تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ست مسائل:
المسألة الأولى في اشتقاق هذه الكلمة
وأصلها من الاجتراح، وهو الاكتساب، والعمل بالجوارح، قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ (١) أي: اكتسبوها.
ومنه: جوارح الصيد لاكتسابها.
ثم لما كان أكثر عمل الجوارح في الصيد في الأجساد، والدماء سمى لذلك جرحًا، وصار عرفًا فيما هو بتلك الصفة دون سائر الاكتسابات.
وجرحة الشاهد من هذا المعنى؛ كأنه لما مرض في عدالته كان كمن جرح في جسمه؛ ولذلك يقال: طعن فيه كله تشبيهًا بالجارح.
ومن الجراح الشجاج لكنها مختصة بالرأس؛ لأن معناها العلو؛ يقال: شجوت البلاد إذا علوتها، ومعنى شجه أي: جرحه في أعلاه.
والجراح في جميع الجسد، والحمد لله وحده.
_________________
(١) سورة الجاثية الآية (٢١).
[ ١٠ / ١١٧ ]
المسألة الثانية شبه العمد
وقد اختلف فقهاء الأمصار في نفيه وإثباته؛ فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى إثباته، وبه قال جماعة من الصحابة ﵃ منهم عمر بن الخطاب، وعثمان، وعليّ، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة.
واختلف فيه قول مالك على قولين، وابن القاسم عنه بنفيه في "المدونة"، وهو مشهور مذهبه.
وقال ابن وهب فيما رواه عنه ابن حبيب بإثباته، وحكاه أصحابنا العراقيون عن مالك.
والذين قالوا به فرقوا بين ما هو شبه العمد مما ليس بعمد، وذلك عندهم راجع في الأغلب إلى الآلة التي بها يقع القتل، وإلى الأحوال التي كان من أجلها الضرب؛ فقال أبو حنيفة: كل ما عدا الحديد من [النيرة] (١) والقصب، وغير ذلك، فهو شبه العمد، وإن كان على وجه [النيرة] (٢) والقصب.
وقال أبو يوسف، ومحمد -من أصحابه: شبه العمد ما لا يقتل مثله.
وقال الشافعي: شبه العمد ما كان عمدًا في الضرب خطأ في القتل، أي: ما كان ضربًا لم يقصد به القتل، فتولد عنه القتل، والخطأ ما كان
_________________
(١) في أ: النايرة.
(٢) في أ: النايرة.
[ ١٠ / ١١٨ ]
خطئًا فيهما جميعًا، والعمد ما كان فيهما عمدًا، وما قاله حسن.
فعمدة من نفى شبه العمد أنه لا واسطة بين العمد والخطأ -أعني: بين أن يقصد القتل أو لا يقصده.
وعمدة من أثبت الواسطة أن النيات لا يطلع عليها إلا الله تعالى، وإنما الحكم بما ظهر؛ فمن قصد ضرب آخر بآلة تقتل غالبًا كان حكمه [حكم من قصد القتل عامدًا، فقتل بلا خلاف.
ومن قصد ضرب رجل بآلة لا تقتل غالبًا كان] (١) حكمه مترددًا بين العمد والخطأ.
هذا في حقنا لا في حق الأمر في نفسه عند الله.
أمَّا شبهة العمد فمن جهة ما قصد ضربه.
وأما شبهة الخطأ فمن جهة أنه ضربه بما لا يقصد به القتل، وقد روى في ذلك حديث مرفوع أن النبي - ﷺ - قال: "إن قتيلًا يشبه العمد والخطأ قتيل [السوط] (٢) والعصا فيه دية مغلظة مائة من الإبل؛ منها أربعون في بطونها أولادها" (٣) إلا أنه حديث مضطرب عند أهل الحديث لا يثبت من جهة الإسناد فيما ذكره أبو عمر ابن عبد البر (٤)، وإن كان أبو داود وغيره قد خرجه بهذا النحو من القتل عند من لم يثبته يجب فيه القصاص، ومن أثبته تجب فيه الدِّية.
ولا خلاف في مذهب مالك أن الضرب الذي يكون على وجه الغضب
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في الأصول: للسوط.
(٣) أخرجه النسائي (٤٧٩١)، وأحمد (٦٥٣٣)، والدارمي (٢٣٨٣)، وابن حبان (٦٠١١) من حديث عبد الله بن عمرو، وصححه الألباني رحمه الله تعالى.
(٤) الاستذكار (٨/ ٤٥).
[ ١٠ / ١١٩ ]
والنايرة يجب به القصاص.
واختلف في الذي يكون عمدًا على وجه اللعب، أو على وجه الأدب لمن أبيح له الأدب، وتحصيل المذهب في ذلك أن نقول: إن الذي قصد إلى إتلاف النفس، أو الجارحة، وتعمد قتلها، وذهابها فهو العمد الذي فيه القصاص بإجماع.
وأما إن قصد إلى الضرب، ولم يقصد إلى القتل، ولا إتلاف الجارحة فيما يظهر من حاله وقصده، فإنه لا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعمد إلى الضرب على وجه العداوة والغضب.
والثاني: أن يعمد إليه على وجه الأدب ممن يجوز له الأدب.
والثالث: أن يعمد إليه على وجه اللعب.
فأمَّا الوجه الأول: إذا عمد إليه على وجه العداوة، والغضب فلا يخلو من أن يكون ضربه في غير الجارحة التالفة، أو في الجارحة نفسها.
فإن كان ضربه في غير الجارحة التالفة؛ مثل أن يضربه في رأسه، فيذهب منها عينه، فإنه لا يقتص من العين باتفاق، وإنما فيه الدية.
وهل ذلك في ماله أو على العاقلة؟ فالمذهب على قولين منصوصين لابن القاسم.
فإن ضربه في الجارحة التابعة؛ مثل أن يضربه في عينه بحجر أو بحديد، أو ما أشبه ذلك مما يقع به التلف عامدًا، فتلف فإنه يقتص منه قولًا واحدًا.
وأما إن ضربه بلطمة، أو بسوط، أو ما أشبه ذلك مما الظاهر فيه أنه لم يقصد إلى فقأ عينه، فأصاب عينه في ذلك ففقأها ففي ذلك قولان:
أحدهما: وهو المشهور -أن ذلك عمد فيه القصاص إلا من الأب في
[ ١٠ / ١٢٠ ]
ابنه، ومن أشبه الأب.
وهو نص قول مالك في "الكتاب" في "كتاب الجراحات".
والثاني: أن ذلك يشبه العمد فلا قصاص فيه، وفيه الدِّية مغلظة في ماله. وهي رواية العراقيين عن مالك، ورواية ابن حبيب عن ابن وهب.
والقول الأول أصح؛ والدليل عليه حديث أنس في شأن أمّ الربيع روى في الصحيح أن ابنت النضر أخت الربيع لطمت جارية فكسرت سنها، فاختصموا إلى النبي - ﷺ - فأمر بالقصاص فقالت أم الربيع يا رسول الله، أيقتص من فلانة؟ والله لا يقتص منها.
فقال النبي - ﷺ -: "يا أم الربيع، القصاص في كتاب الله تعالى" فقالت: والله ما يقتص منها أبدًا، فما زالت حتى قبلوا الدِّية، فقال النبي - ﷺ -: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" (١).
وهذا الحديث خرَّجه مسلم على هذا السياق.
وأما الوجه الثاني والثالث: إذا كان على وجه الأدب ممن يجوز له الأدب، أو على وجه اللعب كالمتصارعين والمتراميين؛ يموت أحدهما بفعل صاحبه ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: وجوب القصاص على أنه عمد محض، وهو قول مطرف، وابن الماجشون.
والثاني: أنه لا قصاص فيه، وتُغَلَّظ فيه الدِّية على أنه شبه العمد، وهي رواية ابن حبيب عن ابن وهب.
والثالث: أنه خطأ، وفيه الدِّية غير مغلظة على العاقلة فيما زاد على الثلث، وهو قوله في "المدونة"، وهو مشهور مذهبه.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٦٧٥).
[ ١٠ / ١٢١ ]
والأقوال الثلاثة جارية في الضرب على معنى الأدب إذا فعل الفاعل ما أبيح له على الوجه الذي أبيح، وحيث أبيح كالحاكم، وضارب الحد والمؤدب، والأب، والزوج، والخاتن، والطبيب.
واختلف تأويل متأخري الأشياخ في قوله في "الكتاب": كالرجلين يصطرعان أو يتراميان، ويأخذ أحدهما برجل الآخر على وجه اللعب فيموت، فقال: إنما في ذلك كله دية الخطأ على قولين:
أحدهما: أن ذلك كله إذا كان يتفاعلان ذلك كل واحد منهما يتصارع مع صاحبه، أو يترامى معه، وهو ظاهر لفظه في "الكتاب" حيث قال: يتراميان ويتصارعان، وهذه مفاعلة، ولا تكون إلا من اثنين.
وأما إذا فعل أحدهما ذلك بالآخر على وجه اللعب، ولم يلاعبه المقتول، ولا رماه فهذا فيه القصاص كما روى مطرف، وابن الماجشون.
وعلى هذا التأويل يكون قولهم وفاقًا.
والثاني: أن ذلك سواء. متى كان ذلك على وجه اللعب كان منهما أو من أحدهما. وهو ظاهر قوله في "الكتاب" أيضًا حيث قال: وأخذ برجله فسقط، وهو الصواب إذا عرف أن مقصوده اللعب، ويكون قول مطرف خلاف، والحمد لله وحده.
[ ١٠ / ١٢٢ ]
المسألة الثالثة في حكم الدِّية المغلظة
وإذا فعل الأب بابنه مثل ما فعل المدلجي بابنه، ففيه تغلظ الدية، وهو الذي قال فيه مالك: يشبه العمد بلا خلاف.
والدِّية على ثلاثة أضرب:
دية الخطأ: وهي مخمسة: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون ذكور، وعشرون حِقّة، وعشرون جذعة.
ودية العمد: مربعة، وهي: خمسة وعشرون بنت مخاض، وخمسة وعشرون بنت لبون، وخمسة وعشرون حقة، وخمسة وعشرون جذعة.
ودية شبه العمد: مغلظة؛ وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها.
ولا تكون -أعني: دية العمد- إلا في مثل ما فعل المدلجي بابنه حذفه بحديدة فقتله؛ فحكم فيه عمر ﵁ بمائة من الإبل مغلظة على ما فسرناه.
ولا يخلو قتل الأب ابنه من أن يكون عمدًا محضًا أو شبه عمد.
فإن قتله عمدًا، هل يقتل به ويقتص منه من له القيام أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يقتل، وهو قول أشهب على ما نقله اللخمي.
والثاني: أنه يقتص منه.
ثم لا يخلو القائم بالدم من أن يكون عصبة أو يكون ابنًا له آخر.
[ ١٠ / ١٢٣ ]
فإن كان عصبة، فلهم أن يقتصوا منه بلا جرحة تلحقهم.
فإن كان ابنًا له آخر، هل يمكن من قتله، ويكون ذلك جرحه في شهادته أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يمكن من قتله، ويكون ذلك جرحه في شهادته بعد أن يعرف بذلك، وهو قوله في "كتاب القذف" من "المدونة".
والثاني: أنه لا يمكن منه، وهو قوله في أول "كتاب المِدْيَان" في اليمين.
وقال ابن القاسم في "كتاب الديات" من "المدونة": كره له مالك القصاص منه، وكان يكره أن يحلفه في الحق، فكيف يقتله؟
فإن اجترأ وفعل، فإنه لا يؤدب فيه غير أن ذلك جرحة اكتسبها.
وابن الابن في جميع ذلك كالابن في تغليظ الدية.
واختلف في الجد أبى الأب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه كالأب، وتغلظ عليه الدية، ولا يقطع إن سرق من مال ولد ولده، وهو قوله في "كتاب القطع في السرقة"، وفي "كتاب الجراحات" من "المدونة" في تغليظ الدية.
والثاني: أنه كالأجنبي، ولا تغلظ عليه الدية، وهو قوله في غير ما موضع من "المدونة".
واختلف فيما عداه من الأجداد، والجدات مثل أم الأم، وأم الأب، والجد وأبو الأم على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه كالأجنبيين، وهو قوله في "المدونة".
[ ١٠ / ١٢٤ ]
والثاني: أن جميع الأجداد، والجدات من أيّ جهة كانوا كالأبوين، وهو قول عبد الملك في "المجموعة".
والثالث: أن جميعهم كالأبوين الأب والأم، فهو كالأجنبيين، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في "كتاب ابن المواز".
وأما سائر القرابات فهم كالأجنبيين قولًا واحدًا إلا ما جرى على وجه الأدب من القرابة، فإنه يكون مثل خطأ المعلم، وذوي الصنعة ما لم يتعمده بسلاح أو شبهه. وهو قول ابن القاسم عن مالك في "المجموعة".
فإذا ثبت ذلك، فلا يخلو ما فعله الأب بابنه من أن يكون قتلًا أو جراحًا.
فإن كان قتلًا، فإنه تغلظ فيه الدية قولًا واحدًا في المذهب.
ثم لا يخلو الأب من وجهين: إما أن يكون من أهل الإبل، أو يكون من أهل الذهب والورق.
فإن كان من أهل الإبل، فالتغليظ عليه بالعدد قولًا واحدًا.
فإن كان من أهل الذهب والورق، فهل تغلظ عليه الدية أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا تغلظ عليهم؛ وإنما عليهم ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم إن كانوا من أهل الورق.
والثاني: أنها تغلظ عليهم.
والقولان عن مالك في "الموازية" وغيرها.
وعلى القول بتغليظ الدية، فما كيفية تغليظها؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
[ ١٠ / ١٢٥ ]
أحدها: أن ينظر إلى قيمة دية الخطأ المخمسة من الإبل.
فإن قيل: ستمائة درهم، قيل: وما قيمة المغلظة من الإبل، وهي مثلثة، فإن قيل: ثمانمائة كان له من الدِّية دية وثلث.
وكذلك لو كانت دِيَة المغلظة ألف وستمائة درهم كانت له ديتان، وهو قول مالك في "الموازية"، و"كتاب ابن عبدوس". وينظر ما زادت الغلظة على المخمسة، ولا يجوز أن يقال: كم هو جزء من المغلظة، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه"؛ لأنه إذا نسب إلى المغلظة يكون أقل، وإذا نسب إلى المخمسة يكون أكثر.
والثاني: أنه ينظر إلى قيمة أسنان المغلظة من الذهب، والورق، فيؤدي ما لم يكن أقل من ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم، ولا ينظر ما زادت على دية الخطأ، وهي رواية بعض البغداديين عن مالك في "كتاب ابن سحنون" وغيره.
والثالث: أن يعرف ما بين القيمتين، فيزاد ذلك العدد على الذهب أو الورق؛ مثل أن تكون قيمة دية الخطأ ستمائة دينار، وقيمة دية المغلظة ثمانمائة دينار؛ فما بين القيمتين مائتا دينار؛ فذلك القدر هو الذي يزاد على أهل الذهب أو الورق.
فإن كان بلد لا إبل فيه كالأندلس نظر إلى قيمة الإبل في أقرب البلدان إليهم، وهذا قول ابن القاسم فيما حكاه ابن حبيب في "النوادر".
وعلى القول بأنها تغلظ على أهل المذهب والورق، فهل تقوم حالة أو مُنَجَّمة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها يُقَوِّمَان الدِّيتين على أنهما حالتين.
والثاني: أنهما يُقَوِّمَان على أنهما مُنَجَّمَتَيْن.
[ ١٠ / ١٢٦ ]
والقولان لمتأخري الصقليين والقرويين من أصحابنا.
وعلى القولين جميعًا، هل يكون في مال الجاني أو علي العاقلة؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها في مال الجاني حالة، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أنها على العاقلة جملة. وهو قوله عبد الملك، ومحمد بن المواز في كتابه.
والثالث: التفصيل بين أن يكون الجاني موسرًا، فتكون في ماله، أو يكون معسرًا، فتكون على العاقلة وهو قول مطرف، وابن الماجشون، وابن حبيب في كتابه.
وعلى القول بأنها على العاقلة، هل تكون حالة أو منجمة؟ على قولين:
أحدهما: أن تكون حالة على العاقلة، وذكر أن الأصحاب مجمعون على أنها حالة، وإنما اختلفوا هل هي على الأب أو على العاقلة.
والثاني: أنها منجمة على العاقلة، وهو أحد قولي ابن القاسم في "النوادر"، وبه قال أصبغ.
وهذا كله فيما إذا ثبت قتل الأب ابنه بِبيِّنَة.
وأما إن كان ذلك بإقرار الأب، فلا تغلظ فيه الدّية، وهي في ماله بإجماعهم، وهذا قول سحنون في كتاب ابنه.
وهل تغلظ في الجراح أم لا؟
فلا يخلو من أن تكون مما يمكن فيها القصاص أو مما لا يمكن فيها.
فإن كانت الجراح مما يمكن فيها القصاص، فالمذهب على قولين:
[ ١٠ / ١٢٧ ]
أحدهما: أن الدِّية تُغَلَّظ فيها كالنفس.
والثاني: أنها لا تُغَلَّظ.
والقولان لمالك فيما حكاه ابن عبد الحكم في "كتاب ابن المواز".
فإن كانت مما لا يمكن فيها القصاص كالجائفة، والمأمومة، والمنقلة، فإنها لا تغلظ فيها الدِّية.
فلو قال الابن: دمي عند فلان أبى عمدًا أو خطأ، فلا يخلو من أن يكون منفوذ المقاتل أو غير منفوذ المقاتل.
فإن كان غير منفوذ المقاتل ففيه القاسم في العمد والخطأ، ويستحق بذلك دية المغلظة، وهو قول ابن القاسم في العمد، وأشهب في الخطأ في "كتاب ابن سحنون" وغيره.
فإن كان منفوذ المقاتل مثل أن يقول: ذبحني أو بقر بطني، ففي ذلك قولان:
أحدهما: أنه يُقْسم مع قوله، يقتل الأب، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يقبل قوله، ولا يقتل به الأب، وكيف يقبل قول من هو في عِدَادِ الموتى إلا أن يكون ذبحه، وبقيت أوداجه، ولم يجهز عليه؟ وهو قول سحنون في "كتاب ابنه" قال: وإن لم يفسر الابن كيف قتله غُلِّظَت الدية في مال الأب.
وسبب الخلاف: في جميع ما تقدم من اختلافهم في الدية، هل هي على العاقلة أو في مال الأب؟ واختلافهم هل هي منجمة أو معجلة؟ واختلافهم في فعل الصحابي، هل يكون حجة أو لا يكون حجة؟ وذلك أن عمر ﵁ قال لسراقة بن جعشم في قضية المدلجي: اعدد لى على قدر مائة وعشرين بعيرًا، وأمر سراقة بإحضار هذا العدد من غير أن
[ ١٠ / ١٢٨ ]
يكلف ذلك الأب دليل على أنها على العاقلة؛ لأن سراقة هو رئيس القوم ومقدمهم.
وفيه أيضًا دليل على أنها حالة؛ لأنه لم يذكر فيها التنجيم.
وقوله مائة وعشرون إنما أمره بزيادة العشرين ليختار فيها [وكأنها حالة] (١).
ومن ذهب إلى أن فعله حجة، قال: فإنها على العاقلة وأنها حالة.
ومن لم يره حجة جعلها مسألة نظرية.
فمن غلب فيها شائبة العمدية جعلها على الأب.
ومن غلب شائبة الخطأ جعلها على العاقلة منجمة.
ومن قال حالة، فهو تردد لا تقييد؛ إذ لا مدخل للعبادة في هذا الفصل، والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٢٩ ]
المسألة الرابعة في أساس الجراح وأحكامها
وأسامي الجراح والشجاج في الفقه، واللغة عشرة:
أولها: الحَارِصَة: وهي التي حرصت الجلد، أي: خدشته وقشرته قليلًا.
ثم الدَّامية: وهي التي تدمي من غير أن يسيل منها شيء.
وقيل: إن الدَّامية أولًا ثم الحارصة.
وقيل الدامغة: هي التي يسيل منها الدم.
وقيل: الدامغة والدامية سواء.
ثم البَاضِعَة: وهي التي تشق اللحم شقًا.
ثم المُتَلَاحمة: وهي التي أخذ في اللحم.
ثم السّمْحَاق: وهي التي أثرت في اللحم حتى لا يبقى بين العظم، واللحم إلا قشرة رقيقة، وهي الغشاء، ويقال لها: الملطاء.
وقال ابن حبيب السمحاق هي: الحارصة.
ثم المُوَضِّحة: وهي التي توضح عن العظم -أي: تبدى وضحه، وهو بياضه.
ثم الهاشمة: وهي التي تهشم العظم.
ثم المنقلة: وهي التي تكسر العظم، فتنقل منها العظام عن موضعها ليلتمي الجرح، وبينها وبين الدماغ صفاق رقيق؛ هكذا فسرها أبو بكر بن
[ ١٠ / ١٣٠ ]
العربي في "ترتيب المسالك [في موطأ مالك] (١) " وهي مختصة بالرأس.
ثم المأمومة: وهي التي تبلغ أم الرأس، وهي الدماغ؛ ومعناه أنها تقيت الشفاف الذي فيه الدماغ.
ثم الجائفة: وهي التي أفضت إلى الجوف -كبرت أو صغرت- ولو بمدخل إبرة.
وأسماء هذه الشجاج مختصة بما وقع منها في الوجه، والرأس دون سائر البدن.
واسم الجرح يختص بما وقع في البدن.
فهذه أسماء هذه الجراح والشجاج.
وأما أحكامها -أعني: الواجب فيها- فاتفق المذهب على أن ما دون الموضحة ليست فيه عقل مسمى، وسواء كان في الرأس، أو في سائر الجسد، وإنما هي عمد أو خطأ؛ فالعمدية القصاص؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٢)، والخطأ إن برأت على غير شين، فلا شئ فيه غير الأدب علي الجاني، وإن برأت على شين، ففيها الاجتهاد.
وقال السبعة الفقهاء: فيما دون الموضحة من الخطأ، وأجر المداوي، وأما ما عداها من الشجاج، والجراح مثل الموضحة، والمنقلة، والمأمومة، والجائفة، فإن فيها عقلًا مسمى بالسنة الثابتة عن رسول الله - ﷺ - وعمدها وخطأها سواء إلا ما ليس فيه خطر عظيم كالموضحة؛ فإن المجني عليه مخير فيها بين القصاص، والعمد، والأرش؛ لأنها ليست بمتلف. وأما ما عداها فليس فيها إلا الأرش، ولا يمكن من القصاص لتفاقم الغرر، والخطر
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سورة المائدة الآية (٤٥).
[ ١٠ / ١٣١ ]
في شأنها، فخاف أن يتعدى الأمر فيها إلى ذهاب النفس بالكلية، والقصاص موضوعه التساوي، وإنما فيه الدية، ودِيَة كل شجة منها مقدرة معلومة؛ وأول ذلك الموضحة ففيها نصف عشر الدية، وهو خمس من الإبل، وإن كانت في الوجه، فشانه فإنه يزاد فيها بقدر شينها على اختلاف أقوالهم في الشين، هل يزاد له أم لا؟ وقد اختلف المذهب في ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يزاد في شينها جملة -أعني: موضحة الوجة- وهو قول ابن القاسم في "المدونة" و"الموازية" و"المجموعة".
والثاني: أنه لا يزاد في شينها شيء؛ لأن فيها دية مؤقته، وهو قول أشهب في "المجموعة".
والثالث: أنها لا يزاد فيها إلا أن يكون شينًا منكرًا، فيزاد في ذلك، وهو قول ابن نافع، وابن وهب عن مالك في "المجموعة".
فإن كان الضرب خطأ في الموضحة كان له بعير من كل سن من أسنان دية الخطأ، وإن كان عمدًا كان له بعير وربع بعير من كل سن؛ وذلك خمسة أبعرة؛ لأنها مربعة.
وأما الهاشمة: فقد أنكرها مالك في الكتاب، وقال: لا أرى هاشمة تكون في الرأس إلا كانت منقلة.
وقد اختلف قول ابن القاسم وأشهب في وجوب القصاص منها على قولين؛ فابن القاسم منعه، وأشهب جوزه كالموضحة عنده.
فإن اقتصر منها على قول أشهب، فبرأت موضحة، ولم يصب العظم هشم، فلا شيء للمستفيد له، وإن أصابه هشم فذلك حقيقة القصاص،
[ ١٠ / ١٣٢ ]
وإن ترامت إلى منقلة أو إلى نفسه، فذلك قتيل الله لا دية فيه.
وأما المنقلة: ففيها عُشْر الدِّية، ونِصْف العُشْر؛ وهو خمسة عشر بعيرًا. فإن كانت الضربة خطأ كان له ثلاثة أبعرة من كل سن، وإن كانت عمدًا كان له أربعة أبعرة الأربعة من كل سن.
وأما المأمومة ففيها ثُلث الدِّية؛ وهي ثلاثة وثلاثون بعيرًا وثلث بعير.
وأما الجائفة: فإنها من جراح البدن لا من شجاج الرأس؛ وهي ما وصل إلى الجوف، ولو بمدخل إبرة، ولا تكون إلا في الظهر، أو في البطن، وفيها ثلث الدية أيضًا كالمأمومة، ولا قصاص فيها قولًا واحدًا بين أهل العلم، والعمد والخطأ فيهما سواء.
واختلف قول مالك في الجائفة إذا نفذت على قولين:
أحدهما: أن فيها ثلث الدية.
[والثاني: أن فيها ثلثي] (١) الدية، وهو اختيار ابن القاسم.
وروى أن عبد الله بن الزبير ﵁ استقاد من المنقلة، وهو أحد قولي مالك على ما نقله الحفيد أن مالكًا اختلف قوله في القصاص من المنقلة؛ فلأجل هذا لم نطلق في المنقلة إجماع العلماء.
ولا خلاف فيما كان من هذه الشجاج والجراح خطأ أن ديته ما بلغ منها ثلث الدية على العاقلة، واختلف فيما كان منها عمدًا علي ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك في مال الجاني جملة بلا تفصيل؛ لأنه عمد، والعاقلة لا تحمل العمد.
والثاني: أن ذلك على العاقلة من غير تفصيل؛ لأنه يشبه الخطأ لامتناع
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٣٣ ]
القصاص فيه، والقولان عن مالك.
والثالث: أن ذلك في ماله إن كان له مال، وعلى العاقلة إن لم يكن له مال، وهو أحد قولي ابن القاسم، [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ١٠ / ١٣٤ ]
المسألة الخامسة في ديات الأعضاء، والجراح، والحواس، والمنافع
فأول ذلك العقد فيه الدية كاملة، وإن نقص بعضه، فبحساب ذلك.
والسَّمع فيه الدِّية كاملة، وإن نقص بعضه، فبحساب ذلك.
والبصر فيه الدية كاملة، وإن نقص فبحساب ذلك.
والأنف فيه الدية كاملة إذا أوعى المارن جذعًا، وإن انقطع بعضه، فبحساب ما قطع منه.
والشفتان فيهما الدية كاملة؛ في كل واحدة نصفها، ولم يخلتف أحد من العلماء في ذلك وإنما اختلفوا في العليا والسفلى أيهما أكثر؛ فذهب سعيد بن المسيب إلى أن في السفلى ثلثي الدية، وذهب ابن حبيب إلى أن العليا ثلثي الدية، وهو شذوذ من القول، وإن كان سعيد إنما أوجب في السفلي ثلثي الدية لضمها [العظام] (١)، واللعاب؛ فبأن يكون في العليا ثلثا الدية لجمال الوجه، والفم أولى كما قال ابن حبيب.
واللسان فيه الدية كاملة، فإن قطع بعضه، فبحساب ما ذهب من كلامه، وهل يراعى عدد نقصان الحروف أو لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن النظر إلى نقصان الكلام بالاجتهاد لا بعدد الحروف بقدر ما يرسخ في القلب من نقصان ذلك، ويقع في نفسه أنه ذهب نصف
_________________
(١) في ب: الطعام.
[ ١٠ / ١٣٥ ]
كلامه أو ثلثه؛ لأن من الحروف ما لاحظ للسان فيه مثل الهاء، والميم، والحاء، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن الدية تقسم على عدد الحروف المعجم ثمانية وعشرون حرفًا فما نقص من هذه الحروف أخذ بحسابه، والحرف الثقيل والخفيف سواء، وهو قول أصبغ، وابن حبيب في "الواضحة"، و"الموازية".
والسن فيه خمس [من الإبل. والأضراس والأسنان سواء في كل واحد منهما خمس من الإبل] (١) على ما قضى به معاوية ﵁، وذكر مالك في موطئه عن سعيد بن المسيب ﵁ أنه قال: قضى عمر ﵁ في الأضراس ببعير بعير، وقضى معاوية ﵁ في الأضراس بخمسة أبعرة خمسة (٢).
قال سعيد: والدية تنقص في قضاء عمر، وتزيد في قضاء معاوية، فلو [كنت] (٣) أنا لجعلت فيها يعني: الأضراس -بعيرين بعيرين، فتلك الدية سواء، وذلك أن الأسنان اثنا عشر سنًا؛ وهي أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربع أنياب [فيجب] (٤) لها ستون بعيرًا على خمسة أبعرة في كل سن.
والأضراس عشرون وأربع ضواحك، وهي التي تلي الأنياب، واثنا عشر رحى ثلاثة في كل شق، وأربعة نواجذ -وهي أقصاها- فيجب لها أربعون بعيرًا على قول [سعيد بن المسيب] فيأتي في الأسنان مائة بعير، وتلك الدية كاملة، ويأتي على ما ذهب إليه مالك] (٥) وقضاء معاوية في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) أخرجه مالك (١٥٥٤).
(٣) في ب: كانت.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٣٦ ]
جميع الأسنان مائة بعير، وستون بعيرًا، وعلى قضاء عمر ﵁ ثمانون بعيرًا.
والصلب فيه الدية كاملة إذا أقعده، ولم يقدر على المشي.
والذكر فيه الدية كاملة قطع كله أو الحشفة وحدها، فإن قطع بعضها [فبحسابه] (١).
والأنثيان فيهما الدية كاملة، وهل هي بينهما أنصافًا أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الدية بينهما أنصاف، وهو مذهب المدونة، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن في اليسرى منهما الدية كاملة، وهذا القول حكاه ابن حبيب في المذهب، وحكاه عنه أبو محمَّد في "النوادر".
وذهب سعيد بن المسيب أن في اليسرى ثلثي الدية، وفي اليمنى الثلث؛ لأن الولد يكون من اليسرى.
واختلف في الأُنثَيَين إذا قطعتا مع الذكر على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه في ذلك ديتين -كان القطع في مرة واحدة، أو قطع الذَّكر قبل الأُنثَيَين أو بعدهما- وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن الأولى [فيها] (٢) الدية، وفي [الأخرى] (٣) حكومة -ذكرًا كان أو أُنْثَيين- وهي رواية مطرف، وابن الماجشون عن مالك.
_________________
(١) في أ: فبحساب ذلك.
(٢) في أ: فيه.
(٣) في أ: الآخر.
[ ١٠ / ١٣٧ ]
والثالث: أن في الذَّكر دية [قطع] (١) أولًا أو آخرًا، وإن قطعت الأنثيان بعد الذكر فلا دية فيهما، وبه أخذ ابن حبيب، وهو مذهب أهل العراق أنه إن بدأ بالقطع من أسفل فديتان؛ لأن الأنثيين قطعتا قبل الذكر.
وإن بدأ بالقطع من فوق فدية وحكومة.
واليدان فيهما الدية كاملة، وفي كل واحدة منهما نصف الدية.
وفي أصبع كل واحدة منهما عشر من الإبل.
وإن كان في إحدى اليدين أصبع زائد، فلا يخلو من أن تكون قوتها كقوة الأصابع، أو تكون أضعف منها.
فإن كانت ضعيفة عن التناول والخدمة، فلا خلاف أنه لا دية فيها، ولا قصاص، وإنما فيها حكومة، وإن كانت قوية ومنفعتها كمنفعة سائر الأصابع، فلا تخلو من أن يكون قطعها عمدًا أو خطأ؛ وإن كان خطأ، هل تكون فيها الدية أم لا؟
المذهب على قولين:
أحدهما: أنها لا دية فيها أصلًا، سواء قطعت وحدها، أو قطعت اليد التي هي فيها؛ وإنما فيها حكومة، وهو قول ابن سحنون عن أبيه في كتابه.
والثاني: أن فيها دية الأصبع؛ وهي عشرة من الإبل.
فإن قطعت اليد التي هي فيها، ففيها ستون بعيرًا أو ستمائة دينار إن كان الجاني من أهل الذهب، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة"، و"الموازية".
_________________
(١) في أ: القطع.
[ ١٠ / ١٣٨ ]
فإن قطعت عمدًا فلا قصاص فيها؛ إذ لا نظير له، وفيها الدية، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة".
وعلى هذا القول لو قطعت جميع اليد التي هي فيها عمدًا لكان فيها القصاص، ودية الأصبع.
وأشراف الأذنين إذا قطعا قد اختلف فيها قول مالك؛ فمرة [يقول] (١) فيها الدية كاملة مع بقاء السمع، ومرة يقول: فيها الحكومة.
فإذا ذهب السمع والأذن بضربة واحدة ففيهما قولان:
أحدهما: أن الواجب فيهما دية واحدة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه فيهما ديتين؛ على القول بأن الأذن فيها الدية إذا قطعت وبقى السمع.
وثديي المرأة فيهما الدية كاملة؛ في كل واحد منهما نصف الدية.
وإن قطعت الحلمتان، وبطل مخرج اللبن حتى لا ينتفع المرضع بذلك فقد وجبت الدية، وإن كان على غير ذلك ففيهما بقدر شينهما، وهو قول ابن القاسم، وعبد الملك.
واختلف في ثديي الصغيرة، هل يستأنى بهما أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يستأنى بهما؛ إذ لا يطمع فيهما بنبات فيؤخر، وهو قول مطرف، وابن الماجشون، وأشهب.
والثاني: أنه يستأنى بهما كسن الصغيرة، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في "المجموعة"، و"الموازية"، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وإن رجى لها نبات.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٣٩ ]
وإليتا المرأة: ففيهما الدية كاملة على قول أشهب، وفيهما حكومة على قول ابن القاسم.
والشوي: وهو جلدة الرأس فيها الدية كاملة.
والصدر: إذا هدم ولم يرجع إلى ما كان عليه، ففيه الدية كاملة، وهو قول أبي الفرج عن ابن الماجشون في جلدة الرأس، والصدر.
والشم إذا ضرب، فأذهب شمه، والأنف قائم ففيه قولان:
أحدهما: وجوب الدية بذهاب الشم، وإن كان الأنف قائمًا، وهو قول أبي الفرج في "الحاوي" و"كتاب الأبهري".
وإن قطع الأرْنَبة -وهو المارن- وبقى الشم، ففيه الدية أيضًا، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو المشهور.
والثاني: أن الأنف لا تجب فيه الدية حتى يستأصل من أصله، وهي رواية ابن نافع عن مالك في "الحاوي"، وهو قول شاذ، وقال: في الشم حكومة.
والجماع إذا ضربه، فأذهب جماعه فإن فيه الدية كاملة؛ لأنه قد عطل منافع الذكر، وهذا القول يستقرأ من مسألة الصلب؛ لأن الدية إنما وجبت في الصلب؛ لأنه عطل منافع الرجلين.
والذوق قد جعل فيه بعض أصحابنا المتأخرين الدية كاملة، ولا أعرف فيه نصًا للأصحاب.
وفي شفري المرأة الدية كاملة إذا سلبتهما حتى يبدو العظم، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الموازية"، و"المجموعة".
فالذي يتحصل فيما يجني به على الرجل من الديات [على المذهب] (١)
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٤٠ ]
ثمان عشرة دية: إحدى عشرة في رأسه، وسبع في جسده؛ فالتي في الرأس: العقل، والسمع، وأشراف الأذنين، والبصر، والشم، والأنف، والذوق، والكلام، والشفتان، والشوي -وهي جلدة الرأس- والأضراس، والأسنان.
والتي في الجسد: اليدان، والرِّجلان، والصلب، والصدر، والذَّكر، والأنثيان، وإذهاب الجماع.
وتجتمع في المرأة ثمان عشرة دية أيضًا؛ لأن فيها ثلاث ديات ليست في الرجل، وهي: الشفرتان، والحلمتان، والإليتان.
كما أن في الرجل ثلاث ديات ليست في المرأة، وهي: ذهاب الجماع، والذَّكر، والأنثيان، [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ١٠ / ١٤١ ]
المسألة السادسة في معاقبة المرأة للرجل في ديات الجراح
ولا خلاف بين العلماء فيما زاد على ثلث دية الرجل أن المرأة فيه على النصف [منه] (١)، واختلف فيما دون الثلث؛ فذهب مالك -﵀- إلى مساواتها مع الرجل إلى ثلث ديته، فإذا بلغت إلى ثلث الدية لم تستكملها، ورجعت إلى عقل نفسها، فكان لها في الثلث، وفيما زاد عليها نصف عقل الرجل.
وذهب الشافعي، وأبو حنيفة إلى أن المرأة على النصف من عقل الرجل في القليل والكثير.
والدليل لمالك -﵀- أمران: أحدهما: الأثر، والثاني: النظر.
فأمَّا الأثر: فما رواه مالك عن سعيد بن المسيب، وعن عروة بن الزبير أن المرأة مساوية للرجل إلى ثلث الدية (٢). وهو قول زيد بن ثابت، وابن عباس، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وإن كان قد روى عنهما ﵄ خلاف هذا إلا أن الأشهر عنهما ما ذكرنا، وهو مذهب الفقهاء السبعة، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، وروى ذلك أيضًا عن النبي - ﷺ - من مراسيل عمرو بن شعيب عن أبيه، وعكرمة.
وذكر مالك في موطئه (٣) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: سألت سعيد بن المسيب [كم] (٤) في أصبع المرأة؟.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) أخرجه مالك (٢/ ٨٥٤).
(٣) الموطأ (٢/ ٨٦٠).
(٤) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٤٢ ]
فقال: عشر من الإبل، وقال مثل ذلك في الثاني والثالث قال: فقلت له: كم في أربع؟ فقال: عشرون من الإبل، فقلت: حين عظم جرحها، واشتدت مصيبتها نقص عقلها، فقال: أعراقي أنت؟ قال: فقلت: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم، فقال: هي السنة يا بن أخي.
فقوله: هي السنة يا بن أخي، يحتمل أن يكون أرسله عن النبي - ﷺ -، والمرسل عند مالك كالمسند في وجود العمل، ويحتمل أن تكون سنة مستنبطة من هذه الظواهر والآثار، ويحتمل أن تكون سنة البلد بلد رسول الله - ﷺ -؛ فإنه متظاهر في التابعين؛ ولهذا قال ابن هرمز: وهذا مما أخذناه عن الفقهاء، ولم نقله برأينا.
وأما النظر: فإن الله ﵎ ساوى بين المرأة والرجل في أصل الخلقة، ومبدأها إلى الثلث، ثم فصل بينهما فيما بعد الثلث، فقال النبي - ﷺ - عن ربه: إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة ثم أربعين يومًا علقة ثم أربعين يومًا مضغة، ثم يأتي الملك الموكل بالرحم، فيقول: أي رب ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما الرزق، وما الأجل؟ فينفخ فيه الروح (١).
فيقع الفعل من الله بالتذكير إن شاء أو التأنيث بعد هذا المشترط فيه، وهو من العام ثلثه، وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ إلى قوله: ﴿بِمِقْدَارٍ﴾ (٢)، وبين الاعتبار من قوله في الآيتين إحداهما: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٣)، والثانية
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠٣٦)، ومسلم (٢٦٤٣).
(٢) سورة الرعد الآية (٢).
(٣) سورة البقرة الآية (٢٣٣).
[ ١٠ / ١٤٣ ]
قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (١)، أن أمد الغيض -وهو النقصان- من أمد المعلوم في العادة، وهو تسعة أشهر في الأغلب، والأكثر ثلاثة أشهر، وأن الولد يصح نسبه من والده لستة أشهر؛ لأن الغيض نقصان ثلاثة أشهر من التسعة؛ فيثبت النسب بولادة ستة أشهر، فإذا اعتبرنا الزيادة بالنقصان اعتبارًا عدلًا حملنا على التسعة الأشهر ثلاثة أشهر كما نقصنا من التسعة ثلاثة أشهر في الغيض، وفي حملنا ثلاثة أشهر على تسعة تمام العام، وقد تقدم أن الأربعة الأشهر المسترد فيها ثلث العام، فكما اشتركا من العلم، وهو منتهى الأمد على الاعتبار الذي ذكرناه في ثلثه في الخلقة، ثم وقع الفصل بعد الثلث، وانفرد الذكر بتذكيره، والأنثى بتأنيثها فكذلك يشتركان في المعاقلة في الثلث ثم يرجع بعد الثلث كل واحد منهما إلى عقل نفسه كما رجع بعد ثلث العام إلى صورة نفسه، وحسبك بهذا الاعتبار بيانًا لائحًا، ودليلًا واضحًا، وهذا الاعتبار لبعض أصحابنا المتأخرين.
فإذا ثبت ذلك، فينبغي أن يعلم أن في كل أصبع من أصابع الرجل عشر من الإبل، وفي كل أنملة ثلاثة أبعرة، وثلث خلا الإبهام، فإنه قد اختلف فيه المذهب على [قولين] (٢):
أحدهما: أن فيه مفصلين؛ في كل مفصل خمس من الإبل، وهو مذهب المدونة، وهو المشهور.
والثاني: أن فيه ثلاث مفاصل كسائر الأصابع، وهو قول ابن كنانة في كتاب ابن سحنون.
والمرأة تساوي الرجل في دية الأصابع حتى تقطع لها ثلاثة أصابع وأنملة
_________________
(١) سورة الأحقاف الآية (١٥).
(٢) في أ: ثلاثة أقوال.
[ ١٠ / ١٤٤ ]
ثم ترجع إلى عقل نفسها على ما نفصله ونحصله إن شاء الله، فنقول -وبالله التوفيق: فإذا ضربت المرأة، فزالت بعض أصابع يديها أو رجليها، فلا يخلو الضرب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون عمدًا.
والثاني: أن يكون خطأ.
والثالث: أن تذهب بعض أصابعها بضربة عمد، وبعضها بضربة خطأ.
فأمَّا الوجه الأول: إذا كان الضرب عمدًا، ففيه القصاص قولًا واحدًا -كان الضارب رجلًا أو امرأة.
وأما الوجه الثاني: إذا كان الضرب خطأ، فلا يخلو من أن يقطع من أصابعها ما يبلغ ثلث الدية، أو يقطع منها ما دون ذلك.
فإن قطع منها ما يبلغ ثلث الدية، فلا يخلو من أن يكون ذلك في ضربة واحدة أو ضربات.
فإن كان في ضربة واحدة، مثل أن يضربها فيقطع لها أربعة أصابع [أو ثلاثة أصابع] (١) وأنملة ففيها في كل أصبع خمس من الإبل سواء كان القطع من كف واحدة، أو من كفين، وكان الضرب من واحد، أو من اثنين في ضربة واحدة أو ضربتين إذا كان ذلك [كله] (٢) في فور واحد، ومقام واحد؛ لأن ذلك كله كالضربة الواحدة.
فإن كان في ضربات مختلفة، وأوقات متفاوتة مثل أن يضربها، فأزال لها أصبعًا ثم ضربها مرة أخرى، فأزال لها أصبعًا أخرى حتى ضربها أربع
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٤٥ ]
ضربات متفرقات، ففي الأصبع الأول، والثاني، والثالث عشر عشر من الإبل في كل أصبع عشر.
وأما الأصبع الرابع، فلا يخلو من أن يكون قطعه مع الأصابع الثلاثة من كف واحدة، أو يكون قطعه من كف وقطع الثلاث من كف واحدة.
فإن كان قطع الجميع من كف واحدة: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن فيه خمسًا من الإبل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن فيه عشرًا من الإبل، وهو قول عبد الملك، وابن وهب في "الموازية"، وهو مذهب عبد العزيز بن أبي سلمة.
فإن كان القطع من كفين؛ فإن قطع من كف واحدة ثلاثة أصابع، ومن الآخر أصبعًا واحدة كان الضرب متفاوتًا -كما قدمناه- فله في كل أصبع عشرة من الإبل؛ إذ لكل يد حكم مستقل إذا كان الضرب مختلف الأوقات.
فأما إن قطع لها ما دون الثلث من الدية؛ مثل أن يضربها، فيقطع لها ثلاثة [أصابع] (١) ونصف أنملة، فلها في ذلك مثل ما للرجل عشرة أبعرة في كل أصبع كان الضرب في كف واحدة أو في كفين، وكان في فور واحد ومقام واحد أو في مقامين، وكان الضرب من رجل أو من رجال، ولا إشكال في ذلك.
ثم إن ضربت فقطع لها أصبع أخرى بعد ذلك، فإنك تنظر، فإن كانت الضربة الأولى في كف واحد، ثم قطع منها الأصبع [الآخر] (٢) بعد ذلك، أو ضربت فقطعت الأصبعان الباقيان جميعًا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: أخرى.
[ ١٠ / ١٤٦ ]
فإن قطعت الثلاثة الأصابع الأولى في ضربة واحدة، فلها في الأصبعين الأخريين خمس في كل أصبع، وإن قطعها مفترقًا، فيجري الخلاف الذي قدمناه، فإن قطع الأصبع الأخرى من الكف التي لم يقطع منها شيء بعد، ففيه عشر من الإبل قولًا واحدًا.
وأما الوجه الثالث: إذا ذهب بعض أصابعها بضربة عمد، أو ذهب بعضها بضربة خطأ، فإن الذي ذهب منها بضربة عمد، ففيه القصاص، والذي ذهب منها بضربة خطأ فيه الدية، ولا يبنى بعض ذلك على بعض؛ مثل أن يقطع من كلها ثلاثة أصابع عمدًا، فقاصصت فيها، أو لم تقاصص ثم قطعت الأصبعان الباقيان في ذلك الكف خطأ، فإن فيها عشرين، ولا يبنى على الحكم العمد كما لو ذهبت الأول بأمر من السماء، ولم أر في المذهب في هذا نص خلاف.
تم الكتاب بحمد الله وعونه، وصلى الله على نبينا محمَّد.
[ ١٠ / ١٤٧ ]
كتاب جناية العبيد
[ ١٠ / ١٤٩ ]