تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها اثنتا عشرة مسألة.
المسألة الأولى في الرهن المشاع
أصل الرهن معناه (١): اللزوم، وكل شيء ملزوم، فهو [رهين] (٢)، يقال: هذا مرهون لك أي: محبوس دائم لك، وكل شيء ثبت [لك] (٣) ودام فهو رهن، يقال: أرهنتك، فأنا راهن، وأنت مرتهن بكسر الهاء، ولا يقال إرتهنت، وأما المرتهن -بفتح الهاء: فالشيء المرهون، ويسمى رهنًا بالمصدر.
وقد ينطلق المرتهن -بفتح الهاء- على آخذ الرهن؛ لأنه وضع عنده الرهن، وينطلق على الرهن؛ لأنه سبب للرهن، فإذا ثبت ذلك، فرهن المشاع جائز عندنا، خلافًا لأبي حنيفة.
ثم لا يخلو ذلك المشاع من وجهين:
أحدهما: أن يكون مشاعًا يملك الراهن جميعه، أو يكون مشاعًا بينه وبين غيره.
فإن كان مشاعًا يملك جميعه، فلا يخلو من أن تكون يده باقية على ما لم يرهنه، أو رفع يده عنه.
فإن رفع يده، وقبض المرتهن جميع المشاع، وحازه: فلا خلاف في المذهب في الجواز.
_________________
(١) القاموس المحيط (ص/ ١٥٥١).
(٢) في ب: رهن.
(٣) سقط من أ.
[ ٨ / ٢٥٣ ]
وإن بقيت يد الراهن مع المرتهن: فالمذهب على قولين [قائمين] (١) من المدونة:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، ولا يصح فيه [الحوز] (٢) للمرتهن مع بقاء يد الراهن عليه؛ لأن القدر الذي حازه المرتهن مجهول غير معلوم وهو قول ابن القاسم في أول كتاب الرهون.
والثاني: أنه يجوز، وتكون يد الراهن [والمرتهن] (٣) [متساويين] (٤) في الرهن [في] (٥) التصرف فيه، وبذلك يكون المرتهن أحق من الغرماء، وهذا القول قائم من المدونة من كتاب الرهون من مسألة الذي رهن رهنًا من رجلين، فقضى لأحدهما ما له عليه من الدين، فإن له أخذ حصته من الرهن، فهذا نص قوله في المدونة (٦).
فإذا رجع نصف الرهن إلى يد الراهن، فقد عاد الرهن مشاعًا بين الراهن والمرتهن.
والقولان منصوصان في المذهب.
فإن كان مشاعًا بينه وبين غيره، فرهن الراهن حصته من المشاع، فلا يخلو من وجهين:
إما أن يكون [الرهن] (٧) مما [يتحول] (٨) ويزول، [أو مما لا يتحول
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: الحق.
(٣) بيان في أ.
(٤) في أ: سواء.
(٥) في أ: و.
(٦) المدونة (٤/ ١٦٤).
(٧) سقط من أ.
(٨) في ب: يحول.
[ ٨ / ٢٥٤ ]
ولا يزول] (١).
فإن كان مما [يتحول به] (٢) ويزول؛ كالعبد والدَّابة، والثوب: فلا يخول من أن يكون على يد المرتهن وحده، أو يكون تحت يده، ويد الشريك.
فإن كان على يد المرتهن وحده أو على يد غيرهما: فلا خلاف في الجواز.
وإن كان على يديهما جميعًا -يد المرتهن والشريك- فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه رهن جائز محوز، وهو قول ابن القاسم في المدونة وغيرها.
والثاني: أنه لا يكون حوزًا، ولا ينتفع به المرتهن ما دامت عليه يد الشريك، وهو قول أشهب.
ولو كان العبد أو الثوب عند الشريك وتحت يده: فلا يخلو من أن يكون حائز للمرتهن، أو غير حائز له.
وإن رضي الشريك أن يكون حائزًا للمرتهن، وكان بإذنه: فلا خلاف في الجواز، ويكون رهنًا محوزًا.
وإن كان بغير إذن [المرتهن] (٣): فإنه يتخرج على قولين قائمين من المدونة (٤):
أحدهما: أن ذلك حوز.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في ب: يحول.
(٣) في ب: الشريك.
(٤) المدونة (٤/ ١٣٣).
[ ٨ / ٢٥٥ ]
والثاني: أن ذلك ليس بحوز.
وينبني الخلاف: على الخلاف في حوز الغير، هل هو حوز، وإن لم يأذن المحوز له في ذلك؟ وهو قائم من مسألة رهن فضلة الرهن، ومسألة من وهب خدمة عبده لرجل سنة، ثم رقبته لآخر.
فإن كان غير جائز له، ولا رضي بذلك: فالرهن غير محوز، قولًا واحدًا.
ولا خلاف عندنا أن الحوز مشروط في الرهن، خلافًا للشافعي الذي يقول [إنه] (١) بنفس الرهن صار مقبوضًا محوزًا، والدليل على ما نقوله: قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٢)؛ فوصفه الله بصفة زائدة على تسميته رهنًا.
فإذا ثبت ذلك، فحوز كل شيء على حسبه.
فإن كان الرهن مما يبان كالثوب والعبد وسائر العروض لم يصح الحوز إلا بمعاينة البينة لقبض المرتهن، أو من وضع على يده.
وأما ما لا [يتحول] (٣) ولا ينقل؛ كالدور والأرضين، وما لا يمكن البينونة به؛ كالسفن والأعدال فيجزئ في ذلك الإقرار والتسليم ويكون المرتهن رقيبًا ومانعًا للراهن أن يضع يده على تلك الأشياء المرهونة.
وكذلك الأرضون والشجر والبساتين: فالإقرار بالتسليم والمرتهن يمنع الراهن في المستقبل من التصرف فيه، على حسب ما هو مذكور في الأمهات، فلا نطول في إيراده [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سورة البقرة الآية (٢٨٣).
(٣) في ب: يحول.
(٤) زيادة من ب.
[ ٨ / ٢٥٦ ]
[المسألة الثانية] (١) في تعدي أحد المتراهنين في بيع الرهن
ولا يخلو بيعه من أن يكون بتعدي الراهن، أو بتعدي المرتهن.
فإن كان بتعدي الراهن فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل قبض الرهن، أو بعده.
فإن كان ذلك قبل قبضه فلا يخلو من أن يبيعه مبادرة أو بعد التراخي.
فإن باعه مبادره دون توان من المرتهن في القبض، فإن لم يعلم المرتهن بالبيع فله نقض البيع، واسترجاع الرهن قولًا واحدًا، إلا أن يرضى الراهن بتعجيل الحق وكان مما له تعجيله، ويجبر المرتهن على قبضه كالعين وعروض [العوض] (٢)، وفي رد البيع إن علم قولان:
أحدهما: أن البيع في الرهن ماض، ويكون الثمن رهنًا، وهو تأويل أبي محمد على المدونة من قوله لأن تركك إياه حتى باعه، وقد أمكنك أخذه يدل أنه إن لم يتراخ في القبض لم يبطل الرهن ومضى البيع، وكان ثمنه رهنًا.
والثاني: أن البيع لا يجوز ويرد، ويبقى رهنًا.
وإن باعه بعد توان المرتهن وتراخيه عن القبض، فهل له رد البيع أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن البيع ماض ولا يرد، وهو قول مالك وابن القاسم في
_________________
(١) في ب: المسألة الثالثة.
(٢) في أ: العروض.
[ ٨ / ٢٥٧ ]
المدونة في مسألة ميمون (١) أن البيع ماض، وليس له أخذه برهن غيره، قال: لأن تركك إياه حتى باعه، وقد أمكنك منه كتسليمك بذلك، وبيعك الأول غير منتقض، وهو قوله في بعض روايات كتاب محمد، وهو قائم من المدونة من كتاب الصدقة [والهبات] (٢) في الواهب إذا باع الهبة قبل القبض، وهو قول أشهب في "النوادر" (٣).
والثاني: أن للمرتهن أن يرد البيع وينقضه، إلا أن يأتي الراهن برهن ثقة، فيمكن من ذلك، وهو أحد قولي مالك في كتاب محمد أيضًا، وعليه اختصر أبو محمد في المختصر، وعليها نقل في "النوادر" أيضًا قال: "وليوضع له رهنًا إلى أجله"، وعليها نقل ابن أبي زمنين من كتاب محمد أيضًا، وهو قول عبد الملك فيمن غر برهن ثم استحق، فهو في التعدي على الرهن بعد صحته أبين.
والثالث: التفصيل بين أن يكون موسرًا، أو معسرًا.
فإن كان الراهن موسرًا نقد البيع، وعجل للطالب حقه.
وإن كان معسرًا، لم [ينفذ] (٤) البيع في الرهن والرهن على حاله، والبيع مردود، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والرابع: التفصيل بين أن يكون الرهن مشروطًا في عقد البيع أو القرض، أو تبرع به بعد العقد.
فإن كان مشروطًا في أصل العقد فللمرتهن نقض البيع، واسترجاع الرهن مع القيام، إلا أن يأتيه برهن ثقة.
_________________
(١) المدونة (٤/ ١٥٥).
(٢) سقط من أ.
(٣) النوادر (١٠/ ١٧٠).
(٤) في أ: ينقض.
[ ٨ / ٢٥٨ ]
وإن تبرع به بعد العقد: فلا مقال للمرتهن في نقض البيع، ولا الرجوع في عين شيئه، وهذا القول لبعض المتأخرين.
وعلى القول بأنه لا مقال له في نقض البيع، هل له في الثمن مقال أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه لا مقال له في الثمن، وأنه للراهن، ولا يعجل له الحق، ولا يوضع له رهن آخر، ولا ينتقض ما بينهما من بيع أو قرض، وهو قول مالك، وابن القاسم في كتاب محمد، وهو قول أشهب في الهبة في أول كتاب الصدقة من المدونة.
والثاني: أن له في الثمن مقالًا؛ لأنه عوض رهنه، فيوقف له رهن، ويطبع عليه، إلا أن يأتي الراهن برهن ثقة فيأخده، وهو قول ابن الماجشون في الغرور بالرهن، وهو قول ابن القاسم في مسألة الهبة في كتاب الصدقة من المدونة.
وذلك بيمين المرتهن أنه ما رضي ببيع الرهن [ما لا] (١) ليكون الثمن رهنًا ثقة لحقه، أو بغير يمين؟
فإنه يتخرج على قولين.
وسبب الخلاف: اختلافهم في السكوت هل يعد كالرضا أم لا، وهو أصل [ينبني] (٢) عليه كثير من فروع المذهب [وبالله التوفيق] (٣).
وأما الوجه الثاني في الوجه الأول: إذا باع الراهن بعد قبض المرتهن،
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في أ: بنينا.
(٣) زيادة من ب.
[ ٨ / ٢٥٩ ]
وحوزه إياه فلا يخلو من [أن] (١) يبيعه بإذن المرتهن، أو بغير إذنه.
فإن باعه بإذنه: فلا يخلو من أن يسلم له الرهن، أو يبيع وهو في يده.
فإن سلمه المرتهن للراهن، وخرج من يده، فباعه الراهن فقد خرج من الراهن، ولا حق له في الثمن ولا في المثمون، وهو قوله في المدونة، وقيل: إنه يحلف ويكون أولى بالثمن من الغرماء إذا أسلمه، وهو قول أشهب في "الموازية".
فإن باعه الرهن وهو في يد المرتهن، ولم يسلمه في يده [إلى] (٢) المبتاع: فإنه يأخذ منه الثمن بعد أن يحلف أنه ما أذن له في البيع إلا لإحياء الراهن لا ليأخذ الراهن الثمن، ويقال للراهن: إما أن تأتي برهن ثقة، وتأخذ الثمن، وإلا بقى الثمن رهنًا مطبوعًا عليه.
فإن باعه [بغير] (*) إذن المرتهن: فلا يخلو من أن يبيعه بجنس الدين، أو بغير جنسه.
فإن باعه بجنسه قدرًا وصفة: فلا يخلو من أن يكون الدين مما يقدر على تعجيله، أو مما لا يقدر على تعجيله، وكان مما يجبر الطالب على قبوله كالعين وعروض القرض فالبيع نافذ، ولا مقال في ذلك للمرتهن، ويجبر على قبول حقه إذا دفعه إليه الراهن.
فإن كان الدين مما لا يقدر على تعجيله كعروض البيع، أو طعامه، أو كان مما يملك تعجيله إلا أن الراهن لم يرض بتعجيله لم يجز البيع، وللمرتهن رده وفسخه.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب. (*) قال معد الكتاب للشاملة: ما بين المعقوفتين زيادة يتطلبها السياق.
[ ٨ / ٢٦٠ ]
فإن أجازه المرتهن جاز، ويجبر المرتهن على تعجيل الحق، وهذا كله معنى ما في المدونة.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا تعدى المرتهن وباع الرهن: فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل الحلول أو بعده، فإن كان ذلك قبل حلول الدين: فإن البيع يفسخ ويوقف على يد عدل لئلَّا يتعد عليه المرتهن، فيبيعه مرة أخرى.
فإن كان بعد الحلول: فلربه نقضه أيضًا، ويدفع ما عليه أيضًا للمشتري إن كان ما عليه من الدين مثل الثمن الذي دفع فيه المشتري.
وإن كان الثمن أكثر من الدين: فإن المشتري يتبع المرتهن ببقية ثمنه.
وإن كان الدين أكثر من الثمن: فإن المرتهن يرجع على الراهن ببقية دينه.
وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وأشهب معه في "الموازية" مع قيام السلعة.
فإن فاتت عند المشتري: غرم المرتهن أكثر من الثمن والقيمة.
[ ٨ / ٢٦١ ]
[المسألة الثالثة] (١) في الرهن يستحق
ولا يخلو من وجهين:
أحدهما: أنه يستحق كله.
والثاني: أن يستحق بعضه.
فإن استحق كله، فلا يخلو الرهن المستحق من أن يكون مضمونًا أو معينًا.
فإن كان مضمونًا، فلا يخلو من أن يستحق قبل القبض أو بعده.
فإن استحق قبل القبض، فإن الراهن يجبر على أن يأتي بغيره؛ لأن الرهن في الذمة.
فإذا أعطاه [. .] (٢) بقى الرهن في ذمته على حاله.
فإن استحق بعد القبض، فلا يخلو من أن يكون غره به أو لم يغره.
فإن غره به، فيخير في أخذ سلعته إن كانت قائمة أو قيمتها مع [. .] (٣) أو يأتيه برهن ثقة.
فإن لم يغره به، هل يتعين بالقبض أو يجبر على أن يأتيه برهن ثقة، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يتعين بالقبض، ويكون له حكم المعين، قاله أبو إسحاق
_________________
(١) سقطت هذه المسألة بكاملها من أ، وتم إثباتها من ب.
(٢) طمس في ب.
(٣) طمس في ب.
[ ٨ / ٢٦٢ ]
التونسي -﵀.
والثاني: أنه لا يتعين بالقبض، ويجبر على أن يأتيه برهن آخر، وهو قول سحنون.
فإن كان الرهن معينًا، فلا يخلو من أن يغره به، أو لم يغره به.
فإن غره به، فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه لا يجبر الراهن على خلفه، ويكون مقال المرتهن في سلعته، ولا يجبر المرتهن على قبوله، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يجبر عليه، ويأتي برهن آخر، وهو قول عبد الملك.
والثالث: أنه لا يجبر على أن يأتي به.
فإن أجبره المرتهن على أن يأتي به، فإن أتى به خير المرتهن على قبوله، وإن لم يأت به عاد مقال المرتهن في سلعته، وهو قول محمد بن الموّاز.
والرابع: أنه يجبر على تعجيل الحق، وهو قول سحنون في "العتبية"، فإن لم يغره به، فلا يخلو ذلك من أن يكون ذلك قبل القبض أو بعده.
فإن كان قبل القبض، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن البائع بالخيار في سلعته بين أن يمضيها بغير رهن أو يردها إن كانت قائمة أو يأخذ قيمتها إن كانت فائتة.
وسواء تطوع برهن آخر أم لا. وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه إن طاع وأَقَرَّ بِهِ أُجبر على قبوله.
فإن لم يطع به كان بالخيار في سلعته، وهو قول ابن الماجشون.
والثالث: أنه لا مقال له في سلعته، ولا في قيمتها إن فاتت، ولا في
[ ٨ / ٢٦٣ ]
رهن آخر، وإنما مقاله في الثمن خاصة، وهو قول مالك في بيع الرهن؛ لأنه قال: إذا تعدى الراهن على الرهن، فباعه قبل القبض، لم يكن فيه للمرتهن مقال في رد بيع الرهن، ولا في أخذ ثمنه، ولا في سلعته، ولا في ثمنها إن بيعت.
وإذا لم يكن له مقال إذا تعدى عليه بالبيع، كان إذا استحق أبين.
فإن كان الاستحقاق بعد القبض لم يكن فيه للمرتهن مقال.
واختلف فيما يفوت السلعة على القول بأنه يكون أحق بها ما لم تفت على قولين:
أحدهما: أن حوالة الأسواق تفيتها، وهو المشهور من المذهب.
والثاني: أنه لا يفوتها إلا العيوب المفسدة، وهو قول ابن المواز.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم إذا استحق نصف الرهن.
فإن النصف الباقي رهنٌ لجميع الحق، ثم إن ضاع الرهن، فلا يخلو من أن يكون الراهن حاضرًا أو غائبًا.
فإن كان حاضرًا وكان ضياعه في يد المرتهن، فنصفه للراهن دون النصف المستحق؛ لأنه عنده أمانة.
فإن وضعاه على يد المستحق أو غيره، فلا ضمان على المرتهن.
فإن كان الراهن غائبًا، فطلب المستحق أن يوضع على يده أو على يد فلان أو طلب ذلك المرتهن، لم يكن ذلك لواحد منهما دون نظر الحاكم.
فإن وقفه على يد المستحق أو غيره، فضاع لم يضمن المرتهن شيئًا، ولو ادعى المرتهن ضياعه قبل الاستحقاق، وكان ضياعه على يده، ضمن نصيب الراهن إن كان الرهن مما يغاب عليه.
وفي نصيب المستحق قولان:
[ ٨ / ٢٦٤ ]
أحدهما: أنه يضمنه، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن يحلف لقد ضاع ثم لا شيء عليه.
فإن قال المستحق: أنا أبيع حصتي، قيل للراهن والمرتهن بيعا معه، ويقال للمرتهن لا تسلم رهنك.
فإذا بيع كان الثمن رهنًا في يديه بجميع حقه.
فإن أراد الراهن أن يأتي برهن ثقة إلى أجل الدين، ويأخذ العين كان ذلك له، ولا حجة في ذلك للمرتهن.
وإن أراد تعجيل الدين من ثمن الرهن، فلا يخلو ذلك الدين من أن يكون مما يقدر على تعجيله أو لا يقدر على تعجيله.
فإن كان الدين مما يقدر الذي عليه على تعجيله قبل أجله، فله أن يعجله من ثمن الرهن، ويجبر المرتهن على قبوله؛ إذ لا تبعه له في التأخير.
فإن كان الدين مما لا يقدر على تعجيله إلا برضا المرتهن، فإن تراضيا على التعجيل، فذلك جائز.
فإن طلبه أحدهما وأبى الآخر، كان ذلك لمن أبى منهما قيمتها يوم باعها أو يوم رهنها، ويتعجل الحق مع الحلول، ويبقى إلى أجله إن لم يحل على ما فصلنا، وهو قول أشهب في كتاب محمد.
وهذا كله إذا علمت صفته ببينة، أو تصادقا [المتراهنان] (١) عليهما.
فإن جهل الراهن والمرتهن صفته، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المرتهن يحلف على ما باعه به، ثم يجعل ما بيع به
_________________
(١) في أ: المرتهنان.
[ ٨ / ٢٦٥ ]
ثمنه، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" (١).
والثاني: أن عليه قيمته يوم باعه على الصفة التي كان عليها يوم ارتهنه، أو صفته يوم باعه إن كانت أفضل من صفته يوم ارتهنه، وهو قول عبد الملك، وابن حبيب في "الواضحة"، والحمد لله وحده.
_________________
(١) البيان والتحصيل (١١/ ١٠٨).
[ ٨ / ٢٦٦ ]
المسألة الرابعة في ضمان الرهان
اختلف فقهاء الأمصار في الرهن يهلك عند المرتهن ممن ضمانه؟ على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن الرهن أمانة، وهو من الراهن، والقول قول المرتهن مع يمينه أنه ما فرط فيه، ولا جنى عليه، وممن قال بهذا القول الشافعي وأحمد، وأبو ثور، وجمهور أهل الحديث.
والثاني: أن [ضمان] (١) الرهن من المرتهن ومصيبته منه، وممن قال بهذا القول أبو حنيفة، وجمهور الكوفيين.
والذين قالوا بالضمان انقسموا على ثلاثة طوائف:
فمنهم من يقول: إن الرهن بما فيه من الدين -كانت قيمته أقل من الدين أو مثله أو أكثر منه، ولا يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء [من دينه] (٢).
ومنهم من يقول: هو مضمون بقيمته قَلَّت أو كثرت، وأنه إن فضل للراهن شيء من قيمة رهنه رجع به على المرتهن، وإن فضل للمرتهن شيء [من دينه] (٣) لكون الرهن أقل من الدين: رجع به المرتهن علي الراهن ويروى ذلك عن ابن عمر، وعليّ بن أبي طالب، وعطاء، وإسحاق ﵃، ومنهم من قال: إنه ينظر، فإن كان الرهن مثل الدين أو
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ب.
[ ٨ / ٢٦٧ ]
أكثر منه: فهو رهن بما فيه، وإن كان أقل من الدين ذهب من الدين بقدره، ورجع المرتهن على الراهن فيما نقص من حقه.
والمذهب الثالث: التفصيل بين ما يغاب عليه أو ما لا يغاب عليه، وهو مذهب مالك، والأوزاعي، وعتبان الليثي -﵃.
وسبب الخلاف: تعارض الآثار، وتجاذب الاعتبار؛ فمنها حديث ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "لا يغلق الرهن -وهو ممن رهنه- له غنمه وعليه غرمه" (١)، وبهذا احتج من جعله أمانة محضة غير مضمون أبى له غلته، وخراجه وعليه فكاكه ومصيبته منه.
ومن طريق المعنى: أن الراهن قد رضي أمانة المرتهن، فأشبه المودع.
ومنها ما روى عن النبي - ﷺ - أن رجلًا رهن فرسًا لرجل، فنفق في يديه، فقال النبي - ﷺ - للمرتهن: "ذهب حقك" (٢)، وبهذا استدل من يقول: إن ضمانه من المرتهن، وربما تأولوا قوله ﵇: "له غنمه وعليه غرمه"، أن غنمه [ما فضل منه على الدين] (٣)، وغرمه ما نقص.
وعمدتهم من طريق النظر: أنه عين تعلق به [حق] (٤) الاستيفاء ابتداء، فوجب [أن يسقط تبعتها] (٥) [بتلف] (٦) أصله تلف المبيع عند البائع إذا أمسكه حتى يستوفي حقه في الثمن، [وهذا] (٧) متفق عليه عند
_________________
(١) أخرجه مالك (١٤١١)، وابن ماجة (٢٤٤١)، وابن حبان (٥٩٣٤)، والحاكم (٢٣١٥)، والدارقطني (٣/ ٣٢)، والبيهقي في الكبرى (١١٠٠١)، وضعفه الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح المعاني (٥٤٤٩)، وهو ضعيف.
(٣) في ب: ما فضل من الدين.
(٤) سقط من أ.
(٥) بياض في ب.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: وهو.
[ ٨ / ٢٦٨ ]
الجمهور، إلا مالك فإنه قد اختلف فيه قوله، هل حكمه حكم الرهن أم لا.
وأما مالك -﵀- فقد فصل بين ما يغاب عليه [وما لا يغاب عليه: فأما ما يغاب عليه] (١) فإنه ينقسم إلى ما هو غير مستقل [بنفسه] (٢) كالثياب، والبسط، والسلاح، وما أشبه ذلك، وإلى ما يغاب عليه، ودخل المرتهن على ألا [يغاب] (٣) عليه، ودخل على أن يبقى في موضعه كالثمار في رؤوس النخل، والشجر، والزرع القائم: فهذا [حكمه] (٤) حكم العبيد والحيوان في سقوط الضمان، وثبوته، على ما نصف إن شاء الله.
فأما ما يغاب عليه مما لا يستقل بنفسه كالثياب، وسائر العروض: فلا يخلو من أن تقوم البينة على الضياع أو لم تقم.
فإن قامت البينة على تلف الرهن بغير سبب المرتهن، هل يسقط عنه الضمان أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: سقوط الضمان [عنه] (٥) مع قيام البينة [على] (٦) التلف، وهو قول ابن القاسم في المدونة (٧) وغيرها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: نفسه.
(٣) في أ: يغيب.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: مع.
(٧) المدونة (٤/ ١٣٩).
[ ٨ / ٢٦٩ ]
والثاني: أنه ضامن مع قيام البينة، وهو قول أشهب (١).
وسبب الخلاف: هل ضمانه ضمان تهمة أو ضمان أصل؟
والصحيح أنه ضمان تهمة؛ لأن الرهن لم ينقل الملك، وهلاك كل ملك من مالكه.
فإن اشترط المرتهن إسقاط الضمان فيما فيه الضمان: فلا يخلو من أن يكون الشرط في عقد البيع والقرض، أو تبرع به بعد العقد.
فإن اشترطه في [أصل] (٢) العقد، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك الشرط لا يفيد، ولا يغير الضمان الواجب عليه، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن الضمان يسقط عنه بالشرط وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: من اشترط شرطًا لا يفيد، هل يوفي له [بعمدة] (٣) شرطه أم لا؟
وأما إن تبرع به بعد العقد: كان له شرطه، قولًا واحدًا؛ إلا أن تطوعه بالرهن معروف منه، وإسقاط الضمان معروف ثان، إلا أن يتناول فيه الخلاف من مسألة العارية؛ لأن مشهور المذهب فيها أن الضمان لا يسقط عن المستعير بشرطه؛ لأن ذلك من باب إسقاط الشيء قبل وجوبه، وهو أصل مختلف فيه.
وأما لا يغاب عليه مما هو مستقل بنفسه كالعبيد والحيوان، وما هو غير مستقل بنفسه إلا أنه دخل المرتهن على ألَّا يغيب عليه؛ فأما ما لا ينقل ولا
_________________
(١) النوادر والزيادات (١٠/ ١٨٨ - ١٨٩).
(٢) في أ: "أهل" والصواب ما أثبتناه من ب.
(٣) في أ: بفائدة.
[ ٨ / ٢٧٠ ]
يتحول كالدور، والأرضين، وجميع الثمار، والأشجار المتعلقة بها والزرع القائم، أو ما كان في الجرين، والأندر مما [لا] (١) يمكن المغيب عليه، ولا يكاد [يكون] (٢) هلاكه يخفى على أحد: فإن المرتهن مصدق إذا ادعى ضياع ذلك، قولًا واحدًا.
وأما العبيد وسائر الحيوان: فلا يخلو المرتهن من أن يدعي الهروب أو الموت؛ فإن ادعى إباق العبيد، وهروب الحيوان: فالقول قوله فيما يدعيه؛ لأنه أمر لا يكاد المرتهن يقيم عليه البينة؛ لأنه [كثير ما] (٣) يكون ذلك في وقت الغفلة [و] (٤) في حين لا يمكن إقامة البينة به؛ قال مالك: لأن أصل ما أخذه عليه على غير الضمان حتى يتبين كذبه.
وأما إن ادعى الموت: فإنه يصدق، ويقبل قوله ما لم يتبين كذبه وهو قول [مالك] (٥) في المدونة (٦) والموازية؛ ومعنى ذلك أنه يصدق إذا ادعى موته في الفيافي، والقفار، وبحيث لا يدرى صدقه من كذبه لأن أصله على الأمانة.
وإن ادعى ضياع ذلك بموضع لا يخفى هلاكه كالقرى، والمناهل وحيث يكون الناس، ولم يعلم أحد منهم موت ذلك: فلا يصدق.
واختلف هل من شروطهم أن يكونوا عدولًا أم لا؟ على قولين قائمين من المدونة.
فإذا قلنا إنه لا يضمن ما لا يغاب عليه إذا ادعى الضياع بموضع لا يعلم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) المدونة (٣/ ٣٨٤).
[ ٨ / ٢٧١ ]
صدقه من كذبه، وأن قوله في ذلك مقبول، وهل يصدق مع يمينه أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه [يصدق] (١) دون يمين.
والثاني: أنه يقبل قوله مع يمينه.
والثالث: التفصيل بين المتهم، فيحلف وغير المتهم فلا يحلف.
والأقوال الثلاثة لأصحابنا المتأخرين، وعلى القول بأنه يحلف على الجملة؛ كان متهمًا أو غير متهم.
أنه إن كان غير متهم يحلف: ما ضيعت، ولا فرطت، ويزيد إن كان متهمًا، ولقد ضاع.
وأما ما يُغاب عليه، فقد اختلف في يمينه [مع] (٢) وجوب الضمان عليه على قولين:
أحدهما: أنه يحلف وهو قوله في "العتبية"، وقال ابن مزين [يحلف] (٣): لقد ضاع بلا دلسة دلسها فيه، ولا علم له موضعًا منه.
والثاني: أنه لا يمين عليه، وهو قول الشعبي، وقال: كيف يحلف ويضمن إلا أن يقول الراهن: أخبرني مخبر صدق أنه رأى الرهن عنده قائمًا، وأنه كذب في دعواه، فحينئذ يحلف، وإلى هذا ذهب ابن لبانة فإن اشترط الراهن وجوب الضمان على المرتهن فيما لا يغاب عليه هل يوفى له بشرطه أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين على المدونة:
_________________
(١) في أ: لا يصدق.
(٢) في أ: و.
(٣) سقط من أ.
[ ٨ / ٢٧٢ ]
أحدهما: أنه شرطه باطل، ولا يوفى له بشرطه، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه يوفى له به قياسًا على إسقاط الضمان، فيما فيه الضمان إذا اشترط ذلك على قول أشهب؛ لأن الشرط في مسألتنا بأحد القولين؛ لأن الحيوان مختلف في ضمانه من غير شرط بين أهل المذهب.
وقد وقع عندنا في المذهب ما يشبه مذهب أبي حنيفة في وجوب الضمان في الحيوان، وهو ما رواه أبو الفرج في "الحاوي" عن ابن القاسم فيمن ارتهن نصف عبد وقبضه كله، وتلف عنده، أنه لا يضمن إلا نصفه يريد النصف [المرهون] (١)، وأما النصف الباقي، فهو فيه مؤتمن.
فإذا كنا نقول بهذا، فبأن يضمنه على الشرط أولى، فإذا قلنا بوجوب الضمان، أما فيما يغاب عليه مع عدم البينة.
والشرط قولًا واحدًا، وأما مع [عدم] (٢) الشرط فيما لا يُغاب عليه على الخلاف فيما يضمنه فقد اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أنه يغرم قيمته يوم ضاع عنده.
والثاني: أنه يغرم قيمته يوم ارتهنه.
والقولان لابن القاسم في "العتبية" وحجة مالك - ﵁ - في تفريقه بين ما يغاب عليه، وما لا يغاب عليه هي أن الرهن يجري مجرى [الأمانات] (٣) المحضة.
ولا يجري [مجرى] (٤) المضمون المحض؛ لأنه أخذ شبهًا من الأمرين
_________________
(١) في أ: المرتهن.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: الأمانة.
(٤) سقط من أ.
[ ٨ / ٢٧٣ ]
فلم يكن له حكم أحدهما على التحديد؛ وذلك لأن [الأمانات] (١) المحضة هي التي لا ينفع فيها لقابضها، بل النفع فيها للمالك كالوديعة.
والمضمون المحض هو ما كان النفع [فيه لقابضه] (٢) بل النفع [فيه] (٣) للمالك كالوديعة.
والمضمون المحض هو ما كان النفع [فيه لقابضه] (٤) كله كالقرض أو تعدي جناية كالغصب، وفي مسألتنا لم يكن تعديًا ولا جناية فيضمن، وما لا ينفرد المالك بالمنفعة، فيسقط الضمان عن المرتهن، وكانت المنفعة لهما، أما للمالك، فلكونه حصل له ما ابتاعه أو أتلفه، وبقى الدين في ذمته لأجل الرهن ولولاه لم يملك، وللمرتهن لحصول التوثق له فلم يقبضه لمالكه، فلم يجز أن يتفرد بحكم أحدهما: على التجديد لأخذه شبهًا منها جميعًا، وإنما وجب به في الجملة ألا يحكم فيه بحكم أحدهما، ووجب الفصل بينهما حصل من ذلك ما قلناه، فهذه نكتة المسألة وفقهها، وهذا هو الاستحسان الذي [انفرد به] (٥) مالك.
[وقد اختلفوا في معنى الاستحسان الذي ذهب إليه مالك كثيرًا فضعفه] (٦) قوم وقالوا له: مثل استحسان أبي حنيفة في تقديمه القياس الجلي على أخبار الآحاد.
وحد الاستحسان عند الأصوليين: اختيار القول بغير دليل (٧).
_________________
(١) في ب: الأمانة.
(٢) في أ: فيها لقابضها.
(٣) في أ: فيها.
(٤) في أ: فيها لقابضها.
(٥) في أ: ذهب إليه.
(٦) سقط من أ.
(٧) انظر: الفصول في الأصول (٣/ ٢٢٣)، وأصول الفقه لابن مفلح (٤/ ١٤٦١) =
[ ٨ / ٢٧٤ ]
وذهب قوم إلى أنه حجة قوية؛ لأنه جمع بين الأدلة المتعارضة، وإذا كان ذلك كذلك، فليس هو قول بغير دليل، وهو اختيار القاضي أبى الوليد الباجي، [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) = والمنخول (ص/ ٤٧٦)، والغيث الهامع (٣/ ٨١٠).
(٢) زيادة من ب.
[ ٨ / ٢٧٥ ]
المسألة الخامسة في (غلة) (١) الرهن
وأجمع [العلماء] (٢) على أن المرتهن لا يجوز له الانتفاع بشيء من الرهن فيما سوى الحيوان، واختلفوا في الحيوان، فذهبت طائفة إلى أن الرهن إذا كان حيوانًا: شاة، أو بقرة، أو ناقة، أو دابة له أن يحلب الشاة، والبقرة، والناقة، ويركب الدابة بقدر ما يعلفها، وعليه نفقة ما يركب ويحلب.
وهو [قول] (٣) أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه.
وقال جمهور أهل العلم:
ليس له أن ينتفع بشيء من الرهن حيوانًا كان أو غيره، وبه قال مالك، والشافعي - ﵄.
وسبب الخلاف:
اختلافهم في قوله - ﷺ -: "الرهن محلوب [و] (٤) مركوب بقدر نفقته" فمن قال: أن للمرتهن أن يستعمل الحيوان [و] (٥) [الدابة] (٦) حمل الحديث على ظاهره ورأى [أن] (٧) ذلك مباح للمرتهن، ومن
_________________
(١) في ب: غلات.
(٢) في ب: المسلمون.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: الدواب.
(٧) سقط من أ.
[ ٨ / ٢٧٦ ]
قال: إنه لا ينتفع من الرهن بشيء، فإنه يصرف الكلام [عن] (١) ظاهره بالتأويل، ويكون معنى قوله - ﷺ -: "الرهن مركوب ومحلوب بنفقته" معناه أن غلاته وكراء ظهره للراهن؛ لأن عليه نفقته، ويعضد هذا التأويل ما رواه ابن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لا يحلب أحدكم ماشية أحد إلا بإذنه" (٢).
فإذا قلنا بمذهب مالك -﵀- أن المرتهن ليس له من نماء الرهن، ولا من غلته شيء.
فهل يدخل ذلك في الرهن أم لا؟
فذلك على ضربين: نما متميزًا عن الرهن، ونما غير متميز عنه.
فأما من كان غير متميز عنه كسمن الدابة، والجارية، وكبر الصغير وما أشبه ذلك، فلا خلاف أنه يدخل في الرهن، وأما ما كان متميزًا عنه، فذلك أيضًا على وجهين:
أحدهما: أن يكون [على] (٣) خلقته وصورته.
والثاني: ألا يكون على خلقته وصورته.
وأما ما كان على خلقته وصورته كالولد، فإنه داخل مع الأم في الرهن من بني آدم وسائر الحيوان، وكذلك ما كان في معناه من فسلات النخيل، فإنه داخل مع الأصول في الرهن.
فأما ما لم يكن على خلقته، وصورته كثمر النخل ولبن الغنم وصوفها، وكراء [الدور] (٤) وخراج العبد، فقد اختلف فيه المذهب على
_________________
(١) في أ: على.
(٢) أخرجه البخاري (٢٣٠٣)، ومسلم (١٧٢٦).
(٣) في أ: في.
(٤) في ب: الدار.
[ ٨ / ٢٧٧ ]
قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يدخل في الرهن، كان متولدًا عنه كثمر النخل، ولبن الغنم، وأصوافها.
أو غير متولد عنه ككراء الدابة، وخراج العبد، وهذا هو المشهور في المذهب [المعول عليه] (١) من قول مالك.
والثاني: أن ذلك كله داخل في الرهن كان متولدًا عنه أم لا، وهذا القول مروي عن مالك أيضًا على ما نقله القاضي أبو الوليد بن رشد [﵀] (٢) أيضًا. فإذا قلنا بالقول المشهور الذي عليه الجمهور أن [الغلة] (٣) لا تكون رهنًا مع الأصول، فهل يجوز ارتهانها [على] (٤) التجديد دون الأصول أم لا؟
فلا تخلو الغلات المرهونة من أن تكون موجودة في حين الرهن، أو غير موجودة بعد.
فإن كانت موجودة، فلا خلاف في المذهب في جواز رهنها، وجوزها أن تحيز الأصول معها، فإذا قامت الغرماء، فإنه يكون أحق [بالغلة] (٥) دون الأصول، فإن كانت الغلات [غير] (٦) موجودة في حين الرهن بعد، وإنما ارتهن [منه ما يأتي من الثمار و] (٧) ما يأتي من غلات.
وما يأتي من الغلات، فلا يخلو من أن يكون ذلك في أصل عقد البيع
_________________
(١) في ب: المعمول به.
(٢) زيادة من ب.
(٣) في ب: الغلات.
(٤) في أ: مع.
(٥) في ب: الغلات.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٨ / ٢٧٨ ]
أو بعد العقد، فإن كان في أصل العقد، فهل يجوز البيع أم لا؟.
[فالمذهب] (١) على قولين الجواز والمنع.
وقد قال ابن القاسم في كتاب الحمالات: إن البيع إذا وقع على حمالة غرر أنه بيع فاسد.
وجوزه أصبغ، ولا فرق بين غرر الحمالة، وغرر الرهن، وكلاهما ثقة للبائع، والخلاف في رهن الغرر بأسره إذا كان في أصل البيع على ما حكاه الشيخ أبو إسحاق التونسي [﵀] (٢).
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل، فمن اعتبر الحال جوَّز؛ لأن ثمن المبيع في ذمة المشتري [مرتب] (٣) والرهن ثقة باطمئنان النفس، والحق غير متعين فيه على كل حال.
ومن اعتبر المآل منع؛ لأن المشتري قد يفلس أو يموت، فتنخرم ذمته ولا يوجد له من أين يأخذ دينه إلا من ذلك الرهن، والأصول قد تكون مرهونة لغيره، فيؤول ذلك إلى الغرر في ثمن المبيع؛ إذ لا يدري هل يكون أو لا يكون، فإذا كانت هل تقل أو تكثر.
فإن كان بعد العقد، فلا خلاف أعلمه في المذهب في الجواز؛ لسلامة الثمن والمثمون من الغرر إلا ما يتأول من [مسألة] (٤) رهن الجنين، فقد منعه مالك في المدونة، وجوزه أحمد بن ميسر، والمنع أشهر في النقل ولا فرق في التحقيق بين رهن الجنين، وبين [رهن] (٥) ما يأتي من
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
(٣) في ب: مترتبة.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من أ.
[ ٨ / ٢٧٩ ]
الثمار، إما الجواز في الجميع وإما المنع في الجميع، وما فرقوا فيه بين الأجنة والثمار من أن الأجنة تابعة للأمهات في البيع. و[لا] (١) يجوز استثناؤها. والثمرة المأبورة لا تدخل في البيع إلا باشتراط غير مسلَّم، ولا هو جار على سنن التحقيق، وإن كان مالك -﵀- قد أشار إلى مثل هذا الفرق في "الموطأ"، لأن الجمع بينهما كونه غررًا من الجهتين ولا فرق بين غرر و[غرر] (٢).
ولا إشكال فيما في [الشجر] (٣) والنخل من الثمار المأبورة أنه لا يدخل في الرهن إلا باشتراط، إلا خلافًا لهذا حكاه القاضي أبو الوليد [الباجي] (٤) واختلف فيما كان من الصوف الثابت على ظهور الغنم يوم الرهن، هل يدخل في الرهن أم لا؟
على قولين قائمين من المدونة (٥):
أحدهما: أنه يدخل في الرهن مع الغنم، وهو قول ابن القاسم؛ لأن الصوف كسلعة مع الغنم رهنهما جميعًا.
والثاني: أنه لا يدخل مع الغنم في الرهن؛ لأنه غلة وهو قول أشهب.
وأما الصوف الحادث بعد الرهن إذا جز قبل بيع الرهن، فهو غلة للراهن.
واختلف إذا قام المرتهن بالبيع قبل جزازه، بماذا تكون غلة؟ على ثلاثة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: خطر.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من أ.
(٥) المدونة (٤/ ٢٧٣).
[ ٨ / ٢٨٠ ]
أقوال:
أحدها: أنه يكون غلة بتمامه وكمال نباته.
والثاني: أنه لا يكون غلة إلا بتعسيله.
والثالث: أنه لا يكون غلة حتى يجز.
والخلاف فيه ينبني على الخلاف في الثمار بماذا تكون غلة في مسائل الاستحقاق، والرد بالعيب وغيرها من الأقوال الخمسة التي قدمناها في كتاب العيوب.
فإذا قلنا: أن الغلة لا تدخل في الرهن إلا بالشرط.
فإذا اشترط المرتهن أن يستوفي حقه منها، فلا يخلو من أن يكون ذلك في عقد البيع أو بعده.
فإن اشترط ذلك في أصل عقد البيع، فذلك لا يجوز قولًا واحدًا لأنها تقل وتكثر، وذلك جهل بأجل الثمر وخطر، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، وكتاب محمد.
فإن تبرع بذلك بعد العقد، فلا يخلو من أن يكون الدين لا يتحول عن أجله، ووقته أو كان يتحول بتقدم أو تأخر.
فإن كان الدين لا يزول عن أجله، ولا يتقدم عنه ولا يتأخر بتقدم الغلة، وتأخرها [وكان سببًا، فذلك جائز، وإن كان يتحول عن أجله] (١) بتقدم الغلة وتأخرها، وأنه لا يوفيه حقه إلا من الغلة، فذلك ممنوع ولا يجوز؛ لأن ذلك مخاطرة؛ إذ لا يدري هل يستوفي جميع حقه من الغلة التي [تأتي] (٢) قبل الأجل، ويبقى شيء يستوفيه بعد الأجل، وقد تجتاح
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٨ / ٢٨١ ]
الغلة، فينتظر إلى وجود غلة أخرى، وهو قول محمد بن المواز، وهو تفسير لقول ابن القاسم في "الموازية"؛ لأنه أطلق وقال: لو رهن بعد تمام البيع بهذا الشرط كان حائزًا. ثم فسر محمد هذا التفسير، ولا يصح الكلام إلا على ما ذكر، وذلك جائز في السلف؛ إذ لا غرر هناك.
وأما إذا اشترط المرتهن الانتفاع بالرهن ما بينه وبين حلول أجل الدين، فلا يخلو من أن يكون الدين من قرض أو بيع.
فإن كان من قرض، فأي ذلك لا يجوز كان في عقد السلف أو تبرع به بعد السلف؛ لأنه سلف جر منفعة إن كان في العقد مع ما فيه من قبول هدية المديان [وإن كان] (١) بعد العقد، فإن كان من بيع، فلا يخلو من يكون ذلك في أصل العقد أو بعده، فإن كان بعد العقد؛ فلا يجوز؛ لأنه من باب قبول هدية المديان.
فإن كان في العقد فلا يخلو الرهن من أن يكون دارًا أو أرضين أو حيوانًا أو عروضًا.
فإن كان دورًا فلا خلاف في الجواز.
وهل ذلك مع الكراهة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز دون كراهة، وهو قول مالك في المدونة.
والثاني: الجواز مع الكراهة، وهي رواية ابن القاسم، وابن وهب عن مالك في "المجموعة".
قالا: فإن وجه الكراهة في ذلك، أنه إن هلكت الدار باحتراق أو غيره بطل ما اشترطه، وبطل ما وضع من ثمن سلعته لأجل الانتفاع، فإن كان أرضين، فهل يجوز ذلك أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٨ / ٢٨٢ ]
فإنه يتخرج على قولين قائمين في "المدونة":
أحدهما: الجواز، وهو قوله في "كتاب الرهون".
والثاني: المنع، وهو ظاهر قوله في "كتاب كراء الأرض" من "المدونة"؛ لأن ذلك من باب النقد في أرض غير مأمونة بشرط قبل الري.
وعلى القول بالجواز، فلا يخلو المثمون من أن يكون مما يجوز أن تكرى به الأرض أولًا.
فإن كان مما يجوز أن تكري به الأرض، فذلك جائز. وإن كان مما لا يجوز أن تكرى [الأرض] (١) كالطعام على اختلاف أنواعه وجميع ما تنبته الأرض، وينقطع من عامه، فإن ذلك لا يجوز؛ لأن الانتفاع بالأرض له حقه من الثمن، وذلك كراء الأرض بما يخرج منها.
فإن كان الرهن مما ليس بمأمون من الأموال كالحيوان، وجميع العروض فاختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: المنع جملة بلا تفصيل، وهو قول مالك في الكتاب، قال: لأنه لا يدري كيف يرجع إليه؛ لأن الحيوان، والعروض يسرع إليه التغيير.
والثاني: الجواز جملة؛ لأن ذلك رهن وإجارة، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب"، وسواء اشترط الانتفاع به إلى أجل الدين أو إلى أبعد منه أو إلى دونه، وهو قوله في "الموازية" و"العتبية" وغيرهما.
والثالث: التفصيل بين المصحف وغيره من جميع العروض والحيوان، فيجوز اشتراط المنفعة [فيما] (٢) سوى المصحف من جميع الحيوان، والعروض، ولا يجوز ذلك في المصحف، وهو قول ابن المواز.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: وما.
[ ٨ / ٢٨٣ ]
وهذا الخلاف ينبني على الخلاف في جواز إجارة المصحف، فمن جوز إجارته جوز اشتراط المنفعة به [وهو قول ابن القاسم في كتاب الجعل والإجارة من المدونة (١) ومن منع إجارته منع اشتراط المنفعة به] (٢) وهو قول ابن المواز في كتابه؛ لأنه نص فيه أن إجارته لا تجوز، ويؤخذ من تعليل مالك في الكتاب في [منفعة] (٣) رهن الحيوان، والعروض أن لا يجوز رهن الغرر كالثمرة التي لم يبد صلاحها والعبد الآبق في أصل البيع؛ لأنه لا يدري كيف يكون ذلك عند حلول الأجل، وعلى أي صفة يصير عليها، وهل يوجد أو لا يوجد؛ وما قاله ابن القاسم أظهر وأصح.
وتوجيه كل قول ظاهر مشار إليه، وعلى القول بجواز الانتفاع بما يغاب عليه من سائر العروض. فإذا اشترط منفعة الرهن، وهو ثوب ثم ادعى ضياعه، فلا يخلو من [أن] (٤) يدعي ذلك حين قبضه أو عند حلول أجل الدين.
فإن قام بدعوى الضياع حين قبضه، فإنه ينظر إلى القدر الذي ذهب منه بالانتفاع مثل أن يقال: إذا استعمل شهرًا، فإنه ينقص منه الربع، فيكون قدر ربعه غير مضمون؛ لأنه مستأجر وثلاثة أرباعه مضمونة؛ لأنها مرتهنة إذا لم تقم بينة بضياعه، وينظر ذلك كم هو من جملة دينه، فيسقط منه أعني قيمة ثلاثة الأرباع الباقية المضمونة عليه.
فإن قام بدعوى الضياع عند حلول الأجل، وادعى أنه ضاع قبل ذلك
_________________
(١) المدونة (٣/ ٤٢٩).
(٢) سقط من أ.
(٣) غير واضحة في أ، والمثبت من ب.
(٤) سقط من أ.
[ ٨ / ٢٨٤ ]
فهل يصدق؛ أو يلزمه قيمة [جميع] (١) الثوب؟ فعلى قولين:
أحدهما: أنه لا يصدق في إسقاط ما وجب عليه من الأجرة، ويلزمه قيمة جميع ثوب الرهن؛ لأنه قد استوفى جميع ما اشترط من منافع الثوب في الظاهر ثم ادعى الضياع، فيُصدق في الضياع، ولا يُصدق في إسقاط الأجرة، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الجعل"، و"الإجارة" من "المدونة".
والثاني: أنه يصدق في الأمرين ويسقط عنه ضمان الربع، وهو قول الغير في الكتاب المذكور، واختلف في الرهن الواقع على هذه الصفة، هل يكون محوزًا أم لا؟
فذلك على ثلاثة أوجه:
أحدها: وقوع الإجارة والرهن معًا.
والثاني: تقدم الإجارة على الرهن.
والثالث: تقدم الرهن على الإجارة.
والخلاف في ذلك كله واحد [وتحصيله] (٢) عندي يرجع إلى ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الرهن يجوز في جميع ذلك، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" إذا وقع الرهن، والإجارة معًا، فجعل الحوز بالإجارة وحوزًا [للمرتهن] (٣)؛ لأن تصرفه فيه باستيفاء المنافع حوز.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: للرهن.
[ ٨ / ٢٨٥ ]
والثاني: أن ذلك ليس بحوز؛ لأن التصرف [فيه] (١) برسم الإجارة يبطل حكم الرهن، ويفسخه إذا أفلس الراهن وهو في يد المرتهن قبل أن يستوفي ما اشترط فيه من المنافع، وهو قول عبد الملك بن الماجشون في "المبسوط" و"الموازية": إذا تقدمت الإجارة على الرهن، وهو قول أحمد ابن المعدل إذا تقدم الرهن على الإجارة.
والثالث: التفصيل بين أن يردا معًا أو يتقدم أحدهما على الآخر.
فإن وردا معًا فذلك حوز، ولا يسقط أحدهما حكم الآخر.
فإن ورد أحدهما على الآخر، فليس ذلك بحوز، والأظهر في النظر أنه غير محوز في جميع هذه الوجوه؛ لأن حوزه ليس لأجل الرهن، وإنما هو لأجل الإجارة [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في أ: به.
(٢) زيادة من ب.
[ ٨ / ٢٨٦ ]
المسألة السادسة في جناية عبد الرهن
وإذا جنى عبد الرهن جناية كان الخيار لسيده بين أن يفديه أو يسلمه.
فإن فداه بقى في الرهن على حاله.
وإن أسلمه رجع الخيار إلى المرتهن، ويخير بين ثلاثة أشياء: بين أن يسلمه كما أسلمه الراهن، أو يفديه [بقدر أرش الجناية، أو يفديه] (١) بزيادة على أرش الجناية ولو بدرهم واحد.
فإن فداه بالزيادة على أرش الجناية، فإنه يكون مملوكًا للمرتهن ويخرج من الرهن، ويحط من الدين الذي على الراهن، قدر تلك الزيادة، وهو قول ابن المواز.
فإن فداه بقدر أرش الجناية، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يفديه بإذن الراهن.
والثاني: أن يفديه بغير إذنه.
فإن فداه بإذنه كان سلفًا في ذمة السيد، ولا يباع حتى يحل أجل الدين قولًا واحدًا.
وهل يكون رهنًا بما فدى به مع الدين الأول أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يكون رهنًا [فإن أسلمه كما أسلمه الراهن كان لأهل
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٨ / ٢٨٧ ]
الجناية ملكًا] (١) في وهو قول مالك وابن القاسم "كتاب محمد"؛ لأنه قال: فإن افتكه فداءً أن في رقبته الدين، وما افتكه به وهو أحد قولي أشهب [أيضًا.
والثاني: لا يكون أحق بما أفداه به، ولا يكون به رهنًا وهو أحد قولي أشهب أيضًا] (٢) وبه قال ابن المواز.
وينبني الخلاف [على الخلاف] (٣): فيمن أمر رجلًا يشتري له سلعة وسلفه ثمنها.
هل للمأمور حبس ما اشترى حتى يقبض سلفه، فإن أشهب يقول: له أن يحبسها كما كان للبائع أن يحبسها حتى يقبض الثمن.
وابن القاسم يقول في المدونة: ليس له حبسها؛ بل يسلمها للآمر ويتبعه بسلفه، فإن افتداه بغير إذن الراهن لم يكن ذلك سلفًا في ذمة السيد بل هو متعلق برقبة العبد ويفدى بما فدي به.
فإن كان في ثمنه وفاء بما فداه به، وبالدين الأول برأت ذمة الراهن من الدين.
فإن عجز عن الدين وفيه وفاء بما فداه [به] (٤) بقى الدين في ذمة الراهن.
وإن عجز ثمنه عما فداه به، فإن الباقي من الفداء يسقط عن الراهن ولا يتبع به؛ لأنه لم يأذن له في فدائه.
واختلف هل يباع قبل أجل الدين إذا طلب ذلك المرتهن أم لا؟ على قولين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٨ / ٢٨٨ ]
أحدهما: أنه لا يباع حتى يحل الأجل، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يجوز أن يباع قبل أن يحل الأجل، وهو قول سحنون.
وسبب الخلاف: هل تغلب شائبة الجناية أو تغلب شائبة الرهن؟ فمن غلب شائبة الجناية قال: يعجل البيع؛ لأنه أسلمه ولا مقال له في تأخير البيع؛ لأنه رضي بإسلامه، وملك المرتهن منه ما كان يملك المجني عليه.
ومن غلب حكم الرهن على الجناية قال: لا يباع حتى يحل الأجل لأن الرهن ثقة لحقه إذا حَلَّ أجله.
والقول الأول أظهر وأصح عند أهل النظر.
وهل يباع بماله فيما فدى به أم لا؟
فلا يخلو ماله من أن يكون داخل معه في الرهن أو لا يدخل معه.
فإن دخل معه في الرهن أو لا، فلا إشكال فيه؛ لأن مال العبد لا يدخل معه في الرهن إلا بشرط على مشهور المذهب، وهو قول مالك في "المجموعة" وغيرها.
وإن لم يدخل معه في الرهن هل يدخل معه فيما فدى به أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يتبعه ماله، ولا يكون رهنًا معه في الجناية، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يكون رهنًا معه في الجناية، ويباع بماله، وهو قول مالك في "كتاب محمد"، وهو الصحيح [أيضًا] (١) لأن المرتهن، إنما فدى
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٨ / ٢٨٩ ]
العبد وماله، وقد ملك ما كان المجني عليه يملكه.
فإذا قلنا: إنه يباع بماله فيما فدى به، فإن الجناية تؤخذ من جميع ما بيع به: كما تقدم ثم ينظر بعد ذلك إلى ما زاد ماله في ثمنه، فإن كان مثل النصف: كان نصف ما بقى بعد الجناية للمرتهن يأخذه في دينه، والنصف [الباقي] (١): الذي زاد من جهة المال الذي لم يكن رهنًا معه للغريم يدخل فيه جميع غرمائه.
مثال ذلك: أن تكون قيمة العبد بغير ماله خمسين دينارًا، وقيمته بماله مائة دينار، والجناية خمسون دينارًا.
فيكون للمرتهن نصف الثمن خمسون عن جناية، وتبقى خمسون ينوب نصف العبد منها بغير مال خمسة وعشرون دينارًا [يأخذه المرتهن عن دينه، وتبقى خمسة وعشرون] (٢) يضرب فيه المرتهن مع الغرماء بما بقى له من دينه [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ: الثاني.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من ب.
[ ٨ / ٢٩٠ ]
المسألة السابعة في الرهن إذا رجع إلى يد الراهن بإيداع أو غيره
فإذا رجع الرهن إلى يد الراهن بإيداع أو إجارة أو عرية، فلا يخلو من أن يقوم إلى استرجاعه قبل أن قيام الغرماء، أو بعد قيامهم.
فإن كان قيامه إلى استرجاعه بعد قيام الغرماء، فإنه يكون أسوتهم، قولًا واحدًا، وسواء اشترط استراجاعه أو لم يشترطه.
فإن كان قيامه قبل قيام الغرماء إما بديون استجدها الغريم بعد الرهن أو كانت ديونًا قديمة قبل الرهن على أحد قولي مالك: إن رهن من أحاط الدين بماله جائز فهل له مطالبة الراهن باسترجاع الرهن أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن له المطالبة بالاسترجاع في الوديعة والإجارة بعد انقضاء أمدها، والعارية إذا انقضى أجلها إن ضربا لها أجلًا، وسواء عارها إياه بشرط الاسترجاع أم لا ما لم يقم على الراهن الغرماء، وهو قول أشهب.
والثاني: التفصيل بين العارية وغيرها.
فغير العارية الحكم فيها كما قال أشهب.
وأما العارية فليس للمرتهن أن يسترده، إلا أن يكون أعاره على ذلك، فله أن يستردها ما لم يقم عليه الغرماء، وهو قول مالك في "الكتاب".
وهذا له ما لم يحدث فيه الراهن حدثًا، وأما إن أحدث فيه بيعًا أو تدبيرًا أو تحبيسًا، أو ارتهانًا لغريم آخر، فذلك كله يسقط حق المرتهن الذي أخرجه من يده.
واختلف في العارية إذا لم يضربا لها أجلًا، هل يسترجعها الآن؛ لأن
[ ٨ / ٢٩١ ]
العارية لا أمد لها، ويبقى إلى أمدٍ يرى أنه يعار إلى مثله؟ فالمذهب على قولين قائمين في المدونة [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ٨ / ٢٩٢ ]
المسألة الثامنة في النفقة [على] (١) الرهن والضالة
ولا خلاف أعلمه في المذهب أن النفقة على الضالة في [عينها] (٢) وأن المنفق أحق بها [من الغرماء] (٣) حتى يستوفي [نفقته] (٤).
وأما النفقة على الرهن، فلا تخلو من أن تكون بإذن الراهن أو بغير إذنه، فإن كانت بأمره، هل تكون في عين الرهن أو [تكون] (٥) في ذمة الراهن؟ قولان:
أحدهما: أن النفقة في الذمة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو المشهور.
والثاني: أن النفقة مُبَّداة على الدين، وهي في عين الرهن، وأنه أحق [بها] (٦) من الغرماء، ولا يسقط ذلك من الذمة كالأجير على سقى زرع أنه أحق به من الغرماء، وهو قول محمد بن مسلمة، فعلى قول ابن القاسم الذي يقول: إن النفقة في "الذمة" فلا يخلو الراهن من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يأذن له بالنفقة [مطلقًا] (٧).
_________________
(١) في أ: و.
(٢) في أ: غيبتها.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: نفقتها.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٨ / ٢٩٣ ]
والثاني: أن يأذن له بها على أن نفقته في الرهن.
والثالث: أن يأذن له بالنفقة على الرهن رهنًا بنفقته، فإن أذن له في النفقة إذنًا مطلقًا، فلا خلاف أنها دين في الذمة ولا تعلق لها بالرهن عند قيام الغرماء إلا ما حكيناه عن محمد بن مسلمة.
فإن أذن له في النفقة على أن الرهن رهنًا بالنفقة فلا خلاف أيضًا أن الرهن رهنًا بالنفقة [و] (١) بالدين معًا.
فإن قال له: أنفق على أن نفقتك في الرهن، هل يكون أحق به من الغرماء أم لا؟
فالمذهب على قولين [متأولين على] (٢) المدونة:
أحدهما: [أنه] (٣) ليس له حبس الرهن بنفقته، ولا يكون أحق [به] (٤) من الغرماء إذا قاموا بتفليس الراهن، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" إلا أن يقول له: أنفق على أن نفقتك في الرهن: فيكون أحق بذلك ما لم يقم الغرماء، فلا أراه أحق بفضلها، وإليه ذهب ابن شبلون.
والثاني: أنه يكون أحق بها من الغرماء بالنفقة والدين؛ كما لو قال [له] (٥) أنفق: والرهن بما أنفقت رهن، ولا فرق بين اللفظين، وهو تأويل [الشيخ] (٦) أبي إسحاق التونسي وغيره على المدونة.
وسبب الخلاف: الرهن هل ينعقد بغير لفظه أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: قائمين من.
(٣) في ب: أن.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) زيادة من ب.
[ ٨ / ٢٩٤ ]
فمن رأى أنه ينعقد بغير لفظه قال: إنه يكون رهنًا بالنفقة، كما لو صرح به [لفظًا] (١) ومن رأى أنه لا ينعقد إلا بلفظه قال: لا يكون رهنًا ويكون معنى قوله أنفق على أن نفقتك في الرهن أي: تتبعني بها وتستوفيها من الرهن -يريد وغيره من ماله.
وعلى القول بأن قوله: أنفق على أن نفقتك في الرهن تكون رهنًا بالنفقة: كالتصريح [به] (٢) هل يتعدى الرهن إلى الذمة أو يقتصر عليه كالضالة.
فأما إن قال له: أنفق على أن نفقتك في الدين لا في ذمتي: فإنه يبدأ بالنفقة قبل الدين، وحقه في النفقة متعين في الرهن، ولا [يتعدى] (٣) إلى الذمة.
فإن [هلك] (٤) قبل البيع لم يتبع الراهن بشيء، ولا إشكال في ذلك.
فإن لم يتبين هذا البيان، وإنما قال له: أنفق على أن نفقتك في الرهن: فالمذهب يتخرج على قولين:
أحدهما: أن حقه مقصور على الرهن، ولا يتعدى إلى الذمة، كما لو صرح بذلك، وهو تأويل الشيخ أبي إسحاق التونسي.
والثاني: أنه يتعلق بالرهن، والذمة كسائر الديون، وهو تأويل [الشيخ أبي الحسن] (٥) اللخمي وغيره.
_________________
(١) في أ: نطقًا.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: يتعمدا.
(٤) في ب: هلكت.
(٥) زيادة من ب.
[ ٨ / ٢٩٥ ]
فإن كانت النفقة على الرهن بغير إذن المرتهن: فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن النفقة في ذمة الراهن -كانت بأمره أو بغير أمره، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن النفقة على الرهن بغير إذن الراهن كالنفقة على الضالة وليست في ذمة الراهن، وهو قول أشهب في "العتبية".
والثالث: أن النفقة مُبَدَّاة على الدين كأجير السقى، فإذا عدم الرهن رجع إلى الذمة، وهو قول [محمد] (١) بن مسلمة.
والفرق بين النفقة على الرهن والضالة على مشهور المذهب: أن النفقة على الرهن سلف للراهن لوجوب النفقة عليه، وكون المرتهن قادرًا على أن يكلفه ذلك.
والضالة لا يقدر على مولاها ولا عرف له موضعًا يطلبه [فيه] (٢) ولابد لها من النفقة؛ إذ لو ترك النفقة عليها لضاعت، فصارت نفقة المنفق عليها في عينها لا في ذمة [ربها] (٣) ولذلك تعين حقه في عين الضالة [والله أعلم، والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: به.
(٣) سقط من أ.
(٤) زيادة من ب.
[ ٨ / ٢٩٦ ]
المسألة التاسعة في الرهان بالعقود الفاسدة وضمانها في ذلك
ولا شك، ولا خفاء أن الرهن تارة يكون صحيحًا، والمعاملة فاسدة وتارة تكون المعاملة صحيحة والرهن فاسد، وتارة تكون المعاملة والرهن فاسدين، فتيك أيه المسترشد أن تصرف جميع عنائك إلى فهم هذه الفصول، وكيف تداخلت، وكيف يحكم بهذا الرهان بحكم الرهان الصحيحة تارة، وبحكم البيوع الفاسدة تارة.
فلا تبتهل حتى نضع لك الفوائد، ومثل هذه الفوائد لا يفهمها إلا من ألقى السمع، وهو شهيد، ومثال ما تكون المعاملة فيه الصحيحة والرهن فاسد، أن يقع البيع أو السلف على نعت الصحة واللزوم إلى أجل، ثم [رهن له] (١) رهنًا على أنه إن مضت السنة خرجت من الرهن، وأنه إن مضت السنة، ولم يأته بدينه [فالرهن له بدينه] (٢) أو كان لك عليه دين إلى أجل بغير رهن، ثم سأله الغريم أن يؤخره إلى أبعد من أجله على أن يرهن [به] (٣) رهنًا [متقدمًا] (٤).
ومثال ما تكون المعاملة فيه فاسدة، والرهن صحيح: كأن يقع البيع على نعت الفساد بثمن إلى أجل، فيرهن له [بالثمن فيه رهنًا صحيحًا] (٥) إلى ذلك الأجل.
_________________
(١) في أ: يرهن.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أله.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: رهنًا بالثمن صحيحًا.
[ ٨ / ٢٩٧ ]
ومثال ما تكون فيه المعاملة والرهن فاسدين: مثل أن يبيع [منه] (١) سلعة بثمن إلى أجل [أو أقرض على أنه يرهن له رهنًا إلى أجل] (٢) فإن جاء بحقه، وإلا فالرهن له [بدينه] (٣)، وأمثلة ذلك كثيرة وأحكامها متداخلة متشاكلة لا يقع التباين إلا في بعضها.
فأما المثال الأول: إذا كانت المعاملة صحيحة، والرهن فاسد أصلًا هل يكون فيه أحق بالرهن من الغرماء أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يكون أحق به، وهو ظاهر المدونة؛ لأنه قال في الكتاب من بيع أو من قرض؛ ولأنه إنما تكلم في الكتاب على أحكام الرهن، ولم يذكر صيغ البيع، فرأى أن البيع كان صحيحًا في أصله.
والثاني: أنه لا يكون أحق به من الغرماء؛ لأنه لم يخرج من يده بالرهن شيئًا، وهو قول ابن حبيب.
والأول أصح؛ لأنه لولا الرهن ما أخره بالثمن عن وقته، ولا بالسلف، فصار ذلك سلفًا جر [نفعًا] (٤) مع ما فيه من بيع تارة وسلف تارة، وذلك يرجع إلى بيع الغرر؛ لأنه إن وفاه أخذ رهنه، وإن لم يوفه كان ملكًا للمرتهن، فذلك غرر وخطر.
وأما المثال الثاني: إذا كانت المعاملة فاسدة، والرهن [صحيحًا] (٥): فإن البيع فيه مفسوخ، وترد السلعة مع القيام، ويرد الرهن إلى الراهن.
فإن فاتت السلعة بما يفوت به البيع الفاسد، فإن المرتهن أحق بالرهن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: في دينه.
(٤) في ب: منفعة.
(٥) سقط من ب.
[ ٨ / ٢٩٨ ]
من الغرماء حتى يقبض القيمة قولًا واحدًا.
وإنما الخلاف إذا لم يكن في البيع الفاسد رهن، هل يكون المشتري أحق بالسلعة في قيامها من الغرماء حتى يقبض الثمن الذي دفع أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه [يكون] (١) أحق بها من الغرماء، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وسحنون في "الواضحة" وغيرهما.
والثاني: أنه يكون أسوة الغرماء، وهو قول ابن المواز.
واتفقوا في الرد بالعيب أن المشتري يكون فيه أسوة الغرماء إذا أفلس البائع؛ لأنه مختار في الرد.
و[هو] (٢) في البيع الفاسد مجبور على الرد فافترقا.
وأما المثال الثالث: إذا كانت المعاملة والرهن فاسدين: فالحكم فيه أن القرض والبيع يفسخان، ويردان مع القيام، والقيمة مع الفوات، ولا يؤخران إلى أجلهما وحكم الدين إن كان برضا حكم البيع في القيام والفوات [وأما الحكم في الرهن الفاسد، فله حالتان: حالة يحكم له فيها بحكم الرهن الصحيح، وحالة يحكم له فيها بحكم الرهن الفاسد على تردد في ذلك لصاحب المذهب] (٣).
فأما الحالة التي [يحكم] (٤) فيها [للرهن] (٥) بحكم الرهن الصحيح فما كان قبل حلول الأجل: فله فيها حكم الرهان الصحيحة فيما يضمن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: يكون.
(٥) سقط من أ.
[ ٨ / ٢٩٩ ]
وفيما [لا] (١) يضمن، وله أن يحبس الرهن حتى يقبض الثمن عند حلول الأجل في المعاملة الصحيحة، أو حتى يقبض القيمة [على الحلول] (٢) في المعاملة الفاسدة في فوات السلعة.
وأما الحالة التي يحكم له فيها بحكم البيع الفاسد على تفصيل وترد وهي إذا حل الأجل الذي جعل فيه الرهن ملكًا للمرتهن إن لم يأت بالثمن.
فإذا كان الرهن قائمًا: فلا يخلو من أن يكون على يدي عدل، أو على يدي المرتهن.
فإن كان على يدي عدل، فهل يضمنه المرتهن بحلول الأجل أو لا يضمنه يقبضه؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه في ضمان المرتهن من يوم حل الأجل قبضه من يد أمين أم لا.
والثاني: أنه في ضمان الراهن حتى يقبضه المرتهن، فإذا قبض صار في ضمانه، فات أو لم يفت على حكم البيع الفاسد، فيرد مع القيام، ويغرم القيمة مع الفوات.
والثالث: أنه لا يدخل في ضمان المرتهن، وإن قبضه من يد أمين إلا بعد أن يفوت في يده، وهذا أبعد الأقوال عن الصواب أن تكون المبيعات بيعًا فاسدًا أَلَّا تضمن إلا بعد الفوات، وإن قبضها المشتري؛ لأن ردها قد وجب يوم فاتت تضمن، ومن يومئذ تجب قيمتها، وليس هذا بمعتاد المذهب، ولا بمشهوره.
_________________
(١) في أ: لا.
(٢) سقط من أ.
[ ٨ / ٣٠٠ ]
والأقوال الثلاثة نقلها [الشيخ] (١) أبو إسحاق التونسي، ولم يُسَم قائلها.
فوجه القول الأول: أن يد الراهن قد ارتفعت عنه بحلول الأجل، فصارت يد الأمين عليه كيد المرتهن سواء؛ لأنه وكيله بعد حلول الأجل على قبضه، وهذا [كقول أشهب] (٢) في البيع الفاسد: أن التمكين فيه قبض، والمرتهن هاهنا قد مكن من قبضه بحلول الأجل؛ لأن الرهن مبيع بالدين الذي في ذمة الراهن، والمرتهن لا يدري ما يصح له عند الأجل إن كان الثمن أو الرهن، ومن هذا الوجه يشبه البيع الفاسد.
ووجه القول الثاني: أن الأمين [صار] (٣) حائزًا لهما جميعًا بحلول الأجل ليس بالذي يدفع يد الراهن عنه، ولا بالذي يصيره ملكًا للمرتهن حتى يقبضه، فإذا قبضه حصلت له فيه شبهة ملك [فيما يضمن] (٤).
ووجه القول الثالث: أنه لما كان تصرف البائع في السلعة المبيعة بيعًا فاسدًا نافذًا ما دامت قائمة في يد المشتري على أحد قولي المذهب على ما قدمناه في "كتاب البيوع الفاسدة" واستقرأناه من كتاب ["التدليس] (٥) بالعيوب" وجب ألا تدخل في ضمان المرتهن إلا بعد الفوات، وإن قبضها لكونها باقية في [ملك] (٦) البائع [الأول] (٧) الذي هو المرتهن؛ إذ لا
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) في ب: القول لأشهب.
(٣) في أ: كان.
(٤) في أ: فيها.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: يد.
(٧) سقط من أ.
[ ٨ / ٣٠١ ]
[ينفد] (١) تصرف المتصرف إلا فيما هو في ملكه وتحت نظره.
فإن كان الرهن على يد المرتهن: فلا يخلو من أن يكون قائمًا أو فائتًا.
فإن كان قائمًا، هل يضمنه بالقبض أم لا؟ على قولين:
أحدهما: [أنه يضمنه بالقبض و] (٢) حلول الأجل كالبيع الفاسد وهو نص قول مالك في "كتاب الرهون" في "المدونة" أنه ضامن لقيمته يوم يحل الأجل إن فاتت.
والثاني: أنه لا يضمنه إلا بعد الفوات، وإن حَلَّ الأجل، وهو القول الثالث الذي ضعفناه إذا قبضه من يد الأمين.
فإن فات: فلا يخلو فواته من أن يكون بسبب المرتهن، أو بسبب غيره.
فإن كان بسبب غيره: ففي وجوب الضمان على المرتهن قولان:
أحدهما: أنه ضامن كما لو فات بسبب نفسه، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها، وهو المشهور.
والثاني: أنه لا ضمان عليه إلا أن يكون الفوت من سببه كالعتق، والإيلاد، والبيع، والبناء، والغرس.
ولا يضمن ما كان بسبب غيره؛ لأن يده كانت عليه بالارتهان، والرضا الذي تراضيا أن يأخذه من حقه فاسد، ويفسخ ويقر تحت يد المرتهن [حسبما] (٣) كان حتى يقبض حقه، ففارق بهذا البيع الفاسد إذا قبض ولم يكن رهنًا، وهو قول ابن عبد الحكم في "المبسوط".
_________________
(١) في أ: ينفك.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: كما كان.
[ ٨ / ٣٠٢ ]
فإن كانت بسببه فهو ضامن قولًا واحدًا، واختلف في القيمة متى تعتبر على قولين:
أحدهما: قيمته يوم يحل الأجل؛ لأنه من يومئذ صار له قابضًا قبل الملك، وهو قوله في المدونة.
والثاني: قيمته يوم الفوت، وهذا القول حكاه ابن عبد الحكم عن مالك، وحكاه محمد في كتابه، ولم يسم قائله.
فرع من المدونة:
ومن لك عليه دين لم يحل، فسألك أن تزيده في الأجل على أن يعطيك رهنًا أو حميلًا: لم يجز، وتسقط الحمالة متى علم بذلك، وأما الرهن فإن أدرك قبل أن يدخل في الأجل الثاني، فإنه يفسخ الرهن [ويرد] (١) ولا يكون أحق به من الغرماء.
فإن أدرك بعد أن دخل في الأجل: فإنه لا يرد؛ لأنه سلف لا يحل، وفيه رهن مقبوص، والرهن ثابت حتى يقضي.
وأما لو كان الدين قد حل لكان ذلك جائزًا في الحميل، والرهن كابتداء السلف.
وإذا كان لك عليه دين مؤجل، فسألك قبل محله أن تسلفه، وتؤخره بالمالين إلى أبعد من [الأجل] (٢)، أو لم يسألك تأخيرًا في الأجل: لم يجز؛ لأنه سلف جر نفعًا، وهو زيادة التمسك بالرهن في السلف الأول.
فإن نزل، وقد فلس الراهن، أو مات هل يكون الرهن كله رهنًا [بالدين في السلف الأول غرم نصفه، فالمذهب على قولين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: الأجلين.
[ ٨ / ٣٠٣ ]
أحدهما: أن كله رهنًا] (١) بالسلف الآخر؛ كالرهن بثمن سلعتين تستحق إحداهما، فالمذهب [على قولين] (٢):
أحدهما: أنه رهن كله بحصته الباقية من الثمن؛ كالمرأة تأخذ الرهن بالصداق، ثم تطلق قبل البناء، فجميعه رهن بنصف الصداق، وهو اختيار ابن المواز، وهو مذهب المدونة.
والثاني: أن نصف الرهن رهن بالسلف الآخر لا كل الرهن، وهذا القول حكاه ابن المواز أيضًا عن بعض الأصحاب، وحكاه أبو إسحاق بن شعبان في [كتابه] (٣) الزاهي، والأول أظهر و[أصح في النظر] (٤) [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: أوضح.
(٥) زيادة من ب.
[ ٨ / ٣٠٤ ]
المسألة العاشرة في اختلاف الراهن والمرتهن
ولا يخلو اختلافهما من ثلاثة [أوجه] (١):
أحدها: أن يختلفا في الدَّين.
والثاني: أن يختلفا في الرهن.
والثالث: أن يختلفا فيهما جميعًا.
[فالجواب عن الوجه الأول إذا] (٢) اختلفا في الدين: فلا يخلو من أن يختلفا في قدره أو يختلفا في جنسه.
فإن اختلفا في قدره، فقال المرتهن: هو في عشره، وقال الراهن: بل هو في خمسه: فلا يخلو الرهن من أن يكون قائمًا أو فائتًا.
فإن كان قائمًا: فلا يخلو من أن تكون قيمة الرهن مثل ما يدعيه المرتهن، أو مثل ما يدعيه الراهن، أو أقل مما يدعيه الراهن، أو أقل مما يدعيه المرتهن أو أكثر مما يدعيه الراهن؛ مثل أن يدعي المرتهن أن الدين عشرون، ويدعي الراهن أن الدين عشرة، وقيمة الرهن خمسة عشر.
فإن كانت قيمة الرهن مثل ما يَدَّعِيه المرتهن: فلا يخلو من أن يكون الرهن على يده، أو على يد غيره.
فإن كان على يده: فالقول قول المرتهن مع يمينه.
وفي يمين الراهن قولان:
_________________
(١) في ب: أقسام.
(٢) في أ: فإن.
[ ٨ / ٣٠٥ ]
أحدهما: أنه لا يحلف، وهو قول محمد؛ إذ لا فائدة ليمينه.
والثاني: أنه يحلف [لأن] (١) المرتهن يقول: لا أتكلف بيعه، وتكون العهدة عليَّ؛ لإمكان أن يستحق أو يوجد به عيب.
وسبب الخلاف: الرهن هل هو شاهد على الذِّمة، أو هو شاهد على نفسه خاصة.
فإن كان الرهن على يدي غيره، هل يكون القول قول الراهن، أو قول المرتهن؟
على قولين قائمين من المدونة [بالمعنى] (٢).
أحدهما: أن القول قول المرتهن مع يمينه، وهو قول ابن المواز.
والثاني: أن القول قول الراهن [مع يمينه] (٣)، وهو قول أصبغ في "العتبية"، وبه قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب.
وهذا الخلاف ينبني على الخلاف الذي قدمناه في الرهن، هل هو شاهد على الذمة، أو هو شاهد على نفسه [خاصة؟.
فعلى القول بأنه شاهد على نفسه] (٤) لا على الذمة؟ فإن المرتهن يحلف مع شهادته الرهن يستحق منه العشرة التي شهد له بها، ولا يمين على الراهن؛ لأن الرهن لم يشهد عليه بشيء.
وعلى القول بأنه شاهد على الذمة: فإن الراهن يحلف ليدفع عن نفسه ما شهد به عليه الرهن مخافة أن يتلف الرهن أو يستحق.
فإن كانت قيمة الرهن مثل ما يَدَّعِيه الراهن: فالمذهب أيضًا على
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٨ / ٣٠٦ ]
قولين:
أحدهما: أن القول قول الراهن مع يمينه، وهو قول ابن المواز.
والثاني: أن القول قول المرتهن، وهو قوله في "العتبية"، وهذا ينبني على ما تقدم أن الرهن ليس بشاهد على الذمة؛ لأنه يرهن في أقل من قيمته، وفي أكثر منها.
فأما إذا كانت قيمته أكثر مما يَدَّعِيه [الراهن وأقل مما يَدَّعِيه] (١) المرتهن؛ مثل أن يَدَّعِي المرتهن أن الدَّين عشرون، ويَدَّعِي الراهن أن الدَّين عشرة، وقيمة الرهن خمسة عشر، فهاهنا يحلفان جميعًا.
واختلف من المبدى باليمين على قولين:
أحدهما: أن المرتهن هو المبدى اليمين، وهو قول مالك في الموطأ، وهو المشهور لقبضه الرهن [وحوزه] (٢) له سواء كان بيده أو وضعاه على يد عدل؛ لأن يد العدل حائزة للمرتهن، وهو نص قول ابن المواز؛ لأن الرهن شاهد له.
والثاني: أن التخيير لهما في ذلك؛ فمن بدأ باليمين منهما جاز ذلك، هو قول [الشيخ: أبو الحسن] (٣) اللخمي [﵀] (٤) لأنه قال: فإن [بدأ] (٥) المرتهن باليمين كان بالخيار.
وعلى القول بأن المرتهن يبدأ باليمين، فعلى ماذا يحلف؟
فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: وحيازته.
(٣) زيادة من ب.
(٤) زيادة من ب.
(٥) في ب: ابتدأ.
[ ٨ / ٣٠٧ ]
أحدهما: أنه يحلف على عشرين دينارًا، وهو جميع الدين، وهو قول مالك في ["الموطأ"] (١).
والثاني: أنه يحلف على خمسة عشر، وهي قيمة الرهن، كما لو ادَّعى عشرين، وشهد له شاهد بخمسة عشر، فإنه يحلف على الخمسة [عشر] (٢) التي شهد له بها شاهد، وهذا القول حكاه الشيخ أبو محمد عبد الحق عن بعض شيوخه.
والثالث: أنه مخير إن شاء حلف على جميع الدَّين، وإن شاء حلف على قيمة الرهن خاصة، وهو قول ابن المواز.
وعلى القول بأنه يحلف على جميع الدَّين: فإنه إذا حلف رجع اليمين على الراهن، فيحلف ويسقط عن نفسه الخمسة الزائدة على قيمة الرهن.
فإن نَكَلَ دفع للمرتهن ما حلف عليه، فإن حلف المرتهن [أولًا] (٣) على خمسة عشر -على تخيير ابن المواز، أو على قول الصقيلي- فإن الراهن يحلف ليسقط عن نفسه بقية دعوى المرتهن وهو ما زاد على قيمة الرهن، فإن نَكَل الراهن لم يقض للمرتهن بالزيادة على قيمة الرهن إلا بعد يمين ثانية أنه في عشرين.
وإن بدأ الراهن باليمين على القول بالتخيير في التبدئة: فهو مخير في صفة اليمين، فإن شاء حلف أنه لم يرهنه إلا في عشرة، فإن نكل المرتهن بعد ذلك [دفع الراهن وأخذ رهنه، وإن شاء حلف أنه لم يرهنه في عشرين دينارًا منه، فإن نكل المرتهن بعد ذلك] (٤) حلف [الراهن] (٥)
_________________
(١) في ب: المدونة.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: أو.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٨ / ٣٠٨ ]
يمينًا ثانية أنه لم يرهنه إلا في عشرة، ثم لا يكون للمرتهن إلا قيمة الرهن.
فإن أراد الراهن أن يعطيه قيمة الرهن، ويأخذ رهنه، هل يمكن من ذلك أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يمكن من ذلك إلا أن يدفع له جميع ما يَدَّعِيه من العشرين الدينار فيأخذه، وهي رواية يحيى عن ابن القاسم في "العتبية".
والثانى: أنه مخير إن شاء دفع له قيمة الرهن ويأخذه، وإن شاء أسلمه له، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو قول ابن نافع في "العتبية".
والثالث: أن الراهن بالخيار إن شاء أن يعطيه ما قال المرتهن، وإلا بيع الرهن ويدفع له من ثمنه ما ذكر، وهو قوله في "كتاب ابن عبدوس".
واختلف في القيمة في ذلك متى تعتبر.
أما مع قيام الرهن ففيه قولان منصوصان في المدونة:
أحدهما: قيمته يوم الحكم، وهو قول ابن القاسم في الكتاب، وهو قول ابن نافع في "النوادر".
والثاني: أنه ينظر إلى قيمته يوم القبض، وهو قول الغير في بعض نسخ "المدونة" في كتاب "الرهون".
وأما في فواته إذا كان مما يضمن: فقد اختلف في وقت اعتبار قيمته على ثلاثة أقوال:
أحدها: اعتبار قيمته يوم القبض، وهو قول ابن القاسم في [في الكتاب.
والثانى: اعتبار قيمته يوم الفوات، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم
[ ٨ / ٣٠٩ ]
في] (١) "العتبية".
والثالث: اعتبار قيمته يوم الرهن، وهو قول ابن القاسم في موضع آخر على ما نقله القاضي أبو الوليد الباجي [﵀] (٢).
وأما الوجه الثاني [من الوجه الأول] (٣) من القسم الأول: وهو أن يكون الرهن فائتًا، وقد تصادقا على مقدار قيمته، هل يكون القول قول الراهن أو قول المرتهن؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن القول قول الراهن مع يمينه، وهو ظاهر قول ابن المواز.
والثاني: أن القول قول المرتهن مع يمينه.
والثالث: التفصيل بين أن يكون الرهن مما يضمن، أو مما لا يضمن.
فإن كان مما يضمن بالغيبة [عليه] (٤)، ولم تقم على هلاكه بينة كان القول قول المرتهن.
فإن كان مما لا يضمن إما لكونه مما لا يغلب عليه كالعبيد، والحيوان، أو مما لا يُغاب عليه، إلا أن البينة قامت على هلاكه، [كان] (٥) القول قول الراهن.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الرهن، هل هو شاهد على نفسه خاصة، أو هو شاهد على الذِّمة؟
فعلى القول بأنه شاهد على نفسه خاصة لا على الذمة: يكون القول قول الراهن -كان مما يضمن أو مما لا يضمن-؛ لأن حكم الرهن قد سقط
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من ب.
(٥) في أ: فإن.
[ ٨ / ٣١٠ ]
فيرجعان إلى ما يغرمه الراهن من ذمته، إذا كان الرهن مما لا يضمن، أو كان مما يضمن على القول بأنه قيمة الشيء لا تقوم مقام عينه، فصار بمنزلة ما لم يكن فيه رهن؛ لأنه يشبه أن يرهن الرهن في مثل قيمته أو في أكثر منها أو أقل، وهذا القول قائم من "المدونة" من قوله: إن شاء الراهن أدى قيمة رهنه، ويأخذه إن أحب، وإلا فلا سبيل له إليه، وهو ظاهر ما في كتاب محمد، وما في سماع يحيى أنه إنما يكون الرهن شاهدًا على نفسه لا على الذمة وأنه حقه إنما يكون في عين الرهن لا فيما سواه حتى لو تلف الرهن، أو هلك إن كان مما لا يغاب عليه، واستحق لم يطالب الراهن بغير ما أقر به بعد أن يحلف.
ولو كان الرهن شاهدًا على الذمة: ما كان يجبر الراهن على فداء الرهن بقيمته أو تركه على قول، ولا على قول آخر لا سبيل له إليه، ولكان يقول: إنه يباع عليه، ويدفع للمرتهن من قيمته ما ذكر، كما هو منصوص في "كتاب ابن عبدوس"، وتكون العهدة في ذلك على الراهن.
وعلى القول بأنه شاهد على الذمة: يكون القول قول المرتهن، وهو تأويل بعضهم على "المدونة" من قوله: إن القول قول المرتهن ما بينه وبين قيم الرهن؛ بناء منه على أن العادة المألوفة أن الناس لا يرهنون في ديونهم إلا ما يساويها، أو ما يقاربها، لا ما لا يفي بها، وهو ظاهر قول أصبغ، والقاضي أبي محمد عبد الوهاب.
فعلى هذا إذا استحق الرهن، أو جرى عليه أمر من الأمور أن القول قول المرتهن ما بينه وبين ما [له شهد] (١) الرهن، ويتبع [به] (٢) ذمة
_________________
(١) في ب: شهد له.
(٢) سقط من أ.
[ ٨ / ٣١١ ]
الغريم.
وأما على القول بالتفصيل: فيجري على اختلافهم في قيمة الشيء، هل هي كعينه أم لا؟.
وأما الوجه الثاني من القسم الأول: إذا اختلفا في جنس الدَّين؛ مثل أن يقول المرتهن: هو رهن عندي بمائة دينار، وقيمة الرهن مائة فأكثر، وقال للراهن: بل في مائة أردب قمح، فإن كان قيمة المائة أردب مائة دينار فأكثر: فالراهن مصدق وتؤخذ منه وتباع، ويدفع للمرتهن مائة، والزائد يوقف إن كان هناك، فمن رجع منهما إلى تصديق صاحبه أخذه.
فإن كانت قيمته أقل من مائة دينار: فالمرتهن مصدق كما يصدق في كثرة الدين إذا تصادقا على نوع واحد [و] (١) الرهن يشهد له.
والجواب عن القسم الثاني: إذا اتفقا في مقدار الدين، واختلفا في قيمة الرهن، وقد فات: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يدعي كل واحد منهما معرفة قيمته.
وإما أن يدعيها واحد، والآخر يقول: لا أدري.
وإما أن [يجهلاها] (٢) جميعًا.
فإن ادعى كل واحد منهما معرفة قيمة الرهن: فإنهما [يتواصفاه] (٣) ثم لا يخلو من أن يتصادقا على الصفة، أو يختلفا فيها.
فإن تصادقا على الصفة: فإنه يُدعى المقومون لتلك الصفة، فإن
_________________
(١) في أ: من.
(٢) في أ: يتجهلا لها.
(٣) في ب: يتواصفانه.
[ ٨ / ٣١٢ ]
قوموها بمثل، ما يدعيه المرتهن: [كان] (١) القول قوله.
فإن قدروها بأكثر مما يدعيه الراهن، أو أقل مما يدعيه المرتهن جرى على ما قدمناه من التفصيل، والتحصيل في قيام الرهن.
فإن اختلفا في قيمة الرهن، وقال الراهن: قيمته عشرة، وقال المرتهن: قيمته خمسة، والدين عشرة، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القول قول المرتهن، وهو قوله في "المدونة"، وقال ابن حبيب: وإن أتى بما لا يشبه، فإنه يقبل قوله؛ لأن الرهن [يرهن] (٢) في أقل من قيمته وأكثر.
والثاني: أن القول قول الراهن، وهو قول أصبغ، وهذا يصح بأن الرهن شاهد على الذمة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الدَّين، هل هو دليل على قيمة الرهن، أم لا؟
فمن رأى أن مقدار الدَّين دليل على قيمة الرهن يقول: القول قول الراهن؛ لأن الغالب أن الرهن لا يكون إلا بما يساوي الدَّين.
ومن رأى أن الدَّين لا يكون دليلًا على قيمة الرهن يقول: القول قول المرتهن؛ لأن الناس يرهنون ما يفي بالدَّين وما لا يفي به.
والقولان قائمان من "المدونة"، إلا أن قول ابن القاسم في هذه المسألة مخالف لقوله في اختلافهما في مقدار الدَّين.
فإن ادعى أحدهما معرفة قيمة الرهن، وقال الآخر: لا أدري ما قيمته: فالقول قول من ادَّعَى معرفة القيمة ما لم يأت أمر يستنكر بما لا
_________________
(١) في أ: فإن.
(٢) سقط من أ.
[ ٨ / ٣١٣ ]
يشبه، إما لكثرته إن كان ذلك من [الراهن، وإما لقلته جدًا إن كان ذلك من] (١) المرتهن.
فإن جهلاها جميعًا: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يكون الرهن بما فيه، ولا تباعة بينهما، وهو قول مالك في "المدونة"، وعليه حمل قوله - ﷺ -: "الرهن بما فيه" (٢)، [فقال] (٣) معنى ذلك إذا عُميت قيمته، وجهلت صفته؛ لأن ذلك غاية المقدور.
والثاني: أنه يجعل من أدنى الرهون، وهو قول أشهب -يريد من أدنى ما يرهن في مثل ذلك الدين.
ووجه القول الأول: أنه لما كان احتمل أن يرهنه في مثل عدد الدين أو في أكثر منه أو أقل: كان الأعدل أن يكون بالدين قطعًا لمادة النزاع كما قالوا -إذا قال له: "عندي من الخمسين إلى الستين": إنه يكون عليه خمسة وخمسون؛ يقيم المشكوك فيه بينهما كما يقسم بينهما إذا تساوت فيه الدعاوى.
ووجه القول الثاني: أن الذِّمة على أصل البراءة: فلا تعمر بالشك؛ فلأجل ذلك يجعل من أدنى الرهون كما قالوا: إذا أقر أن له عنده دراهم أنه يجعل عليه أقل أعداد الدراهم؛ وذلك ثلاثة دراهم.
والجواب عن القسم الثالث: إذا اخلتفا في مقدار الدين [وقد ضاع، فقال الراهن: الدين خمسة، وقيمة الرهن عشرة، وقال المرتهن: الدين
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) أخرجه الدارقطني (٣/ ٣٢)، والبيهقي في الكبرى (١١٠٠٦)، وابن الجوزي في التحقيق (١٥١٨)، وهو حديث ضعيف. انظر: الضعيفة (٣٦٦١).
(٣) في أ: فقيل.
[ ٨ / ٣١٤ ]
عشرة] (١) وقيمة الرهن خمسة: فإن المذهب يتخرج على قولين:
أحدهما: أن القول قول الراهن [فيما يدعيه الراهن] (٢) ويحلف أن الدين خمسة، والقول قول المرتهن، ويحلف أن قيمة الرهن خمسة، ثم لا تباعة بينهما وهو اختيار اللخمي.
والثاني: أن القول قول المرتهن فيما يدعيه الراهن، والقول قول الراهن، فيما يدعيه المرتهن.
وسبب الخلاف: الرهن هل هو شاهد على الذمة؟ والدين هل هو دليل على قيمة الرهن أم لا؟
وذلك أنا إذا قلنا: إن الرهن شاهد على الذمة، يكون القول قول المرتهن فيما يدعيه الراهن؛ لأنه يَدَّعي أن الدَّين خمسة، وقيمة الرهن عشرة، والعادة أن الناس يرهنون في الدَّين ما يفي به.
وإن قلنا: إن الدَّين لا يكون شاهدًا على الذِّمة: يكون القول قول الراهن في مقدار الدين.
وإذا قلنا: إن الدَّين دليل على قيمة الرهن: يكون القول قول الراهن فيما يَدَّعِيه المرتهن؛ لأنه يَدَّعِي أن الدَّين عشرة، فينبغي أن تكون قيمة الرهن [كذلك] (٣).
وإذا قلنا: إن الدَّين لا يكون شاهدًا على الذَّمة، وإن الدَّين لا يكون دليلًا على قيمة الرهن: كان القول قول كل واحد منهما يَدَّعيه مع يمينه؛ لأنه غارم مطلوب: وفروع هذا الباب كثيرة، فقس ما يَرِدُ عَليك [منها على هذا الأسلوب] (٤) [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: عشرة.
(٤) في ب: على هذه الأسئلة.
(٥) زيادة من ب.
[ ٨ / ٣١٥ ]
المسألة الحادية عشر في ارتهان [فضلة الرهن] (١)
ولا تخلو تلك الفضلة من أن تكون فضلة في عين الرهن، أو تكون فضلة في قيمة الرهن.
ومعنى الوجه الأول: أن يرهنه نصف الثوب [في عشرة دنانير والنصف الآخر غير مرتهن بقبض المرتهن جميع الثوب يقيم له الحوز، ومعنى الوجه الثاني: أن يرهن الثوب] (٢) في خمسة وهو يساوي عشرة.
وفائدة اختلاف الصور معرفة ما يصح للمرتهن الثاني، ويكون أحق به من الغرماء إذا صح له القبض والحوز، ففي الوجه الأول يكون أحق بنصف الثوب من الغرماء سواء كان النصف الثاني يفي بحق الرهن الأول أو يعجز عنه.
وفي الوجه الثاني: يكون المرتهن الثاني أحق بما ناف عن دين المرتهن الأول من قيمة الرهن إن كان في قيمة الزيادة.
فإن كانت قيمته كفافًا لدين الأول، أو أقل منه: فهو أحق بجميع الرهن من الغرماء، ولا حق فيه للمرتهن الثاني.
فإذا ثبت ذلك، فلا يخلو من وجهين:
إما أن يرهن تلك الفضلة للمرتهن الأول أو لغيره.
فإن رهنها من الأول: فلا يخلو من أن يكون الرهن على يده، أو على يد عدل.
_________________
(١) في أ: فضلة.
(٢) سقط من أ.
[ ٨ / ٣١٦ ]
فإن كان على يده: فلا خلاف في الجواز كان المرتهن عين الرهن أو صفته، إلا على مذهب من يرى أن رهن الغرر لا يجوز، فيمنع رهن الصفة؛ وهو ما يزيد من قيمة الرهن على قدر الدَّين الأول؛ لأن ذلك غرر، وقد يكون، وقد لا يكون.
فإن كان على يدي عدل: فيجري فيه من الخلاف ما نذكره في الوجه الثاني إن شاء الله تعالى.
فأما إذا رهنه من غير الأول: فلا يخلو من أن يضعاه على يده عدل، أو على يد المرتهن الأول.
فإن وضعاه على يد عدل، فإن رضي بالحوز للثاني: فالمذهب على قولين:
أحدها: أن ذلك جائز -رضي المرتهن الأول أو سخط- وهو قول أصبغ، وهو ظاهر [المدونة] (١).
والثاني: أن ذلك لا يجوز [إلا برضا الأول] (٢)، وهو قول مالك في "كتاب محمد"، وهو أضعف الأقوال؛ إذ لا فائدة لرضاه.
وأما إذا كان الرهن على يد المرتهن الأول، ففيه في المذهب ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك جائز -رضي المرتهن الأول [بذلك] (٣) أم لم يرض- وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الوصايا الثاني" وغيره من "المدونة": فيمن أخدم عبده رجلًا سنة، ثم قال: هو لفلان: حيث قال: إن ذلك جائز، وقبض المخدم قبض للموهوب له الرقبة.
_________________
(١) في أ: الرواية.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
[ ٨ / ٣١٧ ]
والثاني: أن ذلك لا يجوز، ولا يكون حوزه حوزًا للثاني؛ وإن رضي لأن قبضه وحوزه أولًا إنما كان لنفسه لا لغيره، وهي رواية محمد بن المواز عن ابن القاسم في كتابه، ورواه أبو القاسم بن الجلاب أيضًا.
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يرضى المرتهن الأول: بالحوز للثاني، أو لا يرضى.
فإن رضي أن يجوز له: فذلك جائز.
وإن لم يرض: فلا يجوز.
وهو نص قول مالك في "كتاب الرهون"، وذهب بعض المتأخرين إلى أن ذلك كله اختلاف أحوال، وأن معنى الجواز عنده إذا كان أَجَلُ الدَّينين سواء أو كان الآخر [أبعده حلولًا] (١) فذلك يجوز، وإن لم يرض الأول.
وإن كان الثاني أقرب حلولًا، ودين الأول عرضًا، ودخل الثاني على أن يقتضي دينه إذا حل أجله: لم يجز إلا برضا الأول؛ لأن الأول يقدر على تقديم حقه قبل أجله.
وإن كان دين الأول عينًا أو عرضًا من قرض: جاز إذا دخل على أن يعجل حقه إذا حل الدين الأول.
واختلف في ضمان الفضلة إذا كان الرهن على يد المرتهن الأول على قولين:
أحدهما: أنه لا ضمان عليه للفضلة؛ لأنها عنده على الأمانة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
_________________
(١) في ب: أبعد الحلول.
[ ٨ / ٣١٨ ]
والثاني: أن ضمانه كله من الأول، وهو قول أشهب، وهذا كله في رهن فضلة القيمة.
وأما فضلة عين الرهن: فلا خلاف أن ضمانها من الراهن، كما لو كان على يد عادل.
ولو كان على يد المرتهن الثاني لتخرج فيه الضمان على قولين قائمين من "المدونة".
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل.
[فمن اعتبر الحال قال بوجوب الضمان على المرتهن الثاني؛ لوجود الفضلة في قيمة الرهن في الحال. ومن اعتبر المآل] (١) قال: لا ضمان عليه في تلك الفضلة؛ لأن الفضل مترقب إلى الحلول، فقد تحول أسواق الرهن، أو يحدث به عيب، ولا يكون فيه فضل عند حلول أجل الدين، وإن كان لا يعلم كم هو في عين البيع [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
[ ٨ / ٣١٩ ]
المسألة الثانية عشر في تصرف الراهن [في الرهن بالعتق] (١) والإيلاد
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون تصرفه فيه قبل الحوز.
والثاني: أن يكون بعد الحوز.
فإن كان ذلك قبل الحوز: فلا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يعتق، أو يكاتب، أو يدبر، أو يطأ.
فأما العتق: فلا يخلو الراهن من أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان موسرًا: فالعتق نافذ، ولا يرد، ثم ينظر إلى قيمة العبد: فإن كانت كفافًا للدَّين أو أكثر منه: فإن الراهن يطالب بتعجيل الدَّين من أي نوع كان تعصيبًا للعتق، وكون الرهن فوته بالعتق قبل الحوز.
فإن كانت قيمته أقل من الدَّين، فهل يُعَدّ ذلك منه رضا بتعجيل الدَّين أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك يُعَدّ من الراهن رضا بتعجيل جميع الدَّين، وعليه أن يعجله كله، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الرهون".
والثاني: أنه لا يُعَدّ ذلك منه رضا بتعجيل الدين جميعه، وإنما عليه تعجيل قدر قيمة العبد خاصة، وهو أحد القولين في البيع إذا باع الرهن، وهو قول ابن القاسم في العارية: إذا استعار عبدًا ليرهنه ثم أعتقه المعير،
_________________
(١) في أ: بالرهن في العتق.
[ ٨ / ٣٢٠ ]
حيث قال ابن القاسم في أحد قولين: إن كان له [مال] (١) جاز عتقه، ويغرم الراهن الأقل من قيمته أو من الدَّين بتعجيله، ولا فرق بين العارية وغيرها؛ إذ لا يجب عليه أن يغرم أكثر مما فوته، وهو ظاهر قول ابن القاسم أيضًا في "كتاب الجنايات" من المدونة: إذا أعتق السيد العبد الجاني، حيث قال: إنه يحلف ما أراد بعتقه تحمل الجناية، وعلى أنه يغرم قيمة العبد: فإن الباقي من الدَّين يبقى في ذمة الراهن، ويكون به المرتهن مع الغرماء أسوة.
فإن كان الراهن معسرًا: فإن العتق لا ينفذ، والعبد موقوف إلى محل أجل الدَّين.
فإن أفاد الراهن مالًا: أخذ منه الدَّين وعُتق العبد بالعتق الأول، وإلا فيباع العبد في الدَّين، فإن استغرق قيمته بطل العتق.
وإن كان بيع بعضه يَفِي بالدَّين: فإن الباقي ينفذ فيه العتق.
وأما الكتابة والتَّدْبِير: فقد اختلف فيهما المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن للمرتهن أن يقبض رهنه، ويكون محازًا وهو مكاتب ومدبر، وهو قول أشهب في "كتاب محمد"، وظاهره: ألا فرق بين أن يكون الراهن موسرًا أو معسرًا، بخلاف العتق.
والثاني: أن الكتابة والتدبير كالعتق يعتبر فيهما اليُسر والعُسر في حين عقدهما لما يخاف من مآل [أمرهما] (٢) في العسر عند حلول الأجل إن كان الراهن موسرًا عند عقد الكتابة والتَّدْبِير.
والثالث: التفصيل بين أن تكون [الكتابة و] (٣) التَّدْبير في يُسْر الراهن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: أحدهما.
(٣) سقط من أ.
[ ٨ / ٣٢١ ]
وعسره؛ فإن كان الراهن مُوسرًا: تَسَاوَى حكم الكتابة والتدبير.
وإن كان الحكم في المُدَبّر الانتظار إلى محل الأجل في الكتابة يستوفي الحق منها، فإنه إذا كان حرًا وخرج من الرهن، فإن عجز كان رهنًا، وهذا يتخرج على قول أشهب في "كتاب محمد" أن الكتابة تكون رهنًا مع رقبة المكاتب.
وأما الوجه الثاني: من أصل التقسيم: إذا تصرف [الراهن] (١) في هذه الأشياء بعد القبض والحوز: فلا يخلو الراهن من أن يكون مُوسِرًا أو مُعسِرًا.
فإن كان مُوسِرًا: فلا خلاف في نفوذ العتق المبتل، وهل يغرم جميع الدَّين، أو قيمة الرقبة خاصة، ويبقى الباقي في ذمته إلى أجله بلا رهن أم لا؟
على قولين قائمين من المدونة، وقد قدمناهما.
وسبب الخلاف: تَصَرُّف الراهن في الرهن بما يفوته، هل يُعَدّ ذلك منه رضًا بتعجيل الدَّين على وفائه، وكماله أم لا؟ وهل للراهن أن يعطيه رهنًا آخر، ويبقى الدَّين إلى أجله أم لا؟ على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه لا يمكن من ذلك، وعليه تعجيل الحق من ساعته، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أنه يمكن من ذلك، فإذا أتى برهن آخر، فالحق يبقى إلى أجله، ولا حجة في ذلك للمرتهن، وهذا القول حكاه القاضي أبو محمد عبد الوهاب عن الشيخ أبي بكر الأبهري.
فإن كان الراهن مُعْسِرًا: فإن عتقه موقوف، ويبقى العبد رهنًا إلى
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٨ / ٣٢٢ ]
أجل الدَّين.
فإن جاء الأجل والراهن مُوسِر بقدر ما عليه من الدَّين: فالعتق نافذ.
فإن جاء وهو مُعْسِر: فالعبد يباع فيما رهن فيه من الدَّين؛ فإن كانت قيمته كَفَافًا للدَّين: بطل العتق فيه، فإن كانت قيمته أكثر من الدَّين: فإنه يباع [منه] (١) بقدر الدَّين ثم يعتق ما بقى بالعتق الأول.
وأما الكتابة والتَّدْبِير: فإن كان الراهن مُعْسِرًا، فإنه يبقى رهنًا إلى أجل الدَّين -مكاتبًا كان أو مدبرًا- وإن كان مُوسِرًا: فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من المدونة:
أحدها: أنه يبقى رهنًا إلى أجل الدَّين -مدبرًا كان أو مكاتبًا- وهو قول مالك في المدونة في المدبر، والمكاتب [كالتدبير] (٢) وهو قول ابن المواز.
والثاني: أنه يعجل الدَّين من حينه ووقته، وهو قول ابن القاسم في الكتاب في العتق، والكتابة، وهو قول ابن وهب في التَّدْبِير حيث قال في الكتاب: التدبير كالعتق، ويؤدي الدين، وهو قول أشهب في "الموازية": إن الكتابة والتَّدْبِير كالعتق.
والثالث: التفصيل بين الكتابة والتدبير؛ فالكتابة كالعتق يعجل فيها الرهن والدَّين، والتدبير: يبقى [فيه] (٣) العبد رهنًا حتى يحل الأجل لجواز رهن المدبر، وهو قول ابن القاسم في [الكتابة] (٤)، وفي "كتاب محمد": فإن حلَّ الأجل، ولا ماله له: بيع في الدَّين، ويبطل التدبير.
ووجه القول الأول: أن المُدَبَّر يجوز رهنه؛ لأنه ليس بعتق ناجز،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: كالمدبر.
(٣) في أ: من.
(٤) في أ: الكتاب.
[ ٨ / ٣٢٣ ]
فينبغي أن تكون الكتابة كذلك [وكأنهما] (١) عقد عتق طرأ بعد الرهن، وقد يتم فيهما العتق، وقد لا يتم.
ووجه القول الثاني: اعتبار الطوارئ؛ لأن الراهن إذا كان مُوسرًا يوم دَبَّرَه، فقد يعسر يوم يحل الأجل، فيبطل التدبير مع القدرة على نفوذه؛ لأنا إذا أغرمناه الدَّين لم يبطل التَّدْبير إلا ما يكون من دين بعد الموت.
وكذلك [الكتابة] (٢) لأنه قد يعسر يوم حلول الأجل، فلا يكون في ثمن الكتابة إذا بيعت وفاءً بالدين، فتبطل الكتابة كلها؛ إذ لا يكاتب بعض عبد، ولا يُدَبَّر بعض عبد.
وأما القول الثالث: فقد أشرنا إلى توجيهه في أثناء الجواب.
واختلف إذا كان بيع بعد المُدَبَّر يَفي بالدَّين، هل يباع منه بالدَّين، ويبقى الباقي مُدَبّرًا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يباع منه على أنه مدبر، ولا يقاويه بخلاف أم الولد التي يجوز أن يبقى بعضها على حساب أم الولد، وهو قول ابن المواز.
والثاني: أنه يجوز أن يباع منه، ويبقى الباقي على أنه مُدَبَّر، وهو ظاهر المدونة؛ إذ لا مانع من ذلك ولا غرر فيه، ولا خطر بخلاف الكتابة.
فلو لم يكن مع السيد مال فقضى العبد ما هو فيه مرهون من مال نفسه، فإنه يتم عتقه.
وهل يرجع على سيده بذلك أم لا؟
فالمذهب يتخرج على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه لا يتبعه بشيء، وهو مذهب أبي الزناد، وهو ظاهر
_________________
(١) في أ: وكلاهما.
(٢) في أ: الكتاب.
[ ٨ / ٣٢٤ ]
[المدونة] (١)؛ لأن عتقه في العبد لم يكن عتقًا يتم إلا بقضاء الدَّين، فصار كأنه أَدَّى الدَّين و[هو] (٢) في ملك سيده؛ لأنه لو مات على تلك الحال مات رقيقًا.
والثاني: أنه يرجع على السيد ويتبعه بما أدى عنه، كما لو أداه أجنبي من الناس إذا قال: إنما أَدَّيت: لأرجع عليه؛ لأن السيد رضي ببقاء الدَّين في ذمته؛ ولأن الغُرَمَاء لو شاؤوا أن يصبروا بدينهم ويجيزوا [عتقه] (٣) ففعلوا لكان ذلك لهم، فصار تأخير العبد للسيد بما أَدَّى عنه كتأخير الغُرماء له، وهذا هو الصحيح.
وأما قوله في القول الأول كأنه أدَّى الدَّين، وهو في مِلك السيد: فلا يصح به الاستدلال على تمشيته ما يريد؛ لأنه لو دَايَنَ السيد ثم أعتقه، ولم يكن السيد استثنى ماله حين العتق لكان عتقه جائزًا، ويبقى دينه في ذمة السيد، وهو مذهب "المدونة"، وليس له أن يَرد عتق نفسه لما كان له على سيده من دين؛ لأنه إذا رَدَّ عتق نفسه كان أضر به؛ لأن السيد أخذ ماله، فلا فائدة له في هذا؛ فلا يكون حرًا ويتبع سيده بدينه أولى من أن يرد عتق نفسه، فيأخذ سيده ماله إذا شاء كما قيل [فيما] (٤) إذا [زوج] (٥) إذا تزوج أمته من عبد وقبض صداقها ثم أعتقها قبل البناء بها ولا مال للسيد، فاختارت نفسها، فقال الزوج: أنا أطالب السيد بالصداق الذي قبض، وأرد فيه عتق الأمة؛ فقال: لا يكون
_________________
(١) في أ: المذهب.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: تزوج.
[ ٨ / ٣٢٥ ]
لها خيار وتبقى تحته؛ لأن اختيارها [الطلاق] (١) يوجب سقوط عتقها.
[وسقوط عتقها] (٢) يوجب ألا يكون لها اختيار؛ فلأن تبقى حرة تحت عبد خير من إرقاقها الذي يؤدي إلى سقوط خيارها.
وهذا منه بناء على أن المرأة لا تملك الصداق إلا بالدخول، ويؤخذ من "المدونة" أنها تعتق ويتبع السيد بالصداق، ولا يرد فيه عتقها من قوله في السيد إذا أخذ مهر أمته [وأعتقها] (٣) ثم طلقها الزوج قبل البناء: أن العتق نافذ ولا يرد؛ لأنه دين حدث بعد الطلاق بناءً [منه على] (٤) أنها تملك جميع الصداق بالعقد، وقد [أشبعنا] (٥) الكلام في هذا المعنى في غير هذا الموضع.
وأما تصرفه في أمة الرهن [بالوطء] (٦): فلا يخلو من وجهين:
إما أن يكون بمباشرة من الراهن، أو بسبب منه.
فإن كان ذلك بمباشرة من الراهن؛ مثل أن يَطَأها الراهن، فحملت من وطئه، فإن كان ذلك قبل الحوز: فحكمه حكم العتق في جميع ما ذكرناه.
وإن كان ذلك بعد الحوز: فلا يخلو من أن يكون وطؤه بإذن المرتهن، أو بغير إذنه.
فإن كان ذلك بإذنه: كان ذلك خروجًا من الرهن، وتكون أُمّ
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: أوسعنا.
(٦) سقط من أ.
[ ٨ / ٣٢٦ ]
ولد، ويبقى الدين في ذمته بلا رهن.
وإن كان بغير إذنه: فالمذهب على قولين:
أحدهما: التفصيل بين أن تكون الجارية تذهب وتجيء في حوائج المرتهن، ثم وطئها الراهن فحملت: فإن الرهن يبطل، ولم يعجل الحق ورجعت إلى الراهن أُمّ ولد.
أو تكون لا تذهب وتجيء، وإنما تَسَوَّر عليها الراهن: فإن ذلك لا يبطل الرهن، وهو قول ابن القاسم في المدونة (١).
والثاني: أن وطاه بغير إذن المرتهن لا يبطل الرهن، وإن كانت تذهب وتجيء، وهو كالتسور.
والقولان عن مالك، على ما رواه ابن القاسم في "المجموعة".
وعلى القتل [بأن ذلك] (٢) لا يبطل الرهن: فلا يخلو الراهن من أن يكون موسرًا، أو معسرًا.
فإن كان موسرًا: فلا يخلو الدين من أن يكون عينًا أو عرضًا.
فإن كان عينًا: فإن الدَّين يعجل قبل أجله، ويجبر المرتهن على قبضه، وكانت أُمُّ ولد للراهن.
وإن كان الدَّين عَرَضًا أو طعامًا من سَلَم: فالخيار للمرتهن إن شاء عَجَّل حقه، وسَلَّم الجارية، وإن شاء حبسها رهنًا، وأرجأ الطعام إلى أجله؛ لأن ذلك من حقه، وهو قول سحنون في "المجموعة".
وقوله تفسير للمذهب وليس بخلاف.
فإن كان الراهن مُعْسِرًا: فإنها تباع، وهل تباع في الحال، أو بعد
_________________
(١) المدونة (٤/ ١٥٨).
(٢) في أ: بأنه.
[ ٨ / ٣٢٧ ]
الأجل فقولان:
أحدهما: أنها تباع في الحال، ولا ينتظر بها الأجل.
والثاني: أنها لا تباع حتى يحل الأجل، فتباع بعد الوضع، وهو قول أشهب.
ثم ينظر، فإن كان الدَّين يستغرق جميع قيمتها: فإنها تباع جميعها قولًا واحدًا في المذهب، ولا يباع الولد معها؛ لأنه حر.
فإن كان بيع بعضها يفي بما عليه من الدَّين، هل تباع كلها أو يباع منها [بقدر] (١) الدين؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يباع منها بقدر الدَّين، ويعتق الباقي في الحال، وهو قول ابن القاسم في "كتاب أمهات الأولاد" في وطء [أحد] (٢) الشريكين أمة بينهما.
والثاني: أنها تباع جميعها، وما كان فيها من فضل، فإنه [يكون] (٣) للسيد؛ إذ لا يكون بعض [الأمة] (٤) أمّ ولد، وهو قول أشهب في "المجموعة".
فإن كان ذلك بسبب [من] (٥) الراهن مثل أن يزوجها بعد الرهن والحوز، فهل يجوز هذا النكاح أم لا؟
_________________
(١) في أ: بغير.
(٢) سقط من ب.
(٣) في أ: لا يكون.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: إلى.
[ ٨ / ٣٢٨ ]
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن النكاح فاسد، ويفسخ قبل البناء، فإن بني [بها] (١) بعلم المرتهن فسخ رهنه، فإن لم يعلم: فله أن يَحُول بينه وبينها ما دامت في الرهن، ولا يفسخ النكاح، ولها الأكثر من صداق المثل أو المسمى لها، وهو قوله أشهب في "المجموعة".
والثاني: أن النكاح جائز، ويعجل الراهن حقه للمرتهن بمنزلة أن لو أعتقها أو بتلها عمدًا، وهو قول سحنون في الكتاب المذكور.
والثالث: أن النكاح موقوف على إجازة المرتهن ورده؛ لأن النكاح يعيب الرهن؛ فإن رضي به جاز النكاح، وإن لم يرض به فسخ النكاح -دخل أو لم يدخل- وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في آخر "كتاب [الرهون] " (٢).
فإن بني [بها] (٣) بغير علم المرتهن فافتضها إن كانت بكرًا، فعلى الزوج صداق المثل يوقف معها في الرهن كالجناية عليها، وإن نقصها الافتضاض أكثر مما أخد السيد من الصداق غرم السيد الزائد، ويوقف مع الصداق رهنًا، وهو قول ابن عبد الحكم.
وتفصيل أشهب بين أن يعتق على ذلك قبل البناء أو بعده ضعيف من وجهين اثنين:
أحدهما: أن جواز النكاح يكر على الرهن بالبطلان؛ لأن ذلك مما ينقصه ويخرجه عن الحوز.
والثاني: أن إجازته تؤدي إلى إجازة النكاح حيث لا يحوز الوطئ؛ لأن الزوج قد دخل على ألا يطأها حتى تخرج [من
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٨ / ٣٢٩ ]
الرهن] (١)، فصار كمن تزوج امرأة على ألا يطأها سَنَة: فقد نص مالك في "المدونة" على أن النكاح لا يجوز إلا أن يكون هناك عذر بيِّن؛ مثل أن تكون الزوجة صغيرة، ويكون زوجها غريبًا، فاشترطوا عليه ألا يبني بها سنة، وقد قال مالك في غير ما موضع من المدونة: أن النكاح لا يجوز إلا حيث يجوز الوطء، إلا في دم النفاس، والحيض، وما أشبههما.
ثم إنا بحثنا فوجدنا في المذهب مسائل كثيرة [جوزوا] (٢) النكاح [فيها] (٣) حيث لا يجوز الوطء؛ منها: مسألة نكاح المعتكفة، ومنها: مسألة من تزوج امرأة وتحته أختها، وكان يطؤها بملك يمينه على أحد قولي ابن القاسم.
ومنها: مسألة التي [واجرت] (٤) نفسها للرضاع مدة معلومة: فقد نص في "المدونة" على أن زوجها يمنع من وطئها إذا واجرت نفسها برضاه، فعلى هذا لا يجوز نكاحها بعد الإجارة؛ لأن زوجها يمنع من الوطء، فيلزم على قول أشهب أن يجوز النكاح.
وسبب الخلاف: في مسألتنا: الخيار الحكمي، هل هو كالخيار الشرطي أم لا؟
فرع: وأما إذا وطئها المرتهن، فلا تخلو من أن تكون بكرًا أو ثيبًا.
فإن كانت بكرًا: فإن أكرهها، فعليه ما نقصها قولًا واحدًا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: جوز.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: آجرت.
[ ٨ / ٣٣٠ ]
وفي [الطوع] (١) قولان:
أحدهما: أنه كالإكراه، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه لا شيء عليه مما نقصها الوطء إذا طاوعته، وهو قول أشهب في غير المدونة.
فإن كانت ثيبًا وأكرهها: فعليه ما نقصها الوطء.
وإن طاوعته فقولان:
أحدهما: أنه لا شيء عليه [مما نقصها الوطء] (٢)، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، ويلزم [في] (٣) المسألة قول آخر: أنه يغرم ما نقصها الوطء؛ لأن طوعها لا يسقط الحق الواجب للسيد على الواطئ.
والحد واجب على المرتهن في جميع ذلك، ولا يسقطه عنه طوع ولا إكراه، وتبقى الأمة رهنًا مع الولد إن ولدت من المرتهن في ذلك [كله] (٤)، ولا يلحق به الولد.
وقد قال في "المدونة": ولو اشترى المرتهن هذه الأمة وولدها لم يعتق عليه ولدها؛ لأنه لم يثبت نسبه منها [تم الكتاب والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) في أ: إكراهه، والصواب ما أثبتناه من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: من.
(٤) سقط من أ.
(٥) زيادة من ب.
[ ٨ / ٣٣١ ]
كتاب الحمالة
[ ٨ / ٣٣٣ ]