تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها أربع مسائل:
المسألة الأولى في الحبس المُبهم والمُفَسَّر
والحبس له ثلاثة ألفاظ: حبس، وصدقة، ووقْف.
وأحكامها: تتَّفِق تارةً، وتختلف تارة.
ولفظ الحبس لا يخلو: [من وجهين] (١): إمّا أن يكون مُبهمًا، وإمّا أن يكون مُفَسَّرًا.
فإن كان مُبهمًا كقولهُ: داري حَبْس، فلا خلاف في المذهب أنها وقفٌ مؤبدٌ، لا تَرْجِعُ ملكًا، وتُصْرَف للفقراء والمساكين، إلا أن يكون بموضعه عُرْفٌ لمصارفِ الأحباس، ومقاصد المُحْبسين، فيُحمل عليه، كقول مالك في "الكتاب": إلا أن يكون بالإسكندرية رحل ما يحبس الناس بها في السبيل، فيجتهدُ في ذلك الوالي.
وأمّا المُفسَّر: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون مُقيدًا بأمرٍ مخصوص.
والثاني: أن يكون مُفسرًا غير مُقيدٍ بأمرٍ ما.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كان الحبسُ مُقيدًا بصفةٍ، أو أَجَلٍ، أو شرطٍ، فالحكمُ يختلف باختلاف التقييد، والألفاظ التي بها حُبِس.
فإن قال: حبسٌ، أو قال: وقفٌ، أو قال: صدقةٌ، بشهرٍ أو سنة
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٢٩ ]
أو حياتي، على معينِ أو مجهول، فلا خلاف أنّ ذلك هبة منفعة، وعمر إلى أجل، ويرجع عند تمامها إلى ربها أو إلى ورثته إن مات.
فأمّا إن قال في المُعين: حياتهُ أو ما عاش، فتختلفُ الأحكام في هذه الألفاظ الثلاثة:
وأما لفظُ الصدقة، فلا يُختلف أنها كالعمرى.
واختُلف في الحبس، على قولين مُتأولين على "المدونة":
أحدهما: أنه حبسٌ، ولا يرجعُ ملكًا، سواءٌ قيّدهُ بحياته أو ما عاش، وهو تأويل سحنون على "المدونة".
والثاني: أنّه إن أطلقهُ فهو حبس، وإن قيّدهُ بحياته [فهو] (١) عُمرى، وهذا القول مُتأوّل على الكتاب أيضًا، وهو قولُ محمَّد، ومُطرف، وكذلك أيضًا لو قال: على فلانٍ بعينهِ.
وأما في المجهول المحصور كقوله: على ولد فُلان، إذا قيّدهُ بحياتهم أو ما عاشوا، فعلى قولين أيضًا:
أحدهما: أنه حبسٌ مُؤبدٌ كما لو لم يُقيدهُ، وهو مذهب "المدونّة".
والثاني: أنه كالعُمري، ولو لم يُقيّدهُ، فإذا قيدّهُ فهو أولى، وأحقُّ أن يكون عُمرى، وهو ظاهر "المُدونة" أيضًا.
وأمَّا إن قيّدهُ بالصفة: كقوله: حبس صدقة، أو صدقةُ حَبسٍ، أو قال: لا يُباع ولا يُوهب.
فإن كان على مجهولين: فلا خلاف أنه حبسٌ مُؤبد.
وإن كان علي مُعينين: فقولان قائمان من "المدونة":
_________________
(١) في أ: فهي.
[ ٩ / ٣٣٠ ]
أحدهما: أنهُ حبسٌ مُؤبدٌ لا يُباع أبدًا، وهو نصُّ "المُدوّنة"، فقال فيها ابن القاسم: ولم يُختلف قولهِ في هذا قط يعني: مالكًا [﵁] (١).
والثاني: أنه يَرجعُ بعد انقراض المُحبَس عليهم إلى المُحْبِس مِلكًا إن كان حيًا، أو إلى ورثته إن كان ميتًا، كالعُمرى، وهي رواية ابن عبد الحكم عن مالك في "العُتبية"، وهو قائمٌ من "المُدونة" أيضًا مِن قول ابن القاسم حيث قال: "وهو الذي يقولهُ أكثرُ الرواة، وعليه يُعتمدون، يشعر بأنّ هناك قولًا لم يعتمد عليه، وهذا ظاهرٌ جدًا.
والجواب عن الوجه الثاني: وهو الحبسُ المفسّر غير المُقيدِ بصفةٍ زائدةٍ على تفسيره، فلا يخلو من ستة أوجهُ:
أحدها: أنْ يجعلهُ لشخصٍ مُعينٍ محصور.
والثاني: أن يجعلهُ لوجهٍ معينٍ محصور.
والثالث: أن يجعلَهُ لوجهٍ مُعينٍ غير محصور.
والرابع: أن يجعله لغير معين محصور.
والخامس: أن يجعله غير مُعين غير محصور.
والسادس: أن يجعلهُ على معدوم بعد موجود غير محصور.
فأمّا الوجه الأول من الوجه الثاني: إذا جعلهُ لشخص معين محصور كقوله: حبسٌ على فلان أو على أولاد فلان، وسمّاهم بأسمائهم، هل يكون حبسًا مؤبدًا أو يرجع ملكًا؟
فعن مالك في ذلك روايتان:
إحداهما: أنه يكون حبسًا مؤبدًا لا يعود ميراثًا أبدًا.
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ٩ / ٣٣١ ]
فإن مات فلان رجعت إلى أقرب الناس بالمحبس حبسًا، ولا ترجع إليه، وإن كان حيًا، فإن لم يكن له قرابة رجعت إلى الفقراء والمساكين.
والثانية: أنها ترجع بعد موت المُحبس عليه مِلكًا للمُحبِس إنْ كان حيًا أو لورثتهِ إن كان ميتًا كالعُمرى، والقولان قائمان من كتاب "الحبس"، وكتاب "الوصايا".
وسبب الخلاف: هل النظر إلى لفظ المُحبس أم النظر إلى مقصوده؟ فمن نظر إلى لفظهِ قال: يعودُ مِلكًا؛ لأنَّهُ سمَّاهُ وعيّنَهُ.
ومَنْ نظر إلى مقصوده، قال: لا يعودُ مِلكًا، ويرى أن فائدة تعيين المُحبَس عليه الحوز، والتبدئة على غيره لا أكثر.
وأمّا الوجه الثانى: إذا جعلَهُ لوجهٍ معين محصور، كقوله: دَاري حبسٌ في وجهِ كذا، فعن مالك فيه روايتان: حكاهما "ابن الجلاب":
أحدهما: أنه يبقى حبسًا مؤبدًا، فإن انقرض [عن] (١) الوجه الذي جعلهُ فيه [رجع حبسًا على أقرب الناس بالمحبس.
والثانية: أنه يعود ملكًا بعد انقراض الوجه الذي جعله فيه] (٢)، فيكون له إن عاش، أو لورثتهِ إن مات، كالوجهِ الأول على سواء، والمبنى واحد.
وأمّا الوجه الثالث: إذا جعلهُ لوجهٍ مُعين محصور كقوله: حبس في السبيل أو في قيد مسجد كذا [أو في إصلاح قنطرة كذا] (٣)، فحُكمهُ حكم الحبس المُبهم الذي قدَّمنَا ذِكْرهُ: يُوقَف على التأبيد والتخليد.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ب.
[ ٩ / ٣٣٢ ]
فإن تعذّر ذلك الوجه لخلاء البلد، أو لفساد موضع القنطرة، حتى يُعلم أنهُ لا يُمكن أن تُبنى، ولا يُرجى لتلك البلدة عِمارة، فإنهُ يُوقَّف إلى أن ييأس مِن عودة عمارتها، فيصرف إلى مثله.
وأمَّا الوجه الرابع: إذا جعلهُ في وجهٍ محصور غيرُ معين، كقوله: على بني زيد، أو على بني عمر، أو على فلان وولده، أو على عقبه، أو على مَن يطلُبُ العلمَ بمدينة كذا، هل يعودُ ميراثًا أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنهُ حبسٌ مؤبدٌ لا يعودُ مِلكًا أبدًا، ويَرجِع بعد انقراض الوجه الذي جعلهُ فيه إلى أقرب الناس بالمَحبِس يوم المرجع حبسًا عليه، وهو قولهُ في "المدونة".
والثاني: أنه يعود مِلكًا بعد انقراض الوجه الذي جعلهُ فيه، وهذا القول نقلَهُ اللخمي عن ابن الجلاب (١).
وسبب الخلاف: هل النظر إلى اللفظ أم إلى المقصد؟
وأمّا الوجه الخامس: إذا جعلَهُ لغير مُعين غير محصور، كقوله: على بني تميم، أو على المساكين، أو في إصلاح المساجد، أو لطُلَّاب العِلم، فلا خلاف أنَّهُ حبسٌ مُؤبدٌ كالمُبهم.
وأمّا الوجهُ السادس: إذا جعلهُ حبسًا على معدومٍ بعد موجودٍ غير محصور، كقوله: على أولادي، وبعد انقراضهم يكونُ للمساكين، فماتَ ولم يترك ولدًا، أو آيس له من ولد، ففي ذلك قولان:
أحدهما: أنهُ يرجعُ ملكًا، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الوصايا" التالي من "المُدونة" حيث قال: "إذا أوصى لولد فُلان، ولا ولدَ له يومئذٍ، والمُوصِي عالم، فإن مات فُلان قبل أن يُولدَ لهُ، فالوصية باطلة
_________________
(١) التفريع (٢/ ٣٠٩ - ٣١١).
[ ٩ / ٣٣٣ ]
مردودة".
والثاني: أنها نافذة للمساكين، وهذا قول عبد الملك.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى مقصود المُوصِي، فتنفُذ الوصية للمساكين أم النظر إلى لفظهِ، فترجعُ ميراثًا؟
وأمّا لفظُ الوقف: [فقد اختلف فيه متأخرو الأصحاب على قولين:
أحدهما: أن لفظ الوقف يفيد التأبيد كان لمعين أو مجهول، أو محصور، وهذا القول حكاه البغداديون.
والثاني: مساواة لفظ الوقف] (١) ولفظُ الحبس: ويدخل الخلاف في لفظ "الوقف" في [الوجه] (٢) الذي دخل ما في لفظ الحبس، وهذا القول حكاهُ المغارِبة من المالكية.
وأما لفظ الصدقة: فلا يخلو من أن يجعلها لشخص معينٍ، أو لمجهولين غير محصورين، أو يجعلها في مجهولين محصورين، مما يُتوقع انقطاعهم:
[فإن] (٣) جعلها لشخصٍ معينٍ كقولهِ [صدقةٌ] (٤) لِزيد.
أو على مجهولين غير محصورين ممّا لا يُتوقع انقطاعهم، كقولهِ: للمساكين، فإنّ ذلك يكون ملكًا لهم، ويُقسّم عليهم إن كان مما ينقسم أو قيمتُهُ بعد البيع إن كان مما لا ينقسم بين [من حضر] (٥) من المجهولين.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: الواجب.
(٣) في أ: قال.
(٤) سقط من ب.
(٥) في أ: حضور.
[ ٩ / ٣٣٤ ]
وكان الحاضر [وقت] (١) القِسمة في حُكم المُعين؛ إذ لا يلزم انتظار جمع جميع المساكين وعمومهم، وذلك غيرُ مقدورٍ عليه، ويُحمل على أنهُ مقصد المُتصدّق.
وأمّا أن يتصدق بها على مجهولين محصورين مما يُتوقّع انقطاعهم، كقوله: على ولدِ فلان، أو على فلان وولده، فاختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها حبسٌ مُؤبد، لا يُباع، ويرجع بعد انقراضهم إلى أقرب بالمحبس [حبسًا] (٢) وهو قول مالك في المدونّة، ونصُّ رجاله فيها، وسواءٌ [قال] (٣): ما عاشوا أم لا.
والثاني: أنهُ يرجع إلى المُحبس عليهم مِلكًا، وهي رواية أشهب عن مالك.
والثالث: أن حكمه حكم العُمرى، ويرجع بعد انقراضهم إلى أولى الناس بالمُتصدق ميراثًا أو إليه إن كان حيًا [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) في أ: فكيف.
(٢) في أ: جنسًا.
(٣) في أ: قالوا.
(٤) زيادة من ب.
[ ٩ / ٣٣٥ ]
المسألة الثانية في الشيء المُحبَس إذا خيف عليه الدمار، هل يجوز [بيعه و] (١) استبداله أم لا؟
ولا يخلو الشيء المُحبس من وجهين:
أحدهما: أن يكون رياعًا.
والثاني: أن يكون عُروضًا أو حيوانًا.
فإن كان رياعًا، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون الحاجة [دعت إلى بيعه] (٢).
والثاني: ألا تدعو [إلى بيعه] (٣) الضرورة.
فأمّا إذا دعت الحاجة إلى بيعه، وألحت إلى بيعهِ، وألّحت عليه الضرورة إلى استبداله، مثل: أن يكون الريع المُحبس بجوار مسجدٍ ضاق بأهلهِ، فاحتاج أن يُضاف إليه ليُوسَّع بها، فجائزٌ أن يباع ويُشترى بثمنه ريعًا مثلهُ يكونُ حبسًا، وهو قول سحنون في "النوادر"، وحكاهُ أصحاب المذهب قال: "وقد أُدخل في مسجد النبي - ﷺ - دورًا [حبسها] (٤) كانت تليه،" وحكى ابن حبيب مثل ذلك عن مالك أنه: جائزٌ للمسجد، ولطُرقِ المسلمين، يتوسَّعُون بذلك فيها، وهو نفعٌ عام للمسلمين، وقال مطَرف، وابن الماجشون، وأصبغ، وابن عبد الحكم: أنّ ذلك في مِثل
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: إليه.
(٤) في أ: حبسًا.
[ ٩ / ٣٣٦ ]
جوامع الأمصار، فأمّا مساجد القبائل فلا، والذي قالوهُ هو المذهب.
وقال إبراهيم بن المُنذر: أول مَن زاد في مسجد النبي - ﷺ - في قِبلتِهِ، ومِن ناحية دار مروان عمر بن الخطاب - ﵁ -، وزاد في المسجد الحرام، وأدخل في ذلك دورًا مُحبسة وغير مُحبسة، ودفع أثمانها إلى أهلها، ثم زاد عثمان - ﵁ - فيهما بعدهُ، وفَعَلَ كما فَعَلَ عمر - ﵁ -، فَأَبَوْا مِن أخذ الأثمان وصاحوا، فأوْقَعَهَا عُثمان لهم، وأمر بحبسهم، واحتجَّ بفعلِ عمر.
وأمّا بيعها لغير حاجة، ولا دعتْ الضرورة إلى ذلك، فالبيع في ذلك ممنوع قولًا واحدًا في المذهب، سواءٌ خرب أو كان قائمًا في موضع العُمران، أو تحوّلت عنه العمارة.
وإن خرب وصار عَرْصَة، قال ابن القاسم: قال مالك: ولقد كان [البيع] (١) أمثل.
وروى ابن وهب في "موطئه": أن ربيعة رخّص في بيع ريع حبس دُثِر وتعطّل، ويُعاوضُ بِثمنهِ في ريعٍ نَحوه في عمارةٍ تكون حبسًا، وذكرهُ سحنون في "آثار المُدوّنة" في "كتاب الحبس".
وأمّا الوجهُ الثاني: إذا كان الشيءُ المحبوس حيوانًا وعُروضًا، فضعفت الدواب والعبيد، حتى بطُل ما يُراد منها، من النفع في استعمالها في الجهاد، والوجه الذي حُبس له، وبُلِيت الثياب حتى صارت خلقًا، فهل يجوز بيعها أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المُدونة" في "كتاب الحبس":
أحدهما: أنّ بيعها جائز، وهو قولُ ابن القاسم.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٣٧ ]
والثاني: أن بيعها لا يجوز، وهو قول غيره.
فعلى القول بجواز البيع: فإنَّهُ يُباع، ويُشترى بثمنه مِثلُهُ إنْ كان فرسًا اشترى بثمنه فرس، وإن كان ثوب اشترى بثمنه ثوب، فإن لم يبلُغ ثمنهُ [قيمةُ مِثله] (١)، هل يَعانُ به في ثمنِ غيره أم لا؟
فأمّا الخيلُ: إذا عجز ثمنُهُ عن قيمة الفرس، فإنّهُ يُعانُ به في ثمن الفرس.
وأمّا الثياب: فإنّهُ يتخرج فيها في الكتاب قولان:
أحدهما: أنّ الثيابُ والخيل على سواء، وأنَّ ما وقعَ في الكتاب، إنما هو بحسب السؤال، ولو سُئل عن الثياب لقال فيها بمثلِ قولهِ في الخيل، وهو تأويل بعضهم.
والثاني: أن ثمن الثياب إذا عجز عن قيمة الثوب، تَصدَّقَ به في السبيل، ولا يُعان به في ثمنِ ثوب، بخلاف الخيل، وهو تأويل بعضهم أيضًا، وهو أسعد بظاهر "الكتاب".
والفرقُ بينهما على هذا التأويل: أنّ الخيلَ المقصودُ منها المنفعة [بها] (٢) في الغزو، فينبغي أن تُجعل أثمانها في مِثلها مهما قَدَرْ، ليُحيى قصد المُحبس.
وأمّا الثياب، فالمقصود بها الانتفاعُ بأعيانها [للغزاة] (٣) فإذا بليت، وعُدِمَ الانتفاع بنفسها، أعطيت لهم أثمان ما بيع من خلقها، فينتفعون بها عوضًا عنها، وهذا الفرق لا بأس به.
_________________
(١) في ب: قيمته.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: للعراة.
[ ٩ / ٣٣٨ ]
والفرق بين الرِّياع وغيرها من الحيوان والعُروض في: جواز بيع ما ضعفُ منها أن العروض والحيوان، لو لم يجز بيعها، لأدَّى ذلك إلى هلاكها، وانقراض أعيانها بالكُلية، وانقطاع مُراد المحبسِ منها، ما يحصُل له من الثواب؛ لأن الثواب إنما يُكتب لهُ مع دوام الانتفاع بها، فإذا عدم عينها، وانقطع الانتفاعُ المرادُ منها، فلا ثواب له، فبيعُهُ والشراءُ بثمنِهِ ما يُنتفع به في جنسهِ، والإعانة به في مثلهِ، يُحيي مراد المحبس.
وأمّا الريع فإنّهُ وإن خرب واندرس، وصار قاعة، فلابد أن يقيِّض الله له مَنْ له رغبة في اكتساب الأجر، واقتراف الثواب في غالب الأحوال، فيبنيه ويحبسه حتى يُمكن الانتفاع به، ويعودُ إلى الحالةِ الأولى، ويكون أجرُهُ مُستدامًا لمُحبِسه ما دام الانتفاعُ به قائمًا، والحيوان والعروض بخلاف ذلك، مع ما في ذلك من السُنّة في إحباس السلف، وبقاؤها خراب دليلٌ على أنّ بيعها غير مستقيم [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ٩ / ٣٣٩ ]
المسألة الثالثة في تفسير مسألة ولد الأعيان الواقعة في الكتاب
واعلم أنها من المسائل التي يتَّسِع فيها المقال، ويتفرعُ فيها السؤال، ويدق فيها الفهم، ويتَّسع الوهم.
وقد قال سحنون: إنها من [حِسانِ] (١) المسائل وقيل مَنْ يعرفُها، قال: وهي في أكثر الكُتب خطأ.
وإنما قال ذلك [الدقة] (٢) معانيها، وغامض ما في تعريفها مِن خَفِيّ الفقه، ومِنْ حقّها وما بيَّن من ذلك ما حضرني، وبَلَغَتْهُ مَعْرِفتي، وبالله أستعينُ فيما أُحاولهُ مِنْ الشرح المُبين.
فيمن حبس دينارًا في مَرَضه، على ولده وولدِ ولده، ولهُ أمٌ وزوجة، والثُلث يحملها، وترك من [البنين] (٣) ثلاثة، ومِن ولدِ الولد ثلاثة:
فاعلم أنه لمّا حبسَ على ولده وولد وَلَده وأعْقَابَهُم، وكان الثلثُ يحمل ذلك، فكان في ذلك حبسٌ علىَ غير وارَثٍ، وهم ولد الولد، والعقِب وعلى الولد، وهم ورثة فنحن لا نقدر أن نبطل ما كان للولد من ذلك، وإن شاء ذلك بقية الوَرَثة؛ لأن [فيه] (٤) شرط لغيرِ وارثٍ من ولد الولد وما يتناسل من الأعقاب، فلم يكن لنا بُدٌ مِن إيقاف ذلك على معاني الإحباس، إلا أن ما صار من ذلك بيد ولد الأعيان قام فيه وَرَثةُ الميت من أُمٍ وزوجةٍ وغيرهم؛ إذ لا حُجة لورثةِ الميت على ولد الولد؛ إذْ ليسوا
_________________
(١) في ب: أحسن.
(٢) في أ: لرفعة.
(٣) في ب: الولد.
(٤) في أ: فيها.
[ ٩ / ٣٤٠ ]
بوَرَثة، ولا لهم إبطال ما صار لهم من الحبس، ليكون موروثًا بمِلك يتمول ويُباع، لما فيه من حقّ الأعقاب، وهو خارج من الثُلث.
وإنّما لهم الحُجّة على ولد الأعيان، في الدخول معهم، في الانتفاع بما في أيديهم؛ إذ ليس لوارثٍ أنْ ينتفع دونَ وارثٍ معهُ، وإذا لم يملكوا [الرقاب] (١)، ويملكون المنافع شاركوهم بالميراث في تلك المنافع حتى يزول ذلك عنهم إلى غير وارثٍ، فتنقطع حُجّة الورثة من الانتفاع.
ويَصيرُ حَبسًا [صِرفًا] (٢) لولد الولد إن عاشوا أو [للعقب] (٣) إنْ ماتوا، والكلام في هذه المسألة في فصلين:
أحدهما: في بيان فقهها، وغاية أقسامهِ.
والثاني: في بيان حسابها، ونهاية أبوابه.
فالجواب عن الفصل الأول: في بيان [فقهها] (٤)، وغاية أقسامهِ:
اعلم أن الزوجة أمٌ لجميع الولد [وعلى أن كل واحد من أعيان الولد] (٥) ولدًا واحدًا، وهم الثلاثة المذكورون، وعلى أن ولدِ الأعيان ذكور، ولو كان بعضهم إناثًا لم يدخل أبناء الإناث في الحبس، كما قال الشاعر:
بَنُونا بَنُو أَبنائِنا وبناتنا بنوهُنّ أبناء الرجال الأباعدِ
فتجرى المسألة على هذا النسق [صردًا] (٦) لسؤال الكتاب، وإيضاحًا لما احتوت عليه بواطن الأبواب، ويكونُ ذلك أسرع لفهم ذوي الألباب من
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) في ب: للعصبة.
(٤) في ب: فقهه.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: طردًا.
[ ٩ / ٣٤١ ]
الطُلَّاب، إن شاءَ الله رَبُّ العالمين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فإذا ثبت ذلك، فلا يخلو من أربعة أوجهُ:
أحدها: أن يموت واحدٌ مِن ولد الأعيان.
والثاني: أن يموت واحدٌ من ولد الولد.
والثالث: أن يحدث ولد لبعض ولد الأعيان، أو لبعضِ ولد الولد.
والرابع: أن يموت بعضُ الورثة مِمن يأخُذ بالميراث خاصةً.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا مات واحدٌ من ولد الأعيان عن سهمه من أصل المسألة، هل تنتقض القسمة في جميع المُحبس أو لا؟
فلا يخلو الحبس من وجهين:
أحدهما: أن يكون مما تُقَسَّم غلتهُ على مَن وُجد [حيًا] (١) يومئذٍ.
والثاني: أن يكون مما لا تُقسّمُ غلتهُ، كالدُور [تسكن] (٢) والأرضين تزرع، فإنْ كان مما تُقسّمُ غلتهُ: فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّ القِسمة لا تنتقض في جميع الحبس، وإنّما يُؤخذ سهمهُ من أصل الحبس، وذلك [سدس] (٣) جميعهِ؛ لأنَّا نأخُذ ما بِيدهِ مِنْ والدهِ، ونُعيد إليه من قبل الأم والزوجة ما أخذنا منه، وهو سُدس سهمهِ وثُمُنه، فيعود سُدسًا كاملًا، ويُقال لهما: قد كُنتما تحتجّان عليه، بأنهُ يستأثر بذلك دُونَكُما، وأنتما وارِثَان معهُ، فلما مات لمْ يَبْقَ لكمَا حُجَّةَ في بقاء ما أخذتُما منهُ بأيديكما لقيامِ ولدِ الولد فيهِ بمعنى الحبس، ولا حُجَّة لكما على ولد الولد؛ إذْ هُم غيرُ ورثة، فيُقسم ذلك السُدُس الذي كان
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: سدٌ من.
[ ٩ / ٣٤٢ ]
حظُّ الميت، مِن ولد الأعيان مِن أصل الحبس، على خمسةِ أسهُم، فالثلاثةُ أسهم لولدِ الولد مُضافة إلى ما بأيديهم مِن جدِّهم، وسهمَان لولدي الأعيان تقوم فيهما أُم الميت وزوجتُهُ، فيأخُذان الثُمُن والسُدُس منهما، ثمّ يُقَسَّم ما بقى من هذين السَهمين على ثلاثةِ أسهُم، فلِكُل واحدٍ من الحيين من ولد الأعيان منهم سهم، وسهمٌ لورثة الهالك من ولد الأعيان؛ لأنه يحيا بالذكر بين ولده وبقية من يَرِثُهُ إن كان، فيصير بيد ولده هذا نصيب بمعنى من الحبس من جدِّه في القسم الأول، والثاني نصيب بمعنى الميراث عن أبيه هذا الميت الثاني، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم فَي "العُتبية"، و"الموازية"، وهو ظاهر قوله في "المُدونَّة".
والثاني: أن القسمة تنتقض في جميع الحَبس، ويردُّ كلَّ واحدٍ من ولد [الولد وولد] (١) الأعيان، والأُم، والزوجة، جميعَ ما في أيديهم، فيُقسم أصل الحبس على خمسةِ أسهم: فثلاثة منها لولد الولد، وسهمان لولدي الأعيان الباقين، تأخُذ زوجة أبيهما ثمنهما، وأُمَّهُ سُدُسها، والباقي يُقسَّم على ثلاثة أسهم: فسهمان للحيين، وسهمٌ لورثةِ الميت من ولد الأعيان، وهي رواية يحيى بن يحيى عن ابن القاسم، وبه أخذ ابن الموّاز.
والثالث: أن القسْم [لا] (٢) ينتقض في جميع الحبس، وإنما تنتقض فيما بين ولدي الأعيان، وزوجة الميت الأول، [وأمُّهُ] (٣)، فإذا قُسِّم السُدُس الذي هو للميت من ولد الأعيان على خمسة أسهم، كما قال في القول الأول، فيَصير لولدِ الولد ثلاثة أسهم، ولولدي الأعيان سهمان،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: كل.
(٣) في ب: وبنيه.
[ ٩ / ٣٤٣ ]
فإنّهُ يأخذ ما بيدِ كلِ واحدٍ من ولدي الأعيان، والأُم والزوجة من القسم الأول، فيُضاف بعضهُ إلي بعض، ثم أخرج ثمنهُ للزوجة، وسدسه للأم، ثمّ أحيى الميت الثاني بالذكر، ويُقسَّم الباقي على ثلاثة أسهم: لولدي الأعيان، وسهمٌ لوَرَثَة الميت الثاني، وهذا تأويل أبي إسحاق التونسي على المسألة.
والرابع: أن القسم لا ينتقض إلا فيما بين ولدي الأعيان خاصةً، بحقِّ وَرَثةِ الميت منهم [فإذا أخذ سهمين من سدس الميت منهم] (١)، وتأخذ الأُمُّ والزوجة السُدُس والثُمُن منهما، فإن الباقي يُضَمُّ إلى ما بأيديهما قديمًا من القِسم الأول، فيُقسَّم على ثلاثة أسهم:
سهمان لهذين الحيين، وسهمٌ للميت، يدخُلُ فيه جميع من يرثُهُ، وهذا القول حكاهُ ابن عبدوس عن سحنون.
وفائدة الخلاف وثمرته: اعتبار مساواة وَرَثة الهالك من ولد [الأعيان] (٢) للحييِّن منهم فيما يصحُّ لكلِ واحدٍ منهم، هلَ [يُعتبر] (٣) أم لا؟
فَمَنْ اعتبرهُ قال: بانتقاض القِسمة، إمّا من أصلها كما قال سحنون، وابن القاسم في رواية يحيى، وإمّا بانتقاضها فيما بين ولدي الأعيان والزوجة، والأُم أو فيما بين ولدي الأعيان أنفسهما.
وَمنْ لم يعتبر ذلك قال: لا تنتقض القسمة بوجهٍ، كما هو ظاهر "المُدونة"، ورواية عيسى في "العُتبية"؛ لأنَها [إذا] (٤) انتقضت تساوى ورثة الهالك مع ولدي الأعيان فيما يصحَّ لكلِ واحدٍ منهم.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) في ب: يتعين.
(٤) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٤٤ ]
فإن لم تنتقض كان الحيّان مِن ولد الأعيان، يأخُذان أكثر مما يأخذ ورثة الميت منهم، وفي "فصل الحساب" يتبيّن ذلك، ويتضّح إن شاء الله تعالى.
وأمّا ما يُقسّم أَصلُهُ دون غلّتِهِ: كالدور تُسكن، والأرض تُزرع، فلابد من نقض القسْم فيه، وهو قول سحنون في "كتاب ابن عبدوس"، وما قالهُ صحيح؛ إذْ لا يُتصور قسمة نصيب الميت من أصل الحبس إلا بذلك.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا مات واحدِ مِن ولدِ الولد بعد ذلك، وقد مات قبلَهُ أبوهُ مِنْ ولد الأعيان، هل ينتقض القَسْم بموتهِ أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القَسْم ينتقض، فيُؤخذ ما بيدِ كُلِ واحدٍ من ولدي الأعيان وولدي الولد بمعنى الحَبْس والميراث، وما بيدِ الأُم والزوجة، فيُقسم جميع الحَبس على أربعة أسهم: سهمان لولدي الأعيان، يدخُلُ فيهما الأُم والزوجة على [ما فسّرنا] (١)، وسهمان لولدي الولد بمعنى الحبس، وهو قول سحنون، وابن عبدوس.
والثاني: أن القسم لا ينتقض، وهو قول ابن القاسم، ووجهُ العمل في القسمة على هذا القول: أن يُؤخذ ما كان بيدِ هذا الميت مِنْ ولدِ الولد، وهو الخُمس المأخوذ في قِسمة الحبس عندَ مَوْت جدِّهِ، وعند موت أبيه بسبب موت أبيه دون ما بيده بالميراث عن أبيه فيُقسَّم هذا الخُمس على أربعة أسهم: لكل واحدٍ من ولدي الولد سهم، وسهمان للحيين من ولد الأعيان، وهل تأخُذ فيهما أُمُّ الجد، وزوجتُهُ السُدُس والثُمُن أم لا؟
_________________
(١) سقط من ب.
[ ٩ / ٣٤٥ ]
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهما يأخذان فيهما [الثمن و] (١) السُدُس، كما يأخُذان في موت واحدٍ من ولد الأعيان، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنهما لا يدخُلان فيهما، وهما لولدي الأعيان خُصوصًا، وهو قول سحنون.
وينبني الخلاف على الخلاف: في السهميْن الراجعيْن إلى ولدي الأعيان، مِن خمس مَن هلك مِن ولد الولد، هل رجع إليهما بمعنى الوصية أو بمعنى مرجع الأحباس؟
فمن رأى أنّ رُجوعهما إليهما بمعنى الوصية، قال: تدخُل فيهما الأُم والزوجة بالثُمُن والسُدُس؛ إذ "لا وصية لوارث" (٢) ولا يصح أنْ يكون بمعنى المرجع؛ لأنّ مرجعَ الأحباس لا يصح أن يرجع مع وجود المُحبس عليهم [لأن حكم المحبس عليهم] (٣) إذا كانوا جماعة إنما يأخذون ما مات عنه بعضهم بأصل التخيير لا بمعنى المرجع؛ لأنَّ الميت قصدَ أن يكون للآخر منهم، بدليل أن لو كان المحبس عليهم أجنبيين، فمات بعضهم، لكان بقيتهم أولى بالحبس دون عصبة الميت، ولو كان نصيب مَنْ مات إنما رجع إليهم بمرجع الحبس لَوَجَبَ أنْ يكون قرابة الميت أوْلى مِن بقية الأجنبيين.
فمن رأى أن [رجوعه] (٤) إليهما بمعنى مرجع الأحباس قال: لا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) أخرجه البخاري (٢٨٧٠)، (٣٥٦٥)، وابن ماجة (٢٧١٣)، وأحمد (٢٢٣٤٨) من حديث أبي أمامة، وصححه الألباني.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: رجوعهما.
[ ٩ / ٣٤٦ ]
تدخُل فيهما الأُمُّ والزوجة، وهذا القول أضعف القولين، والذي قاله ابن القاسم أصح، وعليه أكثر الرواة.
فعلى القول بدخُول الأُم والزوجة فيهما بالثُمن والسُدس، فإنّ الباقي يُقسَّم على ثلاثة أسهم: سهمان لولدي الأعيان الحيين، وسهمٌ لورثة أخيهما الميت يدخُل في ذلك كلُّ مَنْ يرثُهُ، والأُم والزوجة إن كانتا لهُ، والباقي لورثة ولده الذي مات بعدهُ، وإن لم يكن [له] (١) الآن ولد؛ لأنه إنّما قسّم ذلك على قسم ما ورَثَ عليه يوم مات لا اليوم.
فإن كان لولدهِ الأم والزوجة: دخلتا فيه بالثلث والربع، وما بقي لعميْه؛ لأن ما قسم من هذه المسألة على معنى الميراث؛ فإنما يقسم على القسم الأول، ثم يكون لورثة ورثته أبدًا ما بقى [أحد] (٢) من ولد الأعيان.
فإن مات بعد ذلك ولدٌ آخر من ولد الأعيان، فانظر إلى ما نَابَهُ في مُقاسمة ولد الولد مِن أصل الحبس في أصل هذه الأقسام:
وذلك بالرُبع، فرُدَّ إليه كُل ما خرج منهُ لأُمِّ زوجه، ولزوجة أخيه ولوَرَثة وَرَثته؛ لأن ما يُؤقت مِن القسْم بموته، إنّما هو لحجة ولد الولد في إقامة قِسْم الحبس، ولا حُجَّة عليهم لوَرَثة الجد فيما [لهم] (٣) من توفير سهمهم على قسم الحبس بوصية الجد، فتجده أخذ من أبيه السُدس ثُمَّ عن أخيه خُمس السُدس، فصار ذلك خُمسًا.
ثُمَّ أخذ رُبع الخُمس عن ابن أخيه، وصار لهُ الرُبع، ثُمَّ يُقسَّم هذا الرُبع بعد أن رُد إليه كُلما خرج منهُ مِن عند مَن دانَ إليه مِن وارث، ووارث وارثٌ على ثلاثة أسهم: فسهمان للباقين من ولد الولد، وسهمٌ للباقي من
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٤٧ ]
ولد الأعيان: تأخُذ منهُ زوجة الجَدِّ ثُمُنه، وأُمُّهُ سُدسه، ثُمَّ يقسَّم بَقِيَّتهُ علىَ ثلاثة أسهم: [فسهم] (١) لهذا الحي من ولد الأعيان ولوَرَثة كُل واحدٍ من ولدي الأعيان الميتين سهم سهم، يدخُل ورثة كلِ واحدٍ منهما في سهمه على ما سبق من التفسير، والخلاف الذي قدّمناهُ في الوجه الأول في انتقاض القِسمة داخلٌ في هذا الوجه، فلا فائدة لتكراره.
فإن مات بعد ذلك أحدٌ مِن ولد الولد، وهو ابن الميت الثاني قبلَهُ، من ولدِ الأعيان، فقد علمت أن بيده عند موت جدِّه السُدُس [و] (٢) عند موت عمِّه خُمس السدس، فصار ذلك الخُمسَ عند موت أخيه رُبع الخمس، فصار ذلك الرُبع، ثمّ عند موت ابنيه ثُلث الرُبع، فصار ذلك الثُلث: فيُقسَّم ذلك على سهمين: فسهمٌ للباقي مِن ولد الولد، وسهمٌ للباقي من ولدِ الأعيان، هل تدخلُ في الأُم والزوجة [أم لا] (٣)؟ فعلى الخلاف الذي قدّمناهُ بين ابن القاسم وسحنون، فعلى القول بدخولهما، فإن الباقي يُقسّم على ثلاثة أسهم:
فسهمٌ لهذا الحي من ولد الأعيان، وسهمان لوَرَثةِ الميتيْن [من ولد الأعيان يرث كل واحد منهما سهم تدخل أمه، وزوجته أو ورثتهما إن ماتا، والباقي الذي يجب لولدي الميتين] (٤)، يأخَذهُ عَمُّهما؛ هذا إذ لا وارث لهما غيرهُ.
وعلى القول بأن الأُم والزوجة، لا يدخلان فيما أخذ الباقي مِن ولدِ الأعيان مِنْ ولد الولد، فإنَّ ذلك [الثلث يقسم] (٥) على سهمين: سهمٌ
_________________
(١) في أ: قسم.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: يقسم الثلث.
[ ٩ / ٣٤٨ ]
للحي من ولد الأعيان، وسهمٌ للباقي من ولدِ الولد.
وأمّا ما كان بيده بمعنى الميراث، مِن موت أبيه، فلا يدخلُ في هذا القسم على القولين جميعًا، ويبقى لوَرَثته سبيل الميراث ما بقي أحدٌ مِن ولد الأعيان، إلا على القول بانتقاض القسمة من أصلها.
فإن مات بعد ذلك الباقي مِنْ ولد الأعيان، فإنَّهُ يأخذُ كُلَّ ما بيدهِ وكُلَّ ما بيدِ غيره من أهل الميراث مِن زوجة، وأم، وَوَرَثة ولدِ، وكُل مَن بيده شيءٌ من ذلك بميراثٍ، فيُدفع إلى ولد الولد الباقي، فيصير بيدهِ الحُبس بأسرِهِ.
ثمّ إن مات ولد الولد -هذا- الباقي كان هذا الحبس، لأقرب الناس لمن حبسهُ حبسًا، ولا يدخُل فيه إلا مَن يدخُل في مراجع الأحباس.
ولو مات أولاد ولد الولد الباقي، وبَقِيَ واحدٌ من ولدِ الأعيان، ولم يبق مِن أهل الحبس غيرهُ، أخذ هذا الباقي من ولد الأعيان كُلَّ ما بيد هذا الميت من الحبس، وهو النصف: فتأخُذ منهُ الأمُ والزوجة الثُمن والسُدُس على قولٍ، فيُقسّم الباقي على ثلاثة أسهم: فسهمٌ له، وسهمٌ لوَرَثةِ كُل واحدٍ مِن ورثة أخويه، وما كان بيد هذا الميت الذي هو ولدُ الولد، بسبب الميراث عن أبيه، فهو لِمن يرثُهُ عَلى سبيل الميراث، ما بقى مِن ولد الأعيان أحد.
وعلى القول بأنّ ما مات عنه ولدُ الولد ممّا بيدهِ بمعنى الحبس، فإن مَرجِعَهُ إلى مَن بَقِي مِن ولد الأعيان مرجع الأحباس؛ فإنَّهُ لا يُقسَّم مع أحدٍ ثمَّ إن مات بعد ذلك، فإنَّهُ يُرجَع الحبس جميعُهُ إلى أقرب الناس بالمُحبِس حبسًا.
[ ٩ / ٣٤٩ ]
والجواب عن الوجه الثالث: إذا حدث ولد لبعض ولد الأعيان أو لبعض ولد الولد، فإن القسم ينتقض قولًا واحدًا، أو يقسم أهل الحبس على سبعة أسهم؛ فما صار لولد الأعيان دخلت الزوجة والأم على ما تقدم، ثم يقسم الباقي على ثلاثة أسهم؛ لكل واحد [منهم] (١) سهم [سهم] (٢).
والجواب عن الوجه الرابع: إذا مات بعض الورثة ممن بيده ذلك بمعنى الميراث خاصة، فلا ينتقض القسم بموته، ولا يؤتنف فيما ترك قسم بمعنى الحبس، ولكن [يقسم] (٣) بين ورثته على معنى [الميراث] (٤) أبدًا ما بقي أحد من ولد الأعيان، وإذا ماتت زوجة الجد، فورث ما بيدها ولد الأعيان، وهم بنوها؛ فلا حجة فيه عليهم لولد الولد؛ لأن الولد أخذه بالميراث بعد قسم الحبس على ما أوصى [المحبس] (٥)، ثم إن مات بعد ذلك واحد من ولد الأعيان، فإن ما دار إليه هاهنا عن أمه مما دار إليهما من سهمه يدخل في قسم الحبس، وإن أخذه بميراث؛ لأن بموته ينتقض كل ما كان خرج من سهمه لأم وزوجة حتى يكمل أصل ما نابه من الحبس فيقسم، بخلاف غيره في هذا من أهل الميراث.
والجواب عن الفصل الثاني: في بيان حسابها: اعلم أن أرباب المذاهب اختلفوا في قسمة الحبس إذا نص المحبس الولد وولد الولد هل [يساوى] (٦) بينهم أو [يؤثر] (٧) الآباء على الأبناء على قولين قائمين من "المدونة":
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: ينقسم.
(٤) في أ: المواريث.
(٥) في أ: الميت.
(٦) في أ: يسوي.
(٧) في أ: يؤثروا.
[ ٩ / ٣٥٠ ]
أحدهما: أنه يؤثر الآباء على الأبناء، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الحبس".
[والثاني: أنه يساوي بينهما، وهو قول المغيرة في الكتاب، وهو مذهب أشهب، وعليه يتفرع حساب هذه المسألة] (١).
فنقول -وبالله التوفيق: وإذا حبس على ولده، وهم ثلاثة [وعلى ولد ولده وهم ثلاثة] (٢) في مرضه، والثلث- يحمله وله أم وزوجة فإن فريضتهم من ستة أسهم لكل واحد منهم سهم، ووجب للأم والزوجة أخذ الثمن والسدس من سهم كل واحد من ولد الأعيان، والسدس لا ثمن له؛ فالثمن والسدس من أربعة وعشرين لكل سهم ستة، والستة لها سدس ولا ثمن لها؛ فتضرب ستة في أربعة وعشرين؛ فيصير العدد مائة وأربعة وأربعين لكل سهم أربعة وعشرون للزوجة ثمن سهم كل واحد منهم وجملته تسعة أسهم، وللأم سدس سهم كل واحد منهم [وجملتها] (٣) اثنا عشر.
ثم مات واحد من ولد الأعيان وبيده سبعة عشر وردت الأم ما أخذت -وهو أربعة- والزوجة ما أخذت من سهمه -وهو ثلاثة- فعاد السدس كما كان وهو أربعة وعشرون، وهي لا تنقسم على خمسة فتضرب خمسة في مائة وأربعة وأربعين، فتصير سبعمائة وعشرين، ثم تقسمه على ستة،
فيصير لكل سهم مائة وعشرون؛ فيقسم سدس الميت -الذي هو مائة وعشرون -على خمسة أسهم- عدة [الولد] (٤) وولد الولد، وبقية ولد الأعيان، فيصير لكل سهم أربعة وعشرون؛ فتأخذ الأم والزوجة السدس،
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: وجملته.
(٤) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٥١ ]
والثمن من سهمي ولدي الأعيان وجملتها أربعة عشر سهمًا: للأم ثمانية أسهم، وللزوجة ستة، والباقي أربعة وثلاثون غير منقسمة على ثلاثة؛ لأن الميت يحيا بالذكر، فتضرب ثلاثة في جملة ما انتهت إليه الفريضة، وذلك سبعمائة وعشرين؛ فتصير ألفان ومائة وستون مقسوم على ستة؛ فالسدس لكل واحد ثلاثمائة وستون؛ فتأخذ الزوجة ثمن ما بيد كل واحد من ولد الأعيان؛ فيجتمع لها خمسة وثلاثون ومائة، وللأم السدس فيجتمع لها مائة وثمانون.
فلما مات واحد من ولد الأعيان رد إلى ما بيده ما أخذت الزوجة منه؛ وذلك خمسة وأربعون، ومن عند الأم ستون؛ فيعود السدس كما كان ثلاثمائة وستون؛ فتقسم على خمسة، فخمسه: اثنان وسبعون لكل واحد من ولد الولد، وولدي الأعيان؛ فتأخذ الأم سدس ما بيد كل واحد من ولدي الأعيان؛ وذلك اثنا عشر، وتأخذ الزوجة تسعة من يد كل واحد منهم؛ يبقى بيد كل واحد منهم أحد وخمسون؛ فيجمع ذلك، فيكون مائة وسهمان؛ فيقسم على ثلاثة، فيصير لكل سهم أربعة وثلاثون ولورثة أخيهما سهم من ذلك أربعة وثلاثون؛ فيجمع بيد كل واحد من ولدي الأعيان تسعة وثمانون ومائتان، وبيد ورثة أخيهم أربعة وثلاثون، وبيد زوجة الأب ثمانية ومائة، وبيد أمه أربعة وأربعون ومائة، وبيد كل واحد من ولد الولد اثنان وثلاثون وأربعمائة.
ثم إن مات واحد من ولد الولد وبيده اثنان وثلاثون وأربعمائة: فعلى القول بأن القسمة لا تنتقض فلا إشكال، وعلى القول بانتقاضها، فاقسم جميع الحبس على أربعة أسهم، فإن وقع الكسر في بعض الوجوه، فاضرب سهام من انكسرت عليه في ما انتهى بك العدد حتى ينتهي إلى عدد لا كسر فيه.
[ ٩ / ٣٥٢ ]
ولا تكاد المسألة تسلم من الكسر إلا بمضاعفة العدد إلى مئين الألف، ولكن ذلك يتفاحش جدًا، ولو بسطنا فيها الحساب والضرب لخرج بنا إلى حد الإكثار الذي لا يجدي فائدة، وقد بينت لك وجه العمل في المسألة، فاهتد بهديه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ٩ / ٣٥٣ ]
المسألة الرابعة في موت بعض من حبس عليهم ثمر الحائط
ولا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يموت قبل إبار الثمرة، وقبل القسمة.
والثاني: أن يموت قبل الإبار وبعد القسمة.
والثالث: أن يموت بعد الإبار، أو بعد الطيب، وقبل القسمة.
فأما الوجه الأول: إذا مات قبل الإبار، وقبل القسمة، فلا حق لورثته في الثمرة اتفاقًا، إلا شيئًا ذكره أبو الحسن اللخمي أنها تكون غلة بالظهور.
وأما الوجه الثاني: إذا مات قبل الإبار، وبعد القسمة فسهمه لورثته، ولا ينزع منهم اتفاقًا، ولا إشكال في هذين الوجهين.
وأما الوجه الثالث: إذا مات بعد الإبار أو بعد الطيب، وقبل القسمة لمن تكون الثمرة؟ فقد اختلف فيه على أربعة أقوال كلها قائمة من المدونة:
أحدها: أن الثمرة لبقية أصحابه كانوا يتولون العمل أم لا.
وهذا [القول الذي رجع إليه مالك في "الكتاب".
والثاني: أن سهم الميت يرجع إلى المحبس عليهم سواء كانوا يتولون العلم أم لا، وهذا] (١) يتخرج من "الكتاب" غير منصوص عليه فيه؛ وذلك أنه لمَّا لم يكن لورثته ميراث؛ لكونه مات قبل أن تكون الثمرة غلة -على قول- لم يصح فيه لورثته ميراث بعد، ولم يتعين لبقية الأصحاب
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٥٤ ]
وجه يستحقون به سهم الميت تعين رجوعه إلى المجلس.
أصل ذلك: لو ماتوا جميعًا قبل أن تصير الثمرة غلة، فإن جميع الثمرة ترجع إلى المحبس بلا خلاف؛ لأنهم قوم معينون، وبه تصح مسألة الكتاب، وهذا ظاهر لا مراء فيه.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يتولوا العمل، فيكون سهم الميت لبقيتهم، أو لا يتولوا العمل، وإنما تقسم عليهم الغلة، فيرجع سهم الميت إلى المحبس، وهذا القول الذي رجع عنه مالك في [الكتاب] (١).
والقول الرابع: أن سهم الميت لورثته موروث عنه؛ لأنه مات بعد ثبوته له واستحقاقه إياه، وهو قول الرواة آخر الباب، وظاهر ألَّا فرق بين أن يتولوا العمل أم لا.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الثمرة بماذا تكون غلة؛ وقد اختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: إنها تكون غلة بالإبار.
وهو قول المدنيين في كتاب الشفعة من المدونة، وهو قول الرواة في كتاب الحبس.
والثاني: إنها تكون غلة بالطيب، وهو قوله في كتاب الحبس من المدونة.
والثالث: إنها لا تكون غلة إلا بالقسمة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الوصايا الثاني" من "المدونة": إذا حبس ثمرة [حائطه] (٢) على رجل وولده، فقال فيه: إذا حضرت الغلة إنما ذلك لمن حضر القسمة؛ [فقد
_________________
(١) في أ: الكتب.
(٢) في أ: لحائطه.
[ ٩ / ٣٥٥ ]
بين] (١) أنها إنما تكون غلة بالقسمة، ومن مات قبل ذلك فلا شيء له، وإن مات بعد طيب الثمرة، فلا يورث عنه سهمه، ومن ولد قبل القسمة دخل فيها.
ومثله لعبد الملك بن الماجشون في "واضحة ابن حبيب"، ولابن كنانة في "المجموعة"، وقد [نَبَّه] (٢) ابن أبي زمنين على هذا الظاهر قال: ويحتمل أيضًا أن يكون معنى قوله: "حضرت الغلة" أي: طابت، ونظر في قسمتها، وإنما تعاينت لبيان هذا الاستقراء؛ لأني رأيت أكثر شيوخ المتأخرين في كتبهم حكوا إجماع المذهب في هذا الفصل أنها تكون غلة بالطيب، وإن مات من المحبس عليهم [أحد] (٣) فسهمه موروث عنه بلا خلاف، وأين هم عما استخرجناه من "الكتاب"، واستشهدنا عليه بما هو مسطور في الأمهات، والتوفيق بيد الله يؤتيه من يشاء.
وعلى القول بأنها لا تكون غلة بالإبار، أو الطيب إذا مات أحدهم -وقد تقدم- له فيها نفقة؛ فلا خلاف أن لورثة الميت الرجوع بالنفقة؛ لأن أصحابه قد انتفعوا بنفقته فيما عمل معهم.
واختلف المتأخرون هل الرجوع بالأقل مما أنفق أو بما ينوبه من الثمرة أو إنما يرجع [عليهم] (٤) بقيمة النفقة نقدًا.
وفائدة الخلاف وثمرته: إذا اجتيحت الثمرة هل تسقط المطالبة [أم لا؟ فمن قال: يرجع بالأقل قال تسقط المطالبة] (٥) وهو ظاهر "المدونة" في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: بين.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٥٦ ]
غير ما موضع فيمن سقى وعالج على وجه الشبهة؟
وعلى القول بأن ذلك على بقية الأصحاب [نقدًا] (١) فلا تسقط المطالبة، وهو ظاهر المدونة، ويكون ذلك دينًا لزمهم، وهو ضعيف.
ولو كانت الثمرة محبسة عليهم حياة الحبس، فمات وفيها ثمرة، فهي للمحبس عليهم.
وإن أبرت، فعلى الخلاف الذي قدمناه حرفًا حرفًا.
تم الكتاب بحمد الله وعونه، وصلى الله على سيدنا محمَّد خير خلقه.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٣٥٧ ]
كتاب الصدقة والهبة
[ ٩ / ٣٥٩ ]