تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها خمس مسائل:
المسألة الأولى في مقدار ما يقع به التحريم في الرضاع
ولا خلاف عندنا في المذهب أن المصَّة والمصتين يقع بها التحريم، ويقع بأقل ما يصح عليه اسم الرضاع، قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١).
فإذا لم يكن هناك سنة متفق عليها، ولا دليل يدل على حد معلوم، كان الرجوع إلى أقل ما يقع عليه اسم الرضاع، وهو الذي يدل عليه ظاهر القرآن.
فإذا ثبت ذلك فلا يخلو ذلك القدر من اللبن من أن يدخل [من] (٢) مدخل الطعام أو من غيره من سائر المنافذ:
فإن كان من مدخل الطعام، كالوَجُور: وهو ما يدخل من وسط الفم، وقيل: ما صُبَّ في الحلق، وكاللدود، وهو: ما صُبَّ من تحت اللسان.
وقيل: ما صُبَّ في جانب الفم.
فلا خلاف أعلمه في المذهب أنه يقع به التحريم ولا يشترط [فيه] (٣) ما يشترط فيما عداه من سائر المنافذ من الوصول إلى الحلق على ما نصف إن شاء الله تعالى: لأن الوجور دخل من المدخل المعتاد.
_________________
(١) سورة النساء الآية (٢٣).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٧٥ ]
وأما السعوط وهو: ما أُدخل [من الأذن] (١)، وما أُدخل في العين من الكحل، وما استدخل من أسفله أو من الحقنة، فقد اختلف في جميع ذلك.
فأما السعوط: فهو ما صب في الأذن والعين، فالمذهب فيها على قولين:
أحدهما: أنه يقع به التحريم جملة، وهو قول مالك في "كتاب ابن حبيب".
والثاني: التفصيل بين أن يصل إلى جوف الصبي فيقع به التحريم أو لا يصل فلا يقع به، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
وهذا منه بناء على أن هذا مشكوك فيه لقلته، واختلاف أحوال الناس في ذلك:
فمنهم من يصل ذلك له من ذلك المنفذ.
ومنهم من لا يصل له منه.
وأما الحقنة، فقد اختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يقع بها التحريم جملة بلا تفصيل، وهو قول ابن حبيب في "واضحته"، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الصيام" من "المدونة".
والثاني: أنه لا [يقع بها] التحريم جملة، وهو قول رواه أبو عبيد عن مالك ﵀.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٤ / ٧٦ ]
والثالث: التفصيل بين أن يقع بها الاغتذاء أو لا يقع بها:
فإن وقع بها الاغتذاء للصبي، بحيث لو منع الطعام ولم يصل منه شيء إلى جوف الصبي: لكان غذاء الحقنة يكفيه، كما فسره محمَّد بن الموَّاز: كان التحريم يقع بها.
فإن لم يقع بها الاغتذاء فلا يقع بها التحريم، وهذا قول ابن القاسم في "المدونة".
وسبب الخلاف: هل يعتبر في اللبن وصوله [إلى] (١) الحلق أو يعتبر الوصول إلى الجوف [على الجملة] (٢)؟
فمن [اعتبر] (٣) الوصول إلى الحلق قال: لا تقع الحرمة بشيء مما وصل من سائر المنافذ غير الفم.
ومن اعتبر الوصول [خاصة قال: مهما تيقن أن اللبن وصل] (٤) إلى الحلق أو إلى الجوف إن كانت حقنة، فالتحريم واقع.
ومن فصَّل في الحقنة بين أن تكون غذاءً أو لا تكون فقد راعى الأمرين ولاحظ الشقين، [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) في ع، هـ: من.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: يعتبر.
(٤) سقط من هـ.
(٥) زيادة من ع، هـ.
[ ٤ / ٧٧ ]
المسألة الثانية في اللبن، هل هو للفحل أم لا؟
فمذاهب فقهاء الأمصار أن اللبن للفحل، وأن الصبي [المرضع] (١) ابن له، وبه قال علي بن أبي طالب [وعبد الله بن عباس] (٢) - ﵃ -.
فإذا طئها ودَّرت لبنا بوطئه فاللبن له، ومن ارتضعته من الصبيان فهو ابن [له] (٣)، وهذا مذهب مالك -﵀- ويكون اللبن للفحل قبل أن تلد عنده.
وإنما اختلف المذهب في المرضع المطلقة إذا تزوجت ودخلت، ثم [ارتضعت] (٤) صبيًّا، هل يكون ابنا للأول أو للثاني أو لهما جميعًا؟ على خمسة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن لبن الأول ينقطع بوطء الثاني، وهو قول ابن وهب في "كتاب ابن شعبان": والمرضع ابن للثاني؛ لأنه بنفس الوطء دَرَّت اللبن، وتنقطع حرمة لبن الأول.
وهو ظاهر قوله في "المدونة": ويكون اللبن للفحل قبل أن تلد.
والثاني: أن اللبن لهما جميعًا، إن كان لبن الأول لم ينقطع وإن حملت، على ما نص عليه في "الكتاب"، أو "وضعت" على ظاهر ما في "الكتاب"، ونص مالك في "كتاب محمَّد".
_________________
(١) في ع، هـ: الرضيع.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في هـ: ارضعت.
[ ٤ / ٧٨ ]
والقول الثالث: أن حرمة لبن الأول تنقطع بالوضع، وهو قول مالك في "مختصر الوقار"، وهو الذي حكى ابن المنذر عليه إجماع العلماء.
والرابع: أنه لا ينقطع حرمة لبن الأول إلا بعد مضي خمسة أعوام، أقصى أمد الحمل من فراق الأول، وهو قول سحنون.
والقول الخامس: التفصيل بين أن يتساوى اللبنان أو يكون لأحدهما [غلبة على الآخر] (١):
فإن تساويا: فيشتركان في الولد.
وإن كان أحدهما تبعًا للآخر: فالحكم [للأكثر] (٢)، ويكون الولد ابنًا لصاحبه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" في مسألة الدواء والطعام إذا مزج بلبن امرأة، فغذي به الصبي، حيث اعتبر الغالب والمغلوب.
وإلى هذا الاستقراء ذهب بعض المتأخرين، وهو مذهب بعض العلماء.
وفرق بعض الحُذَّاق من المتأخرين بين الموضعين بأن الكثير من اللبن المضاف إلى القليل: لا يغير القليل عن صفته ولا يخرجه عن حكمه، بل هو لبن على ما كان عليه واللبن المضاف إلى الدواء أو الطعام فيه يُعتبر الغالب والمغلوب على مذهب ابن القاسم لإضافته إلى غير جنسه.
وأما ابن حبيب وغيره فلم يراعيا شيئًا من ذلك، وإنما اعتبرا وصوله إلى الجوف خاصة، واختلاط [اللبن مع] (٣) غيره من أنواع الأدوية والأطعمة لا يؤثر في إسقاط حكمه، للعلم الحاصل أن أجزائه هناك قائمة، وإن كانت غير بادية؛ لأن الجواهر تتراسن ولا تتداخل، والأقوال كلها
_________________
(١) في أ، جـ: على الآخر مزية.
(٢) في أ، جـ: للأكبر.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٧٩ ]
ضعيفة إلا قول سحنون؛ لأنه أشبه للقياس على الأمد الذي ينقطع فيه النسب، وهذا يشترط أن يكون لهذا التحديد نص يعضده دليل مسموع، وإلا [فدليل] (١) عليل يداويه غليل، وهذا إذا كان وطء الفحل حلالًا.
وأما إذا كان حرامًا، فلا يخلو ذلك الحرام من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون حرامًا، يلحق فيه النسب ويدرأ فيه الحد.
والثاني: أن يكون حرامًا، لا يلحق فيه النسب، ولا يدرأ فيه الحد.
[والثالث: إذا كان حرامًا لا يلحق فيه الولد، ولا يحد فيه الواطيء] (٢).
[والجواب عن الوجه الأول: إذا كان حرامًا يلحق فيه النسب ويدرأ فيه الحد كالذي تزوج خامسة أو المبتوتة قبل زوج أو أخته من الرضاعة جاهلا بالتحريم فالتحريم يقع بلبنه] (٣).
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان حراما لا يلحق فيه النسب كالزنا والغصب وما أشبهه، هل يقع التحريم أو لا يقع؟
فعن مالك في ذلك قولان:
أحدهما: أن التحريم يقع به، وهذا القول الذي ثبت عليه مالك على ما ذكر ابن حبيب.
والثاني: أنه لا يقع به التحريم، فجعل مالك -﵀- أن الحرام في هذا القول تابع للولد، فمهما ثبت النسب: وقع التحريم، ومهما لم
_________________
(١) في ع، هـ: فذلك.
(٢) سقط من أ.
(٣) وقع في النسخة أمتداخلا ورتب من النسخة هـ.
[ ٤ / ٨٠ ]
يثبت النسب: لم يقع التحريم، وهذا القول [أشبه] (١) بأصول المذهب.
وأما الثاني: فإنما اعتبر فيه الشبهة والصورة دون المعنى.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان حرامًا لا يلحق فيه الولد ولا يحد فيه الواطيء، كالذي تزوج امرأة فأتت بولد لأقل من ستة أشهر، ففسخ نكاحه، فأرضعت صبيًّا، أو وطأ أمة وهي حامل من غيره، هل تقع الحرمة بينه وبين ذلك الولد أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يقع به التحريم، ويكون الولد ابنا لهما جميعًا، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد"، وقال [ابن عبد الحكم] (٢) وإن لم يكن لها لبن؛ لأن الوطء يخرجه وينزل الدر، ومعناه: إذا كان قريبا من الوطء، وهو قوله في التي أتت بولد لأقل من ستة أشهر.
فإن بعد ما بين الوطء والرضاع وصار لها [ابنًا] (٣) على العادة التي تكون من الحامل عند الوطء ضعف أمر الثاني، وكذلك قال مالك وابن القاسم وسحنون في الأمة التي وطئها سيدها، وهي حامل من غيره: إن المحرمية تكون بين السيد وبين الولد؛ لأنه قد سقاه في بطن أمه بمائه، فكان كالرضاع.
وهل يعتق عليه أم لا؟ فمشهور المذهب أنه يؤمر ولا يجبر.
والقول الثاني: أنه لا يقع به التحريم بين الولد في المحرمية والثاني، وهو قول أبي إسحاق بن شعبان وغيره. والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: أثبت.
(٢) في ع، هـ: ابن القاسم.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٨١ ]
المسألة الثالثة في الأمد الذي يوثر فيه الرضاع
ولا شك ولا خفاء أن الله تعالى قد بين أمد الرضاع إباحة لمن أراد أن يتم الرضاع؛ لأن ذلك على سبيل الوجوب الذي لا يحل النقصان منه، ولا الزيادة عليه.
وقال جل وعلا: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ الآية (١).
ثم لا يخلو الولد في الرضاع من ثلاثة أوجه:
إما أن تفطمه [أمه] (٢) قبل الحولين.
أو بعد الحولين بيسير.
أو بعدهما بكثير.
فإن فطمته قبل الحولين، حتى استغنى بالطعام والشراب عن اللبن، بحيث أن لو عاد إلى الرضاع لم يكن له غذاء، ثم ارتضعته امرأة أخرى بعد ذلك قبل تمام الحولين، هل يحرم أو لا يحرم؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يحرم شيئًا، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يحرم، وهو قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ.
والثالث: إن كانت مصة أو مصتين فلا يحرم، وهو قول أبي
_________________
(١) سورة البقرة الآية (٢٣٣).
(٢) سقط من أ.
[ ٤ / ٨٢ ]
الحسن اللخمي.
وسبب الخلاف: تعارض الأثرين: قوله -﵇: "لا رضاع بعد فطام" (١)، وهذا الأثر يقتضي: ألا يحرم ما ارتضع بعد الفطام، كما قال ابن القاسم.
والأثر الذي يعارضه قوله - ﷺ -: "إنما الرضاعة من المجاعة" (٢)، غير أن هذا الأثر يحتمل أن يريد الرضاع الذي يكون في سن المجاعة كيف ما كان الطفل، وهو سن الرضاع، ويكون معارضًا لقول ابن القاسم، ويحتمل أن يريد إذا كان الطفل غير مفطوم، فإن فُطم في بعض الحولين لم يكن رضاع من المجاعة.
[وأما الوجه الثاني:] (٣) إذا فطم بعد الحولين بيسير، فقد اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أن الزيادة على حولين لا تؤثر [فيها] (٤) الرضاعة، ولا توجب تحريما، وهذا قول قياسي؛ لأن ذلك [زيادة] (٥) على ما ذكره الله تعالى في كتابه.
والثاني: أن الزيادة [اليسيرة] (٦) داخلة في الحولين، وهو قول مالك ﵀.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٥٦٤)، (٧٣٣١)، والصغير (٩٥٢)، وعبد الرزاق (١٣٨٩٩) من حديث علي مرفوعًا.
(٢) أخرجه البخاري (٢٥٠٤)، ومسلم (١٤٥٥).
(٣) سقط من هـ.
(٤) في أ، جـ: فيه.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: بيسير.
[ ٤ / ٨٣ ]
وسبب الخلاف: [اختلافهم في] (١) ما قارب الشيء هل يُعطى له حكمه أو لا يُعطى له؟
وعلى القول بأن الزيادة اليسيرة يحرم فيها الرضاع كالحولين، اختلف في حدها على أربعة أقوال:
أحدها: أن تكون الزيادة مثل نقصان المشهور، وهو قول مالك في "الحاوي" لأبي الفرج، وبه قال سحنون.
والثاني: أنها مثل الشهر لا أكثر، وهو قول القاضي أبي الحسن بن القصار.
والثالث: الشهر والشهران، وهو قول مالك في "المدونة".
والقول الرابع: أن الزيادة اليسيرة، [نحوًا من] (٢) ثلاثة أشهر، وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك في "مختصر ما ليس في المختصر".
وسبب الخلاف: معارضة الأثر لكتاب الله تعالى، فإن الله تعالى قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٣)، وهذا يوهم أن الزائد عليه لا يحرم.
ويعارضه قوله - ﷺ -: "إنما الرضاعة من المجاعة" (٤)، يقتضى [عمومه] (٥): أن ما دام الطفل غذاؤه اللبن، أن ذلك الرضاع يحرم.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: مثل.
(٣) سورة البقرة الآية (٢٣٣).
(٤) تقدم.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ٨٤ ]
وأما الوجه الثالث: إذا جاوز الحولين بكثير، فإن ذلك الرضاع لا يؤثر، ولا له حرمة، ولا يحرم، سواء فطمته أمه أو كان رضاعًا متصلًا على ظاهر المذهب؛ لأن رضاعه حينئذ [تولّه] (١) وليس برضاع ينبت اللحم وينشز العظم، وذلك من باب رضاعة الكبير. والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: تولع، والمثبت من هـ وهو الصواب.
[ ٤ / ٨٥ ]
المسألة الرابعة في اللبن الذي يقع به التحريم
واللبن علي وجهين:
لبن البهيمة ولبن بني آدم.
وأما لبن البهائم: فلا خلاف أنه لا يؤثر في التحريم، لا في الصغير ولا في الكبير.
وأما لبن بني آدم فعلى وجهين:
ذكرانًا وإناثًا.
فأما لبن الذكران، فهل يقع به التحريم أو لا يقع؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يحرم، وهو نص "المدونة".
والثانى: يكره إن تناكحا، وأن رضاعه يوجب المحرمية على وجه الكراهة، وهو قول مالك في "كتاب ابن شعبان".
والثالث: أنه يحرم كما يحرم رضاع الآدمية، وهو مذهب بعض المتأخرين، واختاره بعض الشيوخ؛ لأنه إذا كانت الحرمة بما تكون عن وطئه من اللبن كانت الحرمة بمباشرة لبنه الولد أولى.
وقال بعض المحققين من أصحابنا: هذا غير موجود فضلًا عن أن يكون له حكم شرعي.
وسبب الخلاف: هل الاعتبار بالألقاب والمسميات أو الاعتبار بالمعاني؟
[ ٤ / ٨٦ ]
فمن اعتبر الألفاظ والتسمية قال بوجوب التحريم لمشاركة الاسم التحريم.
ومن اعتبر المعاني قال: لا يوجب التحريم، ويعضده قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١)، والرجل ليس بأم.
وأما لبن الإناث: إناث بني آدم، فلا تخلو المرضعة من أن تكون صغيرة أو كبيرة.
فإن كانت صغيرة، غير بالغة [ومثلها توطأ فالتحريم يقع بلبنها وإن كانت صغيرة غير بالغة] (٢) ولا يوطأ مثلها، هل يقع التحريم بوطئها أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يحرم، وهو ظاهر المدونة.
والثاني: أنه لا يحرم، وهو قول ابن الجلاب.
فإن كانت كبيرة، فلا يخلو من أن تكون حية أو ميتة.
فإن كان حية، فلا خلاف أعلمه في المذهب [نصًا] (٣): أنه يحرم سواء كانت ذات زوج أو فارغة من زوج، حاملًا كانت أو حائلًا، آيسة كانت أو غير آيسة.
فإن كانت ميتة، فلا يخلو من أن يكون اللبن قد انفسد بموتها أو لم ينفسد.
فإن انفسد اللبن وتغير عن الحال الذي يقع به الاغتذاء للصبي: فلا يقع
_________________
(١) سورة النساء الآية (٢٣).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٨٧ ]
به التحريم، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن سحنون" ولا فرق على هذا بين أن تكون ميتة أو حية.
فإن كان اللبن على صفته، ولم يتغير بموتها: فإن التحريم يقع به، وإن كان نجسًا، لأن نجاسته لا تخرجه عن أن يكون مغذِّيًا.
وقال بعض المتأخرين: "وهذه المسألة تكاد أن تكون غير واقعة، ولا وجود لها إلا في القول".
قال في "المدونة": ويحد من وطئ ميتة، وكذلك يقع التحريم [بلبنها] (١). يريد: أن حرمة الميتة في نكاحها والحية واحدة في إيجاب الحد وتحريم الفرج.
وكذلك رضاعها في الحرمة في الحياة والممات، فهذا في الأجنبي إذا وطئها بعد موتها.
فأما زوجها إذا وطئها، فقد اختلف المتأخرون في حده؟
على قولين:
أحدهما: أنه يحد.
والثاني: أنه لا يحد، وهو المشهور عند محققيهم، لبقاء أسباب الزوجية بينهما، وتمادى بعض حقوقها، لجواز غسله إياها متكشفة، [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في جـ: بينهما.
(٢) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٤ / ٨٨ ]
المسألة الخامسة فيما يجب على الأم من رضاع ولدها
ولا تخلو الأم من أن تكون في عصمة الزوج أو [في غير عصمته فإن] (١) كانت [في عصمة الزوج أو] (٢) في عدة من طلاق رجعي.
ولا تخلو المرأة من أن تكون من ذوات الشرف أو من غيرهن.
فإن كانت من ذوات الشرف، فلا يخلو الأب من أن يكون موسرًا أو معسرا.
فإن كان الأب موسرًا، والولد يقبل غير أمه من المراضع: فلا يلزم أمه من رضاع ولدها شيء؛ لأن العرف يشهد لها ألا ترضع؛ لأن ذلك عادة أمثالها، والعرف دليل شرعي [عندنا] (٣)، إلا أن ترضعه بأجرة فيكون ذلك لها.
وإن كان الأب مُعسرًا، فلا يخلو الولد من أن يقبل غير أمه أو لا يقبلها.
فإن كان يقبل غير أمه: فالأم والأجنبية في ذلك سواء.
فإن وجد الأب من يرضعه: كان له أن يسلمه إليها، ولا تجبر الأم مع وجود غيرها.
فإن كان الولد لا يقبل غير الأمه: جبرت الأم على إرضاعه بغير أجر
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٨٩ ]
يكون في ذمة الأب، كما لو [مات] (١).
فإن كانت دنية ومن مثلها تباشر رضاع الصبيان. ومؤنتهم، فلا يخلو من أن يكون لها لبن أو لا لبن لها:
فإن كان لها لبن: جبرت على إرضاع ولدها من غير اعتبار، عسر الزوج أو يسره.
فإن لم يكن لها لبن، أو كان لها فانقطع، فلا يخلو الأب من أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان موسرًا: كانت الإجارة على الأب.
وإن كان معدمًا، فلا تخلو الأم من أن تكون موسرة أو مُعسرة.
فإن كانت معسرة: لم يكن عليها من رضاع ولدها شيء، ولا يلزمها أن تستأجر من ترضعه، وتتبع بذلك في ذمتها.
فإن كانت موسرة [هل يلزمها أن تستأجر على رضاع ولدها؟] (٢)، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يلزمها أن تستأجر [له] (٣) من ترضعه من مالها، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن عليها أن تستأجر من مالها، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
وسبب الخلاف: هل رضاع الولد متعلق بذمتها أو متعلق بوجود اللبن؟ والقولان قائمان من "المدونة" في "كتاب الصيام".
_________________
(١) في ع، هـ: ماتت.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٩٠ ]
فإن كانت في غير عصمته: كان لها الأجر على الرضاع، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١).
ثم إن الأب لا يخلو من أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان موسرًا، فطلبت الأجرة على الرضاع، ووجد الأب من قرابته من يرضعه بدون ذلك، فلا يخلو الولد من أن يقبل غير أمه أو لا يقبلها.
فإن كان يقبل غير أمه، فالأم مخيرة بين أن ترضعه أو تسلمه، فإذا قلنا: إن لها أن ترضعه، هل ترضعه بأجرة المثل [ما بلغت] (٢) أو بما وجد؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنها ترضعه بأجرة المثل من غير اعتبار بما [طلبت] (٣) ولا ما وجد، وهو ظاهر "المدونة" حيث قال: وليس للأب أن يفرق بينه وبينها إذا أرادت أن ترضعه بما ترضعه به الأجنبية، ثم بين ذلك آخر المسألة قال: فإنها أحق به بأجر رضاع مثله، وقال أيضًا آخر المسألة: إذا وجد من يرضعه باطلًا، وهو موسر لم يكن له أخذه وعليها رضاعه بما ترضع به غيرها، ويجبر الأب على ذلك.
فهذه كلها شواهد تشهد على أنه لا ينظر إلى ما وجد ولا إلى ما طلبت، وهو تأويل أبي القاسم بن المكاتب على "المدونة".
والقول الثاني: أنها تخير بين أن تسلمه وترضعه بما وجد، وهو نص "المدونة" أيضًا، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه" وإلى هذا ذهب بعض المتأخرين أيضًا.
_________________
(١) سورة الطلاق الآية (٦).
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ، جـ: طلب.
[ ٤ / ٩١ ]
واختلف في الأب إذا وجد من يرضعه باطلًا، والأب موسر، هل تكون الأم أحق به بأجرة المثل أو تخير بين أن تسلمه أو ترضعه باطلًا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الأم أحق به، بأجرة المثل ولا قول للأب، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن القول قول الأب إذا وجد من يرضعه باطلًا، لا حق فيه للأم إلا أن ترضى أن ترضعه بالأجر، وهو قول حكاه سحنون في "كتاب الرضاع" في بعض روايات "المدونة"، قال: وقد قيل، ولم يسم قائله.
والقولان عن مالك من رواية ابن وهب عنه [وغيره] (١) في "الواضحة" و"الموَّازية".
فإن كان الولد لا يقبل غير أمه، وقد علق بها، ولا صبر له عنها، وخيف عليه فإن الأم تجبر على رضاعه بأجرة مثلها، وهذا نص "المدونة"، ولا خلاف في هذا الوجه، وهذا كله إذا كان الأب موسرًا.
[وأما: إذا] (٢) كان الأب معسرًا، فلا يخلو الولد من أن يكون له مال أو لم يكن.
فإن كان له مال: فإنها ترضعه بأجرة مثلها من ماله.
فإن لم يكن له مال، وكان لها لبن: جبرت على رضاعه، وقال في "الكتاب" بخلاف النفقة التي لا يقضى بها عليها، غير أنه يستحب لها أن تنفق عليه، ولا تدعه بلا نفقة، وهذا مستوعب في "كتاب الصيام" بما أغنى
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) في أ: فإن.
[ ٤ / ٩٢ ]
عن تكراره في هذا الموضع، وقد وقع في "كتاب الرضاع" في أواخره في "باب استرضاع الكوافر" لفظة تؤذن بأن عرق السكران وعرق الجلالة من الأنعام ولبنها نجس، وهو قوله: إنما غذاء اللبن بما يأكلن وما يشربن، وهي تأكل الخنزير وتشرب الخمر.
[وهكذا] (١) عند ابن عتاب فظاهره: أن العلة نجاسة لبنها، [وهو] (٢) ظاهر لمن تأمله [و] (٣) في بعض الروايات، وهي رواية ابن عيسى: إنما غَذِّي الصبي بما يأكلن ويشربن، إلى آخر الكلام.
تم الكتاب والحمد لله
_________________
(١) في أ، جـ: وهذا.
(٢) في أ، جـ: هذا.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٩٣ ]
كتاب إرخاء الستور
[ ٤ / ٩٥ ]