تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ثماني عشرة مسألة:
[فأولها] (١): من أفطر بعد طلوع الفجر ناسيًا.
فلا يخلو صيامه من وجهين:
أحدهما: أن يكون تطوعًا.
والثاني: أن يكون واجبًا.
فإن كان تطوعًا: فإنه يتمادى على الإمساك، ولا شيء عليه، فإن أفطر بقية يومه فعليه القضاء.
وإن كان واجبًا: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون صيامه متتابعًا غير معين، أو متتابعًا معينًا.
فإن كان متتابعًا غير معين؛ مثل قوله: عليَّ صوم عشرة أيام [متتابعة] (٢) بغير عينها، فلا يخلو من أن ينوبه ذلك في أثناء صومه في أول يوم منه.
فإن نابه ذلك بعد أن صام بعضها، فإنه يترك الأكل في بقية يومه، فإذا فرغ من صيامه قضى ذلك اليوم، وأوصله بصيامه، فإن لم يواصله استأنف الصيام.
وهذا إذا تعمد ترك القضاء.
واختلف إذا نسى صلة القضاء، هل يجب الاستئناف أم لا؟
_________________
(١) في ب: المسألة الأولى هي المسألة الثانية.
(٢) سقط من أ، ب.
[ ٢ / ٥٣ ]
على قولين:
فإن نابه ذلك في أول يوم منه فقد قال [في الكتاب] (١) إن شاء أفطره، وإن شاء استأنف، ولا أحب له أن يفطر، فإن أفطره فإنما عليه صوم عشرة أيام [يدخل ذلك اليوم في هذه الأيام "العشرة" (٢)] (٣).
أحدها: قضاء ذلك اليوم، وهي رواية ابن وَضَّاح، ووقع في رواية غيره [أكره له] (٤) قضاء ذلك اليوم.
واختلف المتأولون والشارحون في [تأويل] (٥) هذه المسألة أولًا وآخرًا.
وأما أولها: فكونه خَيَّره بين التمادي على الفطر والإمساك عنه، ثم قال: [وأوجب إلى أن يمسك] (٦) ويُعَد ذلك منه تناقضًا من القول؛ لأن مُقْتَضَى التَّخيير الإباحة، واستحباب الإمساك [ق / ٦٠ أ] عن الأكل يقتضي كراهة الفطر.
وإلى هذا [صار] (٧) بعضهم، وهو ظاهر أنه تناقض.
وبعضهم يقول: ليس بتناقض [من القول] (٨)، وإنما أراد أن يفرق بين هذه المسألة ومسألة التطوع؛ لأن التطوع يؤمر بتمامه والوفاء به، و[يُؤَّثَم] (٩) بالفطر فيه؛ لأنه قد أبطل عملًا يصح له، ولا يلزمه قضاؤه.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) بياض بالأصل، والمثبت من المدونة.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) انظر: المدونة (١/ ١٩١).
(٧) في ب: أشار.
(٨) سقط من أ، ب.
(٩) في ب: يأثم.
[ ٢ / ٥٤ ]
ومسألة التتابع [لا تصح] (١) عما صامه له، ويلزمه قضاؤه، فلا يؤثم في فطره غيره [إن أفطر] (٢) غير أنه يكره له الفطر من أجل أنه قطع عبادة يصح له أجرها تطوعًا إن أكملها، وإن لم يصح له عما صامه له، ولم يلزم تمامها إذا لم يدخل فيها بتلك النية فيها بخلاف ناوى التطوع.
وتخييره إياه بين الإمساك، والتمادي على الأكل لا يَدُل على الإباحة؛ إذ التَّخيير يصح في كلام العرب بين المتفاضلين كما يصح بين المتساويين، والتَّخيير في [الفعلين] (٣) أيضًا كذلك ما لم يكن أحدهما واجبًا، والآخر غير واجب، وهذا ما قيل في أول كلامه.
وأما آخره فهو اختلافهم في [تنزيل] (٤) هاتين الروايتين؛ فمنهم من يقول: [أن قوله] (٥) قضاء ذلك اليوم حشو؛ لأن ذمته [معمورة] (٦) بصيام العدد الذي التزمه بنذره [أداء ووفاء] (٧)، كيف يقول يقضي ذلك اليوم لا أولًا ولا آخرًا.
ومنهم من اعتذر وقال: وإنما [قال] (٨) يصوم عشرة أيام [أحدها] (٩) أو آخرها، قضاء ذلك اليوم احترازًا من أن [يقول] (١٠): يلزمه قضاء
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: الفعل.
(٤) في ب: تأويل.
(٥) سقط من أ، ب.
(٦) في ب: عمرت.
(٧) سقط من ب.
(٨) سقط من أ.
(٩) في أ، ب: أولها.
(١٠) في أ: يقال.
[ ٢ / ٥٥ ]
ذلك اليوم زائدًا على العشرة، فيصوم أحد عشر يومًا.
وما قاله ظاهر لولا قوله في "الكتاب" (١): "عليه صيام عشرة أيام يدخل ذلك اليوم فيها".
ولو اقتصر على هذا لكان يغنيه عن قوله: آخرًا [أو أولًا] (٢) غير أنه موافق للرواية بالحاء.
وأما رواية الخاء: فقال بعضهم هي مضادة للصواب، فلو قال أولها قضاء ذلك اليوم لكان صوابًا؛ لأن أول اليوم هو الذي فَسَد، وهو الذي يستأنف بالصيام مكان اليوم في الصوم الصحيح هو قضاء عن اليوم الذي ابتدأ فيه الصيام ثم أفطر فيه.
والذي يظهر لي -والله أعلم- أن رواية الخاء أظهر من وجه آخر؛ وذلك أن الصيام المنذور غير المعين يتعين بالشروع فيه، فإذا شرع فيه صار بمنزلة ما لو عينه [أول نذره] (٣)، ولا شك ولا إشكال أن المعين إذا أفطر فيه أول يومه، فإنه يقضيه آخرًا.
ويصله بصيامه، فكذلك هذا لما أن شرع فيه، فقد تعين عليه أن يتابعه بنذره، ويتعين عليه الزمان بالشروع؛ فإذا أفطر اليوم الأول فإنه يقضيه بعد [صيام] (٤) التسعة الأيام الباقية ويصله بها، فإن لم يصله استأنف [ق/ ٤٨ جـ] وهذا ظاهر لمن تأوله.
وأما الوجه الثاني: وهو أن يكون متتابعًا معينًا، إما بِتَعْيين الزَّمَان كرمضان، وإما بتعيين المكَّلف كالمنذور: فإنه يتمادى على صيامه، ويكون
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ١٩١).
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: فأنذره.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٥٦ ]
عليه القضاء، فإن أفطر في القضاء كان عليه أن يقضي يومًا واحدًا.
فإن أفطر في قضاء القضاء: فعلى قولين:
أحدهما: أنه يقضي يومين.
وهو قول ابن القاسم في غير "المدونة" (١).
والثاني: أنه يقضي يومًا [واحدًا] (٢)، وهو قوله في "المدونة" (٣) [والقول لابن القاسم في العتبية على ما نقله الشيخ أبو محمَّد في النوادر].
وكذلك قال ابن القاسم في "الحج" أيضًا فيمن أفسد حجه فقضاه، فأفسد القضاء: فإنه يقضي حجتين.
وقال فيمن أفطر في قضاء التطوع: إن عليه قضاء يومين.
فانظر ما الفرق بينهما عنده؛ حيث قال في قضاء رمضان: إنه يقضي يومًا، وإنما يقضي يومين من أفطر في قضاء القضاء.
وقال في التطوع: يقضي يومين (٤).
ولا فرق بين المسألتين؛ لأن القضاء واجب في التطوع على من أفطر عامدًا، كما أن القضاء واجب في رمضان بالإجماع [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) انظر: النوادر (٢/ ٥٧)، والبيان والتحصيل (٢/ ٣٣٩، ٣٤٠).
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: المدونة (١/ ٢٠٥).
(٤) انظر: النوادر (٢/ ٥٧)، والبيان والتحصيل (٢/ ٣٣٩، ٣٤٠).
(٥) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٥٧ ]
المسألة الثانية [إذا] (١) أكل بعد طلوع الفجر [و] (٢) شك فيه
وهذه المسألة التي صدرها سحنون "كتاب الصيام" (٣)، [وكان الكلام عليها أولًا بالترتيب على حسب ما يقتضيه التبويب، لكن الذهول المعتري للبشرية استولى علينا حتى قدمنا [عليها] (٤) غيرها، والخطب يسير] (٥).
[ونص المسألة] (٦) قلت لابن القاسم: ما الفجر عند مالك؟
قال: سألنا مالكًا عن الشفق ما هو؟ فقال: الحمرة، وإنه يقع في قلبي، وما هو إلا شيء فكرت فيه منذ قريب أن الفجر يكون قبله بياض ساطع، فذلك لا يمنع الصائم من الأكل حتى يتبين الفجر المعترض في الأفق، فكذلك البياض الذي يبقى بعد الحمرة لا يمنع مصليًا أن يصلي صلاة العشاء.
فسحنون ﵁ سأل ابن القاسم عن الحمرة، فقال: سألنا مالكًا عن الشَّفَق، وما هو [في ضرب] (٧) المثال إلا كقول القائل: من أبوك؟ فقال: خالي شعيب؛ لأنه أضرب عن الجواب اللائق بالسؤال؛ إذ السؤال عن الفجر لا عن الشَّفَق؛ لأن الشفق مقتضاه غير مقتضى الفجر،
_________________
(١) في ب: فيمن.
(٢) في ب: أو.
(٣) انظر: المدونة (١/ ١٩١).
(٤) في الأصل: عليهما.
(٥) سقط من ب.
(٦) سقط من أ، ب.
(٧) في أ: بضرب.
[ ٢ / ٥٨ ]
وكيف يصح أن يكون الشَّفَق جوابًا للسؤال عن الفجر؟
فقال بعض متفقهة الزمان: هذه المؤاخذة لازمة لابن القاسم، وليس ما قاله بلازم [فإن] (١) ابن القاسم ﵁ جاء بالجواب عن مُقْتَضَى السؤال؛ لأنه سئل عن الفجر ما هو عند مالك، فأخذ يبين له قول مالك فيه ومذهبه واهتمام مالك، وصرف عنايته إلى الوقوف على حقيقته، وحقيقة الشفق؛ لأن [الفجر اسم مشترك كما أن] (٢) الشفق اسم مشترك، فأراد أن يبين مَنَاط الحكم من هذا الاسم فجعل أحدهما أصلًا، والآخر فرعًا.
والأصل في اصطلاح الأصوليين: عبارة عن المسألة المتفق عليها.
والفرع: عبارة عن المسألة المختلف فيها.
فكان الفجر محل الاتفاق بينه وبين العراقي؛ أعني أن الفجر الأول المسمى [بالكاذب] (٣) المُشَبَّهة بِذَنَب السَّرْحَان لا يتعلق به حكم؛ لا حظر ولا إباحة، أعني الحظر: الأكل للصائم، والإباحة: صلاة الفجر.
فإن الفجر الثاني هو المُؤَثِّر في الحَظْر والإباحة، فأراد أن يقيس الشفق على الفجر؛ لأن المخالف يقول: الشفق: البياض الذي يبقى بعد الحمرة.
ومالك يقول: الشفق: الحمرة، فقال: البياض الساطع قيل: الفجر لا يمنع الصائم من الأكل حتى يتبين الفجر المعترض بالأفق، فكذلك البياض الذي يكون بعد الحُمْرَة لا يمنع مصليًا أن يصلي العشاء؛ فيكون
_________________
(١) في الأصل: قال.
(٢) سقط من أ، ب.
(٣) في أ، ب: بالكذاب.
[ ٢ / ٥٩ ]
الحكم [للغاربة] الوسطى في الإباحة، كما أن الحكم [للطالعة] (١) الوسطى في المنع، وهذا القياس عند الأصوليين يسمى قياس العكس.
واختلف هل يقال به أم لا؟
وهذا مُرَاد ابن القاسم أن يفيد سحنون فوائد جمة تَرْبَى على ما يقتضيه سؤاله لعلمه بأنه يحتاج إلى ذلك، وأنه يقوى على حمله ومثله معه، فإذا فهم غرض ابن القاسم فلا يبقى على جوابه اعتراض.
فإذا شك الصائم في الفجر، هل طلع أم لا: فإنه لا يأكل، فإن أكل: فعليه القضاء ولا كفارة عليه بالاتفاق.
والقضاء في حقه استحباب، وبه قال ابن حبيب، وقوله تفسير للمذهب، والله أعلم.
فإن شك في الغروب؛ هل غربت الشمس أم لا: فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (٢):
أحدهما: أن عليه القضاء والكفارة.
والثاني: أن عليه القضاء، ولا كفارة عليه، وهو مذهب البغداديين من أصحاب المذهب كالقاضي أبي محمَّد عبد الوهاب، وكالقاضي أبي الحسن بن القصار وغيرهما [واستقراؤهم] (٣) من "المدونة" من "كتاب الطهارة" حيث قال: ومن ظن أن الشمس قد [غابت] (٤) [فأفطر] (٥) ثم طلعت الشمس: إنه لا كفارة عليه.
_________________
(١) في أ: للطالع.
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٩١، ١٩٢).
(٣) في ب: واستقراؤه.
(٤) في ب، جـ: غربت.
(٥) في ب: فأكل.
[ ٢ / ٦٠ ]
وحملوا الظن هنا على الشك، وغيرهم حمله على اليقين.
واختلف الأشياخ في ترجيح [اليقين] (١)؛ فمنهم من رجح مذهب البغداديين؛ [لاستظهارهم] (٢) بظاهر المدونة فساووا بين الطلوع والغروب.
ومنهم من رجح القول بالتفريق بينهما، وأن الشك في الغروب بمعنى اليقين.
ومنهم: من ذهب إلى الجمع بين القولين، وهو القاضي ابن رشد؛
فقال: لعل البغداديين أرادوا بالشك هاهنا غلبة الظن، [فيستوي] (٣) الفطر في الوقتين.
وقال [القاضي أبو الفضل] (٤) عياض [بن موسى] (٥): هذا بعيد؛ لأن الشك شيء وغلبة الظن شيء آخر غيره، وقد اختلفا بالحد والحقيقة.
وأما من فرق بين الطلوع والغروب، فقال: الأصل في كل واحد منهما استصحاب الحال، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٦)، [فساغ] (٧) له الأكل ولا يحرم إلا بيقين، ولا يصح حكم الانتهاك إلا بتيقن تحريمه عليه، وقد قال تعالى: ﴿[ثُمَّ] (٨) أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٩)، فأمر المكلّف بإتمام الصيام
_________________
(١) في أ: القولين.
(٢) في ب: لاستدلالهم.
(٣) في ب: فيتساهلوا.
(٤) سقط من أ، ب.
(٥) سقط من جـ.
(٦) سورة البقرة الآية (١٨٧).
(٧) في ب: فيبيح.
(٨) في الأصل: و.
(٩) سورة البقرة الآية (١٨٧).
[ ٢ / ٦١ ]
إلى الليل حتى يدخل عليه [الليل] (١) وهو مُمْسِك [ما لم] (٢) يتيقن انقضاء النهار.
فهذا هو الصحيح الذي عليه الاعتماد؛ لقول عمر ﵁ لما أخبر أن الشمس قد طلعت بعد ما أفطر: الخطب يسير، وقد اجتهدنا (٣).
قال مالك (٤): يريد بالخطب: القضاء؛ فمفهومه: [أنه] (٥) لو لم يجتهد لكان عليه [أن يُكَفِّر] (٦) [والحمد لله وحده] (٧) [ق / ٣٠ ب].
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في جـ: حتى.
(٣) أخرجه مالك (٦٧٦)، والشافعي في الأم (٢/ ٩٦)، والبيهقي في معرفة السنن (٣/ ٣٦٧) بسند ضعيف لانقطاعه، فإنه من رواية خالد بن أسلم عن عمر، وخالد لم يدرك عمر ﵁.
(٤) الموطأ (٦٧٦).
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: الكفارة.
(٧) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٦٢ ]
المسألة الثالثة في الصيام [بالرؤية] (١) أو بالشَّهَادَة
والصيام يجب بأحد ثلاثة أشياء:
إما [برؤية] (٢) نفسه، وإما [برؤية] (٣) غيره، وإما بإكمال [العدد] (٤) ثلاثين يومًا.
فأما الوجه الأول: وهو الصيام برؤية نفسه: فإذا رأى هلال رمضان، ولم ير معه غيره فلا خلاف أن الصيام يجب عليه في خاصة نفسه، فإن أفطر فعليه القضاء والكفارة.
وهل يُعْذَرُ بالتَّأوِيل أم لا؟
فالمذهب على قولين (٥):
أحدهما: أنه غير معذور، وهو ظاهر قول ابن القاسم؛ لأن تأويله بعيد، وقد أبطل من التأويل ما هو أقرب من هذا.
والثاني: أنه تسقط عنه الكفارة بالتأويل، وأما صيامه برؤية غيره: فلا تخلو تلك الرؤية من أن تكون خاصة أو عامة.
فإن كانت خاصة، فلا تخلو من أن تكون واحدًا أو أكثر.
فإن صام بشهادة الواحد فقد اختلف المذهب على قولين:
_________________
(١) في أ: بالرواية.
(٢) في الأصل: برية.
(٣) في الأصل: برية.
(٤) سقط من أ، ب.
(٥) انظر: المدونة (١/ ١٩٣).
[ ٢ / ٦٣ ]
أحدهما: أنه لا يصام برؤيته لا على وجه الوجوب ولا على وجه الندب [ق/ ٦١ أ] ولا على [وجه] (١) الإباحة، وهو قول مالك ومشهور مذهبه.
قال سحنون: ولو كان مثل عمر بن عبد العزيز ما صمت [بقوله] (٢) ولا أفطرت (٣).
والثاني: أنه يجب الصيام برؤيته، وبه قال عبد الملك [بن الماجشون] (٤).
وسبب الخلاف: اختلافهم في قوله ﵇: "إن بلالًا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" (٥).
فجعل النبي - ﷺ - أذان بلال لا يمنع من الأكل.
وسبب الخلاف: هل طريقه طريق الخبر، أو طريقه طريق الشهادة؟
فمن [حمله] (٦) على طريق الخبر، فقال: لا يجوز الصيام بخبر الواحد.
ومن [حمله] (٧) [على] (٨) طريق الشهادة، قال: يجب الصيام بشهادة الواحد.
_________________
(١) سقط من أ، ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: النوادر (٢/ ٩).
(٤) سقط من أ.
(٥) أخرجه البخاري (٥٩٦)، ومسلم (١٠٩٣) من حديث ابن مسعود، والبخاري (٥٩٥) من حديث ابن عمر.
(٦) في أ: جعله.
(٧) في أ: جعله.
(٨) سقط من أ.
[ ٢ / ٦٤ ]
ويؤيد ذلك ما أخرجه النسائي من طريق ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - جاءه أعرابي فقال: أبصرتُ الهلال الليلة، فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ " قال: نعم، قال لبلال: "قم فأذن بالناس فليصوموا" (١).
وهذا الحديث نص في الباب -إن صح- وإن كان بعض العلماء قد تأول هذا الحديث [أنه يحتمل أن يكون تقدمت عنده شهادة غيره] (٢) بمثل ذلك.
وأما فطره برؤية نفسه لهلال شوال، فهل [يفطر أو يمسك؟] (٣).
فقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يُقطر جُمْلَة، سَدًا للذَّرِيعَة، وهو ظاهر قول مالك في "الموطأ" [فإن أفطر فلا شيء عليه، وقيل: عليه القضاء، والكفارة، وهي رواية شاذة ذكرها الحميد] (٤).
والثاني: أنه يُمْسِك [عن] (٥) الإفطار وَينْوِيه بقلبه وهو قول أشهب (٦).
والثالث: التفصيل بين أن يأمن [من] (٧) العثور عليه [أم فإن أمن العثور عليه] (٨) مثل أن يسافر سفرًا تقصر فيه الصلاة بحيث يظن أنه
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٤٠)، والترمذي (٦٩١)، والنسائي (٢١١٢)، وابن ماجة (١٦٥٢)، والدارمي (١٦٩١)، ضعفه العلامة الألباني في "الإرواء" (٩٠٧).
(٢) في أ: أن يكون قد تقدم كلام غيره.
(٣) في ب: يجوز أم لا.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: على.
(٦) انظر: النوادر (٢/ ١٢).
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من ب.
[ ٢ / ٦٥ ]
[إنما] (١) أفطر لعذر السفر، [أو كان وحده في سفر لا تقصر "فيه" (٢) الصلاة] (٣)، أو كان قاعدًا في قعر بيته حيث يخفى ذلك على غيره: فإنه يباح له الفطر.
وهذا كله اختلاف [يرجع إلى] (٤) حال ليس باختلاف يرجع إلى فقه.
فإن عُثِرَ على من أفطر فَادَّعَى رؤية الهلال: فإنه يُعَاقَبُ إن كان غير مَأْمُون، وإن كان مأمونًا عُوتِبَ ويُغَلَّظُ عليه في الموعظة.
فإن كانت عامة مثل أن يراه الجَم الغَفِير، والعدد الكثير الذي لا يصح منه التواطؤ على الكذب: فهذا لا خلاف في المذهب في وجوب الصيام بها، وأن العدالة أيضًا لا تشترط فيها، ولا الذكورية، و[لا] (٥) الحرية.
فإن رآه أكثر من واحد؛ مثل أن يراه العدد اليسير؛ كالشاهدين: فلا [تخلو] (٦) السماء من أن تكون مغيمة أو مصحية.
فإن كانت مغيمة: فلا خلاف في المذهب في وجوب الصيام بشهادتهما.
فإن كانت مصحية: فلا يخلو من أن يتبين كذبهما [أم لا] (٧) [فإن تبين كذبهما] (٨) مثل أن يشهدا على هلال [شعبان] (٩) فأكمل عدة ذلك
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في جـ: في مثله.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في الأصل: يخلو.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
(٩) في ب: شوال.
[ ٢ / ٦٦ ]
الشهر ثلاثين يومًا، فلم ير الناس شيئًا سقطت شهادتهما، ولم يعمل [بها] (١) ولم يصم بها.
وكذلك أيضًا لا يقضي بشهادتهما إن شهدا على هلال رمضان، فأكمل العدد، ولم ير هلال شوال، والليلة ليلة إحدى وثلاثين يومًا.
قال مالك ﵁: هؤلاء شهود سواء تبين كذبهم في [الحال] (٢)، وإن لم [يتحقق] (٣) كذبهم في الحال، إلا أن هناك شبهة تشير بسوء الظن بشهادتهما مثل أن تكون السماء مصحية، وانفرد برؤيته دون عامة الناظرين، هل تقبل شهادتهما أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها مقبولة، وهو قول مالك، وهو المشهور.
والثاني: أن شهادتهما مردودة عليهما، وغير مقبولة، وهو قول سحنون؛ قال: وأيُّ ريبة أكبر من هذا.
واختلف أيضًا فيما إذا ثبت الهلال عند الإِمام بشهادة رجلين، وأمر أهل محلته بالصيام، والكف عن الطعام، ثم نقل ذلك إلى بلد آخر بخبر الواحد العدل؛ أخبرهم أن الهلال ثبت عند الإِمام، وأن أهل البلد صاموا بالرؤية المستفيضة، هل يجب عليهم الصيام بقوله أم لا؟
على قولين (٤):
أحدهما: أنه يجب عليهم [ق/ ٤٩ جـ] الصيام بذلك، وبه قال أحمد بن ميسر -من أصحاب مالك- وبه قال جماعة من المتأخرين كابن
_________________
(١) في أ: عليها.
(٢) في أ: الهلال.
(٣) في ب: يتبين.
(٤) انظر: المدونة (١/ ١٩٥).
[ ٢ / ٦٧ ]
أبي زيد وغيره (١)؛ فقالوا: كما يجب على أهل مكة الصيام إذا نقل إليهم أن الهلال رؤى، فكذلك يجب على من بلغه الخبر [أن الهلال] (٢) رؤى في بعض البلدان.
والثاني: أنه لا يجب الصيام بذلك؛ لأن ذلك شهادة، وليس ذلك كنقل الرجل إلى [أهله] (٣) وولده؛ لأنه القائم عليهم ويلزمهم الصوم بقوله.
وسبب الخلاف: هل طريقه طريق الشهادة، أو طريقه طريق الخبر.
ومن قال: إنه أخبر عن خبر غيره، ومع ذلك يجب العمل بمقتضاه يستدل على ذلك بقوله - ﷺ -: " [فكلوا] (٤) واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" (٥)، وكان ابن أم مكتوم رجلًا أعمى لا ينادى حتى يقال له: أصبحت أصبحت، وهذا ابن أم مكتوم يخبر عما أخبره به غيره، ومع ذلك يجب علينا الإمساك بخبره؛ فلا فرق بين خبر وخبر إذا كان المخبر عدلًا.
وأما الصيام بإكمال العِدَّة، فلقوله ﵇: "صوموا لرؤية الهلال، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يومًا ثم أفطروا" (٦).
وفي حديث آخر: "فاقدروا له" (٧).
والمالكية تقول: "فاقدروا له" معناه: العدد منه ومن الذي قبله.
_________________
(١) انظر: النوادر (٢/ ١٠).
(٢) سقط من أ.
(٣) في جـ: أهل بيته.
(٤) في الأصل: كلوا.
(٥) تقدم.
(٦) أخرجه البخاري (١٨١٠)، ومسلم (١٠٨١) من حديث أبي هريرة.
(٧) أخرجه البخاري (١٨٠١)، ومسلم (١٠٨٠) من حديث ابن عمر.
[ ٢ / ٦٨ ]
والشافعية وابن حبيب [من أصحابنا] (١) معهم يقولون بالحساب، واعتبار منازل القمر، وترحيل الشمس على ما هو معروف من أدلتهم في [مسائل الخلاف] (٢) [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: مسائلهم.
(٣) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٦٩ ]
المسألة الرابعة [في] (١) قُبْلَة الصَّائم، ومُلَامَسَته إذا قَبَّل أو بَاشَرَ أو لَامَسَ
فلا يخلو [من] (٢) أن يُنْزِل أو لا يُنْزِل.
فإن لم يُنْزِل هل يَفْسَد صيامه أم لا؟
فإنه يتخرج على الخلاف الذي قدمناه في "كتاب الوضوء"، فلا نعيده مرة أخرى.
وإن أَنْزَل: فقد قال في "المدونة" (٣): عليه الكفارة ولم يشترط متابعة القبلة كما اشترط متابعة النظر، فهل يعد ذلك منه اختلاف قول أم لا؟
فقد يحتمل أن يكون اختلاف سؤال [ويحتمل أن يكون اختلاف أحوال] (٤) ويحتمل أن يكون اختلاف أقوال.
وبيان اختلاف السؤال أن باب القُبْلة أشد وأقوى من باب النّظر؛ إذ النّظر في نفسه من دواعي القُبْلة، والقُبْلَة من دواعي الوطء؛ فلذلك كانت أقوى؛ ولأن النظرة الأولى كانت مباحة له؛ إذ الغالب منها أن تكون بغير قصد بخلاف القبلة؛ إذ الغالب منها القصد إلى اللذة، فلأجل ذلك لم يشترط فيها مثل ما اشترط في النظرة، فعلى هذا يحمل على أنه اختلاف سؤال، وبيان احتماله أن يكون اختلاف [أحوال] (٥): أن يحمل قوله في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: إما.
(٣) انظر: المدونة (١/ ١٩٥).
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: أحواله.
[ ٢ / ٧٠ ]
القبلة على القصد، فلذلك لم يشترط المتابعة، ويحمل قوله في النظرة على أنه لم يقصد، ولذلك اشترط المتابعة.
وبيان الوجه الثالث؛ وهو احتماله أن يكون اختلاف أقوال؛ أن القبلة والنظرة كلاهما من دواعي الوطء واللذة تتعقبهما؛ فيتخرج على هذا الوجه في القُبْلة مع الإنْزَال [في] (١) الكتاب ثلاثة أقوال (٢):
أحدها: أن عليه الكفارة سواء تابع القبلة أم لا، وهو قوله في أول الباب.
والثاني: التفصيل بين أن يتابعها، فتجب عليه الكفارة، أو لا يتابعها فيقتصر على قبلة واحدة ثم [لا] (٣) كفارة عليه.
وسواء على هذا [القول] (٤) قصد القبلة أو لم يقصدها، وهو ظاهر قوله في مسألة النظرة.
والثالث: التفصيل بين أن يقصد القبلة، فتجب الكفارة، أو لا يقصدها فلا تجب، وإن أنزل أيضًا، وهو متأول على مسألة النظرة، وهو ظاهر "المدونة" ومثله في "العتبية" (٥) لابن القاسم عن مالك أنه لو نَظَرَ نَظْرَةً واحدة من غير تَعَمُّد فَأَنْزَل فإنه يقضي، ولم يذكر الكفارة.
ويتخرج [له] (٦) أيضًا من الكتاب قولان في النظرة:
أحدهما: إن تابع النظرة، فأنزل: فعليه الكفارة، وإن لم يتابع
_________________
(١) في ب: من.
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٩٥).
(٣) سقط من أ.
(٤) في جـ: الوجه.
(٥) انظر: البيان والتحصيل (٢/ ٣١٢، ٣١٣)، والنوادر (٢/ ٤٧).
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٧١ ]
فالتفصيل بين أن يقصد، فتجب الكفارة، أو لا يقصد ثم لا كفارة.
فتخالف النظرة القبلة في هذا الوجه؛ إذ النادر وجود الإنزال عن النظرة الواحدة [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٧٢ ]
المسألة الخامسة فيما يفطر الصائم مما يدخل في بعض المنافذ
فلا يخلو من أن يكون دخوله في الفم، أو غيره من المنافذ.
فإن كان من الفم، فلا يخلو من أن يكون بالطعام أو الشراب المعتادين، أو بغيرهما.
فإن كان الفطر بالطعام أو بالشراب المعتادين، فلا يخلو من أن يكون عامدًا، أو ناسيًا.
فإن كان عامدًا: فالكفارة مع القضاء باتفاق المذهب.
وإن كان ناسيًا: فالقضاء دون الكفارة باتفاق المذهب.
فإن كان الفطر بالطعام دون المعتاد مما يغذي أو كالأدوية وسائر العقاقير، أو قليل من الطعام المعتاد كفلقة حبَّة إذا [ابتلعها] (١) مع ريقه وكان [غير] (٢) مغذى، فلا يخلو من أن يكون ناسيًا أو عامدًا.
فإن كان ناسيًا [فهل عليه] (٣) القضاء أم لا؟
[قولان] (٤):
أحدهما: أنه لا قضاء عليه.
وهو ظاهر قوله في "المدونة" (٥)، وهو قول ابن حبيب أيضًا في غير "المدونة".
_________________
(١) في أ: ازدردها.
(٢) سقط من أوب.
(٣) في أ: فعليه.
(٤) في أ: على أربعة أقوال.
(٥) انظر: المدونة (١/ ٢٠٨).
[ ٢ / ٧٣ ]
والثاني: أن عليه القضاء.
وهو قول أشهب فيما حكى عنه [أبو محمَّد بن أبي زيد، فإن كان عامدًا. هل تجب عليه الكفارة أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه لا كفارة عليه، وعليه القضاء، وهو قول أشهب فيما حكى عنه] (١) ابن عبد الحكم.
[والثاني] (٢): أن عليه القضاء والكفارة.
وهو قول مالك [وهو قول] (٣) أبي مصعب.
وفي المسألة قول [ثالث] (٤): بالتفصيل بين أن يبتلعها من بين أسنانه، أو يأخذ ذلك من الأرض فيبتلعه.
فإن كانت من بين أسنانه: فلا شيء عليه بأيّ وجه عمدًا [كان] (٥) أو نسيًا.
وإن أخذها من الأرض: ففي السهو القضاء، وفي العمد الكفارة.
وهو قول ابن حبيب، وتفرقته ضعيفة؛ إذ لا فرق بين أن يأخذها من الأرض، أو يكون ذلك في فيه؛ لأنها لم تكن في فيه إلا برفعها إليه فلا يغير الحكم طول إقامتها في فيه.
و[هل] (٦) يعذر في ذلك بالجهل أم لا؟.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: والثالث.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: رابع.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٧٤ ]
على قولين:
أحدهما: أنه يعذر بالجهل.
ولابن حبيب أنه لا يعذر [بالجهل] (١) على التفصيل [الذي فصل] (٢).
وسبب الخلاف: هل يحمل ذلك على أنه قصد إلى الانتهاك: فتجب عليه الكفارة، أو لا يحمل أمره على القصد إلى الانتهاك: فلا تجب الكفارة؟ فإن كان الإفطار بما ليس من المأكولات مما يغذي أو لا يغذي؛ وقولنا: يغذي معناه: أنه يكسر عنه كلب الجوع، ولم نرد بذلك مما يغذي الجسم وينميه الذي هو الطعام والشراب المألوف، فإنا قد فرغنا منه في صدر المسألة [ق/ ٦٢ أ] فإذا كان ما ذكرناه مثل أن يبتلع حصاة، أو لؤلوة، أو نواة، أو مذرة، أو عودًا فيحصل [ذلك] (٣) في جوفه، ففيها في المذهب قولان:
أحدهما: أن عليه القضاء في السهو، والكفارة في العمد، وهو قول ابن حبيب.
والثاني: التفصيل بين ما يَنْمَاع وَيَنْحَل ويحصل به الغذاء؛ مثل النّواة والمَذِرَة: فعليه القضاء في السهو، والكفارة في العمد.
وإن كان مما لا ينماع ولا ينحل: فلا قضاء عليه في السهو، وفي العمد الكفارة.
وهذا القول حكاه أصبغ عن ابن القاسم.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من جـ.
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ٧٥ ]
واختار بعض المتأخرين ما قال ابن حبيب (١).
وسبب الخلاف: المغذى حسًا هل يقاس عليه المغذى معنى أم لا؟
فمن ألحق المغذى معنى بالمغذى حسًا: أوجب الكفارة في العمد.
ومن لم يلحقه: لم يوجب الكفارة.
وهذا حكم الداخل من منفذ الفم.
وأما الداخل من سائر المنافذ؛ كمن اسْتَسْعَطَ (٢) بشيء من المائعات أو جعل في أُذُنَيْهِ دواء مائعًا، أو اكتحل أو جعل في رأسه حِنَّاء، أو احتقن من أسفله بدواء مائع أو غير مائع، فإن لم يصل ذلك إلى حلقه: فلا شيء عليه.
وإن وصل إلى حلقه وعلم أنه يصل: ليس له أن يفعل، فإن فعل فهل عليه القضاء أم لا؟ قولان:
أحدهما: وجوب القضاء، وهو قوله في "المدونة" (٣).
والثاني: أنه لا قضاء عليه، وهو قول أبي مصعب عن مالك، وحكى أشهب عن مالك مثله، ولا أعلم في المذهب نصًا في وجوب الكفارة، بل نص سحنون في "كتاب النوادر" (٤) على أنه لا كفارة عليه، وإن تعمد ذلك وهو يعلم أنه يصل إلى حلقه، وإنما الكفارة فيما أدخله من الفم إلى الحلق، و[هو] (٥) الذي يوجبه النظر؛ لأن مناط الكفارة هو الانتهاك، والانتهاك معدوم، والقصد إليه معدوم، إلا أن يقال أن الذي
_________________
(١) انظر: النوادر (٢/ ٤١).
(٢) هو ما يجعل من الدواء في الأنف.
(٣) انظر: المدونة (١/ ١٩٥).
(٤) انظر: النوادر (٢/ ٤٥).
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ٧٦ ]
يعلم من نفسه وعادته أن ذلك لا يصل إلى حلقه ثم تعمد إلى جعله، فإنه قصد [إلى] (١) الانتهاك، فإن تحقق الوصول فقد وجب الانتهاك فتجب الكفارة؛ قياسًا على الصبي إذا استسعط بلبن امرأة فوصل إلى جوفه فإنا نقول: يجب التحريم، فيلزم هذا الاعتراض ولا انفصال عنه.
واختلف في الاحتقان بالمائعات إذا وصل ما به احتقن إلى المَعِدَة هل يجب القضاء أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه يجب عليه القضاء، وهو قوله في "المدونة" (٢).
والثاني: أنه لا شيء عليه، وهي رواية أشهب [عنه] (٣) وقال في "كتاب الرضاع" (٤) في الصبي إذا احتقن بلبن امرأة فوصل إلى جوفه: فإن كان له غذاء وقعت به الحرمة، وإلا فلا.
فاشترط في حقن الصبي باللبن أن يكون له غذاء؛ معناه أن يقوم له مقام الرضاع بحيث لو اقتصر عليه لاجتزأ به على ما فسر ابن المواز، ولم يشترط في حقنه الصائم أيضًا أن يكون له غذاء، وظاهره اختلاف قول غير أن بعض المتأخرين [فرق] (٥) بين المسألتين، وقال: إنما المقصود من الرضاع ما ينشز العظم وينبت اللحم؛ ولهذا أسقطنا حكم رضاعة الكبير.
والمقصود من إفطار الصائم ما يهون عليه أمر الجوع، ويكسر حِدَّته، ويرد عنه كلبه، وإن كان ذلك لا منفعة فيه للجسم، وذلك يحصل [بكل
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٩٥، ١٩٦).
(٣) سقط من أ.
(٤) انظر: المدونة (٥/ ٤٠٥).
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ٧٧ ]
مائع يصل] (١) من بعض المنافذ، وبكل مائع وجامد يدخل من الفم.
وهذا الحكم فيما يدخل من بعض المنافذ.
وأما ما يخرج من الفم من قيء أو لعاب أو بلغم؛ فأما القيء: فإن كان بغلبة واضطرار، فإن لم يرجع إلى حلقه فلا شيء عليه باتفاق المذهب، وكذلك إذا رجع قبل حصوله وفصوله.
فأما إن رجع بعد فصوله وحصوله في بعض نواحي الفم، وهو ناس: فقد اختلف المذهب على قولين:
أحدهما: أن عليه القضاء، وإن كان مغلوبًا في الرد، وهي رواية [ابن] (٢) أبي أويس عن مالك في "المبسوط" (٣).
والثاني: أنه لا قضاء عليه مع النسيان، وظاهره أنه [سواء] (٤) كان مختارًا أو [غير مختار] (٥) وهو أن يغلب عليه، وهو قول مالك أيضًا في "مختصر ما ليس في المختصر".
فإن كان القيء باختيار المكلف؛ مثل أن يستقي فقاء، فإن كان صومه مقطوعًا فقد اختلفوا في القضاء، هل يستحب له أم لا؟
فإن كان في صوم الفرض، فاتفقوا أن عليه القضاء (٦).
واختلفوا هل ذلك على معنى الوجوب أو على معنى الندب، وظاهر
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: البيان والتحصيل (٢/ ٣٥٠) والنوادر (٢/ ٤٥).
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: مغلوبًا.
(٦) انظر: النوادر (٢/ ٤٥).
[ ٢ / ٧٨ ]
المدونة أنه على الوجوب، ونص أبو القاسم بن الجلاب أنه على الاستحباب.
وذلك عندي يرجع إلى اختلاف أحوال؛ فيجب القضاء إذا عرف أنه يرجع إلى حلقه منه شيء بعد وصوله إلى فيه، ويستحب إذا لم يعلم إلا أنه لا يأمن أن يكون جائزًا إلى حلقه منه شيء في تردده؛ لأنه الذي استدعى ذلك، ورأيت رواية مثل ذلك لابن حبيب.
وأما الكفارة: فقد ذكر أبو بكر الأبهري أن [عبد الملك] (١) ألزمه الكفارة في تعمد القيء غالبًا، وقال أبو الفرج المالكي: من استقاء متعمدًا لغير فرض ولا عذر، فهذا الذي لو سئل عنه مالك لألزمه الكفارة إن شاء الله (٢).
والذي قالاه صحيح، وهو [وفاق] (٣) المذهب إن شاء الله.
وأما لو قَلَسَ [ق/ ٥٠ جـ] بماء أو بلغم فظهر على لسانه ثم ابتلع منه ناسيًا هل يقضي أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه لا قضاء عليه، وهي رواية ابن نافع عن مالك (٤).
والثاني: أن عليه القضاء إذا قدر على طرحه، وهو قول ابن نافع وابن القاسم (٥) [والحمد لله وحده] (٦).
_________________
(١) في ب: ابن الماجشون.
(٢) انظر: النوادر (٢/ ٤٥).
(٣) في ب: موافق.
(٤) انظر: النوادر (٢/ ٤٦).
(٥) المصدر السابق.
(٦) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٧٩ ]
المسألة السادسة [في] (١) الصوم في السفر
وتَقَاسِيم السَّفَر فيما يرجع إلى [استعمال] (٢) الرُّخَص قد بيناها في "باب قصر الصلاة"، فلا نذكرها مرة أخرى.
واختلف المذهب عندنا هل الصوم أفضل أم الإمساك أفضل، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الصوم أفضل لمن قوى عليه، وهو قوله في "المدونة" (٣).
والثاني: أنه مُحَيَّز بين الفِطْر والإمْسَاك من غير أن يكون لأحدهما مزية على الآخر.
وهو قوله أيضًا في "مختصر ابن عبد الحكم" في سماع أشهب (٤).
والثالث: أن الفطر أفضل، وهو قول [عبد الملك] (٥) وهذا كله إذا كان السفر [إلى] (٦) غير الغزو.
وأما إن كان السفر إلى غزو، فالاتفاق من الجل بل الإطباق من الكل أن الفطر أفضل إذا قرب من لقاء العدو ليتقووا [على] (٧) القتال والحرب.
وسبب الخلاف: معارضة المعقول من ظاهر القرآن بالمنقول من حديث
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: المدونة (١/ ٢٠١).
(٤) انظر: النوادر (٢/ ١٩).
(٥) في ب: ابن الماجشون.
(٦) سقط من أ.
(٧) في ب: إلى.
[ ٢ / ٨٠ ]
النبي - ﷺ - وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١)، وقال أيضًا: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٢).
فكأن هذا يقتضي أن الصوم أفضل، ويعارضه ما روى عنه - ﷺ - أنه قال: "ليس من البر الصوم في السفر" (٣).
ومفهومه أن الفطر أحسن.
ومن قَدَّم ظاهر [القرآن] (٤) على مفهوم الخبر [يقول] (٥): الصوم أفضل؛ لأن مفهوم الكتاب مقدم على مفهوم الخبر، فكان المصير إليه أولى، ويشهد لصحته الأثر، والنظر.
فأما الأثر: فحديث حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: يا رسول الله [أجد قوة على الصيام في السفر] (٦) فهل عليّ من جناح؟ قال رسول الله - ﷺ -: "هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" (٧) خرّجه مسلم.
فتبين أن الفطر في السفر رخصة لمكان رفع المشقة عنه، وما كان رخصة، فالأصل ترك الرخصة، وهذا جار على قواعد الشريعة.
ومن طريق النظر: أن الآيات والأخبار تظاهرت بفضل شهر رمضان؛ فوجب من طريق الاعتبار أن [صوم] (٨) عينه أولى من صوم غيره؛ إذ لا
_________________
(١) سورة البقرة الآية (١٨٤).
(٢) سورة البقرة الآية (١٤٨).
(٣) تقدم.
(٤) في ب: الكتاب.
(٥) زيادة ليست بالأصل.
(٦) في أ: أجد في قوتي الصيام على السفر.
(٧) أخرجه البخاري (١٨٤٠)، ومسلم (١١٢١).
(٨) في أ: صومهم.
[ ٢ / ٨١ ]
يختلف أن الإتيان [بالفرض] (١) على وجه الأداء أولى من الإتيان [به] (٢) على وجه القضاء؛ ولأن براءة الذِّمَّة أفضل من إشغالها.
وَمَنْ قَدَّمَ مفهوم الخَبَر على مفهوم الكتاب يقول: إن الفطر أحسن؛ لأن الخبر نص في أن الصوم في السفر ليس بطاعة [فيكون الفطر إذًا أحسن] (٣) وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٤)، يحتمل العموم؛ إذ للقائل أن يقول [هذا] (٥) عام في جميع الصيام.
وأما من خيره بين الفطر والصيام من غير تفضيل أحدهما على الآخر، فاستدل بما خرجه مسلم من طريق عائشة ﵂ أن الرسول - ﷺ -[ق/ ٣١ ب] سأله حمزة بن عمرو الأسلمي عن الصوم في السفر فقال: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" (٦) الحديث الذي استدل به من قال أن الفطر أحسن قد أخرجه البخاري ومسلم أنه ورد علي سبب؛ وذلك أنه قد رأى رجلًا قد ظُلِّلَ عليه وأجهده الصوم.
وزاد مسلم: "قد اجتمع عليه الناس" فقال: "ما هذا؟ " فقيل له: رجل صائم، فقال عند ذلك: "ليس من البر الصوم في السفر" (٧).
وهذه قضية في عين إلا أنها اسم مفرد دخل عليه الألف واللام، والاسم المفرد إذا دخل عليه الألف واللام، فإنه يقتضي الاستغراق عند أكثر الأصوليين، وبعضهم يقصره على سببه فساوا بين المستقل وغير
_________________
(١) في ب: الفرائض.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ، جـ.
(٤) سورة البقرة الآية (١٨٤).
(٥) زيادة ليست بالأصل.
(٦) تقدم.
(٧) تقدم.
[ ٢ / ٨٢ ]
المستقل.
وشَذَّت الظَّاهِرِيَة، وقالوا: إن صام في السفر فلا يجزئه صيامه، ولابد له من قضائه في أيام أخر، والجمهور على خلاف ذلك.
وسبب الخلاف: اختلافهم في القرآن هل فيه مجاز أو كله حقيقة؛ وعلى هذا ينبني الخلاف الواقع بين الأصوليين في المسافر والمريض هل هما مخاطبان بالصيام أم لا؟
فمن قال: إن القرآن مشتمل على المجاز والحقيقة يقول بجواز صيام المسافر إذا صام؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١)، تقديره: فأفطر فعدة من أيام أُخَرْ. وهذا الذي يعبر عنه [ق/ ٦٣ أ] الأصوليون بفحوى الخطاب؛ وهو الضمير الذي لا يتم الكلام إلا به.
فإذا سافر فأفطر، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يفطر قبل أن يخرج.
وإما أن يفطر بعد خروجه.
وإما أن يفطر بعد أن يُبَيِّت الصيام في السفر.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا بَيَّتَ السفر وبَيَّتَ الصيام أيضًا وَنوَاه في نهاره، ثم أفطر قبل أن يخرج: فلا خلاف في وجوب القضاء.
وهل عليه الكفارة أم لا؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
_________________
(١) سورة البقرة الآية (١٨٤).
[ ٢ / ٨٣ ]
أحدها: وجوب الكفارة -سافر أو لم يسافر- وهو قول سحنون (١).
والثاني: أنه لا كفارة عليه -سافر أو لم يسافر- وهو قول أشهب في "كتاب سحنون" (٢).
والثالث: التفصيل بين أن يسافر بعد ما أفطر: فلا كفارة عليه، وإن كَسِلَ عن سفره: فعليه الكفارة، وهو قول سحنون أيضًا (٣).
والرابع: التفصيل بين أن يفطر بعدما أخذ في السفر والاستعداد، إذا كان متأولًا ثم سافر: فلا كفارة عليه، أو أفطر قبل أن يأخذ في أهبة السفر: فإنه يكَفِّر -سافر أو تخلف- وهو قول ابن القاسم وعبد الملك في "كتاب ابن حبيب" (٤).
وسبب الخلاف: بين القولين المتقابلين: هل ينتقل بالنية عن الأصل إلى الفرع [على] (٥) الانفراد، أو لا ينتقل حتى يقارنها الفعل؟ وذلك أن الإقامة أصل، والسَّفر فرع.
فمن رأى أنه يكون مسافرًا [بالنية، قال: لا كفارة عليه. ومن قال: لا يكون مسافرًا إلا بالنية والفعل قال: عليه الكفارة، والقولان بالتفصيل مبنيان] (٦) على هذا الأصل إذا اعتبرته.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا سافر فأفطر، هل تجب عليه الكفارة أم لا؟ على قولين بعد الاتفاق أنه لا يباح له الفطر ابتداء والكلام إذا أفطر
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٢٠١).
(٢) انظر: النوادر (٢/ ١٩).
(٣) انظر: النوادر (٢/ ٢٣).
(٤) انظر: النوادر (٢/ ٢٢).
(٥) في أ: عن.
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٨٤ ]
[على قولين] (١):
أحدهما: أن الكفارة لا تجب، وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة" (٢).
والثاني: أن عليه الكفارة، وهو قال المخرومي، وابن كنانة [في الكتاب أيضًا] (٣).
وسبب الخلاف: في المفهوم من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤)، فالاتفاق في السفر إذا طرأ عليه المرض الذي لا يقوى معه على الصيام في أثناء النهار: أنه يجوز له الفطر.
وهل السفر كذلك أم لا؟
فمن قاس السفر على المرض قال: ولا كفارة عليه؛ ولاسيما أن الله تعالى ذكرهما مقرونين وتابع بينهما في نسق؛ فبين أن أحدهما حكمه حكم الآخر في إباحة الإفطار.
أو يتأول قوله: "على سفر" على بمعنى: في؛ فيفرق بين اليوم الذي فيه السفر وبين ثانيه، وكأن اليوم الذي سافر فيه لم يتخلص للسفر بكليته؛ بل هو معظمه الذي هو محل انعقاد الصيام فخلص للحضر، فإذا أمعن في السفر وأصبح [فيه] (٥)، فعند ذلك يكون من أهل التخيير، ويُشَبَّه بالمريض، ويباح له حينئذ أن يُبَيِّت الفطر إن شاء، وعلى أي وجه كان فهو محل خلاف على كل حال.
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
(٢) انظر: المدونة (١/ ١٩٥).
(٣) سقط من أ.
(٤) سورة البقرة الآية (١٨٤).
(٥) سقط من أ.
[ ٢ / ٨٥ ]
ولا شك أنا إذا نظرنا إلى حلول الموجب لا بإباحة الأكل، وهو السفر: كان حلوله مُسْقِطًا للكفارة قياسًا على الصلاة أيضًا، وهذا القول أظهر في النظر.
والجواب عن الوجه الثاني: وهو إذا أصبح صائمًا في رمضان في سفره، هل يباح له الفطر بقية يومه أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يباح له الفطر، وهو المشهور.
والثاني: أنه يباح له الفطر، وهو قول مُطَرِّف (١).
فعلى القول بأن الفطر غير مباح، فإن أفطر فهل تجب عليه الكفارة أم لا؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: وجوب الكفارة جملة، وهو قول [ابن القاسم] (٢).
والثاني: سقوط الكفارة، وهو قول [ابن القاسم و] (٣) المخزومي وابن كنانة.
[والثالث: أن عليه الكفارة إلا أن يتأول أنه مسافر، وأنه يباح له الفطر، وهذه الثلاثة أقوال في المدونة واختلف] (٤) في قول أشهب هل هو تفسير أم لا؟
والرابع: التفصيل بين أن يفطر بالجماع فيكفر، أو يفطر بالأكل والشراب فلا يكفر، وهو قول عبد الملك (٥) [بن الماجشون] (٦).
_________________
(١) انظر: النوادر (٢/ ٢٤).
(٢) في أ: ابن المواز.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر: النوادر (٢/ ٢٤).
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ٨٦ ]
وسبب الخلاف: فطر النبي - ﷺ - بالكديد بعد أن بَيَّتَ الصيام هل [فعله] (١) دليل على الإباحة [عمومًا] (٢)، أو هو دليل على الإباحة للمفطر دون المختار؟
والظاهر أنه خصوص للمضطر دون المختار، لكن للقائل أن يقول: كان النبي - ﷺ - مختارًا للفطر غير مضطر إليه، وقد أفطر، وإن كان في الحديث بيان لفطره ﵇، وهو الاقتداء ويريد أن يريهم بالفعل.
وهذا لا يقوى؛ لأن الأمة إذا أمرها النبي - ﷺ - وجب عليها الامتثال، ولا يسوغ الوقوف دون الامتثال، ولاسيما الصحابة رضوان الله عليهم وما علم من سيرتهم في التسارع إلى الامتثال فيما أمروا به مما يشق [ويثقل] (٣) حمله على النفوس، فكيف ما فيه رفق بالنفس، وربك أعلم. وهذا في الصوم المفروض.
وأما في صوم التطوع: فإن كان متطوعًا، أو كان منذورًا غير مُعَيَّن، فأصبح صائمًا ثم سافر فأفطر هل يقضي أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه يقضي، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٤).
والثاني: أنه لا يقضي، وهو قول ابن حبيب، فإن كان منذورًا معينًا؛ مثل أن ينذر صيام يوم الخميس، فجاء يوم الخميس فسافر فيه، وهو صائم، فهل يقضي أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (٥):
_________________
(١) في أ: هو.
(٢) في أ: للفطر.
(٣) سقط من أ.
(٤) انظر: المدونة (١/ ١٩٦).
(٥) انظر: المدونة (١/ ١٩٦).
[ ٢ / ٨٧ ]
أحدهما: أنه يقضي، وهو نص "الكتاب" في غير المعين؛ إذ لا فرق، والفطر في الوجهين باختياره.
والثاني: أنه لا يجب عليه القضاء، هو ظاهر قول مالك في "المدونة" (١)؛ لأنه قال في المرأة إذا نذرت صيام يوم بعينه ثم سافرت فيه فأفطرت، هل تقضي أم لا؟
فتوقف فيه مالك، قال ابن القاسم: فكأني رأيته يستحب لها القضاء [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ١٩٦).
(٢) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٨٨ ]
المسألة السابعة صيام المغمى عليه والمجنون
و[المجنون] (١) لا يخلو من أن يكون مُطْبِقًا، أو كان يفيق أحيانًا.
فإن كان مُطْبقًا فلا خلاف أنه غير مخاطب بالصيام؛ لقوله - ﷺ -: "رفع القلم عن ثلاث" (٢)، فذكر المجنون حتى يفيق.
واختلف هل يخاطب بالقضاء أم لا؛ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا قضاء عليه سواء بلغ صحيحًا ثم جُن، أو بلغ مجنونًا، قَلَّت السُّنُون أو كثرت، وهو قول مالك وابن القاسم في "المدونة" (٣).
والثاني: التفصيل بين أن يبلغ مجنونًا: فلا يقضي، أو يبلغ عاقلًا ثم جن: كان عليه القضاء، وحكاه ابن الجلاب عن عبد الملك فيما يظن.
والثالث: التفصيل بين قِلَّة السِّنين كالخمسة ونحوها: فيقضي [وكثرتها] (٤) كالعشرة، وما فوق ذلك فلا يقضي.
وهذا القول حكاه ابن حبيب عن مالك (٥).
وسبب الخلاف: [هل يجوز] (٦) قياس المجنون على الحائض أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٩٨)، والنسائي (٣٤٣٢)، وابن ماجة (٢٠٤١)، وأحمد (٢٠٤١)، وأحمد (٢٤١٧٣)، والدارمي (٢٢٩٦)، وصححه الألباني في الإرواء (٢٩٧).
(٣) انظر: المدونة (١/ ٢٠٧).
(٤) في الأصل: وكثرها.
(٥) انظر: النوادر (٢/ ٢٨).
(٦) سقط من أ، ب.
[ ٢ / ٨٩ ]
فمن جوز القياس قال: يقضي الصيام كما أن الحائض تقضي.
ومن أسقط [القضاء] (١) فيما كثر قاسه على الحائض في أنها لا تقضي الصلاة لتكررها وتقضي الصيام؛ لأنه لا يتكرر.
وإذا كثر ما على المجنون من الصيام كان بمثابة الصلاة للحائض.
وأما الخلاف في اتصال الجنون بالبلوغ هل يجوز أن يقاس على الصبي؛ لأنه لم تمر [عليه] (٢) [حالة] (٣) يتوجه [عليه] (٤) الخطاب فيها بشيء من الفرائض.
[أو] (٥) لا يجوز قياسه على الصبي؛ لأن الجنون عارض يطرأ ويمكن زواله، وما من [ق/ ٥١ جـ] زمان يمضي إلا ويجوز فيه زواله، ويبقى العبد مكلفًا.
والصبي ليس بعارض سانح؛ بل ذلك أمر جبلي، ولزواله حد لا يتعداه؛ وهو الاحتلام أو ما يقوم مقامه من السنين، وهو الصحيح إن شاء الله.
فإن كان يُجَن ويَفِيق: فهو كالمغمى عليه، وان أغمى عليه في رمضان، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون أغمى عليه قبل طلوع الفجر.
والثاني: أن يكون أغمى عليه بعد طلوع الفجر.
فإن أغمى عليه قبل طلوع الفجر، فلا يخلو من أن ينوبه ذلك في أول
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: به.
(٣) في جـ: وقت.
(٤) سقط من أ.
(٥) في الأصول: و.
[ ٢ / ٩٠ ]
يوم من رمضان [أو] (١) في [أثنائه] (٢).
فإن نابه ذلك في أول يوم منه فأغمى عليه قبل طلوع الفجر ثم أفاق بعد طلوعه: فلا إشكال في وجوب قضاء ذلك اليوم على القول بأن صيام رمضان يفتقر إلى النية على ما سنعقد عليه مسألة مفردة إن شاء الله تعالى.
فإن نابه ذلك في أثناء رمضان فأغمى عليه قبل الفجر ثم أفاق بعد طلوعه: فهل يجزؤه أو يقضي؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يجزئه صيام ذلك اليوم ويقضيه، وهو نص "المدونة" في "كتاب الصيام".
وظاهره أنه لا ينظر إلى المرض هل سبقه أو كان بإثره كما نص عليه ابن سحنون عن أبيه، ويكون قوله تفسيرًا للمدونة.
والثاني: أنه إذا تقدم الإغماء مرض، أو بإثره مرض مُتَّصِل [به] (٣) فيجب القضاء، ويكون صوم ذلك اليوم فاسدًا، وهو قول عبد الملك.
وسبب الخلاف: اختلافهم في النية، هل يجب على الصائم تبييتها في كل ليلة أم لا؟
فمن رأى أنه يفتقر إلى التبييت كل ليلة: قال بفساد صيامه، وهو قول منصوص في المذهب.
ومن قال: لا؛ بل تكفيه النية الأولى: قال بالإجزاء إلا أن يكن معه مرض.
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
(٢) في الأصل: الثانية.
(٣) في أ: فيه.
[ ٢ / ٩١ ]
رأيت أكثر مشايخ المذهب رضوان الله عليهم ذهبوا إلى أن العلة في فساد صيامه زوال عقله؛ فالعقل محل التكليف، والذي قالوه صحيح غير أنه ينتقض عليهم بإغمائه بعد طلوع الفجر أن جعلوا العلة زوال العقل بالإغماء، ومن زال عقله لا يتصف فعله بالصحة، ولا بالفساد؛ لأن الصحة والبطلان من أحكام التكليف.
ولا فرق بين الليل والنهار، فلما فرق المذهب بين الليل والنهار، وفرق أيضًا بين أن يستغرق النهار بالإغماء وبين إغمائه أول النهار: دل على أن العلة خلاف ما ذكروه؛ وهو كونه أغمى عليه حتى جاوز الوقت الذي [فيه] (١) يحتاج إلى عقد النية بصيامه، فإذا جاوز ذلك الوقت فلا يعتد بصيامه، وإن أفاق عقيبه.
ومن تفطن لهذه [العلة] (٢) فلا يعلل بسقوط الخطاب [ولا بثبوته والله الموفق للصواب] (٣) فإن كان إغماؤه بعد طلوع الفجر، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يَسْتَغْرِق [ق/ ٦٤ أ] نهاره كله أو أكثره، أو أغمى عليه إلى نصف النهار، أو أغمى [عليه] (٤) أقل النهار من أوله أو آخره.
فإن استغرق نهاره بالإغماء أو أغمى عليه أكثر النهار، هل يلزمه القضاء أم لا؟
على ثلاثة أقوال:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ، ب.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ٩٢ ]
أحدها: وجوب القضاء، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" (١).
والثاني: أن صيامه جائز ولا قضاء عليه.
وهو قول مطرف وابن الماجشون على ما حكاه ابن حبيب عنهما (٢).
والثالث: أن عليه القضاء استحبابًا.
وهو قول أشهب [في] (٣) المدونة.
وسبب الخلاف: المغمى عليه، هل يقاس عليه النائم أم لا؟
فمن رأى أنه يقاس على النائم يقول: لا قضاء عليه؛ لأن النائم متفق عليه أنه لو نام نهاره كله لجاز حياته، ولا قضاء عليه.
ومن رأى أنه لا يقاس عليه يقول: المقصود من الصيام كف النفس عن الملاذ من الطعام والشراب احتسابًا لله تعالى وابتغاء مرضاته ومقاساة ألم الجوع، والصبر على مقاساته، وهذه الصفة لا توجد فيمن فقد عقله بإغماء أو جنون؛ لأنه مغلوب غير مختار، وقال الله تعالى: "يدع طعامه وشرابه من أجلي" (٤)، وذلك معدوم في حق المغمى عليه، ولا يعترض على هذا بالنائم؛ لأن النوم في جميع النهار أو أكثره نادر الوقوع من وجهين واعتبارين:
أحدهما: من طريق المشروع.
والآخر: من جهة العرف.
أما الشرع: فكون المكلف مطالب بوظائف النهار؛ من صلاة الظهر
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٢٠٧).
(٢) انظر: النوادر (٢/ ٢٧).
(٣) سقط من أ.
(٤) أخرجه البخاري (٧٠٥٤)، ومسلم (١١٥١).
[ ٢ / ٩٣ ]
والعصر [تمنعه] (١) من التمادي على النوم [عامة النهار] (٢).
وأما العرف: فالنادر وقوع ذلك؛ إذ الغالب على الإنسان السعي والطلب للمعاش، ولا يتركه الباعث المستحث على طلب الدنيا أن ينام نهاره كله، وإن لم يكن هناك وازع ديني، فكيف والمؤمن [يوزعه] (٣) وازع الشرع من هذا الاسترسال والاتسام بشبهة الإهمال والإغفال، ونعوذ بالله من الاتصاف بهذه الصفات المذمومة.
وأما إذا أغمى عليه في نصف النهار، فهل يجب عليه القضاء أم لا؟
قولان:
أحدهما: أن صيامه صحيح، ولا وهم فيه، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" (٤).
والثاني: أن عليه القضاء.
وهذا القول حكاه ابن حبيب عن ابن القاسم (٥).
وأما إن أغمى عليه أول النهار: فصيامه جائز ولا قضاء عليه اتفاقًا، والحمد لله وحده.
_________________
(١) في ب: فيمنعه ذلك.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: يزعه.
(٤) انظر: المدونة (١/ ٢٠٧).
(٥) انظر: النوادر (٢/ ٢٧)، ولذلك قال ابن أبي زيد: هذا خلاف ما رواه عنه سحنون في المدونة.
[ ٢ / ٩٤ ]
المسألة الثامنة [في] (١) صيام يوم الشك
ولا يخلو صيام يوم الشك -لمن صامه- من وجهين:
إما أن يصومه تطوعًا.
أو يصومه على الاحتياط.
فإن صامه تطوعًا، فهل يجوز أن يصام أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يجوز القصد إلى صيامه تطوعًا.
وهو قول مالك.
والثاني: أن صيامه مكروه جملة.
وهذا القول حكاه القاضي عبد الوهاب (٢) [في المذهب] (٣).
والثالث: التفرقة بين أن يصادف صومًا كان يصومه مثل من يُدِيم الصيام: فإنه يجوز له صيامه، وبين من يقصد صيامه دون صيام قبله فيكره [له] (٤).
وهذا التفصيل حكاه [الشيخ أبو إسحاق] (٥) [القابس] (٦) على
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: عيون المجالس (٢/ ٦٢١).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: التونسي.
[ ٢ / ٩٥ ]
المذهب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في نهيه - ﷺ -[عن صيام يوم الشك] (١) هل هو نهي أريد به العموم، أو نهي أريد به الخصوص؛ وهو صومه على معنى الاحتياط [فإن ضاق على معنى الاحتياط] (٢) لرمضان، هل يجزئه إن صادف أنه أول يوم من رمضان أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة" (٣):
أحدهما: أنه لا يجزئه وعليه القضاء، وهو ظاهر "المدونة" وهو نص قول مالك في غير "المدونة"؛ لأنه إن كان بغمومه بسحاب أو غيرها، فالتحري إنما يكون عند ارتفاع الأدلة، والله تعالى قد جعل الأهلة مواقيت للناس، فإن غُمَّ شهر لم يغم ما قبله.
والثاني: أنه يجزئه إن صادف ذلك اليوم أول رمضان.
وهو ظاهر قول أشهب في "الكتاب" (٤) لقوله: لأنه لم ينو به رمضان، وإنما نوى به التطوع.
قال ابن لبابة: كأنه يقول: إن نوى به رمضان، وإن كان على شك أنه يجزئه، وهو ظاهر قول مالك في الأسير أيضًا إذا التبست عليه الشهور، فصام تحريًا لرمضان، ثم صادفه: أنه يجزئه، ولا فرق بينهما.
وسبب الخلاف: النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟
وقد أجازت عائشة وأسماء، وعبد الله بن عمر، ومن الفقهاء أحمد ابن حنبل ﵃ صومه على الاحتياط، وقالت عائشة رضي الله
_________________
(١) سقط من أ، ب.
(٢) سقط من أ، ب.
(٣) انظر: المدونة (١/ ٢٠٣، ٢٠٤).
(٤) انظر: النوادر (٢/ ٥).
[ ٢ / ٩٦ ]
عنها؛ لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إليّ من [أن] (١) أفطر يومًا من رمضان (٢).
فذهب الشيخ أبو الحسن اللخمي إلى أن صومه على الاحتياط إذا كان الغيم واجب أو مستحب؛ قياسًا على الشك في الفجر [مع] (٣) الغيم.
ولا يختلف المذهب فيه أن الإمساك مأمور به إما فرض وإما ندب [ولا فرق بين السؤالين؛ لأن هذا في الليل بيقين وهو زمان الفطر، وشك هل دخل عليه زمان الصوم، وهل حرم عليه الأكل] (٤) وهذا في شعبان بيقين وهو زمان يجوز فيه الفطر، وشاك هل دخل عليه زمان الصوم، وأن يكون [السحاب] (٥) ستر الهلال كما ستر الفجر.
والمذهب كله مبني على أنه لا يكره الأخذ بالاحتياط في محرم أو مباح مع وجود الشبهة، إلى آخر ما قال.
وهذا الذي قال مع [حالته] (٦) فيه نظر؛ لأن غداة هذا الفجر بيقين يعلم أنها زمان الصيام، وغداة يوم الشك مشكوك [فيها] (٧) غير متيقنة، والله أعلم [والحمد لله وحده] (٨).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٤٢٤). قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد (٣/ ١٤٨).
(٣) في أ: على.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: ظنونه.
(٧) في أ: فيه.
(٨) زيادة من جـ.
[ ٢ / ٩٧ ]
المسألة التاسعة في الأسير إذا الْتَبَسَتْ عليه الشهور في دار الحرب ولم يعلم [شعبان] (١) من رمضان فيصومه
ولا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يترجح عنده أنه شهر بعينه.
أو يتساوى الشك عنده من غير ترجيح.
فإن ترجح عنده أنه شهر بعينه: فإنه يصومه، ولا يحل له الفطر.
فإن تساوى عنده الطرفان، فهل يصوم بالتحري أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يصوم بالتحري، وهو [مذهب] (٢) "المدونة" (٣) نصًا، وهو قول مالك [وابن القاسم] (٤) وأشهب وعبد الملك في غيرها (٥).
والثاني: أنه لا يصوم بالتحري حتى يعلم، ورأى أنه غير مخاطب بالصوم لعدم المعرفة بعينه.
وهذا القول حكاه ابن الجلاب عن ابن القاسم في بعض نسخ كتابه.
والثالث: أنه يصوم السنة كلها اثنا عشر شهرًا؛ قياسًا على من نذر صوم يوم الجمعة يصومه أبدًا ثم نسيه ولم يغلب على ظنه يوم من أيام
_________________
(١) في أ: شهود.
(٢) في ب: مشهور.
(٣) انظر: المدونة (١/ ٢٠٦).
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر: النوادر (٢/ ٣١)، والبيان والتحصيل (٢/ ٣٣١).
[ ٢ / ٩٨ ]
الجمعة: فاختلف فيه هل يصوم يومًا، أو يصوم الدهر كله؟
فإن قَدِمَ بلاد الإِسلام على القول بأنه يصوم بالتحري، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يتبين له صواب فعله.
أو يتبين له فساد فعله.
أو يبقى الأمر مُبْهَمًا كما كان أولًا.
فإن تبين له صواب فعله؛ مثل أن يتبين له أنه صادف رمضان، فهل يجزئه أم لا؟
فالمذهب يتخرج على قولين من المدونة:
أحدهما: أنه يجزئه، وهو نص "المدونة" (١).
والثاني: أنه لا يجزئه وعليه القضاء، وهذا القول يؤخذ من "المدونة" من مسألة الذي يصوم يوم الشك على معنى الاحتياط، وهو تأويل ابن لبابة على "المدونة"، وهو تأويل ظاهر.
فإذا تَبَيَّن له فساد فعله؛ معناه أنه أخطأه، فلا يخلو من أن يكون [قد صام قبل رمضان أو بعده: فإن تبين له أنه قد صام قبله فلا يخلو من أن يكون] (٢) صومه كذلك شهرًا واحدًا، أو شهورًا.
فإن كان شهرًا واحدًا: فلا خلاف في المذهب أنه لا يجزئه وعليه القضاء.
وإن كان شهورًا؛ مثل أن يَتَبَيَّن له أنه صام شعبان ثلاث سنين، فهل
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٢٠٦).
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ٩٩ ]
يجزئه أو يقضي؟
فالمذهب على قولين:
[أحدهما] (١): أنه يجزئه وعليه قضاء الشهر الأول، وهو قوله في "المدونة"، ولسحنون مثله في "كتاب ابنه": قال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد في "نوادره" (٢): يريد بقوله: يعيد الشهر الأول؛ يريد يلغي شعبان الأول فلا يجزئه، ولم يرد بذلك أن يعيد الرمضان الأول؛ لأن [عند] (٣) وقع شعبان الثاني [وشعبان الثالث] (٤) عن رمضان الثاني، ويبقى عليه رمضان الثالث فيقضيه.
والثاني: أنه لا يجزئه وعليه قضاؤه، وهذا القول قائم من "المدونة" (٥): إذا صام [رمضان] (٦) الداخل وعليه رمضان آخر [ونوى به القضاء] (٧)، قال: لا يجزئه عن واحد منهما.
وإذا كان لا يجزئه في هذا الوجه مع نيته، وقصده للقضاء فبأن لا يجزئه إذا لم يقصد به القضاء أولى وأحرى.
وكما لو صلى الظهر في يومين قبل الزَّوَال: فإنه يجب عليه أن يُعِيد الصلاتين، ولا تكون الثانية قضاء عن أول يوم، ثم يقضي عن اليوم الآخر، وأيضًا فإن الصوم لم يقصد به القضاء، وإنما
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: النوادر (٢/ ٣١).
(٣) في الأصل: عليه، والمثبت من النوادر (٢/ ٣١).
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر: المدونة (١/ ٢٠٦).
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٢ / ١٠٠ ]
قصد أداء كل شهر [بعينه لسنته] (١) وذلك ظاهر لا إشكال فيه.
فإن تبين له أنه صام بعده؛ مثل أن يتبين أن صومه كان في شوال: فإنه يجزئه، ويكون قضاء.
فإن بَقِي الأمر مُبْهَمًا، ولا يدري هل صام قبله أو بعده: فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يعيد كلما صام [حتى] (٢) يوقن أنه صام قبله أو بعده، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية" (٣).
والثاني: أنه يجزئه؛ لأنه فعل غاية المقدور عليه، وهو قول عبد الملك في "المجموعة" (٤).
وسبب الخلاف: التحري هل يقوم مقام العلم حتى يتبين الخطأ، أو التحري شك، وتخمين لا تبرأ به الذمة؟ [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) في أ: معين لسنة.
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: النوادر (٢/ ٣١)، والبيان والتحصيل (٢/ ٣٣١).
(٤) انظر: النوادر (٢/ ٣١).
(٥) زيادة من جـ.
[ ٢ / ١٠١ ]
المسألة العاشرة [في] (١) النية للصائم
وقد اختلف العلماء في صيام رمضان هل يفتقر إلى النية أم لا؟ على ثلاثة أقوال كلها في المذهب قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه لا يفتقر إلى النية، وأنه متعين بتعيين الزّمان، وهي رواية ابن عبد الحكم [وعبد الملك] (٢) عن مالك، وهو مذهب الحنفية (٣)، [وهي قائمة] (٤) من "المدونة" (٥) من غير ما موضع؛ منها قوله في الحائض إذا استيقظت بعد الفجر فَشَكَّت أن تكون طهرت قبل الفجر: أنها تصوم وتقضي؛ لأنها يخاف عليها ألا تطهر إلا بعد الفجر، فبهذا علّل ابن القاسم المسألة ولم يُعَلِّل بعدم التبييت [وتأول بعض المتأخرين هذه المسألة على أن صيام رمضان لا يفتقر إلى نية؛ لأن ترك ابن القاسم التعليل بعدم التبييت] (٦) وعلّل [بغيرها] (٧) دليل على أن النية [ليست] (٨) من شرطها.
ومنها: ما وقع له في مسألة من صام رمضان الداخل قضاء عن رمضان الفائت، حيث قال: يجزئه وعليه قضاء الآخر، على رواية الآخر
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: المبسوط (٣/ ٥٩).
(٤) في أ: وهو قائم.
(٥) انظر: المدونة (١/ ٢٠٦).
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: بطهرها.
(٨) في الأصل: ليس.
[ ٢ / ١٠٢ ]
بالفتح، فجعله يجزئه مع أن نيته إنما كانت للماضي، وما ذلك إلا لكونه يلزم بالتعيين.
والثاني: أنه يفتقر إلى النية في ابتدائه وَتَنْسَحِبُ عليه تلك النية إلى آخره، ولا يحتاج إلى تجديدها كل ليلة ما لم يخالطه فطر غير معتاد، وهو نص "المدونة" في "كتاب الرهون" (١) وهي المسألة التي يسميها الفقهاء: غريبة الرهون؛ لوقوعها في غير محلها، وهذا القول هو المشهور، وعليه يناظر أصحابنا.
وقولنا: فطر غير معتاد: كالفطر في نهار رمضان؛ إما بوجه جائز كالمرض، وكالحيض، والمسافر.
وإما بوجه الانتهاك كمتعمد الفطر.
وأما [الفطر] (٢) المعتاد: فهو ما كان في زمان الليل، فإنه لا يؤثر في قطع النية على مشهور مذهبنا.
والثالث: أنه يفتقر إلى التَّبْييت في كل ليلة، وهذا القول نقله ابن عبد الحكم عن مالك، وقد قال مالك: إن التَّبْيِيت ليس على الناس في زمان رمضان، قال: والناس مُجْمِعُون فيه على الصوم.
قال: وقال مالك: لا صيام لمن لم يُبيِّت الصيام.
قال: وقوله الذي هو موافق للتبييت [أحب إلينا يريد أن عليه التبييت] (٣) في كل ليلة.
وهذا نقله أبو الحسن اللخمي من كتاب ابن عبد الحكم، وهو مذهب
_________________
(١) انظر: المدونة (١٤/ ٣٢٦).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ١٠٣ ]
الشافعي.
ويؤخذ هذا القول من "المدونة" من [مسألة] (١) المغمى عليه قبل الفجر، ثم أفاق بعده؛ حيث قال: يقضي، وما ذلك إلا لكونه مضى وقت التبييت، ولم يبيت.
وسبب الخلاف: الصوم هل هو عبادة معقولة المعنى، أو غير معقولة المعنى؟
فمن رأى أنها غير معقولة المعنى أوجب [النية] (٢).
ومن رأى أنها معقولة المعنى لم يوجب [النية] (٣)؛ لأن [المعنى] (٤) المقصود من [الصوم] (٥) ترك الأكل والشرب [والجماع] (٦) من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وذلك موجود من طريق المعنى أن الإمساك للصائم من قبيل الترك، والترك لا يفتقر إلى نية.
ومن أوجب النية أيضًا احتج بقوله ﵇: "إنما الأعمال بالنيات" (٧) والصيام عمل، وقوله ﵇: " لا صيام لمن لم يبيت الصيام" (٨)، وهذا مثل قوله ﵇: "لا نكاح إلا بوليّ" (٩)،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: التبييت.
(٣) في ب: التبييت.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: الصائم.
(٦) سقط من أ.
(٧) أخرجه البخاري (١).
(٨) أخرجه أبو داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي (٢٣٣١)، وابن ماجة (١٧٠٠)، وأحمد (٢٥٩١٨)، ومالك (٦٣٧)، والدارمي (١٦٩٨). قلت: صححه العلامة الألباني في الإرواء (٩١٤).
(٩) أخرجه أبو داود (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠١)، وابن ماجة (١٨٨١)، وأحمد (١٩٠٢٤). =
[ ٢ / ١٠٤ ]
و"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (١)، "ولا صلاة لمن لا زكاة له".
[وقد اختلف الأصوليون في مقصود الشرع في إيقاع حروف نافية على أدوات واقعة، هل ذلك نفي للذات شرع بالإبطال، أو ذلك نفي الفضيلة والكمال، فيتطرق إليه ضرب من الاحتمال ويسقط به الاستدلال].
وأما منشأ الخلاف [الذي] (٢) بين مالك والشافعي على مشهور المذهب: الفطر في زمان الليل، هل يؤثر في قطع حكم النية المتقدمة أم لا؟
وأما الزمان الذي [يجوز] (٣) للصائم أن يعقد فيه النية: فلا خلاف في المذهب أنه يجوز [له] (٤) اعتقادها أول الليلة، ولا يضره بعد ذلك ما كان من الأكل، وذلك من باب الرخصة ورفع الحرج.
واختلف هل يجوز له أن يؤخرها حتى يوقعها مع الفجر أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنه لا يجوز [له] (٥) ذلك؛ لأنه من باب التغرير بالصيام، وإنما يقدمها قبله، وهو قول مالك في "مختصر ابن عبد الحكم" (٦).
_________________
(١) =صححه العلامة الألباني في الإرواء (١٨٣٩)، وقال: صححه أحمد وابن معين.
(٢) أخرجه البيهقي في الكبرى (٤٧٢٤)، وضعفه. وقال ابن الجوزي: لا يصح. العلل المتناهية (٦٩٢). وضعفه الحافظ في التلخيص الحبير (٥٦٤). وضعفه الشيخ الألباني في الإرواء (٤٩١)، وفي ضعيف الجامع (٦٢٩٧).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) انظر: النوادر (٢/ ١٤، ١٥).
[ ٢ / ١٠٥ ]
والثاني: أنه يجوز للصائم أن يوقع النية مع الفجر سواء [كان فرضًا أو نفلًا، معينًا أو مطلقًا] (١) وهو قول القاضي عبد الوهاب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في عموم قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٢)، هل يخصص بالعادة التي ركّبَ الله تعالى عليها بني آدم؛ وذلك أن أكثرهم لا يقدرون على إدراك أوائل الفجر؛ لأن ذلك مما يدق ويرق ولا يكاد يدركه إلا آحاد من الناس، وفي ذلك تغرير بالصوم، والعبادات تتنزه عن الإغرار، والأخطار؛ لأنها في الذمة بتيقن، فلا تبرأ إلا بيقين.
ومقارنة النية بالفجر محل الخطر، فيحمل قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ (٣)، على القرب، كما قيل في قوله ﵇: "إن بلالًا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" (٤)، وكان رجل أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت؛ فتأولوه، وقالوا: أي قاربت الصباح.
ولكن قد جاء [بما] (٥) يقطع العذر [فيرفع] (٦) الاحتمال، [ويسد باب التأويل] (٧)؛ وهو ما أخرجه البخاري [في] (٨) هذا الحديث من الزيادة: "فإنه لا ينادي حتى يطلع الفجر" (٩)، وهذا نص في الباب.
_________________
(١) المثبت من عيون المجالس للقاضي عبد الوهاب (٢/ ٦٠٥).
(٢) سورة البقرة الآية (١٨٧).
(٣) سورة البقرة الآية (١٨٧).
(٤) تقدم.
(٥) في ب: ما.
(٦) في ب: ويرفع.
(٧) سقط من ب.
(٨) في أ: و.
(٩) أخرجه البخاري (٥٩٢) بلفظ: لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت.
[ ٢ / ١٠٦ ]
وأما الفطر غير المعتاد إذا وجد في خلال رمضان، وكان باختيار المكلف على وجه جائز مباح؛ كالفطر في السفر والمرض، أو على وجه محظور؛ كالفطر عامدًا قاصدًا للانتهاك: فلا خلاف في [وجوب] (١) تجديد النية عند العودة إلى الصيام على القول باعتقاد النية أول الليلة، وأن تلك النية [منسحبة الامتداد] (٢) واختلف فيما إذا كان الفطر بغير اختيار المكلف كالحيض، فهل يفتقر إلى التبييت عند ارتفاع الحيض أم لا؟
فمشهور المذهب: أنها يلزمها التبييت، وقيل: لا يلزمها، وفطرها في زمان النهار على معنى الغلبة والاضطرار كفطرها في زمان الليل لما كانت مغلوبة.
وهذا الخلاف قائم من مسألة الحائض إذا شَكَّت بعد الفجر هل طهرت قبل الفجر [أو بعده] (٣)؟؛ حيث قال: تصوم وتقضي؛ لاحتمال أن تكون طهرت بعد الفجر، ولم يذكر النية.
وقد أشار القاضي أبو الفضل ابن الجلاب [إلى الخلاف] (٤) في المذهب والفرق [بينهما] (٥) وبين غيرها ممن أبيح له الفطر ظاهر، والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: ممتدة.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في الأصل: بينها.
[ ٢ / ١٠٧ ]
المسألة الحادية عشر في المرأة الحائض إذا رأت الطهر
فلا تخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن تراه قبل طلوع الفجر، أو بعد طلوعه، أو شكت في أمرها.
فإن رأته قبل طلوع الفجر: فلا يخلو من أن يبقى بينها وبين طلوع الفجر زمان متسع للغسل دون تضييق.
أو يبقى بينها وبين طلوع الفجر ما لا يسع شيئًا من الغسل.
أو يبقى ما يسع بعضه، ولم يسع استكماله.
فإن بقى من الزمان ما يسع جميع الغسل: فلا خلاف في المذهب أنها مخاطبة بصوم يومها، وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، وهو مذهب "المدونة" (١)؛ لأنها صارت كالجنب [والجنب] (٢) إذا أصبح صائمًا، فإن ذلك لا يفسد صومه، وكذلك لو صام نهاره كله، وهو جنب، فلا أعرف في المذهب نص خلاف في [عدم بطلان] (٣) صيامه؛ لأنه مطيع من وجه وعاص من وجه [آخر] (٤) فصيامه يجزئه، وهو مأثوم في ترك الصلاة.
وإن لم يبق لطلوع الفجر شيء، أو بقى له ما لا يسع غسلها، هل هي كالحائض في يومها أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها طاهر، وأنها مخاطبة بصوم ذلك اليوم، وبه قال ابن
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٢٠٦).
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: صحة.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ١٠٨ ]
القاسم وأشهب، وهو مذهب "المدونة" (١).
والثاني: أنها كالحائض في ذلك اليوم، وهو قول عبد الملك (٢).
وينبني الخلاف: على الخلاف في الحائض إذا ارتفع الدم عنها، ورأت علامة الطهر، هل حكمها حكم الحائض في العبادات والعادات [حتى تغتسل بالماء أو حكمها حكم الطاهر في الجميع أو حكمها حكم الطاهر في العبادات ويحكم لها بحكم الحائض في العادات] (٣) كالوطء وغيره وكالطلاق؟
وهذا مما اضطرب فيه المذهب؛ وذلك أن أهل المذهب اتفقوا فيما إذا علمت أنها طهرت من حيضتها في آخر النهار أنها إنما تقدر ما بقى من النهار بعد فراغها من غسلها لا من حين رأت الطهر وهذا الإجماع حكاه ابن أبي زيد في "النوادر" (٤)، وأبو الطاهر بن بشير [غير أن ابن بشير] (٥) أشار إلى [أن] (٦) المتأخرين تأولوا الخلاف على المذهب كيف يفرق بين الصلاة والصيام، ويجرون عليها حكم الحائض في حق الصلاة حتى تطهر أو يبقى من الزمان ما يمكن أن توقع فيه الغسل لو شرعت فيه، فعند ذلك تخاطب بالصلاة.
وقالوا: في الصيام [إنها] (٧) بنفس ما [رأت] (٨) الطهر تكون
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٢٠٦).
(٢) انظر: النوادر (٢/ ٢٦).
(٣) سقط من أ.
(٤) انظر: النوادر (٢/ ٢٦).
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: ترى.
[ ٢ / ١٠٩ ]
مخاطبة إن كانت في زمان ينعقد فيه الصيام، فلو كان بالعكس لكان أولى أن يقال إنها مخاطبة بالصلاة من حين رأت الطهر، وإن كانت لا تفرغ من الغسل، إلا بعد خروج الوقت كما قلنا في المجنون والنصراني على أحد الأقوال، وذلك أحوط للصلاة؛ إذ لا يجب عليها قضاء ما خرج وقته.
ويقال في الصيام: إنها لا تخاطب إلا بعد الاغتسال؛ إذ لابد لها من القضاء.
فلو كان الدِّين بالقياس لكان الأمر كذلك، ولكنا خوطبنا بالوقوف على الدليل الشرعي، ومن أين لهم هذا التفريق، إن كان ذلك بدليل فنقول: فسمع وطاعة، وإن كان بدليل معقول، فعليهم أن يظهروه ويبرزوه، وإلا فقد ثبت عنه - ﷺ - من كل طريق، وثبت عند كل فريق أن النبي - ﷺ - قال: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (١).
و[مَنْ] من أدوات العموم، فقال أصحابنا: هذا في أصحاب الأعذار كالحائض إذا طهرت، مثل ما ذكرناه.
فانظر هل حد لها النبي - ﷺ - حدًا من الاغتسال ومقدار الاغتسال، أو أشار إليه؟ وليس في الأخبار شيء يدل على ذلك؛ فإذا المرجوع إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ الآية (٢).
فقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فيجوز الوطء، وتخاطب بالعبادات؛ لأن حكمها حينئذ حكم الجنب؛ لأن الغاية من شرطها أن يكون ما بعدها مخالف لما قبلها، وإليه ذهب بعض العلماء.
_________________
(١) تقدم.
(٢) سورة البقرة الآية (٢٢٢).
[ ٢ / ١١٠ ]
وبه قال [ابن] (١) بكير -من أصحابنا-: فيكون قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ (٢) تكرر أو يكون حكمها حكم الحائض حتى تغتسل، وهو الأشهر، وهو الذي يشبه أن يكون مثار الخلاف.
ومن فرق بين العبادات والعادات لاحظ جانب العبادات؛ إذ لا ضرر على المكلف في ترك العادات؛ إذ له عنه عوض؛ وهو ما أباحه الشرع من الاستمتاع بها بأعلاها.
فأما إذا رأت الطهر بعد طلوع الفجر: فلا يلزمها صوم ذلك اليوم باتفاق.
فإن شكت هل طهرت قبل الفجر أو بعده: فقد قال في "المدونة" (٣): إنها تصوم وتقضي؛ فأمرها بالصيام للاحتمال أن تكون طهرت قبل الفجر، وأمرها بالقضاء لاحتمال أن تكون طهرت بعد الفجر، ولم أر فيها في المذهب خلافًا منصوصًا، ولا يبعد دخول الخلاف فيها بالمعنى، وذلك أنهم احتاطوا للعبادات؛ إذ لا يزول الغرض إلا بيقين.
وللمعترض أن يقول: إن ذمتها برئت من حيث رأت الحيض، وأنها غير مخاطبة بالأداء، ولا بالقضاء، فلا تَعْمُر إلا بيقين ونية، واستصحاب الحال أصل من أصول الشرع، وهذا لا جواب عنه إذا وقع الإنصاف.
واختلف المتأخرون في تأويل ما وقع لابن القاسم في "المدونة" في هذه المسألة كيف علل بالشك في وجوب القضاء، ولم يعلل بالنية، ويقول: إنها لم تُبَيِّت الصيام:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سورة البقرة الآية (٢٢٢).
(٣) انظر: المدونة (١/ ٢٠٦).
[ ٢ / ١١١ ]
فذهب بعضهم إلى أن فطرها وهي حائض لا يؤثر في قطع النية التي بيتتها أول ليلة؛ لأنها مجبورة على الفطر، بخلاف المريض والمسافر.
وذهب آخرون إلى أن ذلك منه جنوح إلى مذهب من يقول إلى أنها لا تفتقر إلى النية، وأن صوم رمضان متعين [بتعيين] (١) الزمان، وهذا أحد أقاويل المذهب.
ومنهم من يقول: إنما غَفَل ابن القاسم عن ذكر النية، واقتصر على ذكر الاحتمال أن تكون طهرت [قبل] (٢) الفجر [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: بعد.
(٣) زيادة من جـ.
[ ٢ / ١١٢ ]
المسألة الثانية عشر في صيام المَرْضِع والحَامِل و[المُسْتَعْطِش] (١)
فأما الحامل: فلا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون قوية على الصيام، ولا يجهدها إذا صامت، ولا يخشى على ولدها؛ مثل أن يكون ذلك في أول شهوره: فهذه يجب عليها الصيام، ولا يباح لها الفطر، فإن أفطرت فعليها كفارة المنتهك، وإما أن تخاف على ولدها إذا صامت، أو تخاف حدوث علة بها: فهذه لا يجوز لها الصيام، وتؤمر بالإفطار.
وإما أن يجهدها ويشق عليها، ولا تخشى إن هي صامت شيئًا: فهذه مُخَيَّرة بين الإفطار والإمساك.
فإن أفطرت في هذين الوجهين: كان عليها القضاء، ولا خلاف فيها.
واختلف هل تطعم أم لا على أربعة أقوال:
أحدها: أنها لا إطعام عليها، وهو قوله في "المدونة" (٢).
والثاني: أنها تطعم، وهي رواية ابن وهب في "المدونة" (٣) أيضًا.
والثالث: [التفريق] (٤) بين أن يكون خوفها على نفسها، ولم تطعم؛ لأنها مريضة، وإن خافت على ولدها أطعمت، وهو قول عبد الملك (٥).
_________________
(١) في ب: المتعطش.
(٢) انظر: المدونة (١/ ٢١٠).
(٣) انظر: السابق.
(٤) في ب: التفصيل.
(٥) انظر: النوادر (٢/ ٣٣، ٣٤).
[ ٢ / ١١٣ ]
والرابع: أنها إذا خافت على ولدها قبل [أن تمضي] (١) ستة أشهر أطعمت، وإن دخلت في الشهر السابع لم تطعم؛ لأنها مريضة يريد أن المرض يسقط الإطعام، وإن شاركها الخوف على الولد، وهو قول أبي مصعب.
وسبب الخلاف: هل يغلب حقها على حق الولد، ثم لا تطعم، أو يغلب حق الولد عليها فتطعم؟
فعلى أي وجه كان، فالإطعام [على] (٢) جنب الحامل ضعيف.
وأما المرضع: فلا تخلو من وجهين:
إما أن تجد مَنْدُوحَة عن مباشرة الرضاع، أو لا تجده.
فإن وجدت مَنْدُوحَة عن الرضاع؛ مثل أن يكون الولد يقبل غيرها من المراضع، وكان للصبي مال تستأجر له به من يرضعه: فهاهنا يجب عليها [الصيام] (٣)، ولا يباح لها أن تباشر الرضاع وتفطر، فإن [فعلت] (٤) فعليها كفارة المنتهك.
واختلف إذا لم يكن للولد مال ولا أب له، أو له أب معسر، هل يجب عليها أن تستأجر له من مالها أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة" (٥):
أحدهما: أنها تستأجر له من مالها، وتصوم وهو نص "المدونة".
والثاني: أن ذلك لا يجب عليها إلا أن تشاء؛ قياسًا على النفقة،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: في.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ل: أفطرت.
(٥) انظر: المدونة (١/ ٢١٠).
[ ٢ / ١١٤ ]
وهو ظاهر "المدونة".
واختلف المتأولون والشارحون [على] (١) ما وقع له في المدونة؛ حيث قال: تستأجر له من يرضعه من مالها وتصوم؛ فقال بعضهم: يؤخذ منه أن عليها أن تستأجر له من يرضعه في الحولين إذا لم يكن لها لبن، كما نص [عليه مالك] (٢) في غير "المدونة"، وهو قول إسماعيل القاضي وغيره.
قال أبو عمران الفاسي ﵁: وهو قولهم كلهم، وإن كان القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب [يقول] (٣) لا يلزمها ذلك قياسًا على النفقة.
وقال بعضهم: لا يلزمها أن تستأجر له، إنما حقه في اللبن، فإذا انقطع بغير سببها [للولد، وقال آخرون: معنى ذلك أن حق الصبي تعين في معين، وهو اللبن. فإذا انقطع اللبن بغير سببها] (٤) فلا شيء عليها في مالها، وإن كان بسببها فعليها العوض، والأصول موضوعة على أن من أتلف مال غيره [فعليه] (٥) المثل [فيما له المثل] (٦)، والقيمة فيما لا مثل له؛ فكأن الأم وجب عليها أن تفطر وتطعم إذا علمت أن الصوم يضر بلبنها، فلما اختارت الصيام بدلًا عن الفطر المباح لها تبين أنها قصدت إتلاف اللبن الذي هو حق الصبي وصانت بذلك مالها -أعني الكفارة التي تجب عليها بالإفطار- لو أفطرت.
_________________
(١) في ب: في معنى.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: يلزمه.
(٦) في ب: في القيمة.
[ ٢ / ١١٥ ]
وهذا أحسن ما قيل في هذه المسألة.
وأما إذا لم تجد مندوحة عن مباشرة الرضاع: فإنها تفطر إذا لم يقبل الولد غيرها من المراضع، والقضاء واجب عليها.
واختلف [في الكفارة] (١) على قولين:
أحدهما: أنها تطعم، وهو قول مالك في "المدونة" (٢).
والثاني: أنه لا إطعام عليها، وهو قوله في "كتاب ابن عبد الحكم".
وعلى القول بأنها تطعم، هل ذلك إيجاب أو ندب؟ قولان:
ظاهر "المدونة" (٣) إيجاب.
وقال أشهب (٤): استحباب.
ومتى يكون الإطعام؟
فالذي اختاره [المتأخرون] (٥) أن يكون الإطعام مع القضاء، وكل يوم قضته أخرجت عنه [الكفارة] (٦) مُدًا بِمُدِّ النبي - ﷺ -، وإن قدمت الإطعام على القضاء [أو أخرته عنه] (٧) فإنه [يجزئها] (٨).
وسبب الخلاف: اختلافهم في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ [مِسْكِينٍ] (٩)﴾ (١٠)، هل الآية عامة ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ
_________________
(١) في ب: هل عليها إطعام أم لا؟
(٢) انظر: المدونة (١/ ٢١٠).
(٣) انظر: المدونة (١/ ٢١٠).
(٤) انظر: النوادر (٢/ ٣٣).
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من ب.
(٨) في أ: يجزئها.
(٩) في الأصل: مساكين.
(١٠) سورة البقرة الآية (١٨٤).
[ ٢ / ١١٦ ]
شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١) وأن الآية نزلت [في الحامل والمرضع] (٢) والكبير الفاني.
فإن قلنا بالتخصيص: كانت الكفارة عليها واجبة بالقرآن، وإن قلنا بالنسخ: فيتركب الخلاف على أصل آخر، وهو الرخص [فهل يقاس عليها أم لا] (٣).
فإن قلنا بجواز القياس عليها: فلا إطعام عليها كالمريض والمسافر.
وإن قلنا: إن القياس لا يجوز عليها: قلنا يلزمها الإطعام.
ومن استحسن تردد.
وأما المستعطش: الذي لا صبر له على العطش، والمتجوع: الذي لا صبر له على الجوع أصلًا، والذي رهقه عطش أو جوع مفرط في بعض النهار لعارض طرأ عليه كالحر الشديد حتى يخاف ذهاب مهجته، واعتلال [بعض] (٤) حواسه، فهل يباح لهم الفطر أم لا؟
فإذا أبيح لهم الفطر هل يطعمون أم لا؟
وأما المستعطش والمتجوع الذي لا صبر له على الدوام حتى لا يقدر أن يوفي بالصيام في شتاء ولا صيف: فهذا لا إطعام عليه، ولا أعلم في المذهب نص خلاف فيه.
وأما القضاء: فإن قدر عليه يومًا ما قضى، وإلا فلا شيء عليه.
وأما الذي رهقه جوع أو عطش في بعض النهار: فإنه يباح له الأكل أو
_________________
(١) سورة البقرة الآية (١٨٥).
(٢) زيادة ليست بالأصل.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ١١٧ ]
الشرب.
وهل له التمادي على الفطر بجميع أنواع المفطرات [جماعًا] (١) أو غيره أم لا؟ [فالمذهب] (٢) على قولين:
أحدهما: جواز التمادي على الفطر بجميع [ما يحل] (٣) للمفطر [جماع وغيره] (٤).
وهو قول سحنون، وأعاب قول من قال: لا يفعل (٥).
والثاني: أنه يمسك عن الأكل والشرب بعد ذهاب عطشه وجوعه، وهو قول ابن حبيب (٦).
واتفقا أنه لا إطعام عليه، وعليه القضاء.
وهذا الخلاف ينبني على الخلاف في المضطر [إذا] (٧) أكل الميتة، هل يشبع منها ويتزود، أو يأكل منها ما يسد رمقه ولا يتزود؟.
وهذا الخلاف ينبني على أصل [آخر] (٨)؛ وهو: ما حرمه الله تعالى إلا إذا أباحه على وجه الضرورة، هل هو كسائر المباحات [بالنسبة إلى المضطر فيستمتع بها كما يستمتع بسائر المباحات فيما يرجع إلى الاقتيات بها حتى يستغني عنها بغيرها من المباحات] (٩) إطلاقًا، أو إنما يباح له منها ما
_________________
(١) في أ: جميعًا.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر: النوادر (٢/ ٣٦).
(٦) انظر: النوادر (٢/ ٣٦).
(٧) في أ: إلى.
(٨) سقط من أ.
(٩) سقط من أ.
[ ٢ / ١١٨ ]
يَسُد به الرَّمَق خاصة، والزائد عليه [باق] (١) على [أصل] (٢) التحريم؟ [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من جـ.
[ ٢ / ١١٩ ]
المسألة الثالثة عشر في قضاء رمضان إذا أفطره أو بعضه
والكلام فيه على ثلاثة فصول:
الأول: الزمان الذي لا يجوز أن يقضي فيه.
والثاني: هل هو على الفور، أو على التراخي؟
والثالث: إذا دخل عليه رمضان القابل قبل أن يقضي.
فالجواب عن الفصل الأول:
في معرفة الزمان الذي لا يجوز فيه قضاء رمضان: أما يوم الفطر، ويوم النحر فلا خلاف بين الأمة أن صيامها لا يجوز بوجه؛ لا قضاء ولا نذر، ولا تطوع.
واختلف في اليوم الرابع [في المذهب] (١)، هل يصومه من نذره، ومن عليه صيام التتابع فقطع عليه لعذر: فلا خلاف في اليومين اللذين بعد يوم النحر أنه يصومهما المتمتع الذي لا يجد هديًا.
واختلف هل يجوز أن يقضي فيهما رمضان أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يقضي فيهما ولا يصومهما أحد إلا المتمتع؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ الآية (٢).
والثاني: أنه يجوز أن يقضي فيهما؛ قياسًا على من نذر صيام سَنَة بعينها، أو نذر صيام ذي الحجة على القول بأنه يصومها على ما سنبينه في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سورة البقرة الآية (١٩٦).
[ ٢ / ١٢٠ ]
مسألة: من نذر صيام سَنَة بعينها إن شاء الله تعالى.
وأما اليوم الرابع هل يحكم له بحكم اليومين اللذين قبله أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (١):
أحدها: أنه لا يجوز صيامه بوجه.
وهو قول أشهب، وهو ظاهر "المدونة" في مساواته [بين] (٢) اليوم الرابع والثالث في الرمي.
والثاني: أنه يجوز صومه لكل من صامه، ويقضي فيه رمضان، وهذا القول قائم من "المدونة" (٣)، [من قوله] (٤) في ناذر صيام سنة بغير عينها يصوم اثنى عشر شهرًا ليس فيها رمضان [ولا يوم الفطر] (٥) ولا أيام النحر.
ولم يذكر اليوم الرابع، وإلى هذا الاستقراء أشار الباجي، وقد نص فيه على جواز صومه لمن نذره، ويصومه من عليه كفارة اليمين.
والثالث: أنه لا يصومه أحد قضاء لرمضان، ولا يبتدئ فيه صيام التطوع، ويصومه من عداهم وهو نص "المدونة" (٦).
وسبب الخلاف: الرُّخَص هل يقاس عليها أم لا؟ وذلك أن الله تعالى رَخَّصَ للمتمتع في صيامهما، فهل يقاس عليه غيره؛ بناء على أن صيامهما يجوز على وجه ما، أو لا يجوز القياس؛ لأنها أيام
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٢١١).
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: المدونة (١/ ٢١٢).
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) انظر: المدونة (١/ ٢١١).
[ ٢ / ١٢١ ]
يكون [فيها العبيد] (١) في ضيافة المولى كما أشار إليه النبي - ﷺ - وهذا هو المشهور من المذهب.
والجواب عن الفصل الثاني:
هل القضاء على الفور أو على التراخي؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه على الفور، وأنه مهما أمكنه القضاء في أول شوال فإنه يجب عليه التلبس به، فإن تركه حتى يمضي منه مقدار ما عليه من عدد الأيام: فإن الكفارة تترتب في ذمته إن مات بعد ذلك أو مرض أو سافر سفرًا متصلًا إلى دخول الرَّمَضان المُقْبِل، وأنه غير معذور بذلك لوجود التَّفْرِيط أولًا.
[فإن] (٢) لم يكن به آقة ولا عذر حتى قضاه في آخر السنة: فإنه قد خاطر وسَلِم، [وقد قيل: الغرور] (٣) ليس بمحمود [وإن سلم] (٤).
وهو قول [ابن القاسم] (٥) في "المبسوط" (٦) وهو أسعد بظاهر الكتاب لقوله في المسألة [إذا مات] (٧) وقد صح شهرًا أو أقام في أهله شهرًا، وأوصى أن يطعم عنه أن ذلك في ثلثه مُبَدًا ولا يُبَدا إلا الآكد، وَبَدَّاه على نذر المساكين، ونذر المساكين واجب فجعله أوجب منه.
_________________
(١) في أ: العبيد فيه.
(٢) في ب: وإن.
(٣) في ب: وتفريطه قبل العذر.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: أشهب.
(٦) انظر: النوادر (٢/ ٥٥، ٥٦).
(٧) سقط من أ.
[ ٢ / ١٢٢ ]
فلو كان على التراخي أنه لا يجب إلا بخروج شعبان: لكان قد أوصى بما لم يجب عليه، وكان كسائر الوصايا التي لا تبدا [وهذا أبين في المدونة] (١).
والثاني: أنه على التراخي وأنه لا تجب عليه كفارة التفريط حتى يمكنه القضاء في شعبان، فإن لم يفعل حتى دخل رمضان الثاني، ولم يمرض ولم يسافر في شعبان: فعند ذلك تجب عليه الكفارة، ولا ينظر إلى ما مضى من سائر السنة، هل كان فيه مقيمًا أو مسافرًا [أو صحيحًا] (٢) أو مريضًا، وبه قال أشهب وابن نافع [ورواه عن مالك أيضًا] (٣)، وهو ظاهر "المدونة" في مسألة الحائض.
ومن مسألة تفريق القضاء أظهر؛ لأنه جوز في الكتاب أن يفرق القضاء، وتفريقه يؤذن بالتراخي على كل حال، وهذا أظهر في الاستقراء.
ويتخرج من المدونة قول ثالث: أنه إذا اتصل به المرض [والسفر] (٤) من رمضان إلى رمضان آخر: أن ذلك لا يخرجه من الإطعام، وهذا القول حكاه أبو عمران عن أشهب، وهو قائم من "المدونة" من مسألة الحامل؛ لأن العلة الجامعة المرض، إلا أنه شذوذ من القول، والله أعلم.
وسبب الخلاف: المفهوم من قول عائشة ﵂ فيما أخرجه البخاري ومسلم (٥) أنها قالت: كان يكون [عليَّ] (٦) الصوم من رمضان
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر: النوادر (٢/ ٣٦).
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ١٢٣ ]
فما أستطيع أن أصومه إلا في شعبان لشغلي [بحق] (١) رسول الله - ﷺ -.
فهل يفهم منه جواز التأخير، وهو الذي فهمه أكثر [الأصحاب] (٢)، وإنما يفهم منه البدار مع التمكن؛ لأن عائشة ﵂ بينت العذر الذي منعها من البدار، وأوجب [عليها] (٣) التراخي؛ وهو الشغل بحق رسول الله - ﷺ - ولولا ذلك لبادرت إلى القضاء، وهو الأظهر، والله أعلم.
ويكون قضاء الصوم على هذا التأويل على الفور على مذهب عائشة؛ كالصلاة إذا نسيها، أو نام عنها أنه يصليها عقيب الذكر، وزوال ما كان به من نوم؛ فيكون مُفَرِّطًا متى لم يفعل.
والجواب عن الفصل الثالث:
إذا دخل عليه رمضان الثاني، أو الثالث قبل أن يقضي: أما إذا دخل عليه رمضان الثاني: فإنه يقضي عن كل يوم مدًا، ولا خلاف عندنا في ذلك.
والدليل على ذلك ما خرجه البخاري عن [أبي هريرة وابن عباس أنه يجب عليه الكفارة وبه قال من التابعين القاسم بن محمَّد وسعيد بن جبير وعطاء وعطاء بن] (٤) أبي رباح، ومن طريق المعنى: أن هذا صيام وضع في غير محله، وأخر عن زمانه إيثارًا واختيارًا: فتجب عليه الكفارة الصغرى قياسًا على الكفارة الكبرى إذا أفطر متعمدًا، واختلف في الوقت الذي يستحب فيه الإطعام على قولين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: العلماء.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ١٢٤ ]
أحدهما: أنه يجب فيه الإطعام إذا تحقق التفريط، وإن كان في شعبان متمكنًا ففرط، فإنه يستحب له أن يطعم عن الأيام التي مضت.
والثاني: أنه يستحب له إذا أخذ في القضاء وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
وسبب الخلاف: هل كفارة التفريط شرعت لمعنى الجبر، فتقاس على الهدى بالذي وجب لفساد الحج، ثم لا يكون إلا عند القضاء؛ لأن الجبر إنما يكون مقارنًا للمجبور؟
أو إنما شرعت عقوبة لأجل التفريط، كما شرعت الكفارة الكبرى لأجل الانتهاك، فيجوز تقديمها على زمان القضاء؟
وأما إذا دخل عليه رمضان واحد فأكثر هل تكون عليه الكفارة، أو كفارة واحدة تجزئه؟
فلا خلاف في المذهب أعلمه أن عليه كفارة واحدة لا أكثر، وهو قول الشيخ أبي محمَّد بن أبي زيد (١)، وهو جواب [عبد الله] (٢) بن عمر لمن سأله عن ذلك.
فإذا أوصى بإخراجها عند موته، أو مات ولم يوص بذلك: فلا يخلو من أن يموت بإثر شعبان أو بعد بزمان.
فإن مات بإثره: فلا يخلو من أن يكون أوصى بإخراجها أم لا.
فإن أوصى بذلك هل يخرج من الثلث أو من رأس المال؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنها تخرج من رأس المال؛ قياسًا على كفارة العمد في
_________________
(١) انظر: النوادر (٢/ ٥٣، ٥٤).
(٢) في جـ: عبد الملك.
[ ٢ / ١٢٥ ]
رمضان فمات، ولم يُفَرِّط: أنها تخرج من رأس ماله، ولا فرق بين الكفارتين.
وقياسًا على الزكاة على ما قال في "المدونة": إذا مات ولم يُفَرِّط فأوصى بزكاة ماله: أنها تخرج من رأس ماله.
والثاني: أنها مصروفة إلى الثلث على كل حال، وهو ظاهر "المدونة؛ لقوله: إذا أوصى به أخرجت من الثلث غير مُبَدَّاة، ولم يفصل، وهو ظاهر ما وقع لمالك في "كتاب أبي الفرج" أن كفارة رمضان في ثلثه، وإن لم يوص بها.
فإن مات ولم يوص بها هل يؤمر الورثة، أو يجبرون؟
قولان قائمان من "المدونة" أيضًا:
أحدهما: أنهم يؤمرون، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنهم يجبرون، وهو قول أشهب.
واتفقا أنها من الثلث.
ولو مات بعد شعبان بزمان [كثير] (١) لكان خروجها من الثلث إذا أوصى بها.
فإن لم يوص بها فلا شيء على الورثة.
والقول بأنهم يجبرون إذا لم يفرط أظهر في النظر؛ ولاسيما على أصول المذهب؛ لأن التهمة قد انتفت [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من جـ.
[ ٢ / ١٢٦ ]
المسألة الرابعة عشر الصيام المنذور
ولا يخلو الناذر للصيام من وجهين:
إما أن يُعَيِّن يومًا أو شهرًا أو سنة، أو لا يُعَيِّن.
فإن عَيَّن: فلا يخلو ذلك اليوم من أن يكون مما ينعقد فيه الصيام، أو لا ينعقد فيه.
فإن كان مما لا ينعقد فيه الصيام؛ مثل يوم الفطر، أو يوم النحر، أو أيام الحيض والنفاس: فلا خلاف أنه لا يجوز له الوفاء بذلك في ذلك الزمان.
واختلف هل يجب عليه قضاؤها أم لا، على قولين منصوصين عن مالك في الكتاب (١).
أحدهما: أنه يقضي.
والثاني: أنه لا يقضي.
وسبب الخلاف: هل تعتبر الألفاظ أو المقاصد أم لا؟
فمن اعتبر الألفاظ قال: لا قضاء عليه؛ لأنه لم يذكره، ولا نذره وإنما نذر يومًا فمنعه الشارع من صيامه.
ومن اعتبر المقاصد قال بوجوب القضاء؛ لأنه لما علم أن هذا الزمان لا ينعقد فيه الصوم، وقصده بالنذر فكأنه قصد قضاءه.
فإن كان مما ينعقد فيه: فإنه يصومه، فإن أفطره: فلا يخلو من أن
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٢١٤).
[ ٢ / ١٢٧ ]
يكون فطره لعذر، أو لغير عذر.
فإن كان لغير عذر: فلا خلاف في المذهب نصًا في وجوب القضاء.
فإن أفطره لعذر: فلا يخلو ذلك العذر من أن يكون له [فيه] (١) سبب أم لا.
فإن كان له فيه سبب: فالرواية في وجوب القضاء.
فإن لم يكن له فيه سبب؛ كالمرض والحيض: فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا قضاء عليه، وهو المشهور، وهو نص "المدونة" (٢).
والثاني: أنه يقضي ولا يعذر بذلك، وهي رواية ابن وهب في "كتاب الصيام" في بعض روايات "المدونة" لابن وضاح، وهي صحيحة في "المبسوط" لمالك.
والثالث: التفصيل بين أن يقصد الناذر عين ذلك اليوم لرجاء فضله وبركته: فيلزمه القضاء، وإلا فلا، وهو قول عبد الملك (٣).
ويتخرج في المسألة قول رابع [بالتفصيل] (٤) بين الحائض والمريض: فالمريض لا قضاء عليه، والحائض تقضي إذا كانت أيامًا أو سنة أو شهرًا؛ لأنها يغلب على ظنها أنها لابد لها أن تحيض في تلك المدة، فكأنها قصدت إلى القضاء، كما لو نذرت صيام أيام حيضتها، فإنها تقضي على الخلاف في ناذر سنة بعينها.
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
(٢) انظر: المدونة (١/ ٢١٤).
(٣) انظر: النوادر (٢/ ٦٧، ٦٨).
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ١٢٨ ]
والأظهر في المريض قول ابن القاسم: أن لا قضاء عليه.
فإن لم يُعَيِّن النَّاذِر زمانًا، وإنما قال: لله عليَّ صوم سنة أو شهر مثلًا: فإنه يصوم سنة كاملة ليس فيها رمضان، ولا يوم الفطر، ولا أيام الذبح؛ أما رمضان: فلكونه مستحق العين، وأما يوم الفطر ويوم النحر: فلنهيه ﵇ عن صيامهما، وأما اليومان اللذان بعد النحر، واليوم الرابع: فقد قدمنا ما فيها من الخلاف في مسألة قضاء رمضان، فلا نطول بذكره مرة أخرى.
وبهذا فارق التعيين الإطلاق؛ لأن الإطلاق يقتضي سنة على وجهها، والتعين يفيد حصر النذر فيه من غير زيادة على ما عين، إلا إذا التفت إلى القصد؛ ولهذا اختلف قول مالك في ناذر سنة معينة، وناذر شهر ذي الحجة هل يقضي أيام الذبح حتى ينوي إلا أن يقضيها، أو لا يقضي حتى ينوي؟
فهذا تردد بين المقاصد والألفاظ، والنذر المعلق لا يدخله شيء من ذلك ولا يحتمله، فظاهر المدونة أنه يصوم الرابع لسكوته عنه؛ لأنه قال: ليس فيها رمضان [ولا يوم الفطر] (١) ولا أيام الذبح، واليوم الرابع ليس من أيام الذبح.
واختلف في المذهب فيمن نذر صيام اليوم الذي يَقْدمُ فيه فُلان، فقدم ليلًا أو نهارًا، أو نذر صيام يوم بعينه فنسيه.
أما إذا نسيه: فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها لسحنون ﵁ (٢):
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) انظر: النوادر (٢/ ٦٨، ٦٩).
[ ٢ / ١٢٩ ]
أحدها: أنه يصوم يومًا أي يوم شاء من أيام الجمعة.
والثاني: أنه يصوم آخر يوم من أيام الجمعة، ويكون بمعنى القضاء.
والثالث: أنه يصوم أيام الجمعة كلها.
وهذه كلها احتياط، والقياس: أنه يصوم الجمعة كلها؛ إذ لا يخلو من ذلك اليوم.
وأما من نذر صيام اليوم الذي يقدم فيه فلان فقدم ليلًا: فإنه يصوم صبيحتها إن كان يومًا يجوز صيامه.
وإن كان يومًا لا يجوز صيامه سقط نذره، وإن قدم نهارًا فهل يلزمه القضاء أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا قضاء عليه، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (١).
والثاني: أنه يقضي، وهو قول أشهب وعبد الملك.
وإن قدم يوم الفطر [والأضحى] (٢): فأشهب يقول: لا يقضي، وعبد الملك يقول: يقضي (٣).
ومن نذر أن يصوم [من] (٤) هذا الشهر يومًا: قال ابن سحنون عن أبيه (٥): عليه أن يصوم [منه] (٦) يومًا واحدًا.
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٢١٥).
(٢) سقط من أ.
(٣) انظر: النوادر (٢/ ٦٧).
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر: النوادر (٢/ ٦٩).
(٦) سقط من أ.
[ ٢ / ١٣٠ ]
وإن نذر أن يصوم هذا اليوم شهرًا: فليصم مثل ذلك اليوم ثلاثين يومًا [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من جـ.
[ ٢ / ١٣١ ]
المسألة الخامسة عشر فيمن أكره امرأته على الوطء أو على القبلة وهما صائمان في نهار رمضان
ولا يخلو هذا الإكراه من وجهين:
أحدهما: أن يكون الزوج هو المكره على أن يطأ.
والثاني: أن يكره الزوج امرأته على الوطء.
فإن كان الزوج هو الذي أكره على أن يطأ وهو صائم، فهل يقضي ويكَفِّر ويحد إن أكره على وطء امرأة ليست بزوجته، ولا ملكها بيمين؟
أما القضاء فلا خلاف في وجوبه عليه.
واختلف المذهب في الكفارة والحد على قولين:
أحدهما: أنه يُكَفِّر ويُحَد، وهو قول عبد الملك.
والثاني: أنه لا حد ولا كفارة عليه، وهو المشهور في المذهب.
وسبب الخلاف: هل يعذر بالإكراه أم لا؟
فمن أعذره بالإكراه يقول: لا حد ولا كفارة.
ومن لم يعذره بالإكراه: يرى أن له في ذلك إيثارًا واختيارًا؛ لأن العادة المألوفة من المكره الانزواء والانقباض، فوجود الانتشار وعدم الانقباض من الخائف يدل على أن الإكراه لا تأثير له، وهو ظاهر في المعنى، وقد رأيت لبعض المتأخرين نقلًا يخالف ما قدمناه -وهو أكثر أقوال المذهب- أنه لا كفارة عليه، والأكثر على إيجاب الحد عليه.
[ ٢ / ١٣٢ ]
وهذا الذي قاله ليس بالبين؛ لأن الحد والكفارة حَقَّانِ من حقوق الله تعالى، وموجبهما في هذه الصورة واحد.
وهذا بخلاف المرأة إذا أكرهت على الوطء، فلا خلاف أنها لا حد عليها.
وإن كان الرجل هو الذي أكره امرأته على الوطء أو القبلة: فلا خلاف في وجوب الكفارة والقضاء عليه عن نفسه.
واختلف هل يكفر عنها أم لا على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يكفر [عنها] (١) جملة؛ سواء أكرهها على الوطء، أو على القبلة، أو أتاها وهي نائمة، أو رجل أكره غيره فصب الماء في حلقه وهو صائم.
وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" في باب الإكراه على الوطء.
ويؤخذ من الكتاب في النائمة أيضًا [من قوله] (٢) بأي وجه كان ناسيًا أو غير ناس، ورواه عبد الملك وابن نافع عنه.
والثاني: أنه لا يلزمه أن يكفر عنها جملة.
وهو ظاهر المدونة فيمن أتى نائمة، أو أكرهها فصب في حلقها ماء؛ إذ لا فرق بينهما و[هو] (٣) مذهب سحنون.
والثالث: التفرقة بين القُبلة والوطء، فيكفر عنها في الوطء، ولا يكفر عنها في القُبلة.
وهو ظاهر "المدونة" على ما تأوله أبو الحسن القابس [وابن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٢ / ١٣٣ ]
شبلون] (١) لقوله في "المدونة": إذا قَبَّل امرأته مكرهة حتى يُنْزِلَا: فالكفارة عليه، وعلى المرأة القضاء.
ووجه التفرقة: أنه لا انتهاك في مسألة القبلة؛ لأنه لم يكن الإنزال إلا من فعله؛ ولأنه بنفس الإيلاج تجب الكفارة.
وأظهر الأقوال: ما ذهب إليه سحنون؛ وذلك أن المذهب اتفق [على] (٢) ألا كفارة عليها؛ لأنها مكرهة والمكره لا ينسب إليه فعل.
فإذا كانت الكفارة لا تجب عليها، فما الذي يحمل عنها؟ وكذلك إن أكره أمته على الوطء: فإنه يكفر عنه وعنها على أحد الأقوال.
وقال ابن أبي زيد: قال بعض أصحابنا في كتاب آخر: وإن وطئ أمته: كفر عنها، وإن طاوعته -يريد في الأمة وإن طاوعته كالإكراه للرِّق-.
وعلى القول بأنه يكفر عنها، فإن كان معسرًا: كفرت عن نفسها، ورجعت عليه، وهو قول ابن شعبان في "الزاهي".
وفي ذلك نظر؛ لأنه يشعر بأن الكفارة واجبة عليها ثم حملها الزوج عنها، ولا قائل به في المذهب.
وهل يجب عليها الغسل أم لا؟
فلا تخلو من أن تكون قد التَّذَّت أم لا.
فإن الْتَّذَّت: فلا خلاف في المذهب في وجوب الغسل عليها.
وإن لم تَلْتَّذ، أو كانت نائمة: فالرواية أن لا غسل عليها، وهي رواية إسماعيل القاضي عن مالك.
والقياس يُوجب دخول الخلاف فيها.
_________________
(١) في جـ: وابن شعبان.
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ١٣٤ ]
واختلف هل تقضي أم لا؟
فالمشهور من المذهب أنها تقضي، وذهب القاضي أبو الحسن بن القصار إلى أنها لا قضاء عليها.
وعلى هذا: يتخرج الخلاف في الكفارة عنها هل هو وطء المُكْرِه جِنَايَة أفسدت صيام المُكْرَه أم لا؟
فمن رأى وجوب القضاء عليها: قال بوجوب الكفارة عنها؛ لأنه جنى على صومه وصوم غيره.
ومن رأى أنها لا قضاء: يقول لا يكفر عنها؛ لأن جنايته لا تأثير لها في صيامها.
وعلى القول [بأنه] (١) يكفر عنها: فليكفر عنها بالعتق والإطعام، وإن كانت حُرَّة، يكون الولاء لها.
ولا يكفر عنها بالصيام؛ إذ لا يصوم أحد عن أحد عند مالك.
وإن كانت أمته: فليكفر عنها بالإطعام خاصة؛ إذ العتق ليس من كفارة العبد [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في أ: بأنها.
(٢) زيادة من جـ.
[ ٢ / ١٣٥ ]
المسألة السادسة عشر إذا أصبح الصائم ينوي الفطر
فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن ينوي الفطر قبل الفجر فاستمر على تلك النية إلى الغروب، ولم يأكل ولم يشرب حتى غربت الشمس.
وإما أن ينوي الإفطار بعد ما أصبح فلم يأكل ولم يشرب حتى غربت الشمس.
وإما أن ينوي الفطر قبل طلوع الفجر، وأصبح على ذلك، ثم ينوي الإمساك قبل طلوع الشمس.
فأما الوجه الأول:
إذا أصبح ونيته الإفطار، ولم يأكل ولم يشرب حتى غربت الشمس، فهل تجب عليه الكفارة أم لا؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: وجوب الكفارة، وهو قول ابن القاسم ومالك (١).
والثاني: أنه لا كفارة عليه، وهو ظاهر قول أشهب في "الكتاب" على تأويل بعضهم، وهو قول مالك في غير "المدونة" على ما حكاه [عنه] (٢) أبو الفرج القاضي عنه في "الحاوي".
ويؤخذ من قول ابن القاسم في هذه المسألة أنه يفتقر إلى تبييت النية في
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٢٢٠).
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ١٣٦ ]
كل ليلة على ما قدمناه في سالف الكتاب.
وأما الوجه الثاني:
إذا نوى الإفطار بعد ما أصبح، فلم يأكل ولم يشرب حتى غربت الشمس، هل يقضي ويُكَفِّر أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه يقضي ويكَفِّر وجوبًا، وهو قول ابن القاسم في الوجه الأول، وهو نص قول مالك في غير "المدونة"، واستحبه ابن القاسم في "المدونة" (١).
والثاني: أنه لا قضاء عليه ولا كفارة إلا استحبابًا بالقضاء، وهو ظاهر الكتاب في إسقاط الكفارة.
وهو قول سحنون في غير "المدونة" (٢)، ولابن حبيب مثله؛ أن لَّا شيء عليه.
والثالث: أنه يقضي ولا يكفر، وهو قول أشهب في "الكتاب".
وأما الوجه الثالث:
إذا نوى الإفطار قبل طلوع الفجر، ثم نوى الإمساك قبل طلوع الشمس، فعلى قولين:
أحدهما: أن عليه القضاء والكفارة، وهو قول ابن القاسم (٣) [في الكتاب] (٤).
_________________
(١) انظر: المدونة (١/ ٢٢٠).
(٢) انظر: النوادر (١/ ٥١، ٥٢).
(٣) انظر: المدونة (١/ ٢٢٠).
(٤) سقط من أ.
[ ٢ / ١٣٧ ]
والثاني: أن عليه القضاء، ولا كفارة عليه.
وهو متأول على قول أشهب في "الكتاب" وهو في [هذا] (١) الوجه لم يكن [منه] (٢) إلا ترك النية عند طلوع الفجر، وأنه رجع إلى الإمساك بالقرب، والوجه الأول ترك التبييت واستدامة العزم على الفطر إلى آخر النهار، فهل لذلك تأثير أم لا؟
وسبب الخلاف: الصوم هل يرتفض بالنية أم لا؟
وسبب آخر: هل يفتقر الصائم إلى التبييت كل ليلة أم لا؟.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٢ / ١٣٨ ]
المسألة السابعة عشر [من] (١) صام رمضان عن رمضان آخر
وإذا أفطر رمضان لعذر، فلم يصمه حتى دخل عليه رمضان آخر، فصام هذا الداخل ينوي به قضاء الماضي، فهل يجزئه عن أحدهما أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (٢):
أحدها: أنه لا يجزئه عن واحد منهما.
وهو قول أشهب، وسحنون، وابن حبيب، وابن القاسم في غير "المدونة"، وهو ظاهر قوله في "المدونة" في كتاب "الظهار" (٣): إذا صام شعبان ورمضان عن ظهاره، فقال: إنه لا يجزئه عن واحد منهما؛ لا عن الظهار، ولا عن رمضان، وهذا القول أظهر في النظر على أصل المذهب؛ وذلك أن هذا الشهر الذي هو فيه لم ينوه، ونوى الأول في زمان مستحق عينه، ولا يصح فيه صوم غيره.
والثاني: أنه يجزئه عن الذي هو فيه، وعليه قضاء الأول.
وهو تأويل ابن أبي زيد، [وابن شبلون] (٤) على قول ابن القاسم في "المدونة" لاحتجاجه بقول بعض أهل العلم في ناذر الحج، وهو ضروري إذا خلطهما أنه يجزئه لفرضه، وعليه قضاء النذر، وبه استدل ابن القاسم في "الكتاب"؛ حيث قال: فإنه يجزئه، وعليه قضاء
_________________
(١) في ب: فيمن.
(٢) انظر: المدونة (١/ ٢٢١).
(٣) انظر: المدونة (٦/ ٧٧).
(٤) في جـ: ابن شعبان.
[ ٢ / ١٣٩ ]
الآخر؛ لأن بعض أهل العلم يرى أن ذلك يجزئه عن فرضه، ففهم من استدلاله أنه يجزئه عن الذي فيه؛ لأنه مستحق الزمان، ولاسيما على مذهب العراقيين من أصحاب مالك الذين يرون أن الحج على الفَّوْر، وهو الأَشْهَر الذي عليه الحُذَّاق، وعليه يناظرون بالعراق.
ويحتمل أن يكون مراد ابن القاسم في الاستدلال بقول بعض أهل العلم أنه يجزئه لفرضه أن هذا الزمان مستحق العين للصوم، فكان صومه له أولى من غيره؛ كما تعين النذر في الحج بالدخول فيه، والفرض على التراخي، والتأويل الأول أظهر، وبهذا القول قال المغيرة، وأشهب، وعبد الملك.
والثالث: أنه يجزئه عن الأول، وعليه قضاء الثاني الذي هو فيه.
وهذا القول متأول على "المدونة"، وممن تأوله على هذا الوجه فضل ابن سلمة، والقاضي عليّ بن جعفر [التلباني] (١)، وهو مذهب سحنون في تأويل المسألة أيضًا، وهو نص ابن القاسم في "العتبية"، وقاله أشهب أيضًا.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تأويل ما [وقع] (٢) في "المدونة": من قوله: "يجزئه، وعليه قضاء الآخر"؛ بالفتح أو بالكسر.
فمن أخذ برواية الكسر، قال: يجزئه عن الأول الماضي، وعليه قضاء الذي هو فيه؛ لأنه هو الثاني لقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (٣).
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) سورة الحديد الآية (٣).
[ ٢ / ١٤٠ ]
وربما لاحظ أن نيته إنما كانت للأول؛ لقوله - ﷺ -: "إنما الأعمال بالنيات" (١).
وبهذا قال إذا خلطهما في نية واحدة أنه لا يجزئه عن واحد منهما لتشتيت النية.
ومن أخذ برواية الفتح، قال: يجزئه عن الثاني، ويقضي الأول، ويكون معنى قوله: "ويقضي الآخر" يعني: [الماضي] (٢).
والظاهر في الاحتمال أنه إشارة إلى الماضي؛ بناء منه على أن الثاني مستحق للزمان، ويكون هو أولى به من غيره، ولا يضره إصراف النية إلى غيره؛ لكونه لا يفتقر إلى النية على أحد أقاويل المذهب.
والقول بأنه لا يجزئه عن واحد منهما: أشهر في النظر.
وعلى القول بأنه لا يجزئه عن واحد منهما، هل يجب عليه كفارتان أو أنه يجزئه عن الأول دون الثاني، وهل تجب عليه كفارة الإفطار.
أو أنه يجزئه عن الثاني [وهل تجب عليه كفارة] (٣) التفريط أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا كفارة عليه أصلًا؛ لا صغرى ولا كبرى، وهو قول [أشهب] (٤).
والثاني: أنه تجب عليه [كفارتان] (٥)؛ علي القول بأنه لا يجزيه عن
_________________
(١) أخرجه البخاري (١).
(٢) في أ: الباقي.
(٣) بياض في الأصل.
(٤) في جـ: ابن القاسم.
(٥) في أ: الكفارة.
[ ٢ / ١٤١ ]
واحد منهما.
أو واحدة على أحد القولين؛ إما الصغرى، وإما الكبرى على حسب اختلاف الترجيح.
وهذا القول نقل عن ابن المواز، وقال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد ﵀: هذا شيء بلغني عن ابن المواز، ولم يقع له عندنا في كتاب الصيام.
والثالث: أنه يكفر إن لم يعذر بجهل ولا تأويل، وهو قول ابن أبي زيد.
وسبب الخلاف: [هل يعتبر] (١) وجود الصيام في زمان رمضان وعدم الانتهاك، ثم لا كفارة، أو يعتبر كونه شهر رمضان ولم يصمه: فتجب الكفارة كما لو كان صامه تطوعًا.
وكذلك كفارة التَّفْرِيط هل بمضي شعبان تجب الكفارة، أو إنما تجب إذا لم يحتمل بقضائه شيئًا منه أنه يجزئه، هل يعذر بذلك أم لا؟ [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من جـ.
[ ٢ / ١٤٢ ]
المسألة الثامنة عشر كفارة الفطر في رمضان
في هذه المسألة ثلاثة أسئلة:
منها: معرفة الفطر الموجب للكفارة.
ومنها: الكفارة هل هي على الترتيب أو على التخيير؟
ومنها: الصنف الذي يبدا [على الأصناف] (١) [على] (٢) السؤالين [جميعًا] (٣).
فالجواب عن السؤال الأول:
في معرفة الفطر الموجب للكفارة: فالإجماع على وجوب الكفارة بالوطء عامدًا.
وفي النسيان -عندنا- قولان:
أحدهما: سقوط الكفارة، وهو المشهور الذي عليه الجمهور.
والثاني: وجوب الكفارة، وهو قول ابن حبيب (٤)، وهو مذهب أحمد بن حنبل (٥).
ولا خلاف عندنا في وجوب القضاء عليه.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: به في.
(٣) سقط من أ.
(٤) انظر: النوادر (٢/ ٤٩، ٥٠).
(٥) انظر: المغني (٣/ ٥١: ٥٦) والإنصاف (٣/ ٣٠٤).
[ ٢ / ١٤٣ ]
وذهب الشافعي وأبو حنيفة أنه لا قضاء عليه (١).
وسبب الخلاف: معارضة القياس للأثر.
أما الأثر: فما أخرجه البخاري [ومسلم] (٢) من طريق أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من نسى وهو صائم فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه" (٣).
ويشهد لقوة هذا الأثر عموم قوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٤).
وأما القياس المعارض لهذا الأثر، وهو قياس الصوم على الصلاة، وهو قياس الشبه، ومن شبه [ناسي] (٥) الصوم بناسي الصلاة: أوجب القضاء لوجوبه بالنص على ناسي الصلاة.
وأما الفطر بأكل أو شرب: فإن كان ناسيًا، فعليه القضاء -عندنا- اتفاقًا.
وإن كان عامدًا: فلا يخلو [من] (٦) أن يكون فطره بتأويل، أو بغير تأويل.
فإن كان فطره بتأويل: فلا كفارة عليه إلا أن يكون تأويله تأويلًا بعيدًا؛ كالذي اغتاب، أو احتجم فظن أن صومه لا يجزئه فأفطر.
فإن كان فطره بغير تأويل قاصدًا للانتهاك: فلا خلاف في المذهب في
_________________
(١) انظر: الهداية (١/ ١٣٢)، وروضة الطالبين (٢/ ٣٧٤)، والمجموع (٦/ ٣٢٤).
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري (١٨٣١)، (٦٢٩٢)، ومسلم (١١٥٥) من حديث أبي هريرة.
(٤) صحيح: وقد تقدم.
(٥) سقط من أ.
(٦) زيادة ليست بالأصل.
[ ٢ / ١٤٤ ]
وجوب الكفارة، وبه قال أبو حنيفة، وخالفهما الشافعي فقال: لا كفارة عليه.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تنقيح المناط؛ وذلك أن أعرابيًا جاء إلى النبي - ﷺ- وهو ينتف شعره، ويلطم خده، ويقول: هلك الأبعد .. الحديث (١).
فأوجب [عليه] (٢) النبي - ﷺ - الكفارة، فاختلفوا في الوصف الذي أناط به الشارع الكفارة، وجعله عِلَّة؛ لأن [العلة] (٣) اشتملت على أوصاف عدة، فالشافعي ﵁ يرى عِلَّة الحكم كونه وطئ عمدًا، ومالك وأبو حنيفة يَرَيَانِ بأن عِلَّة الحكم كونه انتهك حرمة رمضان، فأوقع فيه الوقاع، فجعل الانتهاك هو العِلَّة؛ وهي عِلَّة مُتَعَدِّية إلى كل منتهك يأكل أو يشرب.
وهذه أحكام العِلَل المستنبطة أن تختلف باختلاف نظر المجتهدين، بخلاف العلل المنصوص عليها؛ فالشافعي يرى أنه عِلَّة قاصرة (٤)، ومالك يرى أنها عِلَّة متعدية (٥).
وقد اختلف الأصوليون في العلة القاصرة، هل يصح التعليل بها أم لا (٦)؟ على ما هو مبسوط في فن الأصول.
_________________
(١) أخرجه مالك (٦٦١) من حديث سعيد بن المسيب مرسلًا.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: القصة.
(٤) العلة القاصرة: هي التي ثبت وجودها في الأصل فقط، ولا تتعدى إلى الفرع.
(٥) العلة المتعدية: هي التي ثبت وجودها في الأصل والفرع، أي: تتعدى من محل النص إلى غيره.
(٦) العلة القاصرة: يجوز التعليل بها إن كانت منصوصًا عليها اتفاقًا، كتعليل وجوب الكفارة بوقاع مكلف في نهار رمضان. =
[ ٢ / ١٤٥ ]
والجواب عن السؤال الثاني:
الكفارة هل هي على الترتيب، أو على التخيير؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها على التخيير دون الترتيب، وهو المشهور.
والثاني: أنها على الترتيب، وهو قول ابن حبيب -من أصحابنا-.
وسبب الخلاف: تعارض الآثار وتجاذب الاعتبار؛ [أما الآثار] فمنها حديث الأعرابي (١)؛ إذ سأله رسول الله - ﷺ -: "هل تستطيع أن تعتق رقبة"؟
فقال: لا، فقال: "هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " فقال: لا. فقال: "وهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ " فقال: لا، إلى آخر الحديث.
ويعارضه ما خرجه مالك: أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينًا، وهذا على التخيير؛ إذ موضوعية "أو" في كلام العرب للتخيير في غالب الاستعمال.
وإن كان ذلك من لفظ الراوي الصاحب أدْيَم وَأَقْعَد بمفهوم الأحوال، وحالات الألفاظ.
وأما الأقيسة المتعارضة في ذلك: فتشبيهها بكفارة الظهار [تارة] (٢) وتارة بكفارة الأيمان، وهي إلى كفارة الظهار أشبه منها بكفارة الأيمان، وعلى المذهب المشهور أنها على التخيير.
والجواب عن السؤال الثالث: في الصنف الذي يبدأ به: فقد اختلف فيه
_________________
(١) = ويقاس عليها العلة المستنبطة كالسفر المبيح للفطر.
(٢) تقدم.
(٣) زيادة ليست بالأصل.
[ ٢ / ١٤٦ ]
المذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه يبدأ بالطعام.
قال ابن القاسم: ولا يعرف مالك في الكفارة غير الإطعام، ولا يأخذ بالعتق، ولا بالصيام، وقال في كتاب الظهار: وما للعتق وما له، فتغالى بعض المتأخرين في تأويل هذه المسألة على ظاهر لفظه حتى قال: إن مالكًا لا يرى غير الطعام.
وهذا لا يحل تأويله عليه؛ لأنه خرق الإجماع؛ إذ لم يقل بذلك أحد.
وقال أبو محمَّد عبد الوهاب: لم يختلف العلماء أن الثلاثة الأشياء كفارة في الصيام، وإنما اختلفوا هل هي على الترتيب، أو على التخيير.
وظاهر هذا القول ألَّا فرق بين أن يكن فطره بجماع أو غيره.
والثاني: التفصيل بين الإفطار بأكل، أو جماع؛ فإن كان بأكل: فالبداية بالإطعام، أو على طريق الاستحباب.
وإن كان بالجماع: فالبداية بالعتق، وهو ظاهر قول ابن القاسم عن مالك في كتاب ابن مزين.
والثالث: إن كان فطره بأكل أو شرب: فليكفر بالإطعام خاصة، وإن كان بجماع: فبالعتق أو الصيام، وهو قول أبي مصعب.
والرابع: أنه يبدأ بأي الأصناف الثلاثة شاء؛ جملة بلا تفصيل من أي شيء كان الإفطار، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: معارضة القياس لخبر الواحد؛ وذلك أن الأثر ثبت عن رسول الله - ﷺ -[بتقديم العتق وتأخير الإطعام بواو التخيير، فكان
[ ٢ / ١٤٧ ]
الأصل يقتضي متابعة ما تابعه النبي - ﷺ -] (١) وإن كان ذلك تخييرًا، ولكن تبدئة النبي ﵇ بالعتق [وختمه] (٢) بالطعام لا يخلو من فائدة، غير أن التخيير يشعر بالإباحة أن يبدأ بأيها شاء.
وأما القياس المعارض لهذا الخبر، وذلك أن الإطعام قد وقع بدلًا من الصيام في مواضع شتى من الشرع، وأنه مناسب له أكثر من غيره استئناسًا؛ بل القرآن يذكر الإطعام للمفطر في رمضان، ولاسيما على قراءة من قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٣)، ولهذا استحب لمن مات وعليه صوم وأوصى أن يكفر عنه بالإطعام إذا وصى، فرأى مالك تقديم القياس الذي تشهد له الأصول على الأثر الذي لم تشهد له الأصول، وغيره اعتبر محض الإباحة في التخيير [فرأى التبدئة بأي الأصناف شاء، والآخر اعتبر تبدئة النبي - ﷺ - بالعتق وإن كان في معرض التخيير] (٤) فقال: يبدأ به؛ إذ لا يصح أن يبدأ النبي - ﷺ - به إلا لمعنى.
وبعضهم يفرق بين الإفطار بالجماع أو بالأكل [فإن كان بالأكل بدأ بالإطعام] (٥) [وإن كان بالجماع] (٦) بدأ بالعتق وكفارته بالعتق استئناسًا بقضية رسول الله - ﷺ - وأنه بالعتق حكم على الأعرابي ابتداء.
والإفطار بأكل أو شرب لم يرد فيه حكم عن النبي - ﷺ - فيجب حملها على كفارة الأيمان [الثابتة] (٧) بنص التنزيل، والحمد لله [كما هو أهله وصلى الله على محمَّد نبيه] (٨).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: وختم.
(٣) سورة البقرة الآية (١٨٤).
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من الأصل.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
[ ٢ / ١٤٨ ]
كتاب الاعتكاف
[ ٢ / ١٤٩ ]