تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها أربع مسائل:
المسألة الأولى في الغرماء إذا قاموا على الغريم وطلبوا تفليسه والحجر على يده
ومعنى الحجر: المنع؛ قال الله تعالى: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (١) أي حرامًا محرمًا لا يباح، ومنه تسمية الدار حجرة؛ لأنها حجرت أي: منعت من التصرف فيها بالدخول إلا بإذن أهلها، ومنه تسمى حجرة الكعبة الحجر؛ لأنه يمنع أن يستباح به، بل حرمته حرمة الكعبة.
ومعنى الفلس: العدم، وأصله من الفلوس؛ أي: أنه صاحب الفلوس بعد أن كان صاحب ذهب وفضة، ثم استعمل في كل من عدم المال، ويقال: أفلس الرجل، بفتح اللام، فهو مفلس.
وإذا طلب الغرماء أو واحد منهم تفليس الغريم وخلعه من ماله ليقضي به ما عليه من الديون، هل يمكنهم السلطان من ذلك، ويظفرهم بمقصودهم أم لا؟
فلا يخلو المديان من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون المال والمديان حاضرين.
والثاني: أن يكونا غائبين.
والثالث: أن يكون المال حاضرًا والغريم غائبًا.
_________________
(١) سورة الفرقان الآية (٥٣).
[ ٨ / ١٩٩ ]
والرابع: أن يكون الغريم حاضرًا، والمال غائبًا.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان المال والمديان حاضرين: فالتفليس جائز، ويقسم ماله بين غرمائه، ومن كان غائبًا وقف على نصيبه.
فأما في الموت: فإنه تكون قسمته بعد الاستيناء لانقطاع ذمة الميت، ولاسيما إذا كان الميت موصوفًا بالدين.
وأما في الفلس: فقد اختلف فيه على قولين:
أحدهما: التعجيل فيقسم مال المفلس بعد الإشهار والإعلان، وهو المشهور؛ والدليل عليه قول عمر ﵁ في أسيفع جهينة حين قال: فإنَّا نقسم ماله بالغداة؛ فمن كان له عليه شيء فليأتنا.
والثاني: أن الحي والميت سواء، ويتأخر القضاء إذا كان معروفًا بالمزابنة، وهو قول غيره في "المدونة" في أول "كتاب التفليس"، والأول رواية ابن وهب في "الكتاب".
وإذا أمر القاضي بالنداء على غرماء المفلس ليجتمعوا على قسمة ماله، فحضر بعضهم ولم يحضر البعض، فقسم الحاضرون جميع ما عنده من المال، وتحاصوا فيه، وبقيتهم حاضرون في البلد بتفليس غريمهم، ويرون ماله يقسم، فهل لهم القيام على من أخذ حقه من الغرماء أم لا؟
فلا يخلو من أن يكون لهم عذر، أو لا عذر لهم.
فإن كان لهم عذر ظاهر في الحضور على المحاصة: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أن لهم الدخول معهم فيما أخذوه.
فإن لم يكن لهم عذر، فهل لهم الدخول معهم فيما أخذوه [أم لا؟ على قولين:
[ ٨ / ٢٠٠ ]
أحدهما: أن لهم الدخول معهم فيما أخذوه] (١) ودينهم باق في الذمة؛ كما لو أعتق وغرماؤه سكوت: فلا رد لهم للعتق، لكن سكوتهم لا يبطل دينهم، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يوقف لهم حقوقهم كما توقف للغائب، وسكوتهم لا يبطل حقهم في المحاصة، إلا أن يتبين من الحاضر تركه لدينه في ذمة الغريم، ورضى بما قبض غيره، وهو قول غيره في "المدونة".
ولا أعلمهم يختلفون في الموت أن سكوتهم لا يبطل، ولا يعد ذلك منهم رضًا بترك المحاصة؛ لذهاب ذمة الميت، وبقاء ذمة المفلس، ويكون له اتباع الغرماء بعذر ما يصح له في المحاصة.
ومعرفة وجه التحاصص أن يصرف مال الغريم من جنس ديون الغرماء؛ دنانير ودراهم إن كانت ديونهم دراهم، أو طعامًا إن كانت طعامًا على صفة واحدة.
فإن كانت ديونهم مختلفة؛ دنانير ودراهم، أو دنانير وعروضًا ودراهم وطعامًا، وما أشبه ذلك: صرف مال الغريم عينًا إما دنانير، وإما دراهم على الاجتهاد في ذلك إذا كان الصنفان جاريين في البلد، ويباع ماله من الديون، إلا أن يتفق الغرماء على تركها حتى تقبض عند حلولها، ثم تحصل جميع ديونهم إن كانت صفة واحدة، أو قيمتها إن كانت مختلفة إن كانت الديون كلها على الحلول بالاتفاق، وقبل الحلول على الاختلاف بين ابن القاسم وسحنون؛ فإن ابن القاسم يساوي بين ما حل منها، وما لم يحل في أن الاعتبار بعد الدين، لا بقيمة الدين المؤجل لأن التفليس معنى يفسد الذمة، فاقتضاء حلول الدين كالموت.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٨ / ٢٠١ ]
وسحنون يقول: إن العرض المؤجل يقوم يوم التفليس على أن يقبض إلى أجله، وهذا بعيد؛ لأن المال لو كان فيه وفاء لعجل له حقه أجمع، وإذا قاله في العروض، فيلزمه مثله في العين المؤجل، وهذا لم يقله هو ولا غيره.
ثم ينظر ما يكون من ذلك من جميع مال المفلس، فإن كان النصف كان لكل واحد من الغرماء نصف دينه، وأتبع الغريم بالنصف الباقي وإن كان الثلث: كان له الثلث وأتبع الغريم بالثلثين، وإن كان الربع كان له الربع، وأتبع الغريم بالثلاثة الأرباع دينه.
فمن كان دينه منهم من صنف مال الغريم دنانير أو دراهم: دفع إليه ما وهب له منهم.
ومن لمن يكن دينه من صنف مال الغريم اشترى له ما وجب من العروض، أو الطعام بما ينوبه من العين في المحاصة، ولا تسلم إليه الدنانير.
فإن اشترى له بالعين أقل مما صار إليه في المحاصة لغلاء السعر، أو اشترى له أكثر لرخص السعر: فلا تراجع في ذلك بينه وبين الغرماء إلا أن يشتري له بتلك الدنانير أكثر من جميع حقه، فإنه يدفع الفضل إلى الغرماء، وإنما التحاسب في زيادة ذلك ونقصانه على ما خرج للغرماء في المحاصة من النصف أو الثلث بينه وبين الغريم، فيتبعه بما بقى -قلَّ لغلاء السعر أو كثر لرخصه.
فإن أراد الذي دينه عرضًا أو طعامًا أن يأخذ العين الذي خرج له في المحاصة، ولا يشتري له شيء: فلا يخلو دينه من أن يكون من سلم، أو من قرض.
[ ٨ / ٢٠٢ ]
فإن كان من سلم: فلا يخلو من أن يكون طعامًا، أو عرضًا، فإن كان طعامًا: فلا يخلو العين الذي صار به في المحاصة من أن يكون مثل رأس ماله، أو أقل أو أكثر.
فإن كان مثل رأس ماله، فهل يجوز له الرضا بأخذ العين أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة" من "كتاب السلم الثاني" وغيره:
أحدهما: أن ذلك جائز، وتكون إقالة.
والثاني: أنه لا يجوز.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الإقالة، هل تنعقد بغير لفظها أم لا؟
فإن كان أكثر من رأس ماله أو أقل: فإن ذلك لا يجوز قولًا واحدًا؛ لأن ذلك بيع الطعام قبل قبضه، وهذا إذا طلب لمن يأخذه عوضًا عن جميع حقه.
فإن أراد أخذ العين عما وجب له في المحاصة، ويبقى الباقي في ذمة الغريم: فإنه يدخله بيع الطعام قبل قبضه، مع ما في ذلك من بيع وسلف، وما بقى في الذمة فهو بيع.
وإن كان الذي له عرض من مسلم، فإن أخذه عوضًا عن جميع حقه، وكان مثل رأس ماله، أو أقل: فإن ذلك جائز؛ إذ لا يتهم أحد أن يدفع كثيرًا ليأخذ قليلًا فيما لا ضمان فيه.
وإن كان أكثر من رأس ماله: فلا يجوز؛ لأن ذلك سلف بزيادة.
فإن أخذه على أن يبقى الباقي في الذمة إلى يسره: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز؛ لأنه بيع وسلف؛ ما استرجع فهو بيع وما بقى فهو سلف، وهو مذهب "المدونة".
[ ٨ / ٢٠٣ ]
والثاني: أن ذلك جائز؛ لأن الحكم بالتفليس يرفع التهمة.
فإن كان دينه قرضًا: جاز -كان عرضًا أو طعامًا- ولا علة في ذلك، لا على وجه، ولا على حال.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا غاب المال والمديان جميعًا: فلا تخلو غيبته من أن تكون قريبة، أو بعيدة.
فإن كانت قريبة كالأيام اليسيرة: لم يفلس، ولكنه يكتب فيه ليكشف ملاه من عدمه.
فإن كانت بعيدة: فلا يخلو من أن يعرف ملاه من عدمه، أو جهل حاله، ولا يدري أين هو.
فإن عرف ملاه من غيبته، هل يفلس وتحل ما عليه من الديون المؤجلة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يفلس، والديون التي عليه تبقى إلى أجلها، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، و"الموازية".
والثاني: أنه يفلس كما لو كان حاضرًا والمال غائبًا، وهو قول أشهب في "العتبية" وغيرها؛ لأنه إذا خيف ثواء ماله، وهلاكه وجب تفليسه فكذلك يفلس أيضًا إذا كان هو وماله غائبين، وقال أصبغ: ويكتب تفليسه حيث هو، فيستقم ذلك عليه في الموضع الذي هو فيه.
وعلى القول بأنه يفلس، وتحل ما عليه من الديون المؤجلة، فلو قدم بماله، وقد بقى للذين تحاصوا بقية، وللذين لم تحل ديونهم بقية، وقد كان له مال حاضر، فيتحاصوا فيه إلا أنه ليس فيه وفاء، فأراد الذين لم تحل ديونهم أن يأخذوا بقية ديونهم حالة، وآجالها لم تحل بعد، هل لهم أخذ ذلك على الحلول، أو تبقى إلى آجالها؟
[ ٨ / ٢٠٤ ]
فالمذهب يتخرج على قولين:
أحدهما: أن ديونهم تبقى إلى أجلها، وحصاصهم إنما كانت للضرورة مخافة عدم الغريم، والآن قد انكشف الغيب إنه في حالة لا يجوز تفليسه.
والثاني: أنهم يأخذون بقية ديونهم على الحلول، وكأنه حكم قد مضى باجتهاد الحاكم، وهو ظاهر قول أصبغ.
فأمَّا إن جهل حاله أو عرف عدمه: فإنه يجوز تفليسه باتفاق المذهب.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان المال حاضرًا، أو الغريم غائبًا، فقام غرماؤه وطلبوا تفليسه: فإن السلطان يساعدهم على ذلك، فيفلسه لهم بغير تأني إن كان الغائب غير موصوف بالدين.
وفي التأني بتفليس المعروف بالدين، قولان:
أحدهما: أنه لا يستأني به؛ لأن ذمته باقية، وهي رواية مطرف، وابن وهب عن مالك في "كتاب ابن حبيب".
والثاني: أنه يفلس بعد الاستيناء، وهو ظاهر المدونة.
ولا خلاف فيمن عرف أنه ليس عليه دينًا أنه يحاصص به مع الحاضرين ويوقف به سهمه بيد أمين حتى يقدم إن كان غائبًا.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا كان الغريم حاضرًا والمال غائبًا: فإنه يفلس، قولًا واحدًا؛ لأنه لا يدري ما حدث في ماله، وهو نص قول أشهب في "العتبية" فيمن كان حاضرًا بمصر، وله مال بالأندلس، فإنه يفلس [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٨ / ٢٠٥ ]
المسألة الثانية في الغريم إذا فلس ثم رد إليه بعض الغرماء ما وقع له في الحصاص، ثم فلس ثانية
فلا يخلو هذا المال بيد الغريم من أن يكن من ربح ما أبقى بعض الغرماء في يده من المال الأول، أو فائدة أفادها، أو من معاملة أحدثها بعد مع قوم آخرين.
فإن كان أصله فائدة أو ربح ما أبقاه بعض الغرماء في يده بعد التفليس: فإن الغرماء الأولين والآخرين يدخلون في ذلك، ولا حجة لبعضهم على بعض؛ لأنه ليس بعين مال واحد منهم بعد الاتفاق على أنه لا حق للغرماء الآخرين في عين ما أبقاه الأولون في يد الغريم في الفلس.
وفي الموت قولان: وهما متأولان على "المدونة":
وإلى التفريق بين الموت والتفليس، وأن الآخرين يدخلون أشار أبو إسحاق إلى هذا.
وأما قولهم: إن أرباح ما ترك بيد الغريم كالفوائد، فذلك من ابن القاسم تناقض؛ لأنه جعل ربح العين كأصله في "كتاب الزكاة"، وجعل أن الربح لم يزل كامنًا في المال قبل أن تظهره الحركة، وكيف يقول إنه كالفوائد، وأن الأولين والآخرين يدخلون فيه؟، وإنما يتمشى ذلك لأشهب الذي جعل الربح كالفائدة في باب الزكاة، بيد أنهم قالوا: إن الأرباح تابعة للأصول إلا في ثلاث مسائل؛ منها هذه. والثانية: مسألة الغاصب إذا غصب دنانير، فاتجر فيها ثم ربح، أنه يرد رأس المال دون الربح.
والثالثة: من اتجر بالوديعة فربح فيها، وفي ذلك كله نظر.
[ ٨ / ٢٠٦ ]
فإذا قلنا: إنهم يتحاصون جميعًا في الربح والفائدة؛ فإن الغرماء الآخرين يضربون فيه بجميع ما عليهم من الدين والأولون يضربون فيه بقدر ما بقى لهم بعد الذي تركوا في أيديهم من المحاصة أولًا إن بقى ذلك في أيديهم إلى يوم المحاصة الثانية، فإن هلك قبل ذلك فإنهم يتحاصون بجميع دينهم -ما بقى لهم وما ردوه إلى يد الغريم- وهذا نص قوله في "المدونة".
وقد يعترض على هذا الكلام بأن يقال: لا يخلو المال الذي ردوه إلى يد الغريم من أن يكون على ملك الغرماء الذين أخذوه بالمحاصة، أو على ملك الغريم الذي ردوه إليه.
فإن كان على ملك الغرماء، فكيف يكون ضمانه من الغريم إن هلك بأمر سماوي؟ أو كيف يشتركون مع الآخرين في ربحه؟
فإن كان على ملك الغريم، فكيف يختص من كان رده إلى يد الغريم دون من شاركه في أصل ذلك الدين، وإن كان هو قد استوفى ما ينوبه في المحاصة أولًا، وليس بذلك ببدع، وقد قال في "كتاب العتق" في العبد بين الرجلين إذا انتزعا ماله ثم رد أحدهما نصيبه إلى يد العبد: أن المال مال العبد، لا الذي رده، وأنه إن بيع بماله: كان الثمن بينهما على قدر سهامهما في العبد، ولا يختص الذي رد المال إلى يد العبد بما زاد الثمن لأجل المال، والاعتراض ظاهر.
فأمَّا إذا كان المال الذي بيده من معاملة أحدثها مع قوم آخرين، هل يختص بذلك الآخرون؟
أما في الفلس: فلا خلاف في المذهب أن الآخرين أولى بذلك من الأولين؛ لأن ذلك من غير أموالهم، أو ما تولد منها؛ لأن معاملة
[ ٨ / ٢٠٧ ]
الأولين قد انقطعت.
وأما في الموت: فالمذهب يتخرج فيه على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الأولين يدخلون مع الآخرين في ذلك؛ لانقطاع ذمة الغريم بالموت، وإليه أشار الشيخ أبو إسحاق التونسي.
والثاني: أنهم لا يدخلون معهم في ذلك في الموت كما لا يدخلون معهم في الفلس، وهو ظاهر "المدونة".
فانظر ما الفرق بين التفليس الثاني، والتفليس الأول؛ لأنه لا فرق في التفليس الثاني بين أن يكون المال الذي بيد الغريم أصله من فائدة، أو يكون أصله من معاملة حدثت، ولم يقل كذلك في التفليس الأول؛ بل قال: كل من له عليه دين، فإنه يضرب بين الغرماء بقدر دينه.
فذهب بعضهم إلى أن ذلك اختلاف قول، وبعضهم يجعل ذلك اختلاف حال؛ وذلك أن أول التفليس قد طالت معاملة الغرماء للمديان وتناسل أصل معاملتهم حتى لا يدري أصل ما بيده من المال من معاملة أقوام معروفين لا يفردون بذلك كانفرادهم به في التفليس الثاني، وهذا الفرق لا بأس به، [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٨ / ٢٠٨ ]
المسألة الثالثة في معرفة ما يتحاص به من الديون مما لا يتحاص به منها
فإن التحاصص لا يجب إلا بما تقرر في الذمة، لا بما كان معينًا؛ لأن من اشترى سلعة بعينها، ففلس البائع: فالمبتاع أحق بها من الغرماء، بإجماع من العلماء.
وأما الديون الثابتة المتقررة في الذمة: فإنها تنقسم على قسمين:
أحدهما: أن تكون واجبة عن عوض.
والثاني: أن تكون واجبة عن غير عوض.
فأما ما وجب منها عن عوض يتمول ولا يتمول، فلا يخلو من أن يكون العوض مقبوضًا، أو لا يكون مقبوضًا.
فإن كان مقبوضًا كأثمان السلع المقبوضة، وأرش الجنايات، ونفقة الزوجات لما سلف من المدة، ومهور الزوجات المدخول بهن، وما خولعن عليه من شيء موصوف في الذمة: فإن المحاصة بذلك واجبة.
وأما ما كان منها من غير مقبوض: فإن دلك ينقسم على خمسة أقسام:
أحدها: ألا يمكنه دفع العوض بحال.
والثاني: أن لا يمكنه دفع العوض، ويمكنه دفع ما يستوفي فيه.
والثالث: أن يمكنه دفع العوض ويلزمه.
والرابع: أن يمكنه دفع العوض ولا يلزمه.
والخامس: أن لا يكون إليه تعجيل دفع العوض.
[ ٨ / ٢٠٩ ]
فأمَّا ما لا يمكنه دفع العوض؛ كنفقة الزوجات لما يأتي من المدة: فلا محاصة في ذلك بوجه.
وأما ما لا يمكنه دفع العوض فيه، ويمكنه دفع ما يستوفي منه؛ مثل أن يكتري الرجل دارًا بالنقد، فيقاس المكتري قبل أن يقبض الدار، أو بعد أن قبض وسكن بعض السكنى: فلا خلاف أن المكري يحاص الغرماء بما مضى من المدة.
واختلف في الحكم فيما بقى منها على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن المكري بالخيار إن شاء سلم السكني ويحاص الغرماء بكراء ما بقى، وإن شاء أخذ بقية السكنى، ويكون أولى به من الغرماء.
وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، و"العتبية".
والثاني: أنه يحاص الغرماء بكراء ما مضى، ويأخذ داره، ولا يكون له أن يسلمها، ويحاص الغرماء بجميع الكراء، وهذا الذي يأتي على أصل قول ابن القاسم في "المدونة" في قبض الأوائل في الكراء هو كقبض الأواخر أم لا؟
وأما تخيير ابن القاسم المكتري بين أخذ بقية السكنى، أو تسليمه، أو يحاص بجميع الكراء إنما يأتي على قول أشهب الذي يرى قبض أوائل الكراء كقبض أواخره، وهو أحد قولي ابن القاسم.
ولو لم يشترط النقد في الكراء، ولا كان العرف فيه النقد لوجب على قول ابن القاسم الأول إذا حاص أن يوقف ما وجب له في المحاصة؛ فكما سكن شيئًا أخذ بقدره من ذلك.
وأما ما يمكنه دفع العوض، ويلزمه كرأس المال المفلس إذا أفلس المسلم إليه قبل دفع رأس المال: فلا يخلو من أن يكون رأس المال عينًا، أو عرضًا.
[ ٨ / ٢١٠ ]
فإن كان رأس ماله عينًا، هل يكون أحق برأس ماله من الغرماء أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يلزمه أن يدفعه، ويحاص به الغرماء، ولا يكون أحق به، وهو قوله في "كتاب ابن المواز"، وهو ظاهر قول أشهب الذي يقول: لا سبيل له إلى العين، وهو فيه أسوة الغرماء، وهو نص قوله في "العتبية".
والثاني: أن له أن يمسكه، ولا يلزمه أن يدفعه ويحاص الغرماء؛ بل هو أحق برأس المال الذي بيده منه، وهو ظاهر قول ابن القاسم الذي يقول: إنه أحق بالعين في التفليس.
وينبني الخلاف: في العين الذي بيده هل هو كالرهن أم لا؟ والصحيح أنه كالرهن؛ لأن التفليس يحل على المفلس، فإذا حل بالتفليس كان للذي له السلم أن يحبس رأس ماله.
وللخلاف فيه مطلع بسبب آخر؛ وهو العين هل يتعين أو لا يتعين؟
فإن كان رأس المال عروضًا: كان له أن يمسكه، وهو أحق به من الغرماء، قولًا واحدًا؛ لأن سببه قائم بعينه.
وأما ما يمكنه دفع العوض ولا يلزمه؛ كالسلعة إذا باعها، ففلس البائع قبل أن يدفعها إليه المبتاع، وهو بالخيار بين أن يمسك سلعته أو يسلمها، ويحاص الغرماء بثمنها، فلا خلاف في هذا الوجه، وهو ألا يكون إليه تعجيل بعض العوض؛ وذلك مثل أن يسلم الرجل إلى الرجل دنانير في عروض إلى أجل، فيفلس المسلم قبل أن يدفع رأس المال، وقبل أن يحل الأجل المسلم، فإن رضي المسلم إليه أن يعجل العروض، ويحاص الغرماء برأس مال السلم: فذلك جائز إن رضي بذلك الغرماء، فإن أبى ذلك
[ ٨ / ٢١١ ]
أحدهم حاص الغرماء برأس المال الواجب له فيما وجد للغريم من مال، وفي العروض التي عليه إذا حلَّت، وإن شاؤوا أن يبيعوا بالنقد ويتحاصوا فيها الآن، فذلك لهم.
وهذا كله إنما يتخرج على القول بجواز تأخير رأس مال المسلم إن كان حيوانًا بلا كراهية، أو من العروض التي يغاب عليها مع كراهية لمالك في ذلك.
فأما إن فلس المسلم بعد حول المسلم على المسلم إليه، فهو برأس المال أسوة الغرماء فيما حل عليه من السلم.
وهل له أن يمسكه، فيكون أحق به من الغرماء أم لا؟
فالمذهب على قولين: وقد قدمناهما لابن القاسم، وأشهب، وبينَّا سبب الخلاف فيهما.
ولا يخرج عن هذا التقسيم الذي قسمنا إلا الحكم في مهور الزوجات؛ فإن المحاصة بها واجبة على الجملة، وإن لم يقبض العوض؛ مثل أن يفلس الزوج قبل الدخول، فهل للزوجة الخيار بين الحصاص أو الفراق أم لا؟ على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن له الخيار إن شاءت حاصت الغرماء، وتبقى زوجة، وإن شاءت تركت الحصاص وطلب الفراق، وهو قول مالك في "كتاب النكاح الثاني" في المسعر بالصداق قبل البناء؛ حيث قال: يتلوم، فإن جاء بالصداق، وألَّا فرق بينهما.
والثاني: أن المقاصة واجبة، ولا خيار لها، وهو اختيار القاضي ابن رشد.
[ ٨ / ٢١٢ ]
وسبب الخلاف: اختلافهم في الصداق هل هو عوض، أو نحلة فمن جعله عوضًا قال: لها الخيار، ومن جعله نحلة قال: لا خيار لها.
وعلى القول بأنها تحاص الغرماء على اختيارها، أو بغير اختيارها هل تحاص بجميع الصداق أو بنصفه؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تحاص بجميع صداقها.
والثاني: أنها لا تحاص إلا بنصفه.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المرأة، هل تستوجب جميع الصداق بالعقد، أو إنما يجب لها النصف بالعقد، وجميعه بالموت؟
وعلى القول بأنها تحاص بجميع الصداق، فإن طلقها الزوج قبل البناء بها، وبعد الحصاص، ما الذي ترد مما قبضته؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها ترد الزائد على النصف إن صار لها في المحاصة أكثر من النصف، وهو قول ابن دينار.
والثاني: أنها يكون لها نصف ما صار لها بالمحاصة، وترد النصف لأنه قد تبين بالأحرى أن الحصاص إنما كان بنصف الصداق خاصة، وهو قول ابن القاسم.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: وهي الحقوق الواجبة في الذمة من غير عوض، فإنها تنقسم على قسمين:
أحدهما: أن تكون واجبة بالشرع من غير أن تلتزم.
والثاني: أن تلتزم بالشرع إلا أن تلتزم.
فأما ما كان منها واجبًا بالشرع، وإن لم تلتزم؛ كنفقة الآباء،
[ ٨ / ٢١٣ ]
والأبناء، وما تحمله العاقلة من الدية، فاختلف فيه على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن المحاصة لا تجب بها، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن المحاصة تجب بها إذا لزمت بحكم السلطان، وهو قول أشهب.
وأما ما لا تجب بالشرع إلا بأن تلتزم؛ كالهبات، والصدقات، والنحل التي لم تنعقد عليها الأنكحة، فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أن المحاصة لا تجب بها؛ لأن الفلس يبطلها كما يبطلها الموت.
وأمَّا النحل التي تنعقد عليها الأنكحة، وحمل أثمان السلع في عقود البيع، وحمل الصدقات في عقود الأنكحة؛ ففي النحل التي تنعقد عليها الأنكحة قولان.
وأما حمل الصداق في عقد النكاح، وحمل الأثمان في عقود المعاوضات: فالمحاصة بها واجبة؛ لأنها لزمت عن عوض.
وفي حمل الثمن بعد العقد، والصداق بعد العقد قولان:
أحدهما: أن المحاصة بها واجبة؛ لأن الحميل له ترك اتباع ذمة غريمه من أجل ذلك، فأشبه العوض.
والثاني: أن المحاصة بها غير واجبة؛ لأنها خرجت عن غير عوض.
والقولان حكاهما بعض المتأخرين، ولم يسم قائلهما، [والحمد وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٨ / ٢١٤ ]
المسألة الرابعة في معرفة ما يكون به الغريم أحق من الغرماء في الموت والفلس، أو في الفلس دون الموت مما لا يكون أحق به لا في الموت، ولا في الفلس
وتحصيله: أن الأشياء المبيعة بالدين تنقسم في التفليس على ثلاثة أقسام:
عرض يتعين، وعين اختلف فيه هل يتعين أم لا، وعين لا يتعين.
فأمَّا العرض: فلا يخلو من أن يكون باقيًا في يد بائعه، ولم يسلمه إلى المشتري، وإما أن يكون قد أسلمه إليه وقبضه منه.
فإن كان في يد بائعه لم يسلمه إلى المشتري حتى فلس، والبائع أحق به في الموت والفلس، ولا خلاف في ذلك.
وإن قبضه المشتري منه، وصار في حوزه، ثم أفلس المشترى والسلعة في يده: فقد اختلف فيه فقهاء الأمصار على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن يكون أحق بها في الموت والفلس جميعًا، وهو مذهب الشافعي.
والثاني: أنه يكون أسوة الغرماء في الموت والفلس جميعًا، وهو مذهب أبي حنيفة.
والثالث: أنه يكون أحق بها في الفلس، وهو في الموت أسوة الغرماء وهو مذهب مالك، ﵃ أجمعين، وهو أقرب إلى الصواب.
وسبب الخلاف بين مالك والشافعي: تعارض الأخبار، وتجاذب الاعتبار.
[ ٨ / ٢١٥ ]
فأما الأخبار: فمنها ما خرَّجه مالك من مرسل ابن شهاب أن رسول الله - ﷺ - قال: "أيما رجل باع متاعًا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه شيئًا فوجده بعينه، فهو أحق به، وإن مات الذي ابتاعه، فصاحب المتاع أسوة الغرماء" (١).
ويعارضه ما رواه ابن أبي ذئب عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله - ﷺ - أيما رجل مات أو فلس، فصاحب المتاع أحق به (٢).
فسوَّى في هذه الرواية بين الموت والفلس.
وأما الاعتبار: فإن مالكًا فرق بين الموت والفلس بناء على أن ذمة الغريم في الفلس قائمة؛ فيتبعه غرماؤه بما بقى عليه، وذلك لا يتصور في الموت، وهذا قياس معنى.
وأما الشافعي: فإنه قال: هذا مال لا يتصرف فيه لمالكه إلا بعد أداء ما عليه، فأشبه مال المفلس، وهذا قياس.
وقياس مالك أولى من قياس الشافعي، ويرجح حديثه على حديث [ابن أبي ذئب] (٣) من جهة موافقة القياس له؛ وذلك أن ما وافق من الأحاديث المتعارضة قياس المعنى، فهو أقوى مما وافقه قياس الشبه.
ومن مثل ما خرَّج مالك خرَّجه عبد الرزاق.
فإذا قلنا: إنه في الفلس أولى بسلعته، فإن أراد الغرماء أن يفتكوها
_________________
(١) أخرجه مالك (١٣٥٧)، وأبو داود (٣٥٢٠)، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
(٢) أخرجه ابن ماجة (٢٣٦٠)، والحاكم (٢٣١٤)، والدارقطني (٣/ ٢٩)، وضعفه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
(٣) في أ: ذؤيب.
[ ٨ / ٢١٦ ]
منه بالثمن الذي بيعت منه، فهل لهم ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لهم، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه لا يجوز لهم أن يأخذوها إلى أن يزيدوه زيادة يحطونها عن المفلس من دينهم.
وهو قول أشهب في "العتبية" و"الموازية"، و"الواضحة".
وعلى القول بأنهم يأخذونها بالثمن من غير زيادة عليه، هل يفتكونها بمال المفلس أو بأموالهم؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الثمن من مال الغريم، وضمانها منه إن هلكت.
وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وبه قال ابن كنانة في "الواضحة" وغيرها.
والثاني: أن الثمن من مال الغريم، أو من أموالهم [فأيًا] (١) كان فإنه يجوز، وما كان فيها من وضيعة، أو هلكت بكليتها، فذلك من الغرماء، وضمانها منهم.
وهو قول ابن الماجشون في "العتبية"، و"الموازية"، و"الواضحة" وشبهها بعبد الرهن يجرح، فأبى سيده أن يفديه، ويسلمه فيفتكه المرتهن بأرش جنايته، ثم يموت: فضمان ما أفتكه به المترهن منه، ويتبع سيد العبد بالدين الأول، دون ما فدى به العبد.
والثالث: التفصيل بين أن يتقدم إليهم المفلس، أو لا يتقدم إليهم؛ فإن تقدم إلى الغرماء، فنقول لهم: إما أن تحبسوا السلعة كأنفسكم وتبروني
_________________
(١) في أ: فأي.
[ ٨ / ٢١٧ ]
منها، أو يكون ضمانها منكم، وإلا فدعوه يأخذه.
فإن قال لهم هذا، ثم حبسوها ودفعوا الثمن: فضمانها منهم، ولا شيء منها على المفلس، فما كان فيها من ربح، ونماء فهو للمفلس.
وإن لم يتقدم إليهم: فضمانه منه.
وهذه رواية يحيى بن يحيى عن ابن وهب في "العتبية".
وكذلك الحكم فيما إذا قبض بعض الثمن ويبقى البعض، في جميع ما ذكرناه وبيناه.
وكذلك الحكم فيما يشبه البيع من جميع المعاوضات؛ كالهبة للثواب وغيرها.
وأما الرد بالعيب إذا اشترى سلعة فوجد بها عيبا، ثم ردها على البائع وقد فلس: فلا يخلو من أن يكون التفليس قبل الرد، أو بعده.
فإن فلس البائع بعد أن ردت إليه السلعة وصارت في يده، ثم قام المشتري بالثمن، والسلعة قائمة بيد البائع، هل يكون أحق بها من الغرماء أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يكون أحق بها من الغرماء.
والثاني: أنه لا سبيل له إلى السلعة، وإنما يكون أحق بالثمن الذي دفع إن وجده بعينه في الموت والفلس، فإن لم يجده بعينه فهو أسوة الغرماء.
وسبب الخلاف: الرد بالعيب هل هو نقض بيع، أو بيع مبتدأ؟
فعلى القول بأنه بيع مبتدأ: يكون أحق بها في الفلس دون الموت.
وعلى القول بأنه نقض بيع: فلا حق له في السلعة، وحقه في الثمن.
[ ٨ / ٢١٨ ]
فإن فلس البائع والسلعة في يد المشتري، والرد قد وجب هل يكون أحق بها من الغرماء حتى يستوفي الثمن أم لا؟
أما على القول بأن الرد بالعيب ابتداء بيع: فلا خلاف في المذهب أنه أحق بها.
وأما على القول بأنه نقض بيع: فالمذهب يتخرج على قولين.
أما من اشترى سلعة شراء فاسدًا، ففلس البائع بعد أن رد المشتري السلعة: فإنه لا سبيل له إليها قولًا واحدًا، وإنما حقه في عين ثمنه إذا وجده.
فإن فلس بعد أن فسخ البيع، وقبل أن يرد المشتري السلعة، هل يكون أحق بالسلعة حتى يستوفي ثمنها أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يكون أحق بها، وهو قول سحنون، وهو ظاهر "المدونة" من "كتاب الرهون" من مسألة: الرهن الفاسد.
والثاني: أنه لا يكون أحق بها، وهو قول ابن المواز.
والثالث: أنه إن كان ابتاعها بنقد فهو أحق بها، وإن ابتاعها بدين فلا يكون أحق بها، وهو أسوة الغرماء، وهو قول ابن الماجشون.
ولا خلاف بينهم أنه إن وجد الثمن الذي دفعه بعينه أنه أحق به في الموت والفلس جميعًا، وما ذكرنا أن صاحبه يكون أحق به إذا أدركه بعينه؛ فتعيينه يكون بأحد وجهين:
إما ببينة تقوم على أنه عين شيئه، وإما بإقرار المفلس به قبل التفليس.
واختلف إذا اعترق به بعد التفليس على ثلاثة أقوال:
[ ٨ / ٢١٩ ]
أحدها: أن قوله مقبول، قيل: مع يمين صاحب السلعة، وقيل: بغير يمين.
والثاني: أن قوله غير مقبول، ويحلف الغرماء أنهم لا يعلمون أنها سلعته.
والثالث: أنه إن كان على أصل المعاملة ببينة قبل قوله في تعيينها، وإلا لم يقبل.
وهي رواية ابن أبي زيد عن ابن القاسم في "ثمانيته".
وأما العين فهو أحق به في الموت والفلس ما كان بيده.
واختلف إذا دفعه إلى من بايعه به ثم فلس أو مات، وهو قائم يعرف بعينه، هل يكون أحق به أم لا، على قولين:
أحدهما: أنه يكون أحق به في الفلس دون الموت كالعروض، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا سبيل له إليه، وهو أسوة الغرماء، وهو قول أشهب.
وينبني الخلاف: على الخلاف في العين، هل تصح الشهادة على عينه أم لا؟
فإذا لم يعرف بعينه: فهو أسوة الغرماء في الموت والفلس، قولًا واحدًا.
وأما العمل الذي لا يتعين؛ كالأجير على خدمة، أو على خياطة فتوق، أو صياغة، أو حياكة، وما أشبههم ممن لم يبع إلا العمل، وهؤلاء إذا وقع التفليس قبل استيفاء العمل: فإنهم أحق بما عليهم من بقية العمل في الموت والفلس.
فإن وقع التفليس بعد الفراغ من العمل: فلا يخلو من أن يسلم السلعة
[ ٨ / ٢٢٠ ]
لصاحبها، أو يمسكها عنده.
فإن حبسها عنده، ولم يسلمها لربها: فإنه يكون أحق بها في الموت والفلس حتى يستوفي أجرته؛ لأنها في يده كالرهون، وهو مذهب المدونة.
فإن سلموها لأصحابها: فهم أسوة الغرماء في الموت والفلس، إلا أن يخرج من عنده شيئًا؛ كخياط أخرج من يده رقاعًا فرقع الثوب، أو صباغ صبغ الثوب، ولا شك أن هؤلاء أحق بما أخرجوه في الفلس، وهو في الموت أسوة الغرماء.
واختلف في وجه العمل في ذلك، على قولين:
أحدهما: أنه يكون أحق بما زاد في الثوب لأجل الرقاع والصباغ، وهو قول محمد بن المواز في الصباغ.
والثاني: أنهما يكونان شريكين بقدر قيمة ما أخرجاه، وهو قوله في "كتاب ابن حبيب".
ويتخرج في المسألة قول ثالث: في عين الثوب، وما قارب أجرتهما في عملهما تحاصا به مع الغرماء.
واختلف في الأجير على سقي الزرع، وفي رب الأرض إذا أكرى أرضه، ثم فلس رب الزرع، هل يكون الأجير ورب الزرع أولى بالزرع من الغرماء أم لا؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أنه أحق بالزرع في الموت والفلس، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم، وهو ظاهر قول أشهب، وابن القاسم في "كتاب ابن حبيب"؛ لأنهم قالا فيه: أن رب الأرض أولى بالزرع حتى يأخذ جميع الكراء إلا أن أن يدفعوا إليه، وهو نص رواية أصبغ في أجير السقي.
والثاني: أنهما في الموت والفلس أسوة الغرماء، وهو اختيار القاضي
[ ٨ / ٢٢١ ]
أبي الوليد بن رشد.
والثالث: أنهما أحق بالزرع في الفلس، وهما في الموت أسوة الغرماء، وهو نص المدونة فيهما جميعًا.
والرابع: الفرق بين أجير السقي، ورب الأرض؛ فرب الأرض أولى به في الموت والفلس، وأجير الأرض أولى به في الفلس وهو في الموت أسوة الغرماء، وهذا القول حكاه أبو إسحاق التونسي ﵀.
فوجه القول الأول: أن الأرض لربها، والأجير يده على ما أخرج لم يسلمه؛ بل هو باق في حرزه، وتحت يده، فأشبه الصانع إذا فلس رب المتاع قبل أن يخرجه من يده.
ووجه القول الثاني: أن الأرض غير قابضة على ربها، والزارع قد أخرج البذر والزرع عنه يكون ما أجرى الله عليه عادته، وأطرد به سنته بين عباده، ويده على الزرع والأجير على السقي ليس في يده من عمله شيء؛ لأنه في حكم المقبوض عنه، فأشبه المستأجر على رعاية غنم، أو إبل، أو رحلها الذي هو محل الاتفاق.
ووجه القول الثالث: أن الأرض هي المتمة للزرع، فكان ربها مخرجًا للزرع بما استأجر أرضه، فأشبه بائع الزرع إذا أخرجوه من يده، والأرض غير قابضة، وأجير السقي كذلك أيضًا كأن عمله خرج من يده، والزرع في ملك الزارع وتحت يده وفي حوزه، لا في حوز الأجير بجواز بيعه إياه لمن يحصده في الحال.
ووجه القول الرابع: بالتفصيل أنه جعل الأرض قابضة على ربها والأجير خرج عمله من يده، وحصل في حوزه غيره، فكان أحق به
[ ٨ / ٢٢٢ ]
في الفلس مع قيامه خاصة.
وأما مكري الدابة أو مكتريها إذا فلس أحدهما: فإنهما أولى بما في أيديهما على تفصيل وتحصيل.
أما المكري إذا أكرى دوابه على حمل متاع إلى بلد، فأفلس المكتري: فلا يخلو من أن يكون سائرًا مع داوبه، أو تخلف عنها.
فإن سار معها: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أنه أحق بما على ظهور دوابه في الموت، والفلس ما دام المتاع على ظهور دوابه أو سفينته.
فإن فارق ظهور دوابه وقبضه ربه، هل يكون المكري أحق به، أو يكون أسوة؟
فالمذهب على قولين متأولين على المدونة:
أحدهما: أنه يكون أسوة الغرماء في الموت والفلس، وهو قوله في "العتبية"، وهو ظاهر المدونة؛ حيث قال: وهو كالرهن، والرهن إنما يكون المرتهن، أحق به ما دام في حوزه، فإذا خرج من حوزه بطل حقه في الرهن.
والثاني: أنه يكون أحق به، وإن فارق ظهور دوابه، وقبضه المكتري وهو تأويل أحمد بن خالد على المدونة، وتعلق في ذلك بقوله في "الكتاب": ولأن على دوابه وصل إلى البلد.
فإن لم يكن معها المكري، وإنما سلم دوابه للمكتري، هل يكون الجمال أحق بها أم لا؟
فالمذهب يتخرج على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يكون أحق بالمتاع في الموت والفلس كما لو كان معها، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
[ ٨ / ٢٢٣ ]
والثاني: أنه يكون أسوة الغرماء في الموت والفلس؛ قياسًا على الصانع إذا سلم العمل من يده.
والثالث: أنه يكون أحق به في الفلس، وهو في الموت أسوة الغرماء؛ قياسًا على مكري الأرض، وأجير السقي.
وسبب الخلاف: الأملاك هل هي قابضة على ملاكها أم لا؟ فمن قال أنها قابضة على ملاكها قال: إنه يكون أحق بالمتاع في الموت والفلس لأن ظهورها حوز لما عليها -كان معها صاحبها أم لا.
ومن رأى أنها غير قابضة قال: يكون أسوة الغرماء في الموت ولظهور الدواب هناك بعض التأثير، فأشبهت يد الساقي؛ لأن المتاع ينمو في ثمنه يسير الدواب كما أن الزرع ينمو بسقى الساقي، وأما المكتري فإنه أولى بالدواب والسفينة إذا فلس الجمال، ورب السفينة حتى يبلغ الغاية التي إليها اكترى في الموت والفلس؛ لأنه جائز بما معه من الجمال والسفينة.
وأما الدور والحوانيت إذا فلس أحد المتكاريين: فإذا فلس المكري: فإن المكتري أحق بها، قولًا واحدًا -سكن أو لم يسكن- لأنه شيء بعينه فلس صاحبه؛ كالسلعة المشتراه بعينها بفلس بائعها، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، و"الواضحة".
فإن فلس المكتري، هل يكون رب الدار والحانوت أولى بالمتاع أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يكون أحق به، وهو أسوة الغرماء في الموت والفلس، وهو مذهب "المدونة"، وهو المشهور في النقل.
والثاني: أن رب الدار أحق بما فيها كالدابة، هو قول عبد الملك، على
[ ٨ / ٢٢٤ ]
ما نقله الشيخ أبو إسحاق التونسي، غير أنه لم يبين إن كان أحق به في الموت والفلس، أو في الفلس دون الموت.
وتلخيص القول في ذلك أن تقول: لا خلاف أن البائع أحق بما في يده في الموت والفلس، ولا خلاف أيضًا أنه أحق بما أسلمه، وأخرجه من يده فألقاه قائمًا أنه أحق به في الفلس، وفي الموت أسوة الغرماء.
ولا خلاف أيضًا فيما لم يكن بيده، ولا ألقاه عند مبتاعه قائمًا يعرف بعينه أنه فيه أسوة الغرماء في الموت والفلس.
وما يوجد من الخلاف في بعض المسائل فليس بخلاف لما أصلناه وحصلناه، وإنما وقع الخلاف بينهم فيه؛ لاختلافهم من أي قسم هو.
تم الكتاب والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
[ ٨ / ٢٢٥ ]
كتاب المأذون له في التجارة
[ ٨ / ٢٢٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد.