تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ثمان عشرة مسألة:
المسألة الأولى في [شفعة] (١) أهل الذمة
والذي نبدأ به: اشتقاق هذا اللفظ وتسميته:
فالشفْعة بسكون الفاء، وقد اختلف في تسميته بذلك على أربعة أقوال:
قيل: مأخوذ من الشفع، وهو ضد الوتر؛ لأن الشفيع يضم هذا المشفوع فيه إلى ماله، فتصير الحصة حصتين والمال مالين.
وقيل: هو من الزيادة؛ لأنه يجمع مال ذلك إلى ماله، ويضيفه إليه ويزيده له، والشفعة: الزيادة؛ قال تعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ (٢)، قيل: يزيد عملًا صالحًا إلى عمله، وهو قريب من المعنى الأول.
وقيل: هو من الشفاعة؛ لأنه شفع بنصيبه إلى نصيب صاحبه، وقيل: بل كانوا في الجاهلية إذا باع الرجل حصته أو أملاكه أتى المجاور مشافعًا إلى المشتري ليوليه إياه ليصله بماله، ويخلص له الملك.
فإذا ثبت ذلك: فلا يخلو الشفيع من أن يكون مسلمًا، أو ذميًا.
فإن كان مسلمًا: فلا خلاف في وجوب الشفعة على المشتري -كان مسلمًا أو ذميًا- ثم لا يخلو الثمن الذي اشترى به المشتري إن كان ذميًا أن
_________________
(١) في ب: تشافع.
(٢) سورة النساء، الآية (٨٥).
[ ٩ / ٤٨ ]
يكون مما يجوز تملكه والمعاملة به أم لا.
فإن كان مما يجوز تملكه، والمعاملة به: فحكمه حكم ما لو كان مسلمًا، ولا إشكال في ذلك.
فإن كان مما لا يجوز تملكه، والمعاوضة [به] (١) عليه كالخمر، والخنزير، فبماذا يستشفع؟
فقد اختلف فيه المذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يستشفع بقيمة الشقص لا بقيمة الخمر، وهو قول أشهب في "العتبية".
والثاني: أنه يستشفع بقيمة الخمر، وهو قول يحيى بن عمر، وابن عبد الحكم في "العتبية".
ويقومها من يعرف قيمتها من المسلمين، أو من هو قريب العهد بالإِسلام كما قيل في ذلك.
وينبني الخلاف: على الخلاف فيمن استهلك لذمي خمرًا، هل يغرم قيمتها أم لا؟
فعلى القول بأنه يغرم القيمة، كما به قال ابن القاسم في المدونة، قال: يستشفع بقيمة الخمر.
وعلى القول بأنه لا قيمة عليه، كما به قال عبد الملك، قال: يستشفع بقيمة الشقص؛ لأن الخمر إذا لم تكن لها قيمة بالتعدي، فبأن لا يكون له قيمة إذا دفعها بالطوع أولى.
وأما الوجه الثاني: إذا كان الشفيع ذميًا: فلا يخلو المتبايعان من أن يكونا مسلمين، أو ذميين، أو أحدهما مسلم، والآخر ذمي.
_________________
(١) سقط من ب.
[ ٩ / ٤٩ ]
فأما إذا كانا مسلمين: فلا خلاف في وجوب الشفعة للذمي؛ لأنه حكم بين مسلمين [وذمي] (١)، وكذلك إذا كان المشتري مسلمًا، فإن كانا ذميين، أو كان المشتري ذميًا.
فأما إن كانا ذميين: فلا يخلو من أن يتحاكموا إلينا أم لا، فإن لم يتحاكموا إلينا فلا خلاف في أنه لا شفعة له.
فإن تحاكموا إلينا، هل يحكم بينهما بالشفع أم لا؟
فإنه يتخرج على الخلاف الذي قدمناه في كتاب تضمين الصناع، ونصه في المدونة في أول كتاب الشفعة.
وإن كان البائع مسلمًا، والمشتري فهل تجب الشفعة أم لا؟
على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن له الشفعة لما كانت بسبب مسلم، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب القسمة"، ونقلها أبو سعيد في "التهذيب" في كتاب الشفعة.
والثاني: أنه لا يحكم له بالشفعة؛ لأنه حكم بين ذميين، وهي رواية يحيى بن عمر عن ابن القاسم في "العتبية"، وقال أشهب: إذا كان أحد الثلاثة مسلمًا بائعًا، أو [متبايعًا] (٢) أو شفيعًا، ففي ذلك الشفعة، وهو قوله في "المجموعة" [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: مبتاعًا.
(٣) زيادة من ب.
[ ٩ / ٥٠ ]
المسألة الثانية في تشافع الورثة [والشركاء] (١)
فلا تخلو المسألة من أربعة أوجه:
أحدهما: أن يكونوا أهل سهم.
والثاني: أن يكونوا عصبة [و] (٢) ذوي سهم.
والثالث: أن يكونوا في حكم العصبة.
والرابع: أن يكونوا موصى لهم.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانوا ذوي سهم: فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يكونوا [ذوي سهم واحد، أو يكون معهم موصى له أو يكون معهم شريكًا، فإن كان] (٣) معهم ذو سهم غيرهم، فلا يخلو من أن يكونوا مما هو في حكم السهم [الواحد] (٤) أو كان سهامًا مختلفة.
فأما إن كان هو في حكم السهم الواحد كأخوات مع البنات، فباع أحد البنات، هل تكون الشفعة لبقية البنات، أو لجميع الأخوات والبنات؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الشفعة للجميع.
والثاني: أن الشفعة للبنات خاصة.
والقولان حكاهما اللخمي.
_________________
(١) في أ: للشركاء.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٩ / ٥١ ]
فعلى القول بأنهن كأهل سهم [واحد يكون من حق البنات أن تقسم الدار أثلاثًا، وعلى القول بأنهن كأهل سهم] (١) مختلفة، هل يكون من حق الأخوات أن تقسم أولًا أتْسَاعًا.
فأما إن كانت سهامًا مختلفة كالزوجات أو الجدات، والإخوة للأم، فباع أحد الزوجات: فالشفعة لبقية الزوجات.
وهل يدخل معهن أحد من ذوي السهام الباقية والعصبة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يدخل معهن أحد في الشفعة، لا ذوي السهام ولا العصبة، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أن العصبة وبقية ذوي السهام يدخلون معهن في الشفعة، وبه قال المغيرة على ما نقله الحفيد في كتاب النهاية.
وعلى القول بأنهم لا يدخلون معهن، فإن أسلمن الشفعة كانت لبقية ذوي الفرائض والعصبة إن كانوا، فإن سلموها كانت لبقية الأشراك إن كانوا هناك.
فإن كان معهم موصى له بالثلث، هل يدخل معهم مع ذوي السهام في الشفعة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يدخل معهم، وهو مذهب المدونة.
والثاني: أنه يدخل معهم على مذهب المغيرة الذي يقول: إن ذوي السهام يدخل بعضهم على بعض في الشفعة.
فإن كان معهم شريك، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الشفعة لبقية الورثة دون أشراكهم، وهو مذهب المدونة،
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٥٢ ]
وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن الأشراك بالملك يدخلون معهم في الشفعة، وهذا يتخرج على قول المغيرة.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان مع ذوي السهام عصبة، وباع بعض العصبة، فهل يدخل معهم بقية ذوي السهام في الشفعة أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يدخل ذوو السهام على العصبة، [ولا] (١) العصبة على ذوي السهام، وهو مذهب الكوفيين، وبه قال أشهب -من الأصحاب.
والثاني: أن ذوي السهام يدخل على العصبة، ويدخل العصبة على ذوي السهام، وبه قال المغيرة المخزومي -من أصحابنا- وهو أحد قولي الشافعي [﵀] (٢).
والثالث: أن ذوي السهام يدخل على العصبة، ولا يدخل العصبة على ذوي السهام، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
وسبب الخلاف بين القولين المتقابلين: معارضة قياس الشبه لعموم الخبر، وقد قضى رسول الله - ﷺ - بالشفعة بين الأشراك، ولم يخصص ذوي السِّهَام من غيرهم، ويعارضه قياس الشبه، فخصص به [ذوي] (٣) السِّهَام من العصبات، ويقال: لما كانت الشركة مختلفة الأسباب -أعني [بين] (٤) - ذوي السِّهام وبين العصبات -وجب ألا يدخل
_________________
(١) في أ: و.
(٢) زيادة من ب.
(٣) في أ: ذو.
(٤) سقط من أ.
[ ٩ / ٥٣ ]
بعضهم على بعض في الشفعة قياسًا للشركة المختلفة الأسباب [على الشركات] (١) إذا تميز محالها الذي هو المال بالقسمة.
وأما من أدخل ذوي السِّهام على العصبة، ولم يدخل العصبة على ذوي السِّهام، فهو استحسان على غير قياس، ووجهه: أنه رأى ذوي السِّهام أقعد من [العصبان] (٢).
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كانوا في حكم العصبة؛ مثل أن يموت رجل عن ثلاثة بنين، ثم مات أحدهم قبل القسمة [عن] (٣) ثلاث من الولد: فإنه إن باع أحد الأعمام نصيبه كانت الشفعة لأخويه ولبني أخيه، ولا خلاف -أعلمه- في هذا الوجه.
وإن باع أحد من بني الأخ، هل تكون الشفعة لهم دون الأعمام أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الشفعة لبقية بني الأخ دون أعمامهم، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة.
والثاني: أن بقية الأعمام يدخلون معهم.
والقولان حكاهما ابن القصار عن مالك في "كتاب عيون الأدلة".
وتلخيص القول في ذلك أن نقول: لا تخلو الدار الموروثة عن الميت الأول من ثلاثة أقسام:
إما أن تنقسم أتْسَاعًا، وإما أن تنقسم أثلاثًا، وإما ألا تنقسم بحال.
فأما إن كانت تنقسم أتساعًا: كان الجواب على ما قاله في المدونة؛
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: العصبة.
(٣) في أ: على.
[ ٩ / ٥٤ ]
لأن الدار تنقسم قسمين [أو أثلاثًا] (١) فإذا صار إلى بني الابن ثلثهم: قسموه أثلاثًا كدار قائمة بنفسها، فبعضهم أحق بدفع الضرر ممن لا يصير [له] (٢) في ذلك الثلث شرك.
فأما إن كانت الدار لا تنقسم أثلاثًا ولا أتساعًا: كانت الشفعة [لجميع من] (٣) له فيها شرك بوراثة أو غيرها، وعلى القول بأن الشفعة فيما لا ينقسم؛ لأن الأصل الذي جعلت له الشفعة فيما لا ينقسم خوفًا من أن يدعو المشتري إلى البيع، فتخرج الدار من أملاكهم، ومضرة خروج الملك أشد من مضرة المقاسمة.
فأما إن كانت الدار تنقسم أثلاثًا خاصة، فباع أحد الأعمام: كانت الشفعة لجميعهم؛ لأن بني الأخ شركتهم مع أعمامهم فيما ينقسم، وإن باع [أحد بني] (٤) الإخوة كان فيها قولان:
فعلى أحد قولي مالك: أن الشفعة فيما لا ينقسم يتشافعون دون أعمامهم.
وعلى قولًا أن لَّا شفعة فيما لا ينقسم: تكون الشفعة للأعمام دون بني الإخوة؛ لأن الأعمام يقولون: نحن نشفع فيما [يحمل] (٥) القسم ولا شفعة لبعضكم على بعض؛ لأن نصيبكم لا يحمل القسم.
وتحصيل ذلك: أن كل موضع يكون للمشتري أن يدعو إلى القسم،
_________________
(١) في أ: أولًا.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: لمن.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: لا يحمل.
[ ٩ / ٥٥ ]
فله أن يستشفع منه، وكل موضع لا يكون له أن يدعو إلى القسمة، وله أن يدعو إلى البيع؛ فإنه يختلف في وجوب الشفعة فيه على قولين، وكل موضع ليس له أن يدعو إلى القسم، ولا إلى البيع: فلا شفعة له، قولًا واحدًا في المذهب؛ مثل أن تكون دارًا لا تنقسم، وإن باع هذا نصيبه على الانفراد لم ينقص عن بيع الجملة.
والجواب عن الوجه الرابع من أصل التقسيم: إذا كان موصىً لهم، هل هم كالعصبة، أو هم كأهل سهم واحد؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم كالعصبة، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنهم كأهل سهم واحد، وهو قول أشهب.
والثالث: التفصيل بين أن يكون الموصى [له] (١) جماعة، أو واحد؛ فإن كانوا جماعة: فإنهم لا يدخلون على الورثة في الشفعة، وإن كان واحدًا: دخل معهم، وهو ظاهر قول ابن المواز في كتابه حيث قال: وإذا أوصى أحد ولد الميت لرجل واحد، فباع إخوة الموصى [البيت] (٢): أن الموصى له يدخل معهم، وقال محمَّد: لأنه رجل واحد، فظاهر قوله: أنهم لو كانوا جماعة ما دخلوا [مع] (٣) الورثة؛ لأنهم يتشافعون فيما بينهم دون الورثة؛ فعلى هذا أن من كان يتشافع [مع صاحبه لا يدخل] (٤) [مع] (٥) الورثة، وإن كان لا أصحاب له يشافعهم دخل على الورثة،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: بيته.
(٣) في أ: على.
(٤) في ب: مع أصحابه لا يدخلون.
(٥) في أ: في.
[ ٩ / ٥٦ ]
وما قاله ضعيف جدًا؛ لأن أهل السهم الواحد يتشافعون فيما بينهم، ولا يمنعهم ذلك من الدخول على بقية الورثة [الذين لا يشافعونهم] (١) [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في ب: الذي لا يشافعهم.
(٢) زيادة من ب.
[ ٩ / ٥٧ ]
المسألة السادسة (*)
في الشفعة إذا وجبت هل هي على عدد الرؤوس أو على عدد الأنصباء؟
ولا يخلو ما يستشفع فيه من أن يكون مما ينقسم، أو مما لا ينقسم.
فإن كان مما ينقسم، هل تنقسم الشفعة فيه على عدد الرؤوس، أو على قدر الأنصباء؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن الشفعة على قدر الأنصباء، وهذا هو [القول] (١) المعروف من المذهب، وهو نص قوله في المدونة.
والثاني: أنها على عدد الرؤوس، وهذا القول حكاه ابن الجهم عن بعض أصحاب مالك، على ما نقله أبو الفضل، وخرجه اللخمى من قول عبد الملك في تقويم العبد المعتق بعضه إذا أعتق بعض الأشراك حصته في مرة واحدة؛ وكانوا جماعة وكلهم مياسير: أن التقويم عليهم بالسواء على عدد رؤوسهم؛ لأنه لو كان [الكثير] (٢) النصيب معسرًا لقوم جميع العبد على القليل النصيب، وعلى هذا تكون الشفعة على العدد؛ لأن القليل النصيب لو انفرد لكان [له] (٣) جميع الشفعة، وقد خرجه غيره من المدونة من كتاب الأقضية حيث قال: أجرة القسام على عدد الرؤوس.
وأما لا ينقسم إذا حكم فيه بالشفعة على عدد الرؤوس؛ لأن القصد
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: كثير.
(٣) سقط من أ. (*) قال معد الكتاب للشاملة: كذا في المطبوعة، ولعلها " المسألة الثالثة"، والله أعلم.
[ ٩ / ٥٨ ]
فيه رفع الضرر عند البيع، وذلك يستوي فيه القليل النصيب والكثير، وإلى هذا ذهب اللخمي -﵀.
[ ٩ / ٥٩ ]
المسألة الرابعة في معرفة ما تجب فيه الشفعة مما لا تجب فيه
والشفعة سلطانية حكمية وقضية شرعية أثبتها الشرع للأصيل على الدخل درءًا [للإضرار] (١) وقطعًا لمادة الاختيار، وهي متعلقة بالعقار، وما يتصل بها من الأشجار، وهي للشريك دون الجار خلافًا لأبي حنيفة الذي يقول: إنها للجار.
فإذا ثبت ذلك، فقد اختلف العلماء في وجوب الشفعة على الجملة على ثلاثة مذاهب:
أحدها: وجوبها في كل [شيء] (٢) جملة بلا تفصيل، قاله: بعض أهل مكة.
والثاني: أن الشفعة غير واجبة جملة بلا تفصيل، وإليه ذهب من لا يرى بيع الشقص المشاع، وهو مذهب الأصم على ما نقله ابن حارث.
والثالث: أن وجوبها وثبوتها في الدور، والأرضين، والعقار، وهو مذهب فقهاء الأمصار على تفصيل، وتحصيل لبعضهم في ذلك.
ولا يخفى على من له أدنى فهم ضعف ما ذهب إليه الأصم، وقد ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قضى بالشفعة.
وأما من ذهب إلى أنها [واجبة] (٣) في كل شيء، فيشهد له الأثر، والنظر؛ فأما الأثر: ما خرجه الترمذي عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) في أ: للضرر.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: وجبت.
[ ٩ / ٦٠ ]
قال: "الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء" (١)، وهذا نص لا يحتمل التأويل إن صح الحديث، وقد طعن بعض العلماء في سنده.
وأما المعنى والنظر: فضرر الشركة موجود في كل شيء.
وأما فقهاء الأمصار فقد تمسكوا بقوله - ﷺ -: "الشفعة فيما لا ينقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة" (٢)، فكأنه قال: الشفعة فيما لم تكن فيه القسمة ما دام لم تقسم، فدل على أن الشفعة فيما ينقسم؛ لأن ما لا ينقسم لا يقال يثبت فيه حكم كذا، وكذا ما لم ينقسم لما كانت القسمة لا تأتي فيه، وإن كان هذا من باب الاستدلال بدليل الخطاب، وهو أصل مختلف فيه، إلا أن فقهاء الأمصار أجمعوا على الاستدلال به في هذا الموضع، والأمر الموجب لاجتماعهم ما فهموه من صيغة لفظه - ﷺ -.
وأما مذهب مالك: فتحصيله أن الشفعة في ثلاثة أنواع:
أحدها: مقصود، وهو العقار من الدور، والحوانيت، والبساتين.
والثاني: ما تعلق بالعقار مما هو ثابت، ولا ينقل كالبئر، وفحل النخل.
والثالث: ما يتعلق بالأصول كالثمار.
وأما الدُّور، والأرضون، والبساتين: فلا يخلو ذلك من أن يكون مما ينقسم، أو مما لا ينقسم؛ فإن كان مما ينقسم على غير ضرر: فلا خلاف في مذهب مالك في وجوب الشفعة فيه.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١٣٧١)، والدارقطني في الكبير (١١٢٤٤)، والبيهقي في الكبرى (١١٣٧٨)، والطحاوي في شرح المعاني (٥٥٦٣)، قال الألباني: منكر ضعيف.
(٢) أخرجه ابن ماجة (٢٤٩٧)، وابن حبان (٥١٨٥)، والبيهقي في الكبرى (١١٣٤٤)، وصححه الألباني -رحمه الله تعالى.
[ ٩ / ٦١ ]
فإن كان لا ينقسم إلا على ضرر أو لا ينقسم جملة، فهل تجب فيه الشفعة للشريك أم لا؟ فعلى القولين:
أحدهما: أنه لا شفعة فيه، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: وجوب الشفعة فيه، وهو أحد قولي مالك في المدونة أن الشفعة مشروعة في القليل والكثير من الرِّياع، والعقار، وهو أحد قوليه أيضًا في المذهب فيما لا ينقسم جملة، ومن هذا المعنى اختلافهم في الحمام، والبيت الصغير، والدُّكان في السوق مما لا ينقسم إلا على ضرر مثل منصب الرَّحَى، أو مما لا ينقسم كالشجرة الواحدة، والنخلة الواحدة، والماجل، والبئر الواحدة إذا لم يكن معها أصل، ولا أرض، وغير ذلك من الرياع والأصول مما لا ينقسم إلا على ضرر، أو لا ينقسم أصلًا: فقد اختلف في جميع ذلك على قولين: وجوب الشفعة وإسقاطها في النخلة الواحدة، والشجرة الواحدة، قال مالك وابن القاسم: لا شفعة فيهما، وبه قال محمَّد.
وقال أشهب، وعبد الملك، وأصبغ: [الشفعة فيهما] (١) في "الواضحة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في الضرر المعتبر في الشفعة، هل هو ضرر الشركة، أو ضرر القسمة؟ فمن اعتبر ضرر الشركة؛ لكون الأصيل يستضر بالدخيل لما يخاف من ناحيته من السرقة، والخيانة، وأن يدخل عليه أمرًا لم يألفه من شريكه البائع مما كان عليه من حسن الطوية، وجميل المعاشرة معه، وربما كان يكفيه مؤنة بعض العمل، ويسامح له في أخذ بعض الأشياء، والدخيل على خلاف هذه الصفة، قال بوجوب الشفعة فيما ينقسم، وفيما لا ينقسم.
_________________
(١) سقط من ب.
[ ٩ / ٦٢ ]
ومن اعتبر ضرر القسمة: قال بوجوب الشفعة، فيما ينقسم خاصة؛ لأن القسمة تضيق الواسع، وخراب العامر؛ وذلك أن كل واحد من الشريكين كان يجول في جميع الحائط مثلًا، وكان يتصرف في جميع تصرف المالك الواحد، فإذا قسم اقتصر تصرفه على سهمه خاصة، ويعود ضيقًا بعدما كان واسعًا، وعادت يده مقيدة بعدما كانت مطلقة.
وأما كونها خراب العامر؛ مثل أن يكون الذي لم يبع ضعيف التصرف، قليل المعرفة، وشريكه عنده من النجابة، والدراية، وجميل العشرة ما يتولى له خدمة جميع الحائط، أو يحتمل على نفسه أكثر [مؤنة العمل] (١) فيما بينهما من الشركة، ولا يؤاخذ بذلك شريكه؛ بل يسامحه ولا يناقشه، وقد يكون الدخيل على غير هذه الصفة، وربما يدعوه إلى القسمة، فيستضر بذلك الأصيل؛ إما لكونه إذا قسم الشيء المشترك بينهما انتقصت قيمته، وقل ثمنه، وإما لما يحتاج إليه من النفقة في استحداث المرافق في نصيبه، فليزمه في ذلك مؤنة كباب يحدثه، أو ما يلزمه من المؤن، والآخر الذي يختص بقسمة الأصول؛ إذ ليس كل واحد يحسن قسمتها، فلابد في أغلب الحال أن يستأجر على قسمتها من يختص بمعرفة ذلك، وهي علة صحيحة يشهد بصحتها اطرادها وانعكاسها، ألا ترى أن العروض التي تنقسم بالكيل، والوزن لا شفعة فيها؛ إذ لا [مؤنة] (٢) في قسمتها.
وأما ما هو متعلق بالعقار مما هو ثابت لا [ينقل] (٣) ولا يتحول كالبئر، وفحل النخل ما دام الأصول فيهما على صفة
_________________
(١) في أ: مؤونة العامل.
(٢) في أ: مؤونة.
(٣) في أ: ينعقد.
[ ٩ / ٦٣ ]
تجب فيه الشفعة: فإن الشفعة فيما بيع منهما من بئر، أو فحل، أو غيره، وهو أن يكون الأصل الذي هو الأرض مشاعًا بينه، وبين شريكه غير مقسوم، فكانت الشفعة إنما تجب في البئر، والفحل، والشرب في الماء إذا باع أحد الأشراك شربه لأجل اشتراكهما في الأصل الذي هو الأرض، فإذا باع أحدهم حصته من الأرض، وبقى شربه في الماء [أو في البئر أو في الفحل فسلم إذا باع أحد الأشراك فسلم أصحابه بالشفعة إن استشفعوا ثم باع أحدهم حصته من الماء] (١) بعد ذلك: كانت الشفعة لمن بقى سهمه في الأصل والماء، ولا يدخل معهم فيها من باع سهمه في الأصل بسبب ما بقى له في الماء؛ لأنه في حيز التبع، والشفعة في البئر، والشجرة الواحدة لأجل الأرض، و[هو] (٢) قول مالك في المدونة في "كتاب الشفعة" و"القسمة"، وفي "كتاب حريم الآبار".
وأما ما يتعلق بالأصول: فلا يخلو قيام الشفيع من أن يكون قبل يبس الثمرة، أو بعده؛ فإن كان قيامه بعد يبس الثمرة، وقد اشترى المشتري الثمرة دون الأصل، هل للشريك فيها الشفعة أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الشفعة للشريك في الثمرة كان الأصل لهما أو لم يكن لهما غير الثمن، وهو قول أشهب في "الموازية"، وقول مالك في "المدونة"؛ لأنه قال: وكان الأصل لهم أو بأيديهم حبس أو مساقاة.
والثاني: أن الشفعة في الثمار إذا -كان الأصل بينهما [وهو قول محمَّد بن المواز.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٦٤ ]
[والثالث: أنه لا شفعة في الثمار أصلًا كان الأصل لهما] (١) أو لم يكن [لهما] (٢) إلا الثمرة، وهو قول عبد الملك في "الموازية".
ولأشهب في موضع آخر مثل قول محمَّد: أن الشفعة في الثمرة إذا كان الأصل بينهما؛ لأنه قال: إذا اقتسما الأصل دون الثمرة، ثم باع أحدهما حظه من الثمرة بعد الطياب، فلا شفعة فيها بعد قسمة الأصل، قال: والثمرة -هاهنا- كالبئر.
والشفعة في الثمرة من المسائل التي انفرد بها مالك -﵀-، وقال: ما علمت أحدًا قاله قبلي.
وأما إن قام [الشفيع] (٣) بعد يبس الثمرة، وكان بيع الشريك ساعتئذ: فلا شفعة له، قولًا واحدًا؛ لأنها كالثمرة المجذوذة؛ إذ لا منفعة لها في تعلقها بالأصول.
ولا فرق في جميع ما ذكرناه بين النخل، والعنب، وسائر ما يبس من الثمار إذا بيعت بعد طيبها [وقبل] (٤) يبسها.
وأما ما عدا هذه الأنواع الثلاثة من جميع [الأنواع] (٥): فلا خلاف -أعلمه- في المذهب -عندنا- أنه لا شفعة فيها.
واختلف فيما يتعلق منها بالذمة، هل تكون فيه الشفعة أم لا، على قولين:
أحدهما: أنه لا شفعة في الدين أصلًا، وهو قول ابن القاسم، وهو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: بينهما.
(٣) في أ: الشريك.
(٤) في ب: وبعد.
(٥) في أ: الأموال.
[ ٩ / ٦٥ ]
مشهور المذهب في النقل.
والثاني: أن الشفعة في الدين، وبه قال أشهب.
ومعنى ذلك: إذا كان دينًا على رجل، ثم باعه مولاه أن الذي عليه الدين أولى بما بيع به، وقد قضى رسول الله - ﷺ - بالشفعة في الدين.
ولم يختلف في المذهب -فيما علمت- في إيجاب الشفعة في الكتابة بحق العتق، وإن المكاتب أحق بما بيعت [به] (١) كتابته.
واختلف في بيع المنافع، هل هو كبيع الأعيان، أو لا، على قولين: فقيل: إن الكراء كالبيع، وقيل: ليس كالبيع، وكذلك الصدقة والهبة بغير عوض، وقيل: فيها الشفعة بقيمة الشقص، وقيل: لا شفعة فيها، وهو المنصوص في المدونة، وهو الصحيح إن شاء الله، والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٦٦ ]
المسألة الخامسة في الشفعة في المناقلة
وهي المبادلة؛ مثل أن يبادله شقصًا بشقص آخر، ولا يخلو المتبادلان من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشتركا في الطرفين.
والثاني: أن يشتركا من أحد الطرفين خاصة.
والثالث: ألا يكون بينهما شركة في الطرفين جميعًا.
فأما الوجه الأول: إذا اشتركا في الطرفين جميعًا؛ مثل أن يكون له شقص في موضع من المواضع، وللآخر معه شقص في موضع آخر، فتبادلا على أن يخرج كل واحد منهما لصاحبه من ذلك الموضع لينقل له ملكه، ويتوسع في حظه، وربما كان معهما شريك آخر في الطرفين جميعًا أو في أحدهما، هل تكون الشفعة لذلك الشريك أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن له الشفعة، وهو قول ابن القاسم، وروايته عن مالك.
والثاني: أنه لا شفعة له في ذلك؛ لأنهما لم يقصدا إلى البيع، وإنما أراد كل واحد منهما التوسع في حظه بما صار إليه من حظ شريكه، وهو قول مطرف، وابن الماجشون، وهو أحد أقاويل مالك أيضًا، وهو الأظهر.
فأما إن كانت الشركة من أحد الطرفين خاصة؛ مثل أن تكون الدار بين ثلاثة أشراك، فبادل أحدهما صاحبه شقصه على أن يعوضه بشقص له في
[ ٩ / ٦٧ ]
دار أخرى لا [شرك] (١) للذي انتقل إليها [فيها] (٢) هل لأشراكه الشفعة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: [أن] (٣) الشفعة في الطرفين جميعًا، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا شفعة في ذلك حتى تكون الناقلة من الطرفين، وهو أحد قولي مالك أيضًا، وعليه بني بعض المتأخرين.
ويتخرج [فيه] (٤) قول ثالث بوجوب الشفعة للشريك في الطرف [الذي ليس للمنتقل إليه فيه شرك؛ لأن ذلك بيع، ولا شفعة في الطرف الآخر الذي للمنتقل إليه فيه شرك؛ لأنه أراد أن يتوسع، وأما إذا لم تكن بين المتناقلين الشركة في الطرفين] (٥) جميعًا؛ مثل أن تكون دار بين رجلين، فناقل أحدهما رجلًا أجنبيًا شقصه في هذه الدار على أن يأخذ سهم ذلك الأجنبي في دار [أخرى] (٦) لم يكن للذي ناقله فيها شرك، فهل تجب فيها الشفعة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: وجوب الشفعة في الناقلة على الجملة، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، وهذا [القول] (٧) قائم من المدونة من مسألة الصالح من دعوى في سدس دار على الإنكار بشقص من دار أخرى.
والثاني: أنه لا شفعة في المناقلة جملة، وهو أحد أقوال المذهب.
_________________
(١) في أ: شريك.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: فيها.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٩ / ٦٨ ]
وسبب الخلاف: اختلافهم في المناقلة، هل هي كالبيع، أم لا؛ فمن جعلها كالبيع [قال بوجوب الشفعة، ومن لم يجعلها كالبيع] (١) قال: لا شفعة، والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٦٩ ]
المسألة السادسة في الشفعة في النقض إذا كانت العَرْصَة (١) لغير بائع النقض
وقد ذكر في الكتاب مسألة الذي أذن لرجلين أن يبنيا في عَرْصَة له، فبنيا، ثم باع أحدهما نصيبه من النقض، وقال: إن رب العَرْصَة مقدم على الشريك في النقض بالأخذ في الشفعة، ثم قال: ليس ذلك من باب الأخذ بالشفعة، وإنما هو من باب دفع الضرر؛ لقوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار" (٢) ثم استدل عليها بمسألة الشركاء الذين بنوا في الحبس، فباع بعضهم حصته من البعض أن الشفعة لبقية الورثة.
وقد اختلف قول ابن القاسم في مسألة الحبس، فقال في "كتاب الشفعة": إن البناد موروث عن الباني، ويجوز فيه البيع لورثته، وتكون فيه الشفعة لبقية الأشراك، وقال في كتاب الحبس: إن ذلك لا يورث، وهو حبس لا يباع إلا أن يوصي الميت بذلك لورثته، فيورث عنه على معنى الملك.
وقال المغيرة: لا يكون [من] (٣) ذلك صدقة محرمة إلا الشيء اليسير كالميزاب أو خشبة أدخلها في الحائط، وأما ماله بال وقدر: فإنه يورث عنه على معنى الملك، وقول المغيرة -هاهنا- كقول ابن القاسم في "كتاب الشفعة".
_________________
(١) العرصة: بوزن الضربة، كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء.
(٢) تقدم.
(٣) سقط من أ.
[ ٩ / ٧٠ ]
وقد ذهب [بعض المتأخرين] (١) إلى التلفيق بين ما وقع في الكتابين بما لا خفاء به على من طالع كتب الشرح.
وأما مسألة العَرْصَة: إذا باع أحد الشريكين حصته من النقض، وإن رب العَرْصَة مُقَدَّم في الأخذ على الشريك، هل يجوز هذا البيع أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن البيع في ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن البيع لا يجوز؛ لأن ذلك غرر وخطر؛ إذ لا يدري [المشتري] (٢) ما الذي يصح له إن كان النقض أو القيمة أو الثمن الذي دفع، وهو قول أشهب، وسحنون.
وعلى القول بجواز البيع وصحته ممن يأخذ رب العرصة، هل من البائع أو [من] (٣) المشتري؟
فالمذهب على قولين؛ قيل: من البائع، وقيل: من المشتري.
وعلى القول بأنه يأخذه من البائع: فقد اختلف فيه المتأخرون على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يأخذه بالأقل من القيمة أو الثمن قائمًا.
والثاني: [أنه] (٤) يأخذه بالثمن فقط.
والثالث: أنه يأخذه بقيمته مقلوعًا، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" في اشتراء النقض والشريك غائب، حيث قال: يعطيه قيمة بنيانه، ولا يأخذ الثمن الذي اشتراه به.
والأقوال كلها متأولة على المدونة.
_________________
(١) في أ: المتأخرون.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٩ / ٧١ ]
وعلى القول بأنه يأخذه من البائع أو بالأقل: فإن [البيع] (١) بينه وبين المشتري، ويرجع عليه المشتري بما دفع له.
وعلى القول بأنه يرجع على المشتري فيأخذه، فبماذا يأخذه؟ هل بالثمن أم بالقيمة أم بالأقل؟
فعلى الثلاثة الأقوال التي قدمناها.
وسبب الخلاف: هل ذلك من باب الأخذ بالشفعة، أو ذلك من باب دفع الضرر؟
وإن كان الأخذ بالشفعة في أصله من باب دفع الضرر، فمن رأى أن ذلك من باب الأخذ بالشفعة [حقيقة وحكمًا قال: يأخذ من المشتري بالثمن إلا أن كونه من باب الشفعة] (٢) بعيد عن مذهب المدونة ومشهور المذهب؛ وذلك أنا [قررنا] (٣) أن الشفعة إنما تجب للشريك في عين المبيع الذي عليه في قسمته ضرر، ورب العَرْصَة لا شركة له في الأنقاض، فبأي شيء يستوجب الشفعة، وقد قال في "الكتاب" في الذي باع نقض دار على أن يقلعه المشتري، فجاء رجل فاستحق القاعة، وأراد أن يأخذ النقض: أنه يأخذه من المشتري بقيمته منقوضًا، ولا يأخذه بالثمن؛ إذ لا شركة له في النقض، وكيف يصح أن يستشفع في النقض بسبب ملكه، وقد منع ذلك في هذه الصورة، وذلك منه اختلاف قول.
وقال بعض المتأخرين: كان الأشبه ألا يأخذه بالثمن، ولعلهم إنما سامحوا في هذا؛ لأن ثم من يأخذ بالشفعة، وهو الشريك في النقض فكان هذا لما كان مقدمًا عليه حل محله، وعلى هذا الاعتلال لو لم يكن
_________________
(١) في أ: البائع.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: قدرنا.
[ ٩ / ٧٢ ]
معه شريك في النقض، وكان واحدًا هو البائع لنقضه لم يأخذ ذلك رب الأرض إلا بقيمته كما قال في الذي استحق [القاعة] (١)، وقد باع نقضها من كانت بيده على القلع أنه لا يأخذ النقض إلا بقيمته مقلوعًا.
_________________
(١) في أ: القاعدة.
[ ٩ / ٧٣ ]
المسألة السابعة في الحد الذي تنقطع إليه الشفعة
ولا يخلو الشفيع من أن يكون حاضرًا، أو غائبًا.
فإن كان غائبًا: فلا يخلو من أن تكون غيبته قريبة أو بعيدة.
فإن كانت بعيدة: فهو على شفعته -علم بالبيع أو لم يعلم طال الزمان أو قصر- إلا أن يطول الزمان جدًا مما يجهل في مثله أصل البيع، ويموت الشهود: فإن ذلك يقطع شفعته، وهو قول مالك في كتاب محمَّد.
فإن كانت قريبة مما لا ضرر فيه على الشفيع في الشخوص للحضور، ولا كلفة مؤنة فيعد كالحاضر، وللإمام أن يكتب إلى قاضي البلدة التي هو فيها فيوقفه، إما أن يأخذ وإما أن يترك.
وإن كان حاضرًا: فلا يخلو من أن يكون عالمًا بالبيع، أو غير عالم به.
فإن كان غير عالم: فهو على شفعته، ويصدق أنه لم يعلم ما لم يطل ذلك.
واختلف إذا قام بعد أربع سنين، وقال: لم أعلم بالبيع، هل يصدق ويمكن من أخذ الشفعة أم لا، على قولين:
أحدهما: أنه يصدق، ولو بعد أربع سنين، وهو قول ابن عبد الحكم في "الموازية".
والثاني: أنه لا يصدق في الزائد على أربع سنين، وهو قول ابن المواز.
[ ٩ / ٧٤ ]
وإن كان عالمًا بالبيع: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون له عذر.
والثاني: ألَّا عذر له.
فإن كان له عذر كالمرض [والصغر. فأما المريض فهو على شفعته حتى يصح أو يموت، فإن صح كان له الأخذ بالشفعة] (١)، وهل يكون الأخذ فيه على الفور، ويستأنف له الأجل أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن له من الأجل بعد برئه ما للحاضر، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة".
والثاني: أن المريض كالصحيح فيما تنقضي فيه الشفعة، إلا أن يشهد في مرضه قبل مضي وقت الشفعة أنه على شفعته، وهو قول أصبغ في الكتاب المذكور.
وأما الصغير العاجز غير البالغ، أو البكر البالغ، والغائب يقدم، هل يبتدأ لهم أمد الشفعة من يومئذ، أو يكون [وقفهم] (٢) في الحال إما سلموا، وإما أخذوا؟
أما الصبي الصغير، والبكر البالغ: فلا يخلو من أن يولَّى عليهما، أو [لم] (٣) يولَّى عليهما.
فإن ولى عليهما بأب، أو وصي، فسلم الأب أو الوصي الشفعة، أو كانا مهملين، فسلمها عليهم السلطان: فلا شفعة لواحد منهما إذا بلغ مبلغ الأخذ [بالشفعة] (٤) بنفسه، وهو نص المدونة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: وقوفهم.
(٣) في أ: لا.
(٤) سقط من أ.
[ ٩ / ٧٥ ]
فإن أهملوا الأمر، ولم يأخذوا، ولا صرحوا بالترك إلى أن بلغ الصبي؛ أما ترك الأب الأخذ بالشفعة: فإنه كترك الولد، فلا قيام له بعد بلوغه ورشده، وأما غير الأب من سائر الأولياء؛ كالوصي، والمُقَدَّم من جهة الحاكم، أو الحاكم نفسه إذا ترك الأخذ بالشفعة، وأهمل النظر فيها إلى بلوغ الصبي: فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: أنه لا قيام للصبي، بعد [بلوغه] (١) ولا شفعة له، وإن كان ذلك منهم تضييع، وتفريط كما لو فطر هو في الأخذ حتى انقضى الأمد، وهو بالغ رشيد، وهو قول مالك، وابن القاسم، وأشهب في "المجموعة".
ويتخرج فيها قول آخر [أن] (٢): له القيام بها بعد البلوغ.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الأخذ بالشفعة، هل طريقها طريق البيع، أو طريقها طريق الاستحقاق؟.
فمن قاسها على البيع قال: لا قيام له بعد البلوغ، ومن قاسها على الاستحقاق قال: له القيام.
فإن لم يولَّى عليه بأب، ولا وصي، وكان بموضع لا سلطان فيه: فله القيام بشفعته إذا بلغ، وهل يبتدأ له الأجل أجل الشفعة من يومئذ، أو يوقف من ساعته؟ فيتخرج على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه من يومئذ يصير كالحاضر الرشيد العاقل يكون له أجل الشفعة من يومئذ، وهو قول أشهب، وعبد الملك، ومطرف في "الواضحة" وهو قائم من المدونة من "كتاب الإيلاء" في الذي آلي من
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٧٦ ]
صبية صغيرة لا يوطأ مثلها: فإنه لا يؤجل حتى يمكن [من] (١) وطئها، فمن يومئذ يضرب له أجل المولى.
والثاني: أنه لا يؤجل، ويوقف من ساعته، فإما أخذ وإلا ترك، وهو قول يستقرأ من المدونة من غير ما موضع.
والغائب إذا قُدِّم كالصغير إذا بلغ.
فإن كان الشفيع لا عذر له، وكان عالمًا بالبيع: فلا يخلو من أن يوقفه السلطان على الأخذ أو الترك، أو لم يوقفه.
فإن أوقفه السلطان فصرح بالأخذ أو الترك، فلا إشكال، فإن صرح بالترك: فلا قيام له بعد ذلك، ولا خلاف في ذلك.
وإن صرح بالأخذ: فلا رجوع له عنه بعد ذلك أيضًا، فإن كان له مال: أخذ منه الثمن، وإن لم يكن له مال: بيع عليه حظه الذي استشفع به، والشقص الذي استشفع فيه حتى يتم المشتري جميع الثمن، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية".
فإن كان أوقفه السلطان، فطلب منه التأخير حتى يرتئي وينظر، هل يمكن من ذلك وَيَتَلَوَّم له أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يتلوم [ويوقفه] (٢) في الحال إما أخذ، وإما ترك، وهو قوله في "كتاب ابن المواز"، وهو قول أشهب في "المجموعة" أيضًا.
والثاني: أنه يؤخره الإِمام اليومين والثلاثة لينظر ويستشير، وهو قول مالك في "مختصر ابن عبد الحكم": فأما إن قال: أنا آخذ، وطلب التأخير بالثمن اليومين والثلاثة: فذلك له، قاله مالك في "العتبية"،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: ويوقف.
[ ٩ / ٧٧ ]
و"الموازية" وغيرها.
فأما إذا لم يوقفه السلطان، ولا تعرض له، فأي أمد ينقضي إليه الأخذ بالشفعة، وإلى أيّ مرد؟ فقد اختلف المذهب في ذلك على سبعة أقوال:
أحدها: أنه على شفعته أبدًا، ولا تنقطع حتى [يوقف] (١) أو يصرح بتركها، وهو قول عبد الملك بن الماجشون عن مالك، وهو مذهب الشافعي.
والثاني: الأخذ بالشفعة على الفور، فإذا علم بالبيع، وترك القيام فلا شفعة له بعد ذلك، وهو قول ابن وهب، وهو مذهب أبي حنيفة.
والثالث: أن أمد الشفعة سنة، فإذا غربت الشمس من آخر تمام السنة، فلا شفعة له بعد ذلك، وهو قول أشهب في "العتبية" و"المجموعة".
والرابع: أن السنة في حيز القليل، ولا تنقطع الشفعة إلا بالزيادة على السنة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، و"الموازية"، وقال في "الوثائق": مثل الشهر والشهرين، وحكى الصديني مثل ثلاثة أشهر، وهو موافق لقول ابن القاسم في الكتاب: وأن ما قرب الشيء فله حكمه، كما قال في كتاب الزكاة: إذا قدمها قبل الحول، وكما قال في كتاب الرضاع من المدونة.
والخامس: أنّ أَمَد الشفعة لا ينقطع إلا بعد [أربع سنين] (٢) وهو قول ابن الماجشون على ما حكاه ابن المعدل، ومثله لأصبغ في "الواضحة".
والسادس: أن شفعته لا تنقطع إلى عشر سنين، اعتبارًا بالحيازة.
_________________
(١) في ب: ينقطع.
(٢) في ب: أربعين سنة.
[ ٩ / ٧٨ ]
والسابع: أنه على شفعته ما لم يوقفه السلطان على الأخذ أو الترك، أو يصرح بتركها طوعًا منه، ويشهد بذلك على نفسه، أو يمضي من الزمان ما يدل على أنه تارك لها، أو يحدث فيها المبتاع بناء، أو غرسًا، أو هدمًا، أو تغييرًا وهو حاضر: فتنقطع شفعته إلا أن يقوم بحدثان ذلك، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة" وأنكر أن يكون مالك حد سنة، وقالا: سمعناه، وقد سئل عن شفيع حاضر قام على شفعته بعد خمس سنين، وربما قيل له أكثر من ذلك، فقال: في هذه لا أراه طولًا ما لم يحدث المشتري بنيانًا، أو تغييرًا بينًا وهو حاضر، فإن أجله أقصر من أجل الذي لم يحدث عليه، وإن كان قبل السنة، وهي رواية أصبغ عن أشهب في "العتبية" إذا بني أو غرس أنها تنقطع قبل السنة.
والقولان المتقابلان هما الجاريان، وما عداهما من الأقاويل، فلا وجه له في طريق القياس [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ٩ / ٧٩ ]
المسألة الثامنة في الذي ابتاع دارًا فهدمها أو باع النقض ثم استحق رجل نصفها، فهل يضمن الهادم للمستحق شيئًا أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يضمن له؛ لأنه هدم بوجه شبهة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه يضمن، وهو ظاهر ما وقع في "كتاب محمَّد" في الثوب إذا قطعه بوجه شبهة، فقد قال محمَّد: إنه يضمن الثوب، وظاهر "المدونة" لا يضمن في الثوب إذا قطعه.
وما فرق [فيه] (١) محمَّد من أن الثوب يرجع إلى هيئته، والدار لا ترجع إلى هيئتها ليس بين، وقد يقال: إن المشتري إذا وجب أن يضمن جناية الخطأ في العبد إذا اشتراه في أحد القولين: جاز أن يضمن الهدم والقطع.
وعلى القول بأنه لا يضمن: فلا يخلو المستحق من وجهين: إما أن يجيز البيع، أو لا يجيزه؛ فإن أجاز البيع على أن يأخذ نصف الثمن: فلا إشكال، وإن أبى أن يجيز البيع في نصيبه: فلا يخلو قيام المستحق من أن يكون قبل فوات النقض من يد المشتري، أو بعد فواته.
فإن كان قبل فواته: فإن المستحق يأخذ نصف العرصة، ونصف النقض، ويأخذ النصف الآخر بنقضه مهدومًا بالشفعة بنصف جميع الثمن إن شاء، ولا يحط عنه للهدم شيء.
_________________
(١) في أ: به.
[ ٩ / ٨٠ ]
فإن قام بعد فوات النقض من يده فلا يخلو من أن يكون فواته بسبب سماوي، أو ببيع، أو هبة.
فإن فات بأمر من الله تعالى: لم يكن على المشتري في النصف المستحق شيء، [وإن أراد أخذ النصف الباقي بالشفعة أخذه بجميع الثمن، ولا يحط عنه لتلف النقض شيء كما لو بيت المساكين ثم جاء الشفيع، وكذلك إن تلف] (١) بيد الموهوب له بأمر من الله تعالى: لم يضمن الواهب، ولا الموهوب له شيء.
فإن كان فواته ببيع، أو هبة: فلا يخلو من أن يكون قائمًا بيد المشتري، أو فائتًا.
فإن كان قائمًا: هل ينتقض فيه البيع، أو يأخذ المستحق ثمنه؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن النقض ينتقض فيه البيع، ويأخذ المستحق نصفه مع نصف العرصة بالاستحقاق، ويأخذ النصف الباقي من العرصة، والنقض بالشفعة إن شاء، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، و"الموازية".
والثاني: أنه يأخذ الثمن الذي بيع به النقض مع القاعة من مشتري الدَّار يعطيه ثمن الذي به اشترى، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن عبدوس" ولأشهب مثله في "كتاب ابن المواز" على ما حكاه عنه محمَّد وسحنون: أنه يأخذ [نصف] (٢) النقض ويقاصص به المشتري فيما له عليه من ثمن نصف العرَصَة والنقض؛ مثل أن يباع النقض بخمسين ومائة، وكان شراؤه لجيمع الدار بمائة: فإن المستحق يأخذ نصف القاعة بالاستحقاق، ويأخذ النصف الآخر بالشفعة بخمسين دينارًا، وله في ثمن النقض خمسة
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في أ: ثمن.
[ ٩ / ٨١ ]
وسبعون دينارًا أو به ويتقاصا معه في خمسين، ويأخذ خمسة وعشرين، وأنكر هذا سحنون، وابن المواز؛ قال ابن المواز: هذا وهم، ولم يقله أحد من الناس.
قالا: وقد أجمعوا على أن من ابتاع شقصًا له فيه شفيع، ثم باعه قبل أن يأخذه الشفيع بالشفعة، ثم قال الشفيع: أنا أجيز البيع، وآخذ الثمن، وأدفع إلى المشتري ما أشتري به: لم يكن له ذلك، قال سحنون: وهذا خلاف الاستحقاق؛ لأن المستحق إنما يبيع معه ملكه، والشفيع إنما يبيع ملك غيره، وهذا من باب ربح ما لم يضمن.
فإن رضي المستحق بأخذ العرصة بما ينوبها من الثمن مع وجود النقض، فهل يجوز ذلك أم لا؟
فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز؛ لأنه صار آخذًا للعَرْصَة بثمن مجهول، لما كان قادرًا على أخذ النقض، وهو المشهور.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو أحد قولي ابن القاسم في جميع السلعتين في البيع، وعلى ذلك [الخلاف] (١) ينبني الخلاف [على الخلاف] (٢) في هذه المسألة.
فإن عرف ما ينوب النقض من الثمن وعرف ما ينوب العَرْصَة: فإن ذلك لا يلزم بائع النقض إلا برضاه؛ لأنه يقول: إنما رضيت ببيع النقض برخص من الثمن رغبة في بقاء الأصل في يدي، فإن أخذ الأصل من يدي فلا أرضى بثمن النقض، فإذا رضي بذلك جاز؛ لأنه كمن راضاه على أن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٨٢ ]
يأخذ بعض ما له فيه الشفعة ويسلم بعضه.
فإن كان النقض فائتًا عند مشتريه: فلا يخلو تلفه وهلاكه من أن يكون بأمر من الله، أو بسبب آدمي.
فإن كان بسبب آدمي: فإن المستحق يأخذ نصف العَرْصَة، ونصف ثمن النقض من بائع النقض، فإن أراد الأخذ بالشفعة في النصف الباقي: فإن الثمن نقض على قيمة القاعة يوم وقع البيع، وعلى قيمته منقوضًا، فيحط من ذلك ما قابل الأنقاض في النصف المستشفع، ويأخذ القاعة بما ينوبها من الثمن.
وهل يستشفع بما ينوبها من الثمن [فأبلغ أو إنما يستشفع بالأقل مما أخذ من ثمن الأنقاص؟ على قولين:
أحدهما: أنه يستشفع بما ينوبها من الثمن] (١) قلَّ أو كثر؟ وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
[والثاني] (٢): أنه يستشفع بالأقل مما أخذ من ثمن الأنقاض أو ما ينوب ذلك من الثمن، وهو قول ابن المواز.
فإن فاتت بأمر من الله تعالى، فبماذا يستشفع؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يستشفع في العَرْصَة بقدر ما ينوبها من الثمن، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه يستشفع بالأقل، وهو قول محمَّد.
والثالث: أنه يستشفع بجميع الثمن، ولا يوضع عنه مما يقابل الأنقاض
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٨٣ ]
شيئًا؛ لأن [ثمن] (١) الأنقاض يؤخذ بالشفعة مع العرصة لما كانت في حكم التبع.
فإذا هلكت بأمر من الله تعالى كان على الشفيع إذا أخذ أن يأخذ بجميع الثمن، وهو قول أشهب.
فإن بناها بعدما هدمها ثم استحق رجل نصفها: فإنه [لا يأخذ] (٢) النصف المستحق، وقيل له: ادفع إليه قيمة البناء قائمًا، فإن أبى، قيل للمشتري: ادفع إليه نصف قيمة القاعة، فإن فعل فأراد أن يأخذ النصف الثاني بالشفعة، هل يمكن من الأخذ أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يمكن [من الأخذ] (٣) بالشفعة؛ لأن الشقص الذي به يستشفع قد باعه، وهو مذهب المدونة.
والثاني: أنه يمكن من الأخذ] (٤) ويفضل الثمن على قيمة الأنقاض منقوضة، وقيمة العَرْصَة يوم وقع البيع، يأخذ بذلك وبنصف قيمة البناء قائمًا.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الشقص الذي به يستشفع إذا باعه بعد وجوب الشفعة، هل يجوز [له] (٥) الأخذ بالشفعة أم لا؟
والخلاف في ذلك في المذهب معلوم، وهذا كله إذا هدمها المشتري.
وأما إذا هدمها رجل أجنبي بتعدٍ منه، فترك له المشتري القيمة أو لم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: يأخذ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من أ.
[ ٩ / ٨٤ ]
يتركها له، ثم جاء رجل فاستحق نصف الدار، والهادم غائب، ولم يقدر عليه: فإن المستحق يأخذ نصف القاعة باستحقاقه، ويتبع الهادم بنصف [قيمة] (١) ما هدم، فإن أراد أخذ النصف الباقي بالشفعة فض الثمن على قيمة الأنقاض منقوضة، وعلى قيمة العرصة، فيأخذ الشفيع بما ينوبه من ذلك، ويتبع المشتري الهادم بقيمة ذلك قائمًا إن كان ما ترك له قيمة الهدم، وهو قول ابن المواز في كتابه، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب الشفعة" [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في ب: قائمة.
(٢) زيادة من ب.
[ ٩ / ٨٥ ]
المسألة التاسعة في الشفعة فيما بيع بيعًا فاسدًا من الرياع والعقار
ولا يخلو ما بيع بيعًا فاسدًا من أن يكون قائمًا بيد المشتري أو فائتًا.
فإن كان قائمًا: فلا شفعة للشفيع مع علمه، فإن لم يعلم بفساد البيع وأخذ الشفعة: فإنه يرد إلا أن يفوت عند الأخذ بالشفعة بما يفوت به البيع الفاسد، فيكون عليه الأقل من قيمته يوم قبضه هو أو القيمة التي وجبت على المشتري؛ لأنه لا يقدر على رده لفواته عنده.
فإن كان فائتًا: فلا يخلو من أن يكون فواته ببيع، أو بتغيير الذات؛ فإن فوته ببيع: فلا يخلو من أن يبيعه بيعًا صحيحًا، أو فاسدًا.
فإن باعه بيعًا صحيحًا: فذلك فوت للبيع الفاسد، قولًا واحدًا إذا لم يعلم بفساد البيع الأول، فأما إذا علم بفساده وقصد ببيع الثاني تفويته البيع الفاسد: فالبيع الأول والثاني مردود، فإذا قلنا: بأن البيع الصحيح يفيت البيع الفاسد إذا لم يقصد بذلك الحيلة: فللشفيع أن يأخذ بالشفعة بالبيع الصحيح، وليس له أن يأخذ بالبيع الفاسد؛ لأنه إن أخذ به كان ذلك نقضًا للبيع الصحيح الذي به أمضى البيع الفاسد، وهو قوله في "المدونة" في رواية ابن وضاح.
فإن باعه بيعًا فاسدًا: فلا يخلو من أن يكون قد فات، أو لم يفت.
فإن لم يفت عند واحد منهما: فإنه يفسخ البيعتان جميعًا الأولى، والثانية.
فإن فات عند المشتري الأول، ثم باع للآخر بيعًا فاسدًا، ثم قام الشفيع قبل أن يفوت عند الآخر: فبيع الآخر مفسوخ، وللشفيع الشفعة
[ ٩ / ٨٦ ]
بالبيع الأول.
فإن فات عند الآخر: فللشفيع أخذها من أيهما شاء بالقيمة التي لزمته بعد علمه.
فإن باعها للثاني من الثالث بيعًا صحيحًا: فذلك فوت للبياعات الفاسدة، وللشفيع أن يأخذ بأي صفقة شاء؛ فإن أخذها من الأول: فبالقيمة [لأنه] (١) قبضها، ويرجع كل واحد من الباقين بما دفع.
وإن أخذ من الثاني: فبالقيمة يوم بيعه وقبضه بعد علمه بذلك كله.
وإن أخذ من الثالث: فبالثمن وعهدته على من يأخذ منه، وإن أخذ من الأول زالت العهدة عن الباقين، ولا يأخذ من الأول، ومن الثاني حتى يتراجعا القيمة ويعرف، ولو فعل ذلك قبل ذلك لنقض البيع الصحيح وما قبله، وزالت الشفعة، أخذها من الأول أو من الثاني، وهذا كله قول أشهب في "الموازية"، و"المجموعة"، وهو مذهب "المدونة".
فأما إذا كان فواته بتغيير الذات؛ مثل أن يبنى فيه المشتري أو يهدم، أو يغرس، أو يقلع الغرس، وأما البنيان العظيم مثل البيوت، والقصور يبنيها المشتري، أو غرس يغرسه، أو بنيان يهدمه: فلا خلاف فيه [في المذهب] (٢) أن ذلك فوت، وللشفيع أن يأخذ بالشفعة بالقيمة مع قيمة ما أنفق المشتري في العمارة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
وفي الهدم يأخذ بقيمتها يوم القبض، ولا يوضع عن الشفيع للهدم شيء، ويقال له: خذ بجميع القيمة التي لزمت المشتري أو دع.
_________________
(١) في أ: لأنها.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٨٧ ]
واختلف في البنيان اليسير، والإصلاح الخفيف هل حكمه حكم [البنيان] (١) الكثير، أو حكمه حكم تغيير البناء من غير هدم على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن اليسير من البنيان كالكثير منه، وهو ظاهر المدونة من غير ما موضع؛ لأنه يقول: البناء والهدم فوت، ولم [يفصل] (٢) ولا فسر.
والثاني: أن اليسير من البنيان كتغيير البنيان، وهذا قول استقرأه بعض المتأخرين من قوله في "كتاب الشفعة" من "المدونة": وكان فيها بنيان القصور، والبيوت، فهذا فوت أيضًا، فقال هذا تفسير ما أجمله في غير هذا الموضع، وكان البناء اليسير، والإصلاح الخفيف حكمه حكم تغيير البناء من غير هدم، وإلى هذا المعنى أشار [القاضي] (٣) أبو الفضل -﵀.
واختلف في حوالة الأسواق في الرياع، هل هي فوت أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك ليس بفوت، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها، وهو المشهور في المذهب.
والثاني: أنها فوت في الرياع كغيرها، وهو قول أشهب في "الموازية" وغيرها.
ويؤخذ لابن القاسم من "المدونة" مثل قول أشهب من قوله في اختلاف البائع والمشتري والشفيع: إن كانت الدار في يد البائع أو في يد
_________________
(١) في أ: البناء.
(٢) في أ: يقصد.
(٣) سقط من أ.
[ ٩ / ٨٨ ]
المشتري: لم تفت بطول الزمان، أو بهدم، أو تغيير المساكن إلى آخر ما ذكر: فالقول قول البائع يريد، ويتحالفان، ويتقاسمان. وإن تغيرت بما ذكرت لك، وهي في يد المشتري: فالقول قوله؛ لأن طول الزمان يتضمن حوالة الأسواق، والاستقراء ظاهر، وإليه [نحا] (١) أبو عمران الفاسي وغيره، والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: أشار.
[ ٩ / ٨٩ ]
المسألة العاشرة إذا اشترى شقصًا بطعام بعينه ثم استحق ذلك الطعام
فلا يخلو استحقاقه من أن يكون قبل الأخذ بالشفعة، أو بعده، فإن كان قبل الأخذ، هل يفسخ البيع أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن البيع يفسخ، ولا شفعة [فيه] (١) وهو مذهب المدونة، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن البيع لا ينتقض، وعليه أن يأتي بطعام مثله، وهو قول محمَّد في كتابه.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الطعام هل هو مراد لعينه، [أو مراد] (٢) لغرضه.
فإن كان الاستحقاق بعد الأخذ بالشفعة: فالبيع ماض ولا يرد، ويغرم الشفيع مثل الطعام الذي به وقع الشراء للمشتري.
واختلف ما الذي به يرجع للبائع على المشتري على قولين متأولين على "المدونة".
أحدهما: أنه يرجع عليه بمثل طعامه، وهو قول ابن المواز، وهو تأويل بعضهم على "المدونة".
والثاني: أنه يرجع على المشتري بقيمة شقصه، وهو تأويل بعضهم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٩٠ ]
على "المدونة" أيضًا؛ لأنه قال في الكتاب: ولو أخذ الشفيع الشقص ثم استحق الطعام لم يرد وغرم له مثل طعامه؛ فتأول بعضهم أن الشفيع هو الذي يغرم للمشتري مثل الطعام الذي به اشترى، ويغرم، وهو للبائع قيمة شقصه، وهذا التأويل أسعد بظاهر الكتاب، وأجرى على أصول المذهب، وهو تأويل أبي الحسن بن القابسي.
وسبب الخلاف: ما قدمناه من اختلافهم في الطعام المعين، هل هو مراد لعينه، أو مراد لغرضه.
ومن هذه المسألة يؤخذ جواز السلم الحال أيضًا على ما نبهنا عليه في كتاب المرابحة؛ وذلك أن مشتري الشقص قد أسلمه في كذا وكذا قفيز حنطة في ذمة الشفيع على وجه الحلول [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ٩ / ٩١ ]
المسألة [الحادية] (١) عشر في [عهدة] (٢) الشفيع على من تكون
ولا خلاف في مذهب مالك -﵀- أن عهدة [الشفيع] (٣) على المشتري لا على البائع، سواء أنفد المشتري الثمن أم لا إلا شيئًا استقرأه بعض المتأخرين من "المدونة": أن الشفيع مخير إن شاء كتب عهدته على البائع، وإن شاء على المشتري، والموضع الذي يُستقرأ منه ذلك، إذا بيع الشقص وتداولته الأملاك؛ حيث قال: فإن الشفيع يأخذ بأي صفقة شاء.
ولا شك أنه إذا أخذ ببعض الصفقات المتوسطات، فإن عهدته على الذي أخذ منه الشقص، وهو بائع ومبتاع.
فإن كان المشتري لم يدفع الثمن إلى البائع: فلا يخلو من أن يكون حاضرًا، أو غائبًا -أعني: المشتري-؛ فإن كان حاضرًا: فعلى المشتري دفع الثمن للبائع على المشتري إن كان الثمن نقدًا، وعلى المشتري تسليم الشقص [للشفيع] (٤) إن كان قد قبضه من البائع، وإن لم يقبضه: فللبائع أن يقبضه للشفيع، وعهدته في ذلك كله على المشتري لا على البائع، وإنما تكون عهدة الشفيع على البائع -في مذهبنا-[في] (٥) العامل إذا اشترى بمال القراض شقصًا هو شفيعه: فإن عهدته على البائع لا على رب المال إذا لم يرض رب المال بشرائه لما يكون عليه من عهدته،
_________________
(١) في أ: الحادي.
(٢) في أ: مذهب.
(٣) في أ: المشفع.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: على.
[ ٩ / ٩٢ ]
وهذا قول أشهب في "المجموعة".
وروى بعض المتأخرين [أن سحنون] (١) يقول: إذا أخذ العامل بالشفعة فعهدته على رب المال، وهذا القول حكاه القاضي أبو الفضل، فإن اشترى العامل شقصًا بمال القراض، ورب المال شفيعه: فعهدته على البائع قولًا واحدًا؛ إذ لا سبيل إلى أن تكون عهدته على العامل؛ لأن ذلك يؤدي [إلى أن تكون] (٢) عهدته على نفسه؛ لأن المال ماله وفيه تكون العهدة، فيتحصل في العامل إذا كان هو الشفيع قولان:
أحدهما: أن عهدته على البائع.
والثاني: أنها على رب المال.
وإذا كان رب المال هو الشفيع: فعهدته على البائع قولًا واحدًا.
وإذا كان الشفيع أجنبيًا: فعهدته على المشتري، قولًا واحدًا.
فإن كان المشتري غائبًا، فأبى البائع من دفع الشقص: فالمذهب علي قولين:
أحدهما: أن السلطان ينظر في ذلك، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، و"الموازية".
والثاني: أنه ينظر فإن قربت غيبته كتب إليه السلطان حتى يقدم، فيكتب عليه العهدة، فإن بعدت غيبته: قضى للشفيع بشفعته، وقضى للبائع بقبض الثمن منه إن لم يكن قبضه، وإن كان البائع [قد قبضه أخذه
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
[ ٩ / ٩٣ ]
الإِمام من الشفيع، فأوقفه للمبتاع، وكتب عليه العهدة، فإذا قدم] (١) أشهد بذلك على نفسه، وهو قول أشهب في "المجموعة"، و"الموازية".
قال محمَّد: وإن مات فالعهدة على ورثته -يريد في تركته- وإذا حكم على المبتاع [بالشفعة] (٢) فأبى من أخذ الثمن قال: يحكم له بها ويكتب له العهدة على المبتاع، ويأخذ الثمن [فيوقفه] (٣) له وهو مال من ماله، والشفيع منه بريء.
وأما إذا اشتراه بثمن إلى أجل، ثم قام الشفيع، فطلب الأخذ بالشفعة: فلا يخلو قيامه من وجهين:
إما أن يكون قبل حلول الأجل، أو بعده.
فإن قام بالشفعة قبل حلول الأجل: فلا يخلو من أن يرضى بتعجيل الثمن نقدًا، أو قال: تؤدي عند حلول الأجل.
فإن رضي بتعجيل الثمن على الحلول: فذلك جائز، ويجبر المشتري على قبضه، ثم لا يلزمه تسليمه للبائع حتى يحل الأجل، وليس للبائع أن يمنع الشفيع من قبض الدار، وهو قوله في "المدونة".
فإن قال الشفيع: لا أدفع [الثمن] (٤) إلا إلى الأجل: كان ذلك له.
فإن طلب قبض الدار من ساعته: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يتساويا في الملاء، أو يتساويا في العسر، أو يختلفا.
فإن تساويا [في اليسر والملاء، فإنه الشفيع يقبض الشقص من ساعته،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: بشفعته.
(٣) في ب: فيوقف.
(٤) سقط من ب.
[ ٩ / ٩٤ ]
ولا شيء عليه لا حميل ولا غيره، حتى يحل الأجل، ولا خلاف أعلمه في هذا الوجه، فإن تساويا] (١) في العسر، فأبى المبتاع تسلم الشفعة إلا [بحميل] (٢) هل له ذلك أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن للشفيع أن يأخذها بغير حميل، ولا حجة للمشتري [بتعضل البائع عليه بتأخيره بلا رهنٍ ولا كفيل، وهو قول مالك في المجموعة والموازية.
والثاني: أن الشفيع] (٣) لا يأخذها إلا بحميل مهما كان عديمًا، وسواء كان المشتري موسرًا أو معسرًا، وهو قول ابن المواز.
فإن اختلفت حالاتهما؛ مثل أن يكون أحدهما موسرًا، والآخر معسرًا، أو كانا جميعًا موسرين أو معسرين إلا أن أحدهما أيسر من الآخر، أو أعسر منه؛ أما إن كان موسرًا (٤) والمشتري معسرًا، أو كانا موسرين إلا أن الشفيع أيسر منه: فإنه يأخذ بالشفعة بلا رهن، ولا حميل، قولًا واحدًا.
وإن كان المشتري موسرًا، والشفيع معسرًا: فلا يأخذه الشفيع إلا برهن أو حميل، قولًا واحدًا.
فإن كانا موسرين، إلا أن المشتري أيسر منه، هل [يأخذه] (٥) الشفيع بحميل، أو بغير حميل؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يأخذه إلا بحميل ثقة، وهو قول أشهب في "الموازية".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: بشفيع بحميل.
(٣) سقط من أ.
(٤) أي: الشفيع.
(٥) في ب: يأخذ.
[ ٩ / ٩٥ ]
والثاني: أنه يأخذه بغير حميل إن كان مَلِيًا، وإن كان المشتري أملى منه، وهو قول ابن المواز.
ولو اشتراه المشتري بثمن إلى أجل على أن أعطى للبائع حميلًا أو رهنًا: لم يكن للشفيع أن يأخذه إلا بذلك -كان موسرًا أو معسرًا- وهو قول أشهب في "الموازية"، ولا أظنهم يختلفون في ذلك.
فأما إذا قام الشفيع بعد حلول أجل الثمن، وقد قبضه البائع أو لم يقبضه، فقال الشفيع: أنا آخذ بالشفعة على أن يكون الثمن [عليّ] (١) إلى مثل ذلك الأجل، أرتفق أنا كما ارتفقت به أيها المشتري، هل يمكن من ذلك أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يمكن من ذلك، ويرتفق بالأجل مثل ما ارتفق به المشتري، وهو قول عبد الملك في "المجموعة"، و"الموازية"، وبه أخذ ابن حبيب، قال: وهو قول مالك.
والثاني: أنه لا يأخذه إذا قام بعد حلول الأجل إلا بنقد، ولا يستأنف له الأجل، وهو قول أصبغ في الواضحة، والقول الأول أظهر في النظر.
وأما إن اشترى الشقص بدَين كان له على البائع إلى سنة، فقام الشفيع، هل يأخذه بالثمن نقدًا أو إلى أجل أو إنما يأخذه بالقيمة؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يأخذه بالثمن الذي اشترى به المشتري نقدًا ولا يؤخر، وهو قول مالك في كتاب محمَّد، وبه قال أصبغ؛ لأن ما على المشتري من الثمن قد حَلَّ بقبض الدّار، وحاصَصَ البائع بالثمن فيما له عليه من الدَّين برضاهما.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٩٦ ]
والثاني: [أنه يأخذه] (١) بمثل الدنانير التي له عليه إلى مثل الأجل، وهو قول ابن المواز على ما نقله التونسي [﵀] (٢).
وعلى القول بأنه يأخذه بالقيمة، هل بقيمة الدين، أو بقيمة الشقص؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يأخذه بقيمة ذلك الدين عرضًا نقدًا يدفعه؛ لأن الدين عرض من العروض، وهو قول ابن الماجشون في "الموازية"، و"المجموعة"، و"الواضحة".
والثاني: أن الدين يقوم بالعرض ثم يقوم العرض بالعين، ثم يأخذ الشفيع بذلك العين، وهو قول سحنون في "كتاب ابن عبدوس"، والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) زيادة من ب.
[ ٩ / ٩٧ ]
المسألة الثانية عشر في قيام الشفيع في الأرض بالشفعة وهي مبذورة
فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك قبل طلوع البذر [من الأرض] (١).
والثاني: أن يكون ذلك بعد ظهوره.
فإن كان ذلك قبل بروز الزرع، مثل أن تكون [الأرض] (٢) بين الشريكين، فيبيع أحدهما نصيبه منها، فيريد الشريك الأخذ بالشفعة، وهي مبذورة: فلا يخلو الأمر فيها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون المبتاع هو الباذر لها.
والثاني: أن يكون البائع هو الباذر لها، وباعها مبذورة.
والثالث: أن يكون البذر لغيرهما؛ مثل مكترٍ، أو ممنوح، أو ما أشبه ذلك.
فالجواب عن الوجه الأول من الوجه الأول: إذا كان المشتري هو الذي بذرها، هل يأخذ الشفيع الأرض ببذرها، أو يبقى للمشتري أم لا؟
على قولين قائمين من المدونة.
أحدهما: أن الشفيع يأخذ الأرض [ويبقى البذر للمبتاع الذي بذره، وهو نص قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن الشفيع يأخذ الأرض] (٣) والبذر، وهذا القول يستقرأ من
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٩ / ٩٨ ]
المدونة، وعند ذكر سبب الخلاف يتبين [موضع الاستقراء، وعلى القول بأن الزرع يبقى للمشترى، فلا يصح له الأخذ بالشفعة إلا بعد طلوع البذر] (١)؛ إذا لا يصح للرجل أن يبيع أرضه، وهي مبذورة، فيستثنى البذر.
وعلى القول بأنه يأخذه مع الأرض بالشفعة فبماذا يأخذه؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يأخذه مع الأرض بقيمة البذر مع العمل.
والثاني: أنه يأخذه بقيمته على الرَّجاء، والخوف، والقولان حكاهما [أبو الوليد بن رشد -﵀] (٢).
وسبب الخلاف: اختلافهم في الأخذ بالشفعة، هل طريقه طريق البيع، أو طريقه الاستحقاق؟
فمن رأى أن طريقه طريق البيع، قال: يأخذ الأرض مع الزرع بالشفعة، كما يكون البذر للمشتري إذا اشترى الأرض، ولاسيما على أحد قولي المذهب أن الشفعة في الزرع إذا بيع [مع] (٣) الأرض، وهو قول بعض أصحابنا، وهو ظاهر قول مالك في سماع أشهب عنه: أن الشفعة في الأرض في كل ما أنبتت الأرض.
ومن رأى أن [طريقه] (٤) طريق الاستحقاق قال: الزرع يكون للمشتري دون الشفيع.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان البائع هو الباذر لها: فليأخذها الشفيع مبذورة بجميع الثمن على القول الذي يرى [أن] (٥) في الزرع
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ابن رشد.
(٣) في أ: من.
(٤) في أ: طريقها.
(٥) سقط من أ.
[ ٩ / ٩٩ ]
الشفعة، وعلى القول الذي يقال فيه: أن الأخذ بالشفعة طريقه طريق البيع، وأما على القول الذي يحمل فيه الأخذ بالشفعة محمل الاستحقاق، فإنه يأخذ الأرض بما ينوبها من الثمن خاصة.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان غيرهما هو الباذر لها: فإنه يأخذ الأرض بالشفعة دون البذر بجميع الثمن، ولا كلام في هذا الوجه.
وأما [الجواب عن] (١) الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا قام الشفيع بعد طلوع البذر وظهوره: فلا يخلو من الأقسام التي قدمناها، غير أن الوجهين يستوي الحكم فيهما؛ وهو أن يكون البذر للمبتاع، أو يكون لأجنبي: فإن الشفيع يأخذ [فيهما] (٢) الأرض دون الزرع بجميع الثمن.
وأما إن كان البذر قد بذره البائع: فلا يخلو قيام الشفيع من أن يكون قبل يبس الزرع، أو بعده.
فإن كان قيامه قبل يبس الزرع وطيبه، هل يأخذ الزرع والأرض بالشفعة أم لا؟
على قولين، وقد قدمناهما في الوجه الأول:
أحدهما: أنه يأخذ الزرع، والأرض بجميع الثمن على القول بوجوب الشفعة في الزرع، وعلى القول بأن محملها محمل البيع.
والثاني: أنه يأخذ الأرض بما ينوبها من الثمن، على القول الذي لا يرى في الزرع شفعة.
فإن قام الشفيع بعد يبس الزرع: فلا يخلو من أن يكون البذر للبائع، أو للمشتري.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ١٠٠ ]
فإن كان للبائع: فإن الشفيع يأخذ الأرض بما ينوبها من الثمن، قولًا واحدًا، ولا يأخذ الزرع.
فإن كان [للمبتاع] (١) أو الأجنبي: فإن الشفيع [لا يأخذ إلا] (٢) بجميع الثمن؛ لأنه إن كان البذر له: فقد أحرثه بعد الشراء، وإن كان للأجنبي: فالبيع في الأرض دون الزرع، ولا إشكال في ذلك.
ويلتحق بهذه المسألة فصل آخر [وهو] (٣) طروء المستحق على الأرض، وقد زرعت: ولا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يستحق الأرض والزرع.
والثاني: أن يستحق الأرض دون الزرع.
فأما إذا استحق الأرض والزرع؛ مثل أن يزرع الرجل أرضه، فيتعدى عليه فيها رجل فيبيعها: فهو بالخيار بين أن يجيز البيع ويأخذ الثمن، وبين أن يأخذ أرضه [بزرعها] (٤) ولا كلام في هذا الوجه.
وأما إذا استحق الأرض دون الزرع: فلا يخلو الأمر في ذلك من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون البذر بذره المستحق منه.
والثاني: أن يكون بذره البائع.
والثالث: أن يكون الأجنبي.
فأما الحال الأول: إذا بذره المستحق منه: فإن كان غاصبًا: فحكمه
_________________
(١) في أ: للبائع.
(٢) في أ: يأخذ الأرض.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: ويزرعها.
[ ٩ / ١٠١ ]
حكم الغاصب، وهو معلوم، فإن كان غير غاصب: فلا شيء للمستحق في الزرع، ولا له قلعه، وإنما له الكراء إن لم يكن فات الإبان.
وأما الحال الثاني: إذا كان البذر لأجنبي بوجه صحيح فهو له، ويأخذ المستحق أرضه، وله على [الزارع] (١) الكراء إن [كان] (٢) أكرى منه، وإن كان الغاصب هو الذي أكرى منه، فله الكراء أيضًا إن كان الإبان لم يفت، وإن كان الإبان قد فات: جرى ذلك على الخلاف الذي في غلة الأرض المغصوبة، وقد تقدم القول بها.
وأما الحال الثالث: إذا بذره البائع فباع الأرض مبذورة من المستحق منه: فإن المستحق يأخذ أرضه، وهل ينفسخ البيع في الزرع أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن البيع ينفسخ فيه، ويرجع المبتاع بجميع الثمن على البائع، وهو قول مالك في المدونة.
والثاني: أن الزرع يبقى للمبتاع، ويرجع على البائع فيما ينوب الأرض من الثمن، وهو قوله في "كتاب ابن المواز".
وينبني الخلاف على: الخلاف فيما يوجبه الحكم، هل هو مثل ما يوجبه الشرط أم لا؛ فمن رأي أن مثل ما يوجبه الحكم مثل ما يوجبه الشرط قال: يفسخ البيع في الزرع كأنه اشتراه دون الأرض على البقاء.
ومن رأى أن ما يوجبه الحكم خلاف ما يوجبه الشرط، قال: الزرع يبقى للمبتاع؛ لأن ذلك شيء أوجبته الأحكام [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ: الزرع.
(٢) سقط من ب.
(٣) زيادة من ب.
[ ٩ / ١٠٢ ]
المسألة الثالثة عشر في شراء الأنقاض على الهدم، أو النخل على القلع، والشفعة في ذلك
اعلم أن هذه المسألة تحتوي على ستة أسئلة:
أحدها: [أن] (١) يشتري النخل على القلع، ثم يستحق الأرض أو بعضها؟
والثاني: أن يشتري النخل [ثم] (٢) يشتري الأرض بعد ذلك، فيستحق الأرض أو بعضها؟
والثالث: أن يشتري الأرض [أولًا] (٣) ثم يشتري النخل، فيستحق الأرض أو بعضها؟
والرابع: أن يشتري النخل على القلع، ثم يشتري الأرض، فيستحق رجل نصف الأرض ونصف النخل؟
والخامس: أن يشتري الأرض أولًا، ثم يشتري النخل بعد ذلك، فيستحق رجل نصف الأرض ونصف النخل؟
والسادس: أن يشتري النخل خاصة على أن يقلعها، فيستحق نصف الأرض ونصف النخل.
فالجواب عن السؤال الأول: وهو أن يشتري النخل على القلع، ثم يستحق الرجل الأرض أو بعضها، هل ينتقض البيع في الأنقاض أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٩ / ١٠٣ ]
على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن البيع جائز في الأنقاض، ولمستحق الأرض أن يأخذ من المبتاع النخل [بقيمتها مقلوعة] (١)، وليس من وجه أنه شفيع؛ إذ لا شركة له معه فيها، ولكن من وجه أن النبي - ﷺ - قال: "لا ضرر ولا ضرار" (٢)، فإن شاء خلَّى بينه، وبين قلعها، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن ذلك البيع لا يجوز، ويفسخ؛ إذ لا يدري المشتري ما يصح [له] (٣) إن كان النقيض [أو] (٤) قيمته مقلوعًا، ويرجع النخل إلى البائع، ولا يكون لمستحق الأرض عليها سبيل.
والثالث: التفصيل بين أن يكون البائع للنقض غاصبًا للأرض، أو مشتريًا.
فإن كان غاصبًا: فإن المستحق يدفع إلى البائع الغاصب قيمة النخل مقلوعة، ويأخذها إن شاء، وينقض شراء المشتري لها، وإن شاء أسلمها إليه فقلعها.
وإن لم يكن غاصبًا: فالمستحق بالخيار بين أن يدفع إلى البائع قيمة النخل قائمة، وينتقض شراء المشتري، وليس للمبتاع أن يأخذ من البائع هذه القيمة التي أخذ من المستحق، وإنما له أن يأخذ منه الثمن الذي دفع إليه على القلع؛ لأنها قد استُحقت من يده كمن باع سلعة بمائة، ثم باعها من آخر بتسعين، فأخذها المبتاع الأول: فليس للمبتاع أن يأخذ من البائع الثمن الذي أخذ من المبتاع الأول، وإنما له أن يرجع بالثمن الذي دفع إليه؛
_________________
(١) في ب: بقيمته مقلوعًا.
(٢) تقدم.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من أ.
[ ٩ / ١٠٤ ]
[لأنّ] (١) السلعة استحقت من يده، وهو قول سحنون [﵀] (٢).
فإن قال مستحق الأرض: لا أعطيه قيمة البناء، قيل للبائع: أعطه قيمة الارض براحًا، ويتم البيع للمبتاع في النخل، ويقلعها على ما اشتراها عليه، فإن أبى من ذلك أيضًا: كانا شريكين في النخل، والأرض؛ هذا بقيمة النخل قائمة، والمستحق بقيمة الأرض بيضاء، وينتقض شراء المشتري فيما صار لمستحق الأرض من الأنقاض، ويمضى شراؤه فيما صار منها للبائع إن كان الذي صار له منها جلها، ويرجع عليه من الثمن بقدر ما صار منها للمشتري.
وإن كان الذي صار منها للبائع غير الجل مما يكون للمشتري فيه أن يرد: فليس له أن يمسك، وإن كان الجزء معلومًا؛ لأن ما يصير له بالقسمة مجهول؛ إذ لا ينقسم إلا مع الأرض على الاختلاف في هذا الأصل في غير ما موضع من المدونة.
فإن استحق المستحق بعض الأرض مثل نصفه: فإن المستحق يأخذ نصف الأنقاض، وهو ما قابل النصف المستحق بقيمتها مقلوعًا على مذهب ابن القاسم في المدونة.
واختلف في النصف الثاني، هل يأخذه بالشفعة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يأخذه بالشفعة بالثمن، وهذا القول حكاه [الشيخ] (٣) أبو محمَّد عبد الحق عن شيوخه، وهو قائم من "المدونة" من "كتاب الشفعة" من "مسألة الأنقاض".
والثاني: أنه يأخذه بقيمته مقلوعًا على معنى دفع الضرر، لا معنى
_________________
(١) في أ: فإن.
(٢) زيادة من ب.
(٣) زيادة من ب.
[ ٩ / ١٠٥ ]
الأخذ بالشفعة، وهو نص قوله في المدونة.
وينظر في النصف المستحق على مذهب سحنون المتقدم إن كان البائع غاصبًا أو مشتريًا، بمثل ما تقدم.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا اشترى النخل على أن يقلعها، ثم يشتري الأرض فيستحقها رجل: فإن المبتاع يرجع على البائع بثمن الأرض الذي استحقت من يده، ثم يكون الحكم بين مبتاع النخل، وبين المستحق في الأنقاض على ما تقدم في السؤال الأول من قول ابن القاسم، وسحنون، فلا نُطَوِّل بتكراره.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا اشترى الأرض أولًا، ثم اشترى الأنقاض، فيستحق الأرض رجل: فإن المستحق للأرض هاهنا لا يأخذ الأنقاض على مذهب ابن القاسم إلا بقيمتها قائمة؛ لأنه زاد في ثمن الأنقاض [ليبقيها] (١) في أرضه، وليس هو بمنزلة من اشتراها للقلع، كذا حكاه أبو محمَّد عبد الحق في كتابه، وهو الصحيح.
وينبغي على هذا أنه إذا أبى أن يدفع إليه قيمتها قائمة أن يقال للمشتري: [أعطه] (٢) قيمة أرضه براحًا، فإن أبى من ذلك: حملا على ما تقدم من الشركة.
وينبغي على مذهب سحنون أن ينظر؛ فإن كان البائع غاصبًا: فللمستحق أن يدفع إليه قيمة النقض منقوضًا، وينتقض البيع فيه بينه وبين المشتري، فيرجع عليه بالثمن الذي دفع إليه، فإن أبى من ذلك: مضى
_________________
(١) في أ: ليقلبها.
(٢) في أ: أعلمه.
[ ٩ / ١٠٦ ]
النقد للمشتري [في] (١) شرائه، وبقى فيه على حقه [والمستحق للأرض على حقه] (٢) فيها.
فإن لم يتفقا في ذلك على شيء يجوز بينهما: بيعت الدار، وقسم الثمن بينهما على قدر قيمة الأنقاض وقيمة العَرْصَة براحًا.
وإن كان البائع للأنقاض مشتريًا: قيل للمستحق: ادفع إليه قيمة الأنقاض قائمة، فإن فعل انتقض البيع فيها.
فإن أبى من ذلك قيل للبائع: ادفع إليه قيمة البقعة براحًا، فإن فعل: كانت له البقعة، وللمبتاع النقض، فإن اتفقا فيه على شيء يجوز بينهما، وإلا بيع الجميع، واقتسما الثمن على القيم، وإن أبيا من ذلك: حملا على الشركة، على ما تقدم، وانتقض [البيع فيما صار للمستحق من النقض ومضى فيما صار فيه للبائع على ما تقدم من التفسير.
والجواب] (٣) عن السؤال الرابع: إذا اشترى النخل على القلع أولًا، ثم يشتري الأرض، فيستحق رجل نصف الأرض.
[وعن الخامس: إذا اشترى الأرض أولًا، ثم اشترى النقض في صفقة أخرى، فيستحق رجل نصف الأرض] (٤) والنخل: فقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا شفعة في النخل، وهو قول أشهب، وأحد قولي ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن الشفعة فيها، وهو القول الآخر لابن القاسم في المدونة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٩ / ١٠٧ ]
والثالث: التفصيل بين أن يشتريها قبل الأرض: فتكون فيها الشفعة، أو يكون اشتراها بعد الأرض: فلا شفعة فيها، وهو اختيار ابن المواز.
فأما على القول بوجوب الشفعة في النخل: فإن المستحق يأخذ نصف الأرض، ونصف النخل بالشفعة بنصف الثمن، وإن شاء أخذ نصف الأرض بالشفعة، وترك نصف النخل، فيقلعها المبتاع في السؤال الرابع، ويبقى على حقه فيها السؤال الخامس إذا لم يشترها على القلع، وإن شاء أخذ النخل بالشفعة وترك الأرض.
وأما على القول بأن لا شفعة في النخل: فقد اختلف هل له أن يأخذها بالقيمة من أجل قوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار" (١) أم لا على قولين:
[أحدهما] (٢): أن ذلك له.
والثاني: أنه ليس له ذلك.
فإذا قلنا: إن ذلك له، فإنه يأخذها بالقيمة قائمًا في المسألتين ما وقع في بعض [روايات المدونة. وعلى قياس ما حكاه أبو محمَّد عبد الحق لا يأخذها بالقيمة قائمة إلا في السؤال] (٣) الخامس؛ وهو إذا اشترى الأرض قبل النخل.
والجواب عن السؤال السادس: إذا اشترى النخل خاصة على أن يقلعها، فيستحق رجل نصف النخل، ونصف الأرض: فإن البيع ينتقض فيما بقى في يد المشتري من النخل مما لم يستحق على البائع، ويرجع بجميع الثمن على البائع؛ إذ لا يقدر على الوصول إلى نصف ما اشترى
_________________
(١) تقدم.
(٢) في أ: قيل.
(٣) سقط من أ.
[ ٩ / ١٠٨ ]
إلا [بمقاسمة البائع] (١) لمستحق الأرض مع النخل [وهذا] (٢) إذا قاسمه قد يقل ما يصير له في نصيبه لجودة الأرض، أو يكثر لرداءته، فلا يجوز له أن يتمسك بما بقي في يد البائع منها؛ لأن ذلك مجهول فينقض البيع كما قال ابن القاسم فيمن اشترى نصيب رجل في نخل وشريكه غائب: أن ذلك لا يجوز؛ لأنه لا يستطيع قسمة النخل وحدها دون الأرض، فيؤول ذلك إلى الجهل إذا قسم مع غيره، على أن ابن القاسبم قد قال في "المدونة": إذا اشترى نقض دار على أن يقلعه ثم أتى رجل، فاستحق نصف الدار أن له أن يرد ما بقي في يده من النقض بما لم يستحق على البائع، وظاهر قوله: أن له التخيير، وأن له أن يمسك، وهو كلام فيه نظر؛ إلا أن يكون معنى ما تكلم عليه ابن القاسم أن الأرض والنقض متساويين لا يختلفان في القسم، وإنما يصير له فيه النصف حقيقة، وهو معنى قول سحنون في هذه المسألة أنها تجوز في حال، ولا تجوز في حال، وجواب ابن اللقاسم فيها في "المدونة" على القول بأنه لا شفعة في النقض؛ ولذلك قال: يتخير المبتاع، ولو تكلم فيها على القول بوجوب الشفعة في النقض لبدأ بتخيير الشفيع قبل تخيير المبتاع على المعلوم من مذهبه في ذلك خلاف قول أشهب، وسحنون [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في ب: بمقاسمته على البائع.
(٢) في أ: وهو.
(٣) زيادة من ب.
[ ٩ / ١٠٩ ]
المسألة الرابعة عشر فيما يباع على خيار
ولا شفعة في بيع الخيار حتى يختار إمضاء البيع من له الخيار من بائع، أو [مبتاع] (١) أو غيرهما، فإن باع أحد الشريكين على خيار، وباع الآخر بيع بتل.
ولا يخلو من له الخيار في بيع الخيار من وجهين:
إما أن يختار رد البيع، أو يختار الإمضاء.
فإن اختار الرد: فالشفعة لبائع الخيار قولًا واحدًا.
فإن اختار إمضاء البيع، فلمن تكون الشفعة؟
فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من المدونة:
أحدها: أن الشفعة لمشتري الخيار على مشتري البتل، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أن الشفعة لبائع البتل على مشتري الخيار، وهذا القول قائم من المدونة على ما نصف.
والثالث: أن الشفعة لمشتري البتل على مشتري الخيار، وهذا القول أيضًا متأول على المدونة.
والرابع: أن الشفعة لبائع الخيار على مشتري البتل، وهو قول عبد الملك، وأشهب في "الواضحة" وغيرها.
وسبب الخلاف: اختلافهم في بيع الخيار، هل هو منعقد من مبدئه،
_________________
(١) في ب: مشتري.
[ ٩ / ١١٠ ]
ومنشئه، أو منعقد من حينه ووقته؛ فمن رأى أنه [منعقد من مبدئه ومنشئه: قال بوجوب الشفعة إما لمشتري الخيار على قول ابن القاسم؛ لأنه إذا اختار الشراء كان البيع لم يزل] (١) منعقدًا، والمشتري على البت قد اشترى بعد [دفع] (٢) ذلك، فوجب عليه الشفعة للمشتري على خيار، وإما لبائع البتل على قول؛ لأنا إذا قدرنا أن بيع الخيار [منعقد] (٣) من مبدئه ومنشئه: فقد باع بيع بتل بعد أن وجبت له الشفعة؛ لأنه يتبين [بالآخرة] (٤) أن بيع الخيار منعقد [قبله] (٥).
و[هذا] (٦) يتخرج على أحد قولي المذهب أن الشفيع إذا باع الشقص الذي به يستشفع بعد وجوب الشفعة [فإن ذلك لا [. . . .] (٧) الأخذ بالشفعة وهو أحد قولي مالك في العتبية، وقد اختلف قوله في ذلك إذا باع الشقص الذي به يستشفع بعد وجوب الشفعة] (٨) على قولين: فمرة يقول: إنه لا شفعة [له] (٩)؛ لأن المعنى الذي لأجله شرعت قد زال، وهو ما يدخل شكليه من تضييق الواسع، وخراب العامر، وبه أخذ أحمد بن المعدل.
ومرة يقول: إن له الشفعة؛ لأنه أمر قد وجب [له] (١٠) فلا يسقطه
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: بالأثرة.
(٥) سقط من ب.
(٦) سقط من أ.
(٧) قدر كلمة غير واضح.
(٨) سقط من أ.
(٩) سقط من أ.
(١٠) سقط من أ.
[ ٩ / ١١١ ]
بيعه لسهمه، وبه أخذ ابن المواز، والأول مذهب المدونة.
وهكذا اختلف [بعض] (١) أصحابه إذا باع بعض سهمه على قولين:
أحدهما: أنه لا شفعة له مع الشريك بما بقي له؛ لأنه باع راغبًا في البيع، وإنما الشفعة [في] (٢) الضرر، وهو قول أشهب في "المجموعة".
والثاني: أن له الشفعة بما يبقى له من سهمه، وهو قول أحمد بن المعدل.
ومن رأى أنه غير منعقد، وأنه إنما انعقد من حينه، ووقته: قال بوجوب الشفعة إما للبائع بالخيار على قول من يقول: إن بيعه للشقص الذي يستشفع لا يُسْقِطُ شفعته؛ لأنه باع بعد أن وجبت له الشفعة، وهو نص قول ابن الماجشون في "الموازية" وغيرها.
وإما لمشتري البتل على القول بأن ما يجب للبائع قد انتقل إلى المشتري، وأن المشتري يتنزل في الأخذ [بالشفعة] (٣) منزلة الشفيع البائع، وهو اختيار ابن لبابة، وابن الحباب من فقهاء الأندلس -وعليه تأول ابن لبابة رواية ابن القاسم في "الكتاب" في أنه لا يجوز أن يبيع الرجل شفعة قد وجبت له، ولا يهبها، فقال: معناه: من غير المبتاع؛ فجعل المشتري من الشفيع كالوارث، وقد قال في "الكتاب": إن الشفعة تورث عن الميت، والوارث بمنزلة الموروث في الحق الذي كان له من الأخذ والترك وسواء مات الموروث، والشقص الذي يستشفع به بيده فورثه عنه، أو مات بعد بيع الشقص، على القول بأن البيع لا يسقط الشفعة، فكان ينبغي أن منزلة المشتري منزل الشفيع، فافهم هذا التنزيل
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: من.
(٣) في أ: في الشفعة.
[ ٩ / ١١٢ ]
الذي نزلنا عليه هذه المسألة؛ فقد جعلنا بائع البتل كالمشتري على خيار وجعلنا مشتهي البتل كبائع الخيار، فإذا أمعنت النظر [في المسألة] (١) تبيَّن لك المعنى الموجب لذلك إن شاء الله، والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ١١٣ ]
المسألة الخامسة عشر في الشفعة في هبة الثواب
وإذا وهبت شقصًا على ثواب: فلا يخلو من أن يسمى ثوابًا، أو لم يسم.
فإن سمى ثوابًا: فهل للشفيع أن يأخذ بالشفعة قبل أن يثاب الواهب أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه إذا سمى الثواب: فله أن يأخذ بالشفعة، وهو قوله في كتاب [الشفعة.
والثاني: أنه لا يأخذ بالشفعة حتى يثاب، وهو قوله في "كتاب] (١) الهبات" من "المدونة".
فإن لم يُسَم ثوابًا: فلا شفعة في ذلك إلا بعد الثواب، ولا خلاف في ذلك.
ثم لا تخلو الهبة من أن تكون قائمة أو فائتة.
فإن كانت قائمة: فلا يخلو الموهوب له من أن يثيبه بمثل قيمة الهبة، [أو أكثر، فإن أثابه بمثل قيمة الهبة] (٢) هل يلزم الواهب قبول الثواب أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يلزمه القبول إلا أن يشاء؛ لأن الناس إنما يهبون على
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ١١٤ ]
أن يعوضوا [أكثر] (١) وهو قوله في "كتاب الهبات".
والثاني: [أنه] (٢) يلزمه القبول مهما عوضه مثل قيمة الهبة، وهو [نص] (٣) قول ابن القاسم في "كتاب الشفعة"؛ حيث قال: فإن عوضه مثل قيمة الهبة لزم الواهب، وإن أثابه أقل لم يلزمه إلا أن يشاء، وله أن يأخذ هبته.
فإذا أثابه مثل قيمة الهبة: فلا خلاف في المذهب أن للشفيع أن يأخذ الشفعة بقيمة [العوض] (٤).
واختلف إذا أثابه بأكثر من قيمتها، هل يسقط الزائد عن الشفيع أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يستشفع بجميع ما أثابه، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، ووافقه على ذلك أشهب.
والثاني: [أنه] (٥) يستشفع بالأقل مما دفع من الثواب أو من قيمة الشقص، ولا يستشفع بالزائد؛ لأن الموهوب له قد تطوع بدفعه على القول بأنه إذا عوضه القيمة [لم] (٦) يلزم الواهب القبول.
وهذا ينبني على الخلاف الذي قدمناه في الواهب، هل يجبر على قبول العوض إذا عوضه مثل القيمة أم لا.
فأما إذا عوضه بعد فوات الهبة أكثر من قيمة الهبة، فهل يستشفع
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من ب.
(٦) سقط من أ.
[ ٩ / ١١٥ ]
[الشفيع] (١) بجميع القيمة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يستشفع بجميع ما أثابه به، وهو قول ابن القاسم؛ إذ لا فرق عنده بين قيام الهبة وفواتها.
والثاني: أنه يستشفع بالأقل مما دفع من الثواب، أو من قيمة الهبة، وهو قول أشهب؛ لأن الزائد على القيمة كالهبة، إلا أنه يلزم أشهب أن يقول مثل ذلك [إذا كان ذلك] (٢) قبل الفوات [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من ب.
[ ٩ / ١١٦ ]
المسألة السادسة عشر في الشفعة فيما ناكح به، أو خالع، أو صالح عليه من دم عمد، أو أخذ من دم خطأ
فأما ما ناكح به من شقص في دار، أو في أرض، فقد اختلف بماذا يستشفع به الشفيع إذا طلب الأخذ بالشفعة، على قولين:
أحدهما: أنه يستشفع بقيمة الشقص، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه يستشفع بصداق المثل، وهو قول عبد الملك، وهو قائم من "المدونة" من مسألة: الكراء فيما إذا اكترى إبلًا إلى مكة بشقص من دار؛ حيث قال: فللشفيع الأخذ بالشفعة بمثل كراء الإبل إلى مكة، ولم يقل يستشفع بقيمة الشقص، وصداق المثل ككراء المثل في النظر والاجتهاد.
وأما ما خولع به: فإن فيه الشفعة بقيمة الشقص، قولًا واحدًا؛ إذ لا قدرة على أكثر من ذلك؛ إذ ليس هناك عوض متقدر له قيمة كما عمل في النكاح، والكراء.
وأما ما أخذه صلحًا [عن] (١) دم: فلا يخلو من وجهين:
إما أن يكون ذلك عن [دم] (٢) عمد، أو عن خطأ.
فإن كان ذلك عن دم عمد: فإن الشفيع يأخذ الشقص بقيمته؛ لأن دم العمد لا عوض له أصلًا إلا ما وقع عليه الاصطلاح.
_________________
(١) في أ: من.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ١١٧ ]
وأما ما أخذ صلحًا عن دم الخطأ: فلا يخلو القاتل من وجهين: إما أن يصالح عن جميع الدية على شقص، ولا يرجع بذلك على العاقلة [وإما أن يصالح على أن يرجع عليهم.
فإن صالح عن جميع الدِّية على ألا يرجع بذلك على العاقلة] (١)، فإن ذلك جائز جملة بلا تفصيل بين أن يكونوا أهل إبل، أو أهل ذهب.
فإن أراد الشفيع أن يستشفع، فلا تخلو العاقلة من أن يكونوا أهل إبل، أو ذهب، أو وَرِق.
فإن كانوا أهل إبل: فاختلف بماذا يستشفع على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه بقيمة الإبل؛ معناه تُقَوَّم الآن بالنقد على أن تقبض إلى آجالها في [الذمة] (٢) ثم يأخذ الشفيع إن شاء، وينقد القيمة في الحال، وهو تأويل سحنون على "المدونة" في "كتاب ابن عبدوس"، وهو مذهب عبد الملك فيما بيع بثمن مؤجل، وقد قدمناه قبل هذا.
والثاني: أن الإبل تقوم على آجالها كما قال في الكتاب، ومتى حلت سنة قومت فيها الإبل نقدًا حنيئذ قبضت تلك القيمة في الحال هكذا إلى آخر سنة، وهذا تأويل بعضهم على المدونة، واعترض سحنون وغيره -رحمة الله عليهما- وقالا: هذا من بيع الدين بالدين.
والثالث: أن الشفيع يستشفع بمثل الإبل على آجالها لا بقيمتها؛ لأنها أسنان معلومة موصوفة، وهذا القول أيضًا حكي عن سحنون، ويحيى بن عمر، على ما حكاه القاضي أبو الفضل.
ولا يصح أن تُقَوَّمُ الإبل إلا على أن تؤخذ القيمة على آجالها؛ لأن
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في أ: الدية.
[ ٩ / ١١٨ ]
ذلك دَيْن بِدَيْن.
[فأما إن] (١) كانوا أهل ذهب وفضة، هل يستشفع الشفيع بعددها، أو بقيمتها؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يستشفع بمقدار الدِّية [في] (٢) عددها من غير اعتبار بقيمتها؛ إذ لا قيمة في العين، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن الدِّية تُقَوَّم بالعروض نقدًا على أن تقبض إلى آجالها، ثم يستشفع الشفيع بالعرض الذي قُوِّمَت [به] (٣)، وهو قول عبد الملك.
والثالث: أن الدِّية تُقَوَّم بالعرض، ثم يُقَوَّم العرض بالعين وبه يستشفع، وهو قول سحنون.
وعلى القول بأنه يستشفع بمقدار الدِّية في عددها -وهو مذهب "المدونة"- فإنها تقطع على الشفيع نجومًا كما تقطع على العاقلة؛ إن كانت الدِّية كاملة ففي ثلاث سنين، والثلثان في سنتين، والثلث في سنة، والنصف يجتهد فيه الإِمام؛ إن رأى أن يجعله في سنتين، أو في سنة ونصف فعل.
وقال ابن القاسم: يؤخر بالنصف عامين.
وقال أشهب: يؤدي الثلث في أول السنة، والسدس في الثانية، وقال سحنون: ولا يجوز أن يأخذ في الشقص شقصًا، ولا غيره حتى تمضي فيه قضية من حاكم يقطعها على العاقلة في سنتين أو غير ذلك؛ لأن ذلك
_________________
(١) في أ: فإن.
(٢) في أ: على.
(٣) سقط من أ.
[ ٩ / ١١٩ ]
إلى اجتهاد الحاكم، فهو مجهول فلا يباع حتى يعرف بالحكم.
فأما إذا صالح على أن يرجع بذلك على العاقلة: فلا يخلو ما صالح به من أن يكون مما يرجع إلى القيمة، أو مما يرجع إلى المثل.
فإن كان مما يرجع إلى القيمة: فذلك جائز، ويرجع على العاقلة بالأقل مما صالح به، أو مما عليهم، وهو قول ابن القاسم، فإن كان مما يرجع إلى المثل حيث هم مجبورون عليه: فالمذهب على قولين منصوصين عن مالك، وقد قدمناهما في مصالحة الكفيل [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ٩ / ١٢٠ ]
المسألة السابعة عشر في الموضحتين
إذا شجه في الموضحتين، واحدة عمدًا، والأخرى خطأ، فصالحه من ذلك على شقص من دار، فبماذا يستشفع؟
فقد اختلف المذهب في ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يستشفع بخمسين دينارًا، دية موضحة الخطأ، وبنصف قيمة الشقص، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن الشقص يقوم؛ فإن كانت قيمته مائة: حمل عليه موضحة الخطأ؛ وذلك خمسون دينارًا، فصار للعمد ثلثا الشقص، فيستشفع بخمسين دينارًا، وبثلثي قيمة الشقص؛ وهي ستة وستون دينارًا وثلثا دينار، وكذلك الحكم فيما قلَّ من الأجراء أو أكثر، وهو قول المخزومي في "الكتاب".
والثالث: أنه ينظر إلى قيمة الشقص، فإن كانت خمسين فأقل: أخذه بخمسين؛ دية موضحة الخطأ، فإن كانت قيمته ستين دينارًا: أخذه بخمسين دينارًا، وسدس قيمة الشقص، وهو مذهب ابن نافع.
ووجه قول ابن القاسم: أن الشقص يفضل على الموضحتين جميعًا لتساويهما، فوجب أن يكون نصفه للخطأ بخمسين، ونصفه للعمد بقيمته؛ إذ العمد ليس فيه دِيَة مقدرة إلا ما اصطلحوا عليه، فجعل أن المعلوم والمجهول إذا اشتركا في الشيء، فإن ذلك ينقسم بينهما أنصافًا، إلا أن ابن القاسم ناقض أصله في هذا في اختلافهما في أصل الشركة، وفي المسألة الواقعة في أول "كتاب النكاح الثاني": إذا تزوجها بعبد على
[ ٩ / ١٢١ ]
أن أعطته دارًا أو مالًا؛ حيث قال: لا يجوز [النكاح] (١) ويفسخ قبل البناء، ويثبت بعده، ويكون لها صداق المثل، فكأن الشقص عند ابن القاسم مأخوذ عن الجملة، ونظر إلى قدر الديات لو كانت قد صُولح عنها، فجعل ذلك [كله] (٢) كالمعدوم؛ إلا أنه لا يأخذ ما قابل العمد إلا بالقيمة.
ويجب على قول ابن القاسم لو أخذ شقصًا [من] (٣) موضحة خطأ، ونفس عمد أن يأخذ الشقص بخمسين دينارًا موضحة الخطأ، وبقيمة عشرين جزءًا من الشقص من أحد وعشرين جزءًا؛ وذلك أنك تقسم ألف دينار، فتجعلها خمسين خمسين، فذلك عشرون جزءًا من الشقص، ثم تضيف إليها موضحة الخطأ، وذلك خمسون، فجميع ذلك أحد وعشرون، فموضحة الخطأ جزء من أحد وعشرين، لها خمسون دينارًا أو بقيت الأجزاء بالقيمة؛ لأنها عن عمد.
ووجه قول المخزومي: أن الشقص كله للعمد إلا ما نقص منه لموضحة الخطأ؛ لأن العمد لو انفرد به لاستغرقه جميعًا، والخطأ لو انفرد به لم يكن إلا قيمة دينه خمسون دينارًا، فشُبهة العمد في المجهولات في الوصايا التي يكون لها الثلث كلها، وإن كان معها من الوصايا المفسرات ضرب للمجهولات معها بجميع الثلث؛ لأنها لو انفردت بها لاستوعبتها كلها؛ كمن أوصى بوقيد المسجد على الدوام، أو بإطعام رغيف خبز كل يوم على الدوام، وما أشبه ذلك.
ووجه قول ابن نافع: أن الشقص كله للخطأ، ولا يكون للعمد منه
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: عن.
[ ٩ / ١٢٢ ]
إلا [ما زاد] (١) على دية الخطأ، على ضد قول المخزومي، فإن كانت قيمة الشقص خمسين دينارًا فأقل: أخذه الشفيع بخمسين دية موضحة الخطأ، وإن كان العمد عنده لم يأخذ منه شيئًا.
فإن كانت قيمته أكثر من خمسين دينارًا: كان الزائد هو المأخوذ عن موضحة العمد قليلًا كان أو كثيرًا.
ومذهب عبد الملك في ذلك أقرب إلى الصواب على أصول المذهب [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
[ ٩ / ١٢٣ ]
المسألة الثامنة عشر فيمن غصب عبدًا ودنانير فاشترى بها شقصًا
فلا يخلو العبد من أن يكون قائمًا أو فائتًا.
فإن كان قائمًا: فلا شفعة الشفيع؛ لأن لرَبِّه أخذه، فإذا أخذه فسخ البيع.
فإن كانت فائتًا: فلا يخلو فواته من أن يكون فوات عين، أو فوات عيب؛ فإن فات فوات عين، فأراد الشفيع الأخذ بالشفعة؛ إما على القول أن الأخذ بالشفعة [طريقه] (١) طريق الاستحقاق: فله الأخذ بالشفعة قولًا واحدًا، وإما على القول بأن طريقها طريق البيع: فإن جواز الأخذ بالشفعة يتخرج على شراء السلعة إذا اشتريت بمال حرام؛ فمن جوز شراءها: جوز للشفيع الأخذ بالشفعة في مسألتنا، وهو نص قول ابن القاسم في آخر "كتاب الشفعة": أن له الأخذ بالشفعة، ومنه يؤخذ جواز شراء السلعة بثمن حرام، وبه قال محمَّد بن سحنون، وابن عبدوس، وغيرهما.
ومن كره شراءها: كره له الأخذ بالشفعة، وهو مذهب سحنون وغيره [في] (٢) شراء تلك السلعة.
فإن كان فواته فوات عيب، هل للشفيع الأخذ بالشفعة أم لا؟
فإنه يتخرج على قولين متأولين على الكتاب.
أحدهما: أنه يأخذ بالشفعة، وهو ظاهر قوله في الكتاب، حيث قال:
_________________
(١) في أ: طريقها.
(٢) في أ: و.
[ ٩ / ١٢٤ ]
إذا فات فواتًا يوجب على الغاصب قيمته، فللشفيع [الأخذ والقيمة تجب عليه بتغيره في ذاته.
والثاني: أنه لا شفعة فيه للشفيع] (١) لقدرة المستحق على أخذ عين العبد.
[وهو] (٢) تأويل الشيخ أبي إسحاق التونسي: فإذا أوجبت القيمة للمستحق، هل يأخذ قيمة عبده يوم غصب، أو قيمته يوم اشترى به الشقص؟
فالخيار في ذلك للمستحق إن شاء أخذ قيمته يوم غصبه، وإن شاء قيمته يوم اشترى به الشقص، ولا سبيل له إلى أخذ الشقص المشترى بعبده؛ لأنه يؤخذ منه بالشفعة لو أخذه.
إلا أن الغاصب قد أخذ عن الشقص قيمة العبد يوم اشترى به الشقص، فكان لصاحب العبد [أخذ] (٣) تلك القيمة التي أخذها الغاصب عوضًا عن عوض العبد، فصار المستحق مخيرًا في القيمة.
وأما الدنانير والدراهم [إذا غصبها فاشترى بها، فإن للشفيع الأخذ بالشفعة على الحال كانت الدنانير أو الدراهم] (٤) قائمة بيد البائع [أو فائتة غير أن المغصوب منه إذا وجد دنانيره أو دراهمه بعينها قائمة بيد البائع] (٥) وأقام [عليها] (٦) بينة أخذها، ويرجع على المبتاع بمثلها، والبيع تام بينهما، وهو نص قوله في "المدونة"، وقد جعل أن الدنانير والدراهم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: وعلى.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: عليه.
[ ٩ / ١٢٥ ]
مما يشهد على عينها، وهو قوله في كتاب الغصب من المدونة أيضًا، إلا أنه قال هناك: "أقام عليه بينة لم تفارقه حين قبضها"، وهو معنى قوله في هذه المسألة أيضًا.
تم الكتاب، والله الموفق للصواب، والحمد لله وحده.
[ ٩ / ١٢٦ ]
كتاب القسمة
[ ٩ / ١٢٧ ]