تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها: أربع عشرة مسألة.
المسألة الأولى
في معني لفظ الصلاة
والصلاة لها تعريفان؛ لغوي، وشرعي.
[وهي في "وضع" (٢) اللغة] (٣) على وجوه، منها:
الدعاء: لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٤).
ومنها: الاستغفار والرحمة:
والصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الآدميين: [الدعاء] (٥).
وقيل: [إن الصلاة] (٦) مأخوذة من قولك: [أَصّلْت] (٧) العُود: إذا قومته.
وقيل: إن الصلاة مأخوذة من الصّلْوين؛ وهما عِرْقان ينحنيان عند
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) في أ: موضع.
(٣) في ب: فاللغوي.
(٤) سورة التوبة الآية (١٠٣).
(٥) في أ: الركوع والسجود.
(٦) سقط من أ.
(٧) في جـ: أصليت.
[ ١ / ١٩١ ]
الركوع.
وقيل: إن الصلاة مأخوذة من الصّلة؛ لأنها تصل بين العبد وخالقه.
وقيل: إن الصلاة مشتقة من المصلى من الخيل؛ لأن النبي - ﷺ - أول من صلى مع جبريل [﵇] (١) فكان تابعًا، وكان كل من بعده مصليًا.
وهي في موضع الشرع واقعة على: دعاء مخصوص في أوقات محدودة تقترن بها أفعال مشروعة؛ من ركوع، وسجود، وقيام، وقعود، وهي من معالم الإِسلام، وعماد الدين، وهي من فروض الأعيان، وهي الصلوات الخمس.
أوجبها الله تعالى على عباده، وذكر فرضها في غير ما [آية] (٢) من كتابه العزيز:
فقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٣).
وقال جل ذكره: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٤).
وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٥).
وقال ﵇: "بُنِيَ الإِسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج بيت الله [الحرام] (٦) من استطاع إليه سبيلًا" (٧) [ق/ ٩ ب].
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) في أ: موضع.
(٣) سورة النور الآية (٥٦).
(٤) سورة التوبة الآية (٥).
(٥) سورة التوبة الآية (١١).
(٦) سقط من ب.
(٧) أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (١٦) من حديث عبد الله بن عمر.
[ ١ / ١٩٢ ]
فمن جحد وجوبها: فهو كافر حلال الدم، ويستتاب، فإن تاب وإلا قُتل، وكان قتله كفرًا، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه ورثته المسلمون، وماله فَيء لجميع المسلمين.
فإن أقرَّ بوجوبها وامتنع من فعلها، وقال: هي فريضة عليَّ غير أني لا أصلي: فإنه يستتاب بأنه يؤخر حتى يخرج وقتها، والمراعى هاهنا وقت الاضطرار، وغروب الشمس للظهر والعصر، وطلوع الفجر [ق/١١ جـ] للمغرب والعشاء، هذا هو مشهور -المذهب- وذهب محمَّد بن [فويزمنداد] (١) إلى أن الوقت في ذلك: القامة في الظهر، والقامتان للعصر -وهو شذوذ من القول-.
فإن مضى الوقت ولم يُصلّ: فإنه يُقْتل، وقتْلُه حَد من الحُدُود؛ يُصلَّى عليه، وَيَرِثه وَرَثَته المسلمون.
هذا مذهب مالك والشافعي ﵄.
وشذ ابن حبيب عن الجماعة، فقال: إنه يُقتل كفرًا، واستدل على ذلك بظواهر [لا تقوم بها] (٢) حجة.
وهي تجب بأربعة شروط متفق عليها، وشرط خامس مختلف فيه: هل هو شرط [من شروط] (٣) وجوب الصلاة أو شرط في صحة فعلها.
فأما الأربعة المتفق عليها [فهي] (٤): البلوغ، والعقل، ودخول الوقت، وارتفاع دم الحيض والنفاس.
_________________
(١) في ب: مسلمة.
(٢) في أ: لا تكون.
(٣) في ب: في.
(٤) سقط من ب.
[ ١ / ١٩٣ ]
أما البلوغ والعقل: فالدليل على اعتبارهما: الحديث الذي خرَّجه الصحاح في إسقاط الحرج [عنهما بقوله ﵇] (١): "رفع القلم عن ثلاثة" (٢)، فذكر المجنون حتى يفيق، والصبي حتى ["يحتلم" (٣)] (٤).
ورَفْعُ القلم -هاهنا- عبارة عن رَفعْ المأثم.
وأما ارتفاع دم الحيض والنفاس: فلا خلاف في المذهب أنهما يمنعان من وجوب الصلاة، وصحة فعلها؛ بل الإجماع منعقد على ذلك.
وإنما وقع الخلاف بين العلماء هل هي مخاطبة في زمان الحيض مع استحالة إيقاع الفعل المخاطب به شرعًا، أو غير مخاطبة، وإنما وقع القضاء بخطاب جديد؛ فهذا على الخلاف (٥).
وأما الشرط الخامس المختلف فيه: هل هو شرط في الوجوب أو شرط في الصحة، فالإِسلام.
وهذا يتخرج على الخلاف في الكفار: هل [هم] (٦) مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟
فمن قال: إنهم مخاطبون بالفروع (٧): عدَّ ذلك الشرط من شروط
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي (٣٤٣٢)، وابن ماجة (٢٠٤١)، وأحمد (٢٤١٧٣)، والدارمي (٢٢٩٦) من حديث عائشة ﵂. وصححه الشيخ الألباني: الإرواء (٢٩٧).
(٣) في الأصل: يحتمل.
(٤) في أ: يحتمل.
(٥) تقدم بيان هذا في القول الثاني من الجواب عن الفصل الرابع من المسألة الثالثة عشر.
(٦) سقط من أ.
(٧) وهو مذهب مالك، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وهو رواية عن الإِمام أحمد، واختاره كثير من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وعامة أهل الحديث، وبعض الحنفية كالكارخي، والجصاص، وهو مذهب أكثر المعتزلة، وهو الصحيح.
[ ١ / ١٩٤ ]
الوجوب؛ لأنه وجب عليه أن يسلم ليصلي ويؤدي الفرض، كما وجب عليه إذا دخل الوقت أن يتوضأ ليؤدي الفرض.
ومن قال: إنهم غير مخاطبين (١): [عدَّ ذلك الشرط من شروط] (٢) الصحة؛ فكان لا يجب عليهم أن يسلموا ليصلوا، وإنما عليهم الإِسلام على الجملة.
وفائدة ذلك وثمرته: هل يعاقبون في الآخرة عقاب من ترك [الأمرين جميعًا] (٣) أم لا؟.
فمن رأى أنهم مخاطبون [بفروع الشريعة] (٤): قال [إنهم] (٥) يعاقبون عقاب من ترك الإيمان وفروعه.
ومن رأى أنهم غير مخاطبين: قال: إنهم يعاقبون عقاب من ترك الإيمان خاصة.
ولا خلاف بين العلماء أنهم مخاطبون بالإيمان.
وهذا يحرك سلسلة علم [الكلام] (٦) ولنثني العنان [إلى] (٧) ما نحن بسبيله، [والحمد لله وحده] (٨).
_________________
(١) وهو مذهب الإِمام أحمد في رواية عنه، وهو قول للإمام الشافعي، وهو مذهب ابن خويز منداد من المالكية، وهو اختيار أبي حامد الإسفراييني من الشافعية، وهو مذهب كثير من الحنفية، وثم هناك مذاهب أُخَرْ. انظر: غير مأمور في المهذب في علم أصول الفقه المقارن (١/ ٣٤٦: ٣٦٦) للدكتور عبد الكريم النملة، وهناك رسالة مستقلة بهذه المسألة من تصنيف الدكتور عبد الكريم النملة.
(٢) في ب: عدة من شرائط.
(٣) في أ: الأوامر.
(٤) زيادة من ب.
(٥) سقط من ب.
(٦) في أ: الكتاب.
(٧) في أ: على.
(٨) زيادة من جـ.
[ ١ / ١٩٥ ]
المسألة الثانية
في الأوقات
وهو الشرط الرابع، ونعني بتسمية هذه الشروط: بشروط الوجوب وجوب الأداء، وإلا فالذِّمة عامرة حين وجد [شرط] (١) التكليف الذي هو: العقل.
والأوقات: عبارة عن طلوع الشمس وغروبها، ودوران الفلك وحركاته.
إلا أنها في الشريعة: عبارة عن حدود مخصوصة في أثناء النهار وأثناء الليل، ويُطَالب العبد بإيقاع العبادة -التي هي الصلاة- عند حصولها؛ فصار ذلك الحد عَلَمًا على توجه الخطاب على المكلَّف بأداء تلك العبادة، والسعي في أسبابها، والأخذ في [أهبتها] (٢) التي لا تصح إلا بها.
ولا خلاف بين الأمة أن الصلاة لا يجوز فعلها قبل الوقت، إلا خلاف شاذ؛ رُوِيَ عن ابن عباس، وما روى أيضًا عن بعض العلماء في [صلاة] (٣) الجمعة.
وذلك في ثلاث صلوات: الظهر، والمغرب، [وصلاة] (٤) الصبح. فهذه [الثلاث صلوات] (٥) التي انعقد الإجماع فيها أنها لا [تقدم] (٦)
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في ب: هيئتها.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من ب.
(٥) في ب: الثلاثة.
(٦) في ب: تقدمن.
[ ١ / ١٩٦ ]
على [وقتها] (١) بوجه ولا سبب.
وما [عداها من الصلوات] (٢) يصح تقديمها عن وقتها؛ وذلك في العصر والعشاء الآخرة على القول بالاشتراك، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
فإذا ثبت ذلك، فالأوقات تنقسم [على] (٣) خمسة أقسام:
وقت إباحة، وتوسعة [ووقت اختيار، وفضيلة، ووقت عذر، ورخصة، ووقت تضييق وضرورة] (٤) ووقت سنة أخذت حظًا من الفضيلة.
فأما وقت الإباحة والتوسعة: فهو أن يصلي الصلاة في أول وقتها.
ووقت اختيار وفضيلة: وهو أن يصلي قبل أن ينقضي الوقت المستحب الذي هو من أول وقت الإباحة إلى آخر القامة للظهر.
وأما وقت عذر ورخصة: فهو أن يصلي الظهر في آخر وقتها المستحب، أو يعجل العصر في أول وقت الظهر المستحب الذي هو وقت الإباحة؛ وذلك في الجمع بين الصلاتين لمن يجوز له الجمع إما لعذر السَّفر، أو لعذر المرض أو لعُذر المَطَر.
وأما وقت التضييق والضرورة: فهو أن يُؤخر الظهر والعصر إلى غروب الشمس، أو يؤخر المغرب والعشاء إلى طلوع الفجر -إما اختيارًا وإما اضطرارًا-[على ما يأتي بيانه بفضل الله إن شاء الله تعالى] (٥).
_________________
(١) في ب: وقتهن.
(٢) سقط من ب.
(٣) في ب: إلى.
(٤) ساقطة من الأصل.
(٥) سقط من ب.
[ ١ / ١٩٧ ]
وأما وقت سنة أخذت حظًا من الفضيلة: [فهو أن يجمع] (١) بين الصلاتين بعَرَفَة ومُزْدَلِفَة.
فهذا بيانها على الجملة، ونحن نتكلم على تفصيلها، وتحصيلها وتنزيلها على أصولها بعون الله، وهو خير معين.
فأول [ذلك] (٢) صلاة الظهر:
فتسمية الظهر: مأخوذ من الظهيرة، وهي شدة الحر، وأكثر ما يكون [عند] (٣) الزّوال.
وقيل: سميت بذلك لأنها [مأخوذة] (٤) من الظُّهور؛ وكأنه وقت ظهور زوال الشمس عن [حال] (٥) وُقُوفها في كَبِد السّماء.
وقيل: سُمِّيت بذلك؛ لأن وقتها أظهر من [سائر] (٦) الأوقات وأبينها.
وتُسَمَّى أيضًا: الهجيرة، وقد جاء اسمها في الحديث (٧) بذلك [مأخوذ] (٨) من الهَاجِرَة؛ وهي شِدّة الحَر.
[وتُسَمّى: الأولى] (٩) أيضًا؛ لأنها [ق/ ١٨ أ] أول صلاة صلَّاها
_________________
(١) في ب: فالجمع.
(٢) في أ: وقت.
(٣) في ب: عليه.
(٤) سقط من ب.
(٥) زيادة من ب.
(٦) سقط من أ.
(٧) وهو ما أخرجه البخاري (٥٢٢) من حديث سيار بن سلامة قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي: كيف كان رسول الله - ﷺ - يصلي المكتوبة؟ فقال: كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدهن الشمس .. ".
(٨) سقط من ب.
(٩) في ب: وسميت.
[ ١ / ١٩٨ ]
صلّاها جبريل ﵇ بالنبي ﵇.
[فأول] (١) وقت الظهر زوال الشمس عن كَبِد السّماء، وآخرها المستحب أن يصير ظِل كل شيء مثله بعد الظّل الذي زالت عليه الشمس.
وأما صلاة العصر:
[فقيل إنها تُسَمَّى العشاء؛ فقيل] (٢): سميت بذلك؛ لأنها في آخر طرفي النهار، والعرب تسمى كل طرف من النهار عصرًا. وقيل: سُمِّيَت بذلك لتأخيرها.
وأول وقتها: إذا صار ظِل كل شيء مثله [بَعْدَ ظِل الزّوال] (٣). وآخر وقتها المستحب: أن يصير ظِل كل شيء مِثْلَيه. وآخر وقت الظهر والعصر، المختار: إلى الاصفرار. وآخر وقتها للضرورة: إلى غروب الشمس.
فعلى هذا يكون للظهر والعصر ثلاثة أوقات، وهو الذي تضمنته ترجمة مالك في "الموطأ" في رواية يحيى بن يحيى حيث قال: وقت الصلاة، والوقوت من أبنية الكثرة؛ [من العشرة] (٤) فصاعدًا.
وإذا أثبتنا لكل صلاة ثلاثة أوقات: جاء من ذلك خمسة عشر وقتًا؛ [وهو ظاهر ترجمته ومقتضاها] (٥) وهو مشهور المذهب في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من ب.
(٤) في ب: كالعشرة.
(٥) سقط من أ.
[ ١ / ١٩٩ ]
وعلى ما تقتضيه رواية ابن بكير في ترجمة موطئه: بباب أوقات الصلاة، يؤذن بأن الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح ليس لها إلا وقتان؛ لأن قوله: [أوقات] (١): يدل على التقليل؛ لأنه من أبنية القلة فيما دون العشرة.
والمغرب: ليس لها إلا وقت واحد على هذا يتنزل.
وأما على رواية ابن القاسم عن مالك في موطئه: فترجمته وقت الصلاة؛ فهي محتملة للمعنيين جميعًا؛ لأن الوقت مصدر، والمصدر [يصلح] (٢) للقليل والكثير [ويقع عليه] (٣).
واختلف العلماء في الظهر والعصر: هل بينهما اشتراك؟
[فمشهور مذهب مالك أن بينهما اشتراكا] (٤)، وبه قال أبو حنيفة، وظاهر قول [ابن حبيب] (٥) نفى الاشتراك، وبه صرح القاضي أبو بكر ابن العربي -أعني نفى الاشتراك- فقال: تالله ما بينهما اشتراك، ولقد زمنت (٦) فيه أقلام العلماء.
فيحمل ما روى في الحديث من صلاة جبريل بالنبي ﵇ الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى به العصر بالأمس على [أن معنى قوله] (٧) صلى بمعنى [فرنح] (٨)، وبه قال الشافعي: وهذا الذي قاله
_________________
(١) في ب: أوقات الصلاة.
(٢) في أ: يقع على.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: أبي حنيفة.
(٦) يقال: رجل زَمِن، أي: مبتلى. مختار الصحاح (١١٦).
(٧) سقط من أ.
(٨) في الأصل: فرع.
[ ١ / ٢٠٠ ]
ظاهر في المعنى لولا ما ثبت من جمع رسول الله - ﷺ -[بين] (١) الظهر، والعصر، والمغرب، [والعشاء] (٢) في غزوته إلى تبوك.
وقد قدمنا أن الصلاة قبل وقتها لا يجوز فعلها بالإجماع.
وقد اتفقنا مع القاضي [أبي بكر بن العربي أدام الله كرامته] (٣) -ونفع الله به- أنه يجوز تقديم العصر، والعشاء [الآخرة] (٤) عن وقتها إلى [أول] (٥) وقت الظهر أو المغرب تارة للمسافر إذا ارتحل من المنهل عند الزوال [أو] (٦) عند الغروب، أو للمريض إذا خشى أن يغلب على عقله مع الاتفاق من الكل أنه لا يجوز له أن يقدم الظهر عن الزوال، وما ذلك إلا لوجود الاشتراك وصحته.
ولذلك لم [يجمع] (٧) النبي - ﷺ -[في سفره] (٨) بين المغرب والعصر، ولا بين العشاء والصبح؛ فصحَّ القول المختار بهذا الاعتبار وعلى القول بالاشتراك: هل يكون الاشتراك في أول دقيقة من الزوال، أو يكون الاشتراك في آخر الغروب، أو يختص الظهر [بمقدار] (٩) أربع ركعات [للحاضر] (١٠) وركعتين للمسافر عند الزوال لم يشاركها فيه العصر، [فكذلك يختص العصر بهذا المقدار في آخر الوقت لم تشاركها فيه
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: و.
(٧) زيادة ليست بالأصل.
(٨) سقط من أ.
(٩) سقط من أ.
(١٠) في الأصل: للحائض.
[ ١ / ٢٠١ ]
الظهر] (١).
وفائدة هذا وثمرته: إذا قدم العصر على الظهر بمعنى أوجب ذلك كالحائض تطهر وقد بقى من النهار قدر ما تصلي فيه أربع ركعات على غالب ظنها، فصلّت العصر ثم بقى لها من الوقت قدر ما تصلي فيه ركعة أخرى، فإنها تصلى الظهر، [فإن] (٢) قلنا بالاشتراك في أول الزوال: فلا تعيد العصر، وإن كانت قد صلتها في وقت الظهر؛ لأنَّ ذلك القدر [من الوقت] (٣) وقع فيه الاشتراك، فصار الظهر مستحقًا له من باب الترتيب خاصة، حتى إذا طرأ ما يُسْقِط حكم الترتيب: سَقَطَ حُكم الاستحقاق؛ فصارت صلاة العصر قد أديت في وقتها بالاختصاص.
وإن قلنا: كل واحدة من الصلاتين تختص بمقدار أربع ركعات للحاضر أو ركعتين للمسافر: فلابد مِنْ أَنْ يُعِيد العصر في مسألتنا؛ [لأنها صلتها] (٤) آخر وقت الظهر.
واختلف القائلون بالاشتراك: هل الظهر مشاركة للعصر في ابتداء القامة الثانية، أو العصر مشاركة للظهر في آخر القامة الأولى، أم لا؟
على قولين، والذي اختاره مشايخ أهل المذهب: أن العصر هي المشاركة للظهر في آخر القامة الأولى، واستدلوا على صحة هذا القول بإمامة جبريل بالنبي - ﷺ - أنه صلى به في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر بالأمس، حتى لو أن رجلين ابتدءا الصلاة في تلك الساعة؛ أحدهما: يصلي الظهر، والآخر: يصلي العصر: لكان كل واحد منهما
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في ب: فإذا.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: لأنه صلاها.
[ ١ / ٢٠٢ ]
مؤديًا للصلاة في أول وقتها. فهذا حقيقة الاشتراك.
[وأما] (١) صلاة المغرب: وهي [تُسَمَّى] (٢) صلاة الشَّاهد [ق/ ١٢جـ] أيضًا سُمِّيَت بذلك؛ لأنَّ المُسافر لا يقصرها.
وقيل: سُمِّيت بذلك؛ لأن نَجْمًا يُسَمِّي الشّاهد يَطْلع عند وقتها. ولا يقال لها: العشاء لا لُغة ولا شَرعًا. وقد جاء في الحديث الصحيح (٣) النهي عن تسميتها عِشَاء.
وأول وقتها: [عند] (٤) غروب الشمس. والمراد بالغروب: غروب عينها وقُرصها لا ذهاب الضوء. ولا يجوز تقديمها عن ذلك الوقت بالإجماع.
ولا خلاف بين العلماء أيضًا أن تقديمها [في] (٥) أول وقتها في حق كل مصل -فَذًا أو مأمومًا- أفضل وأحسن.
واختلف هل يَمْتَد وقتها حتى يكون لها وقت [الاختيار] (٦) أم لا؟
فالمذهب على قولين؛ والمشهور: أن لها وقت الاختيار، وهو ظاهر قول مالك في "الموطأ" (٧) و"المدونة" (٨).
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في الأصل: تصلي.
(٣) وهو ما رواه عبد الله بن مغفل المزني أن النبي - ﷺ - قال: "لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب قال الأعراب وتقول هي العشاء". أخرجه البخاري (٥٣٨) باب: من كره أن يقال للمغرب العشاء.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: الخيار.
(٧) في كتاب وقوت الصلاة.
(٨) المدونة (١/ ٤٣).
[ ١ / ٢٠٣ ]
قال مالك: الشفق: العمرة التي تكون في المغرب، فإذا ذهبت العمرة فقد حلَّت صلاة العشاء، وخرجت من وقت المغرب، فجعل وقتها يمتد إلى مغيب الشفق.
وأما ما يؤخذ من ظاهر "المدونة" في غير ما موضع [من ذلك] (١) قوله في ["كتاب] (٢) الوضوء": من خرج من قرية يريد قرية أخرى، وهو غير مسافر، وهو فيما بين القريتين على غير وضوء، قال: فإن طمع بإدراك الماء قبل مغيب الشفق، وإلا تيمم وصلى، فأمر له بطلب الماء إلى مغيب الشفق، وهو آخر الوقت.
ومن ذلك قوله في "كتاب الجنائز": إن الجنازة لا يصلي عليها بعد الاصفرار، وينتظر بها إلى غروب الشمس، فإذا غربت الشمس: بدؤوا بما أحبوا من صلاة المغرب والجنازة.
فهذا الظاهر يكاد أن يكون نصًا في امتداد وقتها.
وكذلك أيضًا قوله في كتاب الحج: فيما إذا طاف بعد العصر يؤخر [ركعتي] (٣) الطواف [إلى] (٤) (٥) [غروب الشمس، فإذا غربت الشمس فهو مخير إن شاء بدأ بالغرب، وإن شاء بركعتي الطواف] (٦).
وفي المدونة ظواهر كثيرة غير ما ذكرناه أضربنا عن ذكرها لتسلط التأويل عليها واحتمالها؛ [فاقتصرنا] (٧) على نقل الظواهر التي في معنى النص.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من ب.
(٣) في أ: ركعتين.
(٤) في أ: أو.
(٥) في الأصل: أو.
(٦) سقط من أ.
(٧) في الأصل: اختصرنا.
[ ١ / ٢٠٤ ]
وقيل: إن وقتها وقت واحد غير مُمْتَد، وحدُّه الفراغ منها، وهذا قول أبي محمَّد عبد الوهاب في "التلقين"، وهو قول منصوص في المذهب.
ولا يجوز تأخيرها عن أول وقتها إلا لعذر [مثل الجمع لعذر] (١) السفر، أو المطر، أو المرض.
وفي المذهب قول ثالث: أنها لا تُؤَخّر عن وقتها [لا] (٢) لعذر ولا لغيره؛ ولأنه إن كان عذر يوجب الجمع، فإن العشاء تُقَدّم إلى المغرب [ويكون الجمع] (٣) في أول وقتها.
وفائدة قولنا: إن لها وقت الاختيار: أنه يجوز تأخيرها إلى مغيب الشفق اختيارًا من غير عذر.
وأما صلاة العشاء:
فإنها سميت بذلك من الظلام.
والعِشاء: بكسر العين ممدود، [وهو] (٤) أول وقت الظلام، وهو اسمها في القرآن (٥)، وجاء اسمها في الحديث: "لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا" (٦).
وجاء النهي [أيضًا] (٧) عن تسميتها عتمة (٨)، وسميت بذلك: من
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في الأصل: إلا.
(٣) في أ: وتكون.
(٤) سقط من ب.
(٥) سورة النور الآية (٥٨).
(٦) أخرجه البخاري (٥٩٠)، ومسلم (٤٣٧).
(٧) سقط من أ.
(٨) تقدم.
[ ١ / ٢٠٥ ]
عتمة الليل؛ وهو ثلثه.
وأصلها تأخيرها؛ يقال: عتم القوم إذا صاروا حينئذ، والعتمة الإبطاء؛ فهذا نقل القاضي أبي الفضل ﵀ والعهدة عليه. وأول وقتها المستحب: مغيب الشفق.
واختلف في الشفق، ما هو؟
فقال مالك: وهو الحمرة، وقال أبو حنيفة: البياض، وهذا أحد أقاويل ابن القاسم.
وسبب الخلاف: هل الحكم يتعلق بأوائل الأسماء، أو [بأواخرها] (١)؟
واختلف المذهب في تأخيرها عن أول وقتها: هل ذلك مباح أو مندوب إليه [للجماعة] (٢)؟
فقيل: هي كالظهر في جواز التأخير، وقيل: هي آكد من الظهر في التأخير؛ لقوله [﵇] (٣): "ما أظن أحدًا ينتظرها غيركم" (٤).
وأما آخر وقتها: فاختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: [إلى] (٥) ثلث الليل.
والثاني: [إلى] (٦) نصف الليل.
ويتخرج في المذهب قول ثالث: [أنها لا تبلغ] (٧) بالتأخير إلى ثلث
_________________
(١) في ب: بآخرها.
(٢) في أ: الجماعة.
(٣) في ب: ﷺ.
(٤) أخرجه البخاري (٥٤١)، ومسلم (٦٣٨).
(٥) سقط من ب.
(٦) سقط من ب.
(٧) في أ: أنه لا يبلغ.
[ ١ / ٢٠٦ ]
الليل، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" في أول كتاب الصلاة ["الأول" (١)] (٢).
سئل مالك عن أهل [الحرس] (٣) في الرباط يؤخرون العشاء إلى ثلث الليل؟
فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا؛ فقال: قد صلى الناس قديمًا [وعُرِفَ] (٤) وقت الصلاة.
وسبب الخلاف: تعارض الآثار وتجاذب الاعتبار؛ فمن ذلك إمامة جبريل [﵇] (٥) للنبي - ﷺ - أنه صلى في اليوم الأول في ثلث الليل، ويعارضه ما خرَّجه البخاري من طريق أنس بن مالك: أنه أخر صلاة العشاء إلى ثلث [ق/ ١٩ أ] الليل.
وروى أيضًا من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال: "لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل" (٦).
وحديث عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ -[أعتم ليلة بالعشاء وذلك قبل أن يفشو الإِسلام، فلم يخرج] (٧) حتى ناداه عمر: الصلاة؛ نام [النساء] (٨) والصبيان، فخرج فقال: "ما ينتظرها [أحد] (٩) من
_________________
(١) المدونة (١/ ٥٦).
(٢) سقط من ب.
(٣) في الأصل: الحرص.
(٤) في جـ: وعرفوا.
(٥) سقط من ب.
(٦) أخرجه الترمذي (١٦٧)، وابن ماجة (٦٩١)، وأحمد (٧٣٦٤). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٧) ساقطة من الأصل.
(٨) في ب: الناس.
(٩) سقط من أ.
[ ١ / ٢٠٧ ]
أهل الأرض غيركم"، قال: ولا [يصلي يومئذ] (١) إلا بالمدينة، وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثُلث الليل (٢).
ولهذا أنكر مالك القصد بتأخيرها إلى ثلث الليل؛ لأن ذلك ليس بعادة القوم على الدوام.
فمن رَجّح حديث أنس بن مالك قال: تؤخر عن ثلث الليل إلى نصفه، ومن رجّح حديث إمامة جبريل بالنبي - ﷺ - قال: لا تؤخر عن ثلث الليل إلى نصفه.
ويؤيد هذا الترجيح: قول عمر ﵁ فإن أخرت فإلى شطر الليل، ولا تكن من الغافلين (٣)، فالتأخير إلى شطر الليل.
ومعنى قوله: فإن أخرت فإلى شطر الليل: يعني أخرت لضرورة مانعة [للصلاة] (٤) في الوقت المتقدم، فصل ما بينك وبين شطر الليل، ولا تكن من الغافلين بإعماد التأخير إلى شطر الليل، فتكون من الغافلين.
وقيل: إن معنى قوله بتأخيرها عن نصف الليل.
وهذا التأويل حكى عن أبي [عمران] (٥) الإشبيلي ﵀ والتأويل الآخر: [يؤيد] (٦) ترجيح من رجح حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري ﵄.
وأما آخر وقتها [الاضطراري] (٧): فهو طلوع الفجر.
_________________
(١) في الأصل: تصلي بريد.
(٢) أخرجه البخاري (٥٤٤).
(٣) أخرجه مالك في الموطأ (٨).
(٤) في ب: من الصلاة.
(٥) في أ: عمرو.
(٦) في أ: يريد.
(٧) في الأصل: الاضطرار.
[ ١ / ٢٠٨ ]
والمشاركة بين المغرب والعشاء كما هي بين الظهر والعصر، وهل يقع الاختصاص لأحدهما ببعض الوقت أم لا؟ فالخلاف الذي قدمناه يجري في الجميع.
وأما صلاة الصبح:
فإنها سُميت بذلك [لأنها] (١) من أول النهار، وهو للصبح والصباح.
وقيل: من الحُمرة التي فيه عند ظهورها، [وبها سُمي الصبح] (٢).
وقال ابن فارس: ويقال: إن [صباحة] (٣) الوجه إنما سُميت بحمرته، والصبح: الحمرة.
[وتسمى] (٤) أيضًا: صلاة الفجر؛ وهو الضياء المعترض في الأفق من نور الشمس أول النهار؛ ويسمى بذلك لتفجره وانتشاره.
والفجر فجران؛ الأول منهما: [أبيض] (٥) مستدير مستطيل [صاعد إلى] (٦) الأفق، وهو [الفجر] (٧) الكاذب [وهو الشبه بذنب السرحان، وسُمِيَ بذلك لوقته، والسرحان: الذئب، فهذا لا حكم له في الصوم والصلاة] (٨).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) في أ: صاحبة.
(٤) في أ: وسمى.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: في.
(٧) سقط من ب.
(٨) سقط من أ.
[ ١ / ٢٠٩ ]
[والثاني] (١): الأبيض الساطع؛ وهو الصادق و[هو] (٢) المستطيل -أي: المنتشر - وهو الذاهب في الأفق [عرضًا] (٣) حتى يعم الأفق، وتعقبه الحمرة، وهذا هو الفجر الذي يتعلق به حكم الصلاة عند جميع الأمة، وحكم الصوم عندنا، وعند أكثر الفقهاء.
واختلف هل يمتد إلى [الإسفار] (٤) أو إلى طلوع الشمس؟
على قولين:
أحدهما: أنه يمتد إلى [الإسفار] (٥) الأعلى، وهو قول مالك في "المختصر"، وهو ظاهر قوله في "المدونة" (٦).
والثاني: أن وقته يمتد إلى طلوع الشمس، وهو قول ابن حبيب (٧).
[فمن] (٨) قال: إن وقت المختار إلى الإسفرار جعل للصبح وقتًا للاضطرار؛ وهو ما بين الإسفار وطلوع الشمس. ومن قال إلى الطلوع: لم يَرَ له وقتًا للاضطرار.
وسبب الخلاف: معارضة الأخبار؛ [فمنها] (٩) حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: "وقت الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس" (١٠).
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: عارضًا.
(٤) في أ: الإصفرار.
(٥) في أ: الإسفرار.
(٦) المدونة (١/ ٥٦).
(٧) النوادر (١/ ١٥٣).
(٨) في أ: ومن.
(٩) في أ: منها.
(١٠) أخرجه مسلم (٦١٢).
[ ١ / ٢١٠ ]
وهذا حديث صحيح خرَّجه البخاري ومسلم.
ومنها: ما خرجه مالك في "الموطأ" (١) عن عطاء بن يسار أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فسأله عن وقت صلاة الصبح .. الحديث،.
فقال: "ما بين هذين وقت".
ومنها: حديث ابن عباس [﵁] (٢) قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أَمَّني جبريل ﵇ عند البيت، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس .. " الحديث (٣) [إلى أن] (٤) قال: "وصلى بي الفجر فأسفر".
وحديث ابن عباس، وحديث عطاء يؤذنان بأن الصبح [لها] (٥) وقت الاضطرار.
وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص يؤذن بنفيه؛ لأن وقت الاختيار يمتد إلى طلوع الشمس أو قربه؛ لأنه قال في [حديث] (٦) أبي هريرة: "ثم صلى الصبح من الغد ثم انصرف، وقائل يقول طلعت الشمس".
واختلف [أيضًا] (٧) هل التغليس بالصبح أفضل [أو] (٨) الإسفار [به أفضل] (٩)؟
فذهب مالك والشافعي إلى أن التغليس بالصبح أفضل، وذهب أبو
_________________
(١) أخرجه مالك (٣) مرسلًا.
(٢) سقط من ب.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٩٣)، والترمذي (١٤٩).
(٤) سقط من ب.
(٥) في ب: له.
(٦) في ب: الحديث من طريق.
(٧) زيادة من ب.
(٨) في الأصل: و.
(٩) سقط من ب.
[ ١ / ٢١١ ]
حنيفة إلى أن الإسفار [به] (١) أفضل.
وسبب الخلاف: معارضة الأخبار؛ منها حديث عائشة ﵂ أنها قالت: [إن] (٢) كان رسول الله - ﷺ - ليصلي الصبح، فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس (٣).
وقولها إن كان يشعر بالتكرار، ولا يطلق مثل هذا اللفظ إلا على ما تكرر وقوعه كثيرًا.
وعارضه أبو حنيفة بقوله [أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر، وفي رواية: "أخروا"، وأما قوله] (٤) - ﷺ - حين سُئِلَ: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة لأول وقتها" (٥).
فذهب الفقهاء في هذه الأخبار مذهب الترجيح.
والإسفار: هو الكشف والبيان، فكأن الصبح كشف عن [خبر] (٦) النهار بالضياء، وذلك الضياء من مقدمات طلوع الشمس.
ولذلك يكون عند طلوع الفجر بيان ساطع، ثم تليها الحمرة، ثم يملؤها البياض الكلي الذي يليه طلوع الشمس؛ فيسمى ذلك الإسفار.
ومنه سُمى السَّفر سَفَرًا؛ لأنه يُسْفِرُ عن أخلاق الرِّجال حتى تظهر الأخلاق الكامنة [ق/ ١٠ ب] فيهم لما فيه من المشقة وضيق الظعن حتى ترى من كان موسومًا بحسن الصحبة، وجميل المعاشرة في الحضر ظهر منه
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) سقط من ب.
(٣) أخرجه البخاري (٥٥٣)، ومسلم (٦٤٥).
(٤) سقط من أ.
(٥) أخرجه البخاري (٧٠٩٦)، ومسلم (٨٥) من حديث ابن مسعود.
(٦) في أ: دبر.
[ ١ / ٢١٢ ]
الأخلاق الذميمة، والأنفاس الوخيمة في السفر.
ولهذا قال عمر [بن الخطاب] (١) ﵁ للذي عدَّل الشاهد: هل سافرت معه؟
ولا خلاف [عندنا] (٢) في المذهب أنه لا يجوز [ق/ ١٣ جـ] تأخير الصلاة عن وقتها المختار إلى وقت الاضطرار إلا لعذر؛ لقوله [﵇] (٣): "تلك صلاة المنافقين .. " الحديث.
إلى قوله: "لا يذكر الله فيها إلا قليلًا" (٤).
إلا أنه إذا صلاها في تلك الساعة، أو أدرك منها ركعة قبل الغروب ثم صلى ما بقى بعد الغروب: فلا خلاف عندنا في المذهب أنه مأثوم، [ولا استحالة في ذلك] (٥)؛ لأنه صار بقوله ﵇: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر" (٦) مؤديًا.
وفائدة الإدراك: أن يكون مؤديًا لا قاضيًا، ويكون مأثومًا بسبب التضييع [والتفريط] (٧) [فشبهه النبي - ﷺ - فيه بالمنافقين، والذي قدمناه كله في أوقات الاستحباب والاختيار] (٨).
فأما [أوقات] (٩) الاضطرار: [فهي لخمسة] (١٠).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) في ب: ﷺ.
(٤) أخرجه مسلم (٦٢٢) من حديث أنس.
(٥) سقط من ب.
(٦) أخرجه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٠٨) من حديث أبي هريرة.
(٧) في أ: الاختيار.
(٨) سقط من أ.
(٩) في أ: وقت.
(١٠) في ب: أوقات الاضطرار خمسة.
[ ١ / ٢١٣ ]
[المرأة] (١): تحيض أو تطهر] (٢).
والصبي: يحتلم، والكافر: يسلم، والمجنون: يفيق، والمسافر: يَخْرج أو يَقْدم.
ومن أصحابنا من [يَعُد] (٣) النائم، وذلك خطأ؛ لأن النائم حاله لا يختلف في صلاته سواء صلاها في الوقت أو بعده بخلاف المسافر؛ فإن صفات صلاته مختلفة باختلاف حالاته، وبخلاف الحائض أيضًا؛ لأن الحائض مخاطبة بما أدركت [وقته] (٤) من الصلوات.
والنائم مخاطب بها في كل زمان أداءً وقضاءً، والناسي كذلك أيضًا.
وأما الحائض: [فيعتبر] (٥) فيها حالة [الطهر] (٦)، وحالة الحيض؛ فإن حاضت في النهار، وقد بقى فيه [قدر] (٧) ما تصلى فيه ركعة إلى أربع [ركعات] (٨) ولم تصل العصر: فإنها لا قضاء عليها [في العصر] (٩)؛ لأنها حاضت في [وقتها] (١٠).
وإن حاضت بمقدار خمس ركعات: فلا قضاء عليها للظهر ولا للعصر؛ لأنها حاضت في وقتيهما، وسقط عنها الخطاب بأدائهما؛ فإذا سقط الخطاب بالأداء سقط القضاء [به] (١١)؛ بدليل قول عائشة [رضي
_________________
(١) في أ: الحائض.
(٢) في ب: الطاهر تحيض أو الحائض تطهر.
(٣) في ب: عد.
(٤) في أ: وقتها.
(٥) في ب: فإنه يعتبر.
(٦) في أ: الظهور.
(٧) سقط من ب.
(٨) سقط من ب.
(٩) في ب: للعصر.
(١٠) في ب: وقته.
(١١) زيادة من ب.
[ ١ / ٢١٤ ]
الله عنها] (١) كنا نؤمر بقضاء [الصيام] (٢)، ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٣).
وأعتبار أربع ركعات في العصر إذا كانت الحائض في الحضر، ولو كانت مسافرة: لاعتبر ركعتين ركعتين -كما يأت في بابه إن شاء الله-.
وهكذا إذا حاضت في الليل، وقد بقى من الليل قدر ما تصلي في خمس ركعات، ولم تصل المغرب والعشاء.
ولا خلاف في المذهب في سقوطها [عنها] (٤)؛ لأن الركعة الخامسة هي من صلاة المغرب.
ولو بَقِيَ من اللَّيل قَدْر ما تُصلي فيه ركعة إلى ثلاث: فإن العشاء ساقطة عنها، وتقضي المغرب بالاتفاق.
وإن حاضت، وقد بقى من الليل قدر أربع ركعات: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المغرب والعشاء ساقطة عنها، وهو قول ابن القاسم؛ لأن الثلاث ركعات للمغرب، وبقيت ركعة للعشاء، فقد حاضت في وقتيهما جميعًا.
والثاني: أنه لا يسقط [عنها] (٥) إلا العشاء، وعليها قضاء المغرب، وهو قول عبد الملك؛ لأن أربع ركعات وقت للعشاء، ووقت المغرب قد خَرَج؛ فوجب عليها قضاؤها.
وسبب الخلاف: [أواخر] (٦) الأوقات، هل هي لأوائل الصلوات أم
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في ب: الصوم.
(٣) تقدم.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من ب.
(٦) في أ: أوائل.
[ ١ / ٢١٥ ]
لأواخرها؟
فمن جعل أواخر الأوقات لأواخر الصلوات: قال تقضي المغرب، وهو الذي يقتضيه النظر والأثر.
ومن جعلها لأوائل الصلوات: قال يسقط المغرب والعشاء؛ لأنها حاضت في وقتيهما. وهذا إذا كانت حاضرة.
ولو كانت مسافرة فحاضت لثلاث ركعات بقين من الليل، فإنها تتخرج على الخلاف الذي قدمناه؛ فعلى قول عبد الملك: سقط عنها المغرب والعشاء؛ لأنها [ق/ ٢٠ أ] إذا صلّت العشاء ركعتين بقيت ركعة للمغرب.
وعلى قول ابن القاسم: تقضي المغرب؛ لأنها لو ابتدأت بالغرب لم يبق [للعشاء] (١) شيء، فصار الوقت، وإن فَضَلت منه ركعة [كله للعشاء [وبَقِيَ] (٢) حكم الرّكعة.
وإلى هذا المعنى أشار التونسي ﵀] (٣) واختلف إذا بقى [من النهار قدر] (٤) ركعة، ولم تصل العصر، فقامت فَصَلّت ركعة، فغربت الشمس، ثم حاضت في الركعة الثانية هل تقضي العصر أم لا؟
[فالمذهب] (٥) على قولين:
أحدهما: أن عليها قضاء [العصر] (٦)؛ لأنها حاضت بعد خروج
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في جـ: وألغى.
(٣) سقط من ب.
(٤) في أ: منها.
(٥) سقط من ب.
(٦) في أ: المغرب.
[ ١ / ٢١٦ ]
وقتها.
والثاني: أنه لا قضاء عليها؛ لأنها [إذا أدركت منها] (١) ركعة كانت كالمُدْركة لجميعها؛ لقول [النبي] (٢) - ﷺ -: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (٣).
وقد اتفق المذهب أنه ليس بِقَاضٍ، وإن صلى بقيتها بعد [غروب الشمس] (٤).
وسبب الخلاف: هل العِبْرة [بالعِبَر والمَعَانِي] (٥)، أو العِبْرة بالصّور والمبَانِي؟
فمن رأى أن [الاعتبار بالعبر والمعاني] (٦) قال: لا [قضاء] عليها (٧)؛ لأن حكم ما أدركت من الصلاة بعد الغروب كحكم ما أدركت قبل الغروب؛ فكأنه صلى الجميع قبل الغروب لكون الشارع سماه مُدْرِكًا؛ ولأن الصلاة لما كان آخره مُرْتَبطًا بأولها، وأولها مُرْتَبِطًا بآخرها: صار حكمها واحدًا، ما صلى قَبْل وما صلى بَعْد [سواء] (٨).
ومن اعتبر [الصور والمباني] (٩) قال: إنها تقضي؛ لأنها حاضت في زمان الليل بعد إدبار النهار، ووقت صلاة النهار غاية امتدادها إلى غروب
_________________
(١) في ب: بإدراك.
(٢) سقط من ب.
(٣) تقدم.
(٤) في ب: خروج وقتها.
(٥) في ب، جـ: بالمعاني.
(٦) في ب، جـ: العبرة بالمعنى.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من ب.
(٩) في ب: الصورة والمبنى.
[ ١ / ٢١٧ ]
الشمس، وكون الشارع جعل الذي أدرك ركعة قبل الغروب مدرك لجميع الصلاة، فإن صلى بقيتها بعد الغروب لا يجعل جزءا من الليل وقتا للعصر أصلًا، وإنما ذلك تَفَضّل من الله ﷿ ونعمة ولُطفٌ بعباده ورحمة.
ولو [حاضت] (١) لثلاث ركعات من الليل، ولم تُصَل المغرب والعشاء لم تقضهما؛ لأنها حاضت في وقتهما؛ ولأن الركعتين للعشاء، وبقى للمغرب ركعة.
ولو حاضت بعد أن صَلت ركعة بسجدتيها من الغرب: لم تقض إلا المغرب؛ لأنها حاضت، ولم يبق في الليل إلا قدر [ركعتين] (٢).
ولو حاضت وقد بقى [من النهار] (٣) قدر ركعة ناسية للظهر، وقد صلت العصر: قال: لا تقضي الظهر؛ لأنها حاضت في وقتها، وبه قال ابن القاسم، ومُطَرِّف وأَصْبَغ، وقال [عبد الملك] (٤): تقضي الظهر والوقت للعصر.
[وهذا] (٥) يَتَخَرّج على [الاختلاف] (٦) في الاشتراك هل يقع بين الظهر والعصر أم لا؟
وكذلك إذا صَلَّت العصر، ونَسِيَت الظهر ثم حاضت لمقدار أربع ركعات:
_________________
(١) في أ: سافرت.
(٢) في أ: ركعة.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: ابن الماجشون.
(٥) سقط من ب.
(٦) في ب: الخلاف.
[ ١ / ٢١٨ ]
فقيل: تقضي [الظهر] (١)؛ لأن هذه الأربع ركعات إنما هي وقت للعصر، وقد خرج وقت الظهر فعليها قضاؤها.
وقيل: لا تقضي الظهر؛ لأن هذا الوقت وقتها، والعصر لما [صلتها وهي ناسية للظهر، فكأنها صلتها في وقتها] (٢)، وهذا مبنى على هذا الأصل، وبالله التوفيق.
وأما الحائض تطهر، والصبي يحتلم، والكافر يسلم: [فهل] (٣) يعتبر ما يبقى في النهار أو [في] (٤) الليل.
ولا خلاف في الحائض أن المعتبر ما بقى بعد فراغها من الغسل [مجتهدة من غير توانٍ، فإن بقى بعد فراغها من الغسل] (٥) مقدار ركعة إلى أربع، فإنها تصلي العصر.
وإن كان إلى خمس: فإنها تصلي الظهر والعصر؛ لأنها طهرت في وقتيهما [جميعًا] (٦).
وينبغي أن يكون الصبي يحتلم، والمغمى عليه يفيق كذلك؛ لأن المعتبر ما بقى بعد الفراغ من الغسل.
واختلف في النصراني يُسْلِم: هل هو كالحائض أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنهما سواء، وأن المعتبر في الجميع وقت الفراغ من الوضوء
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: صلاها وهو ناس للظهر، فكأنه صلاها في وقته.
(٣) في أ: فإنه.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) زيادة من ب.
[ ١ / ٢١٩ ]
أو [من] (١) الغُسل.
والثاني: أن الكافر يُسْلِم، والمُغْمَى عليه يفيق: أن المعتبر ما بقى [في] (٢) النهار -بعد الإفاقة والإِسلام، وهو قول عبد الملك [بن الماجشون وغيره] (٣).
وسبب الخلاف: الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا (٤)؟.
فمن رأى أنهم مخاطبون بالفروع يقول: إن المعتبر ما بقى من النهار بعد الإِسلام؛ لأنه مُتَعَد في ترك الصلاة، ولكونه قادرًا على رفع المانع [وزواله] (٥)، الذي هو الكفر.
ومن رأى أنهم غير مخاطبين [يقول] (٦): هو [كالحائض] (٧)، وهو معذور في تركها.
وأما المغمى عليه: فالذي يقتضيه النظر أن يكون كالحائض، والصبي؛ لأنه مغلوب ومعذور؛ فإن بقى [في] (٨) النهار قدر ركعة إلى أربع: سقط الظهر في حق الجميع.
وإن بقى قدر خمس ركعات فأكثر: لزمه الظهر، والعصر في حق الجميع.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في ب: من.
(٣) سقط من ب.
(٤) تقدم الجواب على هذا.
(٥) سقط من ب.
(٦) في ب: قال.
(٧) في أ: كالحيض.
(٨) في ب: من.
[ ١ / ٢٢٠ ]
بَيْدَ أن عبد الملك فَرّق بين الإغماء [الكثير، والإغماء القليل] (١)، فقال: إن كان الإغماء يتصل بالمرض قبله أو بعده، فهذا [الذي] (٢) لا يقضي الصلاة.
[فأما] (٣) الذي يغمى عليه [أمدًا] (٤) يسيرًا من الفجر إلى طلوع الشمس وهو صحيح: فهذا الذي يقضي الصلاة.
وهذا الذي ذهب إليه عبد الملك مخالف لأثر ابن عمر ﵁ أنه أغمى عليه، ولم يقض الصلاة، ولم يذكر أنه اتصل بالمرض لا قبل ولا بعد.
فإذا قلنا أن المعتبر ما بقى بعد الفراغ في الحائض على الاتفاق، وفي النصراني [يسلم] (٥) على الخلاف.
فإن [توانوا] (٦) في الغسل، أو الوضوء أو فرطوا فيه حتى غربت الشمس أو طلعت: [فإنهم يقضون كلهم] (٧).
واختلف [فيهم] (٨) إذا [أحدثوا] (٩) وعلموا قبل الصلاة أن الماء الذي كان به الطهر أو الوضوء نجس، ولم يتغير: على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المعتبر ما بقي من النهار بعد الطهارة أو الوضوء الأول،
_________________
(١) في أ: والمرض.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: وأما.
(٤) في جـ: زمانًا.
(٥) في ب: إذا أسلم.
(٦) في ب: توانى.
(٧) في أ: فإنها تقضي أبدًا، وكذلك سائر أصحابها.
(٨) سقط من ب.
(٩) في أ: حدثوا.
[ ١ / ٢٢١ ]
وهي رواية ابن سحنون [عن] (١) أبيه، مساواة بين الماء النجس والحدث؛ لأن الماء لا تجزئ به الصلاة إن خرج الوقت.
والقول الثاني: أنه لا شيء عليها في القياس في نجاسة الماء والحدث، وهي رواية [أبي] (٢) زيد بن أبي العمر عن ابن القاسم.
والثالث: التفصيل بين الحدث والماء النجس؛ فيقضوا في الحدث ما وجب عليهم قبل الحدث.
وأما الماء النجس: فيعملوا على ما بقى بعد الغسل والوضوء في المرة الثانية، وهو قول ابن القاسم في "المستخرجة".
وسبب الخلاف: هل يغلب عليها شائبة التفريط، فتعيد أبدًا، أو تكون معذورة، فيعتبر من حين فرغت من الغسل الثاني؟
وأما الحدث: إن يغلب عليه أو يتعمده، فإنه يعيد أبدًا.
فإن غلب عليه الحدث: فالذي يقتضيه النظر أن يعيد أبدًا، وإن كان ابن القاسم في رواية أبي زيد عنه يقول: القياس ألا شيء [عليه] (٣) بل القياس والله أعلم أن الحدث يعيد منه أبدًا؛ لأنه حين توضأ وجبت [عليه] (٤) الصلاة؛ لأنه أدرك وقتها، ثم إن أحدث بعد ذلك صار كغيره ممن لم يتقدم له عذر، وربك أعلم.
ولو قدرت بعد طهرها خمس ركعات، فلما صلَّت الظهر غربت الشمس: فلتصل العصر.
_________________
(١) في أ: و.
(٢) في الأصل: ابن أبي.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ١ / ٢٢٢ ]
ولو قدرت أربعًا فصلت العصر، ثم بقى من النهار [قدر ركعة] (١) فلتصل الظهر فقط، إلا أن يبقى من النهار بعدها ركعة فأكثر: فَلْتُعِد العصر، وهذا قول مالك في "المجموعة"؛ [وقيل] (٢): إنها تصلي [الظهر والعصر] (٣) كما وجب عليها، وذكره ابن حبيب عن مالك (٤).
وهذا يتخرج على الخلاف في الاشتراك، وقد [ق/ ١٤ جـ] قدمناه.
وفي المسألة قول ثالث بالتفصيل بين أن تعلم قبل أن تُسَلِّم من العصر أنه يبقى ركعة أم لا؟
فإن عَلِمَت أعادت العصر، وإن لم تعلم لم تُعِد العصر.
وسبب الخلاف: من ذكر صلاة في صلاة هل [يُعيد] (٥) التي هو فيها أم لا؟
فإذا طهرت الحائض، وقد بقى من الليل قدر خمس ركعات [فلا] (٦) خلاف في أنها تصلي الصلاتين جميعًا المغرب والعشاء؛ لأن الأربع ركعات للعشاء، وبقيت منها ركعة للمغرب، وإن شئت [قلت] (٧) فالثلاث ركعات للمغرب، وبقى للعشاء [ركعة] (٨).
وإن بقى بعد طهرها قدر ما تصلي فيه ركعة إلى ثلاث ركعات: فإنها
_________________
(١) في أ: بقية.
(٢) في أ: فقيل.
(٣) سقط من أ.
(٤) النوادر (١/ ٢٧١: ٢٧٣).
(٥) في ب: تبطل.
(٦) في أ: لا.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: ركعتان.
[ ١ / ٢٢٣ ]
تصلي العشاء، وتسقط المغرب؛ لأنها لم تدرك من وقتها شيئًا.
فإن طَهرت وقد بقى من الليل قدر ما تصلي فيه أربع ركعات، فهل تصلي المغرب والعشاء أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تصلي الصلاتين [جميعًا المغرب والعشاء] (١) وهو قول ابن القاسم (٢)؛ لأنا إذا جعلنا الثلاث ركعات للمغرب بقيت ركعة للعشاء.
والثاني: أنها تصلي العشاء وتسقط المغرب، وهو قول عبد الملك (٣).
وسبب الخلاف: هل أواخر الأوقات لأواخر الصلوات أو لأوائلها.
وحُكم الصبي [يحتلم] (٤) والمُغْمَى عليه يَفِيق، والكافر يُسْلم كحكم الحائض في جميع ما ذكرنا.
وأما المسافر يَخْرُج أو يَقْدُم؛ فإن خرج وقد بقى من النهار قدر [ركعة أو ركعتين، ولم يصل الظهر والعصر، فإنه يصلي الظهر حضرية والعصر سفرية، ولو بقى من النهار قدر] (٥) ثلاث ركعات: فإنه يصلي الصلاتين سفريتين؛ لأنه سافر في وقتيهما جميعًا.
ولو كان صلى العصر دون الظهر ثم خرج لمقدار ركعة: صلى الظهر سفرية، ولا يعيد العصر إلا أن يبقى من النهار [قدر] (٦) ركعة فليعدها سفرية، وكذلك في صلاتي الليل في الدخول والخروج [و] (٧) في نسيان الصلاتين أو إحداهما.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) النوادر (١/ ٢٧١)، والبيان والتحصيل (١/ ١٦٥).
(٣) النوادر (١/ ٢٧١).
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ١ / ٢٢٤ ]
ولو خرج لمقدار ركعة ناسيًا للظهر مصليًا للعصر: [فالمذهب] (١) على قولين:
أحدهما: أن الوقت للفائتة ويعيد الظهر [ق/ ٢١ أ] دون العصر، وإلى هذا رجح ابن القاسم، وقاله أصبغ وجماعة من أصحاب مالك (٢).
الثاني: أنه يصلي الصلاتين؛ الظهر حضرية، والعصر سفرية، وهو قول ابن عبد الحكم.
وأما إن قدم وقد بقى من النهار قدر ركعة إلى أربع: فإنه يصلي الظهر سفرية، والعصر حضرية.
ولو بقى في النهار قدر خمس ركعات: فإنه يصلي الظهر والعصر حضريتين.
ولو [قدم] (٣) وقد بقى من النهار قدر ركعة ناسيًا للظهر: فهو على الخلاف الذي قدمناه في الخروج.
فهذا بيان أوقات الاضطرار، وتفسير أحوال ذوي الأعذار، وقد طولنا التفسير في هذا الفصل حتى خرجنا فيه عن حد [هذا] (٤) الكتاب؛ لأنه مما يعم البلوى وتمس إليه الحاجة [صباحًا ومساءً] (٥)، واعتمدت فيه على النقل من [كتاب] (٦) "النوادر"، وغيره من الأُمهات الصحاح، و[الحمد لله وحده] (٧).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) النوادر (١/ ٢٧٢، ٢٧٣).
(٣) في أ: دخل.
(٤) زيادة من ب.
(٥) زيادة من جـ.
(٦) في الأصل: الكتاب.
(٧) زيادة من ب.
[ ١ / ٢٢٥ ]
المسألة الثالثة
في الإحرام في الصلاة والنية فيها
وهذه الترجمة تشتمل على خمسة أسئلة منها:
تكبيرة الإحرام: هل [يتعين] (١) لها لفظ أم لا؟
ومنها: النية، وهل من شرطها أن تكون مقارنة للفظ التكبير أم لا؟
ومنها: تكبيرة الإحرام هل هي فرض أم لا؟
ومنها: رفع اليدين [مع] (٢) الإحرام، هل هو مشروع أم لا؟.
ومنها: الحكم فيمن نسى تكبيرة الإحرام مِنْ فَذّ [أو إمام] (٣) أو مأموم.
فالجواب عن السؤال الأول: [وهي] (٤) تكبيرة الإحرام، هل [يتعين] (٥) لها لفظ [أم] (٦) لا يتعين ولا ينقل عن معناه، وقد قال النبي - ﷺ -: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (٧).
وهذا الحديث خرّجه أبو عيسى الترمذي واستحسنه.
_________________
(١) في أ: يعين.
(٢) في ب: في.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: وهو.
(٥) في أ: يعين.
(٦) سقط من أ.
(٧) أخرجه أبو داود (٦١)، والترمذي (٣)، وابن ماجة (٢٧٥)، وأحمد (١٠٠٩)، (١٠٧٥)، والدارمي (٦٨٧) من حديث علي. قال الترمذي: هذا أصح حديث في هذا الباب وأحسن. وصححه الألباني ﵀ في الإرواء (٣٠١).
[ ١ / ٢٢٦ ]
فذهب مالك ﵀ إلى أن لفظ التكبير [يتعين] (١) لا يتغير بالزيادة ولا بالمعنى، ووافقه الشافعي في أن ذلك منحصر في جنس التكبير، وخالف فيما [يتعرف] (٢) منه، ومنه قوله الله [الكبير] (٣)، والله الأكبر.
وذهب أبو حنيفة ﵁ [إلى] (٤) أن ذلك يتعدى إلى كل لفظ في معناه مما يتضمن عظمة الله وتعظيمه مثل الله الأعظم، والله الأجلّ.
وسبب الخلاف: هل التّعَبّد بالألفاظ أو التعَبّد بالمعاني؟
فمن رأى أن التعَبّد بالألفاظ قال: لا يتغير عن وضعه الذي نَصَّ عليه رسول الله - ﷺ -.
[ومن رأى أن التعَبّد بالمعنى هو المقصود، ولاسيما أنها أعمُّ من الألفاظ] (٥) قال: يجوز الإحرام بكل لفظ يَتَضَمَن عظمة الله.
وأما [اختلاف] (٦) مالك والشافعي ﵄ فإنه يرجع إلى المشاحة في اللفظ، والمعنى متقارب.
وأيضًا فقد قالوا: إن الوصف بأكبر أبلغ من كبير والأكبر.
والجواب عن السؤال الثاني: النية هل من شرطها أن تكون مقارنة [بالتكبير] (٧) أو يجوز تقديمها [عليه] (٨) بزمان يسير بَيْدَ أن العلماء
_________________
(١) في أ: متعين.
(٢) في أ: ينصرف.
(٣) في أ: أكبر.
(٤) في الأصل: إلا.
(٥) في ب: خلط وتقديم وتأخير.
(٦) في ب: الاختلاف بين.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: عليها.
[ ١ / ٢٢٧ ]
اتفقوا أنه لا يجوز تقديمها بزمان كثير، ولا أن يتقدمها عن لفظ التكبير [بزمان] (١) يسير [ولا] (٢) كثير.
فذهب القاضي [أبو محمَّد] (٣) عبد الوهاب إلى أنه لا يجوز تقديم النية على اللفظ بيسير ولا بكثير، وهو مذهب الشافعي وهو ظاهر قول [الشيخ] (٤) أبي محمَّد بن أبي زيد في "رسالته" (٥) [حيث قال:] (٦) والدخول في الصلاة بنية الفرض فريضة، وذهب القاضي أبو الوليد بن رشد ﵁ إلى أنه يجوز تقديمها على اللفظ بزمان يسير قياسًا على الوضوء [والغسل] (٧)، ولا خلاف [عندنا] (٨) في [جواز] (٩) تقديم النية على الوضوء، والغسل [بيسير] (١٠)، وإن عرفت فيما بينه وبين التلبس بالوضوء أو الغسل.
واختلف فيه إذا تقدمت عليه بزمان كثير كمن ذهب إلى البحر أو النهر أو الحَمّام، وبينه وبين هذا الموضع مسافة فعرفت [له] (١١) النية في أثناء المسافة.
وقياسًا على الصيام، فالمتفق عليه عند القائلين بأنه يفتقر إلى النية أنه
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: أو.
(٣) زيادة من ب.
(٤) زيادة من ب.
(٥) الرسالة مع تحرر المقالة (١١٤).
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من ب.
(٨) في أ: عنده.
(٩) سقط من أ.
(١٠) في ب: بزمان يسير.
(١١) في ب: منه.
[ ١ / ٢٢٨ ]
يجزئه التّبْيِيت أول ليلة؛ إما في أول الليلة الأولى على مشهور مذهب مالك ﵀، وإما في أول كل ليلة على مذهب الشافعي ﵁.
ولما لم يكف لمالك نص في المسألة، ولا لأحد من أصحابه المتقدمين: دل ذلك على أنه ليس من فروض الصلاة؛ إذ لو كان من فروضها لَتكَلّمُوا عليه [ولأودعوه] (١) في كتبهم، ولا أغفلوا [عن] (٢) ذكره، ولا وَسِعَ أحد جهله، ولا أجازوا إمامة من جهله كما لا يجيزوا إمامة من جهل [أن] (٣) القبلة، [والمباشرة] (٤) تنقضان الوضوء، وغير ذلك مما اعتنوا بذكره؛ فدل ذلك والحالة هذه أن من قام إلى الصلاة، ولم [يجدد] (٥) النية عند الإحرام [ناسيًا] (٦) أن صلاته جائزة؛ لأن النية [الأولى] (٧) متضمنة مع التكبير لقرب ما بينهما.
ولو [قيل] (٨) فيمن خرج من بيته قاصدًا بنيته إلى المسجد [ليصلي فيه] (٩) ظهر يومه فعدمت له النية عند الإحرام [ناسيًا] (١٠) أن صلاته جائزة لكان أقرب إلى الصواب، لكنني ما رأيت من تكلم عليه.
_________________
(١) في أ: وأودعوا.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: يجرد.
(٦) في أ: قياسا.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: قال.
(٩) سقط من أ.
(١٠) سقط من أ، ب.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وسبب الخلاف: ما قارب الشيء هل يعطى له حكمه أم لا؟
وهذا أصْل مُتَدَاعٍ في [أكثر] (١) الشريعة.
والجواب عن السؤال الثالث: [في] (٢) تكبيرة الإحرام، هل هي من فرائض الصلاة، أو مِنْ سُنَنِهَا؟
[فقد] (٣) اختلف فيه العلماء؛ فذهب محمَّد بن شهاب الزهري والأوزاعي [إلى] (٤) أنها سنة.
واختلف عن سعيد بن المسيب، هل مذهبه كمذهب [هذين] (٥) في أنها سنة أم لا؟
فظاهر قول مالك في "المدونة" (٦) و"الموطأ" أنها سنة [وذهب مالك إلى أنها فريضة من فرائض الصلاة، وهو مشهور مذهبه، وظاهر رواية ابن وهب عنه أنها سنة] (٧) على [مذهبه] (٨)؛ لأنه قال في الكتاب -أعني سعيد بن المسيب-: تجزئ الرجل تكبيرة الركوع إذا نسى تكبيرة الإحرام؛ بناءً [منه] (٩) على أنها سنة؛ لأنه روى عن مالك أن المأموم إذا نسى تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع: أنه [يجزئ] (١٠) عنه إحرام الإِمام؛ فهذا دليل على أنها سنة؛ لأن الفرض لا يحمله الإِمام عن
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: وقد.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: هؤلاء.
(٦) المدونة (١/ ٦٣).
(٧) سقط من أ.
(٨) في ب: مذهب سعيد.
(٩) سقط من ب.
(١٠) في أ: يجزئه.
[ ١ / ٢٣٠ ]
المأموم كالركعة والسجدة.
فعلى القول بأنها فريضة على كل مُصَل: فإن كَبَّر الإِمام، ونَسِيَ من كان خلفه أن يُكَبِّر فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يُكَبِّر للركوع، ويَنْوي بِذَلك تَكْبِيرة الإحرام، أو كَبَّر للركوع، ولم يَنْو بذلك تكبيرة الإحرام، أو لَم يُكَبّر لا للركوع ولا للافتتاح.
فإن كَبّر للركوع [ونوى] (١) بذلك تكبيرة الإحرام: فإنه [يجزئه] (٢) باتفاق المذهب.
واخْتُلِفَ هل من شرط تكبيرة الركوع التي ينوي بها تكبيرة الإحرام أن يُكَبّرها في حالة القيام أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنها لا تجزئه حتى يكبرها في حالة القيام، ومهما كَبّر في حالة الانحطاط لم تجزئه، وهو قول [ابن القاسم] (٣) وتأوله بعض [المتأخرين] (٤) على "المدونة".
والثاني: أنها تجزئه وإن كبر في حالة الانحطاط؛ لأنه لا ينوي بتكبيرة الركوع تكبيرة الإحرام إلا إذا كَبَّر في حال الانحطاط؛ لأنه لو كَبّر وهو قائم لكان ذلك تكبيرة الإحرام نية وصفة ولا يقال لها تكبيرة الركوع؛ لأن من شرط تكبيرة [الخفض] (٥) والرفع أن تكون في أثناء الفعل، ولا تُقَدَّم
_________________
(١) في أ: ينوي.
(٢) في أ: يجزئ.
(٣) في جـ: ابن المواز.
(٤) في جـ: الشيوخ.
(٥) في أ: الركوع.
[ ١ / ٢٣١ ]
عليه، ولا تُؤَخّر عنه، وإلى هذا القول ذهب أبو الوليد الباجي، وهو ظاهر "المدونة"، بل الذي في "المدونة" (١) يكاد أن يكون نصًا؛ لأنه قال: "ولا ينبغي أن يبتدئ صلاته بالركوع، وذلك يجزئ [من خلف الإمام] (٢).
فظاهر هذا أنه يجوز [للمأموم] (٣) أن يبتدئ صلاته بالركوع.
وأما إن كبّر للركوع، ولم يَنْو بذلك تكبيرة [الإحرام] (٤): فلا يخلو [من] (٥) أن يكون قادرًا على أن يرفع ويُكَبّر ويُدْرِك الإِمام في الركوع [أم لا] (٦).
فإن كان قادرًا هل يرفع أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه يَرْفَع ويُكَبّر [ثم يركع] (٧) ويُدْرِك الإِمام، وهو قول مالك في كتاب محمَّد.
والثاني: أنه لا يَرْفَع؛ لأنه لو رَفَع لكانت خامسة، وهو قول ابن القاسم.
وعلى القول بأنه [يرفع] (٨) فهل يَقْطَع بِسَلَام أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه يَقْطَع بِسَلَام.
_________________
(١) المدونة (١/ ٦٤).
(٢) في ب: للمأموم.
(٣) في أ: للإمام.
(٤) في أ: الافتتاح.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: يرجع.
[ ١ / ٢٣٢ ]
والثاني: أنه لا يَفْتَقِر إلى سَلَام، ويُكَبّر ويَرْفَع ثم [يعود إلى] (١) الركوع، وتُجزئه صلاته؛ لأنه إن كان الحق عند الله [سبحانه] (٢): إن الإِمام لا يحملها عنه، فهو في غير صلاة فلا يحتاج إلى تسليم، وإن كان الحق عنده: إنه في صلاة، وإن كان الإِمام يحملها.
وإن رفع إذا رفع يبطل ما هو فيه فلا يحتاج إلى تسليم أيضًا ولا تكون خامسة.
وسبب الخلاف: [اختلافهم في] (٣) الركعة بماذا تَنْعَقِد؟
هل بوضع اليدين علي الرُّكْبَتين أَم [بالرَّفع] (٤) منها؟
فمن رأى أن الركعة تَنْعَقِد بوضع اليدين علي الرّكبتين قال: [إنه] (٥) لا يَرْفَع؛ لأن الرّكعة فَاتَت له، وَجَواز الرَّفعْ له مِنْ باب القضاء [في حُكْم] (٦) الإِمام، مع اختلاف ركعة القضاء [والركعة التي فيها الإِمام، ذلك لا يجوز، ومن رأى أن الركعة لا تنعقد إلا برفع الرأس، قال: إنه يرفع، ويكبر، ويدرك الإِمام] (٧) في الركوع.
ويكون [حكمه] (٨) حُكم مَنْ دَخَل في الصلاة، وأدرك الإِمام راكعًا، فإنه [ق/ ١٥ جـ] يُحْرِم ويَدْخل مع الإِمام، وَيَعْتَد بتلك الركعة.
_________________
(١) في أ: يعيد.
(٢) في ب: تعالى.
(٣) سقط من ب.
(٤) في جـ: برفع الرأس منها.
(٥) سقط من ب.
(٦) في ب: أخلف.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
[ ١ / ٢٣٣ ]
واختلافهم في كونه يقطع بَسَلَام أو بغير سَلَام على هذا الأصل ينبني.
فإن لم يَقْدِر على أن يَرْفَع ويُدْرِك الإِمام: هل يقطع أو يتمادى مع الإِمام ويُعِيد؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يَقْطَع ويُكَبّر، وَيَدْخل مع الإِمام، ويكون الآن داخلًا في الصلاة.
والثاني: أنه يتمادى ويُعِيد، وهو قول مالك في "المدونة".
وينبني الخلاف: على الخلاف في [خلاف غير] (١) المذهب هل يُرَاعَى أو لا يرَاعَى؟ ولاسِيَمَا ما فيه وصف زائد يُراد الخير لأَجْلِه كمسألتنا الآن؛ فإنها صلاة الجماعة والأجر فيه [يزداد] (٢) على صلاة الفذ حسب ما روى في الخبر (٣)، ولأنها صلاة جائزة على قول، فعسى أن يتمادى مع الإِمام، ويتحصل له أجر الجماعة، ولئلَّا [ق/ ٢٢ أ] يبطل عمله، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٤)، ثم يُعيده على ما يَقْتَضِيه أصل مذهبه ليخرج من الخلاف.
ومن رأى أنها صلاة لا تَبْرَأ بها الذّمة، ولا تَقَع [عنده] (٥) مَوقع الإجزاء، وأن فَضْل الجماعة يَقْدِرُ على استدراكه بأن يَقْطَع ويُحرم ويَدْخل مع الإِمام مِنْ ساعته مهما بَقِي من الصلاة [رُكن] (٦) يكون بإدراكه
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في جـ: يربو.
(٣) وهو ما روى عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة" أخرجه البخاري (٤٦٥).
(٤) سورة محمَّد الآية (٣٣).
(٥) في أ: عنه.
(٦) سقط من ب.
[ ١ / ٢٣٤ ]
مُدْرِكًا، قال: يقطع، وهو الذي يقتضيه النظر.
وعلى القول بأنه يقطع: هل يقطع بسلام أو بكلام؟
قولان: وقد قدمناهما وبَيَّناهُما. وهذا [كله] (١) في الركعة الأولى، وأما إن فاتته الأولى، وأدرك الإِمام في الثانية: فإن كَبّر للركوع، ولم يَنْو بذلك تكبيرة الإحرام: فعلى القولين المتقدمين.
فإن كَبّر للركوع، ونَوَى بذلك تكبيرة الإحرام: فهل تُجزئه كالركعة الأولى؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، مساواة بين الأولى والثانية، وهي رواية على بن زياد عن مالك (٢).
والثاني: أنه يقطع على كل حال، فرقًا بين الأولى والثانية، وهو قول ابن حبيب (٣).
ولا يخفى على لبيب بُعد قول ابن حبيب.
وإن دخل مع الإِمام في الأولى، فنسى تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الركوع، وكبر للركوع في الثانية، ولم ينو بها تكبيرة الإحرام: فقال مالك في "موطئه" (٤): إنه يقطع.
والفرق [عنده] (٥) بين هذه وبين الأولى: تباعد ما بين النية،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) المدونة (١/ ٦٣)، والنوادر (١/ ٣٤٤).
(٣) النوادر (١/ ٣٤٤)، والبيان والتحصيل (٢/ ١٨٧).
(٤) الموطأ، كتاب النداء للصلاة.
(٥) في جـ: عندنا.
[ ١ / ٢٣٥ ]
والتكبيرة، والله أعلم.
وأما إن لم يُكَبّر للركوع، ولا للافتتاح: فهل يقطع أو يتمادى أو يُعِيد؟
ثلاثة أقوال في المذهب:
أحدها: أنه يقطع ويدخل مع الإِمام، ويكون الآن داخلًا في الصلاة، وهو قوله في "المدونة" (١).
والثاني: أنه يتمادى مع الإِمام وتُجزِئه، وهي رواية ابن وهب عن مالك. [وقد قدمناه ونص عليه اللخمي أيضًا] (٢).
والثالث: [ذكره أبو الحسن] (٣) أنه مُخَيّر، إن شاء قَطَعَ ويُحْرِم، ويَدْخُل مع الإِمام، وإن شاء تمادى [مع الإِمام] (٤) وهو قول أبو مصعب.
وسبب الخلاف: ما قدمناه [في] (٥) تكبيرة الإحرام: هل هي فرض أو سُنة، والقول بالتَخْيِير لا وَجْه له.
فإن شك في التكبير هل كَبّر أم لا: فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل الركوع أو بَعْدَه، ولم يكن كَبّر للركوع، وقد كَبّر للركوع.
فإن طرأ عليه الشّك قبل الركوع أو بَعْدَه، ولم يكن كَبّر للركوع، فهل يتمادى أو يَقْطع؟ قولان:
أحدهما: أنه يقطع.
_________________
(١) المدونة (١/ ٦٣).
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: من.
[ ١ / ٢٣٦ ]
والثاني: أنه يتمادى.
وعلى القول بأنه يقطع: هل بسلام أو بغير سلام؟ قولان:
أحدهما: أنه بسَلَام.
وفي "واضحة" (١) ابن حبيب: بغير سلام.
[فمن] (٢) قال: [إن القَطع] (٣) بسلام لاحتمال أن يكون كَبّر. [ومن] (٤) قال: بغير سلام لاحتمال أن يكون لم يُكَبّر.
فهذا وجه قول [من قال] (٥) أنه يتمادى ويُعِيد احتياطًا للعبادة، فإن أيقن أنه كبر فلا يخلو من [ثلاثة أوجه] (٦):
[أحدها: أن يكبر بعد تكبيرة الإِمام] (٧).
والثاني: أن يُحْرِم قَبْل إمامه.
والثالث: أن يُكَبّر مع الإِمام في زَمَان واحد.
فإن كَبّر بَعْد تكبيرة الإِمام: فلا خلاف في الجواز؛ لأنه فَعَل ما أُمِرَ به مِنْ مُتَابعة الإِمام والاقْتِدَاء به؛ لقوله ﵇: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه" (٨).
وأما إن كَبّر قَبل إمامه: فإنه يَقْطَع ويُكَبّر بعد الإِمام.
وهل يكون القَطْع بسَلام؟ قولان (٩):
_________________
(١) النوادر (١/ ٣٤٥: ٣٤٧).
(٢) في ب: فوجه من.
(٣) سقط من ب.
(٤) في ب: ووجه من.
(٥) في أ: مالك ومن يقول.
(٦) في أ: وجهين.
(٧) سقط من أ.
(٨) أخرجه البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٤١٤).
(٩) المدونة (١/ ٦٣، ٦٤).
[ ١ / ٢٣٧ ]
أحدهما: بغير سلام، وهو قول مالك.
والثاني: أنه يقطع بسلام، وهو قول سحنون.
فلو صلى لنفسه بذلك الإحرام: فهل تجزئه صلاته أم لا؟.
[فالمذهب] (١) على قولين:
أحدهما: أنها لا تجزئه، وهو قول مالك، وسحنون في كتاب ابنه.
والثاني: أنها تجزئه، وهو قول سحنون أيضًا؛ لأنه عَقَد على نَفْسِه الصلاة بالإحرام، فلم يَسقُط حكم الإحرام.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى حالة وقوع الإحرام، أو النّظَر إلى ما آلَ إليه حُكمه؟
[فمن] (٢) نظر إلى حالة الوقوع قال: لا يجوز له أن يصلي بذلك الإحرام وحده؛ لأنه وقع موقع الفساد لمسابقة الإِمام.
ومن نظر إلى ما آل إليه حكمه من كونه صلى وحده، وأنه خارج عن حكم الإِمام، وأن إحرامه كان لصلاته وَحْدَه، وقال: [إن] (٣) صلاته بذلك الإحرام جائزة.
وأما إن كَبّر الإِمام والمأموم مَعًا مِنْ غَير أن يَسْبِق أحدهما الآخر، فهل يتساويا [وَيَتسَابَقَا] (٤) لأن المأموم لا [تخلو حالته] (٥) مع الإِمام في الإحرام [والسَّلام] (٦) من هذه الأوجه الثلاثة لا رابع لها؛ أن يسْبِق
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) في أ: ومن.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من ب.
(٥) في ب: يخلو حاله.
(٦) سقط من ب.
[ ١ / ٢٣٨ ]
الإِمام، وقد تكلّمنا عليه.
فالمُسَابِق: أن يَسْبِق الإِمام، وقد تكلّمنا.
والمُلَاحِق: أن يَسْبِقه الإِمام، وقد تقدم أيضًا.
[والمساوي] (١): وهو المُطَابق أن يكَبّر مع الإِمام من غير أن يَسْبِق أحدهما الآخر.
واختلف المذهب في ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يعيد الصلاة، وهو قول مالك في "المجموعة" وبه قال أصبغ.
والثاني: أنه يعيد التكبير، فإن لم يفعل أجزأته صلاته، وهو قول ابن القاسم.
والثالث: التفصيل بين أن يسبقه الإِمام بشيء من حروف التكبير: فيجزئه [أو] (٢) لا يسبقه بشيء ولو بحرف واحد: فلا يجزئه، وهو قول ابن عبد الحكم.
وسبب الخلاف: اختلافهم فيما يفهم من قوله [- ﷺ -] (٣): "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا" (٤) الحديث.
فهل مراده - ﷺ - مُعَاقَبة الإِمام في أفعاله وأقواله حتى لا يسبق ولا يتأخر عنه بتكبير، وأن يكون فعل المأموم، وقوله عقيب فعله وقوله، ولاسِيّما
_________________
(١) في الأصل: المساوق.
(٢) في أ: و.
(٣) في ب: ﵇.
(٤) تقدم.
[ ١ / ٢٣٩ ]
أن موضوعية الفاء عند العرب للتعْقِيب، فتكون صلاته [مطابقة] (١)، وعلى هذا المعنى فاسدة.
أو مُراد النبي - ﷺ -[بذلك] (٢) اتباع الإِمام واعتقاد [الاقتداء] (٣) به واستشعار النية بأنه في حكمه وأن أفعاله مَنُوطة بأفعاله، وصلاته مُرْتبطة بصلاته حتى لا يجوز [له] (٤) أن يتقدم عليه بشيء من أفعال الصلاة وأقوالها، حتى أن المأموم يعتقد أن مطابقة الإِمام في سائر [الأركان] (٥) أولى وأجدر بالاقتداء، ولم يتعرض النبي - ﷺ - بموضوعية الفاء، فتكون صلاة المأموم على هذا جائزة صحيحة، وبالله التوفيق.
وهذا كله في حكم المأموم.
وأما [حكم] (٦) الإِمام والفَّذ [إذا نسيا تكبيرة الإحرام أو شكا فكيف] (٧) إذا نسيها الإِمام وكَبّر من كان خلفه: فحكمهما يجري على التفصيل الذي [فصلناه] (٨) في حكم المأموم.
فإن كَبَّر للركوع، وقَصَد بذلك تكبيرة الافتتاح هل تجزئهما أم لا؟
على ثلاثة أقوال في المذهب:
أحدها: [أنها] (٩) لا تجزئهما، وهو قول مالك، وظاهره: [أنه] (١٠)
_________________
(١) في أ: من طائفة.
(٢) زيادة من ب.
(٣) في ب: الابتداء.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: صلاته.
(٦) سقط من ب.
(٧) سقط من أ.
(٨) في ب: قدمناه.
(٩) في أ: أنه.
(١٠) المدونة (١/ ٦٣).
[ ١ / ٢٤٠ ]
لا فرق بين العمد والنِّسْيَان.
[والثاني: أن صلاتهما جائزة جملة، وهو قول أبي الفرج المالكي في "الحاوي".
والقول الثالث: التفصيل بين العمد والنسيان] (١).
فإن [كانا ناسيين] (٢): جازت [صلاتهما ويسجد السهو بهما] (٣) قبل السلام، وإن [تركا] (٤) التكبير [عمدًا] (٥): بطلت [صلاتهما] (٦)، وبه قال ابن شعبان في "الزاهي".
وسبب الخلاف: [قراءة] (٧) أُم القرآن هل هي فرض في كل ركعة، أو في [جملة] (٨) الصلاة؟
فمن رأى أنها فَرْض في كل ركعة [يقول] (٩): إنها لا تجزئه لترك قراءة أُم القرآن في تلك الرّكعة.
ومن رأى أنها فرض في جُملة الصّلاة، وأنه إن قَرَأ في بعضها، فقد أدَّى وظيفة الفرض، وتكون [قراءتها] (١٠) في بقية الصلاة سنة: قال بالإجزاء.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: كان ناسِيًا.
(٣) في أ: صلاته ويسجد لسهوه.
(٤) في أ: ترك.
(٥) في أ: عامدًا.
(٦) في أ: صلاته.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: جُلَّ.
(٩) في ب: قال.
(١٠) في أ: قراءته.
[ ١ / ٢٤١ ]
وَمَنْ فَرّق بين العَمد والنسيان يقول: المتهاون بالسنن كتارك الفرض [ويعيد الصلاة] (١)، وذلك أن القيام من فرائض الصلاة، إلا أنه غير مُرَاد لِعَيْنه، وإنما هو مُرَاد لغيره.
وحَد الفرض فيه على الفَذّ والإمام [مقدار] (٢) ما يُوقِع فيه تكبيرة الإحرام [مع قراءة] (٣) أم القرآن على القول بأنها واجبة في كل ركعة.
وعلى المأموم مِقْدَار ما يُوقِع فيه تكبيرة الإحرام خاصة؛ لأن الإِمام يحمل عنه قراءة أُم القرآن على القول بأن تكبيرة الإحرام [فرض] (٤)، وهو المشهور (٥).
[وأما إذا] (٦) شَكّ الإِمام في إحرامه: فالمذهب [فيه] (٧) على قولين:
أحدهما: أنه يتمادى على صلاته، فإذا فرغ سألهم، فإن أخبروه أنه كَبَّر أجزأتهم صلاتهم، وإن أخبروه أنه لم يُكَبّر وشَكّوا كَشَكِه: فإنه يعيد بِهم الصَّلاة، وهو قول سحنون (٨).
والثاني: أنه يَقْطَع [متى] (٩) ما ذكر ولا يَتَمَادَى.
والأصح أنه يَقْطَع مَتَى عَلِمَ، و[على] (١٠) القول بالتَّمَادِي فإنه يَسأَل
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: ويقرأ.
(٤) في ب: فريضة.
(٥) المدونة (١/ ٦٢).
(٦) في ب: إن.
(٧) سقط من أ.
(٨) المدونة (١/ ٦٤).
(٩) سقط من أ.
(١٠) سقط من ب.
[ ١ / ٢٤٢ ]
القوم إذا فَرَغ [استحسانًا] (١).
وهكذا الفَّذ إذا شَكّ في الإحرام: قيل: يتمادى ويُعِيد، وقيل: يَقْطَع، ويَبْتَدِئ.
وأما إذا كَبَّر المأموم تكبيرة الإحرام، ونَسِيَها الإِمام: فإن عَلِمَ القَوم أنه لم يُكَبِّر [فإن] (٢) صلاتهم باطلة، ويُعيد بهم صلاته، وإن لم يَعْلَموا فصلاتهم جائزة على مشهور المذهب في الإِمام إذا صلى بالنّاس [وهو] (٣) جُنُب نَاسِيًا لجنابته.
والجواب عن السؤال الخامس: وهو رَفع اليَدَيْن عِنْدَ تَكْبِيرَة الإحرام.
وكان هذا السؤال مِنْ حَقِه في التّرتِيب أن يكون رَابعًا، وهو الذي وقع عليه التَّرتيب في أول القِسْم، إلا أن النِّسيان أَخّره حتى أُخرَّ عن مَحِلِّه، والخَطْبُ في ذلك يَسِير.
وهذا السُّؤال يَشْتَمِلُ على ثلاثة فصول:
منها: هل الرَّفْع مشْرُوع أَمْ لا؟
ومنها: في كيفية الرَّفع.
ومنها: في معنى الرَّفع.
فالجواب عن الفصل الأول: في الرَّفع هل هو مَشْرُوع أم لا؟.
وعلى القول بأنه مَشْرُوع، هل هو مَشْرُوع في كل خَفْضٍ ورَفع أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال؛ كلها قائمة من "المدونة":
_________________
(١) في أ: استحبابًا.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
[ ١ / ٢٤٣ ]
أحدها: [ق/ ١١ ب] أنه يَرْفَع في كُل خَفْضٍ ورَفْع [ق/ ٢٣ أ] وهي رواية ابن وَهْب، وأَشْهَب عن مالك، وهو مذهب الشافعى، وهو قول ابن وَهْب في "كتاب الجنائز" من "المدونة" (١).
والثاني: أن الرَّفع غير مَشْرُوع لا في أَوَّل، ولا في آخِر، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب الصلاة الأول" من "المدونة" (٢) على ما تأوله الأَشْيَاخ عليه، وهو نَص قوله في بعض روايات "المدونة" في "كتاب الحج الأول" (٣): وكان رَفع اليَدَين عند مالك ضَعِيف، فقيل له: في تكبيرة الإحرام، قال: نعم، وفي تكبيرة الإحرام.
وصَرّح به الشيخ أبو إسحاق بن شعبان عن ابن القاسم في [ق/ ١٦ جـ] "مُخْتَصَرِه".
وأما ما تَأَوَّل عليه [من المدونة من قوله] (٤): في "كتاب الصلاة الأول": فقد قال: وقد رُؤِيَ مالك رَافِعًا يَدَيْه حِين عَزَمَ عليه الإِمام، فجعل بُطُونهما مِمَا يَلِي الأرض، وظُهُورهما مِمَا يَلِيَ وجهه، فقال ابن القاسم: إن كان الرّفع فهكذا مَثل ما صَنَع مالك، فقوله: "إن كان" يُشْعِرُ بِأنّه غَيْرُ مَشْرُوع عِنْدَه.
[وقال] (٥) في موضع آخر: وكان رَفْعُ اليَدَين عِنْد مالك ضعيفا إلا في تَكبِيرة الإحْرَام.
فقيل: إن قوله: "في تَكْبِيرة الإحْرَام": ليس من كلام ابن القاسم،
_________________
(١) المدونة (١/ ١٧٦).
(٢) المدونة (١/ ٦٨).
(٣) المدونة (٢/ ٣٩٨).
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: وقوله.
[ ١ / ٢٤٤ ]
وإنما هو مِنْ كَلَام سَحْنُون.
وقَدْ أَخْبَرَ بذلك ابن وَضَّاح عن سحنون: أن ذلك من قوله لا مِنْ قول ابن القاسم.
و[القول] (١) الثالث: أنه يَرْفَعُهما في التكبيرة الأولى، ثم لا يَرْفَعْهُما بَعْدَ ذلك، وهو القول المنصوص عن مالك في "المدونة" (٢)، وهو مشهور المذهب.
وسبب الخلاف: اختلاف الآثار [وتجاذب الاعتبار] (٣) فمنها ما رواه عاصم بن كُلَيْب عن أبيه عن عليّ بن أبي طالب ﵁: أنه كَان يَرْفَع يَدَيْه في أَوَّل [افتِتَاح] (٤) الصّلاة، ثم لا يَعُود" (٥)، وهذا [حديث] (٦) صحيح موقوف عن علي ﵁.
ومنها: ما أرسله مالك عن سليمان بن يسار أن [النبي] (٧) - ﷺ -: "كان يرفع يديه في الصلاة" (٨).
ومنها: ما [أخرجه] (٩) [مالك] (١٠) عن ابن عمر: "أنه كان إذا افتَتَح الصّلاة رَفَعَ يَدَيْه حَذْو مِنْكَبَيْه، وإذا رَفَعَ رأسه مِنَ الرُّكُوع رَفَعَهُما دُون
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) المدونة (١/ ٦٨).
(٣) في أ: وتجاذبها.
(٤) سقط من ب.
(٥) قال ابن القيم: أحاديث المنع من رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه كلها باطلة على رسول الله - ﷺ - لا يصح منها شيء. نقد المنقول (١٢٨).
(٦) سقط من أ.
(٧) في ب: رسول الله.
(٨) أخرجه مالك (١٦٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٣٤، ٢٣٥).
(٩) في ب: خرجه.
(١٠) سقط من ب.
[ ١ / ٢٤٥ ]
ذلك" (١)
فمن رَجَّح حديث عليّ ﵁ قال: إِنّ الرَّفعْ مَشْرُوع في التكبيرة الأولى خَاصّة.
ومن رَجَّح حديث ابن عمر: قال [يرفع] (٢) في كُلِ خَفْضِ وَرَفع، ولاسِيما [أن] (٣) حديث ابن عمر مُسْنَد من طِرِيق آخر. وهذا تأويل ما أَرْسَله سليمان بن يَسَار.
وأن رسول الله - ﷺ - كان يَرْفَع يَدَيْه [فإنه دليل] (٤) على أنه مَشْروع خَاصّة؛ إذ هو الظَّاهر مِنْ ظَاهِر الخَبَر؛ لأنه لم يُبَيِّن فيه [موضعًا] (٥) هل كان ذلك في أول الصلاة، أو ذلك في كل خفْضٍ وَرَفع؟
وَأمَا مَنْ ذَهَبَ إلى أنَّ الرَّفْع غير مَشْروع، فيُستدل [بظاهر] (٦) الأخبار المطلقة [منها: ما خرجه مالك] (٧) من طريق علي بن أبي طالب ﵁ قال: "كان رسول الله - ﷺ - يُكَبّر في الصّلاة كُلما خَفَض ورَفَع، فَلَم تَزَل تِلْك صَلَاته حتى لَقى الله ﷿" (٨)، ولم يذكر الرفع.
ومنها حديث جابر بن عبد الله: أنه كان يعلمهم التكبير في الصلاة،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٠٢)، ومسلم (٣٩٠)، وأبو داود (٧٤٢)، والترمذي (٢٥٥)، ومالك (١٦٥) من حديث ابن عمر.
(٢) في أ: يكبر.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: موضع الرفع.
(٦) في ب: بظواهر.
(٧) سقط من أ.
(٨) أخرجه مالك (١٦٦) والشافعي في الأم (١/ ١١٠) وعبد الرزاق في المصنف (٢/ ٦٢) حديث (٢٤٩٧)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٦٧). قال البيهقي: هذا مرسل حسن.
[ ١ / ٢٤٦ ]
ولم يذكر الرفع (١).
إلا أن الاستدلال بهذا [وأمثاله] (٢) ضعيف جدًا.
والجواب عن الفصل الثاني: في كيفية الرفع ونهايته: وهو أن يرفع يديه إلى منكبيه، وهما قائمان. وهذا هو المشهور عن مالك، وبه قال الشافعي ﵁.
والثاني: أنه يرفعهما إلى صدره.
وقال أبو حنيفة: يرفعهما إلى أذنيه.
وسبب الخلاف: تعارض الأخبار، فمنها حديث ابن عمر أنه كان يرفع يديه حذو منكبيه (٣).
ومنها: حديث مالك بن [الحويرث] (٤) أن الرسول ﵇ كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه (٥).
فمن ذهب مذهب الترجيح: أخذ بحديث ابن عمر؛ لأنه أصحب من حديث مالك بن [الحويرث] (٦).
ومن ذهب مذهب الجمع بين الحديثين قال: كان يحاذي بكفيه منكبيه، وأطراف أصابعه عند [ضماختي] (٧) أو أذنيه.
_________________
(١) أخرجه مالك (١٧٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٢٤٠)، وعبد الرزاق في المصنف (٢/ ٦٤) حديث (٢٥٠٢)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١٣٤) بسند صحيح.
(٢) في أ: ومثاله.
(٣) تقدم.
(٤) في الأصل: الجويرية، والمثبت هو الصواب، وهو مالك بن الحويرث أبو سليمان الليثي، توفي سنة (٧٤ هـ) أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة.
(٥) أخرجه البخاري (٧٠٤) ومسلم (٣٩١).
(٦) في الأصل: الجويرية.
(٧) في أ: صماخة.
[ ١ / ٢٤٧ ]
فالجمع بين الحديثين [مع الإمكان] (١) أولى من الطرح.
والجواب عن الفصل الثالث: في معنى الرفع وفائدته: [فقد] (٢) اختلف العلماء في معناه اختلافًا كثيرًا (٣):
فقيل: [خلعه عن] (٤) كل شيء من أمور الدنيا وطرحها وراء ظهر المصلي، ودبر أذنيه.
وقيل: هو علم للتكبير ليرى ذلك من قرب ومن بعد.
وقيل: بل ذلك من تمام القيام.
وقيل: [الاستشعار عظم] (٥) ما دخل فيه [وأشبه بابه] (٦)؛ إذا كل من استعظم أمرًا تلقاه [بيديه] (٧) بتلك الهيئة.
وقيل: بل علامة للتذلل والاستسلام.
وهذه الوجوه على [مذهب] (٨) رأى كونهما منتصبتين.
وفي انتصاب الأصابع معهما، أو حنوهما قليلًا خلاف بين من اختار إقامتهما.
وقيل: بل ذلك إشارة إلى الخضوع والرهب، وهذا [على] (٩) مذهب من يرى بسطهما، وظهورهما إلى السماء [وهو الرهب، وقيل:
_________________
(١) في أ: تقديم وتأخير.
(٢) في أ: و.
(٣) انظر: خواتم الحكم (٢/ ٤٩٦: ٤٩٩).
(٤) في ب: خلع الأيدي من.
(٥) في أ: الإشعار بعلم.
(٦) سقط من ب.
(٧) في أ: من يديه.
(٨) سقط من أ.
(٩) سقط من أ.
[ ١ / ٢٤٨ ]
بل إظهارًا للفاقة والسؤال وطلبًا للرحمة، وهذه عادة من يبسطهما وبطونهما للسماء] (١) قبل إرسالهما مع التكبير قبلهما، فيجمع بين الرغب والرهب.
وقد ورد في بعض الأخبار العلة الموجبة للرفع، وذلك أن المنافقين في بدء الإِسلام كانوا إذا صلوا مع رسول الله - ﷺ - تأبطوا أصنامهم تحت ثيابهم ثم أطلع الله نبيه - ﷺ - على ذلك؛ إذ لا يعلم إلا ما علمه الله بالوحي، فأمره الله [تعالى] (٢) أن يأمرهم برفع أيديهم عند الإحرام، فلما [رفعوا أيديهم] (٣) تساقطت الأصنام من تحت أباطيهم فافتضحوا.
فإن صح الخبر [كأن يكون] (٤) هذا من الأحكام الباقية مع عدم العلة الموجبة لها [كالرمل] (٥) في الطواف، والله أعلم بحقيقة ذلك [والحمد لله وحده] (٦).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
(٣) في ب: رفعوها.
(٤) في ب: كان.
(٥) في ب: كالرمي.
(٦) زيادة من جـ.
[ ١ / ٢٤٩ ]
المسألة الرابعة
القراءة في الصلاة
فجمهور العلماء على أن القراءة في الصلاة واجبة، وذهب ربيعة و[عبد العزيز] (١) بن أبي سلمة إلى أنها غير واجبة (٢).
وروى [مثل] (٣) ذلك عن علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ﵄.
والذي روى عن علي [﵁] (٤) أنه [قال] (٥): لا إعادة على من ترك القراءة [في] (٦) صلاته إذا كان الركوع والسجود حسنًا.
والذي روى عن عمر [بن الخطاب] (٧) ﵁ أنه صلى بالناس المغرب، فلم يقرأ فيها، فلما انصرف قيل له: ما قرأت، قال: كيف كان الركوع والسجود؟ [قالوا: حسن] (٨)، قال: فلا بأس إذًا (٩).
_________________
(١) في جـ: عبد الرحمن.
(٢) انظر: عيون المجالس (١/ ٢٩٤، ٢٩٥)، ومختصر اختلاف العلماء (١/ ٢٠٧).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: من.
(٧) زيادة من ب.
(٨) سقط من أ.
(٩) قال ابن عبد البر: حديث منكر اللفظ، منقطع الإسناد؛ لأنه يرويه محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن عمر، ومرة يرويه محمَّد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عمر، وكلاهما منقطع لا حجة فيه. التمهيد (٢٠/ ١٩٣). وثم فيه علة أخرى نبه عليها ابن الجوزي فقال: هذا حديث باطل لا يصح، قال ابن حبان: محمَّد بن مهاجر كان يضع الحديث. العلل المتناهية (٢/ ٩٤٤) حديث (١٥٧٢)، =
[ ١ / ٢٥٠ ]
وقد أنكر ذلك مالك عن عمر بن الخطاب [وعلى] (١) رضي الله [عنهما] (٢) فقال: أنكر أن يكون فعله، وإنما هو حديث سمعناه، وما أدري حقيقته (٣).
وقد روى أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ دخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين: صليت بنا، ولم تقرأ، فقال: [أجل] (٤) إني جهزت [قافلة] (٥) إلى الشام فأنزلتها منازلها، فخرج عمر إلى الناس، فأعاد بهم الصلاة.
وهذا الذي رواه وكيع في "المدونة" (٦) [عن عمر] (٧) أنه أعاد بهم.
وسبب الخلاف: [فعل] (٨) الصحابي هل تقوم به حجة أم لا؟
فمن رأى أن الحجة تقوم به (٩) ولاسيما في ترك القراءة [في الصلاة] (١٠) مع مشاهدته لرسول الله - ﷺ - وملازمته إياه، وحضوره الصلاة [معه] (١١) في كل يوم وليلة خمس مرات، ومثل [هذا] (١٢) لا يكون
_________________
(١) = وانظر: التلخيص الحبير (١/ ٢٧٣) حديث (٤٢٦)، وخلاصة البدر المنير (٤٩٤).
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: عنه.
(٤) المدونة (١/ ٦٥).
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: فأقبلت.
(٧) المدونة (١/ ٦٥).
(٨) سقط من أ.
(٩) في ب: قول.
(١٠) وهذا هو مذهب أكثر الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وكثير من الشافعية، وهو مذهب الشافعي في الجديد والقديم.
(١١) سقط من أ.
(١٢) سقط من أ.
(١٣) في ب: ذلك.
[ ١ / ٢٥١ ]
إلا توقيفًا إن صح ذلك عن عليّ وعمر ﵄، قال: إن القراءة غير مشروعة.
وعلى القول بأن القراءة واجبة في الصلاة، هل هي واجبة في [جملة الصلاة] (١) أو في كل ركعة منها؟
فالشافعي ﵁ [يرى] (٢) أنها واجبة في كل ركعة. والحسن البصري وغيره يرى أنها واجبة في ركعة واحدة خاصة. وأما أبو حنيفة: فالواجب عنده قراءة أي آية اتفقت أن يقرأها ولو "مدهامتان" (٣).
ومالك ﵀ تردد مذهبه بين هذه المذاهب على ما سنبينه ونتقنه [اتقان من طب لمن حب] (٤) إن شاء الله تعالى.
وسبب الخلاف: تعارض الأخبار وتجاذب الاعتبار مع معارضة [ظاهر] (٥) كتاب الله لبعض هذه الأخبار ومساعدته لبعضها: قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٦) [ق/ ١٢ ب]. قيل: أراد بذلك الصلاة، وهو أظهر التأويلات.
ويوافقه من الأخبار: ما روى أبو هريرة في الحديث الصحيح: أن رجلًا دخل المسجد فصلى، ثم جاء فسلم على رسول الله - ﷺ - فرد [النبي] (٧) - ﷺ - وقال له: "ارجع فصل، فإنك لم تصل"، ثم جاء فأمره
_________________
(١) في ب: في الصلاة على الجملة.
(٢) في ب: يقول.
(٣) وقد نكل به الغزالي في المنخول من أجل هذا القول.
(٤) زيادة من ب، جـ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سورة المزمل الآية (٢٠).
(٧) في ب: عليه رسول الله.
[ ١ / ٢٥٢ ]
بالرجوع حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فقال: والذي بعثك بالحق، ما أُحسن غير هذا، فقال ﵇: "إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، واستقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" (١).
[وهذا] (٢) الحديث موافق لظاهر القرآن، وبه تقوم الحجة للحنفي، وأما المعارض لهذا فحديثان قائمان متفق عليهما:
حديث عبادة بن الصامت أنه [قال: قال رسول الله] (٣): "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" (٤).
وفي حديث آخر: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (٥).
وحديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي [خداج خداج] (٦) خداج غير تمام ثلاث مرات" (٧).
وحديث أبي هريرة وعبادة [ق/ ٢٤ أ] بن الصامت يقتضي أن قراءة أم القرآن شرط في صحة الصلاة.
وحديث أبي هريرة في الأعرابي مع ظاهر القرآن يقتضي جواز الاقتصار على ما تيسر ولو آية.
وأما مالك ﵁ فقد اضطرب مذهبه اضطرابًا شديدًا، ونحن نحصله تحصيلًا مفيدًا، ونقيد ما أشكل منه تقييدًا حتى يمسك بروابط
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٢٤)، ومسلم (٣٩٧).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) أخرجه البخاري (٧٢٣)، ومسلم (٣٩٤).
(٥) اللفظ للبخاري (٧٢٣).
(٦) سقط من ب.
(٧) أخرجه مسلم (٣٩٥).
[ ١ / ٢٥٣ ]
الاختصار، وينحصر ما في سمط الانحصار، فأقول وبالله التوفيق:
القدر الذي وقع فيه الخلاف بين العلماء في الصلاة هي سورة أم القرآن، والزائد عليها متفق على سقوطه عن درجة الوجوب.
ثم المصلون على قسمين: إمام ومأموم، والفذ: حكمه حكم الإِمام بلا إشكال.
فالمأموم لا خلاف في مذهب مالك ﵀ أن القراءة لا تجب عليه،
ولا يجوز له أن يقرأ فيما بجهر فيه الإِمام بالقراءة لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (١). قيل: إن ذلك في الصلاة (٢)، فأوجب الله تعالى الإنصات على المأموم.
ولا شك أن قراءته تشغله عن الإنصات، والتفهم عن الإِمام أيضًا.
ويؤيده أيضًا ما رواه أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا" (٣).
وهذا أمر، والأمر [يحمل] (٤) على الوجوب (٥).
وأما ما يُسِر فيه الإِمام بالقراءة، فهل يندب فيه المأموم إلى قراءة أُم القرآن أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يندب إلى القراءة، وهو مشهور المذهب.
_________________
(١) سورة الأعراف الآية (٢٠٤).
(٢) انظر: تفسير القرطبي (٧/ ٣٥٣) وتفسير ابن كثير (٢/ ٢٨١).
(٣) تقدم مرارًا.
(٤) سقط من ب.
(٥) وهذا هو الراجح خلافًا لمن يقول: إنه يحمل على الندب.
[ ١ / ٢٥٤ ]
والثاني: أنه لا يندب إليها، وأن المأموم لا يقرأ في الصلاة [أصلًا] (١) وبه قال ابن وهب، ورواه ابن المواز عن أشهب (٢).
وسبب الخلاف: معارضة القياس ["لخبر" (٣)] (٤) الواحد (٥)، [والخبر هو حديث] (٦) عمران بن حصين أن النبي - ﷺ - صلى صلاة الظهر أو العصر، ورجل يقرأ خلفه، فلما انصرف قال: "أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى؟ " [فقال] (٧) رجل من القوم: أنا، ما أردت بهذا إلا الخير، فقال النبي - ﷺ -: "قد عرفت أن بعضكم [خالجنيها] " (٨).
والقياس يقتضي قراءة المأموم خلف الإمام فيما يُسر فيه الإمام بالقراءة؛ لأن العلة الموجبة للمنع: الجهر مع الإمام، فإذا عدم: جاز.
فإن ترك الأموم القراءة فيما يُسر فيه الإمام عامدًا، أو قرأ فيما يجهر
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: النوادر (١/ ١٧٨: ١٨١).
(٣) في الأصل: للخبر.
(٤) في أ: للخبر.
(٥) اختلف في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: إذا تعارض القياس مع خبر الواحد، فإنه يقدم خبر الواحد. وهذا هو مذهب الجمهور، وهو الراجح. المذهب الثاني: أن القياس يقدم على خبر الواحد. وهذا هو مذهب بعض الحنفية والمالكية. المذهب الثالث: التفصيل بين الرواة. فإن كان الراوي فقيها، فإنه يقدم على القياس إذا عارضه. وإن كان الراوي غير فقيه، فإن القياس يقدم على خبر إذا عارضه. وهذا مذهب بعض الحنفية.
(٦) في أ: ولحديث.
(٧) في أ: وقال.
(٨) طمس بالأصل، والمثبت من رواية مسلم (٦٠٣).
[ ١ / ٢٥٥ ]
[فيه الإمام] (١) عامدًا: فصلاته في [الوجهين] (٢) جائزة إلا أنه قد أساء فيما تعمد من ذلك، وإساءته في القراءة فيما يجهر فيه أبلغ.
وأما حكم الإمام والفذ في القراءة [فلا يخلو] (٣) من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقرأ بأم القرآن في جميع صلاته.
والثاني: أن يترك القراءة في جميعها.
والثالث: أن يقرأ في بعضها، ويترك في بعض.
فإن قرأ في جميعها: فلا خلاف في الجواز؛ لأنه أتى بالوجه المتفق عليه.
فإن ترك القراءة في جميعها: فالمذهب على قولين:
أحدهما: البطلان [وأن] (٤) صلاته [ق/ ١٧ جـ] فاسدة، وهو المشهور الذي عليه الجمهور.
والثاني: أن صلاته جائزة، وهي رواية رواها الواقدي عن مالك، وهي مهجور المذهب.
وسبب الخلاف: فعل الصحابي هل يكون حجة أم لا؟.
فإن [قرأها] (٥) في بعضها [وتركها في بعض] (٦): فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
_________________
(١) في أ: فيها.
(٢) في أ: الوجهتين.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: بأن.
(٥) في أ: قرأ.
(٦) في أ: وترك في بعضها.
[ ١ / ٢٥٦ ]
إما أن يكون ذلك في صلاة رباعية كالظهر، والعصر، والعشاء.
أو في صلاة هي [ثلاث ركعات] (١): كالمغرب.
أو في صلاة هي ركعتان: كالصبح، والجمعة، و[في] (٢) صلاة المسافر: فإن كان ذلك في صلاة هي أربع: فإن تركها في أكثرها، مثل أن يترك القراءة في ثلاث ركعات: فالمذهب على قولين:
أحدهما: الإعادة، وهو مشهور المذهب (٣).
والثاني: الإلغاء، وهو مذهب أشهب، وابن عبد الحكم، وأصبغ (٤).
فإن تركها في ركعتين: فالمذهب على قولين أيضًا.
وإن تركها في ركعة واحدة: فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (٥).
أحدها: أنه يلغي الركعة، ويأتي بغيرها.
والثاني: أنه يعيد الصلاة.
والثالث: أنه يسجد قبل السلام وتجزئه صلاته، وما هو بالبَّيِّن.
والرابع: أنه يسجد قبل السلام، ويعيد الصلاة [أيضًا] (٦)، وهو قوله في "كتاب الوضوء" (٧).
_________________
(١) في ب: ثلاثية.
(٢) سقط من ب.
(٣) المدونة (١/ ٦٥، ٦٦).
(٤) النوادر (١/ ٣٥٠).
(٥) المدونة (١/ ٦٥، ٦٦).
(٦) سقط من ب.
(٧) المدونة (١/ ٣٨).
[ ١ / ٢٥٧ ]
ورام بعض المتأخرين أن يرد قوله في "كتاب الصلاة" بالإعادة إلى ما فسره في كتاب الوضوء، وهو تأويل [الشيخ أبي محمَّد] (١) بن أبي زيد وغيره، فقالوا: معناه يسجد ويعيد.
ولا فائدة للتأويل مع نصه على المسألة، فإن حمل الكلام على ظاهره، فيتخرج على أربعة أقوال، وإن تأول فيتخرج على ثلاثة [أقوال] (٢).
واختلف أيضًا في اختيار ابن القاسم، فمرة أخذ بالإلغاء، وهو اختياره في [كتاب] (٣) الصلاة الأول من "المدونة"، ومرة أخذ بالإعادة بعد السجود، وهو قوله في "كتاب الوضوء"، [وفي] (٤) كتاب ابن المواز.
وسبب الخلاف: تعارض الأخبار، فمنها قوله - ﷺ -: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٥).
[ومنها] (٦) قوله [- ﷺ -] (٧): "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج غير تمام" (٨).
فهذان [الحديثان] (٩) مقتضاهما: أنها فرض في جملة الصلاة لا في كل ركعة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من ب.
(٤) في أ: وفيها.
(٥) تقدم.
(٦) في أ: وهو.
(٧) سقط من ب.
(٨) تقدم.
(٩) في ب: الخبران.
[ ١ / ٢٥٨ ]
و[يعارضهما] (١) حديث: "كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلا تصلها إلا وراء الإمام" (٢).
إلا أن هذا [الحديث] (٣) موقوف، والأول مسند، والمسند [أقوى] (٤) من الموقوف، فكان تقديم الخبر المسند أولى إلا أن فيه معنى يوجب مساواته مع الموقوف في المرتبة.
وقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٥) هل أراد بذلك لا صلاة جائزة، أو [لا] (٦) صلاة كاملة. وهذا مما يحتمله اللفظ.
فإذا احتمل هذا الاحتمال [فكان] (٧) فيه ضرب من الإجمال، [فيسقط] (٨) به الاستدلال.
وكذلك قوله - ﷺ -: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج [فهي خداج] (٩) غير تمام ثلاث مرات" (١٠).
وهل هذا [النقصان] (١١) مما يؤثر في بطلان الصلاة، ويمنع من الإجزاء [أو] (١٢) إنما تأثيره في نفي الكمال خاصة، وإليه مال بعض
_________________
(١) في أ: يعارضه.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٨٨)، ومالك (١٧٣) من حديث جابر، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: أولى.
(٥) تقدم.
(٦) سقط من أ.
(٧) في ب: كان.
(٨) في أ: وسقط.
(٩) سقط من ب.
(١٠) تقدم.
(١١) في الأصل: التعصلل.
(١٢) في أ: و.
[ ١ / ٢٥٩ ]
المتأخرين.
فبهذا الاعتبار تصح المعارضة بين الخبر وبين حديث جابر ﵁.
وأما إذا تركها في ركعة من صلاة هي ركعتان: فهل هي بمنزلة [من] (١) تركها في ركعة من صلاة هي أربع:
فيدخلها أربعة أقوال، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" (٢)، حيث قال: وإنما سألنا مالكًا عن [الصلوات] (٣) [كلها] (٤)، ولم يكشف عن الصبح والمغرب.
أو هو بمنزلة من تركها في ركعتين من صلاة هي أربع:
فيدخل فيها قولان، وهو نصه في الدونة، فالمذهب فيه على قولين قائمين من المدونة كما ترى.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى قلة السهو وكثرته أم النظر إلى مقدار ما يكون السهو [فيه] (٥) من الصلاة من نصف أو أقل أو أكثر.
وأما إن تركها في ركعة من صلاة هي [ثلاث ركعات] (٦) كالمغرب [فهل هو] (٧) بمنزلة من تركها [في] (٨) ركعة واحدة من صلاة هي أربع
_________________
(١) في ب: ما لو.
(٢) المد ونة (١/ ٦٦).
(٣) في ب: الصلاة.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: ثلاثة.
(٧) في ب.: فهي.
(٨) في أ: من.
[ ١ / ٢٦٠ ]
[ركعات] (١)؟
[فيدخل فيه] (٢) الأقوال الأربعة، وهو ظاهر المدونة.
أو هو بمنزلة من تركها من ركعة واحدة من صلاة هي ركعتان، [فلا يدخلها إلا قولان] (٣).
فالمذهب [فيها] (٤) على قولين منصوصين [أيضًا] (٥).
وسبب الخلاف: ما قدمناه هل النظر إلى قلة السهو وكثرته أم النظر إلى قدر ذلك من الصلاة، هل هو في حيز الكثير أو حيز اليسير؟
ولا شك أن الثلاث جعلها الشرع في حيز الكثير في غير ما موضع.
وأما إن تركها في ركعتين من المغرب فقولان:
قول بالإجزاء، وقول بالإبطال؛ وهو الصحيح لأنه ترك القراءة في جُلّ صلاته.
والقول الآخر يتخرج على القول بأن القراءة في الصلاة غير مشروعة وهذا كله فيمن كان يحسن القراءة فتركها، إما [عامدًا] (٦) وإما ناسيًا.
وأما الأمي الذي لا يكتب ولا يقرأ ولا ينفع فيه التعليم، ولا يجد من يأتم به، فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقف ويذكر الله تعالى في موضع القراءة، وهو قول [محمد] (٧) بن سحنون.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: فيدخلها.
(٣) في أ: ثم لا يدخلها الأقوال الأربعة.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: جاهلًا.
(٧) سقط من أ.
[ ١ / ٢٦١ ]
والثاني: أنه يقف مقدار ما [يقرأ] (١) فيه أم القرآن، ولا يلزمه من طريق الوجوب تحميد ولا تسبيح، وهو قول القاضي [أبي] (٢) محمَّد عبد الوهاب.
والثالث: [أنه] (٣) يكبر تكبيرة الإحرام [قائمًا] (٤) ويركع متابعة، ولا ينتظر واقفًا؛ إذ لا فائدة لوقوفه وقيامه؛ لأن القيام في الصلاة غير مراد لنفسه، إنما هو مراد لتكبيرة الإحرام في حق المأموم، والتكبير والقراءة في حق الفذ والإمام.
فإذا قلنا: يقف وقوفًا ما: فقد تعمد إلى أن يزيد في صلاته زيادة مستغنى عنها، وقول ابن سحنون أن فرضه الذكر أيضًا ليس بظاهر؛ لأن قراءة أم القرآن في الصلاة لا بدل لها، والقرآن لو قرأه كله في الصلاة ما وقع موقع الإجزاء، فكيف يكون الذكر بدلًا منها، والله المستعان.
ومن هذا المعنى اختلفوا في الأعجمي الذي لا يحسن العربية: كيف يفتتح الصلاة؟
فقال ابن القاسم في "المدونة" (٥): لا يفتتح الصلاة بالعجمية ولم يذكر كيف يفعل.
وقال أبو الفرج: لا يجزئه غير التكبير [يدخل به] (٦) أو الحروف
_________________
(١) في أ: يقوم.
(٢) في ب: أبو.
(٣) زيادة من ب.
(٤) سقط من أ.
(٥) المدونة (١/ ٦٢).
(٦) سقط من أ.
[ ١ / ٢٦٢ ]
التي أسلم بها.
وقال أبو محمَّد عبد الوهاب (١): من شيوخنا من يقول: يُحْرِمُ بلسانه -يريد بالعجمية- ومنهم من يقول: يعتقد الدخول في الصلاة بقلبه من غير نُطق.
فيتحصل من هذه [الجملة] (٢) ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجزئه إلا التكبير.
والثاني: أنه يجزئه أن يُحْرِمُ بالعجمية.
والثالث: [يجزئه] (٣) أن يعتقد الدخول فيها [ق/ ٢٥ أ] بقلبه.
وسبب الخلاف: اختلاف الأصوليين في القرآن هل اشتمل على لغة سوى العرب، أم لا؟ (٤).
فمن ذهب إلى أن القرآن نزل بلغة العرب [خصوصًا] (٥) وخلوصًا، وأنه كله عربي مُبين، ولم يوجد فيه من العجمية شيء: يقول: إنه لا يُحرم بالعجمية؛ لأن الذي فهم من كلام العرب [في] (٦) لفظ التكبير لم يفهم من إحرامه بالعجمية؛ لأنه لا يدري أنه كما قال، وأنه يسم الله بما لم يسم به نفسه.
ولا خلاف بين أهل السنة أن من سمَّى الله ﷿ بما لم يسم به نفسه
_________________
(١) قال في الإشراف: إذا كان يحسن العربية فلا يجزيه له الإحرام بالفارسية خلافًا لأبي حنيفة؛ لقوله ﵇: يقول: الله أكبر، وقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" الإتحاف بتخريج أحاديث الإشراف (١/ ٣٨٢).
(٢) في أ: المسألة.
(٣) سقط من أ.
(٤) تقدم بيان ذلك.
(٥) في جـ: نصوصًا.
(٦) سقط من أ.
[ ١ / ٢٦٣ ]
[أن ذلك] (١) كفر.
ومن ذهب إلى أن القرآن فيه ما ليس [من] (٢) لغة العرب "كالأبِّ"، و﴿أَنْ أَدُّوا﴾ (٣) وأن "الأبَّ" (٤): كلمة فارسية، و"أن أدوا": كلمة بربرية: يقول: إن [له] (٥) الإحرام بالعجمية؛ لأن الله تعالى سمى نفسه بكل لسان، [أعلمهم] (٦) كيف يدعونه بألسنتهم، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (٧).
وقال [تعالى] (٨): ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كلَّهَا﴾ (٩).
[وإلى أن القرآن] (١٠) اشتمل على كلام سوى كلام العرب، وإلى أن قوله: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ الله﴾ (١١)، لغة بربرية: ذهب الفقيه الأجل الإمام الأنبل أبو زكريا يحيى بن [ملول] (١٢) [الزناتي] (١٣) في تعليقه على "البرهان".
وأما السورة التي مع أم القرآن: فقد اختلف [فيها] (١٤) المذهب على
_________________
(١) في ب: فقد.
(٢) في أ: في.
(٣) سورة الدخان الآية (١٨).
(٤) في قوله تعالى: ﴿وفَاكهَةَ وَأَبًّا﴾ سورة عبس الآية (٣١).
(٥) سقط من ب.
(٦) في أ: يعلمهم.
(٧) سورة إبراهيم الآية (٤).
(٨) سقط من ب.
(٩) سورة البقرة الآية (٣١).
(١٠) في أ: وإذا.
(١١) سورة الدخان الآية (١٨).
(١٢) في ب: منون.
(١٣) سقط من ب.
(١٤) في أ: فيه.
[ ١ / ٢٦٤ ]
ثلاثة أقوال.
أحدها: أنها واجبة، [فإن] (١) تركها عمدًا أو جاهلًا: أعاد الصلاة، وبه قال عيسى بن دينار.
والثاني: أنها مستحبة، وإن تركها فلا شيء عليه، ولا سجود عليه، وقاله مالك وأشهب في "مختصر ما ليس في المختصر".
والثالث: أنها سنة؛ فإن تركها ناسيًا: سجد قبل السلام، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٢)، فإن نسيها حتى تطاول بها: فلا شيء عليه وهو قوله في العتبية" (٣)، وإن تركها عامدًا استغفر الله، ولا شيء عليه.
وسبب الخلاف: اختلافهم في [المفهوم من] (٤) قوله - ﷺ -: "لا صلاة إلا [بفاتحة الكتاب] (٥) وشيء معها".
وفي حديث آخر: "لا صلاة لمن لم يقرأ ["بفاتحة الكتاب" (٦)] (٧) فصاعدًا".
فمن فهم منه جواز الاقتصار على أم القرآن، وأن الزائد عليها لا حكم له، وهو كقوله ﵇: "القطع في ربع دينار فصاعدًا" (٨).
_________________
(١) في ب: فمن.
(٢) المدونة (١/ ٦٧).
(٣) البيان والتحصيل (٢/ ١٨٢).
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: بأم القرآن.
(٦) أخرجه أبو داود (٨٢٢)، والنسائي (٩١١) من حديث عبادة بن الصامت. قال الشيخ الألباني: صحيح إلا قول: فصاعدًا.
(٧) في ب: بأم القرآن.
(٨) أخرجه البخاري (٦٤٠٧)، ومسلم (١٦٨٤).
[ ١ / ٢٦٥ ]
والحكم متعلق بربع دينار [فصاعدًا] (١)، والزائد عليه لا حكم له؛ [يقول] (٢) لا شيء عليه، لا إعادة ولا سجود.
ومن فهم منه أن معنى قوله [﵇] (٣): "لا صلاة" أي: لا صلاة جائزة، قال: بإعادة الصلاة.
فمن فهم منه: لا صلاة كاملة، قال: إنها سنة؛ يستغفر الله العامد، ويسجد الساهي [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: لقوله.
(٣) سقط من ب.
(٤) زيادة من ب.
[ ١ / ٢٦٦ ]
المسألة الخامسة
في الناعس والغافل والمزحوم
وأما الناعس والغافل: فالمذهب على [أن] (١) [أحكامهما] (٢) واحدة؛ فإذا نفس المأموم خلف إمامه حتى فاته ركن من صلاته مثل أن يفوته بركوع أو سجود: فهل يتبعه المأموم بالقضاء أو يلغي، ويدخل مع الإمام في الركن الذي هو فيه؟
فالمذهب على [أربعة] (٣) أقوال كلها قائمة من المدونة:
أحدها: أنه يتبعه سواء نابه ذلك في الركعة الأولى أو في الثانية، وهذا إذا نعس في الركوع أو غفل عنه حتى سبقه به الإمام، وهو ظاهر قوله في كتاب الوضوء من "المدونة" في "باب الرعاف" (٤).
والثاني: أنه لا يتبعه، ويلغى تلك الركعة، ويدخل مع الإمام من حيث انتهى، ويقضي إذا سلم الإمام [وهو ظاهر المدونة في غير ما موضع؛ لأن ذلك من باب القضاء في حكم الإمام] (٥)، ولا فرق بين الركعة الأولى والثانية (٦).
والثالث: التفصيل بين [الركعة] (٧) الأولى والثانية؛ [فإن نابه ذلك
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: حكمهما.
(٣) في أ: ثلاثة.
(٤) المدونة (١/ ٣٨).
(٥) سقط من أ.
(٦) المدونة (١/ ٧٢).
(٧) سقط من ب.
[ ١ / ٢٦٧ ]
في الركعة الأولى فلا يتبعه] (١)؛ لأنه لم يحصل له [معه] (٢) ركن سوى الإحرام، ويتبعه في الثانية إذا عقد معه الأولى بسجدتيها، وهو قول مالك في كتاب الصلاة [الأول] (٣) من "المدونة" (٤).
[والقول الرابع: التفصيل بين الجمعة وغيرها فلا يتبعه في الجمعة ويتبعه في غيرها، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم] (٥).
وسبب الخلاف: بين من منع الاتباع جملة وبين من جوزه جملة [في الأولى وفي الثانية] (٦): اختلافهم في المفهوم من قوله [﵇] (٧): "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه [فإذا ركع فاركعوا] (٨) " (٩): هل من شرط [ق/ ١٨ جـ] فعل [المأموم] (١٠) أن يقارن فعل [الإمام] (١١) في جميع أجزاء الركعة -أعني القيام والانحناء والسجود-[أو] (١٢) إنما هو شرط في بعضها؟
فمن رأى أنه شرط في كل جزء من أجزاء الركعة الواحدة -أعني أن يقارن فعل المأموم فعل إمامه، وإلا كان اختلافًا عليه فمتى لم يدرك معه من
_________________
(١) في ب: ففي الركعة الأولى لا يتبع الأمام.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) المدونة (١/ ٧٢).
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من ب.
(٧) في ب: ﷺ.
(٨) سقط من أ.
(٩) تقدم.
(١٠) في أ: الإمام.
(١١) في أ: المأموم.
(١٢) في أ: و.
[ ١ / ٢٦٨ ]
الركوع ولو جزءًا يسيرًا: لم يعتد بتلك الركعة.
ومن رأى أنه ليس من شرطه، [وأن] (١) له أن يتبعه ما لم يعقد الركعة الثانية، [وأنه] (٢) ليس من شرط فعل المأموم أن يكون بعضه قارن بعض فعل الإمام ولا كله، وإنما من شرطه أن يكون [بعده] (٣) فقط، ويكون ذلك مفهوم قوله ﵇.
وسبب الخلاف: بين من فصَّل، ومن أطلق بعد اتفاقهم في جواز الاتباع إذا حصل له معه ركن [من الصلاة] (٤) الإحرام هل يكون هو ركن يبنى عليه أم لا؟.
فمرة رأى أن الإحرام ركن يبنى عليه: [فيجزيه] (٥) الاتباع، وهو ظاهر قوله في كتاب "الوضوء" في "الرعاف" (٦).
ومرة لم يره ركنا، فمنعه البناء والاتباع، وهو قوله في "كتاب الصلاة [الأول] (٧) ".
[فعلى القول بأنه يجوز له اتباع الإمام يتبعه إلى متى؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من المدونة:
أحدها: أنه يتبع الإمام ما لم يرفع رأسه من سجوده وهو قوله في كتاب الصلاة الأول] (٨).
_________________
(١) في أ: فإن.
(٢) في ب: إذ.
(٣) في أ: بعضه.
(٤) في ب: مع الإمام.
(٥) في أ: فيجوزه.
(٦) في ب: الراعف.
(٧) في الأصل: الأولى.
(٨) سقط من أ.
[ ١ / ٢٦٩ ]
والثاني: أنه يتبعه ما لم [يرفع] (١) الإمام [إلى التي تليها] (٢) وهو قول مالك، وهو ظاهر قوله في "المزحوم" في "كتاب الصلاة الثاني" من "المدونة" (٣)، إذا زوحم عن السجود؛ إذ لا فرق بين أن يُزَاحم عن السجود أو عن الركوع، أو ينعس على القول بجواز الاتباع.
والثالث: أنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من ركوع الثانية.
وقاله مالك مرة أخرى، وهو ظاهر المدونة في أن عقد الركعة [إنما هو] (٤) رفع الرأس منها.
[وعلى القول بأنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من سجودها فهل المراد بذلك السجدتن جميعًا أو إنما أراد رفع رأسه من السجدة الأولى! قولان:
أحدهما: أن المراد السجدتين جميعًا.
والثاني: أن المراد السجدة الأولى؛ لأنه إذا رفع رأسه منها فقد حال بينه وبن الاتباع عمل كامل، وهو أداء السجدتين، وهو قول بعض الأندلسيين] (٥).
وسبب الخلاف: اختلافهم في عقد الركعة هل هو الرفع منها، أو هو وضع اليدين على الركبتين؟
وهذا الخلاف أيضًا ينبني على الخلاف في الرفع من الركوع هل هو واجب، أو ليس بواجب؟.
فمن رأى أنه واجب يقول: عقد الركعة رفع الرأس منها.
_________________
(١) في أ: يدخل.
(٢) في أ: يدخل.
(٣) المدونة (١/ ١٤٦، ١٤٧).
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من أ.
[ ١ / ٢٧٠ ]
ومن رأى أن الرفع ليس بواجب [يقول] (١): عقدها وضع اليدين على الركبتين.
وسبب الخلاف: بين من قال: يتبعه ما لم يرفع رأسه من السجود، وبين من قال: يتبعه ما لم يعقد الركعة الثانية: اختلافهم في القضاء الذي لا يجوز في حكم الإمام ويعد [مخالفًا] (٢).
هل المراد بذلك [قضاء] (٣) ما سبقه به الإمام قبل أن يدخل معه في الصلاة دون ما سبقه به الإمام بعد الدخول في الصلاة لأجل الغفلة [أو] (٤) النعاس، [و] (٥) ذلك عام في الجميع؛ لأنه [يسمى] (٦) قاضيًا؛ إذ القضاء عبارة عن فعل ما سُبق به، وهذا كله إذا نعس في الركوع.
وأما إذا نعس في السجود بعد أن عقد مع الإمام الركعة: فلا خلاف أنه يتبعه ما لم يعقد عليه الركعة التي تليها إما بوضع اليدين على الركبتين، [أو] (٧) بالرفع منها، على الخلاف [الذي قدمناه] (٨).
والغافل كالناسي في جميع ما ذكرناه.
والمزحوم [إذا زوحم عن] (٩) السجود: حكمه حكم الناعس بلا إشكال.
_________________
(١) في ب: يقال.
(٢) في ب: مخالفة.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: و.
(٥) في أ: أو.
(٦) سقط من أ.
(٧) في ب: وإما.
(٨) سقط من ب.
(٩) في ب: في.
[ ١ / ٢٧١ ]
وإذا زوحم عن الركوع، فالمذهب على قولين [قائمين من المدونة] (١):
أحدهما: أنه يتبعه قياسًا على الناعس [وهو ظاهر المدونة] (٢).
والثاني: أنه لا يتبعه، ويلغي تلك الركعة، وتكون أول صلاته الركعة التي أدرك فيها الإمام، وهو أيضًا ظاهر "المدونة" (٣).
وينبني الخلاف على الخلاف في المزحوم، هل هو معذور بالزحام كما يعذر الناعس بالنعاس على مشهور المذهب [أم لا] (٤)؟
فمن ساوى بينهما في العذر لكونهما مغلوبين، بل المزحوم أبين عذرًا؛ لأنه غير مفرط: قال يتبع المزحوم كما يتبع الناعس، وهو نص [قول] (٥) عبد الملك في كتاب محمَّد.
ومن فرق بينهما -وهو قول ابن القاسم (٦) - يقول: الناعس معذور بالنوم؛ إذ لا يملك الإنسان دفعه عن نفسه، ولا التحرز عنه؛ لأنه خصم ألد أو خطب لا يُرد [فيجوز له الاتباع] (٧)، بخلاف المزحوم؛ لأنه مفرط؛ إما [في] (٨) المسابقة [إلى السجود] (٩) حتى يأخذ مكانًا واسعًا، وإما لكونه قادرًا على الدفع عن نفسه حتى يجد [مكانًا] (١٠) متسعًا؛
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) المدونة (١/ ١٤٧).
(٤) سقط من أ.
(٥) زيادة من ب.
(٦) المدونة (١/ ١٧٢).
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: إلى.
(٩) سقط من أ.
(١٠) سقط من أ.
[ ١ / ٢٧٢ ]
لأن ذلك من جنس مقدوره، وكان التفريط من جهته أظهر من الناعس والغافل [والله أعلم والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب، جـ.
[ ١ / ٢٧٣ ]
المسألة السادسة
الإمامة في الصلاة
وفيها سبعة أسئلة:
الأول: معرفة أحكام الإمامة، ومن هو أولى بها؟
والثاني: إمامة المريض.
والثالث: إمامة الفاسق.
والرابع: إمامة الأَلْكَن [ومن يلحن] (١).
والخامس: إمامة الصبي.
والسادس: إمام العبد.
والسابع: إمامة المرأة.
والجواب عن السؤال الأول: [في معرفة أحكام الإمامة] (٢) وقد قال النبي - ﷺ -: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" (٣) الحديث.
فمن أحكام الإمامة: الاقتداء بأفعال الإمام، وأقواله ومتابعته [ق/ ١٣ ب] فيما يفعله ويقوله من غير أن يتقدم عليه، ولا أن يتأخر عنه.
وأن يكون الاقتداء حسًا ومعنىً، سرًا وعلانية، ظاهرًا وباطنًا.
فإذا فعل ذلك: فقد جعل الاقتداء المأمور به من غير خلاف.
فإن خالفه في الأفعال أو في الأقوال: هل تبطل صلاته أو تصح؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) تقدم.
[ ١ / ٢٧٤ ]
فقد تقدم الكلام عليه.
فإن حصل الاقتداء في الظاهر، وخالفه في الباطن، مثل أن ينوي المأموم صلاة، والإمام في غيرها: فهل [تجزئه] (١) أم لا؟
فالمذهب على [ثلاثة أقوال كلها قائمة] (٢) من المدونة:
أحدها: أنها تجزئه جملة، سواء كانت إحداهما بدلًا من الأخرى كالظهر [مع] (٣) الجمعة، أو كانت مستقلة بنفسها كالظهر والعصر [وهو نقل أبي الحسن اللخمي في الظهر والعصر؛ لأنه قال: يعيد في الوقت استحسانًا] (٤).
وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" (٥)؛ لأنه قال: من أتى [المسجد] (٦) يوم الخميس يظنه يوم الجمعة، فصلى مع الإمام [ق/ ٢٦ أ] [ظهرًا] (٧) أربعًا: قال: صلاته جائزة.
فقد جوز الصلاة هاهنا مع اختلاف نية الإمام والمأموم.
وأي اختلاف أشد ممن دخل على ركعتين، والإمام في صلاة هي أربع؟
فقال: إن صلاته تجزئه عنه، فكذلك ينبغي إذا أتى يوم جمعة يظنه يوم خميس أن تكون صلاته مجزئة عنه [وهو قوله في السليمانية] (٨) خلاف ما قاله في الكتاب، وعلل فيه بأن الجمعة لا تكون إلا بنية.
_________________
(١) في أ: تجزئ.
(٢) في أ: قولين قائمين.
(٣) في أ: و.
(٤) سقط من أ.
(٥) المدونة (١/ ١٠٤).
(٦) سقط من ب.
(٧) في ب: الظهر.
(٨) سقط من أ.
[ ١ / ٢٧٥ ]
وهذا التعليل الذي علل به ابن القاسم في الجمعة موجود في غيرها؛ إذ لا تجوز الصلاة إلا بنية باتفاق العلماء.
وكيف تختص الجمعة عن غيرها بأنها تفتقر إلى النية؟
ويعد ذلك من ابن القاسم اضطرابًا من القول.
والثاني: [أنها] (١) لا تجزئه صلاته جملة، وهو قول أشهب (٢).
[والثالث: التفصيل بين الصلاتين المختلطي الوقت فلا تجوز، وهذا في الصلاتين، إحداهما: بدل من الأخرى، فيجزئ المأموم على المشهور من المذهب، وصلاة الإمام جائزة اتفاقًا] (٣).
وينبني الخلاف: على الخلاف في صلاة المأموم هل هي مرتبطة بصلاة الإمام أم لا؟
فإن قلنا بالارتباط: فلا ينبغي أن تخالف نية المأموم نية إمأمه؛ لا في الزمان، ولا في المقدار، وهو مشهور المذهب.
فإن قلنا [بعدم الارتباط] (٤) فيجوز مخالفة نية المأموم نية إمامه في الزمان والمقدار.
وذلك موجود في أكثر مسائل المذهب، فمن اقتفاها ظهر له ما قلناه، ولاسيما في مسائل المحدث إذا صلى بالناس ناسيًا لحدثه، فقد قال بالإجزاء.
وعلى هذا الأصل ينبني الخلاف في إمامة الصبي على ما يأتي [بيانه] (٥)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) النوادر (١/ ٣٠٦)، والبيان والتحصيل (٢/ ٨٣).
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: بغير ارتباط.
(٥) في ب: في بابه.
[ ١ / ٢٧٦ ]
إن شاء الله تعالى. وهو ظاهر لمن تأمله.
[فإن] (١) حصل الاقتداء في الباطن، و[أخل] (٢) بصورته في الظاهر [و] (٣) أخل بمعناه في الظاهر مثل أن يصلي أَمَامَ إمامه أو [صلى] (٤) على ظهر المسجد بصلاة إمامه، [أو صلى في دور وراءه، وبينه وبين الإمام حائل.
فأما إذا صلى أمام إمامه، أو على ظهر المسجد بصلاة إمامه] (٥): [فصلاته جائزة] (٦) مع الكراهة في ذلك إذا كانت في غير الجمعة.
ووجه [الكراهة] (٧) في ذلك: أن اقتداءه بأقوال الإمام وأفعاله ليس على يقين، وإنما هو على الحرز والتخمين.
وأما إذا حال بينه، وبين الإمام حائل من ورائه: فلا يخلو [ذلك] (٨) من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يرى أفعال الإمام ويسمع أقواله.
والثاني: أن [يغيب] (٩) عنه أفعال الإمام ولا يسمع أقواله.
والثالث: أن يغيب عنه أفعاله، ويسمع أقواله.
_________________
(١) في ب: وإن.
(٢) في أ: وأخذ.
(٣) في ب: أو.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من ب.
(٦) في أ: فإنه يجوز.
(٧) في ب: الكراهية.
(٨) سقط من أ.
(٩) في أ: يصب.
[ ١ / ٢٧٧ ]
فإن كان [شاهدًا] (١) للأمرين؛ يرى [الأفعال] (٢) ويسمع [الأقوال] (٣): فالصلاة جائزة باتفاق، كان الموضع الذي صلى فيه محجورًا عليه أو مأذونًا [له] (٤) فيه، غير أنه لا ينبغي له التمادي على ذلك لما فيه من الرغبة عن إتيان المسجد و[تقاعد] (٥) الهمة عن حصول الأجر الذي ندب الله تعالى إليه وحث عليه في الصف الأول.
فإن كان [بموضع] (٦) لا يرى منه أفعال الإمام ولا يسمع أقواله: فالذي تقتضيه أصول المذهب أن تبطل صلاته [لعدم] (٧) الاقتداء المقصود شرعًا؛ وقد يكون في السجود والإمام في الركوع، وقد يكون في ركعة، والإمام في أخرى غيرها، فهذه عين المخالفة التي نهى عنه [الشارع - ﷺ -] (٨).
فإن كان بموضع يرى [منه] (٩) أفعال الإمام، ولا يسمع أقواله، أو يسمع أقواله، ولا يرى أفعاله: فصلاته جائزة مع [الكراهة] (١٠)؛ لأنه مع الإمام في حرز و[تخمين] (١١).
_________________
(١) في أ: شاهد.
(٢) في ب: أفعاله.
(٣) في ب: أقواله.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: وتباعد.
(٦) في ب: في موضع.
(٧) في أ: يعدم.
(٨) في ب: الشرع.
(٩) سقط من أ.
(١٠) في ب: الكراهية.
(١١) في أ: تمكين.
[ ١ / ٢٧٨ ]
ولهذا كره مالك الصلاة على أبي قبيس (١) وقعيقعان (٢) بصلاة الإمام في المسجد الحرام؛ لبعده عن أفعال الإمام.
وأما الذي هو أولى بالإمامة فقد قال النبي - ﷺ -: "ويؤم القوم أقرؤهم" (٣).
وفي حديث آخر: "يؤم القوم أفضلهم إذا كان أفقههم" (٤).
وفي حديث آخر: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن" (٥).
ومن شرط الضامن أن يكون [عالمًا] (٦)، [بالمضمون فخرج] (٧) من هذا أن إمامة الجاهل لا تجوز، وأنه لابد للإمام أن يكو عالمًا بما يصلح الصلاة و[ما] (٨) يفسدها.
وقوله ﵇: "يؤم القوم أقرؤهم" (٩):
[يريد] (١٠) أفقههم؛ لأن القراء هم الفقهاء [في ذلك الوقت] (١١)؛
_________________
(١) جبل بمكة.
(٢) جبل بمكة.
(٣) أخرجه مسلم (٦٧٣) من حديث أبي مسعود البدري.
(٤) لم أقف عليه مرفوعًا بهذا اللفظ.
(٥) أخرجه أبو داود (٥١٧)، والترمذي (٢٠٧)، وأحمد (٩٦٢٦) من حديث أبي هريرة. وصححه العلامة الألباني ﵀.
(٦) كلمة بالأصل لم أتبينها رسمت هكذا "مليا".
(٧) في أ: فالمضمون يخرج.
(٨) سقط من ب.
(٩) تقدم.
(١٠) في ب: يعني.
(١١) سقط من أ.
[ ١ / ٢٧٩ ]
لأنهم [كانوا] (١) يستنبطون الأحكام من كتاب الله تعالى.
وأما من يقرأ القرآن، ولا يعلم تأويله: فهو ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (٢).
ولهذا قال مالك (٣) ﵀: قد يقرأ من لا [ق/ ١٩جـ] [يريد] (٤) من لا خير فيه.
وقال في موضع آخر: من لا يرضى [حاله] (٥) الناس.
فإذا اجتمعت جماعة للصلاة فلا تخلو حالتهم من أن تتفق أو تختلف.
فإن اتفقت حالاتهم في الصلاة، والعلم، والسِّن، والجمال، وسائر الأوصاف المعتبرة حتى لا ترجيح: فإنهم يقدمون لأنفسهم من يصلي بهم.
فإن وقع التنافس والحرص على الإمامة، وكل واحد يخطبها لنفسه: فإنهم يتقارعون، فمن خرج سهمه كان أحق بالإمامة دون سائرهم.
وهذا [دأب] (٦) الشرع في كل ما يقع فيه التداعي وتساوت فيه الأقدام، [فبابه] (٧) أن [يقترع] (٨) فيه.
كما قال النبي - ﷺ -: "لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول ثم
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سورة الجمعة الآية (٥).
(٣) المدونة (١/ ٨٥).
(٤) في ب: أي.
(٥) في ب: حالته.
(٦) في ب: أدأب.
(٧) في ب: فشأنه.
(٨) في أ: يقرع.
[ ١ / ٢٨٠ ]
لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" (١).
وكما فعل في الغزو حين قرع بين نسائه (٢).
فإن اختلفت حالاتهم في الصفات المحمودة، وبعضهم حائز لبعضها؛ فمن [حصلت فيه] (٣) أكثر الأوصاف فهو أولى بالإمامة.
[والأصل] (٤): الفقه، وصلاح الحال [فمن] (٥) كان [عنده] (٦) العلم والدين [والسن كان أولى بالاتفاق. وإن كان عنده العلم والدين] (٧) وغيره أسن منه، وهو دونه في العلم: فالفقيه مقدم على المشهور، فهذا مع التنافس والتناحر كما قدمنا.
وأما ما يرجع إلى الجواز فمهما قدموا من يصلي بهم، وهو عالم بما يصلح الصلاة وما يفسدها، وهو دونهم في الفقه، فصلاتهم جائزة بالاتفاق.
وليس من شرطه أن يستظهر [بالقرآن جميعه] (٨)، بل تجوز إمامته، وإن كان لا يقرأ إلا من سورة: ﴿والضحى﴾ إلى ﴿من الجنة والناس﴾، قاله بعض علمائنا إذا كان فقيهًا عالمًا في دينه.
والجواب عن السؤال الثاني: في إمامة الجالس: والمراد بالجالس هنا:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٩٠)، ومسلم (٤٣٧).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٥٤)، ومسلم (٢٧٧٠).
(٣) في ب: حصل عنده.
(٤) في ب: فالأصل.
(٥) في أ: فيهما.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) في ب: القرآن كله.
[ ١ / ٢٨١ ]
المريض الذي لا يقدر على القيام.
وأما الصحيح السَّوي: فلا خلاف أنه لا يجوز [له] (١) أن يصلي الفريضة، وهو جالس، فمهما صلاها جالسًا أعاد أبدًا، ثم لا يخلو [حال] (٢) الإمام و[المأموم] (٣) من أحد وجهين:
إما أن يتساووا معه في الحال، والعذر ويخالفوه، فإن تساووا في الحال، وعدم القدرة على القيام: فهل تجوز إمامة بعضهم لبعض أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: الجواز، وهو قول ابن القاسم في [كتاب] (٤) النوادر (٥): [و] (٦) لا بأس بالمرضى والضعفاء والميداء (٧) في السفينة أن [يؤمهم] (٨) أحدهم في الفريضة إذا كانوا كلهم جلوسًا.
والثاني: أنه لا يؤمهم أحدهم [في الفريضة] (٩) جالسًا، فإن أمهم أعادوا وأجزأت الإمام صلاته، وهو قول سحنون بن سعيد في الكتاب المذكور (١٠).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: حالته.
(٣) في ب: المأمونين.
(٤) سقط من ب.
(٥) النوادر (١/ ٢٩٢، ٢٩٣).
(٦) سقط من ب.
(٧) من أصابهم دوار البحر.
(٨) في ب: يؤم.
(٩) سقط من أ.
(١٠) النوادر (١/ ٢٩٢، ٢٩٣).
[ ١ / ٢٨٢ ]
وذكر ابن حبيب عن مطرف، وابن الماجشون مثل قول ابن القاسم (١).
وسبب الخلاف: تعارض الأخبار الواردة عن [النبي] (٢) - ﷺ - في هذا الباب:
فمن ذلك حديث أنس قال: ركب رسول الله - ﷺ - فرسًا فصرع عنه فجحش (٣) شقه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات قاعدًا، وصلينا وراءه قعودًا، فقال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا" (٤).
ويعارضه قوله - ﷺ -: "لا يَؤُمَنَّ أحد بعدي جالسًا" (٥).
فمن رجح حديث أنس [جوَّز] (٦) إمامته، ومن رجح حديث الآخر منعها.
وأما إذا اختلفت [حالتهم وحال] (٧) الإمام؛ فإن كان الإمام قادرًا على القيام، ووراءه مرضى لا يقدرون على القيام، فينبغي أن [تصح] (٨) الإمامة في هذا الوجه بالاتفاق.
_________________
(١) النوادر (١/ ٢٩٣).
(٢) في ب: رسول الله.
(٣) خدش.
(٤) أخرجه البخاري (٦٥٧)، ومسلم (٤١١).
(٥) أخرجه ابن حبان (٢١١٠)، والدارقطني (١/ ٣٩٨)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٨٠) حديث (٤٨٥٤)، وعبد الرزاق في المصنف (٤٠٨٧) من حديث الشعبي يرفعه. فهذا حديث مرسل، وقد انفرد به جابر الجعفي، وهو أحد الضعفاء. وقد ضعفه الدارقطني، والبيهقي، وابن حبان، والزيلعي، وغيرهم.
(٦) في ب: أجاز.
(٧) في أ: حالاتهم وحالات.
(٨) في أ: تجوز.
[ ١ / ٢٨٣ ]
وإن كان الإمام مريضًا لا يقدر على القيام، والقوم أصحاء يقدرون على القيام، فهل تجوز لهم الصلاة خلفه [قائمين] (١).
فأما صلاتهم خلفه جلوسًا: فلا خلاف في المذهب أن صلاتهم فاسدة، ويُعيدُون أبدًا؛ لأنهم تركوا القيام والركوع مع القُدرة على الإتيان [بهما] (٢) [وذهب] (٣) أحمد والأوزاعي: أنهم يُصَلّون خلفه جُلُوسًا، وروى ذلك عن أبي هريرة، وجماعة من الصحابة ﵃ أجمعين (٤).
وأما صلاتهم خلفه قيامًا: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن صلاتهم وصلاته جائزة، وهو قول مُطَرِّف وابن المَاجِشُون (٥).
والثاني: أنها جائزة للإمام، ويعيد من خلفه، وبه قال أشهب.
[وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك] (٦)، وقال أحمد بن المعذل: لا ينبغي ذلك؛ لأنهم إن جلسوا معه كانوا قد فعلوا خلاف ما فعله الناس خلف [النبي] (٧) - ﷺ - حين استخلف أبا بكر ﵁.
وسبب الخلاف: حديث عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - لما ثقل مرضه قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" -أو كما قال] (٨) - ثم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: ومذهب.
(٤) انظر: مختصر اختلاف العلماء (١/ ٢٧٠، ٢٧١).
(٥) انظر: النوادر (١/ ٢٦٠).
(٦) سقط من أ.
(٧) في ب: رسول الله.
(٨) سقط من ب.
[ ١ / ٢٨٤ ]
وجد [من] (١) نفسه خفة، فأتى فجلس إلى جنب أبي بكر، فصلى جالسًا و[وأبو بكر] (٢) والناس قيامًا (٣).
فاختلف العلماء هل النبي - ﷺ - كان إمامًا، وأبو بكر يُسمع الناس، ويبلغ عن النبي - ﷺ - أو كان أبو بكر [إمامًا] (٤) والنبى - ﷺ - هو المأموم؟
فمن ذهب إلى أن النبي - ﷺ - كان إمامًا، وأبو بكر [يسمع الناس] (٥) قال: تجوز إمامة الجالس، وأن فعله ناسخ لقوله: "لا يَؤمُنَّ أحد بعدي جالسًا .. " (٦).
ومن ذهب إلى أن أبا بكر هو [الإمام] (٧) يقول: إن إمامة الجالس لا تجوز؛ لقوله [﵇] (٨): "لا يَؤُمنَّ أحد بعدي جالسًا" (٩) [ق ٢٧ أ] أو ثبت عنده أن النبي - ﷺ - كان إمامًا، ويكون ذلك من خصائصه - ﷺ -، ولا يتعدى إلا بدليل، ولاسيما على مذهب من يقول: إن الفعل لا عموم له.
ويندرج تحت هذا السؤال: إذا صلى الإمام على شيء أرفع مما عليه أصحابه، فلا يخلو من [أحد] (١٠) وجهين:
_________________
(١) في أ: في.
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري (٦٣٣)، (٦٥٥)، ومسلم (٤١٨).
(٤) في ب: هو الإمام.
(٥) سقط من أ.
(٦) تقدم، وهو ضعيف.
(٧) في أ: المأموم.
(٨) في ب: ﷺ.
(٩) تقدم، وهو ضعيف.
(١٠) سقط من أ.
[ ١ / ٢٨٥ ]
إما أن يستقل بذلك المكان و[يختص به دون] (١) سائر من خلفه، أو يشاركه فيه بعض القوم.
فإن اختص [به] (٢) وحده: فلا يخلو ذلك المكان من أن يكون يسير الارتفاع أم لا.
فإن كان يسير الارتفاع مثل الشِّبْر أو عَظم الذِّرَاع: فصلاة الكل جائزة.
وإن كان كثير الارتفاع: فصلاة الكُل باطلة.
وعلَّل مالك في الكتاب بأنه يعبثون إلى الارتفاع (٣).
ولا شك في فساد صلاة الإمام؛ لأنه قاصد إلى العبث والتَّجَبُّر والتَّكَبُّر، وذلك مُنَافٍ لمقصود الصلاة الذي هو الخشوع والخضوع [والخُنُوع] (٤) لله تعالى.
ولذلك نهى النبي - ﷺ - أن يصلي الإمام على شيء ["أنْشَز" (٥)] (٦) مما عليه أصحابه.
وأما فساد صلاة المأمومين؛ إما لكونهم قصدوا ذلك وتعمدوا [إلى] (٧)
_________________
(١) في ب: ينفرد به.
(٢) في ب: بذلك.
(٣) المدونة (١/ ٨١).
(٤) سقط من ب.
(٥) أنشز العظم: أي: رفعه، وأعلاه، وأكبر حجمه، وهذا من النَّشَز المرتفع من الأرض، ونَشَزَ الرجل يَنْشِزُ إذا كان قاعدًا فقام. النهاية (٥/ ٥٤)، ولسان العرب (٥/ ٤١٨).
(٦) في ب: أرفع.
(٧) سقط من أ.
[ ١ / ٢٨٦ ]
الاقتداء [بهذا الإمام] (١) [وهو] (٢) على تلك الحالة من غير حامل [حملهم] (٣) على ذلك من جهة الإمام إلا حامل الهوى فلا خلاف أيضًا [في بطلان صلاتهم] (٤).
وإن [حملهم] (٥) على ذلك [داعي] (٦) الخوف من جهة الإمام -فصلاتهم باطلة أيضًا من وجهين:
إما لفساد صلاة الإمام، وصلاة [المأمومين] (٧) مرتبطة بصلاة [إمامهم] (٨).
وإما لعدم القصد الكلي إلى أدائها لمشاركة ما كان من سبب داعية الإكراه.
فكلا الأمرين لهما تأثير في بُطْلان الصَّلاة على الانفراد.
فإن لم ينفرد الإمام بالمكان، بل شاركه فيه بعض القوم، ثم ضاق عن الباقين فصلوا في أسفل: فلا شك في هذا الوجه أن صلاة الإمام، ومن صلى معه فوق جائزة بالاتفاق لعدم العلة؛ لأنهم لم يقصدوا إلى العبث.
وصلاة الذين صلوا أسفل جائزة مع الكراهية؛ لأنهم غاب عنهم بعض أفعال الإمام، فكرهت لأجل ذلك، وربك أعلم.
والجواب عن السؤال الثالث: في إمامة الفاسق ومن كان في معناه.
_________________
(١) في أ: بالإمام.
(٢) سقط من أ.
(٣) في الأصل: جملهم.
(٤) في ب: أن صلاتهم باطلة.
(٥) في الأصل: جملهم.
(٦) في أ: أعني.
(٧) في ب: المأموم.
(٨) في ب: إمامه.
[ ١ / ٢٨٧ ]
والفسق في أصل اللغة (١): الخروج، تقول: فسقت الثمرة: إذا خرجت من غُلفها، وفسقت الفأرة: إذا خرجت من جحرها. وسمى الفاسق فاسقًا لخروجه عن الصراط المستقيم الذي هو الكتاب والسنة، و[ارتكب] (٢) الفجور، وإدْمَانِهِ على المعاصي، وأنه ضَيَّع أوامر الله ظاهرًا وباطنًا في العبادات والعادات، بل غَلَبَتْه شهواته وَاتَّبَع هواه، وكان أمره فُرُطًا.
واختلفت المذهب في إمامته على أربعة أقوال (٣):
أحدها: أن إمامته جائزة، وتستحب الإعادة في الوقت.
والثاني: أنها لا تجزئ، ويعيد من ائتم به أبدًا.
والثالث: التفصيل بين أن يكون فسقه [بتأويل] (٤) أو بإجماع؛ فإن كان فسقه بتأويل: أعاد في الوقت.
وإن كان بإجماع كمن ترك الطهارة عامدًا، أو شرب الخمر، أو زنا: أعاد أبدًا.
وهذا القول حكاه الشيخ [أبو بكر] (٥) الأبهري عن القاضي أبي الحسن بن] (٦) القصار ["﵄" (٧)] (٨).
_________________
(١) لسان العرب (١٠/ ٣٠٨).
(٢) في ب: ارتكابه.
(٣) النوادر (١/ ٢٨٣: ٢٨٨)، والمدونة (١/ ٨٤).
(٤) في ب: يتأول.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) عيون المجالس (١/ ٣٧٠).
(٨) سقط من ب.
[ ١ / ٢٨٨ ]
والرابع: التفصيل بين [أن يكون] (١) مما له تعلق بالصلاة أو يكون مما لا تعلق له بالصلاة.
فإن كان مما له تَعَلُق بالصلاة كترك الطهارة، أو تعمد الإخلال بأمر من فرائض الصلاة: فلا يُجزئهم [ويُعِيدُون] (٢).
فإن كان مما لا تعلق له بالصلاة كالزنا وغَصْب الأموال، وقتل النفس: فصلاتهم جائزة.
وهو اختيار أبي الحسن اللخمى.
وسبب الخلاف في ذلك: أنه شيء مَسْكُوت عنه في الشَّرع، والقياس فيه متعارض:
فمن رأى أن صلاة المأموم مُرْتَبِطَة بصلاة إمامه يقول: إن صلاته فاسدة؛ لأنه يُتَّهَم أن يصلي صلاة فاسدة كما يُتَّهَم في الشّهادة أن يكذب.
ولهذا فَرَّقَ مَنْ فَرَّق بين أن يكون فِسْقه بتأويل أو بغير تأويل.
[ومن] (٣) رأى أن صلاته غير مُرْتَبِطَه بصلاة إمامه، وأن فساد صلاة الإمام لا يَسْرِي إلى فساد صلاة المأموم، يقول: إن إمامته جائزة.
وهذا في المُجَاهِر بِفِسْقِه، المُعْلِن بارتكاب المعاصي، والفواحش، المُصِرُ على الكبائر، والصغائر.
وأما من اقتحم جريمة وارتكب كبيرة، ولم يكن ذلك منه عادة قبل؛ مثل أن يشرب خمرًا أو يقتل نفسًا، فإن شرب خمرًا، وتاب منها [وَطَهَّرَ جَوفه] (٤): فلا خلاف في جواز إمامته.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في ب: ويعيدوا أبدًا.
(٣) في أ: فمن.
(٤) في ب: وظهر من خوفه.
[ ١ / ٢٨٩ ]
فإن شربها وخرجت من جَوفه ولم يَتُب منها: فهو كالمصرّ، ومن شربها، ولم يَسْكَر فهل تجوز إمامته والخمر في جوفه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن إمامته لا تجوز، ويعيد من صلى خلفه أبدًا، وهو قول مالك في كتاب محمَّد، قال: لأن [النجس] (١) في فيه وفي جوفه (٢).
والثاني: أن صلاتهم خلفه جائزة، وهو قول ابن حبيب في الإِمام الذي تُؤَدَى إليه الطاعة [ولا فرق بين الإِمام الذي تؤدي إليه الطاعة] (٣) وغيره؛ فإن عَلَّلْنَا [بالنجاسة أنه حامل لها] (٤): فَالعلة شاملة ولا فرق بينهما.
وأما الذي يعصرها ويبيعها ولا يشربها: فقد نص سحنون في كتاب الصلاة [الثاني] (٥) من "النوادر" (٦) أنه لا ينبغي أن يُتخذ إمامًا [راتبًا] (٧) وليُزِيلُوه إن قدروا.
وكذلك الذي يعمل بالرّبا.
وأما قاتل النفس عمدًا: [فمشهور مذهب مالك] (٨) أن إمامته [لا تجوز] (٩)، وإن تاب.
_________________
(١) في أ: الخمر.
(٢) النوادر (١/ ٢٨٤)، والبيان والتحصيل (١/ ٤٤٠).
(٣) سقط من أ.
(٤) في جـ: بكونه حامل للنجاسة.
(٥) سقط من أ.
(٦) نظر: النوادر (١/ ٢٨٤).
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: فمذهب مالك المشهور.
(٩) في ب: غير جائزة.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وفي "المدونة" (١) قولةٌ ضعيفة أن توبته مقبولة.
وسبب الخلاف: معارضة آية النساء (٢) لآية الفرقان (٣)؛ أيتهما ناسخة للأخرى؟
فمن رأى أن آية الفرقان ناسخة لآية النساء قال: مقبول التوبة [ق/ ٢٠ جـ] على ما سنبينه بواضح الدليل في كتاب الديات.
والجواب عن السؤال الرابع: إمامة الألْكَن وَمَنْ يَلْحَن.
وأما الألكن: فقد روى مالك إجازة إمامته إذا كان عَدْلًا (٤).
وأما إمامة مَنْ يَلْحَن [فقد] (٥) اختلف فيها المذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنها جائزة جملة (٦).
والثاني: أنها ممنوعة جملة (٧).
والثالث: أنه [إذا] (٨) كان لحنه في أم القرآن لم [تجز] (٩)، وإن
_________________
(١) النوادر (١/ ٢٨٥).
(٢) وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ الآية (٩٣).
(٣) قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الآيتان (٦٨، ٦٩).
(٤) النوادر (١/ ٢٨٢).
(٥) في أ: فيه.
(٦) وهو قول ابن حبيب.
(٧) وهو قول ابن القاسم.
(٨) في ب: إن.
(٩) في أ: يجز.
[ ١ / ٢٩١ ]
كان في غيرها جازت (١).
والرابع: التفصيل بين أن يكون لحنه يغير المعنى: لم تجز إمامته، أو لا يغير المعنى فتجوز إمامته.
وإلى هذا التفصيل ذهب [القاضي أبو الحسن] (٢)، بن القصار.
وينبني الخلاف: على الخلاف في [أم القرآن] (٣)، هل هي ركن من أركان الصلاة [أم لا] (٤)؛ على حسب ما مضى شرحه.
وأما الأعجمي الذي لا يميز بين الضاد والطاء؛ فلا تجوز إمامته ابتداء مع وجود غيره، فإن فعل فصلاته وصلاة من خلفه جائزة؛ لأن لحنه لا يخرجه عن أن يكون قرآنًا.
والجواب عن السؤال الخامس: في إمامة الصبي.
ولا تخلو إمامة هذا الصبي من أحد وجهين:
إما أن يكون في حَد [من] (٥) يَعْقِل القُرْبَة أو في حَدِ مَنْ لا يَعْقِلُها. فإن كان في سِن من يعقلها ويُنْدَبُ إليها ويَعْرِفُ أنها تَنْفَع وَتَضُر. فالمذهب في إمامته على ثلاثة أقوال:
أحدها: [أنها] (٦) لا تجوز في الفرض والنفل، وهو مذهب المدونة (٧)؛ لأنه قال في كتاب الصلاة الأول: لا يؤم الصبي في النافلة لا
_________________
(١) وهو قول أبي بكر بن محمَّد.
(٢) سقط من ب.
(٣) في جـ: القراءة.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: أنه.
(٧) انظر: المدونة (١/ ٨٤)، وهو قول ابن حبيب أيضًا.
[ ١ / ٢٩٢ ]
للرجال ولا للنساء.
والثانى: أنها تجوز في الفرض والنفل، وهو قول أبي مصعب؛ لأنه قال: إن أمُّ في الفرض أجزت صلاة من ائتم به.
وقال مثله في إمام أحدث فاستخلف صبيًا صغيرًا [فأتم بالقوم] (١) فقال: إن عقل الصلاة وأمرها أجزته، وأعاد من خلفه في الوقت، والإعادة في الوقت استحبابًا.
والثالث: التفصيل بين النفل والفرض؛ فتجوز في النفل، ولا تجوز في الفرض.
وهو قول مالك في "المستخرجة" (٢).
وربما استدل من قال [بجواز إمامته] (٣) بحديث [أبي جميلة] (٤): أنه كان يؤم قومه وهو ابن سبع سنين.
وسبب الخلاف: اختلافهم في إمامة المُتَنَفِّل بالمُفْتَرِض، وهذا الخلاف أيضًا له مَطْلَع آخر؛ و[هو] (٥) صلاة المأموم هل هي مرتبطة بصلاة إمامه أم لا؟
وأما إذا كان الصبي في سن من لا يعقل القُرْبَة، [ولا يَعْرِف لها معنى] (٦) مثل ابن خمس سنين، أو أربع: فإنه لا تجوز إمامته باتفاق المذهب؛ لأنه لا يُنْدَبُ إلى فعل [الصلاة] (٧) ولا يُثَابُ عليها -لا هو ولا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: النوادر (١/ ٢٨٦)، والمدونة (١/ ٨٤)، والبيان والتحصيل (١/ ٣٩٥).
(٣) في أ: بإمامته.
(٤) هكذا بالأصل، واسم أبي جميلة: سُنَيْن بن فرقد.
(٥) في أ: هي.
(٦) سقط من ب.
(٧) في جـ: الطاعات.
[ ١ / ٢٩٣ ]
وَلِيُّه.
والجواب عن السؤال السادس: في إمامة العبد.
وقد اختلف المذهب عندنا في إمامة العبد في الفرائض على ثلاثة أقوال، بعد اتفاق الجميع على جواز إمامته في النوافل التي لا أسباب لها كالتهجد بالليل، وقيام رمضان، فاتفقوا على أنه يجوز أن يكون فيها إمامًا راتبًا، فاتفق المذهب على هذا إن كان برضا السيد فَمُسْلَّم.
وإن كان بغير إذنه ورضاه، وكان قيامه بالليل يَضُر بالسَّيد في عمل النهار فمشكل.
[فإن] (١) كنا أسقطنا عن العبد حضور الجماعة في سائر الصلوات، ومنعناه من التَّأَوب إلى المساجد، وحرمناه من سبع وعشرين درجة، وأسقطنا عنه فرض الجمعة [وشهودها] (٢) مع ورود الأمر على العموم؛ إكرامًا للسيد، وملاحظة لحقه؛ لما يلحقه من الضرر في تعطيل [أشغاله] (٣) [لسبب ذلك] (٤) في أضعاف ذلك، فكيف لا يمنع العبد فيما يجب عليه؟
وأحد تلك الأقوال: أنه لا تجوز [ق/ ٢٨ أ] إمامته في الفرائض، ولا في السنن التي لا أسباب [ق/ ١٤ ب] لها [من قيام الليل وصيام النهار إذا دخل بذلك الضرر على سيده، وقد نص ابن القاسم في كتاب الحج الثالث في العبد المظاهر إذا أراد أن يكفر بالصوم، وكان ذلك يضر بسيده أن له أن يمنعه، وهذا فيما يجب على العبد، فكيف فيما لا يجب عليه، فأحد تلك الأقوال أن لا تجوز إمامته في الفرائض، ولا في السنن التي لا أسباب لها] (٥) كالعيدين غيرهما، وبه قال ابن القاسم (٦) أنه لا
_________________
(١) في ب: فإذا.
(٢) في أ: وشهوده.
(٣) في أ: شغله.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) المدونة (١/ ٨٤).
[ ١ / ٢٩٤ ]
يُتخذ فيها إمامًا راتبًا.
ولا فرق عنده بين الجمعة وغيرها في الابتداء.
فإن تقدم وصلى بهم، فلا يؤمر بالإعادة في غير الجمعة، وأما الجمعة فيعيد هو ويعيدون.
والثاني: أنه يجوز أن يُتخذ إمامًا راتبًا في سائر الصلوات المفروضات، والسنن، ولا يجوز أن يكون إمامًا في الجمعة، وهو قول عبد الملك (١).
والثالث: أن الإمامة جائزة في الجمعة، وسائر الصلوات، وهو قول أشهب (٢).
وسبب الخلاف: اختلاف الأصوليين في العبد، هل يدخل تحت خطاب الأحرار أم لا؟.
فمن [رأى] (٣) أن العبد غير داخل تحت خطاب الأحرار إلا بدليل فقد أراح نفسه.
وذلك العبد [آدمي] (٤) [صورةً] (٥) وفرس معنىً لكونه مستغرق في خدمة سيده، [ومنهمكًا في شغل تولَّاه] (٦) طول عمره؛ فكان شبيهًا بالحيوان [المسرحة في المراح] (٧).
_________________
(١) النوادر (١/ ٢٨٧).
(٢) النوادر (١/ ٢٨٦، ٢٨٧)، والمدونة (١/ ٨٥)، والبيان والتحصيل (١/ ٤٨٣).
(٣) في ب: ذهب إلى.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: في الصورة.
(٦) سقط من ب.
(٧) في أ: المصرحة في الصراح.
[ ١ / ٢٩٥ ]
فمن هذه صفته كيف يتناوله الخطاب العام (١).
ولا خلاف أن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢)
لا يتناول [العبيد] (٣).
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ (٤).
وما ذلك [إلا] (٥) لعدم استيفاء شروط الخطاب، ولا امتثال بقول من يقول: إن ذلك لحق السيد؛ إذ لو أذن له السيد فحج [أن هذا الحج] (٦) لا يجزئه عن فرضه إذا عُتق، والزكاة كذلك.
ثم قام الدليل القاطع [على] (٧) أنه مخاطب بالصلاة والصيام، وهو الإجماع.
وبه يستدل على أن الخطاب [العام] (٨) قد تناوله لا من نفس الخطاب [نعلم] (٩) ذلك، بل بدليل آخر.
ومن ذهب إلى أن خطاب الأحرار يدخل تحته [العبد] (١٠) فيقول: لا إشكال أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيها الَذِينَ آمَنُوا اركعُوا وَاسْجُدً وا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ (١١)
_________________
(١) هذا اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر.
(٢) سورة آل عمران الآية (٩٧).
(٣) في ب: العبد.
(٤) سورة البقرة الآية (٤٣).
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
(٩) في ب: يعلم.
(١٠) في ب: العبيد.
(١١) سورة الحج الآية (٧٧).
[ ١ / ٢٩٦ ]
وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكرِ اللهِ﴾ عام في الأحرار والعبيد إلا أن هذا العموم [خصص] (١) بالعرف، وذلك أن العادة الجارية، والسنة المطردة: أن السيد إنما بذل ماله في شراء العبد [طلبًا] (٢) لمنافعه، [أداء] (٣) لخدمته وامتثالًا لأوامره إذا أمره وإذا نهاه، فيستظهر عليه السيد لحق الربوبية، [ويستشعر] (٤) العبد في نفسه ذل العبودية.
فلو أوجبنا على العبد شهود الجمعة والسعى إليها لأدى ذلك إلى الإخلال [بمراد] (٥) السيد، وفوات لهذه المقاصد.
فلأجل ذلك مكنا السيد في المنع، وسلَّطنا هذا العرف على [عموم] (٦) قوله جل وعز: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله﴾ (٧).
فإذا أذن السيد لعبده بعد ذلك في شهود الجمعة هل يكون من أهلها، ويكمل العدد بحضوره، وينعقد الوجوب به أم لا؟
لأن ذلك نادر وقوعه من السادات لرغبتهم في الدنيا واستعدادهم [لجمعها] (٨)، ولا تكاد نفوسهم تسمح في أن تتعطل [أشغالهم] (٩) ساعة من النهار، فكيف لو تعطل أكثر النهار أو كله، ولاسيما إذا كان [العبد ممن] (١٠) حِرفته المحراث والمسحاة -[وهي] (١١) حرفة أكثرهم-
_________________
(١) في أ: خصوص.
(٢) في أ: طالبًا.
(٣) في أ: وقصدًا.
(٤) في أ: يستشعر.
(٥) في أ: لمراد.
(٦) سقط من أ.
(٧) سورة الجمعة الآية (٩).
(٨) في أ: لحبها.
(٩) في أ: شغلهم.
(١٠) سقط من أ.
(١١) في ب: وهو.
[ ١ / ٢٩٧ ]
فلا يكون ذلك في أكثر الأوقات إلا خارج البلد.
حتى لو وجد من تطيب نفسه بذلك [فإنما يكون] (١) نادرًا والأحكام إنما تبنى على الغالب.
فإذا حضرها وصلى مع الناس: نَابَت له عن ظُهر يومه باتفاق المذهب.
ولأجل [هذا] (٢) قال أشهب: إن إمامته [فيها] (٣) جائزة؛ لأنه لما حضرها صار من أهلها.
وابن القاسم يقول: لما كان مخيرًا بين أن يصلي الجمعة أو الظهر كان دخوله فيها [[بالتطوع] (٤) يشبه المتنفل [والله أعلم]] (٥).
والجواب عن السؤال السابع: في إمامة المرأة، ولا تخلو إمامتها من وجهين:
إما [أن تكون] (٦)، للرجال، وإما [أن تكون] (٧) للنساء.
أما إمامتها للرجال: ففقهاء الأمصار مجموعون على منع إمامتها في الفرض والنفل (٨).
وشذ أبو ثور، والطبري ﵄ فأجازوا إمامتها على
_________________
(١) في أ: فيكون.
(٢) في جـ: ذلك.
(٣) زيادة من ب.
(٤) سقط من أ، ب.
(٥) زيادة من ب، جـ.
(٦) زيادة من ب.
(٧) زيادة من ب.
(٨) المدونة (١/ ٨٥)، النوادر (١/ ٢٨٥).
[ ١ / ٢٩٨ ]
الإطلاق.
وإنما صار الجمهور إلى منع إمامتها للرجال؛ لأن الإمامة درجة شريفة، ومرتبة منيفة؛ فلا يتولاها إلا من كان كامل الدين والذات، والمرأة ناقصة الأمرين؛ لقول النبي - ﷺ -: " [إنكن] (١) ناقصات عقل ودين"، فقامت امرأة فقالت: يا رسول الله وما نقصان عقولنا؟ فقال لها رسول الله - ﷺ -: "أليست شهادتكن على النصف من شهادة الرجال؟ " فقالت: وما نقصان ديننا؟ فقال: "تمكث إحداكن شطر [عمرها] (٢) لا تصلي" (٣).
وأيضًا فإن الأصول مبنية على أن كل مَنْ تلبَّس بنقيصة دنية: فلا حظ له في المراتب العلية.
والإجماع على أن المرأة لا تتولى الإمامة الكبري التي قدمناها؛ فالإمامة الصغرى مقيسة عليها؛ ولقوله ﵇: "لا يفلح قوم تولى أمرهم امرأة" (٤).
ولقوله ﵇: "أخروهن حيث أخرهن الله" (٥).
وقال "أيضًا" (٦): "خير صفوف الرجال أولها [وشرها آخرها]، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" (٧).
_________________
(١) في أ: هن.
(٢) في أ: دهرها.
(٣) أخرجه البخاري (٢٩٨)، ومسلم (٨٠).
(٤) أخرجه البخاري (٤١٦٣).
(٥) أخرجه عبد الرازق في المصنف (٥١١٥)، وابن خزيمة (١٧٠٠)، والطبراني في الكبير (٩٤٨٤)، (٩٤٨٥) من حديث ابن مسعود موقوفًا. وقال الشيخ الألباني ﵀: صحيح موقوف. وذهب جمع من أهل العلم إلى أنه لا يصح مرفوعًا، وهو الصواب.
(٦) في ب: ﵇.
(٧) أخرجه مسلم (٤٤٠) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٢٩٩ ]
ومن طريق المعنى أن المرأة لَمَّا كان صوتها عورة، وتأمل النظر فيها محظور إلا لضرورة: وجب ألا تجوز إمامتها؛ لأن بالمأمومين ضرورة إلى أن تجهر بصوتها ليسمع من خلفها قراءتها -فيما تجهر فيها بالقراءة- وتكبيرها [في الخفض] (١) والرفع.
وليس لمن خلفها مندوحة [عن] (٢) النظر إليها [فهي قبلة لأبصارهم ومعرضًا لخواطرهم ولاسيما على القول بأن الإِمام سترة لمن خلفه، فمنتهى نظر المأموم إلى سترته] (٣)، وذلك غاية الفتنة، واستباحة ما حرم الله تعالى بالكتاب والسنة، فهذا [مما] (٤) لا يحل لمسلم التدين به.
وأما إمامتها للنساء: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها لا تجوز، وهو مشهور المذهب (٥).
والثاني: جوازها، وهي رواية ابن أيمن عن مالك، وهي من شذوذ المذهب، وهو قول الشافعي.
فمن منع إمامتها نظر إلى أن هذا من تفاصيل القواعد أن الذريعة إذا [حميت] (٦) حمل الباب فيها [حملًا] (٧) واحدًا.
وهذا هو المشهور في المذهب، إلا أنه ضعيف في النظر.
والأصح: جواز إمامتها للنساء، مع عدم من يؤمهن من الرجال.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: إلى.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) المدونة (١/ ٨٤).
(٦) في ب: حمت.
(٧) في ب: محملًا.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وهو الذي يعضده النظر والأثر.
فالأثر: ما خرَّجه أبو داود من حديث أم ورقة: أن الرسول ﵇ كان يزورها في بيتها، فجعل [لها] (١) مؤذنًا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها (٢).
إلا أن ظاهر هذا الحديث يدل على أن إمامتها للرجال والنساء جائزة، إلا أن هذا الظاهر يخصصه [ما قدمناه] (٣) [وأما النظر فهو عدم العلة التي قدمناها وجعلناها مقتضية للمنع، وهي معدومة في إمامتها للنساء، فلم يبق إلا الجواز] والله أعلم (٤).
_________________
(١) في الأصل: لنا.
(٢) أخرجه أبو داود (٥٩١)، وأحمد في المسند (٢٦٧٣٩)، وابن خزيمة (١٦٧٦)، والحاكم (٧٣٠)، والدارقطني (١/ ٤٠٣)، والطبراني في الكبير (٢٥/ ١٣٤) حديث (٣٢٦)، والبيهقي في الكبرى (١٧٦٨)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٦٣). وحسنه العلامة الألباني ﵀ في الإرواء (٤٩٣).
(٣) في أ: الجواب.
(٤) سقط من أ.
[ ١ / ٣٠١ ]
المسألة السابعة [في] (١) إعادة الصلاة [في جماعة] (٢)
[ولا] (٣) يخلو [المصلي] (٤) المأمور بالإعادة من [ثلاثة أوجه] (٥): إما أن يصلي وحده، أو في [ق/ ٢١ جـ] جماعة.
أو [فيما] (٦) هو مختلف فيه، هل يحكم له بحكم الجماعة أو بحكم الفذ؟
فالجواب عن [الوجه] (٧) الأول: إذا صلى وحده فلا يخلو من أحد وجهين:
إما أن تكون صلاته فذًا في أحد المساجد الثلاثة؛ [مكة، والمدينة وإيليا] (٨)، أو [في] (٩) غيرها من المساجد.
فإن كانت صلاته في أحد الثلاثة مساجد [مكة، والمدينة، وإيليا] (١٠)، فلا يعيد في جماعة؛ لأن المقصود بالصلاة في الجماعة حصول
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) زيادة من ب.
(٣) في ب: فلا.
(٤) زيادة من ب.
(٥) في أ: أحد وجهين.
(٦) في أ: مما.
(٧) زيادة من ب.
(٨) سقط من ب.
(٩) زيادة من ب.
(١٠) زيادة من ب.
[ ١ / ٣٠٢ ]
الأجر المتضاعف لمن [صلى في جماعة] (١)، وفضل من صلى في [أحد] (٢) هذه الثلاثة مساجد يربو على الفضل الذي يحصل في صلاته في الجماعة في مسجد سواها بأضعاف مضاعفة؛ لأن الصلاة في مسجد الرسول [﵇] (٣) خير من ألف صلاة في غيره (٤)، وفي مسجد بيت المقدس بخمسمائة (٥).
واختلف في مسجد الحرام [شرفه] (٦) الله:
فالمالكية [تقول] (٧): بدون الأَلْف، والشافعية [تقول:] (٨) بأكثر من ألف، [على حسب] (٩) ما [تضمنته] (١٠) أدلة كل فريق، ولسنا [نذكرها] (١١) الآن.
فإن كانت صلاته فَذَّا في غيرها من المساجد فلا يخلو من وجهين:
_________________
(١) في أ: فعلها.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من ب.
(٤) وذلك لما روى أبو هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" أخرجه مسلم (١٣٩٤).
(٥) لما روى أبو الدرداء ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: " .. وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة .. ". أخرجه البيهقي في الشعب (٤١٤٠)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٣٩٨). ضعفه الحافظ في التلخيص الحبير (٤/ ١٧٩) حديث (٢٠٦٩)، والألباني في ضعيف الجامع (٤٢١١)، (٣٩٦٦).
(٦) في أ: شرفها.
(٧) في ب: يقولون.
(٨) في ب: يقولون.
(٩) في ب: بحسب.
(١٠) في ب: تقتضيه.
(١١) في أ: نذكره.
[ ١ / ٣٠٣ ]
أحدهما: أن يمر بالمسجد ويسمع الإقامة.
والثاني: أن يقعد في المسجد حتى تقام الصلاة.
فإن مرَّ بالمسجد فسمع الإقامة: فلا خلاف [في المذهب] (١) نصًا أنه لا يلزمه الدخول في صلاة الإِمام، وهذا فيه نظر.
فإن بَنَيْنَا على تضاعف الأجر، وأنه مقصود الشارع بالأمر: فلا فرق بين من كان داخل المسجد أو من كان خارجه.
وإن كان ذلك مراعاة لحق الإِمام؛ لما يقدح في نفسه [ولا يحسن] (٢) في خاطره ممن رآه خرج من المسجد [في] (٣) حين الإقامة، فيظهر الفرق بين الحالتين، وهي العلة الظاهرة في المنع من أن يجمع صلاة في مسجد واحد [مرتين] (٤)، إلا أن متأخري المذهب [رضوان الله عليهم] (٥) اعتمدوا [على] (٦) حصول الثواب الجزيل الذي نص [عليه] (٧) الرسول ﵇ أن صلاة الجماعة تفضل [على] (٨) صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة (٩).
ولا جرم أن هذا الإلزام لازم لهم على كل حال، إلا أن يعتمدوا على [تجرد] (١٠) لفظ النبي ﵇ في قوله: "إذا جئت فصل مع الناس،
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) في ب: ويقع.
(٣) زيادة من ب.
(٤) سقط من أ.
(٥) زيادة من أ.
(٦) زيادة من ب.
(٧) سقط من ب.
(٨) سقط من أ.
(٩) أخرجه البخاري (٦١٩)، ومسلم (٦٥٠) من حديث ابن عمر.
(١٠) في ب: مجرد.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وإن كنت قد صليت" (١).
وهذا الخطاب يتناول من كان قصده إلى المسجد، ودخل دون المار والعابر.
[فإن] (٢) كان في المسجد ثم أقيمت عليه الصلاة التي صلاها في بيته، فهل يعيدها أم لا؟
أما الصبح، والظهر، والعصر، والعشاء: إذا لم يوتر فلا خلاف في المذهب نصًا أنه يعيدها، ويلزم فيها [ق/ ٢٩ أ] [الخلاف] (٣) في الصبح، والعصر بالمعنى على ما سنبينه إن شاء الله.
وأما المغرب: فلا يخلو من وجهين:
إما أن تُقَام تلك الصلاة وهو فيها، أو تقام عليه بعد الفراغ منها.
فإن أقيمت عليه وهو فيها: فلا يخلو هذا [من وجهين إما] (٤) أن يكون قبل أن يعقد منها ركعة بسجدتيها، أو بعد ما صلاها. فإن كان قبل أن يعقد منها ركعة: قطع بسلام، ودخل مع الإِمام.
فإن كان بعد ما صلى ركعة كاملة: هل يقطع بسلام أو يشفع؟
[ففي المذهب قولان قائمان] (٥) من "المدونة" (٦):
_________________
(١) أخرجه النسائي (٨٥٧)، وأحمد (١٥٩٥٨) و(١٥٩٦٠)، ومالك (٢٩٨)، والحاكم في المستدرك (٨٩٠) من حديث محسن. وأخرجه أبو داود (٥٧٧) من حديث يزيد بن عامر. وصححه العلامة الألباني ﵀ في الصحيحة (١٣٣٧).
(٢) في ب: وإن.
(٣) في أ: اختلاف.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: فالمذهب على قولين قائمين.
(٦) انظر: المدونة (١/ ٩٨).
[ ١ / ٣٠٥ ]
أحدهما: أنه يقطع بسلام، ويدخل مع الإِمام.
وهو قول ابن القاسم في كتاب الصلاة [الأول] (١) من "المدونة".
والثاني: أنه يشفعها بركعة أخرى، ويسلم ويدخل مع الإِمام، وهو قول ابن حبيب في هذا الوجه والذي قبله.
إذا أحرم ولم يركع: فابن حبيب يقول: يتم الركعتين أيضًا.
ويحتمل قولان في كل وجه.
والذي قاله ابن حبيب ظاهر "المدونة".
وابن القاسم إنما قال بالقطع على ركعة واحدة، ولم يجزئه أن يشفعها مخافة التنفل قبل صلاة المغرب.
وظاهر قوله في "صلاة الجنائز" (٢) حيث جوز تقديم [صلاة الجنائز] (٣) على صلاة المغرب: أن يشفعها.
وكذلك ما وقع له في "كتاب الحج" (٤)، حيث قال: أن يقدم ركعتي الطواف على المغرب.
وهو الذي يعضده قوله ﵇: "بين كل أذانين صلاة" (٥)] (٦).
يريد الأذان والإقامة.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) المدونة (١/ ١٩٠).
(٣) في ب: الصلاة على الميت.
(٤) المدونة (٢/ ٤٠٧).
(٥) في ب: الصلاة.
(٦) أخرجه البخاري (٥٩٨)، ومسلم (٧٣٨) من حديث عبد الله بن مغفل المزني.
[ ١ / ٣٠٦ ]
وإن أقيمت عليه وهو في [الثالثة] (١)، فإن كان في الركوع قطع بسلام، ويدخل مع الإِمام.
وإن كان بعد الركوع فيها، وبعد الرفع عنه تمادى على تمامها ويسلم ويخرج.
وإن كان بعد الركوع وقبل الرفع [منه] (٢): فقولان منصوصان في المذهب، قائمان من "المدونة" (٣).
أحدهما: قول ابن القاسم؛ أنه [يتمها] (٤).
والثاني: قول أشهب، أنه يرجع إلى الجلوس، ويسلم، ويدخل مع الإمام.
وسبب الخلاف: اختلافهم في عقد الركعة: هل هو وضع اليدين على الركبتين، أو الرفع منها؟.
فإن أقيمت [عليه] (٥) تلك الصلاة بعد سلامه منها: هل يعيدها أم لا؟
فالمذهب على قولين (٦):
أحدهما: أنه لا يعيد، وهو قول ابن القاسم [في الكتاب] (٧).
والثاني: أنه يعيدها، وهو قول المغيرة.
_________________
(١) في أ: الثانية.
(٢) زيادة من ب.
(٣) انظر: المدونة (١/ ٨٧، ٨٨).
(٤) في ب: يتمادى.
(٥) زيادة من ب.
(٦) المدونة (١/ ٨٩).
(٧) زيادة من ب.
[ ١ / ٣٠٧ ]
وأما العشاء: فلا خلاف في المذهب أنه يعيدها إذا لم يوتر.
واختلف المذهب [فيما] (١) إذا أوتر هل يعيد أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنه لا [يعيدها] (٢)، وهو قول [مالك] (٣) في "العتبية".
والثاني: أنه يعيدها، وهو ظاهر قول المغيرة؛ مساواة بين المغرب والعشاء، والعلة واحدة.
وعلى القول بأنه يعيدها: هل يعيد الوتر أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه يعيده، وهو قول سحنون في "المجموعة".
والثاني: أنه لا يعيده، وهو قول يحيى بن عمر.
واختلف أرباب المذهب في العلة التي من أجلها منع من إعادة المغرب مع الإِمام، وإعادة العشاء بعد الوتر.
أما المغرب: فبعضهم يقول: [إن] (٤) العلة فيها أن [صلاة] (٥) المغرب هي وتر؛ فلو أعيدت لأشبهت صلاة الوتر مع التي ليست بوتر؛ لأنها كانت تكون لجميع ذلك ست ركعات، فكأنها خرجت من جنسها إلى جنس صلاة أخرى، وذلك مبطل لها.
وذلك من باب تخصيص عموم قوله ﵇: "إذا جئت فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت" (٦)، وتخصيص العموم بالقياس جائز عند
_________________
(١) في أ: فيها.
(٢) في أ: يعيد.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من ب.
(٥) زيادة من ب.
(٦) تقدم.
[ ١ / ٣٠٨ ]
الأصوليين [على] (١) الجملة، إلا أن هذا القياس الذي خصص به مالك ﵀ قياس الشبه، وهو [في أصله] (٢) ضعيف عند الأصوليين.
وهو مع ضعفه في [أصله] (٣) في هذا الموضع ازداد وهنًا على وهن؛ وذلك أن السلام [فصل] (٤) بين الأوتار، فكيف [يقال] (٥) بإضافة أحد الوترين إلى الآخر.
ومنهم من سلك في طريق تخريج [المسألة] (٦) طريق السّبْر [والتقسيم] (٧)، فيقول: لا تخلو [الصلاة] (٨) من أن تكون الأولى التي صلى [أولًا] (٩) وحده فرضًا، والثانية نفلًا، أو بالعكس [فأيهما] (١٠) قدر فقد مُنع؛ لأنه إن كانت الأولى هي الفرض فقد صارت الثانية نفلًا، والتنفل بثلاث ركعات ممنوع -على مذهبنا.
وإن كانت الثانية هي فرض، والأولى هي نفل: فقد اجتمع فيه المكروهان:
أحدهما: التنفل قبل المغرب.
والثاني: [التنفل] (١١) بثلاث ركعات.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من ب.
(٣) في ب: نفسه.
(٤) زيادة من ب.
(٥) في ب: تقول.
(٦) في ب: المناط.
(٧) سقط من أ.
(٨) زيادة من ب.
(٩) زيادة من ب.
(١٠) في أ: فأي ما.
(١١) في أ: نفل.
[ ١ / ٣٠٩ ]
فخرج من مقتضى السبر [والتقسيم] (١) أن العلة التنفل بثلاث ركعات.
وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب"، حيث قال: فإن أعادها [مع الإِمام] (٢) فليشفعها بركعة بعد سلام الإِمام، وتكون أربعًا (٣).
قال الشيخ أبو الحسين اللخمى ﵁: يريد إذا أعادها بنية النَّفْل.
ولو نوى رفض الأولى لتكون هذه فرضه: لم يشفعها؛ لأن الاحتياط لفرضه أولى ليخرج من الخلاف.
فعلى التعليل الذي علل به ابن القاسم أن الآخرة نافلة [لتخرج] (٤) الاعتراض [على القول] (٥) بألَّا يعيد العصر والصبح أيضًا؛ لأن التنفل بعدها ممنوع، وهو قول عبد الله بن عمر في "الموطأ" (٦) في صلاة الصبح.
وأما اختلافهم في إعادة العشاء إذا أوتر، واختلافهم [أيضًا] (٧) في إعادة الوتر إذا أعيدت: فينبني الخلاف [على الخلاف في] أيتهما [فرضه] (٨)؟
فمن جعل الأولى فرضه، والثانية نفلًا قال: يعيد مع الإِمام، والتنفل
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
(٣) المدونة (١/ ١٣٣).
(٤) في ب: يتخرج إلى.
(٥) سقط من أ.
(٦) الموطأ (٣٢٣).
(٧) زيادة من ب.
(٨) في ب: صلاته.
[ ١ / ٣١٠ ]
بعد الوتر سائغ.
ومن جعل الأولى نافلة، والثانية فرضه، قال: لا يعيد؛ لأنه بين حالتين ممنوعتين؛ إما أن يعيد الوتر، وذلك [خلاف] (١) السنة، وقد قال الرسول ﵇: "لا وتران في ليلة" (٢).
وإما ألا يعيد الوتر، وذلك خلاف السنة أيضًا في ترك الوتر عامدًا؛ إذ لا يعتد بالوتر الأول؛ لأنه بمنزلة من أوتر قبل أن يصلي العشاء.
واختلافهم هل يعيد الوتر إذا أعاد العشاء؟
على هذه الأسئلة ينبني، فاحفظه تَرشد إن شاء الله.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا صلى في جماعة هل يعيد في جماعة أخرى؟
فلا يخلو من أن يصليها في جماعة في أحد المساجد الثلاثة أو [في] (٣) غيرها.
فإن صلاها في أحد الثلاثة مساجد: فلا خلاف بين كل مخالف ومؤالف أنه لا يعيدها لحصول [الأجر] (٤) المقصود وأضعافه.
فإذا كنا نقول: من صلاها في أحد الثلاثة مساجد فذًا أنه لا يعيدها في
_________________
(١) في أ: ممنوع في.
(٢) أخرجه أبو داود (١٤٣٩)، والترمذي (٤٧٠)، والنسائي (١٦٧٩)، وأحمد (١٥٨٥٤)، وابن حبان (٦٧١ - موارد)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٤٢)، والطيالسي في مسنده (١٠٩٥)، والطبراني في الكبير (٨٢٤٧) من حديث قيس بن طلق بن علي عن أبيه مرفوعًا. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
(٣) زيادة من ب.
(٤) سقط من أ.
[ ١ / ٣١١ ]
جماعة غيرها.
فإذا صلاها في جماعة فأولى [وأحرى، فإن صلى في جماعة] (١) ثم أدرك تلك الصلاة في أحد المساجد الثلاثة فلا إشكال أيضًا أنه يعيدها؛ لأنا نأمره بالإعادة [في الجماعة] (٢) ليتحصل له [الأجر خمسًا وعشرين جزءًا، فكيف لا نأمره بالإعادة ليتحصل له، (٣) الأَلْف أو المئون، وهذا لا إشكال فيه.
فإن صلاها في جماعة، ثم أدركها في جماعة أخرى في غير المساجد الثلاثة: فهل يعيدها أم لا؟
فهذا مما اختلف فيه فقهاء الأمصار؛ فذهب مالك، وأبو حنيفة، وغيرهما إلى أنه لا يعيد، وذهب أحمد بن حنبل، وداود إلى أنه يعيد.
وسبب الخلاف: في أصل المسألة وفي تفاصيلها: تعارض الأخبار، وتجاذب الاعتبار.
فمنها: قوله ﵇ لأبي محجن الثقفي: "إذا جئت فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت" (٤).
وهذا الحديث يفيد العموم من وجه، والتخصيص من وجه أفاد العموم في جميع الصلوات، وأفاد التخصيص [فمن] (٥) صلى وحده، ولم يصل في جماعة [فله أن يعيدها في جماعة] (٦) لقوله ﵇: "ما
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) تقدم.
(٥) في أ: فيما.
(٦) سقط من أ، ب.
[ ١ / ٣١٢ ]
منعك أن تصلي معنا؟ ألست برجل مسلم؟ " [قال: بلى، ولكن صليت في أهلي] (١) -يريد في بيته.
ومعلوم أن من صلى في بيته إنما يصلي وحده.
ومنها: ما رواه الأسود، قال: شهدت الصبح مع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بمسجد الخيف، فلما انصرف رأى رجلين لم يصليا معه، فقال: "عليَّ بهما" فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ " قالا: يا رسول الله كنا صلينا في رحالنا، قال: "لا تفعلا؛ إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد [الجماعة] (٢) فصليا معهم؛ فإنها لكم نافلة" (٣).
أي: زيادة على [الواجب] (٤) الذي أتيتما به في رحالكما.
فيستفاد من هذا الحديث: أن من صلى في جماعة [أنه] (٥) يعيد في جماعة أخرى.
وفيه [دليل] (٦) أيضًا: أن الأولى فرضه، و[الأخرى] (٧) نافلة.
ومنها: ما روى عنه - ﷺ -:"لا تصل صلاة واحدة في يوم مرتين" (٨).
_________________
(١) تقدم.
(٢) في أ: جماعة.
(٣) أخرجه أبو داود (٥٧٥)، والترمذي (٢١٩)، والنسائي (٧٥٨)، وأحمد (١٧٠٢٠). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٤) سقط من أ.
(٥) زيادة من ب.
(٦) زيادة من ب.
(٧) في ب: الثانية.
(٨) أخرجه أبو داود (٥٧٩)، والنسائي (٨٦٠)، وأحمد في المسند (٤٦٧٥)، (٤٩٧٤). قلت: صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى.
[ ١ / ٣١٣ ]
ومنها: ما روى أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله - ﷺ -[ق/ ٢٢ جـ]، ثم يذهب فيؤم قومه في تلك الصلاة (١).
فيه دليل على جواز من صلى في جماعة أنه يجوز أن يكون إمامًا لغيره.
فاختلف العلماء لاختلاف هذه الأحاديث؛ فمنهم من ذهب مذهب الجمع، ومنهم من ذهب مذهب الترجيح.
أما من ذهب مذهب الترجيح: فإنه أخذ بعموم قوله - ﷺ -: "لا تصلي صلاة في يوم واحد مرتين" (٢)، ولم يستثن من ذلك إلا صلاة المفرد فقط لوقوع الاتفاق عليها.
وأما من ذهب مذهب الجمع: فقال إن معنى قوله ﵇: "لا تصلي صلاة واحدة في يوم مرتين" (٣): ألا يصلي الرجل الصلاة [الواحدة] (٤) بعينها [في يوم] (٥) مرتين يعتقد في كل واحدة منها أنها فرضه [وقال قوم: بل معنى الحديث إنما هو للمنفرد يعني: ألا يصلي الرجل المنفرد صلاة واحدة مرتين في يوم] (٦).
والذي رجح واستثنى صلاة المنفرد عمومًا لا خصوصًا أصح، وهو مذهب الشافعي ﵁؛ تمسكًا بعموم الخبر في جميع الصلاة.
ثم إليه مذهب من خصص الصبح، والعصر لتعارض العمومَيْن؛
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٧٩)، ومسلم (٤٦٥).
(٢) تقدم.
(٣) تقدم.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ١ / ٣١٤ ]
الأمر بالإعادة، والنهي عن الصلاة بعد [هاتين] (١) الصلاتين.
وأضعف المذاهب [مذهب] (٢) من خصص المغرب من [بين] (٣) سائر الصلوات؛ إذ لا دليل على التخصيص إلا قياس الشبه [ق/ ٣٠ أ].
وهو في نفسه ضعيف، والاستدلال به على المسألة أيضًا ضعيف من وجه آخر، وقد بيناه قبل هذا.
فصل
فإذا [أعاد] (٤) في جماعة. ثم ظهر له أن إحدى الصلاتين فاسدة؛ إما التي صلى وحده، وإما التي صلى مع [الإِمام] (٥) فلا تخلو إعادته [في الجماعة] (٦) من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يعيدها بنية الفرض.
والثاني: أن يعيدها بنية النفل.
والثالث: أن [يكل] (٧) الأمر فيها إلى الله ﷿.
فإذا أعادها بنية الفرض، ثم تبين له فساد إحداهما؛ فإن تبين له فساد الأولى: فالثانية تجزئه بلا خلاف.
وإن تبين له فساد الثانية هل [يجتزئ] (٨) بالأولى أو يعيد؟
فالمذهب على قولين.
وسبب الخلاف: [الصلاة] (٩) الأولى هل ترتفض بالنية أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
(٣) زيادة من ب.
(٤) في أ: أعادها.
(٥) في أ: الناس.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: يكون.
(٨) في ب، جـ: تجزئه.
(٩) سقط من أ.
[ ١ / ٣١٥ ]
فمن رأى أنها ترتفض بالنية يقول: لابد من الإعادة.
ومن رأى أنها لا ترتفض يقول: لا يعيد.
وأما إذا أعادها بنية النفل، فإن فسدت الآخرة فلا يعيدها بالاتفاق.
فإن فسدت الأولى هل يعيدها، أو تجزئ الثانية، وتنوب مناب الفرض؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن النفل لا يجزئ عن الفرض، ويعيد الأولى على كل حال وهو مشهور المذهب [ق/ ١٥ب].
والثاني: أن النفل ينوب عن الفرض، ويجتزئ بالثانية عن الأولى.
وهو منصوص في المذهب عن مالك ﵁ وهو ظاهر قوله في "كتاب الحج" (١): فيمن نسى طواف الإفاضة [حتى] (٢) قدم إلى بلده فقال: إنه يرجع ويطوف ويهدي إلا أن يكون طاف بمكة طواف التطوع، فيجزئ عن طواف الإفاضة.
وينبني الخلاف: على الخلاف في النفل هل يجزئه عن الفرض أم لا؟
على الخلاف في إمامة المفترض خلف المتنفل هل تجزئ أم لا؟ مثل الإمامة بالصبي، ومثل صلاة معاذ خلف النبي - ﷺ -[ثم] (٣) قدم إلي بلده فقال: إنه يرجع ويطوف ويهدي يأتي فيؤم قومه في تلك الصلاة.
وإن كان مالك ﵀ قال: إن صلاته مع النبي - ﷺكانت نفلًا، وصلاته مع قومه كانت فرضًا، وغيره يقول: لا، بل صلاته مع النبي
_________________
(١) المدونة (٢/ ٤٨٩).
(٢) في أ: ثم.
(٣) سقط من أ.
[ ١ / ٣١٦ ]
- ﷺ - كانت فرضًا، وصلاته بقومه على وجه النفل.
وهذا هو الأليق بحرص معاذ ﵁، وأما أن يجعل صلاته مع النبي - ﷺ -[نفلًا] (١) في مسجده [وهي] (٢) أَلْف، فيقصد إلى النفل، وطفف نفسه هذا القدر الجسيم، والأجر العظيم؛ فلا يليق ذلك بأحد من الصحابة رضوان الله عليهم [فكيف بمعاذ مع جلالته وعلو قدره، بل لو عرف ذلك منه أو من غيره بعد ذلك نقص في حقه، وحط عن رتبته، ومعلوم من عادة الصحابة رضوان الله عليهم] (٣) مهاجريهم وأنصارهم، متقدمهم ومتأخرهم، إلا [المبادرة] (٤) إلى خير الأعمال، والمسابقة إلى غاية الكمال، والحرص على اكتساب الخير من جميع وجوهه بالأفعال والأقوال؛ فعليهم سلام الله ورضوانه ما طلع هلال، وسُمع إهلال.
وأما الوجه الثالث: وهو أن يَكِل الأمر [إلى الله تعالى] (٥) فيهما لم تكن عليه إعادة لواحدة منهما، وسواء كانت الأولى فاسدة أو [الثانية] (٦).
وهذا قول مالك في "المدونة" (٧): في الذي يصلي في بيته، ثم أتى المسجد، فأقيمت تلك الصلاة: فلا يتقدمهم فيها، فإن فعل: أعاد من خلفه؛ لأنه لا يدري أيتهما صلاته، وإنما ذلك إلى الله ﷿.
وقد اختلف [فيها] (٨) قول مالك ﵀؛ فمرة يقول: إن الأُولى
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: وهو.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: المثابرة.
(٥) سقط من ب.
(٦) في الأصل: ثانية.
(٧) انظر: المدونة (١/ ٨٧، ٨٨).
(٨) زيادة من ب.
[ ١ / ٣١٧ ]
صلاته، ومرة يقول: ذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء صلاته، والقولان في "المدونة" (١).
والجواب عن الوجه الثالث: إذا أعادها فيما هو مختلف فيه، هل يحكم له بحكم الجماعة أم لا؟
ولا خلاف في المذهب في الإِمام الراتب إذا صلى وحده أو [صلى] (٢) مع رجل واحد بالغ عاقل: أنه لا يعيد واحدة منهما [إلا على قول ابن حبيب الذي يرى فضل الجماعة يختلف، وأنه كلما كثرت الجماعة كان أعظم في الأجر على ما نقله الشيخ أبو الحسن اللخمي في باب فضل الصلاة في كتابه، وهو ظاهر قول مالك في ثمانية أبي زيد] (٣) أما المأموم فلكونه صلى في جماعة؛ والاثنان وما فوقهما جماعة.
وكذلك إذا صلى رجل وحده فلا يعيد مع رجل واحد، إلا أن يكون هذا الرجل الواحد هو الإِمام الراتب فيعيد معه.
وأما الإِمام: فلكونه هو وحده جماعة؛ إذ للشرع إيجاد المعدوم وإعدام الموجود، وتقريب البعيد، وتبعيد القريب،،وإعداد المتحد واتحاد المتعدد.
فأما إيجاد المعدوم: فمثل الجنين، فإن الشرع [أعطى] (٤) له حكم الموجود [معنىً] (٥) وإن كان معدومًا حسًا.
وكالذِّمة؛ فالشرع أوجدها معنى، وجعلها محلًا للإلزام والالتزام
_________________
(١) انظر: السابق.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: جعل.
(٥) سقط من أ.
[ ١ / ٣١٨ ]
شرعًا، وإن كانت معدومة حسًا، وكالأعراض على اصطلاح المتكلمين، فإنها صفات للجواهر وقائمة بها، ومع ذلك فليس لها معان قائمة تدرك بالحواس.
وأما إعدام الموجود: فهو أن يكون الشيء موجودًا حِسًا، ومع ذلك صار معدومًا في نظر الشرع.
و[هذا] (١) نقيض [الأول] (٢) كأفعال المكره على مذهب من أعذره بالإكراه، فإن [الشرع] (٣) أعذره، وألغاها، وجعلها في خير العدم، وإن كانت مشاهدة بالحس والعيان؛ لكونها لا [تجلب] (٤) حكمًا.
وهذا كالقاتل عمدًا؛ فإن الشارع حكم فيه بحكم العدم؛ فورث من لا يرث مع وجوده.
وهذا حكم العدم وفائدته.
وأما تقريب البعيد: فهو مثل توريث الأبعد مع وجود الأقرب لا يحجب عن الميراث من سواه؛ كالأب إذا قتل ابنه عمدًا لما كان ممنوعًا من الميراث من أجل القتل.
وورث الشارع من كان لا يرث مع وجود الأب كالأخ، والعم، ومن سواهما كان البعيد أقرب الأقرباء معنى، والأقرب أبعد الأبعدين معنى؛ حكمة شرعية وسنة متبعة.
وأما تبعيد القريب فكذلك أيضًا، وصورتهما واحدة، فلا نطيل بالتكرار بغير فائدة.
_________________
(١) في ب: هو.
(٢) في أ: الأولى.
(٣) في أ: الشارع.
(٤) في ب: توجب.
[ ١ / ٣١٩ ]
وأما إعداد المتحد: فكالإمام، فإنه متحد في رأي العين، لكن [الشرع] (١) عدده، وأقامه مقام العدد والجماعة، إذا صلى وحده، فإنه لا يعيد تلك الصلاة في جماعة [ولا تعاد تلك الصلاة في] (٢) ذلك المسجد بعد صلاته مرة أخرى.
و[أما] (٣) اتحاد المتعدد: كالجماعة إذا تمالوا (٤) على قتل رجل واحد، فإنهم يقتلون [فيه] (٥)، ولو كانوا ألفًا؛ فجعلهم الشرع في هذه الحالة كالرجل الواحد، وحكم [فيهم] (٦) بمثل ما يحكم به في المتحد.
وأما المختلف فيه: هل يحكم له بحكم الجماعة الذي هو مقصود الكلام مثل: من صلى مع صبي يعقل الصلاة، أو صلى بامرأته ثم أدرك تلك الصلاة في جماعة:
فالمذهب على قولين في الوجهين:
فالمشهور: أن من صلى بامرأته أنه لا يعيد.
والمشهور: أن من صلى مع صبي [أنه] (٧) يعيد.
وظاهر المسألة لا فرق بين أن يكون الصبي إمامًا أو مأمومًا.
وسبب الخلاف: الإناث هل يندرجن تحت خطاب الذكران أم لا؟
فإن قلنا: إن الإناث يدخلن تحت خطاب الذكران: فلا يعيد من صلى
_________________
(١) في أ: الشارع.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من ب.
(٤) تمالوا: تحازب القوم.
(٥) في أ: به.
(٦) في أ: لهم.
(٧) سقط من ب.
[ ١ / ٣٢٠ ]
بامرأته في جماعة، وأقل الجمع اثنان -على رأي بعض أهل الأصول (١).
وإن قلنا: إن الإناث لا يندرجن تحت خطاب الذكران إلا بقرينة أو بدليل: فإنه يعيد في جماعة؛ لأنه بمنزلة من صلى وحده [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سيأتي بيان هذه المسألة إن شاء الله.
(٢) زيادة من جـ.
[ ١ / ٣٢١ ]
المسألة الثامنة
[فيمن] (١) أقيمت عليه الصلاة، وهو في تلك الصلاة، أو في غيرها.
فإن كان في تلك الصلاة التي أقيمت عليه بعينها، فلا يخلو من وجهين:
إما أن تقام عليه الصلاة بعد إحرامه، وقبل عقد الركعة، أو [يكون] (٢) بعد عقد الركعة.
فإن كان ذلك بعد الإحرام وقبل عقد الركعة: فلا يخلو من أن يخشى أن يفوته الإِمام بركعة أم لا.
فإن خشى فوات الركعة: فإنه يسلّم، ويدخل مع الإِمام بلا خلاف.
وإن لم يخش فوات الركعة: فالذي يتخرج [في المذهب] (٣) في هذه المسألة أربعة أقوال: كلها قائمة من "المدونة" (٤):
أحدها: أنه يقطع بسلام، ويدخل مع الإِمام جملة [بغير] (٥) تفصيل.
وهو قوله في الكتاب في صلاة الرباعيات والمغرب.
والثاني: التفصيل بين النافلة والفرض؛ ففي النافلة يأتي بالركعتين إن
_________________
(١) في أ: من.
(٢) سقط من ب.
(٣) زيادة من ب.
(٤) انظر: المدونة (١/ ٨٧، ٨٨).
(٥) في ب: من غير.
[ ١ / ٣٢٢ ]
كان ممن يخفف (١)، والفريضة يقطع بسلام ويدخل.
والثالث: [التفصيل بين المغرب وغيرها، فالمغرب يقطع ولا يتمادى إلى ركعتين. وغيرها من الصلوات يأتي بركعتين، وهو ظاهر قوله في الكتاب.
والرابع] (٢): أنه يتمادى إلى تمام ركعتين ويسلم، ويدخل مع الإِمام [جملة] (٣) بلا تفصيل بين الفرض والنفل، ولا بين المغرب وغيرها.
ووجه من قال: يقطع جملة؛ فللنهي عن صلاتين معًا.
ووجه [من جوَّز الإتيان] (٤) بالركعتين: الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٥).
ووجه من فرق بين الفرض والنفل [قال] (٦): لأن النفل إن قطعها لا تلزمه العودة إليها بعد فراغه من صلاة الإِمام، فلهذا أُبِيح له التمادي ليحصل له أجرها.
والفرض يعيدها [بعد سلام] (٧) الإِمام؛ فإنه إن أبطل هذه الفريضة [أتى بها] (٨) مع الإِمام على أحسن ما كان يصليها وحده؛ فلهذا فرق بينهما [والله أعلم] (٩).
_________________
(١) أي: يقرأ فيهما بأم القرآن وحدها، ويدرك الإِمام.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: قول من قال بالإتيان.
(٥) سورة محمَّد الآية (٣٣).
(٦) سقط من ب.
(٧) في أ: مع.
(٨) في ب: أعادها.
(٩) زيادة من ب.
[ ١ / ٣٢٣ ]
ووجه من فرق بين المغرب وغيرها [من الصلوات] (١): لأنا إن أمرناه أن يصلي ركعتين ثم يسلم: فلا خلاف أن هاتين الركعتين نفل، والنفل قبل صلاة المغرب ممنوع؛ فتقابل ممنوعان:
أحدهما: إبطال العمل.
والثاني: التنفل قبل المغرب، فرجح أحد الممنوعين على الآخر.
وسبب الخلاف: تعارض العمومَيْن؛ عموم الكتاب، وعموم السنة.
فعموم الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلا تبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢).
وعموم السنة: نهيه ﵇ عن صلاتين معًا (٣).
فمن رجح عموم الكتاب: قال بالتمادي إلى تمام ركعتين في الجميع.
ومن رجح عموم [ق/ ٢٣جـ] السنة: قال بالقطع في الجميع.
ومن فرق: فقد بينا وجه قوله.
وللخلاف [فيه] (٤) سبب آخر، وهو: الإحرام، هل هو ركن أو ليس بركن؟
فمن جعله ركنًا فيقول: [يبنى] (٥).
وينبني [ق/ ٣١ أ] الخلاف: على الخلاف في العمومين المذكورين.
ومن لم يجعله ركنًا قال: يقطع؛ لأن الإحرام ليس بركن يخشى بطلانه.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سورة محمَّد الآية (٣٣).
(٣) تقدم.
(٤) في أ: فيها.
(٥) سقط من ب.
[ ١ / ٣٢٤ ]
فإن كان ذلك بعد ركعة: فهاهنا يفرق بين المغرب وغيرها من الصلوات.
فغير المغرب: يشفعها بركعة أخرى، ويسلم ويدخل مع الإِمام كانت فرضًا أو نفلًا.
ولا خلاف في المذهب في هذا الوجه، ويدخل فيه الخلاف بالمعنى وسببه الأصل الذي قدمناه من تعارض العمومين.
فأما المغرب فهل يسلم على ركعة، ويدخل مع الإِمام، أو يشفعها؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (١):
أحدهما: أنه يسلم على ركعة [ويدخل مع الإِمام] (٢) وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أنه يشفعها بركعة ويسلم، وهو نص ابن حبيب فيما إذا أقيمت عليه بعد الإحرام، وقبل أن يصلي شيئًا، فقال: يأتي بركعتين ويسلم؛ فمن باب أولى [وأحرى] (٣) إذا أقيمت عليه بعد أن صلى منها ركعة.
وهو ظاهر قوله في المدونة في صلاة النافلة، وهو نص قول ابن القاسم، وأشهب في "المجموعة" (٤).
وقد اختلف قول ابن القاسم [فيها] (٥).
[وأما إذا] (٦) أقيمت بعد أن صلى منها ركعتين هل يقطع أو يأتي
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٨٧).
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من ب.
(٤) انظر: النوادر (١/ ٣٢٩، ٣٣٠)، والبيان والتحصيل (١/ ٢٢٢).
(٥) سقط من أ، جـ.
(٦) في أ: فأما إن.
[ ١ / ٣٢٥ ]
بثلاث فيسلم؟
فالمذهب على قولين (١):
أحدهما: أنه يأتي بثلاث ويسلم ويخرج.
وهو قول ابن القاسم في بعض روايات "المدونة"، وهي رواية أحمد ابن سليمان، وعليها اختصرها أكثر المختصرين.
والثاني: أنه يُسَلِّم ما لم يركع في الثالثة، فإنه يتمها ويسلم ويخرج.
وهذا كله إذا لم يخش فوات الركعة كما قدمناه في التقسيم، فإن كان غيرها مثل أن يدخل في صلاة الظهر، ثم أقيمت عليه صلاة العصر، هل يعتبر فيها فوات الركعة، أو فوات جميع الصلاة؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يتمادى ما لم يخش فوات الركعة، فإذا خشى قطع على وتر، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٢) [وغيرها] (٣).
والثاني: [أن المعتبر] (٤) فوات جميع الصلاة؛ فليتمادى ما لم يخش أن يسلم الإِمام من صلاته، وتفوت جميع الصلاة.
وهو قول مالك، وابن القاسم في "العتبية" (٥).
والثالث: أنه يتمادى على صلاته، ويخفف حتى يتمها، فإذا أدرك شيئًا مع الإِمام دخل معه وصلى، فإن لم يدرك شيئًا صلى لنفسه.
_________________
(١) المدونة (١/ ٨٧).
(٢) المدونة (١/ ٨٧، ٨٨).
(٣) سقط من ب.
(٤) في ب: أن يعتبر.
(٥) البيان والتحصيل (١/ ٢٢٢).
[ ١ / ٣٢٦ ]
وهو قول ابن عبد الحكم
وسبب الخلاف: تعارض المحظورين وتقابل المكروهين، وذلك أن ترتيب الصلوات واجب مع الذكر، فلا يجوز تقديم العصر على الظهر [مع] (١) الاختيار، ومخالفة الإِمام كذلك أيضًا [فإنه] (٢) لا يجوز أن يُحْرم في فريضة في المسجد [والإمام] (٣) في تلك الفريضة أو في غيرها من الصلوات [المفروضة] (٤)؛ لما في ذلك من المخالفة المنهي عنها في الشرع.
وهذا يُسْلك فيه مَسَالك الترجيح. والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: على.
(٢) زيادة من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: المفروضات.
[ ١ / ٣٢٧ ]
المسألة التاسعة في الموضع الذي تجوز فيه الصلاة، وما تكره فيه الصلوات
والمصلي مأمور بأن يتقرب إلى الله بقلب طاهر [وبدن طاهر] (١) و[ثياب طاهرة] (٢)، وبقعة طاهرة.
أما طهارة القلب: فمن الكفر، والنفاق، والرياء، والسمعة، وطلب [الغيلة] (٣) وغير ذلك من الكبائر [الموبقات] (٤) التي لا تكتسب إلا بالقلب.
فمن كانت فيه إحدى هذه الخصال فإن صلاته لا تزيده من الله إلا بعدًا.
وكذلك طهارة البدن والثياب: ولا خلاف عندنا أن من صلى بثوب نجس، [أو ببدن نجس] (٥) عامدًا أنه يعيد أبدًا.
وإنما الخلاف عندنا فيمن صلى بذلك ناسيًا، هل يعيد أبدًا، أو [يعيد] (٦) في الوقت؟ على ما لا يخفى [على] (٧) من طالع المذهب.
وأما طهارة البقعة: فكذلك [أيضًا] (٨)؛ فقد ثبت نهى رسول الله
_________________
(١) سقط، من أ.
(٢) في ب: ثوبي طاهر.
(٣) في أ: الغيبة.
(٤) في أ: الموبقة.
(٥) سقط من جـ.
(٦) سقط من ب.
(٧) سقط من أ.
(٨) زيادة من ب.
[ ١ / ٣٢٨ ]
- ﷺ - عن الصلاة في سبعة مواضع (١) [منها] (٢):
المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، ومحجة الطريق، وفي الحمام، و[معاطن] (٣) الإبل، و[على] (٤) ظهر بيت الله الحرام.
وأما نهيه ﵇ عن الصلاة في المزبلة؛ فلنجاستها، ولأنها في موضع يقصد فيه إلقاء الأقذار.
والمجزرة كذلك؛ فإنها نجسة، وكونها موضع الشيطان أيضًا.
وأما المقبرة: فلا تخلو من أن تكون مقبرة للمسلمين أو مقبرة للمشركين.
فأما مقبرة المسلمين: فاختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: الجواز جملة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٥)، وإن كانت القبور بين يديه.
والثاني: أن الصلاة فيها مكروهة على الجملة.
والقول الثالث: التفصيل بين أن تكون جديدة أو داثرة، فإن كانت جديدة: كرهت الصلاة فيها.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٦)، وابن ماجة (٧٤٦)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٨٣) والروياني في مسنده (١٤٣١)، وعبد بن حميد في المسند (٧٦٥) وابن عدي في الكامل (٣/ ٢٠٣) من حديث ابن عمر مرفوعًا. وضعفه الحافظ في التلخيص (١/ ٢١٥) حديث (٣٢٠). وقال الترمذي: حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي. وضعفه العلامة الألباني في إرواء الغليل (٢٨٧)، وضعيف الجامع (٣٢٣٥).
(٢) سقط من ب.
(٣) في أ: أعطان.
(٤) سقط من ب.
(٥) انظر: المدونة (١/ ٩٠).
[ ١ / ٣٢٩ ]
ووجهه: مخافة أن يتفجر منها شيء فيظهر خارجًا، وإن كانت دائرة ولم يكن فيها بشر [جازت الصلاة، وإن لم يكن فيها بشر] (١): لم تجز.
وهو قول القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في نهيه ﵇ عن الصلاة في المقبرة، هل هو على عمومه في مقابر المسلمين والمشركين، أو خرج عن العموم، والمراد به مقابر المشركين.
وأما مقابر المشركين: فاتفقوا على أن الصلاة فيها مكروهة جملة من غير تفصيل.
فإن صلى فيها: فقيل: إن الصلاة جائزة إذا لم تظهر [النجاسة] (٢) قاله أبو الحسن اللخمي.
وقيل: التفصيل بين القديمة والجديدة؛ فإن كانت جديدة:
أعاد أبدًا، سواء صلى فيها عمدًا أو [جهلًا] (٣).
فإن كانت قديمة: فصلاته جائزة، وهو قول ابن حبيب.
ووجه من جوز الصلاة بعد وقوعها كون البقعة طاهرة، والنهي محمول على الكراهية.
ووجه من منع [قال] (٤): لأنها حفرة من حفر النار؛ ولأن البقعة نجسة لنجاسة أقدامهم [التي تطول فيها تلك البقعة] (٥) في ترددهم إلى
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: فيها نجاسة.
(٣) في جـ: سهوًا.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من ب.
[ ١ / ٣٣٠ ]
زيارة تلك القبور.
وَمَنْ فَصّل فقد حَصّل.
وأما محجة الطريق (١): فالنهي [فيها] (٢) محمول على الكراهة أيضًا؛ لأن محجة الطريق وقارعته لا تخلو في غالب [الأحوال] (٣) من أرواث الدواب وأبوالها، فيستحب له أن يتنحى عن ذلك قليلًا في حالة الاختيار.
وأما حالة الاضطرار: فالصلاة فيها جائزة.
وهو قوله في كتاب الصلاة الثاني في صلاة الجمعة [إذا ضاق المسجد بأهله فقال [لا بأس] (٤) بالصلاة في الطريق الملاصقة بالمسجد، وإن كانت فيها أرواث الدواب، وأبوالها -يريد ما لم يكن للنجاسة عين قائمة] (٥).
وأما الحمام: [فإنه] (٦) نهى عن الصلاة فيه [لنجاسته] (٧) أيضًا، إلا أن يكون فيه موضع يوقن طهارته فيصلى فيه.
فهذا يصح إذا كان فيه موضع محجوز لا يدخله إلا طاهر، وإلا فالحمام [الأصل فيه] (٨) النجاسة؛ لما عُلم بالعادة أن الناس لا يتحفظون فيه من البول ولا النجاسات.
_________________
(١) جادة الطريق: وسنَنَهُ. لسان العرب (٢/ ٢٢٨).
(٢) في ب: في ذلك.
(٣) في أ: الحال.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من جـ.
(٦) في أ: فإنما.
(٧) سقط من ب.
(٨) في ب: أصله.
[ ١ / ٣٣١ ]
وعلى هذا يحمل عرق الحمامات التي تستعمل في الاغتسال؛ فمنها مياه الحياض النجسة؛ لأنه منعقد الرطوبات التي تصعد مع البخار المتولد من الماء النجس المستعمل في الاغتسال مع ما انضاف إليه من الأبوال.
والأنجاس التي لا يتحفظ [منها] (١) في الحمام كثير ممن يدخله.
ولا شك أن النجاسة ودخانها بعض أجزائها، وإلى هذا ذهب القاضي أبو الفضل.
فلو كان المستعمل فيه طاهر، و[أن] (٢) الناس يتحفظون فيه من البول [والنجاسة] (٣) لكان العرق الذي يقطر [فيه] (٤) طاهرًا.
وإن أضرم تحته بنجاسة؛ لأن رطوبة النجاسة لا تصعد إلى ذلك العرق؛ ولأن أرض الحمام حائل بينها وبين العرق ودخانها يخرج خارجًا، وإلى هذا ذهب أبو عمران الفارسي، وأما نهيه ﵇ عن الصلوات في أعطان الإبل: فاختلف في علته:
فمنهم من قال: النهي غير معلل، وهو [ظاهر] (٥) قول مالك في "المجموعة" حيث قال: لا خبر في الصلاة في أعطان الإبل، وإن بسط عليها ثوبا [طاهرًا] (٦) فلا يصلي فيها.
ومنهم من عَلّل بِعِلل كلها لا تَسْلَم من الاعتراض، وأظهر ما فيها أن الناس كانوا يستترون فيها [للذهاب] (٧).
_________________
(١) في ب: عنها.
(٢) في أ: إنما.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: منه.
(٥) سقط من ب.
(٦) سقط من أ.
(٧) في ب، جـ: للمذاهب.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وهذا في المناهل.
وأما [المدينة] (١) فلا بأس.
وهذا التعليل باطل لمن بسط عليها ثوبًا طاهرًا، ولا خلاف عندنا أن من بسط ثوبه على موضع نجس، والنجاسة يابسة وصلى: أن صلاته جائزة.
وهم يقولون في هذه الصورة: إن بسط عليها ثوبًا طاهرًا، وصلى أعاد أبدًا في العمد والجهل.
ومنهم من علَّل بأن الفَّحْل يحتلم، والناقة تحيض، وهذا يرجع إلى التعليل الأول.
ومنهم من علَّل وقال: إنها خلقت من جان؛ فكأنها تشغلهم عن الصلاة.
كما نهى [﵇] (٢) عن الصلاة في الوادي فقال: "إن هذا وادٍ به شيطان" (٣).
وهذه [العلة] (٤) أيضًا باطلة؛ لأن ذلك لا يُعلم [بالقياس] (٥)، وإنما يُدْرَكُ بالتّوقيف من صاحب الشريعة، ولا توقيف.
ومنهم من قال: إن نفورها جناية، فيخشى أن تنفر عليه، وهو في الصلاة فتصدمه، وهذا أيضًا باطل بما لو سُرِّحَت، وبقى المنهل خاليًا.
_________________
(١) في جـ: المزبلة.
(٢) في ب: النبي ﷺ.
(٣) أخرجه مالك (٢٦) من حديث زيد بن أسلم مرسلًا، وهو مرسل صحيح. وقد صححه العلامة الألباني في الهداية (٦٨٧).
(٤) في أ: فعلة.
(٥) في ب: بالحواس.
[ ١ / ٣٣٣ ]
فثبت بما ذكرناه أن النهي غير معلّل.
وأما الصلاة على ظهر بيت الله الحرام: وهي هذه [التي سنشرع فيها] (١) [ق/٣٢].
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١ / ٣٣٤ ]
المسألة العاشرة في الصلاة إلى الكعبة أو فيها أو عليها
واستقبال القبلة [فريضة] (١) من فرائض الصلاة لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢).
وهي تنقسم على ثلاثة أقسام:
قبلة عيان، وقبلة قطع [ويقين] (٣)، وقبلة اجتهاد.
فأما قبلة عيان: فهي قبلة أهل مكة؛ [فهذه] (٤) لا يجوز فيها الاجتهاد أصلًا؛ لأن المصلي بمكة إن صلى [في المسجد] (٥) أو على شرف مما حولها كالصلاة على أبي قبيس وقعيقعان، فقد شهدها وشافعهها مشافهة العيان، وصلاته صلاة إلى القبلة [بالاتفاق] (٦) إلا على تأويل من تأول أن الصلاة إنما كرهت على أبي القبيس [وقعيقعان] (٧)، لكونه صلى إلى الهواء ورد الكعبة إلى أسفل منه، وهذا باطل.
وإن صلى في بيته بمكة، وحيث خفي عليه [عينها] (٨) كان عليه التوجه إليها على وجه القطع لا على وجه الاجتهاد؛ لأنه كان قادرًا على
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سورة البقرة الآية (١٤٤).
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من ب.
(٥) في أ: بمكة.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) في ب: تعينها.
[ ١ / ٣٣٥ ]
أن يحقق [الصوب الذي يؤدي إليه] (١)؛ لأنه إذا كان في بيته كان مصليًا إليها بأن يطلع موضعًا مرتفعًا يرى منه [بيته] (٢) والكعبة حتى يحقق الصوب الذي يؤديها إليه إذا هو في بيته [والاجتهاد فيها] (٣) مع القدرة على ما وصفناه كالاجتهاد في الحكم في نازلة مع وجود النص فيها، وذلك ممنوع بالاتفاق.
وأما القسم الثاني -وهو قِبلَة أهل المدينة- فلا شك أيضًا قبلة [قطعية] (٤)؛ لأن جبريل ﵇ أقامها للنبي - ﷺ - وقطع له بها مع أنه لا يَبْعُد في حق النبي - ﷺ - أن تُطْوَى له الأرض من المدينة إلى مكة، ويكشف له عنها حتى يراها مشافهة ويستقبلها في مسجده.
وإن كنت لم أر هذا في حديث صحيح، لكني رأيت من أشار إليه من أهل التواريخ.
و[يظهر] (٥) من معجزاته ﵇ [ق/٢٤جـ] ما يدل على هذا وأكثر منه.
فلا يجوز لمن كان في مسجد النبي ﵇، ومن كان في مدينته أن يجتهد أيضًا كما لا يجوز ذلك لمن بمكة.
وأما القسم الثالث -وهو القبلة [الاجتهادية] (٦) وهي قبلة أهل الآفاق و[أهل] (٧) البلاد النائية عن مكة [والمدينة] (٨) جنوبًا وشمالًا،
_________________
(١) سقط من أ، جـ.
(٢) في أ: بيت.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: قطع.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: اجتهاد.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
[ ١ / ٣٣٦ ]
ووجهًا ودبورًا، فإن وظيفتهم الاجتهاد؛ إذ لا قدرة لهم على أكثر من ذلك، إلا أن الاجتهاد لا يكون مع عدم الدلائل المنصوبة على القبلة.
وقد روى أبو هريرة أن النبي - ﷺ - قال: "ما بين المشرق إلى المغرب قبلة" (١).
وذكر مالك عن عمر بن الخطاب ﵁، وقال فيه إذا توجه قِبَل البيت (٢)، فبين النبي - ﷺ - الجهة التي تطلب فيها القبلة.
وقال أحمد بن خالد: إنما ذلك لأهل المدينة، ومن كان مثلهم ممن كانت قبلتهم بين المشرق والمغرب.
وهذا الذي قاله صحيح؛ ﵁.
وقول عمر ﵁: إذا توجه قِبَل [الكعبة] (٣) يريد أنه لا اجتهاد له في ذلك، وإنما الاجتهاد في تعيين جهة القبلة في هذه الجملة دون سائر الجهات.
ثم لا يخلو المصلي من وجهين؛ إما أن يكون من أهل الاجتهاد، أو من أهل التقليد.
فإن كان من أهل الاجتهاد، فلا يخلو من وجهين [ق/ ١٦ ب].
أحدهما: أن تكون [العلامة] (٤) الدَّالة على القبلة لائحة، والأعلام ظاهرة واضحة.
أو تكون الآثار مُنْطَمِسَة، والأعلام مُنْدَرِسَة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٢)، والنسائي (٢٢٤٣)، وابن ماجة (١٠١١). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) الموطأ (٤٦٠).
(٣) في جـ: البيت.
(٤) سقط من جـ.
[ ١ / ٣٣٧ ]
فإن لاحت الدّلالات، وظهرت العلامات: فيفرض المجتهد حينئذ الطلب في الجهة التي ذكرها عمر بن الخطاب ﵁، وهل هو في السَّمْة أو في الجهة؟
على قولين:
أحدهما: أن المطلوب الجهة لا العين.
وهذا قول أبي محمَّد عبد الوهاب (١)، وأكثر المتأخرين استدلوا على ذلك بقوله ﷿: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢).
والشّطر: [النحو] (٣)، [والجهة] (٤).
والثاني: أن المطلوب بالاجتهاد العين؛ فإن لم يلزمنا إصابته فقد لزمنا إصابة الجهة، [والسَّمْت] (٥).
وهو اختيار الباجي.
وسبب الخلاف: هل كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد؛ لأن هناك عين مطلوبة و["الدلائل عليه منصوبة" (٦)] (٧).
_________________
(١) انظر: الإتحاف (١/ ٣٦٥).
(٢) سورة البقرة الآية (١٤٤).
(٣) في ب: الناحية.
(٤) سقط من جـ.
(٥) في جـ: السمة.
(٦) في أ: الدليل عليه منصوب.
(٧) اختلف في هذه المسألة على مذهبين: أحدهما: أن المصيب واحد، وأن لله تعالى في كل حادثة حكمًا معينًا، أصابه من أصابه، وأخطأه من أخطأه. وهذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الراجح. والثاني: أن كل مجتهد مصيب، وأن حكم الله تعالى لا يكون واحدًا معينًا، بل هو تابع لظن المجتهد. =
[ ١ / ٣٣٨ ]
[فإن] (١) قلنا: إن كل مجتهد مصيب: فالجهة هي المطلوبة.
وإن قلنا: المصيب واحد: فالمطلوب العين.
ولكن لا يعلم المصيب من المخطئ إلا الله تعالى.
و[الدلائل] (٢) المنصوبة أمارة على معرفة القبلة.
قال الشيخ أبو محمَّد عبد الله بن أبي زيد (٣) [في النوادر] (٤): رأيت لبعض أصحابنا أن الدليل في النهار على رَسْمِ القبلة إلى انتهاء آخر نقصان الظل، وهو أن يأخذ في الزيادة، فإن الظل حينئذ قِبَالَة رَسْم القبلة، وذلك قبل أن يأخذ في الزيادة فيعرض إلى المشرق.
واعترض بعض المتأخرين على الاستدلال، وقال: إنما يصح هذا في زمان الصّيف خاصة حيث تطلع الشمس من المشرق، وأما زمان الشتاء الذي تطلع فيه قريب من القبلة فلا.
[والذي] (٥) قاله صحيح، والله أعلم.
و[المعترض] (٦) أبو عبد الله محمَّد بن يونس، ويستدل عليها في الميل بالقطب الذي تدور عليه بنات نعش؛ فاجعله على [ناحية] (٧) كتفك الأيسر، واستقبل الجنوب فما لقى بصرك فهو القبلة.
_________________
(١) = وهذا هو مذهب أبي بكر الباقلاني، والغزالي، وأبى الهذيل، وغيرهم.
(٢) في ب: فإذا.
(٣) في أ: الدليل.
(٤) النوادر (١/ ١٩٩).
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: والدليل على ما.
(٧) في ب: هو اعتراض.
(٨) سقط من جـ.
[ ١ / ٣٣٩ ]
[والذي] (١) قاله صحيح مُجَرَّب، وقد جَرَّبْنَاه واعتبرناه عند البيت الحرام المطهر [شرفه] (٢) الله ورزقنا العودة إليه، فجعلنا النجم المذكور على الكتف الأيسر، وقابل الوجه من البيت الحجر، وبعض جدار الكعبة على الخرط.
ولم يقابل الوجه الميزاب على الحقيقة، بل عزفت عنه إلى [ركن الشام] (٣) قليلًا؛ فهذا الذي رأيناه وجربناه.
قال الشيخ: والقطب: نجم خفي وسط السمكة التي تدور عليه بنات نعش الصغرى والكبرى وراء السمكة أحد الفردقين وذنبها الجدي.
فإذا ثبت أن وظيفة الاجتهاد [أنه] (٤) لا قدرة له على غيرها، فإذا أتى بالاجتهاد على وجهه، وجدَّ في النظر على صوبه حتى استفرغ [منزع] (٥) اجتهاده، ثم انزاح الغطاء واتضح الخطأ، فهل تصح صلاته أم لا؟
فذلك على ثلاث صور:
الصورة الأولى: إذا انطمست الدنيا وتغيمت السماء، وكانت السماء في الآثار منطمسة، والأعلام مندرسة،، و[لم] (٦) يمكنه الوقوف على [الآثار] (٧) الموضوعة، والأعلام الهادية إلى المطلوب في غالب ظنه.
والظنون فيما يتصور على وجوه؛ مثل أن يرى ضوءًا في قطر [يظن
_________________
(١) في ب: وهذا الذي.
(٢) في أ: شرفها.
(٣) في ب: الركن الشامي.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: منزوع.
(٦) في أ: هل.
(٧) في أ: الأمارة.
[ ١ / ٣٤٠ ]
أنه ضوء صبح] (١) فيستدل به على القبلة، أو يتحقق مواضع الغروب، فيستدل به على القبلة، فيتضح له الخطأ بعد الفراغ من الصلاة.
الصورة الثانية: أن تكون الأعلام ظاهرة، واضحة الإمارات الدّالة على القبلة، بينةً، فاجتهد وصلى، ثم تبين له الخطأ بعد الصلاة.
فهاتان الصورتان الجواب فيهما واحد، [والمذهب على قولين] (٢)؛ الجواز، والمنع [والإجزاء أشهر] (٣).
وسبب الخلاف: المجتهد هل يعذر باجتهاده أم لا؟
فإن قلنا: إنه [يعذر باجتهاده] (٤): فصلاته مجزئة.
وإن قلنا: [إنه] (٥) غير معذور: فصلاته باطلة؛ فيؤمر بالإعادة في الوقت على طريق الاستحباب.
والصورة الثالثة: أن [يصلى] (٦) في بيت مظلم من غير أن يخرج إلى صحن الدار، فينظر إلى الأعلام والآثار الدالة على القبلة -وهو متمكن من الخروج- فلا خلاف في هذه الصورة [على] (٧) وجوب الإعادة إذا تبين الخطأ؛ إذ لو خرج لأصاب، فلما لم يفعل وغُرّ [وفرط] (٨) كان وَبَالَ الغُرور عليه.
فأما إن كان من أهل التَقْلِيد الذي هو حكم البَّرية: فوظيفته أن يُقَلِّد
_________________
(١) في ب: فظنه هو الصباح.
(٢) في ب: وفيهما قولان.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: معذور بالاجتهاد.
(٥) سقط من ب.
(٦) في ب: يكون.
(٧) في ب: في.
(٨) سقط من أ.
[ ١ / ٣٤١ ]
غيره، ويصلي أبدًا مأمومًا.
غير أن تقليده ينقسم [إلى] (١) قسمين:
أحدهما: أن يُقَلِّد من كان عنده العلْم بالقِبْلَة، ويصلي خلفه، أو يصلى إلى الجهة التي أشار له إليها أن فيها القبلة.
فهذا لا إشكال في جواز صلاته إذا كان المقلد ممن يقتدى به [وهو عالم] (٢).
والقسم الثاني: أن يُقَلِّد المساجد والأطلال المُنْدَرسة، وفيها محاريب، فلا تخلو [المساجد] (٣) من أن تكون في الصحاري، أو الحواضر، والبوادي.
فإن كان ذلك في الصحاري، مثل هذه المحاريب التي يحدثها الناس في الطرقات، وينصبونها على قوارع [المسالك] (٤): فلا إشكال أن الصلاة في هذه المساجد ممنوعة لوجوه:
منها: أنها [نصبت] (٥) على قارعة الطريق، وقد نهى ﵇ عن الصلاة على قارعة الطريق (٦).
ومنها: أنه ينصبها من لا يعرف القبلة، والصلاة إلى غير القبلة عامدًا تبطل بالاتفاق.
_________________
(١) في ب: على.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: الطرقات.
(٥) في أ: نصب.
(٦) تقدم الحديث.
[ ١ / ٣٤٢ ]
ومنها: أنا تُنْصَبُ في أرض لم يأذن [له] (١) فيها أصحابها، [فيشبه بالصلاة] (٢) في أرض مغصوبة.
وبين العلماء فيها خلاف؛ حتى نسبوا إلى مالك ﵁ أن من صلى فيها أعاد [الصلاة] (٣).
غير أن شيوخ المذهب أنكروا هذه الرواية المعزية إلى مالك، وقالوا: إنها إفك وزور، وأن مالكًا [﵀] (٤) برىء منها.
فإن كان في الحواضر وأُمْهَات البلاد: فإنه يجوز للمُقَلِّد تَقْلِيد ما فيها من المساجد؛ لأن الغالب فيها أن قبلتها مستقيمة؛ إذ لو كانت على خلاف الاستقامة لما وسع من كان فيها من العلماء [ق/ ٣٣ أ] السكوت والتمادي على ترك الإنكار، ووجب عليهم التكاثر، والتظاهر على هدمها، ونقض [بنيانها] (٥) حتى يُحَوِّلُوا قبلتها إلى القبلة المحمدية، وهذا إذا لم تمكنهم إقامة القبلة على وجهها مع قيام حيطانها وبنيانها؛ لأن ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك واجب عليهم، ولاسيما إذا كان ذلك مما يؤدي إلى إضلال الأمة قرنًا بعد قرن.
فإن لم يتهيأ لهم [فعل] (٦)؛ إما لما يخافون من هيجان الفتنة وفساد الأمة، حتى [تستباح] (٧) المحارم، وتفسد الأموال، وتسفك الدماء،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: فأشبهت فيها الصلاة.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من ب.
(٥) في ب: أساسها.
(٦) في ب: ذلك الفعل.
(٧) في أ: استباحوا.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وتضطرب الدهماء.
أو يكون المسجد المذكور في حظ ذوي ولاية، ومن له يد قاهرة، وسطوة ظاهرة، يخشى الاصطلاء بناره، ولا تؤمن بوادره.
سقط عنهم [فرض] (١) الفعل، وتعين عليهم الإنكار باللسان والبيان لعامة المسلمين.
ولما لم يُسمع في تلك البلدة [تكبير] (٢)، ولا يعلم أن فيها مسجدًا على غير الاستقامة: كان للمقلد الصلاة فيها؛ لأن الأمصار الكبار لا تخلو كل زمان وعصر من العلماء والصالحين، ولو كان منهم إنكار في بعض المساجد لسُمع [وانتشر] (٣) واشتُهر؛ لأنه مما تُوفّر الدَّواعي على نَقْلِه.
[فإن] (٤) كان ذلك في مساجد البوادي هل [يقلد أهلها بقبلتهم أو ماذا يفعل أما إن كان من أهل الاجتهاد فلا خلاف أنه لا] (٥) يجوز له [تقليد أهلها] (٦) بل الواجب عليه أن يَعْرِضْهَا على أَدِلّة القبلة، فإن وافقتها، وإلا صلى إلى الجهة التي أَدّاه إليها اجتهاده؛ لأن الذي بناها لا يخلو من أن يكون من أهل الاجتهاد أو لا.
فإن كان من أهل الاجتهاد: فالظاهر من مذاهب الأصوليين أنه لا يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر فيما لا يخشى فواته قبل نظره.
_________________
(١) في ب: الفرض من.
(٢) في ب: ذكر.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: وإن.
(٥) سقط من أ، جـ.
(٦) في ب: التقليد.
[ ١ / ٣٤٤ ]
فإن لم يكن من أهل الاجتهاد: فلا خلاف أنه لا يجوز تقليده، فإذا جهل [أمره] (١): أعاد إن صلى فيها أبدًا كما قدمناه.
وأما العَامِّي: فإنه يُؤْمَر بالصّلاة في مساجد البوادي وتقليد أهلها في ذلك، فهو أولى من أن يصلي إلى جهة يختارها؛ لأن ذلك وظيفته إذا كان وحده في غير [المسجد] (٢).
وقد اتفق المذهب أنه يصلي إلى جهة يغلب على ظنه أن القبلة فيها.
وقال الشيخ أبو الحسن ﵁: لو قيل إنه يصلي إلى الجهات الأربع لكان مذهبنا قياسًا على الأواني المختلطة.
فإذا صلى في مساجد البادية كان ذلك أصح من اجتهاد؛ لأن العامي لابد له من بعض الاجتهاد كيف ما كان، فالخطأ يقرب إلى الواحد أكثر من الجماعة.
وهذا الذي ذكرته إنما حَكَكْتُه على مَحَكّ النَّظَر واعتبرته، غير أن الشرح تجده صحيحًا لا وصم فيه، ولعل قائلًا يقول: أطْنَبْتَ في هذه المسألة وخَرَجْتَ فيها عن مقصود الكتاب، ولعمري إنه لقليل في جنب ما يحتاج إليه من الشرح والبيان، وهذا حكم الصلاة إلى الكعبة.
وأما الصلاة [في الكعبة] (٣): فاختلف المذهب فيها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها لا تجوز في الفرض والنفل و[السنن] (٤)، وهو قوله في "المدونة" (٥).
_________________
(١) في ب: حاله.
(٢) في أ: المساجد.
(٣) في أ: فيها.
(٤) في ب: السنة.
(٥) انظر: المدونة (١/ ٩١).
[ ١ / ٣٤٥ ]
والثاني: أنها جائزة في الفرض و[السنن] (١)، وهو قول ابن المواز (٢).
والثالث: [التفصيل] (٣) بين الفرض و[السنن] (٤)؛ فيجوز في السنن، ولا يجوز في [الفرائض] (٥)، وهو قوله في "النوادر" (٦).
وعلى القول بأنه لا يجوز فيها الصلاة -أعني الفرض- فهل يعيد أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يعيد [أبدًا] (٧) وهو قول أصبغ في "النوادر" (٨).
والثاني: أنه لا يعيد أصلًا، وهو قول [ق/ ٢٥ جـ] ابن المواز.
والثالث: الإعادة في الوقت، وهو قوله في "المدونة" (٩).
وسبب الخلاف: تعارض الأخبار وتجاذب الاعتبار.
أما الآثار: فقد روى في ذلك حديثان متعارضان، كلاهما ثابتان:
أحدهما: حديث ابن عباس، قال: لما دخل النبي - ﷺ - البيت دعى في نواحيها كلها، ولم يصل حتى خرج فلما خرج ركع ركعتن في [قبال] (١٠)
_________________
(١) في ب: السنة.
(٢) النوادر (١/ ٢٢٠، ٢٢١).
(٣) في أ: الفرق.
(٤) في ب: النفل.
(٥) في أ: الفرض.
(٦) النوادر (١/ ٢٢٣).
(٧) سقط من ب.
(٨) انظر: النوادر (١/ ٢٢١).
(٩) انظر: المدونة (١/ ٩١).
(١٠) في أ: قبل.
[ ١ / ٣٤٦ ]
الكعبة، وقال: "هذه القبلة" (١).
والثاني: حديث عبد الله بن عمر أن النبي - ﷺ - دخل الكعبة هو وأسامة ابن زيد، وعثمان بن طلحة [وبلال] (٢) فأغلقها عليه فمكث فيها، فسألت بلالًا حين خرج: ماذا صنع النبي - ﷺ -؟ قال: جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره، وثلاثة أعمدة وراءه فصلى (٣).
فمن [ذهب مذهب] (٤) الترجيح، إما [منع] (٥) الصلاة مطلقًا إن رجح حديث ابن عباس، وإما جوزها مطلقًا إن رجح حديث ابن عمر.
ومن [ذهب مذهب] (٦) الجمع بينهما حمل حديث ابن عباس في المنع على الفّرْض، وحديث ابن عمر على النَّفْل.
فالجمع بينهما عَسِير؛ لأن الركعتين اللتين صلاهما النبي - ﷺ - خارج الكعبة نفل، والقول بالإعادة مراعاة [للخلاف] (٧).
ومن طريق المعنى أنه استقبل بعض القبلة واستدبر بعضها.
وأما الصلاة فوقها: فاختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال (٨):
أحدها: [أنها لا تجوز في الفرض] (٩) وأنه يعيد أبدًا إن صلى وهو قول مالك في "المختصر".
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٨٩)، ومسلم (١٣٣٠).
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري (٤٨٣)، ومسلم (١٣٢٩).
(٤) في أ: سلك.
(٥) في أ: لمنع.
(٦) في أ: سلك مسلك.
(٧) سقط من ب.
(٨) انظر: المدونة (١/ ٩١)، والنوادر (١/ ٢٢٠، ٢٢١).
(٩) سقط من ب، جـ.
[ ١ / ٣٤٧ ]
والثاني: أنه يعيد في الوقت [وهو قول أشهب] (١).
والثالث: أن الصلاة جائزة، وهو قول [محمَّد] (٢) بن المواز.
وسبب الخلاف: [هل] (٣) المقصود في استقبال العين، والبناء، [أو] (٤) السمة والهواء.
فمن رأى أن المقصود العين والبناء فقال: يعيد أبدًا.
ومن رأى أن المقصود السمة والهواء فقال: لا إعادة عليه.
والقولان بين المتأخرين في المذهب.
اللهم إلا أن يكون بين يديه من بنائها [فوقها] (٥) ما يكون سُترة؛ فيكون الحكم في الصلاة فوقها كالحكم في الصلاة فيها [والحمد لله وحده] (٦).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: أم.
(٥) في ب: فوق.
(٦) زيادة من ب.
[ ١ / ٣٤٨ ]
المسألة الحادية عشرة في اللباس في الصلاة
والأصل فيه على الجملة، قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (١).
قال مالك في "العتبية" (٢): ذلك في الصلاة في المساجد، وقال في "شرح الموطأ لابن مزين" في الآية: الزِّينَة: الأَرْدِيَة، والمساجد: الصلوات.
ولا خلاف بين الأمة أن ستر العورة فرض على الجملة، وإنما وقع الخلاف بينهم هل هي فرض من فروض الصلاة أم لا؟
فالذي [يُنتخل] (٣) من المذهب ثلاثة أقوال:
أحدها: [أنه] (٤) فرض من فروض الصلاة، وهو قول القاضي أبي الفرج في "الحاوي".
والثاني: [أنه] (٥) من سنن الصلاة، وهو قول [القاضي] (٦) أبي إسحاق بن شعبان، وابن بكير، وأبي بكر الأبهري.
ويتخرج في المذهب قول ثالث: [أنه] (٧) فرض مع الذكر، ساقط مع
_________________
(١) سورة الأعراف الآية (٣١).
(٢) انظر: البيان والتحصيل (١/ ٣٥١)، و"النوادر" (١/ ١٩٩).
(٣) في جـ: يتحصل.
(٤) في أ: أنها.
(٥) في أ: أنها.
(٦) سقط من ب.
(٧) في أ: أنها.
[ ١ / ٣٤٩ ]
النسيان [والعذر] (١) كزوال النجاسة من الثوب والبدن.
وفائدة الخلاف وثمرته: أنَّا إذا قلنا: إنها من فروض الصلاة بطلت إذا [صلى] (٢) وعورته بادية.
وإذا قلنا: إنها سنة: [فقد] (٣) أثم التارك ولم تبطل الصلاة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم من قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٤).
هل الأمر بذلك على الوجوب [أو] (٥) على الندب؟
فمن حمله على الوجوب قال: المراد به ستر العورة، واحتج لذلك بأن سبب نزول [هذه] (٦) الآية: أن امرأة كانت تطوف بالبيت، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا [أحله] (٧)
فنزلت هذه الآية.
وأمر رسول الله - ﷺ - ألا يطوف بعد هذا العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان (٨).
ومن حمله على الندب قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة؛ [مثل] (٩)
_________________
(١) سقط من ب، جـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سورة الأعراف الآية (٣١).
(٥) في ب: أم.
(٦) سقط من أ.
(٧) في ب: أحبه.
(٨) أخرجه البخاري (٣٦٢)، ومسلم (١٣٤٧) من حديث أبي هريرة.
(٩) سقط من أ.
[ ١ / ٣٥٠ ]
الرداء وغيره [من اللباس] (١) واحتج لذلك بما جاء في الحديث من: أنه كان رجال يصلون مع رسول الله - ﷺ - عاقدي أزرهم على أعتاقهم كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: [لا ترفعن رؤوسكن] (٢) حتى يستوي الرجال جلوسًا (٣).
ثم المصلون [ينقسمون] (٤) [قسمين] (٥)؛ ذكرانًا وإناثًا.
فالذكران لا يخلو حالهم من خمسة أوجه:
أحدها: أن يجدوا ثيابًا طاهرة مما يجوز لهم لباسها عرفًا وشرعًا.
والثاني: أن يجدوا ثيابًا نجسة.
والثالث: أن يجدوا ثيابًا محرمة اللباس.
والرابع: أن يجدوا ثيابًا بخسة، وثيابًا محرمة من الحرير.
والخامس: ألا يجدوا ثيابًا أصلًا.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا وجد المصلي ثيابًا طاهرة [مما] (٦) يجوز لبسها عُرْفًا وشرعًا كسائر اللبالس [سوى] (٧) الحرير: فإنه يتعين ستر عورته وجوبًا، أو ندبًا؛ على الخلاف الذي قدمناه أول المسألة، ثم يستر ما بقى من جسده بعد العورة على معنى الفضيلة والكمال.
واختلف في حَدّ ما يكون عورة من جسده الذي يتعين عليه ستره في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: ألا يرفعن رؤوسهن.
(٣) أخرجه البخاري (٣٥٥) ومسلم (٤٤١) من حديث سهل بن سعد.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من جـ.
(٦) سقط من ب.
(٧) في ب: غير.
[ ١ / ٣٥١ ]
الصلاة على ثلاثة أقوال منصوصة في المذهب، قائمة من "المدونة".
أحدها: أن جميع جسده عورة، وهو قول [القاضي] (١) أبي الفرج، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النذور"؛ لأنه [قال] (٢) إن كسا المساكين و[إن] (٣) كن نساء فدرع وخمار.
وإن كانوا رجالًا: فثوب [واحد] (٤)، وذلك أدنى ما [تجزئ] (٥) فيه الصلاة؛ لأن مالكًا لا يرى أن يجزئ المئزر المُكْفت، ويؤيد ذلك قوله ﵇: "لا يصل الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء" (٦).
لأن الزينة لا تقع على من صلى بمئزر في وسطه [لا غير ذلك] (٧).
والقول الثاني: أن العورة التي يجب عليه سترها: من الصرة إلى الركبتين، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الصلاة الأول" من "المدونة" (٨) حيث قال فيمن صلى بالمئزر أو بالسراويل، وهو يقدر على الثياب فإن صلاته جائزة، فإن صلى عريانا وهو يقدر على الثياب: أعاد [ق/ ٣٤ أ] أبدًا.
والثالث: أن العورة السوءتان خاصة، وهو قول أصبغ في كتاب ابن حبيب، وهو قول مالك في "كتاب الجنائز" من "المدونة" (٩) [في ستر
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من ب.
(٥) في ب: تجوز.
(٦) أخرجه البخاري (٣٥٢)، (٣٥٣)، ومسلم (٥١٦).
(٧) سقط من جـ.
(٨) المدونة (١/ ٩٦).
(٩) انظر: المدونة (١/ ١٨٤).
[ ١ / ٣٥٢ ]
عورة الميت أنها السوءتان خاصة] (١).
ويتخرج في المذهب قول رابع بالتفصيل بين البيوت والمساجد؛ إن صلى في المساجد سترها، وإن صلى في بيته فلا شيء عليه إذا لم يسترها.
ولا شك أن سترها عن المخلوقين وعن الملائكة [مستحب] (٢).
وسبب الخلاف: تعارض الأخبار، من ذلك قول النبي - ﷺ -: "لا يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء" (٣).
ومنها: ما روى أيضًا أن النبي - ﷺ - قال: "الفخذ عورة" (٤).
ومنها: حديث أنس أن النبي - ﷺ - حسر عن فخذه، وهو جالس مع أصحابه (٥).
والأحاديث كلها ثابتة عن النبي - ﷺ - -فمن سلك مسلك الترجيح، رجح الحديث الأول: "لا يصلي الرجل في ثوب واحد"؛ [يقول] (٦): الجسد كله عورة.
ومن رجح [الحديث الثاني] (٧): "الفخذ عورة"، قال: العورة من الصرة إلى الركبتين.
ومن رجح حديث أنس، قال: العورة السوءتان خاصة، فإن كان معه
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في أ: فرض.
(٣) تقدم.
(٤) أخرجه البخاري تعليقًا.
(٥) أخرجه البخاري تعليقًا، ثم قال: وحديث أنس أسند وحديث جرهد -الفخذ عورة- أحوط حتى يخرج من اختلافهم.
(٦) في ب: قال.
(٧) في ب: حديث الفخذ.
[ ١ / ٣٥٣ ]
رداء وقميص، فإنه يستحب له أن يتجمل بهما في الصلاة، سواء صلى في بيته أو في المسجد، وهو الذي [اختاره] (١) بعض العلماء لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢) -يريد الصلاة- على [معنى] (٣) الاستحباب.
وأما الجواز فقد قدمنا ما تجوز به الصلاة.
وحديث أبي هريرة أيضًا [أنه قال] (٤): لا أصلي في ثوب واحد، وإن ثيابي لعلى المشجب، وذلك في بيته.
وأما الصلاة في [المساجد] (٥) فينبغي أن يخرج إليها على أحسن [ثيابه] (٦)، [حتى] (٧) قال بعض العلماء: لا ينبغي للرجل أن يمشي في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء كما لا ينبغي للإمام أن يصلي بغير رداء، [كأنه] (٨) يرى ذلك من قلة المروءة.
والذي قاله يختلف باختلاف البلدان، فيصح ذلك في البلاد التي جرت العادة [بالأردية] (٩) على الثياب؛ فيكون من خرج بغير رداء شهرة بين القوم.
وأما البلاد التي جرت عادته بترك الارتداء: فلا وصم في ذلك، والله
_________________
(١) في أ: أجازه.
(٢) سورة الأعراف الآية (٣١).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: المسجد.
(٦) في أ: كمال.
(٧) في أ: كما.
(٨) في أ: كما.
(٩) في ب: بالإرتداء.
[ ١ / ٣٥٤ ]
أعلم.
فإن لم [يجد] (١) إلا ثوبًا واحدًا: فلا يخلو من أن يكون قصيرًا أو طويلًا.
فإن كان قصيرًا: فإنه يأتزر به، وإن كان طويلًا: كيف يصنع في لبسه؟
وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن اشتمال الصَّمَّاء (٢).
وروى عنه - ﷺ - أنه صلى في ثوب واحد متوشحًا (٣).
والتوشح: ضرب من الاشتمال، فالاشتمال عند العرب على ثلاثة [أوجه] (٤):
[منها] (٥) اشتمال الصَّمَّاء: وهو أن يلتوي في ثوبه، ولا يدع ليديه مخرجًا إلا من أسفله.
وهذه اللبسة التي نهى عنها مأخوذ من الصَّمَم؛ لأنه لا منفذ ليديه إلا من تحت الثوب، فإذا أخرجهما ورفعهما انكشف فرجه.
و[الضرب] (٦) الثاني: الاضطباع: وهو أن يرتدي ويخرج الثوب من تحت يده اليمنى.
فقال ابن القاسم: هو من ناحية الصماء.
ولا خلاف أن اللبستين ممنوعتان مع عدم الإزار.
_________________
(١) في ب: يكن معه.
(٢) أخرجه البخاري (٣٦٠)، ومسلم (٨٢٧) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) أخرجه البخاري (٣٤٧)، ومسلم (٥١٧).
(٤) في ب: أضرب.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: الوجه.
[ ١ / ٣٥٥ ]
ومع وجود الإزار: الكراهة، والإجازة [بغير] (١) كراهة.
و[الضرب] (٢) الثالث: التوشح المباح في الصلاة وغيرها؛ أن يأخذ ثوبه تحت يده اليمنى فوضعه على كتفه الأيسر، وأخذ الطرف الآخر من تحت يده اليسرى فوضعه على كتفه اليمنى.
فهذه صفة التوشح [المباح] (٣)، وهو تفسير [القاضي] (٤) أبي الوليد الباجي [﵁] (٥).
والجواب عن الوجه الثاني:
[إن] (٦) لم يجد إلا ثوبًا نجسًا؛ فإنه يصلي به ولا يصلي عريانًا مع وجوده.
فإن وجد ثوبًا طاهرًا في الوقت، أو ما يغسله به، فإنه يعيد في الوقت.
واختلف في حد الوقت على قولين:
أحدهما: [أن آخر الوقت] (٧) الاصفرار [في الظهر والعصر] (٨) والمغرب، والعشاء: الليل كله؛ بمنزلة ما لو صلى به ناسيًا. وهو قوله في "المدونة".
_________________
(١) في أ: لغير.
(٢) في ب: الوجه.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: إذا.
(٧) سقط من ب.
(٨) سقط من أ.
[ ١ / ٣٥٦ ]
والثاني: أن الوقت [فيه] (١) بغروب الشمس [في الظهر والعصر] (٢) والليل كله إلى طلوع الفجر في المغرب والعشاء.
وهو قول ابن المواز في الغروب [ق/ ١٧ ب].
والفرق بين الليل [والنهار] (٣) أن الإعادة في الوقت استحبابًا، فأشبهت التنفل، فكما لا يجوز التنفل إذا اصفرت الشمس، فكذلك لا يعيد به ما وجب فيه إعادته.
ولما جاز التنفل في الليل كله: جازت الإعادة [فيه] (٤) والله أعلم.
و[أما] (٥) الجواب عن الوجه الثالث: إذا لم يجد إلا ثوب حرير، هل يصلي به أم لا؟.
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يصلي [فيه] (٦) ولا يصلي عريانًا.
وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٧)؛ لأنه قال: يصلي بالحرير [أحب إليَّ] (٨) مع وجود الثوب النجس.
والثانى: أنه يصلي عريانًا ولا يصلي به.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: به.
(٧) المدونة (١/ ٣٤).
(٨) سقط من أ.
[ ١ / ٣٥٧ ]
وهو قول أشهب في "الموازية" (١)، وهو قول ابن القاسم في سماع أصبغ عنه.
فوجه القول إنه يصلي عريانًا؛ بناء على أن وجوده كالعدم على سواء؛ لنهيه ﵇ [الذكور] (٢) عن لباس الحرير.
ووجه [قول] (٣) من [ق/٢٦جـ]، جوز [الصلاة به] (٤): بناء على أن النهي لما كان للسرف؛ فإن من اضطر إليه غير قاصد إلى السَّرَف: فيجوز له لبسه.
فكيف الصلاة فيه، وقد أجاز النبي - ﷺ - لباسه لعبد الرحمن بن عوف لأجل الحَكَّة التي كانت ["به" (٥)] (٦)؟.
[واختلفوا] (٧) فيمن صلى فيه [مختارا] (٨) على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن صلاته جائزة ولا يعيد، وهو قول ابن عبد الحكم.
والثاني: أنه يعيد أبدًا، وهو قول ابن حبيب.
والثالث: أنه يعيد في الوقت، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ (٩).
_________________
(١) النوادر (١/ ٢١٦).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) أخرجه البخاري (٢٧٦٢)، ومسلم (٢٠٧٦)، ورخص أيضًا للزبير ﵃ أجمعين.
(٦) في ب: فيه.
(٧) في ب: اختلف.
(٨) فى ب: اختيارًا.
(٩) اختلف في ذلك على مذاهب: أحدها: أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، وهو مذهب أكثر المالكية، والشافعية، والحنابلة، وبعض الحنفية، والظاهرية، وهو الراجح. الثاني: التفريق بين العبادات والمعاملات: وذلك أن النهي عن العبادات يقتضي فسادها، والنهي عن المعاملات لا يقتضي ذلك، =
[ ١ / ٣٥٨ ]
فمن رأى أن النهي يدل على فساد المنهي عنه، قال: يعيد أبدًا؛ لأنه ارتكب محظورًا في لبس ما حرم عليه لبسه، اتفاقًا في المذهب؛ فصار بمنزلة من صلى عريانًا مع [وجود] (١) القدرة على الثياب.
ومن رأى أنه لا يدل على الفساد، قال: لا يعيد الصلاة؛ لأنه ليس كالعريان.
والمرأة لو صَلّت فيه لجازت صلاتها، وإنما هو عَاصٍ في اللبس مُطِيعًا في الصلاة، كمن صلى بثوب مغصوب، فإن صلاته تجزئه.
والجواب عن الفصل الرابع:
إذا كان معه ثوبان؛ نجس وحرير [طاهر] (٢)، هل يصلى بالحرير أو بالنجس؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يصلي بالحرير ويعيد في الوقت إذا وجد ثوبًا طاهرًا أو ما يغسل به [النجس] (٣) وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٤).
والثاني: أنه يصلي بالنجس، ولا يصلي بالحرير، فإن صلى بالنجس: أعاد في الوقت، وإن صلى بالحرير فلا [يعيد أصلًا] (٥) وهو قول أصبغ
_________________
(١) = وهو مذهب بعض الشافعية، وبعض المعتزلة. الثالث: التفريق بين ما نهى عنه لعينه كالزنا، والسرقة، فهذا يقتضي الفساد. وما نهى عنه لغيره كالبيع عند النداء فلا يقتضي الفساد. وهذا المذهب منسوب لأبي حنيفة والشافعي. الرابع: أن النهي عن الفعل يقتضي صحة المنهى عنه، وهو مذهب أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن وكثير من الأحناف.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر: المدونة (١/ ٣٤).
(٦) في ب: إعادة عليه.
[ ١ / ٣٥٩ ]
في "كتاب محمَّد" (١).
وسبب الخلاف: تعارض العمومين، قوله - ﷺ -: "الحرير محرم على ذكور أمتي" (٢).
[فظاهره] (٣) العموم في الصلاة وفي غيرها، والنهي يدل على فساد المنهي عنه.
والثاني: عموم قوله تعالى: ﴿[يَا بَنِي آدَمَ] (٤) خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٥).
ويعضده الإجماع [على] (٦) أن ستر العورة واجب جملة في الصلاة، وفي غير الصلاة، وأن المساجد المرادة في الآية هي الصلاة.
والإجماع أيضًا على أن من تعمد الصلاة بثوب نجس مع القدرة على ثوب طاهر يجوز [له] (٧) لبسه: لا تجوز [الصلاة فيه] (٨) [فنهى] (٩) النبي ﵇ عن لباس الحرير يقتضي ألا تجوز الصلاة به عمومًا أصلًا.
وانعقاد الإجماع يقتضي أيضًا ألا يصلي بثوب نجس عامدًا عمومًا.
_________________
(١) النوادر [١/ ٢١٦].
(٢) أخرجه أبو داود (٤٠٥٧)، والنسائي (٥١٤٤)، وابن ماجة (٣٥٩٥) من حديث علي بن أبي طالب. وأخرجه الترمذي (١٧٢٠)، والنسائي (٥١٤٨) من حديث أبي موسى. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٣) في أ: فظاهرها.
(٤) سقط من أ.
(٥) سورة الأعراف الآية (٣١).
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
(٩) في أ: لنهى.
[ ١ / ٣٦٠ ]
ولا شك [ولا خفاء] (١) أن الضرورة لها تسليط على [تخصيص] (٢) العمومين على البدل؛ إذ [يجوز] (٣) له [لباس] (٤) الحرير إذا اضطر إليه كما يصلي بالثوب النجس إذا اضطر إليه.
[فكل ما] (٥) جاز لبسه على الضرورة جاز أن يصلي به؛ فإذا وجد ثوبًا نجسًا، وثوبًا حريرًا طاهرًا [هل يصلي بالنجس استصحابًا للحال أو يصلي بالحرير؛ لأنه ثوب طاهر حلال لبسه للذكران على وجه قياسًا على ما لو وجد ثوبًا طاهرًا] (٦) يباح له على كل الأحوال، [والحمد لله وحده] (٧).
والجواب عن الوجه الخامس:
إذا لم يجد المصلي ثوبًا أصلًا [ومن لم يجد ثوبًا يصلي به] (٨): فإنه يصلي عريانًا لا يسعه ترك الصلاة، بخلاف العادم للماء والتراب، ولا إعادة عليه إن وجد الثوب في الوقت.
واختلف إن طلع عليه رجل بثوب [طاهر] (٩) وهو في الصلاة [هل يقطع أم لا] (١٠) على قولين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في الأصل: لا يجوز.
(٤) في أ: لبس.
(٥) في الأصل: كلما.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من ب.
(٨) سقط من أ.
(٩) سقط من أ.
(١٠) سقط من أ.
[ ١ / ٣٦١ ]
أحدهما: أنه يقطع. وهو قول [سحنون] (١).
والثاني: أنه يتمادى ويعيد في الوقت [بالثوب] (٢) وهو قول ابن القاسم.
فجعله ابن القاسم كالمتيمم طلع عليه رجل بالماء وهو في الصلاة. وفرق سحنون بينهما، والفرق أظهر.
وإن كان بعض المتأخرين استحسن قول ابن القاسم.
والفرق بينهما -على قول [سحنون] (٣) - أن المتيمم دخل الصلاة بإحدى الطهارتين؛ فلذلك لا ينقض صلاته طروء الماء عليه، والعريان دخل في الصلاة بغير بدل ولا أصل، فكان ينبغي أن يقطع الصلاة إذا وجد ثيابًا بالمعنيين:
أحدهما: عام، وهو ستر العورة.
والثاني: خاص و[هو] (٤) الصلاة بثوب.
فإن كانوا جماعة، فإنهم يصلون [أفذاذًا] (٥) قيامًا متباعدين حيث لا ينظر بعضهم إلى [عورة] (٦) بعض.
فهل لهم أن يتجمعوا جماعة في إحدى صلاتي النهار؟
فالمذهب على قولين (٧):
_________________
(١) في أ: أشهب.
(٢) سقط من ب.
(٣) في أ: أشهب.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) المدونة (١/ ٩٥).
[ ١ / ٣٦٢ ]
أحدهما: [أنهم يصلون] (١) أفذاذًا ولا يجتمعون، وهو ظاهر [المدونة] (٢).
والثاني: أنهم يجتمعون جماعة ويكونون صفًا واحدًا، وإمامهم في الصف. وهو قول عبد الملك [بن الماشجون] (٣) في كتاب ابن حبيب.
[وإن] (٤) كانوا في ليل مظلم [فلا خلاف في المذهب] (٥) أن لهم أن يصلوا جماعة، ويتقدمهم [ق/ ٣٥ أ] إمامهم.
ثم إن طلع عليهم القمر في أثناء الصلاة، فإن الإِمام يرجع إلى الصف، ويتم بهم [صلاتهم] (٦).
وإن كانت مع أحدهم ثوب، فإنهم يصلون به أفذاذًا، وهو أولى من أن يؤمهم أحد؛ لأن ستر العورة في الصلاة فرض أو سنة على الأعيان، وصلاة الجماعة سنة على الكفاية.
وهو اختيار [القاضي أبي الحسن اللخمي] (٧)، وما قاله صحيح.
فإن كان الثوب مِلكًا لأحدهم، فإنه لا يُجْبَر على أن يُعَرّى منه ليُصَلُّوا به.
فإن كان الثوب فاضلًا: وجب أن يجبر على أن يمكنهم من الصلاة به؛ لأن ذلك من باب المواساة، وقد ورد الحديث في الأمر بالمواساة في أمر
_________________
(١) في أ: أن يصلوا.
(٢) في أ: المذهب.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: فإذا.
(٥) سقط من ب.
(٦) سقط من ب.
(٧) في أ: ابن حبيب.
[ ١ / ٣٦٣ ]
الدنيا، وهو فيما يتعلق [بالدِّين] (١) أولى.
والجواب عن القسم الثاني [من أصل التقسيم] (٢) في الإناث:
[وقد قلنا: إن المصلين ينقسمون إلى ذكران وإناث، وتكلمنا على الذكران، والكلام هاهنا على الإناث] (٣).
وهن ينقسمن على قسمين، حرائر، وإماء.
والحرائر ينقسمن إلى قسمين: بوالغ وغير بوالغ.
فالحرائر البوالغ: [لا] (٤) تصلي [امرأة منهن] (٥) إلا بدرع سابغ يستر جميع جسدها، وخمار تتقنع به، وذلك أدنى ما تجزئها به الصلاة؛ لقوله - ﷺ -: "لا يقبل الله صلاة امرأة بلغت المحيض إلا بدرع وخمار" (٦)، واختلف هل جميع ذلك منها عورة، ويكون ستره فرض أو بعضه فرض وبعضه سنة على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها إن صلت عريانة أعادت أبدًا، وإن انكشف صدرها أو رأسها أو ظهور قدميها أعادت في الوقت، وهو قول مالك في "المدونة".
_________________
(١) في ب: بالآخرة.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ب.
(٤) في ب: فلا.
(٥) في ب: المرأة.
(٦) أخرجه أبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وابن ماجة (٦٥٥)، وأحمد (٢٤٦٤١)، ولم يذكر فيه: الدرع. قال الترمذي: حديث حسن. وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل (١٩٦)، وحديث أبي داود (٦٤٠) الذي ذكر فيه الدرع ضعيف.
[ ١ / ٣٦٤ ]
والثاني: أن جميع ذلك سنة، وإن صلت عريانة أعادت في الوقت، وهو قول أشهب في [الرجل] (١).
والثالث: التفصيل بين السوأتين وغيرهما.
والخلاف فيها كالخلاف في [الذكور] (٢) سواء؛ لأن المرأة مساوية للرجل في [ستر] (٣) السوأتين، ثم لا يكون بقية جسدها أخفض رتبة في السوأة من سوأة الرجل.
ولا تنتقب [في الصلاة] (٤) ولا تتلثم، فإن فعلت لم تعد. وهذا في الحرائر البوالغ.
وأما الحرائر غير البوالغ: فلا تخلو من أن تكون مراهقة أو غير مراهقة.
فإن كانت مراهقة فصلت بغير قناع، أو كان الصبي [فصلى] (٥) عريانًا، هل [عليهما] (٦) الإعادة في الوقت أم لا؟ قولان:
أحدهما: أن عليهما الإعادة في الوقت، وهو قول أشهب.
والثاني: ترك الإعادة، وهو قول سحنون.
وأما من كان منهن دون حد الإرهاق كبنت ثمان سنين: فلا خلاف في المذهب بأنها تستر نفسها بما تستر الحرة البالغة.
ولا إعادة عليها إن صلت مكشوفة الرأس أو بادية الصدر.
_________________
(١) في ب: الرجال.
(٢) في ب: الذكران.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من ب.
(٦) في أ: عليه.
[ ١ / ٣٦٥ ]
وأما الإماء: فينقسمن إلى من لها حرمة الفراش ومن ليس لها تلك الحرمة.
فأما من ليس لها تلك الحرمة، فهل حكمها حكم الرجل في الستر، أو حكم [الحرة] (١) في الستر؟.
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن لها حكم الحرائر، وهي رواية ابن نافع عن مالك في "المجموعة" قال: ولا تصلي المرأة في إزار وعمامة على عاتقها -يريد بالإزار: المئزر-.
قال ابن القاسم (٢): وليكن على جسدها ثوب يسترها.
و[القول] (٣) الثاني: أن الأمة تستر [في الصلاة] (٤) ما يستره الرجل.
وهو قول أصبغ، غير أنه يقول: إن صلت الأمة مكشوفة الفخذ أعادت في الوقت، وإن صلى الرجل مكشوف الفخذ لم يعد.
وهذا [القول] (٥) الذي قاله مبني على الاحتياط.
وأما من لها تلك الحرمة كأم الولد: فلا خلاف في المذهب أنها تؤمر بما تؤمر به الحرة البالغة من الاستتار، وأنها إن صلت بادية الصدر، أو مكشوفة الرأس: فإنها تعيد في الوقت.
_________________
(١) في جـ: المرأة.
(٢) المدونة (١/ ٩٥).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من ب.
[ ١ / ٣٦٦ ]
غير أن إعادتها دون إعادة الحرة في الاستحباب؛ ولذلك قال في "المدونة" (١): ولا أوجبه عليها كوجوبه على الحرة.
وأما الأمة تُعتق وهي الصلاة: فقد اختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها تقطع ولا تتمادى، وهي مكشوفة الرأس، وهو قول سحنون.
والثاني: أنها تتمادى، ولا تقطع، ولا تعيد، وهو قول أصبغ.
والثالث: التفصيل بين أن تقدر على الاستتار في الصلاة فاستترت [وهي في الصلاة] (٢) فتجزئها صلاتها، [أو أمكنها الاستتار] (٣) فلم تفعل: أعادت في الوقت.
وهو قول ابن القاسم: و[عبد الملك] (٤).
وسبب الخلاف الحكم هل ينتقل بانتقال الحال أم [لا] (٥)؟
وهذا الأصل متداع في كثير من فروع الشريعة [والحمد لله وحده] (٦).
_________________
(١) المدونة (١/ ٩٥).
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: فإن أمكنها ذلك.
(٤) في أ: ابن عبد الحكم.
(٥) سقط من أ.
(٦) زيادة من جـ.
[ ١ / ٣٦٧ ]
المسألة الثانية عشر في قضاء المأموم ما سبقه به الإِمام
ثم لا يخلو المدرك لصلاة الإِمام من وجهين:
إما أن يدركه في موضع جلوس له: [والثاني: أن يدركه في غير موضع جلوس] (١) فإن أدركه في موضع جلوس له كدرك ركعتين من صلاة هي أربع، أو بدرك ركعتين من صلاة هي ثلاث كالمغرب، فإذا سلم الإِمام قام المأموم بالتكبير؛ إذ لو كان وحده لقام بالتكبير.
فإن أدركه في غير موضع جلوس كمدرك ركعة واحدة من صلاة الرباعية وغيرها من سائر الصلوات، هل يقوم بتكبير أو بغير تكبير؟
فالمذهب على قولين قائمين في "المدونة" (٢):
أحدهما: أنه يقوم بغير تكبير، وهو نص قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه يقوم بتكبير، وهو قول ابن نافع وعبد الملك في "النوادر" (٣).
وفيه قول ابن القاسم أنه يقوم بغير تكبير؛ لأن ذلك زيادة التكبير عمدًا، والتكبير التي [يرفع] (٤) منها من السجود هي التي بجب عليه أن يقوم بها إلى القضاء، إلا أن الإِمام حَبَسَه في الجلوس موافقة له، وإن كان
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: المدونة (١/ ٩٦).
(٣) انظر: النوادر (١/ ٣٢١).
(٤) في أ: رفعها.
[ ١ / ٣٦٨ ]
ليس بموضع جلوس له؛ إذ لا يسوغ له القضاء إلا بعد [سلام] (١) الإمام.
ووجه قول [من يقول: إنه يقوم بتكبير] (٢)؛ لأنه قام إلى ركن من أركان الصلاة، فيفتقر إلى التكبير.
وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" (٣)؛ إذا أدرك الجلسة الآخرة من صلاة الإِمام حيث قال ابن القاسم: فإنه يقوم بتكبير؛ لأن السنة التكبير في كل خفض ورفع، وهذا من ذلك.
فإذا قام إلى القضاء هل يكون ما أدرك هو أول صلاته أو هو آخرها؟
فاختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال (٤):
أحدها: أن ما أدرك هو أول صلاته، وما فاته هو آخرها، وهو مذهب الشافعي (٥).
والثاني: أن ما أدرك هو آخر صلاته، وما فاته هو أولها، وهو مذهب أبي حنيفة (٦).
والقولان عن مالك.
والقول الثالث: الفرق بين الأقوال والأفعال؛ فقال: يقضي في الأقوال -يعني القراءة- ويبنى في الأفعال [ق/ ٢٧ جـ]، يعني: الأداء-.
وهذا القول الثالث هو قوله في "المدونة"، وهذا هو الصحيح عن
_________________
(١) في ب: فراغ.
(٢) في ب: عبد الملك.
(٣) انظر: المدونة (١/ ٩٦).
(٤) المدونة (١/ ٩٦).
(٥) الأم (١/ ١٧٨).
(٦) المبسوط (١/ ٣٥).
[ ١ / ٣٦٩ ]
مالك، والقولان الآخران حكاهما أبو محمَّد عبد الوهاب [في المذهب] (١) عن مالك، [وفائدة الخلاف] (٢) هل حكم ما يأتي بعد سلام الإِمام حكم الأداء أو حكم القضاء؟.
وسبب الخلاف: اختلاف طريق الحديث الوارد عنه - ﷺ -: "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (٣) والإتمام يقتضي أن يكون ما أدرك هو أول صلاته.
وفي بعض طرق الحديث: "فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا" (٤).
[والقضاء يوجب] (٥) أن ما أدرك هو آخر صلاته.
[فمن ذهب مذهب] (٦) الجمع جعل القضاء في الأقوال، والأداء في الأفعال، وهذا ضعيف [في النظر] (٧) أن يكون بعض الصلاة أداء وبعضها قضاء.
قال القاضي أبو الوليد بن رشد [والحفيد] (٨): [مع اتفاقهم] (٩) على وجوب الترتيب في [أجزاء] (١٠) الصلاة، وعلى أن تكبيرة الإحرام
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري (٦٠٩)، ومسلم (٦٠٣) من حديث أبي قتادة.
(٤) أخرجه مسلم (٦٠٢)، وأبو داود (٥٧٣)، وأحمد (٧٢٠٩)، واللفظ له.
(٥) في أ: فوجب.
(٦) في أ: ومن سلك مسلك.
(٧) سقط من أ.
(٨) في ب: وحفيده.
(٩) في أ: فاتفاقهم
(١٠) في أ: آخر.
[ ١ / ٣٧٠ ]
هي افتتاح الصلاة، والسلام تحليلها دليل واضح أن ما أدرك هو أول صلاته.
لكن تختلف نية الإِمام والمأموم في الترتيب [في أجزاء الصلاة] (١) فتأمل هذا.
فيشبه أن يكن آخر ما راعاه من قال ما أدرك هو [آخر] (٢) صلاته، انتهى قوله. فإذا قلنا: إن الذي أدرك هو أول صلاته، فإنه إذا أدرك ركعتين من صلاة الإِمام، فإنه يقوم بتكبير؛ لأنه وسط صلاته، فجعل الذي أدرك أولها، ثم يأتي بركعتين متواليتين بأم القرآن في كل ركعة [دون السورة] (٣) وهذا حكم البناء [وهكذا] (٤) في المغرب [أيضا] (٥) إذا أدرك منها ركعة، فإنه يقوم إذا سلم الإِمام يأتي بركعة بأم القرآن وسورة، ثم يقوم بعد التشهد، فيأتي بالركعة الثانية بأم القرآن خاصة، ويجلس ويتشهد، ويسلم.
وعلى القول بأن ما أدرك هو آخر صلاته، فإنه إذا سلم الإِمام يقوم ويأتي بركعتين بأم القرآن وبسورة في كل ركعة من غير أن يجلس بينهما، وهذا حكم القضاء.
وعلى القول الثالث الذي يكون فيه بانيا في الأفعال قاضيًا في الأقوال، فيقرأ فيها بأم القرآن وسورة، فيجلس ثم يقوم إلى الركعة [الباقية] (٦) يقرأ فيها بأم القرآن وبسورة فيجلس.
وهذا الحكم فيما أدرك ركعة واحدة من صلاة هي أربع؛ فقد قال في "الكتاب" (٧): يقوم ويأتي بركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة، ثم يقوم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: أول.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: وهذا.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: الثانية.
(٧) المدونة (١/ ٩٦).
[ ١ / ٣٧١ ]
ويأتي بركعة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة، ثم يقوم [ولا يجلس] (١) ويأتي بركعة يقرأ بأم القرآن خاصة، ويتشهد، ويسلم.
وهذا يتخرج على القول بأن الذي أدرك هو أول صلاته، إلا أنه يقضي مثل الذي فاته، كما نص في "المدونة" (٢)، وأما على القول بأن ما أدرك هو [آخر] (٣) صلاته فيبنى في الأقوال والأفعال، فإنه يقوم ويأتي بركعة بأم القرآن، وسورة فيجلس ثم يقوم ويأتي بركعتين متواليتين بأم القرآن خاصة في كل ركعة.
فهذا فائدة قولهم: ما أدرك هو أول صلاته، أو هو آخر صلاته.
وقد قال بعض المتأخرين: [إن] (٤) ذلك اختلاف في عبارة لا ترجع إلى معنى، وهو قول أبي إسحاق التونسي وغيره، حتى أن الشيخ أبا محمَّد عبد الله بن أبي زيد حكى إجماع أهل المذهب في كتاب "النوادر" (٥): أن القاضي إنما يفترق من الباني في القراءة [ق/ ٣٦ أ] فقط، لا في قيام أو جلوس، وإن كل فذ أو إمام فبانٍ، وكل مأموم فقاضٍ.
فانظر ما حكاه [هذا] (٦) الشيخ، وانظر [إلى] (٧) الخلاف الذي [حكيناه] (٨) في المذهب، وربك أعلم بمن هو أهدى سبيلًا.
وعلى هذا [اختلف] (٩) ابن القاسم وأشهب في الفَّذ يسقط سجدة من
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: المدونة (١/ ٩٦).
(٣) في أ: أول.
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر: النوادر (١/ ٣٢١).
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) في ب: نقلناه.
(٩) في أ: يختلف.
[ ١ / ٣٧٢ ]
أول ركعة أو من الثانية.
قال ابن القاسم وغيره: يكون بانيًا، وفرق بينه وبن المأموم.
وقال أشهب وابن وهب: يكون قاضيًا، ويأتي بركعة بأم القرآن وسورة، ويسجد بعد السلام.
وقد قدمنا مسائل البناء والقضاء في باب الرُّعاف [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من جـ.
[ ١ / ٣٧٣ ]
المسألة الثالثة عشر في صلاة الصبيان
قال القاضي أبو الوليد بن رشد: وللصبي فيما دون الاحتلام حالتان:
[حال] (١) لا يَعْقِلُ فيه مَعْنَى القُربة.
و[حال] (٢) يَعْقِلُ فيه مَعْنَى القُربة.
فأما [الحال] (٣) التي لا يَعْقِل فيه مَعْنى القُربة: فهو فيها كالبهيمة والمجنون ليس بمخاطب بعبادة، ولا مندوب [إلى فعل طاعة] (٤).
وأما [الحال] (٥) التي يعقل فيه معنى القربة: فاختلف هل هو مندوب فيه إلى فعل الطاعة من الصلاة، والصيام، والصدقة، والوصية عند الممات، وما أشبه ذلك؟
فقيل: إنه مندوب إليه، وقيل: إنه ليس بمندوب إلى شيء من ذلك، وإن وليَّه هو المخاطب [بتدريبه] (٦) وتعليمه، والمأجور على ذلك.
قال القاضي: والصواب عندي [أنهما جميعًا مندوبان إلى ذلك] (٧) [مأجوران] (٨) عليه، لقوله ﵇ للمرأة التي أخذت بعضد صبي
_________________
(١) في ب: حالة.
(٢) في ب: حالة.
(٣) في ب: الحالة.
(٤) في ب: إليها.
(٥) في ب: الحالة.
(٦) في ب: بتدبيره.
(٧) في ب: أنه مندوب إلى ذلك.
(٨) في ب: ومأجور.
[ ١ / ٣٧٤ ]
فرفعته من المِحَفَّةِ (١) إليه، ألهذا حج يا رسول الله؟ قال: "نعم، ولك أجر" (٢) انتهى قوله.
و[قال الشيخ] (٣): ولا خلاف في [مذهب مالك ﵁] (٤) أن الصبيان يؤمرون بالصلاة لسبع سنين -ذكرانًا وإناثًا- بدليل ما رواه ابن وهب أن النبي - ﷺ - قال: "مروا الصبيان بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع" (٥).
واختلف متى يفرق بينهم في المضاجع على قولين:
أحدهما: أنه يفرق بينهم في المضاجع لعشر سنين.
والثاني: أنه يفرق بينهم عند الإثغار، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
وسبب الخلاف: اختلافهم في مفهوم قوله ﵇: "وفرقوا بينهم في المضاجع" (٦)، هل هو عائد على قوله: ["مُروا الصبيان
_________________
(١) مركب من مراكب النساء، وفي رواية: هودج.
(٢) أخرجه مسلم (١٣٣٦)، وأبو داود (١٧٣٦)، والنسائي (٢٦٤٨)، وأحمد (١٩٠١).
(٣) زيادة من ب.
(٤) في ب: المذهب.
(٥) أخرجه أبو داود (٤٩٥)، وأحمد (٦٦٥٠)، والحاكم (٧٠٨)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٨٢)، والدارقطني (١/ ٢٣٠)، والبيهقي في الكبرى (٣٠٥١)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٦)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٦٠)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ١٦٧)، والخطيب في التاريخ (٢/ ٢٧٨)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٢٩٠)، (٢/ ١٥٨) من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا. وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الإرواء (٢٩٨).
(٦) تقدم.
[ ١ / ٣٧٥ ]
بالصلاة" أم على قوله:] (١) "واضربوهم عليها لعشر"؟.
وأما الضرب فإنما يضربون عليها لعشر على مشهور المذهب.
وقال أشهب: يؤدبوا عليها عند الإثغار.
وقال ابن حبيب: إذا بلغ عشر سنين، فلا يتجرد أحد بين أبويه وبين إخوته، ولا يجتمع [منهم] (٢) اثنان في ثوب [واحد] (٣) ذكرانًا كانوا أو إناثًا.
و[اختلف] (٤) في الصيام، هل يؤمر به الصبيان قبل البلوغ كالصلاة أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنهم يؤمرون إذا أطاقوه وهو قول عبد الملك [بن الماجشون] (٥).
والثاني: أنهم لا يؤمرون بالصيام حتى يبلغوا، واتفقوا في الاحتلام في الذكران، والحيض أو الحمل في النسوان أنه حَدٌّ للتكليف.
و[اختلف] (٦) في [الإنبات] (٧) هل هو علامة للبلوغ أم لا؟
على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن الإنبات لا يكون علامة للبلوغ.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من ب.
(٤) في ب: اختلفوا.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: اختلفوا.
(٧) سقط من أ.
[ ١ / ٣٧٦ ]
وهو قول مالك في "كتاب القطع" في السرقة، [في] (١) كتاب الرجم والقذف.
قال ابن القاسم: وقد أصغى مالك إلى الاحتلام حين [كلمته في (٢)] (٣) الإنبات.
والثاني: أنه يكون علامة للبلوغ.
وهو ظاهر قول ابن القاسم في الكتب المذكورة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الجهاد" من "المدونة" أيضًا.
والثالث: التفصيل بين ما كان لله تعالى، ولا خصم له فيه: فالمراعى فيه الاحتلام دون الإنبات.
وما له فيه خصم ومطالب: فيراعى فيه الإنبات؛ [لأنه] (٤) [يتهم] (٥) في نفي البلوغ أن يكون ملاذا لحق الغير.
وهذا قول يحيى بن عمر في "النوادر" وهو ظاهر قول مالك في "كتاب القذف والرجم" على تأويل بعض المتأخرين [من أصحاب مالك] (٦).
وسبب الخلاف: معارضة الأثر لظاهر كتاب الله تعالى؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُغ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٧)، فظاهر كتاب الله
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) بياض بالأصل.
(٣) بياض في أ.
(٤) في ب: لأنهم.
(٥) في ب: يتهمون.
(٦) سقط من أ.
(٧) سورة النور الآية (٥٩).
[ ١ / ٣٧٧ ]
تعالى: أن الإنبات لا يكون دليلًا على البلوغ، ثم إن النبي - ﷺ - نهى عن قتل ذراري المشركين، ثم أمر بقتل من جرت عليه المواسي [من الكفار] (١) إشارة إلى الإنبات -وكذلك قال أبو بصرة الغفاري، وعقبة بن [عامر] (٢) الجهني صاحب النبي - ﷺ - في الغلام [الذي] (٣) كادت الثائرة أن تكون بين الأنصار وبين ناس من قريش بسببه، ثم قالوا: تختلفون وفينا أصحاب رسول الله - ﷺ - فسألوهما، فقالا لهم: انظروا إليه فإن أنبت الشعر أسهم له، فنظروا إليه فإذا هو قد أنبت الشعر فأسهموا له.
ولا يكون هذا إلا توقيفًا، فهل يخرج مخرج البيان لما ذكره الله تعالى في كتابه، أو [يخرج] (٤) مخرج التخصيص، [أو مخرج النسخ] (٥) فمن رأى أنه خرج مخرج البيان [ق/ ١٨ ب] وأن الله تعالى لم ينف أن يكون الإنبات علامة للبلوغ؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ﴾ (٦)، لا يقتضي الحصر، ولا يزيل ذكر الله تعالى بعض أمارات البلوغ.
فبين النبي - ﷺ - أن الإنبات [علامة للحكم] (٧)، وأن الإنبات لا يكون علامة للبلوغ أصلًا، وإنما اعتبر النبي - ﷺ - الإنبات فيمن يقتل من الكفار، أو يسهم له من المسلمين، لأن الإنبات فطنة لوجود القوة على القتال، فكان المعتبر هو القوة على المجاهدة والمسابقة، فمن وجد ذلك المعنى فيه
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في الأصل: عامري.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من جـ.
(٦) سورة النور الآية (٥٩).
(٧) في أ: لا يكون من علاماته كالحلم.
[ ١ / ٣٧٨ ]
أنيط به الحكم، أنبت أو لم ينبت.
وإنما قصد النبي - ﷺ -[الفصل] (١) بين ما تمحض لله تعالى على العبد وبين ما للعبد فيه حق.
وأما النسخ فلم يصر إليه أحد من العلماء، وإنما ذكرناه في معرض [السبر] (٢).
وكذلك إذا بلغ [سنًا] (٣) لا يبلغه أحد إلا احتلم، فلا خلاف أنه يحكم له حكم البلوغ، وإنما اختلف في حد ذلك السن، ما هو؟ فقيل: خمس عشرة سنة، وقيل: ست عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة، وقيل: ثماني عشرة سنة.
والفرق بين الصلاة والصيام -على الشهود-: أن الصلاة اشتملت على أقوال وأفعال، وفرائض، وسنن، وفضائل يفتقر تعليمها إلى أمد [طويل] (٤)، فاحتاج إلى التدرب بها قبل إتيان البلوغ؛ ليأتي عليه البلوغ، وقد أنس [بها] (٥) وتمكن حبها في قلبه، وراض قلبه بفعلها، وعرف المراد بها ومكانها عند الله تعالى، وعرف فرائضها، ونوافلها.
فلو [أهمل إلى بلوغ] (٦) حد التكليف لأدى ذلك إلى أن يضيع أكثر الصلوات؛ إما لنفوره عنها، والنفس عادتها النفور عما فيه نجاتها آجلًا،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: السؤال.
(٣) سقط من ب.
(٤) في ب: معلوم.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: أهملها إلى.
[ ١ / ٣٧٩ ]
والركون إلى ما فيه منفعتها عاجلًا، وإما لكون النفس منقادة إلى أن التعليم يصعب عليها لبُعد [فهمها] (١)، فيؤدى ذلك إلى أن يمضي أكثر الأوقات لم [يقم] (٢) فيها صلاته، ولا برئت بها ذمته، فيكون عاصيًا لله بتضييع تلك الصلوات.
والصيام بخلاف ذلك من باب الترك، وأوصاف منحصرة لا يتعذر معرفتها، ولا [ينبو] (٣) [الفاهم] (٤) عن تفهمها؛ لأنه يؤمر باعتقاد النية أول الليل، أو حيث [تيسر] (٥) عليه في أجزاء الليل بأن يترك الأكل [والشرب] (٦) [والجماع] (٧) من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وذلك يفهمه كل أعجمي، وإن كان كما جلب [من غاية] (٨) فكيف من كان بين أظهر المسلمين، وهو بعد ذلك [يعلم] (٩) فيما بينه وبين الله تعالى، إن قال -صمت وهو مفطر، وليس علينا مراقبته، ولهذا كان الصيام من السرائر التي تُبلى يوم القيامة، جعلنا الله وإياكم ممن كانت سريرته أفضل من علانيته.
ولأجل [ق/ ٢٨ جـ] هذا [حث] (١٠) الشارع على الصيام،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: يقوم.
(٣) في ب: يبين.
(٤) في أ: الفهم.
(٥) في أ: تعين.
(٦) سقط من أ.
(٧) في ب: الوطء.
(٨) سقط من أ.
(٩) في أ: يعمل.
(١٠) سقط من أ.
[ ١ / ٣٨٠ ]
[وقال: يقول الله] (١): "كل عمل ابن آدم فهو له إلا الصيام فهو لي" (٢).
على ما سنبينه في "كتاب الصيام" بيانًا شافيًا، إن شاء الله تعالى [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) أخرجه البخاري (١٧٩٥)، ومسلم (١١٥١).
(٣) زيادة من جـ.
[ ١ / ٣٨١ ]
المسألة الرابعة عشر [فيما] (١) إذا سلم المصلي قبل تمام صلاته
[وذلك لا] (٢) يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يسلم ساهيًا.
والثاني: أن يسلم شاكًا.
والثالث: أن يسلم متعمدًا.
فالجواب عن الوجه الأول:
إذا سَلَّم ساهيًا ولم يتعمد [إلى] (٣) السلام: فلا خلاف في المذهب أن ذلك السلام لا يخرجه من صلاته، وأنه ينبني على صلاته من غير تكبير.
كان سَلَّم شَاكًا في [كمال] (٤) الصلاة، و[لا] (٥) يتيقن بالنقصان ولا بالتمام، [فهذا الذي] (٦) لا ينبغي أن يسلم.
فإن فعل وسلم فصلاته [فاسدة] (٧) مع تمادي الشك بالاتفاق.
[فإن سلم على شك، ثم تبين له أنه قد] (٨) أتم صلاته فهل تجزئه أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: فلا.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: إكمال.
(٥) في ب: لم.
(٦) في أ: فإنه.
(٧) في ب: باطلة.
(٨) في ب: وإن تبين له أنه.
[ ١ / ٣٨٢ ]
فالمذهب على قولين:
أحدهما: جواز الصلاة وهو مذهب ابن حبيب.
والثاني: أنها فاسدة وهو المشهور.
وسبب الخلاف: الأمر إذا وقع موقع الفساد ثم انكشف عن السداد وهو يستصحب معه حالة الابتداء أو يستصحب حالة الانتهاء؟
فمن رأى أن صلاته جائزة قال باستصحاب حالة النهاية، ومن قال بفسادها قال باستصحاب حالة البداية.
وأما إذا سلم متعمدًا فلا يخلو من أن يتعمد السلام مع علمه بأن صلاته لم تتم بعد أو سلم على ما يغلب على ظنه أن صلاته قد تمت، فإن تعمد السلام مع علمه بأن صلاته لم تتم فإن صلاته باطلة باتفاق، وإن تعمد السلام لما يغلب على ظنه من تمام الصلاة، فهذا الذي يرجع إلى صلاته إن كان قريبًا، وإن تباعدا ابتدأ، وإن انتقض وضوءه على الاتفاق، وإن لم ينتقض فعلى الخلاف عن قول مالك على ما نقله اللخمي ثم لا يخلو هذا الباني من وجهين: إما أن يذكر وهو جالس في موضعه أو ذكره وهو واقف أو انصرف، فإن ذكره وهو جالس في موضعه، فهل يرجع بتكبير أو بغير تكبير؟ فالمذهب على قولين (١):
أحدهما: أنه يرجع بتكبير، وهو مذهب سحنون.
والثاني: أنه يرجع بغير تكبير، وهو مذهب [أشهب] (٢).
وسبب الخلاف: اختلافهم في السلام على طريق السهو هل يخرجه من الصلاة أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ابن القاسم
[ ١ / ٣٨٣ ]
فمن رأى أنه يخرجه من الصلاة، قال: يرجع بالتكبير.
ومن رأى أن السلام على طريق السهو لا يخرجه من الصلاة، قال: يرجع بغير تكبير.
فإن ذكر وهو قائم، أو بعد الانصراف ولم يتباعد: فإنه يرجع ويبنى على ما صلى.
واختلف هل يرجع إلى الجلوس أو يكبر وهو قائم فيدخل في صلاته؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يرجع إلى الجلوس.
والثاني: أنه يشرع في صلاته، ولا يرجع إلى الجلوس، والقولان قائمان من "المدونة" (١).
وسبب الخلاف: الحركة إلى الأركان هل هي لازمة أم لا؟
فمن رأى أن الحركة لازمة [إلى الأركان] (٢) قال: يرجع إلى الجلوس ليأتي بالحركة الواجبة عليه؛ وهي النهضة من الجلوس إلى القيام.
ومن رأى أن [ق/ ٣٧ أ] الحركة غير واجبة، وإنما الواجب [عليه] (٣) الإتيان بالقيام كيف تمكن له قال: يدخل في صلاته ولا يرجع إلى الجلوس؛ لأن القيام قد وجد، والرجوع إلى الجلوس زيادة مستغنى عنها في نفس الصلاة.
وقد قال مالك ﵀ فيمن فاته بعض صلاة الإِمام، فَظَنَّ أن الإِمام
_________________
(١) المدونة (١/ ١٣٦).
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
[ ١ / ٣٨٤ ]
[قد] (١) سَلَّم فقام يقضى ثم سَلَّم عليه [الإِمام] (٢) وهو قائم: أنه لا يرجع جالسًا، بل [يبتدئ القضاء] (٣) قائمًا حين سلم الإِمام، ولا يَعْتّد بما [صلى أو قرأ] (٤) قبل سلام الإِمام.
فإذا فرغ من القضاء هل يسجد أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يسجد، وهو مذهب "المدونة".
والثاني: أنه لا يسجد.
وعلى القول بأنه يسجد هل [يسجد] (٥) قبل أو بعد؟
[قولان أيضًا] (٦):
أحدهما: قبل، وهو نص "الكتاب".
والثاني: بعد، وهو في غير "المدونة".
والقول بأنه لا سجود عليه [أظهر] (٧) لأن سهوه في حكم الإِمام يحمله عنه؛ ولأنه لو رجع إلى الجلوس قبل أن يسلم الإِمام لحمله عنه.
ثم إليه من قال يسجد قبل السلام؛ لأنه [نهض] (٨) النهضة التي وجبت عليه [بعد سلام الإِمام] (٩).
وأضعف الأقوال قول من قال يسجد بعد [السلام] (١٠).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: يتمادى بالقضاء.
(٤) في ب: قضى.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: على قولين.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
(٩) سقط من ب.
(١٠) سقط من أ.
[ ١ / ٣٨٥ ]
وهكذا اختلفوا في مسألتنا إذا رجع إلى الجلوس على قول من [قال] (١) لا يرجع، وهو قول ابن نافع.
هل تفسد صلاته؛ لأنه زاد في صلاته عامدًا، وهو قول أشهب فيما إذا قام من اثنتين ثم استوى قائمًا، ثم يرجع جالسًا أو تصح صلاته، فيسجد قبل على قول ابن القاسم، أو بعد على قول غيره.
وعلى القول بأنه يرجع جالسًا، هل يكبر تكبيرة الرجوع قائمًا ثم يجلس ثم يقوم فإذا استوى قائمًا كبر تكبيرة القيام إن كان سلامه في موضع جلوس، أو لا يكبر حتى يجلس ثم يكبر تكبيرة ينوي بها الرجوع إلى صلاته؟، على قولين.
وسبب الخلاف: اختلافهم في [التكبيرة] (٢) التي يرجع بها [إلى صلاته] (٣) هل هي بمنزلة الإحرام، ثم يكون محلها القيام كتكبيرة الافتتاح، أو هي سنة على حالها فيرجع إلى حيث وقع السلام فيوقع فيها التكبير، ثم [يرجع] (٤) بعدها [إلى] (٥) القيام.
على الجملة، فإن مشروعية التكبير للبناء ضعيف لم يثبت عن النبي - ﷺ - في أحاديث البناء، وسحنون يقول: إن النبي - ﷺ - بني على ما صلى بتكبير، والحمد لله وحده [تم كتاب الصلاة الأول بحمد الله وحسن عونه، وصلى الله على نبينا محمَّد] (٦).
_________________
(١) في أ: يقول.
(٢) في أ: التكبير.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: يشرع.
(٥) في أ: في.
(٦) زيادة من جـ.
[ ١ / ٣٨٦ ]
كتاب الصلاة الثاني
[ ١ / ٣٨٧ ]