بسم الله الرحمن الرحيم [وصلى الله على محمد وآله وسلم] (١): تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها أربع مسائل:
المسألة الأولى
في معرفة ما يحل أكله وما لا يحل أكله من سائر الحيوانات، فالحيوانات ضربان: بري وبحري، فالبحري ضربان أيضًا:
ضرب منه لا حياة له في البر أصلًا: فهذا لا خلاف أنه يحل أكله بغير ذكاة.
وضرب له حياة في البر، كقرش الماء، فالمذهب فيه على قولين:
أحدهما: أنه يؤكل بغير ذكاة، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنه يفتقر إلى الذكاة، وهو قوله في "مختصر الوقار"، لأن له في البر رعيًا.
ولا خلاف في المذهب عندنا أن ميتة البحر تؤكل على أي صفة كانت، لقوله - ﷺ -: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته".
واتقى مالك ﵀: خنزير الماء وكلب الماء لمشاركة الاسم.
وأما التمساح: فلم أجد في المذهب فيه نصًا، ورأيت لسعيد بن المسيب في "النوادر": أنه يؤكل، وإن كان ذا ناب.
وأما البري: فإنه ينقسم أيضًا إلى: ما ليس له نفس سائلة، وأعني بالنفس: الدم.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٠٣ ]
وما له نفس سائلة.
وأما ما ليس له نفس سائلة، كالجندب والعقرب والخنفساء والزنبور واليعسوب والذر والنمل والسوس والحلم والدود والبعوض والذباب وجميع الحشرات: فلا خلاف في جواز أكلها لمن احتاج إليها لدواء أو غيره، وهو قول مالك في كتاب "ابن حبيب".
واختلف هل يفتقر أكلها إلى ذكاة أو لا يفتقر؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يفتقر إلى ذكاة، وهو [ظاهر] (١) قول مالك في [آخر] (٢) كتاب الوضوء: "في الخشاش إذا وقع في طعام أو شراب أو ماء، فلا يفسده، وهذا بناء منه على أنها لا تفتقر إلى الذكاة، وهو ظاهر قول القاضي عبد الوهاب في "التلقين".
والثاني: أنها لا تؤكل إلا بذكاة، وهو ظاهر قوله في كتاب "الذبائح"، وأن ذكاته كذكاة الجراد، وهو قول مالك في كتاب "ابن حبيب".
وينبني الخلاف فيها على الخلاف في الجراد، هل يفتقر إلى الذكاة أو لا يفتقر إليها؟
فمن قال أنه لا يفتقر إلى الذكاة وأن ميتته تؤكل، وهو قول مطرف وابن عبد الحكم، وهو مذهب أكثر السلف قال: لا تفتقر الحشرات إلى الذكاة.
ومن قال أنه يفتقر إلى الذكاة، فقد اختلف في ذكاته على قولين:
أحدهما: أن أخذه ذكاته، وهو مذهب سعيد بن المسيب وعطاء بن شهاب وربيعة، وبه قال ابن وهب عن أصحاب مالك.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٠٤ ]
فإن مات حتف أنفه بعد أخذه: فإنه يؤكل.
وعلى هذا القول فإنه يسمى الله عند أخذه.
والثاني: أن ذكاته أمرٌ زائد على الأخذ، ولابد من عمل يعمله [فيه] (١) بعد الأخذ، وما ذلك العمل الذي إذا عمله [فيه] (٢) صار ذكاة؟
أما كل ما يموت الجراد منه من فعل، مثل أن يقطع رؤوسها أو يسلقها أو يشويها: فلا خلاف أن ذلك ذكاة لها، ويسمى الله عند ذلك.
واختلف في قطع الأرجل والأجنحة، على قولين:
أحدهما: أن ذلك ذكاة، وهو قول مالك في المدونة.
والثاني: أن ذلك ليس بذكاة، وهو قول أشهب في "مدونته"، وإن ماتت من ذلك.
واختلف أيضًا: إذا سلقت الأحياء مع الأموات منها أو سلق ما يتساقط من أرجلها، على قولين:
أحدهما: أنه يطرح جميعها ولا يؤكل، وهو قول أشهب في "مدونته".
والثاني: أنها تأكل الأحياء وتطرح الأموات، والأفخاذ بمنزلة خشاش الأرض يموت في القدر، وهو قول سحنون في "النوادر".
وسبب الخلاف: اختلافهم في الجراد، هل هو من صيد البر أو من صيد البحر؟ والمشهور أنه من صيد البر، لأن مرعاه في البر [وحياته] (٣) فيه.
والحلزون كالجراد في كل ما ذكرناه.
_________________
(١) في أ: فيها.
(٢) في أ: فيها.
(٣) في أ: وفاته.
[ ٣ / ٢٠٥ ]
وأما ماله نفس سائلة مما له لحم ودم، فإنه ينقسم أيضًا إلى حيوان مألوف وحيوان غير مألوف:
فغير المألوف ينقسم إلى: ذوات الريش وذوات [الأرجل] (١): فذوات الريش: قال مالك ﵀ في كتاب النوادر: لم أدرك أحدًا ينهى عن أكل شيء من الطير، سباعه وغير سباعه، وما يأكل الجيف وما لا يأكل الجيف إلا أن يتقذر متقذر، وذكر ابن حبيب أن عروة كره أكل الغراب والحدأة لما سماها النبي - ﷺ - فاسقين.
قال محمد بن الجهم: "ليس ذلك يحرم أكلها، وإنما سماهما النبي - ﷺ - فاسقين، لإذايتهما المحرم، والفاسق هو المتعدي"، وروى علي بن زياد عن مالك: "أنه كره أكل الخطاطيف".
قال أبو إسحاق: "لم يثبت تحريم كل ذي مخلب من الطير عن النبي - ﷺ -".
وأما ذوات الأرجل من هوام الأرض كاليربوع والخلد والوبر والفأرة والحيات والوبرل والقنفذ والضب، وغير ذلك من هوام الأرض:
أما اليربوع والفنفذ والضب: فلا خلاف أعلمه في المذهب في جواز أكلها، وذكاتها، كذكاة الحيوانات المألوفة على ما نصفه بعد إن شاء الله.
وأما الحية: فقد اختلف فيها قول مالك بين الإباحة والكراهة: فمرة: كره أكلها وأكل العقرب من غير تحريم إذا أكلا لغير ضرورة، وما كره ذلك إلا للسم، وهو قوله في "الواضحة".
ومرة: جوز أكلها لغير ضرورة ولا كراهة، وهو قوله في "كتاب الحج"، لأنه جوز هناك أكلها، ولم يذكر الحاجة وقال في "كتاب الذبائح":
_________________
(١) في أ: الرجل.
[ ٣ / ٢٠٦ ]
"يجوز أكل الحيات إذا ذكيت في موضع ذكاتها لمن احتاج إليها"، يريد: التداوي.
والقولان: قائمان من المدونة جوزه في "الحج" دون كراهة، وفي [الذبائح] (١) مع الكراهة.
وأما الفأرة، فهل يجوز أكلها مع الكراهة أو دون الكراهة؟ قولان قائمان من المدونة:
أحدهما: أن أكلها مكروه من غير تحريم، وهو نص قول مالك في كتاب "ابن حبيب"، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في "كتاب الوضوء"، حيث قال: "ويغسل [ما أصابه] (٢) بول الفأرة"، فلو أباح أكلها دون الكراهة ما أمر بغسل بولها.
والثاني: أن أكلها مُباح من غير كراهة، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الذبائح"، حيث قال: لا بأس بأكل الخلد وقال: الخلد فأر أعمى يكون بالحجاز: فقد جوزوا أكل الفأرة في هذا الموضع من غير كراهة، إذ لا فرق بين الأعمى والبصير، وليس المبيح لأكله، لكونه أعمى، ولا يتوهم ذلك عاقل.
وأما غير المألوف من ذوات الأرجل من سائر السباع والوحوش، فإنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسمٌ منها لا يحل أكله بالاتفاق، وهو الخنزير، ولا خلاف في لحمه وشحمه، أما اللحم: فالنص عليه، والشحم: داخل في اللحم، على ما تقدم لنا في "النذور والأيمان"، وأما الجلد فلا يخلو من أن يكون مدبوغًا أو غير مدبوغ:
_________________
(١) في أ: الذبح.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٠٧ ]
فإن كان غير مدبوغ، فهل يجوز الانتفاع به أم لا؟، فالرواية أنه لا يجوز الانتفاع به، ولا يبعد دخول الخلاف فيه بالمعنى، كجلد الميتة سواء، وقد نزلهم الله تعالى في قرن، [فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾] (١) [المائدة: ٤٣].
وقد اختلف المذهب عندنا، هل حكمه حكم اللحم أو حكم العرض؟، على ما سنبينه في "كتاب [التجارة إلى أرض الحرب] (٢) إن شاء الله تعالى.
وقال أبو الحسن اللخمي: [حكم الجلد] (٣) حكم اللحم، لأنه لحم، وقد تؤكل الشاة سميطًا، ويكون ذلك [مما] (٤) يستطاب منها وإنما يعاف الناس الجلد إذا بان عن اللحم.
فإن كان جلده مدبوغًا، فقد اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أنه ينتفع به بعد دباغه، كجلد الميتة على سواء، وهو قول الشيخ أبي الحسن اللخمي.
والثاني: أنه لا ينتفع به أصلًا، وحكمه حكم لحمه، وهو قول الشيخ أبي بكر الأبهري، قال: "بخلاف جلد الميتة"، يريد: لأن النص ورد في جلد الميتة، ولم يرد في جلد الخنزير.
وينبني الخلاف على الخلاف في الرخص، هل يقاس عليها أم لا؟
وذلك أن إذنه - ﷺ - بالانتفاع بجلد الميتة بعد دباغه، رخصة منه لأمته - ﷺ -.
واختلف في الانتفاع [بشعره] (٥) على ثلاثة أقوال:
أحدها: جواز الانتفاع [به] (٦) للبيع وغيره، وهو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: حكمه.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٠٨ ]
قول ابن القاسم في "العتيبة"، وهو كصوف الميتة عنده.
والثاني: أنه لا ينتفع به أصلًا، وليس هو كصوف الميتة، بل هو كالميتة الخالصة، وكل شيء منه محرم حي وميت، وهو قول أصبغ.
والقول الثالث: أنه ينتفع به في [مثل] (١) [الخرازة] (٢)، وهو قول مالك في المبسوط، وظاهر قوله أنه لا يستعمل في غير ذلك.
وسبب الخلاف: ما قدمناه من الرخص، هل يقاس عليها أم لا؟
ولبن الخنزير كلحمه.
وأما ابن آدم: فلا خلاف بين المسلمين أن لحمه حرام أكله، وإنما اختلف العلماء، هل تحريمه تحريم حرمه أو تحريم [حرام] (٣)؟
فمنهم من قال: إن تحريمه تحريم حرمه، لأن الله تعالى شرفه وكرمه على جميع خلقه.
ومنهم من قال: تحريمه تحريم [حرام وهو الصحيح] (٤).
والقسم الثاني: ما يجوز أكله بالاتفاق، وهو ما كان من الظباء وبقر الوحش وحمير الوحش وغير ذلك مما هو معلوم جواز أكله من سائر الوحوش بالذبح والعقر، على حسب ما بيناه في كتاب الصيد.
والقسم الثالث: المختلف فيه، وهو أكل السباع العادية وغير العادية، هل هي محرمة أو مكروهة؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن أكلها مكروه العادي منها وغير العادي، وهو قول أبي بكر
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: الجزازة.
(٣) في أ: تحريم.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٠٩ ]
الأبهري وابن الجهم.
والثاني: التفصيل بين السباع العادية وغير العادية [فالسباع العادية كالأسود والنمور والذئاب والكلاب لم يختلف المدنيون في تحريم لحومها. وأما غير العادية] (١)، مثل: الذب والضبع والثعلب والهر الوحشي والإنسي والقرد: فيكره أكلها ولا يبلغ [به التحريم] (٢) للاختلاف فيها، قاله مالك وابن الماجشون على ما نقله ابن حبيب.
وسبب الخلاف: تعارض العمومين، عموم الكتاب وعموم السنة:
أما عموم الكتاب: فقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
وأما [عموم السنة] (٣): فقوله - ﷺ -: "كل ذي ناب من السباع حرام"، وعلى هذا ترجمة مالك في "الموطأ": "باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع".
قال الشيخ أبو إسحاق التونسي: "وفي تحريم أكل كل ذي ناب من السباع" ضعف، لأنها رواية انفرد بها، ورواه غيره ولم يذكر فيه التحريم.
وقال اللخمي: "عموم السنة أقوى [وأصوب] (٤) من عموم المسألة
لوجوه:
أحدها: أن قوله سبحانه ﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾، إخبار عن الماضي، ولا يقتضي ذلك أنه لا يجد في المستقبل، ولا أنه لا ينزل عليه تحريم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ما يحرم.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٢١٠ ]
[غير] (١) تلك الأربعة.
والثاني: أنه قد وجد تحريم ذبائح المجوس، وهما مطعونان، ولم تتضمن تلك [الآية] (٢) تحريمها.
والثالث: أن الآية مكية، والحديث مدني، والمتأخر يقضي على المتقدم، ولا يعترض أيضًا بحديث ثعلبة في قوله: "نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل كل ذي ناب"، لأن النهي يحتمل التحريم والكراهة، وحديث أبي هريرة يفيد بلفظ التحريم، والمطلق يحمل على المقيد.
وعلى أن السباع محرمة، هل يجوز أن تذبح لجلودها أو لا يجوز؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يجوز أن تذبح لجلودها، وهو قول مالك في "كتاب الذبائح".
والثاني: أن الذكاة لا تستعمل فيها للحومها ولا لجلودها، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الجهاد" من "المدونة"، في جواز أكل شحوم اليهود.
وسبب الخلاف: الذكاة، هل تتبعض أو لا تتبعض؟
[فمن] (٣): رأى أنها تتبعض، وهو قول محمد بن مسلمة أنها تتبعض، قال: بجواز [استعمال] (٤) الذكاة في السباع المكروهة [الأكل] (٥)، فجعل أن الذكاة تحل في الجلود دون اللحم، وهذا أغرب شيء يقال.
[ومن] (٦) رأى أن الذكاة لا تتبعض، فقال: بجواز أكل شحوم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: فمرة.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: ومرة.
[ ٣ / ٢١١ ]
اليهود، وذلك أن الشحوم محرمة على اليهود، لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] على ما يأتي عليه البيان في موضعه إن شاء الله.
وقد أباح الله تعالى لنا طعام أهل الكتاب، فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، والشحوم ليس من طعامهم.
ثم وردت السنة بجواز أكل شحوم اليهود [يوم خيبر] (١)، وما ذلك إلا لكون الذكاة تسري في جميع أجزاء الشاة المذكاة وشائعة فيها [ولا يختص بها] (٢) جزء دون جزء، من غير اعتبار بنية الذابح في الكمال والتبعيض.
وأما الحيوان المألوف، فإنه ينقسم إلى الأنعام والدواب:
فالأنعام: الإبل والبقر والغنم: فلا خلاف بين الأمة في جواز أكلها إذا حصلت فيها الذكاة بشروطها على ما سنعقد فيه مسألة مفردة إن شاء الله تعالى.
وأما الدواب: الخيل والبغال والحمير، فقد قال مالك ﵀: لا تؤكل لحومها ولا تشرب ألبانها.
أما الحمير: فقد ثبت عن النبي - ﷺ - النهي عن أكلها، وذلك في يوم خيبر أمر بإكفاء القدور، لما أخبر بذبح الناس الحمير.
واختلف العلماء، هل النهي فيها على معنى التحريم أو على معنى الكراهة؟ على قولين:
مشهور المذهب أنه على الكراهية، وأن الكراهية فيها مغلظة واختلفوا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٢١٢ ]
أيضًا في النهي، هل هو معقول المعنى [أو غير معقول المعنى] (١) على ما هو مذكور في الأمهات؟
والمشهور أن النهي غير معقول المعنى.
والبغال: مثل الحمير، وهما جنسٌ واحد، على [ظاهر] (٢) ما وقع لابن القاسم في كتاب "السلم الأول" من "المدونة".
واختلف في لبن الأتن، وهي إناث الحمير، هل يشرب للدواء أو لا يشرب؟
والمشهور أنه يجوز شربه للتداوي، وقد روى عنه ابن حبيب حديثًا عن النبي - ﷺ - أنه أباحه، وأجازه سعيد بن المسيب والقاسم وعطاء، ومالك حدث به الجذامي عن الواقدي، وقال أشهب عن مالك في "العتبية" من غير أن يرونه مذهبهم: "لا بأس بالتداوي بشرب أبوال الإبل، ولا بأس بشرب أبوال الأنعام كلها".
وأما أبوال الأتن وأبوال الناس، فلا خير في ذلك، وروى سحنون عن ابن القاسم أنه قال: "لا بأس أن يتداوى بشرب [لبن] (٣) المرأة، ويشربه الناس".
وأما الفرس: فإنه لا يؤكل عندنا إلا أنه لا يبلغ به مبلغ البغال والحمير في التحريم فلا خلاف فيه، نقله ابن حبيب قال ابن المواز: وأجاز ابن المسيب أكل الفرس".
وقال ابن شهاب: "ما رأيت أحدًا يأخذ به"، وقد كرههُ ابن عباس.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: بول.
[ ٣ / ٢١٣ ]
قال مالك: "وقد وصف الله تعالى ما خلقت له، فقال: "لتركبوها وزينة"، وقال أيضًا: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥]، فبين الله تعالى منافع كل جنس، وما خلقت له، وذلك في معرض الامتنان".
واختلف في لحم الجلالة من الأنعام ولبنها وعرقها [وبولها] (١) فأما اللحم، فقد اختلف فيه بين الإباحة والكراهية:
فمالك جوز أكله دون الكراهة.
وابن حبيب جوزه مع الكراهة، والجلالة من الطير عنده أخف.
ولم يأت فيها كراهة إلا ما رُوى عن ابن عمر [أنه كان يربطها ثلاثة أيام تأكل الحب ثم يذبحها. وأما روثها فنجس والجلالة من الأنعام. روى عن ابن عمر وأبيه عمر بن الخطاب ﵄] (٢) أنها كرها لحومها وألبانها وركوبها.
وأما اللبن والبول والعرق، فاختلف فيها بين الطهارة والنجاسة، على ما قدمنا من بيانه وإيضاحه في "كتاب الوضوء" وفي "النوادر"، ومما روى عنه - ﷺ -: أنه [استثقل] (٣) أكله [في الشاة] (٤) من غير تحريم، ثم الطحال والمرارة والعروق والعسيب والأنثيين والكليتين والمثانة وأدنى القلب.
قال الشيخ أبو محمد: "وسئل أبو محمد عبد الله بن الأبياني عن خصيتي الخصى يردان إلى داخل ويربطان [فيه] (٥) فيبطل فعلهما ويتغير
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: كان يستثقل.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٢١٤ ]
خلقتهما، هل يؤكلان؟ وإذا طبختا، هل يؤكل ما في القدر؟ قال: لا بأس بذلك لاتصالهما بالجسد، والحياة تجري فيهما، والغذاء يصل إليهما، وتحصيل ذلك أن الذكاة لم تدع [في الشاة] (١) شيئًا محرمًا" والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٢١٥ ]
المسألة الثانية
في الذكاة: وفي هذه المسألة خمسة أسئلة:
السؤال الأول: في معرفة من تصح ذكاته.
والثاني: في الآية التي بها يذكى.
والثالث: في شروط الذكاة.
والرابع: في معرفة ما تصح ذكاته بنحر.
والخامس: ذكاة الجنين.
فالجواب عن السؤال الأول: في معرفة من تصح ذكاته.
والذكاة: تصح من مسلم عاقل بالغ غير مضيع للصلاة، ومن كتابي ذبح لنفسه، فهذه [جملة] (١) متفق عليها [ومنها ما هو مختلف فيه] (٢) فقولنا: "من مسلم" احترازًا من المشرك، ولا خلاف عندنا أن ذبائح المجوس محرمة، وأنها ميتة.
وقولنا: "بالغ" احترازًا من غير البالغ، إلا أن غير البالغ ينقسم إلى مميز وغير مميز: فغير المميز: لا خلاف عندنا أن ذكاته لا تصح، لعدم القصد والمعرفة.
و[أما] (٣) من له التمييز: فلا إشكال أن ذكاته مكروهة ابتداء، فإن ذبح وأوقع الذكاة موقعها، فهل تؤكل أو لا تؤكل؟
_________________
(١) في جـ: خمسة.
(٢) سقط من أ، ب.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٢١٦ ]
قولان:
أحدهما: أنها تؤكل، وهو قول مالك في "المدونة" وكتاب محمد.
والثاني: أن ذبيحته لا تؤكل على معنى الاستحباب، وهو قول أبي مصعب.
وكذلك ذبيحة [المرأة] (١) عنده [كان] (٢) ذبحها على معنى الاضطرار أو الاختيار.
قال مالك [في كتاب محمد] (٣): "وتذبح المرأة أضحيتها، ولا يذبح الصبي [أضحيته] (٤)، والفرق بينهما [صحة] (٥) وجود القربة من المرأة وعدمها من الصبي، لأنه غير مكلف".
وقولنا: "عاقل"، احترازًا من المجنون والسكران، فإن ذكاتهما ليست بذكاة، لعدم القصد، ولا خلاف عندنا أن الذكاة تفتقر إلى النية، ولا يصحُّ وجودها من السكران والمجنون.
وقولنا: "غير مضيع للصلاة" احترازًا من تارك الصلاة ومضيعها، فإن من أكل ذبيحته قولان:
أحدهما: قول مالك "أنها تؤكل"، وهو المشهور.
والثاني: أنها لا تؤكل، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: هل يكفر من ترك الصلاة أو لا يكفر؟
وقولنا: "من كتابي ذبح لنفسه" احترازًا من أن يذبح لمسلم نيابة عنه،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٢١٧ ]
وقد اختلف المذهب في أكل ما ذبحه لمسلم، على قولين:
أحدهما: أنها تؤكل فيما عدا الأضحية، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنها لا تؤكل جملة، وهي رواية ابن [أبي] (١) أويس عن مالك في "المبسوط".
وفي المسألة قول ثالث: أن ذبيحته لمسلم تؤكل، سواء وكله على ذبح شاة لحم أو على أضحية، وهو قول أشهب في "مدونته".
قال مالك في "كتاب محمد": ويجوز أكل ذبيحة الأغلف والجنب والحائض".
وقال أيضًا: "وتؤكل ذبيحة السارق، لأنه إنما خرج عليه بمعنى السرقة، لا لأجل الذبح".
والجواب عن السؤال الثاني: الآلة التي بها يذكى والذكاة تصح بكل مجهز قاطع من حديد أو قصب أو عود أو حجر أو زجاج أو قرن أو عظم، وقد قال: "لا بأس أن يذبح بالليطة [والشريطة] (٢)، والمروة والمدية، فالليطة: فلقة القصبة، [والشريطة] (٣): فلقة العصا، وهي الطرر أيضًا، والمروة: الحجر والمدية: السكين.
والدليل على جواز الذبح بالأشياء التي ذكرناها حديث رافع بن خديج، خرجه البخاري ومسلم، أنه قال: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غدًا، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟، فقال رسول الله - ﷺ -: "فما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: والشطيرة.
(٣) في أ: والشطيرة.
[ ٣ / ٢١٨ ]
وفي حديث آخر: "إلا السن والظفر، وسأحدثكم عنهما، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة".
وقد اختلف المذهب في الذبح بهما [في الاتصال والانفصال] (١)، على أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك لا يجوز جملة، وهو قول مالك في كتاب محمد.
والثاني: أنه يجوز الذكاة بهما، بالاتصال والانفصال، وهو ظاهر قول أبي الحسن بن القصار، لأنه قال: "وعندي أن السن إذا كان عريضًا ممدودًا، أو الظفر كذلك، أن تباح [بهما] (٢) الذكاة كالعظم، ولكنه مكروه كالسكين [الكالة] (٣).
وبهذا أخذ أبو حنيفة: "إذا كان منفصلًا" [وقال الشيخ أبو الحسن اللخمي] (٤)، وظاهر قول أبي الحسن: أنه حمل قول مالك على أنه "لا تصح الذكاة بالسن والظفر بحال، كان منفصلًا أو متصلًا، وأنه هو أجاز ذلك لوجهين، وإن كان متصلًا، لأنه قال: "وبهذا أخذ أبو حنيفة إذا كان منفصلًا".
وقال الشيخ أبو الحسن اللخمي: "الحكم في المتصل والمنفصل سواء، لأن الاستثناء ورد فيها جملة".
والثالث: التفصيل بين أن يكونا منزوعين أو مزكيين: فإن كانا منزوعين، ولم يصغرا عن الذبح، حتى يمكن الذبح بهما، فلا بأس به، وهو قول ابن حبيب.
_________________
(١) سقط من ب، جـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: الكليلة.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٢١٩ ]
والرابع: التفصيل بين السن والظفر، فيجوز بالظفر ولا يجوز بالسن، وهذا القول حكاه ابن القصار عن بعض شيوخه، وهو ظاهر "المدونة" لأنه جوز فيها الذكاة بالعظم، ولا فرق بين العظم والظفر.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم من تعليله - ﷺ -: "فأما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة"، هل المفهوم منه أن السن والظفر لا مجهزان أصلًا، فلا يحصل بهما المقصود، وذلك بعيد من الظاهر، والمفهوم منه: أن الذكاة لا تصح بهما أصلًا.
ويحمل قوله: "أما السن فعظم" [على أن] (١) معناه: لا تصح به الذكاة في شيء يعني، وكون الظفر أيضًا بمدى الحبشة، فلا يجوز أن يذكى بها، وإن تمكن [بهما من] (٢) الإجهاز والإنهار، لأن النبي - ﷺ - علل بكونه لا ينهر الدم لا هو ولا السن، وإنما علل بكون هذا سنًا، وهذا مدى الحبشة، ويكون ذلك شريعة غير معقولة المعنى.
وعليه يدل الاستثناء، ولاسيما إذا حملناه على أنه استثناء من الجنس، وهو الأظهر [أو المفهوم منه أن السن والظفر لا يجهز ولا يحصل منه المقصود وذلك بعيد عن الظاهر] (٣).
وفي "النوادر": "لا بأس بالذبح بشفرة لا نصاب لها والرمح والقدوم والمنجل الأملس الذي يجز به، فأما المضرس الذي يحصد به، فلا خير فيه، لأنه يتردد [بها] (٤)، ولو قطع كقطع الشفرة، فلا بأس به، ولكن ما أراه يفعل.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
والجواب عن السؤال الثالث: في معرفة شرط الذكاة، فالذكاة لها فرائض وسنن وفضائل:
ففرائضها ستة: ثلاثة متفق عليها في المذهب، وثلاثة مختلف فيها في المذهب:
فأما الثلاثة المتفق عليها في المذهب:
النية: وهي القصد إلى الذكاة، ليبيح بها أكل تلك الذبيحة، فإذا لم تكن له نية إلى استباحتها لم تؤكل، وكانت ميتة.
ولأجل هذا منعنا أكل ذبيحة المجنون لعدم القصد. وقطع الودجين، لقوله ﵇: "ما فرى الأوداج فكلوا".
وفي البخاري ومسلم: "ما فرى الأوداج، فكل"، وإن كان السبب في السؤال عن الذي يذكى به، فإنه يتضمن الموضع الذي تقع فيه لاختصاصه بما ينهر الدم، ولم يقل: ويقطع الحلقوم والمرئ، والودجان موضع [ذكاة] (١) الدم لا الحلقوم.
وفي البخاري عن عطاء، قال: "الذكاة قطع الأوداج".
وأما الثلاثة المختلف فيها في المذهب: المرىء والحلقوم والفور:
فأما المرئ: فقد اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أنه ليس من شروط الذكاة، وهو قوله في "المدونة" ولم يذكر مالك المرىء، لأنه قال "والذكاة في الودجين والحلقوم"، ثم قال: "ولم يذكر مالك المريء، وهو الحلقوم الذي يدخل فيه الطعام والشراب"، معناه: لم يذكره في شروط الذكاة.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٢١ ]
والثاني: أنه من شروطها، وهو قول مالك أيضًا في كتاب [أبي تمام] (١) البغدادي"، على ما نقله اللخمي.
وأما الحلقوم: فهل هو من شروط الذكاة أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن قطع الحلقوم من شروط الذكاة، وهو نص المذهب.
والثاني: أنه ليس من شروط الذكاة، وهو قول جماعة من أصحاب مالك، وقد استقرأه اللخمي من "المدونة" من "كتاب الصيد"، من قوله: "إذا أدرك الصيد، وقد أنقذت [الجوارح] (٢) مقاتله، يستحب له أن يفري أوداجه"، فإن فرا الكلب أو الباز أوداجه:
قال مالك: "هذا قد فرغ من ذكاته كلها، ولم يراع الحلقوم"، ولو كان ذلك [من شروطه] (٣) لقال: "يجهز على الحلقوم"، لأنه يصح أن يعض الكلب بأنيابه الجانبين، فيصيب الودجين دون الحلقوم.
ويشهد لصحة هذا الاستقراء، ما وقع لمالك في "المبسوط": في رجل ذبح ذبيحة، فقطع أوداجها ثم وقعت، في ماء حيث قال: "لا بأس بأكلها".
واختلف إذا ذبح فقطع الأوداج، ورد [الغلصمة] (٤)، التي هي الجوزة كلها إلى البدن، هل تؤكل أو لا تؤكل؟ على قولين:
أحدهما: أنها تؤكل، وهو قول ابن وهب وأبي مصعب وموسى بن
_________________
(١) في جـ: أبي تمامة.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في جـ: القصبة.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
معاوية، وأبي زيد بن أبي العمر.
والثاني: أنها لا تؤكل، وهو قول ابن القاسم وأصبغ، [قال أصبغ] (١): لأن الحلقوم لم يقطع منه شيء، والذي قاله صحيح، لأن القطع إنما وقع في حد اللسان، وأما أشهب وابن عبد الحكم وسحنون: فقد اضطربت أقوالهم [وما اطردت] (٢) [فمرة قالوا: أنها لا تؤكل مثل ما قال ابن القاسم] (٣).
ومرة قالوا: تؤكل مثل ما قال ابن وهب.
وقال ابن وضاح: لم يحفظ لمالك فيها شيء، ولم يتكلم فيها إلا في أيام ابن عبد الحكم ونزلت [به] (٤).
ولو ذبح الجزار لرجل شاة، فأجاز الغلصمة إلى البدن: يضمن على قول ابن القاسم، ولا يضمن على قول ابن وهب وغيره.
وسبب الخلاف: اختلافهم في قطع الحلقوم، هل هو من شروط الذكاة أم لا؟
فلو قطع الأوداج وأكثر الحلقوم، هل تؤكل أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تؤكل إذا قطع من الحلقوم النصف فأكثر، وهو قول ابن حبيب وغيره على ما حكاه الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في "النوادر".
والثاني: أنه إذا قطع منه الثلث فأكثر، أكلت، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، على ما رواه عنه يحيى بن يحيى في الدجاجة والحمامة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٢٣ ]
والعصفور: إذا قطع أوداجه ونصف حلقومه أو ثلثه، قال: "لا بأس بذلك إذا لم يتعمد".
والقول الثالث: أنها لا تؤكل حتى يقطع [جميع] (١) الأوداج والحلقوم، وهو قول سحنون، فيما حكاه عنه الشيخ أبو محمد في الكتاب "المذكور" أيضًا.
وأما الفور، هل هو من شروط الذكاة أم لا؟
أما مع الذكر، فلا خلاف أنه لا يجوز له أن يبعض ذكاته مع اختيار.
واختلف إذا رفع يده، ثم أعادها بتردد ذلك، فأوجز ما بقى، هل تؤكل أم لا تؤكل؟ فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنها تؤكل جملة، وهو قول ابن حبيب.
والثاني: أنها لا تؤكل [جملة] (٢) [إذا رفع يده قبل تمام الذكاة، ولو] (٣) أعادها من ساعتئذ، وهو قول سحنون.
والثالث: التفصيل بين أن يرفع يده على معنى الاختبار أو على غلبة الظن:
فإن رفعها على معنى الاختبار أو ليرجع، أكلت.
وإن كان على غير ذلك، لم تؤكل، وهذا القول تأوله بعض [الأشياخ] (٤) على سحنون.
والرابع: بعكس قول سحنون، أنه إذا رفع يده على معنى الاختبار لم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ب.
(٤) في جـ: الأصحاب.
[ ٣ / ٢٢٤ ]
تؤكل، لأنه رفع مع الشك، فكأنه قصد إلى تبعيض الذكاة عامدًا.
وإن رفع وهو نوى أنه أتم ذكاته، ثم تبين له غير ذلك، فعاودها، أكلت، وهو أعذر من الذي رفع يده على الشك، وهذا تأويل بعض المتأخرين أيضًا.
وسبب الخلاف: هل الفور من شروط الذكاة اضطرارًا واختيارًا أو ذلك مع الاختيار دون الاضطرار؟
أو ما قارب الشيء، هل يعطى له حكمه أم لا يعطى له حكمه؟
وأما إذا اضطربت الذبيحة وترنمت بيد الذابح وزال السكين من موضع الذكاة، ثم ردها من ساعته أكلت، ولا ينبغي دخول الخلاف في هذا الوجه من وجهين:
أحدهما: قرب الشيء وتفاهة ذلك.
والثاني: كونه مغلوبًا، ولو غلبته الذبيحة قبل تمام الذكاة، فقامت ثم أضجعها، وأتم الذكاة، فهاهنا ينظر:
فإن كان الذي فعل بها قبل القيام مما لا تعيش معه [كأن يكون] (١) قطع أوداجها أو أحدهما، فهل تؤكل أو لا تؤكل إذا عاود الذبح؟
فهذا يتخرج على الخلاف الذي قدمنا فيما إذا رفع يده اختبارًا أو غلبة ظن.
وأما سنن الذكاة:
فمنها التسمية واستقبال القبلة:
أما التسمية، فقوله "بسم الله، والله أكبر"، ولا يذكر هنا غير الله
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
تعالى، وليس بموضع الصلاة على نبينا محمد - ﷺ -، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨، ١١٩]، وقال النبي - ﷺ -: "ما أرسلت عليه كلبك أو بازك، وذكرت اسم الله عليه، فكله".
فإن تركها ناسيًا، فإنها تؤكل باتفاق المذهب.
وإن تركها عامدًا، فقولان:
أحدهما: أنها لا تؤكل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنها تؤكل [إلا أن يتركها استخفافًا فلا تؤكل] (١) وهو قول أشهب، فابن القاسم جعله بنفس التعمد مستخفًا.
وسبب الخلاف: المتهاون بالسنن، هل هو كالتارك للفرض أم لا؟
فإن قلنا: إنه كالتارك للفرض، فلا تؤكل بنفس التعمد للترك، لأنه على التهاون والاستخفاف، [يحمل] (٢)، لأن ترك التعليم دليل على الاستهزاء بأوامر الشريعة، ثم لا يعذر بالجهل، لأنه مما يعم.
وقد قدمنا فيما سلف أن العبادات التي تعم ولا تخص [يجب] على كل مكلف معرفة أحكامها، وينبغي أن تكون الذكاة من هذا القبيل، لأن الشارع صلوات الله عليه ندب [كل] (٣) مكلف مطيق [للذبح] (٤) إلى ذبح أضحيته، وأمره أن يتولى ذلك بنفسه، ولا يوكل عليها غيره إلا عن عجز، ومن كان هذا حكمه فيندب أيضًا إلى معرفة أحكام الذكاة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: يحصل.
(٣) في أ: على.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٢٦ ]
وهذا كله يدل على أنه لا يعذر بجهل أو يقال التهاون بالفرض ليس كالتهاون بالسنة فيعذر بجهل، وإلى ذلك مال أشهب.
وأما توجيه الذبيحة إلى القبلة، فإنه من السنن أيضًا.
فإن ترك التوجيه بها إلى القبلة:
فإن كان ساهيًا: أكلت اتفاقًا.
وإن كان عامدًا: لم تؤكل.
فقيل: على معنى الاستحباب، وهو قول ابن المواز.
وقيل: على معنى الوجوب، وهو قول ابن حبيب.
وأما [فضائلها] (١):
فمنها جبذ الشاة بالرفق عند الذبح، وأن لا يُريها السكين، وألا يذبحها وأخرى تنظر إليها، وأن يضجعها على شقها الأيسر، لأنه أمكن للذبح، فإن أضجعها على شقها الأيمن عامدًا، أكلت، وكره له ما فعل إلا أن يكون أعسر فيجوز ذلك له، لأن ذلك أشد تأتيًا وآكد تمكنًا.
والجواب عن السؤال الرابع: في معرفة [ما يذبح وما ينحر وذلك على ثلاثة أوجه منها] (٢) ما يذبح ولا ينحر، وهو الغنم وسائر الطيور المقدور عليها والنعام.
ومنها: ما ينحر ولا يذبح، وهي الإبل.
ومنها: ما يشرع فيه الأمران، وهي البقر.
أما الذبح، فبالقرآن.
_________________
(١) في أ: فضيلتها.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٢٧ ]
وأما النحر، فبالسنة.
أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، وأما السنة: فحديث عائشة ﵂ أنها قالت: "نحر رسول الله - ﷺ -[عن أزواجه] (١) البقرة"، وثبت عنه - ﷺ - "أنه نحر في حجة الوداع بضعًا وستين إبلًا"، وأمر عليًا ﵁: "أن ينجر ما غبر"، يعني: ما بقى، والجملة كانت مائة، [والغابر من الأضداد: يطلق على ما بقى وعلى ما مضى] (٢).
وقال الله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، والذبح: ما يذبح، وقد كان كبشًا، فثبت [بذلك] (٣) أن الذبح سنة [في] (٤) الغنم والطيور.
والنحر سنة [في] (٥) الإبل. والبقر يستعمل فيها الأمران.
واختلف إذا ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يؤكل، ولبئس ما صنع، وهو قول أشهب في "مدونته".
والثاني: أنه لا يؤكل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثالث: التفصيل بين ما ينحر فيؤكل بالذبح، وما يذبح فلا يؤكل بالنحر، وهو قول ابن بكير، وهذا كله مع الاختيار.
وأما مع الاضطرار، كبقرة أو شاة وقعت في بئر أو بعير، فلم يستطع أن ينحر [البعير] (٦)، ولا أن يذبح الشاة أو البقرة، فهل يجوز أن ينحر [في] (٧)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) في ب: بمجموع ذلك.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٢٨ ]
غير محل النحر أو لا يجوز؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها لا تؤكل بغير الذبح والنحر في محله وذلك ما بين اللبة والمذبح كما قال مالك في المدونة: فإن ما بين اللبة والمذبح منحر ومذبح وإن نحر فجائز وإن ذبح فجائز [ولا يجوز] (١) فيما سوى ذلك [الموضع من جنب أو كتف لأن ذلك عقر والعقر لا يكون إلا في الصيد] (٢).
والقول [الثاني]: (٣) أنه يجوز ذلك في جميع الجسد حيث ما يمكن منه لأنها ذكاة [ضرورة] (٤) وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف:
هذه الضرورة هل تنقل الحكم [من محله] (٥) [فيباح في جميع الجسد] (٦) أو لا تنقله فيبقى كل واحد من النوعين علي أصله.
وأما ابن حبيب فقد جعل الضرورة تنقل [الحكم] (٧) عن محله فيجوز أن ينتقل إلى سائر الجسد ولا تخصيص لموضع دون موضع إلا بدليل وهو قول قياسي.
وأما ابن القاسم فلم [يجر] (٨) قوله على الأصل لأنه اتفق هو وابن حبيب أن الضرورة تنقل الحكم عن محله الذي هو الذبح والنحر وخصص به موضعًا بعينه من غير دليل ثبت عنده وذلك [مخصص] (٩) الدعوى إليهم
_________________
(١) في ب: يجزئه.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: ضرورية.
(٥) سقط من أ.
(٦) في جـ: فيجوز أن ينتقل إلى سائر الجسد.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: يزل.
(٩) في جـ: محض.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
إلا أن يكون هناك أثر فيتبع فسمعًا وطاعة.
والجواب عن السؤال الخامس: ذكاة الجنين، ولا تخلو ذكاة الجنين من وجهين:
أحدهما: أن يخرج بعد ذكاة أمه.
والثاني: أن يخرج وهي حية.
فإن خرج بعد ذكاة أمه فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يخرج قبل أن تتم خلقته.
والثاني: أن يخرج بعد أن تمت خلقته.
فإن خرج قبل تمام خلقته فإنه لا يؤكل باتفاق المذهب ولا تنفع فيه ذكاة أمه لأنه جيفة.
فإن خرج بعد تمام خلقته فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يخرج وهو حي.
والثاني: أن يخرج وهو ميت.
والثالث: أن يشك فيه.
فإن خرج بعد ذكاة أمه، وهو حي ثم مات من فوره، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن [يمكنهم] (١) ذكاته.
والثاني: أن يسبقهم بنفسه.
فإن أمكنهم ذكاته وفرطوا فيه حتى فاتهم بنفسه، فلا يؤكل، ولا أعرف في هذا الوجه نص خلاف، ولا هو محل له فإن لم يمكنهم ذكاته وسبقهم بنفسه، وفات بالحضرة بغير تفريط، ففي ذلك قولان:
_________________
(١) في أ: يمكنه.
[ ٣ / ٢٣٠ ]
أحدهما: أنه يؤكل مع الكراهية، وهو قول مالك في كتاب محمد.
والثاني: أنه لا يجوز أكله، وهو قول ابن الجلاب، وهو مذهب يحيى بن سعيد.
فإن خرج وهو ميت، فإنه يؤكل اتفاقًا في المذهب، غير أنه يستحب له أن يمر السكين على حلقه، [ليجري] (١) الدم من جوفه، وهو الذي قال فيه النبي - ﷺ -: "ذكاة الجنين، ذكاة أمه".
قال مالك: " [وهذا] (٢) إذا نبت شعره وتمت خلقته، فإن كان أحد هذين الوصفين، فلا يؤكل، وإن خرج حيًا".
وإن خرج وهو مشكوك فيه، هل يعيش أو لا يعيش؟، فلا يؤكل إلا بذكاة، ولا يستباح بذكاة أمه بالشك، وهو قول ابن حبيب.
وأما إن خرج وأمه حية، مثل أن تزلقه أمه، فلا يخلو حاله أيضًا من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تزلقه وهو حي حياة، بينة أنه يعيش لو ترك.
والثاني: أن تزلقه وهو ميت.
والثالث: أن يشك فيه.
فأما الوجه الأول: فإنه تصح فيه الذكاة، ويؤكل.
وأما الوجه الثاني: فلا يؤكل، إذ لا تستعمل الذكاة في جيفة.
وكذلك الوجه الثالث: إذا خرج مشكوكًا فيه، هل يعيش أو لا يعيش؟، فإنه لا يؤكل وإن أدركت ذكاته أيضًا، وهو قول ابن القاسم في "المستخرجة" [وغيرها] (٣). والحمد لله وحده.
_________________
(١) في ب: ليخرج.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٣١ ]
المسألة الثالثة
في طعام الذين أوتوا الكتاب وغيرهم من أنواع أهل الكفر:
أهل الكتاب: هم اليهود والنصارى.
والمجوس: هم قوم يعبدون النيران، وينفون الصانع.
والصابئون: هم قوم بين المجوسية والنصرانية.
والسامرية: صنف من اليهود، لا يؤمنون بالبعث، قاله عمر بن الخطاب ﵁ وغيره.
وأما طعام أهل الكتاب، فعلى ثلاثة أوجه:
[أحدها]: الطعام الذي أبيح لهم.
و[الثاني]: الطعام الذي حرم عليهم.
و[الثالث]: الطعام الذي حرموه [هم] (١) على أنفسهم.
فأما الذي أحل لهم: فهو ما عدا ما ذكر الله تعالى في كتابه، وعدده مما حرم عليهم، وهو ينقسم، أعني: ما أحل لهم إلى ما يفتقر إلى الذكاة.
وإلي ما لا يفتقر إليها.
فما لا يفتقر إلى الذكاة، فهو حلال لمن أكله من المسلمين، إذا سلم من مخالطة الأشياء المحرمة، مثل: الميتة والدم ولحم الخنزير، وذلك مثل: الخبز والزيت والسمن والعسل واللبن.
قال: مالك: "أحب إلى غسل آنية [النصارى] (٢)، وأن تسألهم عما
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: النصراني.
[ ٣ / ٢٣٢ ]
قربوا إليك [من الطعام] (١): أَطَبِّب هو؟ ".
قال: "وأما القدر الذي يطبخون فيها، فأحب إلى أن يغلي فيها الماء حتى يذهب ودكها، لأكلهم الميتة والخنزير".
قال: "وأما اللبن والزبد، فإن كانت آنيتهم نظيفة، فكل، وإن شككت فدع، ولا فرق بينهم وبين المجوس في ذلك".
وأما ما يفتقر إلى الذكاة، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يقصد أن يذبح ذلك قربة.
والثاني: أن لا يقصد بذلك قربة.
فإن قصد بذلك قربة، فلا يخلو من أن يذبح ذلك للصليب أو يذبحه لعيسى أو يذبحه لجبريل أو للكنائس:
فأما ما ذبحه لصلبانهم وللأصنام التي كانوا يعبدونها، هل هو محرم أو مكروه؟ على قولين:
أحدهما: أنه محرم، لأنه مما ذبح على النصب، وهو قول مالك في النوادر.
والثاني: أنه مكروه مثل: ما ذبح للكنائس والأعياد، وهو قول محمد وابن حبيب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، هل أراد بذلك كل ما ذبح لغير الله، صنمًا كان أو غيره، إذ كل معبود سوى الله فهو صنم، أو المراد بذلك ذبائح المشركين للأصنام التي
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٣٣ ]
كانوا يعبدونها في الجاهلية؟، وهو قول أصبغ في "ثمانية أبي زيد"، قال: "وأهل الكتاب ليسوا من أصحاب الأصنام".
وأما ما ذبح للأعياد والكنائس ولعيسى ولجبريل، فأكله مكروه غير محذور.
وقال ابن حبيب: "إن ما ذبح لهؤلاء ليضاهي ما أهل لغير الله به مما ذبح للأصنام، ولكن لم يبلغ به مالك التحريم، لأن الله تعالى أحل لنا طعامهم، وهو يعلم ما يفعلون"، والذي قاله صحيح، ولو كان يحرم ما ذبح باسم المسيح لما جاز أن يؤكل شيء من ذبائحهم إلا أن يُسألوا، هل سموه ذبحًا [للمسيح] (١) أو هو ذبح للكنيسة [أم لا] (٢)؟ بل لا يجوز وإن أخبر أنه لغير ذلك، لأنه غير صادق وإن لم يجب ذلك حلَّت ذبائحهم كيف كانت.
وأما ما يذبحونه ولا يقصدون به القربة، مثل شاة لحم ذبحوها لأنفسهم أو لضيف نزل عندهم، فإنه يجوز لنا أن نأكل منها ما كان حلالًا لهم.
ونتوقف عما كان محرمًا عليهم إذا ذكروا اسم الله عليها من غير كراهية في ذلك نعلمها في المذهب.
وأما ما حرم عليهم من الطعام، فقد نص الله عليه وبينه في كتابه بيانًا شافيًا لعباده، قال جل وعلا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦].
قال ابن حبيب: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الإبل وحمر الوحش والنعام والأوز
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٣٤ ]
وكل ما ليس بمشقوق الخف ولا مفتوح القائمة، ألا ترى أن الدجاج والعصافير انفرجت قوائمها، فاليهود تأكلها"، وقاله كله مجاهد.
فلو ذبح اليهود شيئًا من هذا المحرم عليهم، لم يحل أكله.
وأما الشحوم المحرمة عليهم، مثل الترب والكشا وهم شحم الكلا وما لصق بالقصبة وشبهها من شحم محض، واستثنى ما حمل الظهور: وهو ما يغشى اللحم من الشحم على الظهر وسائر الجسد أو ما اختلط بعظم.
فالحوايا: المباعر، [والمرابض] (١) التي تكون فيها الأمعاء تسمى بنات اللبن، فما في ذلك من شحم فهو ما استثنى.
فهذه جملة ما حرم الله تعالى عليهم من [الأنعام و] (٢) الشحوم.
واختلف المذهب عندنا في جواز أكل ما حرم عليهم بنص التنزيل:
أما [الشحوم] (٣)، فقلنا [فيها] (٤) ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها محرمة، وهو قول مالك في كتاب محمد، وحكى ابن القصار عن ابن القاسم وأشهب أنها محرمة أيضًا، وهو ظاهر المدونة في "كتاب الحج".
والثاني: أنها مباحة لنا، وهو قوله في "المبسوط"، وقال ابن نافع أيضًا، وهو ظاهر قول مالك في كتاب الجهاد.
والثالث: بالكراهية، وهو قول ابن القاسم.
_________________
(١) في أ: المرابط.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: الشحم.
(٤) في أ: فيه.
[ ٣ / ٢٣٥ ]
وسبب الخلاف: الذكاة، هل تتبعض أم لا تتبعض؟
وأما كل ذي ظفر، اختلف المذهب في جواز [أكله] (١) على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه ليس يذكى، وهو حرام لا يؤكل، وهو مشهور المذهب.
والثاني: [جواز] (٢) أكله، وهو قول [ابن وهب] (٣) وابن عبد الحكم.
والثالث: بالكراهية، وإن شئت جمعت بين الشحم ولحم ذي ظفر في التحصيل، فيتخرج منها أربعة أقوال:
[أحدها]: الإباحة في الجميع.
[والثاني]: التحريم في الجميع.
[والثالث]: الكراهية في الجميع.
والقول الرابع: بالتفصيل بين الشحم واللحم، فيجوز أكل الشحم [مع اللحم] (٤)، لأن الذكاة لا تتبعض، ولا يجوز [أكل] (٥) ذي ظفر.
وسبب الخلاف: اختلافهم في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، هل هو منسوخ بما خوطبوا به من الدخول في الشريعة المحمدية، أو غير منسوخ؟
فمن رأى أن ذلك منسوخ، قال: مضمون الآية الإخبار عما كان محرمًا في التوراة، وقد نسخ [بما خوطبوا] (٦) به من الدخول في شريعتنا، إذ لا خلاف بين الأمة أن الكفار مخاطبون بالإيمان، وليس من الجائز في الشرع
_________________
(١) في أ: أكلها.
(٢) في أ: جائز.
(٣) في ب: ابن حبيب.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: لحم.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٣٦ ]
أن يخاطبوا بالدخول في الإسلام وتكتنفهم شريعة محمد - ﷺ -، وهم مع ذلك [فسخت] (١) عليهم أحكام التوراة في الحلال والحرام، وذلك غير معقول ولا معقول، بل المنقول أن هذه الشريعة ناسخة لجميع الشرائع، وليس عصيانهم في ترك [امتثال] (٢) ما أمروا به من الإسلام، مما [يحرم عليهم] (٣) ما قد نسخ تحريمه.
ومن رأى أن ذلك غير منسوخ، قال: لا يصح في الحكمية الشرعية أن توضع منهم الأثقال مع بقائهم على السبب الموجب [لعقابهم] (٤) ذلك والله تعالى يقول: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ والبغي من أسماء التعدي، فعاقبهم الله تعالى بأن حرم عليهم بعض المحللات، لأجل ذلك التعدي، وقوله تعالى: "ذلك" إشارة إلى العلة والبغي الذي لأجله حرم عليهم. هذه الأشياء مذكورة في "كتاب التفسير"، وفيه كلام مبسوط، وليس هذا موضع ذكره، والذي [زادوه] (٥) من البغي أكثر مما كانوا عليه، وقد حرمت عليهم الشحوم وغيرها، وقد زادوا تحريف الكتاب المبين وتكذيب النبي ﵇ المبعوث لإقامة الدين، والله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فالإصر: هو الثقل، وإنما وضعت الأغلال والأثقال [عن] (٦) من آمن به واتبع ملته، وحلل ما حلله، وحرم ما حرمه، فهم الذين وصفهم الله بالمفلحين.
فأما من عصا وطغى وأثر الهوى على التقوى وكذب بالحسنى، كيف
_________________
(١) في جـ: بقيت.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: يجري عليه.
(٤) في أ: لتعقبهم.
(٥) في أ: زاده.
(٦) في أ: على.
[ ٣ / ٢٣٧ ]
توضع عنه الأثقال وتفك عنه السلاسل والأغلال؟ فهذا ما لا [يكون] (١) بحال.
ومن قال بالكراهة، فقد توسط، والتوسط سوق الاعتدال.
فإن ثبت النسخ بما خوطبوا به من الدخول في الإسلام، وقد يعتقدون أن ذلك التحريم باقٍ لبقائهم على الكفر، وأن هذه الذكاة ليست بذكاة، لأنه يشبه أن يكون ذكاة بغير نية، فلما أشكل الأمر فيها تزهد وتورع، فقال بالكراهة.
ومن فرق بين اللحم والشحم، فقد [أسلفنا] (٢) دليله عند ذكره.
وأما ما حرموه على أنفسهم اختراعًا منهم وافتراء على الله تعالى، مثل ما ذبحوه لأنفسهم ليأكلوه لا لتعظيم شيء فوجدوه فاسدا [عندهم] (٣) لأجل الريبة وشبه ذلك، فقد اختلف فيه قول مالك بالإباحة والكراهة، على قولين منصوصين في "المدونة" ولابن القاسم في غير "المدونة" أنها لا تؤكل، وظاهره على التحريم.
فيتحصل فيه ثلاثة أقوال: الجواز والمنع والكراهة.
وسبب الخلاف: اختلافهم [في المفهوم] (٤) من قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، هل المراد بذلك جميع ما سوى ما ذكر الله تعالى في كتابه ونص عليه في محكم التنزيل من غير اعتبار بما حللوه وما حرموه، ويكون معنى قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ أي: ما أباح الله تعالى لهم أكله، أو المراد بذلك: ما
_________________
(١) في أ: يؤكل.
(٢) في أ: استقبلنا.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٣٨ ]
هو من طعامهم الذين يقتاتون به ويأكلونه دون ما اجتنبوه وحرموه على أنفسهم، لأن ذلك ليس من طعامهم.
ومن قال: بالكراهة، فقد توسط.
وأما طعام المجوس: فينقسم أيضًا إلى ما يحتاج إلى الذكاة، وما لا يفتقر إلى الذكاة؟
فأما ما يفتقر إلى الذكاة، فلا يخلو من أن يتولى المجوسي ذكاته أو يوكل عليها مسلمًا:
فإن تولى المجوسي الذكاة بنفسه، فلا خلاف في تحريم أكله، لأن الأصل ألا تؤكل ذكاة من دان بغير دين الإسلام، فخصص الله تعالى من ذلك طعام الذين أوتوا الكتاب، وبقى ما عداه على الأصل.
وأما إن وكل على الذبح مسلمًا، فتولى ذبحها، فلا يخلوا من أن يوكله أن يذبحها لصنمهم أو يوكله على ذبحها ليأكلوها:
فإن كان الذبح للصنم، فاستقبل بها القبلة وسمى الله تعالى عليها: أكلت مع الكراهة.
وإن كان الذبح للأكل لا للصنم، مثل أن ينزل عنده مسلم فيستضيفه فتولى الذبح، فإنها تؤكل أيضًا اتفاقًا في مذهبنا، إذ ليس فيه خلاف منصوص في هذه المسألة إلا متأولًا، وهذا التفصيل لابن المواز.
وأما ما لا يفتقر إلى الذكاة من طعام فهل يجوز أكله أم لا؟
[أما الجنب: فقد نص عليه في "النوادر" وغيرها أنه لا يؤكل لعلمهم فيه أنفحة الميتة إلا ما لم يغيبوا عليه] (١).
_________________
(١) النوادر (٤/ ٣٦٦).
[ ٣ / ٢٣٩ ]
وأما ما عداه من سائر أطعمتهم التي لا تفتقر إلى الذكاة، فقد نص في "المختصر" على جواز أكل طعام المجوس كله: "فلا بأس بأكل طعام المجوس كله الذي ليس له ذكاة" وأما ذبيحة الصابئ، فقد اختلف فيها:
فقيل: إنها لا تؤكل على معنى الكراهة، وهو المذهب.
وقيل: إنها حرام، وهو مذهب الحسن وسعيد بن جبير في أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، وهم قوم بين المجوسية والنصرانية.
وأما ذبيحة السامرية: "فإنها تؤكل لأنهم صنف من اليهود لا يؤمنون بالبعث"، قاله عمر بن الخطاب ﵁ والحمد لله وحده.
[ ٣ / ٢٤٠ ]
المسألة الرابعة
في ذكاة المريضة والمتردية وأخواتها:
قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣].
فالميتة: ما مات حتف أنفه، فلا خلاف في تحريمها إلا للمضطر.
والدم: ينقسم إلى مسفوح وغير مسفوح:
فأما المسفوح: فهو المحرم بالاتفاق، لأن الدم الذي أطلقه الله تعالى في سورة المائدة، هو الذي قيده في سورة الأنعام بقوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فحمل فيه المطلق على المقيد، لأن ذلك نسخ كما صار إليه ابن شعبان، فإن سورة الأنعام مكية والمائدة مدنية، ولا خلاف عند أهل [العلم] (١) أنه لا تنسخ آية مدنية بآية مكية، لأن النسخ إزالة الحكم الثابت بالشرع المتقدم بالشرع المتأخر عنه، على وجه لولاه لكان ثابتًا، وهذا [حد] (٢) النسخ عند بعضهم.
وأما غير المسفوح، فقد اختلف فيه قول مالك على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الدم كله نجس، دم بني آدم، ودم الحيوان ما يؤكل لحمه منها وما لا يؤكل، ودم الحوت والبراغيث والذباب، وهو قول مالك في "المدونة"، وغيرها، الدم كله يغسل دم الحوت وغيره، ين كان في دم الذباب روايتان:
_________________
(١) في جـ: النظر.
(٢) في أ: حكم.
[ ٣ / ٢٤١ ]
أحدهما: أنه يغسل، وهو قول مالك في سماع أشهب عنه أيضًا، وإذا كان عنده نجس فهو حرام.
والقول الثاني: أنه طاهر وأنه ليس بنجس ولا حرام، وإنما المحرم المسفوح خاصة، وهو قول محمد بن مسلمة، وهو نص قول مالك [في المدونة] (١) في اليسير من الدم، أن الصلاة لا تعاد منه، وقد جاء عن عائشة ﵂ أنها قالت: "لولا أن الله سبحانه قال: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ لاتبع المسلمون ما في العروق، كما تبعته اليهود، وقد تطبخ البرمة وفيها الصفرة، ويكون في اللحم الدم، فلا يكون على المسلمين غسله.
وقوله: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ قد تقدم فيه الكلام.
﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] هو الذبح للأصنام.
والمنخنقة: قال ابن حبيب: "ما تختنق بحبل أو غيره أو يقودها برقبتها".
والموقوذة، المضروبة في مقاتلها، وحيث لا ترجى لها حياة مما أصابها من ضربة حجر أو عصا أو بندق أو غير ذلك.
والمتردية: التي تردت من شيء منيف أو جبل أو شرف أو هوة فيوهنها.
والنطيحة: التي تنطح بعضها بعضًا أو تنطح جدارًا أو صخرة، فيبلغ ذلك منها.
وأما أكل السبع: ما قطع السبع بطنها وما أصاب مقتلها أو يوهنها.
فالمنخنقة وأخواتها، لا يخلو لكم فيها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن ينفذ بذلك مقتلًا.
والثاني: ألا ينفذ لها مقتلا [ورجيت حياتها والثالث: ألا ينفذ لها
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٤٢ ]
مقتلًا] (١)، أنه آيس من حياتها.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا أنفذ الذي أصابها مقاتلها، فلا خلاف عندنا على المذهب أن الذكاة لا تستعمل فيها إلا متأولًا، لأن الحياة التي بقيت فيها حياة مستعارة، وفي "الأسدية" عن ابن القاسم فيمن أنفذ مقاتل رجل، ثم أجهز عليه [رجل] (٢) آخر فقتله.
قال ابن القاسم: "يقتل الثاني".
وقال أشهب: "يقتل الأول، ويعاقب الثاني"، وهو الصحيح، وما قاله ابن القاسم نادر.
فعلى قوله: أن الثاني يقتل [ويعاقب الأول] (٣)، فإن الذكاة تستعمل في المنفوذة المقاتل، والمقاتل عندنا خمسة:
انقطاع النخاع وهو المخ الذي في عظم الرقبة والصلب وقطع الأوداج وخرق المصران وانتشار الحشوة [وانتشار الدماغ فهذه المقاتل المتفق عليها على الخلاف في تفسير الاثنين منها: خرق المصران وانتشار الحشوة لأن أهل المذهب جعلوا لهما] (٤) وجهين من المقاتل: [فقالوا] (٥) فإن أرادوا بقطع المصران قطعه وإبانه بعضه من بعض، وأرادوا بانتشار الحشوة انتشار الثفل لانخراق المصران، فصحيح أنهما مقتلان، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الديات" أن انتشار الحشوة خروج الثفل من خرق المصران.
وإن أرادوا بانتشار الحشوة خروجها عند شق الجوف، فليس بصحيح،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
وقد قاله بعض الشيوخ.
وذهبوا إلى انتشار الحشوة خروجها عند شق الجوف [وشق الجوف] (١) ليس بمقتل عند جميعهم، لأن الجوف إذا شق [انتشرت] (٢) منه الحشوة ولم تنقطع منه، وعولجت وردت وخيط الجوف عليها، وهذا مشاهد معلوم، فليس نفس انتشارها بمقتل، ولهذا قال ابن القاسم تؤكل، وإن انتثرت حشوتها.
وأما شق المصران فإن كان من أعلاه، فمتفق عليه أنه مقتل.
وإن شق من أسفله، فليس بمقتل عند بعض محققي المتأخرين من أصحابنا، كالقاضي أبي الوليد بن رشد وغيره والفرق بينهما أن الشق إذا كان في الأعلى من حيث يجوز الطعام إلى المعدة فالغذاء يخرج منه [ولا ينفذ إلى المعدة و] (٣) الأعضاء ولا يغذي الجسم فيهلك إذا انقطع عنه الغذاء، ولهذا لما جرح عمر بن الخطاب ﵁ شرب لبنًا فخرج من جرحه، فقيل له: اعهد يا أمير المؤمنين، لما علم أنه قد أنفذت مقاتله.
فإذا كان الشق في أسفل الأمعاء، حيث يكون فيه الثقل، فليس بمقتل، لأن منفعة الغذاء قد صعدت إلى الأعضاء، وحصل منه المقصود، والأثفال لم يبق لها إلا الصرف خاصة، فإن خرجت فلا يضر.
واختلف في اندقاق العنق من غير أن تفتح، هل يعد مقتل أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه مقتل، وهو قول مطرف وابن الماجشون عن مالك.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: انتثرت.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٤٤ ]
والثاني: أنه ليس بمقتل، وهو قول ابن القاسم.
وفي انشقاق الأوداج من غير قطع، قولان:
أحدهما: أنه مقتل، وهو قول أشهب وغيره من أصحاب مالك.
والثاني: أنه ليس بمقتل، وهو قول محمد بن عبد الحكم.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا لم ينفذ لها مقتل ورجيت حياتها، فلا خلاف أنها [تستعمل فيها] (١) الذكاة.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا لم ينفذ ذلك لها مقتلًا، إلا أنه أيس من حياتها أو شك في أمرها، هل تعيش أو لا تعيش، وهل تستعمل الذكاة أو لا تستعمل؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تستعمل فيها الذكاة، وتؤكل إذا وجدت منها الحركة أو ما يقوم مقامها من استفاضة النفس في الحلق أو أمرًا يدل على وجود الحياة بها ساعة الذبح على ما سنبينه في ذكاة المريضة إن شاء الله، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو قول أصبغ أيضًا في "النوادر".
والثاني: أن الذكاة لا تستعمل فيها ولا تؤكل إذا ذكيت، وإن تحركت أو طرفت أو استفاض نفسها في حلقها، وهو قول عبد الملك بن الماجشون ومحمد بن عبد الحكم.
وسبب الخلاف: اختلافهم [في الاستثناء] (٢) في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، هل هو استثناء متصل أو استثناء منفصل؟
فمن جعله استثناء متصلًا، قال: تستعمل فيها الذكاة، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ من هذه المذكورات بعد حصول ذلك فيها.
_________________
(١) في أ: تعمل بها.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٤٥ ]
ومن جعله استثناء منفصلًا، قال: لا تستعمل فيها الذكاة، ويكون معنى قوله تعالى: " ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ من غير هذه المذكورات، وهو بمعنى "لكن"، والأصح: أنه استثناء متصل، لأنه لا خلاف أن الآية في المنخنقة وأخواتها ليست على عمومها، ولو كانت على عمومها لم تؤكل.
وإن ذكيت وكانت ترجى حياتها، فإذا ترك ظاهر الآية، ولم تحمل على عمومها، فحملها على ما مات منها ولم ندرك ذكاتها أحسن.
وإلى هذا المعنى أشار بعض المتأخرين.
وأما ذكاة المريضة، فلا خلاف في المذهب أنها تستعمل فيها الذكاة، وإن آيس من حياتها إذا وجد فيها علامات الحياة، وهي علامتان: الحركة وسيلان الدم أو ما يقوم مقام الحركة من استفاضة النفس في حلقها الذي يعلم أنه لا يكون إلا مع الحياة.
فإن تحركت ولم يسل [منها] (١) الدم، فإنها تؤكل عند ابن القاسم ابن كنانة، وقال محمد: "لا تؤكل إلا بسيلان الدم والحركة بعد الذبح، فإن لم يكن ذلك لم تؤكل إلا أن يكون فيها الحياة بينة كالنفس البين أو العين تطرف.
وأما الصحيحة إذا أشرفت على الموت لوجع فيها في جوفها، فبادرها بالذكاة، فسال دمها، ولم يتحرك منها شيء، فقال مالك في "النوادر": "إنها تؤكل فالحركة وسيلان الدم دليلان على الحياة في كل موضع، والحركة بانفرادها دليل على الحياة في المريضة، وسيلان الدم بانفراده دليل على الحياة في الصحيحة".
فخرج من هذا التحصيل أن سيلان الدم بانفراده: لا تؤكل به المريضة،
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٤٦ ]
والحركة بانفرادها: لا تؤكل بها الصحيحة، وإنما اعتمدت الحركة من المريضة دون سيلان الدم على انفراده، لأن المرض نقل معه الدم، وربما يعدم البتة إلا الشيء التافه، والحركة لا [تقدم] (١) بكليتها إلا مع عدم الحياة، فلذلك اعتبر ما يستمر وجوده مع الحياة دون ما يعدم استمراره مع وجود الحياة.
والصحيحة: لا تعتبر فيها الحركة لقوتها عليها، إذا لم يكن بها مرض يوهنها ويضعف قواها عن الحركة، فكان المعتبر غير الحركة الذي هو الدم، لأنه إذا ذبحها وسال دمها علم أنها قد ذبحت، وحياتها فيها مجتمعة.
فإذا لم يسل دمها علم أنه قد ذبحها بعد أن بردت وزهقت روحها لمرضها، وإنما يجري مع حرارة الجسد الذي يكون مع بقايا الحياة.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: تقدم.
[ ٣ / ٢٤٧ ]
كتاب الضحايا
[ ٣ / ٢٤٩ ]