[في] (١) تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها [أربع] (٢) عشرة مسألة:
المسألة الأولى سجود [التلاوة] (٣)
ولا خلاف في مذهب مالك ﵀ أن إحدى عشرة [سجدة] (٤) من العزائم.
واختلف المذهب في سجدة "والنجم"، "وإذا السماء انشقت"، "واقرأ باسم ربك" هل هي من العزائم أم لا؟
على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها من العزائم، ومن ترك السجود لها يلزمه ما يلزم من ترك السجود في محل الاتفاق، وهي رواية ذكرها أبو محمَّد عبد الوهاب عن مالك (٥).
والثاني: أنها ليست من العزائم، وأن القارئ لا ينبغي له السجود ميها، وهو المشهور عن مالك، ومذهبه في"المدونة" (٦).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ثلاث.
(٣) في ب: القرآن.
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر: عيون المجالس (١/ ٣٢٦، ٣٢٧) والإتحاف بتخريج أحاديث الأشراف (٢/ ٥٦١: ٥٦٤).
(٦) انظر: المدونة (١/ ١٠٩).
[ ١ / ٣٨٩ ]
والثالث: أن القارئ بالخيار؛ إن شاء سجد، وإن شاء ترك (١).
وهذا القول وقع لمالك في المبسوط، وهو اختيار الشيخ أبي بكر الأبهري.
وسبب الخلاف: اختلاف الآثار والأخبار في سجوده ﵇ في الثلاثة مواضع لاتفاق كل مخالف ومؤالف أن النبي ﵇ سجد في بعضها بمكة؛ فروى عن عبد الله بن عباس ﵁ أنه قال: لم يسجد النبي ﵇ في المفصل منذ تحول إلى المدينة (٢).
وروى عن زيد بن ثابت أنه قال [أيضًا] (٣): قرأت على النبي - ﷺ - سورة والنجم فلم يسجد (٤).
ويعارضه ما روى عن النبي - ﷺ - في حديث أبي هريرة (٥) أنه قال: سجد النبي - ﷺ - في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (٦).
وزاد في حديث مسلم أنه قال: في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٧)، سجدة سجدتها خلف أبي القاسم، فلا أزال أسجدها حتى ألقاه (٨).
_________________
(١) انظر: عيون المجالس (١/ ٣٢٦).
(٢) أخرجه أبي داود (١٤٠٣)، وابن خزيمة (٥٥٩)، والطبراني في الكبير (١١٩٢٤)، وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (٢٤٠)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٧٥٢). ضعفه الحافظ في التلخيص الحبير (٤٨٤)، والفتح (٢/ ٥٥٥)، وابن الملقن في خلاصة البدر المنير (٥٦٣)، وابن الجوزي في التحقيق (٥٩٢)، والزيلعي في نصب الراية (٢/ ١٨٢)، والشيخ الألباني.
(٣) سقط من ب.
(٤) أخرجه البخاري (١٠٢٢)، ومسلم (٥٧٧).
(٥) أخرجه البخاري (٧٣٢)، ومسلم (٥٧٨).
(٦) سورة الانشقاق الآية (١).
(٧) سورة العلق الآية (١).
(٨) مسلم (٥٧٨).
[ ١ / ٣٩٠ ]
فمن رجح حديث ابن عباس، وزيد بن ثابت قال: ليست من العزائم.
ومن رجح حديث أبي هريرة فيرى أنها من العزائم، وهو الأظهر؛ لأن أبا هريرة متأخر الإِسلام، وحديثه بعد حديث ابن عباس.
ومحمل [حديث] (١) زيد بن ثابت أنه قرأ على النبي - ﷺ - سجدة والنجم، فلم يسجد؛ فيحتمل أن يكون في غير إبان النافلة، أو [أن] (٢) النبي - ﷺ - على غير وضوء، أو أنه ترك ذلك ﵇ عمدًا بيانًا أنه ليس بواجب، وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب ﵁ فقال: على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا، إلا أن نشاء (٣).
وكان مالك [﵁] (٤) لا يوجبها، وأخذ في ذلك بقول عمر ﵁.
واختلف المذهب عندنا في سجود [التلاوة] (٥) على قولين:
أحدهما: أنه سنة مؤكدة، وإلى هذا ذهب [أبو] (٦) القاسم بن محرز، واستقرأ ذلك من قوله في "المدونة" (٧): إن قارئها يسجد بعد العصر ما لم تصفر الشمس، وبعد الصبح ما لم يسفر كصلاة الجنائز.
والثاني: أنه مستحب، وإليه ذهب [أبو القاسم] (٨) بن الكاتب،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري (١٠٢٧)، ومالك (٤٨٢) واللفظ له.
(٤) سقط من ب.
(٥) في ب: القرآن.
(٦) سقط من أ.
(٧) المدونة (١/ ١٩٠).
(٨) سقط من ب.
[ ١ / ٣٩١ ]
واستقرأ ذلك من قول مالك في "المدونة" (١): وكان مالك يستحب إذا قرأها في غير [إبان] (٢) الصلاة ألا يدع سجودها.
وسبب الخلاف: قول عمر [﵁] (٣) هل يقع [التخصيص به لعموم] (٤) فعله ﵇؟
أعني بعموم الفعل مداومة النبي - ﷺ -[على السجود] (٥) مع التمكن على الدوام، هل يكون قول عمر: إن الله لم يكتبها علينا إلا أن [نشاء] (٦) بيانًا لفعل النبي - ﷺ -[أن المراد به الندب الذي لا يتأثم المكلف بتركه عمدًا، ولا يكون ذلك بيانًا؛ لأن ما فعل النبي - ﷺ -] (٧) وداوم على فعله حتى توفي كانت سُنَّة مؤكدة؛ فمن تركها عامدًا أثم، وأن عمر ﵁ أراد أن يبين لهم أنها ليست بواجبة، وهذا ضعيف لأن الشريعة تقررت، والأقدام على الطريقة المستقيمة استمرت، وإن الدين قد كمل بحجة الوداع حيث قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكمْ دِينَكُمْ﴾ (٨).
ومعلوم أن الصحابة رضوان الله عليهم لا يشكون أن الشريعة التي شرعها النبي - ﷺ - كانت بوحي من الله تعالى؛ فرائضها، وفضائلها، وسننها.
وسواء كان فيها قرآن يتلى أم لا، وسواء قلت إن النبي - ﷺ - كان يجتهد
_________________
(١) المدونة (١/ ١١١).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ب.
(٤) في أ: به التخصيص بعموم.
(٥) سقط من أ.
(٦) في الأصل: يشاء.
(٧) سقط من أ.
(٨) سورة المائدة الآية (٣).
[ ١ / ٣٩٢ ]
في بعضِ الأمور أم لا؛ لقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١).
لأن [اجتهاده] (٢) كان بكتاب الله ﷿، وهذا إذا [اعتبره] (٣) الناظر لا يكاد [يخالجه] (٤) فيه ريب إلا أن يكون ضعيف العقيدة، شاغر الحوصلة.
[وقد] (٥) ثبت عند كل عاقل انقطاع الوحي بموت النبي - ﷺ -.
وكيف يظن بعمر ﵁ أنه إنما ترك السجود ليريهم أنها ليست بواجبة [عليهم] (٦)، وهل [منهم] (٧) من يعتقد أن عمر يحدث شريعة، أو يزيد على ما مات النبي - ﷺ - عليه [بكلامه] (٨) من ذلك؟
وقد ثبت وتقرر أن عمر [﵁] (٩) ما [تركها] (١٠) مخافة الوجوب ولا [تركها] (١١) مع الاعتقاد أنها سنة مؤكدة أيضًا، وإنما تركها لمعنى آخر ينبغي للناظر أن يتفكر فيه، ولعله يعثر عليه، والله يهدي من يشاء إلى طريق الصواب [والحمد لله وحده] (١٢).
_________________
(١) سورة النجم الآيتان (٣، ٤).
(٢) في ب: الاجتهاد.
(٣) في أ: اعتبر.
(٤) في أ: يداخله.
(٥) سقط من أ.
(٦) زيادة من ب.
(٧) في ب: فيهم.
(٨) في أ، جـ: بكلامهم.
(٩) سقط من أ.
(١٠) في ب: ترك.
(١١) في أ: يتركها.
(١٢) زيادة من جـ.
[ ١ / ٣٩٣ ]
المسألة الثانية في معرفة من يجب عليه السجود
ولا يخلو قارئ السجدة من ثلاثة أوجه:
إما أن يكون في صلاة نفل أو فرض، أو يكون في [غير صلاة] (١).
فإن كان في نفل: فلا خلاف أنه يسجدها إذا قرأها، فإن نسى أن يسجد لها: فلا يخلو من أربعة أوجه:
إما أن يذكر قبل أن يتطاول في القراءة بعدها.
أو [ذكر] (٢) بعد أن أطال في القراءة بعدها.
أو بعد أن ركع ولم يرفع.
أو بعد الرفع من الركوع.
فإن ذكرها بعد أن جاوزها بالآية والآيتين [يسجد] (٣) ولا يعد لقراءتها.
فإن [ذكر] (٤) بعد أن أطال القراءة بعدها أعاد قراءتها وسجد، ولكن يعيد قراءة [الآية] (٥) التي فيها السجدة، ولا يقرأ السجدة وحدها.
واختلف إذا ذكرها وهو راكع هل يرفع ويعيد قراءتها في الثانية، أو
_________________
(١) في ب: غيرهما.
(٢) سقط من ب.
(٣) في ب: سجد.
(٤) في ب: ذكرها.
(٥) سقط من أ.
[ ١ / ٣٩٤ ]
يخر إلى السجود؟ قولان قائمان من "المدونة" (١):
وسبب الخلاف: وضع اليدين على الركبتين، هل هو عقد الركعة أو الرفع منها؟
وأما إن ذكرها [ق/ ٢٩جـ]، بعد الرفع فلا خلاف أنه يتمادى على تلك الركعة، فإذا دخل في الركعة [الثانية] (٢) أعاد قراءتها و[سجد] (٣).
واختلف المتأخرون هل يقدم قراءة أم القرآن، ثم يقرأ بعدها الآية التي فيها السجدة أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنه [يقرأ] (٤) أم القرآن، ثم يقرأ السجدة فيسجد، فإذا رفع رأسه [ق/ ٣٨ أ] منها قرأ السورة.
وهو قول [الشيخ] (٥) أبي محمَّد بن أبي زيد.
والثاني: أنه يبدأ بقراءة الآية التي فيها السجدة فيسجد، ثم يقوم بقراءة الآية التي فيها السجدة فيسجد، ثم يقوم فيبتدئ قراءة أم القرآن، وهو قول أبي بكر بن عبد الرحمن.
فوجه القول الأول: أنه لا ينبغي أن يقدم على قراءة أم القرآن شيئًا؛ لأن ذلك [مخالف لمشروعية] (٦) القراءة في الصلاة.
ووجه القول الثاني: أنه إنما يكره أن يقدم على أم القرآن ما ليس بقرآن
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ١١٠).
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: يسجد.
(٤) في ب: يقدم قراءة.
(٥) زيادة من ب.
(٦) في ب: مخالفة شريعة.
[ ١ / ٣٩٥ ]
كالذكر والدعاء، وما أشبه ذلك، فإن نسي أيضًا حتى عقد الثانية، فإنه يتمادى فيها، ولا شيء عليها إلا أن يدخل في نافلة أخرى، فيستحب له أن يعيد قراءتها على ما وصفنا.
فإن كان ذلك في صلاة فرض، فهل يقرأها [أم لا] (١)؟ [كيف يفعل إن كان فذًا] (٢)؟
فذلك يختلف باختلاف حالات المصلي؛ فإن كان في جماعة كبيرة [أو] (٣) في صلاة الجهر، أو في الجماعة اليسيرة في صلاة السر، فإنه يكره للإمام قراءة سورة فيها سجدة فإن فعل فإنه يستحب أن لا يقرأ السجدة، فإن قرأها سجد، ويعلن بقراءة السجدة في صلاة السر ليعلم من خلفه أنه لذلك سجد؛ هكذا ذكره أبو الحسن اللخمي.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله - ﷺ - يصلي بنا الظهر ويسمعنا الآية أحيانًا (٤).
واختلف إذا كانت الجماعة قليلة، والقراءة جهرًا، أو كان فذًا على قولين:
أحدهما: أنه لا يقرأ سورة فيها سجدة لئلَّا يخلط على الناس صلاتهم.
وهو قول مالك، ثم قال أيضًا: وكذلك الفذ لا يقرأها، وهذا [قوله] (٥) في المدونة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) أخرجه البخاري (٧٢٥)، ومسلم (٤٥١) من حديث عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه.
(٥) سقط من أ.
[ ١ / ٣٩٦ ]
و[القول] (١) الثاني: أنه يجوز [له قراءتها فذًا كان أو إمامًا] (٢) وهو قوله في "العتبية"، وهو قول عبد الملك [بن الماجشون] (٣) في "الواضحة".
وسبب الخلاف: معارضة القياس بفعله ﵇.
وقد ثبت عنه - ﷺ - من طريق أبي هريرة أنه قال: في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ سجدة سجدتها خلف أبي القاسم.
ولا يكون ذلك إلا في الصلاة، ويبينه قوله أيضًا: كان ﵇ يقرأ في الجمعة بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ (٤)، في صلاة الصبح (٥).
وما روى أيضًا عنه - ﷺ - أنه قرأ بسورة الفرقان في صلاة الصبح، ثم أسقط آية فقال: أفي المسجد أبي بن كعب، والفرقان [فيها] سجدة، والقياس يقتضي أن لا يقرأها؛ لأنه إن كان إمامًا خلط على من خلفه، وذلك في صلاة السر، والجهر سواء.
وإن كان فذًا خلط على نفسه أيضًا؛ لأن ذلك سبيل للوسواس إن شك في سجوده هل هو للركعة، أو للتلاوة، أو للسهو، فيجعله لصلاته.
ويتركب هذا الوجه فروع، وهو إذا قرأ سجدة فركع لها فلا يخلو من أن يكون قصد [إلى] (٦) الركوع، وترك السجود للسجدة [أو يسهو عن
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في أ: للفذ والإمام.
(٣) سقط من ب.
(٤) سورة الإنسان الآية (١).
(٥) أخرجه البخاري (٨٥١)، ومسلم (٨٨٠).
(٦) سقط من أ.
[ ١ / ٣٩٧ ]
السجدة فيركع، فإن قصد الركوع، وترك السجود للسجدة] (١) فلا إشكال أن الركعة تجزئه لفرضه ونفله إن كانت نفلًا، مع الكراهية في ترك [السجود] (٢) في محله، ويعيدها في الركعة [الثانية] (٣) على حسب ما تقدم.
فإن سها عن السجود [فركع] (٤) فلا يخلو من أحد وجهين: إما أن ينوى بانحطاطه من أوله الركوع، أو كانت نيته [للسجود] (٥) فلما أن انحنى غلب ذلك [عليه] (٦) فنسى السجدة فبقى راكعًا.
فإن نوى الركوع بأول انحطاطه: فلا خلاف أيضًا أنه يتمادى على الركعة حتى يتمها [إن نوى الركوع] (٧).
فإن كان نوى [بأول انحطاطه] (٨) السجدة، ثم نسى فركع: فقد اختلف قول ابن القاسم، وأشهب في ذلك.
فابن القاسم يقول: إن ذكرها وهو راكع فليخر ساجدًا، ثم يقوم ويكبر ويبتدئ بالقراءة.
قال ابن حبيب: ويسجد بعد السلام إذا أطال الركوع؛ قال ابن أبي زيد: يريد اطمأن في ركوعه، والله أعلم [ق/ ١٩ أ].
قال ابن القاسم: فإن لم يذكر حتى أتم الركعة ألغاها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: السجدة.
(٣) في أ: الباقية.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: للسجدة.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: بانحطاطه.
[ ١ / ٣٩٨ ]
وروى أشهب عن مالك أنها تجزئه عن الركعة، وإن ركعها ساهيًا عن السجدة.
وروى علي بن زياد أيضًا عن مالك في "المجموعة"، قال: ويقرأ السجدة فيما بقى من صلاته، ويسجد بعد السلام.
وقال المغيرة: لا يسجد.
وسبب الخلاف: هل يسجد في زيادة القرآن أم لا؟.
وسبب الخلاف: الحركة إلى الأركان هل هي لازمة أم لا [فمن رأى أن الحركة إلى الأركان لازمة قال] (١) يعيد تلك الركعة ولا تجزئه؛ لأن الانحناء إنما كان للسجود، لا للركعة، والسجود نفل.
ومن رأى أن الحركة ليست [بلازمة] (٢)، وإنما المقصود الإتيان بالركوع الذي هو ركن متفق عليه، وقد أتى به، فيقول بالإجزاء.
وأما إذا قرأها في غير صلاة، فلا يخلو من أن يقرأها في غير إبَّان صلاة النافلة، أو في إبَّانها.
فإن كان في إبَّان صلاة النافلة، وكان القارئ على [وضوء] (٣) فلا خلاف أن [السجود] (٤) يتوجه عليه في خاصة نفسه [على] (٥) الجملة، ونحن نبين ذلك إن شاء الله تفصيلًا.
ثم لا يخلو القارئ من أحد وجهين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: بواجبة.
(٣) في أ: غير وضوء.
(٤) في أ: الوضوء.
(٥) في أ: في.
[ ١ / ٣٩٩ ]
إما أن [يكون] (١) يقرأ لنفسه، أو يقرأ لغيره.
فإن كان يقرأ لنفسه: فالحكم كما قدمناه.
وإن كان يقرأ لغيره: فلا يخلو من [وجهين إما] (٢) أن يكون قصد بقراءته الأجر والثواب، [أو يكون قصد بها] (٣) الرياء والسمعة.
فإن قصد بها الرياء والسمعة مثل الذي يقعد في المساجد يوم الخميس فيقرأ، ويقصد إلى الحافل والجوامع، فيتعمد آية من القرآن يختارها موافقة لما يريد من الألحان، والتطريب، ويردد [قراءتها بحسن] (٤) الصدى والترنم.
فلا خلاف في المذهب أن ذلك مكروه، وأمر مالك [﵁] (٥) أن [يقام] (٦) من هذه صفته [وعادته] (٧) ويترك ولا يجلس إليه أحد؛ لأن ذلك بدعة مذمومة.
فإن قصد بجلوسه الأجر والثواب؛ مثل من يجلس لقراءة القرآن فيجلس إليه الناس، فهذا [الذي يجلس إليه] (٨) لا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يجلس قصدًا للتعليم.
والثاني: أن يجلس إليه على معنى الاستماع للأجر [والثواب] (٩).
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: إما أن يقصد.
(٤) في أ: قراءته بحق.
(٥) زيادة من ب.
(٦) في جـ: يقوم.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من ب.
(٩) سقط من أ.
[ ١ / ٤٠٠ ]
والثالث: أن يجلس إليه قصدًا للسجود خاصة.
فإن جلس إليه على [سبيل] (١) التعليم، كالمعلم، والمتعلم: فلا خلاف في المذهب أنه لا يلزمهما أن يسجدا كلما مرا بسجدة؛ لأن ذلك من باب الحرج والمشقة.
واختلف في السجدة الأولى هل يسجدانها أم لا؟.
على قولين (٢):
أحدهما: أنهما يسجدانها، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنهما لا يسجدانها كالتي تأتي بعدها.
وهو قول أصبغ وابن عبد الحكم، [والتوجيه] (٣) ظاهر.
وأما إن جلس إليه على سبيل الأجر والثواب في استماع القرآن: فإن سجد القارئ فلا خلاف أن المستمع يؤمر بالسجود.
فإن لم يسجد القارئ هل يسجد المستمع أم لا؟
[فالمذهب] (٤) على قولين (٥):
وسبب الخلاف: تعارض الأخبار؛ من ذلك قوله - ﷺ -: "إنما السجدة على من استمعها" (٦).
_________________
(١) سقط من جـ.
(٢) المدونة (١/ ١١٢).
(٣) في أ: وموجبه.
(٤) سقط من ب.
(٥) المدونة (١/ ١١٢).
(٦) أخرجه البخاري تعليقًا موقوفًا على عثمان، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٩٠٦)، والبيهقي في الكبرى (٣٥٨٨) عن عثمان موقوفًا، وصححه الحافظ في الفتح (٢/ ٥٥٨).
[ ١ / ٤٠١ ]
ومنها: قوله - ﷺ -: "لو كنت إمامًا لو سجدت لسجدت معك".
وهذا يسلك فيه [مسلك] (١) الترجيح، وهذا كله إذا كان القارئ ممن تجوز إمامته.
فإن كان ممن لا تجوز إمامته كالصبي والفاسق والمرأة: فالمذهب [في ذلك] (٢) على قولين:
أحدهما: أنه لا سجود على المستمع، وهو قوله في "المدونة" (٣).
والثاني: أنه يسجد [وإن كان القارئ ممن لا تجوز إمامته] (٤)، و[هي رواية] (٥) ابن القاسم عن مالك حكاها الحفيد في [كتاب] (٦) "النهاية".
وسبب الخلاف: ما قدمناه.
فإن جلس إليه قصدًا للسجود خاصة [دون الأجر والتعليم] (٧): فقد قال في "المدونة" (٨): فإن علم أنه أراد قراءة السجدة خاصة: قام عنه، ولم يجلس معه.
فظاهر هذا: أنه لا يسجد، سجد القارئ أم لا.
وعلى هذا حمله حُذَّاق المتأخرين، وذهب [الشيخ] (٩) أبو الحسن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) المدونة (١/ ١١٢).
(٤) سقط من ب.
(٥) في ب: وهو قول.
(٦) زيادة من ب.
(٧) سقط من ب.
(٨) المدونة (١/ ١١٢).
(٩) زيادة من ب.
[ ١ / ٤٠٢ ]
اللخمي إلى أنه يسجد معه [إن سجد] (١) وكذا وقع في بعض روايات "المدونة" أيضًا.
وأما إذا قرأها في غير إبان صلاة؛ مثل أن يقرأها بعد العصر، أو بعد الصبح، فإذا قرأها بعد الاصفرار أو بعد الإسفار: فلا خلاف أنه لا يسجدها، بل يحظر فيها.
واختلف إذا قرأها بعد العصر أو قبل الاصفرار، أو بعد الصبح وقبل الإسفار على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (٢).
أحدها: أنه لا يسجد بعد الصبح وبعد العصر أصلًا، وهو قوله في "المدونة" في صلاة النافلة.
والثاني: أنه يسجد بعدها ما لم تصفر الشمس أو يسفر [الصبح] (٣).
وهو قوله في "المدونة" قياسًا على صلاة الجنائز.
والثالث: أنه يسجد بعد الصبح، ولا يسجد بعد العصر. وهو قول مُطَرِّف، وابن الماجشون.
وسبب الخلاف: [اختلافهم] (٤) في سجود التلاوة، هل هو من السنن أو من النوافل؟
والتفريق بين الصبح والعصر لا وجه له.
وهل يكبر لها إذا سجدها، وإذا رفع منها؟
قولان عن مالك في "الكتاب".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) المدونة (١/ ١١٢).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ١ / ٤٠٣ ]
ولا خلاف [ق/ ٣٩ أ] أنه لا يسلم منها، كما لا يحرم [لها] (١) [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في ب: بها.
(٢) زيادة من جـ.
[ ١ / ٤٠٤ ]
المسألة الثالثة في الجمع بين الصلاتين
إما لمطر، أو لمرض، أو لسفر.
[فأما المطر] (١): فالجمع مشروع عندنا بين الصلاتين المشتركتي الوقت من صلاة الليل بالاتفاق إذا كان مطر وطين وظلمة [أو مطر وطين، أو طين وظلمة] (٢).
وهذا لا اختلاف فيه عندنا في مذهب مالك [﵁] (٣) إلا رواية شاذة [رويت] (٤) عن مالك أنه لا يجوز الجمع إلا في مسجد النبي - ﷺ - خاصة، وحكاها المازري ﵀.
وظاهر "المدونة" (٥) على الرواية المشهورة: إذا كان مطر أو طين وظلمة [بإثبات الألف] (٦) وهذه الرواية التي اختصر عليها أبو محمَّد [وغيره] (٧): أن المطر بمجرده يجمع فيه، وإن كانت الليلة مُقمرة إذا كان مطر، وهو قول ابن حبيب في "كتاب النوادر" (٨).
ولا خلاف فيه في المذهب إلا متأولًا.
واختلف في الطين بانفراده على قولين:
_________________
(١) في أ: فإن كان لمطر.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من أ.
(٥) المدونة (١/ ١١٥).
(٦) سقط من ب.
(٧) سقط من أ.
(٨) انظر: النوادر (١/ ٢٦١، ٢٦٢).
[ ١ / ٤٠٥ ]
أحدهما: أنه لا [يباح] (١) به الجمع، وهو ظاهر المدونة.
والثاني: أنه يبيح الجمع، وهو [ظاهر] (٢) قول مالك في "العتبية" (٣) ولخصه بعض المتأخرين فقال: [يجمع في] (٤) المطر وحده، ولا يجمع في الظلمة بانفرادها.
والذي قاله صحيح لا شك فيه؛ إذ لا خلاف أن الظلمة بانفرادها لا تبيح الجمع [إلا بانضمام وصف آخر إليها، إما مطر وإما طين أو ريح شديدة؛ لأن النبي - ﷺ - أمر بالتخلف عن الجماعة إذا كانت الريح شديدة، والذي يبيح التخلف يبيح الجمع] (٥) ولا إشكال في ذلك.
وقولنا: مشتركتي الوقت؛ احترازًا من الصلاتين اللتين ليس بينهما اشتراك كالعشاء والصبح.
وقولنا: من صلاتي الليل؛ احترازًا من صلاتي النهار كالظهر، والعصر -على ما سنتكلم عليه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
فإذا قلنا بجواز الجمع إذا حصلت الشروط المبيحة للجمع بين المغرب والعشاء، فمتى يجمع بينهما؟ ومن يجمع؟
فأما وقت الجمع: فاختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (٦):
أحدها: أنه يجمع بينهما عند الغروب؛ [فتصلى] (٧) المغرب في أول
_________________
(١) في أ: يجب.
(٢) سقط من ب.
(٣) البيان والتحصيل (١/ ٣٤٧).
(٤) في ب: الجمع ليلة.
(٥) سقط من أ.
(٦) المدونة (١/ ١١٥).
(٧) في ب: ويصلي.
[ ١ / ٤٠٦ ]
[ق/ ٣٠ جـ]، وقتها، ويتقدم العشاء عن وقتها، ولاسيما على القول بأن المغرب ليس لها إلا وقت واحد، [وهو] (١) الفراغ منها كما قال القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في التلقين، فيؤذن للمغرب في أول وقتها على صفة الأذان المشروع في الجهر.
فإذا فرغ من الأذان أقام الصلاة، وصلى بهم الإِمام المغرب، فإذا [سلم] (٢) منها أخذ المؤذن أيضًا في الأذان للعشاء الآخرة عند باب المسجد أو في صَحْنه أذان ليس بِعَالٍ، وإذا فرغ منه أقام الصلاة، ثم صلى بهم الإِمام، فإذا سلم انصرفوا، ولا يوتروا في المسجد [ويؤخر] (٣) حتى يغيب الشفق، ثم يوتروا في بيوتهم.
وقولنا: أذانًا ليس بعالٍ، لئلَّا يؤدي إلى التلبيس والتخليط على من لم يحضر في المسجد ممن كان في بيته فظن أن الشفق قد غاب [فيصلي] (٤) العشاء قبل وقتها.
وهذا قول [محمَّد] (٥) بن عبد الحكم، وهو قول مالك في "المدونة" في المريض إذا كان الجمع في أول الوقت أرفق به، فيجوز له الجمع أول الوقت؛ فكذلك الجمع ليلة المطر، فالجمع في أول الوقت أرفق بالقوم لينصرفوا قبل أن يأتي عليهم جل الظلام.
[والقول الثاني: أنهم يؤخرون المغرب قليلًا ثم يجمعون وينصرفون وعليهم قليل، والأذان كما تقدم، وهو قول ابن القاسم في المدونة] (٦).
_________________
(١) في أ: وحده.
(٢) في ب: فرغ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: ويصلي.
(٥) زيادة من ب.
(٦) سقط من أ.
[ ١ / ٤٠٧ ]
والثالث: أنهم يؤخرون المغرب ثم يصلون، ثم يؤذن للعشاء، و[ينتظرون] (١) حتى يغيب الشفق، أو بعضه ثم يصلون العشاء.
[هو قوله] (٢) في مختصر ابن عبد الحكم.
وسبب الخلاف: الجمع بين الصلاتين ليلة المطر، هل هو سنة أو رخصة؟
فمن رأى أنه سنة يقول كما قال ابن القاسم.
ومن رأى أنه رخصة يقول كما قال ابن عبد الحكم وابن وهب.
واختلف في الأذان هل يصليهما بأذانين وإقامتين، أو بأذان واحد، وإقامتين بلا أذان، [أو لا أذان ولا إقامة] (٣)؛ على أربعة أقوال؛ ثلاثة منصوصة منها في "كتاب الحج".
وعلى القول بأنه يؤذن للعشاء بعد الفراغ من المغرب، هل يجوز التنفل بينهما أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنه يتنفل بينهما، وهو قول ابن حبيب.
والثاني: أنه لا يتنفل بينهما، وهو قول مالك في "مختصر" ابن عبد الحكم.
وأما من يباح له الجمع مع القوم، فهو كل من شاركهم في السبب المبيح للجمع، فإنه يجمع [معهم] (٤) اتفاقًا.
_________________
(١) في أ: يطولون.
(٢) في أ: وهذا قوله أيضًا.
(٣) سقط من جـ.
(٤) في أ: بينهما.
[ ١ / ٤٠٨ ]
واختلف في المعتكف هل يجمع معهم [أم لا] (١)؟
فالمنصوص في المذهب أنه يجمع معهم ليجد من فضل الجماعة.
ويؤخذ من المذهب قول آخر أنه لا يجمع معهم، وهو قول أبي عمران الفاسي فيمن كان جار المسجد ولا ضرر [عليه] (٢) فإنه لا يجمع معهم.
وهكذا اختلفوا فيمن صلى المغرب في بيته ثم وجد الناس في العشاء [الآخرة] (٣)، وقد فرغوا من المغرب هل يصلي معهم العشاء أم لا؟.
على قولين قائمين من "المدونة" (٤):
أحدهما: أنه يجمع [معهم] (٥) وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه لا يجمع وينتظر غيبوبة الشفق، وهو قول مالك في "المختصر" وهو ظاهر "المدونة"، وعلى القول بأن الجمع رخصة.
وأما إن وجدهم قد فرغوا من العشاء فلا خلاف أنه لا يصلي العشاء حتى يغيب الشفق.
وهكذا اختلف المذهب أيضًا في القوم يصلون المغرب ثم يتنفلون لها، وقد وقع المطر هل يجمعون أم لا؟
فروى أصبغ عن ابن القاسم: أنهم لا يجمعون، وقال محمَّد بن أبي زيد زمنين: إن فعلوا فلا بأس بذلك.
قال ابن أبي زيد في "النوادر" (٦): وأعرف فيها قولًا آخر لا
_________________
(١) سقط من ب، جـ.
(٢) سقط من ب.
(٣) في أ: الأخيرة.
(٤) المدونة (١/ ١١٥).
(٥) في أ: بينهم.
(٦) انظر: النوادر (١/ ٢٦٧).
[ ١ / ٤٠٩ ]
[أدرك] (١) قائله، ولم يبين [مقتضى] (٢) ذلك القول هل هو جواز تقديم العشاء ابتداء خلاف ما روى أصبغ، أو لا يجزئهم إن فعلوا ردًا على ابن أبي زمنين.
فلأجل هذا الاحتمال نقلت المسألة على وجهها، ولم أحصل ما فيها من الأقوال.
قال محمَّد بن يونس: [وينبغي] (٣) على قياس قول محمَّد بن عبد الحكم -الذي يرى الجمع في أول الوقت- أن يجمعوا إذا وقع المطر بعد صلاة المغرب.
وسبب الخلاف: الجمع بين الصلاتين ليلة المطر، هل هو عزيمة أو رخصة؟
فمن رأى أنه عزيمة قال: لا يجمع [معهم] (٤) المعتكف، ولا من صلى المغرب في بيته، ولا يعجل العشاء قبل وقتها إذا نزل المطر بعد الفراغ من المغرب، وهو قول [ابن] (٥) قسيط في "المدونة"، ونص مالك [فيها] (٦)، وقد جمع رسول الله - ﷺ - في المطر للرفق بالناس، وهي سنة من رسول الله - ﷺ -، و[كذلك] (٧) قال مالك في "المختصر" أيضًا [هو سنة] (٨).
_________________
(١) في جـ: أذكر.
(٢) في أ: ما اقتضى.
(٣) في أ: وبلغنى.
(٤) سقط من ب.
(٥) في الأصل: ابن أبي، والمثبت من المدونة (١/ ١١٥).
(٦) زيادة من ب، جـ.
(٧) سقط من ب.
(٨) سقط من أ.
[ ١ / ٤١٠ ]
ومن رأى أنه رخصة من رسول الله - ﷺ - قال: يجمع هؤلاء كلهم رخصة لهم لإدراك فضيلة الجماعة، وهو ظاهر المدونة، ومشهور المذهب، وهو نص مالك في "كتاب محمَّد".
وأما الجمع بين صلاتي النهار، الظهر، والعصر [في الحضر] (١) لأجل المطر: فاختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يجمع بينهما، وهو المشهورة لأن الناس ينصرفون حينئذ إلى أشغالهم في أمر دنياهم فكان سعيهم إلى المساجد لصلاتهم أولى.
والثاني: أنه يجوز الجمع، وهو قول أشهب في "النوادر" (٢) أنه يجوز لهم الجمع في الظهر والعصر لغير عذر، فمع وجود العذر أولى [وأحرى] (٣).
وهو نص قول عبد الملك [أنه] (٤) إذا صلى الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها: جاز الجمع، وهو قول عبد الملك في "كتاب محمَّد".
وسبب الخلاف: الرخصة هل تتعدى [بابها] (٥) أو لا تتعدى؟
فمن [رأى أنها] (٦) تتعدى قال بجواز الجمع بين صلاتي النهار.
ومن رآها أنها لا تتعدى قال: لا يجوز الجمع، والرخصة مقصورة
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) انظر: النوادر (١/ ٢٦٣).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من ب.
(٦) في أ: رآها.
[ ١ / ٤١١ ]
على صلاة الليل.
وهذا [على] (١) القول بأن الجمع ليلة المطر رخصة.
وللخلاف سبب آخر: [وهو اختلافهم في مفهوم] (٢) حديث ابن عباس ﵁ أنه - ﷺ - جمع بين الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء في غير خوف ولا سفر (٣).
وقال مالك: أراد ذلك في مطر.
وزاد في حديث مسلم: ولا مطر.
فمنهم من حمله على ظاهره، وجوز الجمع في الحضر لعذر ولغير عذر، وهو مذهب أهل الظاهر، وأشهب من [أهل] (٤) المذهب.
ومنهم من قَيَّدَه بالعذر؛ وهو عذر المطر، وهو الشافعي ﵁.
وأما مالك ﵁ فقد فرق بين صلاة الليل وصلاة النهار، وأخذ عليه الشافعي في ذلك؛ لأنه روى حديث ابن عباس ﵁ وخصصه بالقياس، وقال: أراد ذلك في مطر، فلم يأخذ بعموم الحديث، ولا بتأويله -أعني تخصيصه- بل رد بعضه، وتأول بعضه، وذلك شيء لا يجوز بالإجماع؛ وذلك أنه لم يأخذ بقوله في الحديث: "جمع بين الظهر والعصر" (٥) وأخذ بقوله: "و[بين] (٦) المغرب والعشاء" وتأوله.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: في.
(٣) أخرجه مسلم (٧٠٥).
(٤) في أ: أصحاب.
(٥) تقدم.
(٦) سقط من أ.
[ ١ / ٤١٢ ]
قال القاضي أبو الوليد [ق/ ٤٠ أ] [وحفيده رحمهما الله] (١) وأحسب أن مالكًا ﵀ إنما رد بعض هذا الحديث لأنه عارضه العمل، فأخذ منه بالبعض الذي لم يعارضه العمل؛ وهو الجمع في الحضر بين المغرب والعشاء على ما روى أن ابن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء جمع معهم.
والكلام على عمل أهل المدينة هل يكون دليلًا، أو لا يكون دليلًا؟
وهذا محال على فن الأصول.
وأما الجمع لأجل المرض: فلا يخلو هذا المريض من [أحد] (٢) وجهين:
إما أن يخاف أن يغلب على عقله أم لا.
فإن خاف أن يغلب على عقله هل يجمع بين الصلاتين في [أول] (٣) وقت الأولى منهما؛ كالزوال، أو الغروب، أو يؤخر؟
فالمذهب على قولين [قائمين] (٤) من "المدونة" (٥):
أحدهما: أنه يجمع بينهما في أول الوقت، وهو قوله في "الكتاب".
والثاني: أنه لا يجمع بينهما ويصلي كل صلاة في وقتها، [وهي رواية] (٦) ابن نافع عن مالك (٧).
_________________
(١) في أ: الحفيد ﵀.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر: المدونة (١/ ١١٦).
(٦) في ب: وهو قول.
(٧) انظر: النوادر (١/ ٢٦٢).
[ ١ / ٤١٣ ]
ووجه من قال يجمع [بينهما] (١) في أول الوقت: قال مخافة أن يغلب على عقله فلا يفيق إلا بعد خروج الوقت فتفوت الصلاة، فكان الإتيان بها في [أول] (٢) الوقت أولى.
ووجه القول الثاني: أنه يصلى كل صلاة في وقتها بناء على أن الصلاة لا يجب على المكلف فعلها إلا بعد دخول وقتها، فإن [أغمى] (٣) عليه قبل دخول الوقت، فأفاق بعد خروج الوقت فلا شيء عليه؛ لا إثم ولا قضاء، وهو الذي يقتضيه النظر، والله أعلم.
وسبب الخلاف: الظهر والعصر، هل بينهما اشتراك أم لا؟ وكذلك المغرب والعشاء.
[فمن] (٤) قال بالاشتراك: جوز الجمع في أول الوقت.
ومن نفى الاشتراك: منع الجمع، وقال [أيضًا] (٥): يصلي كل واحدة في وقتها إلا ما خصصه الدليل النظري أو السمعي كجمع المسافر في أول [الزوال] (٦) إذا ارتحل من المنهل، وذلك أن الضرر هناك لاحقه والمشقة كذلك بتكلف النزول والركوب، وربما يستضر بذلك، إما في بدنه؛ أو لأن النزول والركوب مرة بعد أخرى مما يشق على الراكب، ولاسيما بُعد السفر ومشقة المسافة.
وإما بالدابة في إعيائها ليلحق بها القافلة، وما كان في معناه.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في جـ: غشى.
(٤) في أ: ومن.
(٥) زيادة من ب.
(٦) في أ: النهار.
[ ١ / ٤١٤ ]
فعلى القول بأنه يجمع في أول الوقت إذا خاف أن يغلب على عقله، فإن جمع ولم [يغلب على] (١) عقله بعد ذلك، هل يعيد [العصر] (٢) في وقتها أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (٣):
أحدهما: أنه يعيد، وهو قول عيسى بن دينار، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" في [التيمم] (٤).
والثاني: أنه لا يعيد.
وسبب الخلاف: المجتهد هل يعذر باجتهاده أم لا؟
وله سبب آخر، وهو الأمر إذا وقع موقع السداد، ثم انكشف عن الفساد.
فإذا لم يخش أن يغلب على عقله، وكان الجمع أرفق [به] (٥) لشدة مرض أو بطن منخرق: فإنه يجوز له الجمع.
واختلف في الوقت الذي يجوز [له] (٦) فيه الجمع على قولين قائمين من "المدونة" (٧).
أحدهما: أنه يجمع بين الظهر والعصر في وسط [وقت الظهر] (٨)،
_________________
(١) في أ: يذهب.
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: المدونة (١/ ١١٧).
(٤) سقط من ب، جـ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) انظر: المدونة (١/ ١١٦، ١١٧).
(٨) في ب: الوقت.
[ ١ / ٤١٥ ]
وهكذا وقع في بعض روايات "المدونة"، و[عليها] (١) اختصر أكثر المختصرين (٢).
والثاني: أنه يجمع بينهما في آخر القامة [الأولى] (٣)، وهو [قوله] (٤) في "الكتاب" في المغرب والعشاء أنه يجمع بينهما عند غيبوبة الشفق، وهو مذهب سحنون؛ [لأنه] (٥) أمر بإسقاط الوسط من "المدونة" وطرحه.
وعلى القول بأنه يجمع بينهما في وسط وقت الظهر، فقد اختلفوا في وسط وقت الظهر [ما هو] (٦) على أربعة أقوال:
أحدها: أن المراد بالوسط: وقت الاختيار، وهو نصف القامة، وهو تأويل بعض الشيوخ، وإليه ذهب ابن [أخي] (٧) هشام.
والثاني: أنه ثلث القامة لبطء حركة الظل وزيادة أول الوقت وسرعة ذلك بعده.
فالثلث عند هذا القائل في التقدير وسط، وهو قول ابن شعبان [القرطي] (٨).
والثالث: أنه ربع القامة، وهو قول ابن حبيب.
والرابع: أن الوسط هو آخر القامة، وهو اختيار أبي عمران الفاسي،
_________________
(١) في ب: عليه.
(٢) انظر: تهذيب المدونة (١/ ٢٨٦، ٢٨٧).
(٣) في ب: الثانية.
(٤) في أ: الوسط.
(٥) في ب: إلا أنه.
(٦) سقط من أ، جـ.
(٧) في أ: أبي.
(٨) في أ: المقري.
[ ١ / ٤١٦ ]
وهو مذهب سحنون، وهذا القول يرجع إلى الرواية بإسقاط [لفظ] (١) الوسط.
واختلافهم في ذلك يرجع إلى ارتحال الشمس، ومعرفة منازلها.
وليس هو [اختلاف] (٢) يرجع إلى [الدليل السمعي] (٣)، وهذا في الجمع بين صلاتي النهار.
وأما المغرب والعشاء إذا كان الجمع أرفق به، فإنه يجمع بينهما عند غيبوبة الشفق [على المشهور في المذهب] (٤).
ويتخرج في المذهب قول آخر: أنه يجمع [بينهما] (٥) أول وقت المغرب على القول بأن المغرب ليس لها إلا وقت واحد.
وأما الجمع لأجل السفر: فمنه ما يتفق عليه، ومنه ما هو مختلف فيه.
فأما المتفق عليه: فهو الجمع بين الظهر والعصر [بعرفة] (٦) والمغرب [ق/٣١جـ] والعشاء بمزدلفة، والاتفاق في [الجمع بين] (٧) الظهر والعصر عند الزوال.
واختلف هل ذلك بأذانين وإقامتين [على حسب ما قدمناه أول المسألة] (٨).
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في أ: اختلافهم.
(٣) في أ: دليل سمعي.
(٤) زيادة من ب.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من ب.
[ ١ / ٤١٧ ]
وهكذا المغرب والعشاء أيضًا لا خلاف في جواز الجمع بينهما بالمزدلفة إذا وصلوها بعد مغيب الشفق.
واختلف إذا جدوا وعجلوا السير، فوصلوها قبل مغيب الشفق، فهل يجمعون حينئذ [أم لا] (١)؟
على قولين [منصوصين في "المدونة" (٢)] (٣):
[أحدهما] (٤): أنه يجوز لهم الجمع حينئذ، وإن فرغوا قبل مغيب الشفق، وهو قول أشهب.
والثاني: أنهم لا يجمعون وينتظرون مغيب الشفق، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"؛ لأنه سئل فيها عن الإِمام إذا عَجَّل [السير] (٥) من عَرَفة، ووصل مُزْدَلِفَة قبل مغيب الشفق؟
فقال: ما [أظن] (٦) ذلك [يكون] (٧)، فإن كان فلا يجمعوا حتى يغيب الشفق.
وسبب الخلاف: الجمع بمزدلفة بعد مغيب الشفق هل هو سنة لا يجوز تقديمها قبل ذلك؟ أو إنما خرج مخرج الغالب لما كانت المسافة بعيدة -وهي ستة أميال- لا يقطعها الإنسان في الغالب إلا بعد مغيب الشفق، فركب الأمور على الغالب حتى لو اتفق أن تقطع قبل المغيب لكان الحكم الجمع حينئذ.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) المدونة (١/ ١١٨).
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: ظن.
(٧) سقط من أ.
[ ١ / ٤١٨ ]
وأما المختلف فيه: فهو جمع المسافر في غير عرفة، والمزدلفة؛ فذهب مالك والشافعي إلى جواز الجمع على الجملة، ومنعه أبو حنيفة وأصحابه، ووافقه أشهب -من أصحاب مالك ﵀.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تأويل الآثار [التي رويت] (١) في الجمع، والاستدلال بها على وجه الجمع؛ لأنها كلها أفعال وليست أقوالًا.
والأفعال يتطرق إليها الاحتمال كثيرًا أكثر من تطرقه إلى اللفظ.
وثانيًا: اختلافهم في تصحيح بعضها.
وثالثًا: اختلافهم في جواز القياس في ذلك.
فهذه الثلاثة الأسباب هي مثار الخلاف.
أما الآثار التي اختلف في تأويلها، فمنها حديث أنس، الثابت بالاتفاق، خرجه البخاري [ق/ ٢٠ ب] ومسلم (٢)، قال: كان رسول الله - ﷺ -: إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم ينزل [فيجمع] (٣) بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر.
ومنها حديث ابن عمر خرجه [الشيخان] (٤) أيضًا قال: رأيت رسول الله - ﷺ -: إذا عجل به السير [في السفر] (٥) يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء الآخرة (٦).
_________________
(١) في ب: المروية.
(٢) أخرجه البخاري (١٠٦٠)، ومسلم (٧٠٤).
(٣) سقط من أ.
(٤) بياض في الأصل، لم يظهر منه سوى حرف النون في آخره.
(٥) سقط من أ.
(٦) أخرجه البخاري (١٠٤١)، ومسلم (٧٠٣).
[ ١ / ٤١٩ ]
و[الحديث الثالث] (١): حديث ابن عباس، خرجه مالك ومسلم، قال: صلى النبي - ﷺ - الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا في غير [خوف ولا] (٢) سفر (٣).
فذهب القائلون [بجواز] (٤) الجمع في تأويل هذه الأحاديث إلى أنه أخر الظهر إلى وقت العصر المختص بها، وجمع بينهما.
وذهب آخرون إلى أنه صلى الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها؛ على ما جاء في إمامة جبريل ﵇ بالنبي ﵇، قالوا: وعلى هذا يصح حمل حديث ابن عباس ﵁، واحتجوا لتأويلهم أيضًا بحديث [ابن مسعود] (٥) قال: والذي لا إله غيره ما صلى النبي - ﷺ - الصلاة قط إلا في وقتها، إلا صلاتين جمع بين الظهر والعصر يوم عرفة، وبين المغرب والعشاء فجمع -يعني بالمزدلفة: قالوا: وأيضًا فإن هذه الآثار محتملة أن تكون على ما تأولناه نحن، أو على ما تأولتموه [أنتم] (٦)، وقد صح توقيت الصلاة وبيانها في الأوقات، فلا يجوز أن ينتقل عن أصل ثابت بأمر محتمل.
وأما الآثار التي اختلفوا في تصحيحها:
فما رواه مالك من حديث معاذ بن جبل: أنهم خرجوا مع رسول الله - ﷺ - عام تبوك، فكان رسول الله - ﷺ - يجمع بين الظهر والعصر و[بين] (٧)
_________________
(١) في ب: منها.
(٢) سقط من أ.
(٣) تقدم.
(٤) في أ: بمنع.
(٥) في أ: ابن عباس.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ١ / ٤٢٠ ]
المغرب والعشاء، قال: [فَأخَّرَ] (١) الصلاة يومًا، ثم خرج فصلى صلاة [الظهر والعصر ثم دخل ثم خرج فصلى] (٢) المغرب والعشاء جميعًا (٣).
وهذا الحديث لو صح (٤) لكان أظهر من جميع الأحاديث في جواز الجمع؛ لأن ظاهره أنه قدم العشاء إلى وقت المغرب.
وأما اختلافهم في إجازة القياس في ذلك فهو أن يلحق سائر الصلوات [في السفر] (٥) بصلاة عرفة ومزدلفة -أعني أنه يجوز الجمع [قياسًا على تلك المعاني: فيقال مثلًا: صلاة وجبت في سفر، فجاز أن يجمع وأصله الجمع] (٦) بعرفة والمزدلفة، لكن القياس في العبادات يضعف فحواه.
قال سالم بن عبد الله: وهذا تمحيص الدليل فيما بيننا وبين المخالف.
وأما حقيقة مذهب مالك في المسألة: فالذي يتحصل عندي ثلاثة أقوال [كلها منصوصة] (٧):
أحدها: أنه يجوز بشرطين [ق: ٤١ أ] [أحدهما] (٨) أن يجد به السير، ويخاف فوات أمر.
وهو قول مالك في "المدونة" [ومعنى جد السير] (٩) مبادرة ما يخاف فواته، والمسارعة إلى ما يهمه.
_________________
(١) في ب: فأخروا.
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه مسلم (٧٠٦)، وأبو داود (١٢٠٦) ومالك (٣٣٠) والترمذي (٥٥٣)، والنسائي (٥٨٧) وغيرهم من حديث معاذ ﵁.
(٤) تقدم أنه في مسلم.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: منصوصين في المذهب.
(٨) سقط من أ.
(٩) سقط من أ.
[ ١ / ٤٢١ ]
والثاني: أنه [يجوز الجمع] (١) بشرط واحد؛ وهو جَدّ السير، وإن لم [يخش] (٢) فوات أمر، وهو قول ابن حبيب، وهو ظاهر قوله في "المدونة" (٣) آخر الباب أيضًا.
والثالث: أن الجمع يجوز في السفر، وإن لم يجد به السير، وهو قول أشهب (٤).
وسبب الخلاف: السبب المبيح للجمع، هل هو مجرد السفر [أو السفر مع الجد بانفراده أو مع فوات أمر، وهل العلة ذات وصف واحد أو ذات أوصاف، فمن جعل العلة مجرد السفر خاصة] يقول: إنها ذات وصف واحد (٥).
ومن جعل العلة مركبة قال: لابد من وصف [آخر] (٦) يضم إلى السفر، إما جد السير بانفراده -على قول-، وإما جد السير [مع] (٧) ما [يخشى] (٨) فواته من أمره.
فإذا قلنا بجواز الجمع فإنه يجوز في كل سفر مباح -كانت مسافته تقصر [في مثلها] (٩) الصلاة أم لا- وهو قول أبي محمَّد عبد الوهاب (١٠).
_________________
(١) في أ: يجمع.
(٢) في أ: يخف.
(٣) انظر: المدونة (١/ ١١٦).
(٤) انظر: النوادر (١/ ٢٦٣).
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من ب.
(٧) سقط من أ.
(٨) في ب: يخاف.
(٩) في أ: فيه.
(١٠) حيث قال: "يجوز الجمع في طويل السفر وقصيره خلافًا للشافعي في قوله: لا يجوز إلا في سفر القصر؛ لأن الصحابة ذكروا أن ذلك كان فعله - ﷺ - ولم يقيدوا .. " الإتحاف (٢/ ٦٦٣).
[ ١ / ٤٢٢ ]
ولست أعرف في المذهب [نص خلاف] (١) في ذلك.
واختلف في السفر غير المباح، هل يجمع فيه على ما يأتي من تقاسيم السفر في باب قصر الصلاة [إن شاء الله تعالى] (٢)، وأما بيان الوقت الذي يجوز فيه [الجمع] (٣) للمسافر: فذلك يختلف باختلاف [حالاته] (٤)؛ وهي على أربعة أوجه:
["إما" (٥)]: أن يرتحل من المنهل قبل الزوال، وينزل بعد الغروب، أو [ينزل] (٦) قبل الغروب وبعد الاصفرار؛ فهذان وجهان.
أو يرتحل من المنهل وينزل [بعد الغروب أو قبله] (٧) وبعد الاصفرار؛ فهذان وجهان آخران:
فأما الوجه الأول: إذا ارتحل قبل الزوال، ويكون نزوله بعد الغروب:
فهذا يجمع بين الظهر والعصر في آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر؛ إذ لا يجوز تقديم الصلاة [عن] (٨) وقتها، ولا تأخيرها عن [الوقت] (٩) الكلي؛ كالغروب في صلاة النهار، ولا خلاف في هذا الوجه.
وأما الوجه الثاني: إذا كان نزوله قبل الغروب، وبعد الاصفرار: فإنه يؤخرها إلى [آخر] (١٠) وقت العصر فيصليهما؛ لأن تأخير وقت الصلاة
_________________
(١) في أ: نصًا خلافه.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من جـ.
(٤) في ب: أحواله.
(٥) في أ: أحدها.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: أو بعده قبل الغروب.
(٨) في ب: على.
(٩) في ب: وقتها.
(١٠) سقط من أ.
[ ١ / ٤٢٣ ]
عن وقت الاختيار إلى وقت الاضطرار لا يجوز مع الاختيار.
فإذا ارتحل قبل الزوال فقد ارتحل قبل وجوب الصلاة، [فإن] (١) زالت الشمس، فلا يكلف النزول لصلاة الظهر ساعتئذ؛ لأنه بين أحد أمرين؛ إما أن يجمع بينهما، أو يصلي الظهر بانفرادها.
فإن جمع بينهما أول الزوال فقد قدم العصر عن وقتها، ولا يجوز له أن يقدمها [عن] (٢) وقتها إلا لضرورة، ولا ضرورة هاهنا [تدعوه] (٣) إلى ذلك؛ لأنه على النزول في آخر وقت العصر عند الاصفرار فيجمع بينهما في تلك الساعة ولا إثم عليه في ذلك، كما كان يجوز له أن يقدم العصر [عن] (٤) وقتها ويجمع بينهما وبين الظهر في أول [الزوال] (٥) عند الرحيل من المنهل لأجل الضرورة، فكذلك [يجوز] (٦) تأخير الظهر إلى وقت العصر لأجل الضرورة.
وأما أن يصلى الظهر [في وقتها] (٧) وحدها، ويؤخر العصر إلى وقتها، فقد حظر [عليه] (٨) الجمع الذي أباح له الشرع.
وأما الوجه الثالث: إذا ارتحل من المنهل عند الزوال، وكان نزوله بعد الغروب: فإنه يجمع بينهما ساعتئذ، ثم يرتحل؛ وهذا كما فعله النبي - ﷺ -[في الجمع] (٩) بعرفة ومزدلفة.
_________________
(١) في ب: إذا.
(٢) في ب: على.
(٣) سقط من ب.
(٤) في ب: على.
(٥) في أ: الوقت.
(٦) في ب: لا يجوز.
(٧) زيادة من ب.
(٨) في ب: على نفسه.
(٩) سقط من ب.
[ ١ / ٤٢٤ ]
فقد [أباح] (١) الجمع بعرفة بين الظهر والعصر [وهم نزال] (٢)؛ لأنهم إذا ركبوا تَلَبَّسُوا بأمر لا يفرغوا منه إلا بعد الغروب -وهو الوقوف- فكذلك المسافر إذا ارتحل تَلَبَّس بأمر لا يفرغ منه إلا بعد الغروب، وهو السّير.
فإذا ركب المسافر قبل الزوال، ونيته ألا ينزل إلا بعد الاصفرار: فإنه يؤخر الجمع إلى وقت نزوله؛ لأن الشمس تزول وهو راكب فيمد إلى أقصى مرحلته، كما أن أهل عرفة تغرب عليهم الشمس، وهم ركبان فيصلون قبل ذهاب نصف الليل.
وأما الوجه الرابع: إذا ارتحل من المنهل عند الزوال، فنزل عند الاصفرار، فهل يجمع بين الظهر والعصر عند الزوال؟
فالمذهب على القولين:
أحدهما: أنه يجمع بينهما ثم يرتحل، وهو مذهب "المدونة" (٣).
والثاني: أنه لا يجمع، وظاهر هذا القول أنه يصلي كل صلاة في وقتها، فيصلي الظهر على هذا القول في المنهل، فإذا نزل في المنزل صلى العصر.
وسبب الخلاف: اختلاف الآثار المروية عن النبي - ﷺ - في هذا الباب، فمنها: حديث أنس قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع [ذلك] (٤)، وإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب (٥).
_________________
(١) في أ: أبيح.
(٢) سقط من ب.
(٣) انظر: المدونة (١/ ١١٦).
(٤) زيادة من ب.
(٥) أخرجه البخاري (١٠٦٠)، ومسلم (٧٠٣).
[ ١ / ٤٢٥ ]
[ظاهر] (١) هذا الحديث أنه يؤخر العصر، وهذا الحديث خرجه البخاري ومسلم.
والثاني: حديث معاذ [بن جبل] (٢) قال: كان رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، وإذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، [فإذا ارتحل قبل الغروب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء] (٣)، وإذا ارتحل بعد الغروب عجل العشاء، فصلاها مع المغرب (٤).
فمن أخذ بظاهر حديث أنس: يصلي الظهر وحدها، وإذا ارتحل عند الزوال ويؤخر العصر إلى وقتها.
ومن أخذ بحديث معاذ قال: يجمع بينهما عند الزوال، و[هذا] (٥) مشهور المذهب.
واسلك بصلاة الليل في الجمع إذا ارتحل قبل الغروب، وينزل بعد طلوع الفجر أو قبله هذا المسلك ونزله على هذه الوجوه الأربعة، ولا فائدة في التطويل [في ذكره] (٦) [مع وجود المندوح عنه] (٧)، والله يهدينا ويلهمنا رشدنا، ويجري الصواب على ألسنتنا [وهو] (٨) ولينا ومولانا [والحمد لله وحده] (٩).
_________________
(١) في ب: فظاهر.
(٢) زيادة من ب.
(٣) سقط من ب.
(٤) تقدم.
(٥) في ب: هو.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من ب.
(٨) سقط من أ.
(٩) زيادة من جـ.
[ ١ / ٤٢٦ ]
المسألة الرابعة [في] (١) قصر الصلاة في السفر
والكلام في هذه المسألة [ينحصر] (٢) [في] (٣) خمسة فصول:
أحدها: في حكم القصر.
والثاني: في السفر [الذي] (٤) يجوز فيه القصر.
والثالث: في حد المسافة التي يجب فيها القصر.
والرابع: في الموضع الذي يبدأ منه المسافر [بالقصر] (٥).
والخامس: في تقدير [الزمان] (٦) الذي يجوز فيه للمسافر إذا أقام [في] (٧) موضع أن يقصر الصلاة.
فالجواب عن الفصل الأول:
وهو حكم القصر هل هو فرض أو سنة؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال (٨):
أحدها: أنه فرض، وهو مذهب سحنون، ومال إليه ابن المواز، ولم يقدم عليه لما رأى [أن] (٩) مالكًا وأصحابه لم يختلفوا أن من أتم في السفر
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) في أ: إلى.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: بالتقصير.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: من.
(٨) انظر: المدونة (١/ ١٤٥)، والإتحاف (٢/ ٦٣٨).
(٩) سقط من أ.
[ ١ / ٤٢٧ ]
أنه يعيد في الوقت.
والثاني: أنه سنة وهي رواية أبي مصعب عن مالك.
والثالث: أنه رخصة وتوسعة [ق/ ٣٢ جـ] [وهي رواية أبي جعفر الأبهري عن الشيخ أبي بكر الأبهري] (١).
واختلف الذين ذهبوا إلى أنه رخصة وتوسعة في الأفضل على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن القصر أفضل، وهي رواية ابن وهب عن مالك.
والثانى: أن الإتمام أفضل.
والثالث: [التخيير] (٢) بين القصر والإتمام، من غير ترجيح.
ووجه قول من قال: إن القصر فرض؛ استدلالًا بظاهر قول عمر ﵁: صلاة السفر ركعتان، وصلاة العيد ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم - ﷺ -، وقد خاب من افترى (٣).
فإن قيل: فلو كان فرضه ركعتان لما جاز أن يتم خلف المقيم.
قلنا: الجواب أن هذا لا يمنع أن يكون فرضه ركعتين، ثم إذا صلى خلف مقيم فيصير فرضه فرض المقيم كالعبد والمرأة فرضهما أربعًا؛ ثم إذا صليا الجمعة خلف الإِمام فصار ذلك فرضهما.
وإن كان الأبهري رد هذا الجواب.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه النسائي (١٤٢٠)، (١٤٤٠)، وابن ماجة (١٠٦٣)، (١٠٦٤)، وأحمد (٢٥٩)، وعبد الرزاق في المصنف (٤٢٧٨)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٤٢١)، والبزار في مسنده (٣٣٠)، والطبراني في "الأوسط" (٢٩٤٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٥٤) عن عمر موقوفًا، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الإرواء (٦٣٨).
[ ١ / ٤٢٨ ]
ووجه قول من قال: إنه سنة: أن النبي - ﷺ - قصر [الصلاة] (١) في جميع أسفاره.
ووجه [قول] (٢) من قال أنه رخصة وتوسعة: قوله - ﷺ -: "هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (٣).
فمن رأى أن القصر أفضل فقال: هذا أمر، والمراد به الندب، والأمر في قوله: "فاقبلوا صدقته" ولا يحمل على الوجوب في هذا الموضع بالإجماع؛ لأن [المتصدق] عليه لا يجبر على قبول الصدقة، غير أنه يحمل على الندب لا على الإباحة؛ لنفرق بين صدقة الله علينا، وصدقة واحد منا؛ لأن رد الصدقة على المتصدق يشعر بالاستغناء، وما يخشى أن يلحق المتصدق عليه من المن والأذى، وذلك لا يتصور في حق الله تعالى؛ لأنه غني ونحن الفقراء، ونحن العبيد وهو المولى.
[فمن] (٤) رأى أن الإتمام أفضل فقال: الإتمام عزيمة، والقصر رخصة.
ولا شك أن من حمل المشقة على نفسه، وأتى بالعزيمة على وجهها أفضل.
ومن رأى أنه مخير: اعتمد ظاهر قوله ﵇ "صدقة" فيقول لا شك ولا خفاء أن المتصدق عليه مخير في الشاهد بين الرد والقبول، فيطرد ذلك [غالبًا] (٥).
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) زيادة من ب.
(٣) أخرجه مسلم (٦٨٦) من حديث عمر - ﵁ -.
(٤) في ب: ومن.
(٥) في أ: غائبًا وشاهدًا.
[ ١ / ٤٢٩ ]
وسبب الخلاف: في [أصل] (١) المسألة اختلافهم في كيفية فرض الصلاة؛ فمن ذهب إلى حديث عائشة ﵂: إن الصلاة فرضت ركعتين [ركعتين] (٢) وزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر على الفريضة (٣)، يقول: إن القصر [فرض] (٤) وهو مذهب إسماعيل القاضي و[هو قول] (٥) أشهب في روايته عن مالك، ومحمد ابن سحنون.
ومن ذهب إلى فعل النبي - ﷺ -[وقوله] (٦) يقول: إنه سنة، وهو مشهور المذهب.
والاستدلال بحديث عائشة ﵂ ضعيف من ثلاثة أوجه:
أحدها: ما ذكره الطحاوي (٧) في "شرح معاني [الأخبار] (٨) " عن عائشة ﵂ قالت: قصر رسول الله - ﷺ - في السفر وأتم (٩).
وهذا [ق/ ٤٢ أ] الذي روته من فعل النبي - ﷺ - مخالف لحديثها: إن الصلاة فرضت ركعتين، [ولو] (١٠) صح لما أتم النبي - ﷺ -.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري (١٠٤٠)، ومسلم (٦٨٥).
(٤) في ب: أفضل.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) انظر: "شرح معاني الآثار" (١/ ٤١٥).
(٨) هكذا بالأصل والمشهور آثار.
(٩) أخرجه الشافعي في المسند (٢٥) والأم (١/ ١٧٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤١٥)، وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ١٧٣). ضعفه الشيخ الألباني كما في الإرواء (٣/ ٦، ٧).
(١٠) في ب: فلو.
[ ١ / ٤٣٠ ]
والوجه الثاني: بكون أكثر الصحابة رضوان الله عليهم على خلاف حديثها، [وأنهم] (١) كانوا ويقصرون، بعضهم يتم فلم [ينكر] (٢) بعضهم على بعض، ولو كان الفرض في البداية كما قالت عائشة ﵂ ما خفى ذلك عن جماهير الصحابة، ولا اشتهر ذلك [عنهم] (٣)، ولنقل نقلًا شائعًا دائمًا؛ لأن ذلك مما تعم به البلوى، والناس ملجؤون إلى الأسفار تارة للعبادات، وتارة للعادات، فكيف تنفرد عائشة ﵂ بهذا الأمر العظيم، والخطب الجسيم.
والوجه الثالث: مخالفتها للحديث؛ لأنه روى عنها أنها كانت تتم في السفر.
وقد اختلف الأصوليون في الراوي إذا روى الحديث ثم خالفه هل يكون ذلك وهنًا في الحديث؟
فبعضهم يقول: إن ذلك وهن في الحديث، ويبطل العمل بمقتضاه؛ إذ لا يمكن أن يروي الراوي الحديث ثم يترك العمل به إلا وقد علم [فيه] (٤) النسخ؛ إذ لو تركه وهو لا يعلم أنه منسوخ لكان ذلك جرحة فيه.
وبعضهم يقول: لا يكون ترك الراوي العمل بمقتضى [حديثه] (٥) دليلًا على بطلانه.
و[هذا] (٦) هو الصحيح لاحتمال أن يكون تركه لتأويل تأوله [فيه] (٧) فلا يلزم غيره من العلماء اتباعه فيه؛ كتقديم القياس الجلي على أخبار
_________________
(١) في ب: فإنهم.
(٢) في أ: يعبس.
(٣) في ب: عندهم.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: ما رواه.
(٦) سقط من ب.
(٧) سقط من أ.
[ ١ / ٤٣١ ]
الآحاد كما هو مذهب أبي حنيفة، وأحد أقاويل المذهب، أو تقديم عمل أهل المدينة على أخبار الآحاد كما هو مذهب مالك ﵀.
والحجة في السنة لا فيما [خالفها] (١).
وقال [الشيخ] (٢) أبو الحسن اللخمي: وما تأول على عائشة ﵂ أنها أم المؤمنين، فحيث ما حلت صلت [بأولادها] (٣): لا يصح؛ [لأنه] (٤) لا يختلف أن المرأة لو سافرت إلى أولادها، وهم خمسة، وبينها وبين كل واحد منهم عشرة أميال، وهي تريد أقصاهم: أنها لا يجب عليها الإتمام؛ لأن وطن [الأولاد] (٥) ليس بوطن لها.
وهذا الذي قاله صحيح، وهو نص [قول] (٦) مالك في "المدونة" (٧)، فيمن خرج إلى سفر، فمر بقرية فيها أهله وولده، فقال: إنه يتم الصلاة، فإن [انتقل] (٨) أهله، وبقى فيها ولده: فإنه يقصر الصلاة إلا أنه ينوي إقامة أربعة أيام.
والجواب عن الفصل الثاني: وهو السفر الذي يجوز فيه القصر [فللمتأخرين في هذا التفصيل تقسيم، فقالوا: السفر على خمسة أقسام:] (٩).
_________________
(١) في ب: خالفه.
(٢) زيادة من ب.
(٣) في ب: بأهلها.
(٤) في أ: إنه.
(٥) في ب: أولادها.
(٦) سقط من أ.
(٧) انظر: المدونة (١/ ١٤٦، ١٤٧).
(٨) في أ: هلك.
(٩) في ب: فالمتأخرون قسموا هذا الفصل على خمسة أقسام.
[ ١ / ٤٣٢ ]
[سفر] (١) واجب: وهو السفر لحجة الفريضة، أو العمرة -على القول بوجوبها- أو الجهاد إذا تعين [النفير] (٢).
أو مندوب إليه: وهو ما [تعلق] (٣) به طاعة وقربة لله تعالى [كالسفر] (٤) إلى الغزو، أو العمرة -على مذهبنا- أو لبر الوالدين، أو لصلة الرحم، أو لتنفيس كربة عن مسلم.
أو [سفر] (٥) مباح: [وهو] (٦) كالسفر للتجارة.
والقصر [يجوز] (٧) في هذه الأسفار الثلاثة.
و[سفر] (٨) مكروه: وهو السفر للصيد على معنى اللهو والتلذذ؛ فقد قال مالك في المدونة: لم آمره بالخروج، فكيف آمره أن يقصر الصلاة؟
فقيل: إنه يقصر، وهو اختيار [الشيخ أبي الحسن] (٩) اللخمي.
والخامس: السفر المحظور: كالخارج محاربًا، أو ليقتل رجلًا مسلمًا ظلمًا وعدوانًا.
فاختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يقصر الصلاة، وهو مشهور المذهب (١٠).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: النفر.
(٣) في أ: تعين.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ، جـ.
(٦) سقط من أ.
(٧) في ب: جائز.
(٨) سقط من أ، جـ.
(٩) زيادة من ب.
(١٠) قال ابن حبيب: إنما يجوز أن يقصر في سفر يجوز الخروج فيه، غير باغ ولا عاد، فأما من خرج باغيًا أو عاديًا، ظالمًا أو قاطعًا للرحم، أو طالبًا لإثم، فلا يجوز له القصر =
[ ١ / ٤٣٣ ]
والثاني: أنه يقصر الصلاة، وهو رواية علي بن زيادة عن مالك، وبه قال أبو حنيفة (١).
وبالأول قال الشافعي (٢).
وسبب الخلاف: العاصي هل يترخص [له] (٣) بالرخص أم لا؟
فمن رأى أن العاصي لا يترخص بالرخص، قال: لأنه مأمور بالرجوع عنه، والتمادي فيه معصية، والقصر رخصة، وتخفيف للمشقة عن المسافر، وإعانة له، فكيف يعان العاصي على معصيته؟
قال القاضي [أبو الوليد] (٤) الباجي: ولما كان للطاعة تأثير في قصر الصلاة في مسافة لا تقصر فيها لغيرها كالحج كان للمعصية تأثير في المنع من قصر الصلاة في مسافة تقصر فيها لغيرها.
وهذا الذي قاله القاضي ﵁ [معناه] (٥) مليح، وهو قياس العكس عند الأصوليين، والقول به ضعيف عندهم.
ومن رأى أنه يجوز له القصر [فيقول] (٦): معنى يصح [أن يرخص له فيه في سفر، فجاز أن يرخص له] (٧) في سفر المعصية كأكل الميتة، والله أعلم.
والجواب عن الفصل الثالث: في حد المسافة التي يجب فيه القصر.
_________________
(١) = كما لا يباح له الأكل من الميتة عند الضرورة" النوادر (١/ ٤١٩).
(٢) تحفة الفقهاء (١/ ٢٥٥).
(٣) الأم (١/ ١٨٤).
(٤) سقط من ب.
(٥) زيادة من ب.
(٦) في أ: معنى.
(٧) في ب: قال.
(٨) سقط من ب.
[ ١ / ٤٣٤ ]
والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (١).
والضرب في الأرض: السفر فيها، ومنه سمى أخذ [مال القراض] (٢) مضاربة عند بعض العلماء؛ لأنهم كانوا في الجاهلية إذا أخذ أحدهم مالًا [قراضًا] (٣) خرج إلى الشام أو إلى غيرها ليشتري به أو يبيع هناك.
ثم لابد [لهذا السَّفر] (٤) مِنْ أنْ يُقَيَّد بِحَدٍ وغَاية لا يقصر المسافر دونها؛ لأن السفر في موضع اللغة ينطلق على القليل والكثير، فاختلف العلماء فيه اختلافًا كثيرًا؛ فمنهم من يقول: أقل ما يقع عليه اسم السفر، وهو مذهب أهل الظاهر.
وذهب الشافعي وغيره إلى أن الصلاة تقصر في أربعة [بُرَد] (٥).
وذهب أبو حنيفة إلى أن أقل ما تقصر فيه الصلاة مسيرة ثلاثة أيام.
وسبب الخلاف: معارضة المعنى المعقول من اللفظ؛ وذلك أن المعقول من تأثير القصر في السفر أنه [لما كانت] (٦) المشقة الموجودة [فيه] (٧) مثل تأثيره في [الصوم] (٨)، وإذا كان الأمر كذلك وجب القصر حيث وجدت المشقة أو ما هو مظنة للمشقة، واللفظ ظاهر يفيد تعلق الحكم به كان مقتضاه مظنة المشقة أم لا.
_________________
(١) سورة النساء الآية (١٠١).
(٢) في ب: المال قراضًا.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: للسفر.
(٥) البريد: اثنا عشر ميلًا.
(٦) في أ: لمكان.
(٧) في أ: فيها.
(٨) في أ: السفر.
[ ١ / ٤٣٥ ]
وقد قال النبي - ﷺ -: "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة" (١).
فكل من أطلق عليه اسم مسافر جاز له الفطر، والقصر، وربما أيدوا ذلك بما رواه مسلم عن عمر بن الخطاب [﵁] (٢) أن النبي - ﷺ - كان يقصر الصلاة في [نحو] (٣) سبعة عشر ميلًا (٤).
ومذهب الثلاثة أيام [أيضًا] (٥) مروي عن ابن مسعود وعثمان وغيرهما رضي الله [عنهم] (٦).
فأما مالك [﵀] (٧) فقد اختلف قوله في التحديد اختلافًا أوجب اضطراب مذاهب المتأخرين في التأويل.
وأما اختلاف قوله ﵁ [فتحصره] (٨) أربعة أقوال:
أحدها: أنه تقصر الصلاة في يوم وليلة، وهو نصه في المدونة [في] (٩) الرواية المشهورة.
والثاني: أنه تقصر [الصلاة] (١٠) في اليوم التام.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٤٠٨)، والترمذي (٧١٥)، والنسائي (٢٢٧٤)، وابن ماجة (١٦٦٧)، وأحمد (١٨٥٦٨)، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من ب.
(٤) أخرجه مسلم (٦٩٢)، والنسائي (١٤٣٧)، وأحمد (٢٠٧).
(٥) زيادة من ب.
(٦) في ب: عنهما.
(٧) سقط من ب.
(٨) في ب: فيحصره.
(٩) في ب: وهو.
(١٠) سقط من أ.
[ ١ / ٤٣٦ ]
[قال القاضي أبو الفضل عياض [وقد وقع] (١) في بعض روايات "المدونة" اليوم التام، قال:] (٢) قال أحمد بن وضاح: رد اليوم التام، قال: والرواية اليوم والليلة.
قال: والقولان مرويان عن مالك.
والثالث: يومان.
والرابع: [اعتبار] (٣) أربعة بُرَد، وهو الذي رجع إليه مالك ﵀.
واضطربت آراء المتأخرين في تأويل المذهب على هذه الأقوال؛ فمنهم من حمل الكلام على ظاهره وجعله اختلاف قول، وربما أيدوا هذا القول بقوله في "المدونة" (٤) في أربعة بُرَد، [وهو] (٥) الذي رجع إليه:
والرجوع عن الشيء إلى غيره بعد اعتقاد الأول، ثم تبين له أن الصواب في غيره.
وذهب آخرون إلى أن ذلك اختلاف [يرجع إلى حال] (٦)، وأن الأقوال الأربعة ترجع إلى معنى واحد، وذلك أن اعتبار اليوم التام يرجع إلى يومين، واعتبار اليومين يرجع إلى [يوم وليلة] (٧)، واعتبار يوم وليلة يرجع إلى أربعة بُرد، وهي ثمانية وأربعون ميلًا؛ لأن اليوم التام إذا استوفاه وواصل مشيه من أوله إلى آخره، فإنه يقدر بالمرحلتين على المشي
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من ب.
(٤) انظر: المدونة (١/ ١٤٥).
(٥) في أ: وهذا.
(٦) في ب: أحوال.
(٧) في ب: اليوم والليلة.
[ ١ / ٤٣٧ ]
المعتاد من القوافل والمحامل؛ فيكون ذلك من مالك [﵀] (١) التماسًا بضبط المسافة، واختيار الأزمان حتى يستقر عنده قدر معلوم يكون حدًا لجواز القصر، ثم إنه ﵁ أراه البحث، والتفتيش، والسير، والتقسيم إلى اعتبار المسافة بالكيل، وهو الذي يستوي فيه طياق المسافرين، ولا يختلف باختلاف [الجلد] (٢) والقوة، [ورب] (٣) شخص يقدر على قطع هذه المسافة نهارًا، ورب شخص لا يقطعها إلا بعد [مدة] (٤) مديدة طويلة، وهذا الذي اعتبره مالك صحيح؛ لأن البريد ينضبط ويتحصل في الشتاء، والصيف، والسريع، والبطىء، وليس اليوم، والليلة كذلك.
ومعنى قوله في المدونة: ثم ذكر ذلك مالك، أي ترك التحديد بهذا اللفظ لما هو أبين منه مما لا يختلف باختلاف السير، ولا باختلاف الأزمان بالقصر والطول، وهذا في سفر البر.
وأما سفر البحر [ق/ ٣٣جـ]: فقد اختلف فيه مذهبه، فمرة يقول باعتبار أربعة برد في البر والبحر، ومرة يعتبر اليوم التام؛ لأن البحر لا تنضبط فيه الأميال، وهو قوله في "المبسوط"، وهذا الخلاف يرجع إلى الحال.
واختلف فيمن قصر الصلاة في أقل من ثمانية وأربعين ميلًا، فقال في "العتبية" (٥): إن قصر الصلاة في خمسة وأربعين ميلًا أجزته، وقال في "المبسوط" [ق/ ٢١ ب]. يقصر في أربعين ميلًا.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في ب: الجد.
(٣) في ب: فرب.
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر: البيان والتحصيل (١/ ٤٢٩)، والنوادر (١/ ٤٢٣).
[ ١ / ٤٣٨ ]
واختلفوا إذا قصر الصلاة في ستة وثلاثين ميلًا على ثلاثة أقوال:
أحدها: قول ابن القاسم في "العتبية" (١) [أنه] (٢) لا إعادة عليه.
والثاني: أنه يعيد أبدًا، وهو [ق/ ٤٣ أ] قول يحيى بن عمر.
والثالث: أنه يعيد في الوقت، وهو قول ابن عبد الحكم، فوجه قول ابن القاسم: أن القصر في ستة وثلاثين ميلًا هو القصر في ثلاثة برد فنفض البريد من [الأربعة] (٣) وهو الرابع.
والأصول موضوعة على أن الربع في حيز اليسير، فلا ينبغي أن يغير الحكم.
ووجه قول من قال: يعيد أبدًا؛ اعتمادًا على الأثر.
ووجه قول ابن الحكم: ملاحظة الجانبين ومراعاة [الشقين] (٤).
واختلف المذهب فيمن سافر مسافة تقصر فيها الصلاة ثم أسلم في أثنائها إن كان نصرانيًا، أو احتلم إن كان صبيًا، أو كانت امرأة فسافرت -وهي حائض- ثم طهرت في أثناء المسافة:
فمشهور المذهب أنهم يتمون الصلاة، ولا يقصرون، ويتخرج فى المذهب قول ثان: أنهم يقصرون.
وأما الكافر: فهذا الخلاف فيه يتخرج على الخلاف في الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ (٥).
فعلى القول بأنهم غير مخاطبين فلا يقصر الصلاة؛ لأنه كما
_________________
(١) البيان والتحصيل (١/ ٤٢٩)، والنوادر (١/ ٤٢٣).
(٢) سقط من ب.
(٣) في أ: أربعة.
(٤) في ب: السفرين.
(٥) تقدم بيان ذلك.
[ ١ / ٤٣٩ ]
[وجبت] (١) عليه الآن، وقد بقى في المسافة أقل ما تقصر فيه الصلاة.
ومن قال إنهم مخاطبون: فإنه يقصر الصلاة؛ لأنه لم تزل [عليه] (٢) واجبة قبل سفره.
وأما الصبي: فلا شك ولا خفاء أنه مأمور بالصلاة من سبع سنين، [وظاهر] (٣) هذا الأمر لا يختص بالحصر بالاتفاق، بل يؤمر بها في السفر كما يؤمر بها في الحضر، فإذا سافر [فيصير] (٤) داخلًا في جملة من أبيح له [الجمع و] (٥) القصر، ثم إن احتلم فاحتلامه لم يحدث عليه أمرًا زائدًا في مقدار الصلاة، ولا في هيأتها، وإنما [أزاد] (٦) عليه الاحتلام تأكيد الجواب؛ لأنه إن كان يضرب عليها قبل البلوغ [فبعده] (٧) يقتل عليها، وأما الهيئات والصفات فهي كما كانت أولًا.
فإذا كان الأمر هكذا فينبغي أن يقصر الصلاة من غير اعتبار بما بقى في المسافة -قل أو كثر- وهذا هو الأظهر في النظر.
وأما الحائض: فينبغي أن ينبني الخلاف فيها على الخلاف في الحائض، هل هي مخاطبة بالعبادة مع وجود الحيض [أو غير مخاطبة] (٨)؟
فعلى القول بأنها غير مخاطبة -لا بالأداء ولا بالقضاء في الصلاة- والقضاء في الصيام بالخطاب الجديد: فلابد من اعتبار بقية المسافة كما هو
_________________
(١) في ب: وجب.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من ب.
(٤) في ب: صار.
(٥) سقط من ب.
(٦) في أ: ازداد.
(٧) في ب: فبعد البلوغ.
(٨) في ب: أم لا؟
[ ١ / ٤٤٠ ]
منصوص.
وعلى القول بأنها مخاطبة بالخطاب الأول، ويسترسل عليها مع وجود الحيض إلى ارتفاعه: يجب أن تقصر الصلاة إذا طهرت؛ اعتبارًا ببقية المسافة، والله أعلم.
[والجواب عن] (١) الفصل الرابع: في الموضع الذي يبدأ المسافر منه بالتقصير: [ولا] (٢) يخلو سفره من أن يكون في البَّر أو البَّحر، فإن كان في البَّر: فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: [أنه] (٣) إذا برز عن بيوت القرية وخلفها وراء ظهره، ولم يحاذه منها على اليمين والشمال شيء، فإنه يقصر، وهذا نص قوله في "الموازَّية"، وظاهر قوله في "المدونة" (٤).
والثاني: أنه إذا جاوز بيوت القرية، وانقطع [منها] (٥) انقطاعًا بَيِّنًا [قصر] (٦) الصلاة، كان أهلها ممن يجمعون أم لا، وهو قول ابن حبيب (٧).
والثالث: أنه إن [كان أهلها] (٨) ممن [يجمع] (٩) الجمعة فلا يقصر حتى يجاوزها بثلاثة أميال؛ لأنه كَقَرَارٍ واحد.
وإذا رجع إلى أهله قصر إلى حد ذلك، والله أعلم.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: فلا.
(٣) سقط من ب.
(٤) انظر: المدونة (١/ ١٤٧).
(٥) في ب: عنها.
(٦) في أ: قصرت.
(٧) انظر: النوادر (١/ ٤١٩، ٤٢٠).
(٨) في ب: كانت.
(٩) في ب: يجمعوا.
[ ١ / ٤٤١ ]
وإذا كانت لا يجمع أهلها: قصر إذا جاوز بساتينها وبيوتها المتصلة، وليست ذلك عليه في مزارعها، وهي رواية مُطَرِّف، و[عبد الملك] (١) ابن الماجشون عن مالك (٢).
وسبب الخلاف: معارضة مفهوم الاسم لدليل الفعل، وذلك أنه إذا شرع في السفر فقد انطلق عليه اسم المسافر، فمن راعى مفهوم الاسم قال: إذا خرج من بيوت القرية قصر.
ومن راعى دليل الفعل -أعني فعله ﵇- قال: لا يقصر إلا إذا خرج عن القرية [ثلاثة] (٣) أميال؛ لما صح من حديث أنس قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج [من] (٤) مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ -شك [من] (٥) الراوي (٦) - صلى ركعتين (٧).
وأما المسافر في البحر [متى] (٨) يقصر؟
فقد اختلف فيه في المذهب [أيضًا] (٩) على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقصر إذا توارى عن البيوت، وهو قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر".
والثاني: أنه يقصر إذا خلفها، وهو قول [محمَّد] (١٠) بن المواز.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) النوادر (١/ ٤٢٠).
(٣) في ب: بثلاثة.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من ب.
(٦) شعبة الشاك.
(٧) أخرجه مسلم (٦٩١)، وأبو داود (١٢٠١).
(٨) في ب: فمتى.
(٩) زيادة من ب.
(١٠) زيادة من ب.
[ ١ / ٤٤٢ ]
والثالث: [التفصيل بين] (١) أن تكون سفينتهم لا تجري إلا بالرياح أو تحري [بالرياح] (٢) والمقاديف.
فإن كانت لا [تجري] (٣) إلا بالريح: فلا يقصر حتى يبرز عن ["الموضع الذي قلع منه" (٤)] (٥) وهو قول ابن المواز أيضًا (٦).
فإن كانت [تجري بالريح وغيره] (٧): فليقصر حين يبرز [عن] (٨) قريته.
فإن ردهم الريح بعد ما قلعوا، فلا يخلو من أن تردهم إلى وطنهم وقريتهم، أو تردهم إلى الموضع الذي قلعوا منه، وليس بوطن لهم.
فإن ردتهم إلى وطنهم: فلا خلاف في المذهب أنهم يتمون الصلاة؛ لأنهم مقيمون.
فإن ردتهم إلى غير وطنهم، وإلى غير قرارهم، فهل يتمون أو يقصرون؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة" (٩):
أحدهما: أنهم يتمون حتى يبرزوا ثانية.
وهو قول مالك في "المدونة" و"المجموعة".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: بالريح.
(٣) في أ: تبرح.
(٤) هكذا في الأصل، ولم أتبينه والذي في النوادر: قلد منه.
(٥) سقط من أ.
(٦) النوادر (١/ ٤٢٣).
(٧) في أ: تبرح بريح وبغير ريح.
(٨) في أ: من.
(٩) انظر: المدونة (١/ ١٤٥).
[ ١ / ٤٤٣ ]
والثاني: أنه يقصرون، وهو قول سحنون في الكتاب أيضًا.
وسبب الخلاف: الإقامة الأولى هل تُرْتَفَض بنفس حدوث السفر، أو لا تُرْتَفَض إلا بعد الانقطاع الكلي؟
فمن رأى أنها لا تُرْتَفَض إلا بعد الانقطاع الكلي بناء على أنه في سفره على شك؛ إذ لا يدري هل يتم له ذلك، أو يتحوله [عنه] (١) الريح فيرجع عن قريب.
والأصل استصحاب حالة الإقامة حتى يتحقق [السفر] (٢) قال: يتم الصلاة.
ومن رأى أنها مُرْتَفَضَة وأن رجوعه إنما كان غلبة وإكراهًا، قال: يقصر الصلاة؛ كما لو رده غاصب.
وعلى هذا الأصل ينبني اختلاف قول مالك في مسألة الحاج إذا دخل مكة، فأقام بها بضع عشرة ليلة، ثم بدا له فخرج إلى الجحفة ليعتمر منه ثم يقيم بمكة اليوم واليومين ثم يخرج، قال: يتم الصلاة؛ لأن مكة كانت له منزلًا، وقد رجع إليها [ورأى أنها] (٣) لا تُرْتَفَض.
ومرة يقول: إنه يقصر الصلاة؛ لأن الإقامة الأولى قد رفضها، وهذه إقامة ثانية.
والجواب عن الفصل الخامس: في تقدير الزمان الذي يجوز للمسافر إذا أقام بموضع أن يقصر الصلاة، وانتقال نيته عن السفر إلى الإقامة فأما الزمان الذي يحكم فيه للمسافر بحكم المقيم ويتم الصلاة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: وأرى.
[ ١ / ٤٤٤ ]
فقد اختلف [العلماء] (١) فيه اختلافًا كثيرًا، إلا أن الأشهر منها ما عليه فقهاء الأمصار [رضوان الله عليهم] (٢) ولهم في ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه إذا عزم المسافر على إقامة أربعة أيام أتم الصلاة، وبه قال مالك والشافعي ["﵄" (٣)] (٤).
والثاني: أنه إذا عزم على إقامة [خمسة عشر يومًا] (٥): أتم الصلاة، وبه قال أبو حنيفة، وسفيان الثوري.
والثالث: أنه إذا عزم على إقامة أكثر من أربعة أيام: أتم الصلاة، وبه قال أحمد وداود.
وسبب الخلاف: تعارض [الأقوال] (٦)، وتقابل الأحوال المروية عن النبي - ﷺ - في صلاته بمكة عام الفتح وغيره.
فمنها: ما روى عنه - ﷺ - أنه أقام بمكة ثلاثة [أيام] (٧) يقصر في عمرته.
و[هذا] (٨) حُجَّة على أن الثلاثة نهاية للقصر، وأن الزائد عليها في حيز الإقامة، وبهذا احتجت المالكية، وربما عضدوه بما روى عنه - ﷺ - أنه
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
(٣) مختصر اختلاف العلماء (١/ ٣٥٩، ٣٦٠)، والمدونة (١/ ١٢٥)، والأم (١/ ١٨٦).
(٤) سقط من ب.
(٥) في أ: عشرة أيام.
(٦) في أ: الأفعال.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: هذه.
[ ١ / ٤٤٥ ]
قال: "لا يقيمن مهاجر بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاثة أيام" (١).
ومفهومه: أن إقامة ثلاثة أيام لا يَسْلُب عن المسافر اسم السَّفر، وهي النكتة التي يدور [الجميع وراءها] (٢) وذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم تركوا أرضهم وديارهم، وأموالهم، وأولادهم، وهاجروا مع النبي - ﷺ - إلى المدينة، وتركوا كل ما تركوه لله، فلما فتحوا مكة، وعادت دار الإيمان، وعادت الصحابة رضوان الله عليهم يترددون إليها للحج، والعمرة، فنهاهم - ﷺ - أن يطولوا فيها الإقامة إلى حد ما ينطلق عليه اسم [المقيمين] (٣)، ويَسْلُب عنهم اسم السَّفر كي لا ينتفعوا بسكنى مكة [ويستمتعوا بها] (٤) بعد ما تركوها لله تعالى؛ لأن من ترك شيئًا لله تعالى فلا ينبغي له الرجوع فيه.
وهذا الاستدلال أظهر [ما] (٥) في الباب، ولكن إنما يطيب جناه للشافعي الذي يقول بدليل الخطاب.
وأما نحن -معاشر المالكية- فلا نقول به في مشهور مذهبنا.
ومنها: ما روى أيضًا أن النبي - ﷺ - أقام بمكة عام الفتح مقصرًا، وذلك نحوًا من خمسة عشر يومًا.
وفي بعض طرق الحديث: سبعة عشر يومًا، وثمانية عشر يومًا، وتسعة عشر يومًا [وما رواه] (٦) البخاري عن ابن عباس.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٧١٨)، ومسلم (١٣٥٢) من حديث العلاء بن الحضرمي مرفوعًا.
(٢) في ب: عليهما الجميع.
(٣) في ب: المقيم.
(٤) سقط من ب.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: رواه.
[ ١ / ٤٤٦ ]
وبهذا الاحتجاج احتج أبو حنيفة ومن معه.
ومنها: ما روى أيضًا أنه - ﷺ - أقام بمكة في حجته مقصرًا أربعة أيام.
وهذا كله يتطرق إليه الاحتمال إلا قوله [ق/ ٤٤ أ] ﵇: "لا يقيمن مهاجر بعد قضاء نسكه [بمكة] (١) فوق ثلاثة أيام" (٢).
فمفهومه: أن الثلاثة فما دونها يجوز له فيها الإقامة؛ لأن الخمسة عشر يومًا التي أقامها النبي - ﷺ -[بمكة عام الفتح إنما أقامها] (٣) وهو أبدًا ينوي أنه لا يقيم أربعة أيام، وهذا الاحتمال يجري في التحديد بثلاثة أيام وأربعة أيام.
والأشبه بوظيفة المجتهد أن يتمسك بأحد أمرين:
إما أن يجعل الحكم لأكثر الزمان الذي وقع [عليه] (٤) الإجماع، وما [روى] (٥) عنه - ﷺ - أنه أقام مقصرًا أكثر من ذلك الزمان [فيجعل أنه إقامته بأنه جائز للمسافر] (٦).
ويحتمل أن تكون إقامته بنية الزمان الذي يجوز إقامته [فيه مقصرًا] (٧) باتفاق، ثم عرض له إقامة أكثر من ذلك لأمر أوجبها، وإذا كان الاحتمال وجب التمسك بالأصل، وأقل ما قيل في ذلك يوم وليلة، وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأما انتقال نيته فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن ينتقل بنيته من السفر إلى الإقامة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) تقدم.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: فيه.
(٥) في أ: زاد.
(٦) سقط من ب، جـ.
(٧) سقط من أ.
[ ١ / ٤٤٧ ]
والثاني: أن ينتقل من القصر إلى الإتمام مع استدامة السفر، أو بالعكس.
[فأما] (١) الوجه الأول؛ وهو انتقال نيته عن السفر إلى الإقامة بموضع من المواضع، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك بعد الحلول بذلك الموضع.
والثاني: أن يكون ذلك قبل حلوله ووصوله.
فإن كان ذلك بعد الوصول: فلا يخلو من أن يستديم تلك النية، أو ينتزع عنها.
فإن استدامها: فلا خلاف في المذهب أنه يتم الصلاة إذا نوى إقامة أربعة أيام فصاعدًا -كما قدمناه- وإنما الخلاف [ق/ ٣٤ جـ] عندنا إذا دخل في بعض النهار هل يعتد به، أو يبتدئ أربعة أيام سواه؟
على قولين:
أحدهما: أنه يبنى عليه.
والثاني: أنه يبتدئ.
والقولان قائمان من "المدونة"، وهذا يجري في مسائل كثيرة كالعدة، والكراء في الرياع، وغير ذلك من المسائل [وكذلك اختلف المذهب أيضًا إذا سافر بعد تلك الإقامة هل يتبع سفره، ويلغى الإقامة، وفائدة ذلك: إذا كان في غاية سفره ما لا تقصر فيه الصلاة.
وسبب الخلاف: هل السفر بعزيمة ثانية أو يبنى على عزيمته الأولى] فإن [عدل] (٢) عن تلك النية، وعاد إلى ما كان عليه من استدامة السفر،
_________________
(١) في ب: فالجواب عن.
(٢) في أ: نزع.
[ ١ / ٤٤٨ ]
هل هو بمنزلة من تخطر له تلك النية بالليل أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يستديم حكم سفره، ولا تأثير لتلك النية؛ فإنه يقصر الصلاة كما كان يقصرها قبل ذلك؛ لأن تلك النية قد رفضها ولم يقارنها عمل، وهو قول ابن حبيب.
والثانى: أن تلك النية لها تأثير بناء على أنه يكون مقيمًا بالنية، وإن لم يقارنها عمل؛ لأن الإقامة أصل، والسفر فرع عنه، والأصل يرجع إليه بالنية، والفرع بخلافه، وهذا هو المشهور.
وفائدة الخلاف: أنا إذا أعطينا لتلك النية حكمًا فينبغي أن يتم الصلاة في ذلك المكان، وما بقى فيه لم يرحل منه، فإذا ارتحل وجب اعتبار بقية غاية سفره، فإن بقى فيه أربعة بُرَد [قصر الصلاة] (١)، وإلا [أتمها] (٢).
وسبب الخلاف: النية الطارئة -وهي نية الإقامة- هل تُرْتَفَض أو لا تُرْتَفَض؟
فإن نوى الإقامة بموضع من المواضع قبل أن يحل [فيه] (٣) ثم نزع عن تلك النية، وعاد إلى استدامة السّفر، فلا يخلو ذلك المكان من أن يكون له [فيه] (٤) أهل أم لا؛ فإن لم يكن [له فيه] (٥) أهل فإنه يقصر الصلاة من غير اعتبار ببقية سفره؛ كان فيه أربعة برد أم لا.
فإن كان له فيه أهل، فلا يخلو من أربعة أوجه:
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في ب: أتم الصلاة.
(٣) في أ: بها.
(٤) في أ: فيها.
(٥) في أ: فيها.
[ ١ / ٤٤٩ ]
أحدها: أن يكون فيما بينه وبين ذلك الموضع أربعة برد [وبين ذلك المكان وبين أقصى سفره أربعة برد] (١).
والثاني: أن لا يكون بينه وبين ذلك المكان [ولا بين ذلك المكان وبين أقصى سفره] (٢) أربعة برد.
والثالث: أن يكن بينه وبين ذلك المكان [أربعة برد] (٣)، ولا يكون بين ذلك المكان وبين أقصى سفره أربعة برد.
والرابع: بعكس الثالث.
[وأما] (٤) الوجه الأول: فلا تأثير لنيته؛ لأنه لو ابتدأ السفر إلى ذلك المكان لجاز له أن يقصر الصلاة من موضعه.
ولو خرج مسافرًا من ذلك المكان إلى أقصى سفره لجاز له أيضًا أن يقصر الصلاة غير أنه يتم الصلاة أيام كان نازلًا بذلك المكان.
و[أما] (٥) الوجه الثاني: وهو أن لا يكون بينه وبن ذلك المكان أربعة برد، ولا بين ذلك [المكان] (٦) وبين أقصى سفره أربعة برد فهاهنا ينظر، فإن كان جميع سفره بالإضافة إلى المسافتين [أقل من أربعة برد: فلا تأثير لنيته أيضًا ولا لفعله؛ إذ لا فرق بين أن يدخلها أو لا يدخلها، وإنما الإشكال إذا كان بالإضافة إلى المسافتين] (٧) ما تقصر فيه الصلاة فنوى ألا يدخلها، ثم رجع إلى أن يدخلها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: فأما.
(٥) في ب: فأما.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من ب.
[ ١ / ٤٥٠ ]
أما الأول إذا نوى ألا يدخلها، ثم رجع إلى أن يدخلها: فإنه يتم الصلاة بلا إشكال؛ لأن نيته قد تحولت إلى الأصل وهو الإتمام، ثم يتم في سائر سفره، فإذا انتهى إلى غاية سفره فليقصر إذا رجع وقصد إلى مبدأ سفره.
وإن قصد إلى المرور بأهله في رجوعه أيضًا: فإنه يتم الصلاة كما لو نوى دخولها [من] (١) أول سفره.
وفيه قول ثان أنه يقصر حتى يدخلها، وهو قول سحنون: [فأما] (٢) الثاني؛ وهو أن ينوي أن يدخلها ثم رجع عن تلك النية، فهل يقصر أو يتم؟ قولان:
أحدهما: أنه يقصر في بقية سفره.
والثاني: أنه يتم.
وسبب الخلاف: نية الدُّخول هل تُرْتَفض بنية الرجوع [عنها] (٣)، أم لا؟
وأما الوجه الثالث؛ [وهو] (٤) أن يكون بينه وبين ذلك المكان أربعة برد، ولا يكون بينه وبين أقصى سفره أربعة برد، فإن نوى الدخول واستمر عليه فليتم الصلاة في بقية سفره، فإن لم ينو الدخول فليقصر كما تقدم.
وأما الوجه الرابع: إذا لم يكن بينه وبين منزله الذي [أراد دخوله] (٥) أربعة بُرَد، وبين ذلك المكان وبين أقصى سفره أربعة برد فإنه يتم الصلاة إلى ذلك المكان.
_________________
(١) في ب: في.
(٢) في ب: أما.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من ب.
(٥) في ب: أراد.
[ ١ / ٤٥١ ]
فإن ابتدأ السَّفر من ذلك المكان قصر الصلاة ما بينه وبين أقصى سفره.
وأما الجواب عن الوجه الثاني: إذا انتقلت نيته في الصلاة من القصر إلى الإتمام، أو من الإتمام إلى القصر؛ كمسافر ابتدأ صلاة المسافر [على] (١) ركعتين، ثم بدا له فأتم، أو ابتدأ [صلاة المقيم أربعة] (٢) ثم بدا له فقصر، ففي كل فصل قولان:
أحدهما: أنه يعيد في الوقت.
والثاني: أنه يعيد أبدًا.
وينبني الخلاف: على الخلاف في المسافر على القول بالتخيير، هل هو مخير بين القصر والإتمام، ما لم [يتلبس] (٣) بالصلاة؟ أو له الخيار ما لم يفرغ منها؟
وينبني الخلاف: على الخلاف أيضًا في القصر هل هو سنة أو فرض؟
فمن رأى أنه فرض قال بالإعادة أبدًا.
ومن رأى أنه سنة قال بالإعادة في الوقت، وهو المشهور الذي عليه الجمهور [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: على الإتمام.
(٣) في جـ: يتشبه.
(٤) زيادة من جـ.
[ ١ / ٤٥٢ ]
المسألة الخامسة فى قضاء الفوائت بعد خروج وقتها
والأصل في هذه المسألة قوله ﵇: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها" (١).
ثم لا يخلو من وجهين؛ أن يذكرها في صلاة، أو في غير صلاة.
فإن ذكرها في صلاة: فلا يخلو من أن يكون فرضًا أو نفلًا فإن كانت نفلًا فذكرها قبل الركوع وبعد الإحرام فهل يتمادى أو يقطع؟ قولان:
أحدهما: أنه يقطع، وهو نص "الكتاب" (٢).
والثاني: أنه يتمادى، ثم يبتدئ الفرض.
وهو ظاهر قوله في "كتاب الصلاة [الأول] (٣) " (٤)] حيث قال: إن كان ممن يخفف الركعتين: فليصلهما ثم يدخل مع الإِمام.
فإن كان بعد ما دخل ركع، فهل يقطع أو يشفعها؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "الكتاب".
أحدهما: أنه يقطع.
والثاني: أنه يشفع، وهذا الذي استحسنه ابن القاسم.
فإن ذكرها في فرض: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون إمامًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٧٢)، ومسلم (٦٨٤) من حديث أنس بن مالك.
(٢) انظر المدونة (١/ ١٢٩).
(٣) في أ: الأولى.
(٤) انظر: المدونة (١/ ١٢٩).
[ ١ / ٤٥٣ ]
والثانى: أن يكون مأمومًا.
والثالث: أن يكون فذًا.
فإن كان إمامًا فإنه يقطع ما هو [فيه] (١) من الصلاة، وهل ذلك بسلام أو بغير سلام؟
قولان قائمان من "المدونة" (٢): وهل تبطل صلاة من خلفه [من المأمومين] (٣) أم لا؟
[فالمذهب على قولين منصوصين] (٤) في "المدونة" (٥):
أحدهما: أن صلاتهم باطلة، ويقطعون.
[وإن] (٦) كان بعد الفراغ أعاد [أبدًا] (٧)، وهو قوله في "كتاب الحج".
والثاني: أن صلاتهم جائزة، وهو [نص] (٨) قوله [في الكتاب] (٩) أيضًا في "كتاب الصلاة الثاني" من "المدونة" إذا كان ذلك بعد الفراغ، ويلزم مثل ذلك [إذا ذكرها] (١٠) في أثناء الصلاة [و] (١١) على القول بأن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٣٢).
(٣) سقط من ب.
(٤) في ب: قولان منصوصان.
(٥) انظر: المدونة (١/ ١٣٣).
(٦) في ب: فإن.
(٧) سقط من أ، جـ.
(٨) سقط من ب، جـ.
(٩) سقط من ب، جـ.
(١٠) سقط من أ، ب.
(١١) سقط من أ، ب.
[ ١ / ٤٥٤ ]
صلاتهم جائزة [فإنهم] (١) يستخلفون من من يتم [بهم] (٢) بقية الصلاة كالحدث، وهو قول سحنون في غير "المدونة" (٣).
وسبب الخلاف: [اختلافهم في] (٤) صلاة المأموم، هل هي مرتبطة بصلاة [إمامه] (٥) أم لا؟
فإن كان مأمومًا فذكر صلاة نسيها [وهو] (٦) خلف الإِمام فهل يقطع أو يتمادى مع الإِمام؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يتمادى مع الإِمام، فإذا سلم صلى التي نسى، ثم أعاد التي صلى مع الإِمام إن أدرك وقتها.
والثاني: التفصيل بين أن يذكر صلاة خرج وقتها، مثل أن يذكر الصبح في وقت الظهر، فليتمادى مع الإِمام، أو يذكر صلاة [بقى] (٧) وقتها، مثل أن يذكر الظهر في وقت العصر فإنه يقطع ما هو فيه -كان على شفع منها أو على وتر- لأن الصلاة التي هو فيها مع الإمام نافلة له، والمبادرة إلى فعل الفريضة في وقتها أولى من اشتغاله بالنافلة، وهو مذهب ابن حبيب (٨).
وسبب الخلاف: إذا ذكر صلاة في صلاة هل يؤثر ذلك في [فساد] (٩)
_________________
(١) سقط من أ، ب.
(٢) سقط من أ، ب.
(٣) انظر: النوادر (١/ ٣٣٨).
(٤) سقط من أ.
(٥) في جـ: الإمام.
(٦) سقط من ب.
(٧) في أ، ب: في.
(٨) النوادر (١/ ٣٣٦).
(٩) في ب: بطلان.
[ ١ / ٤٥٥ ]
التي هو فيها أم لا؟
فمن رأى أنه يؤثر في [فسادها] (١) جاء من ذلك ما قال ابن حبيب. ومن رأى أنه لا يؤثر في فساد التي هو فيها.
جاء من ذلك ما قال ابن القاسم من أنه يتمادى مع الإمام.
[وعلى القول بأنه يتمادى مع الإمام] (٢) فإذا قضى الصلاة التي نسيها، فنسى [أن يعيد] (٣) التي صلى مع الإمام حتى خرج وقتها، فهل يعيدها بعد ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين في "المدونة" (٤):
أحدهما: أنه يعيد أبدًا، وهو قول ابن حبيب، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" في الفَّذ إذا ذكر صلاة [ق/ ٤٥ أ] في صلاة، وهو منها على [ثلاثة] (٥) حيث قال: يقطع بعد ثلاث أحب إلى، فيكون للذكر تأثير في فساد التي هو فيها.
والثاني: أنه لا يعيدها إذا خرج وقتها، وهو قول سحنون، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة".
وسبب الخلاف: ما تقدم [أيضًا] (٦).
واختلف أيضًا إذا ذكر الوتر في صلاة الصبح، هل يقطع أو يتمادى؟
فعن مالك في "المدونة" قولان.
_________________
(١) في ب: فساد التي هو فيها.
(٢) سقط من أ، ب.
(٣) سقط من أ، ب.
(٤) انظر: المدونة (١/ ١٢٩، ١٣٠).
(٥) في ب: ثلاث.
(٦) زيادة من ب.
[ ١ / ٤٥٦ ]
وسبب الخلاف: هل يغلب ثواب الصبح في الجماعة على فضل صلاة الوتر، أو يغلب فضيلة الوتر على فضيلة الجماعة، وهو [الصبح] (١) وذلك أن الوتر مختلف فيه، هل هو واجب أو سنة، وصلاة الجماعة مختلف فيها هل هي من الرَّغَائِب أو من السنن؟
فإن كان فَذًا فلا يخلو من أن يذكر صلاة في صلاة، فإن ذكر صلاة في صلاة، فإن كان قبل أن يركع، فهل يقطع أو يأتي بركعتين؟
قولان قائمان من "المدونة" (٢):
أحدهما: أنه يقطع بسلام، وهو نص "الكتاب" [ق/ ٢٢ ب].
والثاني: أنه يأتي بركعتين ويُسَلِّم.
[و] (٣) في المسألة قول [ثالث] (٤) بالتخريج أنه يتمادى على صلاته حتى يتمها.
ووجه القول بالتمادي [إلى آخر الصلاة] (٥) بناء على أن الذكر لا يبطل الصلاة.
ووجه قول من قال: أنه يتمادى إلى ركعتين [ثم يسلم] (٦) بناء على أن الإحرام ركن يبنى عليه، ومنعه التمادي بناء على أن للذكر تأثيرا في فساد الصلاة.
ووجه القول بأنه يقطع؛ بناء على أن الإحرام عنده ليس بركن يبنى
_________________
(١) في جـ: الصحيح.
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٢٩).
(٣) سقط من أ، ب.
(٤) سقط من أ، ب.
(٥) سقط من أ، ب.
(٦) سقط من أ، ب.
[ ١ / ٤٥٧ ]
عليه.
فإن كان بعد ما صلى منها ركعة فهل يقطع أو يشفعها؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (١):
أحدهما: أنه يقطع [ولا يشفعها] (٢) وهو قول منصوص [في المذهب قائم من "المدونة"] (٣) من قوله: إذا ركع يضيف إليها ركعة أخرى أحب إليَّ إشارة إلى جواز القطع فيها بعد ركعة.
والثاني: أنه يشفعها بركعة ويسلم، وهو [نصه] (٤) في "الكتاب".
[فإن] (٥) كان ذلك بعد ثلاث ركعات، هل يأتي برابعة أو يسلم؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أنه يأتي بالرابعة، وهو قول مالك.
والثاني: أنه يقطع، وهو قول ابن القاسم.
وهذا كله يدور على النكتة التي قَدَّمْنَاها هل للذِّكر تأثير في فساد الصلاة التي هو فيها أم لا؟
فمن رأى أنه لا تأثير له في البطلان قال: يتمها [أربعًا] (٦).
ومن رأى أنه يؤثر في البطلان قال: يقطع بعد ثلاث ركعات ويشفعها إن كان [منها] (٧) على ركعتين وتكون نافلة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ١٣٠).
(٢) سقط من ب.
(٣) في ب: في المدونة قائم من قوله في المدونة.
(٤) في ب: قوله.
(٥) في ب: وإن كان.
(٦) سقط من ب.
(٧) سقط من ب.
[ ١ / ٤٥٨ ]
أَعْمَالَكُمْ﴾ (١).
ويمنع من التمادي إلى آخر الصلاة [فيكون] (٢) [ق/ ٣٥ جـ] للذكر تأثير، فيركب على كل شائبة مقتضاها.
فإن كانت صلوات كثيرة: [فإنه] (٣) يتمادى على ما هو [فيه] (٤) على ما سنبينه في التفصيل بين اليسير والكثير [إن شاء الله، وأما إن ذكرها في غير الصلاة: إلا أنه ذكرها في وقت الصلاة، فهل يبتدئ بالحاضرة أو بالمنسية؟] (٥) فإن فيه تفصيلًا وتحصيلًا [يفسر على تمهيد قاعدة] (٦) في ترتيب الصلوات:
فنقول وبالله التوفيق: ترتيب الصلوات ينقسم [على] (٧) أربعة أقسام:
أحدها: ترتيب ما هو في وقتها من الصلوات.
والثاني: ترتيب ما فات وقته [من الصلوات.
والثالث: ترتيب ما فات وقته مع ما حضر وقته] (٨).
والرابع: ترتيب ما فات وقته مع ما فعل في وقته.
فالجواب عن القسم الأول: وهو ترتيب ما فعل في وقته من الصلوات؛
_________________
(١) سورة محمَّد الآية (٣٣).
(٢) في أ: ليكون.
(٣) في أ: فلا.
(٤) في أ: فيها.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) فى جـ: إلي.
(٨) سقط من ب.
[ ١ / ٤٥٩ ]
مثل أن ينسى الظهر [والعصر] (١) إلى أن يبقى [للغروب] (٢) قدر ركعة واحدة، فإنه يبدأ بالظهر على العصر، وإن كان لا يدرك العصر إلا بعد الغروب، وهكذا المغرب والعشاء، ولا خلاف في المذهب في ذلك؛ لأن الترتيب واجب مع الذكر.
وهكذا [الجواب في] (٣) القسم الثاني: في ترتيب المنسيات فيما بينهن إذا صلى الثانية قبل الأولى ناسيًا، فإنه يصلي الأولى [ويعيد] (٤) الثانية اتفاقًا.
فإن فعل ذلك عامدًا، مثل أن يكون نسى الصبح والظهر، أو الظهر والعصر، فيذكر ذلك بعد أيام، فيصلي الظهر وهو ذاكر الصبح.
[واختلف في ذلك على] (٥) ثلاثة أقوال (٦):
أحدها: أنه لا إعادة عليه في الصلاة التي قد [صلى] (٧)؛ [لأنه] (٨) إذا صلاها [فقد] (٩) خرج وقتها فكأنه قد وضعها [في] (١٠) موضعها، ثم لا إعادة عليه بعد خروج وقتها.
ولا فرق بين أن يكون [ذكرها] (١١) قبل الشروع في الثانية أو بعد الشروع فيها.
وهذا القول مروي عن ابن القاسم.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: للمغرب.
(٣) سقط من أ.
(٤) فى جـ: ولا يعيد.
(٥) في ب: ففي ذلك.
(٦) انظر: المدونة (١/ ١٣١).
(٧) فى جـ: صلاها.
(٨) في أ، ب: فإنه.
(٩) سقط من ب.
(١٠) سقط من أ، ب.
(١١) سقط من أ، ب.
[ ١ / ٤٦٠ ]
والثانى: أنه يعيدها جملة [ولا فرق] (١).
والثالث: التفصيل بين أن يدخل في الثانية وهو ذاكر للأولى، أو يذكرها بعد الإحرام في الثانية؛ [فإن ذكرها بعد الإحرام في الثانية] (٢) [فإنه] (٣) [يعيد] (٤) أبدًا.
[فإن] (٥) ذكرها قبل الشروع فيها: فلا إعادة عليه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" (٦)؛ لأنه قال فيمن نسى الصبح والظهر ثم ذكر الظهر فلما دخل فيها ذكر الصبح: [فالظهر فاسدة عليه] (٧)، وهذا يقتضي [إعادتها] (٨) أبدًا.
وقال فيمن صلى صلوات [كثيرة] (٩) وهو ذاكر لصلاة: أن صلاته جائزة، ويعيد ما أدرك وقته مما صلى، وهذا [القول صحيح في النقل بعيد في المعنى.
وسبب الخلاف: هل الترتيب بين الصلوات المفروضة من شروط صحة الصلاة أم لا؟
فمن رأى أنه من شروط صحتها أوجب أن يعيد أبدًا] (١٠) شرط في صحتها أوجب أن يعيد أبدًا، وهذا الذي ذهب إليه القاضي أبو محمد عبد الوهاب أن الترتيب عنده شرط من شروط [صحة] (١١) الصلاة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: لأنه.
(٤) فى جـ: يعيدها.
(٥) في ب: وإن.
(٦) انظر: المدونة (١/ ١٣١).
(٧) في ب، جـ: فسدت الظهر عليه.
(٨) في ب: الإعادة.
(٩) سقط من أ.
(١٠) سقط من أ.
(١١) سقط من أ، ب.
[ ١ / ٤٦١ ]
فمن رأى أنه ليس من شروط صحتها قال: [لأنه] (١) ليس في تقديم ما هو في وقتها أكثر من تأخير الثانية عن وقتها، وذلك لا يمنع صحتها، وهي رواية مُطَرِّف وعبد الملك بن الماجِشُون عن مالك.
والجواب عن القسم الثالث: في ترتيب ما فات [وقتها] (٢) مع ما هو في [وقتها] (٣) هل يبدأ بالفوائت أو يبدأ بما هو في [وقتها] (٤)؟
فالمذهب على أربعة أقوال (٥):
أحدها: أنه يبدأ بالفوائت على ما هو في [وقتها] (٦) قلَّت أو كثرت إذا كان يأتي بجميعها مرة واحدة، وهو قول محمد بن مسلمة -من أصحاب مالك [﵁] (٧).
والثاني: أنه يبدأ بالتي حضر وقتها، وإن كانت المنسية صلاة واحدة، وهو قول ابن وهب -من أصحاب مالك أيضًا.
والثالث: أنه مخير بالتبدئة بالفوائت أو بالتي حضر وقتها، وهو قول أشهب، [قال] (٨): وذلك واسع لاختلاف أهل العلم في ذلك.
والرابع: [بالتفصيل] (٩) بين أن تكون [المنسيات] (١٠) يسيرة أو كثيرة.
_________________
(١) سقط من جـ.
(٢) في أ، ب: وقته.
(٣) في أ، ب: وقته.
(٤) في أ، ب: وقته.
(٥) انظر: المدونة (١/ ١٣١، ١٣٢)، والنوادر (١/ ٣٣٧، ٣٣٨).
(٦) في أ، ب: وقته.
(٧) في ب: ﵀.
(٨) سقط من ب.
(٩) في ب: التفصيل.
(١٠) سقط من ب.
[ ١ / ٤٦٢ ]
فإن كانت يسيرة بدأ بهن على الحاضرة وإن خرج وقتها.
وإن كانت كثيرة بدأ بالتي [حضر وقتها] (١) وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المدونة" (٢).
وعلى القول بالتفصيل بين [اليسير والكثير] (٣)، [فما] (٤) حد [اليسير] (٥) من [الكثير] (٦): فتحصيل المذهب أن لَّا خلاف في الأربعة أنها في حيز اليسير، ولا خلاف في الستة أنها في حيز الكثير.
واختلف في الخمس هل هي في حَيِّز اليَسِير أو حَيِّز الكثير؟
[فالمذهب] (٧) على قولين:
أحدهما: أن الخمس في حيز اليسير، وهو مذهبه في "المدونة" (٨) لأنه قال: الصلاتين [والثلاثة] (٩) وما قَرب [من ذلك] (١٠).
فما قرب [من ذلك] (١١) هي [الخمس] (١٢)، وهي رواية ابن سحنون عن أبيه (١٣).
_________________
(١) في ب: حضرت.
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٣١).
(٣) في ب: الصلوات اليسيرة والكثيرة.
(٤) في أ: وما.
(٥) في ب: اليسيرة.
(٦) في ب: الكثيرة.
(٧) سقط من ب.
(٨) انظر: المدونة (١/ ١٣١).
(٩) في أ: الثلاث.
(١٠) سقط من ب.
(١١) زيادة من ب.
(١٢) في أ: الخامسة.
(١٣) النوادر (١/ ٣٣٥).
[ ١ / ٤٦٣ ]
والثاني: أن الخمس في حَيِّز الكثير، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في غير "المدونة" (١).
فوجه القول الأول: أنه عدد لا تتكرر فيه الصلاة؛ فكان في حيز القليل كالاثنين والثلاث.
ووجه القول الثاني: أن الترتيب في [الصلاة] (٢) مقيس على الترتيب في الركعات، وأكثرها أربعًا.
ومن أصحاب المذهب من حكى ذلك إجماعًا؛ فقال: الأصل يقتضي تبدئة الفوائت -قلّت أو كثرت- لقوله [﵇] (٣): [من نام عن صلاة أو نسيها] (٤) فليصلها [إذا] (٥) ذكرها؛ فإن ذلك وقت لها (٦).
و[الصلوات] (٧) من ألفاظ العموم، إلا أن الإجماع خصص من هذه الصلوات الكثيرة، وبقى الحديث مستعملًا في اليسير.
فإن أراد بالصلوات الكثيرة هاهنا، ما إذا اشتغل بقضائها استغرق الزمان حتى لا يتفرغ للتي حضر وقتها؛ مثل من عليه [صلاة] (٨) أعوام فيسلم له الإجماع.
وإن أراد بالكثيرة دون ما [قدرناه] (٩) [بحيث] (١٠) لو اشتغل بها
_________________
(١) النوادر (١/ ٣٣٤، ٣٣٥).
(٢) في ب: الصلوات.
(٣) في ب: ﷺ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ، جـ: حين.
(٦) تقدم.
(٧) في أ، ب: الصلاة.
(٨) في ب: صلوات.
(٩) في ب: قدمناه.
(١٠) في أ: مما.
[ ١ / ٤٦٤ ]
لفرغ منها، واستدرك بعد ذلك وقت الحاضرة: فالخلاف فيه في المذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه يبدأ بالحاضرة [إن] (١) كان الوقت متسعًا للجميع، فإذا صلاها صلى الفوائت، فإن فرغ منها، وقد بقى من الوقت شيء أعاد التي صلى في الوقت استحبابًا، وهو قوله في "المدونة" (٢).
والثاني: أنه يبدأ بالفوائت إذا كان يفرغ [منها] (٣) ويدرك [الظهر] (٤) في وقت الصلاة المفروضة، وهو قوله ابن حبيب.
والثالث: أنه يبدأ بالفوائت، وإن كان لا يدرك وقت الحاضرة إلا عند الاصفرار، وهي رواية [ابن] (٥) أبي زيد عن ابن القاسم (٦).
والرابع: أنه يبدأ بهن، وإن كان لا يدرك وقت الحاضرة إلا عند الغروب، وهي رواية سحنون (٧).
وسبب الخلاف: في أصل المسألة هل يشبه القضاء بالأداء في الترتيب أم لا؟ وهل الترتيب في الأداء مُعتبر بالزمان [أو] (٨) مُعتبر بالفعل؟
فمن رأى أن الترتيب مُعتبر بالزِّمان قال: لا يفعل إلا مرتبًا؛ لاختصاص [الصلوات] (٩) بأوقاتها وأزمانها؛ لم يَقِس القَضَاء على
_________________
(١) في ب: فإذا.
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٣١).
(٣) في أ: منهن.
(٤) في ب: الحاضرة.
(٥) سقط من ب.
(٦) النوادر (١/ ٣٣٤، ٣٣٥).
(٧) النوادر (١/ ٣٣٥).
(٨) في ب: أم.
(٩) في ب: الصلاة.
[ ١ / ٤٦٥ ]
الأَدَاء؛ لأن القضاء ليس له وقت مخصوص.
ومن رأى أن الترتيب في [الصلوات] (١) مُعتبر بالفِّعل، وإن اتَّحد الزَّمان، كالجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما: شَبَّه القضاء بالأداء، أو قَاسَه عليه، ومن رأى وجوب الترتيب من جهة الزمان لا من جهة الفعل، لقوله [﵇] (٢) "فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقت لها" (٣) فجعل وقت المنسية وقت الذكر، فذلك طمع في غير مطمع، والحلول بواد غير ذي زرع؛ لأنه إن كان وقت الذكر وقتًا للمنسية فهو بعينه وقت للحاضرة.
فلم يبق إلا اعتبار الزمان من جهة الجملة، لا من قوله ﵇ [ق/ ٤٦ أ] "فإن ذلك وقت لها" (٤)، فمن ضرورة اعتبار الزمان [وجوب] (٥) الترتيب؛ كالترتيب الذي يوجد في [أجزاء] (٦) الصلاة الواحدة.
وهذا أشْبَه وَأَبْيَن، وإنما صار الجميع إلى استحسان الترتيب في المنسيات إذا لم يخش فوات وقت الحاضرة -على الخلاف الذى قدمناه في ذلك الوقت ما هو أَبْيَن [على خلاف ما احتج به] (٧) ابن حبيب وغيره بحديث ابن مسعود أن النبي - ﷺ - صلى يوم الخندق أربع صلوات مرتبًا؛ لأنه صلى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء في وقت العشاء، ثم طاف
_________________
(١) في أ، ب: الصلاة.
(٢) في ب: ﷺ.
(٣) تقدم.
(٤) تقدم.
(٥) في أ: وجود.
(٦) في أ: آخر.
(٧) سقط من أ، جـ.
[ ١ / ٤٦٦ ]
[علينا] (١) فقال: "ما على الأرض عصابة يذكرون الله غيركم" (٢) ﵃، وأرضاهم.
الجواب عن القسم الرابع: في ترتيب الفوائت مع ما فعل في وقته من الصلوات؛ مثل أن يصلي ثم يذكر صلوات نسيها، فإن فرغ منها بعد الغروب [فلا] (٣) خلاف في المذهب أنه لا يعيد الظهر.
فإن فرغ منها وقد بقى وقت صلاة الظهر: فإنه يعيدها في الوقت. وهل ذلك إيجابًا أو استحبابًا؟
ففي المذهب قولان؛ والمشهور: أنه يعيد على معنى الاستحباب.
وهذا الباب فروعه كثيرة ومسائله متشعبة لكنها مذكورات في [شروحات المذهب] (٤) فأغنى ذلك عن ذكرها، وإنما الغرض في هذا المجموع تحصيل ما يُحتاج إلى تحصيله.
فصل
[وأما] (٥) المتروكات عمدًا، فهل تقضى أم لا؟
فمذاهب فقهاء الأمصار: [رضوان الله عليهم] (٦): أنه إثم، وأن القضاء عليه واجب.
_________________
(١) في أ، ب: عليهم.
(٢) أخرجه الترمذي (١٧٩)، والنسائي (٦٢٢)، وأحمد (٤٠٠٣) من حديث عبد الله ابن مسعود. قال الترمذي: حديث عبد الله ليس بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله. وضعفه العلامة الألباني في الإرواء.
(٣) في ب: ولا.
(٤) في أ، ب: شرح المهذب.
(٥) في أ: و.
(٦) زيادة من ب.
[ ١ / ٤٦٧ ]
وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنها لا تقضى، وأنه مأثوم.
ومثار الخلاف في هذه المسألة ينبني على قاعدتين:
إحداهما: [إثبات جواز القياس] (١) في الشرع.
والثانية: قياس العامد على الناس إذا سلم جواز القياس.
وأما جواز القياس في الشرع: فجمهور المسلمين على جوازه ووقوعه، وقد استعمله النبي - ﷺ -[و] (٢) الصحابة [من] (٣) بعده، والعلماء، إلى هَلُم جَرّا.
والرَّدُ على مُنْكريه مُحَال على فَنّ الأصول (٤).
وأما القاعدة الثانية: [وهي] (٥) قياس العامد على الناسي؛ لأن الناسي محل الإجماع، فهل يقاس عليه العامد أم لا؟ فبين العلماء قولان:
وينبني الخلاف: على الخلاف في وجوب القضاء على الناسي هل هو من باب التَّغْليظ أو من باب الرفق والرخصة فمن رأى أنه من باب التغليظ [يقول] (٦) بجواز القياس؛ لأن العامد أولى بأن نُورد عليه بالتغليظ من الناسي، فيجوز القياس لأن ذلك من باب أولى.
ومن رأى أن ذلك من باب الرِّفق والرُّخصة [يقول] (٧): لا يقاس
_________________
(١) في أ: جواز إثبات القياس.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: وأصحابه.
(٤) انظر: نهاية السول (٣/ ٥) والمنتهى (١٧٣) والإبهاج (٣/ ٥) والمستصفى (٢/ ٢٣٤) وفواتح الرحموت (٢/ ٣١٠).
(٥) في أ: وهو.
(٦) في ب: قال.
(٧) في ب: قال.
[ ١ / ٤٦٨ ]
عليه العامد؛ لأن الناسي معذور بالنسيان والعامد مختار للترك، فلا جمع ولا مناسبة ولا إحالة [بينهما؛ لأن العمد والنسيان ضدان، والضدان لا يصلح الجمع بينهما إنما يقاس الأشبه على الأشبه؛ لأن الشيء يأوي إلى شبيهه] (١) وينحو عن ضده، ولاسيما على القول بأن القضاء إنما يجب بأمر متجدد لا بأمر الأداء؛ فعلى هذا يكون العامد مأثومًا ولا يجزئه القضاء؛ لأن قصده إلى ترك الصلاة بغير عذر من أعظم المآثم كيمين الغموس التي هي أعظم من أن تُكَفَّر، والله الموفق للصواب.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١ / ٤٦٩ ]
المسألة السادسة فى السهو فى الصلاة
والسهو في الصلاة ينقسم [على] (١) قسمين:
السهو عنها جملة، أو السهو عن بعضها.
فأما السهو عنها جملة: ففي المسألة التي فرغنا منها آنفًا.
وأما السهو عن بعضها، وفي أثنائها فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم منها لا يجوز فيه سجود السهو؛ وهي الفرائض.
وقسم منها لا يجب فيه سجود السهو؛ وهي الفضائل.
وقسم منها يشرع فيه سجود السهو؛ وهي السنن.
وإن قوله ﵇ [ق/ ٣٦ جـ] "في كل سهو سجدتان" (٢) ليس على عمومه، والصلاة تشتمل على أفعال وأقوال، فجميع أفعالها فرض [حاشا] (٣) ثلاثة: رفع اليدين في الإحرام، والتيامن في السلام، والجلسة [الوسطى] (٤)، واختلف في الرابع، وهو الرفع من الركوع، قيل: إنه فرض، وقيل: إنه سنة.
وسبب الخلاف: ما قدمناه [في غير هذه المسألة] (٥).
وجميع أقوالها سنة وفضيلة [حاشا] (٦) ثلاثة: الإحرام [في الصلاة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) أخرجه أبو داود (١٠٣٨) وابن ماجة (١٢١٩)، وأحمد (٢١٩١١)، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى.
(٣) في ب: إلا.
(٤) في ب، جـ: الأولى.
(٥) سقط من ب.
(٦) في ب: إلا.
[ ١ / ٤٧٠ ]
] (١) وقراءة أم القرآن، والسلام، وهذا على المشهور [والساهي لا يخلو من أن يكون إمامًا أو فذًا، فإن كان مأمومًا فهو يحمله عنه الإمام، وسهو الإمام يلزم من شهد معه ممن لم يسه معه] (٢).
وقد حَصَّل بعض المتأخرين القول في هذا الوجه بعبارة سديدة وَمَعَان مُفِيدة، وقال: كل ما يحمله الإمام عمن خلفه فسهوه عنه سهوًا لهم، وإن فعلوه، وكل ما [لا] (٣) يحمله الإمام، فلا يكون سهوه سهوًا لهم إذا فعلوه إلا في النية وتكبيرة الإحرام؛ لأنهم إذا فارقوه في النية والإحرام لم يدخلوا معه في الصلاة.
فإن كان فذًا فلا يخلو سهوه من وجهين:
أحدهما: أن يكون سهوًا يوقن به.
والثاني: أن يكون سهوًا يشك فيه.
فالذي يوقن به على وجهين: زيادة ونقصان، والذي يشك فيه أيضًا على وجهين: زيادة ونقصان، فهذه أربعة أوجه:
وقد يجتمع في السهو اليقين بزيادة ونقصان في الصلاة الواحدة، وقد يشك فيهما جميعًا، وقد يشك في الزيادة ويوقن بالنقصان، وقد يشك في النقصان، ويوقن بالزيادة، فهذه أربعة أوجه أيضًا [فصارت المسألة] (٤) ودارت على ثمانية أوجه:
فالجواب عن الوجه الأول: وهو السهو بالزيادة: لا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون في الأفعال.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ١ / ٤٧١ ]
والثانى: أن يكون في الأقوال.
فإن كان في الأفعال: فلا يخلو أيضًا من وجهين:
إما أن يكون من جنس أفعال الصلاة، أو من غير جنسها.
فإن [كان] (١) من جنس أفعال الصلاة؛ مثل أن يزيد في [عدد] (٢) ركعات [الصلاة] (٣) فلا يخلو ما زاده من أن يكون مثل صلاته أو أقل.
فإن زاد مثل صلاته؛ مثل أن يصلي الظهر ثماني ركعات، أو صلى صلاة هي ركعتان أربعًا: فلا خلاف -أعلمه- في المذاهب أن صلاته باطلة، وأنه يعيدها، ولا يجزئ عنه السجود [وقد قيل: بجواز صلاته: وهي رواية مطرف عن مالك، ورواية عيسى عن ابن القاسم على ما ذكره الشيخ أبو الحسن اللخمي، والقاضي أبو الفضل واستقرأ بعض المتأخرين فيمن شفع وتره ساهيًا: أنه قال: يسجد بعد السلام، وهذا الاستقراء ذكره أبو الفضل] (٤) [فإن] (٥) زاد دون المثل؛ مثل أن يزيد ركعة على أربع، أو على ثلاث: فلا خلاف في المذهب أيضًا أنه يجزئه السجود.
واختلف فيمن صلى وزاد نصف صلاته، أو صلى المغرب خمس ركعات، هل يسجد أو يعيد؟
على قولين (٦):
أحدهما: أنه يعيد، وبه قال ابن كنانة، وابن نافع، وعبد الملك.
_________________
(١) في أ: كانت.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ، جـ.
(٥) في ب: وإن.
(٦) النوادر (١/ ٣٦١).
[ ١ / ٤٧٢ ]
والثاني: أن السجود يجزئه ولا يعيد، وهو قول مُطَرِّف، وأشهب، وابن عبد الحكم، وأصبغ، وروى مثله عن ابن القاسم.
وسبب الخلاف: [هل] (١) الاعتبار بِقلة السّهو وكثرته، أو الاعتبار بعدد الركعات المُزَادَة؟
فمن رَاعَى اعتبار قِلَّة السَّهو وكثرته كان ينبغي له [أن لا] (٢) يُفَرِّق بين زيادة الرّكعة ولا [الركعتين] (٣)؛ لأن زيادة الركعة على صلاة هي ركعتان سهو كثير [وزيادة ركعتين على صلاة هي أربعة سهو كثير] (٤) وإلى هذا ذهب عبد الملك في "النوادر" (٥).
ومن اعتبر عدد الركعات المزادة، ورأى أن النصف في حيز الكثير، فلا فرق عنده بين [النصف] (٦) [وغيره] (٧)؛ لأن ركعة من الصبح كركعتين من الظهر مثلًا؛ لأن اعتبار مجرد [الجزئية تقييد] (٨) محض يفتقر إلى دليل، فلو أن الشَّارع قَيّد الزِّيادة بهذا القَدْر كان علينا الإذعان له سمعًا وطاعة؛ فكيف وهو من أقاويل العلماء المجردة عن المعاني الدالة على غرض [الشارع] (٩) صاحب الشريعة [- ﷺ -] (١٠) فإن كان ذلك من [غير] (١١)
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في ب: ألا.
(٣) في أ: ركبتين.
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر: النوادر (١/ ٣٦٢).
(٦) في جـ: الصبح.
(٧) في أ: وغيرها.
(٨) سقط من أ.
(٩) سقط من أ.
(١٠) زيادة من ب.
(١١) سقط من أ.
[ ١ / ٤٧٣ ]
جنس أفعال الصلاة: فلا يخلو أيضًا من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك كثيرًا.
والثاني: أن يكون يسيرًا.
فإن كان كثيرًا، مثل أن يأكل أو يخيط ثوبه، فيطول ذلك: فصلاته باطلة ولا يجزئه السجود.
فإن كان يسيرًا: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
[أحدها:] (١) أن يكون مما يجوز له فعله في الصلاة.
[والثاني: أن يكون] (٢) مما يكره له فعله في الصلاة.
والثالث: أن يكون مما لا يجوز له فعله في الصلاة.
فالأول: مثل أن يَمُر بين يديه الحية والعقرب، فَيُرِيدَاه فيقتلهما وهو ناس أنه في الصلاة: فهذا لا سجود عليه، [وصلاته] (٣) مجزئة.
والثاني: أن يمر بين يديه حية أو عقرب، وهما لا يريدانه، فهل يسجد أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يسجد.
والثاني: أن صلاته جائزة، ولا سجود عليه.
والثالث: مثل أن ينسى أنه في الصلاة فيأكل أو يشرب، ولا يطول ذلك: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن صلاته فاسدة ويعيدها.
_________________
(١) في أ: إما.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: فصلاته.
[ ١ / ٤٧٤ ]
[والثاني: أن صلاته جائزة، ويسجد بعد السلام] (١).
[والقولان] (٢) قائمان من "المدونة":
[فإن] (٣) كان في الأقوال: فلا يخلو من وجهين أيضًا:
أحدهما: أن يكون من جنس أقوال الصلاة.
والثاني: أن يكون من غير جنسها.
فإن كان من جنس أقوالها: مثل أن يقرأ السورة مع [أم القرآن] (٤) في الركعتين الأخيرتين، أو يذكر الله فيما بين السجدتين على معنى السهو، فهل يسجد أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (٥):
أحدهما: أن يسجد، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب الصلاة الثاني" من "المدونة": إذا قدم أُمّ القرآن على التكبير في صلاة العيدين.
والثاني: أنه لا سجود عليه، وهو ظاهر قوله في [كتاب] (٦) الصلاة لأول: إذا قدم السورة على أم القرآن [ق/ ٢٣ ب].
فإن كانت من غير جنسها سجد بعد السلام.
فهذا حكم الزيادة [في الصلاة] (٧) على طريق السهو.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: فالقولان.
(٣) في ب: وإن.
(٤) سقط من ب.
(٥) انظر: المدونة (١/ ١٣٣).
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ١ / ٤٧٥ ]
وأما الزيادة فيها على طريق العَمْد: فإن كانت من الأفعال التي هي من جنس أفعال الصلاة، أو في الأقوال التي ليست من جنس أقوال الصلاة، مثل أن يزيد في صلاته ركعة أو سجدة عامدًا، أو تكلم عامدًا بغير إصلاح صلاته: فصلاته باطلة بالاتفاق من غير اعتبار بالقلة أو بالكثرة.
ولو كانت في الأفعال التي ليست من جنس أفعال الصلاة؛ مثل أن يناول بيده شيئًا، أو دفعه عمدًا: فصلاته باطلة في الكثير دون القليل.
وإن كانت في الأقوال التي هي من جنس أقوال الصلاة؛ مثل أن يكبر أو يهلل أو يُسَبِّح في غير محله، فقيل: إن صلاته باطلة، وقيل: إنها جائزة.
وأما السهو في النقصان: فلا يخلو من أن يكون في الأقوال أو في الأفعال.
فإن كان في الأفعال، مثل نسيان الجلسة الأولى: فإنه يسجد [لها] (١) قبل السلام، وتجزئه صلاته.
فإن كل في الأقوال؛ كقراءة السورة التي مع أم القرآن، أو ثلاث تكبيرات فأكثر: فإنه يسجد [ق/ ٤٧ أ] قبل السلام [أيضًا] (٢).
واختلف إذا نسى تكبيرة واحدة، أو سمع الله لمن حمده [مرة واحدة] (٣) أو التشهد، هل يسجد أم لا؟
[فالمذهب (٤) على قولين منصوصين في "المدونة" (٥):
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من ب.
(٥) انظر: المدونة (١/ ١٣٧).
[ ١ / ٤٧٦ ]
أحدهما: أنه يسجد.
والثاني: أنه لا يسجد، وتجزئه صلاته.
وسبب الخلاف: تكبيرات الصلاة، هل كل تكبيرة سنة على حالها، أو جملة [التكبير] (١) سنة واحدة؟
فمن رأى أن كل تكبيرة منها سنة قال: يسجد في الواحدة، وما كثر يعيد منه الصلاة؛ لكثرة السهو.
ومن رأى أن جملة التكبير سنة: لم ير السجود على من ترك تكبيرة واحدة.
فهذا حكم النقصان على طريق السهو.
وأما على طريق العمد: فلا يخلو من أن يترك سنة، أو سننًا.
فإن ترك سنة واحدة عامدًا، كالسورة التي مع أم القرآن، أو ترك الإقامة: فقيل: يستغفر الله، ولا شيء عليه، و[قيل] (٢) يعيد أبدًا.
[وقيل: يسجد قبل وهذا القول نقله ابن الجلاب وهو غريب فى المذهب] (٣).
وسبب الخلاف: المتهاون بالسنن، هل هو كتارك الفرض أم لا؟
فإن كانت سننًا: فإنه يعيد الصلاة
فصل
وأما إذا اجتمعت عليه الزيادة والنقصان: فلا خلاف أن أحد السهوين داخل في الآخر.
_________________
(١) في ب: التكبيرات.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ، ب.
[ ١ / ٤٧٧ ]
وإنما الخلاف [فيمن] (١) يغلب هل قبل أو بعد؟
[فالمذهب] (٢) على قولين [قائمين] (٣) من المدونة:
أحدهما: أنه يسجد قبل السلام، وهو المشهور من المذهب، وهو قوله في "المدونة" (٤) فيمن سها فصلى نافلة [أربع ركعات] (٥) قال: يسجد قبل السلام؛ لأنه زاد ونقص؛ والزيادة: الركعتان، والنقصان: هو الجلوس على ركعتين.
والثاني: أنه يسجد بعد السلام، وهي رواية عليّ بن زياد عن مالك، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة فيمن سها فصلى نافلة خمس ركعات، [فقال] (٦) ابن القاسم: يسجد بعد السلام.
والقولان منصوصان عن مالك فى "العتيبة" (٧).
وينبني الخلاف: على الخلاف في أصل سجود السهو، هل السجود كله قبل السلام -وهو مذهب الشافعي (٨) - أو السجود كله بعد السلام -وهو مذهب أبي حنيفة (٩) - أو التفصيل بين الزيادة: فيسجد فيه بعد السلام، وفي النقصان: فيسجد فيه قبل السلام -وهو مشهور مذهب مالك ﵀.
ولأحمد بن حنبل [﵀] (١٠) وأهل الظاهر فيها كلام غير هذا
_________________
(١) في جـ: في أيهما.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) انظر: المدونة (١/ ١٣٢).
(٥) في ب: أربعًا.
(٦) في ب: حيث قال.
(٧) انظر: البيان والتحصيل (١/ ٣٤٢)، والنوادر (١/ ٣٦٢).
(٨) انظر: مختصر المزني (١٧).
(٩) انظر: الأصل (١/ ٢٢٥).
(١٠) سقط من ب.
[ ١ / ٤٧٨ ]
وتغالى عبد العزيز بن أبي سلمة حتى قال: يسجد سجودين؛ للنقص سجدتان، وللزيادة سجدتان، والذي قاله مخالف للنقل، وموافق لدليل العقل.
وأصح المذاهب في ذلك مذهب مالك ﵀؛ لأنه استعمل جميع أحاديث السهو، واستعمال الأحاديث مهما أمكن أولى [من الطرح] (١)؛ لأن الطرح فيما لم يثبت فيه نسخ يؤدي إلى تعطيل كلام صاحب الشريعة، ولا يفترق اليقين بالسهو مع الشك فيه إلا في موضعين:
أحدهما: إن شك في [الزيادة الكثيرة في أفعال الصلاة] (٢) فإنه يجزئ فيه [السجود] (٣) باتفاق.
بخلاف الذي يوقن بالزيادة الكثيرة، وقد قدمنا البيان في ذلك في أول المسألة.
والموضع الثاني: أن الذي يكثر عليه السهو في الصلاة بخلاف [من] (٤) يكثر عليه الشك في السهو؛ لأن الذي يكثر عليه السهو لابد له من الإصلاح.
وإنما اختلف المذهب في [سجود] (٥) السهو عليه، فقيل: يسجد، وقيل: لا يسجد.
والذي يكثر عليه الشك في السهو يلهى عنه، [ولا ينبني] (٦) على
_________________
(١) في ب: من طرح بعضها، وفي الأصل: بالطرح.
(٢) في ب: زيادة الكثير في الصلاة.
(٣) في ب: سجود السهو.
(٤) في ب: الذي.
(٥) في جـ: وجوب.
(٦) في ب: وينبني.
[ ١ / ٤٧٩ ]
يقين، ويسجد للسهو قبل أو بعد على حسب اختلاف [أحوال] (١) السهو من زيادة أو نقصان.
فهذا تحصيل المذهب في مسائل السهو على الجملة، ونحن نقتفي مسائل الكتاب مسألة بعد مسألة إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١ / ٤٨٠ ]
المسألة السابعة إن نسي السجود من الأولى والركوع من الثانية، أو نسي السجود من الأولى وذكره وهو في الثانية
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يذكر وهو قائم في الثانية.
والثاني: أن يذكر وقد رفع من ركوعها.
فإن ذكر، وهو قائم في الثانية: فلا خلاف أنه يرجع إلى إصلاح الأولى.
فإن ذكر وقد رفع من ركوعها: فلا خلاف أيضًا أن الأولى باطلة، وعادت الثانية أول صلاته.
فإن ذكر وهو راكع [ق/ ٣٧ جـ] في الثانية هل يرجع إلى إصلاح الأولى، أو تكون الأولى فاسدة؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (١):
أحدهما: أن الأولى باطلة، والثانية أول صلاته.
والثاني: أنه يرجع إلى إصلاح الأولى ويبنى عليها.
والقولان عن مالك.
قال ابن المواز (٢): المصلي مخير بين أن يمضي على التي هو فيها، أو
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ١٣٧).
(٢) انظر: النوادر (١/ ٣٦٣).
[ ١ / ٤٨١ ]
[يعود] (١) إلى إصلاح الأولى.
ويعد هذا القول قول ثالث في المسألة؛ فيتحصل فيها ثلاثة أقوال؛ القولان الأولان مبنيان، والثالث تردد.
وسبب الخلاف: عقد الركعة هل هو وضع اليدين على الركبتين أو رفع الرأس منها؟
وعلى القول بأنه يرجع إلى إصلاح الأولى ما لم يرفع رأسه من ركوع الثانية، فهذا لا يخلو من أن ينسى سجدة واحدة أو سجدتين.
فإن كان نسى سجدتين فهل يخر ساجدًا من الركوع أو يرفع حتى يستوي قائمًا ثم ينحط إلى السجود؟
فالمذهب على القولين:
[أحدهما: أنه يخر ساجدًا من الركوع.
والثاني: أنه لا ينحط إلى السجود وحتى يستوي قائمًا] (٢).
وسبب الخلاف: الحركة إلى الأركان، هل هي لازمة أو غير لازمة؟
فإن نسي سجدة واحدة: فإنه لا يعود إلى القيام؛ لأنه قد كان انحط إلى السجود من قيام، هكذا قال أبو الحسن اللخمي وغيره من متأخري المذهب؛ فكأنه يرى أن الرجوع إلى القيام بعد الركن زيادة مستغنى عنها، فلا يجوز له التعمد إليها.
واختلف هل ينحط إلى السجود أو يجلس ثم يسجد؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
_________________
(١) في ب: يرجع.
(٢) سقط من جـ.
[ ١ / ٤٨٢ ]
أحدهما: أنه يرجع إلى الجلوس ثم يسجد السجدة [التي بقيت عليه] (١)، وهو قول عبد الملك، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب الصلاة الثاني" (٢) في [الذي] (٣) ترك [السجدة] (٤) من الركعة، وقد قرأ أو ركع، ولم يرفع من الركعة التي تليها، قال: يرجع فيسجد السجدة التي نسى.
قال بعض الشيوخ: هذا يدل على أنه يرجع إلى الجلوس ثم يسجد من جلوس.
والثاني: أنه يخر ساجدًا ولا يرجع إلى الجلوس، وهو ظاهر قوله في "المدونة": فيمن ركع في الثانية، وقد نسى السجدة من الأولى، قال: يترك ركوعه الذي هو فيه، ويخر ساجدًا لسجدته التي نسى.
وسبب الخلاف: الأصل الذي قدمناه -وهو الحركة إلى الأركان- هل هي لازمة أم لا؟
وأما إذا نسى السجود من الأولى، والركوع من الثانية وأتى بسجودها، هل يضيف سجود الثانية إلى الأولى، وتكون ركعة كاملة يبنى عليها أم لا؟
فعلى قولين قائمين من "المدونة" (٥):
أحدهما: أنه لا يضيف سجود الثانية إلى الأولى؛ وعَلَّل بأن نيته في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٣٧).
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: السجود.
(٥) انظر: المدونة (١/ ١٣٧).
[ ١ / ٤٨٣ ]
السجود إنما كانت للركعة الثانية، وهو نص ابن القاسم [في المدونة] (١).
والثاني: أنه يضيف سجود الثانية إلى الأولى، وتصح له ركعة يبنى عليها.
وهو قول محمد بن مسلمة فيمن سهى عن سجود [الرابعة] (٢) وأتى بسجدتين من سهو دخل عليه في صلاته قبل السلام، ثم ذكر أنه [لم] (٣) يسجد في الرابعة أن سجدتي السهو تجزآنه عن سجود الرابعة، فإذا كانت تجتزئ بسجدتي السهو عن سجدتي الركعة الواجبة كان سجود الثانية أحرى أن يجزئ عن سجود الأولى؛ لأنه فرض عن فرض، [وذلك] (٤) نفل عن فرض.
وسبب الخلاف: هل يفتقر المصلي إلى تجديد النية لكل رُكن من أركان الصلاة، أو النية [الأولى] (٥) [منسحبة] (٦) على جميع أركان الصلاة؟
فمرة رأى مالك أن المصلي يفتقر إلى تجديد النية لكل ركن.
وهو قوله في هذه المسألة؛ لأن نيته إنما كانت للركعة الثانية.
ومرة أخرى أن النية [الواحدة] (٧) [مُنْسَحِبَة] (٨) على جميع [أفعال] (٩) الصلاة.
_________________
(١) سقط من أ، وفي جـ: في الكتاب.
(٢) في جـ: الركعة.
(٣) سقط من أ، ب.
(٤) في ب: وتلك.
(٥) في أ: الواحدة.
(٦) في جـ: مستصحبة.
(٧) في ب: الأولى.
(٨) فى جـ: مستصحبة.
(٩) سقط من ب.
[ ١ / ٤٨٤ ]
وهو قوله في "باب قصر الصلاة" (١) في المسافر إذا افتتح على الإتمام، ثم بدا له فَسَلّم من ركعتين: لم تجزئه صلاته؛ لأن صلاته على أول نيته، وهذا ظاهر لا إشكال فيه على من شد طرفًا من معاني المدونة.
فعلى القول بأنه لا يضيف سجود الثانية إلى الأولى: فإنه يسجد سجدتين يُحيى بهما الركعة الأولى، ويسجد بعد السلام؛ لأنه لم يحل بينه وبين إصلاحها عمل.
فإن قرأ وسجد ونسى الركوع، أو ركع وسهى عن الرفع من الركوع، وانحط للسجود، فإن نسى [الركوع] (٢) وذكر وهو ساجد: فإنه يرجع إلى الركوع.
واختلف في كيفية الرجوع على قولين:
أحدهما: أنه يرجع قائمًا ثم يركع.
وهي رواية أشهب عن مالك.
والثاني: أنه يرجع [محدوبًا] فيطمئن راكعًا، ثم يرجع، وتجزئه.
وأما إن ركع وسهى عن الرفع من الركوع، وانحط للسجود: فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: جواز الصلاة، ولا يكلف الرجوع إلى القيام، وهو قول مالك [في العتبية] (٣)؛ بناء على أن الرفع سنة.
والثاني: أنه يرجع إلى القيام معتدلًا كالرافع من الركوع، وهو قول ابن حبيب.
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ١٢١، ١٢٢).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ، ب.
[ ١ / ٤٨٥ ]
والثالث: أنه لا يرجع ويتمادى على صلاته ويعيد، وهو قول مالك مرة أخرى، مراعاة للخلاف ولعدم الترجيح.
وسبب الخلاف: الحركة إلى الأركان هل هي لازمة أم لا؟ [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من جـ.
[ ١ / ٤٨٦ ]
المسألة الثامنة فى الإمام إذا سها فصلى خامسة
فلا يخلو من معه من ثلاثة أوجه:
إما أن يتبعوه كلهم.
أو يجلسوا كلهم، ولم يتبعه أحد منهم.
أو يتبعه قوم وجلس قوم.
فإن تبعوه كلهم: فلا يخلو حالهم من ثلاثة أوجه:
حالة يتساوون معه في السهو.
وحالة يكونون فيها على يقين من تمام الصلاة كلهم.
وحالة يسهو بعضهم كسهوه، وبعضهم على يقين من تمام صلاتهم.
فإن سهوا كلهم سهوه [ق/٤٨ أ] فاتبعوه:
فلا إشكال في صحة الصلاة وجوازها، وأنهم فعلوا ما يجب عليهم.
فإن تمادوا على اتباعه بعد علمهم بتمام صلاتهم: فلا يخلو من أحد وجهين:
أحدهما: أن يتبعوه [عمدًا] (١) على معنى التأويل، أو [على] (٢) غير تأويل.
فإن اتبعوه على غير تأويل: فلا خلاف في بطلان صلاتهم وصحة
_________________
(١) في أ: عامدًا.
(٢) سقط من أ، ب.
[ ١ / ٤٨٧ ]
صلاة الإمام.
فإنهم متأولون في اتباعه أن عليهم اتباع الإمام:
فالمذهب على قولين:
[أحدهما] (١): أن صلاتهم جائزة، ويعذرون بالتأويل، وهو قول سحنون (٢).
والثاني: أن صلاتهم فاسدة، ولا يعذرون بالتأويل، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب" وهو أحد أقاويل سحنون أيضًا.
فإن اختلفت أحوالهم؛ فبعضهم سهى لسهوه، وبعضهم اتبعوه عمدًا: فصلاة الساهين جائزة، وصلاة العامدين باطلة -على الخلاف الذي قدمناه في التأويل إذا تأولوا.
فإن جلسوا ولم يتبعه أحد منهم: فلا يخلوا جلوسهم من أن يكون على يقين منهم [في تمام] (٣) الصلاة، أو على شك.
فإن [كان] (٤) على يقين: فلا خلاف في [صحة صلاتهم] (٥) وأنه لا يجوز لهم الرجوع إلى يقين الإمام [ويتركوا يقينهم. واختلف في الإمام] (٦) هل يترك يقينه ويرجع إلى يقين القوم أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه [يبنى على] (٧) يقين نفسه، ولا يرجع إلى يقين القوم،
_________________
(١) سقط من أ، ب.
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٣٤)، والنوادر (١/ ٣٨٨).
(٣) في ب: بتمام.
(٤) في ب: كانوا.
(٥) في ب: جواز الصلاة.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ، ب: يرجع إلى.
[ ١ / ٤٨٨ ]
وهو المشهور.
والثاني: أنه يرجع إلى يقين القوم إذا [كانوا] (١) عددًا كثيرًا، وحكاه ابن الجلاب.
والأصح أنه لا يرجع إلى يقينهم، إلا أن يُخَالجه رَيْب فيجب عليه الرجوع إلى يقين القوم؛ لأن السهو والغلط من الجماعة أبعد [عنهم] (٢) من الواحد؛ ولذلك رجع النبي - ﷺ - إلى يقين القوم [في حديث ذي اليدين لما أخبروه بصحة ما قال ذو اليدين، فَخَالَجَه رَيْبٌ في يقينه فرجع إلى يقين القوم] (٣).
فإذا [كان] (٤) كل واحد منهم على [بصيرة] (٥) من أمره [حقيق] (٦) من شأنه: وجب على كل واحد منهم أن يعمل على ما في يقينه، ولا يجوز لواحد منهم أن يرجع إلى ترك يقينه، والرجوع إلى يقين غيره، ويترك يقينه، وهذا هو الأصل الذي عليه الاعتماد، وهكذا ذكر الشيخ ابن أبي زيد في ["النوادر" (٧)] (٨).
وإليه يرجع ما في المدونة إذا اعتبرته.
فإن جلسوا على شك من تمام صلاتهم: فصلاتهم باطلة باتفاق المذهب.
_________________
(١) في أ: كان.
(٢) في ب: منه.
(٣) سقط من ب.
(٤) زيادة ليست بالأصل.
(٥) في أ: سيرة.
(٦) في أ: حقيقة.
(٧) انظر: النوادر (١/ ٣٨٧، ٣٨٨).
(٨) في ب: نوادره.
[ ١ / ٤٨٩ ]
فإن جلس قوم، واتبعه قوم: فصلاة الجالسين جائزة إن جلسوا على يقين، وصلاة من اتبعه باطلة إن اتبعوه على طريق العمد.
فلو أنه لما فرغ من الخامسة، وسلم قال: إنما كنتُ تركتُ سجدة من الأولى:
أما من جلس: فإن [جلسوا] (١) على يقين: فصلاتهم جائزة، وإن داخلهم الشك بعد ذلك فصلاتهم فاسدة.
وأما الذين اتبعوه [وسهوا بسهوه فصلاتهم جائزة؛ لأنهم اتبعوا في ذلك: حكم الإمام وأما الذين اتبعوه] (٢) على طريق العمد: إن أيقنوا بتمام الصلاة: فصلاتهم فاسدة [إلا أن يتأولوا] (٣) على الخلاف في التأويل.
ولو صلى خامسة فأتبعه من بقيت عليه ركعة: فإن علم أنها خامسة: بطلت صلاته، ويبتدئها من أولها.
وإن لم يعلم فإنه يقضي ركعة ويسجد بعد السلام إذا فرغ من القضاء كما يسجد إمامه.
ولو قال الإمام كنتُ أسقطت سجدة من الأولى لأجزأت من اتبعه ممن فاته ركعة، وهذا قول مالك في "كتاب ابن المواز" (٤) [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) في أ، ب: جلس.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) انظر: النوادر (١/ ٣٨٨).
(٥) سقط من أ.
[ ١ / ٤٩٠ ]
المسألة التاسعة فيمن ذكر سجود السهو
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يذكر ذلك في غير الصلاة.
والثاني: أن [يذكرها] (١) وهو في الصلاة.
فإن [ذكر ذلك] (٢) في غير الصلاة، وكان السجود قبل السلام أو بعده إذا كان مما لا تعاد منه الصلاة إن نسيه حتى [عاد] (٣) بعد السلام، فهل يفتقر إلى إحرام أم لا؟
فالمذهب على [ثلاثة أقوال] (٤):
[أحدها] (٥): أنه يحرم [لهما] (٦) كانتا [من] (٧) قبل أو بعد في الأصل، وهو قول مالك، وبه قال ابن الجلاب.
والثاني: أنه لا إحرام لهما جملة، وهو قول مالك في كتاب محمد.
والثالث: التفصيل بين ما كان [قبل أو بعد] (٨)؛ فما كان بعد في
_________________
(١) في ب: يذكره.
(٢) في ب: ذكره.
(٣) في ب: كان.
(٤) في أ: قولين.
(٥) في أ: أحدهما.
(٦) سقط من ب.
(٧) سقط من ب.
(٨) في ب: من قبل، وما كان من بعد.
[ ١ / ٤٩١ ]
الأصل فيحرم [لما كان عن قبل، ولا يحرم لما كان بعد] (١)، وهو قول ابن المواز.
وهكذا السلام [منها] (٢) يبنى على الإحرام؛ لأن السلام تحليل، [والتحليل] (٣) يفتقر إلى سابقة التحريم.
واختلف أيضًا في التشهد لهما؛ فقيل: يتشهد لهما قبل أو بعد، وهو قول ابن القاسم.
وقيل: يتشهد فيما [كان] (٤) بعد، ولا يتشهد فيما [كان] (٥) قبل.
وهو قول عبد الملك [وقيل: يجب التشهد فيما كان بعد ويستحب فيما كان قبل، وهو قول ابن عبد الحكم] (٦).
وسبب الخلاف: مفهوم أحاديث السهو؛ كحديث [أبي] (٧) جحيفة، وحديث ذي اليدين، فظاهر الأحاديث [ومفهومها] (٨) أنه لم يتشهد، ولم يكبر؛ لأنه لم يذكره في الحديث.
ولا خلاف أنهما يفتقران إلى الطهارة.
وهذا الخلاف أيضًا يتخرج على الخلاف في سجود السهو، هل هو فرض أو سنة؛ فالشافعي يرى أنه سنة، وأبو حنيفة يرى أنه فرض خارج
_________________
(١) في ب: ما كان من قبل، ولا يحرم ما كان من بعد.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: وتحليل الصلاة.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) في الأصل: ابن.
(٨) في أ: ومفهومهم.
[ ١ / ٤٩٢ ]
عن شروط صحة الصلاة، وفرق مالك بين سجود السهو للأقوال وسجود السهو للأفعال، وبين الزيادة والنقصان من الأفعال والأقوال.
أما سجود السهو الذي بعد السلام: فإنه أصل بلا خلاف في [مذهب] (١) مالك [﵀] (٢) أنه مندوب إليه.
[وأما سجود السهو] (٣) الذي قبل السلام فاختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها سنة واجبة، وأنه إن ترك السجود لهما حتى تطاول: أعاد الصلاة سواء كانت عن فعل أو عن قول، وهو ظاهر قول مالك فى المدونة [وهو نص قول ابن القاسم في كتاب ابن الجلاب ولا خلاف] (٤) فيمن سهى عن ركعة أو سجدة أو عن سجدتي السهو قبل السلام [فطال] (٥) ذلك فليعد الصلاة.
فساوى بين من نسى سجدتي السهو أو ركعة، ولم يفصل من أي شيء كان سجوده.
والثاني: أنهما غير واجبتين ولا إعادة عليه في تركهما -كانتا من قول أو من فعل- وهو قول ابن عبد الحكم.
والثالث [ق/ ٣٨ جـ]: التفصيل بين أن يترك الجلوس على ركعتين أو ترك قراءة أم القرآن من ركعة واحدة: فتبطل صلاته.
وإن كانتا من غير هاتين: فلا تبطل صلاته، وهو قول مالك في كتاب
_________________
(١) في أ: قول.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: وأما السجود.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: فتطاول.
[ ١ / ٤٩٣ ]
ابن المواز.
وسبب الخلاف: سجود السهو قبل السلام، أو كان بعد السلام هل يجبر بهما الشيء، [أو] (١) إنما هو ترغيم للشيطان؟.
فمن رأى أنه جبر صلاته قال بوجوبها وتعاد الصلاة بتركها إذا كانتا قبل السلام.
ومن رأى أنهما ترغيم للشيطان قال: لا تبطل الصلاة بتركهما، وهو اختيار اللخمي ﵁.
وأما إن ترك سجود السهو وهو في الصلاة: فلا يخلو من أن يكون قبل السلام أو بعد السلام، فإن كان بعد السلام: فإنه يتمادى على صلاته، ولا تأثير للذكر فيها، كانت فرضًا أو نفلًا، كان السجود من فرض أو نفل.
وإن كان قبل السلام: فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون قبل السلام من فريضة، فذكره وهو في فريضة.
أو ولا يكون من نافلة [فذكره] (٢) وهو في نافلة أخرى.
أو من فريضة وهو في نافلة.
أو من نافلة وهو في فريضة.
والأقسام كلها في المدونة.
وأما الوجه الأول: وهو أن يكون قبل السلام من فريضة [فذكره] (٣) وهو في فريضة أخرى: فلا يخلو من وجهين:
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ١ / ٤٩٤ ]
أحدهما: أن يذكر ذلك قبل الطول.
والثاني: أن يذكره بعد الطول.
فإن كان قبل الطول: فهل يرجع إلى إصلاح صلاته الأولى، أو يتمادى؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يرجع إلى إصلاح الأولى، وينقض ما كان فيه بغير سلام.
وهو قول ابن القاسم عن مالك في "المدونة" (١).
والثانى: أن الأولى باطلة بنفس الإحرام في الثانية، ويقطع ما هو فيه، ويرجع إلى إعادة الأولى، وهو قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر" [فيمن] (٢) سهى عن شيء من فروض صلاته، ولا فرق بين أن يسهى عن ركعة أو عن سجدتي السهو.
وقد قال في المدونة فيمن سهى عن ركعة أو عن سجدة أو عن سجدتي السهو، وقد قال في المدونة قبل السلام، فطال ذلك فإنه يعيد، فساوى بين الركعة أو سجدتي السهو.
والثالث: أنه يتمادى على الثانية، ولا تبطل الأولى، فإذا فرغ منها سجد للسهو قبل السلام وهو قول ابن عبد الحكم.
وسبب الخلاف: سجود السهو قبل السلام، هل هو فرض أو سنة؟
فمن رأى أنه [فرض أو أنه] (٣) ركن كالركعة والسجدة: فقال يرجع
_________________
(١) النظر: المدونة (١/ ١٣٤).
(٢) في أ: فمن.
(٣) سقط من أ، ب.
[ ١ / ٤٩٥ ]
إلى إصلاح صلاته [الأولى] (١) ما لم يطل.
ومن رأى أنه سنة لا تأثير له في بطلان الصلاة: يقول: يتمادى على الثانية.
ومن قال: لا يرجع إلى إصلاح [الصلاة] (٢) وإن لم يطل، بل يقطع ويرجع إلى الإعادة يرى أن الإحرام ركن كالركعة، وهو ظاهر قوله في "كتاب الوضوء" في "الرعاف".
وإن كان ذلك بعد الطول في القراءة، أو ركع فهل يتمادى على الثانية [كما قال ابن عبد الحكم] (٣) أو تفسد عليه الأولى، والثانية، وهو قول ابن القاسم.
أما فساد الأولى: فلأجل الطول الحائل بينه وبين إصلاحها.
وأما فساد الثانية: فلذكر الصلاة فيها.
فإن [ذكر] (٤) ذلك بعد ما صلى ركعة فهل [ق/ ٢٤ ب] يتمادى إن كانت نفلًا أو يشفعها إن كانت فرضًا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يقطع، وهو نص قول مالك في النافلة في "كتاب الصلاة "الأول"] (٥).
والظاهر من قوله في الفرض فيمن افتتح صلاة الظهر، فذكر صبح
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: الأولى.
(٣) سقط من أ، ب.
(٤) في أ: كان.
(٥) في الأصل: الأولى.
[ ١ / ٤٩٦ ]
يومه: أن صلاته فاسدة، فإذا كانت فاسدة فلا يؤمر بأن يشفع إذا كان على وتر منها (١).
والثاني: أنه يتمها إن كانت نفلًا، ويشفعها إن كانت فرضًا، وهو استحباب من ابن القاسم في كتاب الصلاة الثاني من المدونة.
وقول ابن القاسم: يشفعها أحب إلىّ، إشارة إلى الخلاف.
وأنه يجوز [له] (٢) القطع على ركعة واحدة.
فإن [كان] (٣) بعد ركعتين: فإنه يقطع بسلام -على قول- ويتمادى على قول.
وإن كان بعد ثلاث ركعات هل يتمها أربعًا، أو يقطع بعد ثلاث؟
قولان منصوصان في "كتاب الصلاة [الثاني من المدونة وإلى المساواة بين هذه المسألة ومسالة "كتاب الصلاة الأول"] (٤) فيمن ذكر صلاة في صلاة (٥).
ذهب أكثر شيوخ المذهب إلى أن ذلك اضطراب من القول؛ لأن قوله في [ق/ ٤٩ أ] أحد السؤالين يلزم في الآخر، وهذا هو المشهور.
وبعضهم يحمل ما في [الكتابين] (٦) على اختلاف السؤال، وقالوا: لا ينبغي أن يختلف قوله [بعد] (٧) ركعة في الفرض والنفل، ولا بعد
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ١٣٠).
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: كانت.
(٤) سقط من أ، ب.
(٥) انظر: المدونة (١/ ١٢٩).
(٦) في جـ: البابين.
(٧) في أ: بعقد.
[ ١ / ٤٩٧ ]
ثلاث في الفرض أنه يشفع في مسألة السهو لاتساع الوقت فيها بخلاف الفائتة التي ذكرها في صلاة؛ لأن تلك قد ضاق وقتها، وهذا الذي قاله ليس بالبين، والأول أظهر [وأجرى] (١) على قانون الكتاب.
وهكذا الجواب في الوجه الآخر إذا ذكرها من فرض وهو في نفل.
والوجه الثالث: إذا ذكرها من نافلة وهو في نافلة، فإن كان قبل أن يتطاول أو ركع: قطع بغير سلام، ويرجع إلى الإصلاح على مذهب ابن القاسم (٢).
وإن كان بعد الطول، أو بعد الركوع، وبعد انعقاد الركعة قولان؛ هل يتمها أو يقطع؟ وبعد الركوع وقبل الرفع قولان.
وسبب الخلاف: عقد الركعة هل هو الرفع منها أو وضع اليدين على الركبتين؟، وهو أيضًا في الفرض والنفل.
واختلف الأشياخ في حكم الطول على ظاهر "المدونة" أعني طول القراءة -هل هو كما لو ركع؟
فيدخله الخلاف، هل يأتي بركعتين كما لو ذكر بعد ركعة أم لا؟
فذهب بعضهم إلى ظاهر "المدونة": أن الطول كالركوع من كل وجه مما تحتمله المسألة.
وبعضهم [يقول] (٣): لا يتساويان من كل وجه في المسألة؛ وإنما يتساويان من حيث أن ذلك حائل يحول بينه وبين إصلاح الأولى خاصة،
_________________
(١) في أ: وأجدى.
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٤٢).
(٣) في أ: يقولون.
[ ١ / ٤٩٨ ]
وهذا أبعد عن ظاهر الكتاب [لمن تأمله] (١).
وأما الوجه الرابع: إذا ذكر ذلك من نافلة، وهو في فريضة، هل يتمادى على فرضه من غير اعتبار بالطول والقِصر ولا بالركوع أم لا؟
فالذي يتخرج في المسألة قولان:
أحدهما: أنه يتمادى على فرضه من غير اعتبار بالطول والقصر، وهو ظاهر قوله في المدونة: إن كان قريبًا رجع إلى صلاته إن كانت فريضة ونقض ما كان فيه.
ومفهومه: إن كانت نافلة لا يرجع إليها من الفريضة -قرب أو بعد؛ إذ لا يبطل الأعلى بالأدنى.
والثاني: أنه يفصل فيها بين القُرب والبُعد كما فصل في الفريضة، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" أيضًا حيث ساوى بين الركعة وسجدتي السهو، وهو نص ابن عبد الحكم في غير المدونة فيمن ذكر سجدة من نافلة [في صلاة الفرض] (٢) بعد ركعة أو ركعتين: أنه يعود إليها فيصليها بسجدة ثم يتشهد ويُسَلِّم.
وقال القاضي [أبو الفضل] (٣) في الفرق بين الفرض والنفل (٤): وهذا مما لا يختلف فيه إن شاء الله تعالى، والخلاف لازم [في] (٥) المسألة التي أوردناها، والأمر كما ترى وربك أعلم [والحمد لله وحده] (٦).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ، ب.
(٣) في جـ: أبو الوليد.
(٤) انظر الفروق (١٣٧) لأبي الفضل مسلم بن علي.
(٥) في جـ: من.
(٦) زيادة من جـ.
[ ١ / ٤٩٩ ]
المسألة العاشرة إذا جهر فيما يُسرُّ فيه، أو أسر فيما يجهر به
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون ناسيًا.
والثاني: أن يكون عامدًا.
فإن كان ناسيًا، وأسر فيما يجهر فيه: فقد نقل أبو الحسن اللخمي في المذهب قولين:
أحدهما: أنه يسجد قبل السلام -وهو المعروف- وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (١).
والثاني: أنه يسجد بعد السلام، وهي رواية أشهب عن مالك فيما حكاه (٢).
وهذا القول غير معروف في النقل، ولا له وجه أيضًا، إلا أن يقال: إنه زاد الإسرار.
فإن جهر فيما يسر فيه ناسيًا: فقد قال في "المدونة" (٣): فإن كان شيئًا يسيرًا مثل: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، ونحوهما الآية: فلا سجود عليه.
وإن كان كثيرًا فإنه يسجد بعد السلام، وهو قوله في "المدونة".
فإن كان عامدًا: مثل أن يسر فيما يجهر فيه عامدًا، فهل يعيد أم لا؟
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ١٤٠).
(٢) انظر: البيان والتحصيل (١/ ٣٨٩)، والنوادر (١/ ٣٥٤).
(٣) انظر: المدونة (١/ ١٤٠).
[ ١ / ٥٠٠ ]
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يعيد، وهو قول ابن القاسم في "العتبية" (١) فأطلق، وقال عيسى بن دينار: يعيد وإن ذهب الوقت.
والثاني: أنه يستغفر الله تعالى، ولا شيء عليه.
وإن جهر فيما يسر فيه عامدًا: فعلى القولين:
أحدهما: أنه يعيد، وهي رواية أبي زيد عن ابن القاسم؛ لأن هذا عابث.
وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" (٢)، في الإمام إذا مَرَّ بقرية لا يجمع فيها لصغرها فجمع بهم الجمعة، حيث قال: فأما الإمام ومن معه من المسافرين، فإنهم يصلون ركعتين [فأمر لهم] (٣) بالإعادة، وهم إنما يعيدونها ركعتين في الصلاة التي صلوها ركعتين، ولم [يذكر] (٤) هناك شيء يوجب الإعادة سوى زيادة الجهر خاصة.
والثاني: أنه لا سجود عليه، ويستغفر الله، ولا شيء عليه، وهو ظاهر قول ابن نافع في المسألة التي استدللنا بها أنهم لا يعيدون؛ لا الإمام ولا المسافرون.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تارك السنن [عامدًا] (٥) هل يعاقب [بفساد العبادة التي هو فيها أم لا يعاقب] (٦) بفسادها ويكون منه مأثومًا،
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل (٢/ ٣٤).
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٥٧).
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: يكن.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ، ب.
[ ١ / ٥٠١ ]
[أو] (١): يستغفر الله، ولا شيء عليه [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في الأصل: و.
(٢) زيادة من جـ.
[ ١ / ٥٠٢ ]
المسألة الحادية عشر إذا قام من [اثنتين فى نافلة] (١)
فإنه يرجع ما لم يركع في الركعة الثالثة، ويسجد بعد السلام [وإن ذكر وهو راكع في الثالثة فعن مالك في ذلك روايتان:
إحداهما: أنه يرجع إلى الجلوس، ويسجد بعد السلام.
والأخرى: أنه يتمادى إلى أربع.
وسبب الخلاف: ما تقدم في غير هذه المسألة] (٢). فإن ذكر بعد أن [رفع رأسه] (٣) صلى أربعًا ويسجد بعد السلام.
فإن سهى حتى صلى خامسة: [فإنه يرجع ولا يأتي] (٤) بسادسة، ويسجد بعد السلام؛ لأن النافلة في قول بعض العلماء [أربع] (٥) [وأما في] (٦) قول مالك: فركعتان، وهذا نص المدونة.
وفي رواية [أخرى] (٧): يسجد ولم يفسر لا قبل ولا بعد؛ فاختلف المفسرون والمتأولون في تأويل ما وقع في المدونة؛ فمنهم من جعله اختلاف أقوال، ومنهم من جعله اختلاف سؤال، ومنهم من جعله اختلاف أحوال، ومنهم من جعله أوهام وأغاليط، لِمَا أدخل على المذهب من
_________________
(١) في ب: تقديم وتأخير.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ب، جـ.
(٤) في ب: فلا يأتي.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: وهذا ما في.
(٧) سقط من أ.
[ ١ / ٥٠٣ ]
الإشكال.
[فأما] من جعله اختلاف أقوال: فيحمل عنده على اختلاف من قول مالك في السهو إذا اجتمعت فيه الزيادة [والنقصان] (١) على ما له في "العتبية" من القولين:
أحدهما: أنه يسجد قبل.
والثاني: أنه يسجد بعد.
وهي رواية زيادة عنه أيضًا، وبيانه: أن ذلك اختلاف قول أن الزيادة والنقصان في الكتابين؛ لأنه إذا صلى نافلة أربعًا بتسليمة واحدة نقص السلام وزاد ركعتين؛ إذ الواجب عليه أن يسلم على كل شفع.
وربما استدل قائل هذا بقول ابن القاسم في الكتاب، وكان يفرق بين الفريضة في هذا والنافلة؟ قال: نعم (٢).
ولا يتبين الفرق بين الفريضة والنافلة في القائم إلى خامسة، وانتهى إلا في نقص السلام [ق/ ٣٩ جـ] خاصة؛ [لأنه في] (٣) الفريضة معه زيادة محضة، ومعه في النافلة زيادة ونقص وهو السلام من اثنتين.
ولو كان لأجل نقص الجلوس -كما قال بعضهم- لما افترقت الفريضة والنافلة، وإلى هذا التأويل ذهب أبو محمد بن أبي زيد في "رسالته" (٤)، وابن شبلون، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.
وأما القائلون بأنه اختلاف سؤال: فحملوا على أنه جواب على مذهب
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٤٣).
(٣) في أ: لأن.
(٤) انظر: الرسالة مع تحرر المقالة (١٣١، ١٣٢).
[ ١ / ٥٠٤ ]
من يرى النافلة أربعًا؛ فحمل قوله: إنه يسجد قبل السلام، إذا صلى أربعًا على أنه ترك الجلوس على الركعتين الأوليين؛ لأنه نقص.
وفي السؤال الثاني زاد ركعة، وجلس على ركعتين، فاختلف الجواب لاختلاف السؤال.
واحتج لتأويله هذا بقوله في الكتاب؛ لأن النافلة إنما هي أربع من قول بعض العلماء، وإلى هذا التأويل أشار ابن أبي زمنين.
قال بعض المتأخرين: هذا التأويل لا يصح؛ إذ لا [يصح] (١) لأحد أن يفتي على مذهب غيره، وإنما يفتي على مذهب نفسه، أو على الاحتياط بمراعاة [خلاف] (٢) غيره عند عدم الترجيح، أو خاف فوات النازلة.
وأما أن يترك مذهب نفسه، ويفتي بمذهب غيره المضاد لمذهبه، فهذا لا يسوغ.
ولو أفتى على مجرد قول المخالف في المسألة لما ألزمه سجود السهو في الخامسة، ولا الرجوع عن السادسة؛ إذ قال الشافعي وغيره: يجوز له التنفل بما شاء من العدد شفعًا ووترًا، وإن كان يستحب له مثنى مثنى، وأما الاحتجاج بقوله: "لأن النافلة أربع في قول بعض العلماء" (٣)، وإنما هو حجة للتفرقة بين المسألتين في الإتمام والرجوع، فجعله يتم أربعًا إذا قام [إلى] (٤) الثالثة؛ لأن من أهل العلم من يرى ذلك اختيارًا، وإن كان مالك لا يراه ولم ير له أن يتم ستًا إذا قام لخامسة؛ لأنه لا يقول به
_________________
(١) في جـ: ينبغي.
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: المدونة (١/ ١٤٣).
(٤) سقط من أ.
[ ١ / ٥٠٥ ]
من قال بالأربعة ولا يستحسنه، وإن جاز له فعله إذا وقع، [وهكذا ينبني] (١) الاحتجاج به، والله أعلم.
وأما من جعله اختلاف أحوال فيقول: إن القائم إلى خامسة لم ينقص غير السلام، وقد أتى به [بعد] (٢) ذلك، وقد جلس على الاثنتين، وليس معه إلا الزيادة المحضة؛ فلذلك [قال:] (٣) يسجد بعد السلام والمصلي أربعًا، لم يجلس على ركعتين فمعه نقص، وإلى هذا [ذهب] (٤) إسماعيل القاضي، وأبو الحسن القابس، وابن الكاتب، وابن أبي زمنين.
وأما من حمله على الأوهام والأغاليط قال: معنى قوله: يسلم ثم يسجد: وهم وغلط، صوابه: ويسجد ثم يسلم، وهو تأويل أبي محمد اللواتي.
وهذا كله على الرواية المشهورة أنه يسلم ثم يسجد.
وأما الرواية الأخرى: أنه يسجد لسهوه، ولم يفسر، فلا تفريع عليها، وإنما تحمل على الرواية المفسرة، والله أعلم [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) في جـ: وهذا ينبغي.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) فى جـ: نحا.
(٥) زيادة من جـ.
[ ١ / ٥٠٦ ]
المسألة الثانية عشرة فى السلام من الصلاة
والكلام فيه في أربعة مواضع:
الأول: ما حكمه؛ هل هو فرض أو سنة؟
والثاني: في تعيين لفظه.
والثالث: في عدده.
والرابع: في صفة وقوعه.
فأما الأول: هل السلام فرض أو سنة؟
فقد اختلف فيه المذهب -عندنا- على قولين:
أحدهما: أنه فرض لا يخرج المصلي من الصلاة إلا به، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه ليس بفرض، وأنه يخرج من الصلاة بالحدث وغيره، وهو قول [ق/ ٥٠ أ] ابن القاسم في "العتبية"، وهو مذهب أبي حنيفة، وهذا القول قائم من "المدونة" من "كتاب الوضوء" (١) أيضًا.
وقد قال في المأموم إذا رعف بعد التشهد، وقبل سلام الإمام: أنه يخرج فيغسل الدم، ثم يرجع فيسلم.
فإن رعف بعد سلام الإمام، وقبل أن يسلم هو: فإنه يسلم، وصلاته تامة فأباح له أن يسلم وهو حامل للنجاسة.
وسبب الخلاف: تعارض الأخبار وتجاذب الاعتبار.
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ١٣٤).
[ ١ / ٥٠٧ ]
فأما تعارض [الأخبار] (١): فمنها حديث علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله - ﷺ - قال: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (٢).
ويعارضه حديث عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، أن عبد الرحمن بن نافع، وبكير بن سوادة حدثاه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا جلس الرجل في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته" (٣).
فمن رجح حديث علي ﵁ قال بوجوب السلام، ولا تصح الصلاة إلا به، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى، ولاسيما أن أبا عمر ابن عبد البر ضعَّف حديث الإفريقي، قال: هو عند أهل [النقل] (٤) ضعيف؛ لأنه شيء انفرد به (٥).
وأما من جهة الاعتبار: [فلما كان] (٦) الاتفاق [بين] (٧) المالكي
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) تقدم.
(٣) أخرجه أبو داود (٦١٧)، والترمذي (٤٠٨)، والدارقطني (١/ ٣٧٩)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٣/ ١٤٩)، والطيالسي في مسنده (٢٢٥٢)، والبزار (٢٤٥١)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١١٧)، والبيهقي في الكبرى (٢٦٤٧). قال الدارقطني: عبد الرحمن ضعيف لا يحتج به. وقال البيهقي: ضعيف. وقال ابن الجوزي: لا يصح. العلل المتناهية (١/ ٤٣٩)، وضعفه العلامة الألباني ﵀.
(٤) في جـ: الأصول.
(٥) انظر: التمهيد (١٠/ ٢١٣، ٢١٤).
(٦) في أ: فأما إن كان.
(٧) في أ: من.
[ ١ / ٥٠٨ ]
والحنفي على أن التحريم واجب: وجب أن يكون التحليل كذلك.
وأما الموضع الثاني في تعيين لفظه، هل يعرف أو ينكر، فعن مالك فيه روايتان:
إحداهما: أنه يعرف ولا ينكر، وأنه إن نكر فصلاته باطلة.
وهو ظاهر قوله في "المدونة": ولا يجزئ من السلام إلا "السلام عليكم"، ولا من الإحرام إلا "الله أكبر". والأخرى: أنه يجوز أن يُنَكَّر ويُنَوَّن، ويقول: سَلَام [عليكم] (١) وهو سلام أهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (٢).
[واتفق أهل المذهب] (٣) أنه لا يجوز أن يقول في الأولى عليكم السلام.
وسبب الخلاف: مفهوم قوله ﵇: "وتحليلها التسليم" (٤) هل الألف واللام لبيان الجنس أو للمعرفة؟
فإذا كان بيانًا للجنس: فيجوز نكرة ومعرفة؛ لأن مقصود الشارع ألا يخرج من الصلاة بغير جنس من السلام.
وأما من رأى أن الألف واللام للمعرفة، قال: لأن السلام من أسماء الله تعالى، فلا يجوز أن ينكر، وهو المشهور، وهو قول مالك في "السليمانية".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سورة ق الآية (٣٤).
(٣) في أ: إلا.
(٤) تقدم.
[ ١ / ٥٠٩ ]
وأما الموضع الثالث: في عدده.
وذلك ينقسم بانقسام المصلين؛ وهم ينقسمون إلى فَذّ، وإمام، ومأموم.
فأما الإمام: فقد اختلف فيه المذهب هل يسلم واحدة أو اثنتين؛ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يسلم واحدة قبالة وجهه ويتيامن قليلًا (١).
والثاني: أنه يسلم تسليمتين، وهو [في] (٢) سماع أشهب عن مالك ﵀ (٣).
والثالث: التفصيل بين أن يصلي مع الواحد، فيسلم تسليمة واحدة، أو يصلي مع الاثنين، فيسلم تسليمتين، وهي رواية أبي الفرج عن مالك.
فإن تأول قول أشهب على رواية أبي الفرج فيكون في المسألة قولان، وإن حملت كل رواية على ظاهرها فيكون في المسألة ثلاثة أقوال:
وسبب الخلاف: اختلافهم في سلام النبي - ﷺ - هل كان يسلم واحدة أو اثنتين؛ فقد خرج مسلم في صحيحه أن النبي - ﷺ - كان يسلم بتسليمتين.
قال سعيد: يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خديه.
وأما الفَّذ: فهل يُسلِّم واحدة أو اثنتين؟ فعلى قولين:
أحدهما: أنه يُسَلِّم واحدة، وهو المشهور.
والثاني: أنه يسلم اثنتين؛ إحداهما عن يمينه والأخرى عن يساره،
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ١٤٣).
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: النوادر (١/ ١٨٩).
[ ١ / ٥١٠ ]
وهي رواية ابن وهب عن مالك (١).
وعلى القول بأنه يُسَلِّم واحدة ويتيامن قليلًا -وهو الموضع الرابع كيف يسلمها- فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن سلامه مثل سلام الإمام في أنه يسلم واحدة قبالة وجهه ويتيامن قليلًا، ثم قال: والرَّجُل في خاصة نفسه مثل الإمام، وهو ظاهر قوله في "المدونة" (٢) في الإمام أنه يسلم واحدة ويتيامن قليلًا، والرجل في خاصة نفسه مثل الإمام، وهو ظاهر قول أبي محمد بن أبي زيد في رسالته، فإنه قال: ويسلم تسليمة واحدة؛ يقصد بها قبالة وجهه ويتيامن برأسه قليلًا، هكذا يفعل الإمام، والرجل وحده.
وأما المأموم: فهل يسلم تسليمتين أو ثلاثًا؛ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يسلم تسليمتين؛ واحدة يخرج بها من الصلاة.
والثانية: يَرُد بها على الإمام، وهو قوله في "المدونة" (٣).
فإن كان على يساره واحد: سَلَّم عليه.
وعلى هذا القول: إن الثانية ليست بلازمة على كل حال، وإنما هي على حسب اختلاف الأحوال؛ حالة يصلي على يساره فيسلم ثلاثًا؛ وحالة لا يصلي أحد على يساره، فيسلم تسليمتين، وهو القول المشهور.
والثاني: أنه يسلم [ثالثة] (٤) لابد منها (٥)، وهو ظاهر قول مالك الأول الذي أخذه عن سعيد بن المسيب: يسلم عن يمينه ثم يسلم على
_________________
(١) وهو قول ابن حبيب في النوادر (١/ ١٨٩).
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٤٣).
(٣) انظر: المدونة (١/ ٦١٧).
(٤) في أ: ثلاثًا.
(٥) انظر: النوادر (١/ ١٨٩).
[ ١ / ٥١١ ]
يساره ثم يرد على الإمام، ثم تركه إلى فعل ابن عمر ﵁.
وهل يسلم الأولى تلقاء وجهه ويتيامن قليلًا مثل الإمام على الاتفاق.
والفذ على الاختلاف فبين المتأخرين قولان:
أحدهما: أنه كالإمام، وبه قال [أبو عبد الله] (١) ابن سعدون.
والثاني: أنه [مخالف] (٢) للإمام، وبه قال الباجي وأبو محمد عبد الحق [وهذا كله إذا سلم مع الإمام] (٣).
وأما إذا فاته بعض صلاة الإمام: فقضى ما فاته فلا يخلو من وجهين: إما أن يبقى الإمام [والإمام] (٤) في أماكنهم، لم يبرحوا، وإما أن ينصرفوا.
فإن بقوا في أماكنهم ولم ينصرفوا: فلا إشكال أن حكمه حكم مَنْ سَلَّمَ مع الإمام.
فإن انصرفوا فهل يرد عليهم أم لا؟
فالمذهب على قولين كليهما عن مالك، وهما قائمان من المدونة:
أحدهما: أنه يرد عليهم.
والثاني: يسلم واحدة، ولا يرد عليهم.
وسبب الخلاف: على الخلاف في الذي يقضي بعد سلام الإمام، هل هو باق في حكم الإمام أو هو خارج عنه؟
فمن رأى أنه باق في حكم الإمام قال: يرد عليهم وهو ظاهر قول
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: يخالف.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ، ب: والمأمومين.
[ ١ / ٥١٢ ]
مالك في "المدونة" في الذي فاته بعض صلاة الإمام، وقد لزمه سجود السهو بعد السلام: أنه يسجد إذا فرغ من القضاء.
ومن رأى أنه خارج عن حكم الإمام قال: إنه لا يرد عليهم، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في الذي يقضي بعد سلام الإمام: أنه ينحاز إلى ما قرب من السواري أمامه أو خلفه يستتر بها؛ وهذا بناء [على] (١) أنه [خارج عن] (٢) حكم الإمام؛ إذ لو كان باقيًا في حكمه لما احتاج إلى السترة؛ إذ الإمام سترة لمن خلفه، وسترته سترة لمن خلفه على اختلاف الأقوال في ذلك.
واختلف في المصلي إذا سَلَّمَ في آخر صلاته ولا نِيَّة له: على قولين: وسبب الخلاف: هل يفتقر إلى تجديد النية لكل ركن من أركان الصلاة أم النية الأولى [منسحبة] (٣) [عليها] (٤) إلى [آخرها] (٥).
واختلف في [المأموم] (٦) إذا سلم عن يساره، ولم يسلم عن يمينه، هل تبطل صلاته أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أن صلاته باطلة، وهو قول [القرطبي] (٧) من متأخري المذهب.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: خرج من.
(٣) في جـ: مستصحبة.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب، جـ: آخر صلاته.
(٦) في أ: الإمام.
(٧) في ب: ابن القرطبي.
[ ١ / ٥١٣ ]
والثاني: أن ذلك جائز -فعل ذلك سهوًا أو عمدًا، فذًا كان أو إمامًا أو مأمومًا.
قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد: لأنه إنما ترك التيامن، وهو قول مطرف (١).
ولو رَدّ على الإمام قَبْل أَنْ يُسَلِّم لنفسه لسجد بعد السَّلام إذا سَلَّم لنفسه ولو تكلم حينئذ لبطلت صلاته، ولو تكلم بعد سلامه لنفسه، وقبل الرَّد على الإمام: لم تفسد صلاته وتجزئه، وهذا قول ابن حبيب (٢)، وهو المذهب.
[وبالله التوفيق وبه العصمة في سلوك سواء الطريق والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) انظر: النوادر (١/ ١٩٠).
(٢) انظر: النوادر (١/ ١٩١).
(٣) زيادة من جـ.
[ ١ / ٥١٤ ]
المسألة الثالثة عشر فى الاستخلاف
وإذا طرأ على الإمام ما يمنعه [ق / ٤٠جـ] [التمادي على] (١) الإمامة: فله أن يستخلف ويرجع إلى الصف إن كان طرأ عليه [شيء] (٢) مما تجوز [معه الصلاة] (٣) كالمرض الذي يقدر معه على القيام، أو يستخلف ليخرج ويتوضأ وضوءه الشرعي إن كان حدثًا، أو وضوءه اللغوي إن كان رعافًا.
والأصل ألَّا يجوز الاستخلاف أصلًا، إلا أن السنة وردت بجواز بطلان ذلك يؤدي إلى وجود إمامين في صلاة واحدة، وذلك موجود في الاستخلاف.
إلا أن استخلاف النبي ﵇ أبا بكر ورجوعه إلى الصف بعد حضور النبي - ﷺ - يدل على الجواز إذا فرضنا على أن النبي - ﷺ - هو الإمام، وأبو بكر في حكم السمع -وهو المشهور- فإن ثبت ذلك فلا يخلو الإمام إذا أحدث من وجهين:
إما أن يستخلف ثم يخرج، أو يخرج ولم يستخلف، فإن استخلف: فينبغي له أن يستخلف في الحالة التي طرأ عليه الحدث فيها، ولا يرفع ولا يخفض حتى يستخلف؛ مخافة أن يتبعه القوم في حركاته، وهو محدث فيكون ذلك مما يبطل عليهم صلاتهم [ق/ ٥١ أ].
ثم لا يخلو الطارئ الموجب للاستخلاف أيضًا من أن يكون مما يصح
_________________
(١) في ب: إتمام.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ١ / ٥١٥ ]
البناء معه كالرعاف، أم لا يجوز البناء معه كاللمس وخروج خارج، فإن كان مما يصح له البناء معه كالرعاف، فهل يجوز له الاستخلاف بالقول أو بالإشارة؟ قولان:
وسبب الخلاف: هل البناء أولى، أو القطع؟ فإن كان مما لا يجوز له البناء معه كاللمس وغيره: فإنه يجوز له أن يستخلف، أو يقول: يا فلان تقدم فصل بالناس، ولا يضرهم ذلك، وإنما يضرهم أن لو تمادى [ق/ ٢٥ ب] بهم، والاستخلاف في الصلاة من قبيل الجائز، وليس من قبيل الواجب.
ولا خلاف أنه لا يجب الاستخلاف على [الإمام في] (١) الإمامة العظمى، فمن باب [الأحرى] (٢) في الإمامة الصغرى، وإنما [يكون ذلك] (٣) من حسن النظر لهم؛ لأنهم ممنوعون من الكلام.
واختلف [في المستخلف] (٤) هل يكون إمامًا بنفس الاستخلاف أم لا؟.
فَبَيْنَ المتأخرين قولان:
أحدهما: أنه يكون إمامًا بنفس الاستخلاف، وهو الذي أشار إليه أبو القاسم بن محرز، وأبو محمد عبد الحق.
والثاني: أنه لا يكون إمامًا حتَّى يَقْبَل وَيَقْبَلُه القوم بعد ذلك، وهو الذي اختاره القاضي أبو الفضل، قال: وهو مذهب غيرنا من حُذَّاق المتأخرين، وهو بَيِّن من قول سحنون في الإمام إذا قدم رجلًا فتقدم غيره
_________________
(١) سقط من أ، ب.
(٢) في أ: آخر.
(٣) في أ: كان.
(٤) سقط من أ، ب.
[ ١ / ٥١٦ ]
وصلى بالناس أنه يجزئهم.
وسبب الخلاف: استخلاف الإمام [هل] (١) هو لازم للمأمومين ولا خروج لهم عن ذلك، قال: فإنه يكون إمامًا بنفس الاستخلاف.
ومن رأى أنه لا يكون استخلافه لازمًا لهم قال: لا يكون إمامًا بنفس الاستخلاف.
وينبغي للإمام أن يستخلف من الصف الذي يليه ولا يستخلف من الثاني و[لا من] (٢) الثالث.
فإن استخلف من الذي يليه: فإن المستخلف يتقدم إلى موضع الإمام الأول.
فإن استخلف من غيره: فإن [المستخلف] (٣) يصلي بهم [وهو] (٤) في [موضعه و] (٥) لا يتقدم؛ لأن ذلك شغل في الصلاة مستغنى عنه.
وينبغي للمستخلف أن يتبع أفعال الإمام، ويقتفي أقواله.
قال ابن القاسم في الكتاب: ويجتزئ بقراءة الأول إن كان قرأ، وبتكبيره إن كان كبر.
فإن استخلف وهو قائم: فإنه يخر [بهم] (٦) إلى السجود، فإن أحدث وهو ساجد: فإنه يستخلف وهو ساجد، ويرفع بهم المستخلَف.
فإن أحدث وهو [راكع] (٧) فهل يرفع ثم يستخلف أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ
(٣) في أ: الإمام.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: موضع.
(٦) سقط من أ.
(٧) في الأصل: رافع.
[ ١ / ٥١٧ ]
فبين المتأخرين قولان (١):
أحدهما: أنه يرفع بغير تكبير ثم يستخلف، وهو قول ابن أبي زيد (٢).
والثاني: أنه يستخلف وهو راكع قبل أن يرفع، وهو الأصح، وهذا القول أسعد بظاهر الكتاب، فإن كان في صلاة الجهر: فليقرأ الثاني من حيث انتهى الأول.
فإن كان في صلاة السر: فإن الثاني يبتدئ أم القرآن من أولها، ومن المتأخرين من قال: [يتحرى] (٣) قراءة الأول.
والأول أظهر وأحسن؛ لاحتمال أن يكون المستخلف قد نسى القراءة.
فإن استخلف من فاته بعض [صلاته] (٤)، فلا يخلو من وجهين (٥):
أحدهما: أن يدرك الإحرام خلفه.
والآخر: أن يستخلف قبل أن يحرم.
فإن استخلفه قبل أن يحرم: فلا خلاف أن ذلك لا يجوز، وأن صلاة القوم فاسدة إن اقتدوا به.
فإن أدرك الإحرام خلفه: فلا خلاف -في المذهب- أن استخلافه يصح.
فإذا تم به صلاة المستخلف، ثم قام ليقضي ما بقى عليه، هل ينتظره من كان خلفه حتى يفرغ من القضاء فيسلم بهم؟
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ١٤٥).
(٢) انظر: النوادر (١/ ٣١٥).
(٣) في ب، جـ: أنه يتوخى.
(٤) في أ: صلاة.
(٥) انظر: المدونة (١/ ١٤٥)، والنوادر (١/ ٣١٧).
[ ١ / ٥١٨ ]
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم ينتظرونه حتى يفرغ ويُسَلِّم بهم، وهو قول ابن القاسم في الكتاب (١).
والثاني: أنهم يسلمون ولا ينتظرونه؛ قياسًا على أحد الأقوال في صلاة الخوف.
والثالث: أنهم يقدمون لأنفسهم من يسلم بهم، وهو قول أشهب (٢).
ومثار الخلاف في هذه المسألة من وجهين:
أحدهما: الرخصة هل يقاس عليها أم لا (٣)؟
والثاني: السلام هل هو ركن من أركان الصلاة أم لا؟
فمن رأى أنه ركن قال: عليهم أن ينتظرونه، فإن سلموا قبله بطلت صلاته؛ لأن الصلاة التي استخلف عليها بقى منها ركن.
ومن رأى أنه ليس بركن يقول: يجوز لهم ما فعلوا.
وكذلك اختلفوا فيما إذا كان في القوم من فاته من صلاة الأول مثل الذي فات المستخلف على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم ينتظرونه حتى يقضي، فإذا فرغ وسلم، فعند ذلك يقومون للقضاء.
وهو قول ابن القاسم (٤).
والثاني: أنهم يقومون إذا قام للقضاء، ويقضون لأنفسهم، وبه قال
_________________
(١) انظر: النوادر (١/ ٣١٧).
(٢) انظر: النوادر (١/ ٣١٨)، والبيان والتحصيل (٢/ ٨٧).
(٣) يجوز إثبات الرخص بالقياس، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم.
(٤) انظر: المدونة (١/ ١٤٥).
[ ١ / ٥١٩ ]
سحنون في "المجموعة" (١) حكايته عن بعض الأصحاب، إلا أنه قال: [ثم] (٢) يسلمون بسلامه.
والثالث: أنه يجوز [لهم] (٣) أن [يأتموا] (٤) بالمستخلف في القضاء، قياسًا على الأداء.
[وهذا القول] (٥) حكاه ابن سحنون عن أبيه، قال: ثم رجع فقال: يعيد أحب إليَّ (٦).
وسبب الخلاف: ما قدمناه من السلام هل هو ركن أم لا؟
وسبب آخر: من وجب عليه أن يصلي فذًا فصلى بإمام؛ مثل أن يبتدئ الصلاة وحده فأتمها بإمام، أو ابتداها بإمام فأتمها فذًا، أو وجب عليه أن يقضي فذًا فقضى بإمام، فهل تجزئه صلاته أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يجوز لمن ابتدأ الصلاة بإمام أن يتمها [فذًا] (٧)، وهو ظهر قول ابن القاسم في الكتاب فيما إذا خرج الإمام ولم يستخلف فصلوا وحدانًا في غير الجمعة، فقال ابن القاسم: صلاتهم جائزة، وقال سحنون: إذا وجب عليه أن يقضي فذًا، فقضى مأمومًا: إن صلاته جائزة (٨).
_________________
(١) انظر: النوادر (١/ ٣١٩).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ، ب: يتموا.
(٥) سقط من أ.
(٦) انظر: النوادر (١/ ٣١٧).
(٧) زيادة ليست بالأصل.
(٨) انظر: المدونة (١/ ١٤٥).
[ ١ / ٥٢٠ ]
والثاني: أن صلاتهم لا تجزئهم في [الجميع] (١).
واختلف في المُسْتَخْلِف إذا جاء بعد أن توضأ فخرج المُسْتَخْلَف فأتم بهم المُسْتَخلِف بقية الصلاة على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا ينبغي ابتداء، فإذا وقع ونزل فصلاتهم جائزة، وينتظره القوم حتى يقضي ويسلم [بهم] (٢).
وهو قول ابن القاسم في "العتبية":
والثاني: أن ذلك لا يجوز لأحد بعد النبي - ﷺ -.
وهو قول يحيى بن عمر، فظاهره: أن صلاتهم باطلة.
وسبب الخلاف: هل ذلك من خصائصه - ﷺ - أم ذلك شريعة عامة؟
وهذا كله إذا اختلف عليهم الإمام قبل أن يخرج فإن خرج ولم يستخلف: فلا [تخلو حالتهم] (٣) من وجهين:
أحدهما: أن يستخلفوا لأنفسهم من يصلي بهم بقية صلاة الإمام، فهذا لا خلاف في المذهب في صلاتهم أنها جائزة.
فإن استخلف كل طائفة منهم رجلًا يصلي بهم: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن صلاة كل طائفة منهم جائزة.
والثاني: أن صلاة من استخلف أولًا جائزة، والأخرى لا تجوز إلا أن يكون [الثاني] (٤) أولى بالإمامة، وهو قول ابن عبد الحكم.
_________________
(١) فى جـ: الجمعة.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: يخلو حالهم.
(٤) سقط من أ.
[ ١ / ٥٢١ ]
فإن [صلوا] (١) وحدانًا فقولان [أيضًا] (٢): الجواز لابن القاسم، والمنع ["لأشهب" (٣)] (٤).
وسبب الخلاف: ما تقدم فيمن لزمه أن يصلي بإمام فصلى فَذًا، أو بالعكس [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) في أ: صفوا.
(٢) زيادة من جـ.
(٣) انظر: النوادر (١/ ٣١٥، ٣١٦).
(٤) في ب: لابن عبد الحكم.
(٥) زيادة من جـ.
[ ١ / ٥٢٢ ]
المسألة الرابعة عشر فى صلاة الجمعة
وفيها خمسة أسئلة:
الأول: في وجوبها.
والثاني: على من تجب؟
والثالث: الشروط التي تجب بها الجمعة.
والرابع: في أركانها.
والخامس: في أحكامها.
[فهذه جملة أسئلتها] (١).
فالجواب عن السؤال الأول: في وجوب الجمعة.
وقد اختلف العلماء في وجوبها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها واجبة على الأعيان، وهو مذهب الجمهور.
والثاني: أنها من فروض الكفاية.
والثالث: أنها سنة، وهي رواية شاذة رويت عن مالك.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الأمر المجرد عن القرائن، هل يحمل الوجوب أو على الندب؟ (٢).
قال الله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٣).
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) مذهب الجمهور أن الأمر المجرد عن القرائن يحمل على الوجوب، وهو الراجح إن شاء الله، ومذهب الأشاعرة التوقف، ومذهب المعتزلة أنها للندب.
(٣) سورة الجمعة الآية (٩).
[ ١ / ٥٢٣ ]
ويؤيد هذا [السبب] (١) تعارض الأخبار؛ فمنها قوله - ﷺ -: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعة أو ليختمن الله على قلوبهم" (٢).
وقال في حديث آخر: "من ترك الجمعة [ثلاث "مرات" (٣)] (٤) من غير عذر طبع الله على قلبه بطابع النفاق" (٥).
[ويعارضه] (٦) قوله - ﷺ -: "إن هذا يوم جعله الله عيدًا فاغتسلوا" (٧).
فشبهه - ﷺ - بصلاة العيد التي هي سنة بالاتفاق.
فمن رجح أن الأمر على الوجوب؛ إما بصيغة، وإما بقرينة وعيده [﵇] (٨): قال بالوجوب على الأعيان، وهو مذهب الجمهور.
ومن رجح قوله ﵇: "إن هذا يومًا جعله الله عيدًا" (٩) قال: إنه سنة.
ومن [لاحظ] (١٠) الأمرين، وراعى الجانبين: توسط وقال: إنه
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) أخرجه مسلم (٨٦٥) من حديث عبد الله بن عمر، وأبي هريرة.
(٣) في الأصل: ثلاثة أيام.
(٤) في ب: أيام.
(٥) أخرجه الترمذي (٥٠٠)، وابن ماجة (١١٢٥)، وابن خزيمة (١٨٥٧)، وابن حبان (٢٥٨)، والدارمي (١٥٧٠)، وأبو يعلى (١٦٠٠)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٦٥) حديث (٩١٥)، (٩١٦)، وابن أبي عاصم فى "الآحاد والمثاني" (٩٧٦) من حديث أبي الجعد الضمري، وعد هذا الحديث من الأحاديث المتواترة. انظر: نظم المتناثر (٩٢).
(٦) في أ: ويعارضها.
(٧) أخرجه ابن ماجة (١٠٩٨)، ومالك (١٤٦)، وحسنه الشيخ الألباني.
(٨) سقط من ب.
(٩) تقدم.
(١٠) في أ، ب: توسط.
[ ١ / ٥٢٤ ]
فرض على الكفاية.
والجواب عن السؤال الثاني: فيمن تجب عليهم الجمعة؟
فهي واجبة على من وجبت عليه صلاة الخَمْس بزيادة شروط؛ منها [ق/ ٥٢ أ] ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختلف [فيه] (١).
فأما المتفق عليه: فالذكورية، والصحة؛ إذ لا تجب على مريض، ولا على امرأة بالاتفاق.
فإن شهدها المريض أو المرأة: فالاتفاق أيضًا أنها مجزئة لهما عن الظهر.
وأما المختلف فيه: وهو العبد والمسافر.
أما العبد: فالخلاف فيه في المذهب؛ فالمشهور: أنها غير واجبة عليه، وظاهر ما حكاه ابن شعبان في "مختصر ما ليس في المختصر" عن مالك أنها واجبة عليه.
وقد سبق الكلام في حكمه في "كتاب الصلاة الأول" بما يغني عن [إعادته] (٢) هاهنا.
وأما المسافر: فلا خلاف في المذهب أنها لا تجب عليه، وذهب داود وأصحابه (٣) إلى أنه تجب عليه الجمعة.
والاتفاق من الجميع [أنها] (٤) [تصح] (٥) لهما إذا حضراها وتنوب عن الظهر.
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
(٢) في أ: إعادتها.
(٣) انظر: المحلى (٣/ ٢٥٢: ٢٥٥)، وعيون المجالس (١/ ٤٠٠).
(٤) في أ: أنه.
(٥) في أ: لا تصح.
[ ١ / ٥٢٥ ]
وسبب الخلاف: اختلافهم في الأثر الوارد في ذلك؛ وهو قوله ﵇: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة، إلا أربعة؛ عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض" (١).
وفي حديث آخر: "إلا خمسة"، وفيه: "أو مسافر"، هل هو حديث صحيح أم لا؟
والحديث غير صحيح عند أكثر العلماء [فمن] (٢) كان في أهلية الوجوب [ق/ ٤١ جـ] فلا يجوز له التخلف عنها إلا لعذر.
والأعذار التي يجوز معها التخلف عن الجمعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم يبيح له التخلف [بالاتفاق] (٣) كالمرض، والشغل بجنازة ميت إذا خشى عليه التغيير، ولم يجد من يكفيه مؤنته، ويشتغل بتغميض الميت، وهو يجود بنفسه.
وقسم مختلف فيه، هل هو كعذر أم لا؛ كالجذماء، والبرصاء؛ لما على الناس من الضرر في مخالطتهم في الجوامع. والعروس مختلف فيه أيضًا.
فأما اختلافهم في المطر، فذلك يرجع إلى حالة المطر، وليس ذلك باختلاف يرجع إلى فقه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٠٦٧)، والبيهقي في الكبرى (٥٣٦٨) من حديث طارق بن شهاب. قال أبو داود: طارق بن شهاب قد رأى النبي - ﷺ - ولم يسمع منه شيئًا. وأخرجه الحاكم (١٠٦٢)، والبيهقي في فضائل الأوقات (٢٦٣) من حديث طارق بن شهاب عن أبي موسى مرفوعًا. قال البيهقي: تفرد بوصله عبيد العجل. وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع (٣١١١).
(٢) زيادة ليست بالأصل.
(٣) في أ: بآلام.
[ ١ / ٥٢٦ ]
وقسم ثالث: متفق عليه أنه ليس بعذر؛ وهو الغريم إذا خشى أن يحبسه الطالب إذا خرج، فإن ذلك ليس بعذر؛ إذ لا يخلو من أن يكون موسرًا أو معسرًا؛ فإن كان موسرًا: وجب عليه أن يقضي، ومطله ظلم، وإن كان غريمًا فتبين فلسه: فلا يتعرض له، والله تعالى قد أَنْظَرَه إلى مَيْسَرَة.
فإن كان مجهول الحال: فالحاكم يجتهد فيه بما يرى، فأي شيء يمنعه الخروج، وأي شيء يبيح له التخلف.
والعجب ممن يشير إلى أن له التخلف إذا لم يكن له مال، ويعيب قول سحنون الذي قال: [لا] (١) يجوز له التخلف.
فإذا سقط فرض الجمعة عن أصحاب الأعذار وعن عبد أو امرأة أو صبي أو مسافر أو مريض، فإذا حضروها [فهم] (٢) على ثلاثة أصناف: فصنف إذا حضر تجب عليهم وتجب بهم على غيرهم؛ وهم أصحاب الأعذار من الرجال الأحرار كالمعذور بتجهيز الميت أو بتغميضه ولم يجد من يكفيه مؤنته؛ فإذا حضروا وجبت عليهم كوجوبها [عليهم] (٣) قبل العذر.
فإذا لم يكن في عدد من سواهم: [من] (٤) تجب عليهم الجمعة إلا بإضافتهم إليهم وجبت عليهم.
وصِنْفٌ لا تجب عليهم بعد حضورهم ولا تنعقد بهم؛ وهم الصغار، فإنهم لا تجب عليهم ولا تنعقد بهم على غيرهم إذا لم يكن في عدد من
_________________
(١) سقط من أ، ب.
(٢) سقط من أ، ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: لم.
[ ١ / ٥٢٧ ]
سواهم من تجب عليهم الجمعة؛ لأنهم غير مخاطبين.
وصِنْفٌ لا تجب عليهم، واختلف هل تنعقد بهم؛ وهم النساء والعبيد، والمسافرون على قولين:
أحدهما: أنها لا تنعقد بهم، وهو ظاهر قول سحنون (١) إذا نَفَرَ الناس عن الإمام فلم يبق معه إلا النساء، والعبيد، والمسافرون: فقد قال: لا [يجمع] (٢) إلا أن يبقى معه من الرجال الأحرار المقيمين جماعة تنعقد الجمعة بمثلها دون من ذكرنا، وأن الإمام ينتظروهم إذا كان يطمع برجوعهم حتى لا يبقى من النهار إلا قدر ما يصلي فيه الجمعة، وركعة من العصر، على الخلاف في آخر وقت الجمعة، وسنبينه بعد هذا إن شاء الله.
والثاني: أنه تنعقد بهم الجمعة، وهو قول أشهب (٣) في المسألة التي ذكرناها عن سحنون، وقال: ليس بين النساء، والعبيد اختلاف.
فوجه قول من قال: تنعقد بهم الجمعة [أن الجمعة] (٤) لما كانت تصح وتنوب عن ظهرهم صح انعقادها بهم؛ لأنهم لما شهدوها صاروا من أهلها.
ووجه قول من [قال أن] (٥) الجمعة لا تصح ولا تجب إلا بشروط، والشروط معدومة: لا تنعقد بهم، ولا تصح بهم؛ لأن الصحة فرع عن ثبوت الوجوب، والوجوب لم يتعين فلا يصح الإجزاء، وهذا القول أصح وأظهر، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ١٥٨).
(٢) في أ: يجمعون.
(٣) انظر: المدونة (٤٥٥، ٤٥٦).
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: منع.
[ ١ / ٥٢٨ ]
والجواب عن السؤال الثالث:
وهو شروط الجمعة: ولها ثلاثة شروط؛ منها: شرائط لا تجب إلا بها، وتصح دونها.
وشرائط لا تصح إلا بها ولا تجب إلا بها.
وشرائط لا [تصح] (١) إلا بها.
فأما الشروط التي لا تجب [إلا بها] (٢) وتصح دونها فهي ثلاثة: الذكورية، والحرية، والإقامة؛ لأن العبد، والمسافر، والمرأة لا جمعة على واحد منهم، فمن شهدها منهم أجزأته عن فرضه.
وأما الشرائط التي لا تجب إلا بها، ولا تصح دونها، فإنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
منها: ما هو من شرائط الوجوب خاصة.
ومنها: ما هو من شرائط الصحة خاصة.
ومنها: ما هو [مختلف فيه هل هو] (٣) من شرائط الوجوب أو الصحة.
فأما ما هو من شرائط الوجوب خاصة:
وهو موضع الاستيطان -قرية كانت أو مصرًا- إذا عولوا على الاستيطان في ذلك المكان سنة، فصاعدًا.
وأما ما هو من شرائط الصحة خاصة: فهي الطهارة، والنية، والأذان -على المشهور في وجوبه؛ لأنه يتعلق به الفرض كالسعي المنوط
_________________
(١) في أ: تجب.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ١ / ٥٢٩ ]
بسماع النداء أو ترك البيع؛ فما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب في نفسه، وهذا هو الأظهر عند الأصوليين.
وأما ما اختلف فيه، هل هو من شرائط الوجوب أو من شرائط الصحة؛ كالإمام، والجماعة، والمسجد.
أما المسجد: فقد اختلف فيه متأخرو المذهب؛ فذهب [الباجي] (١) إلى أن المسجد من شرائط الوجوب، وذهب ابن رشد إلى أنه من شرائط الصحة دون الوجوب، وهو الصحيح إن شاء الله.
وفي المذهب قول ثالث أن المسجد ليس من شرائط الصحة، ولا من شرائط الوجوب؛ [ذكره القرويون] (٢) عن أبي بكر الأبهري، وهذا القول متأول على المدونة؛ إذ لم يذكر المسجد في صفة القرية التي تجب على أهلها الجمعة وتصح منهم.
ونقل أبو القاسم بن محرز عن سحنون ما يؤيد هذا القول في جماعة من الأسارى في بلاد العدو، وبمثلهم تجب الجمعة، وقد خلَّى العدو بينهم وبين شرائعهم: أنهم يقيمون الجمعة، والعيدين -كانوا في سجن أو خلوا عنهم- فهؤلاء لا مسجد لهم، ولا وجدوه هناك.
وينبني الخلاف: على الخلاف في المسجد، هل يسمى مسجدًا قبل البناء، وقبل أن يسقف، أو لا يسمى مسجدًا حتى يبنى ويسقف؟
فمن رأى أنه يسمى مسجدًا قبل البناء، وأن البقعة إذا عينت لبناء مسجد تسمى مسجدًا: قال: هو من شرائط الصحة.
_________________
(١) في ب: القاضي أبو الوليد الباجي.
(٢) في ب: ذُكِرَ القولَان.
[ ١ / ٥٣٠ ]
ومن رأى أنه لا يسمى مسجدًا إلا [ما] (١) كان مبنيًا مسقفًا: قال: إنه من شرائط الوجوب؛ إذ قد يعدم مسجد يكون على هذه الصفة.
وأما الإمام والجماعة: فالمشهور أنهما من شرائط الوجوب، وقيل: إنهما من شرائط الصحة، والأول أظهر.
والفرق بين شرائط الوجوب، وشرائط الصحة: أن [شرط] (٢) الوجوب لا يجب على المكلّف [السعي في حصوله ليتعين عليه الوجوب، ولا يكون مأثومًا بترك ذلك كما لا يجب على المكلف] (٣) أن يَسعى في طلب المال ليحصل عنده النصاب، فتجب عليه الزكاة، أو يسعى في الاستطاعة ليجب عليه الحج إن كان ممن يحتاج إلى زاد وراحلة، فكذلك لا يجب على أهل محلة أن [يتآلفوا] (٤) ليحصل [فيهم] (٥) عدد تقام به الجمعة، أو يسعوا في طلب إمام يحسن إقامة الجمعة [ليصليها بهم] (٦)، ولا إثم عليهم إن تركوا ذلك.
وأما شرائط الصحة: فإنها تتعين بعد حصول شرائط الوجوب؛ فإذا حصل الإمام، والجماعة والاستيطان: وجب على أهل المحلة أن يبنوا المسجد على القول بأنه من شرائط الصحة، فإن تركوا بناءه صاروا مأثومين بترك الواجب.
وكذلك الطهارة، والنية، إنما تجب بعد دخول الوقت، وحصول
_________________
(١) سقط من أ، ب.
(٢) في أ، ب: شرائط.
(٣) سقط من أ، ب.
(٤) في أ: يقر القرار.
(٥) في ب: عندهم.
(٦) سقط من أ، ب.
[ ١ / ٥٣١ ]
الشروط التي [قدمناها] (١).
وهذا هو الفرق بين شروط الوجوب وشروط الصحة.
فأما إذا قلنا إن الأذان من شروط صحة الجمعة، فقد اختلف فيه في ثلاثة مواضع:
أحدها: في عدد المؤذنين.
والثاني: في موضع الأذان.
والثالث: مَنْ أَوّل مَنْ أُذِّنَ بَيْنَ يَدَيْه؟
فأما الموضع الأول: وهو عدد المؤذنين، فقد اختلف فيه على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه لا يؤذن إلا مؤذن واحد؛ وهو الذي يحرم به البيع والشراء ويجب به السعي.
والثاني: أنه يؤذن اثنان فقط.
والثالث: أنه يؤذن ثلاثة.
والموضع الثاني: موضع [النداء] (٢).
فقد اختلف فيه العلماء أيضًا؛ فذهب [أكثرهم] (٣) إلى الأذان على الأرض بين يدي الإمام، وذهب بعضهم إلى الأذان على [الشرفات] (٤) [ق/ ٥٣ أ] وذهب آخرون إلى أن الأذان [إنما يكون] (٥) على المنار؛
_________________
(١) في أ: قدمنا.
(٢) في ب: الأذان.
(٣) في أ: بعضهم.
(٤) في الأصل: الشرافات.
(٥) سقط من أ.
[ ١ / ٥٣٢ ]
يؤذن واحد بعد واحد، وهو مذهب مالك ﵀ وهو الذي روى ابن حبيب (١) أن المؤذنين كانوا [يوم الجمعة] (٢) على عهد النبي - ﷺ - ثلاثة.
والموضع الثالث: مَنْ أَوّل مَنْ أُذِّنَ بَينَ يَدَيه ونصب عينيه؟
فقيل: إن أول من أُذِّنَ بين يديه رسول الله وهو المشهور في الآثار.
قال مالك ﵀: هشام بن [عبد الملك] (٣) هو الذي أحدث الأذان بين يديه، وإنما الأذان [على المنار] (٤) واحدا بعد واحد إذا جلس الإمام على المنبر، فإذا فرغوا قام [وخطب] (٥)؛ وهو الذي يحرم به البيع.
وقال مالك أيضًا: ولا أحب ما أحدثوا من الأذان على الشرفات حذو الإمام، ولكن الإقامة كذلك، وليقيموا بالأرض، وبعضهم على المنار [لإسماع] (٦) الناس، وهذا قوله في "النوادر" (٧).
وسبب الخلاف: اختلاف الآثار في ذلك؛ وذلك أنه روى البخارى (٨) عن السائب بن يزيد أنه قال: كان الأذان يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، وعمر ﵄ فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء.
ورُوي أيضًا عن السائب بن يزيد أنه قال: لم يكن يوم الجمعة لرسول
_________________
(١) انظر: النوادر (١/ ٤٦٧).
(٢) سقط من أ، ب.
(٣) في أ، ب: عروة.
(٤) سقط من أ، ب.
(٥) سقط من أ، ب.
(٦) في الأصل: الاستماع.
(٧) انظر: النوادر (١/ ٤٦٧، ٤٦٨).
(٨) أخرجه البخاري (٨٧٠).
[ ١ / ٥٣٣ ]
الله - ﷺ - إلا مؤذنًا واحدًا (١).
وروى أيضًا عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان الأذان يوم الجمعة على عهد رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، وعمر ﵄ أذانًا واحدًا حين يخرج الإمام، فلما كان زمان عثمان ﵁ كثر الناس، فزاد الأذان ليتهيأ الناس إلى الجمعة.
وروى ابن حبيب أن المؤذنين كانوا على عهد رسول الله - ﷺ - ثلاثًا (٢).
ومنهم من ذهب إلى أن النبي - ﷺ - لم يكن له إلا مؤذن واحد.
وقيل: إن معنى قوله: فلما كان عثمان، وكثر الناس زاد النداء الثالث: أن النداء الثاني هو الإقامة.
وأما الجماعة التي تقوم بهم الجمعة -على القول بأنها من شرائط الوجوب، أو من شرائط الصحة- فقد اختلف العلماء في مقدارها، وعددها على خمسة مذاهب:
أحدها: أن أقلها واحد مع الإمام، وهو مذهب الطبري.
والثاني: اثنان سوى الإمام (٣).
والثالث [ق/ ٢٦ ب]: ثلاثة دون الإمام، وهو مذهب أبي حنيفة (٤).
والرابع: أن أقل العدد الذي تقوم به الجمعة: أربعون رجلًا، وهو مذهب الشافعي (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٧١).
(٢) انظر: النوادر (١/ ٤٦٧).
(٣) وهو مذهب أبي يوسف.
(٤) انظر: الهداية (١/ ٩٠).
(٥) انظر: الأم (١/ ١٩٠).
[ ١ / ٥٣٤ ]
والخامس: ثلاثون رجلًا، وهي رواية عبد الملك عن مالك (١).
وفي المسألة قول سادس: بأنه لا يشترط في ذلك عدد، ولكن يرى أنه يجوز بما دون الأربعين، ولا يجوز بالثلاثة والأربعة، وهذا حقيقة مذهب مالك ﵀، وظاهره يرجع إلى قول عبد الملك الذي هو القول الخامس؛ فترجع المسألة إلى خمسة أقوال على الصحيح.
وسبب الخلاف: اختلافهم في أقل الجمع، هل هو اثنان أو ثلاثة (٢)؟
وهل الإمام داخل أو ليس بداخل فيه؟ وهل الجمع المشروط في هذه الصلاة هو أقل ما ينطلق الجمع عليه [ق/ ٤٢ جـ] أو ما ينطلق عليه اسم [الجمع] (٣) في غالب الأحوال، وذلك هو أكثر الثلاثة أو الأربعة.
وأما من اعتبر الأربعين فيصير إلى ما روى أن هذا العدد كان في أول جمعة صليت بالناس، وأما من لم يُحَدّد في ذلك حَدًا: فإنه لما كان من شروط الجمعة الاستيطان عنده: حد هذا الجمع بالقدر من الناس الذين يمكنهم السكنى والاستقرار والذَّب عن أنفسهم والدفع عن أموالهم وحريمهم ممن يريد إذايتهم حتى يأتيهم غوث من يليهم من إخوانهم من المسلمين [وجب] (٤) مراعاة هذا القدر، وهو مشهور مذهب مالك.
وأما الوقت: فهو من شروط الأداء.
_________________
(١) انظر: النوادر (١/ ٤٥٢).
(٢) اختلف في هذه المسألة على ثمانية مذاهب أرجحها وأولاها بالصواب هو أن أقل الجمع ثلاثة حقيقة، ولا يطلق على الاثنين والواحد إلا مجازًا. وهذا هو مذهب جمهور العلماء من فقهاء وأصوليين. انظر: أقل الجمع عند الأصوليين وأثر الاختلاف فيه. للدكتور: عبد الكريم بن علي النملة.
(٣) في أ، ب: الجنس.
(٤) في ب: وأوجب.
[ ١ / ٥٣٥ ]
ووقتها: وقت صلاة الظهر -بعد الزوال- ولا خلاف في ذلك بين علماء المسلمين، إلا ما يروى عن أحمد بن حنبل وبعض أهل الظاهر؛ فإنهم جوزوا أن تصلى الجمعة قبل الزوال؛ واعتبروا [ظاهر] (١) ما خرجه البخاري عن سهل بن [سعد] (٢) أنه قال: ما كنا نقيل ولا نتغدى في عهد رسول الله - ﷺ - إلا بعد الجمعة (٣).
وروى أيضًا أنهم كانوا يصلون وينصرفون وما للجُدُر ظلال؛ ففهموا من ذلك أن الصلاة قبل الزوال، والجمهور فهموا من ذلك التبكير فقط باعتبارين:
أحدهما: اعتبار ما ثبت من حديث أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس (٤)، وحديث الطِّنْفِسَة (٥) أيضًا (٦).
والاعتبار الثاني: من طريق النظر؛ وذلك أن الإجماع منعقد [على] (٧) أن صلاة الظهر لا يجوز أن تصلى إلا بعد زوال الشمس، وما روى عن أبي بكر ﵁ غير صحيح عند العلماء؛ فوجب بهذا الاعتبار قياس الجمعة على الظهر؛ لأنها بدل منها، وهذا في أول وقتها الاختياري.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في الأصل: سعيد.
(٣) أخرجه البخاري (٨٩٧)، ومسلم (٨٥٩).
(٤) أخرجه البخاري (٨٦٢).
(٥) بساط له خمل رقيق.
(٦) أخرجه مالك (١٣).
(٧) سقط من أ.
[ ١ / ٥٣٦ ]
وأما آخر وقتها: فقد اختلف فيه المذهب على [خمسة] (١) أقوال:
أحدها: أن [آخر وقتها] (٢) دخول وقت العصر، وهو قول الأبهرى، فإذا دخل وقت العصر، فقد فات وقت الجمعة، ويصلون الظهر أربعًا.
والثاني: أن [آخرها] (٣) الاصفرار، وهو قول أصبغ.
والثالث: أن آخر وقتها ما لم يبق للمغرب بعد الجمعة إلا أربع ركعات للعصر [وهو قول سحنون] (٤).
والرابع: ما لم يبق إلا ركعة للعصر، وهو قول ابن القاسم في [المدونة] (٥).
والخامس: أنها تصلى ما بينهم وبين الغروب، وإن لم تصلي العصر إلا بعد الغروب، وهي رواية مطرف عن مالك ﵀ وهي قول ابن القاسم] (٦) في رواية ابن عتاب.
وسبب الخلاف: معارضة العمل للقياس؛ وذلك أن القياس يوجب أن تصلى الجمعة في كل وقت يجوز أن تصلى فيها الظهر، ويسمى مصليًا مؤديًا، إلا أن العمل على خلاف ذلك؛ إذ لم يأت بذلك حديث ولا ثبت عن أحد من الخلفاء أنه كان صلاها عند الاصفرار أو عند الغروب.
فمن رجح القياس، قال: إنها تصلى ما بينهما وبين الفراغ منها، ويدرك ركعة واحدة قبل الغروب من صلاة العصر.
_________________
(١) في أ: ثلاثة، والمثبت من ب.
(٢) في أ: آخرها.
(٣) في ب: آخر وقتها.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: العتبية.
(٦) سقط من أ.
[ ١ / ٥٣٧ ]
ومن رجح العمل قال: لا تصلى بعد خروج الوقت المختار للظهر إلا أربعًا.
والجواب عن السؤال الرابع: في أركان الجمعة.
ولها ركنان:
الخطبة، وركعتان بعد الخطبة.
فأما الركن الأول؛ الذي هو الخطبة، فهل هو شرط في صحة الصلاة، أو ركن من أركانها؟
فبين العلماء فيها اختلاف؛ فقيل: إنها ركن من أركانها، وقيل: إنها ليست بركن.
وسبب الخلاف: هل فرض الجمعة أربع ركعات وأنها حُطَّت منها ركعتان للخطبة، أو فرض الجمعة ركعتان خاصة؟
فعلى القول بأن الخطبة ليست بركن، وإنما هي من الشروط، فهل هي من شروط صحتها، أو من شروط كمالها؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها من شروط الصحة، وهو قول مالك وأكثر أصحابه؛ [ونصُّ المدونة حيث قال:] (١) لا تجمع الجمعة إلا [بالجماعة] (٢) والإمام بالخطبة، وهذا القول هو المشهور.
والثاني: أنها سنة، ومن صلى بغير خطبة أجزأه، وهو قول عبد الملك [بن الماجشون] (٣).
_________________
(١) في أ: ونص الجمعة والصواب ما أثبتناه من ب.
(٢) في ب: بجماعة.
(٣) سقط من أ.
[ ١ / ٥٣٨ ]
وسبب الخلاف: [اختلافهم] (١) في المفهوم من قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ (٢).
ما الذكر المأمور بالسعي إليه؟ هل الذكر الأول الذي هو الخطبة؟ أو الذكر الثاني الذي هو الصلاة؟
فمن رأى أن المراد [بالأمر] (٣) السّعي أول الذكر حتى يستوعب [الذكرين] (٤) جميعًا ذكر الخطبة وذكر الصلاة يقول: إن الخطبة واجبة، ولاسيما أن البيع يحرم عند النداء؛ وما ذلك إلا ليسعوا إلى [استماع] (٥) الخطبة، فلو كانت غير واجبة لم يحرم البيع إلا عند الدخول في الصلاة.
ومن رأى أن المراد بذلك الذكر: هو الصلاة؛ لأنه هو الذكر المقصود؛ بدليل أن من [فاتته] (٦) الخطبة، وأدرك الصلاة أنه أحرز فضيلة الجمعة وفرضها إذا لم يتعمد إلى ترك شهود الخطبة، ويكون معذورًا بالتأخير.
وأما من قصد التراخي عند الخطبة [رغبة] (٧) عنها: [فجمعته] (٨) ناقصة الفضيلة.
[و] (٩) عكسه إذا شهد الخطبة وفاتته الصلاة، فإنه لا يحصل له من
_________________
(١) سقط من أ
(٢) سورة الجمعة الآية (٩).
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: أول الذكر.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: فاته.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: فجمعه.
(٩) في أ: أو.
[ ١ / ٥٣٩ ]
أجر الجمعة إلا مثل ما يحصل لمن [غُلِب] (١) عن السعي إليها، ويبقى متعلق القلب بها.
وعلى القول بأنها من شرائط الجمعة، وفرض من فروضها، هل الطهارة من شروطها أو يجوز له أن يخطب بغير طهارة؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الطهارة من شروطها، وهي فرض؛ فمن خطب وهو على غير طهارة ثم توضأ للصلاة: لم تجزيهم، وأعادوا أبدًا.
وهو قول سحنون، وهو ظاهر "المدونة" (٢)؛ لقوله: أنه إذا أحدث فيها، فإنه يستخلف من يتمها، ويصلي.
ولم يجعله يتمها بغير طهارة؛ كما قال في خطبة العيد.
والقول الثاني: [أنها تجوز] (٣) بغير طهارة، وأنه إن خطب [على غير] (٤) وضوء، ثم صلى بوضوء: أن صلاتهم جائزة.
وهو قول عبد الملك في "ثمانية أبي زيد" (٥).
واستحب [القاضي عبد الوهاب] (٦) أن تكون الخطبة بطهارة (٧)، وهذا منه جنوح إلى مذهب عبد الملك.
_________________
(١) في جـ: غاب.
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٥٥).
(٣) في أ: أنه يجوز.
(٤) في ب: بغير.
(٥) انظر: النوادر (١/ ٤٧٦، ٤٧٧).
(٦) في أ: عبد الوهاب القاضي.
(٧) انظر: عيون المجالس (١/ ٤١٤، ٤١٥).
[ ١ / ٥٤٠ ]
فوجه قول من قال بوجوب الطهارة لها؛ لاتصالها بالصلاة؛ إذ ليس بجائز أن يتعمد إلى الخطبة بغير طهارة حتى [إذا فرغ فليخرج] (١) ليتوضأ وينتظره القوم حتى يرجع؛ لأن ذلك خلاف السنة في الجمعة من وجوه:
منها ترك غسل الجمعة، وهو سنة [في المذهب] (٢).
ومنها: مخالفة السلف والخلف في كونه يخطب، وهو محدث عامدًا.
ومنها: تأخير الصلاة [عن الخطبة] (٣) وذلك مخالف [ق/ ٥٤ أ] للسنة.
ووجه قول من قال: يجوز أن يخطب على غير وضوء: لأن الخطبة ذكر وثناء وصلاة على نبينا محمد - ﷺ - ووعظ، فلا يفتقر إلى الطهارة قياسًا على سائر الأذكار.
[وعلى القول بوجوبها] (٤) فما [العدد] (٥) الذي يجب منها، ويقع الاجتزاء به؟
فاختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أنه لابد من خطبتين يفصل بينهما بجلسة؛ ويجزئه أقل ما ينطلق عليه اسم الخطبة في كلام العرب [من الكلام] (٦) المؤلف المنظوم، المبتدأ بالحمد لله، وبه قال الشافعي، إلا أنه اشترط أن تكون فيه الصلاة
_________________
(١) في ب: يفرغ فيخرج.
(٢) في ب: عندنا.
(٣) سقط من أ، ب.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ، ب: القدر.
(٦) سقط من أ، ب.
[ ١ / ٥٤١ ]
على محمد - ﷺ - ويوصي بتقوى الله العظيم، ويقول شيئًا من القرآن في الأولى، ويدعو في الآخرة.
والقول الثاني: أنه يخطب خطبتين، فإن [سهى عن] (١) الثانية، أو [حُصر] (٢) عنها، أو تركها: فالأولى تكفيهم، ولو لم يكن أيضًا أتم الأولى [إلا أنه] (٣) أثنى على الله، وتشهد، وأمر، ونهى، ووعظ، وقال خيرًا وإن كان خفيفًا جدًا، فذلك يجزئهم عنه.
وسبب الخلاف: هل يجزئهم من ذلك أقل ما [يقع] (٤) عليه الاسم اللغوى، أو الاسم الشرعي؟
فمن رأى أن المجزئ من ذلك أقل ما يقع عليه الاسم اللغوي لم يشترط فيها شيئًا من الأقوال التي نقلت عنه - ﷺ - فيها: ومن رأى أن المجزئ من ذلك أقل ما يقع عليه الاسم الشرعي: اشترط فيها حصول الأقوال التي نقلت من خطبته ﵇.
واختلف أيضًا هل من شروطها الجماعة أم لا؟
فالمشهور أن الجماعة من [شروطها] (٥) وأنها لا تصح إلا بها، وهو تأويل الباجي على "المدونة" في بعض الروايات: ولا تجمع الجمعة إلا بالإمام والجماعة والخطبة.
وهذه الرواية إن صحت فهي نص في محل النزاع؛ لأن العراقيين من
_________________
(١) في أ: نسى.
(٢) في جـ: اقتصر.
(٣) سقط من أ، ب.
(٤) في ب: يطلق.
(٥) في أ: فروضها.
[ ١ / ٥٤٢ ]
أصحاب مالك قالوا: ليس عن مالك في ذلك نص، ولكن الرواية المشهورة بالخطبة.
وعلى القول بأن الجماعة من شروطها، وهل من شروط صحة الصلاة استدامة الجماعة من أول الصلاة إلى آخرها؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: على ما حكاه أبو الوليد بن رشد أن ذلك من شروط صحتها، وأن الناس لو انفضوا عنه قبل السلام حتى لم يبق [معه] (١) إلا النساء، والعبيد، ومن لا عدد له من الرجال: لبطلت الصلاة.
والثاني: أن الصلاة جائزة إن لم ينفضوا عنه حتى صلى ركعة؛ قياسًا على من أدرك [ركعة] (٢) من صلاة الإمام أنه [يقضي] (٣) ركعة، [واحدة] (٤) وتكون له جمعة.
والثالث: أنه إذا أحرم بالجماعة فصلاته جائزة، وإن انفضوا قبل ركعة منها إذا انفضوا بعد الإحرام.
وهو ظاهر "المدونة" من [باب] (٥) الرُّعاف.
والأقوال الثلاثة كلها قائمة من "المدونة" [وبالله التوفيق] (٦).
والجواب عن السؤال الخامس: في أحكام الجمعة:
_________________
(١) في الأصل: معهم.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: يصلي.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: كتاب.
(٦) زيادة من جـ.
[ ١ / ٥٤٣ ]
وأحكامها تنقسم إلى ما كان عبادة، وإلى ما كان عادة.
ومن أحكامها العبادية:
الغسل: ولا خلاف أنه ليس [من شرط] (١) الصلاة، وإنما الخلاف في نفسه؛ هل هو فرض أو سنة؟
فذهب الجمهور إلى أنه سنة، وذهب أهل الظاهر إلى أنه فرض (٢).
وسبب الخلاف: معارضة الآثار؛ منها حديث أبي سعيد الخدري، وهو قوله ﵇: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" (٣) كغسل الجنابة.
ومنها حديث عائشة ﵂ كان الناس عمال أنفسهم يروحون إلى الجمعة بهيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم (٤). أو كما قال.
فحديث أبي سعيد الخدرى صحيح بالاتفاق، والثاني أخرجه أبو داود ومسلم.
ومنها: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونِعْمَت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" (٥).
_________________
(١) في ب: بشرط في صحة.
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٣٦)، والأم (١/ ١٩٧)، والمغني (٢/ ١٩٩). قال القاضي عبد الوهاب: غسل الجمعة سنة، وبه قال جميع الفقهاء أنه ليس بفرض، إلا ما روي عن كعب الأحبار ﵁ أنه قال: لو وجدت ماء بدينار لاشتريته به، وهذا يدل على أنه يذهب إلى وجوبه، وبه قال داود ﵀. عيون المجالس (١/ ٢٤٨، ٢٤٩).
(٣) أخرجه البخاري (٨٢٠)، ومسلم (٨٤٦).
(٤) أخرجه البخاري (٨٦١)، ومسلم (٨٤٧)، وأبو داود (٣٥٢).
(٥) أخرجه أبو داود (٣٥٤)، والترمذي (٤٩٧)، والنسائي (١٣٨٠)، وأحمد (١٩٥٨٥)، والدارمي (١٥٤٠) من حديث سمرة ﵁. =
[ ١ / ٥٤٤ ]
وهو نص في سقوط فرض الغسل، إلا أنه حديث ضعيف.
ومنها قوله: فبها ونعمت: يعني: فبالسنة أخذ ونعمت الخصلة أو نعمت الفعلة الوضوء؛ لأن سنة المصلي إذا أراد [أن يصلي] (١) أن يتوضأ، ولم يرد [بالسنة هاهنا] (٢) خلاف الفرض، ولا يعتقد ذلك، ويعزيه [إلى أنه الظن] (٣) إلا جاهل بحدود الشريعة.
ومنها حديث [ابن عمر] (٤) وعثمان ﵄ [في] (٥) الوضوء [أيضًا] (٦) بالمد.
فمن حمل حديث أبي سعيد الخدري على ظاهره: فيقول بالوجوب.
ومنهم من حمله على أنه كغسل الجنابة في الصفة والهيئة لا في الوجوب، ويستدل على صحة هذا التأويل ببقية الأحاديث حمله على السنة دون الوجوب، وهو الصحيح.
واختلف القائلون أنه سنة؛ هل [هو] (٧) مشروع لمعنى، أو لغير معنى؟
_________________
(١) = قال الترمذي: حديث حسن. وحسنه النووي في شرح مسلم (٦/ ١٣٣). وقال أبو حاتم الرازي: هو صحيح. تحفة المحتاج (٦٤٤). وصححه الحافظ في التلخيص الحبير (٦٥٥)، وابن الملقن كما في خلاصة البدر المنير (٧٦٤)، وحسنه الشيخ الألباني رحم الله الجميع، فلا اعتبار بقول المصنف أنه ضعيف.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: السنة أخذها هنا.
(٤) سقط من ب.
(٥) في أ، ب: عمر.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من ب.
(٨) سقط من أ.
[ ١ / ٥٤٥ ]
فبعضهم يقول لمعنى، وهو ظاهر حديث عائشة ﵂.
ومنهم من يقول: إنها لغير معنى، وهو ظاهر مذهب مالك، وقال في المدونة: إذا اغتسل ثم تغدى أنه يعيد الغسل، ومعلوم [ق/ ٤٣ ب] أن الغسل الذي يفسده الأكل [غير] (١) معقول المعنى.
ومن أحكامها: معرفة من يجب عليه إتيانها ممن كان خارج المِصْر، ولا خلاف فيمن كان على مرحلتين من المدينة أنه لا يجب عليه [إتيانها] (٢)، واختلف فيمن [هو] (٣) دون ذلك على قولين.
أحدهما: [أنها تجب] (٤) على من كان على مسيرة يوم من البلد.
وهذا القول حكاه القاضي حفيد ابن رشد عن مالك، وهو قولٌ غريب شاذ.
[والثاني: أنها تجب على من كان في ثلاثة أميال أو زيادة يسيرة، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وهو مشهور المذهب] (٥).
وسبب الخلاف: [اختلاف] (٦) الآثار الواردة في الباب.
فمنها: ما خرجه أبو داود عن النبي - ﷺ - قال: "الجمعة على من سمع النداء" (٧).
_________________
(١) سقط من أ، ب.
(٢) في ب: إتيان الجمعة.
(٣) في ب: كان.
(٤) في أ: يجب.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) أخرجه أبو داود (١٠٥٦) وحسنه الشيخ الألباني في الإرواء (٥٩٣).
[ ١ / ٥٤٦ ]
[ومنها] (١) ما ورد أن الناس كانوا يأتون من العوالي إلى الجمعة في زمان النبى - ﷺ - (٢)، [هي] (٣) ثلاثة أميال من المدينة.
ومنها: ما روى عنه - ﷺ - قال: "الجمعة على من آواه الليل إلى أهله" (٤).
وهو أثر ضعيف.
وعلى القول باعتبار ثلاثة أميال، من أين تُقَدَّر؟ على قولين:
أحدهما: أنها تقدر من المنار، وهو ظاهر قول مالك في "المجموعة"؛ لأنه قال: "الجمعة على من سمع النداء"، وبه قال [القاضي عبد الوهاب] (٥).
والثاني: أنها تقدر من طرف البلد، وبه قال ابن عبد الحكم، وهو الصحيح؛ إذ قد يكون بين المنار وآخر البلد أكثر من ثلاثة أميال.
واختلف إذا وافق يوم العيد يوم الجمعة، هل يجوز للإمام أن يأذن لمن كان [خارج المصر] (٦) ممن يجب عليه إتيان الجمعة على التخلف يوم الجمعة إذا شهدوا العيد على قولين:
أحدهما: أنه لا يجوز للإمام أن يأذن لهم، ولا يجوز لهم التخلف، وإن أذن لهم.
_________________
(١) في أ، ب: ومنه.
(٢) أخرجه البخاري (٨٦٠)، ومسلم (٨٤٧).
(٣) في أ، ب: وبينهما.
(٤) أخرجه الترمذي (٥٠١) وضعفه، ونقل تضعيف الإمام أحمد له، ووافقه الحافظ ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٨٥) وضعفه الشيخ الألباني.
(٥) في أ: عبد الوهاب القاضي.
(٦) في أ: خارجًا.
[ ١ / ٥٤٧ ]
وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المدونة" (١)؛ [لأنه قال: لم يأخذ مالك بإذن عثمان لأهل العوالي وقال: لم يبلغني عن غيره. وروى ابن حبيب عن بعض أصحاب مالك] (٢) أن مالكًا أخذ [بإذن] (٣) عثمان لأهل العوالي، وبه قال أكثر أصحاب مالك إلا ابن القاسم، وقد جاء في الحديث (٤) أن النبي - ﷺ - رخص في التخلف عن الجمعة لمن كان خارج المدينة من [أهل] (٥) القراء ممن شهد عيد الفطر، والأضحى صبيحة ذلك اليوم؛ لأن ذلك من باب الرفق بهم لما بهم [فيه] (٦) من الحاجة إلى مؤانسة أهلهم ذلك اليوم واجتماعهم معهم على ضيافة الله تعالى، ولاسيما ذوي صبيان صغار يحتاجون إلى أن يفرحوهم ويدخلوا السرور عليهم؛ لأنه [بين] (٧) حالتين:
إما أن يقعد في البلد حتى يصلي الجمعة ثم ينصرف إلى أهله.
وإما أن ينصرف بانصراف الناس من العيد ثم ينقلب إلى صلاة الجمعة.
وكلا الحالتين لا [تُحَصِّل لأهله الغرض] (٨) المقصود.
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ١٥٣).
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: بأذان.
(٤) لما في هذا: إلا على أثر عثمان الذي أخرجه مالك (٤٣١) والشافعي في الأم (١/ ٢٣٩)، وفي المسند (٧٧)، وابن حبان (٣٦٠٠)، والبيهقي في الكبرى (٦٠٨٥)، وصححه موقوفًا أن عثمان خطب في يوم عيد وجمعة، فقال: من أحب من أهل العوالي أن ينتظر الجمعة فلينتظر ومن أحب أن يرجع فليرجع. وحديث أبي داود (١١٧٣)، وابن ماجة (١٣١١)، وهو صحيح أيضًا.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: يسن.
(٨) في ب: يحصل بهما.
[ ١ / ٥٤٨ ]
وسبب الخلاف: العموم هل يخصص بأخبار الآحاد أم لا؟
ولا شك أن شهود الجمعة فريضة، وشهود العيد سنة، والآكد لا يسقطه الأضعف.
ومن أحكامها: البكور إليها.
واختلف في وقتها على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن يكون أول النهار، وهو مذهب الشافعي، وبه قال ابن حبيب -من أصحابنا.
والثاني: أنه في الساعة السادسة، وهو مشهور مذهب مالك.
والثالث: أنه قبل الزوال.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تأويل قوله ﵇: "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة" (١) إلى أن عدَّد الساعات [خمس ساعات] (٢) هل ذلك ساعات النهار أم لا؟
فذهب الشافعي ["وابن حبيب" (٣)] (٤) إلى أن ذلك في [ساعات] (٥) النهار من أوله.
ومالك ﵁ يرى أن ذلك كله ساعة واحدة [وأنها] (٦) أجزاء
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٤١)، ومسلم (٨٥٠).
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: تفسير غريب الموطأ (١/ ٢٣٠، ٢٣٢) لابن حبيب.
(٤) في جـ: وأبو حنيفة.
(٥) في أ: ساعة.
(٦) سقط من أ.
[ ١ / ٥٤٩ ]
من الساعة السادسة، ولم ير التبكير لها من أول النهار.
رواه ابن القاسم وأشهب عن مالك في "العتبية" (١)، والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك ﵀ من الحديث من وجوه:
منها: أن الساعة السادسة من أول النهار لم يذكر ﵇ فضيلة من راح فيها، وليست بوقت قعود الإمام على المنبر، ولا بوقت استماع الذكر منه.
ومنها: أن الحديث عنده يقتضي أنه عند قعود الإمام على المنبر، وترتفع فضيلة الرواح، وتحضر الملائكة للذكر؛ فدل على أنه لم يرد الساعة الخامسة؛ لأن الساعة تفصل بينها وبين الذكر، فإذا ثبت ذلك تيقن أنه أراد به أجزاء من الساعة السادسة، وتلك الساعة [يتم] (٢) تجزئتها على خمسة أجزاء أو أقل أو أكثر.
ومنها: أنه - ﷺ - قال: "ثم راح في الساعة الأولى" والرواح إنما يكون نصف النهار عند الزوال، وهذا الذي صححه أبو الوليد بن خلف [الباجي] (٣) وابن حبيب، وابن أبي زمنين وغيرهم ممن ينتحل الحديث؛ لأن الرواح في الساعة السادسة وتصلى الجمعة في أول الساعة السابعة [ق/ ٥٥ أ].
وغيرهم يختار مذهب من يرى أن ذلك قبل الزوال وبعد [الغدو] (٤).
والقسم الثاني من أحكامها العادية: البيع وأقسامه، والمعروف
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل (١/ ٣٨٩) والنوادر (١/ ٤٦٥).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في الأصل: الغد.
[ ١ / ٥٥٠ ]
وأنواعه:
أما البيع بعد النداء: فلا خلاف في [المذهب] (١) أنه يمنع ابتداء، فإن نزل هل يَمْضِي، أو يُرَد؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يمضي بالعقد ولا يرد، فات أم لا. وهي رواية ابن وهب، وعليّ بن زياد عن مالك ويستغفر الله تعالى.
والثاني: يفسخ مع القيام ويمضي مع الفوات، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المدونة" (٢) وعليها أكثر الأصحاب.
والثالث: التفصيل بين أن يكون من قوم اعتادوا البيع [بذلك] (٣) الوقت، فتفسخ تلك البياعات كلها، وإن لم تكن لهم عادة يزجروا عن ذلك ولم يفسخ.
وهو قول عبد الملك في "ثمانية أبي زيد" (٤).
وسبب الخلاف: النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟ (٥).
وعلى القول بأن البيع يمضي ولا يرد هل يكون الربح سائغًا للمشتري أم لا؟ على قولين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٥٤).
(٣) في الأصل: ذلك.
(٤) انظر: النوادر (١/ ٤٦٨، ٤٦٩).
(٥) تقدم بيان ذلك.
[ ١ / ٥٥١ ]
أحدهما: أن الربح له حلال، وبه قال مالك.
والثاني: أنه يتصدق به، ولا يأكله على معنى الكراهة، وهو قول ابن القاسم وأصبغ؛ لأن ذلك مال أشغله عن العبادة [فيكره] (١) أن ينتفع به، كما فعل سليمان ﵇، وكما فعل أبو طلحة الأنصارى بحائطه حين سها فيه لأجل الدبسي.
وعلى القول بأنه مفسوخ ويفوت بها ما يفوت به البيع الفاسد من حوالة الأسواق فاعلًا هل يضمن بالقيمة أو بالثمن؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يضمن بالقيمة.
وهو قول ابن القاسم وأشهب.
والثاني: أنه يضمن [بالثمن] (٢) وهو قول المغيرة.
وسبب الخلاف: هل يجوز قياس البيع على النكاح أم لا؟
وذلك أن النكاح الفاسد لعقده ففيه صداق المسمى، وهل البيع كذلك: وذلك أن البيع وقت النداء فساده في عقده لأجل النهي الذي وقع فيه.
وإن انتقض وضوءه فلم يجد الماء إلا بالثمن، فقد قال الشيخ أبو محمد: يجوز أن يشتري ولا يفسخ، والذي قاله صحيح [ق/ ٢٧ ب] وينبغي أن يكون موضع الاتفاق.
وعلى القول بأنه يمضي بالقيمة، فقيمته متى؟
فالمذهب على قولين:
_________________
(١) في أ: فكره.
(٢) في الأصل: بالقيمة.
[ ١ / ٥٥٢ ]
أحدهما: أن عليه قيمتها حين قبضها، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن عليه قيمتها بعد صلاة الإمام وحين يحل البيع، وهو قول أشهب.
فوجه قول أشهب أن المعتبر في معرفة القيمة وقت يجوز فيه البيع، والبيع وقت النداء لا يجوز فكيف تعرف قيمة السلعة في وقت لا يحل فيه بيعها.
ووجه قول ابن القاسم: أن البيع الفاسد، القيمة فيه يوم القبض فيكون عليه في البيع وقت النداء قيمة السلعة ساعة قبضها، وإن كان البيع لا يحل في تلك الساعة غير أنا نقومها على أن لو جاز البيع فيه كما تقوم ما لا يحل بيعه بحال أن لو جاز بيعه كالخرز في الجراح، وجلد الميتة، وأم الولد وغير ذلك.
وهذا هو الصحيح عند أهل النظر.
وقال الشيخ أبو عمران الفاسي: إن مَنْ فَرَّطَ في صلاة الظهر، والعصر حتى لم يبق للمغرب [إلا مقدار] (١) خمس ركعات أنه [إن] (٢) باع واشترى حينئذ: فسخ بيعه.
وقال ابن عبد الحكم في الأخذ بالشفعة والإقالة وأخواتها [أنها] (٣) كالبيع، وكذلك سائر الإجارات؛ لأنه مما يتكرر وقوعه.
وأما المعروف: وأنواعه كالنكاح، و[البيع] (٤) والهبة، والصدقة، والعارية، هل تفسخ إذا وقعت [بالمعروف] (٥).
_________________
(١) في أ: غير.
(٢) زيادة ليست بالأصل.
(٣) سقط من أ.
(٤) أظنها زائدة.
(٥) سقط من أ.
[ ١ / ٥٥٣ ]
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه كالبيع، وهو قول أصبغ في النكاح، ويلزم على قوله مثل ذلك في الهبة، والصدقة.
والثاني: أن ذلك لا يفسخ إذا وقع -لا نكاح ولا هبة.
وينبني الخلاف: على الخلاف في العلة التي من أجلها حرم البيع وقت النداء، هل لأجل أن ذلك حق الله تعالى، أو لأجل أن ذلك حق لأهل السوق؟
فمن رأى أن ذلك حق لله تعالى قال: بفسخ البيع، لكونه مشغولًا بالبيع، والشراء، وانعقاد العقود عن السعي الواجب عليه، فيعاقب بنقيض مقصوده، وفوات مراده؛ فيفسخ بيعه وتنقض صفقته، فيقول: إن سائر العقود كالبيع؛ لأن العلة شاملة.
ومن رأى أن ذلك حق لأهل السوق ومخافة أن يستبد بعضهم عن بعض [بالغرض] (١) في البيع؛ إما في أعيان السلع، وإما في الأرباح، فعاقبه الشرع بنقيض [المقصود] (٢) فأمر بفسخ بيعه حتى يفوت عليه [الغرض] (٣) بالكلية، ولذلك لم يجعل الخيار لأهل السوق كما فعل في [التلقي] (٤) وغيره، فيقول: إن عقد النكاح وغيره من عقود المعارف جائزة؛ [لعزوفها] (٥) عن العلة المعتبرة، والله أعلم.
وهذا الذي يحتاج إلى [تحصيله] (٦)، [وأما خصائصها التي تتفرد بها
_________________
(١) في أ، ب: في الغرض.
(٢) في ب: مقصوده.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: باقي السلع.
(٥) في أ: لعزوفه.
(٦) في أ: تلخيصه.
[ ١ / ٥٥٤ ]
من بين سائر الصلوات فخمسة: الغسل، والتطيب، والإِنصات، وتعجيل الرواح وترك التخطي] (١) والحمد الله وحده [وصلى الله عليه وسلم] (٢).
_________________
(١) سقط من أ، جـ.
(٢) سقط من أ.
[ ١ / ٥٥٥ ]
منَاهِجُ التَّحْصِيلِ
وَنَتائجُ لَطائِفِ التَّأْوِيلِ
فى
شَرْحِ المدَوَّنَةِ وحَلِّ مُشكِلاتهَا
تَأليفْ
أبى الحَسَن عَلىّ بنْ سَعْيد الرجراجي
تَقديم
فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور علي علي لُقَم
اعتَنَى بهِ
أبو الفضل الدمياطى
أحمد بن عليّ
الجُزءُ الثَّانى
مركز التراث الثقافى المغربى
دار ابن حزم
[ ٢ / ١ ]
حُقُوقُ الطَّبعِ محْفوَظة
الطّبْعَة الأولى
١٤٢٨ هـ -٢٠٠٧ م
ISBN ٩٩٥٣ - ٨١ - ٤٣١ - ٧
الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها
مركز التراث الثقافي المغربي
الدار البيضاء - ٥٢ شارع القسطلاني - الأحباس
هاتف: ٤٤٢٩٣١ - ٠٢٢ / فاكس: ٤٤٢٩٣٥ - ٠٢٢
المملكة المغربية
دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع
بيروت - لبنان - ص. ب: ٦٣٦٦/ ١٤
هاتف وفاكس: ٧٠١٩٧٤ - ٣٠٠٢٢٧ (٠٠٩٦١١)
بريد إلكتروني: Ibnhazim@cyberia.net.lb
[ ٢ / ٢ ]
منَاهِجُ التَّحْصِيلِ
وَنَتائجُ لَطائِفِ التَّأْوِيلِ
فى
شَرْحِ المدَوَّنَةِ وحَلِّ مُشكِلاتهَا
٢
[ ٢ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٢ / ٤ ]
كتاب الجنائز
[ ٢ / ٥ ]