهم ملازمة مكان مخصوص في بيوتهم حاشا المباشرة، فإنه يمنعون منها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٨)، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" (٩).
_________________
(١) انظر: النوادر (٢: ٩٦/ ٩٨).
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: النوادر (٢/ ٩٦).
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: أحوال.
(٧) سقط من أ.
(٨) سورة البقرة الآية (١٨٧).
(٩) انظر: البيان والتحصيل (٢/ ٣٤٩).
[ ٢ / ١٥٥ ]
وهكذا اختلفوا أيضًا إذا برئ المريض، أو طهرت الحائض في أثناء النهار، هل يرجعان من ساعتهما إلى موضع اعتكافهما، أو ينتظران إلى الغروب؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنهما يرجعان من ساعتهما [إلى المسجد] (١)، ولا ينتظران إلى [المغيب] (٢).
وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو قول ابن نافع في يوم العيد.
والثاني: أنه يجوز لهما الانتظار إلى غروب الشمس، ولا يلزمهما الرجوع في بقية النهار الذي تمكن لهما [فيه] (٣) الاعتكاف.
وهو نص ابن القاسم في يوم العيد فيمن اعتكف العشر الأواخر فمرض فيها، ثم صح قبل يوم الفطر، فقال فيه ابن القاسم: لا يلبث يوم الفطر في معتكفه.
وفيها رواية: لا يثبت، ورواية أخرى: لا يلبث، وأخرى: لا يبيت.
ثلاث روايات؛ [والرواية] (٤) لا يلبث، ولا يثبت:
معناهما واحد، ورواية: لا يبيت: تقتضي أنه يجوز له الخروج إلى بيته [ليلة] (٥) العيد؛ لأن الليلة مرادة للنهار [فإذا كان النهار] (٦) لا يصح
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في جـ: الغروب.
(٣) في أ: في.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: يوم.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ١٥٦ ]
فيه الصوم الذي هو شرط الاعتكاف، ولا يلزمه المكث في المسجد، فكذلك ليلته.
وروى ابن نافع عن مالك أنه يخرج إلى العيد مع الناس، ثم يرجع إلى المسجد (١).
وذهب بعض المتأخرين إلى أن ما وقع في الكتاب ليس باختلاف أقوال، وإنما هو اختلاف سؤال؛ وذلك أن المريض والحائض خرجا لعذر، والذي أدركه العيد هو منهي عن صيام ذلك اليوم، فلو لبث في معتكفه لتوهم أنه صائم، وبذلك أمر بالخروج يوم العيد إلى بيته.
وهذا فرق ضعيف، واحتجاج رهيف، والأصح أنه اختلاف أقوال، ولاسيما أن في مسألة يوم العيد قول ثالث: أنه لا يخرج إلى [العيد] (٢) أصلًا (٣)، وهو الأصح في النظر.
فيتحصل في الذي دخل عليه يوم العيد قبل أن يفرغ من اعتكافه أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (٤):
أحدها: أنه يبيت في المسجد ليلة الفطر، فإذا أصبح خرج ليشهد العيد مع الناس، ثم يمضي إلى بيته، فإذا غربت الشمس رجع إلى المسجد، وهو نص ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يخرج ليشهد العيد مع الناس، ثم يرجع إلى المسجد، ولا يذهب إلى أهله، وهو نص ابن نافع في "الكتاب".
والثالث: أنه لا يخرج إلى العيد أصلًا؛ قياسًا على صلاة الجنائز،
_________________
(١) انظر: النوادر (١/ ٩٧).
(٢) في أ: المسجد.
(٣) وهو قول سحنون.
(٤) انظر: المدونة (١/ ٢٢٦).
[ ٢ / ١٥٧ ]
وسائر العبادات؛ لأنه وإن كان مفطرًا فلا يخرجه ذلك عن سنة الاعتكاف وملازمة المسجد؛ قياسًا على المريض.
وظاهر المدونة: أن المريض لا يخرج من المسجد بنفس المرض حتى يخشى أن يكون منه ما يؤذي به المسجد.
وهو الذي قاله البغداديون تصريحًا، وهو قول ابن سحنون عن أبيه (١): أنه لا يخرج ويلازم المسجد، وإن كان مفطرًا، وهو أظهر الأقوال.
والرابع: أنه يبيت ليلة الفطر في بيته، ولا يفسد ذلك اعتكافه إن فعل، وهو أحد روايات المدونة -ولا [يبيت] (٢) يوم الفطر في المسجد يريد ليلة الفطر، وهو ظاهر قول ابن القاسم [في المدونة] (٣) في الذي اعتكف العشر الأواخر، فإذا كانت ليلة الفطر، فقال ابن وهب عن مالك [إذا كان يوم الفطر فإنه] (٤): يؤتى بثيابه إلى المسجد؛ فظاهر قوله: أنه يبيت ليلة الفطر في المسجد، بل هو كالنص.
قال ابن القاسم: فإن رجع ليلة الفطر إلى بيته: فلا قضاء عليه، وهكذا [وقع] (٥) في بعض نُسَخ "المدونة"، وهو صحيح في غير "المدونة".
وهذا القول الرابع [مُخَرَّج] (٦) غير منصوص عليه:
واختلف في الحائض إذا طهرت قبل الفجر، وتطهرت قبل أن تصبح،
_________________
(١) انظر: النوادر (٢/ ٩٦).
(٢) في أ: يلبث.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: تخريج.
[ ٢ / ١٥٨ ]
ثم دخلت في اعتكافها، فهل يجزئها ذلك أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يجزئها.
وهي رواية ابن وهب عن مالك، وهو ظاهر المدونة؛ لأنه قال: ترجع، أي: ساعة طهرت.
فإن كان زمانًا ينعقد فيه الصيام اعتدت بذلك الزمان.
والثاني: أنه لا يجزئها، وإن طهرت قبل الفجر، ونوت الصيام حتى يكون دخولها من أول الليل كابتداء الاعتكاف، وهو قوله سحنون في "النوادر" (١).
فهذا تحصيل الخلاف في هذا الوجه وبقى توجيه ما فيه من الأقوال:
فوجه القول الأول: أن المعتكف إذا خرج لعذر أنه يبقى في حرمة الاعتكاف؛ وذلك أن الاعتكاف هو اللبث في مكان مخصوص؛ فإذا طرأ عليه عذر يمنعه من الدوام في المسجد: فلا يخرجه عن سنة الاعتكاف [وذلك أن الاعتكاف هو اللبث في مكان مخصوص فلا يجزئه ذلك عن سنة الاعتكاف] (٢) في اعتبار حقوقه، والوفاء بسائر شروطه؛ كالراعف إذا خرج ليغسل الدم.
ووجه قول من قال: إنه يتصرف في جميع أموره داخلًا وخارجًا خلا المباشرة؛ لأن الاعتكاف لما عدم منه الصوم الذي هو أصل الاعتكاف، وركن من أركانه خرج من أن يكون معتكفًا على الحقيقة إلا فيما نص الله تعالى أنه لا يجوز فعله مع بقاء اسم الاعتكاف، وهو المباشرة.
ووجه القول: بأنهما يرجعان إلى المسجد -أي: ساعة زال العذر- هل
_________________
(١) انظر: النوادر (٢/ ٩٧).
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ١٥٩ ]
ملازمة المسجد مع عدم الصيام لازمة للمعتكف إذا تمكن [له] (١) اللبث أم لا؟
فمن رأى أن المكث لا يلزمه: لأنه لا يعتد بذلك [اليوم] (٢)، وهو وجه القول [بأنهما لا يرجعان] (٣) إذا تمكن لهما في أثناء النهار.
ومن رأى أن المكث لازم له، وأنه لا يجوز للمعتكف الإخلال ببعض شروط الاعتكاف التي لا عذر له فيها: قال: يرجع أي ساعة يتمكن له الدخول، وهو وجه القول بأنهما يرجعان.
وأما اختلافهم في الحائض إذا طهرت قبل الفجر، هل تعتد بذلك اليوم، إذا [دخلت] (٤) قبل الفجر، أو لا تعتد به إلا إذا دخلت في أول الليل؛ فإنه يتخرج على اختلافهم في المعتكف ابتداءً متى يدخل في اعتكافه؛ هل ذلك في أول [الليل] (٥) أو عند الغروب، ولا يجوز له التأخير إلى طلوع الفجر، أو يجوز له التأخير [عند طلوع الفجر] (٦) على ما سنتكلم عليه بعد هذا إن شاء الله؟
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان اعتكافًا منذورًا: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن ينذر أيامًا بأعيانها.
والثاني: أن ينذر اعتكاف أيام بغير أعيانها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: طهرت.
(٥) في جـ: النهار.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ١٦٠ ]
فإذا نذر اعتكاف أيام بأعيانها: فلا تخلو أن تكون من رمضان أو من غيره.
فإن كانت من رمضان [فمرضها] (١) أو حاضت فيها المرأة: فإنهما [يقضيانه ويصلانه بما] (٢) كان [من] (٣) الاعتكاف سواء كان ذلك في أوله أو في آخره.
وإن كان أفطر فيه ناسيًا: [فعليه] (٤) القضاء.
وإن كان عامدًا: [فعليه] (٥) استئناف الاعتكاف، مع الكفارة [لفطره] (٦) في رمضان، ولا خلاف أعلمه في المذهب في ذلك.
ووجهه: أن قضاء رمضان لابد له أن يبتدئه من حيث يجب عليه أن يقضيه كما لو كان وجب عليه أولًا؛ لأنه كان وجب عليه أن يصومه في الاعتكاف واجبًا؛ أما الصيام فبوجوب الله تعالى أما الاعتكاف فبإيجابه على نفسه أيضًا.
وأما إن كانت من غير رمضان فمرضها كلها أو بعضها أو حاضت فيها المرأة، فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (٧):
أحدها: أن عليها القضاء جملة من غير تفصيل.
وهي رواية ابن وهب عن مالك في بعض روايات "المدونة" في "كتاب
_________________
(١) في الأصل: فمرضت.
(٢) في أ: يقضياه ويصلاه بها.
(٣) في أ: في.
(٤) في أ: فعليهما.
(٥) في أ: فعليهما.
(٦) في أ: لفطرهما.
(٧) انظر: المدونة (١/ ٢٣٤).
[ ٢ / ١٦١ ]
الصيام".
والثاني: أنه لا قضاء عليها جملة.
وهو مذهب سحنون، وهو ظاهر "المدونة" (١) فيمن نذر صيام أيام بأعيانها فمرضها أنه لا قضاء عليه؛ لأنه مغلوب.
والثالث: التفصيل بين أن يكون ذلك قبل دخولهما فيه أو بعده.
فإن كان قبل الشروع فيه: فلا قضاء.
وإن كان بعد الشروع فيه: فليقضيا.
وهو تأويل ابن عبدوس على "المدونة".
والرابع: التفصيل بين المرض والحيض؛ فالمريض لا يقضي، والحائض تقضي؛ لأنها قصدت إلى البدل حين نذرت اعتكاف أيام يدخل عليها فيها الحيض؛ كناذر صيام ذي الحجة على أحد قولي مالك، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في "كتاب الاعتكاف" وبه قال الطحاوي.
وسبب الخلاف: هل يجوز أن يقاس صيام المنذور المعين علي صيام رمضان في القضاء إذا أفطر فيه لعذر مرض أو حيض، أو لا؟
فمن جوز القياس: قال بوجوب القضاء في المرض والحيض.
ومن منع القياس فقال: [الأصل] (٢) في الجميع ألا قضاء فخصصت السُّنة من ذلك صيام رمضان؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣).
والسُّنة في الحيض، وما عَدَاه على الأصل.
والقول بالتفريق بين أن يكون المرض والحيض [في أول الشهر أو في
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٢١٤).
(٢) في أ: في المرض.
(٣) سورة البقرة الآية (١٨٤).
[ ٢ / ١٦٢ ]
أول أيام المنذور أو كان بعد الشروع فيه أو قبله لا وجه له في النظر والقول بالتفرقة بين المرض والحيض] (١) وجهه: ما قدمناه من أن المرض جاءه بغير اختيار ولا عِلْمَ له به، هل يحل به أم لا؟
والحيض عادة معتادة غالبًا، فكأنها دخلت على [القضاء] (٢).
وقال أبو تمام المالكي البغدادي: معنى قوله في "المدونة": "تقضي الحائض": يعني: ما بقى عليها من الشهر بعد طهرها، لا أنها تقضي أيام حيضتها؛ لأن المرأة لا تحيض الشهر كله [وقد يمرض المريض الشهر كله] (٣).
وهذا عندي فرق بين المسألتين في الكتاب، وقوله: تقضي [يعني] (٤) ما بقى في الشهر كما ذكرنا؛ لأن القضاء يعبر به عن الأداء؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٥)، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ (٦).
فعلى هذا التأويل ترجع المسألة إلى ثلاثة أقوال.
واختلف أيضًا إذا أكل فيه ناسيًا، هل يجب عليه القضاء أم لا؟
قولان:
أحدهما: أنه يجب عليه القضاء بشرط الاتصال، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: الفطر.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سورة الجمعة الآية (١٠).
(٦) سورة البقرة الآية (٢٠٠).
[ ٢ / ١٦٣ ]
والثاني: أنه لا قضاء عليه كالمرض، والحيض على أحد الأقوال، وهو قول سحنون، والتوجيه: [ما تقدم] (١).
وأما الوجه الثاني: وهو أن ينذر اعتكاف أيام بغير أعيانها، فهل يجوز أن يجعلها في الصوم الواجب مثل رمضان وغيره؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يجوز أن يجعلها في الصوم الواجب عليه كيف كان؛ لأن النذر يوجب عليه الصوم، فليس له إسقاطه عن نفسه باعتكافه فيما قد وجب عليه صومه، وهذا هو المشهور.
والثاني: أنه يجوز له أن يجعله في صيام نذره، وهو قول ابن عبد الحكم.
وإن أفطر فيه [لعذر المرض أو النسيان، فإنه يقضي ويصل ذلك باعتكافه ولا خلاف في ذلك، وإن أفطر فيه] (٢) متعمدًا أو وجب عليه الاستئناف، فهل يعتكف اعتكافًا لقضائه، واعتكافًا لنذره؟
فالمذهب على قولين.
والخلاف فيه ينبني على الخلاف فيمن أفطر في قضاء رمضان متعمدًا، هل يقضي يومين أو يومًا واحدًا؟
وإن نذر اعتكاف يوم وليلة لزمه يوم وليلة، وكذلك إن نذر اعتكاف يوم لزمه يوم وليلة.
وهل يلزمه الدخول أول الليل عند الغروب، ولا يجوز له التأخير؟
فالمذهب على قولين:
_________________
(١) في جـ: ظاهر.
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ١٦٤ ]
أحدهما: أنه لا يجوز له التأخير عن أول الليل إلى قرب طلوع الفجر، فإن فعل: فإنه يبتدئ، وهو قول سحنون، وهو ظاهر "المدونة" (١).
والثاني: أن ذلك على معنى الاستحباب، فإن أخره إلى قرب طلوع الفجر: فإنه يجزئه وهو الذي نقله ابن الجلاب، وبه قال القاضي أبو محمَّد عبد الدهاب.
وإن نذر اعتكاف ليلة لزمه يوم وليلة على مذهب "المدونة" (٢).
وفي المسألة قول ثان: أنه لا شيء عليه، وهو قول سحنون.
وسبب الخلاف: الليل هل هو مقصود في الاعتكاف بعينه، أو مراد لغيره؟
فإن قلنا: إنه مقصود لعينه: فيجب عليه الدخول عند الغروب.
وإن قلنا: إنه مراد لغيره؛ وهو تبييت الصوم للنهار، قال: يجزئه التأخير [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٢٣٤).
(٢) انظر: المدونة (١/ ٢٣٤).
(٣) زيادة من جـ.
[ ٢ / ١٦٥ ]
المسألة الثالثة في ملازمة المعتكف [اعتكافه] (١) ووظيفته [في العبادات وموضع اعتكافه] (٢)
فهذه المسألة تتضمن ثلاثة [أسئلة] (٣):
منها: الموضع الذي يجوز فيه الاعتكاف.
ومنها: وظيفة المعتكف من العبادات.
ومنها: ملازمته لموضع الاعتكاف، ومنعه من الخروج والتصرف إلا ما لابُدّ له منه.
والجواب عن السؤال الأول:
وهو الموضع الذي يختص بالاعتكاف ولا يجوز في غيره:
ولا خلاف في مذهب مالك ﵀ أن الاعتكاف لا يجوز إلا في المسجد (٤) [على الجملة] (٥)، إلا خلاف شاذ روى عن ابن لبابة أنه يجوز الاعتكاف في غير المسجد، ولا يحتفل لقوله.
وإنما وقع الخلاف عندنا هل يجوز في كل مسجد أم لا؟
فهذا محل التفصيل: أن نقول: لا يخلو اعتكافه من أن يكون أيامًا قلائل تنقضي قبل دخول الجمعة، أو كان أيامًا تدخل عليه فيه الجمعة قبل
_________________
(١) في ب: معتكفه.
(٢) سقط من أ، ب.
(٣) في أ: أشياء.
(٤) انظر: المدونة (١/ ٢٣٥).
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ١٦٦ ]
انقضائها.
فإن كانت أيامًا تنقضي قبل دخول الجمعة، أو كان ممن لا يجب عليه إتيان الجمعة، فهل يجوز له أن يعتكف في كل مسجد أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يعتكف في كل مسجد -جامعًا كان أو غيره- وهو نص "المدونة" (١)، ومشهور المذهب.
والثاني: لا يجوز له أن يعتكف إلا في المسجد الجامع، ورواه ابن عبد الحكم عن مالك (٢).
وسبب الخلاف: معارضة العموم بالقياس؛ وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٣)، [فعمم جميع المساجد] (٤) والقياس يوجب ألا يكون الاعتكاف إلا في الجامع، أو بعض المساجد الذي تُشَد الرِّحال إليها لمزيتها على ما عداها من المساجد.
أما المساجد الثلاثة فلا يخفى فضلها، وما لها من الحرمة، كما نص عليه المخالفون أنه لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد [النبي - ﷺ -] (٥).
وأما المسجد الجامع: فلكونه تصلى فيه الجمعة، ولا يعتكف إلا في موضع تصلى فيه الجمعة؛ لأنه يُكَلَّفُ الخروج إليه.
وهذا الاعتبار إنما يصح فيمن تجب عليه الجمعة، وأن تكون الأيام التي نذر اعتكافها أيامًا تدخل عليه فيها الجمعة قبل الفراغ منها، إلا أن يقال:
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٢٣٥).
(٢) انظر: النوادر (٢/ ٨٨)، (١٠٠، ١٠١).
(٣) سورة البقرة الآية (١٨٧).
(٤) سقط من أ.
(٥) في الأصل: نبي.
[ ٢ / ١٦٧ ]
هذا خرج مخرج الغالب، وذلك أن الأَشْهَر من قول مالك أن الاعتكاف أقله عشرة أيام (١)، وعلى أن هذا خرج مخرج الغالب يصح هذا البناء.
فإن كانت أيامًا تدخل فيها الجمعة عليه قبل الفراغ منها: فلا خلاف في الذهب أنه لا يجوز أن يعتكف في غير الجامع، فإن فعل، وجاء يوم الجمعة: فإنه يخرج بلا خلاف؛ لأن فرض الجمعة واجب عليه، وليس الاعتكاف بعذر يسقطه عنه.
فإن خرج هل يفسد اعتكافه أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن اعتكافه باطل.
وهو قول ابن عبد الحكم في "النوادر" (٢).
والثاني: أن خروجه لا يفسد اعتكافه. وهو قول مالك.
والقولان قائمان من "المدونة".
فمن رأى أنه يخرج ولا يفسد اعتكافه: قاسه على الخروج لشراء الطعام الذي يجوز له، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
ومن رأى أن اعتكافه يبطل بالخروج: قاسه على رواية ابن نافع [أنه لا يخرج] (٣) لشراء الطعام.
وسبب الخلاف: في الجميع التُّهمة هل تَتَطَرَّق إليه [أم لا؟ فمن رأى أن التهمة تتطرق إليه] (٤) في تَعَرضه للاعتكاف أيامًا يعلم أنه يجب عليه
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٢٣٥)، والنوادر (٢/ ٨٨) ومن العتبية: قال ابن القاسم: قال مالك ما أعرف الاعتكاف يومًا ويومين من أمر الناس. انظر: البيان والتحصيل (٢/ ٣٠٦).
(٢) انظر: النوادر (٢/ ٩٤، ٩٥).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ١٦٨ ]
فيها الخروج إلى الجمعة، ويقصد ذلك، ويتطرق إليه في ترك الاستعداد لما يخرج إليه، أو لا يُتَّهم أن يجعل ذلك ذريعة إلى الخروج، قال ببطلان الاعتكاف.
ومن رأى أن التُّهْمَة لا تَتَطَرَّق إليه، وأنه لا يُتَّهم؛ لأن ذلك ضرورة تَعَرَّضَت له، قال: يخرج ويصح اعتكافه.
وعلى القول بصحة الاعتكاف مع خروجه، هل يرجع إلى موضعه أو يتم في الجامع؟
فلا يخلو ما بقى من اعتكافه من أن يكون كثيرًا تدخل عليه فيه الجمعة الأخرى قبل الفراغ منها، أو يكون أقل.
فإن كان كثيرًا: فلا خلاف في المذهب أنه يتمه في الجامع؛ لأن رجوعه إلى الموضع [الأول] (١) يعرضه للخروج مرة أخرى مع القدرة على الاستغناء عن ذلك.
فإن كانت أيامًا قلائل تنقضي قبل الجمعة الثانية، هل يتم في الجامع أو يرجع؟ قولان:
أحدهما: أنه يتم في الجامع، وهو قول مالك فيما حكاه عنه ابن القاسم (٢).
والثاني: أنه يرجع ويتمه في موضع ابتدائه، وهو قول عبد الملك أيضًا.
ووجه قول ابن القاسم: أنه يتم في الجامع؛ لأن رجوعه إلى الموضع
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: المدونة (١/ ٢٣٥).
[ ٢ / ١٦٩ ]
الأول مستغنى عنه كما [لو] (١) خرج ابتداء لغير معنى.
ووجه القول الثاني: في أنه يرجع إلى موضع الابتداء كما لو خرج إلى حق واجب عليه، على أحد قولي مالك؛ لأن الخروج [واجب] (٢) في الموضعين.
فإذا قلنا: إن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد [فإنه لا يجوز إلا في المسجد] (٣) ورحابه؛ فيكون في [حُجَرِه]، ولا يعتكف في سقائفه، ولا في بيت القناديل، ولا في المنار، ولا على ظَهْرِ المسجد.
على كلا القولين في الظَّهْرِ، هل يطلق عليه اسم المسجد أم لا؟
واختلف في المؤذن المعتكف؛ هل يصعد المنار أم لا؟ على قولين منصوصين في "المدونة" (٤).
والجواب عن السؤال الثاني:
في وظيفة المعتكف من العبادات، هل عمله مقصور على نوع من العبادات [مخصوص] (٥) أم لا؟
بعد الاتفاق أنه لا يجوز له التصرف في شيء من العادات داخل المسجد وخارجه، فاختلف في المدونة على قولين:
أحدهما: أن عمله مقصور على الصلاة وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى دون غيرهم من أعمال البر، وهو المشهور.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) انظر: المدونة (١/ ٢٣٠) والنوادر (٢/ ٩٣).
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ١٧٠ ]
والثاني: أن عمله عام في جميع أنواع البر المختصة بالآخرة، وهو مذهب ابن وهب؛ لأنه جوَّزَ له أن يُعيد المرضى في موضعه، والصلاة على الجنائز إذا انتهى إليه زحام الناس، ومُدَارَسَة العلم (١).
وقولنا: المختصة بالآخرة احترازًا من الحكم بين الناس والإصلاح بينهم.
وسبب الخلاف: أن هذا شيء مَسْكُوت عنه لم يَرِد فيه حَدّ من جهة الشَّارِع، فمن فَهِمَ من الاعتكاف حَبْس النفس على الأفعال المختصة بالمساجد قال: لا يجوز إلا الصلاة والذكر، وقراءة القرآن.
ومن فهم منه حبس النفس على القرب الأخروية [كلها] (٢) أجاز [غير] (٣) ذلك مما ذكرناه.
والجواب عن السؤال الثالث: في ملازمة موضع العكوف ومنعه من الخروج والتصرف:
ولا خلاف في المذهب أن وظيفة المعتكف: اللبث واللزوم في مكان مخصوص، وإنما لا يجوز له التصرف في شيء من أمور الدنيا على وجه الاختيار، سواء كان [ذلك] (٤) في حقه أو في حق غيره.
ولا خلاف أنه يجوز له الخروج للعادة الضرورية؛ كالتبرز لإماطة الأذى، ويكون ذلك في أقرب المواضع إليه، وكذلك الخروج لوضوئه وغسله من الجنابة.
_________________
(١) أجاز مالك أن يكتب الرسالة الخفيفة، ويقرأ مثلها، ويكره الكثير. النوادر (٢/ ٩٣).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ١٧١ ]
واختلف في خروجه لغسل الجمعة (١)؛ فإن خرج لحَقِ [غيره] (٢) على سبيل الاضطرار وتَعَيَّنَ عليه الخروج كالمعتكف في ثغر من الثغور (٣)، ثم هجم عليه العدو أو يكون قبله حد من الحدود فأخرج ليقام عليه الحد، فحد أو زال الخوف، هل [يبنى] (٤) على ما مضى من اعتكافه أولًا أو يبتدئ؟
على قولين منصوصين عن مالك [في الكتاب] (٥).
وسبب الخلاف: [هل النظر إلى صورة الخروج، فيبنى عليها أو] (٦) النظر إلى صورة الدخول في الابتداء؛ لأنه يغرر باعتكافه؛ لأن من كان راصدًا في الثغور مع إمكان هجوم العدو عليه، فقد عَرَّضَ اعتكافه للبطلان.
وكذلك من كانت ذمته عامرة بالديون، أو قِبَله حدود لله أو [للعباد] (٧) فقد يتهم أن يكون قصد باعتكافه اللَّدَد (٨) والمماطلة فيكون قد عَرَّضَ اعتكافه للبطلان.
وقد لا يقصد ذلك فيبنى؛ لأنه غير مختار للخروج إن كانت قبله شهادة فلا يجوز له الخروج لأدائها لإمكان النقل عنه، وهو في موضعه لم يَبرَح كالمريض [والحمد لله وحده] (٩).
_________________
(١) قال ابن وهب عن مالك: ولا بأس أن يخرج لغسل الجمعة إلى الموضع الذي يتوضأ فيه، ولا بأس أن يخرج يغتسل للحر يصيبه. النوادر (٢/ ١٩٣).
(٢) في ب: عليه.
(٣) كره مالك الاعتكاف في الثغور. النوادر (٢/ ١٠٠، ١٠١).
(٤) في أ: يمضي.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ، ب.
(٧) في الأصل: للعبادة.
(٨) شدة الخصومة.
(٩) زيادة من أ.
[ ٢ / ١٧٢ ]
المسألة الرابعة إذا أحدث المعتكف ذنبًا فيه اعتكافه
وقد قال في الكتاب: إذا سكر ليلًا فسد اعتكافه.
وقد اختلف المتأخرون في تأويل ذلك، وفي علة البطلان؛ فذهب [البغداديون] (١) إلى أن العلة في ذلك معصية كبيرة صدرت منه؛ فحمل على هذا كل كبيرة ارتكبها المعتكف من غيبة، أو نميمة، أو شرب مسكر، وإن لم يسكر.
وهذا الذي قاله ظاهر المدونة لاحتجاجه في المسألة بقول ابن شهاب فيمن أصاب ذنبًا أن ذلك يقطع اعتكافه، ولم يرد بذلك أن الأعمال تحبط بالذنوب كما يتوهمه بعض الأغبياء ممن لا دراية له في أصول الشريعة، ولو تفكر وتدبر وأمعن النظر في سر الاعتكاف، وكونه يبطله الاشتغال بأنواع العبادات التي هي فرض على الكفاية مع تلبسه باعتكافه وملازمته لمكانه، ولم يخرج عنه إلى غيره ما خطر له ذلك بالبال، فضلًا عن أن يتفوه [به] (٢)، مع ما في ذلك من تشويش عقائد أهل السنة.
والاتفاق من كل مؤمن بالله تعالى واليوم الآخر أنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة (٣)، وأن الأعمال لا تحبط بالذنوب.
وذهب بعض القرويين إلى أن العلة في بطلان الاعتكاف كونه سكر، وذهب عقله بسببه فأدَّاه ذلك إلى تعطيل عمل الاعتكاف إلى طلوع الفجر،
_________________
(١) في أ: بعضهم.
(٢) سقط من أ.
(٣) ما لم يستحله.
[ ٢ / ١٧٣ ]
وكذلك [لو شرب] (١) كل ما يعلم أنه [يعتبر] (٢) به ذلك منه لأفسد به اعتكافه.
هذا تأويل أبي الحسن اللخمي، وليس في الكتاب ما يدل على تأويله؛ لأنه لم يقل: سَكِرَ أول الليل، إنما قال: سكِرَ ليلًا، [و] (٣) ذهب منه [قبل] (٤) الفجر فتحرز بهذا اللفظ وبَيَّن أنه بَيَّتَ الاعتكاف قبل طلوع الفجر؛ لكي لا يظن ظان أن اعتكافه إنما فسد لكونه طلع عليه الفجر، وهو سكران [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: يضر.
(٣) في ب: ثم.
(٤) سقط من ب.
(٥) زيادة من جـ.
[ ٢ / ١٧٤ ]
المسألة الخامسة العبد والمكاتب إذا نذرا اعتكافًا
فإن أذن لهما السيد: فلا إشكال.
وإن منعهما السيد:
فأما المكاتب: فإن كان ما نذر من اعتكافه أيامًا يسيرة لا ضرر فيه على سيده: فليس له أن يمنعه.
وإن كان كثيرًا: فله المنع.
وأما العبد: فإن منعه السيد فلا يعتكف، ويلزمه ذلك إن عُتق.
وكذلك المشي والصدقة إذا نذر ذلك، فلسيده منعه من ذلك، وإن أعتق يومًا لزمه ما نذر من مَشْي أو صدقة إن بقى ذلك المال في يده.
وقال في "كتاب العتق" في الأمَة إذا حلفت بصدقة مالها أن عليها في حنثها إخراج ثلثه، وقال ابن القاسم فيه: فإذا رد ذلك السيد بعد حنثها لم يلزمها (١).
واختلف المتأخرون في ذلك، هل هو اختلاف أقوال، أو اختلاف أحوال، أو اختلاف سؤال؟
فذهب بعضهم إلى أن ذلك اختلاف أحوال، وأن مسألة العتق في مال معين ومسألة الاعتكاف في غير معين، ويدل عليه قوله في الكتاب: إذا كان مالها الذي حلفت عليه في يدها.
وكذلك قال سحنون في اعتكاف العبد إذا كان معينًا فمنعه السيد: لم
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٢٣١).
[ ٢ / ١٧٥ ]
يلزمه قضاؤه.
وذهب بعض الأندلسيين إلى أن ذلك اختلاف أقوال، وإلى هذا ذهب من يريد الراحة، ويصرف العناء في البحث عن نفسه.
وذهب آخرون إلى أن ذلك اختلاف سؤال، وأن مسألة العتق تُرَدُّ فيها صدقتها، وهذا منعها من التنفيذ ولم يَرد، وهذا ضعيف جدًا، وقيل: مسألة الاعتكاف تمت عند قوله: لسيدها أن يمنعها.
ثم جاء بسؤال آخر: إذا فعلت ذلك ولم يرد السيد، إلا أنفذه في مدة رقها: فأجاب أن ذلك لا يلزمها؛ لئلَّا يظن ظان أن ذلك لا يلزمها بإذن السيد وقت جواز إذنه.
وهذا التأويل أسعد بظاهر الكتاب، وأليق بنص "المدونة"، وبالله التوفيق، والحمد لله وحده.
[ ٢ / ١٧٦ ]
كتاب الزكاة
[ ٢ / ١٧٧ ]