تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها خمس مسائل:
المسألة الأولى في تقاسم الشركة
اعلم أنهم قالوا: إن الشركة على ثلاثة أضرب:
شركة مال، وشركة أبدان، وشركة ذمم.
فأما الشركة بالمال: فالإجماع على جوازها على شروط مختلف فيها، يأتي بيانها في مسألة مفردة إن شاء الله.
فعندنا: أن الربح فيها يتوزع على قدر مالية كل واحد منهما، وعليه يكون العمل.
فإن تفاضلا في المال على شريطة تشطير الربح: لم يجز، وكذلك لو تماثلا في رأس المال على أن يتفاضلا في الربح لم يجز، وفاقًا في الصورتين من المدني والحجازي، خلافًا للعراقي فيهما.
ومستندنا كلام مخيل نجمعه في تحرير، فنقول:
الاشتراط على غير سبيل الاشتراك فلم يجز؛ لأنَّا معاشر العباد ليس إلينا تغيير وضع الأسباب، وإنما إلينا مباشرة الأسباب، وترتيب أحكامها إلى الله تعالى، فإذا كان الأمر هكذا وجب توزيع النماء المستفاد من متخذ الاشتراك على قدر المالية؛ قياسًا للاشتراط على إطلاق المسببات أبدًا لابد أن تكون على وفق الأسباب.
وأما شركة بدن: فهي جائزة وفاقًا من العراقي والمدني، خلافًا للحجازي.
[ ٨ / ٧ ]
ولها على رأى المدني ثلاثة شروط:
اتفاق الصنعة، واتحاد البقعة، وعدم التفاضل إلا الشيء المغتفر.
وقولنا: اتفاق الصنعة، مثل أن يكونا خياطين، أو صائغين، أو حدادين؛ احترازًا من أن يكون أحدهما خياطًا والآخر حدادًا، فإن ذلك لا يجوز باتفاق المذهب؛ لما في ذلك من الغرر والخطر؛ إذ قد تتفق صنعة أحدهما وتكسد صنعة الآخر، وذلك من باب أكل المال بالباطل.
وقولنا: اتحاد البقعة؛ احترازًا من أن يكونا في موضعين، هذا في موضع، وهذا في موضع.
فإذا اتحدت الصنعة وتفرقا في المواضع، فهل تجوز الشركة بينهما أو لا تجوز؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها لا تجوز؛ لأن ذلك غرر وأكل المال بالباطل؛ إذ قد يعمل أحدهما، ويتعطل الآخر.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول أصبغ عن ابن القاسم في "العتبية"؛ حيث قال: فإن اتفقت الصنعة، والحانوتان متفرقان: فلا بأس به.
وقد اختلف المتأخرون في تأويل ما وقع في العتبية هل هو وفاق للمدونة أم لا؟ فمنهم من حمل الكلام على ظاهره، وقال: إن ذلك خلاف.
ومنهم من قال: إن ذلك تباعد المواضع؛ حيث يصير هذا في بلد، وهذا في بلد فلا يجوز، وإن تقاربت المواضع، وتدانت الحوانيت حتى تكون أيديهما تلج في الحانوتين جميعًا، ويتعاونان في العمل: فذلك جائز؛ إذ ليس المقصود بالجلوس في موضع واحد إلا لتقارب
[ ٨ / ٨ ]
الأسواق ومنافعه.
وعلى هذا التأويل يتلفق [ما] (١) في الكتابين.
وقولنا: وعدم التفاضل إلا الشيء المغتفر؛ احترازًا من أن يتفاضلا في العمل، ويتفقا في الكسب.
ولا تخلو شركتهما من أن يحتاجا [فيها] (٢) إلى رأس المال أم لا، فإن لم يحتاجا [فيها] (٣) إلى رأس المال؛ كالشركة في تعليم الصغار، فإن تساويا في الحفظ وحسن التعليم: فلا إشكال في الجواز.
فإن كان أحدهما أغزر علمًا، أو أجود تعليمًا، والكسب بتفاضل ذلك، فالمذهب على جواز شركتهما على قولين:
أحدهما: الجواز.
والآخر: المنع.
والقولان لمالك في "الموازية".
فإن احتاجا في شركتهما إلى رأس المال؛ كالحدادين، والإسكافة والقرازين: فإنهم يحتاجون إلى آلة الصنعة والصيد بالجوارح والحمل على الدواب، فهذا لابد لهم من الاعتدال والتساوي فيما يخرجاه، وهل من شرطها الاشتراك في الرقاب أم لا؟.
أما ما لابد فيه من عمل الأيدي؛ كالصناعات بأسرها: فقد اختلف فيها على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه لابد لهما من الاشتراك في الرقاب.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: فيه.
(٣) في أ: فيه.
[ ٨ / ٩ ]
والثاني: أنه يجوز، وإن لم يشتركا في الرقاب، ولكنهما يتكاريان ما أخرجاه بينهما، ويؤدي كل واحد منهما كراء نصف ما أخرج صاحبه.
والثالث: أن الشركة جائزة، وإن لم يشتركا في الرقاب، ولا يتكاريانها.
والثلاثة الأقوال كلها لمالك، قائمة من "المدونة" من كتاب [. .] (١) وهي أظهر من أن تتعرض للتنبيه على مواضعها.
وأما ما لا مدخل فيه لعمل اليد لكون عمل اليد فيه تبعًا؛ كالصيد بالبزاة والكلاب، والاحتشاش، والاحتطاب، والحمل على ظهور الدواب: فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه لابد من الاشتراك في الرقاب، والتعاون في العمل، ولا يجوز الافتراق يكون هذا في موضع، وهذا في موضع، وهو قول ابن القاسم، ومالك في "الكتاب".
والثاني: أنه يجوز وإن لم يشتركا في الرقاب إذا اكترى كل واحد منهما نصف ما أخرج صاحبه، ويكون عملهما في موضع واحد، وحملها إلى غاية واحدة، ولا يجوز لهما أن يفترقا، وهو قول مالك في "الكتاب" أيضًا.
والثالث: أن الشركة جائزة، وإن لم يشتركا في ملك الرقاب، ولا تكارياها إذا كان عملهما في موضع واحد، وحملهما إلى غاية واحدة، وهو قول مالك في "الكتاب" أيضًا.
والرابع: التفصيل بين أن يشتركا في الرقاب، أو لم يشتركا؛ فإن اشتركا في ملك الرقاب: فالشركة جائزة، وإن افترقا.
_________________
(١) اسم الكتاب سقط من الأصل.
[ ٨ / ١٠ ]
وإن لم يشتركا في الرقاب: فلا تجوز الشركة حتى يكون عملهما في موضع واحد.
وهو قول ابن حبيب في المشتركين في الدابتين، وهو تأويل بعض الأشياخ على المدونة في الاشتراك في الصيد بالبزاة، والكلاب على اختلاف الروايات في "الكتاب" في إثبات الألف وإسقاطه؛ وذلك أنه سئل هل الاشتراك في الصيد بالبزاة والكلاب؟ فقال: لا أرى ذلك، إلا أن تكون البزاة والكلاب بينهما، ويكون الكلبان، والبازان بيعًا وإن طلبهما واحد، وأخذهما واحد، لا يفترقان.
هكذا في أكثر النسخ، وهي الرواية المشهورة أنه لابد من الاشتراك في الرقاب، وأنه لا يجوز الافتراق.
ووقع في بعض الأمهات رواية بزيادة الألف في قوله: "أن يكون الكلبان والبازان يتعاونان"، فاستخرج منها بعض الأشياخ أن الاشتراك إذا حصل بينهما في الرقاب: لم يلزم اجتماعهما، وجاز الافتراق، كما هو منصوص عليه في الدواب في "كتاب ابن حبيب"؛ بناء على أن الجوارح كرؤوس الأموال؛ لأن الجوارح معظم عمل الصيد، إذا اشتركا فيها لم يضرهما الافتراق؛ كما لو اشتركا بالمال، فسافر هذا إلى ناحية، وهذا إلى ناحية.
فأما الضرب الثالث: وهي الشركة بالذمم: فلا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشتركا في شيء بعينه: فهذا جائز، ويتتبع كل واحد من ثمن تلك السلعة بقدر نصيبه.
والثاني: اشتراكهما في معين على أن يتعين كل واحد منهما لصاحبه؛ فإن كانا معتدلين فيها: جازت الشركة والبيع، وإن كانا مختلفين فيها: لم تجز.
[ ٨ / ١١ ]
والثالث: أن يشتركا على غير معين: فهذا لا يجوز، فهذا من باب تحمل عني وأتحمل عنك، وأسلفني وأسلفك، فإن نزل ووقع هل ينفرد كل واحد منهما بما اشتركا، أو يكون بينهما؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، ولكل واحد منهما ما اشتراه، وهو ظاهر "المدونة"؛ لأنه قال: لا تعجبني هذه الشركة، وهو مذهب سحنون.
والثاني: أن كل ما اشتراه أحدهما، فإنه يكون بينه وبين صاحبه، وهو ظاهر قوله في باب شركة المفاوضة؛ لأن صاحبه قد أمره أن يشتري عليه.
وقال بعض المتأخرين: هكذا كان في هذا الباب في "الأسدية" بعد قوله لا تعجبني هذه الشركة، قال: فإن نزلت: رأيت أن يكون ما اشترى كل واحد منهما يلزم نصفه صاحبه؛ لأنه قد اشتراه بإذن صاحبه.
وقال حمديس: كأنه حمله على محمل الوكالة، ولأصبغ نحوه.
[ ٨ / ١٢ ]
المسألة الثانية في الشركة في النصف المتحد والمتعدد
اعلم أن المال الذي ذكرنا الإجماع على جواز الشركة به لا يخلو من وجهين: إما أن يكون صنفًا واحدًا، أو أصنافًا.
فإن كان صنفًا واحدًا؛ كالدنانير من كليهما، أو الدراهم، أو الطعامين من صنف واحد، أو العرضين من صنف واحد؛ أما العين: فالإجماع على جواز الشركة به عند اتحاد الجنسية، وكذلك العرضين من صنف واحد -عندنا.
أما بالطعامين المتفقين ففي جواز الشركة بينهما قولان منصوصان في الكتاب:
أحدهما: أنها جائزة، وهو قول ابن القاسم، وهو أحد قولي مالك في "الكتاب": وقد رجع مالك عن إجازة الشركة بالطعامين إن تكافئا، فلم يجزه لنا منذ لقيناه، ولا أعلم للكراهية فيه وجهًا.
وهذا القول الثاني منصوص عن مالك في "الكتاب"؛ حيث قال: ولا تجوز الشركة عند مالك بشيء من الطعام، والشراب -كان مما يكال أو يوزن أم لا، من صنف واحد، أو من صنفين.
فإن كانا أصنافًا مختلفة؛ كالطعامين المختلفين أو العرضين المختلفين، أو الدنانير من عند واحد والدراهم من عند الآخر، أو العرض من عند أحدهما، والعين من عند الآخر، أو بالعرض والطعام: فقد جوز ذلك كله سحنون، واختلف فيه قول مالك، واضطرب فيه قول ابن القاسم.
أما الصنف المحدد: فقد اتفق المذهب على جواز الشركة فيه، إلا في
[ ٨ / ١٣ ]
الطعامين على ما تقدم.
والدليل الدال على جواز الشركة عند اتحاد الجنسية: الإجماع الواجب الاتباع، المحرم التداع.
أما العرضين المتحدين: فالدليل عليه: عدم العلتين، وفقد المحذورين -البيع والشركة- وعدم جريان الربا فيهما.
أمَّا البيع: فإنه يتصور عند اتفاق الأعراض؛ لأن ما بيد أحدهما مثل ما بيد الآخر، وإنما يتصور التشوف عند اختلاف الأعراض بأن يطمح كل واحد منهما إلى ما بيد صاحبه.
وأما الطعامان المختلفان: وسبب الخلاف فيه أن يقال: من جوزها قاسها على العين؛ لعلة أنه مال ربوي كهو.
ومن منعها: فقد وجه قوله بأربعة معان: منها: عدم المناجزة ببقاء يد كل واحد منهما على شبه الذي باعه، وساغ ذلك في العين؛ لأنها رخصة لا يعقل لها معنى، فلم تقس عليه لخروجه عن قياس الأوضاع ومنهاج القواعد.
ومنها: أن ذلك من جهة الخلط للطعام الجيد بالطعام الردىء، وإذا لم يخلطاهما فكمكتل؛ لأنه بيع عرى عن التقابض.
ومنها: أنه بيع الطعام قبل الاستيفاء؛ لكون كل واحد منهما متصرفًا في النصف الذي باعه لشريكه قبل قبضه له؛ لبقاء يد كل واحد منهما على عين شيئه.
ومنها: أن الشركة تفتقر إلى الاستواء بين الكيل والقيمة، وحصول ذلك عزيز، بخلاف البيع الذي لا يفتقر إلى الاستواء في المعيار الشرعي، ويلزم هذا على ما قاله إلزامًا ينطبق عليه انطباقًا، مخففًا تحرير ذلك في
[ ٨ / ١٤ ]
الطعامين المختلفين؛ لسقوط الاستواء في المعيار الشرعي فيه، وكل ذلك معدوم في العرضين المتفقين، وكذلك ارتفع النزاع عندنا فيهما.
أما النصف المتعدد: فقد ذكرنا الخلاف فيه؛ فمن جوز على الإطلاق، فقد تحسس إلى جواز البيع، والشركة، ولاسيما إذا كان داخلًا فيهما، وهو مذهب سحنون؛ لأن الدليل الدال على جواز الشركة لم يفصل بين كونها مقرونة، أو مفروزة.
ومن منع ذلك على الإطلاق لم يسلم اجتماع البيع والشركة، وإن كان داخلًا فيهما؛ لأنهما متناقضي المعنى، متنافرين في المغزى.
أما ابن القاسم: فقد أنبأناك باضطراب مذهبه؛ لأنه منع الشركة بالطعامين المختلفين وبالدنانير والدراهم؛ حذار الإخلال بالقاعدتين المدعمتين؛ وهما: عدم المناجزة المشروعة، وجواز البيع والشركة، وجوزها في العرضين المختلفين، وفي العين من واحد، والغرض من آخر؛ لسقوط قاعدة الربا، وإن كان ثم بيع وشراء كمتفقد اغتفره لدخوله فيهما؛ ولأن الدليل الدال على الإجزاء عام في كونها جائزة حسًا وركزًا، فإذا جوزنا الشركة فيما يحرم فيه التفاضل، فإنما نراعي الاتفاق في الكيل والقيمة، وإذا جاز التفاضل، فإنما يراعى الاتفاق في القيمة، والحمد لله وحده.
[ ٨ / ١٥ ]
المسألة الثالثة في اعتبار الخلط في مال الشركة
فينبغي أن تعلم أن الأصحاب ترددوا في الخلط، هل هو شرط في صحة عقد الشركة أم لا؟ فذهبت طائفة إلى أن خلط المالين شرط في انعقاد الشركة، فمتى لم يحصل لم ينعقد عقد الشركة بينهما، وهو نص قول الغير في المدونة، وذهبت طائفة إلى أن الخلط شرط في صحة العقد، وبه قال بعض المحققين.
وذهب ابن القاسم إلى أن الخلط شرط الانعقاد في الثواء، لا في النماء؛ لأنه قال: ما اشتراه أحدهما بماله قبل الخلط فهو بينهما، وما ضاع فهو من صاحبه.
فأنت ترى ترداد هذا المذهب في الخلط، وقد يعتذر عن هذا التناقض بأن يقال: أن المشتري إنما كان بينهما ليكون لذكر الشركة تأثير بأن يشتركا في النماء، وأما الثواء فإنه اختص به صاحب المال الثاوي؛ لبقاء التوفية عليه كالبيع، حتى إذا تناقداها ووزناها، ثم ائتلفت في ملكه لتوزيع الثواء توزيع النماء عليهما.
ثم لا يخلو المشتري ماله منهما من أن يشتري بعد تلف مال صاحبه، أو قبل تلفه؛ فإن اشترى قبل تلف مال الآخر: فالمشتري بينهما لا محالة، فإن اشترى بعد التلف -وهو عالم به: كان المشتري له، قولًا واحدًا، وإن لم يعلم فهو بالخيار بين أن يشركه فيه ويلزمه له، أو يتفرد به دونه؛ لأنه يقول لو علمت بالتلف لاشتريت لنفسى بخلاف ما اشتراه قبل التلف كما تقدم.
[ ٨ / ١٦ ]
وعلى القول بأن الخلط شرط إما في الانعقاد، وإما في الصحة، فإن الشركة موضوعها التعاون في العمل، والإذن في الاتجار مطلقًا بتعافي العقود مرة بعد أخرى على وجه يكثر به المال، ويحصل به الربح، وذلك لا يحصل كما يجب إلا بالخلط؛ لأنه إذا كثر المال اتسعت التصرفات فيه، وكثر الربح، وظهر النماء، وإذا قلَّ عسر استنماؤه، وتعذر استمداده؛ لأن نفس الشركة هي خلط المالين؛ إذ لا تسمى الشركة في عرف الشرع إلا كذلك، وإلا فلا يطلق عليها ذلك الاسم إلا مجازًا.
فإذا ثبت ذلك، فما الخلط المعتبر؟ هل الخلط الحسي أم الخلط المعنوي؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المراعى الخلط الحسي؛ بأن تخلط العين حتى لا يتمكن التمييز أصلًا، وهو مذهب سحنون، وهو ظاهر قول الغير في المدونة.
والثاني: أن المعتبر الخلط المعنوي؛ فإذا وجد صحت الشركة؛ وهو أن يجمع المال أحدهما في تابوته، أو في خريطته، وإن لم يخلطا وكانت كل صرة على حدة، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
[ ٨ / ١٧ ]
المسألة الرابعة في حكم المزارعة
اعلم أنهم قالوا: إذا سلم المتزارعان من أن تكون الأرض التي لها بالٌ في الكراء من واحد، والبذر من الآخر: جاز إذا تكافئا.
واختلف في التكافؤ المعتبر على قولين:
أحدهما: أن التكافؤ لا يكون إلا بالتساوي في الرقاب حتى يستويا في ضمان التالف.
والثاني: أنه يجوز وإن لم يشتركا في الرقاب بأن تكون قيمة كراء ما يخرجه أحدهما مكافئًا بقيمة كراء ما يخرجه صاحبه.
والقولان لمالك في أصل "الكتاب"، وقد قدمناهما في شركة الأبدان، بيد أن لنا في التكافؤ، هل هي معتبرة أم لا؟ أربعة أقوال:
أحدها: أنه معتبر، ولا يصح التفاضل، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه غير معتبر، والتفاضل سائغ، وهو قول سحنون.
والثالث: مقيد بأن لا يتفاحش بما لا يتغابن بمثله، وهو قول ابن حبيب.
والرابع: التفصيل بين التفاضل المتصل والمنفصل؛ فيجوز في المتصل، ولا يجوز في المنفصل.
ومعنى المتصل: هو المقابل له عوض، ومعنى المنفصل: وهو المتبارز الذي لم يقابل بشيء؛ مثل أن يخرج أحدهما ما ليس له نظير من الآخر،
[ ٨ / ١٨ ]
وهو قول سحنون أيضًا.
وهذان القولان المقيدان آيلان عن العفو عن قليل الفضل دون جمهوره، ولهما وجه في الجملة، وإن لم يشف غليلًا، ولا يبرئ قتيلًا، وهو كيف وصلنا بين الحظير والحقير من الغرر في البيع.
وأما القولان المطلقان فحاصلان، وشاهدهما ومثارهما تردد المزارعة بين أصلين متنافري المعنى؛ أحدهما: الإجارة، والتماثل ليس من خصائصها، فمن محض النظر إلى أحد الأصلين خرج له منه حكمها حتى صمم على الجواز أو على المنع، وهذا محض التحقيق.
فإن وقعت على وجه فاسد على التفاضل على رأي من منعها، أو يكون مخرج البذر غير مخرج الأرض لمن يكون الزرع؟
فالمذهب على ستة أقوال:
أحدها: أن الزرع لصاحب البذر، ويؤدي لأصحابه كراء ما أخرجوه، وهو مذهب ابن غانم.
والثاني: أن الزرع لصاحب العمل، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم فيما حكاه عنه ابن المواز.
والثالث: أن الزرع لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة أصول؛ وهي البذر والأرض، والعمل، فإن كانوا ثلاثة فاجتمع لكل واحد منهم شيئان، أو انفرد كل واحد منهم بشيء منها كان الزرع بينهم أثلاثًا، وإن اجتمع لواحد منهم شيئان منها دون أصحابه: كان له الزرع دونهم، وهو مذهب ابن القاسم، واختيار ابن المواز على ما تأول أبو إسحاق.
والرابع: أنه يكون لمن اجتمع له ثلاثة أشياء على هذا الترتيب؛ وهي: الأرض، والبقر، والعمل.
[ ٨ / ١٩ ]
والخامس: أنه يكون لمن اجتمع له شيئان من أربعة أشياء على هذا الترتيب أيضًا؛ وهي البذر، والأرض، والبقر، والعمل.
والسادس: أن الفساد إذا سلم من كراء الأرض ما يخرج منها: كان الزرع بينهم على ما اشترطوه وتعادلوا فيما أخرجوه.
وإن دخله كراء الأرض بما يخرج منها: كان الزرع لصاحب الأرض، وهو قول ابن حبيب.
وهذا الخلاف تارة يقدر أنه أكرى الأرض كراء فاسدًا، وتارة يقدر إجارة العامل إجارة فاسدة، والحمد لله وحده.
[ ٨ / ٢٠ ]
المسألة الخامسة في إقرار أحد الشريكين على الشركة
فلا يخلو ذلك من وجهين: إما أن يكون ذلك قبل افتراقهما، أو بعده.
فإن كان الإقرار قبل الافتراق: فلا يخلو أن يكون شريكًا مفاوضًا، أو شريك عنان.
فإن كان شريك عنان: فلا يخلو إقراره من أن يكون في شيء بعينه، أو فيما يتعلق بالذمة.
فإن كان في شيء بعينه: فلا يجوز إقراره على شريكه بوجه إلا أن المقر شاهد لمن أقر له يحلف معه، ويستحق حقه إن كان عدلًا.
فإن كان مما يتعلق بالذمة: فحكمه حكم المفاوض، وها أنا أتكلم عليه إن شاء الله.
فإن كان مفاوضًا حيث يصير حميلًا عن صاحبه حتى صار في حكم المتحد، فهل يجوز إقراره عليه بدين أم لا؟
فلا يخلو من أن يكون ممن يتهم عليه، أو لا يتهم عليه.
فإن كان المقر له ممن يتهم عليه كالصديق الحميم وغيره من قرابته، فإنه يتخرج على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن ذلك لا يلزم المقر عليه، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن ذلك جائز، وهذا القول يؤخذ من المدونة من "كتاب
[ ٨ / ٢١ ]
التفليس" من إقران مفترق الذمة قبل التفليس لمن لا يتهم عليه حيث قال بجوازه ببقاء الدين في ذمته فلم يتهم، والمنع أظهر لإضراره لشريكه؛ فهذا دأب الشرع في كل إقرار يتضرر به الغير، ويرجع وباله على غير ألا يجوز كالعبد، والمريض، والمديان، فإن كان المقر له ممن لا يتهم عليه: فلا إشكال في جوازه، ولزوم إقراره لشريكه.
فأما الوجه الثاني: إذا كان الإقرار بعد الافتراق: فلا يجوز إقرار الشريك الخاص.
وهل يجوز إقرار العام؟
فلا يخلو من أن يكون ذلك بقرب الافتراق، أو بعد طول الزمان.
فإن كان ذلك بعد طول الزمان: فلا يجوز إقراره لانقطاع الحبل وانفتات الوصل بينهما كالأجنبي.
فإن كان بالقرب هل يجوز أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول سحنون.
وكذلك الحكم في إقرار أحدهما بعد موت الآخر في التفصيل بين القرب والبعد، وإن كان ابن القاسم قد أطلق في "الكتاب" في أن ذلك لا يجوز، والمقر شاهد للمقر له، فإذا قلنا بقول ابن القاسم، فهل هو شاهد ويحلف معه صاحب الدين، فإن نكل أخذ منه حصته أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه شاهد ويحلف معه، ويستحق حقه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في آخر "كتاب الشركة" من "المدونة".
[ ٨ / ٢٢ ]
والثاني: أنه ليس بشاهد؛ لأنه مطلوب بجميع الدين لكونه حميل، فيدفع عن نفسه الغرم بشهادة كالخلاف في شهادة الحميل على ما لا خفاء به على من طالع المذهب، والحمد لله وحده.
[ ٨ / ٢٣ ]
كتاب القراض
[ ٨ / ٢٥ ]