تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها عشر مسائل:
المسألة الأولى
[في اشتقاق الجهاد و] (٢) الجهاد من فروض الكفاية.
ولفظته في [الاشتقاق] اللغوي موضوعة على الإطلاق، ولمن بالغ في إتعاب النفس فأجهدها في تحصيل أرب ما.
وفي عرف الاستعمال الشرعي كذلك موضوعة لمن أجهد نفسه وغَلَّبَ تقواه على هواه في اكتساب قربة يرجو بها جزيل الثواب وحسن المآب.
وهذا الإطلاق سائغ عند العلماء إلا أنها لفظة تعرفت في الشرع لإفادة قربة مخصوصة حتى لا يفهم عند الإطلاقات والاصطلاحات فيما يجري بينهم في المحاورات سواها، وهي [مجاهدة] (٣) الكفار ومحاربة الأعداء الذين هم أبغض خلق الله إليه، فلتكن مجاهدتهم أحب قرباته إليه.
وفضائله لا تحصى وشواهده لا تخفى.
وهو من فروض الكفاية يستقل بالقيام [به] (٤) آحاد الخلق دون أعيانهم كالعلم لا فرق سواء، وقد ألزمهما الله تعالى في قرن وجمعهما في نسق في عموم قوله تعالى: ﴿فَلَؤلا نَفَرَ مِن كُل فِرْقَة مِّنْهُم طَائِفَةٌ ليَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ (٥).
_________________
(١) سرت في الترتيب على مخطوط دار الكتب المصرية التي أتبعت الزكاة بالجهاد، بينما في "المدونة" سبق الجهاد الحج.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: محاورة.
(٤) سقط من أ.
(٥) سورة التوبة الآية (١٢٢).
[ ٣ / ٧ ]
وإلى [مثل] (١) هذا ذهب بعض المحققين بقوله: قواعد النبوة إنما تأسست وتمهدت لدعاء الخليقة إلى نهج الحقيقة طلبًا للاعتراف بالوحدانية والإقرار بالربوبية [تارة] (٢) بالسيف والسنان و[تارة] (٣) بالحجة [والبرهان] (٤)، فإن أجابوا إلى ذلك قبل منهم، وإلا طلبت منهم الجزية، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله. والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٨ ]
المسألة الثانية
في الدعوة قبل القتال هل هي مشروعة أو غير مشروعة (١)؟
والأصل في وجوبها على الجملة قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿يَا أَيهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبَكَ﴾ الآية (٣).
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٤).
فاقتضت هذه [الآيات] (٥) الدعوة إلى الله تعالى وتبشير من أطاعه بالجنة، وينذر ويحذر من عصى بالنار.
ثم لا يجوز القتال إلا بعد الدعوة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٦).
والمراد من بعثة الرسل التبليغ.
ولا خلاف فيمن قُطِعَ عليه أن الدعوة لم تبلغه -إن تصور أن يكون ذلك، أو يمكن أن يوجد [ذلك] (٧) في بعض الجزائر وأطراف البلاد النائية من لا يعرف بعثة الرسل- أنه لا يقتل إلا بعد الدعوة، وهذا ممن لا أظنه يكون، والله أعلم.
وقد اشتهر من رسالة رسول الله - ﷺ - وظهور شريعته ما لا يمكن
_________________
(١) انظر: "المدونة" (٣/ ٢) و"النودار" (٣/ ٤٠ - ٤٢).
(٢) سورة البقرة الآية (١١٩).
(٣) سورة المائدة الآية (٦٧).
(٤) سورة سبأ الآية (٢٨).
(٥) في الأصل: الآية.
(٦) سورة الإسراء الآية (١٥).
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ٩ ]
[لأحد] (١) جهله مع [اتساع] (٢) الملة وامتداد المدة؛ ولأجل ما ذكرناه اختلف العلماء في وجوب الدعوة قبل القتال على أربعة أقوال:
أحدها: أن الدعوة ساقطة غير لازمة لأحد؛ لبلوغ الدعوة كافة الأنام، قاله الحسن البصري وغيره.
والثاني: أن الدعوة واجبة قبل القتال في حق كل أحد -قربت داره أو بعدت- وقاله عمر بن عبد العزيز، وأكثر العلماء، وبه قال مالك.
والثالث: التفصيل بين من قربت داره أو بعدت؛ فإن قربت داره: قوتل قبل الدعوة لعلمهم بالدعوة، بل تطلب غرتهم بالليل والنهار.
فإن بعدت داره: فلا يقاتل إلا بعد الدعوة؛ لأن الدعوة أقطع للشك وأنزه للجهاد - معناه: أنزه عن الإثم.
والرابع: التفصيل بين القبط و[غيرهم من] (٣) الروم؛ فالروم يقاتلون قبل الدعوة، والقبط لا يقاتلون حتى يُدعوا.
والأقوال [الأربعة] (٤) مذهبية، وكلها من "المدونة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم من أمره ﵇ [بالدعوة] (٥) قبل القتال هل ذلك لجهلهم بالرسالة والنبوة فتسقط الدعوة في حق من علم بالرسالة، أو ذلك لجهلهم بالسبب الذي نقاتلهم عليه؛ هل ذلك طلبًا للملك والرئاسة، أو ذلك [لتبليغ] (٦) [أحكام] (٧) الرسالة؛ وهي أن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: اتباع.
(٣) سقط من أ.
(٤) في الأصول: الثلاثة والصواب ما أثبتناه.
(٥) في أ: في الدعوة.
(٦) في ب: لتبيين.
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ١٠ ]
تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى؛ فعلى هذا لابد من الدعوة قبل القتال، بالإنذار وإن دنت الدار واشتهرت النبوة والرسالة في سائر الأمصار.
والتفصيل بين قريب الدار أو بعيدها [حسمًا] (١) [لمادة الشك] (٢) وقطعًا لأعذار أهل الشرك.
وتفريق مالك -﵀- بين القبط والروم في وجوب الدعوة على ما في "المدونة": اختلف [المتأولون] (٣) في تأويله؛ فقال بعضهم: لعله رأى أنهم لا يفقهون ما يدعون إليه، فرأى أنهم يدعون وتبين لهم الدعوة.
وقال بعضهم: هذه العلة باطلة؛ لأن القبط من أحذق الناس.
وتأول آخرون أن ذلك لحق مارية القبطية أم ولد النبي -ﷺ- وهي أم ولده إبراهيم.
وقيل: إن العلة: أن القبط كان لهم عهد وَرُكبُوا بظلم وتداول الملوك ذلك من أهل الجور [فنقضوا] (٤) ما كانوا عليه من العهد، فلذلك لا يقاتلون حتى يدعوا ويخيروا أنهم يردون إلى ما كانوا عليه ويسار فيهم بالعدل وطريق الحق، وأما الروم فما كان لهم عهد قط، وهذا أثبت ما قيل في [هذه] (٥) المسألة.
واختلف في تبييت العدو قبل الدعوة على قولين:
أحدهما: أنهم لا يبيتون حتى يدعوا، وهو قول مالك في "مختصر" ابن
_________________
(١) في أ: حسن.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: المتأخرون.
(٤) في ب: حتى نقضوا.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ١١ ]
عبد الحكم، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أن التبييت جائز [قبل الدعوة] (١)، وهو قول ابن المواز، واستشهد بقصة [كعب] (٢) بن الأشرف وغيره ممن بعث إليه النبي -ﷺ- من قتله، غيلة على ما ذكر في آثار المدونة في كتاب الجهاد.
وفي المسألة قول خامس بالتفصيل بين الجيوش والسرايا؛ فتجب الدعوة على الجيوش دون السرايا، وهو قول أصبغ في "العتبية"، وهو ظاهر "المدونة" (٣)؛ لقوله: "لأن سيرتهم غير سيرة السرايا لأنهم يقصدون الإظهار على غير اختفاء، وهم أمراء يقيمون الحدود ويقسمون الفىء".
قال سحنون: "لا فرق بين الجيوش والسرايا، إن وجبت فعلى الجميع، وإن سقطت فعن الجميع" (٤).
وهو تفسير لأقاويل مالك في المسألة فيتحصل في المذهب أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة". فإذا قلنا بالدعوة، فما صفتها؟ وهل يدعون إلى الإيمان [وفروعه] جملة واحدة؟ وهو ظاهر الحديث على ما رواه ابن حبيب في كتابه - وإن كان العلماء قد طعنوا في أحاديث ابن حبيب، أو يدعوهم إلى الإيمان أولًا، فإن أجابوا إليه فيدعوهم إلى الفروع ثانيًا [وهذا نص المدونة] (٥).
وأما صفة الدعوة: فهي مختلفة باختلاف صفة كفرهم؛ لأن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: "المدونة " (٣/ ١٢).
(٤) انظر: "النوادر" (٣/ ٤١).
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ١٢ ]
[الصفات] (١) التي بها كفر من كفر مختلفة وإن كانت كلها تؤدي إلى شيء واحد وهو الكفر؛ فكفار قريش مُقِروّن [بالربوبية ولا يقرون] (٢) بالألوهية وأن الله خلقهم ويجعلون له شريكًا، تعالى الله عن قولهم، وينكرون النبوة فيدعون إلى الرجوع عن [هذين الوصفين] (٣) بأن يقروا بالوحدانية والرسالة.
وأما اليهود: فمن كان منهم مشركًا يقول: عزيز [ابن الله] (٤)، وينكر أن محمدًا نبيًا ورسولًا -ﷺ-، فيدعون إلى الرجوع عن [هذين الوجهين] (٥) ومن كان منهم مقرًا بالوحدانية منكرًا للرسالة فيدعون إلى الإقرار بالرسالة.
وأما النصارى: فهم منكرون للوحدانية والرسالة، فيدعون إلى الإقرار بهذين الوجهين [وأما المجوس فقد أنكروا الألوهية والرسالة فيدعون إلى الإقرار بهذين الوجهين] (٦).
وأما الصابئون: فإنهم يعبدون الملائكة وينكرون الرسالة، وهم مقرون بالألوهية وينكرون البعث. فإذا رجع كل فريق من هؤلاء عن الوجه الذي [به] (٧) كفر إلى ما دعى إليه كان مؤمنًا، [ثم يدعون] (٨) بعد ذلك إلى فروع الإِسلام على الترتيب.
_________________
(١) في أ: الصفة.
(٢) سقط من الأصل.
(٣) في ب: هاتين الصفتين.
(٤) في أ: ابن عبد الله.
(٥) في ب: هاتين الصفتين.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
[ ٣ / ١٣ ]
واختلف في السلابة هل يدعون قبل القتال أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنهم يدعون إلى أن يتقوا الله ويَدَعُوا ما هم عليه، فإن أبوا فَلْيقَاتَلوا.
وهو قول مالك في "المدونة" (١).
والثاني: أنهم لا يدعون لعلمهم بما يدعون إليه.
وهو قول عبد الملك في "كتاب ابن المواز".
فإن طلبوا الطعام و[الثوب] (٢) والأمر اليسير هل يعطون أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنهم يعطون ما طلبوا، وهو قول مالك في "المدونة" (٣)، وظاهره: أنه يجوز أن يعطوا وإن كان المطلوب قادرًا على الامتناع منه.
والثاني: أنه لا يجوز أن يُعْطوا شيئًا إذا كان المطلوب يرجو الظفر بهم والنصرة عليهم لأن إجابتهم على مطلوبهم مع القدرة على مكافحتهم إشلاء لهم على أنفسهم وغيرهم من المسلمين، وقوة لمادتهم وعون لهم على ما هم عليه من البغي والفساد، وذلك ظلم وإثم مبين، وهو قول عبد الملك في كتاب ابن المواز.
وسبب الخلاف: قتال المحاربين هل تعين على من لقيهم وعلى غيرهم، أو لا يتعين؟
فمن رأى أن قتالهم لا يتعين قال: يجوز أن يسعفهم بمقصودهم فيما
_________________
(١) انظر: "المدونة" (٣/ ٣).
(٢) في جـ: الشراب.
(٣) انظر المصدر السابق.
[ ٣ / ١٤ ]
طلبوا.
ومن رأى أن قتالهم تعين على من لقيهم قالوا: إنه لا يجوز أن يعطوا لأن جهادهم قد تعين عليهم. والقولان قائمان من "المدونة" (١).
فعلى قولهم في "كتاب الجهاد": لا بأس أن يعطوا ما طلبوا من الشيء الخفيف: فلا يتعين قتالهم.
وعلى قوله في آخر "كتاب المحاربين" من "المدونة": وجهاد المحاربين جهاد تعين قتالهم.
والقولان ظاهران، والحمد لله وحده.
_________________
(١) انظر المصدر السابق.
[ ٣ / ١٥ ]
المسألة الثالثة
في حكم الأسارى و[الغنائم] (١) وجميع ما نيل من العدو (٢).
وينقسم على خمسة أقسام:
ذو القوة من الرجال، والنساء والعيال، وما لا تسرع إليه الأيدي من الأموال وما لا تصبر عنه الأيدي في أكثر الأحوال، وما لا سبيل [إليه من الأموال] (٣).
فالجواب [القسم] (٤) عن الأول: إذا غُنم من العدو ذوو القوة من الرجال: فإن الإِمام مخير فيهم بين خمسة أشياء: القتل، والجزية، والفداء، والمن، والاسترقاق.
فمن هذه الخصال الخمس ما يستوي فيه جميع أنواع الكفار إذا أسروا، [وهو] (٥): المن، والفداء، والقتل فيمن يجوز أن يؤسروا.
وقولنا: "فيمن يجوز أن يؤسروا" احترازًا من رهبان الصوامع والديارات ممن بان بنفسه في مخالطة الكفار، ولا يمدهم برأي ولا بمال، ولا تدبير، فهم الذين نهى أبو بكر -﵁- عن قتلهم وأسرهم والتعرض لهم في أنفسهم.
واختلف في أموالهم هل تترك لهم، أو تؤخذ منهم على قولين قائمين من "المدونة" (٦):
_________________
(١) في ب: المغانم.
(٢) انظر: "المدونة" (٣/ ٩) و"النوادر" (٣/ ٧٠).
(٣) في ب: فيه إلى الانتقال.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: وهذا.
(٦) انظر: "المدونة" (٣/ ٩).
[ ٣ / ١٦ ]
أحدهما: أنهم تؤخذ أموالهم ويترك لهم منها ما يعيشون به، ولا تؤخذ أموالهم كلها [فلا يجدون ما يعيشون به] (١)، وهو قول [مالك] (٢) في "المدونة".
والثاني: أنها تترك لهم كلها إن عُرف أنها من أموالهم، ولا يؤخذ منها شيء، وهو قول ابن المواز، وهو ظاهر"المدونة"؛ لأنه قال في الكتاب (لا يتعرض له في نفسه).
فكما نهى عن التعرض لنفسه فكذلك ينهى عن التعرض لماله، وهو نص قول مالك في "العتبية" (٣) أيضًا.
وأما من لم يَبِنْ بنفسه ممن يخالط جملة أهل الكفر؛ كرهبان [الكتابيين] (٤): فإنهم كسائر الرجال المقاتلة [من الكفار] (٥) يستباحون بالقتل والأسر والاسترقاق؛ فإن منهم الرأي والتدبير والنكاية على المسلمين فهم أنكى ممن يعمل بيده.
واختلف في النساء إذا ترهبن هل يسبين أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنهن أحق أن لا يسبين ولا يستبحن، وهو قول أشهب في "مدونته" (٦).
والثاني: أنهن يسبين بخلاف الرجال، وهو قول سحنون.
وسبب الخلاف: هل العلة الموجبة للصون كونهم مترهبة فيستوي [في
_________________
(١) في ب: فيموتون بالجوع.
(٢) في ب: ابن القاسم.
(٣) البيان والتحصيل (٢/ ٥٢٦).
(٤) في أ: الكنائس.
(٥) سقط من أ.
(٦) النوادر (٣/ ٦٠) والبيان والتحصيل (٢/ ٥٥٨).
[ ٣ / ١٧ ]
ذلك] (١) الذكر والأنثى، أو كونه ذكرًا مترهبًا فيفترق الحكم بين الذكر والأنثى؛ وذلك لأن الراهب قد كفى المسلمين بأسه وقمع عن أذيتهم شوكته، فاستحق بذلك أن يعفى في نفسه على الاتفاق، وفي ماله على الاختلاف، بخلاف المرأة لا نكاية لها ولا شوكة ترهبنت أم لا.
والتخيير في هذه الأشياء موكول إلى اجتهاد الإِمام فمن كانت منه نكاية وكان قد قاتل المسلمين: فأرى أن شفى صدور المسلمين في قتله وإن كان استرقاقه واستحياؤه غير محرم، وكذلك إن كان لا تؤمن غائلته إن استحيى أو إن نفر إلى موضعه أو أن يصير عينًا على المسلمين فقتله أحسن.
وإن لم تتقدم له نكاية وأمنت غائلته فاسترقاقه أو الجزية فيه أحسن والقتل غير محرم.
وأما المن: فيحسن لكل من يرجى بردِّه صلاح أو كسر شوكة.
وأما الفِّدَاء: [فحسن] (٢) لمن لا يعرف بالشجاعة وإن أسقط الإمام عن الأسير القتل وأبقاء ليرى فيه رأيه في [أحد] (٣) هذه الوجوه الأربعة بما سوى القتل لم يجز أن يقتله بعد ذلك.
وإن منَّ عليه لم يجز أن يحبسه عن الذهاب إلى بلاده إلا أن يشترط عليه أن يبقى فيضرب عليه الجزية. فإن أبقاه للجزية: لم يجز له أن يسترقه. ويجوز له أن يفدى به برضاه.
وإن أبقاه على وجه الاسترقاق: جاز أن ينتقل معه إلى الجزية كذلك ذكر الشيخ أبو الحسن اللخمي، وهذا كله في أهل الكتاب.
وأما من لا كتاب له من مشركي العرب هل يخير فيهم بين الخمسة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: فيستحسن.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ١٨ ]
أشياء كما يخير [في غيرهم] (١) من أهل الكتاب أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يخير فيهم كما يخير في أهل الكتاب.
والثاني: أنهم بخلاف أهل الكتاب في التخيير.
ويبنى الخلاف على الخلاف في الجزية هل تؤخذ من مشركي العرب كما تؤخذ من غيرهم من أهل الكتاب أم لا؟ فمن رأى أنها تؤخذ [منهم] (٢): قال بالتخيير [للإمام] (٣) فيهم بين الخمسة [أوجه] (٤).
ومن قال لا تؤخذ منهم الجزية: اختلف هل يخير فيهم بين أربعة أشياء أو بين ثلاثة أشياء على قولين:
أحدهما: أنه يخير فيهم بين أربعة أشياء؛ المن، والقتل، والفداء، والاسترقاق.
وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: [أن] (٥) الإِمام مخير فيهم بين ثلاثة أشياء؛ القتل، والفداء، والمن، وليس له أن يسترقهم.
وهو قول ابن وهب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في العرب إذا سبوا هل يُسترقُّون بالسبى كما يسترق غيرهم من أهل الكتاب [أم لا] (٦)؟
فمن رأى أنهم يسترقون بالسبى: قال فيهم بالتخيير بين أربعة أشياء،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: أشياء.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ١٩ ]
وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (١): (إن العرب يسترقون إذا سبوا كالعجم).
ومن رأى أنهم [لا] (٢) يسترقون بالسبى قال: يخير فيهم بين ثلاثة أشياء.
وقد أتقنا الكلام في هذا المعنى في "باب الجزية" في "كتاب الزكاة" إتقانًا لا نزيد عليه، والحمد لله وحده.
والجواب عن [القسم] (٣) الثاني: في سبى النساء والعيال والمستضعفين من الرجال.
وفي الحديث: "نهى رسول الله - ﷺ - عن قتل النساء والصبيان" (٤).
وفي حديث آخر: "والشيخ الهرم".
وفي حديث آخر: "لا تقتلوا ذُرِّيَّة ولا عَسِيفًا" (٥) والعسيف: هو الأجير.
قال ابن حبيب (٦): وورد النهي عن قتل الفلاحين والأكارين، قال ابن حبيب: وهم الحراثون الذين لا ينصبون حربًا ولا تخشى منهم غورة ولا كيد.
_________________
(١) المدونة (٣/ ٢٤).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) أخرجه البخاري (٣٠١٥) ومسلم (١٧٤٤) من حديث ابن عمر.
(٥) خرجه ابن ماجه (٢٨٤٢) وأحمد (١٥٥٦٢) و(١٧١٥٨) من حديث حنظلة الكاتب. قال الألباني: حسن صحيح.
(٦) انظر: "النوادر" (٣/ ٥٧).
[ ٣ / ٢٠ ]
وأما النساء: فلا يخلو حالهن من وجهين: إما أن ينتصبن للقتال، ويعرضن للنزال، أو لا ينتصبن للقتال بل كففن إذايتهن عن المسلمين على كل حال.
فإن كفون المسلمين إذايتهن ولازمن عند التحام الحرب قعر بيوتهن حتى لا ينال المسلمين شيء من إذايتهن: فلا خلاف عندنا في تحريم قتلهن؛ لأن الشرع قد تجافى [عن عقوبة النساء] (١) على الجملة في القتال [لعجزهن] (٢) عن مبارزة الرجال ومكافحة الأبطال وتحمل الأهوال، وإنما كلفن حسن التبعل للرجال والتستر بوراء الحجال بخلاف الأحرار البالغين من الرجال الذين عندهم آلة النكاية بالقتال: فليس في جواز قتلهم إشكال.
وإن كن يدمن [وسم] (٣) الفر [بالخنا] (٤) ويمدحن الكر بالغنا، وذلك أنهن ينشدن في أشعارهن وينثرن في أنثارهن (٥):
نحن بنات طارق كالدم في المرافق
إن تقبلوا نعانق [نفرش] (٦) النمارق
أو تدبروا نفارق فراق غير وامق
بل هن وسائر الأطفال حشد و[معونة] (٧) على القتال ومادة كسائر الأموال.
وقال عمر -﵁: اتقوا قتلهن إذا التقى الزحفان، وعند مزاحمة النهضان، وفي شن الغارات، إلا أن يباشرن الكفاح ويشهرن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) هند بنت عتبة.
(٦) في أ: تفرشوا.
(٧) في أ: مؤنة.
[ ٣ / ٢١ ]
السلاح.
وهو الوجه الثاني من أصل التقسيم، فحينئذ ينظر: فإن باشرن القتال بالسلاح، أو كن على [الأسوار] (١) يرمين بالحجارة فقتلن أحدًا: فلا خلاف في المذهب -أعلمه- في جواز قتلهن في حين المسابقة [لوجود المعنى المبيح لقتلهن] (٢)، وكذلك يباح [قتلهن] (٣) بعد الأسر إذا قاتلن.
فإن رمين بالحجارة ولم [يظهرن] (٤) النكاية ولا قتلن أحدًا: فلا يقتلن بعد الأسر اتفاقًا.
وهل [يعرض] (٥) عنهن في حين المقاتلة ويشتغل بغيرهن أو يقاتلن قتالًا يكفهن من غير أن يؤدي إلى قتلهن، وهذا يتخرج على قولين فإن أشهرن السلاح وباشرن الكفاح فقاتلن ولم يقتلن حتى أسرن، فهل يقتلن بعد الأسر أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنهن يقتلن بعد الأسر كما يقتلن في حين القتال، وهي رواية يحيي بن يحيى عن ابن القاسم في "العتبية" (٦).
والثاني: أنهن لا يقتلن بعد الأسر وإن وجد منهن القتال، وهو قول سحنون في [كتابه (٧)] (٨).
وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم من قوله - ﷺ -: "ما كانت هذه
_________________
(١) في الأصل: الأصوار.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: تظهر.
(٥) في أ: يلهى.
(٦) البيان والتحصيل (٣/ ٣٠).
(٧) انظر المصدر السابق.
(٨) في ب: كتاب ابنه.
[ ٣ / ٢٢ ]
تقاتل" (١)، [فدليله] (٢) أنها لو كانت تقاتل لقتلت في حين القتال وبعد القتال، وهذا على القول بدليل الخطاب.
وقد اختلف المذهب عندنا في القول به.
ومن فهم من قوله ﵇: "ما كانت هذه تقاتل" (٣) أن قتلها يجوز في حين القتال للضرورة الداعية إلى الذَّب عن المسلمين، والحرص على إسفاك دم من [صادفهم] من المشركين - ذكرًا كان أو أنثى.
فإذا عدم ذلك المعنى عاد الحظر لما كان وصرف بالأسر غنيمة للمسلمين [فلا يقتلن] (٤).
والصبي المراهق [في المشركين] (٥) في جميع ما ذكرناه كالنساء والعواتق [لا فرق] (٦) سواء.
واختلف في الصبي إذا أنبت الشعر ولم يحتلم هل يقتل أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
فأكثر أصحاب مالك على أنه يقتل.
وذهب ابن القاسم وغيره إلى أنه لا يقتل حتى يحتلم.
وقد أمر عمر -﵁- بقتل من جرت عليه المواسي. وقد ذكرنا [دلائل] (٧) البلوغ في "كتاب الصيام"، ولعل أن تكون لنا العودة
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) في أ: فذلك.
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: دليل.
[ ٣ / ٢٣ ]
إلي زيادة البيان لهذا المعنى في "كتاب القطع في السرقة" إن شاء الله تعالى.
وأما الشيخ [الكبير] (١) الفاني الذي لا تخشى منه نكاية ولا يبتغى من رأيه [غائلة] (٢) ذميمة: فلا إشكال أنه لا يقتل، وهو مذهب "المدونة".
ومن قتل من نهى عن قتله من صبي أو امرأة أو شيخ كبير: فلا يخلو قتله إياه من أن يكون بدار الحرب قبل أن يصير في المغنم [أو بعد أن صار مغنمًا. فإن قتله من قبل أن يصير في المغنم] (٣): فليستغفر الله، ولا شيء عليه [وهو قول سحنون] (٤).
وإن قتله بعد أن صار في المغنم: فعليه قيمته لجعل ذلك في المغنم.
وهو قول سحنون أيضًا.
واختلف في الأُجَرَاء والحَرَّاثِين وأهل الصناعات إذا لم يخش من جهتهم وأمنت ناحيتهم فهل يقتلون أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنهم [لا] (٥) يقتلون، وهو قول ابن القاسم في كتاب محمد، وبه قال عبد الملك في الصُنَّاع بأيديهم ويراهم كالأُجَرَاء.
وكل من لم يكن من مقاتلتهم إذاية وإنما يجلبون [للكثرة والعمل] (٦): فحكمهم حكم من ذكرنا عند ذكرهم.
والثاني: أنهم يقتلون [كلهم] (٧) كالأجير وغيره ممن ذكرنا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: غاية.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: لأكثره.
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٤ ]
وهو قول سحنون، قال: وما ذكر من النهي عن قتل من ذكرنا فإنه لم يثبت، قال: هم وغيرهم من الكفار سواء (١).
قال: وأما [ذوو] (٢) الأعذار من الزمنى، والمرضى، والعميان، [والأشلاء] (٣) والأعرج: فلا يخلو من أن يخشى منهم في الحال [لما ظهر منهم من الحيل والتدبير أو لا يخشى منهم إلا في المآل فإن خشى منهم في الحال] (٤) لما يكون من [خيانة] (٥) غيرهم وعلمهم بمصالح الحرب: فلا خلاف أنهم يقتلون جميعًا وإن كان لما يتوقع منهم في ثاني حال.
أما المريض فإن كان شابًا: فالنظر فيه إلى الإِمام كسائر الأسارى:
وإن كان شيخًا: فلا يقتل إذا كان صحيحًا، فكيف إذا كان مريضًا.
وأما من عداهم من سائر الزمنى وذوى الأعذار: فقد اختلف المذهب في جواز قتلهم على قولين بعد الاتفاق على جواز أسرهم:
أحدهما: أنهم يقتلون ولا يستحيون لما يتمكن منهم ويتصور من جر الجيوش وإقامة الرأي والتدبير والمكر والخداع، وهو قول سحنون (٦).
والثاني: أنهم لا يقتلون؛ إذ لا رأي لهم ولا تدبير في الحال [لأنهم كالحشوة ويحملهم على أنهم غير منظور إليهم حتى يتبين أنهم ممن يرجع إلى رأيهم وتدبيرهم وهو قول ابن حبيب] (٧).
_________________
(١) النوادر (٣/ ٥٧ - ٥٨).
(٢) في الأصل: ذوا.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في الأصل رسمها هكذا: حابة.
(٦) النوادر (٣/ ٥٩).
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٥ ]
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل.
والجواب عن [القسم] (١) الثالث: في [سبى] (٢) ما لا تسرع إليه الأيدي من الأموال؛ مثل العبيد والحيوان وسائر العروض التي لم تجر العادة بالانتفاع بها بعد الغنيمة إلا بعد القسمة وخروج الخمس منها فذلك موقوف في حوطة [الأمير] (٣) حتى يقسمه بين الغانمين، ولا سبيل إلى أن يمدوا إليه أيديهم للعدوان، وجائز لمن احتاج إلى دابة يركبها لبعض حوائجه أو فرس يقاتل عليه [أو سلاح يقاتل به] (٤) أن يأخذ ذلك من الغنيمة قبل القسمة ويرده بعد أن قضى منه وطره، وهذا هو المشهور من المذهب.
وقد وقع لعلي بن زياد رواية من مالك في "كتاب الجهاد" من "المدونة" أنه لا يجوز أن ينتفع من الغنيمة بدابة ولا سلاح؛ إذ لو جاز ذلك لجاز أن يأخذ العين ويشتري به.
وقال بعض المتأخرين: وهذا الذي قاله لا يلزم ابن القاسم ولا يأباه، ولو لم يجز ذلك في الغنيمة لجاز له أن يأخذ العين ويشتري به عند ابن القاسم.
والذي قاله عليّ أظهر في النظر لأنه مال مشترك بين الغانمين، فلا سبيل [إلى] (٥) أن يختص أحد منهم بشيء دون سائر أصحابه.
والذي قاله ابن القاسم أشهر في الرواية، وهو في النظر ضعيف، اللهم إلا أن يكون هناك عرف متقدم يشهد بصحة ما صار إليه فيصار إليه؛
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: قسم.
(٣) في ب: الإِمام.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٦ ]
كالطعام إذا احتيج إليه، على ما سنبينه في قسمه إن شاء الله تعالى.
وأما [ما] (١) أخذ من الغنائم على وجه العدوان: فلا يخلو من أحد وجهين:
أحدهما: أن يؤخذ منها قبل الحَوْز.
والثاني: أنه يؤخذ منها بعد الحَوْز، وبعد أن صارت في حوطة صاحب الغنائم.
فأما ما أخذ منها [قبل] (٢) الحوز مما يستأثر به بعض الغانمين عن بعض مما لم تجر العادة بإحاطة الانتفاع به لأهل الجيش؛ إما لكونه مستغنى عنه، وإما لكونه نفيسًا في قدره: فذلك يسمى غلولًا على الحقيقة؛ لقوله - ﷺ -: "أدوا [الخائط والمخيط] " (٣) [وقال] (٤): "الغلول عار ونار وشنار على صاحبه يوم القيامة" (٥).
فأما ما أخذ منها بعد الحوز وبعد أن صارت في [حوطة] (٦) صاحب المغانم: فذلك يسمى غلولًا وسرقة. وكلاهما محرمان بالكتاب والسنة على الجملة.
وقد اختلف في الغنيمة بماذا تملك على أربعة أقوال كلها قائمة من
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في الأصل: بعد.
(٣) في ب: الخيط والمخيط.
(٤) في أ: لأن.
(٥) أخرجه أبو داود (٢٦٩٤) والنسائي (٣٦٨٨) وأحمد (٦٦٩٠) ومالك في "الموطأ" (٩٩٤) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا. وأخرجه ابن ماجه (٢٨٥٠) من حديث عبادة بن الصامت وأخرجه أحمد (١٦٧٠٤) من حديث العرباض بن سارية. وهو حديث صحيح.
(٦) في أ: حوز.
[ ٣ / ٢٧ ]
"المدونة":
أحدها: أنها تملك بالإيجاف والإدراب إلى أرض العدو، ومن مات من أهل العسكر ساعتئذ أو ضلَّ عن أصحابه قبل الغنيمة: فإن الميت يورث [عنه] (١) سهمه، والذي ضلّ يأخذ سهمه، وهو ظاهر قول مالك في المدونة فيمن ضل عن أصحابه بعد الإدراب أو ردت الريح بعض المراكب إلى أرض الإِسلام غلبة واضطرارًا وفُقِدَ الباقون فغنموا [الغنيمة] (٢) أن [الغنيمة] (٣) بين جميعهم، ولا يحرم من ضل ولا من ردته الريح، وهو قول عبد الملك في غير "المدونة" (٤).
والثاني: أنها لا تملك إلا بالقتال، فمن شهد القتال ثم مات قبل الغنيمة: فسهمه من الغنيمة موروث وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو مشهور المذهب عندهم.
والثالث: أنها لا تملك إلا بالأخذ والحوز، وهو قول [ابن نافع] (٥) في "المدونة" في "كتاب القطع في السرقة" و"كتاب الرجم"، وغيرهما من كتب "المدونة".
والرابع: أنها لا تملك إلا بالقسمة، وهو ظاهر رواية ابن القاسم [في المدونة] (٦): أن من سرق من الغنيمة أو زنا بجارية منها: فإنه يحد ويقطع.
وقال غيره وهو ابن نافع: لا يقطع حتى يسرق ما فوق حقه بثلاثة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: القسمة.
(٤) انظر: "النوادر" (٣/ ١٦١ - ١٦٢).
(٥) في جـ: ابن القاسم.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٨ ]
دراهم على تفصيل سحنون في ذلك في غير "المدونة" (١)، على ما سنوضحه إن شاء الله في موضعه.
وهذه الأقوال كلها ظاهرة لا مراء فيها، ولا خفاء على من طالع الكتاب.
واختلف المذهب -عندنا- فيمن بعثه الأمير لمصالح المسلمين هل يسهم له أم لا؟ فعن مالك في ذلك روايتان:
إحداهما: أنه يسهم له، وهي رواية ابن وهب وابن نافع عنه، مثل أن يبعث الإِمام قومًا من الجيش [قبل أن يصل إلى بلاد العدو في أمر من مصالح المسلمين وأهل الجيش من حشد وإقامة أسوار أو غير ذلك فانشغلوا بذلك حتى غنم الجيش] (٢).
والرواية الثانية: أنه لا يسهم له ولا يأخذ معهم شيئًا.
وسبب الخلاف: ما روي في الحديث أن النبي - ﷺ - أسهم لطلحة وسعيد بن زيد -وهما غائبان بالشام- وما ثبت عنه أيضًا - ﷺ - أنه أسهم لعثمان - ﵁ - يوم بدر لتخلفه واشتغاله بابنته - ﷺ -، هل ذلك من خصوص النبي - ﷺ - ولا يحل لأحد من الأمراء أن يفعله بعد، أو ذلك شريعة متبعة إلى يوم القيامة؟
وباقي الكلام في قسمة الغنائم يأتي في موضعه إن شاء الله، وإنما قدمنا الكلام هاهنا على [هذا الفصل] (٣) قبل بلوغ موضعه في الكتاب لضرورة التحصيل وترتيب [الأقسام] (٤) الكلام.
_________________
(١) انظر: "النوادر" (٣/ ١٦١ - ١٦٣).
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: التفصيل.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٩ ]
والجواب عن [القسم] (١) الرابع: فيما لا تصبر عنه الأيدي في أكثر الأحوال؛ مثل الطعام والإدام والعلف: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أنه لا يدخل في المقاسم إلا ما استغنى عنه أهل الجيش، ومن وجده كان أحق به، ومن احتاج إليه ممن لم يجد شيئًا ليس على من وجد أن يواسيه إلا برضاه، وله أن يأخذ من المغنم بغير إذن الإمام، ويجوز أن يبيع من وجد قمحًا، ممن وجد لحمًا يدًا بيد. وهل يجوز ذلك غير يد بيد؟ قولان.
فإن باع ليوفر الثمن: فبيعه ماض ويؤخذ منه الثمن ويجعل في المغانم.
وإن أخذ منه طعامًا ينفق منه [إلى بلده] (٢) ففضلت منه فضلة: قال مالك: "يأكل القليل ويتصدق بالكثير".
وقال محمَّد: إن كان كثيرًا حبس منه اليسير الذي [لو] (٣) لم يبق [منه] (٤) إلا هو [لأخذه] (٥)، ويتصدق بالبقية. ولو أقرضه لأحد ما كان يجوز له أن يأخذ منه [شيئًا] (٦) بعد وصولهم إلى بلادهم، والأصل في ذلك حديث الجراب: أن رجلًا من المسلمين [أخذ] (٧) جرابًا مملوءًا بشحم يوم خيبر من [شحوم] (٨) اليهود، فضربه صاحب الغنائم وأراد أن يأخذها منه ويجعلها في الغنائم، فقال له النبي - ﷺ - "خل بين الرجل وبين جرابه يذهب إلي أصحابه" (٩).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: لحبسه.
(٦) سقط من أ.
(٧) في جـ: أصاب.
(٨) سقط من أ.
(٩) أخرجه ابن بشكوال في "غوامض الأسماء المبهمة" (ص ٤٠٢) وقد أشار الحافظ في "الفتح" (٦/ ٢٥٦) إلى أن سنده معضل.
[ ٣ / ٣٠ ]
فكان ذلك سنة من النبي - ﷺ - في الطعام [والإدام] (١) في كل من دعته الحاجة إليه.
وهل يقاس عليه ما عداه من سائر الدواب والعروض إذا احتيج إلى الانتفاع به أم لا؟
فعلى رواية ابن القاسم: يجوز القياس، وعلى رواية ابن وهب: لا يجوز.
والجواب [عن القسم الخامس] (٢) فيما [لا سبيل فيه إلى] (٣) الانتفاع مثل الدور، والأرضين هل يجوز قسمتها بين الغانمين على سنة الغنائم أم لا؟
فقد اختلف المذهب في ذلك اختلافًا كثيرًا، وتحصيله ما أشار إليه بعض المتأخرين: أن الأرض التي ظهر عليها المسلمون من أرض المشركين لا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون بعيدة من حضرة المسلمين.
والثاني: أن تكون قريبة من المسلمين.
والثالث: أن تكون بين أظهر المسلمين.
أما الوجه الأول: إذا كانت بعيدة عن حضرة المسلمين ولا يستطاع سكناها [للخوف] (٤) من العدو، ولا يرجى للمسلمين امتداد العمران واتصال السكنى إلى ذلك المكان: فإنه يهدم ويحرق ويقطع منه الشجر المثمر [وغير المثمر] (٥)؛ لأن ذلك نكاية في العدو.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: لا يجوز.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٣١ ]
وأما الوجه الثاني: وهو ما كان بقرب المسلمين وهم قادرون على عمارتها، إلا أنهم لا يقدرون، إلى الانتقال إليها واتخاذها محلًا للسكنى لكونها على الطرف، وقد لا يؤمن أن يفجأهم العدو بغتة حتى لا يبقى فيها التنافس كثيرًا: فإن الإِمام يقطعها ويخرجها من رأس مال الغنيمة لمن رأى فيه جرأة ونجدة ليكون هناك ركيزة وعدة في نحر العدو [وزورًا] (١) للمسلمين، ولا مقال لأهل الجيش في ذلك.
وأما [الوجه الثالث: وهو] (٢) ما كان بين أظهر المسلمين ووقع فيه التشاحح والحرص، وكل واحد من أهل الجيش حريص على حقه فيه فهل تجوز قسمته أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يوقف ولا يقسم ولا حق لأهل الجيش فيه خصوصًا، بل هو أسوة للمسلمين وهو قول ابن القاسم وابن نافع في "كتاب التجارة إلى أرض الحرب" من "المدونة".
والثاني: أنه يقسم كسائر الأموال، ولا يجوز حبسها عن الغانمين.
وهو ظاهر قول مالك في بعض روايات "المدونة" في قوله: (وكل أرض افتتحت عنوة فتركت لم تقسم ولو أرادوا أن يقسموها لقسموها).
[فهذا] (٣) دليل على أنها تقسم إذا طلب الغانمون القسمة فيه. وبه قال بعض العلماء: وهو الأظهر في النظر والأثر.
والثالث: أن ذلك موكول إلى الإِمام يجتهد فيه، إن رأى أن يقسمها قسمها، وإن أراد أن يوقفها وقفها.
_________________
(١) في أ: ورداء.
(٢) سقط من الأصل.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٢ ]
وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الزكاة الأول"، و"كتاب الجهاد" من "المدونة".
والأقوال [الثلاثة] (١) كلها قائمة من "المدونة" لا تخفى على من دقق النظر فيها.
وسبب الخلاف: تعارض آية الأنفال لظاهر آية الحشر؛ وذلك أن الله تعالى قال في آية الأنفال ﴿وَاعْلَمُوا أنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأَن لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٢). وهذا العموم يقتضي قسمة كل ما ينطلق عليه اسم شيء مما غنم.
وقال في آية الحشر: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِن أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (٣) إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا﴾ (٤).
فظاهر هذه الآية يقتضي الوقف دون القسمة. فاختلف العلماء هل وقع بين الآيتين نسخ أم لا؟ على ما هو مشهور في مسائل الخلاف.
والصحيح -والله أعلم- أن ليس [بين الآيتين] (٥) نسخ ولا تعارض؛ لأن رسول الله - ﷺ - قسم النضير بين المهاجرين وثلاثة من الأنصار منهم أبو دجانة، والحارث بن الصمت، وسهل بن حنيف، وقسم رسول الله - ﷺ - لجميع المهاجرين لحاجتهم [ومسكنهم] (٦) وخروجهم من ديارهم وتركهم لأموالهم، ولتخف مؤونتهم عن الأنصار.
ولم يقسم للأنصار فيها شيئًا إلا الثلاثة المذكورين لحاجتهم ومسكنتهم.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سورة الأنفال الآية (٤١).
(٣) سورة الحشر الآية (٦).
(٤) سورة الحشر الآية (١٠).
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٣ ]
ولم يخمسها النبي - ﷺ - لأنها أخذت بغير قتال، ولا أوجف عليها.
وقسم رسول الله - ﷺ - خيبر [وقريظة] وفدك؛ فدل ذلك على أن القسمة جائزة، وأن النسخ بين الآيتين غير صحيح.
وقال عمر -﵁- (لولا من يأتي لم أدع قرية افتتحت عنوة إلا قسمتها كما قسم رسول الله - ﷺ - خيبر) (١).
فأخبر عمر -﵁- أنه إنما ترك قسمتها باجتهاده وليس بمنع [من] (٢) النبى - ﷺ - ولا بنص، والحمد لله وحده.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٢٣٥).
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٤ ]
المسألة الرابعة
في الحربى إذا [أخذ] (١) فقال: جئتُ لأطلب الأمان (٢) فقد وقع في الكتاب منها أسئلة وأجوبة، ظاهرها اختلاف واضطراب، ونحن نسردها على حسب ما هي [عليه] (٣) في الأم.
ولقد سئل مالك عن الرجل [الحربى] (٤) يلقاه المسلمون فيقول: إنما جئت أطلب [الأمان] (٥)، فيقال: [كذبت ولكنا] (٦) حين أخذناك اعتللت بهذا.
قال مالك: وما يدريهم هذه أمور مشكلة، و[أرى] (٧) أن يرد إلى مأمنه.
ثم قال بعد ذلك: أرأيت الرومى يحل بساحلنا فينزل بغير أن يعطى أمانًا، فيقول: ظننت أنكم لا تعرضون لمن جاء لتجارة حتى يبيع.
قال: سمعت مالكًا سأله أهل المصيصة، فقالوا: إنا نخرج في بلادنا ونلق العلج مقبلًا إلينا، فإذا أخذناه قال: إنما جئت أطلب الأمان؟
قال مالك: هذه أمور مشكلة، وأنا أرى أن يرد إلى مأمنه، فأرى هؤلاء إما قبلت منهم ما قالوا، وإما رددتهم إلى مأمنهم أيضًا.
وروى ابن وهب عن مالك في قوم من العدو يخرجون بغير إذن الإِمام
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: "المدونة" (٣/ ٤١ - ٤٢) و"النوادر" (٣/ ١٢٤).
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: من الروم.
(٥) ساقطة من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: ما يرى.
[ ٣ / ٣٥ ]
على ضفة البحر في أرض المسلمين فيزعمون أنهم تجار، وأن البحر لفظهم تعبًا ولا يعرف المسلمون تصديق ذلك إلا أن مراكبهم تكسرت ومعهم السلاح ويشكون العطش الشديد فينزلون للماء بغير إذن إمام المسلمين؟
قال مالك: ذلك للإمام يرى فيهم رأيه، ولا أرى لمن أخذهم فيه [خمسًا ولا دال ولا غيره] (١)، ولا يكون الخمس إلا فيما أوجف عليه بالخيل والركاب.
ولم يبين في سؤال الملاقاة هل ذلك في بلاد الحرب أو في بلاد المسلمين، ولم يبين أيضًا في السؤال الأول في البحر هل كان معهم السلاح أم لا ولا يبين في السؤال الثاني هل كانت معهم تجارة أم لا؛ فطاشت أحلام ذوي الألباب في تحصيل هذا الباب.
والذي يحصره ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يظهر [معهم] (٢) دليل التصديق.
والثاني: عكسه.
والثالث: أن يجهل أمرهم.
فالجواب عن الوجه الأول: وهو أن يؤخذوا ومعهم دلائل التصديق؛ مثل أن يلقى [العلج] (٣) يدعي أنه رسول بعث لأمر بين المسلمين والروم، ومعه مكاتبة [بعثه بها الأمير] (٤)، أو قال: جئت للفداء، وله في بلاد المسلمين ما يفدي، أو له في بلاد المسلمين قرابة: فإنه يقبل قوله.
وكذلك من وجد منهم على السواحل وزعموا أنهم تجار ومعهم التجارة
_________________
(١) في ب: لمن أخذهم فيه خمس ولا غيرهم.
(٢) في أ: عليهم.
(٣) في الأصل: العجل.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٦ ]
التي [من] (١) العادة السفر بها إلى بلاد المسلمين: يصدقون ولا يستباحون.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا ظهر منهم دليل التكذيب؛ مثل أن يدعي أنه رسول، ولا مكاتبة معه وليس مثله يُرْسَل، أو لم يكن له من يفديه ولا قرابة [له] (٢) في بلاد المسلمين، أو لم تكن عادته السفر إليها أول لا متاجر معهم ومعهم السلاح: فهم فيء ويرى فيهم الإِمام رأيه.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا أشكل أمرهم وجهلت حالتهم، ولا ظهرت معهم دلائل التصديق ولا دلائل التكذيب: فلا يخلو العلج عن أن يؤخذ ببلاد العدو، أو في بلاد الإِسلام.
فإن أخذ ببلاد الكفار وهو مقبل إلينا، فقال: جئت أطلب الأمان، هل يقبل قوله أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يستباح ويرد إلى مأمنه، ولا يكون فيئًا، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنه يكون فيئًا [ويستباح ولا يقبل قوله] (٣) وهو قول أشهب في "مدونته".
فوجه قول مالك: بأن ذلك أمر مشكوك فيه فلا [يستباح] (٤) إلا بيقين، والترك أحسن.
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: يقبل عليه.
[ ٣ / ٣٧ ]
ووجه قول أشهب: أن هذا مشرك أخذ بوجه غلبة بلا عهد [ولا أمان] (١) فيجوز استرقاقه؛ كما لو أخذ في المعترك.
وإن أخذ بعد أن دخل بلاد الإسلام: فاختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أنه يكون [فيئًا] (٢) ويرى فيه الإِمام رأيه إلا أن يكون جاسوسًا فيقتل سواء أخذ بحدثان قدومه أو بعد طول، وهو قول سحنون.
والثاني: التفصيل بين أن يؤخذ بفور قدومه: فيرد إلى مأمنه.
وإن أخذ بعد طول مكثه في البلد ولم يشعر به: فهو فيء، ويرى فيه الإمام رأيه ولا يكون لمن [وجده] (٣)، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية" (٤).
ومعنى قوله: (يرى [فيه] (٥) الإِمام رأيه): بأن يخير فيه كما يخير في الأساري.
وقول سحنون في هذه المسألة كقول أشهب في التي [قبلها] (٦) والتوجيه واحد.
وتفريق ابن القاسم بين القرب والبعد: أنه إذا كان بالقرب كان كالأول، وإذا كان بالبعد كان دليلًا على تكذيبه.
وهكذا الحكم في أهل المراكب أيضًا إذا أشكل علينا أمرهم، وهم ممن يختلف إلينا بالتجارة، ولم يدر أكانت [معهم] (٧) متاجر أم لا؟ أو كانت
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) ساقطة من أ.
(٣) في أ: أخذه.
(٤) البيان والتحصيل (٢/ ٦٠٣).
(٥) ساقطة من الأصل.
(٦) في أ: فوقها.
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٨ ]
معهم متاجر وخيف أن [يظهروا بالتجارة] (١) خديعة ومكرًا واصطيادًا لغفلة المسلمين، وهذا مما يجري فيه قولان أيضًا، والصحيح من الأقوال أن المسلمين إذا استنكروا أحوال من قدم إليهم من البحر بتجارة من أهل الحرب وتوجس في قلوبهم الخوف منهم، ولاسيما [إن كان] (٢) نزولهم في موضع [يستضعفونه] (٣) من بلاد الإِسلام: أن الإِمام يرى فيهم رأيه، ولا ينبغي للمسلمين أن يقبلوا لهم قولًا؛ لأن ذلك أخذ بالحزم في حماية [بيضة] (٤) الإسلام.
وقول يحيي بن سعيد وربيعة في المدونة وفاق للمذهب وقول ربيعة هو نص قول سحنون في كتاب ابنه فإذا نزلوا بأمان فباعوا واشتروا [ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم] (٥)، فهل لهم الأمان حتى يردوا بلادهم [أو حتى يقربوا مأمنهم؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة أحدهما: أن لهم الأمان حتى يردوا بلادهم] (٦) وهو نص "المدونة".
والثاني: أن لهم الأمان حتى يقربوا [بلادهم] (٧) ويبعدوا من بلاد الإِسلام، فمن أخذهم [حينئذ] (٨) من المسلمين من أهل مملكة السلطان الذي أمنهم، أو من غير أهل مملكته: فهم حلال له، وعليه فيهم الخمس.
وهو قول عبد الملك في "الواضحة" وظاهر "المدونة" في الحربى إذا أخذ
_________________
(١) في أ: يظهروها.
(٢) سقط من اْ.
(٣) في ب: يستطلعونه.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) في ب: ساعتئذ.
[ ٣ / ٣٩ ]
ببلاد الإسلام [بوجه] (١) مشكل؛ حيث قال: "يرد إلى مأمنه"، ولم يقل حتى يصل إلى بلاده، فإن رجعوا بعد بلوغهم مأمنهم اختيارًا أو اضطرارًا، هل يستباحون أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم حِلٌ لمن أخذهم، وهو قول عبد الملك (٢).
والثاني: أنهم لا يكونون فيئًا، والإمام يرى فيهم رأيه إن شاء أنزلهم وإن شاء ردهم، وهم على مأمنهم حتى يصلوا بلادهم.
وهو ظاهر قول مالك في المدونة على إحدى الروايتين أن لهم الأمان ما داموا في بحرهم بالباء، وفي رواية أخرى: ما داموا في تجرهم بالتاء فوقها نقطتين.
والثالث: التفصيل بين أن يرجعوا مغلوبين أو مختارين. فإن رجعوا مغلوبين: كان الإمام فيهم مخيرًا.
وإن رجعوا مختارين: فهم [على] (٣) حل، وهو ظاهر المدونة أيضًا لأنهم إن رجعوا غلبة كانوا على الأمان الأول، وإن رجعوا اختيارًا [كانوا] (٤) كابتداء سفر [آخر فلا يدخلون إلا بأمان] (٥)، فإذا رجعوا ووقعوا عند غير الإِمام الذي أمنهم، هل يستباحون أو يستصحب معهم ذلك الأمان حيث ما حلوا في بلاد المسلمين؟
_________________
(١) في ب: فهذا أمر.
(٢) النوادر (٣/ ١٢٧).
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: كان.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٠ ]
[فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهم على ذلك الأمان الذي أمنهم حيث ما حلوا في بلاد المسلمين] (١) ما داموا في تجرهم أو في بحرهم، على اختلاف الروايتين، وهو نص المدونة.
والثاني: أنهم لا أمان لهم من غير ذلك السلطان.
سواء وقعوا عنده أو لقيهم في البحر بقرب أو بعد وهو قول عبد الملك في "الواضحة".
فوجه قول ابن القاسم: أنهم على الأمان [الأول] (٢) ما داموا في بلاد الإسلام؛ لقوله ﵇: "يجير على المسلمين أدناهم" (٣).
فإذا كان أمان العبد والمرأة والصبي [المراهق] (٤) [يحصن] (٥) دم الكفار ويمنع من [استحلاله] (٦)، فما ظنك بأمان السلطان الذي له الأمر والنهي والحل والعقد، وكان أمانه لازمًا لجميع الأنام لاتحاد حرمة [الإسلام] (٧) وسنة الله في أرضه واحدة، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
وعبد الملك يرى أن نظر هذا السلطان لا يلزم غيره من السلاطين؛ إذ كل واحد مستقل بأمره ومشتغل بمصالح دولته وينسج بحسن نظره في حله وعقده، وعلى الاستقلال عقدت له الولاية وسلمت له الرياسة، وكيف يرجع إلى رأى غيره، ويعتد بالعقد الذي عقد غيره، ولكل وجه من النظر [والأول أظهر والله أعلم والحمد لله وحده] (٨).
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٧٥١) وابن ماجه (٢٦٨٥) وأحمد (٦٧٥٨). وهو حديث صحيح.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: يحقن.
(٦) في ب: استباحته.
(٧) في أ: الإِمام.
(٨) سقط من أ.
[ ٣ / ٤١ ]
المسألة الخامسة
فيما يوجد من الغنائم من أموال المسلمين وأموال أهل الذمة وما يوجد فيها من أحرار المسلمين وأحرار أهل الذمة (١).
ولا يخلو ذلك المال من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعلم أنه لمسلم بعينه.
الثاني: أنه لمسلم مجهول العين والموضع.
والثالث: أنه لا يدري هل هو لمسلم أم لا؟
فالجواب عن الوجه الأول: [إذا علم أنه لمسلم بعينه. فلا يخلو من أن يكون حاضرًا أو غائبًا.
فإن كان حاضرًا دفع إليه بغير عوض. وإن كان غائبًا فلا يخلو من أن يكون مما يحتاج نقله إلى كلفة ومؤنة أم لا؟.
فإن كان مما يحتاج إلى كلفة ومؤنة وربما يأتي الكراء على كثير من ثمنه فإن الإِمام يبيعه ويبعث إليه ثمنه إن كان ذلك الشيء مما يجوز بيعه.
وإن كان لا يحتاج فيه إلى كلفة وكان الكراء عليه أفضل لصاحبه فإن الإِمام يكرى عليه ويوصله إلى ربه إلا ألّا يوجد من يتكلف ذلك فيباع ويبعث إليه بثمنه] (٢).
وأما الوجه الثاني: إذا عرف أنه لمسلم لا يعرف بعينه ولا يعلم موضعه هل يتعجل قسمته أم لا؟. فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يقسم ولا يوقف وهو نص مالك في كتاب الجهاد من المدونة (٣).
_________________
(١) انظر: "المدونة" (٣/ ١٢).
(٢) سقط من أ، جـ.
(٣) (٣/ ١٣).
[ ٣ / ٤٢ ]
والثاني: لا يقسم ويوقف كاللقطة توجد أو كالضالة توقف لرجاء معرفة [ربها] (١).
فإن لم يعرف بيع ويصير مغنمًا وهو قول ابن المواز وهو ظاهر المدونة في "كتاب اللقطة".
وينبني الخلاف: على الخلاف في الخلاف هل يراعى أو لا يراعى؟ فمن رأى أنه يراعى قال: إنه يقسم؛ لأن الأوزاعي [- ﵁ -] (٢) يقول: يقسم وإن عرف صاحبه وكان حاضرًا.
ومن قال بالاستثناء فقد لاحظ جانبين جانب الخلاف وجانب اللقطة.
وينبني الخلاف فيه أيضًا على الخلاف فيما حازه المشركون من أموال المسلمين هل يقطع ملك المسلمين أم لا؟
وقد اضطرب فيه المذهب عندنا؛ فمرة قال -أعني صاحب المذهب- لا يقطع الملك، وأنه إن أدرك شيئه قبل القسمة فهو أحق به بغير شيء.
وإن أدركه بعد القسمة فهو أحق به بالثمن ما لم يفوته المشتري على ما سنبينه إن شاء الله تعالى.
والذي يقتضيه النظر: أن يكون أحق به بغير ثمن، سواء أدركه قبل القسمة أو بعدها لولا الحديث وما اشتهر من ناقة رسول الله - ﷺ - التي أخذها المشركون في سرح المدينة يدل على أن استيلاء المشركين لا يقطع ملك المسلمين؛ لأن استيلاءهم محظور، وأسباب المحظورات لا [تترك] (٣) عليها أحكام الشريعة، وهذا نص المدونة
_________________
(١) في ب: صاحبها.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: تتركب.
[ ٣ / ٤٣ ]
وغيرها.
ومرة قال: إن استيلاءهم يقطع الملك، وهو ظاهر قوله في "المدونة" (١): (إذا أسلم [الحربى] (٢) ببلده ثم قدم إلينا وخلف أهله و[ولده] (٣) في دار الحرب، ثم غار المسلمون على تلك الدار فغنموا أهله وماله وولده: أن ذلك كله يكون فيئًا).
وهذا فيه بناء على أن حوز المشركين يقطع الملك، فإذا جعل حوز الدار [يقطع الملك] (٤) فبأن يقطعه حوز أهل الدار أولى وأحرى، وهذا ظاهر لمن أنصف وتأمل وصفًا كما وصف.
والجواب عن [الوجه] (٥) الثالث: إذا جعل حاله ولا يدري هل هو لمسلم أم لا؟ فهذا لا خلاف -أعلمه- في المذهب أنه يجوز الإقدام على قسمته.
فإذا قسمت الغنيمة، ثم جاء من يستحق منها شيئًا بعد القسمة: فلا يخلو المُسْتَحَق منها من أن يكون عروضًا، أو حيوانًا ناطقًا أو صامتًا.
فإن كان عروضًا، أو حيوانًا صامتًا: فلا يخلو من أن يكون قائمًا بيده أو فائتًا ببيع.
فإن كان قائمًا بيده: فالخيار لربه إن شاء أخذه بالثمن الذي أخذه به [من الغنيمة] (٦) -شاء مشتريه أو أبى، كان من أهل المغنم أو من غيرهم- وإن
_________________
(١) (٤/ ٣٠٤).
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: ماله.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٤ ]
شاء تركه [وسلمه] (١) لمن أخذه من المغنم.
فإن فوته ببيع؟ هل يبقى الخيار لمستحقه في نقض البيع وأخذه بالثمن أم لا؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن ذلك فوت وليس له إلى فسخ البيع الثاني سبيل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٢) فيما إذا اشتراه من أرض الحرب ثم باعه لغيره بعد قدومه به، أو قتل ثم استحقه [مالكه] (٣) أنه لا يأخذه [من] (٤) الثاني.
ولا فرق بين أن يشتريه من دار الحرب أو من المغنم، ثم للمستحق أن يأخذ الزائد من المشتري الأول إن باعه بربح.
وإن باعه بوضيعة أو بمثل الثمن: فلا درك للمستحق عليه.
و[القول] (٥) الثاني: أن بيعه لا يكون فوتًا وإن تداولته الأملاك لأنه مستحق [له] (٦) على الحقيقة وإن كان يدفع الثمن وهو قول المغيرة في المدونة أيضًا.
وعلى القول بأن البيع الثاني لا يفيت الأول ويبقى الخيار لمستحقه هل له الخيار في أن يأخذ [أي] الثمنين شاء أو لا خيار له في الثمن الآخر؟
قولان قائمان من المدونة.
_________________
(١) في أ: وسلم.
(٢) (٣/ ١٤).
(٣) في ب: سيده.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٥ ]
أحدهما: أنه مخير في أن يأخذ أي الثمنين شاء -الأول أو الثاني- كالشفعة، وهو ظاهر قول المغيرة في كتاب "الجهاد".
وقول ابن القاسم في كتاب "الشفعة" في تخيير الشفيع بأن يأخذ أيّ الصفقتين شاء، وهو بيع جبري مضارع للاستحقاق.
واستحقاق ما وقع في المقاسم استحقاق على الحقيقة لبقائه على ملك المستحق وإن كان يؤدي [فيه] (١) الثمن فإن ذلك قضية من الشارع.
و[القول] (٢) الثاني: أنه لا يأخذه إلا بالثمن الأول الذي بيع به في المقاسم؛ لأنه إذا جاز بيعه وأراد أخذه من المشتري الثاني سقط حقه فيه بإجازة البيع الأول بخلاف الشفعة؛ لأنه إذا أسلم فيه إحدى الصفقتين بعينها كان له الأخذ بالباقية لأنه شريك في الجميع.
والقولان لابن القاسم في كتاب ابن حبيب وغيره، وبالقول الثاني أخذ سحنون.
واختلف إذا علم أنه لرجل من المسلمين بعينه، فجهل الإمام [موضعه] (٣) فوضعه في المقاسم، أو تأول، أو تعمد فبيع ثم جاء ربه هل يأخذه بغير [ثمن] (٤) أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يأخذ [عين] (٥) شيئه بغير ثمن كما لو أدركه قبل القسم، ويرجع مشتريه في المقاسم إن أدركها. وهو قول ابن القاسم في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: شيء.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٦ ]
كتاب ابن سحنون.
والثاني: أنه لا يأخذه إلا بالثمن، وهي قضيته من الحاكم وافقت اختلافًا من الناس، فقد قال الأوزاعي: إنه يقسم وإن [عرف] (١) ربه ولا يأخذه إلا بالثمن، وهو قول سحنون.
وإن كان المستحق دنانير أو دراهم: فلا سبيل [لصاحبها] (٢) إليها بعد القسم لأنه لا يأخذها إلا [بثمنها] (٣) وإن كان حيوانًا ناطقًا؛ مثل العبيد يُستحقون بعد القسم: فلا يخلو السيد المستحق من أن يكون عقد فيهم عقدًا من عقود الحرية قبل الأسر أم لا؟
فإن عقد فيهم عقدًا من كتابة، أو عتق إلى أجل، أو تدبيرًا، أو إيلادًا إن كانت أمة. [أما الكتابة] (٤) فلا يخلو المكاتب من أن يعرف أنه مكاتب ولا يعرف ربه بعينه، أو لا يعرف ربه إلا بعد القسم.
فإن عرف أنه مكاتب قبل القسم؛ مثل أن يشهد شاهدان على شهادة غيرهما ممن يجوز له النقل عنهما أن مولاه كاتبه فلم يسألاه عق اسمه، أو قالا: ذكره لنا فنسيناه: فإن كتابته تباع في القسم، فإن جاء ربه: كان له [الخيار بين] (٥) الفداء أو التسليم.
ولا تجوز فيه شهادة السماع وإن لم يعرف إلا بعد القسم ثم جاء سيده [بما يستحقه] (٦): فقد اختلف المذهب في [كيفية] (٧) تخيير [السيد في
_________________
(١) في أ: عرفه.
(٢) في أ: له.
(٣) في أ: بمثلها.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٧ ]
الفداء أو] (١) التسليم على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه ينظر إلى المكاتب أولًا، فإن قدر على غرم ما بيع به في المقاسم ويعود مكاتبًا إلى سيده فعل، وإلا فقد عجز، ويخيره بين أن يسلمه عبدًا أو يفديه بما ذكرنا [كالجناية] (٢) وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن سحنون، وهو ظاهر قوله في كتاب الجنايات من "المدونة".
والثاني: أنه يبدأ بالسيد؛ فإن فداه: بقى له مكاتبًا، وإن أسلمه: قيل للمكاتب أما أديت صرت فيه لهذا، وتمضي على كتابتك.
وإن لم يقدر: فهو كمكاتب عليه دين فأفلس به: فإنه يعجز، وهو قول ابن سحنون.
والثالث: أنه يخير سيده بين أن يفديه بالثمن ويبقى مكاتبًا له، وإلا أسلمه فصار عند مبتاعه مكاتبًا إن عجز فهو رق له، وإن [أدى] (٣): عتق، وكان ولاؤه لعاقد الكتابة.
والقولان لسحنون في كتاب ابنه، على ما نقل الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في "النوادر" (٤).
وكذلك لو فداه رجل من دار الحرب أو ابتاعه منه فهو -كما ذكرنا- إذا وقع في المقاسم على قول ابن القاسم، واختلاف قول سحنون.
وأما المدبر إذا علم أنه مدبر بما يعلم به المكاتب: فلا يقسم.
فإن لم يعلم أنه مدبر حتى قسم أو فداه رجل من دار الحرب: فسيده مخير بين أن يفديه بما وقع به في المقاسم أو ما اشتراه به من
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: في الجناية.
(٣) في أ: فدى.
(٤) انظر: "النوادر" (٣/ ١٤٤).
[ ٣ / ٤٨ ]
دار الحرب، أو يسلمه.
فإن فداه السيد: استخدمه حتى يموت السيد أو يعتق من ثلثه ولا يتبع بشيء [مما] (١) فداه وإن مات السيد من فوره؛ لأنه إنما أفدى الخدمة لا الرقبة [كجناية] (٢) سواء.
وان أسلم السيد خدمته إلى الذي فداه: فإنه يستخدمه بما فداه به، فإن استوفى والسيد حي: رجع إليه، وإن مات [السيد قبل أن يستوفي] (٣) والثلث يحمله: فإنه يخرج حرًا.
وهل يتبع بما بقى عليه مما فدى به أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يتبع به جملة سواء اشتراه من المغنم أو من أهل الحرب.
وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن سحنون.
[والثاني: أنه لا يتبع بشيء مما بقى عليه وهو نص ابن القاسم في المعتق إلى أجل والمدبر مثله - قال بعضهم: وهو أصل قول مالك وهو رأيه برواية أبي زيد بن أبي العمر عن ابن القاسم في "ثمانيته"] (٤).
والثالث: التفصيل بين أن يشتريه من [المقاسم] (٥) [أو من أرض الحرب. فإن اشتراه من المقاسم] (٦) فلا يتبعه بشيء [كالحر] (٧)، وإن
_________________
(١) في ب: من.
(٢) في ب: كجنايته.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ. والمثبت من ب.
(٥) في ب: المغنم.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٩ ]
اشتراه من [أهل] (١) الحرب: أتبعه بما بقى [عليه] (٢) مما فداه به.
وهو قول عبد الملك في "الموازية" و"الواضحة".
وهذا كله إذا حمله الثلث كله، وإن [لم] (٣) يحمله الثلث كله: فالحكم فيما حمله الثلث كالحكم إذا حمل جميعه.
وسبب الخلاف: هل يقاس ما فدى به على الجناية أم لا؟
فمن جوز القياس قال: يتبع؛ لأنه مجبور على الإخدام في كلا الموضعين.
ومن منع القياس فرق بين الحالتين؛ وذلك أن الجناية من فعل نفسه، والشارع يقول: العبد فيما جنى، فكان الأصل يقتضي أن يكون العبد ملكًا لأهل الجناية بنفس اقترافه لهذه الجناية [لكن الشارح] (٤) لاحظ حق السيد وجعل له الخيار بين الفداء أو التسليم، وقدم حقه على حق [أولياء] (٥) الجناية فيما لم تكن جناية عمد فيها بنفسه على ما سنوضحه في كتاب الجنايات إن شاء الله تعالى.
وأما المعتق إلى أجل يشتري من المغنم أو من أرض العدو: فالكلام فيه كالكلام في المدبر سواء.
فإن علم أنه معتق إلى أجل: وقفت خدمته لسيده ولا تدخل في المقاسم.
وإن لم يعلم حتى قسم ثم جاء سيده واستحقه: فله الخيار بين أن يفديه
_________________
(١) في ب: أرض.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: أهل.
[ ٣ / ٥٠ ]
أو يسلمه.
فإن فداه: اختدمه حتى يحل الأجل ثم يخرج حرًا، ولا يتبع بشيء اتفاقًا.
وإن أسلمه إلى الذي اشتراه من المقاسم أو من العدو: فإنه يختدمه حتى يحل الأجل، فإذا حل الأجل فينظر، فإن استوفى من الخدمة ما اشتراه به: خرج حرًا ولا يتبع بشيء اتفاقًا.
وإن حل الأجل ولم يستوف، هل يتبعه بما بقى له أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال على حسب ما حكيناه في المدبر هل يتبع أو لا يتبع، والتفصيل بين أن يُشترى من المغنم أو من دار الحرب.
فلو أعتقه من صار في سهمه: فلا يخلو من أن يكون عالمًا أو لا.
فإن أعتقه ولم يعلم بأنه معتق [إلى أجل لم يجز عتقه. وإن أعتقه وقد علم بأنه معتق إلى أجل فهل يمضي عتقه أم لا؟.
فالمذهب على قولين: أحدهما] (١): أن عتقه لا يجوز ويبقى على حاله جملة، وهو قول حكاه ابن سحنون عن بعض أهل المذهب.
والثاني: التفصيل بين أن يكون ما اشتراه به أكثر من قيمة خدمته: فيمضي عتقه، أو يكون أقل: فلا [يجوز] (٢) عتقه، وهو قول سحنون في كتاب ابنه. وقد سكت عن المثل ولم يذكر حكمه إذا كان ما اشتراه به مثل قيمة الخدمة، والذي يوجب النظر على مقتضى مذهبه: ألا يجوز عتقه أيضًا ولا ينفذ؛ لأن العلة التي اعتبرناها معدومة في هذا الوجه كما هي معدومة إذا كان أقل؛ لأنه إذا كان ما اشتراه به أكثر من قيمة الخدمة فكأنه ملك من
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: يجزئ.
[ ٣ / ٥١ ]
رقبة العبد القدر الزائد على الخدمة، والله أعلم.
وأما الإيلاد: فإذا غنم المشركون أمّ ولد لرجل: فلا يخلو من أن [يغنموها] (١) بعد الإيلاد، أو بعد الوطء وقبل الإيلاد.
فإن غنموها بعد الإيلاد ثم اشتراها رجل من الغنائم أو من أهل الحرب: فلا خلاف أن سيدها مجبور على الفداء، وإن كان [مالك] قد قال في "الموطأ": (إن السلطان يفتديها له، وذلك مع العدل وصلاح الحال؛ لأن أمّ الولد معدة للاستمتاع وفراش للوقاع فأشبهت الحرائر [اللواتي] (٢) يجب على السلطان فداؤهن وسائر أحرار المسلمين من بيت المال فجعل مالك السلطان يبدى على السيد في الفداء وإن كان مليًا.
وإنما اختلف أصحاب مالك هل يعيدها بالثمن ما بلغ [أو بالأقل على قولين قائمين من المدونة: أحدهما: أن على السيد أن يفديها بالثمن الذي أخذها به] (٣) وإن كان أكثر من القيمة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"، ونص روايته [عن مالك] (٤) في كتاب ابن سحنون وكتاب ابن المواز.
والثاني: أن على السيد الأقل من قيمتها أو الثمن الذي أخذها به [المشتري] (٥)، وهو قول أشهب والمغيرة وعبد الملك في الكتابين المذكورين.
ويؤخذ [هذا القول] (٦) لابن القاسم من "المدونة" في "كتاب
_________________
(١) في أ: يغنمها.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٢ ]
الجناية" (١) في جناية أم الولد حيث قال: أحسن ما سمعت في جناية أم الولد أن سيدها يفديها بالأقل من قيمتها أو من أرش جنايتها، فإذا كان عليه الأقل في الجناية التي هي فعلها، فبأن يكون عليه في فدائها من الغنائم أولي [وأحرى] (٢).
فوجه القول باعتبار الثمن ما بلغ في الفداء، أما إن أمرناه بدفع الأقل، و[تكون] (٣) القيمة هي الأقل أدى ذلك إلى الإضرار بالمشتري من كون المشتري أخذ من يده بدون الثمن الذي دفع فيه فصار مضارًا [من] (٤) الوجهين بخلاف الجناية لأنه إذا أخذ [فيه] (٥) الأرش وكان هو الأقل: لم يظلم لكونه أخذ أرش جنايته.
فإن أخذ القيمة وكانت هي الأقل: لم يظلم [أيضًا] (٦) لكونها عوضًا من عين أم الولد؛ إذ لا يجوز إسلامها [فيما جنت] (٧).
ووجه القول الثاني: ما أشرنا إليه من باب [الأولوية والأخروية] (٨) أن الذي يقتضيه الدليل في فصل الأسر أن يأخذها سيدها بلا ثمن؛ جريًا على سنن الاستحقاق، ومتى عهد في الشريعة أن من استحق عين شيئه وقد أخذ من ملكه بغير اختياره أنه لا يأخذه حتى يؤدي [فيه] (٩) ثمنًا، ولولا ما أحكمته السنة وأوجبته الشريعة المحمدية فيمن أدرك شيئه بعد القسم أنه
_________________
(١) "المدونة" (١٦/ ٣٦٢).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: في.
(٥) في ب: قيمة.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من ب.
(٨) في أ: الأولية.
(٩) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٣ ]
يكون أحق به بالثمن لكان لمستحقه أن يأخذه بغير ثمن، فوجب أن يركب على كل شائبة مقتضاها.
فإن كان السيد معسرًا: فإنه يأخذها ويتبع في الذمة.
وإن مات قبل أن يحكم عليه بقيمتها: فإنها تخرج حرة ولا شىء عليها [ولا على الورثة. أما هي فلا شيء عليها] (١) لأن ذلك ليس من فعلها بخلاف الجناية التي هي فعلها، والورثة لا شيء عليهم لأنهم يؤدون عما لا ينتفعون به.
فرع: ولو صارت في سهم رجل بمائتي [درهم] (٢)، ثم سبيت ثانية [فَتُغْنَم] (٣) فيصير في سهم آخر بمائة، ثم سبيت ثالثة فَتُغْنَم فتصير في سهم آخر بخمسين [فسيدها] (٤) أولى [بها] (٥) يأخذها بالأكثر، وهو مائتان؛ يأخذ [منها] (٦) من هي في يده خمسين، والذي قبله مائة، وما بقى فللأول وهو ثالثهم الذي وقعت في سهمه أولًا.
ولو كانت في سهم الأول بخمسين والثاني بمائة والثالث بمائتين: أخذها السيد من الثالث بمائتين، وسقط الأول، والثاني، وهو قول سحنون في كتاب ابنه.
واختلف قوله: إذا كانت أمته غير أمّ ولد؛ [فمرة قال] (٧) فالذي فداها آخرًا بخمسين أحق بها، والثاني [فداها] (٨) منه بخمسين، ثم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: دينار.
(٣) في ب: ثم غنمت.
(٤) في الأصل: فسيده.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) في ب: فُديت.
[ ٣ / ٥٤ ]
[كان] (١) للأول أن يفديها بمائة [دون سيدها] (٢)، ثم لسيدها فداؤها من هذا -وهو الأول- بمائتين فقط.
ولو أسلمها الأولان إلى الثالث لكان لربها [فداؤها منه بخمسين] (٣).
ثم رجع عما قال في الأمَة؛ فقال: حكمها حكم [أم] (٤) الولد، فلو أعتقها من صارت في سهمه: فلا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يعلم أنها أم ولد لمسلم، أم لا.
فإن علم أنها أم ولد [لمسلم فذلك وضعٌ] (٥) للقيمة عن السيد، ولسيدها أخذها منه [بلا ثمن] (٦) ويبطل العتق.
فإن لم يعلم: فعلى سيدها غرم ما فداها به ويبطل العتق.
ولو أولدها الذي فداها من المغنم: لأخذها سيدها بالثمن ورجع على المشتري بقيمة الولد.
وأما الوجه الثاني: إذا سبيت بعد الوطء ثم غنمت ومعها ولد: فلا يخلو من أن توطأ بدار الحرب بعد السبى، أم لا.
فإن لم توطأ بدار الحرب، وادْعت أن الولد من وطء سيدها: فلا يخلو السيد من أن يدْعي الاستبراء، أو لا يدعيه.
فإن ادَّعى الاستبراء: لم تلحق به أم الولد، ويأخذها السيد بما وقعت به في المقاسم. وهل يأخذ الولد [معها] (٧) أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: بثلاثين.
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٥ ]
على قولين:
أحدهما: أنه يأخذ الولد [معها] (١)، وهو قول ابن القاسم على ما حكاه [عنه] (٢) سحنون في كتاب ابنه.
والثاني: أن الولد فيء ويخير في فدائها متى أن بيعت وتباع مع ولدها [لمالك واحد] (٣)، وهو قول أشهب.
فإن لم يَدَّع الاستبراء، وثبت أنها ولدته منه: فإن الولد به لاحق ونسبه منه ثابت ويأخذهما بعد القسم بالثمن وقبله بغير ثمن، ويجبر على أن يفديهما.
وقال أشهب: لا شيء عليه في الولد؛ لأنه حر لا فائدة فيه في المقاسم بخلاف مفاداته من العدو، وهو قول أشهب [على] (٤) قول سحنون، والله أعلم.
فإن وطئت بعد السبى ثم ولد: فلا تخلو من أن يغنمها المسلمون أو يقدم بها الواطئ و[أسلم] (٥) عليها.
فإن غنمها المسلمون ثم أفداها سيدها ومعها ولد، فإن ثبت أنه وطئها بعد أمد يكون فيه استبراء أو جهل وثبت الوطء: فالولد غير لاحق بالسيد ويكون فيئًا من جملة الغنيمة.
وإن قدم بها الواطئ [فأسلم عليها، فإن ثبت أن الكافر وطئها بعد زمان يكون في مثله الاستبراء: لحق الولد به، والأمة أمّ ولده.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: موافق.
(٥) في ب: يسلم.
[ ٣ / ٥٦ ]
فإن وطئها في طهر [واحد] (١) فوضعت بما يشبه أن يكون من وطئهما جميعًا: دُعى له القافة (٢)، فإن ألحقوه بالمسلم لحق به، وجرى فيها حكم أمّ الولد، وإن ألحقوه بالحربى: لحق به، ولا شيء عليه فيها؛ كمن أسلم على عبد بيده لمسلم: فإنه يكون له، ولا شيء عليه فيه. فإن قالت القافة: اشتركا فيه: فقولان:
أحدهما: أنهما شريكان فيه، ويوالي [إذا كبر] (٣) أيهما شاء. قول ابن القاسم في المدونة وغيرها.
والثاني: أنه يدعي إلى قافة [[غيرها] (٤)] (٥) [أبدًا] (٦) حتى تلحقه بواحد، وهو قول عبد الملك في كتاب ابن سحنون.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم:
إذا لم يعقد فيهم عقدًا من عقود الحرية حتى أسرهم العدو ورقوا إليهم ثم غنمهم المسلمون [فوقفوا] (٧) في المقاسم: فلا يخلو من أن يدركهم سيدهم قبل الفوت أو بعد الفوت.
فإن أدركهم قبل أن يفوتهم من صاروا في سهمه: فلا يخلو من أن يكونوا سبوا مرة واحدة، أو مرارًا [مثل أن يسبى عبد لمسلم ثم غنم ثم سبى] (٨).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) القائف: الذي يعرف الآثار، والجمع القافة، "لسان العرب" (٩/ ٢٩٣).
(٣) سقط من أ.
(٤) في الأصل: غيره.
(٥) في ب: غير هؤلاء.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: فيوقفون.
(٨) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٧ ]
فإن أسبوا مرة واحدة: فسيدهم بالخيار بين أن يفديهم بالثمن الذي أخذوا به، أو يسلمهم. فإن سبوا مرارًا؛ مثل أن يسبى عبد [الرجل] (١)، ثم غنمه المسلمون فصار في سهم رجل، ثم سباه المشركون ثانية فتداولته الأملاك بالسبى والفكاك، فليس لأحد [فيه] (٢) مقال [إلا] (٣) الذي يسبى منه أولًا و[لا شيء] (٤) للذي [يسبى] (٥) منه آخرًا، إلا أن الذي يسبى، منه آخرًا أحق به من الأول إذا دفع إلى الذي من هو في يديه ما أخذه به من المقاسم.
فإن أخذه: فربه الأول مخير؛ إن شاء أخذه بما وقع به في المقسم الثاني لا بما وقع في الأول؛ لأنه جاء ملك ثان أملك به من الأول، وهي رواية سحنون عن ابن القاسم في "العتبية"؛ مثل أن يبتاع رجل عبدًا من المغانم بمائة دينار، [فلم] (٦) يعرف ربه حتى يسبى ثانية، فاشتراه رجل بخمسين، ثم قدم ربه: فالكلام له [ولا يدري من سبى منه آخرًا غير أن] (٧) الذي يسبى منه آخرًا مقدم على الأول، ويأخذه إذا دفع إلى من هو في يديه ما وقع به في المقاسم، وهي خمسون، ثم إن شاء الأول الذي سبى منه أولًا أن يأخذه من المشتري الأول الذي فداه بخمسين من الثاني، فلا يأخذه حتى يعطيه مائة وخمسين؛ المائة: للذي اشتراه هو به من المغنم الأول، والخمسين: للذي فداه من الذي اشتراه من المغنم الثاني، إلا أن يشاء المالك الأول أن يدفع المائة للمشتري الأول، وخمسين للثاني فيأخذه بمائة وخمسين
_________________
(١) في ب: لمسلم.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: سبى.
(٦) في ب: ولم.
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٨ ]
كان ذلك له وإن أسلمه الأول إلى الثاني، [كان] (١) للمالك الأول أن يأخذه من الثاني بخمسين، وهكذا قال ابن المواز في كتابه.
ولو ابتاعه الأول من الغنم بمائة ثم ابتاعه الثاني بخمسين من المغنم الثاني، ثم سبى ثالثة فغنم فابتاعه آخر بعشرة، ثم قام ربه الآخر: أن سيده الأول مقدم إن شاء فداه بأكثر الأثمان -وهو مائة- فيدفع عشرة للثالث، وخمسين للثاني وأربعين للأول.
ولو كان البيع بعشرة، والثاني بخمسين، والثالث بمائة: فيأخذ الثالث المائة، ولا شيء لمن قبله، وهو قول أشهب في كتاب ابن سحنون.
وهذا خلاف ما قاله ابن القاسم في المسألة الأولى، وخلاف لقول سحنون فيما إذا كان [الثالث] (٢) أقلهم ثمنًا؛ وهو خمسون: أن الثاني مبدى على ربه، فيفديه منه بخمسين، ثم كان للأول أن يفديه منه بمائة دون سيده، ثم كان لسيده ما فداه من هذا، وهو الأولى بما فداه به، وهو مائتان فقط. ولو أسلمه الأولان للثالث لكان لربه أن يفديه منه بخمسين، وهذا قول سحنون في أَمَة غير أُمِّ الولد إذا سبيت.
فيتحصل على ما في الأمهات من الخلاف وجملة المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الذي اشترى منه آخرًا أحق بالفداء، سواء كان أقلهم ثمنًا، أو أكثر، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أن سيده الأول مقدم على كل حال من غير اعتبار بالمشتري الأول أن يكون أكثرهم ثمنًا، أو يكون أقلهم، وهو قول أشهب في كتاب ابن سحنون.
_________________
(١) في أ: لأن.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٥٩ ]
و[القول] (١) الثالث: التفصيل بين أن يكون المشتري منه آخرًا هو أقلهم ثمنًا؛ فيبدي الفداء على الأول.
وإن كان أكثرهم ثمنًا: فالأول هو المبدي.
وهو قول سحنون في كتاب ابنه.
فعلى القول بتبدئة المالك الأول اختلف بما يفديه به على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يفديه بالأكثر على الترتيب الذي ذكر أشهب.
والثاني: أنه يفديه من الذي وقع عنده آخرًا بالثمن الذي أخذه به من المقاسم، وهو قول يحيى بن يحيى في كتاب ابن سحنون.
والثالث: أنه لا يأخذه إلا بالثمنين جميعًا؛ مثل أن يُشترى من المغنم أولًا بمائة ثم سبى منه ثانية فاشترى بخمسين، فإن أراد الذي سبى منه أولًا أن يأخذه: فلا يأخذه حتى يدفع المائة للأول، والخمسين للثاني؛ وهو قول [ابن المواز] (٢) في كتابه.
ولو [سبق] (٣) في رقبة العبد جناية قبل [الأسر] (٤) ثم غنم وبيع في المقاسم، ثم جاء صاحبه فاختار الفداء، هل يفديه بالاكثر من الثمن، أو [أرش] (٥) الجناية؟ قولان:
أحدهما: أنه يفديه بالأكثر من الثمن الذي اشترى به من المغنم أو من أرش الجناية؛ فإن كان الأرش عشرين وثمنه في المقاسم عشرة: أخذ من صار له في القسمة عشرة وصاحب الجناية عشرة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ابن القاسم.
(٣) في ب: تبين.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٦٠ ]
وإن كان الثمن عشرين والجناية عشرة: أخذ من هو بيده عشرين، ولا شيء لصاحب الجناية؛ كما لو سبى ثانية وغنم ففداه ربه بالأكثر، كما تقدم لأشهب، وهذا قول سحنون في كتاب ابنه، وجعل أرش الجناية كبعض الأثمان.
و[القول] (١) الثاني: أنه إن شاء الفداء فإنه يفديه بما بيع به في المغانم، وبما في رقبته من الجناية، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن المواز.
فإن أسلمه المالك الأول هل يبدى المبتاع من المغنم على وليِّ الجناية، أو وليِّ الجناية هو المبدى: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المشتري من المغنم يقال له افده بما بيع به في المقاسم أو أسلمه؛ فإن فداه: كان رقًا له، وإن أسلمه: كان رقًا للذي اشتراه في المغنم، وهو قول ابن المواز.
وأما المُدَبَّر يجنى [ثم يؤسر] (٢): فحكمه حكم العبد على ما وصف؛ وذلك أن سيده مخير في أن يفدى خدمته إما بأكثر من أرش الجناية، أو ما وقع به في المقاسم.
وإما بالأمرين جميعًا على الخلاف الذي قدمناه في فصل العبد [فإن أبي: فهل يبدى صاحب الجناية على من صار عنده من المغنم على الخلاف الذي قدمناه أيضًا] (٣).
فعلى القول بتبدئة الجناية يقال لأهله: افدوه بما وقع به في المقاسم، فإن فدوه اختدموه بذلك أولًا، ثم بالجناية آخرًا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٦١ ]
فإن [أدى] (١) عاد مدبرًا إلى سيده.
فإن مات [السيد] (٢): فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يموت بعد أن أوفى العبد ما عليه.
وإما أن يموت قبل الوفاء.
[فإن مات بعد الوفاء فلا إشكال أن العبد يبرأ من الجناية. فإن حمله الثلث عتق وإلا عتق منه ما حمله الثلث وباقيه رقيق لورثته. وإن مات السيد قبل الوفاء والثلث يحمل العبد] (٣) فإنه يكون حرًا، وينظر فإن وفي جميع ما [فداه] (٤) به وبقيت الجناية أو بعضها: فإنه يتبع بما بقى من الجناية.
وإن بقى شيء مما فدى به هل يتبع العبد بما بقى من الثمن مع الجناية أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يتبع بذلك، وهو قول سحنون في كتاب ابنه.
والثاني: أنه لا يتبع بما بقى من الثمن، وهو قول عبد الملك، وهو ظاهر قول ابن القاسم في ثمانية أبي زيد؛ قياسًا على المعتق إلى أجل، فإن ابن القاسم قد نص عليه أنه لا يتبع.
والقولان متأولان على المدونة.
وإن مات [السيد] (٥) قبل الوفاء ولم يحمله الثلث: فإنه يعتق منه ما حمل الثلث، [ورق] (٦) ما بقى لأولياء الجناية، ولا خيار للورثة في فداء
_________________
(١) في ب: أوفى.
(٢) في ب: سيده.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: فُدِىَ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: ويرق.
[ ٣ / ٦٢ ]
ما رق منه؛ لأن موروثهم قد سلمه أولًا، ثم يقسم عليه ما بقى من الفكاك من الجناية، فيتبع الجزء المعتق بما يقع من ذلك، وهو قول سحنون.
فإن أسلمه أولياء الجناية: [أخدمه] (١) الذي صار له في السهمين في حقه، فإن وَفَّاهم والسيد حي: [أخدمه] (٢) أولياء الجناية، فإن استوفوا والسيد حى: رجع إليه وخدمه، فإن مات السيد ولم يستوف من صار له في السهمين حقه وكان الثلث يحمله: عتق وأتبع بما بقى من الفداء وأتبعه أهل الجناية بجنايتهم لأن أهل الجناية إنما أسقطوا حقهم أولًا من الجناية.
وإن لم يحمله الثلث عتق منه ما حمل الثلث ثم يقسم ما بقى بما بيع [به] (٣) في المقاسم على ما رق منه وما عتق [ويتبع ما عتق منه ويبطل ما صار على الرقيق فيرق بما فيه لمن أخذه في القسم وتقسم الجناية أيضًا على ما رق منه وما عتق] (٤) فيبطل ما قابل الرق منه لأنه صار للذي فداه من المغنم وولى الجناية قد سلم حقه [منه] (٥) أولًا، ويتبع بما [بقى] (٦) على العتق منه ويبدأ بالذي وقع له في السهم ولو أدى جميع ما وقع به في المغنم والسيد [حى] (٧) فأخذه أهل الجناية ثم مات السيد قبل أن يستوفى أهل الجناية أرش جنايتهم ولم يحمله الثلث: عتق [منه ما حمل الثلث] (٨)، وفض ما بقى من باقي الجناية على ما عتق منه ومارق منه
_________________
(١) في ب: اختدمه.
(٢) في ب: اختدمه.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ، جـ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: وقع.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
[ ٣ / ٦٣ ]
على ما قدمناه، ولا خيار [للورثة] (١) في ذلك فافهم هذا التفريع، فإنها فروع بديعة انتقيتها من الأمهات وحصلتها في هذه العجالة لتكون مطالعتها تغني عن مطالعة الكتب الكبار على حسب ما [التزمناه] (٢) في خطبة الكتاب، والله أعلم.
وأما إن أدركهم سيدهم بعد أن فوتهم مشتريهم من المغنم، أو من صاروا إليه من أهل الحرب بشراء أو هبة: فلا يخلو من أن يكون فوتهم ببيع أو بعقد من عقود الحرية.
فإن فوتهم بالبيع هل [يكون] (٣) ذلك فوتا يسقط حق السيد من عين العبد أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن البيع فوت، وكذلك الهبة، ويرجع المستحق على البائع بفضل الثمن إن كان فيه فضل عن الثمن الذي اشتراه به، وهو [نص] (٤) قول ابن القاسم في المدونة فيما إذا اشتراه من دار الحرب أو وُهِبَ له ثم باعه بعد قدومه أن البيع فوت، وقال فيما إذا اشتراه من المغنم فباعه من غيره أن بيعه لا يكون فوتا.
وحمل بعض المتأخرين كلام ابن القاسم على التناقض والحق كما قال.
والثاني: أن بيعه لا يكون فوتًا، لا في الهبة ولا في البيع، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن سحنون، وهو ظاهر قوله في المدونة من المسألة التي [أوردناها] (٥).
_________________
(١) في ب: لورثته.
(٢) في ب: التزمته.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: أوردنا.
[ ٣ / ٦٤ ]
والثالث: التفصيل بين البيع والهبة، وهو قول [الغير] (١) في كتاب الجهاد.
وإن فوتهم بعقد من عقود الحرية كالعتق والإيلاد والتدبير والعتق إلى أجل، فهل يكون ذلك فوتًا أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك فوت [كالبيع] (٢) والهبة، وهو قول ابن القاسم في المدونة وغيرها.
والثاني: أن ذلك ليس بفوت ويبطل العتق والتدبير والعتق إلى أجل، [فإن] (٣) كانت أمة فأولدها فهي كالمستحقة يأخذها، وقيمة الولد على الخلاف المشهور في المسألة في كتاب الاستحقاق وكتاب الغصب من المدونة، وهو قول أشهب في البيع والهبة، وهو قول ابن نافع في الهبة إذا لم يثب الموهوب له عليها، ولو أثاب عليها [لكان] (٤) كالبيع، وهذا قول أشهب وابن نافع في كتاب ابن سحنون.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم من قوله - ﷺ -: "إن أدركه بعد القسم فهو أحق بالثمن" (٥) هل ذلك خصوص بما وقع في المقاسم خاصة دون ما اشترى من أهل الحرب وما تداولته الأملاك مما اشترى من المغانم، أو ذلك عموم في الجميع وأموال [أهل] (٦) الذمة [في جميع ما ذكرناه كأموال المسلمين. وأما ما وجد في المغانم من أحرار المسلمين وأحرار أهل
_________________
(١) في ب: ابن القاسم في المدونة.
(٢) في أ: في البيع.
(٣) في ب: وإن.
(٤) في أ: لكانت.
(٥) أخرجه البخاري (٢٢١٣) و(٢٢١٤) و(٢٢٥٧) ومسلم (١٦٠٨).
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٦٥ ]
الذمة] (١) فإنهم لا يقسمون إذا علم أنهم أحرار.
وفداؤهم على الجملة ينقسم على قسمين:
أحدهما: أن يفدوا من أيدي العدو.
والثاني: أن يفدوا من المغنم.
فإن فدوا من أيدي العدو: فلا يخلو من أن يكون بين المفتدي والذي افتداه قرابة أو لا قرابة بينهما.
فإن كانت بينهما قرابة نسب فذلك على ثلاثة أوجه:
أحدها: إن فداه وهو يعرفه وكان بغير أمره فإنه لا يرجع عليه بما فداه به كائنًا ما كان.
والثاني: إن فداه فإنه يرجع عليه بما فداه به كائنًا ما كان.
والثالث: إن فداه ولا يعرفه ولا كان بأمره. فإنه لا يرجع على من يعتق عليه بالملك ويرجع على من سباه من القرابة الذين لا يعتقون عليه.
وهذا التحصيل أحسن ما قيل في هذا الباب فعليك بحفظه تربت يداك.
وإن لم يكن بينهما قرابة نسب فلا يخلو من أن يكون بينهما قرابة سبب، أو لا سبب بينهما فإن كان بينهما قرابة سبب؛ كالزوجية، مثل أن يفدى أحد الزوجين صاحبه من أيدي العدو، وهل يرجع عليه بما فداه به أم لا؟
فلا يخلو المفدى من أن يشهد قبل الفداء بالرجوع على صاحبه بما فداه به، أم لا.
فإن أشهد عليه: فإنه يرجع عليه قولًا واحدًا.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٦٦ ]
وإن لم يشهد: فلا يخلو من أن يفدى أحدهما الآخر بوكالة [منه] (١) [أو بغير وكالة] (٢).
فإن كان ذلك بوكالة منه فله [اتباعه] (٣) بذلك سواء علم بالزوجية أم لا، وهي رواية يحيي بن يحيى عن ابن القاسم في "العتبية"، وبه قال ابن حبيب.
وإن فداه بغير وكالة: فلا يخلو من أن يعلم به حين الفداء، أو لا يعلم.
فإن علم: فلا يرجع عليه بشيء ولا يتبعه في [الذمة] (٤). وان لم يعلم: فله اتباعه والرجوع عليه بثمن الفداء.
وعلى هذا التحصيل أصحاب مالك: ابن القاسم، وعبد الملك ومطرف، والمغيرة، وغيرهم.
فإن لم يكن بينهما قرابة نسب ولا سبب: فلا خلاف أنه يتبعه بما فداه به في اليسر والعسر إذا اتفقا على ذلك القدر [قل أو كثر] (٥) فداه بإذنه أو بغير إذنه وعلمه.
وإن قال: كنت قادرًا على التحيل لنفس والخروج بغير شيء، ويعلم دليل قوله وصدقه: فلا يتبعه بشيء مما فداه بغير أمره وعلمه ويتبعه فيما عدا ذلك، ويكون أحق بما معه من المال في دار الحرب من غرمائه لأنه معه فدى.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: اتباع.
(٤) في ب: ذمته.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٦٧ ]
واختلف في المال الذي في دار الإسلام، هل يكون أحق به، أو يكون أسوة الغرماء؟
على قولين:
أحدهما: أنه يكون أحق به من الغرماء، وهو قول عبد الملك.
والثاني: أنه يكون أسوة الغرماء.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الأسير إذا حاط الدين بماله، هل يقدم حقه على حق غرمائه فيفدى من ماله، أو يقدم حق غرمائه على حقه ويكون الغرماء أحق بذلك المال ويفديه الإمام من بيت المال، أو يكلف المسلمين فداءه من أموالهم وإن لم يكن هناك بيت للمال [وكان السلطان جائرًا] (١)، وقد قال مالك [﵀] (٢): يجب على الناس مفاداة الأسارى من أيدي العدو ولو بجميع أموالهم.
فإذا اختلف في مقدار ما [فدى] (٣) به: فالقول في ذلك قول الأسير مع يمينه من غير اعتبار بالأشياء، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" و"الموازية".
وقيل: القول قول الذي فداه لأنه هو الذي أخرجه من دار الحرب فهو كالحيازة.
وقيل: القول قول من ادّعى ما يشبه منهما.
والقولان لسحنون في كتاب ابنه، ولابن القاسم مثل قول سحنون أن القول قول المفدى مع يمينه لأنه كالرهن في يده.
_________________
(١) في أ: ولا السلطان.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: فداه.
[ ٣ / ٦٨ ]
وأحرار أهل الذمة في جميع ما ذكرناه كأحرار المسلمين [ولا فرق] (١) سواء.
واختلف فيما إذا نودى على الحر المسلم من الغنم وبيع هل يتبع بما اشترى به كما لو فدى من أيدي العدو على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يتبع بذلك الثمن جملة، وهو قوله ابن القاسم في كتاب محمد.
والثاني: أنه يتبع به جملة، وهو قول أشهب في كتاب ابن سحنون.
والثالث: التفصيل بين الصغير والكبير [فالصغير] (٢) القليل الفطنة [الكثير الغفلة لا يتبع بشيء] (٣) والكبير [الفطن] (٤) العارف بما هو فيه يتبع، وهو قول ابن القاسم أيضًا.
وعلى القول بأنه لا يتبع [بشيء] (٥)، هل يرجع من أخذ من يده على أهل الغنيمة بشيء أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنه لا يرجع عليهم بشيء أصلًا ويكون ذلك مصيبة نزلت به، وهو قول سحنون.
والثاني: أنه يرجع على أهل الجيش ما لم يفترقوا، أو بعد الافتراق إن عرفوا، وهو قوله آخرًا في المذهب.
وسبب الخلاف: السكوت، هل يعد كالرضا أم لا؟ والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٦٩ ]
المسألة السادسة
في [الحربى] (١) الذي يقدم بأمان ومعه أحرار المسلمين [وأموالهم] (٢)، أو أسلم على ذلك (٣).
فإذا قدم بأمان فلا يخلو ما بيده من أن يكون أحرار المسلمين، أو أموالهم.
فإن كان أحرار المسلمين وعبيدهم: فقد اختلف المذهب في ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم لا يؤخذون منه ولا يشترون إلا باختياره، فإن رام الرجوع إلى بلاده بهم: مكن من ذلك ولا يتعرض له، وهو نص قول ابن القاسم في المدونة وغيرها، وهو المشهور في النقل، ولا فرق في ذلك بين الأحرار والعبيد والمسلمين وبين الذكران والإناث [من المسلمين] (٤).
والثاني: أنه لا يمكن من الرجوع بهم، بل يؤخذون منه بأوفى ثمن، وهو قول عبد الملك.
و[القول] (٥) الثالث: التفصيل بين الذكران والإناث؛ فيجبر على بيع [المسلمات] (٦)، ولا يجبر على بيع الذكران، وهو قول ابن القاسم أيضًا على ما حكاه عنه سحنون، وظاهر هذا القول: أن لا فرق بين الأحرار والعبيد، وبه قال ابن القصار.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: الإناث.
[ ٣ / ٧٠ ]
فوجه القول الأول: ما خرجه البخاري ومسلم أن النبي - ﷺ - قاضى أهل مكة عام الحديبية على أن يرد عليهم من أتاه [منهم] (١) مسلمًا، فكان ذلك مما فعله النبي - ﷺ - وفاء بالعهد.
ووجه القول الثاني: أنه لا يجوز ترك المسلم بين يدي الكافر يمتهنه ويستخدمه بين أظهر المسلمين، وإنما فعله النبي - ﷺ - وكان ذلك في أول الإسلام وقبل أن يكثر المسلمون، أما الآن فلا يجوز ذلك لانتشار الإسلام وظهوره في سائر الأمصار.
ووجه القول الثالث: في الفرق بين الرجال والنساء: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ. . .﴾ (٢) إلى قوله: ﴿إِلَى الْكُفَّارِ. . .﴾ الآية.
فمفهوم الآية هذه أن الرجال بخلاف ذلك.
وأما [من] (٣) كان بأيديهم ممن عقد فيه عقد عتق [ممن هو على دينهم] (٤) [فلم] (٥) أر فيهم نصا، خلاف أنهم لا يمنعون من الرجوع بهم إذا أرادوا ذلك.
وإن كان الذي بأيديهم أموال المسلمين [أو لأهل الذمة] (٦): فلا خلاف أنهم لا [يعارضون] (٧) فيها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سورة الممتحنة الآية (١٠).
(٣) في أ: ما.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: فلا.
(٦) سقط من أ.
(٧) في ب: يتعرضوا.
[ ٣ / ٧١ ]
واختلف هل يجوز [لمسلم] (١) شراؤها منهم أم لا على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه لا يجوز ذلك، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول ابن المواز وإسماعيل القاضي، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة فيمن اشترى أمة من العدو حيث قال: لا أحب له أن يطأها اشتراها في بلاد الحرب أو في بلاد الإِسلام -فمساواته بين الشراء في دار الحرب أو في بلاد الإِسلام دليل على جواز الشراء.
فوجه القول الأول: بالمنع من الشراء منهم: أن ذلك أغرى لهم ولأمثالهم على سبى أموال المسلمين والجرأة عليهم، فإذا علموا أن المسلمين ممنوعون من الشراء منهم كان ذلك مما يؤدي إلى كفهم عن السبى والغارات.
ووجه القول الثاني: بجواز الشراء: أن ذلك مال مسلم قادر على افتكاكه ممن أخذه فيجوز له أن يفديه منهم كما جاز له أن يشتريه ممن اشتراه من أرض الحرب؛ لأنه لو منع لأجل الإغراء لكان المنع [من الشراء] (٢) بدار الحرب أولى وأحرى.
فرع: وقد اختلف [أرباب] (٣) المذهب في حربى ينزل على أمان فإذا هو مسلم ارتد على قولين (٤):
أحدهما: أنه لا يتعرض له؛ للوفاء بالعهد، ولو استحق بعبودية [وهو مرتد] (٥) لم يتعرض له أيضًا، وهو قول ابن القاسم في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) المدونة (٣/ ٢٠ - ٢١).
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٧٢ ]
كتاب ابن سحنون أيضًا.
والثاني: أنه يستتاب، فإن لم يتب قُتل وإن تاب: لم يرد إليهم ورد إلى سيده إن كان عبدًا؛ لأنا إنما أعطينا لهم الأمان والعهد على أنهم كفار لا على أنهم مرتدون، وهو قول سحنون وأشهب، وابن نافع، وأصبغ، وابن الماجشون، وابن حبيب، قالوا كلهم: ولا يجوز للإمام أن يؤمنهم على ألا يحكم عليهم في هذه الأشياء إن وجدهم كذلك فإن جهل فأمنهم على ذلك: فليس جهله مزيلًا ما أوجب الله تعالى عليه من أحكام دينه في ذلك من استرقاق حر مسلم.
وأما إن أسلموا على ذلك: فلا يخلو الذي [أسلموا] (١) عليه من أربعة أوجه:
أحدها: أن يسلموا وبأيديهم أحرار المسلمين.
والثاني: أن يسلموا على أحرار أهل الذمة.
والثالث: أن يسلموا على من عقد فيه عقد من عقود الحرية من الأرقاء.
والرابع: أن يسلموا على مال المسلمين أو لأهل الذمة.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا أسلموا وبأيديهم أحرار مسلمون: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أنه لا حق لهم فيهم، ويؤخذون منهم بغير ثمن.
واختلف في أحرار أهل الذمة -وهو الوجه الثاني- على قولين:
أحدهما: أنهم أرقاء لهم، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٧٣ ]
والثاني: أنهم كأحرار المسلمين يؤخذون منهم بغير ثمن، وهو قول أشهب في كتاب ابن سحنون وغيره.
وينبني الخلاف على الخلاف في أحرار أهل الذمة هل هم كعبيدنا أم لا؟
فمن رأى أن حكمهم حكم عبيدنا قال: لا يتعرض لهم، وهم لهم عبيد، وهو نص قول ابن القاسم في كتاب الجهاد: (أن أحرار أهل ذمتنا كعبيدنا) (١).
ومن رأى أن حكمهم حكم أحرارنا قال: [يؤخذون] (٢) منهم بغير عوض.
وظاهر قول مالك في كتاب الزكاة الأول وكتاب الجهاد وكتاب التجارة إلى أرض الحرب في الذمى إذا أسلم: أن أرضه وماله فيء المسلمين؛ فلو كان عبدًا لكان رقيقًا لهم، كما أن المال الذي عقدت عليه الذمة وهو بيده فيء لهم.
والقولان [قائمان من المدونة] (٣).
والجواب عن الوجه الثالث: إذا أسلموا على من عقد فيه عقد من عقود الحرية؛ كالتدبير، والكتابة، والإيلاد، والعتق إلى أجل.
أما المدبر: فله خدمته، فإن مات السيد والثلث يحمله: كان عتيقًا، وإن كان عليه دين يغترقه: كان رقيقًا لمن أسلم عليه [وإن لم يكن له قال سواه ولا دين عليه عتق ثلثه وكان ثلثاه رقًا له] (٤) وأما [المكاتب] (٥): [فله
_________________
(١) المدونة (٣/ ١٣).
(٢) في جـ: لا يؤخذون.
(٣) في ب: ظاهران.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: الكتابة.
[ ٣ / ٧٤ ]
كتابته] (١)، فإن أدَّى: كان حرًا، وإن عجز: كان رقيقًا له.
وأما أُمُّ الولد: فإنها تنتزع من يده ويأخذ قيمتها.
والمعتق إلى أجل: يكون له خدمته، فإذا حلَّ الأجل خرج حرًا.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا أسلموا على مال للمسلمين أو لأهل الذمة: فقد حكى ابن حبيب إجماع [أهل] (٢) المذهب أنه أحق بما في يده مما أسلم عليه [من أربابه] (٣)؛ لقوله ﵇: "من أسلم على شيء فهو له" (٤)، وهذا عموم يخصصه الإجماع؛ لأنه يتناول الأحرار وغيرهم ممن ينطلق عليه اسم شيء، ثم إن الحر خرج بالإجماع. [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) في ب: فإنما تكون للذي أسلم عليه.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) أخرجه أبو يعلى (٥٨٤٧) والبيهقي في "الكبرى" (٩/ ١١٣). من حديث أبي هريرة مرفوعًا. قال الهيثمي: رواه أبو يعلى وفيه ياسين بن معاذ الزيات وهو متروك "مجمع الزوائد" (٥/ ٣٣٦). وضعفه الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١٩٠٨).
(٥) زيادة من جـ.
[ ٣ / ٧٥ ]
المسألة السابعة
في الحرة المسلمة والذمية، أو الأمة المسلمة تُسبى فتوطأ، فتلد، ثم غنمها المسلمون هي وولدها.
أما الحرة المسلمة إذا غنمها المسلمون ومعها أولاد صغار وكبار:
أما هي في نفسها: فلا خلاف أنها لا تستباح، واختلف في أولادها على ثلاثة أقوال كلها قائمة من المدونة.
أحدها: أن الأولاد تبع لها في الحرية والإِسلام؛ لا يباعون ولا يسترقون، فإن أبوا الإِسلام جبروا عليه، وإن تمادوا يريد كبارهم: قتلوا على الكفر كالمرتد، وهي رواية مطرف عن مالك في كتاب ابن سحنون، وقاله ابن وهب، وابن حبيب وقاله أشهب [مرة] (١)، وهو قول مالك في "ثمانية أبي زيد" وهو ظاهر قول مالك في كتاب الجهاد من "المدونة" في الصغار، على ما سنبينه آنفًا إن شاء الله تعالى.
والثاني: أن أولادها الصغار والكبار فيء، وهو قول أشهب، وعبد الملك، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة في كتاب النكاح الثالث.
و[القول] (٢) الثالث: التفصيل بين الصغار والكبار؛ فمن كان منهم صغيرًا: يكون حكمه حكم الأم؛ فيكون مسلمًا بإسلامها، ومن كان منهم كبيرًا قد بلغ وقاتل فإنه يكون فيئًا، وهو قول ابن القاسم في المدونة وكتاب ابن سحنون.
واختلف المتأخرون في هذين الشرطين؛ هل لابد من اعتبارهما مع البلوغ ووجود القتال وهو تأويل الشيخ أبي محمد بن أبي زيد، أو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٧٦ ]
[الاعتبار] (١) بالبلوغ خاصة -قاتل أو لم يقاتل- وهو تأويل ابن شبلون.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الصغار هل هم مسلمون بإسلام الأب [خاصة] (٢)، أو بإسلام من أسلم من الآباء [أولًا] (٣) -أبًا كان أو أُمِّا- ولا يكونوا مسلمين بإسلام واحد منهما أصلًا؟
والذي يتخرج في المسألة خمسة أقوال كلها قائمة من المدونة:
أحدها: أنهم مسلمون بإسلام الأب خاصة، وهو [نص] (٤) قول مالك في كتاب النكاح الثالث من المدونة؛ حيث قال: (الولد تبع للأب في الدين وأداء الجزية، وهو تبع للأم في الرق والحرية والحضانة) (٥)، ثم قال: (إسلام الأب إسلام لصغار بنيه).
والثاني: أنهم مسلمون بإسلام من أسلم منهم أولًا، وهي رواية ابن وهب عن مالك في غير المدونة، وهو ظاهر قول مالك في كتاب الجهاد من المدونة في الحرة المسلمة تسبى فتوطأ بدار الحرب ثم غنمها المسلمون ومعها أولاد صغار، حيث قال: لا يكونون فيئًا لأنهم مسلمون بإسلامها.
والثالث: أنهم لا يكونون مسلمين بإسلام واحد منهما أصلًا، وهو ظاهر قول مالك في كتاب النكاح الثالث أيضًا في الذي أسلم في دار الحرب ثم قدم إلينا، أو قدم إلينا بأمان ثم أسلم، ثم غزا المسلمون تلك الدار فغنموا أهله وولده وماله فقال: إنْ أبت الإِسلام فإنها هي وولده وماله فيكونون فيئًا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) المدونة (٣/ ٥٦).
[ ٣ / ٧٧ ]
قال غيره: ولده [الصغير] (١) تبعًا له.
وقوله: "فإن ولده يكونون فيئًا" دليل على أن الولد لا يكون مسلمًا بإسلام أبيه؛ لأنه لو كان مسلمًا بإسلام أبيه لكان مسلمًا حيث كان؛ لأن المسلم لو نكح بدار الحرب: كان ولده مسلمًا، وهو قول أبي الفرج أن الولد حيث كان فإنه [لا] (٢) يكون مسلمًا بإسلام أبيه، وهو ظاهر قول الغير في الكتاب المذكور أيضًا أنهم لا يكونون مسلمون بإسلام الأب أصلًا.
قال سحنون: وأكثر [الرواة] (٣) على أنهم مسلمون بإسلام أبيهم.
قال فضل بن سلمة: [هذا يدل] (٤) على أن من الرواة من يقول: ليس إسلام الأب إسلام [لهم] (٥) وإن كانوا صغارًا.
و[القول] (٦) الرابع: التفصيل بين الصغار والكبار، وهو ظاهر قوله في [الكتاب المذكور أيضًا] (٧) فيمن أسلم وله أولاد مراهقون من أبناء اثنتي عشرة سنة وشبه ذلك، قال: لا يجبرون على الإسلام، ولا يكونون مسلمين بإسلام أبيهم ويترك الأمر إلى بلوغهم.
و[القول] (٨) الخامس: التفصيل بين أن يزييهم بزي الإِسلام عند إسلامه وهم صغار، أو يتركهم.
فإن زياهم بزي الإِسلام عند إسلامه وهم صغار: فلهم حكم المسلمين
_________________
(١) في أ: الصغار.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: الروايات.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: للأبناء.
(٦) سقط من أ.
(٧) في ب: كتاب النكاح الثالث.
(٨) سقط من أ.
[ ٣ / ٧٨ ]
بإسلامه.
وإن تركهم مهملين حتى راهقوا الاحتلام: فلا يكونوا مسلمين بإسلام الأب، وهو قوله في الكتاب المذكور أيضًا فيمن أسلم وله أولاد صغار فأقرهم حتى بلغوا اثنتي عشرة سنة أو ثلاثة عشر فأبوا الإِسلام، وقال: لا يجبرون على الإسلام، وقال بعض الرواة: يجبرون وهم مسلمون، وهو أكثر مذاهب المدنيين. وقوله: (فأقرهم): دليل على أنه لابد من شيء يصنعه فيهم بعد إسلامه، وليس هناك أمر يصنعه فيهم إلا أن يزييهم بزي الإسلام وأن يؤدبهم بآداب الإيمان ويختنهم ويظهر عليهم دلائل تدل على أنهم مسلمون.
فهذه خمسة أقوال كلها ظاهرة.
وللذمية حكم المسلمة [في نفسها وولدها] (١) في جميع ما ذكرناه [وفي المسألة قول سادس بالتفريق بين الذمية والمسلمة. فأولاد المسلمة لا يكونوا فيئًا والكبار من أولاد الذمية كذلك وهو قول مطرف] (٢)، وأما الأمة: فإنها ترد إلى سيدها، واختلف في أولادها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الأولاد لسيدها -صغارًا كانوا أو كبارًا- وهو قول ابن القاسم في كتاب الجهاد من المدونة.
والثاني: أنهم فيء -صغارًا كانوا أو كبارًا- وهو قول عبد الملك بن الماجشون في كتاب ابن حبيب.
والثالث: التفصيل بين أن يكونوا من نكاح أو سفاح فإن كانت أمهم قد تزوجت ووطئت بنكاح: فإنهم [يكونون] (٣) للسيد.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: يكون والمثبت من ب.
[ ٣ / ٧٩ ]
وإن وطئت بسفاح: فإن الأولاد فيء للمسلمين، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: هل الحكم للدار أو للمالك؟ فمن رأى أن الحكم للدار قال: إنهم يكونون فيئًا. ومن رأى أن الحكم للمالك لا للدار قال: إنهم يردون إلى السيد ولا يكونون فيئًا. وعلى هذا ينبني الخلاف في الحربى يسلم ثم يخرج إلينا، أو قدم عندنا بأمان ثم أسلم، ثم غزا المسلمون تلك الدار فغنموا أهله وولده وماله هل يكونون فيئًا أم لا؟ وقد اختلف المذهب في ذلك على أربعة أقوال:
أحدها: أن جميع ذلك فيء، ولا فرق بين الأولاد وأمهم والمال، وهو قول مالك في كتاب الجهاد وكتاب النكاح من المدونة.
والثاني: أن ماله وولده الصغار لا يكونون فيئًا، وهو قول الغير [في المدونة] (١) في كتاب الجهاد.
والثالث: أن الزوجة والمال فيء دون الولد، وهو قول الغير أيضًا فى بعض روايات المدونة في كتاب الجهاد، وهو قول أبي الفرج في "الحاوي".
والرابع: التفصيل بين أن يضم أهل الشرك ماله إلى أملاكهم من أجل إسلامه وخروجه من عندهم، أو يتركوه على حالته.
فإن أخرجوه وضموه إلى أموالهم: فإنه يكون فيئًا. وإن تركوه على حالته ولم يتعرضوا له: فإنه لا يكون فيئًا، ويرد إلى ربه.
فإن [أُخذ] (٢) في المقاسم: كان أحق به بالثمن، وهو قول محمد بن حارث في كتاب "الاتفاق والاختلاف" وهذا قول بَيْنَ القولين.
ولا خلاف فيما حملت [به] (٣) من ولد بعد إسلامها أنه لا يكون فيئًا لأنه حر مسلم سُبِىَ فلا يدخل في المقاسم بوجه، والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: دخل.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٨٠ ]
المسألة الثامنة
في تحريق العدو بالنار في حصونهم ومراكبهم وفيهم أسارى المسلمين أو ذراري المشركين (١).
وإذا حضر المسلمون العدو في موضع من المواضع: فلا يخلو ذلك من أحد وجهين:
إما أن يحصروهم في حصن، أو مركب، فإن حصروهم في حصن من الحصون وأرادوا أن يرموهم بالمجانيق: فإن كان فيهم أساري من المسلمين فقولان: فقيل: يرمون.
وقيل: لا يرمون، وهو قول [ابن القاسم] (٢) في "الواضحة".
فإن لم يكن فيهم من المسلمين أحد، وفيهم النساء والذرية من المشركين: فإنهم يرمون بالمجانيق [اتفاقًا] (٣). وهل يغرقون أو يحرقون؟
فإن كان معهم من المسلمين أحد: فلا خلاف أنهم لا يغرقون ولا يحرقون.
وإن لم يكن معهم أحد من المسلمين وفيهم النساء والذرية: فقد اختلف المذهب في ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم يغرقون ويحرقون جملة إذا لم يقدروا على أخذهم، وهو قول ابن المواز.
والثاني: أنهم لا يغرقون ولا يحرقون وإن لم يكن [فيها] (٤) إلا
_________________
(١) النوادر (٣/ ٦٦ - ٦٩).
(٢) في ب: ابن حبيب.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: فيهم.
[ ٣ / ٨١ ]
الرجال المقاتلة خاصة، وهو قول سحنون في "العتبية" (١)، وروى عن ابن القاسم مثله.
والثالث: التفصيل بين الذرية والعيال والرجال المقاتلة؛ فإن انفرد الرجال المقاتلة عن النساء والذرية: جاز أن يحرقوا.
وإن كان معهم النساء والذرية: لم يحرقوا.
وهو قول ابن القاسم في المدونة.
وإن حصروهم في مركب على ظهر البحر فهل يجوز أن يحرقوا أو يغرقوا [أم لا] (٢)؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم لا يحرقون ولا يغرقون جملة إذا كان فيهم مسلمون والنساء والذرية.
والثاني: أنهم يغرقون ويحرقون جملة وإن كان معهم من المسلمين النفر اليسير أو النساء والصبيان بحيث إن لم يفعل بهم [ذلك] (٣) ظفروا بالمسلمين وظهروا عليهم، وهو قول اللخمي والتونسي [والثالث: التفصيل بين أن يكون فيهم مسلمون أو ذراريهم. فإن كان فيهم مسلمون فلا يحرقوا. وإن كان فيهم النساء والذرية فإنهم يحرقون ويغرقون] (٤).
وسبب الخلاف: تغليب أحد الضررين على الآخر. ولا إشكال أنه لا يجوز أن يقاتل العدو بالنبل المسموم و[لا] (٥) بالسلاح المسموم، وقال
_________________
(١) البيان والتحصيل (٣/ ٤٤).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٨٢ ]
مالك: [وإنما كان] (١) ذلك فيما مضى، وقال محمد: لأن ذلك مما يعاد إلينا.
وكذلك كره مالك أن يجعل [لهم السم] (٢) في قلال الخمر أيضًا [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: السموم.
(٣) زيادة من جـ.
[ ٣ / ٨٣ ]
المسألة التاسعة في النفل (١)
والنفل زيادة على السهم، أو هبة لمن ليس من أهل السهم يفعله الإمام لرأي يراه، أو يخص به [أيضًا من] (٢) يرضاه [لحراسة] (٣) أو [محاربة] (٤) [أو جرأة] (٥) أو حسن تحسيس أو زيادة غنى أو حسن بلاء أو ما يؤدي إليه اجتهاد الإِمام.
واختلف العلماء هل يخرج من رأس الغنيمة، أو لا يكون إلا من الخمس؟
فجمهور العلماء على أن النفل لا يكون إلا من الخمسه لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٦)، وجعل الأربعة الأخماس للغانمين، ولا يجوز أن يؤخذ لهم منها شيء بالاحتمال.
ومن طريق المعنى أنه لو كان النفل مستخرجًا من جملة الغنيمة ما أضر النبي - ﷺ - فيه البيان عند الحاجة إلى بيانه؛ لأن هذه الآية نزلت في شأن خيبر والنضير، فلم يكن يؤخر بيانه إلى يوم حنين، قال: "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه" (٧) بعد أن يرد القتال، فلو كان أمرًا متقدمًا لعلمه أبو قتادة الذي قتل قتيلًا يوم حنين، وهو من فرسان رسول الله - ﷺوأكابر أصحابه - ﷺ - فلم يطلب ذلك حتى أمر - ﷺ - من ينادي: من قتل
_________________
(١) المدونة (٣/ ٢٩ - ٣٠) والنوادر (٣/ ٢٢١).
(٢) في ب: إنسانًا.
(٣) سقط من ب: وفي أ: لحياصة.
(٤) في أ: محارسة.
(٥) سقط من أ.
(٦) سورة الأنفال الآية (٤١).
(٧) أخرجه البخاري (٣١٤٢) ومسلم (١٧٥١).
[ ٣ / ٨٤ ]
"قتيلًا فله سلبه".
ودليل أخر: أن النبي - ﷺ - أعطاه لأبي قتادة بشهادة رجل واحد بلا يمين، فلو كان يخرج من رأس الغنيمة ما كان يخرج من حق من غنم إلا بما تنتقل به الأملاك [والحقوق] (١) قبل البينات أو بشاهد ويمين.
وحديث ابن عمر -﵁- أيضًا دليل على أن النفل لا يكون إلا من الخمس؛ لأنه قال: بعث رسول الله - ﷺ - سرية إلى نجد فغنموا إبلًا كثيرةً وكانت سهمانهم اثنى عشر بعيرًا، أو أحد عشر بعيرًا ونفلوا [بعيرًا] (٢) بعيرًا (٣)، وهذا لا يكون في الذهب والورق -أعني النفل، وإنما يكون في العروض، وهذا مذهب أكثر العلماء، والحكمة في ذلك: أن النفل نعمة أنعم بها الإمام على الذي نفله؛ إما لحسن تدبير، أو لشدة بلائه على حسب ما قدمناه، فيحتاج إلى إظهار تلك النعمة على نفسه ليكون [ذلك] (٤) تحريضًا للاجتراء على العدو وحرصًا على النكاية عليهم بكل حيلة أمكنته ولذلك حصر النفل بما يظهر من الحيوان والعروض دون ما يخفى من العين وغيره.
واتفقوا على جوازه بعد القتال، وعلى منعه قبل القتال. فإن نزل فإنه يمضي إلا أن تمس الحاجة إليه فيجوز، وللضرورة تأثير في إباحة المحظور؛ لأن ذلك يؤدي إلى فساد النيات، [واختلال] (٥) الطويات، وسفك الدماء على الأمر الفاسد وهتك الأرواح على الغرض الجائر لأن المقصود في مشروعية الجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري (٣١٣٤) ومسلم (١٧٤٩).
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: واختلاف.
[ ٣ / ٨٥ ]
فيحتاج إلى تخليص النية وتمحيص الطوية، وعلى ذلك يكون الأجر والثواب [من] (١) عند رب الأرباب، [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من جـ.
[ ٣ / ٨٦ ]
المسألة العاشرة في الأمان (١)
ولا يخلو أمان المسلمين لأهل الحرب من وجهين:
أحدهما: أن يكون من الإمام.
والثاني: أن يكون من غيره.
فإن كان الأمان من الإمام: فلا خلاف في لزومه له ولسائر رعيته وأهل جيشه، ولا خروج لهم عن ذلك، وسواء أمنهم على مال أو على غير مال.
فإن كان الأمان من غيره: فلا يخلو من أن يكون من أهل الذمة، أو من أهل الإسلام.
فإن كان من أهل الذمة: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يعلم أنه نصراني [ويعلم أنه لا أمان له أو يعلم أنه نصراني] (٢)، وقال: ظننت أنه ممن يقبل أمانه، أو يقول: ظننت أنه مسلم.
فأما الوجه الأول: إذا علم أنه نصراني، و[يعلم] (٣) أنه ممن لا أمان له: فقد روى ابن القاسم [عن مالك] (٤) أن أمانه ليس بشيء، ولا أعلم في المذهب فيه نص خلاف.
وأما الوجه الثاني: إذا علم أنه نصراني، وقال: ظننت أنه ممن يقبل أمانه [لمكان ذمته] (٥)، هل يكون فيئًا أو يرد إلى مأمنه؛ قولان:
_________________
(١) النوادر (٣/ ١١١).
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: علم.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٨٧ ]
أحدهما: أنه يكون فيئًا، ولا أمان له، وهو قول ابن المواز.
والثاني: أنه لا يكون فيئًا ويرد إلى مأمنه؛ لأن ذلك أمر مشكوك فيه، والدماء لا تستباح بالشك، وهو اختيار أبي إسحاق التونسي، وهو مذهب الأوزاعي.
وأما الوجه الثالث: إذا قال: ظننت أنه مسلم، هل يقبل منه ويصح له الأمان أو لا أمان له؛ فالمذهب على قولين.
أحدهما: أنه فيء لا أمان له.
والثاني: أنه يرد إلى مأمنه ولا يكون فيئًا.
والقولان لابن القاسم في كتاب محمد.
والأصح في ذلك كله: أن يرد إلى مأمنه؛ لأن ذلك [شك] (١) يوجب التوقف عنه.
فإن كان الأمان من أهل الإِسلام: فلا يخلو من أن يكون [من] أهلية القتال أم لا.
فإن كان من [أهلية] (٢) القتال كالأحرار البالغين من الرجال؛ مثل أن يؤمن رجال من المسلمين رجلًا من أهل الحرب بغير إذن الإِمام: فلا خلاف في المذهب أن عقده على الإمام وعلى سائر المسلمين يفيد الأمان للحربى في تلك الحالة.
واختلف هل ذلك أمر لازم [للإمام و] (٣) لا خروج له عنه، أو ذلك متوقف على نظر الإمام، على قولين منصوصين في المدونة:
_________________
(١) في جـ: شيء.
(٢) في ب: أهل.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٨٨ ]
أحدهما: أن أمانه ماض على الإمام، وليس له نقضه ولا خروج له عنه، وهو قول ابن القاسم، في المدونة [وهي رواية] (١) معنٍ عن مالك ونحوه لمحمد بن المواز.
والثاني: أن ذلك موقوف على نظر الإمام؛ إن رأى إجازته وإمضاءه: أمضاه، وإن رأى أن يرده: رده، وهو قول [المغيرة] (٢) في المدونة، على المشهور في التأويل أن قوله خلاف لقول ابن القاسم، وهو قول ابن حبيب في "واضحته"، وهو قول سحنون في كتابه.
فإن كان ممن ليس بأهلية القتال؛ كالنساء والعبيد والأطفال: فقد اختلف [فيه] (٣) المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن أمانهم جائز، ولا خروج للإمام عنه، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه موقوف على نظر الإمام واجتهاده، وهو قول الغير في المدونة، فإن رأى إمضاءه أمضاه، وإن رأى أن يرده إلى مأمنه رده.
والثالث: أن أمانهم باطل ولا يكتسب به المستأمن حرمة، وهو قول سحنون في الصبي الذي لا يطيق القتال، والعبد والمرأة بمنزلة الصبي، ولا فرق سواء؛ لأن العبد والمرأة أموال وحشوة وقوة على الجهاد كما قدمناه أول الكتاب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم من قوله - ﷺ -: "يجير على المسلمين أدناهم ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم" (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: الغير.
(٣) في ب: في أمانه.
(٤) تقدم.
[ ٣ / ٨٩ ]
قال ابن حبيب: وأدناهم: الذمى من حر أو عبد أو امرأة أو صبي يعقل الأمان.
وقوله: ويرد عليهم أقصاهم: أي ما غنموا في أطرافهم يجعل خمسه في بيت المال، بل ذلك أمر يكون بيد الأدنى ويلزم الإمام أمانه، ولا خروج له عنه، وهذا هو الظاهر [من قوله] (١) ﵇. " [أو] (٢) ذلك" أمر متوقف تمامه على إجازة الإِمام وإمضائه؛ إن رأى نفوذه أمضاه، وإن رأى رده إلى مأمنه ولا أمان له إن [وُجد] (٣) بعد ذلك، وهو الظاهر من قوله ﵇ [في قصة أم هانئ حيث قال] (٤): "قد أجرنا [من] (٥) أجرت يا أم هانئ"؛ إذ لو كان أمانها لازمًا نافذًا لا خروج لأحد عنه لما قال رسول الله - ﷺ -: "قد أجرنا [من] (٦) أجرت يا أم هانئ" (٧)، فكان المفهوم من قوله [- ﷺ -] (٨): "قد أجرنا [من] (٩) أجرت" أن جوارها لا يتم ولا [يمتد] (١٠) إلا بجوار النبي - ﷺ - وبهذا قال عبد الملك وسحنون وابن حبيب [تم الكتاب والحمد لله وحده] (١١).
_________________
(١) في أ: لقوله.
(٢) في أ: لك.
(٣) في ب: أُخذ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: ما.
(٦) في أ: ما.
(٧) تقدم.
(٨) سقط من أ.
(٩) في أ: ما.
(١٠) في ب: ينعقد.
(١١) زيادة من جـ.
[ ٣ / ٩٠ ]