تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها تسع عشرة مسألة.
المسألة الأولى في اشتقاق الزكاة
وهو تطهير النفس من داء البخل، وشكر لمالك الكل.
وأصل الزكاة: النماء والزيادة؛ يقال: زكى الشيء يزكو إذا نما بذاته وكثر كالزرع، والمال ونحوه أو لحاله، وفضائله، وكالإنسان في صلاحه وفضله، فسميت صدقة المال زكاة بذلك، وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تبارك في المال الذي أخرجت منه وتنميه؛ كما قال النبي - ﷺ -: "ما نقص مال من صدقة" (١).
وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تزكو عند الله [وتنمو] (٢) وتضاعف لصاحبها؛ كما جاء في الحديث: "حتى تكون أكبر من الجبل" (٣).
وقيل: لأن صاحبها يزكو بأدائها، كما قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٣٣٥)، وأحمد (١٨٠٦٠)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٤١) حديث (٨٥٥) والخطيب في الجامع (٨١١) من حديث أبي كبشة الأنماري. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني.
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري (١٣٤٤) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل".
(٤) سورة التوبة الآية (١٠٣).
[ ٢ / ١٧٩ ]
وقيل: إنها تطهر المال وتطيبه، وقد سماها النبي - ﷺ -: "أوساخ الناس" (١)، ولو بقيت في المال، ولم تخرج عنه أفسدته وأخبثته.
وقيل: الزكاة: التطهير؛ وعليه فسر بعضهم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (٢)، قيل: تطهر من الشرك، وهذا راجع إلى ما تقدم.
وقيل: الزكاة: الطاعة والإخلاص، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (٣)، لا يشهدون أن لا إله إلا الله، قال البخاري: لأن مُخْرِجُها لا يُخرِجُها إلا من إخلاصه وصحة إيمانه؛ لما جبلت عليه النفوس من حب المال.
ولهذا لما توفي النبي - ﷺ - منعت أكثر العرب زكاتها، وتميز بأدائها الخبيث من الطيب؛ ولهذا قال ﵇: "الصدقة برهان" (٤) أي: دليل على صحة إيمان، وقيل: بذلك سميت صدقة من الصدق، أي: هي دليل على صدق إيمانه، ومساواة باطنه وظاهره.
وقيل: إنها سميت بذلك؛ لأنها لا تؤخذ إلا من الأموال المعرضة للنماء والزيادة؛ كأموال التجارة والأنعام، والحرث، والثمار، وسماها الشرع أيضًا صدقة، فقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية (٦)؛ وذلك لأن صاحبها مصدق بإخراجها أمر الله تعالى بذلك، ودليل على صدق إيمانه كما تقدم.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٠٧٢).
(٢) سورة الأعلى الآية (١٤).
(٣) سورة فصلت الآية (٧).
(٤) أخرجه مسلم (٢٢٣).
(٥) سورة التوبة الآية (١٠٣).
(٦) سورة التوبة الآية (٦٠).
[ ٢ / ١٨٠ ]
وسماها أيضًا: حقًا، فقال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١).
وسماها أيضًا: نفقة، لقوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢).
وسماها أيضًا: عفوًا، لقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ (٣)، على اختلاف بين المفسرين في هذه الكلمات [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) سورة الأنعام الآية (١٤١).
(٢) سورة التوبة الآية (٣٤).
(٣) سورة الأعراف الآية (١٩٩).
(٤) زيادة من جـ.
[ ٢ / ١٨١ ]
المسألة الثانية في معرفة نصاب الذهب و[الفضة] (١)
والنصاب: مأخوذ من النُّصُب، وهو العلم، أي: نُصِّبَ لوجوب الزكاة فيه.
ومنه النصب: وهي الحجارة نصبت وجعلت علمًا للعبادة.
وقيل: مأخوذ من الارتفاع، ومنه: نصائب الحوض، واحدها: نصيبة [وهي حجارة نصبت] (٢) أي: ترتفع حول الحوض، وكأن النصاب ما ارتفع من المال عن [حد] (٣) [القلة] (٤).
وهي مأخوذة من النصاب، وهو الأصل، ومنه: نصاب الرجل ومنصبه، أي: أصله.
فالمراد به على هذا الأصل [الموضوع] (٥)؛ لأن الزكاة تخرج منه.
والأصل في نصاب الورق في الزكاة قوله ﵇: "ليست فيما دون خمس أواق زكاة" (٦).
كذا روى: أواق، مثل جوار، وغواش.
وذهب الخطابي في "شرح السفن" إلى تخطئة هذه الرواية، وقيل: صوابه: أواقي؛ مثل أضاحي، وأناس فجمع على لفظة واحدة.
_________________
(١) في ب: الورق.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في جـ: النفقة.
(٥) في جـ: الموضع.
(٦) أخرجه البخاري (١٣٤٠) من حديث أبي سعيد.
[ ٢ / ١٨٢ ]
والأوقية: أربعون درهمًا، مضمومة الألف مشددة الياء، وهكذا سمعناه ووجدناه في الكتب الصحاح على مثل ما رويناه.
ووزن كل درهم من دراهم الكيل [المذكورة] (١): خمسون حبَّة [وخمسا حبَّة] (٢) من وسط الشعير، فنصاب الزكاة من دراهم الكيل في زمن النبي - ﷺ - مائتا درهم.
واختلف في دراهم زماننا هذا على كم يزكي منها؟
فذهب [ابن حبيب] (٣) إلى أنه يزكي على مائتي درهم في أي زمان كان، وفي أي سكة كانت؛ اعتبارًا بالعدد الشرعي.
والذي قاله بعيد جدًا؛ لأن الشرع لم يعتبر مما هو عدد، وإنما اعتبر الوزن، فاتفق أن ذلك [الوزن يوفى مائتي درهم عددًا، وإن قلنا باعتبار العدد الذي هو تبع، ويلغي الوزن الذي هو متبوع وذلك] (٤) عكس الشريعة.
وذهب ابن رشد وغيره من المتأخرين إلى أن الزكاة في السكة التي كانت في غيرهم ثلاثمائة درهم وستين درهمًا؛ بناء على أن قدر الوزن للدرهم الجاري عندهم في زمانهم من درهم الشرعي: درهمان إلا خمس.
ولا أدري هل السكة الجارية بين أيدينا اليوم على وزن سكة الأندلس وغيرهم يومئذ فيزكى اليوم على ثلاثمائة درهم وستين درهمًا، أو مخالفة له؟ لأن الذي جربناه اليوم من وزن درهمنا هذا اليوم [أن وزنه خمس وعشرون حبَّة من شعير وسط وهو النصف من وزن الدرهم الشرعي على
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من جـ.
(٣) في أ: أبو الحسن اللخمي.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ١٨٣ ]
سواء، فيجري من ذلك أن الزكاة في أربعمائة درهم من دراهمنا اليوم] (١) بالمغرب، والله أعلم.
فإذا [كان] (٢) عنده نصاب في العدد ناقص في الوزن أو مخلوط بنحاس، فلا يخلو نقصانه [في الوزن] (٣) من وجهين:
أحدهما: أن يجوز مع ذلك بجواز الموازنة عددًا.
والثاني: ألا يجوز بجواز الموازنة.
[فإن جازت في العدد بجواز الموازنة] (٤): فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا تجب فيها الزكاة [وهي رواية حكاها الأبهري عن مالك وهو قول ابن لبابة ﵁.
والثاني: أنها تجب فيها الزكاة جملة] (٥) وهو قول مالك في الموطأ وفي كتاب محمَّد.
والثالث: التفصيل بين النقصان اليسير والكثير.
وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
فإن كانت لا تجوز بجواز الموازنة: فلا تخلو أيضًا من وجهين:
أحدهما: أن يكون نقصانًا تتفق عليه الموازين.
[والثاني: أن يكون نقصانًا تختلف فيه الموازين، فإن كان نقصانًا تتفق عليه الموازين] (٦) فلا زكاة عليه اتفاقا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: كانت.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ١٨٤ ]
فإن كانت ناقصة نقصانًا تختلف فيه الموازين:
فالمذهب على القولين:
أحدهما: وجوب الزكاة.
والثاني: نفيه.
وسبب الخلاف: هل المعتبر الوزن مع الجريان، أو المعتبر الجريان، ويكون العدد يقوم مقام الوزن؟
فمن رأى أن المعتبر الوزن مع الجريان، قال: لا زكاة عليه إذا كانت ناقصة في وزنها وإن جرت في الأسواق مجرى الوازنة؛ لأن النصاب غير حاصل، والمساواة غير معينة على المالك.
ومن رأى أن المعتبر بالجريان، وأن العدد يقوم مقام الوزن: قال بوجوب الزكاة؛ لأن المنفعة المقصودة في النقدين حاصلة [ومواساة] (١) الفقراء عليه متعينة.
ولا خلاف في نقصان العدد أن الزكاة لا تجب.
وإن كانت الدراهم مخلوطة بالنحاس أو غيره:
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يتحرى ما فيها من الفضة، فيزكيها إن كانت نصابًا، أو كان عنده ما إن أضافه [إليه] (٢) وجبت الزكاة إن كان أقل من نصاب، وهو الأصح.
والثاني: أن الأقل تبع للأكثر؛ إن كان النحاس أقل، والفضة أكثر:
_________________
(١) في أ: ومساواة.
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ١٨٥ ]
زكى، وإن كان النحاس أكثر، والفضة أقل: فلا زكاة.
وأما الذهب: فحكمه حكم الفضة في جميع ما ذكرناه إلا في النصاب؛ فإن نصاب الذهب عند مالك (١): عشرون دينارًا وازنة، والدينار: الدرهم وثلاثة أسباع الدرهم، وهو سبع العشرة، والعشرة دراهم: سبعة دنانير، ولا خلاف في ذلك.
فإذا كان عنده عشرون دينارًا على هذا الوزن: فإن الزكاة واجبة عليه بحلول الحول اعتبارًا بمائتي درهم؛ لأن كل دينار بعشرة دراهم؛ سنة ماضية بمدينة النبي - ﷺ -[وقد روى] (٢) الحسن بن عمارة من حديث علي ﵁ أنه [- ﷺ -] (٣) قال: "هاتوا زكاة الذهب من كل عشرين دينارًا نصف دينار" (٤).
وهذا انفرد به الحسن بن عمارة، ولم يثبت صحته عند العلماء؛ ولذلك اعتمد مالك ﵀ على العمل، وقال في "الموطأ" (٥): السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارًا، كما تجب في مائتي درهم، ثم ما زاد على نصاب الذهب والورق فبحساب ذلك.
واختلف مالك والشافعي ﵄ في ضم الذهب إلى الورق
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٢٤٢).
(٢) في الأصل: وقدر.
(٣) سقط من أ.
(٤) قال ابن عبد البر: كذلك رواه أبو حنيفة فيما زعموا ولم يصح عنه، ولو صح لم يكن فيه عند أهل العلم بالحديث أيضًا حجة، والحسن بن عمارة متروك الحديث أجمعوا على ترك حديثه لسوء حفظه وكثرة خطئه، رواه عن الحسن بن عمارة عبد الرزاق، ورواه جرير بن حازم والحارث بن نبهان عن الحسن بن عمارة، والحديث إنما هو لأبي إسحاق عن عاصم ابن ضمرة عن علي. الاستذكار (٣/ ١٣٥).
(٥) انظر: الموطأ (٢٤٦) تحت أثر (٥٨٣) وبداية المجتهد (١/ ١٨٦) والاستذكار (٣/ ١٣٥).
[ ٢ / ١٨٦ ]
في الزكاة إذا كمل من مجموعهما نصاب، هل تجب الزكاة أم لا؟
فذهب مالك إلى أنهما يضمان، وأنه إذا كان عنده مائة درهم وعشرة دنانير: فإنه يزكي، ويخرج من كل واحد منهما ربع عشره (١).
وذهب الشافعي (٢) إلى أنه لا يضم واحد منهما إلى الآخر.
وسبب الخلاف: هل يختلف الحكم باختلاف الأسماء؟
ثم لا يجوز الضم؛ لأن حكم الذهب غير حكم الفضة، كما أن الاسم غير الاسم، أو الحكم يتحد باتحاد المنفعة فيجوز الضم؛ لأن منفعة الدنانير والدراهم واحدة وأنهما أصول الأثمان وقيم للمتلفات، وهي عمدة مالك ﵀ في هذا الباب، وفي قاعدة الربا. فإذا قلنا بجواز الجمع والضم، فهل يجوز إخراج أحدهما عن الآخر في الزكاة أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (٣):
أحدها: أنه يجوز إخراج الذهب عن الورق، والورق عن الذهب، وهو ظاهر قوله في باب إخراج [القسيم] (٤) في الزكاة في آخر "كتاب الزكاة" من "المدونة" وهو قول منصوص في المذهب، وقد نص التونسي [على إخراج الذهب] (٥) عن الورق في الزكاة.
والثاني: أنه لا يجوز إخراج أحدهما عن الآخر في الزكاة، وهو ظاهر المدونة؛ لاكن ذلك من باب شراء المرء صدقته.
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٢٤٢).
(٢) انظر: الأم (٢/ ٣٩، ٤٠) وروضة الطالبين (٢/ ٢٥٧).
(٣) انظر: المدونة (٢/ ٢٤٢، ٢٤٣).
(٤) في الأصل: القم.
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ١٨٧ ]
والثالث: أنه يجوز إخراج الورق عن الذهب، ولا يجوز إخراج الذهب عن الورق، وهو نص المذهب، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" في أول "كتاب الزكاة الأول".
فوجه قول من جوز إخراج أحدهما عن الآخر: أنهما عينان منفعتهما واحدة، ويجوز ضم أحدهما إلى الآخر في الزكاة، فيجوز أن يخرج أحدهما عن الآخر.
ووجه القول الثاني: أنه لا يجوز إخراج أحدهما عن الآخر: أن ذلك من باب شراء المرء صدقة ماله، والسنة أن تخرج صدقة كل مال منه.
ووجه القول الثالث؛ حيث جوز إخراج الورق عن الذهب، ولم يجوز إخراج الذهب عن الورق: أنه إن أخرج الذهب عن الورق كان أضر بالمساكين في كلفة الصرف، وربما صرفوه بأقل مما أخرجه فيه، فيؤول ذلك إلى أن يخرج أقل مما وجب عليه.
بخلاف إذا أخرج الورق عن الذهب: فإن ذلك رفق بالمساكين؛ لأنه كفاهم مؤونة الصرف.
وهذا القول أظهر في النظر، والله أعلم.
وعلى القول بأنه يجوز إخراج أحدهما عن الآخر، أو إخراج الذهب عن الورق، فهل الاعتبار بالقيمة، أو صرفه في الزكاة؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه إن أخرج الذهب عن الورق أخرج قيمة ما وجب عليه من الدراهم بصرف اليوم، وإن أخرج الورق عن الذهب: أخرج قيمة ذلك من الدراهم بصرف اليوم بالغة ما بلغت، وهو مذهب الكتاب.
ووجهه: أن المساكين شاركوه بذلك الجزء، فإن اختار شراءه اشتراه
[ ٢ / ١٨٨ ]
بسعر اليوم، كان أقل من صرف الزكاة أو أكثر.
والثاني: أنه يخرج ذلك على صرف الدينار في الزكاة من غير اعتبار بصرف الواقع، [وضع] (١) عنه أو ارتفع.
ووجهه: أن الدينار مساويًا لعشرة دراهم في الزكاة، فإذا وجب عليه نصف دينار ذهب، فأخرج عنه خمسة دراهم، أو وجبت عليه خمسة دراهم، فأخرج عنها نصف دينار ذهب: فقد فعل ما يجب، وَوَصَّل إلى المساكين ما وجب لهم عليه، ولا مظلمة.
والثالث: أنه يخرج القيمة ما لم تكن أقل من [صرف] (٢) دينار، وهو قول ابن حبيب، وهذا توسط بين القولين [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ: اتضع.
(٢) في أ: نصف.
(٣) زيادة من جـ.
[ ٢ / ١٨٩ ]
المسألة الثالثة إذا قدم النفقة على الشراء
وإذا كانت عنده عشرة دنانير، فحال الحول [عليها] (١) ثم اشترى [بها] (٢) سلعة، فباعها بعشرين أو أنفق خمسة، ثم [اشترى] (٣) بالخمسة الباقية [فباع بخمسة عشر أو اشترى بخمسة ثم أنفق الخمسة الباقية] (٤)، هل يزكي أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (٥):
أحدها: أنه يزكي سواء قدم النفقة على الشراء، أو قدم الشراء على النفقة.
وهو قول المغيرة في الكتاب، وهو قول المخزومي، وهو ظاهر قول ابن القاسم [في الكتاب] (٦) في السؤال [الأول] (٧) إذا حال الحول عنده على عشرة دنانير، ثم اشترى بها سلعة، فباعها بعشرين، فقال: يزكي، وحول ربح المال حول أصله.
فإذا جعل ابن القاسم أن الربح كأنه لم يزل [كامنًا] (٨) في المال، فلما
_________________
(١) في أ: عليه.
(٢) في أ: أيضًا.
(٣) في أ: اشتراها.
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر: المدونة (٢/ ٢٤٣).
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) في جـ: كائنًا.
[ ٢ / ١٩٠ ]
حركه ظهر وبان، فهذا [الذي] (١) يلزمه في مسألة النفقة ملازمة القرط (٢) للأذن.
وحجة الغير أنه يحسب [ما أنفق] (٣)، قبل الشراء [ويزكي لأنه كما لا يحسب بما أنفق قبل الحول بين الشراء أو بعده، فكذلك لا يترك أن يحسب ما أنفق قبل الشراء] (٤) أو بعده.
فهذه حجة الغير [بقوله] (٥) في الكتاب، وهو الذي يسميه أهل النظر قياس العكس.
ولم يقع لهم في "المدونة" إلا في موضعين خاصة.
والثاني: أنه لا زكاة عليه، قدم الشراء على النفقة أو أخره.
وهو قول أشهب (٦) قياسًا على [ولادة] (٧) الماشية التي جعلها ابن القاسم أصلًا، فجعل حول ربح المال حول أصله؛ وذلك أنه لو كان لرجل ثلاثون شاة، وهو ساعي نفسه، فحال عليه الحول، ثم أكل منها شاة، ثم ولدت فصارت تسعة وثلاثين: لم يكن عليه فيها زكاة.
والذي ينبغي على ما قال في العين أنه يزكي؛ لأنه يقدر في الحكم أن الأولاد لم تزل [كامنة] (٨) مع الأمهات من أول الحول قبل أن يأكل منها ما أكل.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) القرط: الذي يعلق في شحمة الأذن. مختار الصحاح (٢٢١).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) انظر: النوادر (٢/ ١١٥).
(٧) في جـ: أولاد.
(٨) في ب، جـ: كائنة.
[ ٢ / ١٩١ ]
فإذا لم يقدر في الأصل هذا التقدير، فبأن لا يقدرها في الفرع أولى وأحق.
والثالث: بالتفصيل [بين] (١) أن يقدم الشراء على النفقة: فيزكي، أو يقدم النفقة على الشراء فلا يزكي وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
فإن أراد ابن القاسم أن العرض المشتري بالخمسة يساوي خمسة عشر، والخمسة [عشر] (٢) الباقية قائمة عنده قبل النفقة، فيصح ما قال، وإن اعتبر حالة البيع بخمسة عشر، فبعيد ما قال.
والقياس ما قاله أشهب، وهو الأصح في النظر، والله أعلم [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من ب.
[ ٢ / ١٩٢ ]
المسألة الرابعة
إذا حال الحول عنده على عشرين دينارًا فلم يؤد زكاتها حتى [ابتاع بها سلعة] (١) فباعها بأربعين دينارًا بعد الحول الثاني، فقد قال في "الكتاب" (٢): إنه يزكي عن السنة الأولى عشرين دينارًا، ويزكي عن السنة الثانية تسعة وثلاثين دينارًا ونصف دينار، إلا أن يكون عنده عرض يساوى نصف دينار فإنه يزكي عن السنة الثانية أربعين دينارًا.
فظاهر هذا [كله] (٣) أن الكلام كله لابن القاسم.
وقد وقع في بعض روايات "المدونة" قال أشهب: إلا أن يكون عنده عرض، فجعل في هذه المسألة أن دين الزكاة مسقط للزكاة [إلا أن يكون له عرض يساوي ذلك الدين، فإن كان الكلام لابن القاسم، فإنه يعد ذلك منه اختلاف قول، وعلى أنه لابن القاسم اختصر الشيخ أبو محمَّد المسألة والذي عرف من قول ابن القاسم في العتبية والسليمانية أن دين الزكاة مسقط للزكاة] (٤) كانت له عروض، أو لم تكن، وله مثل ذلك في كتاب الزكاة الأول من المدونة في الذي فرط في الزكاة وبيده مائة: أنه لا يزكيها إلا أن يبقى منها بعد إخراج الزكاة ما تجب فيه الزكاة.
ومسألة في "كتاب القراض": إذا كان رب المال مديرًا أن رب المال يزكي لكل سنة إلا ما نقصته الزكاة، ولم يذكر في شيء من ذلك أن يكون له عرض كما قال في غيرها من مسائل الديون.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: المدونة (٢/ ٢٤٥).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ١٩٣ ]
فإن كان الكلام لابن القاسم فيتخرج من "الكتاب" قولان في دين الزكاة هل يسقط الزكاة أم لا؟.
وإن كان لأشهب فيتحد قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها، ويكون قول أشهب خلافًا له.
ومحمل الديون كلها محملًا واحدًا في إسقاط الزكاة.
والفرق على مشهور قول ابن القاسم بين دين الزكاة وغيره من مسائل الديون، وذلك أن الأصل يقتضي أن الدين مسقط للزكاة، وأنه لا يقابل بالعروض ما دام العين قائمًا؛ لقول عثمان ﵁: [هذا] (١) شهر زكاتكم من كان عنده دين فليقضه حتى تحصل أموالكم، فتؤدون منها الزكاة" (٢).
ولم يقل: من كان عنده عرض يساوي ما عليه من الدين فيجعله فيه.
ثم خصص أهل المذهب هذا العموم بما فهموه من مراد الشارع - ﷺ - من [المبادرة إلى] (٣) الطاعات والاحتياط للعبادات، فقالوا: بارتصاد العروض للديون، ويبقى دين الزكاة على الأصل، وهذا أولى ما اعتذر به، وعلل به على مذهب ابن القاسم [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) في أ: ما دام.
(٢) أخرجه مالك (٥٩١) والشافعي في الأم (٢/ ٥٠)، وعبد الرزاق في المصنف (٧٠٨٦)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٤١٤)، وأبو عبيد في الأموال (١٢٤٧) وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل (٧٨٩).
(٣) في أ: المثابرة على.
(٤) زيادة من جـ.
[ ٢ / ١٩٤ ]
المسألة الخامسة مسألة زكاة [الحلي] (١) الواقعة في "الكتاب"
وهي من مشكلات المدونة، وقد كثر فيها اللغط والتعسف في التأويل، وسببه اختلاف [الروايات] (٢) واضطراب المقالات حتى ترى الشُّرَّاح كل واحد منهم يثير الغبار في عين صاحبه، وسلك في التأويل مهيعًا غير مهيع غيره.
فنحن بحمد الله نتشوف إلى التفصيل، ونشمر الدليل إلى التحصيل، وننزل المسألة أحسن التنزيل، ونقول من حيث التفصيل: لا يخلو الحلي من وجهين فيما يرجع إلى الزكاة:
أحدهما: أن يكون للنساء.
والثاني: أن يكون للذكور.
فإن كان للنساء فلا يخلو من أربعة أوجه (٣):
إما أن تتخذه للباس، أو للإجارة، أو للتجارة، أو لابنة لها.
فإن اتخذته للباسها: فلا خلاف في المذهب أنها لا زكاة عليها.
فإن اتخذته لابنة لها تلبسه، فإن كان في الحال: فلا زكاة عليها أيضًا.
وإن كان في ثاني حال، والابنة موجودة، أو غير موجودة إلا أنها
_________________
(١) في أ: العين.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: تقديم وتأخير الأوجه الأربعة.
[ ٢ / ١٩٥ ]
ارتقبتها -هكذا نقله في النوادر (١) - فهل تجب عليها الزكاة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: وجوب الزكاة.
والثاني: [سقوطها] (٢).
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل.
فمن اعتبر الحال: أوجب الزكاة؛ لأنه كنز.
ومن اعتبر المآل: قال: لا زكاة؛ اعتبارًا بما انكسر من حليهن فحبسنه ليصلحنه؛ لأنه في حال تبر.
وإن كان عندها للإجارة، فالمذهب على قولين:
أحدهما: وجوب الزكاة.
والثاني: سقوطها.
وهو مذهب المدونة في المسألة.
وفي المسأله قول ثالث: بالتفصيل بين المُعَنَّسَة وغيرها؛ فإن كانت مُعَنَّسَة ولا منفعة لها فيه للباس ولا للكراء: فعليها فيه الزكاة (٣).
وهذا القول مخرج غير منصوص [عليه] (٤).
وسبب الخلاف: هل النظر إلى كون الحلي من زينتهن أو لباسهن [ولبسه] (٥) [متأت] (٦) لهن إن شئن، ثم لا زكاة عليهن؟ أو النظر إلى
_________________
(١) انظر: النوادر (٢/ ١١٥: ١١٧).
(٢) في جـ: لا زكاة.
(٣) انظر: النوادر (٢/ ١١٦).
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: مباح.
[ ٢ / ١٩٦ ]
فعلهن ونيتهن: فتجب الزكاة؟
فإن كان عندهن للتجارة: فلا خلاف في وجوب الزكاة [عليها] (١) ما دامت على تلك النية.
فإن نوت به القنية بعد ذلك واستعملته في اللباس: فلا زكاة عليها.
وأما الوجه الثاني:
إذا كان للذكران: فلا يخلو من أن يكونوا صغارًا، أو كبارًا.
فإن كانوا صغارًا: فالمذهب على قولين:
أحدهما: وجوب الزكاة.
وهو قول أبي إسحاق بن شعبان.
والثاني: أنه لا زكاة عليهم فيه.
وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الحج" (٢)؛ لأنه قال: "لا بأس أن يحرموا وعليهم الخلاخل والأسورة".
وإذا جاز لهم لباسه لم تكن عليهم الزكاة.
فإن كانوا كبارًا: فلا يخلو من أن يكون مما يجوز لهم التحلي به [واتخاذه] (٣) للباسهم، أو مما لا يجوز لهم التحلي [به] (٤) [فإن كان مما لا يجوز لهم التحلي به] (٥) كالمصحف، والسيف، والخاتم.
وما يجوز لهم اقتناؤه: فلا زكاة عليهم فيه اتفافًا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: المدونة (٢/ ٣٦٩).
(٣) في أ: واتخاذهم.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ١٩٧ ]
فإن كان مما [لا] (١) يجوز لهم اقتناؤه للباس؛ فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يتخذوه للقنية.
والثاني: أن يتخذوه للتجارة.
فإن اتخذوه للقنية: فلا يخلو من أربعة أوجه:
إما أن يتخذوه لزوجته أو لأمته أو لابنته.
وإما أن يتخذه لامرأة يتزوجها، أو لابنة [لم تكن] (٢) له، أو كانت فينتظر به [كبرها] (٣).
وإما أن يتخذه عدة للزمان، فإذا احتاج إليه [أخذه] (٤).
وإما أن يتخذه للإجارة.
فهذه أربعة أوجه:
فأما الوجه الأول:
إذا اتخذه لزوجته، أو لابنته: فلا زكاة عليه [فيه] (٥) اتفاقًا.
وأما [الوجه الثاني] (٦) إذا اتخذه لامرأة يتزوجها، أو ينتظر كبر ابنة كانت أو لم تكن، هل عليه فيه الزكاة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن عليه فيه الزكاة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: تكون.
(٣) في أ، جـ: إذا كبرت.
(٤) في ب: باعه.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ١٩٨ ]
وهو قول مالك، وابن القاسم.
والثاني: أنه لا زكاة عليه فيه.
وهو قول أشهب وأصبغ.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى حصوله في الملك، أو النظر إلى النية والمقصود؟
وأما الوجه الثالث:
إذا اتخذه عُدَّةً للزمان لعله يحتاج إليه في المستقبل: فعليه فيه الزكاة اتفاقًا.
وأما الرابع:
إذا اتخذه للإجارة: فعن مالك قولان، على ما ذكره البغداديون عنه.
أحدهما: وجوب الزكاة.
والثاني: سقوطها.
وبالوجوب قال عبد الملك، ومحمد بن مسلمة، وهو الأشهر، والآخر لا وجه له.
وأما إذا اتخذه للتجارة: وهو لباب المسألة، ومقصود الترجمة.
ونص المسألة في "المدونة" (١): قال مالك في رجل اشترى حليًا [للتجارة] (٢) وهو ممن لا يدير التجارة، فاشترى حليًا؛ فيه الذهب والفضة والياقوت والزبرجد، فحال عليه الحول، قال: ينظر إلى ما فيه
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٢٤٦).
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ١٩٩ ]
من الذهب [والورق] (١) [فيزكيه] (٢)، ولا يزكي ما فيه من اللؤلؤ والزبرجد حتى يبيعه، إلا أن يكون ممن يدير، فيقوم اللؤلؤ والزبرجد، فيزكي وزن الذهب والفضة.
وروى ابن القاسم، وأشهب، وابن نافع، وعلي بن زياد أيضًا عن مالك فيمن اشترى حليًا [أو ورثه فحبسه للبيع؛ كلما احتاج إليه باع، أو للتجارة: زكاه.
ورأى أشهب معهم فيمن اشترى حليًا] (٣) للتجارة، وهو مربوط بالحجارة، ولا يستطيع نزعه: فلا زكاة عليه حتى يبيع.
وإن لم يكن مربوطًا: فهو كالعين يزكيه كل عام، وقال أشهب، وابن نافع في روايتهما: [أنه] (٤) كالعرض، يشتري للتجارة؛ فالمدير يقوِّم جميعه، وغير المدير لا يزكي حتى يبيع، ويزكي ثمنه لعام واحد، فهذا نص المسألة في الكتاب.
واختلفت روايات "المدونة" في إثبات لفظة: "زكاة" ولفظة: "معهم"؛ ففي بعضها إثبات لفظة "زكاة" وسقوط لفظة "معهم"، [وهي] (٥) أصح في المعنى، وأجرى على أصول المذهب.
وفي بعضها: إثبات لفظة "معهم"، وسقوط لفظة "زكاة".
فاختلفت مذاهب المتأخرين في التأويل والتنزيل، فالذي نقلناه من مذاهبهم فيها أحد وجهين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: فيزكي.
(٣) سقط من جـ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: وهو.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
أحدهما: أن نقول: لم يختلف قول ابن القاسم في المسألة، وأنها ثلاثة أسئلة؛ [الأول] (١) سؤال ابن القاسم وحده في الحلي المنظوم مع المنصوص.
والسؤال الثاني: رواية ابن القاسم، وعلي بن زياد في الحلي المحض.
والسؤال الثالث: رواية أشهب عن مالك في الحلي المربوط.
فإذا نزلت المسألة على هذا التنزيل: سلم قول ابن القاسم في "الكتاب" من الاضطراب، فيرجع جميع ما في المدونة إلى قول واحد، وإلى هذا ذهب أكثر الشارحين من المتأخرين.
والوجه الثاني: أن جميع ما [وقع] (٢) في الباب سؤال واحد، وأن ذلك كله في الحلي المربوط.
وإلى هذا ذهب أبو عمران الفاسي وغيره.
والذي حملهم على ذلك وأضربهم عن الترتيب الأول لفظة وقعت في الكتاب؛ وهو قوله: وروى ابن القاسم، وأشهب، وعلي بن زياد، وابن نافع أيضًا.
وقوله: أيضًا: يشعر باختلاف الرواية؛ إذ معناه: الرجوع [عن] (٣) شيء إلى شيء، فتكون رواية ابن القاسم مع الجماعة مخالفة روايته وحده؛ فيتخرج [في] (٤) "الكتاب" اضطراب من قول ابن القاسم في الحلي المربوط، هل حكمه حكم العروض كما قال أشهب أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: من.
(٤) في أ: من.
[ ٢ / ٢٠١ ]
فإن أثبت في المسألة لفظة: "زكاة": فيتخرج من المدونة في المسألة أربعة أقوال:
أحدها: أن الحلي المربوط لا يكون له حكم العُرُوض، وهو قوله أول المسألة؛ لأنه قال: يزكي [وزن] (١) ما فيه من الذهب، والفضة -يريد تحريًا- وإن كان مديرًا: قوّم ما فيه من اللؤلؤ والياقوت.
وظاهر هذا القول سواء كان [هذا] (٢) الحلي موروثًا، أو مشترى.
والثاني: أن حكمه حكم العُرُوض، وهي روايته مع الجماعة، وظاهره أيضًا: لا فرق بين الموروث والمشتري؛ بدليل قوله: كلما احتاج إليه باع، أو للتجارة: زكاه؛ ظاهره: [أنه] (٣) إنما يزكي عند البيع إن كان غير مدير، وأنه لا يزكي ما فيه من الذهب والفضة قبل البيع؛ إذ حكمه حكم العرض على هذا الظاهر وهو نص مذهب أشهب.
والقول الثالث: بالتفريق بين الميراث والشراء، وأنه لا يحكم له بحكم العروض [في الميراث] (٤) وأنه يزكي وزن ما فيه من الذهب والفضة إن حال عليه الحول قبل أن يبيع، فإذا باع: زكى مثابة الذهب والفضة، ويستقبل بمثابة ما فيه من الحجارة حولًا من يوم باع.
وأما الشرع: حكمه حكم العرض؛ يقوّمه المدير ولا شيء على التاجر غير المدير حتى يبيع.
وهذا القول الثالث يؤخذ لابن القاسم من "المدونة" على إثبات
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
[رواية] (١) "معهم"، ورواية أشهب، وابن نافع آخر المسألة تفسير لها.
والقول الرابع: التفصيل بين أن يكون ما فيه من الذهب، والفضة تابعًا، أو متبوعًا، فإن كان تبعًا: فحكمه حكم العرض.
وإن [كان متبوعًا] (٢): فلكل واحد حكمه.
وهو قوله في مسألة السيف المحلى في كتاب الصرف.
فإن أسقطنا لفظة: "زكاه"، فيتخرج له من الكتاب ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الحلي المربوط ليس كالعرض موروثًا أو مشترى.
والثاني: التفرقة بين الشراء والميراث.
والثالث: التفصيل بين أن يكون [الحلي] (٣) تبعًا أو متبوعًا.
وعلى القول بأن المدير يزكي ما فيه من الذهب والفضة تحريًا، هل يقوم الصياغة أم لا؟
فبين المتأخرين قولان متأولان على "المدونة":
أحدهما: أنه لا يقوم الصياغة، وهو المشهور في النص.
والثاني: أنه يقوم، وأنها كعرض معه، وهو أظهر في المعنى، وهو تأويل أبي إسحاق التونسي على "المدونة" [وبالله التوفيق والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: كانت متبوعة.
(٣) سقط من أ.
(٤) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
المسألة السادسة الزكاة في أموال العبيد
قال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب: الزكاة تتعلق بمالك، وملك، ومملوك.
فصفة المالك: أن يكون [من أهل الطهارة؛ وهم المسلمون] (١)، ذكرانًا كانوا أو إناثًا، صغارًا كانوا أو كبارًا.
وصفة الملك: أن يكن تامًا غير ناقص، وفائدته: ألا يكون لغير مالكه انتزاعه من مالكه في أصله، وأن يكون مالكه حرًا لا رق فيه.
أما المملوك: فكل عين جاز بيعها جاز تعلق الزكاة بها"، انتهى قوله.
وقد اختلف العلماء في العبد هل يَمْلك، أو لا يَمْلك؟
فذهب مالك ﵀ إلى أنه يملك.
وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يملك [بحال] (٢) وأن ما بيده من المال هو للسيد.
وذهبت طائفة إلى أن العبد يملك على الحقيقة، وأن الزكاة واجبة عليه فيما بلغ النصاب من ماله.
وهذا القول مروي عن ابن عمر، وبه قال عطاء -من التابعين- وأبو ثور -من الفقهاء- وبعض أهل الظاهر.
أما الشافعي، وأبو حنيفة: فلا يخفى ضعف مذهبهما؛ وذلك أنهما
_________________
(١) في ب: من المسلمين.
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
قالا: العبد لا يملك، وأن ماله للسيد، وأن إضافة الملك إليه إضافة مجازية.
وذلك مراغم للكتاب والسنة:
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١).
ولا يتصف بالغنى والفقر إلا من يصح ملكه.
وأما السنة: فقوله - ﷺ -: "من باع عبدًا وله مال" (٢).
وقوله: "من أعتق عبدًا تبعه ماله" (٣).
فأضاف النبي - ﷺ - المال إلى العبد بلام التمليك التي أضيف بها المال إلى من يصح منه الملك؛ دل ذلك على وجود الملك.
ولا يصح أن يحمل الملك على المجاز؛ لأن الكلام لا يخرج عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل، وهذا مذهب مالك ﵀ أن العبد يملك، ولا خلاف في مذهبه في ذلك إلا ما استقرئ من [مسألة النذور] (٤)، و"كتاب المأذون له في التجارة" من "المدونة"، وهو استقراء ضعيف، ولا يتعلق به إلا من جهل معاني المدونة، واتبع ظواهر السواد؛ وذلك أنه قال في "كتاب النذور" (٥)، فيمن حلف أن لا يركب دابة فلان، فركب دابة عبده: قال ابن القاسم: أراه حانثًا، وقال أشهب: لا يحنث في دابة عبده. فحملوا جواب ابن القاسم على ظاهره، وقالوا:
_________________
(١) سورة النور الآية (٣٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٥٠)، ومسلم (١٥٤٤٣) من حديث سالم عن أبيه مرفوعًا.
(٣) أخرجه الدارقطني (٤/ ١٣٤) من حديث ابن عمر مرفوعًا، وفيه ابن لهيعة.
(٤) في ب: كتاب الأيمان.
(٥) انظر: المدونة (٣/ ١٣٨).
[ ٢ / ٢٠٥ ]
كونه [حنثه] (١) في دابة عبده بناء على أن العبد لا يملك، وأن ماله لسيده.
وليس الأمر كذلك؛ بل إنما حنثه ابن القاسم في ركوب دابة غيره مراعاة للمقاصد؛ لأن مقصد الحالف ألا يقرب شيئًا تلحقه المنة من جهته، والمنة تلحقه من مال عبده، كما تلحقه من مال نفسه.
وأشهب [تكلم] (٢) على الألفاظ، فلذلك لم يحنثه، فلا يخفى على من طالع المدونة اعتبار المقاصد والألفاظ، وهذا ظاهر لا إشكال فيه.
وأما مسألة كتاب المأذون: فإنما اعتبر فيها مالك [﵀] (٣) الشبهة؛ وذلك أنه قال في المأذون [إذا اشترى من يعتق على سيده أن يُعتق على السيد؛ وذلك أن السيد له شبهة في مال عبده؛ لأنه مَلكَ انتزاعه، فقد ملك أن يملك، وهو أصل مختلف فيه؛ فرآه مالك - ﵀ - أن يعتق عليه؛ لأنه جعله [كالمالك] (٤).
وبهاتين المسألتين استدل من ذهب إلى اضطراب المذهب في العبد، هل يملك أم لا، ولا دليل في ذلك على ما أوضحناه وبيناه ومن الدليل على أن العبد يملك على مذهبنا: جواز [التسرى] (٥) في ماله.
وقد قال مالك: يجوز للعبد أن يطأ بملك يمينه، شاء السيد أو أبى؛ فهذا أول الدلائل على أنه يملك، ولا اعتراض على هذا يكون العبد
_________________
(١) في أ: حنث.
(٢) في أ: حكم.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: بلا ملك.
(٥) في أ: التصرف.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
محجورًا عن التصرف في ماله [وكون السيد] (١) له عليه سلطانية الانتزاع، فإنا نجد مثل ذلك في الأحرار المتصفين بالملك من غير خلاف؛ مثل الصبي والبالغ السفيه، فإنهما يمنعان من التصرف ما دامت العلة قائمة، ولكن ذلك يرجع إلى حقهما، وإنما وقع التشابه في المنع من التصرف على الجملة، وأن الزوجة ممنوعة من التصرف بالمعارف في أكثر من ثلثها، والمريض كذلك؛ وذلك لحق غيرهما، والعبد مساوٍ لهذين.
وأما كون السيد يملك الانتزاع دون من ذكرنا، فإنه عندنا لا يضاهي كون الغرماء يملكون سلطانية النزع لمال غريمهم دون إيثاره واختياره، [وإن كان] (٢) موجب الانتزاع يختلف ولكن [سلطان] (٣) الشارع كليهما على النزع لا يختلف، وهذا لا يخفي على من درأ عن قلبه وساوس التشكيك والترديد، وسَلَّ [عن نفسه] (٤) ربقة التقليد.
وأما من اعتمد [على اتباع] (٥) السواد، واقتنع بالخُشكار عن السميد، فيوشك ألا يستنشق روائح [هذا] (٦) المسك المنثور، والعنبر، والكافور، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور، والمثل صحيح؛ الشمس ظلام الخفافيش، والجبال تميد في عين المراعيش، وإنما الإشكال والغموض في أمر وراء ذلك، وهو كون [المال] (٧) المملوك لا يزكي بعد زوال المانع الذي هو علة في إسقاط الزكاة مع وجوده؛
_________________
(١) في أ: وكونه.
(٢) في ب: لكون.
(٣) في أ: سيطر.
(٤) في ب: نفسه من.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: مال.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
وذلك أنه قال في الكتاب في العبد إذا أعتق وماله بيده: أنه لا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول من يوم عُتق.
والذي ينبغي على أصل مذهبنا القائلين: بأنه يملك أن يزكي بنفس ما عتق لزوال العذر الذي هو حق السيد، اللهم إلا أن يقال: إن هذا يتخرج على أحد الأقاويل في الذي بيده مائة وعليه [مائتان] (١) ثم وهب له الدين بعد حلول الحول أنه لا [يزكيه] (٢)؛ لأنه الآن [كالمالك] (٣) على الحقيقة.
ولو قال: يلزم من هذه المسألة على أصل مذهب مالك أن يكون العبد لا يملك؛ لأنه جعل هذا المال بعد عتقه كفائدة أفادها لما كان استقراءً ظاهرًا.
وإنما العجب كون مالك ﵀ جعله كالفائدة بالإضافة إلى العبد إن أعتق، وبالإضافة إلى السيد إذا انتزعه، ومثل هذا لا يعقل في [المُلاك والمملوكات] (٤)، وهذا مما نستجير بالله فيه.
وربما تكون العودة إلى هذه المسألة بأوضح من هذا في "كتاب المأذون له في التجارة" إن أمد الله في الأجل، ومتعنا ومَنَّ علينا ببلوغ الأمل، إنه أكرم مسؤول، وأَنْعَمَ مأمول، وهو حسبي ونعم الوكيل [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) في ب: مائة.
(٢) في أ: يزكي.
(٣) في أ: كمن ملك.
(٤) في ب: المالك والمملوك.
(٥) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
المسألة السابعة في العروض المشتراة [للتجارة] (١)، هل فيها الزكاة أم لا؟
ولا تخلو نية المشتري لتلك العروض من خمسة أوجه:
أحدها: أن يشتري للقنية.
الثاني: أن يشتري للتجارة.
الثالث: أن يشتري للإجارة.
الرابع: أن يشتري للقنية وللإجارة.
الخامس: أن يشتري للتجارة وللاستمتاع.
فالجواب عن [الوجه] (٢) الأول:
إذا اشتراها للقنية: فهذا لا زكاة [عليه] (٣) في عينها، ولا في ثمنها، إن بِيعَت بنصاب من العين حتى يحول عليها الحول من يوم باع وقبض الثمن.
أما نفي الزكاة من [عين] (٤) العروض المشتراة؛ لقوله - ﷺ -: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" (٥).
وهذا الحديث اجتمع عليه الموطأ، والبخاري، ومسلم.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: السؤال.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: يوم.
(٥) أخرجه البخاري (١٣٩٤)، (١٣٩٥)، ومسلم (٩٨٢)، ومالك (٦١٢) من حديث أبي هريرة.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وأما ثمنهم: فلقوله - ﷺ -: "ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول" (١).
ولا خلاف عندنا في المذهب في هذا الوجه.
والجواب عن الوجه الثاني:
إذا اشتراها للإجارة؛ مثل أن يشتري دارًا للكراء، أو عبدًا للغَلَّة، ثم باع بعد عام، أو أعوام هل يزكي الآن، أو يستقبل حولًا؟
[قولان عن مالك] (٢):
أحدهما: أنه يزكي الآن، وبه أخذ ابن نافع.
والثاني: أنه [يستقبل] (٣) الحول كالفائدة، وبه أخذ ابن القاسم.
واختلف أيضًا في غلة ما اشترى للكراء، هل يستقبل بها حولًا، أو يبنى على حول العين الذي اشترى [به] (٤)؟
على قولين؛ قياسًا على غلة ما اشترى للتجارة، وقد اختلف فيها قول مالك على قولين، نقلهما اللخمي وغيره عن مالك.
وسبب الخلاف: المشرى للاستغلال، هل هو كالمشتري للتجارة أم لا؟
فمن ساوى بينهما: قال بوجوب الزكاة على حول الأصل، وهو الأظهر؛ لأن طلب الأرباح لا فرق بين أن يكون [باستبدال] (٥) الأعيان، أو [باستبدال] (٦) المنافع.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٦٣٢) من حديث ابن عمر موقوفا. قال الترمذي: هذا أصح من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وروى أيوب وعبيد الله بن عمر وغير واحد عن نافع عن ابن عمر موقوفًا، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف في الحديث، ضعفه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وهو كثير الغلط.
(٢) في ب: فالمذهب على قولين.
(٣) في ب: يستأنف.
(٤) في أ: بها.
(٥) في جـ: باستدلال.
(٦) في جـ: باستدلال.
[ ٢ / ٢١٠ ]
ومَنْ فَرَّقَ بينهما: قال باستقبال [الحول] (١) كالفوائد.
والجواب عن الوجه الثالث:
إذا اشتراها للإجارة، وللقنية؛ مئل أن يشتري سلعة يستخدمها لنفسه، ويستأجرها لغيره، فهل يختلف باختلاف قصده ومراده أم لا؟
فإن كان [القصد] (٢) الباعث على الشراء الاستخدام والاستمتاع، فلولا ذلك لم يشتر، فإن [اتفق] (٣) [فيما بين] (٤) ذلك إجارته أو كراه: كان الحكم للقنية.
وإن كان القصد في الشراء لأجل الإجارة، ولولاه ما اشترى، فإن احتاج أهله إلى الاستمتاع والاستخدام فيما بين ذلك كان الحكم للإجارة وهذا بَيِّن.
والجواب عن الوجه الرابع:
إذا اشترى للتجارة: فلا يخلو الشيء المشترى من وجهين:
أحدهما: أن يكون الشيء المشترى مما يزكى عينه كل عالم؛ كالأنعام إذا كانت نصابًا.
والثاني: أن يكون مما لا يزكي عينه كل عام كالعروض، أو ما يزكى عينه مرة واحدة كالحبوب، والثمار.
فإن كان مما يزكى عينه كل عام؛ كالإبل، والبقر، والغنم، وكانت نصابًا: فإن فيها زكاة الرِّقَاب.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: المقاصد.
(٣) في جـ: احتاج.
(٤) في ب: خلال.
[ ٢ / ٢١١ ]
فإذا باعها التاجر، فينظر؛ فإن باعها بعدما زكى رقابها: فإنه يبنى حولها على حول الماشية، فإن باعها قبل أن يزكى رقابها، فإنه يبنى [حولها] (١) على حول العين الذي اشتراها به.
ولا فرق في ذلك بين المدير وغير المدير.
فإن كان مما لا يزكى عينه؛ كالعروض: فهذا لا يخلو التاجر المشترى من أن يكون مديرًا، أو غير مدير.
فإن كان مديرًا: فلا يخلو من أن يكون ممن يبيع العروض بالعروض؛ أو ممن يبيع بالعروض وبالعين.
فإن كان ممن يبيع العروض بالعروض: فلا يخلو من أن يجعل ذلك ذريعة إلى إسقاط الزكاة عن نفسه أم لا، فإن فعل ذلك فرارًا من الزكاة: فإن ذلك لا يجوز له باتفاق المذهب، ويؤاخذ بزكاة ما عنده من المال.
فإن فعل ذلك قصدًا في الاستغزار في الأرباح وطلبًا للإكثار: [ورأى أن] (٢) ذلك أشد تأتيًا وآكد تمكنًا، فهل يجعل لنفسه شهرًا يُقَوِّمُ فيه ما عنده من العروض؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا تقويم عليه حتى يبيع بالعين، ويبقى له في السَّنَة، ولو درهم واحد.
وهو قول ابن القاسم في المدونة، وهو المشهور.
والثاني: أنه يُقَوِّم ويزكي.
[وهي رواية] (٣) مُطَرِّف، وابن الماجشون عن مالك ﵀.
وسبب الخلاف: هل الاعتبار بوجود التنمية بحركة المال، فوجب أن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: ويؤخذ زكاة.
(٣) في أ: وهو قول.
[ ٢ / ٢١٢ ]
يزكي؛ لأن الزكاة إنما وجبت في الأموال المتخذة للنماء، أو المعتبر بوجود العين، فإذا وجد معه العين وجبت الزكاة إن كان دون النصاب؛ لأنه يُتَّهَم أن يقصد إلى إسقاط الزكاة عن نفسه لقدرته على البيع [بالعين] (١) فإذا لم يبع بالعين، بل عادته إيلاج العروض.
في العروض: قلنا: لا زكاة عليه؛ لقوله ﵇: "وليس في العروض شيء حتى يصير عينًا" (٢).
فإن كان ممن يبيع بالعروض، والعين غير أنه لا يكاد يجتمع النصاب في يديه، ولا يقدر على ضبط الأحوال: فهذا يجعل لنفسه شهرًا يُقَوِّمُ فيه ما عنده من العروض، فيزكي ماله، ثم ينظر فإن بقى في يديه ما نض له في سنته من العين أخرجه في الزكاة إن كان فيه ما بقى بما وجب عليه.
وإن أنفقه أو صرفه في السِّلَع، هل يبيع من عروضه ويؤدي الزكاة، أو أنه يخرج عرضًا بقيمته؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يبيع من عروضه، ويدفع الثمن للمساكين، وهو قول سحنون.
والثاني: أنه يخرج عرضًا بقيمته إن شاء، ويدفعه إلى أهل الزكاة، وهي رواية ابن نافع عن مالك.
والقولان في النوادر (٣):
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٤٠٦)، والبيهقي في الكبرى (٧٣٩٤) من حديث ابن عمر موقوفًا. وصححه البيهقي في الكبرى (٤/ ١٤٧)، وابن حزم في المحلى (٥/ ٢٣٤)، والشيخ الألباني في تمام المنة.
(٣) انظر: النوادر (٢/ ١٢٠، ١٢١).
[ ٢ / ٢١٣ ]
ولا اعتبار بما نض للمدير من العين في سنته، هل هو نصاب أم لا؟
وقد قال في "المدونة" (١): "ولو درهم [واحد] (٢) "، ولا يعتبر بقاؤه في يديه إلى حين التقويم.
وإذا بارت عليه عروضه، ولم يبع منها شيئًا: فلا خلاف في المذهب أنه لا تقويم عليه.
وإن بار بعضها، وأسواق بعضها قائمة، فإن كان البائر أكثر: فالأقل تبع للأكثر، ثم لا تقويم، وإن بار الأقل، هل يُقَوِّم أولًا؟ قولان:
أحدهما: أنه يقَوِّم [وهو قول ابن القاسم] (٣).
والثاني: أنه لا يُقَوِّم ما بار، وهو قول ابن نافع.
وسبب الخلاف: الأتباع هل تراعى أو لا تراعى.
وأما ديونه: فلا تخلو من أن تكون من قرض، أو من بيع.
فإن كانت عن قرض، فهل يزكيها المدير أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (٤):
أحدهما: أنه لا يزكيها حتى يقبضها، وهو قول ابن حبيب.
ووجهه: أنه مال خرج به عن الإجارة، وحبس عن التنمية، فلا زكاة عليه فيه.
والثاني: أنه يزكيه، وهو ظاهر قول ابن القاسم: إذا كان العرض أقل ماله.
_________________
(١) في ب: الكتاب.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) انظر: المدونة (٢/ ٢٥٦).
[ ٢ / ٢١٤ ]
ووجهه: ما قدمناه أن الأقل تبع للأكثر.
وقد حكى القاضي أبو الوليد الباجي الإجماع في المذهب في هذه المسألة [وغيره] (١) حكى فيها الخلاف مثل أبي الحسن اللخمي وغيره.
فإن كان ذلك الدَّين من بيع: فلا يخلو من أن يكون على مَلِيّ، أو [على] (٢) مُعْدَم.
فإن كان على مُعْدمَ: فلا يزكيه باتفاق؛ لأنه ثاوٍ (٣)، والثاوي لا قيمة له.
وإن كان على مَلِيٍّ، فهل يزكيه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يزكيه حتى يقبضه، ثم يزكيه لعام واحد، وهو قول المغيرة والمخزومي.
والثاني: أنه يزكيه، وهو المشهور.
وعلى القول بأنه يزكيه، فهل يزكي عدده أو قيمته؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال [كلها قائمة من المدونة] (٤):
_________________
(١) في الأصل: وغيرها.
(٢) سقط من أ.
(٣) ثاوٍ: مقيم. قال ذو الرمة: لقد كان في حول ثواء ثويته نقضي لبانات ويسأم سائم وقال العجاج: فبات حيث يدخل الثوى وقال آخر: طال الثواء على رسول المنزل
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٢١٥ ]
أحدها: أنه يزكي عدده جملة، سواء كان حالًا أو مؤجلًا، وهو قوله في "المدونة" (١) فيمن له مائة دينار، وعليه مائة دينار دين، وبيده مائة: قال: فإنه يزكيها، وليجعل ما عليه من الدَّين فيما له [من دين] (٢).
والظاهر أنه يجعل المائة فيما له، ويزكي المائة التي بيده، ونحوه في كتاب محمَّد.
والثاني: أنه يزكي قيمته جملة، [سواء] (٣) كان حالًا، أو مؤجلًا، وهو ظاهر "المدونة"؛ لقوله: "فيها حكم الدَّين حكم العروض"، وقوله أيضًا: "ويُقَوِّمُ ما يرى حجبه" ولم يفصل بين المُعَجَّل والمُؤَجَّل، وعلى هذا اختصر أكثر المختصرين.
والثالث: التفرقة بين المُؤَجَّل والمُعَجَّل.
فإن كان مُعَجَّلًا: زكى عدده.
وإن كان مُؤَجَّلًا: زكى قيمته.
وهو ظاهر "المدونة" (٤)؛ لأنه قال في موضع: "يزكي دينه"، وفي موضع: "يزكي قيمته"، وهو [نص] (٥) قول ابن القاسم في غير "المدونة" [مثل قوله] (٦) في "الموازية" وغيرها.
ولم يختلفوا في الدين الذي عليه أنه يحسب عدده، ولا يُقَوِّمه، فانظر ما الفرق بينهما.
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٢٧٣).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) انظر: المدونة (٢/ ٢٥٤).
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٢١٦ ]
وسبب الخلاف: اعتبار الحال والمآل.
ومن اعتبر الحال قال: يزكي [القيمة] (١) لأنها المقدور عليها الآن بالبيع إن شاء والعدد، فقد لا [يتيسر] (٢) له قبضه متى شاء.
ولو كان قبضه على الحلول، [وهو] (٣) مُوسر أعني الذي عليه [الدين] (٤)، وليس على بصيرة في قبضه مهما أحب على كل حال.
فإن صح ذلك [عنده] (٥)، والحالة هذه كانت القيمة متحققة والعدد مظنون.
ومن اعتبر المآل: قال يزكي العدد؛ لأنه هو المملوك؛ إذ هو قادر على قبضه في الحال إن كان الدين حالًا، وإن كان إلى أجل كذلك أيضًا لا تخشى فيه حوالة الأسواق، بخلاف العروض التي قد تختلف أثمانها عند الحلول، والدين لا تختلف أعداده قبل الحلول وبعده.
ومن فصل فقد حصَّل، وهو أقوم قيلًا، وأهدى إلى الحق سبيلًا.
واختلف فيما إذا مضى له [حول] (٦)، وجاء الشهر الذي يقوم فيه، ولم ينض له فيه، ولو درهم واحد، ثم نص له بعد ذلك، هل يزكي حينئذ، أو يستقبل [به] (٧) حولًا؟
على ثلاثة أقوال (٨):
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: يتصور.
(٣) في ب: والذي عليه الدين.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: أحوال.
(٧) سقط من أ.
(٨) انظر: المدونة (٢/ ٢٥٥).
[ ٢ / ٢١٧ ]
أحدها: أنه يزكي ساعتئذ، ويكون حوله من يومئذ، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه لا يزكي حتى يحول عليه الحول من يوم نض له، وهو قول أشهب.
ووجهه: أن الحول الأول قد انتقض، وترك فيحتاج إلى الابتداء.
والثالث: أنه لا يزكي الآن، و[لكن] (١) يحصى كل ما باع به من العين، فإذا تم عشرين دينارًا أو مائتي درهم فليترك، ثم يزكي كل ما ينض بعدها، وإن قلَّ، ولا تقويم عليه، وهو قول ابن نافع.
وهذا القول عموم في المدير أنه لا يقوم، [قال: وأحسبه، ولكن يحصي ما ينض له، والله أعلم] (٢).
ولا [يترك] (٣) ما نض له حتى يستكمل النصاب كاقتضاء الديون، وهذا قول قياسي، وهو قياس صحيح؛ لوجود التهمة في الموضعين، ولكنه خلاف لقول عمر ﵁ حين أمر [نخاسا] (٤) [بتقويم ما عنده] (٥) من العروض وهو قول الإِمام الصحابي.
وهذا كله إذا كان يدير جميع ماله.
وأما إذا كان يدير بعض ماله دون بعض: فلا يخلو المدار وغير المدار من أن يكون على جزأين متساويين كالنصف والنصف، أو على جزأين متفاضلين.
_________________
(١) في أ: لا.
(٢) سقط من جـ.
(٣) في أ: يضم.
(٤) سقط من أ. وهكذا رسمها في ب، جـ.
(٥) في أ: بالتقويم.
[ ٢ / ٢١٨ ]
فإن كان على جزئين متماثلين: زكى كل مال على سنته، فإن كان أحدهما أكثر من الآخر: فعلى قولين:
أحدهما: أن الأقل تبع للأكثر؛ يزكي على حوله وسنته، كان الأكثر هو المدار، أو غيره.
والثاني: التفصيل بين كون المدار هو الأكثر: فيزكي معه الأقل زكاة واحدة.
وإن كان المدار هو الأقل، وغير المدار هو الأكثر زكى كل مال على سنته.
قال الشيخ أبو القاسم بن محرز: والقياس عندي أن يزكي كل مال على حوله، ولا يكون الأقل تبعًا للأكثر إلا أن يشق عليه ضبط ذلك، ويصعب عليه حفظه، فيجعل الأقل تبعًا للأكثر حينئذ.
وهذا الخلاف الذي حكيناه يتخرج على اختلاف قول مالك في الحائط فيما إذا سقى في بعض السنة بالنضح، وبعضها بالبَعْل (١)، هل يكون الأقل تبعًا للأكثر أم لا؟
وأما الوجه الثاني في التاجر غير المدير: إذا كان التاجر [غير المدير] (٢) يشتري نوعًا من التجارة يرتصد به الأسواق مثل الحنطة يشتريها في زمان الحصاد، فإذا قامت أسواقها باعها مرة واحدة: فهذا لا زكاة عليه، ولا تقويم حتى يبيع، فإذا باع زكى الثمن على حول الأصل، ولا يستأنف الحول.
_________________
(١) البَعْل: العذي، وهو ما سقته السماء. قال الأصمعي: العذي ما سقته السماء، والبعل ما شرب بعروقه من غير سقي ولا سماء. مختار الصحاح (٢٤).
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٢١٩ ]
فإن بارت عليه السلع [التي] (١) اشتراها أعوامًا: فلا يزكي إذا باعها إلا زكاة واحدة.
واختلف فيما إذا اشترى سلعة للتجارة، ثم نوى به القنية، هل ينتقل بالنية أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: [أنه] (٢) ينتقل عن التجارة إلى القنية بالنية، ولا ينتقل عن القنية إلى التجارة بالنية.
وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا ينتقل عن التجارة إلى القنية بالنية، وأنه على أصل التجارة، فإذا باع بنصاب زكى على حول الأصل، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: التجارة هل هي أصل في نفسها كما أن القنية أصل، ثم لا يحول واحد منهما عن أصله كما يقول أشهب؟ أو القنية أصل، والتجارة فرع؛ فيحول الفرع بالنية، ولا يحول الأصل إلا بالفعل مع النية، كما يقوله ابن القاسم؟
فرع عن المسألة
وإذا اكترى أرضًا للتجارة [واشترى زروعها للتجارة] (٣) وزرعها للتجارة، فإذا وقع الحب وفيه خمسة أوسق فصاعدًا: فإنه يزكي زكاة حب الزرع، ثم إذا باع الحب بنصاب من العين، هل يستقبل الحول من يوم باع، أو يبنى على حول الزرع من يوم زكاه؟
فالمذهب على قولين:
_________________
(١) في أ: الذي.
(٢) في أ: أنها.
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
أحدهما: أنه يزكى على حول الزرع.
وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه فائدة، ويستقبل بالثمن حولًا.
وهو قول أشهب في "المجموعة" -مديرًا كان أو غيره- وهذا منه بناءً على أصله في غلة ما اكترى للتجارة.
وإن كان القاضي أبو الوليد الباجي حكى في هذه المسألة إجماع المذهب: إذا اجتمعت [الوجوه] (١) الثلاثة اكترى [الأرض] (٢) للتجارة، واشترى الزرع للتجارة، وزرعه للتجارة.
والخلاف [فيها] (٣) كما ترى، ولعله لم يبلغه قول أشهب، والله أعلم.
والمسألة على أربعة أوجه:
أحدها: هذا الذي قدمناه.
والثاني: أن يكتري [الأرض] (٤) للتجارة، وزرعها [بطعامه] (٥) للتجارة، أو اكترى الأرض للتجارة، وزرعها بطعامه، أو كانت الأرض [له] (٦) واشترى القمح وزرعها للتجارة.
وأما إذا اكترى أرضًا للتجارة وزرعها بطعام من عنده للتجارة، فعلى قولين متأولين على "المدونة":
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٢١ ]
أحدهما: أنه فائدة، ويستقبل بالثمن حولًا من يوم باع.
وهو نص المدونة على رواية الباء: "وزرعها بطعامه".
والثاني: أن له حكم التجارة، ويزكي على حول الزرع.
وهو ظاهر المدونة على رواية اللام: "وزرعها لطعامه" -يريد لقوته-[بدليل قوله] (١) فرفع طعامه، فأكل منه وفضلت [فضلة] (٢) فباعها.
وظاهره أنه لو زرعها بطعامه للتجارة لكان [الحكم للتجارة] (٣)؛ لأن الحب الذي أخرجه من عنده هو مستهلك في تجاويف الأرض غير مراع، وإلى هذا ذهب إبراهيم بن باز الأندلسي وغيره، وذهب غيره إلى أنه متى كان الزرع من عنده فهو للقنية.
والوجه الثالث:
إذا اكترى الأرض للتجارة، وزرعها لطعامه، فهذا لا خلاف فيه أنها فائدة يستقبل بها الحول.
والوجه الرابع:
إذا كانت الأرض من عنده، واشترى الزرع للتجارة وزرعها للتجارة، فهل هي فائدة أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: من "كتاب الشركة": أنه فائدة، وهو نص المذهب.
والثاني: أنه للتجارة، وينبني [الخلاف] (٤) فيه على الخلاف في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: حكم التجارة.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
الشركة، هل يكون الزرع فيها رأس المال [والأرض والعمل تبع له أو الأرض رأس المال] (١) والبذر والعمل تبع له؟
والجواب عن الوجه الخامس:
أن يشتري للتجارة والاستمتاع: فذلك لا يخرج الشيء المشترى من أصل التجارة، وكل من اشترى للتجارة، فكذلك [يشتغل] (٢) ويستخدم حتى يجد سوقًا يسره فيبيع، وذلك [لا يؤثر] (٣) في أصل التجارة [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: يفعل.
(٣) سقط من أ.
(٤) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
المسألة الثامنة في زكاة الدَّيْن
والدين في الزكاة ينقسم على أربعة أقسام:
دين من تجارة، ودين من قرض، ودين من فائدة، ودين من غصب.
فأما دين التجارة: فقد تقدم الكلام عليه في المسألة التي قدمنا قبل هذه.
وأما دين القرض: فقد تقدم الكلام فيه أيضًا [في المدير] (١)، هل يقومه أم لا؟
وأما غير المدير، فإنه يزكيه إذا قبضه زكاة واحدة لما مضى من السنين.
وأما دين الغصب: إذا غصب منه [نصابًا أو] (٢) أكثر من العين فرد إليه بعد أعوام كيف يزكيه؟
فنقول: أما ما كان قبل أن يرد إليه: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب نصًا أنه لا شىء عليه [فيه] (٣).
واختلف فيما إذا رد إليه بعد أعوام هل يزكيه الآن، أو يستقبل به الحول؟
فالمذهب على قولين (٤):
أحدهما: أنه يزكيه الآن زكاة واحدة.
وهو قول ابن القاسم [في المدونة] (٥)، ووافقه أشهب، وأكثر
_________________
(١) سقط من أ، جـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) انظر: المدونة (٢/ ٣٣٨).
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
[الأصحاب] (١)، وهو قول مالك أيضًا.
والثاني: أنه يستقبل به حولًا من يوم قبضه، سواء رد إليه بحكم أو طوع.
وهو قول حكاه ابن حبيب عن مالك، قال: [وهو] (٢) بخلاف الدين.
وما رواه مالك في "موطئه" (٣) عن عمر بن عبد العزيز في مال قبضه بعض الولاة ظلمًا؛ أنه كتب إلى عماله أن يزكيه لما مضى من السنين.
لم يأخذ به مالك، وإن كان عمر قد تعقب ذلك بكتاب يناقضه، وهو الذي أخذ به مالك.
ووجه القول الأول أنه يزكي زكاة واحدة؛ قياسًا على الدين؛ لأنه مال محبوس عن التنمية فأشبه الدين، ولاسيما أن هذا [محبوس] (٤) عنه بغير اختياره، وإيثاره، فأشبه مالًا وقع منه، ثم وجده بعد أعوام.
ووجه القول الثاني: أنه يستقبل به حولًا؛ لأنه مال محبوس عنه، وعن التنمية بغير اختياره، وحيز عنه على معنى الاستيلاء والقهر، فيستقبل به الحول؛ قياسًا على ما فاته من المال، غير أن هذا القياس ضعيف؛ لضعف القول في نفسه.
ولو قيل: إن الغصب ينقل الملك لكان [هذا] (٥) القياس صحيحًا، ولا أعلم في هذا المذهب من يقول ذلك، ويذهب إلى أن الغصب ينقل
_________________
(١) في الأصل: صاحب.
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه مالك في "كتاب الزكاة"، باب: الزكاة في الدين: بلاغًا.
(٤) في جـ: منزوٍ.
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
ملك المالك، وقد سمعت بعض متفقهة هذا الزمان يعلل بذلك، ولا أدري من أين أخذوه، ولا كيف استجازوه، فالله تعالى يلهمنا رشدنا، ويعصمنا بفضله.
وقد اختلف ابن القاسم وأشهب في الماشية المغصوبة إذا ردت إليه بعد أعوام؛ فقال ابن القاسم: "لا يزكيها إلا لعام واحد" (١) كالعين، ولم يفصل.
وأشهب فَصَّلَ بين أن تكون السعاة تركتها عند الغاصب، فيكون كما قال ابن القاسم [وإلا] (٢) أدى عنها كل عام على ما يوجد عنده.
وهذا الذي قاله أشهب شبيه أن يكون تفسير قول ابن القاسم، وإلا كان ذلك اضطرابًا من قول ابن القاسم؛ لما قدمناه في العين أنه مال محبوس عن التنمية، والماشية تنمو بنفسها فيكون الحكم فيها على خلاف العين، والله أعلم.
وأما الوجه الرابع:
إذا كان الدين من فائدة: فإنه ينقسم إلى أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون من ميراث أو عطية، أو مهر امرأة، أو ما أشبه ذلك.
والثاني: أن يكون من ثمن عرض أفاده بوجه من وجوه الفائدة.
والثالث: أن يكون ذلك الدين من ثمن عرض اشتراه بناض عنده للقنية.
والرابع: أن يكون الدين من كراء أو إجارة.
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٣٣٨).
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
فالجواب عن القسم الأول:
إذا كان من فائدة ميراث أو عطية، أو غيرها: فهذا لا زكاة فيه [حال أو مؤجل] (١) حتى يقبضه، ويحول عليه الحول بعد القبض إذا لم يكن عليه هو دين.
وإن تركه أعوامًا [فرارًا] (٢) من الزكاة: فلابد من استئناف الحول.
والجواب عن القسم الثاني:
إذا كان من ثمن عرض أفاده بوجه من وجوه الفائدة: فهذا لا زكاة عليه [أيضًا] (٣) حتى يقبض ويحول عليه الحول بعد القبض، وسواء باعه بنقد أو بالتأخير.
وقال عبد الملك، والمغيرة (٤): إن باعه على الحول فإنه يستقبل به حولًا بعد القبض، وإن باع إلى أجل، فإذا قبضه فإنه يزكيه الآن زكاة واحدة.
وإن ترك قبضه فرارًا من الزكاة، فهل يزكي لما مضى من السنين أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يزكي إلا زكاة واحدة. وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يزكي لما مضى من السنين، وهو قول عبد الملك والمغيرة.
وسبب الخلاف: هل تلحقه التهمة في التأخير مع القدرة على قبضه أم لا؟
_________________
(١) في ب: كان حالًا أو مؤجلًا.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) انظر: النوادر (٢/ ١٤٨: ١٥٠).
[ ٢ / ٢٢٧ ]
والجواب عن القسم الثالث:
إذا كان الدين من ثمن عرض اشتراه بناض عنده للقنية [ثم باعه] (١)، فهذا إن [باع] (٢) بنقد: لم تجب الزكاة حتى يقبضه، ويحول عليه الحول من بعد القبض.
وإن باعه بتأخير ثم قبضه بعد حول: زكاه ساعة قبضه.
وإن ترك قبضه فرارًا من الزكاة زكى لما مضى من الأعوام، ولا خلاف في هذا الوجه.
والجواب عن القسم الرابع:
إذا كان الدين من كراء، أو إجارة، فهذا إن قبضه بعد [استيفاء] (٣) العمل كان الحكم فيه كما تقدم في القسم الثاني.
وإن قبضه قبل استيفاء [العمل] (٤) مثل أن يؤاجر نفسه ثلاثة أعوام بستين دينارًا، فقبضها معجلا فهل يزكي إذا حال [عليها] (٥) الحول من يديه [أم لا] (٦)؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يزكي بعد الحول عشرين دينارًا، وهو القدر الذي استحقه، واستقر له في السنة الأولى؛ لأنها مكثت في يديه [حولًا] (٧) من يوم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: كان.
(٣) في أ: استيعاب.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: عليه.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
قبضها ثم يزكي بعد ذلك قدر ما ينوب [كل] (١) ما مضى من المدة، وهو قول الغير في المدونة في مسألة هبة الدين، وهو ظاهر سماع سحنون عن ابن القاسم.
والثاني: أنه يزكي للحول الأول تسعة وثلاثين دينارًا ونصف دينار.
وهو قول ابن المواز، ووجهه: أنه إذا مضى الحول فقد ملك العشرين من الستين ملكًا تامًا وتبين أنه لم يزل مالكًا لها من يوم قبضها، فلذلك يزكيها، والعشرون التي هي أجرة السنة الثانية، فقد حال عليها الحول، وهي في يديه، إلا أنه لم يؤد عوضها من المنافع، والمنافع عليه دين، فوجب أن يجعل ذلك الدين في العشرين دينارًا التي هي للعام الأول، غير أنها نقصت نصف دينار الذي أداه في الزكاة فيكمل من أجرة العام الثاني؛ فيبقى منها تسعة عشر ونصف فيزكيها.
وهو [وجه] (٢) قول ابن المواز ومعناه، وهو ظاهر إن شاء الله.
والثالث: أنه لا زكاة عليه في شيء من السنين حتى يمضي العام الثاني، فإذا مضى فإنه يزكي عشرين؛ لأن ما ينوبها من العمل دين عليه فلا يسقط إلا بمرور الحول شيئًا بعد شيء؛ فوجب استئناف الحول [بها] (٣) من يوم تم ملكها له، وهذا هو المشهور، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٤) في مسألة: هبة الدين [والله أعلم والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) في أ: على.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) انظر: المدونة (٢/ ٢٦٧).
(٥) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
المسألة التاسعة في زكاة المديان (١)
إذا كان عنده نصاب من العين، وعليه من الدين ما يستغرق ما عنده من العين، أو ينقصه عن النصاب، فلا يخلو ذلك الدين من أن يكون متعلقًا بالمال دون الذمة، أو بهما معًا.
فإن كان تعليقه بالمال دون الذمة: فلا يخلو من أن يكون ذلك بعوض كنفقة الزوجة، أو بغير عوض كنفقة الولد والوالدين.
فإن كان ذلك بعوض كنفقة الزوجة: فإنها تسقط الزكاة -كانت بفرض، أو بغير فرض- إلا أن يكون عنده عرض يساوي ذلك القدر.
فإن كان بغير عوض كنفقة الوالدين: فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل الابتغاء أو بعده.
فإن كان ذلك قبل الابتغاء: فليس ذلك بدين يسقط الزكاة.
وإن كان ذلك بعد الابتغاء، وفرض لهم القاضي قدرًا معلومًا، وأخذاه [من] (٢) ساعتهما: فذلك يسقط عنه الزكاة.
وإن فرض [لهما] (٣) القاضي قدرًا [وتركاه] (٤) شهرًا فقد قال في الكتاب: إذا حال الحول، وهي عليه، ولم يأخذاها منه لم تسقط عنه الزكاة بذلك.
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٢٧٢).
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: لهم.
(٤) في أ: وتركوه.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
واختلف المتأخرون في تأويله؛ فبعضهم يقول: إن ذلك اختلاف من القول؛ فإن نفقتهم تجب بالابتغاء والفرض، فإذا وجدا فهو دين أخذاها أو أخراها، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" [فلا تجب حتى يبتغياها] (١)، وهو قول محمَّد في "كتابه" فيتخرج لابن القاسم [في] (٢) "الكتاب" على هذا التأويل في نفقة الأبوين قولان، وبعضهم يقول: معنى ذلك [أنهما] (٣) قد تركاها [وأنفقا] (٤) من عند أنفسهما [بإجارة] (٥) أو أجرًا أنفسهما في العمل واحترفا بسؤال أو بحيلة حتى أنفقا على أنفسهما، فلذلك قال: يزكي.
وأما لو تسلفا أو استدانا دينًا على ذلك القدر الذي فرض لهما القاضي لسقطت به الزكاة إذا لم يكن الوفاء به عنده إلا من النصاب الذي عنده، وهو تأويل الشيخين أبي محمَّد بن أبي زيد، وأبي عمران الفاسي (٦).
فعلى هذا التأويل يرجع ما وقع في "الكتاب" لاختلاف حال ليس باختلاف يرجع إلى فقه.
وأما الولد فهل هو كالزوجة أو كالأبوين؟ قولان (٧):
أحدهما: أن الولد كالزوجة، وهو قول أشهب (٨).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: من.
(٣) في أ: أنهم.
(٤) في أ: وأنفقوا.
(٥) سقط من أ.
(٦) انظر: المدونة (٢/ ٢٧٦)، والنوادر (٢/ ١٥٦).
(٧) انظر: النوادر (٢/ ١٥٦).
(٨) قال أبو محمَّد بن أبي زيد: وبه أقول.
[ ٢ / ٢٣١ ]
والثاني: أن [الولد] (١) كالأبوين، وهو قول ابن القاسم (٢).
فظاهر "الكتاب" أن قول أشهب خلاف لقول ابن القاسم، ويحتمل أن يكون اختلاف حال؛ وذلك أن ابن القاسم تكلم في نفقة الولد إذا سقطت ثم عادت فيفتقر الوجوب إلى الابتغاء والقضاء.
ويكون أشهب تكلم فيما إذا اتصلت نفقته ولم تسقط فيكون كل واحد منهما تكلم على ما لم يتكلم عليه الآخر، وأبو إسحاق التونسي يشير إلى مثل هذا، والله أعلم.
وهذا من الدين الذي تعلق بالمال دون الذمة؛ لأنه إنما يطالب به في اليسر دون العسر.
وأما الدين المتعلق بالذمة: فلا يخلو من أن يكون عنده من العروض ما يفي به أم لا.
فإن كان عنده من العروض ما يفي بما عليه من الدين هل يقابله بها، ويزكي أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يجعل دينه فيما عنده من العروض. ثم يزكي عينه، وسواء كان ذلك الدين دين زكاة أم لا، وهو ظاهر "المدونة" في باب زكاة المديان، ونص لابن القاسم أو لأشهب في أول "كتاب الزكاة الأول" فيما إذا حال الحول عنده على عشرين دينارًا، فلم يخرج زكاتها حتى
_________________
(١) في أ: الابن.
(٢) قال أبو محمَّد بن أبي زيد: وفي المدونة في الأبوين خلاف هذا عن ابن القاسم. وفي رواية ابن حبيب عن أشهب أن نفقة الوالد كالوالدين، لا تسقط بها الزكاة إلا أن يكون يقضيه. النوادر (٢/ ١٥٦).
[ ٢ / ٢٣٢ ]
اشترى بها سلعة ثم باعها بأربعين.
والثاني: أن الدين مسقط لزكاة العين علي كال حال، سواء كان عنده عرض أم لا.
ولا فرق بين دين الزكاة وغيره من الديون.
وهو قول محمَّد بن الحكم -من أصحاب مالك- وهو مذهب الليث ابن سعد، وهو ظاهر قول عثمان بن عفان ﵁ في "المدونة".
والثالث: التفصيل بين دين الزكاة وغيره من الديون؛ فدين الزكاة لا يجعل إلا في العين، وغيره يجعل في العروض، وهو نص قول ابن القاسم في غير "المدونة"، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في باب زكاة المديان، وفي "باب زكاة [مال] (١) القراض" على ما بيناه قبل هذا.
وسبب الخلاف: هل يجوز قياس العين علي الماشية، والثمار، والحبوب أم لا؟
فمن جوز القياس، قال: الدين غير مسقط لزكاة العين.
ومن منع القياس: قال بالإسقاط.
ومن فرق فقد تردد.
وعلى القول بأنه يجعل دينه في عروضه، ثم يزكي عينه -وهو المشهور- فإنه يجعل ذلك في كل ما يباع عليه في التفليس إذا قام [عليه] (٢) غرماؤه.
واختلف في المدبر على ثلاثة أقوال:
_________________
(١) في جـ: أصل.
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
أحدها: أنه يجعل دينه في قيمة رقبته.
وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يجعل ذلك في خدمته على غررها؛ لأنها التي يملكها الآن.
وهو ظاهر قول أشهب في [العتق] (١) إلى أجل (٢).
والثالث: أنه لا يجعله في رقبته، ولا في خدمته، وهو قول سحنون.
وينبني الخلاف: على الخلاف في المدبر، هل يجوز بيعه في حياة سيده أم لا؟
فمن اعتبر قول من قال بجواز بيعه: جعل الدين في رقبته.
ومن لم يعتبره: قال: لا يجعل في الرقبة، ولا في الخدمة، وهو أقوى الأقوال.
ومن قال: يجعل في الذمة قياسًا على المعتق إلى أجل: فأضعفها.
واختلف أيضًا في المكاتب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يحسب قيمة الكتابة في الدين الذي عليه، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يجعله في قيمة المكاتب بقدر ما عليه، وهو قول أشهب.
والثالث: أنه يجعله في قيمته على أنه عبد، وهو قول أصبغ.
_________________
(١) في ب: المعتوق.
(٢) انظر: النوادر (٢/ ١٥٨).
[ ٢ / ٢٣٤ ]
وسبب الخلاف: [هل] (١) النظر إلى الحال، أو إلى المآل.
فمن اعتبر الحال: قال: يجعل دينه في قيمة الكتابة؛ لأنها التي يملكها الآن؛ إذ له أن يبيعها [ويتعجل ثمنها] (٢).
ومن اعتبر المآل: قال: قد يعجز، ويرجع رقيقًا، فيحكم للحال يحكم المآل، فرأى أن الدين يكون في رقبته على أنه عبد.
وأما [قول] (٣) أشهب الذي يجعل ذلك في قيمة المكاتب بقدر ما عليه: فقد جمع بين القولين الأول والثاني، وهو أضعفهما.
وأما الدين الذي له على الناس، هل يجعل الدين الذي عليه في عدده، أو في قيمته، أو يفصل بين الآجل والعاجل، فقد أتقناه [في مسألة المدبر] (٤) إتقان من طب لمن حَبَّ فلا نعيده مرة أخرى.
واختلف في العروض التي يجعل فيها الدين الذي عليه، هل من شرطه أن يحول عليه الحول [وهو في ملكه] (٥) أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يشترط فيه أن يحول عليه الحول وهو في ملكه، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: [أنه] (٦) لا يشترط فيه إلا الملك خاصة، وإن أفاده [في] (٧) آخر الحول أو بعده، فإنه يزكي ساعتئذ ولا يستقبل به حولًا، وهو قول
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ويجعل ثمنها في الدين.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: من.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
أشهب، وأكثر أصحاب ابن القاسم.
وهكذا اختلفوا فيما إذا كانت عنده مائة ناقة، وعليه مائة دين، فوهب له الطالب المائة الدين التي عليه بعد الحول، فهل يزكي المائة التي عنده الآن، أو يستقبل بها حولًا؟
فعلى قولين منصوصين في "المدونة" في كتاب الزكاة الأول:
أحدهما: أنه يستقبل بها حولًا من يوم وهبت [له] (١) مائة الدين، وهو قول [ابن المواز] (٢).
والثاني: أنه يزكي الآن، وهو قول المغيرة، وهو قول [أشهب] (٣)، وقال بقوله سحنون وغيره.
وسبب الخلاف: فيها وفي التي قبلها: هل يعد المالك كأنه لم يزل مالكًا لهذا العرض؛ إذ الدين في الذمة لا في مال معين: فيزكي.
أو يعد كالمالك ما عنده من النصاب الآن: فيستقبل الحول.
وكذلك الذي وهب الدين، هل يعد كأنه لم يزل مالكًا لهذه المائة ملكًا تامًا، أو كما ملكها الآن ملكًا تامًا، فكأنه كما أفادها.
فلو وهبها الطالب -يعني: مائة الدين- لرجل أجنبى فقبضها الموهوب له، هل يزكيها الواهب أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الواهب يزكيها، ويخرج زكاتها منها لا من غيرها، وهو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في جـ: ابن القاسم.
(٣) النوادر (٢/ ١٦٢).
[ ٢ / ٢٣٦ ]
قول ابن القاسم، وابن المواز (١).
والثاني: أنه لا شيء [عليه] (٢) وهو قول أشهب (٣).
واتفقوا أنه لا زكاة فيها على الموهوب له حتى يحول عليه الحول.
وسبب الخلاف: هل قبض الموهوب له كقبض الواهب ويده كيده أم لا؟
وإذا كان للمديان طعام من سَلَم [فلا] (٤) يجوز له أن يجعل دينه في قيمته؛ إذ لا يقدر عليها بوجه.
وقال الشيخ أبو إسحاق التونسي: وله أن يجعله فيما كان رأس مال السَّلَم؛ إذ له أخذه على معنى الإقالة أو التولية.
والذي قاله فيه نظر [إذ لا] (٥) يقدر على الإقالة، إلا برضى الذي عليه السلم، وقد لا يرضى، وكذلك في القولية، وقد لا يجد من يوليه، فكيف [يلزمه] (٦) أن يجعل دينه فيما لا يملكه، ولا [يملك] (٧) أخذه متى شاء، والذي قاله كما تراه.
واختلف في المذهب أيضًا في صداق الزوجة، هل هو كسائر الديون في إسقاط الزكاة، وهو المشهور [أو] (٨) هو مخالف لسائر الديون؛ إذ
_________________
(١) انظر: النوادر (٢/ ١٦٢، ١٦٣).
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: النوادر (٢/ ١٦٢، ١٦٣).
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: فلا.
(٦) في أ: يلزم.
(٧) في ب: يقدر على.
(٨) في الأصل: و.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
الغالب أن الزوجة لا [تطلبه] (١) إلا عند الموت، أو الفراق، وهو قول ابن حبيب (٢) [والحمد لله كثيرًا كما هو أهله] (٣).
_________________
(١) في أ: تطلب.
(٢) انظر: النوادر (٢/ ١٥٥).
(٣) زيادة من ب.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
المسألة العاشرة في حكم ما يقتضي من الديون، وكيف إن خالط ذلك الاقتضاء فوائد
ولا يخلو ما يقتضيه من دينه من أن يكون نصابًا أو دون النصاب.
فإن كان ما اقتضاه نصابًا: فلا يخلو من أن يكون قائمًا بيده حتى زكاه، أو فائتًا.
فإن كان قائمًا بيده حتى زكاه: فلا خلاف في المذهب أنه يزكي ما اقتضاه بعد ذلك من قليل أو كثير.
وإن فات الأول إذا كان فواته بعد أن زكاه، أو بعد أن فرط في إخراج زكاته حتى ضاع [وإن كان فائقًا] (١) قبل أن يخرج زكاته بغير تفريط: فلا يخلو [ضياعه] (٢) من وجهين:
أحدهما: أن يكون بتلف.
والثاني: أن يكون بإتلاف.
فإن كان بتلف؛ مثل أن يأتي [عليه] (٣) أمر الله تعالى، فهلك بغير سببه، فهل يزكي ما اقتضى بعد ذلك من قليل أو كثير [أم لا] (٤)؟
[فاختلف فيه] (٥) على قولين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: فواته.
(٣) في أ: عليها.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: فالمذهب.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
أحدهما: أنه لا زكاة عليه فيه حتى يقتضي نصابًا كاملًا، وهو قول ابن المواز.
والثاني: أنه يزكي ما يقتضيه من قليل أو كثير، وهو قول ابن القاسم، وأشهب، وسحنون.
فإن كان بإتلاف؛ مثل أن ينفقه أو يستهلكه باختيار منه: فهذا لا خلاف فيه في المذهب أنه يزكي ما اقتضى بعد ذلك من قليل أو كثير؛ لأنه في هذا الوجه يتهم في إسقاط الزكاة عن نفسه.
وسبب الخلاف: في الوجه الأول؛ إذا ضاع بغير سببه، هل يعد ما أتلف كأنه ما اقتضاه ولا أدخل في ملكه أم لا؟
فإن كان ما اقتضاه أولًا دون النصاب: فلا يخلو أيضًا من أن يكون قد أبقاه بيده، أو هلك.
فإن أبقاه بيده حتى أكمل عليه نصابًا من الدين: فلا خلاف في المذهب أنه يزكيه ويزكي ما [اقتضاه] (١) بعد ذلك.
فإن [هلك] (٢): فلا يخلو من أن يكون بسببه، أو بسبب سماوي.
فإن هلك بسببه: فبين المتأخرين قولان:
أحدهما: أنه لا يضم ما اقتضى بعد ذلك إذا كان دون النصاب إلى ما أنفق، وإن كان يتم به النصاب، وإليه أشار بعض المتأخرين.
ووجهه: أنه أنفقه قبل أن يخاطب فيه بالزكاة، ويرى أن قول من قال بوجوب الزكاة [فيه] (٣) مراعاة لقول من يقول: إن الدين يزكي قبل أن
_________________
(١) في أ: اقتضى.
(٢) في ب: فات.
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
يقتضي، وهو قول أشهب -من أصحابنا- أنه يجزئه إذا زكاه قبل أن يقبضه، وهو مذهب ابن شهاب والزهري.
واختلف فيه قول عمر ﵁.
والقول الثاني: أنه يزكيه، وهو مشهور المذهب إذا كمل النصاب بما يقتضيه بعد ذلك.
وقد حكى القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب الخلاف في المذهب في هذه المسألة؛ والظاهر أنه أشار إلى قول المتأخر الذي ذكرناه لا إلى متقدم؛ إذ لم يعرف من متقدمي أصحاب مالك في ذلك قول، وإلى ما أشرنا إليه ذهب أبو الحسن اللخمي، وتوجيه هذا القول ظاهر.
فإن كان بغير سببه، فهل يضم ما اقتضى بعد ذلك إلى ما تلف؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يضمه، وهو قول ابن المواز.
والثاني: أنه يضمه، وهو قول ابن القاسم، وأشهب، وسحنون.
وسبب الخلاف: ما قدمناه.
وإذا اقتضى نصابًا، ثم ضاع قبل أن يزكيه، فلو كان جملة الدين مثل ثلاثين دينارًا، وحال عليه الحول، فاقتضى منها أولًا عشرة: لم تجب عليه فيه زكاة.
فإن اقتضى بعد ذلك عشرة، أو العشرين الباقية كلها: زكاها جميعًا، وكان حول الجميع [من] (١) يوم اقتضى الثانية.
فإن اقتضى [الأولى]، (٢) عشرين [فزكاها] (٣) ثم اقتضى عشرة:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: أولًا.
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٤١ ]
زكاها أيضًا، وكان حول الأولى والثانية يوم اقتضى، [و] (١) يزكى [بعد ذلك] (٢) كل مال على حوله، ولا يجمعان.
وهذا قول ابن القاسم في الفصلين، وخالفه أشهب، ومحمد بن مسلمة في المسألتين.
أما خلاف أشهب: ففي اقتضاء عشرة ثم عشرة، أو عشرين، وزكى جميع ذلك: أنه تبقى كل عشرة على حولها من يوم اقتضيت، ولا تضاف العشرة الأولى إلى الثانية.
ووجهه: أن الذي ينبغي أن يزكي العشرة الأولى حين اقتضاها غير أنه إنما منعه من ذلك خيفة ألا يقتضي غيرها، فيؤدي ذلك إلى أنه يزكي دون النصاب.
["فإن" (٣)] (٤) اقتضى بعد ذلك ما يتم به النصاب تبين أن له حولها من يوم اقتضاها.
وقول ابن القاسم في ذلك أظهر [من قول أشهب] (٥).
وأما خلاف ابن مسلمة فهو: [فيما] (٦) إذا اقتضى عشرين ثم عشرة: فإنه يعود حول العشرين إلى حول العشرة الثانية، ويبتدئ الحول من يوم اقتضاها.
ووجهه: أنه لما زكى العشرين الأولى عادت إلى ما لا زكاة فيه، فصار
_________________
(١) في ب: ثم.
(٢) سقط من أ.
(٣) في الأصل: فإلي.
(٤) في ب: فلما.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
بمنزلة من أفاد دون النصاب ثم أفاد بعد ذلك ما إن أضافه إلى الفائدة الأولى وجبت فيه الزكاة: فإنه يضم الأولى إلى الثانية.
وقول محمَّد بن مسلمة في هذه المسألة أظهر من قول ابن القاسم، والله أعلم.
وأما إن اقتضى عشرة ثم عشرة ثم عشرة: فعلى قول ابن القاسم يكون حول الأولى [من] (١) يوم اقتضى الثانية، وحول الثالثة يوم اقتضيت.
وعلى قول أشهب: يكون حول كل عشرة يوم اقتضيت، وعلى قول محمَّد بن مسلمة يرجع حول الجميع إلى يوم اقتضى الثالثة.
فافهم هذا التدريج، فإنه من غوامض الاقتضاء، يجب صرف العناية إلى فهمه.
أما إذا خالط الاقتضاء فوائد: فلا تخلو الفائدة من أن تكون قبل الاقتضاء، أو كانت في أثناء الاقتضاء.
فإذا كانت الفائدة قبل الاقتضاء: فلا تخلو من أن يحول الحول على تلك الفائدة [وهي] (٢) عنده، أو استهلكها قبل حلول الحول.
فإن حال الحول عليها، وهي عنده، ثم اقتضى من [الدين ما إذا] (٣) أضافه إلى تلك الفائدة كان نصابًا: فإنه يزكيه عن الجميع، وسواء بقيت تلك الفائدة بعد الحول حتى اقتضى من الدين [ما اقتضى أو استنفقها، فإن استنفقها قبل حلول الحول عليها، ثم اقتضى من الدين] (٤) ما يتم به
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
النصاب لو ضم إلى تلك الفائدة: فلا زكاة عليه اتفاقًا؛ لأن الدين والفائدة لم يجمعهما ملك، ولم يجمعهما حول.
فلو جمعهما ملك، ولم يجمعهما حول؛ مثل أن يفيد عشرة، ثم اقتضى عشرة، ثم أنفق العشرة الفائدة قبل حولها: فلا زكاة عليه.
فإن خلل [الاقتضاء] (١) فوائد [مثل أن يقتضي من الدين شيئًا] (٢) ثم أفاد ثم اقتضى أيضًا: فلا يخلو ما يقتضيه أولًا من أن يكون نصابًا، أو دون النصاب.
فإن اقتضى نصابًا: فإنه يزكيه ثم إن أفاد [بعده] (٣) عشرة دنانير، فحال الحول وهي عنده، فإن بقى بيده النصاب الذي اقتضاه من الدين حتى تم حول الفائدة، فإنه يزكيها اتفاقًا.
وإن [استنفقها] (٤) قبل تمام حول الفائدة: فهل يزكي الفائدة إذا تم حولها أم لا؟ فعلى قولين:
أحدهما: أنه لا يزكيها ولا شيء عليه فيها، وهو قول ابن القاسم؛ لأن الحول لم يجمعهما.
والثاني: أنه يزكيها؛ لأن الحول قد جمعهما، وهو قول أشهب.
فإن كان [ما اقتضاه أولًا] (٥) دون النصاب؛ مثل أن يقتضي عشرة ثم أفاد عشرة، فإن بقيت العشرة التي اقتضى بيده حتى حال الحول على العشرة الفائدة، فإنه يزكي عن عشرين اتفاقًا؛ لأن الملك والحول
_________________
(١) في أ: القضاء.
(٢) في أ: مثلًا من شيء.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: أنفقها.
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
جمعهما.
وان أنفق العشرة التي اقتضى قبل أن يحول الحول على الفائدة، فهل يزكي أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يزكي، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يزكي، وهو قول أشهب.
وعلى القول بأنه لا يزكي؛ لأن الحول لم يجمعهما، فإن اقتضى بعد ذلك عشرة أخرى، فإنه يزكي الآن عن ثلاثين دينارًا؛ لأنك إذا أضفت الفائدة إلى العشرة التي اقتضاها من الدين آخرًا كان نصابًا، وإن أضفت اقتضاء الأولى إلى الثانية كان نصابًا، فخرج عن مجموع ذلك أن العشرة الفائدة تزكي على كل حال؛ لأن الفائدة [التي] (١) مع الاقتضاء تضم إلى ما كان آخرًا، ولا تضم إلى ما كان أولًا على المشهور [لأن عبد الملك يقول: أن الفائدة الآخرة ترد إلى ما كان أولًا كفوائد المواشي وهو نقل اللخمي] (٢).
والاقتضاء تضم الأولى إلى الآخرة حتى يكمل النصاب فيزكي [ثم] (٣) ما اقتضاه بعد ذلك من قليل أو كثير [فإنه يزكيه] (٤).
وهذا محصول هذه المسألة، وبالله التوفيق [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
المسألة الحادية عشر في زكاة فائدة العين
والأصل فيها قوله - ﷺ -: "ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول" (١).
فإن أفاد مالين: فإنه لا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون نصابًا بمجموعهما.
والثاني: أن يكون كل واحد منهما نصابًا.
والثالث: أن يكون أحدهما نصابًا، والآخر دون النصاب.
فالجواب عن الوجه الأول:
وهو أن يكون نصابًا بمجموعهما، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يجمعهما الملك والحول.
أو يجتمعا في ملك، ولم يجمعهما الحول.
أو افترقا، فلم يجتمعا في ملك ولا حول.
فإن جمعهما الملك والحول؛ مثل أن يفيد عشرة دنانير، ثم بعد ستة أشهر أفاد عشرة أخرى، فإن بقيت العشرة الأولى بيده حتى حال الحول على الثانية: فإنه يزكيها جميعًا، ولا خلاف في ذلك. فإن جمعها الملك، ولم يجمعها الحول؛ مثل أن يفيد عشرة فأقامت بيده ستة أشهر، ثم أفاد عشرة أخرى، فأقامت عنده ستة أشهر [أخرى] (٢)، فحال الحول
_________________
(١) تقدم.
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
على الأولى فأنفقها، ثم أقامت الثانية ستة أشهر فتم حولها، فهل يزكي أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه لا زكاة عليه فيها؛ لأنهما لم يجمعهما الحول، وهو مذهب ابن القاسم وهو المشهور.
والثاني: أنه يزكي عن العشرين جميعًا؛ لأنهما جمعهما الملك، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: هل الاعتبار بالملك والحول معًا، أو الاعتبار بالملك خاصة.
فمن اعتبر الأمرين: قال لا زكاة.
ومن اعتبر الملك: قال يزكي؛ لأنه يتهم في النفقة في إسقاط الزكاة عن نفسه.
فإن لم يجمعهما [عنده] (١) لا حول ولا ملك؛ مثل أن يفيد عشرة فمكثت عنده حولًا فأنفقها، ثم أفاد عشرة فحال عليها الحول وهي عنده: فلا زكاة عليه باتفاق المذهب.
والجواب عن الوجه الثاني:
وهو أن يكون كل واحد من المالين نصابًا كاملًا، فهو يدور أيضًا على الأوجه الثلاثة التي قدمناها في الوجه الأول؛ مثل أن يفيد عشرين دينارًا ثم بعد ستة أشهر أفاد عشرين دينارًا أخرى، فإذا تم حول الأولى فإنه يزكيها، فإن تم حول الثانية زكاها، ويزكي كل مال على حوله هكذا حتى يرجع المالان إلى ما دون النصاب على الضم والجمع.
فإن اتجر في الفائدتين، أو في إحداهما حتى صار نصابًا: فإنه يزكي
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
كل مال على حوله أيضًا [كما كان يزكيه أول مرة] (١)؛ والحول فيهما من يوم كمل نصابهما.
فإن اتجر في إحدى الفائدتين: فلا يخلو من أن يكون اعتبر في الأولى أو الثانية.
فإن اتجر في الأولى وكمل فيها النصاب قبل الحول الذي زكى فيه الفائدة الثانية؛ مثل أن يكون حول الأولى رمضان، وحول الثانية في المحرم، واتجر في الأولى وصارت نصابًا في ذي الحجة: فإنه يزكي كل [مال] (٢) على حوله كما كان يزكيه أول مرة.
فإن اتجر في الفائدة الثانية التي حولها في المحرم، فربح فيها فصارت نصابًا في ربيع الأولى، هل يضم ما بقى من الفائدة الأولى إلى الثانية، فيزكيها على حول واحد أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه يضم ما بقى من الأولى إلى الثانية، وهو قول ابن القاسم (٣) [بأنه إن كان أنقص في الفوائد الأولى، فكيف تزكى مثل أن يحول الحول على الفائدة الثانية التي بها تزكى الأولى وهو أظهر] (٤).
والثاني: أنه يزكي كل مال على حوله، وهو قول أشهب.
والتوجيه كما تقدم.
والجواب عن الوجه الثالث:
وهو أن يكون أحدهما نصابًا، والآخر دون النصاب: فإن كان
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة ليست بالأصل.
(٣) انظر: المدونة (٢/ ٢٦١).
(٤) سقط من أ، جـ.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
[الأول] (١) نصابًا، والثاني دون النصاب: فالمذهب على أن كل واحد يزكي [على حوله] (٢)، ولا يضم أحد المالين إلى الآخر.
فإن كان الثاني نصابًا، والأول دون النصاب؛ مثل أن يفيد عشرة، فأقامت عنده ستة أشهر، ثم أفاد عشرين، هل يضم الأولى إلى الأخرى أم لا؟
[فالمذهب] (٣) على ثلاثة أقوال:
أحدها: [أنه] (٤) يضم الفائدة الأولى إلى الآخرة.
وهو مذهب ابن القاسم في "المدونة"، وهو المشهور.
والثاني: أنه يزكي كل فائدة على حولها، وهو قول أشهب.
والثالث: أنه يزكي العشرين ثم يضمها إلى العشرة الأولى [وتزكى] (٥) فيما بعد ذلك على حولها.
وهو قول محمَّد بن مسلمة.
ووجه قول ابن القاسم: لو زكيت العشرة الأولى على حولها لأدى ذلك إلى وجوب الزكاة فيما دون النصاب إذا لم يجمعهما مع المال الثاني حول، والحمد لله وحده.
_________________
(١) في الأصل: الأولى.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في الأصل: وركبت.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
المسألة الثانية عشر في زكاة مال القراض (١)
ولا يخلو مال القراض من أحد وجهين:
أحدهما: أن يشغله العامل فيما وجبت عليه فيه الزكاة.
والثاني: أن يشغله فيما لا تجب الزكاة في عينه.
فإن أشغله فيما تجب عليه فيه الزكاة: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون مما تجب عليه الزكاة في عينه وعدده؛ كالأنعام والزرع.
والثاني: أن يكون مما تجب عليه فيه الزكاة لأجل عينه، لا لأجل عدده؛ كالرقيق.
[فأما] إن كان مما تجب عليه الزكاة في عينه وعدده كالأنعام، مثل أن يشتري [به] (٢) نصابًا من الماشية أو الزرع، هل تزكى على رب المال أم لا؟
فلا يخلو من أن يكون في المال ربح أم لا.
فإن لم يكن في المال ربح: فلا خلاف أنها على ملك رب المال.
وإن كان من المال ربح: فالمذهب علي ثلاثة أقوال:
أحدها: [أنها تزكى] (٣) على ملك رب المال، وهو نص
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٢٧٧، ٢٧٨).
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: أنه يزكي.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
"المدونة" (١).
والثاني: أن الزكاة تلغي من المالين كالنفقة، وهو ظاهر المدونة أيضًا؛ لأنه شيء وجب [عليه] (٢) في المال المشترك بينهما، فينبغي أن يلغي مثل النفقة، وهو قول مالك في "مختصر ابن عبد الحكم".
والثالث: أن الزكاة تفض، ويكون [على العامل] (٣) منهما بقدر ربحه من جميع المال.
وهو قول أشهب في زكاة الفطر عن عبيد القراض.
وسبب الخلاف: اختلافهم في العامل، هل هو شريك أو أجير؟
فمن جعله كالشريك: فقال إن الزكاة تفض عليهما.
ومن جعله أجيرًا: قال: الزكاة على رب المال وحده.
وعلى القول بأن الزكاة على رب المال في المال، هل يخرجها من رأس [مال] (٤) القراض، أو من عنده؟
وظاهر "المدونة": أن الشاة المأخوذة من [مال] (٥) القراض تؤخذ من عينها، [ويوضع] (٦) مقدار قيمتها من مال القراض، ويكون ما بقى هو رأس المال.
وقد اعترض هذا السؤال بأن رب المال إن أخرج الشاة الواجبة عليه من
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٢٧٧).
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: للعامل.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: ماشية.
(٦) في أ: ويؤخذ.
[ ٢ / ٢٥١ ]
غير غنم القراض ويكون ذلك استرجاع [بعض] (١) مال القراض بعد اشتغاله في السلع، وذلك لا يجوز لرب المال أن يفعله إلا برضى العامل، وان أخرجها من عنده دون مال القراض، فذلك يؤدى إلى الزيادة في مال القراض بعد اشتغال الأول بشرط الخلط، وذلك لا يجوز.
وانفصل بعض أصحاب المذهب عن هذا الاعتراض قائلًا: إنه منع رب المال من استرجاع بعض [رأس] (٢) المال إذا كان استرجعه إلى ملكه، وأما في هذا السؤال، فإنه لم يسترجع إلى ملكه شيئًا، وأن هذا الجزء مستحق، فوجب صرفه لمستحقه كسائر الاستحقاقات.
[وهذا] (٣) الذي قاله لا يظهر؛ لأن الاستحقاق إنما يقع في الأعيان المعينة، والزكاة لم تتعين في [عين] (٤) هذا المال، ولابد لجواز أن يدفع [الواجب] (٥) من غيره، ويبقى هذا المال وافرًا؛ فدل ذلك والحالة هذه على [أن ذلك لا] (٦) يجري مجرى الاستحقاق، والله أعلم.
فإن كان مما تجب عليه فيه الزكاة لأجل عينه، لا لعدده؛ كالرقيق يشتريهم العامل بمال القراض، فجاء يوم الفطر، وهم عنده قبل أن يبيعهم، فعلى من تكون زكاة الفطر؟
واختلف [فيها] (٧) المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الزكاة على رب المال في ماله خاصة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في الأصل: هو.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: الواجبة.
(٦) في أ: ألا.
(٧) في أ: فيه.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنهم إذا بيعوا بربح، فالزكاة على العامل، ورب المال على قدر ما يكون الربح من جميع المال.
وهو قول أشهب في "الكتاب".
[والثالث] (١): أن الزكاة كالنفقة، وتسقط من الوسط، ويكون ما فضل من رأس المال بينهما نصفين، وهو قول محمَّد بن مسلمة.
وسبب الخلاف: ما تقدم في فصل الماشية.
[والجواب عن] (٢) الوجه الثاني:
إذا شغله فيما لا تجب الزكاة في عينه؛ كالعروض: فالكلام في هذا الوجه في أربعة فصول:
الفصل الأول: إذا اشترط أحد المتقارضين زكاة الربح على الآخر.
والثاني: في الربح هل يزكي على ملك العامل، أو على ملك رب المال.
والثالث: في معرفة ما تجب فيه الزكاة على العامل في حظه من الربح.
والرابع: في معرفة وجوب إخراجها.
فالجواب عن الفصل الأول:
إذا اشترط أحدهما زكاة الربح على صاحبه بعد الاتفاق: أنه لا يجوز لرب المال أن يشترط زكاة رأس المال على العامل؛ لأن ذلك غرر، وخطر وهو من أكل المال بالباطل.
_________________
(١) في الأصل: الثاني.
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وأما زكاة الربح: فقد اختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يجوز، سواء اشترط ذلك العامل على رب المال، أو رب المال على العامل.
وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه لا يجوز أن يشترطه واحد منهما على صاحبه، وهو قول مالك في أصل "الأسدية"، وهو ثابت في بعض نسخ "المدونة".
والثالث: أنه يجوز لرب المال أن يشترط على العامل ذلك، ولا يجوز للعامل أن يشترطها على رب المال.
وهو قول مالك في رواية أشهب عنه في "العتبية" في زكاة ثمر [حائط المساقاة ولا فرق بين القراض والمساقاة] (١).
وفيها [يتخرج في المذهب] (٢) قول رابع على عكس القول الثالث.
وسبب الخلاف في القولين المتقابلين: اعتبار الحال والمآل.
فمن اعتبر الحال: قال بالإجزاء؛ لأن ذلك يرجع إلى جزء مسمى؛ لأن المشترط عليه أن يخرج الزكاة من حصته دخل على أن يأخذ من الربح أربعة أجزاء وثلاثة أرباع الجزء مثلًا، عاملًا كان أو رب المال.
ومن اعتبر المآل قال: لا يجوز ذلك لتعاظم الغرر، وتفاقم الخطر، وقد تجب أو لا تجب، وإن وجبت فقد يتفاصلان قبل حلول الحول، وقد يتفاصلان بعده، فإذا كان كذلك كان المنع أولى.
وأما القولان المتقابلان على نعت التفصيل، فتوجيههما يرجع إلى هذا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
الأصل الذي قدمناه، فلا نطول بتوجيه ما ظهر توجيهه من الأقوال.
فعلى القول بأنه يجوز اشتراط أحدهما الزكاة على الآخر، فإذا لم تجب الزكاة في المال، أو اقتسما قبل الحلول، هل يتم للذي اشترط شرطه، ويفوز بذلك الجزء أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يقتسما ما ظهر لهما من الربح نصفين، ولا يختص الذي اشترط [الزكاة] (١) على صاحبه بشيء دون الآخر.
ووجهه: أن ذلك الجزء إنما اشترط للمساكين، فإذا لم يتعين [عندهما] (٢) للمساكين، كان الربح بينهما أنصافًا إن كان قراضهما على النصف، أو على قدر ما اتفقا عليه من الأجزاء.
وهذا القول أظهر الأقوال.
والثاني: الجزء المشترط للزكاة يكون للذي اشترطها على الآخر، ثم يقتسمان ما بقى إخراجه بينهما نصفين.
ووجهه: أن الذي اشترطت عليه الزكاة، إنما دخل على إخراج جزء الزكاة، ولا حظ له فيه، ولا عليه ممن أخذه من المساكين، أو غيره.
وهو أضعف الأقوال.
والثالث: أنهما يقتسمان الربح نصفين مثلًا، ثم يؤخذ سهم الزكاة من حظه، ويأخذه صاحبه فيضيفه إلى ما أخذ من الربح.
ووجهه: أن الذي دخل عند [عقد] (٣) القراض على أن يأخذ جزءًا
_________________
(١) في جـ: الربح.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
معلومًا ثم [يسترد] (١) منه ربع عشر ما اقتسماه من الربح -قَلَّ أو كثر-.
وهذا القول دون الأول في الظهور، وأظهر من الثاني، والله أعلم.
والجواب عن الفصل الثاني:
في الربح، هل هو مزكى على ملك رب المال جميعًا، أو حصة العالم تزكى على ماله؟
أما حصة رب المال من الربح مع رأس ماله فلا خلاف في المذهب أنها مزكاة على ملك رب المال.
[واختلف في حصة العامل من الربح هل تزكى على ملكه، أو على ملك رب المال؛ فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يتفاصلا بعد تمام الحول.
والثاني: أن يتفاصلا قبل تمامه.
فإن تفاصلا بعد تمام الحول: فاختلف فيه في المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه مزكى على ملك رب المال، دون الاعتبار بملك العامل.
وهي رواية أشهب عن مالك، وهو مذهب سحنون.
والثاني: أنه مزكى على مالك العامل دون الاعتبار بملك رب المال، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" على ما سنبينه إن شاء الله.
والثالث: أنه مزكى على ملكهما جميعًا، وهو ظاهر "المدونة" على ما أصف.
فعلى القول بأن جميع المال مزكى على ملك رب المال، فإنه تعتبر فيه
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
الشروط المعتبرة في أصل الوجوب؛ وهي الإِسلام، والحرية، وعدم الدَّين، والنصاب، والحول.
والجواب عن الفصل الثالث في معرفة ما تجب فيه الزكاة: على العامل في حظه من الربح على القول بأنه مزكى على ملكه:
فهي خمسة شروط؛ ثلاثة متفق عليها، واثنان مختلف فيهما.
فأما الثلاثة المتفق عليها؛ وهو أن يكونا جميعًا حُرَّيْن، وأن يكونا مسلمين، وأن لا يكون على واحد منهما دين.
وأما الاثنان المختلف فيهما: فإنه لم يختلف في اشتراطهما على الجملة، وإنما الخلاف في وجوه اعتبارهما؛ وهما النصاب، والحول.
وأما النصاب: ففيه في المذهب ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يعتبر في رأس المال، وحصة رب المال من الربح خاصة، فإن كان في ذلك ما تجب فيه الزكاة: وجبت الزكاة على العامل في حظه من الربح، وإلا فلا.
وهو قول ابن القاسم [في المدونة] (١) وهو المشهور من مذهبه.
والثاني: أنه يعتبر النصاب في رأس المال وجميع الربح؛ فإن كان [في] (٢) ذلك ما تجب فيه الزكاة وجبت على العامل في [حظه] (٣)، وإلا فلا.
وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في "العتبية".
والثالث: أنه يعتبر النصاب في رأس مال رب المال [وحصته من
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: حصته.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
الربح] (١) وفي [حظ] (٢) العامل من الربح؛ فإن كان في حظ كل واحد منهما ما تجب فيه الزكاة [وجبت الزكاة] (٣) على العامل في حظه، وإلا فلا.
وأما الحول: فلابن القاسم في وجه اعتباره قولان:
أحدهما: أنه يعتبر في رأس مال رب المال، وحصته من الربح دون الاعتبار [بحظ] (٤) العامل.
والثاني: أنه يعتبر في رأس مال رب المال وحصته من الربح وفي حظ العامل؛ فلا تجب الزكاة في حظه من الربح حتى يحول الحول على المال الذي بيده من يوم أخذه؛ لأنه إذا حال الحول على المال بيد العامل فقد حال على رب المال.
وهذا قوله في " [كتاب] (٥) الزكاة الأول" من "المدونة"، والذي [تأول على] (٦) ابن القاسم على هذا أن يعتبر النصاب في رأس مال رب المال، وحصته من الربح مع مال [هو له] (٧) إن كان له إفادة قبله أو معه معًا، وهذا لا يوجد له [ولا يعرف] (٨) من مذهبه، [ويلزمه أن يعتبر النصاب في حصة العامل من الربح مع مال سواه إن كان [ماله] (٩) قد
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: حصة.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: حصته.
(٥) في الأصل: باب.
(٦) في أ: يلزم.
(٧) في ب: لقوله.
(٨) سقط من أ.
(٩) في الأصل: له.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
حال عليه الحول، وهذا أيضًا لا يوجد لابن القاسم، ولا يعرف من مذهبه] (١)، فلو قال بهذين الوجهين باعتبار النصاب في وجوب الزكاة على العامل في حظه من الربح لاستقام مذهبه، على أن ربح القراض مزكى على ملكهما جميعًا، [ولكنه] (٢) اضطرب مذهبه كما ترى، وربك أعلم.
وسبب الخلاف: اختلافهم في العامل هل هو أجير، أو شريك؟
وللخلاف سبب آخر: الربح متى يملكه العامل، هل يملكه بالظهور، أو إنما يملكه بالنضوض والمفاصلة؟
وأما الوجه الثاني من الفصل الثاني: وهو إذا تفاصلا قبل تمام الحول فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يتفاصلا في رأس المال والربح، أو يتفاصلا في رأس المال ويبقى الربح، أو يتفاصلا في بعض رأس المال، ويبقى البعض إلى تمام الحول، فإن تفاصلا في رأس المال والربح قبل تمام الحول: فقد تقدم فيه البيان.
وإن تفاصلا في رأس المال قبل تمام الحول، وبقى الربح في سلعة فباعها العامل بعد الحول، فصار للعامل في حظه من الربح عشرون دينارًا، هل يزكي أو يستأنف الحول؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يستقبل الحول، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
ووجهه: أن الربح قد صار للعامل بالمحاسبة والمفاصلة في رأس المال
_________________
(١) سقط من جـ.
(٢) في أ: ولكن.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
قبل تمام الحول.
والثاني: أن العامل يزكي حينئذ، وهذا القول في "المجموعة".
وسببه: أنه قد بقى عليه عمل من سبب القراض، وهو البيع؛ إذ عليه أن يبيع لرب المال حتى ينض جميع المال، ولا يستحق العامل نصيبه [من الربح] (١) إلا بذلك.
وأما إن تفاصلا في بعض رأس المال، ويبقى البعض؛ مثل أن يكون رأس مال القراض مائة، فقبض منه تسعين، ثم باع ما بقى من متاع مال القراض بعد تمام الحول بثلاثين دينارًا؛ عشرة منها تمام المائة، وعشرون فائدة بينهما: فلا خلاف في هذا الوجه أن العامل يزكي؛ لأن الزكاة وجبت على رب المال في رأس المال وحصته من الربح إذا قدر أن رأس المال تلك العشرة الباقية.
فلو بقى في يديه من المائة خمسة دنانير مثلًا، ثم باع بخمسة وعشرين دينارًا بعد تمام الحول، هل يزكي العامل ما أخذ من الربح أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا زكاة عليه حتى يكون فيما بقى لرب المال [ومن رأس المال] (٢)، وحصته من الربح ما تجب فيه الزكاة من غير اعتبار بما قبض من رأس المال قبل تمام الحول [بلا فرق بين] (٣) أن يكون بقى في يديه، أو استنفقه، وهو قول ابن القاسم، وهو المشهور.
والثاني: أنه ينظر إلى ما قبضه رب المال [من رأس ماله] (٤) أولًا،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
فإن بقى في يديه حتى يضيف إليه ما قبض بعد ذلك من بقية رأس المال وحصته من الربح: فإن العامل يزكي ما صح له من الربح.
وهو تأويل ابن المواز على ابن القاسم.
وسبب الخلاف: هل النظر ابتداءً إلى المفاضلة في أصل القراض فيحمل عليه ما كان آخرًا، أو النظر إلى ما وقع عليه الانفصال آخرًا، ويعد كأنه جميع رأس المال.
والجواب عن الفصل الرابع:
في معرفة وجوه إخراجها، وذلك يفتقر إلى تفصيل وتقسيم؛ إذ لا يخلو العامل من أن يكون غائبًا عن صاحب المال لا يعلم حال ما في يديه [من المال] (١) أو كان حاضرًا معه يعلم حال ما في يديه من مال القراض.
فإن كان عنه غائبًا: فلا خلاف في المذهب أنه لا زكاة على رب المال فيما بيد العامل من المال حتى يرجع إليه ويعلم أمره، فإن رجع إليه بعد أعوام زكاه لما مضى من السنين، على ما سنبينه [تفصيلًا وتحصيلًا] (٢) إن شاء الله من حكم المدير، وغير المدير.
وأما إن كان حاضرًا معه، وهو يعلم حال ما في يديه: فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكونا جميعًا مديرين.
والثاني: أن يكون رب المال مديرًا، والعامل غير مدير.
والثالث: أن يكون العامل مديرًا، ورب المال غير مدير.
والرابع: أن يكونا جميعًا غير مديرين.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٦١ ]
فأما الحال الأول: إذا كانا جميعًا مديرين، أو كان رب المال غير مدير، والعامل مديرًا -وهي الحالة الثالثة- والذي بيده الأقل، أو الأكثر على قول من يقول من أهل المذهب أن [المال] (١) إذا كان يدار بأحدهما: فإنه يزكي المدار على سنة الإدارة كان الأقل أو الأكثر.
أو كان رب المال مديرًا والعامل غير مدير -وهي الحالة الثانية- والذي بيده من مال الإدارة أو من غير مال الإدارة، وهو الأقل: فلا زكاة عليه حتى ينض المال وينفصلان، وإن أقام المال بيده أحوالًا، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب القراض" من "المدونة"، ورواه [أبو] (٢) زيد بن أبي الغمر عن ابن القاسم في كتاب القراض في "ثمانيته"، وفي "واضحة ابن حبيب" [مثله] (٣).
فإذا رجع إليه مال بعد أعوام: زكى قيمة ما بيده من المتاع لما مضى.
فإن كان قيمة ما بيده أول سنة: مائة، وفي الثانية: مائتان، وفي الثالثة: ثلاثمائة: زكى للسنة الأولى: مائة، وللثانية: مائتين، وللسنة الثالثة: ثلاثمائة، إلا ما نَقصَتْه الزكاة كل عام [وهذا نص المدونة] (٤).
واختلف إن كانت قيمة ما بيده أول سنة ثلاثمائة، وفي الثانية مائتين، وفي الثالثة مائة، على قولين:
أحدهما: أنه يزكي لكل سنة ما كان بيده، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب القراض" (٥) [إذ قال] (٦) يزكي ما بيده لما
_________________
(١) في أ: المالين.
(٢) في أ: ابن.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر المدونة (٢/ ٢٧٧).
(٦) في أ: إذا كان.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
مضى [ولم يفرق.
والثاني: أن يزكي مائة لما مضى] (١)، وهو ظاهر قول عبد الملك في "الواضحة" في مال الغائب [عن صاحبه] (٢) إذا تلف بعد أعوام أنه لا زكاة عليه [فيه] (٣)، وهو ظاهر المدونة أيضًا؛ إذ لا فائدة لتأخير الزكاة إلى حين المفاصلة مع حضور المال إلا لمخافة النقصان.
فأما الحالة الرابعة: إذا كانا غير مديرين، أو كان العامل غير مدير، والذي في يديه الأكثر: فلا زكاة على رب المال فيما [بيد العامل] (٤) من مال [القراض] (٥) حتى يرجع إليه، فإن رجع إليه بعد أعوام: زكاه لعام واحد إذا كان في سلع، وهو ظاهر قول عيسى بن دينار في "العتبية".
وأما إن كان رب المال مديرًا، والعامل غير مدير والذي بيده الأقل: فإن رب المال يقوّم كل سنة ما بيد العامل، فيزكيه من ماله لا من مال القراض.
فهل يزكي رأس المال وجميع الربح، أو يزكي عن رأس المال، وحصته من الربح خاصة؟ [فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يزكي عن الجميع، وهو قول ابن حبيب في الواضحة.
والثاني: أنه يزكي عن رأس المال، وحصته من الربح خاصة] (٦)، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم.
وكذلك إن كان الذي بيد العامل الأكثر على تأويل ابن لبابة على ما في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: بيده.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
المدونة من أن المالين إذا كان يدار أحدهما: فإنهما يزكيان جميعًا على [سنة] (١) الإدارة، والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
المسألة الثالثة عشر فيما يؤخذ من تجار المشركين إذا اتجروا في بلاد المسلمين
ولا يخلو من تجار المشركين من أن يكونوا أهل ذمة، أو أهل حرب.
فإن كانوا أهل ذمة: فلا يخلو من أن يتجروا في بلادهم التي أدوا الجزية عنها، أو خرجوا عنها بالتجارة إلى غيرها من بلاد المسلمين.
فإن اتجروا في بلادهم التي أدوا الجزية عنها: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب أنه لا يؤخذ منهم غير الجزية؛ لأنهم دفعوها جزاءً على [ما أمنوا] (١) في بلادهم بحيث لا يطول عليهم عدو ولا يركبوا بظلم، ولو اتجروا من أعلاها إلى أسفلها ومن أسفلها إلى أعلاها.
فإن خرجوا بالتجارة إلى غيرها من بلاد المسلمين: فلا يخلو متجرهم من أن يكون في منافع [الأعيان] (٢) أو في أعيانها.
فإن كان في المنافع؛ مثل أن يكرى ذمي دوابه للحمل، فهل يؤخذ منه العشر أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يؤخذ منه عُشر الكراء كسلعة باعها جملة من غير تفصيل، وهو قول ابن نافع.
والثاني: أنه لا شيء عليه جملة من غير تفصيل، وهو قول أشهب.
ووجهه: أن ذلك [غلة] (٣) وليس كسلعة باعها.
_________________
(١) في ب: أمنهم.
(٢) في أ: الأموال.
(٣) في ب: مظلمة عليه.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
والثالث: التفصيل بين أن يكون عقد الكراء من بلاده إلى بلاد المسلمين [فلا شيء] (١)، أو عقده من بلاد المسلمين إلى بلاده.
فإن عقد الكراء من بلاده إلى بلاد المسلمين: فلا شيء عليه.
وإن عقده من بلاد المسلمين إلى بلاده: فعليه العُشر، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
وسبب الخلاف: هل النظر إلى موضع العقد، أو إلى موضع الاستيفاء؟
فمن نظر إلى موضع العقد، قال: لا شيء عليه إن كان العقد في بلادهم، وهو الأضعف.
ومن نظر إلى موضع الاستيفاء قال: يؤخذ منه العُشر إذا عقد الكراء في بلاده واستوفاه في بلاد المسلمين؛ لأن به تتم المنفعة كسلعة باعها، وهو الأقوى.
فإن كان متجرهم في أعيان أموالهم، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقدموا بالعين ليشتروا [به] (٢) التجارة.
والثاني: أن يقدموا بالعين ليضربوا منها دنانير، أو دراهم، أو بغَزْل ينسجون منه ثيابًا.
والثالث: أن يجلبوا متاعًا، أو عروضًا، أو طعامًا للبيع.
فأما الوجه الأول: إذا قدموا بالعين ليشتروا به التجارة: فلا شيء عليهم حتى يشتروا، فيؤخذ منهم عُشر تلك السلع التي اشتروها، ولا يؤخذ منهم في عُشر السلع دراهم؛ لأنا لو أخذنا الدراهم فكأنا قد بعنا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
منهم عُشر السلع التي وجبت للمسلمين، [فكان] (١) يجب عليهم فيه العُشر أيضًا، وذلك يؤدي إلى التسلسل، وما يتسلسل فلا يتحصل.
فلو استحق ما اشتراه الذمي أو رده بالعيب بعد ما أخذ منه العُشر:
أما الاستحقاق: فلا خلاف أن العُشر مردود عليه.
وأما الرَّد بالعيب: فيتخرج على قولين [قائمين] (٢) من "المدونة" (٣):
أحدهما: أنه يرد عليه العُشر كالاستحقاق.
والثاني: أنه لا يُرَد [عليه] (٤) ويكون للمسلمين.
وسبب الخلاف: الرَّد بالعيب هل هو نقص بيع، أو ابتداء بيع؟
فمن رأى أن الرَّد نقص بيع، قال: يرد عليه العشر، وهو نص قول أشهب في "كتاب الاستبراء" من "المدونة".
ومن رأى أن الرد بالعيب بيع مبتدأ قال: لا يرد عليه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب" المذكور فيمن اشترى أمة ومثلها يتواضع ثم ردها بالعيب؛ قال ابن القاسم: إن عهدة المواضعة على المشتري.
وهذا بناء منه على أن الرد بالعيب بيع مبتدأ.
وأما الوجه الثاني: إذا قدموا بالنقد ليضربوا منها دنانير أو دراهم، أو بالغزل لينسجوه، فإن باشروا ذلك بأيديهم: فلا شيء عليهم.
وإن استأجروا من يضرب لهم النقد وحائكًا للغزل: فإنه يؤخذ منهم عشر الأجرة؛ لأن الصنعة كسلعة اشتروها.
_________________
(١) في ب: فصار.
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: المدونة (٢/ ٢٨٢).
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
والوجه الثالث: إذا جلبوا سلعًا للبيع: فلا يخلو ما جلبوه من أن يكون طعامًا أو غيره.
فإن كان طعامًا كالحنطة والزيت فلا يخلو الجلب من أن يكون إلى أحد الحرمين -مكة أو المدينة- أو إلى غيرهما من بلدان الإِسلام.
فإن كان إلى مكة أو المدينة، فهل يؤخذ منهم العشر أو نصف العشر؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يؤخذ منهم نصف العشر، وهو المشهور في النقل.
والثاني: أنه يؤخذ منهم العشر كاملًا، وهي رواية عن مالك [أيضًا] (١).
وسبب الخلاف: اختلافهم في العلة التي لأجلها قبل عمر نصف العشر من أقباط الشام في الحنطة والزيت، هل هي باقية إلى يوم القيامة، أو زالت لاتساع الإِسلام وعمومه، وأن الله تعالى [قد] (٢) أغنانا بالمسلمين عن الكفار؟
والذي ظهر لي -والله أعلم- أن ذلك مثل سهم المؤلفة قلوبهم في الصدقات، وأن ذلك يرجع إلى اجتهاد الإِمام، فإن دعت الحاجة إلى مثل ما فعل عمر ﵁ فعل، وإلا فلا.
فإن جلبوه إلى غير أحد الحرمين من سائر بلدان الإِسلام: فلا خلاف في المذهب أنه لا يؤخذ منهم إلا العشر على الوفاء، وكذلك [إن حملوا] (٣) سائر أنواع المتاجر سوى الحنطة والزيت إلى أحد الحرمين.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: حمل.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
والفرق بين أحد الحرمين، وسائر البلدان في الطعام والزيت: [أن الطعام والزيت] (١) أصل القوت، وهو مما تدعو الضرورة إليه بخلاف ما عداه من سائر المتاجر لحاجة الناس إلى الطعام في تلك المواضع؛ لقلة وجوده فيها، وكثرة وجوده في سائر المواضع؛ فمن أجل ذلك خفف عمر ﵁ ليكثر الحمل إلى المدينة ومكة -شرفهما الله تعالى.
فإن ادعى الذمي أن عليه دينًا: فقال أشهب: لا يقبل قوله إلا ببينة، غير أنه فرق بين أن يكون الدين لمسلم، أو لنصراني.
فإن كان لمسلم: لم يؤخذ منه شيء إذا كان الدين قد أحاط بماله.
وإن كان الذمي: فيؤخذ منه العشر.
قال الشيخ أبو إسحاق التونسي: إذا كان الدين لمسلم ما الذي يمنع أن يؤخذ منه العشر والمال على ملك الذمي يتعلق بذمته ليس بمتعلق بعين هذا المال الذي بيده.
والذي قاله صحيح ﵁؛ لأن العشر الذي يؤخذ من تجار أهل الذمة لا يشبه الزكاة في شيء من الأشياء، ولا في وجه من الوجوه، وكذلك لا يعتبر فيه النصاب، ولا حول، ولا حر، ولا عبد؛ بل يؤخذ من العبيد كما يؤخذ من سادتهم، فإذا أخذ منهم [العشر] (٢) عند بيعهم وابتياعهم فلا يؤخذ منهم غير ذلك [وإن أقام يبيع ويشتري] (٣) سنين حتى يرجع إلى بلاده، فإن رجع [من] (٤) بلاده مرة أخرى: فإنه يؤخذ منه العشر كلما كرر الرجوع إلينا، ولو كان [مائة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: لبيع ولا لشراء.
(٤) في أ، ب: إلى غير.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
ألف] (١) مرة؛ لأن العشر المأخوذ منهم بدل من الانتفاع الذي حصل [لهم] (٢) ببلاد المسلمين؛ ولهذا إذا أراد الرجوع بسلعته إلى بلاده [ولم يرد البيع] (٣)، فإنه يُمَكَّن، ولا يتعرض له، ولا يؤخذ منه شيء لعدم الانتفاع بخلاف الحربي على ما سنبينه في الوجه الثاني إن شاء الله تعالى، وهذا هو مشهور المذهب.
وذهب ابن حبيب إلى أنه يؤخذ منهم العشر كلما باعوا -ربحوا أو خسروا.
وكذلك لو باع أو اشترى في بلد غير بلده [من بلاد] (٤) المسلمين، ثم خرج إلى بلد آخر غير ذلك البلد، فباع أو اشترى، فإنه يؤخذ منه العشر بخلاف الحربي أيضًا؛ لأن الذمي غير ممنوع من التصرف في بلاد الإِسلام؛ على معنى الجَوَلَان، فإن أراد التصرف فيها بالتجارة كان العُشر عليه مهما انتفع وحصلت له المنفعة؛ لأنه مهما جال، ودار البلاد بتجارة حصلت له المنفعة بزيادة الأسواق؛ لأن الأسواق تختلف باختلاف البلدان؛ ولهذا يؤدي الذمي في كل بلد دخلها من بلاد المسلمين إذا باع فيها أو اشترى.
والحربي ممنوع من دخول بلاد الإِسلام إلا بعهد، فإذا دخل بعهد فلا يؤخذ منه إلا مرة واحدة، ولو جال البلاد؛ لأنه على الدخول عارض ما لم يرجع إلى بلده، ويصل مأمنه؛ فإن كانوا من أهل الحرب فإنهم يمنعون من الدخول إلا بعهد.
_________________
(١) في أ: ألف مائة.
(٢) في أ: له.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
واختلف في المقدار الذي يؤخذ منهم إذا دخلوا تجارًا على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يؤخذ منهم ما [صولحوا] (١) عليه -قلَّ أو كثر.
وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٢).
والثاني: أنه لا يؤخذ منهم إلا العشر كأهل الذمة سواء، وهي رواية علي بن زياد عن مالك في "المدونة" أيضًا.
والثالث: التفصيل بين من كان معروفًا بالنزول قبل ذلك على العشر، وبين من لم يتقدم منه النزول قبل ذلك.
فإن كان ممن تقدم له النزول على العشر: حمل على ما اعتاد، ولا يزاد عليه.
وإن كان ممن لم يتقدم له النزول: فإنه يؤخذ منهم ما [صولحوا] (٣) عليه -قل أو كثر- وهو قول أصبغ في "كتاب ابن المواز" (٤).
وسبب الخلاف: معارضة القياس لفعل الصحابي؛ وذلك أن الذي يقتضيه القياس ألَّا تحديد فيما يؤخذ من تجار المشركين إذا اتجروا في بلاد المسلمين -كانوا من أهل الذمة أو من أهل الحرب- لعدم الأثر في ذلك عن النبي - ﷺ - إلا عمر بن الخطاب ﵁ أخذ العشر أو نصف العشر من تجار أهل الذمة بمحضر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولم يكن منهم مُنْكِر لفعله ﵁، وأن القياس يقتضي نفي التقدير في حد ما يؤخذ منهم، وأن ذلك موكول إلى اجتهاد الإِمام؛ لأن ما طريقه التقدير يفتقر إلى دليل قاطع من جهة الشارع، ولا دليل إلا لفعل عمر
_________________
(١) في أ: صالحوا.
(٢) انظر: المدونة (٢/ ٢٨١).
(٣) في أ: صالحوا.
(٤) انظر: النوادر (٢/ ٢٠٩).
[ ٢ / ٢٧١ ]
﵁.
وللعلماء مجال رحب وبحر صخب في قول الصحابي وفعله، هل يكون حجة ودليلًا أم لا على ما هو مشهور في مذاهب الأصوليين (١).
فإذا بنينا على القول بأن فعل الصحابي حجة، هل يجوز قياس الحربيين على أهل الذمة أم لا؟
وجواز القياس أليق، وإلحاق المسكوت [عنه] (٢) بالمنطوق به أحق كما قال علي بن زياد؛ لأن العلة شاملة للجنسين وموجودة في الفريقين؛ وهو الانتفاع في بلاد المسلمين.
وفائدة الخلاف وثمرته: أنه إذا صالحناهم على دنانير أو دراهم لم يحل بينهم وبين رقيقهم وأمتعتهم، وإن نزلوا على العشر حيل بينهم وبين [وطء] (٣) الإماء حتى يبيعوا؛ لأنا شاركناهم بالعشر الذي وجب لنا عليهم بالدخول؛ لأنهم لو راموا الرجوع بسلعهم إلى بلادهم من غير بيع ولا شراء: فلابد من أخذ العشر منهم أو ما صالحوا عليه بخلاف أهل الذمة في هذا الوجه، والفرق بينهما ما قدمناه من أن أهل الذمة غير ممنوعين من التجول في بلاد المسلمين بغير تجارة، فإذا اتجروا فقد انتفعوا، وأهل الحرب ممنوعون من بلاد المسلمين [والحلول] (٤) [بسواحلنا] (٥)، فإذا عوهدوا على شيء معلوم يؤخذ منهم من الانتفاع بدخولهم عندنا: فذلك الانتفاع يحصل [لهم] (٦) بنفس الدخول -باعوا أم لا- لأن البيع إلى اختيارهم،
_________________
(١) والراجح إذا قال الصحابي رأيًا ولم يرجع عنه، ولم يخالف فيه قول صحابي آخر ولم ينتشر، فإن هذا القول حجة مطلقًا أي: سواء وافق القياس أو لا.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في جـ: والتجول.
(٥) في أ: بساحلنا.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وما كان موكل إلى اختيارهم فلا يسقط الحق الواجب عليهم للمسلمين، وهذا قول ابن القاسم عن مالك، وبه قال سحنون في "كتاب ابنه" (١).
وفي [المذهب] (٢) قول ثان: أنه لا يؤخذ منهم شيء إذا لم يبيعوا ورجعوا بسلعهم، وهو قول أشهب وابن نافع، وابن عبدوس -من أصحاب [سحنون] (٣) ﵁ (٤).
وسبب الخلاف: [اختلافهم] (٥) في المنفعة المعتبرة، هل هي نفس الحصول ببلاد الإِسلام، أو بأمر زائد عليه؛ وهو البيع والابتياع؟.
وإذا باعوا أو اشتروا أو أخذ منهم ما [صولحوا عليه] (٦) فخرجوا إلى بلاد أخر من بلاد الإِسلام: فلا يؤخذ منهم شيء ما داموا في تجرهم حتى يرجعوا إلى بلادهم ويصلوا [إلى] (٧) مأمنهم، فعند ذلك يخرجون من العهد، [فمن] (٨) أخذ منهم بعد ذلك فهو فيء ولا رجوع لهم إلى بلاد الإِسلام إلا بعهد جديد.
واختلفوا هل يتركون ويدورون في سواحل المسلمين أو يخرجون إلى الأرياف لبيع أو شراء، أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنهم لا يتركون في البلاد يدورون، ولا يتعدون الموضع
_________________
(١) انظر: النوادر (٢/ ٢١٠).
(٢) في أ: المدونة.
(٣) في ب: مالك.
(٤) انظر: النوادر (٢/ ٢١٠).
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: صالحوا.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٧٣ ]
الذي نزلوا فيه؛ لأن ذلك عورة وتفتيش لموضع [الغرة] (١) ينبغي أن لا ينزلوا إلا بموضع تؤمن غرتهم فيه، غير أن لهم الأمان في أنفسهم وأموالهم في بلاد الإِسلام أجمع حتى يفارقوا دار الإِسلام كلها، وهو قول أصبغ في "كتاب ابن المواز" (٢).
والثاني: أنهم لا يمنعون من التصرف، وأنهم يخرجون حيث شاءوا، وهو قول أشهب، والقول الأول أظهر [فى النظر، وبالله التوفيق، والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ: الغارة.
(٢) انظر: النوادر (٢/ ٢١٠).
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
المسألة الرابعة عشر في جزية أهل الذمة
وهي مأخوذة من اسمها، ومشتقة من رسمها، وهي من الجزاء [لأنها جزاء] (١) على تأمينهم في بلادهم، وللذب عنهم، وعن حريمهم، والافتيات عليهم، وأن يكون لهم من الحرمة في حريمهم، وأموالهم مثل ما يكون للمسلمين.
وشرعت عليهم على معنى الذل والصغار؛ فلذلك وظفت على البالغين الأحرار دون النساء، والعبيد، والصبيان الصغار.
والكلام فيها على ثلاثة مواضع:
أحدها: معرفة من تؤخذ منه من الكفار.
والثاني: معرفة قدرها.
والثالث: وقت وجوبها.
فالجواب عن الموضع الأول:
وهو معرفة من تؤخذ منه [الجزية] (٢) من الكفار:
فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تؤخذ من كل من دان بغير الإِسلام -أعجميًا كان، أو عربيًا، كتابيًا أو لا كتاب له-[لقوله - ﷺ -] (٣) في حديث عبد الرحمن بن عوف: "ومن لا كتاب له من المجوس سنوا بهم سنة أهل
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
الكتاب" (١).
وهو قول مالك في "المدونة" (٢)، وهو المشهور من المذهب.
والثاني: أنها تؤخذ ممن دان بغير دين الإِسلام إلا كفار قريش، فإنهم لا تقبل منهم الجزية، ولا يقبل منهم إلا الإِسلام أو السيف.
[وهذا القول] (٣) حكاه القاضي أبو الحسن بن القصار البغدادي عن مالك في المذهب.
والثالث: أنها تقبل من العجم دون العرب.
وبه قال ابن وهب -من أصحابنا- وهو مذهب أبي حنيفة ﵁.
وعلى القول بأنها تؤخذ من جميع من دان بغير دين الإِسلام -عربيًا كان، أو أعجميًا- فهل تؤخذ من نصارى العرب باسم الجزية، أو باسم الصدقة، أم لا؟
فالمذهب أنها تؤخذ باسم الجزية، وذهب بعض [العلماء] (٤) إلى أنها
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٩٨٧).
(٢) انظر: المدونة (٣/ ٤٥، ٤٦).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ، وفي المهذب للشيرازي (٢/ ٢٥٠، ٢٥١) ما نصه: فإن امتنع قوم من أداء الجزية باسم الجزية، وقالوا: نؤدي باسم الصدقة ورأى الإِمام أن يأخذ باسم الصدقة جاز؛ لأن نصارى العرب قالوا لعمر ﵁: لا نؤدي ما تؤدي العجم خذ منا باسم الصدقة كما تأخذ من العرب، فأبى عمر ﵁، وقال: لا أقركم: إلا بالجزية. فقالوا: خد منا ضعف ما تأخذ من المسلمين. فأبى عليهم، فأرادوا اللحاق بدار الحرب، فقال زرعة بن النعمان أو النعمان بن زرعة لعمر: إن بني تغلب عرب، وفيهم قوة فخذ منهم ما قد بذلوا، ولا تدعهم أن يلحقوا بعدوك. فصالحهم على أن يضعف عليهم الصدقة.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
تؤخذ منهم باسم الصدقة [وذكر أن عمر بن الخطاب ﵁ قبلها منهم باسم الصدقة] (١)؛ وهذا الذي عزاه القائل إلى عمر غير منقول عنه من طريق صحيح (٢)؛ فوجه القول بأنها تؤخذ من الكفار عمومًا لا خصوصًا: حديث ابن [بريدة] (٣) عن أبيه: كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرًا على سرية، وقال: "إذا أنت لقيت عدوًا [من المشركين] (٤) فادعهم إلى ثلاثة أشياء: فإن هم أجابوك [إلى أحدها] (٥) فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم [إلى الإِسلام. فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم] (٦) أن يتحولوا إلى دار الإِسلام، فإن [هم] (٧) أبوا فسلهم إعطاء الجزية، فإن فعلوا فأقبل، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم" (٨)، ولم يفصل بين كافر وكافر.
وسبب الخلاف بين القولين الآخرين: [اختلافهم في] (٩) العلة التي لا تقبل الجزية لأجلها، هل ذلك لمكانتهم من رسول الله - ﷺ - ومشاركتهم إياه في النسب، ثم لا تقبل من قريش خاصة؛ لأنها أمس رحمًا وأقرب نسبًا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) قال الشافعي: قد حفظه أهل المغازي وساقوه أحسن سياق. انظر: تلخيص الحبير (٤/ ١٢٨)، وخلاصة البدر المنير (٢٦١٨)، ونصب الراية (٢/ ٣٦٢). وقال النووي: "ولم يخالف عمر أحد من الصحابة ﵃ فصار كالإجماع، وعقد الذمة لهم مؤبدًا فليس لأحد نقض ما فعله". روضة الطالبين (١٠/ ٣١٦).
(٣) في أ: مديرة.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) أخرجه مسلم (١٧٣١) من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه.
(٩) في أ: اختلاف.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
من رسول الله - ﷺ -، وأخذ الجزية منهم على وجه الذل والصغار مناف لأصلهم، وتقبل من غيرهم من العرب لبعدهم عن ذلك المعنى.
وقد قيل: إن ذلك لكونهم مرتدين، و[الجزية لا تقبل من] (١)، المرتد إما الإِسلام، وإما السيف؛ لأن العرب أسلمت كلها عام الفتح، فمن وجد منهم على غير دين الإِسلام بعد ذلك فهو مرتد؛ فعلى هذا لا تقبل منهم الجزية أصلًا، وقد قيل أيضًا: أنها تقبل، ورأيت [مثله] (٢) لأبي الحسن بن القصار.
والجواب عن الموضع الثاني:
في [معرفة] (٣) قدرها:
وهي تنقسم قسمين: صلحية، وعنوية.
فالصلحية لا حد لأقلها عند مالك ﵀؛ بل تجوز على ما وقع عليه التراخي مما قلَّ أو جلَّ -وأما الجزية العنوية: فقد اختلف في أقلها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن أقلها أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهمًا على أهل الورق، وعلى أن صرف دينار الجزية عشرة دراهم، وهو مذهب مالك، وأن أقلها دينار واحد، وهو مذهب الشافعي.
والثالث: أن أقلها يختلف [باختلاف] (٤) ماليتهم، وهو مذهب أبي حنيفة، وهي عنده على ثلاثة أقسام:
على الفقراء المعينين: اثنا عشر درهمًا، أو دينارًا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في جـ: نحوه.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: باختلافهم.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وأهل الوسط: أربعة وعشرون درهمًا، أو دينارين.
وأهل الغنى منهم [والترفه] (١): ثمانية وأربعون درهمًا، أو أربعة دنانير.
وهذا منه بناءً على أن صرف دينار الجزية: اثنا عشر درهمًا.
وفي المسألة قول رابع: أن أقلها لا حد [له] (٢) [وهو قول القاضي أبي الحسن بن القصار] (٣).
وسبب الخلاف: اختلافهم في فعل الصحابي، أو قوله، هل يكون حجة ودليلًا أم لا؟
فمن قال: إنه حجة قال: لا تنقص مما فرض عمر ﵁.
ومن قال: إنه ليس بحجة قال: إن عمر ﵁ من آحاد المجتهدين، ولا يلزم مجتهدًا آخر اتباعه.
قال المؤلف ﵀: وهذا عندي إنما [يكون] (٤) الاختلاف فيه إذا انفرد الصحابي بقول أو عمل ولم يتابعه عليه بقية الصحابة، وأما إذا فعل ذلك أو قاله بمحضر الصحابة، ولم يكن منهم تغيير، ولا نكير: فإن ذلك يعد إجماعًا منهم، غير أنه يدخله الخلاف في الإجماع السكوتي، هل هو كالإجماع المنطوق به أم لا؟
ومن هذا الوجه وقع الخلاف بين فقهاء الأمصار في المسألة.
وعلى مذهب مالك ﵀ أنها مقدرة بأربعة دنانير
_________________
(١) في الأصل: الترقوة.
(٢) في أ: لها.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: يمكن.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
كما فعل عمر ﵁، وهل يجوز النقصان منه لعسر حدث أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يخفف عن المعسر منهم بقدر ما يراه الإِمام، ولا يزاد على الغني لزيادة ماله؛ لأن عمر بن عبد العزيز ﵁ كتب بالتخفيف عن المعسر من أهل الجزية، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه لا يخفف عن المعسر منهم [ولا يزاد ولا ينقص] (١) عن ما فعله عمر فلا يخفف عنه لعسره، ولا يزاد عليه لغنائه، وهو قول ابن القاسم [وإليه أشار الباجي] (٢)، ووجهه: الجمود على فعل عمر ﵁ حتى يدل الدليل على التخفيف.
والجواب عن الموضع الثالث:
في وقت وجوبها.
وقد اختلف العلماء في وقت وجوبها على مذهبين:
أحدهما: أنها تجب بآخر الحول، وهو مذهب الشافعي ﵁.
والثاني: أنها تجب بأول الحول عند تمام العقد، وهو مذهب أبي حنيفة ﵁.
وليس عن مالك ﵁ في ذلك نص.
وقد خرج بعض المتأخرين من "المدونة" ما يقتضي المذهبين من موضعين:
منها: قوله في "الكتاب" من "كتاب الزكاة" في النصراني: تمضي السنة، ولم تؤخذ منه الجزية من سنته حتى أسلم: أنها توضع عنه؛
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
فظاهر هذا أنها تؤخذ منه عند تمام الحول، وهو ظاهر قول عمر بن عبد العزيز ﵁ في كتابه إلى بعض عماله أن توضع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة حين يسلمون؛ لأنه أراد بذلك الماضي لا ما كان مستقبلًا؛ إذ لا يشك أحد أن من أسلم من أهل الذمة لا تثبت عليه الجزية.
ومنها: قوله في الكتاب المذكور في تجار الحربيين أنهم يؤخذ منهم ما [صولحوا] (١) عليه باعوا أو لم يبيعوا -[ووجهه] (٢): أنها [معاوضة] (٣) تجب بعقد [المعاوضة] (٤) كسائر عقود المعاوضات، وهو مذهب أبي حنيفة، إلا أن هذا استقراء ضعيف، فلو قال بعكسه لكان أولى؛ لأنه لو كان كما تأول لوجب أخذ ذلك بالعقد قبل دخولهم بلاد الإِسلام.
واختلف إذا أسلموا، هل يسقط عنهم ما وجب عليهم منها على مذهبين:
أحدهما: أنها ساقطة؛ لاستحالة مطالبة المسألة بالجزية، وهو مذهب مالك ﵀، وبه قال أبو حنيفة.
والمذهب الثاني: أنه يطالب بها بعد إسلامه؛ لأن ذلك حق ترتب في ذمته قبل إسلامه؛ قياسًا على سائر الديون، وهو مذهب الشافعي [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) في أ: صالحوا.
(٢) في جـ: وزعم.
(٣) في أ: مواضعة.
(٤) المواضعة.
(٥) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٢٨١ ]
المسألة الخامسة عشر في إخراج الزكاة قبل ["حلولها" (١)] (٢)
ولا يخلو إخراج الزكاة قبل [حلولها] (٣) من [أحد] (٤) وجهين:
إما أن يخرجها قبل الحول بكثير.
أو يخرجها بقرب الحول.
فإن أخرجها قبل الحول بكثير: فلا خلاف أنها لا تجزئه.
وإن أخرجها بقرب الحول: فلا يخلو من أن يكون قد أخذت منه كرهًا، أو أخرجها باختياره.
فإن أخذت منه كرهًا، فهل تجزئه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تجزئه، وهي رواية زياد عن مالك.
والثاني: أنها لا تجزئه إذا أخذت منه كرهًا، وهي رواية ابن وهب عن مالك.
والقولان في "النوادر" (٥).
فإن أخرجها [باختياره] (٦) وإيثاره [فهل تجزئه أم لا] (٧): فالمذهب
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٢٨٤)، والنوادر (٢/ ١٩٠).
(٢) في أ: وجوبها.
(٣) في أ: وجوبها.
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر: المدونة (٢/ ٢٨٤)، والنوادر (٢/ ١٩٠).
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
على قولين:
أحدهما: أنها تجزئه، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (١):
والثاني: أنها لا تجزئه، وهو قول أشهب في غير "المدونة" وهي رواية زياد عن مالك.
وقد اختلف المتأخرون في تأويل ما وقع لأشهب في "المدونة" هل هو وفاق لابن القاسم، أو خلاف؛ لأنه قال فيها عن مالك: إذا أداها قبل أن يتقارب ذلك فلا تجزئه؛ لأنه بمنزلة الذي يصلي الظهر قبل الزوال؛ فذهب الشيخ أبو إسحاق التونسي إلى أن ذلك وفاق؛ لأنه لم يقسها على الصلاة قياسًا كليًا، ولكنه جعل المقاربة [في الحول] (٢) مثل دخول الوقت في الصلاة؛ إذ لو قاسها على الصلاة قياسًا كليًا للزم أن يعرف الوقت الذي أفاد فيه النصاب من ساعات النهار، وذلك حرج ومشقة.
وذهب غيره إلى أنه خلاف، وأنه لا يجوز تقديمها على الحول كما لا يجوز تقديم الصلاة على الوقت؛ كما نص في رواية [زياد بن شبلون] (٣) عن مالك.
وسبب الخلاف: ما قارب الشيء هل يعطي له حكمه أم لا؟
وعلى القول بأنها تجزئه إذا أخرجها بقرب الحول بيسير، فاختلف في حد القرب على أربعة أوجه:
أحدها: أن الشهر قريب على وقف منه، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم (٤).
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٢٨٤)، والنوادر (٢/ ١٩٠).
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: شبطون.
(٤) انظر: النوادر (٢/ ١٩٠).
[ ٢ / ٢٨٣ ]
والثاني: أن خمسة عشر يومًا قريب، وهذا القول حكاه القاضي أبو الفضل عياض، ولم يذكر قائله.
والثالث: الخمسة الأيام، والعشرة، وهو قول ابن حبيب عن من لقيه من أصحاب مالك (١).
والرابع: اليوم واليومان، وهو قول ابن المواز (٢).
وهذا كله [استحسانات] (٣) لا ترجع إلى قياس.
فإن أخرجها قبل وجوبها بيسير، فضاعفت بغير تفريط: فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا تجزئه على كل الأحوال؛ لأن القائل بجوازها إذا أخرجها قبل وجوبها بيسير إنما قال بشرط النفوذ ووصولها إلى محلها، وإذا هلكت قبل النفوذ فلابد أن يخرجها ثانية من بقية المال إذا كان فيه نصاب، وإلى هذا ذهب [القاضي أبو الوليد] (٤) ابن رشد.
والثاني: أنها تجزئه ولا يعيدها؛ وهذا يتخرج على القول بأنها تجزئه إذا أخرجها قبل الحول بيسير.
والثالث: أنها لا تجزئه، ويخرجها عند تمام حوله مما بقى من المال -كان قليلًا أو كثيرًا- وهو رأي ابن الجهم.
فظاهر هذا القول لا يلتفت إلى النصاب في الباقي، والذي قاله القاضي أظهر الأقوال وأولاها بالصواب، وأضعفها ما رواه ابن الجهم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) المصدر السابق.
(٣) في أ: استحبابات.
(٤) سقط من أ.
(٥) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
المسألة السادسة عشر فيمن حال عليه الحول وهو في غير بلده (١)
ولا يخلو حاله من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون معه جميع ماله من العين.
والثاني: أن يخلف جميع ماله في بلده.
والثالث: أن يكون معه البعض [وخلف البعض] (٢).
فأما إذا كان معه بعضه أو كله: فلا خلاف في المذهب أنه يزكي ما معه ولا يجوز له التأخير أصلًا.
واختلف في الذي خلفه في بلده، هل يزكيه مع ما معه؟ أو كان قد خلفه كله، هل يخرج زكاته إذا وجد من يسلفه أم لا؟
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يغلب على ظنه أن أهله يخرجونها عنه أم لا.
فإن غلب ذلك على ظنه: فليس عليه إخراجها في السفر.
وإن تساوى عنده الأمران: فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من المدونة:
أحدها: أنه يخرجها حيث هو إذا وجد من يسلفه، ولم يخش الحاجة على نفسه.
والثاني: أنه يؤخرها إلى بلده، والقولان لمالك ﵀.
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٢٨٦).
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
والثالث: التفصيل بين أن يتسارع إلى إخراجها عند وصوله إلى بلاده بلا توان: فلا يقسمها في سفره، وليؤخرها حتى يقدم، إلا أن يكون بأهل البلد الذي هو به حاجة مقدحة: فليؤد مكانه.
وإن كان ممن يكون منه توان وتراخ: فليزك حيث هو، وهو قول أشهب في الكتاب.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى حيث المال، أو إلى حيث المالك؟
وهذا مثار الخلاف في هذه المسألة [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
المسألة السابعة عشر في حكم ما يخرج من المعدن في الزكاة وغيرها (١)
ولا يخلو ظهور المعدن من ثلاثة أوجه:
إما أن يظهر في أرض العنوة، أو في أرض الصلح، أو في أرض الإِسلام.
فأما الوجه الأول: إذا ظهر في أرض العنوة: فلا خلاف في المذهب أن الحكم فيه إلى الإِمام يأذن فيه لمن شاء، ويقطعه لمن أحب على النظر لأهل الإِسلام طعمة، ما [عاش] (٢)، أو إلى وقت يوقته ويأخذ منه الزكاة.
وللإمام أن يحوله من رجل إلى رجل، ولا يجوز أن يعطيه عطية تملك للأبد كما لا يقطع أرض العنوة تمليكًا، ولكن قطيعة للانتفاع، والأصل للمسلمين.
ولا يزيل ذلك الملك إسلام أهل الأرض؛ لأن أهل العنوة إذا أسلموا كانت أرضهم وأموالهم التي كانت بأيديهم يوم عقدت لهم الذمة فيئًا للمسلمين دون ما [استحدثوه] (٣) من الأموال بعد ذلك، فإنها ملك لهم، ولا تؤخذ منهم إذا أسلموا.
والوجه الثاني: إذا ظهر في أرض الصلح، هل النظر [فيه] (٤) إلى الإِمام، أو لأهل الصلح؟
_________________
(١) انظر: المدونة (٢/ ٢٨٧: ٢٩٠)، والنوادر (٢/ ١٩٨: ٢٠٢).
(٢) في أ: شاء.
(٣) في أ: أحدثوه.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن النظر فيه إلى الإِمام كمعادن أرض العنوة على سواء، وهذا قوله في "واضحة ابن حبيب".
والثاني: أن النظر فيه لأهل الصلح؛ لأنه [ملك لهم] (١) ولا كلام للإمام فيه، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب الزكاة الأول" (٢) وغيرها، وهو قول ابن نافع أيضًا في "كتاب ابن سحنون"، وهذا هو الصحيح.
وعلى القول بأنه يكون لأهل الصلح ممن أسلم منهم، وفي أرضه معدن، هل يستمر ملكه عليه كسائر أرضه وماله أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يستمر ملكه عليه، ولا حكم فيه للإمام ولا غيره، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة [ونص ابن المواز عن مالك في كتابه.
والثاني: أن النظر فيه للإمام ويبرأ فيه قوله وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة] (٣) أيضًا، وهي رواية يحيى بن يحيى عنه في "العتبية" (٤).
وسبب الخلاف: من ملك ظاهر الأرض هل يملك باطنها أم لا؟
وهذا أصل تنبني عليه كثير من مسائل هذا الباب.
والوجه الثالث: إذا ظهر في أرض الإِسلام فلا يخلو من وجهين:
_________________
(١) في أ: ملكهم.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) انظر: البيان والتحصيل (٢/ ٣٩٥)، والنوادر (٢/ ١٩٩).
[ ٢ / ٢٨٨ ]
أحدهما: أن يكن ظهوره في فيافي المسلمين.
والثاني: أن يكون ظهوره في [أرض] (١) مملوكة محوزة.
فإن ظهر في فيافي المسلمين وأرض العرب: فلا خلاف [أعلمه] (٢) في المذهب أن النظر فيه إلى الإِمام؛ مثل ما ظهر في أرض العنوة سواء.
وإن ظهر في أرض مملوكة محوزة: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن النظر فيه للإمام، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن النظر فيه لصاحبه، ولا حكم فيه للإمام وهو قول سحنون في "كتاب محمَّد".
وسبب الخلاف: من ملك ظاهر الأرض هل يملك باطنها أم لا؟
وعلى القول بأنه يكون ملكًا لصاحب الأرض: فإنه إن شاء تولى العمل فيه بنفسه، وإن شاء عامل فيه غيره، وكيفية المعاملة فيه على ثلاثة أوجه: وجه يجوز بالاتفاق، ووجهان مختلف فيهما.
فأما الوجه المتفق عليه: فهو أن يستأجر على [دركه] (٣) رجلًا بإجارة معلومة، ويكون ما أخرج من المعدن لربه.
والوجه الثاني: من الوجهين المختلف فيهما؛ وهو أن يدفعه ربه لمن يعمل فيه بجزء مما يخرج منه، فقد اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: الجواز؛ قياسًا على القراض والمساقات، وهو قول عبد الملك، ومثله لمالك في كتاب محمَّد، واختاره فضل بن سلمة.
والثاني: المنع منه؛ قياسًا على كراء الأرض بجزء مما يخرج منها،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في الأصل: بركه.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وهو قول أصبغ وغيره، واختيار محمَّد بن المواز.
والوجه الثالث: إذا استأجره [بإجارة] (١) يدفعها العامل لرب المعدن: فالمذهب في الجواز، والمنع على قولين:
أحدهما: المنع، وهو المشهور في النظر؛ لأنه إن كان الكراء بالذهب والمعدن معدن الفضة صار صرفًا مستأخرًا.
وإن كان الكراء بالورق والمعدن معدن الورق كان فضة بفضة غير مماثلة ولا متقابضة.
والثاني: الجواز، وهو المشهور في النقل، وهو قول مالك وأشهب وسحنون، ويكون ما خرج من المعدون للعامل قياسًا على من اكترى الأرض من رجل للزراعة.
وسبب الخلاف: المستثناة من أصول فاسدة، هل يجوز القياس عليها أم لا؟
فمن جوز القياس عليها: جوز البيع.
ومن منع الجواز: منع القياس؛ لأن ذلك رخصة وردت في عين مخصوص.
ولا خفاء على من ذاق طعم [علم] (٢) الأصول أن المساقات والقراض، وكراء الأرض، وسائر الإجارات أصول مستثناة من قواعد الغرر والجهالة، فهذه تفاصيل المعادن، وبيان أحوالها.
وأما أحكامها في الزكاة فيما يرجع إلى معرفة النصاب والحول الذي هو عمدة المسألة: فنحن نبينه بيانًا يزيل اللبس، ويولج الثلج في النفس؛
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
بفضل الله وعونه.
اعلم أن العلماء قد اختلفوا في حكم ما يخرج من المعدن في الزكاة؛ فذهب بعض العلماء إلى أنه الخمس. وذهب آخرون إلى أنه يزكي، وهو مذهب مالك، وجميع أصحابه.
ولا خلاف في المذهب في اعتبار النصاب كاعتباره في العين.
واختلف هل يعتبر حال المالك في الرق، والحرية أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يعتبر، وأنه لا فرق بين الحر والعبد [والمسلم] (١) والذمي؛ فإن الزكاة تؤخذ منه، وهو قول ابن الماجشون.
والثاني: أنه يعتبر حال المالك، وأنها لا تؤخذ إلا من الحر المسلم كزكاة سائر الأموال، وهو قول ابن القاسم، وبه قال المغيرة.
ووجه القول [الأول] (٢): مراعاة مذهب من يقول: إن حكم المعدن حكم الركاز.
ووجه القول الثاني: أنه مال تجب فيه الزكاة فيجب اعتبار شروط الزكاة فيه كسائر الأموال التي تزكى.
واتفق المذهب عندنا أن الحول والدين لا يعتبران في زكاة المعدن، ولا تأثير فهما فيه كزكاة الزروع.
واختلف في اعتبار الشركة فيه، هل تعتبر أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها لا تأثير لها، ولا اعتبار بحق كل واحد منهما، وهو قول عبد الملك.
والثاني: أن الشركة معتبرة ولها تأثير، وأن لا زكاة على من ليس في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٩١ ]
نصيبه نصاب كالزرع، وهو قول ابن القاسم.
والتوجيه: ما تقدم.
وصفة اعتبار النصاب في المعدن؛ وهو أن يبتدئ نَيْلًا، فإذا حصل له [منه] (١) وزن خمس أواق من الفضة، أو وزن عشرين دينارًا إن كان ذهبًا: فإنه يزكي ما استخرج من ذلك النَّيْل بعد ذلك من قليل أو كثير، فإنه [يزكيه] (٢) ما دام ذلك النَّيْل متصلًا.
فإن انقطع وابتدأ نيلًا آخرًا وكان [عمله] (٣) في معادن مختلفة، هل يضم بعض ذلك إلى بعض أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يضم نيلًا إلى نيل، ولا معدنًا إلى معدن، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يضم [بعض] (٤) ذلك إلى بعض، وهو قول محمَّد بن سلمة.
والقول بالضم أظهر في النظر، والقول بنفي [الضم] (٥) معارض لأصل المسألة؛ وذلك أن مالكًا ﵀ نحا بالمعدن ناحية الزرع، وأجراه على حكمه في ترك اعتبار الحول والدين؛ لأنه [شيء] (٦) يستخرج من تجاويف الأرض [فأشبه الزرع] (٧).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: يزكي.
(٣) في أ: عنده.
(٤) في الأصل: بعد.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
فإن كان [درك] (١) القياس يوجب أن يضاف نيل إلى نيل و[يضم معدن إلى] (٢) معدن كالزرع المفترق في المواضع والبلدان، وهو في ضم المعدن إلى المعدن أشبه من ضم نيل إلى نيل؛ إذ لا يبتدئ [نيل] (٣) إلا بعد انقطاع [النيل] (٤) الآخر، وذلك [أنه] (٥) يشبه الشتوي والصيفي.
ولا خلاف أنه لا يجوز [له] (٦) بيع نيل أدركه للغرر في [لبث] (٧) مدة الاتصال.
واختلف هل يورث عنه إذا مات أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يورث عنه؛ لأنه بنفس موته انقطع ملكه عنه؛ لأنه ليس بملك أصلي، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة وفي غيرها.
والثاني: أنه يورث عنه؛ لأنه حق ثبت له، وهو قول أشهب.
وإلى التوجيه رمزنا في أثناء الكلام.
وإن باع تراب المعدن قبل أن يزكيه: لم ينظر إلى الثمن، وينظر إلى ما يخرج من ذلك التراب على ما اختبر قبل ذلك فيزكيه إن بلغ ما فيه الزكاة من ذهب أو فضة، وهو قول سحنون، وابن كنانة.
وهذا حكم ما يخرج من المعدن من تِبْر أو تراب.
_________________
(١) في أ: طرد.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: كيفية.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وأما الندرة تخرج من المعدن بعمل أو غير عمل، فيأتي الكلام عليها إن شاء الله في مسألة الركاز [وبالله التوفيق، والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
المسألة الثامنة عشر في مسألة الركاز وحكمه
ولا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يوجد في بلاد الإِسلام، أو في بلاد العنوة، أو في بلاد الصلح.
فأما الوجه الأول: إذا وجد في أرض الإِسلام فلا يخلو من أن يوجد عليه طبع أهل الإِسلام، أو طبع أهل الكفر.
فإن وجد عليه طبع الإِسلام: فلا خلاف في المذهب أن حكمه حكم اللقطة.
وإن وجد عليه طبع الجاهلية: فلا يخلو من أن يجده في ملكه، أو في ملك غيره.
فإن وجده في ملك نفسه، أو في فلاة من الأرض: فلا يخلو من أن يناله بعمل، أو بغير عمل.
فإن ناله بغير عمل، أو بعمل يسير: فلا خلاف أنه ركاز، وفيه الخمس، وأربعة أخماسه لواجده من غير اعتبار بحال واجده من أن يكون حرًا أو عبدًا، أو ذكرًا أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، غنيًا، أو فقيرًا، ومن غير اعتبار بقدره كان نصابًا أو دون النصاب.
إلا أن يكون يسيرًا كالعشرة دراهم: [ونحوها] (١): فإن قول مالك اختلف فيه على ما حكى عنه ابن نافع في "النوادر" (٢)، [فمرة] (٣)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: النوادر (٢/ ٢٠٣).
(٣) في أ: ثم.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
قال: إنه ركاز، ويخمس لعموم قوله ﵇: "وفي الركاز الخمس" (١) ثم رجع فقال: "إن كان يسيرًا فلا شيء عليه".
والقول الأول أظهر، وهو أسعد بظاهر [المدونة] (٢). فإن ناله بعمل ومشقة ومؤنة، فهل يخمس، أو يزكي؟.
فالمذهب على قولين من المدونة من كتاب الزكاة الأول:
أحدهما: أنه ركاز وفيه الخمس -ناله بعمل أو بغير عمل- وهذا نص قوله، ثم قال في موضع آخر: سمعت أهل العلم يقولون في الركاز: إنما هو دفن الجاهلية ما لم يطلبه بمال، ولا تكلف فيه كبير عمل [وأما ما طلبه بمال أو تكلف فيه كبير عمل] (٣) فأصيب مرة وأخطئ أخرى: فليس بركاز، وهو الأمر عندنا، وهذا نص قوله.
واختلف المذهب -عندنا- في الكلفة المعتبرة ما هي على قولين:
أحدهما: أن الحفر الكثير [تكلف] (٤) يجب أن تكون فيه الزكاة، وهو ظاهر قوله في كتاب محمَّد على ما حكاه أبو إسحاق التونسي.
والثاني: أن العمل المعتبر التصفية ليكون ذلك مشابهًا لتخليص الذهب والفضة من التراب بالتسبيل، وإلى هذا ذهب القاضي أبو الوليد الباجي في التأويل.
وعلى اختلافهم في هذا التأويل ينبني الخلاف في الندرة المستخرجة من المعدن هل تخمس أو تزكى؟
وسبب الخلاف: اختلافهم في اشتقاق الركاز، هل هو مشتق من
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٤٢٨)، ومسلم (١٧١٠).
(٢) في ب: الكتاب.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
الركز؛ وهو الثبات، ومأخوذ من قولك: ركز الرمح في الأرض إذا ثبت فيها؛ فعلى هذا الاشتقاق يؤخذ الخمس من كل مال وجد تحت الأرض بغير كبير عمل -كان معدنًا أو دفن الجاهلية.
أو مشتق من الركز؛ وهو الفأس أو ما يحفر به مثل المسحاة وغيرها؛ لقول عائشة ﵂: ما صدقت بموت رسول الله - ﷺ - وحتى سمعت وقع الركزان.
فيسمى بهذا الاسم تسمية الشيء بما يلازمه؛ لأن الدفن لا يكون إلا بعد الحفر، وعلى هذا الاشتقاق يكون الركاز هو دفن الجاهلية دون ما وجد في المعدن من ندرة أو غيرها، وكل قد قيل.
فإن وجده في أرض غيره، هل يكون لمن وجده، أو يكون لرب الأرض؟
[فعلى] (١) قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يكون لمن وجده، ولا يكون لرب الأرض، وهو قول ابن نافع، ومثله في كتاب ابن سحنون، وهو ظاهر المدونة من مسألة الركاز: إذا وجد في دار الرجل في أرض الصلح، ورب الدار ليس من أهل الصلح، قال: ليس رب الدار فيه شيء.
والثاني: أنه يكون لرب الدار دون واجده، وهي رواية بن زياد عن مالك، وبه قال عبد الملك، وهو ظاهر قوله في المدونة؛ لأن ما في داخل الأرض بمنزلة ما في خارجها.
وسبب الخلاف: بَيِّن، وهو من ملك ظاهر الأرض هل يملك ما في بطنها أم لا؟ وهو أصل ينبني عليه الخلاف في هذا الباب.
والوجه الثاني: إذا وجد في أرض العنوة: فلا خلاف -أعلمه- في
_________________
(١) فالمذهب على قولين.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
المذهب أنه [لا يكون] (١) لمن وجده، إلا ما رواه ابن نافع، ثم لا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يعلم أنه من أموال أهل العنوة، أو يعلم أنه ليس من أموالهم، أو يشك [فيه] (٢).
فإن علم أنه من أموالهم: ففيه الخمس، وأربعة أخماسه لأهل الجيش الذين افتتحوا تلك البلاد إن عاشوا، أو لورثتهم إن ماتوا، أو عرفت أنسابهم.
فإن لم يعرفوا تصدق بهم عنهم، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وهو المشهور في المذهب.
والدليل على ذلك: رد عمر ﵁ للسفطين اللذين جيء بهما [إلى عمر] (٣) ﵁ من كسب الحرب، فإن فهم عمر ﵁ للسفطين يقسمه على المسلمين، فلما كان بالليل رأى عمر ﵁ كأن الملائكة تدفع في نحره كالصدود عن قسمته، فلما أصبح قال: هذا ما يصلح، فردها عمر ﵁ إلى الذين فتحوا البلاد فقسمه بين الذرية والمقاتلة والعيال.
[وقال مالك] (٤): ذلك كنز دل عليه بعدما فتحت البلاد وسكنها الناس، واتخذوا الأهلين.
فإن علم أنه ليس من أموالهم: فهو لمن وجده، ويؤخذ منه الخمس.
فإن شك في ذلك، فلم يدر لمن هو: قال سحنون: فإنه يكون لمن
_________________
(١) في ب: يكون.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: إليه.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وجده مراعاة لرواية ابن نافع الذي يقول: هو لمن وجده على كل حال.
وأما الوجه الثالث:
إذا وجده في أرض الصلح: فإنه يكَون لأهل الصلح دون من وجده على الخلاف الذي قدمناه لابن نافع في أرض العنوة.
فإن وجده في دار أحدهم: فلا يخلو [واجده] (١) من أن يكون [هو رب الدار أو غيره. فإن كان هو رب الدار، فإنه يفوز به، وإن كان غير رب الدار فلا يخلو واجده من أن يكون] (٢) من أهل أرض الصلح، أو من غيرهم.
فإن كان من غيرهم: فهو لأهل الصلح على المشهور، ولا خمس عليهم فيه.
فإن كان الذي وجده من أهل الصلح: فلا يخلو من أن يكون هو رب الدار، أو غيره.
فان كان هو رب الدار: فإنه يكون له.
فإن كان غير رب الدار: فالرواية أنه لا يكون لأهل الصلح، ولا يختص به من وجده إذا وجده غيره، وهذا كلام متناقض، والذي يقتضيه قوله في المدونة أن ما في داخل الأرض بمنزلة ما في خارجها أن يكون الذي له الدار يوم الصلح لا يشاركه فيه من صالح معه، وهو قوله في كتاب محمَّد أنه لرب الدار، ولم يفصل.
وسبب الخلاف: من ملك ظاهر الأرض هل يملك باطنها أم لا؟
وعلى هذا اختلفوا فيمن باع [أرضًا] (٣) فوجد فيها المشتري كنزًا أو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: دارًا.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
أعمدة أو ألوية، هل تكون للبائع أو للمشتري؟
فابن القاسم يقول: إنها للمشتري.
ومالك يقول: إنها للبائع.
وفي المدونة ما يدل على القولين جميعًا، وقد نبهنا عليه قبل هذا.
وكذلك اختلفوا أيضًا فيمن استأجر أجيرًا يحفر له في داره. ثم وجد كنزًا: فمالك يقول: إنه لصاحب الدار، وابن نافع يقول: إنه للحافر، وهذا كله مبني على هذا الأصل.
واختلف قول مالك في الركاز إذا كان ليس بعين كالجوهر، والنحاس، والرصاص، وسائر العروض؛ فمرة يقول: فيه الخمس، ومرة يقول: لا خمس فيه، وبالقول بوجوب الخمس أخذ ابن القاسم.
وسبب الخلاف: عموم قوله - ﷺ -: "في الركاز الخمس" (١) هل هو عموم أريد به العموم، أو هو عموم أريد به الخصوص [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) تقدم.
(٢) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
المسألة التاسعة عشر في الأصناف الذين تصرف إليهم الزكاة
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (١).
فهذه ثمانية أصناف يجوز وضع الصدقات فيها، ولا يجوز وضعها في غيرهم؛ لقوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ) (٢)، فأتى بلفظة الحصر، وهذا يقتضي نفي إعطاء الزكاة لغيرهم.
فأما الفقراء والمساكين: فاختلف العلماء [فيهم] (٣)؛ فقال مالك: [إن المسكين أحوج من الفقير] (٤) لأن الفقير من له البلغة من العيش لا تقوم به.
[والمسكين] (٥): الذي لا شيء له.
ولمالك في "العتبية" أيضًا من رواية ابن وهب أن الفقير: الذي يتعفف عن المسألة مع حاجته، والمسكين: الذي يسأل على الأبواب والطرقات فخرج من ذلك أن المسكين أحوج من الفقير، وأنهما اسمان متغايران، ومنه قول الشاعر (٦):
أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال [فلم] (٧) يترك له سبد
_________________
(١) سورة التوبة الآية (٦٠).
(٢) سورة التوبة الآية (٦٠).
(٣) في ب: فيهما أيهما أحوج.
(٤) سقط من أ.
(٥) في الأصل: المساكين.
(٦) وهو ابن الأعرابي.
(٧) في الأصل: ولم.
[ ٢ / ٣٠١ ]
والدليل أيضًا لقول مالك في "العتبية": أن الفقير المتعفف الذي لا
يسأل؛ لقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١).
معناه: أنه لا يفطن لهم، فيتصدق عليهم.
إلا أن بعض العلماء قال: ليس في هذه الآية دليل على نفي السؤال [جملة لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (٢) مفهومه أنه يسأل سؤالًا دون الإلحاح، والإلحاح: المبالغة في السؤال.
وذهب الشافعي إلى أن الفقير أحوج من المسكين، وربما استدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ (٣)؛ سماهم مساكين، ولهم سفينة، وقد قرئت: "لمسَّاكين" بالتشديد للسين (٤)، وهم [ملاحو السفينة] (٥).
وعلى القراءة المشهورة يمكن أن يتأول إطلاق المسكنة عليهم لعدم القدرة، لا لعدم المال؛ لأنهم لا يقدرون أن يخلصوا أنفسهم من الملك الذي أمامهم، وما أمنوا من أخذ سفينتهم غصبًا، فسماهم مساكين مجازًا واتساعًا. فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الفقير أحوج من المسكين.
والثاني: أن المسكين أحوج.
_________________
(١) سورة البقرة الآية (٢٧٣).
(٢) سقط من أ.
(٣) سورة الكهف الآية (٧٩).
(٤) قال ابن العربي: ولا حاجة لذلك.
(٥) في الأصل: النوانية.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
والثالث: أن الفقر والمسكنة عبارتان عن معنى واحد.
والصحيح من ذلك ما اختاره مالك من أن المسكين أحوج من الفقير؛ لأن كل واحد منهما مأخوذ من اسمه، ومشتق من رسمه؛ والفقير مأخوذ من كسر الفقار، وهو سنمة الظهر.
والذي يسكن ولا يتحرك أشد ضعفًا من المكسور؛ لأن المكسور يتحرك.
واختلف في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (١)، هل هو على عمومه، أو على عموم مخصوص، والمشهور من مذاهب العلماء: أنه مخصوص بقول رسول الله - ﷺ -: "لا تحل الصدقة لآل محمَّد، إنما هي أوساخ الناس" (٢).
بيد أن أرباب المذهب عندنا اختلفوا في فقراء آل محمَّد، هل تحل لهم الصدقة أم لا؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أن [الصدقات] (٣) كلها -فرضها وتطوعها- محرمة عليهم.
وهذا القول رواه ابن حبيب في شرح الموطأ عن مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع، وأصبغ.
والثاني: أن الصدقات كلها -فرضها ونفلها- حلال لهم، وهذا القول حكاه الشيخ [القاضي أبو الحسن بن القصار] (٤) عن أبي بكر الأبهري.
والثالث: أنها تحل لهم صدقات التطوع، ولا تحل لهم صدقات
_________________
(١) سورة التوبة الآية (٦٠).
(٢) أخرجه مسلم (١٠٧٢).
(٣) في أ: الصدقة.
(٤) في أ: أبو الحسن القاضي.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
الفرض.
والرابع: أنها تحل لهم صدقات الفرض، ولا تحل لهم صدقات التطوع؛ لأن المنة تقع فيها.
والقولان الآخران حكاهما القاضي أبو الحسن بن القصار عن المذهب.
وسبب الخلاف: ما قدمناه.
واختلف في ذوي القربى الذين لا تحل لهم الصدقة على ثلاثة أقوال، كلها مذهبية:
أحدها: أنهم بنو هاشم، وهو مذهب ابن القاسم، وبه قال أبو حنيفة، إلا أنه استثنى [بنى] (١) أبي لهب.
والثاني: هم عشيرته الأقربون الذين ناداهم حين أُمر، وهم: آل عبد المطلب [وآل هاشم] (٢)، وآل عبد مناف، وآل قصي، وبنو غالب، وهو قول أصبغ.
والثالث: أنهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب.
والأظهر: قول ابن القاسم؛ لأن الآل إذا وقع على الأقارب، فإنما يتناول الآدنين.
واختلف في الموالي، هل يدخلون في النهي أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن الموالي لا يدخلون [في النهي] (٣)، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنهم يدخلون فيهم، وهو قول مطرف، وابن الماجشون،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
وابن نافع، وأصبغ؛ على ما حكاه عنهم ابن حبيب في "واضحته".
وسبب الخلاف: اختلافهم في معنى قوله ﵇: "موالى القوم منهم" (١).
فمن حمله على ظاهره قال: إن الصدقات لا تحل للموالي.
ومن حمل ذلك على البر والإكرام والحرمة قال: تحل لهم؛ كقوله ﵇ [: "أنت ومالك لأبيك"، يريد به] (٢) في البِّر والإكرام والطاعة، لا في القضاء واللزوم.
فإذا ثبت ذلك، فالقدر الذي يعطي للفقير من الزكاة يختلف باختلاف أحواله وصفاته؛ فإن كان فقيرًا متعففًا عن السؤال، مشتهرًا بحال ذوي العيال والأهل: فإنه يؤثره على غيره من غير إشكال.
واختلف هل يعطي له [من الزكاة نصابًا أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يعطى نصابًا.
والثاني: أنه يعطى على قدر حاله] (٣). وإن كان أكثر من النصاب [وهو أبين] (٤).
وهذا الخلاف مبني على الخلاف فيمن له نصاب من المال، ووجبت عليه [فيه] (٥) الزكاة، هل يعطى من الزكاة أم لا؟
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٦٥٠)، والترمذي (٦٥٧)، والنسائي (٢٦١٢)، وأحمد (٢٦٦٤١)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه العلامة الألباني في الصحيحة (١٦١٣)، والدارقطني في العلل (٧/ ١٢) من حديث أبي رافع.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
وحكى ابن المواز عن مالك أنه يعطى من الزكاة من له أربعون دينارًا إذا كان كثير العيال.
وروى المغيرة عن مالك أن من له دار يفصل في ثمنها عشرون دينارًا أنه لا يعطى من الزكاة.
وسبب الخلاف: هل المعتبر النصاب، أو كثرة العيال، وما عرفت لقول من قال لا يبلغ له في العلماء نصابًا وجهًا، ويؤثر الضعيف في بدنه على الصحيح في جسمه.
وما روى عنه - ﷺ -: "لا تحل صدقة لغني، ولا لذي مرة سوى" (١) ليس على ظاهره.
ويقدم الفقير المصلي على غير المصلي [ويؤثر عليه] (٢)، وقد قال المغيرة: يؤثر الفقير لحسن حاله، ولا يُحرم لسوء حاله.
ولم يجز ابن حبيب أن يعطى لتارك الصلاة؛ وقال: إن ذلك لا يجزئ من فَعله، وهذا القول انفرد به، وحكاه عنه أبو محمَّد عبد الله ابن أبي زيد في "النوادر" (٣): ولا يعطى منها لعبد ولا لذمي، وإن كانا فقيرين [فمن] (٤) أعطاهما غامدًا: [فلا خلاف أنها لا تجزئه] (٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٦٣٤)، والترمذي (٦٥٢)، وأحمد (٦٥٣٠)، (٦٧٩٨)، والدارمي (١٦٣٩)، وعبد الرزاق في المصنف (٧١٥٥)، وأبو عبيد في الأموال (١٧٢٨) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: النوادر (٢/ ٢٩٦).
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: فإنه لا يجزئه.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
وإن أخرج زكاته ثم تبين له أن الذي أخذها منه غني أو [عبد] (١)، أو ذمي: فلا يخلو من أن تكون قائمة بأيديهم أو استهلكوها.
فإن كانت قائمة بأيديهم: فلا خلاف أنه يستردها [منهم] (٢) ويصرفها إلى مستحقيها.
فإن استهلكوها: فإن كانوا مياسير: ضمنوها، وإن كانوا معاسير، فهل يجزئ المزكي أو يعيد؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز.
والثاني: المنع [والقولان لابن القاسم. والمنع في المدونة وله الإجزاء في الأسدية على ما نقله الباجي في المنتقى] (٣).
وسبب الخلاف: المجتهد هل يعذر باجتهاده أم لا؟ والفقراء في أخذ الزكاة على وجهين: أجانب للمزكي، وأقارب.
فأما الأجانب: فلا خلاف في جواز دفع الزكاة إليهم، وأما الأقارب: فعلى ضربين:
ضرب يلزم المزكى [الإنفاق عليهم] (٤)، وضرب لا يلزمه ذلك عليهم.
وأما من يلزم [رب المال] (٥) الإنفاق عليهم في أصل الشرع، فلا
_________________
(١) في الأصل: عمد.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: عليهم الإنفاق.
(٥) في ب: المزكى.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
[يجوز] (١) دفع الزكاة إليهم بالاتفاق؛ لأنهم أغنياء بما يستحقونه من النفقة عليهم.
وأما من لا يلزمه الإنفاق عليهم: فلا يخلو من أن يكونوا في عياله أم لا.
فإن كانوا في عياله: فلا ينبغي له أن يفعل، فإن فعل فقد أساء، ثم لا يخلو من أن يكون قد قطع بذلك الإنفاق [عن نفسه أم لا: فإن قطع ذلك الإنفاق] (٢) عن نفسه فلا يجزئه.
ووجهه: أنه قد انتفع بزكاة ماله حين قطع بها ما التزم من الإنفاق عليهم [والقيام بهم] (٣).
فإن لم يقطع بذلك الإنفاق [عليهم] (٤): فلا يضمنها، وروى ذلك مطرف عن مالك، وقال ابن حبيب، فإن لم يكونوا في عياله: فلا يخلو من وجهين:
إما أن يكون هو الذي يتولى [الصرف] (٥) إليهم أو غيره.
فإن تولى الدفع إليهم غيره: فلا خلاف في الجواز.
وإن كان هو الذي تولى الدفع إليهم: فعن مالك قولان:
أحدهما: الجواز مع الكراهة، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المدونة".
_________________
(١) في ب: يجزئه.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: عن نفسه.
(٥) في ب: التصريف.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
والثاني: الجواز من غير كراهة، وهي رواية مطرف عنه [وذكر] (١) أن مالكًا كان يعطي قرابته صدقة ماله.
ووجه قول ابن القاسم: أنه يقصد بذلك المحمدة والثناء، وصرف مذمتهم عنه.
ووجه قول مطرف: أن إخراج الزكاة مبني على صرفها إلى من يختص لمن يخرجها ما لم تلزمه نفقته، ولذلك اختصت بأهل البلد.
وأما العاملون عليها؛ وهم جباتها، ولا يجوز أن يستعمل عليها عبد أو ذمي؛ لأن الجابي حاكم بين الفقراء والأغنياء، والعبد والذمي لا يجوز حكمهما، ولا ينفذ أمرهما.
ويجوز استعمال الغنى عليها، وأجرته على قدر عنائه في قرب البلاد وبعدها، وكثرة الزكاة وقلتها، وليس لذلك حد معلوم.
وأما المؤلفة قلوبهم: فقد اختلف فيهم على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المؤلفة قلوبهم [قوم] (٢) من أعيان المشركين ورؤسائهم، أسلموا فيرشوا ليجلبوا غيرهم إلى الإِسلام، وهذا القول [أمثل] (٣) الأقوال، كأبي سفيان وغيره.
والثاني: أن المؤلفة قلوبهم قوم ضعفاء دخلوا في الإِسلام، فيرشوا ليثبتوا في الإِسلام [وليتمكن في] (٤) قلوبهم.
والثالث: أن المؤلفة قلوبهم [قوم] (٥) من الكفار يعطون ليدخلوا في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في الأصل: مثل.
(٤) في أ: ولتسكن.
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
الإِسلام.
واختلف المذهب عندنا في سهمهم؛ هل هو باق ويُرد إليهم إن احتيج إليهم، أو هو ساقط إلى يوم القيامة؛ لأن الله تعالى قد [أغنانا بالمسلمين عنهم] (١) وقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٢).
في "المدونة" (٣) عن مالك: عبيد يشتريهم الإِمام من الزكاة فيعتقهم، ويكون ولاؤهم لجميع المسلمين.
واختلف هل يُفَك بها مكاتب ليحصل له العتق أم لا على قولين:
أحدهما: المنع، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٤)، وقال أصبغ في غير "المدونة" (٥): فإن فعل فليعد أحب إليَّ.
واختلف إذا اشترى عبدًا من زكاة ماله، فيعتقه عن نفسه على قولين:
أحدهما: أنه لا يجزئه، وعليه أن يخرجها ثانية، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنها تجزئه، وولاؤه للمسلمين كمن أمر أن يعتق عنه عبده، أو يذبح عنه أضحيته، ففعل ذلك عن نفسه، وهو قول أشهب.
وكذلك اختلفوا في الأسير، هل يفدى من الزكاة أم لا، على قولين:
أحدهما: أنه لا يفدى من الزكاة، وأنه إن فعل أعاد وهو قول أصبغ.
والثانى: أنه يجزئه؛ لأنها رقبة قد ملكت بملك الرق، وهي تخرج
_________________
(١) في أ: أغنى المسلمين.
(٢) سورة البقرة الآية (١٧٧).
(٣) انظر: المدونة (٢/ ٢٩٩).
(٤) انظر: المصدر السابق.
(٥) انظر: النوادر (٢/ ٢٨٥).
[ ٢ / ٣١٠ ]
رق إلى عتق؛ بل ذلك أحق وأولى من فك الرقاب التي بأيدينا وأما الغارمون، فقد قال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب: الغارمون: الذين لا يجدون لهم وفاءً لديونهم، ويكون لهم أموال بإزاء ديونهم، فيعطوا من الزكاة ما يقضون به ديونهم، وفي قوله نظر؛ لأنه قد يكون دينهم مائة دينار، وفي أيديهم مائة، فليس يقضى دينه. إن بقى في يده مائة دينار، والغارم يعطى من الزكاة بأربعة شروط:
ألا يكون عنده ما يقضي من دينه. وأن يكون الدين لآدمي، وأن يكون فيما يحبس فيه، وألا تكون تلك المداينة في فساد.
فقولنا: أن يكون الدين للآدمي احترازًا مما هو لله، مثل كفارة الظهار وقتل النفس.
فالذي لا يعطى منها؛ لأن ذمته غير عامرة بشيء يتخذ على اليقين.
وقولنا: أن يكون الدين مما يحبس فيه احترازًا من نفقة الوالدين على الاتفاق أو الولد على الخلاف؛ لأن نفقة الوالدين لا يحبس فيها حتى يستبرؤوا أمره إذا ادعى العسرة، وإنما تجب مع اليسر الظاهر.
وقد اختلف المذهب عندنا فيمن فرط فيها فلم يخرجها ناسيًا أو عامدًا حتى تلف ماله، فهل يعطى من الزكاة ما يؤدي به ما عليه من الزكاة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يعطي منها لأنه ممن يأخذه السلطان، ويحكم بها عليه ثم يردها إلى مواضع الزكاة، وقد برئت ذمته.
والثاني: أنه لا يعطى ولا يقضى من الزكاة دين زكاة؛ لأن هذه غصب، والمغصوب لا يقضى من الزكاة.
وهذا مخالف لمسألة كفارة الظهار، وقتل النفس؛ لأن الذمة هاهنا عمرت بشيء بعينه فأشبهت ديون المعاملة من وجه.
[ ٢ / ٣١١ ]
واختلف أيضًا في دين الميت، هل يقضى منها أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يقضى منها، وهو قول محمَّد بن المواز.
والثاني: أنه يقضى منها، وهو قول ابن حبيب.
وقولنا: ألا تكون تلك المداينة في فساد، قد اختلفوا في مداينة الفساد، هل تقضي من الزكاة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يقضي منها، لأن ذلك إعانة له على الفساد.
والثاني: أنه يعطى منها، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم، وذلك إذا حسنت حالته؛ لأنه دين يلزم ذمته، وهو من جملة الغارمين، وهو دين يحاص به غرماؤه؛ إذ لا تخلو الجناية من أن تكون عمدًا أو خطأ، فإن كانت الجناية خطأ، وهي دون الثلث قضى عنه، وإن كانت أكثر من الثلث لم يعطى؛ لأن العاقلة تحملها عنه، وإن كانت الجناية عمدًا بنيت على الخلاف الذي قدمناه إذا كانت المداينة في فساد؛ لأن ذلك داعية إلى العودة إلا أن تعلم منه توبة وخير.
فإن كان ذلك رزق لزوجته، فلا يخلو من أن يكون عن مدة مضت أو لا تستقبل.
فإن كانت عن مدة قد مضت، فلا يخلو من أن يكون موسرًا أو معسرًا.
فإن كان موسرًا، فهو من الغارمين.
وإن كان معسرًا لم يكن منهم؛ لأن النفقة ساقطة عنه في حال عسره، وإن كانت لما تستقبل فليس من الغارمين لأن ذمته غير عامرة بشيء، والحميل إذا كان المحتمل عنه معسرًا أُعطى قولًا واحدًا.
وإن كان موسرًا والحميل معسر، فهل يعطى من الزكاة ما يقضي به عن نفسه حمالته أم لا؟ قولان:
[ ٢ / ٣١٢ ]
وينبني الخلاف على الخلاف في الطلب، هل هو على التخيير أو على الترتيب؟
فعلى القول بالتخيير يعطى، وعلى القول بالترتيب لا يعطى] (١).
وفي سبيل الله: قال مالك: سبل الله كثيرة، وأرى أن يصرف في الغزو.
ولا خلاف في المغازي إذا لم يكن معه ما يكفيه أنه [يجوز له] (٢) أن يأخذ من الزكاة، وإن كان غنيًا في بلده.
واختلف فيما إذا كان معه ما يكفيه، هل يجوز له أخذها أم لا، على قولين:
أحدهما: أنه لا [يجوز] (٣)، وهو قول عيسى بن دينار (٤).
والثاني: أنه [يجوز له] (٥) أن يأخذ منها، وهو قول أصبغ (٦).
وسبب الخلاف: اعتبار الحال، والمآل.
وابن السبيل: هو العابر الطريق: فلا خلاف أيضًا أنه يعطى من الزكاة إذا لم يكن معه ما يكفيه.
واختلف إذا كان معه ما يكفيه على قولين:
أحدهما: أنه يعطى، وإن كان معه ما يكفيه، وهو [غني ببلده] (٧)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: يجزئه.
(٣) في أ: يجزئه.
(٤) انظر: النوادر (٢/ ٢٨٣).
(٥) في أ: يجزئه.
(٦) انظر: النوادر (٢/ ٢٨٣).
(٧) في أ: في غير بلده.
[ ٢ / ٣١٣ ]
وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يعطى من الزكاة إذا كان معه ما يكفيه، وهي رواية [ابن نافع] (١) عن مالك أيضًا، وبه قال أصبغ.
ووجه القول الأول: قوله تعالى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ (٢)، ولم يفرق، وهو أعلم، ومن جهة القياس أن هذا صنف يجوز صرف الزكاة إليه بمعنى سفره في أي وجه صرفها إليه، وإن كان معه ما يكفيه كالغازي.
ووجه القول الثاني: ما ورد عنه - ﷺ -[أنه قال] (٣): "لا تحل صدقة لغني [ولا لذي مرة سوى] (٤) " (٥) فلم يذكر المسافر.
ولا فرق بين أن يكون هذا المسافر الذي هو ابن السبيل مبتدئًا لسفره، أو مستديمًا.
ومعنى المستديم: هو الذي في أثناء سفره.
ومعنى المبتدئ: هو الغريب يكون بالبلد له فيه مدة ثم يريد الرجوع إلى وطنه.
وكلاهما سواء في جواز دفع الزكاة إليهما عند مالك ﵁ [تم بحمد الله وحسن عونه، والحمد لله وحده] (٦).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سورة البقرة الآية (١٧٧).
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: إلا خمسة.
(٥) تقدم، وهو صحيح.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٣١٤ ]