بسم الله الرحمن الرحيم
تحصيل مُشكلات هذا الكتاب، وجملتُها إحدى عشرة مسألة:
المسألة الأولى
[في شرح لفظ الظهار واشتقاقه. والظهار] (١): منكرٌ مِن القول وزورًا، كما قال الله ﷿، والزور: الكذب، والمُنكر: ما لا حقيقة لهُ مِن الكلام، والكذب محرمٌ بإجماع الأمة على الجُملة.
والظِّهار [محرم] (٢) لما فيهِ من المُنكر والزور لأنَّهُ تشبيه للمحللة بالمحرمة، [لكونه] (٣) جعل زوجتهُ كأمه وهي لا تكون كذلك أبدًا.
وهو مأخوذ مِن الظهر وكناية عن الجماع، وكنَّى [عن] (٤) ذلك بالظهرِ لأنَّهُ موضع الركوب، فَخَصِّص الظهر بالتحريم دون البطن والفرج وسائر الأعضاء، فكان البطن والفرج أولى بالتحريم منه؛ لأن الظهر موضع الركوب، والمرأة مركوبة عند الغشيان، ولاسيَّما وعادة كثير مِن العرب وغيرهم المجامعة على حرة مِن جهة الظهر، ويستقبحون ما سواه ذهابًا منهم إلى التستر والحياء ولا تجتمع الوجوه ساعتئذ، ولا يُطَّلع على [العورات] (٥).
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: لأنه.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: العورة.
[ ٥ / ٤١ ]
وهذه كانت سيرة الأنصار حتى نزل قولُهُ تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لكُمْ فَأتُوا حَرْثَكمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ على إحدى الروايتين في سبب نزولها.
وكان الظهار أحد أنواع طلاق الجاهلية وفي أول الإِسلام حتى نزل في أول الإِسلام بأويس بن الصامت وزوجته خويلة بنت خالد، على الخلاف في اسمها واسم أبيها أيضًا: قد سمع الله قول التي تُجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله الآية.
فبيَّن الله ﵎ سنة الظهار، وكان ذلك [نسخًا] (١) لما كانوا عليه في الجاهلية وفي أول الإِسلام.
وهو أعنى الظهار ينقسم على أربعة أقسام:
[تشبيه] (٢) جُملة بجملة كقولهِ: "أنت علىَّ مثل أمِّى".
أو تشبيه [البعض بالبعض] (٣)، كقولهِ فرجُك علىّ "كفرج أُمِّي".
وتشبيه البعض بالجملة، كقوله: [بضعك] (٤) علىَّ كأُمِّى".
وتشبيه الجُملة بالبعض، كقولهِ: "أنت علىّ كظهر أُمِّى".
وكُلُّها في الحُكم سواء.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في هـ: البضع بالبضع.
(٤) في أ: بطنك.
[ ٥ / ٤٢ ]
المسألة الثانية
فيما يلزم مِن الظهار مِن القول:
والظّهار ينقسم على قسمين:
ظهار مِن ذوات المحارم.
وظهار مِن الأجنبيات.
فالقسم الأول: [في الظهار] (١) مِن ذوات المحارم، لا يخلو مِن أنْ يذكر الظهر فيهنَّ أو لا يذكره:
فإن ذكر الظهر فيهنَّ فإنَّهُ يلزمُهُ الظهار بالاتفاق.
وإن ادّعى أنَّه أراد بهِ الطلاق، هل ينوى أو لا ينوى.
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ لا ينوى ويلزمهُ الظهار ولا يلزمُهُ الطلاق، وهذا القول يُروى عن مالك: "أنَّهُ يكون ظهارًا، ولا يكون طلاقًا" وإنْ نواه في "كتاب [النوادر] " (٢)، وبهِ قال محمَّد بن عبد الحكم في كتاب "محمَّد".
والثانى: أنَّهُ ينوى ويصرف إلى الطلاق بنيَّتهِ ويسقط عنهُ الظهار، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب بن سحنون.
والقول الثالث: [التفصيل] (٣) بين أن تشهد البينة على لفظه أم لا:
_________________
(١) في أ: كالظهار.
(٢) في هـ: النذور.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٤٣ ]
فإن شهدت البيِّنة على لفظه فإنَّهُ يلزمُهُ الطلاق والظهار جميعًا، يلزمُهُ الطلاق بنيَّته والظهار بلفظه، فإذا تزوّجها بعد ذلك فلا يمسَّها حتى يُكفِّر كفَّارة الظهار، وهو قول مالك في مختصر [الوقار] (١)، في قوله: "أنت علىَّ حرام مِثل أمِّى".
وعلى القول بأنَّ الطلاق يلزمُهُ، هل ينوى في العدد أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنَّهُ لا ينوى ويلزمهُ الطلاق الثلاث، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن سحنون.
والثانى: أنَّه ينوى ويلزمهُ ما نوى مِن واحدةٍ فأكثر، وهو قول سحنون في كتاب "محمَّد" على ما نقلهُ محمَّد بن أبي زيد في "النوادر".
وسبب الخلاف: صريح الظهار، هل يُصرف إلى الطلاق بالنيَّة أم لا؟
فمن رأى صريح الظهار يصرف إلى الطلاق بالنيَّة قال: ينوى فيكون الطلاق عندهُ أصل، والظهار فرع مِن فروعهِ، ولاسيما أن مآل الظهار إنْ لم يرد بهِ العودة [إلى الطلاق] (٢).
وَمَنْ رأى أنَّهُ لا يُصرف [إلى الطلاق] (٣) [بالنيَّة قال: لأنَّ الظهار أصل كما أنَّ الطلاق أصل فلا يُصرف أحدهما بالنيَّة إلى الآخر، ولا أعرف في المذهب نص خلاف في أنَّ صريحه لا يُصرف إلى الظهار] (٤) بالنيَّة، ولا يبعُد دخول الخلاف فيهِ بالمعنى، ولاسيَّما على القول بأنَّ
_________________
(١) في أ: ابن عبد الحكم.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: إليه.
(٤) سقط من هـ.
[ ٥ / ٤٤ ]
الطلاق بمجرد اللفظ لا يلزم.
وأمَّا كناية الظهار: فهل تصرف إلى الطلاق بنيَّة أم لا؟
فقولان: في كل فصل، وقد قدَّمناهُ في "مسألة الحرام"، وهو قول يحيى بن عمر في "المنتخبة" فانظرهُ.
فإن لم يذكر الظهر في ذوات المحارم ففى ذلك ستة ألفاظ:
أحدها: أن يقول: "أنت علىّ حرام مِثل أمِّى".
والثانى: أن يقول لها: "أنت علىَّ مِثل أُمِّي".
والثالث: أنْ يقول [لها] (١): "أنت علىَّ أحرم مِن أمِّي".
والرابع: أنْ يقول لها: [أنت أمى] (٢).
والخامس: أن يقول لها: "أنت علىَّ كبعض مَنْ حُرِّم علىَّ مِن النساء".
والسادس: أن يقول: "أنت علىَّ مِثل كلُّ شىءٍ حرمَّهُ [الله] " (٣).
أمّا قولُهُ: "أنت علىّ حرام مثل أُمِّى" أو "مثل ابنتى" أو "أُختى" أو قال لها: "أنت علَىَّ حرام كأمى"، فلا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن يكون أراد بذلك الطلاق.
والثانى: ألا يكون لهُ نيَّة.
فإن ادْعى أنَّهُ أراد بذلك الطلاق، ما الذي يلزمُهُ؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: أنت على أمى.
(٣) في جـ، ع: الكتاب.
[ ٥ / ٤٥ ]
فالمذهب على أربعة أقوال كُلُّها قائمة مِن الكتاب:
أحدها: أنَّهُ يلزمُهُ الطلاق الثلاث، وهو قولُهُ في "كتاب الظهار" مِن "المُدوّنة": "ولا يلزمُهُ الظهار"، وهو ظاهر قول أشهب في كتاب "العتق الأول" في مسألة "ناصح ومرزوق"، حيث قال: "يُعتق مرزوق بالنيَّة".
والقول الثاني: أنَّهُ يلزمهُ الظهار ولا يلزمُهُ الطلاق، وهذا القول ذكرهُ سحنون عن غيره، وظاهر قول ابن القاسم في "مسألة ناصح" حيث قال: "لا يُعتق فيما بينهُ وبين الله تعالى إلا ناصح".
والقول الثالث: أنَّهُ يلزمهُ [الطلاق] (١) والظهار جميعًا، فيلزمُهُ [الظهار] (٢) بلفظه والطلاق بنيَّته، وهو نصُّ قول ابن القاسم [في المدونة] (٣) في "مسألة [ناصح] (٤) " لأنَّهُ قال: "يُعتقان جميعًا".
والقول الرابع: أنَّهُ لا شىء عليهِ، ولا يلزمُهُ الطلاق ولا الظهار، وهذا القول قائمٌ مِن المُدوّنة في اللفظ دون النيَّة أو النيَّة دون اللفظ.
وقد بَيَّنَّا مواضع الاستقراء مِن "المُدوّنة" في كتاب "التخيير والتمليك" وتوجيه كلُّ قولٍ ظاهر، فلا فائدة من التطويل.
فأمَّا إذا لم تكن لهُ نيَّة الطلاق، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يكون ظهارًا، ولا يلزمُهُ الطلاق، وهو قول ابن القاسم في "المُدوّنة".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: الطلاق.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ٤٦ ]
والثانى: أنَّهُ طلاق البتَّة، فإن تزوجها بعد زوجٍ فلا يطأها حتى يُكفِّر كفَّارة الظهار، وهو قوله في "مختصر الوقاد"، وهذا القول مبنىٌ على الاحتياط.
وأمَّا إذا قال [لها] (١): "أنت علىَّ أحرم مِن أُمِّى" فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ طلاقُ البتَّة، وهو قول ابن القاسم في "العُتبيَّة".
والثانى: أنَّهُ مُظاهر، وهو قول محمَّد بن الموَّاز [ووجه القول الأول أنه لم يعلق التحريم بها وإنما علقه بغيرها فخرج عن الظهار وجرى على حكم من حرم زوجته ولم يذكر أمه] (٢).
ووجهُ القول الثاني: أنَّهُ ليس في بنات آدم أحرم عليه مِن أُمِّهِ، فلم يلزمُهُ أكثر مِن الظهار.
وأمَّا إن قال لها: "أنتِ أمِّى":
فإن نوى به الطلاق، فهي ثلاث، ولا ينوى في أقلِّ منهما، ولا يعود عليه الظهار إن تزوجها يومًا ما، وهو قولُ مالك في رواية أشهب [عنه] (٣) في العُتبيَّة".
فإن لم يُرد به طلاقًا فهو ظهار، أرادهُ أو لم يُردهُ، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم [في العتبية] (٤)، وبهِ قال سحنون.
أمَّا قولُهُ: "أنت على كبعضِ مَنْ حُرِّم علىَّ مِن النساء" كانَ مظاهرًا،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ٤٧ ]
لأنَّ الأُم والأُخت ممِن حُرِّم عليهِ مِن النساء.
وأمَّا قولُهُ: "أنت علىَّ [حرام] (١) مِثل كُلُّ شىءٍ حرّمهُ الكتاب".
هل يكون ظِهارًا أو طلاقًا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يكون ظهارًا، وهو [قول] (٢) ربيعة في الكتاب، وقول عبد الملك وابن عبد الحكم وأصبغ مِن الأصحاب.
والثانى: أنَّهُ يكون طلاقًا وتلزمهُ الثلاث، وهو قولُ مالك في المبسوط وابن القاسم في العُتبيَّة، بمنزلة الدم والميتة، وقول ابن نافع.
والقول الثالث: أنَّهُ يلزمُهُ الحكمان جميعًا، فإذا تزوّجها بعد زوجٍ لزمهُ الظهار، وهو اختيار بعض المتأخرين.
وسبب الخلاف: [اختلافهم] (٣) في تأويل قوله: "مثل كُل شىء حرّمه الكتاب" هل يُحمل عل عمومه فيكون كما قال مالك وابن القاسم أو يُحمل على الخصوص فيكون كما قالَ عبد الملك [وغيره] (٤) فيتأول على [أنه كل] (٥) شىء حرمه الكتاب مِن النساء أو يبنى على الاحتياط فيكون كما قال اللخمى وغيرهُ؟.
والقسم الثاني [في] (٦) الظهار [من] (٧) الأجنبيات: فلا يخلو مِن أنْ يكونَ قد سمَّى الظهر أو لم يُسمِّهِ.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: من.
(٧) في أ: في.
[ ٥ / ٤٨ ]
فإن سمَّاهُ، هل يكون ظهارًا أو طلاقًا؟ فالمذهب على خمسةِ أقوال:
أحدها: أنَّهُ ظهار إلا أن يُريد بهِ الطلاق، وهو [قول] (١) ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ طلاق إلا أنْ يُريد بهِ الظهار، وهو قول سحنون في "السليمانية".
والثالث: أنَّهُ ظهار وإن أراد بهِ الطلاق، وهو قولُ ابن الموّاز قال "وهو قول مالك وأصحابه".
والرابع: أنَّهُ طلاق وإن أراد بهِ الظهار، وهو قول عبد الملك في "المُدوّنة" [و] (٢) في كتاب ابن حبيب.
والخامس: أنَّهُ لا يكون ظهارًا ولا طلاقًا، وهذا ظاهر قولُ مُطرف [فيما] (٣) إذا قال: "أنت علىّ كظهر أمتي أو غُلامى" حيث قال: "لا يكون ظهارًا ولا طلاقًا وإنَّهُ لمنكر مِن القول".
يقول: "لا يكون ظهارًا لأنَّهُ غيرُ ما نزل فيه القُرآن، ولا يكون طلاقًا لأنَّه لم ينْوهِ، وإنَّما نَوَى ما يرى أنَّهُ تبقى معهُ العصمة".
وهذا الذي قال مُطرف: "لا ينعقد الظهار في الأجنبيَّة لأنَّهُ خارج عمَّا نزل فيه القرآن، ولا يكون طلاقًا لأنَّهُ لم ينوهِ، وإنَّما نوى ما يرى أنَّهُ تبقى معهُ العصمة.
وسببُ الخلاف: اختلافهم في كنايات الظهار هل تُصرف إلى الطلاق بالنيَّة أم لا؟ لأنَّ قوله: "أنت علىّ كظهر فلانة الأجنبَّية" هو مِن كنايات
_________________
(١) في أ: مذهب.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٤٩ ]
الظهار عند ابن القاسم. وعبد الملك: "ليس للظهار كناية عنده".
ولذلك قال في هذه المسألة: "أنَّهُ طلاق، ولا يكون ظهارًا عنده إلا في ذوات المحارم".
وأمَّا إذا لم يذكر الظهر في [الأجنبيات] (١) مثل أن يقولَ لزوجتهِ: "أنت عليَّ كفلانة الأجنبيَّة"، هل يكون ظهارًا أو طلاقًا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يلزمُهُ الطلاق الثلاث ولا يكون [ظهارًا] (٢) ولا يُصدَّق إذا ادَّعى أنَّهُ أراد الظهار، وهو قول ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ يكون ظهارًا إلا أن يُريد [به] (٣) الطلاق، وهو قولُ أشهب في كتاب محمَّد.
والثالث: أنَّهُ لا يكون ظهارًا ولا طلاقًا، وهو [ظاهر] (٤) قولُ مُطرف.
[ويلزم] (٥) فيهِ قولٌ رابع: أنَّهُ يلزمُهُ الظهار والطلاق جميعًا [والحمد لله وحده] (٦).
_________________
(١) في أ: الأجنبية.
(٢) في أ: طلاقا.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: ويلزمه.
(٦) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٥ / ٥٠ ]
المسألة الثالثة
في الظهار المُعلَّق بشرط أو بوقت.
والظهار على وجهين: مُطلق، ومُقيَّد.
فالمُطلق مِثل أن يقول: "أنت علىَّ كظهر أمِّي"، فلا خلاف أنَّهُ مُظاهر ويلزمُهُ ما يلزم المظاهر.
وأمَّا المُقَّيد: فعلى وجهين:
مُقَّيد بوقت، ومُقيَّد بشرط.
فالمُقيَّد بالوقت على وجهين:
أحدهما: أن يكون الظهار ينعقد عليه عند حلول الوقت. [والثانى: أن يكون انحلاله عند انحلال الوقت] (١)، فإنْ كان انعقادُهُ عند حلول الوقت مثل قولهِ: "إذا مضى شهر فأنت علىَّ كظهر أُمِّى" هل يلزمُهُ الظهار أو لا يلزمُهُ؟
فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ يلزمُهُ الظهار [من] (٢) الآن قياسًا على الطلاق، وهو المشهور.
والثانى: أنَّهُ لا يكون مظاهرًا حتى يأتى ذلك الوقت، وهذا أحد قولى مالك في الظهار المُقيَّد انحلاله بأجل، وسيأتى الكلام عليهِ آنفًا.
وسبب الخلاف: هل يُقاس الظهار على الطلاق أم لا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ٥١ ]
فإن كان انحلاله عند حُلول الوقت مثل قوله: "أنت علىَّ كظهر أُمِّى مِن الآن إلى شهر" هل يتعدَّ الظهار ذلك الوقت أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يتعدَّاه ويلزمُهُ وإنْ خرج الوقت الذي علَّق عليهِ الظهار فإن لم تجب عليهِ الكفَّارة بالعودة في الأجل، وهو قولُهُ في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ لا شىء عليه، ويسقط عنهُ الظهار [إذا] (١) خرج الأجل قبل أن يعود، وهذا القولُ حَكاهُ مُطرف عن مالك في "الزاهى" لابن شعبان، ومثلُهُ مروىٌ عن ابن عباس ﵁.
وأمَّا قولُهُ: "أنت على كظهر أُمِّى إلى قُدوم [فُلانة" فقد قال في "المُدونة": "أنَّهُ لا يكون مُظاهرًا حتى يقدمُ فُلان بمنزلة من قال: "أنت طالق إلى قُدوم] (٢) فُلان" إنَّهُ لا يلزمُهُ [الظهار] (٣) فيها حتى يقدمُ [فلان] (٤).
فتأوّل أكثرهم أن "إلى" هاهُنا بمعنى "عند"، وأنَّها كالشرط لا كالأجل، ألا تَرَاهُ قال في الكتاب: "فإن لم يقدم فلان [فلا يقع] (٥) ظهار ولا طلاق".
وفرّق أبو الحسن اللخمى بين الظهار والطلاق: فيلزمهُ الظهار مِن الآن ولا يلزمهُ الطلاق حتى يقدم فلان.
_________________
(١) في أ: إنما.
(٢) سقط من هـ.
(٣) في أ: الطلاق.
(٤) في أ: جـ: فيها.
(٥) في ع، هـ: لم يلزمه.
[ ٥ / ٥٢ ]
قال: لأنَّ "إلى" [فائدتها] (١) الغاية فيجب أن تُحمل على موضوعها حتى يقدم الدليل أنه أريد به الشرط المفهوم مِن قولهِ: "أنت علىَّ كظهر أمِّى إلى قُدوم فلان" أنَّها مِن الآن عليه كظهرِ أُمِّه حتى يقدم. فإذا قدُم سقط عنهُ الظهار إنْ لم تقع منهُ العودة قبل قُدومهِ، وقد قال بهِ "الصحابي"، وأخذ بهِ مالك في أحد أقاويلهِ.
وليس [أحدٌ يقولَ: "أنْ تُطلَّق عليه زوجتُهُ] (٢) الآن، وتعود عليهِ إذا قدم [فلان] (٣)، ويصحُّ ذلك في الظهار على قول".
وهذا الذي قال ﵁ ظاهرٌ في المعنى، والأصلُ في الصيغ الحقيقة، ولا تُصرف إلى المجاز إلا بدليل [قاطع] (٤)، و"إلى" موضوعها "الغاية" كما ذكروا.
وأمَّا الظهار المُقيَّد بالشرط: فلا يخلو ذلك الشرط مِن أن يتعلَّق بفعل نفسه أو يتعلَّق بفعل غيرهُ:
فإن علَّقهُ بفعلِ غيرهِ مِثل أن يقول: "أنت علىَّ كظهر أُمِّى إنْ دخل زيدٌ الدار" أو "ركب دابة" أو "ما أشبه ذلك" فلا خلاف أنَّهُ لا يلزمُهُ الظهار حتى يوجد ذلك الفعل مِن فُلان.
فإن علَّقهُ بفعلِ نفسهِ، فلا يخلو مِن أنْ يقيد ذلك بيوم بعينهِ أو لا يقيد:
فإن لم يقيد ذلك اليوم بعينه مِثل أن يقول: "أنت على كظهر أُمِّى إنْ دخلت الدار" أو "كلمت زيدًا" فلا خلاف أنَّهُ لا شىء عليهِ حتى
_________________
(١) في أ: بأنه.
(٢) في ع، هـ: يعقد أحد أن يطلق زوجته.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ٥٣ ]
يُوجد منهُ الحنث.
فإن قيد ذلك بيومٍ بعينه فلا يخلو مِن أن يجعل اليوم ظرفًا للفعل أو يجعلهُ ظرفًا لليمين:
فإن جعلهُ ظرفًا للفعل مثل أن يقول: "أنت علىّ كظهر أمِّى إنْ دخلت هذه [الدار] (١) اليوم".
فإن وُجد منهُ الدُخُول في اليوم الذي علقهُ به لزِمهُ الظهار.
وإن مضى ذلك اليوم ولم يدخُل ولم يتكلم سقط عنهُ اليمين ولا خلاف في ذلك.
فإن جعل اليوم ظرفًا لليمين دون الفعل مثل قوله: "أنتِ عليَّ كظهر أُمِّى [اليوم] (٢) إن كلمتُ فلانًا" أو "دخلتُ الدار"، فلا يخلو مِن أن تكون لهُ نيَّة أم لا:
فإن كانت لهُ نيَّة في قوله: "أنت علىَّ كظهر أمِّى اليوم إنْ كلمتُ فلانا": يُريد إنْ كلَّمتُهُ اليوم فهو كالوجه الأول الذي جعل فيه اليوم ظرفًا للفعل، ولا خلاف أنَّهُ لا شىء عليهِ إنْ مضى اليوم ولم يفعل، وعلى هذا المعنى تأوّل الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد قول ابن القاسم في "المُدوّنة".
فإن لم تكن لهُ نيَّة هل يسقطُ عنهُ الظهار إذا مضى اليوم ولم يفعل فيهِ أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ لا شىء عليه إذا مضى اليوم ولم يفعل كما لو نصَّ على تعيين ذلك اليوم للفعل، وعلى هذا تأوّل اللخمى [المسألة التي في الكتاب
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ٥٤ ]
وهو] (١) قول مالك ومُطرف، وعليها اختصرها ابن أبي زمنين وابن عبد الحكم، وهو قولٌ موافق لما قاله ابن عبد الحكم [في القائل] (٢): "أنت طالق اليوم إنْ كلمت فُلانًا غدًا [أنه إن كلمه غدًا] (٣) ": فلا شىء عليهِ، لأنَّ ذلك الغد مَضَى وهي زوجة، وقد انقضى وقت وُقوع الطلاق.
ومثلُهُ لابن القاسم في كتاب "محمَّد" فيمن قال لامرأتهِ: "إنْ تزوجتُكَ فأنت طالق غدًا" فتزوجها بعدَ غدٍ فلا شىء عليه، وإنْ تزوّجها قبل غدٍ طُلَّقت عليهِ.
والقول الثانى: أنَّهُ يلزمُهُ الظهار وإنْ مضى [ذلك] (٤) اليوم لتعلَّقه إياهُ باليوم دون الدخول ولأن الظهار صادف [عصمته] (٥)، كما لو قالَ لها ذلك في ظهار مطلق، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو محمَّد وابن لبابة وغيرهما، وأنَّ المسألتين مختلفتان عندهما على ظاهرهما، وإنَّما جعلهما ابن القاسم في الكتاب على جوابٍ واحدٍ لأن المُراد بهما واحد يُريد "إن كلمتك اليوم" وبهِ قال أبو القاسم بن محرز أيضًا.
وقال الشيخ أبو محمد في مسألة ابن عبد الحكم المُتقدمة: "هذا خلاف أصل قولُ مالك والطلاق يلزمُهُ إذا كلَّمهُ [غدًا] (٦)، وليس لتعلُّق الطلاق بالأيام وجه [والحمد لله وحده] (٧).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: محلًا به وفي جـ، ع: عصمة.
(٦) سقط من أ.
(٧) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٥ / ٥٥ ]
المسألة الرابعة
فيمن أوْقع [الظهار والطلاق أو الظهار والإيلاء في كلمة واحدة ولا يخلو من وجهين: أحدهما: أن] (١) يوقع الظهار والطلاق معًا، والثانى: أنْ يُوقع الظهار والإيلاء معًا.
فأمَّا الوجه الأول: إذا أوقع الطلاق والظهار معًا فلا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن يوقعهما في أجنبيَّة.
والثانى: أن يوقعهما في زوجة.
فإن أوقعهما في أجنبيَّة فلا يخلو مِن أن يكون ذلك بشرط التزويج أو لا.
فإن أطلق ولم يُقيِّد بشرط التزويج فلا خلاف في المذهب عندنا أنَّهُ لا شىء عليه.
وإن قيَّد ذلك بشرط التزويج مثل قوله: "إنْ تزوجتُك فأنت طالق، وأنتِ علىَّ كظهر أُمِّى": فإنَّهُ يلزَمُهُ الظهار والطلاق إذا تزوجها على مشهور المذهب في تعليق الطلاق بشرط التزويج.
وسواءٌ كان الطلاق واحدة أو بتاتًا، وسواءٌ قدم الظهار على الطلاق أو قدم الطلاق على الظهار، و[قد] (٢) قال في "المُدوّنة": "والذي قدم الظهار في لفظهِ أبين. يُريد أنَّ الزوجية تبقى مع وقوع الظهار [ولا تبقى مع وقوع الطلاق] (٣)، ولكن حكمها في هذا السؤال واحد، فإذا تزوجها
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٥٦ ]
وقعا معًا، ولا يُقال أنَّ أحدهما أسبق مِن الآخر في الوقوع، وإن [أسبقه] (١) في اللفظ، لانتظارهما محلًا يقعان فيهِ، فإذا وقع العقد وقع الطلاق، ثُمَّ إنْ تزوجها بعد ذلك فلا يقربها حتى يكفر كفَّارة الظهار إذا حصلت منهُ العودة.
فإذا وقع ذلك في زوجته فلا يخلو من أنْ يُقدِّم الظهار على الطلاق أو قدَّم الطلاق على الظهار:
فإن قدَّم الظهار على الطلاق لزماه جميعًا، لأنَّ الظهار ينعقد مع بقاء الزوجية كما تقدَّم فتُطلَّق عليه، ثُمَّ إذا تزوّجها بعد ذلك لزِمهُ فيها الظهار.
فإن قدَّم الطلاقُ على الظهار فلا يخلو مِن أن يدخُل بها أم لا:
فإن دخل بها فلا يخلو مِن أن يكون الطلاقُ واحدة أو ثلاثًا:
فإن كان الطلاقُ واحدة وكانت مدخولًا بها فالطلاق والظهار يلزماهُ جميعًا إنْ كان الطلاقُ طلاقًا رجعيًا لبقائها في العصمة.
وإن كان الطلاقُ بتاتًا أو [هى] (٢) واحدة وهي غير مدخولٍ بها أو كانت مدخولًا بها وكان الطلاقُ بائنًا كطلاقُ الخلع فلا يلزمُهُ الظهار، لأنَّهُ لم يُصادف محلًا لانحلال العصمة بالطلاق السابق إلى المحلِ.
وفرق بين أنْ يعقب الظهار الطلاق في غير المدخول بها أو عقب الطلاق الظهار، مِثل أن يقول: أنت طالق [أنت طالق] (٣).
ولا فرق في [الحقيقة] (٤) بين الظهار والطلاق، لأنَّ قولَهُ: "أنت
_________________
(١) في أ: سبقت.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: التحقيق.
[ ٥ / ٥٧ ]
طالق أنت طالق" قد خرجت فيه الزوجة بنفس الطلقة الأولى مِن العصمة، وأوقع الثانية في غير الزوجة، فإلى هذا ذهب إسماعيل القاضى.
وأمَّا الوجه الثاني: إذا أوقع الظهار والإيلاء معًا، فلا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن يُصرِّح بكلِّ واحدٍ منهما.
والثانى: أنْ يضمن أحدهما الآخر.
فإن صرَّح باسم كُلِّ واحدٍ منهما مِثل أن يقول: "والله لا أطأكِ وأنت علىَّ كظهر أُمِّي": كان للزوجة أنْ توقفهُ عند مُضى الأربعةِ الأشهر مِن يوم آلى وظاهر.
واختُلف فيما يلزمُهُ إذا أوقفتهُ على ثلاثةِ أقوال:
أحدها: أنَّهُ مُخاطب بالإيلاء خاصةً فإنْ كفَّر كفَّارة الإيلاء سقط مقالها، ثُمَّ يُضرب الأجل للظهار ولا يُطالب بالظهار إلا بعد الفراغ مِن حُكم الإيلاء لضرورة الترتيب، وهو أحد أقاويل "المُدوّنة".
في المُظاهر المضار: أنَّ الأجل فيهِ مِن يوم الرفع.
والثانى: أنه مخاطب بالكفارتين جميعًا، كفَّارة الإيلاء وكفَّارة الظهار، وهو أحد أقاويل "المُدوّنة" أيضًا في المُظاهر [المضار] (١) إذا تبيَّن ضرره، وضُرب لهُ أجل أربعة أشهر فحلَّت لا زيادة أجل آخر يضر بالمرأة.
والقول الثالث: أنَّهُ مُخاطب بكفارة الظهار ثُمَّ بالإصابة أنَّهُ لا يجزئه غيرُ ذلك، لأنَّهُ قد اجتمع إيلاءٌ وظهار، وهو ظاهر المُدوّنة من كتاب الظهار وكتاب الإيلاء مِن المُدوّنة، وهو أصحُّ الأقوال، لأنَّهُ [مُطالب] (٢)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ: مخاطب.
[ ٥ / ٥٨ ]
[في الإيلاء] (١) بالإصابة أولًا، وهو لا يُمكَّن مِن الإصابة إلا بتقديم الكفَّارة في الظهار، والإصابة حقٌ للزوجة، فعليهِ أن يدفع كُل مانعٍ يمنعه منها.
وعلى القول بأنَّه يكفِّر كفَّارة الإيلاء فإذا كفَّر عن الإيلاء هل يزول حكمُهُ ويسقُط أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يسقط حكمُهُ بالكفَّارة، وهو قول ابن القاسم في كتاب الإيلاء مِن المُدوّنة.
والثانى: أنَّهُ لا يسقُط إلا بالإصابة، وهو قولُ أشهب في الكتاب المذكور.
وأمَّا إن ضمن أحدهما الآخر مثل قوله: إنْ [وطئتك] (٢) فأنت علىَّ كظهر أُمى، هل ينعقد عليهِ [الإيلاء] (٣) بنفس [اليمين] (٤) أو لا ينعقد عليهِ إلا بالإصابة؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ يكون مؤليًا بنفس اليمين، وهو قوله في المدونة.
والثانى: أنه لا ينعقد عليه إلا بالإصابة أو الرفع إلى الإِمام إذا تبيَّن ضره فيوقف حينئذٍ أو يضرب لهُ أَجل المُؤلى على [الخلاف] (٥) في ذلك، وسنورده [بعد هذا] (٦) إنْ شاء اللهُ.
وعلى القول بأنَّهُ يكون مُؤليًا حين تكلَّم بذلك فإذا أوقف بعد الأربعة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: قربتك.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ، جـ: الإيلاء.
(٥) في أ: الإخلاف.
(٦) سقط من أ.
[ ٥ / ٥٩ ]
الأشهر هل يُمكَّن مِن الفيئة أو لا يُمكَّن؟ فالمذهب على أربعة أقوال كُلُّها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّهُ لا يُمكَّن من الفيئة جُملةً، لأن باقى وطئهِ لا يجوز، وهو قولُ الرواة في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ يُمكَّن مِن الوطء لتام، وهو قول ابن القاسم في "المُدوَّنة" في "كتاب الإيلاء": في الذي قال لامرأته: "إنْ وطئتُك فأنت طالق ثلاثًا"، وهو ظاهر قوله في "كتاب الظهار" حيثُ قال: "فإنْ وطء زال عنهُ الإيلاء ولزمهُ الظهار بالوطء".
والثالث: أنَّهُ يُمكَّن مِن مغيب الحشفة [خاصة] (١) ولا يزيدُ على ذلك بُناءً على أنَّ النزع ليس بوطء، وهو قول مطرف في "ثمانية أبى زيد"، وهو ظاهر "المُدوّنة"، لأنَّ الحنث يقعُ بمغيب الحشفة [خاصة] (٢)، وبهِ يجبُ الظهار، والتمادى [في] (٣) الوطء بعد وجوبهِ حرام، لأنَّهُ وطء قبل أن يُكفر، والله تعالى يقولُ في كتابهِ: ﴿مَن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾.
والقول الرابع: أنَّهُ لا يطأ ولا ينزل، وهو أضعفُ الأقوال.
وسبب الخلاف: [بين] (٤) مَنْ قال: يُمكَّن مِن الوطء على الجُملة ومَنْ قال لا يُمكَّن: اختلافهم في النزع، هل هو وطء أم لا؟
فَمَنْ قال أنَّ النزع وطء منعهُ مِن الوطء جُملةً.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ، جـ: على.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ٦٠ ]
وَمَنْ رأى أنَّ النزع ليس بوطء قال: يُمكَّن مِن الوطء.
وسببُهُ [بين] (١) مَنْ قال: يُمكَّن مِن الإنزال وبين مَنْ قال: لا يُمكَّن إلا [من] (٢) مغيب الحَشَفة: [اختلافهم في] (٣) [الحُكم] (٤) المُتعلق بماله أولًا وآخرًا مِن الأسماء، هل يتعلَّق بأول [الأسماء] (٥)، ثُمَّ لا يُمكَّن إلا مِن مغيب الحشفة، أو إنَّما يتعلق بأواخرها فيُمكَّن من الوطء التام.
ولهُ سببٌ آخر: الاستدامة هل هى كالإنشاء أم لا؟
وعلى القول بأنَّهُ لا يُمكَّن مِن الوطء جملةً هل يعجَّل عليه بالطلاق أو يُضرب لهُ أجلُ [الإيلاء] (٦)؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المُدوّنة" مِن "كتاب الإيلاء":
أحدهما: أنَّهُ يُعجل عليه الطلاق، وهو قولُ ابن القاسم في "الكتاب [المذكور] (٧) " في الذي قالَ لامرأتهِ: "إن وطئتَك فأنت طالق ثلاثًا".
والثانى: أنَّهُ لا يُعجَّل عليه بالطلاق ويضرب لهُ أجل المُولى أربعة أشهر، وهو قولُهُ في هذا "الكتاب": "أنَّهُ مولى حين تكلَّم بذلك"، وكذلك قال في "كتاب الإيلاء": "وفائدةُ الأجل وإن كان الزوج لا يُمكَّن مِن الفيئة، لاحتمال أنْ ترضى الزوجة بالمقام بلا وطء".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من هـ.
(٥) في أ: الإسم.
(٦) في أ: المولى.
(٧) سقط من أ.
[ ٥ / ٦١ ]
وعلى القول بأنَّهُ يُمكن مِن الوطء التام هل تجب عليه كفَّارة الظهار بذلك الوطء أو لا تجب عليه إلا بوجود العودة الثانية؟
فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ لا تجب [عليه] (١) الكفارة إلا بالعودة ثانيةً ولا تجب بالوطء للذى وجب [عليه] (٢) به الظهار، وهو قولُ ابن القاسم في "العُتبيَّة".
وعلى هذا حمل أكثرُ [المتأخرين] (٣) قوله في "المُدوَّنة" [والثانى] (٤): "أنَّه تجبُ عليهِ الكفَّارة بنفس الوطء"، وهو قولُ ابن الموَّاز وغيرهِ ممن منع الوطء جُملةً كعبد الملك وغيرهِ، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المُدوَّنة" على ما تأوّلهُ بعضُ الشيوخ.
وذلك ظاهر [على] (٥) ما أصَّله وقدَّرهُ.
والحمدُ لله وحدهُ.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ع، هـ: المختصرين.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٥ / ٦٢ ]
المسألة الخامسة
في دخول الإيلاء على الظهار على سبيل الاضطرار.
ولا يخلو المُظاهر مِن وجهين:
أحدهما: أن يكون قادرًا على إسقاط الظهار بأحد الكفَّارات الثلاث التي ذكرها الله تعالى في كتابهِ أو غيرُ قادرٍ على ذلكَ بعسرٍ وعجزٍ عن الصوم.
فإن كان مُعسرًا أو عاجزًا فلا يخلو مِن أن يكون العجز أو العُسر أمرًا طرأ بعد عقد الظهار [أو كان في تلك الصفة بين ظرفين. فإن كان العسر والعجز أمرًا طرأ بعد عقد الظهار] (١) لم يدخُل عليهِ الإيلاء، لأنَّهُ لم يقصد الضرر بها.
فإن كان مُعسرًا أو عاجزًا عن الصوم حين ظاهر [منها] (٢)، وكان قد قصدَ الضرر بنفس الظهار فهل تطلَّق عليه الآن أو يُضرب لهُ أجل الإيلاء؟ على قولين قائمين مِن "المُدوّنة" وبيانُهما في الفصل الذي يليه.
والوجه الثاني: إذا كان قادرًا على إسقاط الظهار بإحدى الكفَّارات الثلاث: فلا خلاف أعلمهُ في المذهب أنَّ الإيلاء يدخُل عليهِ.
واختُلف متى يُضرب لهُ الأجل؟ على ثلاثة أقوال كُلُّها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّ الأجل فيهِ من يوم التظاهُر، وهو قولُ ابن القاسم في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ٦٣ ]
"المُدوَّنة".
والثانى: أنَّ الأجل فيهِ من يوم الرفع، وهو قولُ الغير في "المُدوَّنة".
قال سحنون في الكتاب: "وكلٌ لمالك، والوقف بعد ضرب الأجل أحسن".
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يتبيَّن ضررهُ أم لا.
فإن تبيَّن ضررهُ، ضُرب [له] (١) الأجل مِن يومئذ.
فإن لم يتبيَّن ضررهُ فلا شىء عليه ولا يتعرض لهُ إلا أن يتطاول ذلك فيكون لها القيام، وهو قول الغير في "المُدوّنة" في "كتاب الظهار"، وهو نصُّ قولُ مالك في كتاب "ابن الموّاز".
وعلى القول بأن الأجل من يوم التظاهر أو من يوم الرفع فإذا حلّ الأجل ولمْ يشرع في الكفَّارة ثُمَّ قال: "دعونى [أكفر] (٢) عن ظهارى" هل يتلوم له أو تُطلَّق عليه؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يتلوم لهُ مرةً بعد مرة ويؤخره الإِمام، فإن تبيَّن لهُ كذبُهُ: حكم عليهِ بالطلاق، وهو قول ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ لا يتلوم ولا يؤخر، وهو قول محمَّد وعبد الملك إذ لا يزاد في أجل الإيلاء.
وقال عبد الملك بن الماجشون: "إن ابتدأ صومُ شهرين، بعد ضربِ السلطان الأجل، ثُمَّ [انقضى] (٣) الأجل قبل تمام صومهِ فلا يخلو مِن أن يكون ذلك باختيار منهُ أو بغير اختيارٍ منهُ:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: إن تقضي.
[ ٥ / ٦٤ ]
فإن كان ذلك باختيارٍ منهُ، فإنَّها تطلق عليهِ، ثُمَّ [إن] (١) انقضى الصوم وهي في العدَّة كان لهُ أن يرتجع.
فإن ارتجع قبل انقضاء الصوم ثُمَّ انقضى وهي في العدَّة كانت رجعته رجعة.
فإن كان ذلك بغير اختيارٍ منه مِثل أن يبتديء الصوم في الأربعةِ الأشهر أول ما ضُربت وهو صحيح ثُمَّ مَرِضَ حتى مضى الأجل قبل أنْ يُكمل صومهُ: لم تُطلَّق عليه، لأنَّهُ معذور [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من هـ.
[ ٥ / ٦٥ ]
المسألة السادسة
فيمن ظاهر مِن جماعة النساء. ولا يخلو ذلك مِن ثلاثة أوجه:
أحدها: أنْ يُعلِّق ذلك بشرط التزويج.
والثانى: أن يُعلِّقهُ بالكلام والدخول.
والثالث: أن يكون الظهار مُطلقًا.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا علَّقهُ بشرط التزويج، فلا يخلو ذلك مِن أن يكون في نساء معيَّنات أو في نساء مجهولات [فإن كان في نساء مجهولات] (١): [فله] (٢) ثلاثة ألفاظ "كُل" و"من" و"أي".
فأمَّا "كُلُّ" [فمثل] (٣) قولُهُ: كُلُّ امرأةٍ أتزوّجها فهي علىَّ كظهر أمِّى هل تُكرر عليهِ الكفَّارة أو كفارة واحدة تجزئه؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ كفارة واحدة تجزئُهُ عن كُلِّ مَن تزوّج مِن النساء، وهو قولُ مالك في "المُدوّنة".
فإن تزوّج واحدةً ثُمَّ وطئها فإنَّهُ يجب عليه الكفَّارة ماتت أو طُلِّقت، ثُمَّ إن تزوّج أُخرى فلا يطؤها حتى يُكفِّر.
وكذلك إنْ ماتت الأُولى قبل الوطء ثُمَّ تزوّج غيرها فلا يقربها حتى يُكفِّر.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: فيه.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٦٦ ]
فإن كفَّر ثُمَّ تزوّج ثانيةً فلهُ أن يطأ بغير كفَّارة، وهو قولُهُ في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّ عليه في كل امرأة يتزوجها كفَّارة وهو قولُهُ في "مختصر ما ليس في المختصر"، وهو قول ابن نافع أيضًا، وهذا القول قائم مِن "المُدوّنة" مِن قولهِ: "مَنْ تزوجت منكنَّ" وكلاهما من صيغ العموم.
فأمَّا "من" و"أي"، مثل قوله: "مَن تزوجتُ مِن النساء فهي علىَّ كظهر أُمِّى [أو قال: أي امرأة أتزوجها فهي علىَّ كظهر أمى] (١) " فقد قال في الكتاب: "عليهِ في كُلِّ واحدةٍ كفَّارة" ولم أر في ذلك نص خلافٍ في المذهب، [والخلاف] (٢) داخلٌ فيها بالمعنى، قياسًا على"كُل".
والفرقُ بين "كُل" و"مِن" على مذهب الكتاب لأن "ومِن" "إياهما" مِن صيغ العموم [لإبهامهما] (٣) واشتمالهما على الآحاد بغير تعيين ولا تخصيص فأفادتا العموم مِن هذا الوجه، [لا من] (٤) مقتضى نفس صيغتهما كمُقتضى [لفظة] (٥) "كُل" و"أجمع".
فلمَّا كانت "من" و"أي " إنَّما تقعُ على الآحاد لزِمت في كُلِّ واحدة كفَّارة ولم يلزم ذلك في "كُل" إذ هى بنفسها ووضعها للاستغراق فكانت كاليمين على أشياء فحث بفعل أحدها، فلو جمع بين "كُل" و"مِن" مِثل: أن يقول: "كل مَن تزوّجت مِن النساء فهي علىَّ كظهرِ أمى" فكانت بمنزلة مَنْ لم يذكر "مِن"، وكان الحُكم لقولهِ "كُل"،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ولا خلاف.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٥ / ٦٧ ]
لأن من هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض.
فإن قال ذلك [لنساء] (١) [معينات] (٢) فلهُ أربعة ألفاظ "إن" و"كُل" و"مَن" و"أي".
فأمَّا "إنْ": فمثل قوله: إن تزوجتكُنَّ فأنتُنَّ علىَّ كظهر أُمِّى، فليس عليهِ إلا كفَّارة واحدة بلا خلاف في ذلك.
وأمَّا "كُل" فعلى الخلاف الذي قدَّمناهُ إذا كن مجهولات.
وأمَّا "مَنْ" و"أي" فمثل قوله: "مَن تزوجتُ منكنَّ أو أيتكُنَّ تزوّجت فهي علىّ كظهر أُمِّى": ففى كُلِّ واحدةٍ منهنَّ كفَّارة.
والجواب عن [الوجه] (٣) الثاني: إذا علقه بالكلام والدخول فيتخرج على الخلاف الذي قدَّمناهُ مِثل قوله: "إن دخلتُنَّ هذه الدار" و"إنْ كلمتكنَّ" أو قال: "كُل منْ دخلت منكنَّ هذه الدار" أو "كُلُّ مَنْ كلمتها منكنَّ" أو "مَنْ دخلت منكنَّ" أو "أي امرأة دخلت أو كلَّمتُها". فهذه الحروف كُلُّها للتبعيض في هذا الوجه: [فمن] (٤) دخلت منهن وجب [عليه] (٥) فيها الظهار، وعليهِ مِن الكفَّارات بعدد مَن دخل منهنَّ إلا في حرفٍ واحد.
وهو قولُهُ: "إنْ دخلتُنَّ هذه الدار" فدخلتها واحدة منهنَّ فإن المذهب اختلف فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ لا شىء عليهِ في الداخلة حتى يدخُلنَّ كُلُّهنَّ فتكون عليهِ
_________________
(١) في ع، هـ: في نساء.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: فيمن.
(٥) في أ: عليها.
[ ٥ / ٦٨ ]
كفَّارة واحدة، وهو قولُ ابن القاسم في "المُدوّنة" [في] (١) "كتاب العتق".
الثاني: أنَّهُ يحنث فيهنَّ بدخول واحدة ويُوقَّف عنهنَّ حتى يُكفِّر كفَّارة الظهار، وهو قول عبد الملك، وهذا القول قائم مِن "المُدوّنة" مِن "كتاب النذور" مِن قولهِ: "إن الحنث يقع بأقلِّ الأشياء".
والقول الثالث: أنَّهُ يحنث في الداخلة خاصة ولا شىء عليهِ في الآخرة حتى تدخل، وهو قول أشهب في كتاب "العِتق الثاني" مِن "المُدوّنة"، فجعل لكل واحدةٍ ظهارًا، وكفَّارة لكُل واحدةٍ.
ينبنى الخلاف على الخلاف في الحنث هل يقع بأقلِّ الأشياء أو لا يقع إلا بأكملها؟ والقولان قائمان مِن "المُدوّنة".
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كان الظهار مطلقًا، فلا يخلو مِن [أن يظاهر من امرأة واحدة أو من أربع نسوة. فإن ظاهر من امرأة واحدة فلا يخلو من] (٢) أن يُكرر عليهِ الظهار أو لا يكرره:
فإن لم يُكرر عليه الظهار، مِثل: أن يقول: "أنتِ علىّ كظهر أُمِّى": فعليهِ كفَّارة واحدة اتفاقًا.
فإن كرَّر عليه الظهار فلا يخلو من أن يكون ذلك في يمين أو في غير يمين أو يكون أحد الظهارين بيمين والآخر بغير يمين.
فإن كان ذلك بيمين فلا يخلوا مِن أنْ يتَّحدَ المحلوف عليهِ أو يتعدَّد المحلوف:
_________________
(١) في أ: و.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ٦٩ ]
فإن اتَّحد المحلوف عليه مثل قوله: إنْ دخلت هذه الدار، فأنت علىَّ كظهر أُمِّى [فيُكرِّر اليمين كَذَلك مِرارًا فالحكم في هذا الوجه كالحُكم فيمن كرَّر الظهار بغير يمين مثل قوله] (١): "أنت علىَّ كظهر أُمىِّ" فلا شىء عليه إلا كفَّارة واحدة، لأنَّهُ ظهارٌ واحد لأنَّها بأوّل مرَّة هى عليه كظهر أُمِّه وصارَ في قوله الثاني والثالث كالمواصف لها، إلا أن ينوى بتكريره الظهار ثلاث كفَّارات: فيلزمُهُ ذلك، وهذا نصُّ قوله في "المُدونة".
وقال الشيخ أبو الحسن اللخمى ﵁: "ولا يكون لهُ حُكم الظهار فإن نوى العدة وكفَّر عن الأوّل جاز لهُ الوطء، وإن لم يكفِّر عن الثاني".
والذي قالهُ صحيح، لأنَّهُ إنَّما تلزمُهُ كفارة مِثل كفارة الظهار يُؤديها مِن مالهِ للمساكين.
واختُلف إذا نوى بتكرار الظهار ظهارات، هل يلزمُهُ حكم ما ظهر مِن الظهارات مِن الكفارات أو لا يلزمهُ مِن الكفارات إلا كفارة واحدة؟ على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ يلزمه [عدد ما ذكر] (٢)، إذا نوى بذلك التكرار ظهارات، وهو أحد أقاويلهِ في "المُدوّنة" في "كتاب النذُور" حيث قال: "في يمينٍ واحدة، إلا أن يريد بما عمل الزور أو تلاهُ أيمان"، وهذا نصُّ الكتاب في بعض الروايات بإثبات "أو".
والثانى: أنَّهُ لا يكون عليه إلا ظهارًا واحدًا إلا أن ينوى ثلاث كفَّارات، وهو ظاهر "المُدوّنة" مِن "الكتاب المذكور" أيضًا، حيث قال:
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من هـ.
[ ٥ / ٧٠ ]
"فإن نوى باليمين الثانية غير الأولى، [وبالثالثة] (١) غير الثانية"، حيثُ قال: "لا يكون ذلك أبدًا إلا يمين واحد إلا أن يُريد بهما مُجمل النذور: [فتلزمهُ] (٢) ثلاث كفَّارات".
فإن تعدّد المحلوف عليهِ، مثل قوله: "أنت علىَّ كظهر أُمِّى إن دخلتِ هذه الدار" ثم قال: "أنت عَلىَّ كظهَر أُمِّى إن لبِستِ هذا الثوب" فهما ظهاران.
فإن حنث في أحدهما ونوى العودة، وكفَّر ثُمَّ حنث في الأخرى كانت عليهِ كفَّارة أخرى إذا نوى العودة.
واختُلف إذا حنث في أحد اليمينين فلم يكفِّر حتى حنث في اليمين الأخرى على قولين:
أحدهما: أنَّ كفّارة واحدة تُجزئُهُ، وهو قول عبد الملك والمخزومى.
والثانى: أنَّ عليهِ لكُلِّ يمين كفَّارة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المُدوَّنة".
والوجهُ الثالث: إذا كان أحد الظهارين بيمين والآخر بغير يمين مثل أن يكون عليه ظهار يمين فحنث فيه فلم يُكفِّر، حتى دخل عليهِ ظهار مجرد قد أوقعهُ على نفسه أو كان الأول ظهارًا مجردًا ولم يُكفِّر حتى دخل عليهِ [ظهار] (٣) آخر بيمين حنث فيها. هل تجزئُهُ كفَّارة واحدة أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّ عليهِ لكُلِّ ظهار كفَّارة، وهو ظاهر المُدوّنة وهو قول محمَّد
_________________
(١) في أ، جـ: وبالثلاثة.
(٢) سقط من هـ.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٧١ ]
ابن الموّاز: "إذا تقدَّم الظهار باليمين على الظهار المجرد" ولا فرق بين أن يتقدَّم أو يتأخَّر على ظاهر "المُدوّنة" [وعلى] (١) ظاهر قول محمَّد.
والثانى: أنَّ كفَّارة واحدة تجزئُهُ مِن غير اعتبار بيمينٍ سَبَق، وهو قول المخزومي وعبد الملك في المسألة الأولى إذا كان الظهار بيمين.
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يتقدَّم الذي [هو] (٢) بيمين فتكون عليهِ كفَّارة واحدة، و[بين] (٣) أن يتقدم الذي هو بغير يمين ثمَّ حلف فحنث كانت عليه كفَّارتان، وهو قولُ أصبغ في "المستخرجة".
فإن ظاهر مِن أربعة نسوة فلا يخلو مِن أن يجمعهن في كلمةٍ واحدة أو أفرد كُلُّ واحدةٍ منهنَّ بالذكر:
فإن جمعنَّ في كلمةٍ واحدة، وقال: "أنتُنَّ علىَّ كظهر أُمِّى" فعليه كفَّارة واحدة اتفاقًا.
فإن أفرد كُلَّ واحدةٍ [بالظهار] (٤) فلا يخلو من أن يكون ذلك في كلام مُتَّصل أو في كلام مُنفصل:
فإن كان في كلامٍ مُتَّصل مثل قولهِ: "أنت علىَّ كظهر أُمِّى" وأنتِ يُشير إلى غيرها فهل تتعدّد الكفَّارَات أو تتَّحد؟ قولان:
أحدهما: أنَّ الكفَّارات [تتعدد] (٥) بتعدد النِّساء المُظَاهر منهنَّ، وهو قول يحيى بن عمرو.
_________________
(١) في أ: وهو.
(٢) سقط من جـ، هـ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: في الظهار.
(٥) سقط من أ.
[ ٥ / ٧٢ ]
والثانى: أنَّهُ لا تلزمُهُ إلا كفارة واحدة، وهو قولُ أشهب.
والقولان قائمان مِن "المُدوَّنة" بالتأويل، وقد قال في "الكتاب" فيمن قال لامرأته: "أنت عليَّ كظهر أُمِّي" ثم قال للأُخرى: "وأنتِ عليَّ مِثلها: أنَّ عليهِ كفَّارتان.
وقولُهُ "ثُمَّ": هل [هى] (١) مِن كلام الحاكى من غير أن [يقتضيها] (٢) الزمان كما تقول: "قال زيد كذا ثم جاوبه عمرو بكذا. وإن كان جواب عمرو مُطابقًا لقول زيد" مِن كلام الحاكى [في اللفظ] (٣) دون المعنى فتكون عليه كفَّارتان كما لو انفصل الثاني عن الأول كما قال يحيى ابن عمرو. أو يُحمل قولُهُ "ثُم" على المعنى وعلى [موضوعها] (٤) في اللَّغة فيكون الحاكى إنَّما حكى المجلس على ما كان عليهِ، فلذلك قال في "الكتاب": عليهِ كفَّارتان.
فلو كان كلامُهُ مُتصلًا بعضُهُ ببعضِ مِن غير تراخٍ كما يقول ابن القاسم عليه كفَّارة واحدة [كما قال أشهب] (٥)، إذْ لا فرق بين قوله: "أنتما عليَّ كظهر أُمِّى" أو يقول: "أنت وأنت" إذا كان [كلاما] (٦) نسقًا.
فإن كان ذلك في كلامٍ مُنفصل فلا خلاف أنَّ الظهار يتعدد.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: يقتضيه.
(٣) في أ: باللفظ.
(٤) في ب: موضعها.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: كاملًا.
[ ٥ / ٧٣ ]
المسألة السابعة
في تعليق الظهار بدواعى الوطء. مِثل أن يقول: مُضاجعتُك وملامستُك وقبلتك علىَّ كظهر أُمِّى، هل ينعقد فيهِ الظهار أم لا؟ على ثلاثة أقوال كُلّها قائمة مِن "المُدوَّنة":
أحدها: أنَّ الظهار يتعلَّق بجميع دواعى الوطء، وهو مشهور المذهب، وهو تأويل جميع أصحابنا بالبغداديين وغيرهم أنَّ جميع أنواع الاستمتاع محرَّمة عليه حتى يُكفِّر، وهو ظاهر قول عبد الملك [أيضًا] (١)، لأنَّه قال: "إذا أخذ في صيام [المُظاهر] (٢) ثُمَّ قبَّل أو باشر قبل أنْ يُتمَّ صيامهُ، فإنَّهُ يستأنف".
فعلى هذا يكونُ مُظاهرًا إذا علَّق الظهار بذلك.
والثانى: أنَّهُ لا يتعلَّق الظهار بدواعى الوطء جُملةً، وهو تأويل الشيخ أبى الحسن اللخمى [على المذهب] (٣).
واستقرئ ذلك مِن قوله في المُظاهر: "لا يُقبِّل ولا يُباشر لأنَّ ذلك لا يدعو إلى خير"، فجعل المنعُ من ذلك حمايةً أن يقعَ في الجماع الذي هو مُحرَّم، ليس أنَّهُ تتعلق بهِ الكفَّارة في نفسه، وهو ظاهر قول أصبغ في غير "المُدوّنة" فيمن أخذ في الكفَّارة عن ظهار ثُمَّ قبل أو باشر فلا شىء عليه.
والقول الثالث: بالتفصيل بين النظر إلى محاسنها وبين القُبله والمُلامسة وغيرها. فيتعلق الظهار بالمُلامسة وغيرها ولا يتعلَّق بالنظر إلى محاسنها
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: التظاهر.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٧٤ ]
كالنظر إلى شعرها وصدرها، وهو ظاهر "المُدوّنة" مِن قولهِ: "ولا بأس أن يكون معها ويدخُل عليها بغير إذن إذا كان تُؤمن ناحيتُهُ" وإباحة الدُخول عليها بغير إذن سبب أن ينظر إلى ما اتفق عند دُخوله مِن سائر أطرافها مِن رأسها وشعرها وذراعيها وقدميها الذين هما عورة لما عُلم بالعادة أنَّ المرأة لا تتحرز في بيتها ولا تتحفظ في ستر أطرافها كما كانت تتحفَّظ إذا كانت خارجة، وكوْن الزوج مأذونًا في الدُخول عليها بلا إذن إباحة النظر إليها على [تلك الحالة] (١)، وهو قول أبى القاسم بن الجلاب: أنَّ لهُ النظر إلى الوجهِ والرأس واليدين وسائر الأطراف، وهو نصُّ قول مالك في "العُتبيَّة" في الرأس والشعر.
وأمَّا الوجهُ فقد قال في "الكتاب": "يجوز لهُ النظر إليه [وقد ينظر غيره إليه] (٢) "، ومعناهُ: لغير لذَّة وأمَّا باللذَّة فلا يجوز.
والقول الرابع: التفصيل بين النظر إلى المحاسن للذَّة أو لغير لذَّة:
فإن كان للذَّة حرم.
وإن كان لغير لذَّة لم يحرُم.
وهذا ظاهر قوله في "المُدوَّنة" في الوجه حيثُ قال: "وقد ينظر [غيره] (٣) إليه".
فيتحصَّل مِن "المُدوّنة" في تعليق الظهار بدواعى الوطء ثلاثة أقوال.
وفيما يجوز للمُظاهر مِن امرأتهِ قبل الكفَّارة أربعة أقوال:
أحدها: إباحة ما عدا الوطء مع الكراهة، لقولهِ في "الكتاب":
_________________
(١) في أ: ذلك.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: غيرك.
[ ٥ / ٧٥ ]
"لأنَّ ذلك لا يدعو إلى خير".
والثانى: أنَّهُ محظور جُملةً مِن غير تفصيل كالوطء، لقوله في "الكتاب": "لا يُقبِّل ولا يُباشر ولا يُلامس ولا ينظر إلى صدرها ولا إلى شعرها حتى يُكفِّر".
والثالث: التفصيل بين القُبلة والمُباشرة والنظر إلى المحاسن، وهو قولُهُ في "المُدوّنة" ولا يدخُل عليها بغير إذن.
والرابع: التفصيل بين الوجهِ وغيره مِن سائر المحاسن.
وسبب الخلاف: اختلافهم في دواعى الوطء، هل هى كالوطء أم لا؟
وَمَنْ فرَّق بين القُبلة والنظر إلى المحاسن يقول: القُبلة والمباشرة [والملامسة] (١) مقصودة في نفسها، والنظر إلى المحاسن مُرادٌ لغيره، لأنَّها مِن دواعى [الوطء] (٢) والمباشرة كما قدَّمناهُ في "كتاب الصيام".
وعلى هذا يتخرَّج الخلاف في الظهار مِن الرتقاء والصغيرة، لأنَّ الوطء منها لا يتمكن ودواعيهِ مِن القُبلة والمباشرة منهما متمكن.
ويبنى [عليه] (٣) اختلافهم في ظهار المجبوب والمعترض والشيخ الفانى وَمَنْ لا يقدرُ على الجماع هل يلزمُهم الظهار إذا ظاهروا مِن نسائهم أم لا؟
فمن رأى أنَّ دواعى الوطىء كالوطء يقول يلزمهم الظهار، لأنهم يستمتعون بما عدا الوطء مِن سائر أنواع الاستمتاع.
وَمَنْ رأى أنَّ دواعى الوطء ليست كالوطء قال لا يلزمهم الظهار، وهو قولُ علىَّ بن زياد وسحنون.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: القبلة.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٧٦ ]
وفرق في "المُدوّنة" بين المُتظاهر منهما وبين المعتدَّة وقال في المُعتدَّة: لا يجوز النظر إلى شىء من محاسنها، وذلك أنَّ المُعتدَّة مُنحلَّة العصمة مختلة النكاح، والمُتظاهر منها ثابتة العصمة صحيحة النكاح.
وينبنى الخلاف على الخلاف في تأويل قولهِ تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، هل هو عامٌ في جميع أنواع المُلامسة كما هو صريحُ مذهب مالك وجمهور العلماء أو مخصوص بالجماع، كما به قال "الحسن" و"عطاء والزُهرى وقتادة".
والحمد لله وحدهُ.
[ ٥ / ٧٧ ]
المسألة الثامنة
في العودة ما هى؟، و[قد] (١) قال الله ﵎: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ وقد اختلف العلماء فيها على أربعة مذاهب:
أحدها: أن العودة نفس لفظة الظهار لا أمرٌ زائد عليهِ، وبه قال مجاهد وطاووس فَحَمَلا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [أن يعود] (٢) إلى لفظ الظهار [الذي كانوا يطلقون به في الجاهلية فيعودوا إليه في الإِسلام بعد نزول الآية بتحريمه فتجب الكفارة عليه بنفس الظهار] (٣) لأنَّهُ عاد إلى فعل الجاهلية.
والثانى: أنَّ العودة تكرار لفظ الظهار مرَّة ثانية فإذا عاود اللفظ وكرَّرهُ وجبت عليهِ الكفَّارة، وهو مذهب أهل الظاهر.
والثالث: أنَّ العودة نفس وجود الإمساك، فمهما مضى لهُ [بعد الظهار] (٤) زمان يُمكنهُ أن يُطلِّق فيه [فلم يطلق ثبت أنه عائد ولزمته الكفارة لأن إقامته زمانًا يمكنه أن يطلق فيه] (٥)، دليلٌ على إرادة الإمساك، وهو مذهب الشافعى.
والرابع: أنَّ العودة العزمَ على وطئها، وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد بن حنبل ﵄.
وأمَّا مالك ﵁ فقد اضطرب مذهبُهُ واختُلف أقوال أصحابهُ،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٥ / ٧٨ ]
وتحصيل اختلافهم يحصرُهُ خمسةُ أقوال كُلُّها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّ العزمَ على الوطء وعلى الإمساك، وهو مشهور المذهب، وهي رواية أشهب عن مالك في كتاب "ابن الموَّاز".
فإذا عزمَ على وطئها وأمسكها فقد وجبت الكفَّارة عليه وإن ماتت أو طلَّقها، وهذا نصُّ قوله في الكتاب المذكور، وبهِ قال أصبغ، وقال ابن عبد الحكم: أخبرنى بهذا أشهب عن مالك.
وقال القاضى أبو الوليد الباجى: "وليس مِن شرط العزم الإمساك الأبدية، بل لو عزم على إمساكها سنة، كان عازمًا"، وهذا القولُ قائمٌ مِن "المُدوَّنة" مِن قولهِ: لأنَّهُ كفَّر قبل نيَّة العودة، ولا ينوى ذلك فيمن ليست في عصمته.
والثانى: أنَّ العودة: العزم على الوطء خاصة، [فمتى] (١) عزم على الوطء وجبت الكفَّارة، وهو نصُّ قوله في "المُدوَّنة".
والثالث: أنَّ العودة: العزم على الإمساك خاصةً، [فمتى] (٢) عزم على الوطء: وجبت الكفارة، وهذا قولٌ حكاهُ ابن الجلاب عن مالك ونحوهُ لعبد الله بن عبد الحكم، وعليه تأوّل يحيى بن عُمر قولُ نافع في الكتاب، حيثُ قال: " [وهو] (٣) لَا يُريد المصاب إلا حبس امرأتهُ" قلت: "وهذا بيِّن في مُجرد العزم على الحبس"، ويُؤخذ مِن "المُدوَّنة" أيضًا مِن: "مسألة الأمة التي تظاهر منها سيِّدها وليس لهُ مالٌ سواها"، حيث قال: "يجوز لهُ أنْ يعتقها عن ظهاره"، وهذا يقطع أنَّ العودة
_________________
(١) في هـ: فمهما.
(٢) في هـ: فمهما.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٧٩ ]
ليست مِن شرطها العزم على الإمساك الأبدى كما فسَّر القاضى أبو الوليد الباجي.
فقولهُ في هذه المسألة يحتمل ثلاثة أوْجه:
[إما] (١): العزم على الوطء وحده، وإما العزم على الإمساك [وإما مجرد الإمساك] (٢)، والوجهُ الأول والثالث أظهر مِن الثاني لأنَّهُ لو عزم على إمساكها ما أعتقها.
والوجه الثالث: [أيضًا] (٣) أظهر من الأول، لأنَّ عتقَهُ إياها يُنافى العزم على الإصابة إلا على القول بأنَّ نفس وجود العودة تجب الكفَّارة طلَّق أو أعتق أو مات، فيصحُّ وجهُ الأول والثانى.
والقول الرابع: أنَّ العودة: الوطء نفسهُ، وهذا القول حكاهُ [القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب] (٤) وغيرهُ عن مالك، وكما قال أبو حنيفة.
فعلى هذا لا يلزمُهُ الكفارة حتى يطأ، ثُمَّ لا يطأ بعد ذلك حتى يُكفِّر، وقالهُ جماعة مِن السلف وحكاهُ أصبغ عن مَن يرضى مِن [أهل] (٥) المدينة، وليس لهذا القول موضع يُستقرأ مِن "المُدوّنة".
والقول الخامس: أنَّ العودة: الإمساك مجردًا أو البقاء معها فمهما مضى لهُ مِن بعد الظهار زمان يُمكنُهُ أن يُطلِّق فيه ولم يُطلّق فيهِ ولم يُطلِّق وجبت عليهِ الكفَّارة كما يقول الشافعىَّ، وعليهِ تأوّل القاضى
_________________
(١) في أ: أحدها.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: أبو محمَّد عبد الوهاب القاضى.
(٥) سقط من أ.
[ ٥ / ٨٠ ]
أبو الوليد بن رُشد [قول] (١) ابن نافع.
ووجهُ الصواب في هذه المسألة وتصحيحُ القولُ المُختار منها يتبيَّن [ويتضح] (٢) مِن طريق "السبْر والتقسيم"، وذلك أنَّ معنى العودة لا يخلو [من] (٣) أن يكون:
تكرار اللفظ والوطء نفسهُ والإمساك نفسُهُ أو العزم على الوطء والإمساك أو العزم على الإمساك:
وباطلٌ أن يكون "تكرار اللفظ" أنَّ ذلك تأكيد والتأكيد لا يُوجب الكفَّارة.
وباطلٌ أيضًا أن يكون "إرادة الإمساك" أو "الإمساك مُجردًا".
فإنَّ الإمساك موجود بنفس الظهار وإرادة الإمساك دون إرادة الوطء لا يُؤثِّر، ولو كان العود نفس الإمساك لكان الظِّهار نفسهُ يُحرِّم الإمساك ولكان الظهارُ طلاقًا.
وباطلٌ أيضًا أن تكون العودة هى "الوطء نفسه" لقولهِ تعالى: ﴿من قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾.
فإذا بَطُلت الأقسام كُلَّها: تعيَّن أن تكون العودة العزم على الوطء مع استدامة العصمة، وهذا أشهر أقوال المذهب، وهذا الذي يصير على البر.
فإذا ثبت ذلك فنحنُ بحمد اللهِ نُبيِّن شُبهة كل قول.
_________________
(١) في أ: قال.
(٢) في أ: يتصحح.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٨١ ]
فشبهة الشافعية: أنَّ الإمساك يلزم منه الوطء، فجعلوا لازم الشىء شبيها [ببابه] (١)، ولأن الإمساك هو السبب في وجود الكفَّارة وإنما ترتفع بارتفاع الإمساك.
وشبهة من يقول "الوطء نفسه شبيه الظهار باليمين": فكما أنَّ كفَّارة اليمين إنَّما تجبُ بالحنث فكذلك الظهار، وهو قياس [شبه] (٢) عارضهُ النصُّ.
وشبهة الظاهرية: تعلق بظاهر اللفظ وأنَّ "اللام" في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ على أصلها [وأما مالك والشافعى ﵄ فقدرا في الآية محذوفًا وأن اللام في قوله تعالى: ﴿لِمَا قَالُوا﴾ بمعنى في] (٣) والتقدير "والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون" أي: يُريدون العوْدة فيما قالوا، ومَنْ لم يُقدِّرها هذا التقدير تجبُ الكفَّارة عندهُ بنفس الظهار [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: الشبه.
(٣) سقط من أ.
(٤) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٥ / ٨٢ ]
المسألة التاسعة
فيمن كفَّر قبل إرادة العودة أو بعد العودة ثُمَّ طلَّق أو ماتت قبل تمام الكفَّارة. ولا يخلو المُظاهر مِن [ثلاثة أوجه: أحدها] (١): أن يُكفِّر قبل إرادة العودة. أو كفَّر بعد العودة. أو حصلت العودة ثُمَّ [طلَّق] (٢) أو [مات] (٣) قبل أن يُكفِّر.
فإن كفَّر قبل أنْ يُريد العودة، و[هو] (٤) مع ذلك يُريد أن يُطلِّقها.
هل تجزئُهُ تلك الكفَّارة إذا راجعها يومًا ما أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّها لا تُجزئُهُ، حتى ينوى العودة، وهو قول محمَّد بن سحنون، والثانى: أنها تجزئه وهو ظاهر قولُ ابن سحنون عن أبيه أيضًا حيث قال: "وأكثر قول أصحابنا أنَّ مَنْ كفَّر بغير نيَّة العودة [لا تجزئه] (٥) "، وذلك يدلُّ على أنَّ هناك مَنْ يقول "إنَّها تجزئُهُ".
وأمَّا [إن] (٦) كفَّر بعد وجود العودة ثُمَّ [طلَّق أو مات] (٧) فلا خلاف في المذهب أنَّها تجزئهُ، ومتى تزوّجها كان لهُ أن يطأها بغير كفَّارة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ: طلقت.
(٣) في ع، هـ: ماتت.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ، جـ: من.
(٧) في هـ: طلقت أو ماتت.
[ ٥ / ٨٣ ]
وأمَّا الوجه الثالث [إذا نوى العودة ثم طلق أو مات] (١): فلا يخلو مِن أن يكون ذلك قبل الشروع في الكفَّارة أو بعد الشروع فيها:
فإن كان ذلك قبل الشُروع فيها، فهل تجب عليه الكفَّارة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يجب عليه أن يُكفِّر، لأنَّهُ بنفس العودة تجب الكفارة، وهو قول مالك في كتاب "محمَّد"، وبهِ قال أصبغ.
وقال محمَّد بن عبد الحكَم: "أخبرنى بهذا أشهب عن مالك وسواءٌ طلَّق أو مات".
والثانى: أنَّها لا تجبُ إلا مع استدامة الملك، وهو قولُ ابن القاسم في المدونة. فإن طلقها بعد الشروع في الكفارة هل يلزمه إتمامها وتجزئهُ [إن] (٢) أتمَّها أم لا؟ [أما] (٣) على القول بأنَّها [واجبة] (٤) بنفس [وجوب] (٥) العودة" فلا تفريع.
وعلى القول بأنها [لا] (٦) تجب عليه فلا يلزمُهُ إتمامها، وهل تجزئُهُ إن أتمَّها؟ فلا يخلو مِن أن يكون الطلاقُ رجعيًا أو بائنًا:
فإن كان الطلاق رجعيًا فأتمَّها قبل انقضاء العدَّة أجزأته مِن أيِّ أنواع الكفَّارات كانت ولا خلاف في ذلك.
وإن انقضت العدَّة قبل أن يُتمَّها وكان الطلاق بائنًا فهل تجزئُهُ إن أتمَّها أم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: ولها.
(٤) في أ: وجبت.
(٥) في أ: وجود.
(٦) سقط من أ.
[ ٥ / ٨٤ ]
لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّها تُجزئُهُ إذا أتمَّها وهو ظاهر قولُ ابن القاسم في "الكتاب" حيثُ قال: "إذا طلَّقها قبل أنْ يمسَّها وقد عمل في الكفَّارة لم يلزمهُ إتمامها"، وظاهرهُ: أنَّهُ يُجزئُهُ التمادى عليها لأنَّهُ إنَّما تكلَّم على اللزوم، وهو نصُّ قول ابن نافع في "المُدوّنة" حيث قال: "وإن تمادى أجزأه إذا أراد العودة"، وظاهرُهُ أن لا فرقَ بين انقضاء العدَّة وعدم انقضائها، ولا بين الصيام والإطعام، وهو نصُّ قول عبد الله بن عبد الحكم في "النوادر".
والثانى: أنَّها لا تُجزئُهُ، و[أنه] (١) إذا تزوَّجها يبتدئ الكفَّارة فيها كانت صيامًا أو طعامًا، وهو قول مالك وابن القاسم وابن وهب وأشهب في "النوادر".
والثالث: التفصيل بين الصيام والإطعام، وأنَّهُ يُتم على الإطعام، ويستأنف الصيام إذا تزوّجها، وهو قول أصبغ في "النوادر".
وسبب الخلاف: هل مَن شروطُ [وجوب] (٢) الكفارة استدامة الملك أو ليس مِن شروطهِ؟
فمن اشترطهُ قال: لا تجب الكفَّارة إذا طلَّق أو مات لأنَّهُ [إنما كفر ليطأ] (٣).
ومن لم يشترطهُ، قال: تجب بنفس وجود العودة وهذا أظهر في النظر.
والحمد لله وحدهُ.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: إنما يكفر أو يطأ.
[ ٥ / ٨٥ ]
المسألة العاشرة
في ظهار العبد وما يجوز [له] (١) أن يُكفِّر به. ولا خلاف أعلمُهُ في المذهب أن العبد لا يجوز لهُ أنْ يكفر بالعتق، وإنْ أذن لهُ سيدهُ إذْ الولاء لغيرِه.
وعلى هذا جميع العلماء إلا داود وأبو ثور فإنَّهما جوّزا للعبد الكفارة بالعتقِ.
وأمَّا الإطعام فلا يخلو مِن أنْ يأذن [له] (٢) سيدهُ فيهِ أو لم يأذن:
فإن لم يأذن له في الإطعام فلا خلاف أعلمه في المذهب نصًا أنَّهُ يجوز لهُ الكفَّارة بالإطعام.
والقياس: الجواز إذا كان العبد غير قادرٍ على الصيام، لأنَّه حقٌ متعلق بالمال [فوجب] (٣) اقتضاؤه منهُ، أصل ذلك الجنايات التي لم يأذن لهُ فيها، ومع ذلك يتعلَّق بماله إذا جنى، لأنَّ السيد إذا اختار تسليمهُ في الجناية أسلمهُ بمالهِ على مشهور المذهب.
فإن شئت فقس ظهاره على ما أذن له فيهِ من المعاملات إذا تركبه منهُ الدين، لأنَّ الإذن بالمُعامَلات يُشعر بالإذن في المُداينات، والإذن في النكاح يُشعر بالإذن في توابعهِ ومن توابعه الظهار وهذا لازمٌ للمذهب.
فإن أذن لهُ السيد في الإطعام وهو عاجز عن الصوم، هل يجزئُهُ أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٨٦ ]
أحدهما: أنَّهُ يُجزئُهُ، وهو قولُ ابن القاسم في كفَّارة اليمين بالله تعالى.
والثانى: أنَّهُ لا يُجزئُهُ، لأنَّ الإطعام يخرج إلى ما يعطاه وفيهِ ملك للسِّيد بعدما أذن لهُ [ولو شاء رجع فيه] (١)، وهو قول عبد الملك في "المبسوط"، ومثلُهُ لابن دينار، وهو ظاهر قوله في "المُدوّنة": "ليس على العبدِ عتقٌ ولا إطعام، ولو وجد مالًا يُطعم ويعتق"، ولكن يصوم، ويُؤخذ أيضًا مِن تعليل ابن القاسم في كفَّارة اليمين بقولهِ: "كأجنبى كفَّر عنه، إذا أذن لهُ السيِّد في الإطعام".
وأشهب يقول: "لا تجزئُهُ إذا كفَّر عنهُ الأجنبى، وإن كان بأمرهِ، فإنَّهُ يلزم أيضًا على قول أشهب ألا يجور وإن أذن لهُ السيِّد.
فإن عجز العبدُ عن الصيام ولا عندهُ مِن المال [ما يكفر به] (٢) إذا أذن لهُ السيِّد على قولٍ، فإنَّهُ لا يدخُل عليهِ الإيلاء، لأنَّهُ ليس بمضار.
وأمَّا كفَّارتهُ بالصيام: فلا يخلو [من] (٣) أن يكون الصيام يضرُّ بالسيِّد أولًا: فإن كان لا يضرُّ به فلا خلاف أنَّ ذلك كفَّارتهُ، وأنَّهُ إن تركهُ مع القُدرة عليهِ فإنَّهُ يدخُل عليه الإيلاء لأنه مضار.
وإن كان الصيام يضرُّ بالسيِّد في كون العبد يضعفُ عن الخدمة، هل لهُ أن يمنعَهُ منهُ أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ للسيد أن يمنعَهُ مِن الصيام، وهو قولُ ابن القاسم في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ما يكفرهما.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٨٧ ]
كتاب "الحجِّ الثالث" مِن "المُدوَّنة".
[والثانى] (١): [أنه] (٢) ليس لهُ منعُهُ، وهو قول عبد الملك وأصبغ في كتاب ابن حبيب، ومثلُهُ في كتاب "ابن الموّاز".
وسببُ الخلاف: الإذن في النكاح، هل هو إذن في توابعهِ أم لا؟
وعلى القول بأنَّ للسيد أن يمنعهُ مِن الصيام، هل يدخُل عليه الإيلاء إنْ رافعتهُ أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يدخلُ عليهِ الإيلاء، وهو قول ابن القاسم في كتاب "ابن حبيب".
والثانى: أنَّهُ لا يدخلُ عليهِ الإيلاء، ولا كلام لامرأتهِ إذا منعهُ [سيده] (٣) الصيام، وهو قول أصبغ في "كتاب النوادر".
وقد وقع لمالك ﵀ في "المُدوَّنة" [لفظة مشكلة] (٤) حارت أذهان المُتأخرين في تأويلها، وتنزيلها على المألوف مِن مذهبه [وعلى وفق] (٥) ما نصَّ الله ﷿ عليه في كتابه، [وهو قوله] (٦) في العبد المُظاهر: "أحبُّ إليَّ أنْ يصوم وإنْ أذن لهُ سيِّدهُ في الإطعام، فالصيام أحبُّ إليَّ منهُ".
وقال ابن القاسم عُقْيبهِ: "بل هو الواجب عليهِ، وليس [يطعم] (٧)
_________________
(١) في أ: والثالث.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: أهله.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: على نحو.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٥ / ٨٨ ]
أحدٌ إلا وهو [لا] (١) يستطيع الصيام".
وقد صرَّح ابن القاسم بتوهُّم قولُ مالك في "المبسوط"، وقال: "لا أدرى ما هذا، ولا [أرى] (٢) جوابهُ إلا وهمًا ولعلَّ جوابهُ في كفَّارة اليمين.
وهذا [منه] (٣) بناءً على أنَّ "أحبُّ" على بابُها في الاستحباب، ولذلك قال: "بل هو فرضهُ".
وأمَّا المتأخرون فقد اختلفوا في تأويل ذلك على أربعة أقوال:
أحدها: أن يُقال: يُحتمل أن يكون إنَّما قال ذلك، لأنَّ إذن السيِّد في الإطعام لا يُفيد الملك التام [للعبد] (٤)، إذْ لهُ الرجوع فيما أذن لهُ [فيه] (٥)، وانتزاع أصل ماله، فلأجل هذا قال: "الصيامُ أحبُّ إليَّ منهُ"، وهذا تأويل القاضى إسماعيل.
وعُورض هذا بأن يُقال: "إنَّما يُتصور ذلك، فيمن أُبيح لهُ الإطعام لعجزهِ عن الصيام.
وأمَّا مَنْ قدر عليهِ فهو فرضُهُ".
وعُورض أيضًا: بالمكفر عن غيره لأنَّ الكفَّارة لم تخرج مِن يده إلا إلى أيدى المساكين.
والقول الثاني: أنَّ معنى قوله: "أحبَّ إليَّ" لأنَّهُ عجز عن الصوم،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: أدرى.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من هـ.
(٥) سقط من أ.
[ ٥ / ٨٩ ]
فكان أحبُّ إليهِ أن يُؤخّر حتى يقوى عليهِ.
وهذا تأويل إسماعيل القاضى أيضًا والشيخ أبى بكر الأبهرى.
وعورض هذا التأويل بأنَّ مَنْ هذا سبيلُهُ، [ويُطعم] (١) مع القُدرة على الصيام بالقُرب أنَّ فرضَهُ التأخير حتى يقوى، فليس للاستحباب هاهُنا وجه، وإنْ كان لا يقوى ولا تُرجى لهُ قُدرة بالقُرب ففرضُهُ الإطعام، [ولا] (٢) وجه لذكرِ الصوم.
والقول الثالث: أنَّ ذلك الكلام مَنْ مالك تجوز ومعناهُ: أنَّ السيِّد أذن للعبد في الإطعام ومنعهُ مِن الصوم، فتردّد في ذلك هل للعبد أَن [يعدل] (٣) إلى الإطعام مع قُدرتهِ على الصيام أو ليس منع السيِّد من الصيام عذر [بين] (٤) كما به يقول عبد الملك وابن دينار. أو ذلك عُذرٌ مانعٌ مِن الصيام لحقِّ السيِّد وأنَّ لهُ أنْ يمنعهُ إذا استضر بذلك كما به قال مالك وابن القاسم، فتردَّدَ هذا عند مالك، وقال: "الصومُ أحبَّ إليَّ [أي إذن السيد له في الصيام أحب إلىّ] (٥) مِن إذنهِ في الإطعام"، وهذا تأويل بعض المتأخرين، وهو أشبه مِن كُلِّ [ما] (٦) تقدَّم مِن التأويل، فإذا كان هذا هكذا ارتفع الإشكال لأنَّ ترتيب كفَّارة الظهار على العبد كترتيبها على الحُر.
والقول الرابع: [أن] (٧) قوله: "أحبُّ إلى" [أي علىّ بأنه] (٨) من
_________________
(١) في هـ: ويطمع.
(٢) في أ: فلا.
(٣) في أ: يعيد.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ، جـ: من.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: غاية.
[ ٥ / ٩٠ ]
ترجيح أحد الأمرين ولا يكون وهمًا ولا يجوز وهو: أن يكون ترجيح الصوم أوْلى وإن منعَهُ السيِّد منهُ مع قُدرته عليهِ، وهو قولُ محمَّد [لأنَّهُ قال] (١): "إذا أذن لهُ سيِّدُهُ في الإطعام ومنعه الصوم أجزأه وأصوب أنْ يُكفِّر بالصيام".
وهذا تأويل القاضى أبى الفضل ﵀.
وأمَّا ظهارُ الحُرِّ المحجور عليهِ فلا يخلو مِن أن يكون مُوسرًا أو مُعسرًا:
فإن كان معسرًا وهو قادر على الصيام ففرضُهُ الصيام.
فإن ترك أن يُكفِّر به كان مضارًا ويدخلُ عليه الإيلاء.
فإن كان عاجزًا عن الصيام، فليس بمُضار.
فإن [كان] (٢) مُوسرًا وقادرًا على العِتق فهل يُكفِّر بالعتق أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يُكفِّر بالعتق وإن لم يأذن لهُ وليُّهُ إذا كان مليًا، وهي رواية عبد الملك عن الحسن عن ابن وهب في "العُتبيَّة".
والثانى: التفصيل بين أن تكون الكفارة أيسر عليه. والتزويج أضرَّ به كفَّر عنه [بالعتق] (٣)، وإن كان [تكفيره عنه] (٤) أضرَّ عليه في مالهِ [من] (٥) ابتداء النكاح لكون العِتق [يجحف] (٦) بمالهِ ولأنه ممَّا يتكرر
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من هـ.
(٤) في أ، جـ: كفارته.
(٥) في أ: في.
(٦) في أ: يخفف.
[ ٥ / ٩١ ]
[عليه] (١) اليمين بالظهار وهو رجلٌ مطلاق فلا يُكفِّر عنهُ.
وهو قول سحنون وجماعة مِن عُلمائنا في "العُتبيَّة".
وعلى القول بأنَّهُ لا يُكفِّر عنه الولى، فلا يخلو مِن أن يكون قادرًا على الصيام أم لا:
فإن كان قادرًا عليه، هل يجوز لهُ أن يُكفِّر بالصيام [أم لا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه يكفر بالصيام ويجزئه] (٢) وهو قول ابن الموَّاز.
[والثانى: أنَّهُ لا يجزئُهُ الصيام، لأنَّهُ مُوسر بالعتق والإطعام.
وعلى القول بأنَّهُ لا يجوز لهُ أن يُكفِّر بالصيام إذا] (٣) طلبت امرأتُهُ الفراق هل يُعجل عليه في الحال أو يضرب لهُ أجل المولى؟
فالمذهب على قولين.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: منه.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من هـ.
[ ٥ / ٩٢ ]
المسألة الحادية عشر
في كفَّارة الظهار. وهي ثلاثةُ أنواع:
صيام، وعتق، وإطعام. ولا خلاف بين العُلماء أنَّها على الترتيب العِتق ثُمَّ الصيام ثُمَّ الإطعام.
فإذا قدر على العِتق فلا يجوز لهُ العُدول إلى غيرهِ.
وهو يصحُّ بأربعة شروط:
أن تكون الرقبة مؤمنة سالمة مِن العُيوب التي لها قدر وبال. ليس فيها عقد حُرِّية، ويصحُّ للمُكفِّر مِلكها بعد الشراء وقبل العتق.
وهذه جُملة متفق عليها، فإنْ انخرم وصفٌ مِن هذه الأوصاف كانت مسألة خلاف.
وقولُنا: "مُومنة" احترازًا من أن تكون كافرة، ولا خلاف عندنا في الكافر الكبير الوثنى والكتابى أنَّه لا يُجزئُهُ لأنَّ الله ﵎ شرط الإيمان في العتق لقتل النفس، وذلك من باب حمل المُطلق على المقيد.
وقد اختلف فيه الأصوليون، ومِن طريق المعنى فإنَّهُ لا يُتقرب إلى الله تعالى بعِتق أعدائه.
واختلف إذا كان ممن يُجبر على الإِسلام كصغار المجوسيين على الوِفاق وكبارهم [وصغار الكتابيين] (١) على الخلاف، لأنَّهُ قد قدّمنا في "كتاب الجنائز" أنَّه: لا خلاف في صغار المجوسين إذا ملكوا أنهم يُجبرون على
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٥ / ٩٣ ]
الإِسلام، وفي [كبارهم] (١) قولان [ولا خلاف في كبار الكتابيين أنهم لا يجبرون على الإِسلام وفي صغارهم قولان] (٢).
وهذا عقدٌ صحيح فاعتمده.
وانظر قول ابن نافع في "كتاب التجارة إلى أرضِ الحرب". وهل يجوز عتقُهُم في [الكفارات] (٣) أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يُجزئُهُ، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المُدوَّنة" حيث قال: "لا بأس بعِتق الأعجمى في الكفَّارات".
والثانى: أنَّهُ لا يُجزئُهُ جملةً، وهو قول ابن وهب وأشهب.
والثالث: التفصيل بين المجوسى والكتابى [فيجوز المجوسى والكتابى] (٤) على التفصيل بين أن يُولد في مِلك المُسلم أو سبى مِن بلاد الحرب.
فإن وُلد في مِلك المُسلم فقولان:
أحدهما: أن لهُ حكم المُسلم لأنَّهُ على فطرة الإِسلام، وهو قول أبى مصعب.
والثانى: أنَّهُ لا يجزئُهُ إذا وُلد في مِلك المُسلم، وإن وُلد في أرض الشرك وسبى وحده دون أبيه فإنَّهُ يُجزئُهُ، وهذا القولُ حكاهُ ابن حبيب، و[هو] (٥) قول عبد الملك بن الماجشون في ["الاتباع"] (٦).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: الكفارة.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ع، هـ: الابتياع.
[ ٥ / ٩٤ ]
وسببُ الخلاف: من ملك أن يملك هل [يُعدُّ مالكًا] (١) قبل أن يملك أم لا؟
وقولنا: "سالمة مِن العُيوب التي لها قدر وبال" وهي على خمسة أقسام:
عيوب الخِلقة.
وعيوب الأخلاف.
وعيوب الدين.
وعيوب الذِّمَّة.
وعيوب [النسب] (٢).
فأمَّا عُيوب الخِلقة: فإنَّها تنقسم على خمسة أقسام:
عيبٌ يمنعُ مِن السعى والقيام بنفسهِ.
وعيبٌ لا يمنع السعى وهو يسير [وعيب يسير] (٣) شأنُهُ [التناهى] (٤) لجميع الجسد.
وعيبٌ كبير يعمُّ الجسد، وعيبُ يخص الجسد ولا يُؤثر في العجز عن السعى.
فأمَّا الأوَّل: "وهو العيب الذي يمنع السعى والقيام بنفسه" لأنَّها زمانةٌ أو ما في معنى الزمانة: لما تعطِّل الانتفاع بنفسه فذلك غيرُ جائز،
_________________
(١) في ع، هـ: يقدر كالمالك.
(٢) في هـ: النسبة.
(٣) سقط من أ.
(٤) في هـ: التنامى.
[ ٥ / ٩٥ ]
[كالأعمى] (١) والمُقعد والفالج وزوال العقل.
وإن كان بعضُ الجسد كالشلُّ وقطعُ اليد والأصابع وغير ذلك ممَّا [يعطل] (٢) اليد أو بعضها أو يَفسُد استعمالها.
وأمَّا الثاني: "وهو العيب اليسير الذي لا [يمنع السعى ولا] (٣) يخشى [تناهيه] (٤) " [فذلك جائز] (٥) كالمرض الخفيف أو قطع الأنملة والجدع من الأذن وذهاب بعض الأسنان والصمم الخفيف.
وأمَّا الثالث: "وهو عيبٌ يسير وشأنُهُ [التناهى] (٦) بجميع الجسد كبداية الجُذام والبرص واختلف هل يجزئ أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ [لا] (٧) يُجزئُهُ جُملةً، وهو قولُ ابن القاسم.
والثانى: التفصيل بين اليسير والكثير فاليسير يُجزئُهُ والكثير لا يُجزئُهُ، وهو قول أشهب في البرص الخفيف، ويُقاسُ عليهِ قليلُ الجزام أيضًا.
وأمَّا الرابع: وهو عيب كبير يعمُّ جميع الجسد، كالجذام والبرص فهو غير جائز وإن لم يمنعهُ السعى وقالهُ ابن حبيب في الشلل.
وأمَّا الخامس: وهو عيب يسير يخص بعض الجسد ولا يُؤثر في الجسد
_________________
(١) في أ: كالعماد.
(٢) في أ: تنفصل به.
(٣) سقط من أ.
(٤) في هـ: تناميه.
(٥) سقط من أ.
(٦) في هـ: التنامى.
(٧) سقط من أ، جـ.
[ ٥ / ٩٦ ]
في العجز عن السعى ولا يُخشى [تناهيه] (١) كالعَوَر والصمم والعرج والخصى، فقد اختُلف فيه هل يُجزئُهُ أم لا؟
أمَّا العَوَر: ففى المذهب قولان:
الجواز، وهو قولُهُ في "المُدوّنة".
والمنع، وهو قولهُ في "كتاب محمَّد" لأنَّ العور عيبٌ كبير أذهب عضوًا شريفًا مقدَّرًا مِن الحر بنصف الديّة إلا أنَّهُ لا ينقص من السعى.
وفي العرج ثلاثة أقوال:
الجواز مُطلقًا.
والمنع مُطلقًا.
والتفصيل بين العرج [اليسير] (٢) والعرج الكثير.
والثلاثة أقوال لِمالك في "الكتاب".
وأمَّا الخصي: فقد اختلف فيهِ على ثلاثة أقوال:
أحدها: الكراهة، وهو قولُهُ في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ لا [يجزئ] (٣) وإن كان خصيَّا [غير مجبوب] (٤) ما أجزأ.
والثالث: أنَّهُ يُجزئ، وهو قولُ أشهب في "كتاب محمَّد".
وأمَّا عيوب الأخلاق: كالزنا والسرقة والإباق، فلا خلاف أعلمهُ في
_________________
(١) في هـ: تناميه.
(٢) في هـ: الخفيف.
(٣) في أ، جـ: يجزئه.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ٩٧ ]
المذهب أنَّهُ لا يُؤثر وأنَّهُ يجوز.
وأمَّا عُيوب الدين: فكونهِ كتابيًا أو مجوسيًا، وقد تقدمَّ الكلام عليهِ.
وأمَّا عيوب الذِّمة: فكونُهُ ترتَّب عليه في ذمَّته ديون الناس فإن ذلك لا يمنع مِن الإجزاء أيضًا [وأما عيوب النسب: فكونه ولد الزنا فإن ذلك لا يمنع من الإجزاء أيضًا] (١).
وقولُنا: "ليس فيها عقد حُريَّة احترازًا مِن المدبر وأم الولد والمكاتب والمعتق إلى أجل والمُعتَق بعضُهُ.
[فأما أم الولد والمعتق بعضه] (٢) فلا يجزئه كان [ذلك] (٣) مِلكًا للمُكفِّر أو لغيره.
[وكذلك المدبر والمُكاتَب لأنَّهُ وضع خدمته أو وضع مال] (٤) واختُلف إذا اشتراهما وأعتقهما على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنَّ العتق مردود ولا يُجزئ ويفسخ البيع فيهما.
والثانى: أنَّ العتقَ ماضٍ ولا يُجزئُهُ.
والثالث: أنَّ العتقَ ماضٍ ويُجزئُهُ.
وهذه الأقوال كُلُّها قائمة مِن "المُدوّنة".
أمَّا المُكاتب: فسبب الخلافُ فيه إذا كان البيع برضاه هل لهُ أنْ يُعجز نفسه أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من هـ.
[ ٥ / ٩٨ ]
فمن رأى أنَّ لهُ أن يعجز نفسهُ وإن كان [له] (١) مال ظاهر قال: "لهُ نفوذ العِتق والإجزاء".
وَمَنْ رأى أنَّهُ لا يعجز نفسهُ قال: البيع وقع على غير الجواز وهل يفوت بالعتق؟ فيتخرَّج [الخلاف] (٢) فيهِ على الاختلاف في الكتابة هل هى بيعٌ أو عتق؟
فعلى القول بأنَّها بيع قال: العتق فوات ويُجزئ.
وعلى القول بأنَّهُ عتق قال: العتق ليس بفوات لأنَّ ذلك مِن باب نقل الولاء.
واختُلف في عبدٍ بينه وبين غيرهِ إذا أعتق جميعه عن ظهاره [أو أعتق منه ما يملك عن ظهاره] (٣)، ثُمَّ اشترى النصف الباقي فأعتقه عن ظهارهِ وكان في حين العِتق مُوسرًا أو مُعسرًا أو كان عبدًا مَلَك جميعه فعتق نصفُهُ عن ظهاره ثُمَّ أعتق النصف الباقي أو حكم بهِ عليه السلطان، هل يُجزئُهُ ذلك العِتق عن ظهارهِ في جميع ما ذكرنا وتبرأ ذمَّتهُ أم لا؟
فأمَّا عبدٌ بينهُ وبين غيره إذا أعتق جميعه أو أعتق بعضه وكان مُوسرًا. على القول بالسراية فينبغى أَن يُجزئهُ في هذا الوجهِ بلا خلاف.
وأمَّا إذا أعتق نصفهُ وكان جميعُهُ لهُ ثُمَّ استكمل عليهِ باقيه أو اشترى النصف الباقي [ليس] طرأ بعد العتق أو قُوّم عليه نصيب شريكهِ، إن كان مُوسرًا يوم أُعتق، هل يجزئُهُ أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ ذلك لا يُجزئُهُ، وهو قول ابن القاسم في المُدوَّنة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٥ / ٩٩ ]
والثانى: أنَّ ذلك يُجزئُهُ، وهو قوله [في] (١) العُتبيَّة في عبدٍ يملكُ جميعهُ إذا أعتق [نصفهُ] (٢)، ثُمَّ جبرهُ السلطان على عتق الباقي أنَّهُ يُجزئُهُ.
وقال بعض المتأخرين: ولا فرق بين أن يكون جميعهُ لهُ أو [يكون] (٣) شركةٌ بينهُ وبين غيرهِ.
وقولنا: "ويصحُّ للمُكفِّر [ملكها] (٤) بعد الشراء وقبل العتق احترازًا مِمن لا يصحُّ تملُّكُهُ بعد الشراء [وذلك] (٥) على وجهين:
أحدهما: أن يكون المنع مِن جهةِ الشرع.
والثانى: أن يكون مِن جهة الشرط.
فإن كان المنع مِن جهة الشرع كذوى القُربى الذين أوجب الشرع عتقهم وحرّم اقتناءهم.
فإذا اشترى أباهُ ونوى أن يعتقهُ عن ظهاره فلا يخلو [من] (٦) أن يتعلَّق بذلك حقّ الغير أم لا:
فإن لم يتعلق بذلك حقُّ لأحد فلا خلاف في المذهب أنَّهُ لا يُجزئُهُ.
وإن تعلَّق بذلك حقٌ [لأحد] (٧)، كغريم لهُ عليهِ ما يغترق ذمَّتهُ مِن الدين فأذن لهُ أن يشتريه ويعتقهُ عن ظهارهِ أو اشتراهُ بغير إذن الغُرماء
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: بعضه.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: عتقها.
(٥) في أ: أن ذلك.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ، جـ: لغيره.
[ ٥ / ١٠٠ ]
[فأذنوا] (١) لهُ في العتق بعد الشراء فهل يُجزئُهُ أم لا؟ فالمذهب يتخرّج على قولين:
أحدهما: الجواز.
والآخر: المنع.
وهذا على القول بأنَّ البيع ينعقد فيهِ إذا اشتراهُ وعليهِ ديْن يغترقه.
فإن كان المنع مِن جهةِ الشرط مثل عبد اشتراهُ بشرط العتق أو عبد قال: إن اشتريتُهُ فهو حرٌ فهل يُجزئهُ عن ظهاره أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ لا [يجزئه] (٢)، ولا تبرأ به الذِّمة، وهو قول ابن القاسم في "المُدوّنة"، لأنَّها ليست برقبة تامَّة.
والثانى: أنَّ ذلك يُجزئُهُ، وهو ظاهر قولُ ابن كنانة في شرح "ابن مزين" حيث قال: "إن كان جاهلًا يُؤمر بالإعادة".
وقال ابن القاسم في موضع آخر: "إن كان عالمًا بأنَّ ذلك لا ينبغى لم يجزئُهُ وإن كان لا وضيعة في ثمنهِ أجزأهُ".
وهذا مِثل ما أشار إليه ابن كنانة، ولابن القصار مِثل ذلك.
واختلف إذا عتق عنهُ الأجنبى بإذنه أو بغير إذنهِ على ثلاثة أقوال كُلّها منصوصة في "المُدوّنة":
أحدها: أنَّهُ يُجزئُهُ جملةً، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّ ذلك لا يُجزئُهُ [وهو قول الغير في الكتاب. والثالث:
_________________
(١) في أ: فأذن.
(٢) في أ: يجوز.
[ ٥ / ١٠١ ]
التفصيل بين أن يكون ذلك بإذنه فيجوز أو بغير إذنه فلا يجوز] (١)، وهو قول ابن القاسم أيضًا وهذا كلَّهُ إذا صحَّت العودة مِن المُتظاهر.
وأمَّا الصيام: فشهران متتابعان كما قال الله ﷿ في كتابه فمن أتى [به] (٢) مفترقًا، فلا يخلو مِن أن يكون ذلك لعُذرٍ أو لغير عُذر:
فإن كان ذلك لعُذر فلا يخلو مِن أن يكون ذلك لهُ اختيار أو لا اختيار لهُ فيه [فإن كان عذرًا لا اختيار له فيه] (٣):
كعُذر المرض فلا خلاف في المذهب أنَّهُ يُعذر ويجوز لهُ البناء على ما صام قبل المرض.
فإن كان لهُ فيه عُذر اختيار كالنسيان أو أخطأ في العدد أو جهل بالحُكم هل يُعذر بهِ أم لا؟ فالمذهب يتخرَّج على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يُجزئُهُ البناء ويكون معذورًا جُملةً، وهو ظاهر قول مالك في "المُدوّنة" في الذي صام ذا القعدة وذا الحجَّة جاهلًا فظنَّ أنَّهُ يُجزئُهُ حيث قال: إنَّهُ يُجزئُهُ ويحتمل أن يكون جهلُهُ بالحكم أو بتعيين الشهور وعلى هذا يجزيء الناس.
والذي أخطأ العدد داخلٌ في النسيان، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم لأنَّهُ ساوى بين المرض والنسيان.
[والثانى: أنه لا يجزئه ولا يعذر بجهل ولا نسيان وهو قوله في كتاب محمَّد في النسيان] (٤)، ويُقاسُ عليهِ ما عداهُ مِن أنواع الأعذار التي
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: بهما.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ١٠٢ ]
مازجتها شائبة الاختيار.
والقول الثالث: التفصيل بين الجهل والنسيان، فيُعذر بالنسيان والخطأ في العدد، ولا يُعذر بالجهل في مشروعية التتابعُ في صيام الظهار قياسًا على الصلاة.
وهذا القول لبعضِ المتأخرين.
وإن كان ذلك لغير عُذر فلا خلاف أنَّهُ يبتدئ.
وأمَّا الإطعام: فإنَّهُ [يجوز] (١) العدول إليه ويصحُّ التكفير بهِ إذا كان المُتظاهر عاجزًا عن الصوم وعجزُهُ على وجوه:
إمَّا أن يكون لمرض أو لضعف [بيِّن] (٢) أو مِثل المتعطش الذي لا يستطيع معهُ [الصوم] (٣) جملةً.
وإن كان يقدر عليه في زمان البرد ولا يقدرُ عليه في زمان الحر، فهل يجوزُ لهُ الإطعام أو يُؤخَّر إلى زمان البرد؟ قولان:
أحدهما: أنَّهُ يُؤخَّر، وهو قول ابن القاسم في الذي يطول بهِ المرض أنَّهُ ينتظر.
والثانى: أئهُ يُطعم ولا يؤخَّر، وهو ظاهر قول أشهب في مسألة المريض أيضًا.
وأمَّا المرض: فهو على أربعة أوجه:
قريب البُرء، وبعيدُهُ، و[موئس] (٤) من البُرء ومشكوك
_________________
(١) في ع، هـ: يجب.
(٢) في ع، هـ: بنيته.
(٣) في أ: العطش.
(٤) في أ، جـ: آيس.
[ ٥ / ١٠٣ ]
[فيه] (١).
فإن كان البُرء قريبًا لم يُجزئه الإطعام [ويجزئه] (٢) مع [الإياس] (٣).
واختُلف إذا كان يُرجى [فيه بَعد] (٤) بُعد أو شك فيهِ على قولين:
أحدهما: [أنه يجوز له الإطعام وينتظر البرء وهو قول ابن القاسم في المدونة والثانى:] (٥) أنَّهُ لا يجوز [له] (٦) الإطعام ولا يلزمُهُ [الإنتظار] (٧)، وهو قولُ أشهب في "المُدوّنة" لقولهِ تعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ وهذا غير مستطيع.
ولا يُعترض على هذا بقليل المرض لأنَّ القليل في معنى العدم.
فإذا ثبت ذلك فالكلام فيهِ [في] (٨) ثلاثة مواضع:
أحدها: في قدْر [الطعام] (٩).
والثانى: في جنسهِ.
والثالث: فيمن يجوز لهُ أخذُ الكفَّارة.
فأمَّا قدرُ الطعام: فقد اختلف فيهِ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يُطعم مدًا بُمد هشام كُلُّ واحد مِن [المساكين] (١٠) وهو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ، جـ ويجوز.
(٣) في هـ: اليأس.
(٤) سقط من أ، ع.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: فيه.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
(٩) في ع، هـ: الإطعام.
(١٠) في هـ: الستين.
[ ٥ / ١٠٤ ]
قول مالك في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ يُطعم كُلُّ واحد مُدَّين بمدِّ النبي - ﷺ -.
والثالث: أنَّهُ يُطعم [مدًا] (١) بمدِّ النبي - ﷺ -، وهو قول القاضى أبى الحسن بن القصَّار، وهو قول عبد الملك بن الماجشون في الغداء والعَشَاء. فجعلهُ مثلُ كفارة اليمين بالله تعالى.
واختُلف في قدْر مُد هشام على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّ قدرهُ مُدَّان إلا ثُلُث بمدِّ النبي - ﷺ -، وهو قول ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: أنَّهُ مُدَّان بمدِّ النبي - ﷺ -، وذكرهُ البغداديون عن معن بن عيسى.
والثالث: أنَّهُ مُد ونصف.
والرابع: أنَّهُ مُد وثُلث، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في كفَّارة الظهار هل يُردَّ حُكمُها إلى كفَّارة اليمين فتحمل عليها أو تحمل [على] (٢) كفَّارة الأذى؟
وذلك أنَّ الله ﵎ أوجب ثلاث كفَّارات في كتابه.
فكفَّارة اليمين. وهي [مقيدة] (٣) لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ و[كفارة] (٤) الأذى: وهي مُقيَّدة بقول الرسول ﵇: "مدان لكلِّ مسكين".
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) في أ: إلى.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ١٠٥ ]
وكفَّارة الظهار وهي مُطلقة غير مُقيَّدة بشىء.
فهل تُردُّ إلى فدية الأذى؟ لأنَّها الغاية، والزوجة [محرمة] (١) بما عَقَد فيها مِن الظهار فلا تباح إلا بالأشدِّ فيه وهو [أعلى الكفارات] (٢).
وقيل: "تُردُّ إلى كفَّارة اليمين [بالله تعالى لأن] (٣) الظهار يمين تكفر فأشبهت اليمين بالله تعالى.
وقد قيل [أيضًا] (٤) وليس في العِزق الذي أخرجهُ النبي - ﷺ - للمظاهر وأمره أنْ يُطعم بهِ ستين مسكينًا ما يفيد أنّ كفَّارة الظهار مقيدة لاختلاف الروايات في وسعِهِ.
فمنهم مَن قال: فيه خمسةُ عشر صاعًا.
ومنهم مَن قال: من خمسة عشر إلى عشرين.
ومثلُ هذا لا يصحُّ بهِ التقييد.
وأمَّا الجنس الذي يُطعم منهُ هل يُعتبر فيه عيش نفسه أو عيش جُل أهل بلدهِ؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يعتبر [بعيش جل] (٥) أهل البلد ويُكفِّر بهِ، وهو قولُهُ في "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّهُ يُكفِّر مِن عيشهِ ولا ينظر إلى عيش أهل البلد، وهو قولُهُ في كتاب محمَّد.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: أصل الكفارة.
(٣) سقط من أ.
(٤) زيادة من هـ.
(٥) في أ: بجل عيش.
[ ٥ / ١٠٦ ]
والثالث: التفصيل بين أن يأكُل الشعير مِن غير ضيقٍ [وغيره] (١) يأكُلُ القمح. فيُكفِّر بعيش أهل البلد. أو يأكُل القمح وأكلهم الشعير فيُكفِّر بعيشهِ، وهو قول ابن حبيب.
وأمَّا مَنْ يجوزُ لهُ أخذها: فهم الفُقراء والمساكين على الشروط التي ذكرناها وعدَّدناها "في كتاب الزكاة" [الثاني] (٢)، فلا فائدة للتطويل.
تمَّ الكتابُ بحمد الله وعونهِ.
وصلى الله على سيدنا محمَّد وآلهِ وسلِّم تسليمًا.
_________________
(١) في هـ: ومثله.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ١٠٧ ]
كتاب الإيلاء
[ ٥ / ١٠٩ ]