تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها ثمان مسائل:
المسألة الأولى في البيع والشراء مع المشركين
ولا يخلو المشركون من وجهين:
أحدهما: أن يكونوا أهل حرب.
والثاني: أن يكونوا أهل ذمة.
فإن كانوا أهل حرب فلا تخلو المعاملة معهم من أن تكون في بلادهم أو في بلاد الإِسلام.
فإن كانت المعاملة معهم في أرض الحرب فإن ذلك لا يجوز باتفاق المذهب، والدليل على ذلك أن الله تعالى أوجب الهجرة على من أسلم ببلد الفكر إلى بلاد الإِسلام حيث تجري عليه أحكامهم فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ الآية (٢).
نزلت هذه الآية فيما قال ابن عباس وغيره من علماء التأويل: في قوم من أهل مكة كانوا قد أسلموا وآمنوا بالله ورسوله فتخلفوا عن الهجرة فعرضوا على الفتنة فافتتنوا وشهدوا مع المشركين حرب المسلمين، فأبى الله
_________________
(١) سورة الأنفال الآية (٧٢).
(٢) سورة النساء الآية (٩٧).
[ ٧ / ٧٥ ]
قبول معذرتهم التي اعتذروا بها حيث يقول إخبارًا عنهم: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ أي: فتتركوا الذين يستضعفونكم ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ الآية.
ثم إن الله تعالى عذر أهل الصدق فقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾، إلى قوله: ﴿لَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (١) أي: لا يهتدون سبيلا يتوجهون إليه لو خرجوا لهلكوا ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (٢) في إقامتهم بين أظهر المشركين، فكانت الهجرة إلى النبي - ﷺ - قبل فتح مكة على من أسلم بها واجبة فريدة إذ فرض الله عليهم فيها البقاء مع رسوله حيث استقر والتحول معه حيث تحول لنصرته ومؤازرته وصحبته ويحفظوا عنه ما يشرع لأمته ويبلغوا ذلك عنه للأمة، ولم يرخص لأحد منهم في الرجوع إلى وطنه وترك رسول الله - ﷺ -.
ولذلك قال رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع: "لا يقيمن مهاجر بمكة بعقد قضاء نسكه فوق ثلاث" (٣) خص الله تعالى من آمن بالنبي - ﷺ - وهاجر إليه ليتم له بالهجرة إليه والمقام معه وترك العودة إلى الوطن الغاية من الفضل الذي سبق لهم في سابق علمه، وهم الذين سماهم الله تعالى بالمهاجرين ومدحهم بذلك فلا ينطلق هذا الاسم على أحد سواهم، فلما فتح الله مكة قال - ﷺ -: "مضت الهجرة لأهلها" (٤) أي فازوا بها وحصلوا عليها وانفردوا بفضلها دون من بعدهم.
وقال أيضا: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية فإذا استنفرتم
_________________
(١) سورة النساء الآية (٩٨).
(٢) سورة النساء الآية (٩٩).
(٣) أخرجه البخاري (٣٧١٨)، ومسلم (١٣٥٢).
(٤) أخرجه البخاري (٢٨٠٢)، ومسلم (١٨٦٣).
[ ٧ / ٧٦ ]
فانفروا" (١)، أي لا يبتدئ أحد من أهل مكة ولا غيرهم هجرة بعد الفتح فينال بذلك درجة من هاجر قبل الفتح ويستحق أن يسمى باسمهم ويلحق بجملتهم لأن فرض الهجرة ساقط بل إن الهجرة باقية لازمة إلى يوم القيامة بإجماع المسلمين على كل مسلم يقيم عند المشركين إلا أن هذه الهجرة لا يحرم على المهاجر منها الرجوع إلى وطنه إن عاد دار إسلام واستسلام فإذا وجب بالكتاب والسنة وإجماع الأمة على من أسلم ببلد الحرب أن يهاجر ويلحق بدار الإِسلام ولا ينثوي بين المشركين ويقيم بين أظهرهم لئلا تجري عليه أحكامهم فكيف يباح لأحد الدخول إلى بلادهم حيث تجري عليه أحكامهم في تجارة أو غيرها فلذلك شدد مالك الكراهة، وقد سئل عن ذلك فقال: قد جعل الله لكل نفس أجلا تبلغه ورزقا تنفده وهو يجري عليه أحكامهم فلا أرى ذلك.
وكره مالك أن يسكن أحد ببلد يسب فيه السلف فكيف ببلد (يفكر في بالرحمن) (*) ويعبد فيه من دونه الأوثان لا تستقر نفس أحد على هذا وهو مسلم سوى مريض الإيمان.
وقد صرح سحنون - ﵁ - بأن الدخول إلى أرض العدو للتجارة اختيارا أنه جرحه، وهو تفسير لما وقع في "المدونة" في "كتاب الولاء" وقد بيناه هناك بيانا كافيا.
فواجب على والي المسلمين أن يمنع الدخول إلى أرض الشرك للتجارة ويضع المراصد ويسد المسالك حتى لا يجد أحد السبيل إلى ذلك ولاسيما إن خشى أن يحمل إليهم ما لا يحل بيعه منهم مما هو قوة الإِسلام لاستعانتهم به في حروبهم فمن أخذه الإمام ممن حمل إليهم تجارة فواجب أن يؤدبه
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٣١)، ومسلم (١٣٥٣). (*) قال معد الكتاب للشاملة: كذا في المطبوعة، ولعلها: "فكيف ببلد يُكَفرُ فيه بالرحمن "، والله أعلم.
[ ٧ / ٧٧ ]
ويعاقبه عقوبة مثله على قدر حاله في حزبه وتفحمه وذلك موكول إلى اجتهاد الإمام.
فأما الوجه الثاني من الوجه الأول في معاملة أهل الحرب في البيع والشراء إذا قوموا إلينا بأمان فلا خلاف في جوازها على الجملة.
والدليل على ذلك ما خرجه البخاري من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق - ﵁ - قال: بينما نحن عند النبي - ﷺ - إذا برجل مشرك جاء بغنم يسوقها، فقال له رسول الله - ﷺ -: "أبيعًا أو عطية أو هبة"، فقال: بل بيع، فاشترى رسول الله - ﷺ - شاة (١).
فهذا دليل على جواز مبايعتهم، ثم لا تخلو مبايعتهم من أن تكون بالعين أو بالعرض.
فإن كانت بالعين الممسوحة التي يكتب فيها اسم الله ﷿ فلا خلاف في جواز مبايعتهم بها.
وأما الدنانير والدراهم المنقوشة التي فيها اسم الله ﷿ فذلك مكروه غير محظور.
وأما مبايعتهم بما سوى الدنانير والدراهم من جميع الأشياء فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون مما يعود بالضرر على المسلمين.
والثاني: أن يكون مما يعود وباله على المسلمين إلا أن [فيه] (٢) إعانة لهم مما هم عليه من عمارة الكنائس.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢١٠٣)، ومسلم (٢٠٥٦).
(٢) في أ: فيهم.
[ ٧ / ٧٨ ]
والثالث: أن يكون فيه إذلالا للمسلمين.
والرابع: أن يكون مما لا يعود ضرره على المسلمين ولا فيه إقامة لعمارة كنائسهم.
فإن كان ذلك مما يعود وباله على المسلمين كمبايعتهم بما يستعينون [به] (١) في حروبهم ويتقوون به على أهل الإِسلام كالخيل والسلاح وما منه تستعمل الآلات المستعدة للكفاح كالحديد والنحاس والحرير وكل شيء يرهنون به على المسلمين، فلا يجوز أن يباع منهم قولًا واحدًا؛ لأن النحاس منه يعملون الطبول، والحرير يعملون منه البنود والرايات.
وكذلك لا يجوز أن يباع منهم العبد النصراني لأنه يكون دليلًا على المسلمين وعورة عليهم.
وأما ما لا يعود وباله على المسلمين إلا أن فيه إعانة لهم على عمارة كنائسهم كالثياب التي يتزينون بها في كنائسهم هل يجوز أن يباع منهم ذلك أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك جائز وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أن ذلك لا يجوز، وهذا القول حكاه ابن مزين عن أصبغ، وأما ما فيه إذلال بالمسلمين وإهانة لهم كعبيد مسلمين طلبوا شراءهم من المسلمين فلا خلاف في المذهب أن ذلك لا يجوز ابتداء.
فإذا وقع ونزل هل يفسخ العقد أو يمضي أو يباع عليه؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن البيع ناقد ويباع عليه، وهو قول ابن القاسم في
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٧ / ٧٩ ]
"الكتاب".
والثاني: أن البيع مفسوخ وهو قول أشهب في "كتاب المدبر" في الذمي يشتري مسلمًا، ويؤخذ لابن القاسم من "كتاب الشفعة"، من "المدونة" في الذي اشترى الدين على رجل قاصدًا إعنات الذي عليه الدين قال: إن البيع لا يجوز ويفسخ إن نزل؛ لأن العلة في الجميع إعنات المسلم وإضراره.
فإذا منع ذلك للمسلم مع تساويهما في الإِسلامية فبأن لا يجوز للكافر مع اختلاف الدينية والملة أولى وأحرى.
وأما ما لا ضرر فيه على المسلمين ولا يعود عليهم بالوبال في أغلب الأحوال كالعروض التي ليست بآلة للقتال مثل أن يبتاع منهم ما يقي الحر والبرد من الثياب أو ما هو مصلح للقوت كالملح والزيت وما أشبه ذلك فلا إشكال في جواز ذلك.
وأما إذا طلبوا ذلك منا في مفاداة الأسارى، فلا يخلو ما طلبوه منا من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون ذلك مما يجوز أن يباع منهم.
والثاني: أن يطلبوا ما لا يجوز أن يباع منهم.
والئالث: أن يطلبوا منا ما لا يجوز تملكه لنا.
فإن طلبوا منا ما يجوز لنا بيعه منهم مما هو متفق عليه أو يختلف فيه فإنهم يساعدوا على ما طلبوا قولًا واحدا.
فإن طلبوا ما لا يجوز لنا أن نبيعه منهم كالخيل والسلاح والقمح والشعير ولم يطلبوا منا في الفداء إلا ذلك فلا يخلو من أن يكون الأسارى في بلادهم أو قدموا منهم بأمان.
[ ٧ / ٨٠ ]
فإن كانوا في بلاد العدو فلا يخلو من أن يكون الأسارى عددهم كثير أو يسير.
فإن كان عددهم كثير فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو مذهب سحنون، وهو الأظهر في النظر.
والثاني: أن ذلك لا يجوز لما في ذلك من إعانة المشركين وقوة لمددهم وعددهم أو هو قول ابن حبيب.
فإن كان عددهم يسيرا فلا خلاف في الجواز.
فإن قدموا منهم بأمان للفداء أو أبوا أن يفدوا منهم إلا بما ذكرنا فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهم يجبرون على أن يفديهم منهم ولا يتركوا أن يرجعوا بهم إلى بلادهم وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
والثاني: أنهم لا يجبرون على ذلك ولهم الرجوع بهم إلى بلادهم وهو أحد قولي ابن القاسم في "العتبية"، فيمن أسلم من عبيدهم إذا دخلوا إلينا بأمان أنهم لا يجبرون على بيعهم.
فإن طلبوا إلينا ما لا يجوز لنا تملكه مثل الخمر وغيره فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك جائز وهو قول أشهب في "العتبية" لأن ذلك طاعة لا تنال إلا بمعصية وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب أن كل طاعة لا تنال إلا بارتكاب معصية فهي ساقطة -كانت فرضًا أو نفلا.
والثاني: أن ذلك جائز لأنها ضرورة وهو قول سحنون وابن القاسم، وروى عنه أن ذلك أخف من الخيل والسلاح يريد على المسلمين من الضرر
[ ٧ / ٨١ ]
في فدائهم بالخيل والسلاح.
وأحسب أني قد رأيت لبعض المتأخرين أن ذلك جائز، ويؤخذ الخمر من أهل الذمة بقيمته.
فإن صح ذلك يكون تفسيرًا لما قاله ابن القاسم وسحنون - ﵄ - إذ لا يصح إلا كذا، ولا يجوز عصر الخمر ولا تملكه بإجماع.
وأما من يجوز أن يبيعه منهم ممن دان بغير دين الإِسلام من سائر أجناس الكفار وأنواعهم من كتابي ومجوسي، ففي أهل الكتاب قولان:
أحدهما: أنه لا يباع بعضهم من بعض أصلًا -يهودي من نصراني، أو نصراني من يهودي- للعداوة التي بينهم -صغيرًا أو كبيرًا- وبه قال ابن وهب وسحنون وهو ظاهر "المدونة" عند بعضهم.
والثاني: أنه يجوز أن يباع بعضهم من بعض ومن غيرهم جملة بلا تفصيل.
والثالث: التفصيل بين الصغار والكبار، فالكبار يجوز بيعهم إذ لا يجبرون على دين الإِسلام إذا ملكوا قولًا واحدًا. والصغار لا يجوز بيعهم من كافر جملة لأنهم إذا ملكوا جبروا على الإِسلام، وهو قول مالك في "المدونة" في "كتاب التجارة إلى أرض الحرب".
وقد اختلف أصحابنا المتأخرون في تأويل ذلك فمنهم من قال: معنى ذلك يرجع إلى ما قال ابن وهب وسحنون.
ومنهم من قال: معنى ذلك في الصغار الذين لا آباء لهم فيكونون على دينهم، وهؤلاء إذا لم يكن معهم أباؤهم على دين من اشتراهم؛ فإذا اشتراهم مسلم فلا ينبغي له أن يبيعهم من كافر كائنًا من كان، وهذا هو الأصح والأظهر.
[ ٧ / ٨٢ ]
وأما المجوس فهم كل من دان بغير دين الكتابين من الصقالبة والبربر والروم والترك والسودان فإنهم يمنعون أعني أهل الكفر من شرائهم ابتداء.
فإن نزل هل يمضي أو يرد فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن البيع يمضي ولا يرد جملة بلا تفصيل، وهو قول مالك - ﵁ - في "المدونة" في "كتاب التجارة" في الصقالبة حيث قال: ما أعلمه حراما وغيره أحسن.
الثاني: المنع جملة، وهو قول ابن القاسم وابن نافع في الكتاب المذكور.
والثالث: التفصيل بين الصغار والكبار، فيفسخ البيع في الصغار ويمضي في الكبار وهو أحد قولي مالك في "العتبية"، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب النذور" و"كتاب الظهار" وغيرهما ولا أظنهم يختلفون في أن الصغير من المجوس يجبر على الإِسلام، وإنما اختلفوا هل يكون مسلما بنية المالك إذا اشتراه ونيته أن يدخله في الإِسلام.
وعلى هذا يتخرج ما وقع في "كتاب الجنائز" وغيره فتنبه لهذا المعنى ولا تغفل عنه.
وينبني الخلاف على الخلاف فيمن ملك أن يملك هل يعد مالكا أم لا؟
وأما الشراء منهم فلا يخلو من أن يكون بيننا وبينهم هدنة أولًا.
فإن لم تكن لهم هدنة فلا خلاف أنه يجوز لنا أن نشتري منهم كل ما يجوز لنا تملكه من جميع الحيوانات وسائر العروض من أموالهم.
فإن كان بيننا وبينهم هدنة فهل يجوز لنا أن نشتري منهم أولادهم أو
[ ٧ / ٨٣ ]
يجوز لنا أن نأخذهم فيما صالحناهم عليه من رأس أو مال.
أما الكبار فلا خلاف أعلمه في المذهب أنه لا يجوز لنا أن نشتريهم ولا أن نأخذهم منهم ولا الصغار إذا كانت الهدنة مما يبلغ قبل انقضائها لأن ذلك نقض للعهد.
واختلف في الصغار إذا كانت الهدنة تنقضى قبل أن يبلغوا هل يجوز شراؤهم وأخذهم أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك جائز وهو نص "المدونة".
والثاني: أن ذلك لا يجوز، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" في التعليل بأن للصغار من الهدنة ما للكبار.
وأما الوجه الثاني: إذا كانوا أهل ذمة فلا خلاف في جواز معاملتهم بالدنانير والدراهم غير المنقوشة.
وإن كانوا يستحلون بيع الخمر والخنزير ويعملون بالربا كما قال الله ﷿: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (١) لأن الله تعالى قد أباح أخذ الجزية منهم وقد علم ما يفعلون وما يأتون وما يدرون لأنهم لو أسلموا لطاب لهم ما بأيديهم من الربا والخمر والخنزير لقوله: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (٢)، ولقوله ﵇: "من أسلم على شيء فهو له" (٣)، وما كره
_________________
(١) سورة النساء الآية (١٦١).
(٢) سورة البقرة الآية (٢٧٥).
(٣) أخرجه أبو يعلى (٥٨٤٧) وسعيد بن منصور في سننه (١٨٩) والبيهقي في الكبرى (١٨٠٣٨)، قال الحافظ: فيه ياسين بن معاذ الزيات، وهو منكر الحديث متروك. وقال أبو حاتم: لا أصل له. لكن صححه الشيخ الألباني - رحمه الله تعالى - بمجموع طرقه.
[ ٧ / ٨٤ ]
مالك - ﵁ - من بيع سلعة من ذمي بدنانير أو دراهم يعلم أنه أخذها في ثمن خمر أو خنزير وأباح له أن يأخذ ذلك منه على دين له وهو على طريق التنزه والتورع وذلك على خلاف القياس. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٨٥ ]
المسألة الثانية في معاملة المسلم مع الذمى فيما لا يجوز للمسلم أن يملكه كالخمر
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون المسلم هو البائع للخمر.
والثاني: أن يكون النصراني هو البائع لها.
فأما الوجه الأول: إذا كان المسلم هو البائع للخمر من مسلم أو نصراني فلا يخلو من أن يعثر على ذلك قبل أن يقبض المشتري الخمر أو بعد أن قبض.
فإن عثر عليه قبل أن يقبضها المشتري فإن البيع ينتقض ويكسر الخمر وسقط الثمن عن المشتري إن لم يدفعه.
فإن كان قد دفعه وقبض منه هل يرد عليه أو يتصدق به؟ على قولين:
أحدهما: أن الثمن يرد على المشتري وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
والثاني: أنه مصدق على المشتري أدبا له وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة".
فإن لم يعثر على ذلك حتى قبضها المبتاع فلا تخلو من أن تكون قائمة بيده أو استهلكها.
فإن كانت الخمر قائمة بيد المشتري فلا خلاف أنها تكسر على البائع، واختلف في البيع هل يفسخ بينهما أم لا؟ على قولين: فعلى القول بفسخ
[ ٧ / ٨٦ ]
البيع فإن الثمن يتخرج على الخلاف الذي قدمناه إذا عثر على ذلك والخمر بيد البائع هل يرد الثمن على المشتري أو يتصدق به عليه؟
فعلى القول بأن البيع لا ينفسخ بينهما فإن الثمن لا يتصدق به على المساكين -قبض أو لم يقبض- إذ لا يحل للبائع ولا يصح تركه للمشتري ولا فرق في ذلك بين أن يكون المشتري نصرانيًا أو مسلمًا.
فإن لم يعثر على ذلك حتى استهلك المشتري الخمر فهاهنا يفرق الحكم بين أن يكون المبتاع مسلمًا أو نصرانيًا.
فإن كان مسلمًا يتصدق بالثمن على المساكين قولًا واحدًا قبض أو لم يقبض -إذ لا سبيل إلى نقض البيع وإغرام المسلم الخمر الذي استهلك وكسرها على البائع.
وإن كان نصرانيًا، فعلى قولين:
أحدهما: أنه يغرم مثل الخمر وتكسر على البائع وينقض البيع ويسقط الثمن عنه إن كان لم يدفعه، وإن كان دفعه رد إليه على قول أو يتصدق به على قول حسبما قدمناه في صدر المسألة.
والثاني: أن البيع يمضي ويتصدق بالثمن على المساكين -قبض أو لم يقبض.
أما الوجه الثاني: إذا كان النصراني هو البائع للخمر من مسلم فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعثر على ذلك والخمر باقية بيد البائع.
والثاني: أن يعثر على ذلك وهي باقية بيد المشتري بعد قبضها.
والثالث: أن يعثر على ذلك بعد أن قومها المشتري.
[ ٧ / ٨٧ ]
فإن عثر على ذلك قبل أن يقبضها المشتري وهي قائمة بيد البائع فإنها تكسر على البائع وينفسخ البيع ويسقط الثمن عن المبتاع المسلم إن كان لم يدفعه إلى البائع.
وإن كان قد دفعه فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يرد الثمن إلى المبتاع وهو قول ابن حبيب.
والثاني: أنه لا يرد إليه ويتصدق به عليه أدبا وهو ظاهر قول مالك في "المدونة".
فإن عثر على ذلك والخمر قائمة بيد المشتري فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يكسر على البائع ويرد الثمن إلى المبتاع إن كان قد دفعه ويسقط عنه إن كان لم يدفعه وهي رواية [ابن أبي أويس] (١) عن مالك.
والثاني: أنها تكسر على المبتاع ويتصدق بالثمن إن لم يقبضه البائع أدبا، وإن قبضه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يترك له وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب التجارة".
والثاني: أنه يتصدق به أدبا له -قبضه أو لم يقبضه- وهو قول سحنون.
والثالث: التفصيل بين أن ينقد المشتري الثمن أم لا.
فإن نقد الثمن فإن الخمر تكسر على المشتري، والثمن للبائع.
_________________
(١) في أ: أويس.
[ ٧ / ٨٨ ]
وإن لم يؤخذ منه فإن لم ينقد فإنها تكسر على البائع ويفسخ البيع ويسقط الثمن على المبتاع، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
فإن لم يعثر على ذلك إلا بعد فوات الخمر بيد المشتري المسلم فإنه يؤخذ منه الثمن ويتصدق به على المساكين إن كان لم يدفعه إلى النصراني أدبا له.
وإن كان النصراني البائع قد قبضه منه فعلى قولين:
أحدهما: أنه يسترد منه ويتصدق به وهو قول سحنون.
والثاني: أن الثمن لا يسترد منه وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وبه قال ابن حبيب في واضحته. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٨٩ ]
المسألة الثالثة في التفرقة بين الأم وولدها في البيع
والأصل في بيع التفرقة قوله - ﷺ -: "لا توله والدة بولدها" (١)، من الوله وهو الحيرة. وقال - ﷺ -: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" (٢).
واختلف العلماء في مقتضى النهي فمنهم من حمله على ظاهره وأنه يقتضي الفساد كنهيه - ﷺ - عن بيع الغرر الذي النهي فيه معلل بأكل المال بالباطل للإخلال ببعض أركان العقد، وآخرون لا يرونه مقتضيا للفساد معولون على الفرق بينهما من حيث افتراق متعلق بالنهي ومحله لأن الفساد في بيع التفرقة لم يكن في ثمن ولا مثمون فلا معنى لإلحاقه بالغرر والذي اختلت بعض أركانه ولم تنتظمه حقيقة البيع.
فإذا ميزنا بيع التفرقة وبيع الغرر وفرقنا بينهما على مشهور المذهب فما حكمه؟ فقد اختلف الأصحاب في ذلك، فقال بعضهم أن البيع لا يفسخ بل يلاقى بأن يباع الولد والأم على مالكهما ولا يفسخ كالنصراني اشترى عبدًا مسلمًا محافظة على قاعدة البيع المبنية على الأحكام والانبرام فلا يصادمها إلا ما هو مناقض لأصلها من فساد في أحد أعواضها فأما ابن القاسم فمتون الأجوبة التي أجاب بها في الكتاب مختلفة.
وقال في الهبة والصدقة والجناية والوصية: إذا كان الولد لأحدهما بأحد
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "الكبرى" (١٥٥٤٥)، وضعفه الحافظ ابن حجر، والألباني رحمهما الله تعالى.
(٢) أخرجه الترمذي (١٥٦٦)، وأحمد (٢٣٥٤٦)، وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
[ ٧ / ٩٠ ]
الوجوه التي ذكرنا والأم لرجل آخر أنه يكلف لهما الجمع بينهما في ملك واحد.
والثاني: أن يجمع بينهما في حوز، والقولان متأولان على "المدونة".
وقال فيما افترق الملك بالمعاوضة الاختيارية إما أن يجمع بينهما في ملك أحدهما وإلا فسخ البيع فقال هاهنا بالفسخ ولم يقل يباعان عليهما.
وقال فيما إذا باع الأم على خيار المشتري ثم اشترى البائع الولد أنهما يجبران على البيع والجمع وإلا بيعا عليهما، ولم يقل بالفسخ إن امتنعا فذهب أصبغ إلى أن ذلك اختلاف قول وذلك ظاهر.
وذهب بعض حذاق المتأخرين إلى أن ذلك اختلاف يرجع إلى حال وخرج لذلك وجهًا يقتضي التلفيق، وأشار إلى أن المعنى المانع من إطلاق القول بالبيع عليهما جبرًا لما في ذلك من جمع السلعتين في البيع لمالك وذلك غرر وخطر وقال: الفسخ أولى، ولهذا قال في الهبة والصدقة والوصية والجناية بأنهما يباعان عليهما لتعذر الفسخ، والمشتري بالخيار إنما لم يقل فيه بالفسخ لأن البائع يتهم أن يكون إنما اشترى الولد ليفسخ عقد المشتري فاستحق عقد السلعتين في هذه الوجوه لتعذر الفسخ إذ الفسخ في أغلب الأحوال إنما يستعمل في عقود المعاوضات فاستعمل الأصل كما ترى وربك أعلم.
وسبب الخلاف: اختلافهم في النهي عن بيع التفرقة هل ذلك لحق الولد أو ذلك لحق الأم أو ذلك لحق الله؟
فمن رأى أن ذلك حق لله وحق للولد قال بفساد البيع وفسخه.
ومن رأى أن ذلك حق للأم خاصة قال: يجوز البيع إذا أجازته وهو
[ ٧ / ٩١ ]
أحد أقاويل المذهب.
ومن اعتبر الحقوق الثلاثة قال: يفسخ البيع إذا غلب حق الله.
فإن لم يرجح أحد الحقوق وقال بأنهما يجبران على الجمع بينهما إما في ملك وإما في حوز. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٩٢ ]
المسألة الرابعة في الذمي إذا أسلم إلى ذمي درهما في درهمين أو في خمر ثم أسلما جميعًا أو أحدهما
فإن أسلما جميعًا وقد قبض ذلك من له السلف فذلك حلال له قولًا واحدا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (١)، وإن أسلما جميعا قبل القبض فليس له إلا رأس ماله قولًا واحدًا، وإن أسلما أحدهما ففي ذلك خمسة أسئلة:
أحدها: أن يسلم دينارًا في دينارين.
والثاني: أن يسلم إليه دنانير في دراهم أو دراهم في دنانير.
والثالث: أن يبيع منه خمرًا بدنانير ودراهم.
والرابع: أن يسلم إليه دراهم في خمر أو خنزير.
والخامس: أن يقرضه خمرًا أو خنازير.
فالجواب عن السؤال الأول: وهو أن يسلم دينارًا في دينارين فلا يخلو من أن يسلم الذي له الحق أو أسلم الذي عليه الحق. فإن أسلم الذي له الحق فليس له إلا ديناره الذي دفع لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾.
فإن أسلم الذي عليه الحق فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
_________________
(١) سورة البقرة الآية (٢٧٩).
[ ٧ / ٩٣ ]
أحدها: أنه يقضي عليه برد الدينار كما أسلما جميعا لأنه حكم بين مسلم وذمي وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يغرم الدينارين للذمي وهو قول مالك في "الموازية" وابن القاسم في "العتبية".
والثالث: التوقيف وهو قول مالك في "المدونة" والتوجيه ظاهر.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا أسلم إليه دنانير في دراهم أو دراهم في دنانير فلا يخلو من أن يسلم الذي له الحق أو الذي عليه الحق.
فإن أسلم الذي له الحق فليس له إلا رأس ماله دنانير أو دراهم تؤخذ الدراهم من النصراني يشتري بها الدنانير أو تؤخذ الدنانير فيشتري بها الدراهم إن كان أسلم فيها.
فإن أسلم المسلم إليه فإنه يتخرج على الخلاف الذي قدمناه في السؤال الأول إذا أسلم دينارًا في دينارين ولا فرق بين السؤالين.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا أسلم دنانير في خمر أو في خنزير فإن أسلم المسلم إليه فإنه يرد إليه رأس ماله قولًا واحدا في المذهب.
فإن أسلم الذي له السلم فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يرد رأس ماله كما لو أسلم الذي له السلم وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن الخمر تؤخذ من الذمي فتراق على المسلم وهو قول مالك في "المدونة".
والجواب عن السؤال الرابع: إذا باع منه خمرا بدنانير أو دراهم فلا يخلو من أن يسلما جميعًا أو يسلم البائع أو المبتاع فإن أسلما جميعًا أو
[ ٧ / ٩٤ ]
أسلم البائع وحده فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الثمن ثابت على البائع على كل حال وهو قول أشهب والمخزومي.
والثاني: أن الثمن يسقط عن المبتاع إذا أسلما أو أسلم البائع وهو قول ابن أبي حازم وابن دينار.
فإن أسلم المبتاع فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يرد الثمن إلى الذمي على كل حال لأنه دين ترتب في ذمته وهذا هو مشهور [المذهب] (١) والمنصوص فيه.
والثاني: أن الثمن يسقط عنه.
والثالث: أن عليه قيمة الخمر وانقطع بها، والقولان مخرجان غير منصوص عليهما.
والجواب عن السؤال الخامس: إذا فرض الذمي خمرًا أو خنازير فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يسلما جميعًا، أو يسلم المقرض له، أو يسلم المقرض.
فإن أسلما جميعًا سقط القرض قولًا واحدًا.
فإن أسلم المقرض له وحده فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القرض يسقط عنه وهو قول مالك في "الواضحة".
والثاني: أن القيمة تلزم المقرض وهي رواية سحنون عن ابن القاسم.
فإن أسلم المقرض فالمذهب على قولين:
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٧ / ٩٥ ]
أحدهما: أنه لا شيء له على الذمي وهو المشهور أنه لا يجوز للمسلم أخذ الخمر والخنازير ولا اقتناؤهما.
والثاني: أن الخمر والخنازير يؤخذان من الذمي فتراق الخمر وتسرح الخنازير وهو اختيار ابن القاسم في "العتبية". [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٩٦ ]
المسألة الخامسة في المصراة
وهى حفل الضرع، وهى التي تركت مدة ولم تحلب في وقت صلابها حتى اجتمع اللبن في ضرعها ليغتر بذلك مشتريها ويحسب أنها كذلك في سائر الأوقات، وأصله الجمع، ومنه الصرر وهو: الماء المجتمع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ (١)، فقيل: في نساء مجتمعات، وقيل: في صجة وصحة وكأنه من اجتماع الأصوات أيضًا، ويقال: صريت الماء في الحوض واللبن في الضرع، وصريته يخفف ويشدد وليس من الصر الذي هو الربط. واختلف في ضبط قوله - ﷺ -: "لا تصر الإبل" (٢). على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الضبط فيه فتح التاء وضم الصاد والواو قدام الراء وفتح اللام في الإبل وهكذا: لا تَصُرُوا الإبلَ.
والثاني: أن التاء مرفوعة والصاد مفتوحة والراء مرفوعة واللام في الإبل مضمومة على أن الإبل مفعول لم يسم فاعله.
والثالث: أن الضبط فيه أن تكون التاء مرفوعة والصاد مفتوحة والراء مضمومة واللام في الإبل مفتوحة على أنه مفعول سمى فاعله، وهو الصحيح.
وقال القاضي أبو الفضل عياض: حكى لنا الشيخ ابن عتاب عن أبيه أنه
_________________
(١) سورة الذاريات الآية (٢٩).
(٢) تقدم.
[ ٧ / ٩٧ ]
كان يقول للطلبة: إذا أشكل عليكم ضبط هذا الحرف فاقرؤوا قوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ (١) فقال: نِعْمَ ما قال ﵀، فإن صرى مثل زكى مفعوله بعده منصوب وهذا والصحيح.
فأما من فتح التاء أوضحها فجعل الإبل مفعولا لم يسم فاعله فذلك لا يصح إلا على القول بأن معنى صر أي ربط وذلك ضعيف في النقل والسماع.
وأما على معنى صرى بمعنى منع فلا يصح ذلك جملة، فإذا ثبت ذلك فقد روى عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "لا تصر الإبل والغنم، ومن اشتراها [فهو] (٢) بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر" (٣)، وفي بعض طرق الحديث: "بعد أن تحلبها ثلاثًا"، وفي بعض طرقه: "بعد أن يحلبها ثلاثة أيام" وهو حديث ابن وهب.
فإذا اشترى شاة حلوبة فلا يخلو من أن يشترط ما تحلب كل يوم أو لم يشترطه.
فإن اشترط ما تحلب كل يوم فالمشتري على شرطه، فإن وجده كان وإلا كان له الخيار قولًا واحدا ولا كلام في ذلك للمشتري إذا وجدها قليلة الدر.
فإن كانت مصراة فتبين له النقصان في الحلبة الثانية كان له الخيار في الرد والإمساك بلا خلاف.
فإن حلبها ثالثة بعد أن ظهر له النقصان في الثانية هل يعد ذلك منه
_________________
(١) سورة النجم الآية (٣٢).
(٢) سقط من أ.
(٣) تقدم.
[ ٧ / ٩٨ ]
رضا بالمبيع أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك منه رضا ولا رد له بعد ذلك بعيب التصرية، وهو قول ابن المواز وهو ظاهر قوله في "المدونة"، حيث قال: إذا حلبها الثانية فقد علم بذلك نقص حلبها فإما رضيها أو ردها.
والثاني: أن الحلبة الثالثة لا تعد منه رضا وهو على رأس أمره في الخيار وهو قول مالك في "كتاب محمَّد" ورواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية" وهو ظاهر قوله في "المدونة" حيث قال: ولا حجة له في الثانية إذ بها يخير وهذا القول أظهر في النظر وموافق للأثر وذلك أنه إذا حلبها في المرة الأولى يغزر اللبن ويكثر الدر فيظن أن ذلك عادتها.
فإذا حلبها في المرة الثانية انتقص اللبن فيستريب المشتري وربما يتخيل أن النقصان من أجل المراح والمرعى وأن ذلك من إمساكها وتعطلها عن المرعى مدة التسويق؛ فإذا حلبها ثالثة تحقق له الخبر إما لأنها عادت إلى ما حلب منها أول مرة فتبين له النقصان من أجل المراعي والمراح.
وأما إن وافقت الثالثة الثانية فتبين له أن ذلك دلسة من البائع فيكون بالخيار ساعتئذ بين الرد والإمساك فهل يقبل قوله أنه ما رضيها بعد الحلبة الثالثة دون عين أم لا؟ على قولين فإن اختار الرد فهل يرد معها صاعًا من تمر أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يردها ويرد معها صاعًا من تمر وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه يردها ولا يرد معها شيئا وهو قوله في "كتاب ابن عبد الحكم" وبه قال أشهب.
وسبب الخلاف:
تعارض الحديثين وذلك أن قوله - ﷺ -: "الخراج بالضمان"، يقتضي أن
[ ٧ / ٩٩ ]
كل من استعمل شيئًا بوجه شبهة أن الغلة له بضمانه، وهذا الحديث موافق لأصول الأقيسة إلا أن قوله - ﷺ -: "يردها وصاعا من تمر" (١) معارض لحديث "الخراج بالضمان" (٢)، وهو أصل مستثنى وباب على حياله.
والحكمة في رد الصاع من التمر مع الشاة إذا ردها دون أن يرد معها اللبن الذي حلب منها وإن كان قائما أن اللبن المحلوب على تلك الحالة منه ما كان في ملك البائع مخزون في الضرع يوم البيع ومنه ما حدث في الضرع ويكون فيه بعد البيع وبعد أن صارت في ضمان المشتري ومقدار ما كان في ملك كل واحد من المتبايعين غير معلوم بالمقدار.
وقد تختلف في ذلك دعاويهما فيدعي كل واحد منهما الأكثر في ذلك فأمر الشرع برد الصاع من التمر قطعًا لمادة النزاع مثل ما حكم - ﷺ - بالغرة في الجنسين ولهذا قال مالك ﵀: وهذا الحديث ليس لأحد فيه رأي وهو مبني على أن أخبار الآحاد مقدمة على الأقيسة وهو مشهور مذهبه وهو مذهب أكثر الفقهاء خلاف ما حكاه البغداديون وذهبوا إليه من تقديم الأقيسة على أخبار الآحاد، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
وعلى القول بأنه يرد معها صاعا من تمر، فإذا قال البائع: أنا أقبلها بهذا اللبن الذي حلب منها هل يجوز أو لا يجوز ذلك؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه وهو قوله في "المدونة"، لأن الصالح قد وجب له فباعه بما رد مع الشاة من اللبن قبل
_________________
(١) تقدم.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٥٠٨)، والترمذي (١٢٨٥)، والنسائي (٤٤٩٠)، وابن ماجه (٢٢٤٣)، وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
[ ٧ / ١٠٠ ]
أن يقبضه.
والثاني: أن ذلك جائز ويكون إقالة وهو قول سحنون، وقال بعض المتأخرين: إنما تصح فيها الإقالة إذا حلبها المشتري بحضرة الشراء وحيث لا يتولد فيها لبن، وما قاله ليس بصحيح، وإذا حلبها بحضرة الشراء فمن أين يعلم أنها مصراة.
وسبب الخلاف: ما قدمناه من تقديم القياس على الخبر.
فإذا اشترى جماعة شياه أو بقرات أو نوقا كلها مصراة فهل يرد مع الجميع صاعًا واحدًا أو يرد مع كل رأس صاعا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يرد معها كلها صاعًا واحدًا وهو قول عيسى بن دينار وأحمد بن خالد وأكثر أهل العلم.
والثاني: أنه يرد صاعًا مع كل واحدة وهو قول ابن الكاتب.
والثالث: أنه يرد الصاع مع القليل، فإذا أكثر لم يرد شيئًا.
وسبب الخلاف:
اختلافهم في الألف واللام هل هما للعهد أو للجنس؟
فمن رأى أنهما للعهد قال: يرد صاعًا مع كل واحد، ومن رأى أنهما للاستغراق قال: يرد صاعًا واحدًا للجميع. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٠١ ]
المسألة السادسة في بيع الشاة والاستثناء منها
ولا يخلو ما استثناه منها من خمسة أوجه:
أحدها: أن يستثني صوفها وشعرها ووبرها.
والثاني: أن يستثني الجلد والسواقط.
والثالث: أن يستثني منها جزءا شائعًا كالنصف والثلث.
والرابع: أن يستثني منها جزءا معينًا كالفخذ والكبد.
والخامس: أن يستثني منها أرطالا مسماة.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا استثنى منها صوفها ووبرها وشعرها فلا خلاف في الجواز في السفر والحضر، وسواء قلنا أن المستثني مشترًا أو مبتعًا لجواز بيع ذلك على ظهور الحيوانات.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا استثنى الجلد والسواقط فقد اختلف فيه المذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: الجواز في الحضر والسفر وهو ظاهر رواية ابن وهب في "الكتاب" بناء على أن المستثنى مشترًا وأن الرأس لا يعطى له حكم اللحم لجواز أن يشتري قبل أن يسلخ من جلده فذلك خالف حكمه حكم اللحم إذ لا خلاف في ذلك.
والثاني: المنع جملة في الحضر والسفر بناء على أن المستثنى مبقًا، وهو ظاهر قول مالك في آخر "كتاب بيع الخيار" في الذي باع تمرًا على كيل واستثنى منها البائع أصعًا معلومة حيث قال بالجواز بناء على أن المستثنى
[ ٧ / ١٠٢ ]
مبقا، وهو ظاهر قول مالك في آخر "كتاب بيع الخيار" في الذي باع تمرًا على كيل واستثنى منها البائع إذ لو كان مشترًا لمنع لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه إن كان البيع على الكيل، وهو في الشاة من باب بيع اللحم المغيب وهو ظاهر لا إشكال فيه.
والثالث: التفصيل بين الحضر والسفر فيجوز في السفر ولا يجوز في الحضر وهو مذهب "المدونة" نصًا.
والفرق بينهما أنه في السفر لا ثمن له إذ هو غير مقصور هناك ولا مطلوب، وأكثر المسافرين يطرحونه فيخف الغرر إذ ذاك، وفي الحضر له ثمن وهو مقصود إذ له أقوام يقصدونه بالشراء والمتاجرة فيه، وربما كان ثمنه مساويا لثمن اللحم أو باق عليه فيكثر الغرر لجلهم بمقدار ثمن اللحم في الحال.
والرابع: التفصيل بين الجلد والرأس فيجوز في الجلد ولا يجوز في الرأس على القول بأن الجلد له حكم اللحم، وهو ظاهر قول ابن وهب: أنه لا يجوز أن يستثني من اللحم قليلًا ولا كثيرًا.
وأما الجلد فلا أعلم فيه في المذهب نص خلاف أنه لا يعطى له حكم اللبن إلا ما استقرأ من المذهب، وإلى أن الجلد له حكم اللحم ذهب أبو الحسن اللخمي.
وقد تؤكل الشاة مشويا وسميطًا فيكون للجلد حكم اللحم. وعلى القول بالجواز قلا قول للبائع مع المشتري في الذبح والاستحياء.
فإن استحياها المشتري فعليه قيمة الجلد أو مثله.
وقال بعض متفقهة العصر: يؤخذ من هذه المسألة إلزام المثل في العروض، وقد يحتمل أن يكون كما قال، ويحتمل أن يكون ذلك جنوحا
[ ٧ / ١٠٣ ]
إلى أن الجلد له حكم اللحم على ما يقوله اللخمي، واللحم من ذوي الوزن وهما مما يقضي فيه بالمثل. ويحتمل أن يكون ذلك اتباعًا للأمر الوارد في ذلك.
واختلف المذهب من المقدم منهما في الاختبار على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن البائع مقدم على المشتري في أخذ ما شاء من المثل أو القيمة.
والثاني: أن المشتري مقدم، والقولان قد تأولا على "المدونة".
والثالث: أن النظر في ذلك إلى الحاكم ويحكم فيه بما يراه.
والأقوال الثلاثة مروية في المذهب، وعلى أن المشتري مقدم أسعد بظاهر الكتاب.
[واختلف] (١) في أجرة الذابح على من تكون منهما؟ قولان:
أحدها: عليهما جميعًا.
والثاني: أنها على المشتري دون البائع.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا استثنى منها جزءًا شائعًا قل أو كثر، ففي الكتاب قولان منصوصان:
أحدهما: الجواز قياسا على استثناء الثمار وهو قول ابن القاسم وقياسه غير صحيح.
والثاني: المنع وهي رواية ابن وهب في "الكتاب"، وهو الأصح لأنه من باب اللحم المغيب من البائع والمشتري سواء بنينا على أن المستثنى مبقًا أو
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٧ / ١٠٤ ]
مشترًا على القول بالجواز فإنهما يكونان مشتركين فمن دعى منهما إلى الذبح فذلك له وأجرة الذبح عليهما معا.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا استثنى جزءا معينا كالفخذ والكبد ففي الكتاب قولان:
أحدهما: المنع وهو نص قول ابن القاسم.
والثاني: الجواز وهذا القول يؤخذ من مسألة الأرطال.
فمن منع رأى أن ذلك من بيع اللحم المغيب مع الجهل بمقدار ثمن المبيع إلا بعد التقويم.
ومن جوز رأى أن ذلك غرر يسير في جنب ما بقى كاستحقاق اليسير من الكثير.
والجواب عن الوجه الخامس: إذا استثنى أرطالا مسماة فقد اختلف فيه على ستة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن ذلك لا يجوز لا في القليل ولا في الكثير وهي رواية في "الكتاب".
والثاني: أنه يجوز في اليسير كالثلاثة الأرطال وهي رواية ابن وضاح في الكتاب خلاف ما يراه غيره من الثلث بضم التاء.
والثالث: أنه يجوز في الأربعة فدون وهو قول ابن القاسم في الكتاب حيث قال: يجوز في الأربعة وما أشبهها.
والخامس: أنه يجوز في الثلث بضم الثاء فدون وهي رواية ابن وهب في الكتاب وبه قال أشهب في غير "المدونة".
والقول السادس: أنه يجوز فيما دون الثلاثة الأرطال قَلَّت أو كثرت
[ ٧ / ١٠٥ ]
وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" حيث قال: ولم يبلغ مالك الثلث فجعل الثلث هاهنا في حيز الكثير.
فوجه القول بمنع الجميع لأن ذلك غرر في ثمن المستبقى إذ لا يعرف إلا بعد التقويم وذلك بيع بثمن مجهول.
ووجه القول بالجواز أن ذلك غرر يسير لقلة المستثنى في جنب المستبقى.
وأما اختلافهم في عدة ما يجوز أن يستثنى من الأرطال فمبني على اختلافهم في حد القليل من الكثير وذلك راجع إلى اختلاف آثار المجتهدين، وعلى هذا الخلاف ينبني اختلافهم في استحقاق اليسير من الكثير أو بعينه إذا كان على التعيين، وذلك يرجع إلى اختلافهم في اعتبار الحال والمآل. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١٠٦ ]
المسألة السابعة في الحكرة من الطعام وغيره
والكلام في هذه المسألة في أربعة أسئلة:
أحدها: احتكار ما في الأسواق.
والثاني: التربص بالطعام وغيره رجاء الغلاء.
والثالث: الحكم فيما بأيدي الناس من الطعام إذا كان الغلاء.
والرابع: في التسعير.
فالجواب عن الوجه الأول: في احتكار ما في الأسواق وهو اشتراؤه للخزين وذلك ينقسم إلى طعام وعروض فالطعام لا يخلو احتكاره من أن يضر بالناس أو لا يضر بهم.
فإن كان يضر بالناس إما بانحطاط السعر وإما أن يستوعب المحتكرون جميع ما في السوق من الطعام ولا يجد عامة الناس ما يشترون فإن التجار يمنعون من الاحتكار في هذا الوجه قولًا واحدًا.
فإن عثر عليهم بعد أن اشتروا فإن الطعام يخرج من أيديهم ويشتركون فيه مع الناس بالثمن الذي اشتروا به إن علم.
فإن جهل سعره يوم احتكروه وهو قول ابن حبيب، وما قاله عين المذهب وقد فعله عمر بن الخطاب - ﵁ -، وذلك في جميع الأطعمة.
فإن كان الاحتكار لا يضر بالناس ولا بأهل السوق فهل يمنع التجار من الاحتكار أم لا؟ على قولين:
[ ٧ / ١٠٧ ]
أحدهما: أنهم لا يمنعون وهو قوله في "المدونة" وغيرها، وقد قال في "الموازية": ومما يعيبه من مضار ويرونه ظلمًا تمنع التجارة إذا لم تكن مضرة بالناس ولا بأسواقهم.
والثاني: أنهم يمنعون مع عموم الأزمان، وقد قال مطرف وابن الماجشون: لا يكون احتكار الطعام في وقت من الأوقات إلا مضرًا بالناس.
فإن كان لا يضرهم فإنهم لا يمنعون قولًا واحدًا ولا فرق في جميع ما ذكرناه في الطعام والعروض فيما يخزن في البلد الذي اشترى منه أو يجلب إلى غيرها من البلدان ولا بين البوادي والقرى لشمول العلة وعمومها.
والجواب عن السؤال الثاني: في التربص في الطعام وغيره رجاء الغلاء ولا يخلو التربص من أن يكون مشتريًا أو جالبًا أو زارعًا.
فإن كان مشتريًا فإنه يجوز مع الكراهة، وإن كان زارعًا أو جالبًا فإنه يجوز بلا كراهة.
وقد سئل مالك -﵀- عن ذلك فقال: ما علمت فيه نهيًا ولا أعلم فيه بأسًا يحبس إذا شاء ويبيع إذا شاء ويخرجه إلى بلد آخر، وقال: ما من أحد يبتاع طعامًا أو غيره إلا ويحب غلاءه ولا أحب ذلك.
والجواب عن السؤال الثالث: في الحكم فيما بأيدي الناس من الطعام في زمن الشدة والغلاء هل يباع عليهم أو يؤمروا ببيعه.
فأما ما ليس فيه فضل عن قوتهم وقوت عيالهم فلا يتعرض لهم في ذلك قولًا واحدًا.
وأما ما فيه فضل عن ذلك فإن الإمام يأمرهم بإخراج ما عندهم من الفضل للبيع بالسعر الواقع وهو قول مالك في "الموازية".
[ ٧ / ١٠٨ ]
ومن ليس عنده ثمن فإنه يجب عليهم مواساته ولا يتركونه يموت جوعًا فيسألون عنه يوم القيامة.
والجواب عن السؤال الرابع: في التسعير في الطعام وغيره.
وقد [نهى] (١) رسول الله - ﷺ - عن التسعير، وقد سئل رسول الله - ﷺ - أن يسعر فأبى وقال: "إني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد منكم عندي مظلمة" (٢) وقال: "إن الغلاء والرخص جندان من جنود الله تعالى" (٣).
فالمبيع في الأسواق ينقسم إلى عروض وطعام، فالعروض لا يجوز تسعيرها قولًا واحدًا، وأما الطعام فإنه ينقسم إلى المقتات به غالبا وإلي ما هو إدام.
فالطعام المقتات به مثل القمح والشعير والسلق وغيره مما جرت العادة ببيعه على يديه ولا يترك التجار يشترونه ليبيعوه على أيديهم فلا أعرف في المذهب نص خلاف أن التسعير فيه لا يجوز.
وأما ما هو إدام كاللحم والزيت والسمن والعسل أو ما ليس بإدام إلا أنه فاكهة مما يستطرفه الناس فالمذهب في تسعيره على قولين:
أحدهما: أنه لا يجوز فيه التسعير جملة وهو مشهور المذهب وقد قال ابن القاسم في "العتبية": قال مالك في السوق إذا أفسد أهله سعره أنه لا يسعر عليهم.
والثاني: أنه يسعر عليهم على قدر ما يرى من سعرائهم وهو قول أشهب عن مالك في "العتبية" في اللحم، وابن حبيب في الزيت والسمن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٤٥٠)، وأحمد (٨٤٢٩) وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
(٣) قال الشيخ الألباني: موضوع، الضعيفة (١٢١٣).
[ ٧ / ١٠٩ ]
والعسل والفواكه والبقول واتفق المذهب على من حط سعرًا أن يقال له: إما أن تلحق بسعر أهل السوق وإلا فارفع منه، ولا يجبر على أن يلحق به مثل أن يبيع أهل السوق أربعة أرطال بدرهم فأراد هو أن يبيع ثلاثة أرطال بدرهم.
وأما الزيادة في السعر مثل أن يبيع أهل السوق أربعة أرطال بدرهم فباع واحد خمسة أرطال فهذا لا يؤمر أهل السوق بالإلحاق حتى يكون من يبيع ذلك السعر أكثر أهل السوق فعند ذلك يؤمر من بقى بالإلحاق بهم وإلا رفع من سوق المسلمين، وينبغي للإمام تفقد المكاييل والموازين في كل حين، وأمر مالك بذلك، وأن يكون الكيل في البلد الواحد واحدًا كيل [القفيز] (١) وكيل القسط ووزن، وأن يكون القفيز معروفا بمد النبي - ﷺ - وصاعه أن يتبايعوا فيما دون القفيز بالصاع والمد وأن يأمر الناس بوفاء الكيل والوزن ويؤدب من يطففهما.
وقال مالك في "العتبية" و"الموازية": إذا ملأ رأس المكيال فهو الوفاء من غير رزم ولا تحريك ولا زلزلة، ولكن يصب على رأس المكيال ويمسك بيده فإذا امتلأ أرسل يده ولم يمسك ولا يجوز أن يمسح الكيل باليد.
وقد روى أن رسول الله - ﷺ - نهى عنه وأمر بيسير الكيل، وقال: إن البركة في رأسه.
وقال عبد الملك بن الماجشون: بلغني أن كيل فرعون إذا كان الطفاف مسحا بالأيدي قال مالك: ويغربل القمح للبيع وهو الحق الذي [لا] (٢) شك فيه. [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ: الفقر.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ١١٠ ]
المسألة الثامنة فيمن اشترى لبن غنم بأعيانها مدة معلومة فمات بعضها
ولا تخلو الغنم من أن تكون يسيرة أو كثيرة.
فإن كانت يسيرة فلا يخلو من أن يشتريه على الكيل أو على الجزاف.
فإن اشتراه على الكيل فلا خلاف في الجواز، وإن اشتراه على الجزاف فالمذهب في جوازه على قولين قائمين من "المدونة".
أحدهما: أن ذلك لا يجوز وهو غرر وخطر بموت الشاة قبل الإبان وهو نص "المدونة".
والثاني: أن ذلك جائز في القليل كجوازه في اليسير وهو ظاهر قوله في "المدونة" في الذي اكترى بقرة للحرث واشترط حلابها حيث قال: لا بأس بذلك إذا عرف وجه حلابها وهو تأويل فضل بن سلمة وابن أبي زمنين وأبي بكر بن عبد الرحمن وبعض شيوخ القرويين وهو قول أشهب عن مالك وهو الصحيح لمساواة القليل والكثير في توقع الفوات قبل الإبان.
وقد اختلف شيوخ المذهب في تأويل ما وقع في "المدونة" فمنهم من قال أن ذلك اختلاف قول واضطراب رأي وهو قول سحنون ومن ذكرناه من المتأخرين.
ومنهم من قال: إن ذلك اختلاف حال لأن البقرة هي المقصودة لأجل العمل واللبن تبع والأتباع لا تراعى وهذا باطل لقوله في الكتاب: إذا عرف وجه حلابها والمعرفة لا تشترط في الأتباع.
[ ٧ / ١١١ ]
ومنهم من قال: إنما جوز ذلك للضرورة لكون البقرة في يد المكترى والضرر يكثر عليه بترداد المكترى لحلابها فجاز ذلك كما جاز بيع العرية بخرصها للضرورة ولو كانت عند ربها والمكترى هو الذي يحلبها كل يوم لجرته لم يجز على حال لأنه مقصود بالشراء حينئذ.
ومنهم من فرق بين السؤالين ويقول: إن لبن الشاة هو المشتري في تلك المسألة وفيه الغرر بنفسه وهنا المقصود الكراء واللبن تبع والغرر فيه وحده، والغرر اليسير معفو عنه في الشرع.
فيتحصل من مجموع ما تأول عليها أربعة أقوال.
فأما الوجه الثاني: إذا كانت الغنم كثيرة وقد اشترى لبنها ثلاثة فلا خلاف في الجواز ثم إن مات بعضها في أثناء المدة وبقى بعضا مثل أن تكون جملتها عشر شياه واشترى لبنها ثلاثة أشهر ثم ماتت منها خمس بعد أن حلت جميعها شهرا قال في "الكتاب": ينظر فإن كانت الميتة تحلب قسطين والباقية قسطًا قسطًا نظر كم الشهر من الثلاثة في قدر نفاق اللبن ورخصه.
فإن قيل: النصف وقد قبض نصف صفقته بنصف الثمن وهلك ثلثا النصف الباقي قبل قبضه فله الرجوع بحصته من الثمن وهو ثلثا نصف الثمن أجمع.
ولو كان موت هذه الميتة قبل أن يحلب شيئًا لرجع بثلثي جميع الثمن، وعلى هذا يحسب أن لو كان حصة الميت الثلث أو النصف أو الثلاثة أرباع وهذا نصه في "المدونة".
وصورة المسألة أن يقدر أن القيمة كانت اثنا عشر دينارًا أو يقدر أن الخمسة الهالكة التي تحلب قسطين قيمة لبنها على قدر التشاحح عليه ونفاقه في زمنه ستة دنانير ويقدر أن ذلك الشهر يعدل الشهرين الباقيين فيكون قد
[ ٧ / ١١٢ ]
استوفى نصف صفقته ثم إن النصف الباقي من المدة قد هلك فيها ثلث المشترى قبل أن يقبضه وهو قيمة أربعة دنانير، وهو ثلث جميع القيمة فيصح له الرجوع على البائع بثلث الثمن إن كان قد انتقده ويوضع عنه من جملة الثمن إن لم يدفعه، سواء كان الثمن قليلًا أو كثيرًا، فعلى هذا يحسب أن لو كانت قيمة الميتة الثلث أو الربع على هذا المنهاج يجري. والحمد لله رب العالمين.
[ ٧ / ١١٣ ]
كتاب التدليس بالعيوب
[ ٧ / ١١٥ ]