تحصيل مُشكلات هذا الكتاب، وجملتُها اثنتى عشرة مسألة.
المسألة الأولى
قال الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد ﵀:
قال الله سبحانهُ: ﴿يَا أَيهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ. . . .﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾.
فأمرَ تعالى أن تُطلَّق النساء للعِدَّة، فكان ذلك نهيًا عن إيقاع الثلاثة في كلمةٍ واحدة، فإن أوقعها في كلمةٍ كانت لازمة، لقوله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. وهي الرجعة فيما قال العلماء، فجعلها بائنة بإيقاع الثلاث في كلمة واحدة ولو لم تقع وتلزمهُ ما لم تفت الرجعة.
فدلنا سبحانهُ أنّ الطلاق سُنَّة وغير سُنَّة.
ومِن "المُدوّنة" قال سحنون: قلتُ لعبد الرحمن بن القاسم: أكان مالكٌ يكرهُ أن يُطلِّق [الرجل] (١) امرأتهُ ثلاثُ تطليقاتٍ في مجلسٍ واحد؟
قال: نعم، كان يكرهُهُ كراهيةً شديدة، ويقول: طلاقُ السُّنَّة أن يُطلِّق الرجل امرأتهُ تطليقةً واحدة، طاهرة، مِن غير جماع، ثُمَّ يتركها حتى يقضي لها ثلاثةُ قروء، ولا يُتبعها طلاقًا في ذلك. فإذا دخلت في الدم مِن الحيضة الثالثة، فقد حلْت للأزواج وبانت من زوجها الذي طلَّقها.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٤ / ١٥٧ ]
فانظر إلى هذا العقد الذي عقدهُ مالك، ﵁، فقد جمع فيه من الفروع ما لا يستقصى شرحها، ولا يستوعب بسطه إلا في مجلدات مع اتساع الأزمان والأوقات، وذلك يدل على غزارة مالك ﵁، وذكاء عقله، وفصاحة لسانه، وجمع المعاني الكثيرة بعبارة وجيزة تدلُّ على الجزالَة، وكُلمَّا قرب لفظًا كان أفصح، وكُلمَّا اختصر البيان كان أوضح.
فنحن بحمد الله نُومئ إلى جُملة كافية ممَّا احتوى عليه قولُ الإِمام، ونشرحُ [منها] (١) ما يستدلُّ بها المُسترشد، ويهتدى بمنارهِ المقتصد، إن شاء الله، وبهِ أستعين.
[فصل] (٢)
وقوله في السؤال: كان مالك يكره أن يُطلق الرجل امرأتهُ ثلاثُ تطليقاتٍ، في مجلسٍ واحد. . . . إلى آخره.
قال: وإنَّما حملهُ على السؤال ما علم مِن إجازة بعض العُلماء.
إيقاع الثلاث في كلمةٍ واحدة [وهو طلاق السنة عند الشافعي - ﵁ - فأراد أن يسأل عن مذهب مالك في المسألة هل هو على وفق مذهب الشافعي أو على خلافه فبين له ابن القاسم أن مذهب مالك في إيقاع الثلاث في كلمة واحدة] (٣) حرام.
وقال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب: الطلاقُ على وجهين: طلاق سنَّة وطلاقُ بدعة.
قال: ومعنى قولنا "طلاقُ السُنَّة" [أنه وقع] (٤) على هذا الوجه،
_________________
(١) في أ: بها.
(٢) زيادة من جـ، ع، هـ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: الموقع.
[ ٤ / ١٥٨ ]
الذي ورد الشرعُ بإيقاعه عليهِ.
ومعنى وصفنا بأنَّهُ البدعة: أنَّهُ وقع على غير الوجه الذي ورد الشرعُ بإيقاعهِ عليهِ.
والبدعة في أصل الوضع: إحداث الشيء على غير مثال.
وقد اختلف العلماء في إيقاع [الطلاق] (١) الثلاث في كلمةٍ واحدة.
فذهب مالك - ﵁ - إلى أنَّهُ بدعة.
وذهب الشافعي إلى أنَّهُ سُنَّة.
والدليل لمالك - ﵁ - ظواهر الكتاب ونصوص السُنَّة.
فأمَّا ظواهرُ الكتاب، فقولهُ تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢)، فلا يخلو [من] (٣) أن يكون أمرًا بصفة الطلاق، فالأمر يقتضى الوجوب أو يكون إخبارًا عن صفة الطلاق الشرعى [وكلا الأمرين يقتضى ألا يكون الطلاق الشرعي] (٤) على غير هذا الوجه.
وأما نصوص السُّنَّةَ: فما رواه مخرمة بن بكير [عن أبيه قال] (٥): سمعت محمد بن لبيد، قال: أخبر رسول الله - ﷺ - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات [جميعًا] (٦)، فقام غضبانًا، ثُمَّ قال: يُلْعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم، حتى قام رجلٌ فقال: يا رسول الله، ألا أقتلُهُ (٧).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سورة البقرة الآية (٢٢٩).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: جمعًا.
(٧) أخرجه النسائي (٣٤٠١) وفي "الكبرى" (٥٥٩٤) وضعفه الشيخ الألبانى رحمه الله تعالى.
[ ٤ / ١٥٩ ]
خرّجه الترمذي.
وبهذا قُلنا أنَّ مذهب مالك [-﵀-] (١) تحريم إيقاع [الطلاق] (٢) الثلاث في كلمةٍ واحدة، وأنَّ الكراهة التي يريدها مالك [كراهة] (٣) التحريم، فبعدَ وقوع الثلاث في كلمةٍ واحدة، هل يلزمُهُ الطلاق أو لا يلزمُهُ؟ بين العلماء خلاف.
[ومذاهب] (٤) فُقهاء الأمصار: أنَّهُ يلزمُهُ ما أوقعهُ مِن الطلاق، وأنَّها لا تحِلُّ لهُ إلا بعد زوج.
وذهب بعض أهل الظاهر إلى: أنَّهُ لا يلزمهُ شىء مِن أعداد الطلاق، ويُروى ذلك عن الحجَّاج بن أرطأة، ومحمد بن إسحاق، وحكاهُ القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب في "الإشراف" عن بعض المبتدعة أنَّه يلزمُهُ طلقةٌ واحدة، وهو مذهب علي بن أبي طالب - ﵁ - ومذهب ابن مسعود والزُبير بن العوَّام وعبد الرحمن بن عوف على ما نقلهُ أحمد بن محمَّد بن مغيث، وذكر أنَّ ذلك روايتهُ عن ابن وضَّاح، وهو مذهب ابن عباس - ﵁ - أيضًا وعنهم أجمعين.
[وقال] (٥): قال ابن عباس قولهُ [ثلاثةُ] (٦) [لا معنى له] (٧) لأنَّهُ لم يُطلِّق ثلاث مرات، وإنَّما يجوز قولهُ: في ثلاثة، إذا كان مُخبرًا عن ما مضى، فيقول: طلَّقتُ ثلاثًا، يُخبر عن ثلاثة أفعال كانت منهُ في ثلاثة أوقات، كرجلٍ قال: قرأتُ أمس سورة كذا ثلاث مرات، فذلك
_________________
(١) زيادة من جـ، ع، هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: كراهية.
(٤) في أ، جـ: فذهب.
(٥) سقط من أ.
(٦) في هـ: ثلاثًا.
(٧) سقط من أ.
[ ٤ / ١٦٠ ]
يصحُّ، فلو قرأها مرةً واحدة فقال: قرأتها ثلاث مرات، كان كاذبًا.
قال: وكان مِن حُجَّة ابن عباس - ﵁ - أن الله ﵎ [بيَّن] (١) في كتابهِ لفظ الطلاق، فقال ﷿:
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ يُريد أكثرُ الطلاقِ الذي يُمكن [بعده] (٢) الإمساك بالمعروف: وهو الرجعة في العدَّة.
ومعنى قولُهُ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، يُريد تركها بلا ارتجاع حتى تنقضى عدَّتُها، وفي ذلك [إحسانٌ] (٣) إليه وإليها، إن وقع الندم منهما، قال الله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾.
يريدُ الندم على الفُرقة والرغبة في الرجعة.
وموقع الثلاث غيرُ [حسن] (٤)، لأنَّهُ ترك [للمندوبة] (٥) التي [وُسِّعَ] (٦) بها ونُبِّهَ عليها، فذكر الله تعالى لفظِ الطلاق مُفرقًا يدلُّ [على أنه] (٧): إذا جَمَعَ فهو لفظٌ واحد.
وقال [العتبى] (٨) في إلزام المذهب واستقراء مذهب المبتدعة مِن "المُدوَّنة" وقد تخرَّج لنا من غير ما مسألة مِن المُدوَّنة ما يدلُ على ذلك.
فمنهُ قولُ الإنسان: مالى صدقة في المساكين، أنَّ الثُلُث يُجزؤهُ مِن ذلك قال: ولو ذهبنا إلى ذكرِ ذلك لطال الكتاب وخَرَجَ عن حدِّ
_________________
(١) في ع، هـ: فرق.
(٢) في أ: فيه.
(٣) في هـ: تحسين.
(٤) في هـ: محسن.
(٥) في هـ: للمندوحة.
(٦) في هـ: وَسَعَ الله.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: ابن مغيث.
[ ٤ / ١٦١ ]
الاختصار.
قلتُ: هذا منهُ جنوح إلى مذهب المُبتدعة، أنَّ الطلاق الثلاث في كلمة واحدة أنَّهُ يلزمُهُ واحدة، فقاس ذلك على مَنْ حلَّف بصدقة مالهِ أنَّهُ يلزمُهُ الثُلُث.
وقاس ذلك أيضًا على أحد القولين فيمن حَلَفَ بالأيمان بالطلاق أنهُ تلزمهُ [تطليقة] (١) واحدة. وهو قول الشيخ أبى عمران الفاسي، وأبى الحسن بن القابسي، وأبى بكر بن عبد الرحمن القُروي.
وخالفهم في ذلك أبو محمَّد بن أبي زيد فقال: يلزمُهُ ثلاث تطليقات.
وهذا الذي ذكرهُ العُتبى إلزام بارد وقياس فاسد.
ورُبَّما احتجَّ مَنْ قال بأنَّها واحدة بما خرّجهُ البخاري ومُسلم عن ابن عباس قال: كان الطلاقُ على عهد رسولِ الله - ﷺ - وأبى بكر وصدرًا مِن خلافة عمر - ﵄ -، طلاق الثلاث واحدة، فقال عُمر: لقد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيهِ أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاهُ عليهم (٢).
واحتجوا أيضًا بما رواه ابن إسحاق عن عِكرمة عن ابن عباسٍ، قال:
طلق ركانة زوجته ثلاثا في مجلسٍ واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، فسأله رسول الله - ﷺ -، كيف طلّقها [ثلاثًا] (٣) في مجلسٍ واحد؟ وقال: إنما تلك طلقةٌ (٤)، فارتجعَهَا (٥).
_________________
(١) في أ: طلقة.
(٢) أخرجه مسلم (١٤٧٢).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) أخرجه أحمد (٢٣٨٧) وأبو يعلى (٢٥٠٠) والبيهقي في "الكبرى" (١٤٧٦٤) وهو صحيح.
[ ٤ / ١٦٢ ]
وقد احتجَّ مَن انتصر للمذهب المشهور بأنَّ حديث ابن عباس الواقع في الصحيحين، إنَّما رواهُ عنهُ مِن أصحابه طاووس، وأنَّ جملة أصحابه، رَوَوْا عنهُ لُزوم الثلاث منهم سعيد بن جُبير ومجاهد وعطاء وعَمْرو بن دينار وجماعة غيرهم.
وأنَّ حديث ابن إسحاق وَهَمٌ، وأنَّ ما رواهُ الثقة أنَّ ركانة طلق زوجة البتة، لا ثلاثًا.
وأنَّ ابن طاووس أيضًا، قد رَوَى عن أبيهِ عن ابن عباس خلافَ ذلك.
قال القاضى أبو الوليد الباجي - ﵁ -: وعندى أنَّ الرواية عن ابن طاووس بذلك صحيحة، وقد رَوَى عنهُ الأئمة معمر وابن جُريج وغيرهم، وابن طاووس إمام، وأبوه طاووس إمام، والحديث الذي يشيرون إليه على عهد رسول الله - ﷺ - وأبى بكر وصدرًا مِن خلافة عمر - ﵄ -، إنَّما وقع فيهِ الوَهَم في التأويل، ومعنى ذلك: أَنَّهم كانوا يواقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس ثلاث تطليقات.
ويدُلُ على صحة هذا التأويل أنَّ عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: إنَّ الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيهِ أناة [وأنكر عليهم في الطلاق استعجال أمر كانت لهم فيه أناة] (١) فلو كان ذلك حالُهم في أول الإِسلام أن يُطلقوا ثلاثًا وفي زمنِ رسول الله - ﷺ - ما قالَهُ، ولا عاب عليهم أنَّهم [قد] (٢) استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيهِ أناة.
ويدلُّ على صحة هذا التأويل ما رُوى عن ابن عباس مِن طريقٍ أنَّهُ أفتى بلزوم الطلاق الثلاث لمن أوقعها مجتمعة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٤ / ١٦٣ ]
فهذا معنى حديث ابن طاووس عندي.
قال: وإنْ حُمل حديث ابن طاووس على ما يتأوَّل فيه مَنْ لا يُعبأ بِقولهِ فقد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة، وانعقد بهم الإجماع.
وسبب الخلاف بين مَنَ ألزم الثلاث، وبين مَنْ قال: "تلزمُ طلقة [واحدة] (١) "، هل الحكم الذي جعلهُ الشرع مِن البينونة والطلاق الثلاث يقعُ بإلزامِ المُكلَّف لنفسهِ، هذا الحكمُ في طلقةٍ واحدة أو ليس يقعُ ولا يلزم مِن ذلك إلا ما ألزم الشرع؟
فمن شبَّهَ الطلاقُ بالأفعال التي يُشترط في صحَّةِ وُقوعها كوّن الشُروط الشرعية فيها، كالنكاح والبيوع قال: لا يلزم.
وَمَنْ شبهها بالنذور والأيمان التي لزم العبد ما التزم منها لزمه على أي صفةٍ كان، ألزمَ الطلاق كيفما ألزمه المُطلِّق نفسهُ.
فكأنَّ الجمهور غلَّبوا حكم التغليظ في الطلاقِ، سدًا للذريعة، والله أعلم.
فصل
وقولُهُ: طلاقُ السُنَّة: أن يُطلِّق الرجل امرأته تطليقة واحدة احترازًا مِن مذهب مَن يقول أنَّ طلاق السُنَّة أن يُطلِّقها ثلاثًا في كلمةٍ واحدة، وقد قدَّمنا أنَّهُ مذهب الشافعى، وربَّما استدلَّ على ذلك: بقصة [عويمر] (٢) العجلانى حين لاعن زوجته، ثُمَّ قال: كذبتُ عليها إن أمسكتها يا رسول الله، فطَلَّقَها ثلاثًا قبل أنْ يأذن لهُ رسولُ الله - ﷺ - (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في الأصل: عمير.
(٣) أخرجه البخاري (٤٩٥٩) ومسلم (١٤٩٢).
[ ٤ / ١٦٤ ]
قال: فلو كان بدعة ما أقرَّهُ رسول الله - ﷺ -، إذ لا يُقرّ أحدٌ على منكر، واعتذر أصحابُنا عن هذا الحديث بأنَّ المُتلاعنين عندهُ [قد] (١) وقعت الفُرقة بينهما بنفس التلاعُن، فصار الطلاقُ الذي أوقعهُ واقعًا في غير محلِهِ لأنَّهُ صادق محلًا فارغًا، ولم يتصف لا بِسُنَّة ولا ببدعة. وهذا أظهرُ من قولِ المخالف.
وقولُهُ: طاهرًا، احترازًا مِن أن تكون حائضًا، فإن طلَّقها وهي حائضٌ، فلا يخلو مِن أن تكون مدخولًا بها أو غير مدخولٌ بها:
فإن كانت مدخولًا بها: فلا يخلو مِن أن يكون الطلاق بائنًا أو رجعيًا:
فإن كان بائنًا: فالزوج مأثوم، ولا يُجبر على الرجعة، لأنّ الطلاقَ في الحيض محظور.
فإن كان الطلاقُ رجعيًا: فلا يخلو ذلك مِن أن يكونَ باختيار الزوج أو بغير اختياره.
فإن كان ذلك باختيار الزوج: فإنَّ إيقاع الطلاقِ لا يجوزُ لهُ باتفاق المذهب.
والأصل في ذلك: نهيُهُ - ﷺ - عن إيقاع الطلاق في الحيض، ولذلك أمَرَ عُمر أنْ يُجبِّرُ وَلَدَهُ عبد الله بن عمر على الرجعة حين طَلَّق في الحيض واختلف أصحابُنا: هل ذلك شرع مُعلَّل أو شرعٌ غيرُ مُعلَّل؟
فمنهم مَنْ ذهب إلى أنَّهُ مُعلل [ومنهم من ذهب إلى أنه غير معلل] (٢)، ويُستقرأ من المُدونة أنَّهُ غيرُ مُعلَّل، مِن قولهِ في الكتاب: إذا رأت المرأة القَصَّة البيضاء، ولم تجد الماء، قال: لا يجوزُ لهُ أنْ يُطلِّقها
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٤ / ١٦٥ ]
حتى تغتسل، لأى شيء يمنعُ من الطلاق حينئذ، وليس في ذلك تطويل عدَّة، وهو موضع استقبل فيهِ العدة.
فلو كانت العلَّة في ذلك: تطويلٌ [العدة] (١)، كما صار إليه الجمهور لجاز للزوج أن يُطلقها وهي حائض إذا رضيت بذلك، لأنَّها قد أسقطت حقَّها. [والأصول] (٢) [موضوعة على الحكم] (٣) فإذا عُلِّلَ بحق آدمي، فإنَّه يَسقط إذا أسقط الآدمى حقَّه.
وعلى القولِ بأنَّهُ مُعلَّل، فقد اختلف شيوخ المذهب في العِلَّة ما هى؟
فمنهم مَن يقول أنَّ: العلةَ فيه، تطويلُ العِدَّة عليها، لأن مِن شرط العدَّة: أن تكون عُقيب الطلاق، فإذا طلَّقها وهي حائض فإنَّها لا تبتدئ العدَّة إلا بعد الطُهر مِن تلك الحيضه، وقد مرَّ عليها زمانٌ بعد الطلاق، ولم يُعد لها [فيه] (٤) عدَّة.
وإلى هذا صار الجمهور مِن الأصحاب.
وهذه العلَّة تنتقض بما ذكرناه: فيما إذا أراد أن يُطلِّقُها إذا رأت القصة البيضاء قبل أن تغتسل، وهو طلّقها في موضعٍ تعتدُّ فيه.
ومنهم مَنْ ذهب إلى أن العلة في ذلك التلبيس عليها في كونها لا تدرى، هل عدَّتُها بالأقراء أو بوضع الحملِ؟ لأنَّ الحامل تحيض.
وهذا أضعف من الأوَّل، لأنَّ ذلك يُؤدى إلى أنْ لا يُطلِّقُها بعد طُهرِها، لاحتمال أن تكون حاملًا، والحاملُ تحيض.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: والأصل.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: في.
[ ٤ / ١٦٦ ]
ومنهم من يقول: العِلَّةُ في ذلك: ما يُدخُله الزوج على نفسه مِن الشُّكُوك والتلبيس فيما [يريد] (١) مِن نفى الولد إذا أتت به، إذ لا يُدرى ولا يُتحقق إنْ كان منه أو مِن غيره، فلا يجوز لهُ الإقدام على النفى على هذا الوجه، فإذا طهَرُت مِن حيضَتها ثُمَّ طلقها قبل أنْ يمسَّها: فقد طلَّق مُستبرأة، على ظاهر الأمر فيهما فإن أتت بولدٍ ساغ لهُ النفى وتقوى لهُ نفسُهُ عليهِ باستبرائه، وهذا أيضًا مِن الطراز الأول.
فإنْ نزل وزلَّ بأن أوقع الطلاقُ في الحيض، فلا خلاف عندنا أنَّ الحاكم يُبادِرُهُ بالأمر بالرجعة في الحال، فإن امتثل [فهو] ذلك.
فإن أبى وامتنع، قال أشهب: فإنَّ السلطان يُهدِّدُهُ، فإن أبى سجنَهُ، فإن أبى ضربهُ، ويكونُ ذلك كُلّهُ قريبًا ولا تُجعل فيه أناة، لأنَّه مُقيمٌ على معصية، فإن غلب على ذلك أجبرهُ السُلطان على رجعتها، وحكمَ عليه بها، ولا خلاف عندنا في المذهب في ذلك.
ثُمَّ لا يخلوا الزوج إذا حكمَ عليه السُلطان بالرجعة مِن أن يكونَ لهُ نية لها أم لا:
فإن كانت له نيِّة في الرجعة التي حكم عليه بها، فلا خلاف في المذهب بِثُبوت أحكام الرجعة بينهما في التوارث والاستمتاع وغيره. فإن لم تكُن لهُ نية، فهل يجوز البقاءُ معها والاستمتاع أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: جواز البقاء معها وثبوت أحكام [الزوجية] (٢) بينهما، وهو ظاهر "المُدوّنة".
_________________
(١) في أ: يتوصل.
(٢) في هـ: الرجعة.
[ ٤ / ١٦٧ ]
والثاني: أنَّهُ إذا انقضت عِدَّتُها، ولا نيَّة لهُ في الرجعة، لم يجز لهُ وطئها، ولا أن يبقى معها، وهذا القولُ حكاهُ أبو العباس المغيثى عن بعض المتأخرين في وثائقه، وهذا القولُ أشبهُ بأصولِ المذهب، وإلا كيف تصحُّ لهُ الرجعة ويُباح لهُ الاستمتاعُ في أمرٍ أُكرهَ عليه ولا نيَّة لهُ فيه؟
فما وجدت لهذه المسألة نظيرةً في المذهب، إلا ما قال في "كتاب الوضوء" من "المُدوّنة" في المُسلم إذا كانت زوجتهُ كتابيّة حيث قال: يُجبرها علىَ أن تغتسل مِن الحيض، ولا يجبرها على الغُسل مِن الجنابة، لجواز وطئها وهي جُنُب، فانظرْ كيف جوّز لهُ الوطء وهي مجبورة على الاغتسال، والزوج في مسألتنا أيضًا مجبورٌ على الرجعة، والمجبورُ لا نية له، إذ الجبر يُنافى الاختيار، ولاسيَّما مع عدم النية مِن الزوج في حين الرجعة، ومِن الزوجة في حين الاغتسال.
اللهم إلا أنْ يكونَ بنى الحُكم فيها على أحدِ الأمرين:
إمّا على أنّ الرجعة لا تفتقر إلى نيَّة، وهو قولُ ابن وهب فيما إذا وطيء الزوج في العِدَّة، ولم ينوِ بذلك الرجعة، فهي عندهُ رجعة وهو قولٌ شاذٌ في المذهب.
أو على أنَّ رفعَ الحدث الأكبر لا يفتقر إلى نيَّة، وهذا ممَّا لا أعرف فيه في المذهب نصَّ خلاف، وإنَّما الخلاف الشاذ في الوُضوء [يلزم في الغسل من الحيض] (١). وإمَّا على أنَّ نيَّة الزوج تنوبُ عن نية الزوجة في الاغتسال، ونيَّة السلطان تنوبُ عن نيَّة الزوجُ في الرجعة.
ومثلُ هذا غير معهود [في الشريعة] (٢)، وربُك أعلم.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٤ / ١٦٨ ]
فإن غفل عنهُ حتى خرجت مِن العدَّة، وطهُرت مِن الحيضة، فلا خلاف أيضًا أنَّهُ يجبر.
فإن غُفل عنهُ حتى طهرت مِن الحيضة الثالثة، وحصلت في الطُهر الذي أُبيح لهُ فيه الطلاق، لو جُبر على الرجعة أول ما طلق، هل يُجبرُ على الرجعة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يُجبرُ على الرجعة، ما لم تر أول [دم] (١) الحيضة الثالثة، وهو قولُ ابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ لا يُجبر على رجعتها، لأنَّها انتهت إلى وقتٍ لو شاءت أن يُطلقها فيهِ لطلَّقَها، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: أمرهُ - ﷺ - لعبد الله بن عُمر - ﵄ - بالرجعة [حين الطلاق وخيره بين الطلاق والإمساك في الطهر الثاني هل يفهم منه أن الجبر على الرجعة] (٢)، وإنَّما يكون ما لم تطهر مِن الحيضة الثانية، أو يُفهم منهُ أنَّهُ يُجيرُ على الرجعة ما دامت العدَّة قائمة.
فإذا طلَّقها بعد ما رأت القصَّة البيضاء وقبل أن تغتسل، فهل يُجبر على رجعتها [في عدتها] (٣) أم لا؟ فالمذهب يتخرَّج على قولين:
أحدهما: أنَّهُ لا يُجبر على الرجعة، وهذا القولُ منصوص لبعضِ المتأخرين.
والثانى: أنَّهُ يُجبر على الرجعة، وهذا القولُ يتخرَّج على المُدوّنة مِن قولهِ: لا يُطلقُها إلا حيثُ يقدِرُ على وطئِها، وأن حُكمها قبل الاغتسال
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ١٦٩ ]
حُكم الحائض، وأنَّ ذلك بقية مِن الحيض.
وجمهور المذهب على: أنَّها على حُكم الحائض حتى تغتسل، ولاسيما [على القول] (١) بأنَّ النهى عن الطلاق في الحيضِ غيرُ مُعللٍ.
فلو كانت مسافرة، ورأت القصَّة البيضاء، ولم تجد الماء فتيمَّمت، قال مالك في "المدونة" وغيرها: يجوز لزوجها أن يُطلِّقها لجواز الصلاة لها، وقال بعض المتأخرين: سواءٌ صلَّت أم لم تُصلِّ بعد التيمُّم لهُ طلاقُها.
ولا يُقال في هذا أنَّ التيمم قد انتقض لمَّا صلَّت، فلا يُطلِّقُها، وهل يُباح لهُ أن يطأها بطهارةِ التيمُم أم لا؟ قولان قائمان مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ يجوز لهُ أنْ يطأها بالتيمم، وهو قولُ ابن شعبان في "كتاب الزاهى" قال: لأنَّ التيمُم يُبيحُ الصلاة، فكذلك الوطء، وهو ظاهر "المُدوّنة"، في قوله: لا ينبغى لهُ أنْ يطلقها إلا وهو يقدِرُ على جماعها، فإذا أباح لهُ الطلاق بالتيمم كان الوطء مُباحًا أيضًا.
والثانى: أنَّهُ لا يجوزُ لهُ أنْ يطأها بطهارة التيمم، وأنَّ التيمم لا يرفع الحدث، وإنَّما هو فعلٌ يُستباحُ به الصلاة، والوطء يحتاج ألا يقع إلا بعد [زوال] (٢) الحدث.
وسبب الخلاف: الحائض بعد انقطاع دمِ الحيض وقبل الاغتسال، هل حُكمُها حكم الجُنب أو حُكمها حُكمُ الحائض؟
فإذا أُجبر على الرجعة بفور ما طلَّق ثُمَّ طهرُت مِن تلك الحيضة التي طلَّقها فيها، فأراد أنْ يُطلِّقها في الطهر، فلا خلاف في المذهب أنَّهُ لا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ: رفع.
[ ٤ / ١٧٠ ]
يجوز أن يُطلق.
واختلف في علَّة ذلك، فقيل: العِلَّة في ذلك أنْ يُعاقب بنقيض مقصودِهِ، فكما أوقعَ الطلاقُ في غير وقتهِ، مُنع منهُ في وقتهِ.
وقيل: العلة في ذلك [أنه إنما أجبر] (١) على الرجعة ليطأ لا ليُطلِّق.
فإن طلَّقَ قبل أن يطأ، كان قد طلَّق بطلقتين في طُهرٍ واحد [وذلك ممنوع] (٢).
وإن طلق بعد أن وطئ كان ذلك مكروهًا أيضًا، لأنَّهُ قد طلَّق في طُهرٍ قد مس [فيه].
فإن اختلفا: فقال الزوج: قد طلَّقتها، وهي طاهرة، وقالت المرأة: بل طلقنى وأنا حائض، فالمذهب على قولين قائمين مِن المُدوَّنة:
أحدهما: أنَّ القول قول الزوج، لأنَّهُ مُدَّعٍ للحلال، وهو قول ابن القاسم في العُتبية، وهو ظاهر قولُهُ في "المدونة"، في "كتاب السلم الثاني" إذا اختلفا، فقال أحدُهما: لم نضرب للسَّلم أجلًا.
والثانى: أنَّ القولُ قولها لأنَّها مؤتمنة على ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٣) فقيل: هو الحمل والحيض، وهو قول سحنون في "السليمانية"، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب إرخاء السُّتور" فيما إذا ادعت أن زوجَها وطئها وهي حائض أو مُحْرِمة أو صائمة حيث قال: القول قولها.
_________________
(١) في أ: لما جبر.
(٢) سقط من أ.
(٣) سورة البقرة الآية (٢٢٨).
[ ٤ / ١٧١ ]
وقال القاضى أبو بكر بن العربى: ومعنى ذلك: إذا اختلفا بعدما طَهُرت، وأمَّا إذا ادعت ذلك قبل أن تُقر بالطُهر: فالقولُ قولها على كُلِّ حال.
وقلتُ: ولا تحتاج إلى نظر النساء [إليها] (١)، لأنَّها مأمونة على الحيض في زمانه، ومُصدَّقة فيما تدعيه منهُ في وقتهِ.
والجواب عن [الوجه] (٢) الثاني: إذا كان الطلاقُ بغير اختيارٍ من الزَّوج، كالطلاق الذي يكونُ مِن قِبَل السلطان، في مثل المجنون والمجذوم والعنِّين والمؤلى والمُعسِر بالنفقة بعدَ الأجل والمتلوم والمرأَة الحائض أو النُفساء فإنَّهُ: لا يُعجِّل السلطان بالطلاق في شىءٍ من ذلك حتى تطهر المرأة مِن حيضها إلا الموَّلى.
فإن أخطأ السلطان فطلَّق عليهم في ذلك في تلك الحالة، فقال الشيخ أبو الحسن اللخمى: لا يلزم الطلاق، بخلاف طلاقِ الزوج نفسهُ، لأنَّ القاضى في هذا كالوكيل على [الصفة] إذا فعل غير ما وكل عليه قال: ولو أنَّهُ لو أُجيز فعله لجبر الزوج على الرجعة ثُمَّ تُطلَّق عليه أخرى إذا طهرت [فتلزمه تطليقتان] (٣)، وفي هذا ضررٌ إلا [على] العنين فإنَّهُ يمضي عليه الطلاق لأن الطلقة بائنة لكونها قبل البناء. وما قالهُ الشيخ صحيحٌ مسلمٌ لهُ إلا تشبيهُ السلطان بالوكيل، فذلك غيرُ مُسلَّمٌ مِن أجل أنَّ الوكيل على صفة متوقف على ما رسمه الأمير، ولا سبيل له إلى غيرهِ، كان مُباحًا أو محظورًا، والسلطان مُتوقف على ما رسمهُ الشرع فلا يتعدَّاهُ
_________________
(١) في أ: عليها.
(٢) في هـ: الفصل.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ١٧٢ ]
إلى غيره.
فإذا أخطأ وزلَّ وأوقعَ الحكمَ في غير محلهِ، فانظر:
فإن كان مما يُتلافى [ويُستدرك] (١) [رد] (٢) فعله.
وإن كان ممَّا لا يُتلافى، كحكمه بالطلاق في الحيض وغيره على ما ذكرنا: كان ينبغى أن يمضي حكمه ولا يرد.
أصل ذلك: لو طلق الزوج نفسه في الصورة المفروضة، فإنَّهُ: طلاقٌ واقعٌ [ولا يرد] (٣)، والله أعلم.
وأما المؤلى: إذا حلَّ أجل الإيلاء، ووافقتْهُ امرأتُهُ وهي حائض، هل يحكم عليه بالطلاق [أو ينتظر بها حتى تطهرُ؟ فالمذهب على قولين منصوصين في "المُدوّنة" في آخر "كتاب الإيلاء":
أحدهما: أنَّهُ يعجل عليه بالطلاق] (٤) في الحال مِن غير انتظار، وهو قولُ ابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ ينتظر حتى تطهرُ مِن حيضتها، وهو قول أشهب.
وسببُ الخلاف: تقابل المكروهين، وذلك أنَّ الطلاق في الحيضِ مكروهٌ والزيادة على ما أحل الله تعالى [وحدَّه] (٥) مكروهة.
فمن غلَّب أحد المكروهين على الآخر، حكَمَ [بِحُكم] (٦) الترجيح.
_________________
(١) في هـ: ويتدارك.
(٢) في أ: بعد.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من هـ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ع، هـ: بمقتضى.
[ ٤ / ١٧٣ ]
وأما الأنكحة الفاسدة: فلا يخلو فسادها مِن وجهين:
أحدهما: أن تكون مما يرجع إلى حقِّ الولى أو ممَّا يرجع إلى حقِّ الله تعالى:
فإن كان مما يرجع إلى حق الولى كالنكاح الموقوف على إجازة [الولى] (١) أو ردِّهِ.
فإن اختار الرد، والمرأة حائض: فلا إشكال أن الحاكمَ لا يعجل عليهِ بالطلاق، حتى تطهر من حيضتها، غير أنَّ الزوجَ يُحال بينه وبين الاستمتاع منها بما يُستمتع بَمِثلهِ مِن الحائض.
فإن كان فساده مما يرجع إلى حق الله تعالى مما يُفسخُ قبل البناء وبعده، كنكاح الخامسة أو الأُخت مِن الرضاع: فإنَّهُ يُفسخ قبل البناء وبعدهُ.
وإن كانت المرأة حائضًا، وإن كان الفسخُ ممَّا يحتاط [فيه] (٢) بتطليقه، وهو قول ابن المواز.
قال الشيخ أبو إسحاق: فيما يفسخ بعد الدُخول بطلاق: وإن كانت المرأة حائضًا فصواب، لأنَّا لا نُجيز إقرارَهُ ولا التمادى [عليه] (٣) ولا الوطء فيه، فصار إيقاع الطلاق [منه] (٤) في الحيض لا ضرر فيه على المرأة، لأَنَّا لا نبيحُ للزوج فيهِ وطئًا ولا التمادى على هذا النكاح.
وكذلك ما يُفسخ قبل البناء كالنكاح الفاسد لأجل صداقه: فإنَّهُ يجوز أن يُفرَّق بينهما، وإن كانت حائضًا، ولا يختلف ابن القاسم وأشهب في
_________________
(١) في هـ: الغير.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ١٧٤ ]
ذلك كما يختلفان فيما إذا طلّق قبل البناء في النكاح الصحيح، وهو الوجهُ الثاني مِن أصل التقسيم.
إذا كان ذلك قبل البناء، وأراد الزوج أنْ يُطلقها وهي حائض فهل يجوز لهُ إيقاع الطلاق عليها وهي حائض أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يجوز لهُ أن يُطلِّقُها [وإن كانت حائضًا] (١)، وهو قولُ ابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ لا يجوز لهُ أنْ يُطلِّقُها حتى تطهرُ كالمدخولِ بها، وهو قولُ أشهب.
وسبب الخلاف: النهى عن الطلاق في الحيضِ، هل هو مُعلَّل أو غيرُ مُعلَّل؟
فمن رأى أنَّهُ مُعلَّل [بتطويل العدة] (٢)، فجوز الطلاق إذا كان قبل البناء، وإن كانت حائضًا لعدم العِلَّة.
ومن رأى أنَّهُ غير مُعلَّل، قال: لا يجوز الطلاق.
قال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب: فالخلاف يتخرج في [الحامل] (٣) المدخول بها إذا كانت حائضًا، هل يجوز أن تُطلَّق في الحيض؟ على قولين:
قال ابن شعبان: يجوز أن تُطلَّق، ويتخرج فيه قولٌ [ثانٍ] (٤) أنَّهُ
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: بتجويز الطلاق.
(٣) سقط من أ.
(٤) في هـ: ثالث.
[ ٤ / ١٧٥ ]
لا يجوز كما قال القاضى وسببُ الخلافِ ما تقدَّم.
وقولُهُ: مِن غير جماعٍ: احترازًا مِن أن يُطلقها في طُهرٍ قد [جامعها فيه] (١).
وقد اختلف في علةِ ذلك.
فمنهم مَنْ يقول: أنَّ ذلك تلبيس على المرأة، حتى لا تدرى هل تُعتد بوضعِ الجمل أو بالأقراء؟ وهذا باطلٌ، لأنَّ العِدَّة لا تفتقر إلى نيَّة وهي [تنتظر] (٢) في المستقبل.
فإذا رأت حيضًا أتَمَّت عليهِ، وإن ظهرَ الحملُ [انتظرت] (٣) الوضع.
ومنهم مَنْ يقول: العلة في ذلك كوْنِ الزوج لَبَّس على نفسهِ فيما يُريد مِن نفى الولد، فإذا طلَّقها مُستبرأةً كان على بصيرةٍ، مما يريد مِن نفى الولد. وهذا كُلُّهُ إذا كانت الزوجة مِمن تحيض.
وإن كانت مِمن لا تحيض مِن صِغَرٍ أو كِبرٍ، فإنَّهُ يجوز أن يُطلقها في طُهرٍ قد مسَّ فيه.
وقوله: ثُمَّ يتركها حتى تمضى [لها] (٤) ثلاثة [قروء] (٥) ولا يتبعها في ذلك طلاقًا، احترازًا مِن أن يُطلقُها عند كُل طهرٍ، طلقة، وهو طلاقُ السنَّةُ عند أبى حنيفة.
وقد اختلف المذهب عندنا، هل يجوز للزوج أن يُطلقها عند كُلِّ طهرٍ طلقة أم لا؟ على قولين:
_________________
(١) في أ: جامع فيها.
(٢) في هـ: تنظر.
(٣) في أ: انتظر.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من هـ.
[ ٤ / ١٧٦ ]
أحدهما: أنَّهُ لا يجوز.
والثانى: أنَّهُ جائز، وهو قولُ أشهب، وهو تفسيرُ مالك لقراءة ابن عمر [في الموطأ] (١): "فطلقوهن لقبلِ عدتهنَّ" (٢).
وقال مالك: فيما رواهُ يحيى بن يحيى، وهو أن يُطلِّق في كُلِّ طهرٍ طلقة، وقد أنكر هذا على يحيى، إذ ليس بمذهب مالك ولم يروه غيره، وطرحهُ ابن وضَّاح، وإن ما في موطأ ابن القاسم: فتلك العدَّة أَنّ يطلق الرجلُ المرأة في طهرٍ لم يمس فيه.
والمذهب المشهور الذي عليه الجمهور أنَّ: ذلك لا يجوز، لأن الطلقة الثانية والثالثة لا عدَّة لها. وكُلُّ طلاقٍ يُتصوَّر في مدخولٍ بها ولم تعقبهُ العدَّة فهو بدعة، وعليه [ينبنى قول] (٣) توزيع الطلقات الثلاثة على الأقراء الثلاث.
خلافًا لقول ابن مسعود ومَن تابعهُ مِن أهل المذهب.
وما تقدَّم هو المذهب الصحيح، وهو مُطابقٌ للقُرآن: قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٤) أي: في موضع يعتدون منهُ، فالطلقة الثانية والثالثة لغير عدَّة.
وقولُهُ: فإذا دخلت في الدم مِن الحيضة الثالثة، فقد حلَّت للأزواج وبانت مِن زوجها الذي طلقها.
وهذا ردٌّ على مَنْ يقول مِن أهل المذهب: إنَّها لا تحلُّ حتى تستمرَ الحيضة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) أخرجه مالك (١٢٢١) والشافعى (٤٦٢) والبيهقي في "الكبرى" (١٤٦٨٠).
(٣) سقط من أ.
(٤) سورة الطلاق الآية (١).
[ ٤ / ١٧٧ ]
وقد استوعبنا الكلام فيها، وفي الأقراء [هل] (١) هى الأطهار، في "كتاب إرخاء الستور" [ولا نزيد] (٢) عليه.
بالله التوفيق [والحمد لله وحده وصلى الله على محمَّد نبيه] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ بما لا مزيد.
(٣) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٤ / ١٧٨ ]
المسألة الثانية
فيما يحلُّ للزوج من زوجته قبل أنْ يسترجعها إذا طلقها طلاقًا رجعيًا [و] (١) لا خلاف أنَّهُ لا يجوزَ له مباشرتها إذا لم يقصد بذلك رجعتها، ولا النظر إليها متجردة، وهل يجوز لهُ الدخول عليها والنظر لها في العِدَّة؟
[فالمذهب] على ثلاثة أقوال كُلّها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّهُ لا يجوز له الدخول عليها، ولا التلذذ منها بنظرة ولا بغيرها، حتى يُراجعها، فإن كان معها في البيت فلينتقل عنها، وهذا القول الذي رجع إليه مالك ﵀.
والثانى: أنَّهُ يجوز لهُ الدخول عندها والأكل معها، إذا كان مِمن يتحفظ بها، ولا يتلذَّذ منها بشىءٍ لا بنظرة ولا [يقربها] (٢) ولا ينظر إلى شعرها، ولا إلى شىءٍ من محاسنها، ولا ينظر إلى وجهها إلا كما ينظر إليه الأجنبى.
وهو ظاهر قولُ ابن القاسم في "المُدوَّنة" حيثُ قال: ليس لهُ أن يتلذَّذ منها بشىءٍ، وإن كان يُريد مراجعتها حتى يُراجعها.
وهذا يدلك على الذي أخبرتُك أنهُ كره أن يخلو معها [أو يرى شعرها] (٣) أو يدخُل عليها حتى يُراجعها. وهذا ظاهر، لأن الدخول عندها والخُلوة معها، ذريعة إلى النظر [إلى] (٤) شعرها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: غيرها.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: في.
[ ٤ / ١٧٩ ]
والقول الثالث: أنَّهُ يجوزُ لهُ أن يتلذَّذ منها بالنظر، وإن لم يرتجع، وأنَّهُ يجوز لهُ النظر إلى شعرها وإلى معصميها [وإلى ساقيها] (١). وهذا تأويل الشيخ أبى الحسن اللخمى على "المُدوّنة" مِن قول ابن القاسم وليس لهُ أن يتلذذ منها بشىءٍ ثم قال: وهذا يدلُّك على الذي أَخبرتك أنهُ كره أنْ يخلو معها، ويرى شعرها، فرأى أن: يتلذذ منها بالنظر إليها، في القول الذي جوز لهُ الدُخول عليها والأكل معها.
والذي قالهُ ظاهر، لأن إباحة الدُخُول عليها يُشعِر بإباحة النظر إلى شعرها وإلى أطرافها، لأنَّ العادة أنَّ المرأة إذا استخلت في بيتها وحدها: فإنَّها تكون فضلًا بادية الأطراف.
وأمَّا غيرُهُ مِن الأشياخ، كأبى القاسم بن محرز وغيرهُ من حُذّاق المتأخرين: فإنَّهم أبوا عن ذلك، وقالوا: لا يصح دخول الخلاف في التلذُذ بها والنظر إلى شعرها، وإنَّما الخلاف في الدُخولِ عليها والأكل معها خاصة، ولاسيَّما وقد شرط في القول بإجازة الدُخول عليها أن يكون عندها مَنْ يتحفظ وكيف يتمكَّن مِن الالتذاذ والنظر إلى المحاسن مع حضور [القريب] (٢).
وهذا الذي قالوهُ أيضًا ظاهر المُدوّنة إلا أنَّ الذي عليه الفُتيا: لا يجوزُ النظر إلى شىءٍ من ذلك، حتى يُراجع، لأنَّ ذلك مُحرّم بالطلاق.
وسببُ الخلاف: الحماية، هل تحمى أو لا تحمى؟، إذ لا خلاف عندنا أنَّ الذريعة تُحمى. واختُلف في حمايتها هل تُحمى أو لا تُحمى؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: الرقيق.
[ ٤ / ١٨٠ ]
فمن رأى أنَّها تحمى، قال: يُمنع الزوج مِن الدخول عليها، لأنَّ الدُخولَ عليها ذريعة إلى النظر إليها والالتذاذ بها، والنظر والالتذاذ ذريعة إلى الإلمام بها.
فمن رأى أنَّ الحماية لا تُحمى، قال: بجواز الدخول عليها.
وهذا أصلٌ بديعُ بُنيت عليه فُروع كثيرة ينبغى للطالب أن يتفطَّن له، والوقوف على حقيقته، فإنَّهُ مِن أخفى الخفيات، ورُبما نزيدُ لهُ الوضوح والبيان في "كتاب الآجال" بما هو أبلغ مِن هذا، إن شاء الله. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٤ / ١٨١ ]
المسألة الثالثة
في المُعتَّدات:
والعدة ضربان: طلاق ووفاة.
والمُعتدات مِن طلاق ينقسمن إلى حرائر وإماء:
فالحرائر ينقسمن إلى حوامل وحوائل:
فأمَّا الحوامل: فأجلهن الوضع بلا خلاف، لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
والحوائل ينقسمن إلى القواعد والحُيَّض:
فالقواعد عدَّتهن ثلاثة أشهر، بلا خلاف، وسواءٌ كانت قاعدة لصِغَر أو قاعدة لكبر [لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. والحيض منهن ينقسمن] (١)، إلى من لها عادة مطردة، وإلى مَنْ عادتها مضطربة:
فالتى عادتها مُطَّردة تتربَّص لِنفسها ثلاثة قُروء، بلا خلاف، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
والتي اضطربت عادتها وما اطَّردت، فيختلف الدم عن عادتها، فلا يخلو تخلُّفهُ مِن أن يكون لِعلة أو لريبة:
فإن تخلف الدم لِعلَّة: فإنَّها تنتظر حتى تزول تلك العلة: ويُعاودها الدم أو تمرُّ بها سنة بيضاء بعد زوال العلة:
وأما الرضاع فلا خلاف.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٤ / ١٨٢ ]
وأمَّا المرض على الخلاف بين ابن القاسم وأشهب.
[لأن ابن القاسم] (١) وعبد الله بن عبد الحكم وأصبغ، قالوا: عدَّتها سنة في حالِ مرضها، إذا لم تر حيضًا، وفرّقوا بينها وبين المُرضع: لأن المريضة لا دم عندها أصلًا، والمُرضع عندها دم إلا أنَّهُ استحال [لبنًا] (٢).
وأشهب يُساوى بين المريضة والمُرضعة في انتظار الدم، بعد ارتفاع العِلَّة أو تمر بها سنة بيضاء [بعد زوال العلة لا دم فيها] (٣).
فإن كان التخلف لريبة، فلا تخلو تلك الريبة مِن أن تكون بتأخير الحيض أو بالحسِّ والحركة، فإن استبرأتْ بالتأخير أو لكونها مُستحاضة، وكانت ممن لا [تمييَّز] (٤) لها بين دم الحيض ودم الاستحاضة: فقد اختلف المذهب فيها على خمسةِ أقوال كلها قائمة مِن "المُدوَّنة":
أحدها: أنَّها تنتظر ثلاثة أشهر، لأنَّهُ أدنى ما يَظهرُ فيه الحملُ في البطن إنْ كان، وهو نص قول ابن القاسم في "المستحاضة" في أول "كتاب الاستبراء" مِن "المُدونة"، وهو ظاهر قولُهُ أيضًا في "المستبرأة" في "كتاب العِدَّة":
إذا تزوجها في عدَّة وفاة، حيث قال: يبرئُها مِن الأوَّل أربعة أشهرٍ وعشرًا، فظاهرُهُ: لو كانت عدَّتها مِن طلاق، لكانت الثلاثة أشهر [تبريها إذ لا يجوز لها في الوفاة الاقتصار دون الأربعة أشهر] (٥) وعشرا، وهو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من هـ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ، هـ: تميز.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ١٨٣ ]
اختيار الشيخ أبى الحسن اللخمى - ﵁ -.
والثانى: أنَّ عدتها أربعة أشهر [وعشرا] (١)؛ لأنَّهُ أدنى ما يتحرك فيهِ الولد في البطن إن كان، وهذا القولُ يُؤخذ مِن المسألة التي ذكرناها في الوفاة، حيث قال: أربعة أشهرٍ وعشرًا تبرئها، وهو مَرْوىٌ عن مالك - ﵁ -.
والثالث: [أنها تتربص] (٢) إلى ستةِ أشهر، وهو أدنى أمد الحمل في النادر: ثلاثة أشهر استبراء وثلاثة أشهر عِدَّة، وهو قولُ الداودى، وهو ظاهرُ "المُدوّنة" مِن غير ما موضع.
والرابع: أنَّها تنتظر إلى تسعة أشهر، وهو نصُّ "المدوّنة".
والخامس: التفريق بين [المُرتابة] (٣) والمُستحاضة:
فالمستحاضة: بثلاثة أشهر.
و[المرتابة] (٤): بسنة، وهو ظاهر قولُهُ في [أول] (٥) "كتاب الاستبراء" لأنَّهُ قال فيه: في المستحاضة إذا لم تبرئُها ثلاثة أشهر، انتظرت إلى تسعة أشهر كالمسترابة، فجعل المُسترابة أصلًا، ولابُدَّ لها مِن تسعةِ أشهر، ولأَنَّ السنة فيها وردت أيضًا بقولِ عُمر بن الخطاب ﵁، وهو نصُّ قولُ الغير في "كتاب العدَّة" مِن "المُدوّنة" إلا أنَّهُ جعل هو الاستحاضة أصلًا والمُسترابة فرعًا.
فعلى القول: أنَّ العِدَّة والاستبراء يتداخلان، فيحملهما المقدار
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: أنهما يتربصان.
(٣) في هـ: المسترابة.
(٤) في هـ: المسترابة.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ١٨٤ ]
المذكور.
وعلى القول: بأنَّهما لا يتداخلان، فلابد مِن [زيادة] (١) ثلاثة أشهر على كل قول فتكونُ الثلاثة الأشهر عدَّة، وما قبلها اختبار.
وسببُ الخلاف: بين الستة الأشهر والتسعة، هل النظر إلى أمد الحملِ في الغالب أو النظر إلى أمدِ الحمل على الجُملة وإن كان نادرًا؟
ومثارًا لخلاف بين التسعة والثلاثة: اختلافهم في الريبة التي ذكرها الله تعالى في كتابهِ، هل المُراد [بها] (٢) ريبة ماضية أو ريبة مستقبلة؟
فالريبة الماضية: هى ريبة الصحابة ﵃ في الحُكم، وذلك أنَّ الله تعالى بيَّن حُكم ذوات الحمل، وبيَّن حكم ذوات الحيض وبين حكم القواعد، فاسترابوا في حُكمين، وهو أحسن وأمَّا الريبة المُستقبلة: لا يدرى هل تحيض أو لا تحيض.
ومَن حملها على الريبة الماضية، كما هو مشهور مذهب مالك ﵁، فيقول: عِدَّتها ثلاثةُ أشهر.
وَمَن حملها على الريبة المُستقبلة: فينبغى أن تُنتظر الريبة حتى تذهب الريبة أو تنتهى إلى سنِّ مَن لا تحيض، كما هو مذهب الشافعى [﵁] (٣).
و[أما] (٤) مالك ﵁ فقد عكس الحُكمَ في ذلك على مشهور مذهبه، إذ لم يُطابق مذهبهُ تأويل الآية. فإنَّهُ قد فهم من اليائسة هنا: مَن يُقطَع على أنها ليست مِن أهل الحيض، وهذا لا يكوَن إلا مِن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من جـ، ع، هـ.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ١٨٥ ]
قبلِ السنِّ. ولذلك جعل قوله "إن ارتبتم" راجعٌ إلى الحكم لا إلى الحيض. أي إن شككتم في حُكمهن.
ثُمَّ قال في التي تبقى تسعة أشهر [و] (١) لا تحيض [وهى في سن من تحيض] (٢) أنَّها: تعتدُّ بالأشهر.
وأمَّا إسماعيل القاضى وابن بكير مِن أصحاب مالك: فذهبوا إلى أنَّ الريبة هاهنا هى الحيض، وأنَّ اليائس في كلام العرب: هو ما يُحكم عليه بما [يسبق] (٣) منهُ بالقطع.
فطابقوا [بتأويل الآية] (٤) مذهبهم الذي هو مذهب مالك، ونعم ما فعلوا، لأنَّهُ: إنْ فُهم مِن هاهُنا أنَّ اليأس: القطع، فقد يجبُ أن تنتظر الدم وتعتدُّ بِهِ، حتى يكونَ في هذا السِّنِّ أعنى سن اليأس.
فإن فُهم مِن اليأس: ما لا يُقطع بالقنوط، فيجبُ أن:
تعتدَّ التي انقطع دمها عن العادة بالأشهر، إذ هى في سنِّ مَنْ تحيض، وهو قياس أهلُ الظاهر: لأنَّ اليائسة في الطرفين، ليس هى عندهم مِن أهل العدة [لا] (٥) بالأقراء ولا بالشُهُور.
وأمَّا مثار الخلاف بين القول بالثلاثة الأشهر، والقولُ بالأربعة فإنَّهُ: يرجعُ إلى الظُهور والحركة أيُّهما أقوى.
فمن نظر إلى أنَّ الحركة أقوى، لما في الظهور مِن الريبة: أن يكون
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: يئس.
(٤) في أ: بالآية.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ١٨٦ ]
ذلك ريحًا فينفش أو لا يظهرَ أصلًا [قال بالأربعة] (١).
ومَن نظر إلى تحديد الشارع هذا القول في الثلاثة الأشهر: فجعلها بدلًا مِن ثلاثةِ قُروء، اعتمدها وقال بها.
ومَن فرق بين المستحاضة والمُسترابة فيهِ: فيقول:
المُسترابة أصل بنص قولِ عمر ﵁، و[المستحاضة] (٢) حملها بتمييز الدم إن أمكن، لا يُحكم الشرع كما هو أصل عند [أهل الأصول] (٣).
وأمَّا [المسترابة] (٤) بحس بطن وبحركة في بطنها، فالمذهب [فيها] (٥) على أربعة أقوال كلها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّها تنتظر إلى أربع سنين، وهو قوله مالك في "كتاب العدَّة"، وفي "كتاب العِتق الثانى" مِن "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّها تنتظر إلى خمسِ سنين، وهو قولُ ابن القاسم في "كتاب العدة".
والثالث: أنَّها تنتظر إلى سبع سنين، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا لاستدلاله بامرأة العجلانى، وهو قولٌ منصوصٌ عليه في "المذهب" [وهى رواية أشهب عن مالك في المدونة] (٦).
والقول الرابع: أنَّها تنتظر أبدًا، حتى تذهب الريبة عنها أو تضع،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: والمسترابة والصواب ما أثبتناه من ب.
(٣) في هـ: الأصوليين.
(٤) في أ: المستبرأة.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٤ / ١٨٧ ]
وهو قولُ أشهب [عن مالك وقال أصبغ] (١): إذا جاوزت الخمس: فقد احتيط لها، وينزل على [أنها] (٢) ريح.
وهذا الخلاف: لا مُستند له في الأدلة الشرعية، وإنَّما ينبنى على الاستحسان واعتبار القياس المصلحى الذي اعتمدهُ مالك، وهو قياسٌ ضعيفٌ عند الأصوليين لم يعتمدهُ إلا مالك ﵁، على ما ذكرهُ أبو المعالى.
وهذا كله إذا لم تذهب الريبة قبل ذلك فترجع إلى حكم المرتابة بتأخير الحيض.
فإن ذهبت الريبة قبل تمام السنة في [عدة] (٣) مِن طلاق تربَّصت إلى إتمام السنة.
وإن كانت مِن وفاة تربَّصت إلى [حكم] (٤) أربعة أشهر [وعشرا] (٥).
إلا أن يكون ذهاب ريبة الحمل بعد السنة في الطلاق، وبعد أربعة أشهرٍ وعشرًا في الوفاة، [فتحل] (٦) مكانها، وإن ذهبت ريبة الحمل ورأت الحيض رجعت إلى أحكام الحيض.
وأمَّا الإماء: فينقسمن إلى معتدَّة مِن طلاق أو مُعتدَّة مِن [وفاة] (٧) سيدها:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: أن.
(٣) في أ: علة.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: فيحمل.
(٧) سقط من أ.
[ ٤ / ١٨٨ ]
فالمعتدة من طلاق: هى كالحرة في جميع ما [تقدم] (١) حرفًا حرفًا إلا في الأقراء: فإن الأمةَ فيها على النصف مِن الحُرَّة. غير أنَّ مالكًا قال: يستكمل على الأمة حيضتان، لأنَّ الحيضة الواحدة لا تتبعض.
وذلك منهُ جنوحٌ إلى أن الأقراء: هى الحيض، كمذهب العراقيين.
وإلا فعلى مذهبه، أنَّ الأقراء: هى الأطهار، ينبغى أن تكون عندهُ الأمة في الطلاق قرءٌ ونصف قرء، لأنَّ الطهر [مما] (٢) يتبعض. والاعتراض بذلك على المذهب واقعٌ جدًا.
وأمَّا المعتدَّة مِن [سيدها] (٣): كأُم الولد يعتقها سيدها أو أعتق أمة كان يطأها، هل ذلك عِدَّة أو استبراء: فالمذهب على قولين منصوصين في "المُدوّنة" في "كتاب العدة".
وأما [المعتدات] (٤) من وفاة: فينقسمن إلى حوامل وحوائل:
فالحوامل: هل يحلهن الوضع أو لابد مِن أقصى الأجلين؟ فالمذهب على قولين حكاهما أبو عبد الله المازرى في المذهب. والمشهور أنَّ الوضع يحلهن.
وسبب الخلاف: تعارض العمومين:
عموم قوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلهنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهنَّ﴾.
وعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
_________________
(١) في ع، هـ: ذكرنا.
(٢) في أ: لا.
(٣) في أ: سيد.
(٤) في أ: المعتدة.
[ ٤ / ١٨٩ ]
إلا أن حديث سبيعة الأسلمية عضَّد أحد العمومين، فرجَّح على الآخر به [على] (١) مشهور المذهب [والحوائل: حرائر وإماء] (٢).
وأمَّا الحرائر فعلى ضربين: مدخولٌ بِهنَّ وغيرُ مدخولٍ بهنَّ:
فغيرُ المدخول بهنَّ عليهن [العدة] (٣) أربعة أشهرٍ وعشرًا، على أيِّ صفةٍ كانت المعتدة منهنَّ، صغيرة أو كبيرة، مسلمة أو كتابية.
والإحداد على جميعهنَّ إلا الكتابية، ففيها قولان منصوصان في "المدوّنة":
أحدهما: [أن عليها الإحداد] (٤)، وهو قول ابن القاسم.
والثانى: أنَّها لا إحداد عليها، وهو قولُ ابن نافع.
وسبب الخلاف: الكفار، هل هم مُخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟
وينبنى الخلاف أيضًا على اختلافهم في قوله - ﷺ -: "لا يحلَّ لامرأةٍ تُؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدَّ على ميتٍ فوقَ ثلاث ليال إلا على زوج فإنَّها تحدَّ أربعة أشهر وعشرًا"، هل خرج ذلك مخرج الغالب أم هو مقصورٌ على المؤمنات دون المُشركات [و] (٥) الكتابيات؟
فأمَّا المدخولُ بهنَّ: فلا يخلو حال المعتدة منهنَّ من ثلاثة أوجه:-
أحدها: أن يمر بها زمان حيضتها في عدتها [فحاضت] (٦)، فهذهِ لا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: أنها تحتد.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٤ / ١٩٠ ]
خلاف أنَّها تحلُّ بانقضاء أربعة أشهر [وعشرا] (١).
والثانى: أنْ تنقضى عدَّتها قبل أن يأتى [عليها] (٢) زمان حيضتها، كالتى تحيض من خمسة أشهر إلى خمسة أشهر، فهل تُحلُّ بانقضاء العدّة أو تنتظر الحيضَة؟ قولان:
أحدهما: أنّها تحل ولا تنتظر الحيض، وهو قول ابن القاسم، وهو المشهور وهو ظاهر المُدوّنة.
والثانى: أنَّها تنتظر الحيض ولا تحلُّ بها، وهو قولٌ ضعيف، عزاهُ أهل المذهب إلى ابن كنانة.
والوجه الثالث: أن يمر عليها زمان حيضتها، فرفعتها حيضتها [فلم تحض] (٣)، فلا يخلو من أن يكون لعذرٍ أو لغير عذر:
فإن كان ذلك لعُذر: فإنَّها تحلُّ بانقضاء العِدَّة مِن غير اعتبار بالحيضة إن كان الرفع لأجل [الاعتراض] (٤) بالرضاع [بالاتفاق] (٥).
أو لأجل المرض: على الخلاف.
فإن كان ارتفاعها لغير عُذرٍ، فالمذهب فيها على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّ عدتها أربعة أشهر وعشرًا، كانت مستبرأة أو مستحاضة.
والثانى: أنَّها تنتظر ستة أشهر.
والثالث: أنَّها تنتظر تسعة أشهر.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ. جـ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في هـ: بلا خلاف.
[ ٤ / ١٩١ ]
والرابع: التفصيل بين [المسترابة والمستحاضة] (١):
فالمرتابة: لابدّ لها من تسعة أشهر.
ومثارُ الخلاف: ما تقدَّم.
وأما الإماء: فلا يخلو مِن أن تعتد من وفاةِ زوج أوْ مِن وفاة سيد:
فإن كانت العدَّة من وفاة زوج: فعدتها شهران وخمس ليال مع الإحداد فإن كانت العدة مِن موت السيد: كأُم الولد، يموت عنها سيدها فالمذهب على أن عدّتها حيضة واحدة.
وهل عليها الإحداد أو لا إحداد عليها؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدونة":
قال في موضعٍ منها: لا تبيتُ إلا في بيت سيدها، ولها السُكنى على الورثة حتى تحل، وظاهر هذا [يعطى] (٢) أنَّ عليها الإحداد.
وأن حكم هذه الحيضة حُكم العدَّة، وقد نصَّ في "المُدوّنة" على أنَّ هذه الحيضة عِدة لها، لأنَّهُ قال: فيما إذا غاب سيدها ثُمَّ حاضت بعدهُ حيضًا كثيرًا ثُم مات، فقال: لابُدَّ لها مِن استئناف حيضة، لأنَّها لها عدة.
وقال في موضع آخر: لا إحداد عليها.
وسبب الخلاف: هل حُكم هذه الحيضة، حُكم العدَّة، أو حُكمها حكمُ الاستبراء؟ [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ: الاسترابة والاستحاضة.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٤ / ١٩٢ ]
المسألة الرابعة
في أم الولد إذا مات زوجها وسيِّدها، [ولا يعلم أولهما موتًا] (١):
قلتُ: أرأيت أم الولد إذا مات سيدها وزوجها، ولا يُعلم أولهما موتًا، ما عِدَّتها في قول مالك؟
قال ابن القاسم: عدّتُها أربعة أشهر [و] (٢) عشرا، مع حيضة في ذلك لابدَّ منها.
قال سحنون: وهذا إذا كان بين الموتين أكثر مِن شهرين وخمسُ ليالِ، وأمَّا إن كان بين الموتين أقل مِن شهرين وخمسِ ليالٍ: اعتدَّت أربعة أشهرٍ وعشرًا [فقط] (٣). فهذا نصُّ المسألة في "المُدونة".
وقد اضطربت آراء المتأخرين في تأويل هذه المسألة وتنزيلها على وِفق مذهب ابن القاسم، واختلافهم في الحيضة: هل تلزمها أو لا تلزمُها؟
فمنهم مَن قال: لا [تلزمها] (٤) الحيضة أصلًا، كان بين الموتتين أكثر مِن شهرين وخمسِ ليالٍ أو أقل، ويكفيهما في الأمرين: أربعة أشهر وعشرًا مِن آخرهما موتًا إلا أن تتأخر حيضتها في الأربعة الأشهر والعشر لغير عُذرٍ، فتُقيمُ إلى تسعةِ أشهر [من آخرهما موتًا في كلا الأمرين. فإلم يأت وقت حيضتها حتى مضت لها أربعة أشهر وعشرا كفاها ذلك] (٥)،
_________________
(١) في ع، هـ ولم تعلم بأيهما مات أولًا.
(٢) في أ: مع.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: تجب عليها.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ١٩٣ ]
على مذهب ابن القاسم. وانتظرت [الحيضة] (١) على مذهب ابن كنانة حتى يأتى أو يمضي عليها تسعة أشهر. وهذا تأويل الشيخ أبى إسحاق التُونسى [قال] (٢):
وبيان ما قُلناهُ: أنَّهُ إذا كان بين الموتتين أقل مِن شهرين وخمسِ ليالٍ.
فإن قدَّرنا أنَّ الزوجَ مات أولًا: كان عليها شهران وخمسُ ليالٍ إنْ حاضت فيها، فإن لم تحض فثلاثة أشهر.
فإن لم يأت وقت حيضها في الثلاثة الأشهر: حلَّت، على قولٍ، وانتظرت تسعة أشهرٍ على قولٍ. إلا أن تحيض قبلها، ثمَّ لا عِدة عليها من السيد؛ لأنَّها: لم تحل لهُ بعد.
فإن قَدَّرنا أنَّ السيِّد مات أولًا: فلا عِدَّة عليها منهُ، لموتهِ وهي تحت زوج، ثمَّ عليها عِدّة زوجها: أربعة أشهرٍ وعشرًا، عدَّة حُرَّة.
فإن لم يأت وقتُ حيضتها فيها: حلَّت عن ابن القاسم وانتظرت تسعة أشهرٍ عند غيرهِ.
فإن كان بين الموتتين أكثر مِن شهرين وخمسِ ليالٍ:
فإن قدَّرنا أنَّ موت الزوج أولًا: فعدَّتُها شهران وخمسُ ليالٍ على ما تقدم، مِن أن تحيض أو تأخرت الحيضة، فلا تكرار.
فإن قدّرنا أنها قد حلَّت للسيد بعد موت الزوج بحيضة حاضتها في الثلاثة الأشهر أو تمضى ثلاثة أشهر، ولم يأت وقت حيضتها على قول ابن القاسم، ثُمَّ مات السيد بعدَ أن حلَّت له: فإنَّها تجبُ عليها [حيضتان. فإن لم تحض فثلاثة أشهر. فإذا جعلنا عليها من يوم مات الآخر أربعة
_________________
(١) في أ: الحيض.
(٢) سقط من أ.
[ ٤ / ١٩٤ ]
أشهر وعشرا من الحيضة التي تجب عليها] (١) لموت السيِّد بعد أن حلَّت لهُ، إذ تأخير الحيض إنما يجب عليها ثلاثة أشهر فقط.
فإن قدرنا أن السيد مات أولًا: فلا شيء عليها مِن عِدَّة السيِّد، لأنَّهُ مات وهي تحت زوجٍ.
فإن مات الزوج بعد ذلك: فعليها عِدَّة الحُرَّة أربعة أشهر وعشرًا.
ومنهم من سلك مسلك التقسيم، فقال: لا يخلو [أمر] (٢) هذهِ [الأمة] (٣) مِن أن تكون عادتها، أن ترى الحيض في مقدار هذه الأشهر أو لا تراهُ إلا بعدها:
فإن كانت مِمن لا ترى [الحيض] (٤) إلا بعد الأشهر: فلابد لها مِن الحيضة بعد أن تعتد بالأربعة الأشهر والعشر مِن يوم مات الآخر منهما، إذا لم يُعلم متى مات الزوج.
وإن كانت ممن ترى الحيض في مقدار تلك الأشهر التي تعتدُّ بها:
فإن رأتها فيها: أجزأت عنها.
فإن لم ترها فيها: بلغت إلى تسعة أشهرٍ، عِدَّة [المُسترابة] (٥) من آخرهما موتًا، وناب لها ذلك عن الأمرين جميعًا، لأنَّها مسترابة مِن نكاح، والتسعة أشهر تنوب عن استبراء الملك.
فلو كان بين الموتتين أكثر مِن شهرين وخمسِ ليالٍ، وادّعت أنَّها لم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: من.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في هـ: المرتابة.
[ ٤ / ١٩٥ ]
تحض في تلك المُدَّة، أرادت أن تُسقط عن نفسها العدَّة مِن سيدها، لأنها تكون بزعمها: إذا لم تحض، لم تحل للسيد: فإن سُمع ذلك منها في حياة سيِّدها صُدِّقت الآن وإلا لم تُصدَّق، لأنّها تُتهم إذا لم يُسمع ذلك منها، أنْ تُسقط عن نفسها ما لزمها مِن الاعتداد للسيِّد في حق الحُكم الظاهر لغالب العادة: اعتبارًا بما قالهُ مالك فيمن طلَّق زوجتهُ فأقامت مدة طويلة، فزعمت أنَّها لم تحض إلا حيضة واحدة، وقد مات الزوج، فقال مالك: إن كانت تذكر [ذلك] (١) في حياتهِ صُدِّقت وإلا لم تُصدق، فاتهمها على طلب الميراث، لمَّا كان الظاهر مِن أمرها أنَّها قد بانت قبل موتهِ.
ومنهم مَن قال: يتخرج ما قاله في هذه المسألة على رواية ابن وهب عن مالك في كتاب [الاستبراء] (٢) في التي ارتفع دمُها مِن الإماء أنَّ عليها تسعة أشهرٍ إذا بيعت.
وأمَّا على قول ابن القاسم الذي يُبرئها بثلاثة أشهر: فلا حيضة عليها.
وإن كان بين الموتتين أكثر مِن شهرين وخمسِ ليالٍ: وذلك أنَّهُ إذا كان موتُ الزوج أولًا: فتكونُ الحيضة عليها بعد موت السيد إذ موتُهُ بعد الشهرين وخمسِ ليالٍ: فهي [من] (٣) آخر الموتتين تستقبل أربعة أشهرٍ وعشرًا كما بيناهُ.
فهذه الأربعة الأشهر والعشر التي تستقبلها، إنْ عدمت فيها الحيضة فقد زادت [على ثلاثة أشهر التي تبرئها عند ابن القاسم إذا لم تر الحيضة فتستغنى عن الحيضة على قوله وصريح مذهبه وأما الجواب الذي أجابه
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ١٩٦ ]
على] (١) المسألة، [فهو] (٢) [على] (٣) رواية ابن وهب.
ووجهُ ما قالهُ ابن القاسم في الكتاب أن يُقال يُحتمل أن يكونَ الزوج مات أولًا، فيجب عليها في الوفاة شهران وخمس ليالٍ:
فإذا كان بين الموتتين أكثر مِن شهرين وخمسِ ليالٍ فقد حلَّت للسيِّد، في هذا الوجه بمضى عدَّتها مِن زوجها، ثُمَّ بموت السيِّد وجبت عليها حيضة، ثُمَّ يقول: يُحتَمل أن يكون السيِّد مات [أوَلًا] (٤) فتكونُ حُرَّة، ثُمَّ مات زوجها، [فوجب عليها] (٥) أربعة أشهر وعشرًا عِدَّة الحرائر.
فلما كان الوجهان لا يُدرى بأيُّهما تخاطب بهِ مِنهما، جمعت [عليها] (٦) الأمرين.
وأما إذا كان بين الموتتين أقلُّ من شهرين وخمسِ ليالٍ [أو شهران وخمس ليال] (٧)، سواء فالزوج إن كان هو الميت أولًا، فهي لم تحل للسيد بعد [لكونه] (٨) مات، ولم تخرج من العدَّة، فلم تجب عليها حيضة: فأوجبنا عليها أربعة أشهرٍ وعشرًا فقط، لاحتمال [موت] (٩) السيِّد أولًا، فيكون عليها عدَّة الحرائر بموت زوجها آخرًا.
فهذا معنى قول ابن القاسم، وتفسير سحنون في الكتاب.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: فهي.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: فعليها.
(٦) في أ: عليه.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: لكونها.
(٩) سقط من أ.
[ ٤ / ١٩٧ ]
قُلتُ: وهذا الذي ذكرهُ ابن القاسم [وسحنون] (١) في الكتاب، وكُلُّ مَن تكلم على هذه المسألة، ونَقلْنَا كلامَهُ إنَّما تكلَّمُّوا على وجهٍ واحد في المسألة وهو أنَّ الإباحة تقومُ مقام الفعل، وعليه بنوا.
وأمَّا على الوجهِ الآخر: الذي نقول فيهِ أن الإباحة لا تقوم مقام الفعل فلا حيضة عليها بوجهٍ ولا حالٍ، إلا أن تُقرَّ بإصابة السيد أو تشهد البينة على إقرار السيِّد بالإصابة، بعد انقضاء عِدّتها مِن الزوج، وقد كان بين الموتين أكثر مِن شهرين وخمسِ ليالٍ.
والقولان: قائمان من "المُدوَّنة" في الإباحة، هل تقومُ مقام الفعل أم لا [من هذا الكتاب ومن كتاب النكاح الثالث فقد جعل الإباحة في هذه المسألة تقوم مقام الفعل] (٢) لأنَّهُ ما [أوجب] (٣) عليها للسيد حيضة إلا لكونها حلَّت لهُ.
وفي كتاب النِّكاح [الثالث] (٤) خلاف هذا، فيما إذا زوَج أم ولده، ثُمَّ وطئ أختها، ثُمَّ رجعت إليه أُم ولدهِ، ثم قال أنَّهُ يتمادى على وَطء التي عندهُ ولا يضرُّهُ رُجوع أُم الولد عندهُ، وهو معلومٌ أنَّها رجعت إلى فراشها، فكان الذي ينبغى: أن يوقف عن التي عندهُ حتى يُحرِّم فرج إحداهما؟
لكون أُم الولد رجعت إلى فراشها فصارت مُباحةً لهُ.
ويُؤخذ مِن قولِ أشهب، مِن "كتاب الاستبراء" أيضًا: أنَّ الإباحةَ
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ١٩٨ ]
تقومُ مقام الوطء، فيما إذا تزوَّج امرأةً وتحتهُ أختُها يطؤها يملكِ اليمين، فقال أنَّ النكاح جائز، وعقدُ النكاح تحريم لها.
[وقد] (١) أغفل المتأخرون [عن] (٢) هذا الوجه ولم يتكلموا عليه.
واختلف المتأخرون في هذه الأمة، إن جاءت بولد، هل لها أن تلحقهُ بمن شاءت منهما أم يكون لاحقًا للزوج؟ على قولين وينبنى الخلاف على الخلاف الذي قدمناهُ في الإباحة [هل تقوم مقام الفعل؟ فمن رأى أن الإباحة تقوم مقام الفعل قال: تلحقه بمن شاءت. ومن رأى أن الإباحة] (٣) لا تقوم مقام الفعل، قال: الولد لاحقٌ للزوج دون السيد، لأنَّ فراش الزوج متيقَّن، [ومن رأى أن فراش الزوج غير متيقن] (٤) وهو ظاهر "المُدوّنة": فيمن تزوّج امرأةً في عِدَّتها ولم يدخل بها، ثُمَّ أتت بِولد أنَّ الولد يلحق بالأول دون الثاني لأنَّهُ لم يطأها، ولم يُعلم دخولَهُ بها، وكان فراشُ الأول أحقَّ منهُ، لأنَّهُ أثبت حُرمة وأقوى شبهة.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: عنه.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ١٩٩ ]
المسألة الخامسة
في النكاح في العدَّة: ولا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون [ذلك] (١) في عدةٍ مِن نكاحٍ أو شُبهة نكاح.
والثانى: أن يكون في استبراء، وما هو في حكم الاستبراء، كعدَّة أُم الولد مِن وفاةِ سيِّدها.
فإن كان في عِدَّة نكاح أو شُبهة نكاح، فلا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن تكون في عدَّةٍ مِن وفاةٍ أو طلاقٍ بائن.
والثاني: أن تكون في عدَّة مِن طلاقٍ رجعى.
فالجواب عن الوجه الأوَّل: إذا كانت العدَّة مِن طلاقٍ بائنٍ أو مِن وفاة، فلا يخلو ما فعلهُ في العدَّة مِن أربعة أوجه:
إما التعريض.
وإما الوعد.
وإما المُواعدة.
وإما وقوع العقد.
فإن كان ما أحدثهُ تعريضًا [فله ذلك] (٢) بالاتفاق، لقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ مِثل: أن يقول [لها] (٣) إنيِّ بك مُعجب وأنا لك مُحب وإني للآتي خيرًا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: فذلك جائز له فعله.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٠٠ ]
واختُلف في الهدية فأجاز في "المُدوّنة" أنْ يهدى لها.
[ومنعها] (١) ابن حبيب في غير "المُدوّنة".
فإن كان ما أحدثهُ في العدَّة الوعد فذلك مكروهٌ [له] (٢) بالاتفاق ابتداءً لما يُتقى فيه مِن البراء المؤدى إلى مُخالفة الوعد، ومُخالفة الوعد مكروهة على الجُملة، ولهذا [كره] (٣) [المواعدة] (٤) في الصرف [أيضًا] (٥) لأنَّ الذي وعد بين حالتين ممنوعتين:
إما أنْ يَفي بما وعد: فيؤدى ذلك إلى النظرة في الصرف، لأنَّ العقد الواقع إنْ وقعَ فسبَبُهُ الوعد المتقدم.
أو لا يفى بما وعد: فيؤدى ذلك إلى مخالفة الوعد [ومخالفة الوعد] (٦) [ممنوعة] (٧).
فإن وقع العقدُ بعد العدَّة: فالنكاح جائز لهُ، ولا يُفسخ بالاتفاق، وسواء كان الوعدُ مِن أحد الزوجين أو الولى ممن يملك الجبر أو لا يملكهُ.
وأمَّا المُواعدة: فمعناها المُفاعلة [والمفاعلة] (٨) لا تكون إلا مِن اثنين فمكروهة أيضًا ابتداءً، لقولهِ تعالى: ﴿لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا. . . .﴾ الآية.
[و] (٩) لأنه إن وقع العقد بعد العِدَّة. بواسطة المواعدة في العدَّة:
_________________
(١) في أ: ومنعه.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: كُرهت.
(٤) في أ: العدة والمثبت هو الصواب.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: مذمومة.
(٨) سقط من أ.
(٩) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٠١ ]
فلا خلاف عندنا في المذهب أنَّهُ يُفسخ، فهل يُفسخ إيجابًا أو استحبابًا؟
فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ يُفسخ إيجابًا، وهو قول أشهب.
والثانى: أنَّهُ يفسخ استحبابًا، وهي رواية ابن وهب عن مالك.
وسبب الخلاف: النهي، هل يدلُّ على فسادِ المنهى عنهُ أم لا؟
وإذا وقع العقدُ والدخولُ، ثُمَّ فُسخ هل يتأبَّد التحريم أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهُ يتأبَّد التحريم، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم [وأحد قولى أشهب] (١).
والثانى: أنَّهُ لا يتأبَّد التحريم، وهو قول أشهب.
وسبب الخلاف: ما يُؤدى إلى الشىء، هل هو كالشىء أم لا؟
وذلك أنَّ المُواعدة تُؤدى إلى العقد، والعقد يُؤدى إلى الوطء.
وأمَّا العقدُ: فلا يخلو مِن ثلاثةِ أوجه:
أحدها: أن يعقد في العدَّة ويعثر على ذلك قبل أن يطأ.
أو عقدٌ في العدة ودخل فيها.
أو عقدٌ في العدَّة ودخل بعدها.
فإن [عقد] (٢) في العدَّة، وعثر على ذلك قبل الدخول وبعد انقضاء العدَّة، فهل يقضي العقد أو يفسخ؟ قولان قائمان مِن "المدونة":
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: وقع.
[ ٤ / ٢٠٢ ]
أحدهما: أنَّهُ يُفسخ، وهو المشهور.
والثانى: أنَّهُ لا يُفسخ، وهو ظاهر "المُدوّنة" من قوله " [و] (١) ما فسخهُ بالحرام البيِّن".
وسبب الخلاف: النهى، هل يدلُّ [على فساد] (٢) المنهى عنهُ أم لا؟
وعلى القول بأنَّه يفسخ، هل يتأبّد التحريم أم لا؟ قولان قائمان مِن "المدونة":
أحدهما: أنَّهُ لا يتأبد التحريم، وهو نصُّ "المُدوّنة".
والثاني: أنَّهُ يتأبد التحريم منهُ، وهو قولٌ حكاهُ القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب في المذهب، وهو قائم مِن "المُدوّنة".
وسبب الخلاف: الإباحة: هل تقوم مقام [الفعل] (٣) أم لا؟ وذلك أنَّ العقدُ مبيح للوطء، وهل هو كالوطء أم لا؟ قولان قائمان مِن "المُدونة" وقد بيَّناهُما.
فإن عقدُ في العدَّة ودخل فيها، هل يتأبد التحريم أو لا يتأبَّد؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يتأبّد التحريم، وهو قول ابن القاسم في "المُدوّنة".
والثانى: أن التحريم لا يتأبَّد، وهو قول ابن نافع.
وسبب الخلاف: قولُ الصحابي هل يكون حجة أو لا يكون حجة؟
فإن عقد في العدة ودخل بعدها، فهل يتأبد التحريم أو لا يتأبد؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: بفساد.
(٣) في أ، جـ: الوطء.
[ ٤ / ٢٠٣ ]
قولان قائمان مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنه يتأبد التحريم، وهي رواية ابن نافع عن مالك.
والثاني: أنه لا يتأبد، وهو قول المخزومى وغيره في "المدونة".
وسببُ الخلاف: الإباحة، هل تقوم مقام [الفعل] (١) أم لا.
واختلف في دواعى الوطء، هل هى كالوطء أم لا؟
على قولين قائمين مِن "المُدوّنة" مِن غير ما موضعٍ.
ونصُّ "الكتاب" أنَّها كالوطء.
وإن كانت في عدَّة مِن طلاقٍ رجعى فتزوجها وهي في عِدتها فهل يكون كالناكح في عدَّة أو كالناكح في عصمة؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّهُ كالناكح في عصمة، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المُدوّنة، ونصُّ قوله في غيرها.
والثانى: أنَّهُ كناكح في عِدَّة، وهو قولُ الغير في "المُدوّنة".
والقول الثالث: بالتفصيل بين أن يرتجع أو لا يرتجع.
فإن ارتجع الزوج بعد ذلك، كان الثاني ناكحًا في عصمة.
وإن لم يرتجع، كان ناكحًا في عدَّة، وهو قول أحمد بن ميسر في مسألة: "النصرانية إذا أسلمت"، على ما في "الموَّازيَّة"، وهذا القول قائم في المُدوّنة أيضًا.
وسبب الخلاف بين ابن القاسم والغير: هل يُغلّب تحريم الوطء بعد
_________________
(١) في هـ: الوطء.
[ ٤ / ٢٠٤ ]
الطلاق الرجعى وقبل "الرجعة" فيكون كالبائن أو يُغلَّب [بقاء أكثر] (١) أسباب الزوجية واستمرارها فيكون كالعصمة؟
إذ لا خلاف بينهم في نكاح [ذات] (٢) الزوج عامدًا بلا شبهة، أنَّ ذلك النكاح لا يُؤثر في التحريم.
وأمَّا مَن فصَّل بين أن يرتجع أو لا يرتجع فقد تردد.
فإن كان في استبراء أو ما هو في حُكم الاستبراء، كعدة أُم الولد مِن وفاة سيِّدها. فلا يخلو مِن أن يكون ذلك بنكاحٍ أو ملك.
فإن كان ذلك بنكاحٍ أو بشبهة نكاح. كمن تزوّج أمة في مُدة استبرائها، أو أُم الولد في حيضتها مِن سيِّدها. هل يفسخ نكاحهُ أو لا يفسخ؟ فالمذهب على قولين منصوصين عن مالك في أُم الولد، في "كتاب العدَّة" مِن "المُدونة":
وهل يتأبَّد التحريم بذلك أم لا؟ فقد اختلف المذهب في تأبيد التحريم أيضًا، على القول بأنَّهُ يُفسخ، فأمَّا على القول بأنَّهُ لا يُفسخ فلا كلام.
فإن كان ذلك بملك، أو بِشبهة ملك، أو في استبراء من ملك: فقد حكى فيه القاضى أَبو الوليد بن رُشد الإجماع في المذهب أنَّهُ: لا يتأبد فيه التحريم.
واختُلف إذا تزوجها في استبراء من زنا، هل هو كالمتزوج في عدَّة؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: [أنها] (٣) تحرُم عليه.
والثانى: أنَّها لا تحرم عليه. والقولان لابن القاسم.
_________________
(١) في أ: أكثرها.
(٢) في أ: ذوات.
(٣) في أ، هـ: أنه.
[ ٤ / ٢٠٥ ]
والثالث: بالتفصيل بين أن تكون حاملًا فتحرم، أو تكون حائلًا فلا تحرم، وهذا القولُ [أيضًا] (١) لابن القاسم.
واختار أصبغ أن يتأبّد التحريم في ذلك. فإذا كان التحريم يتأبَّد بالنكاح فبأن يتأبد بالسفاح أولى.
وأمَّا مَن زنى بامرأةٍ [في عدتها] (٢)، فهل يتأبَّد بذلك تحريمها عليه أو لا يتأبد؟
[أما على القول بأن الزنا يحرم الحلال فلا تفريع] (٣) وأمَّا على القول بأنَّ الزنا لا يُحرِّم الحلال. فإنَّهُ يتخرّج على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يتأبَّد التحريم بينهما، وهو ظاهر قولُ الغير في "المُدونة" في "كتاب العدَّة"، حيث قال: "فمن أصابها في عِدّة أو تزوّجها كان مُتزوِّجًا في عدَّة"، وقولُهُ: "أصابها": يُشعر بأنه أصابها لغير وجهِ النكاح، لأنَّهُ [ذكر النكاح] (٤) بعده.
والثاني: أنَّهُ لا يتأبد التحريم، وهو المشهور.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المفهوم مِن قولِ عُمر ﵁:
" [الناكحان] (٥) في العدة لا يتناكحان أبدًا"، هل يُفهم منهُ النكاح اللغوى أو يفهم منهُ النكاح الشرعي؟
فإن حُمل على أن المرادَ بهِ النكاح اللغوى، فلا يتناكحان.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من هـ.
(٥) في أ: النكاح.
[ ٤ / ٢٠٦ ]
وإن حُملَ على أنَّهُ النكاح الشرعى، كان الزنا لا يتأبد منهُ التحريم.
واللفظة إذا وردت ولها عرفان: لُغوى وشرعى، فإنَّها تُحمل على الشرعى عند كثير مِن الأصوليين. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٤ / ٢٠٧ ]
المسألة السادسة
في تداخل العدتين:
[ومسألة تداخل العدتين] (١) من مشكلات المذهب، وهي معدودة عند النظار مِن الطوام الكبار، فها أنا أُشمِّر عن ساعد الجد إلى تفصيلها، وأستقصى كُنه الجهد في تحصيلها، حتى تنتظم في [نمط] (٢) الانحصار، وتُزم بروابط الاختصار، فإنْ بدا بها تقصير على المأمول، والاقتصاد دون المنقول، فالقدر كوْنِ الإنسان مجبورًا على النُقصان، و[الفضل] (٣) بيد الله يؤتيه مَن يشاء، وبهِ أستعين فيما أشاء فأقول:
تداخُل العُدَّتين لا يخلو مِن أن يكونا مِن شخص أو مِن شخصين:
فإن كانتا مِن شخصٍ واحد وكانتا مِن جنسٍ أو مِن جنسين.
فإن تجانسا مِن جهة الزمان والصفة، واختلف المُوجب والمقدار.
كذات الشهور يُطلقها زوجها طلاقا رجعيًا ثمَّ مات في العدَّة.
فالعدَّتان تتداخلان بلا إشكال.
وكذلك إن اتفقتا جنسًا وصفة واتحد الموجب كالمُطلَّقة ثلاثا [ثم تزوجها زوجها] (٤) في عدَّتها، ثُمَّ فسخَ نِكاحهُ بعد البناء: فإنَّ العدَّتين تتداخلان أيضًا.
فإن اختلفت أجناسهما، كذات الأقراء يُطلقها زوجها. فلا يخلو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: سلك.
(٣) في أ: التوفيق.
(٤) في أ: فطلقها زوجها والصواب ما أثبتناه من ب.
[ ٤ / ٢٠٨ ]
طلاقهُ مِن أن يكون بائنًا أو رجعيًا.
فإن كان رجعيًا ثُمَّ مات في العدَّة فلا يخلو مِن أن يموت قبل الارتجاع أو بعد الارتجاع:
فإن كان قبل الارتجاع: فهل تتداخل العدتان أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهما تتداخلان. وهو نصُّ "المُدوّنة".
والثاني: أنهما لا تتدخلان، وهو ظاهر قولُهُ في "المُدوّنة": "إذا كانتا من شخصين أنَّهما لا تتداخلان".
وسبب الخلاف: هل النظر إلى اتحاد الشخص الذي منهُ العِدّة أو النظر إلى اختلاف الموجب؟ لأنَّ العِدة تختلف باختلاف الموجب.
فإن ارتجع ثُمَّ مات في العِدَّة قبل أن يطأ، فهل تتداخل العدتان أم لا؟ قولان قائمان من "المُدوّنة".
ويتخرج الخلاف [فيها] (١) على الخلاف في الرجعة، هل تهدم [العِدَّة] (٢) أو لا تهدمُها؟
ويُستقرأ مِن "المُدوّنة" مِن "كتاب الأيمان" في "باب طلاق المريض":
أنَّ الرجعة تهدم العدَّة، ويستقرأ مِن "كتاب العدة وطلاق السُنة":
أن الرجعة [لا] (٣) تهدم العدّة مِن باب "الطلاق في الحيض".
وبهِ علَّل بعضُ حُذَّاق المتأخرين المنع مِن الطلاق في الطُهر الثاني
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: النكاح.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
للحيضة التي طلَّق فيها [لأنه يكون] (١) لو طلَّق طلق طلاقًا لغير عدّة.
فإن كان الطلاق تأبيدًا، كطلاق الخُلع فإذا راجعها الزوج بنكاحٍ جديد في عدَّتها ثُمَّ مات قبل أن يطأها، هل تتداخل العدَّتان أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهما لا تتداخلان، هو قول سحنون في غير "المُدوّنة".
والقول الثاني: أنَّهما تتداخلان، وهو مذهب "المُدوّنة".
وعلى القول بأنَّهما تتداخلان، فإذا انقضت عدة الوفاة قبل أن تستكمل ثلاثة قروء سقط عنها الإحداد في انتظار بقية الأقراء.
وسبب الخلاف: ما تقدمَّ، هل النظر إلى اتحاد الشخص المُعتد منهُ أو النظر إلى تعداد المُوجب؟ مع اختلافٍ جنس العدَّتين.
فإن كانتا مِن شخصين، فلا تخلو المعتدَّة مِن وجهين.
أحدهما: أن تكون حائلًا.
والثاني: أن تكون حاملًا.
فإن كانت حائلًا، فلا تخلو العِدَّتان مِن أن تكونا مِن جنسٍ واحدٍ أو مِن جنسين:
فإن كانتا جنسًا واحدًا، هل تتداخل العدَّتان أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهما تتداخلان، وهو نصُّ قولُهُ في "المُدوّنة" حيث قال: "كان مالك يقول: "ثلاثةُ أقراء، يُستبرأ بها من الزوجين جميعًا".
_________________
(١) في أ: لا لكون.
[ ٤ / ٢١٠ ]
والثانى: أنهما لا تتداخلان، وهذا القول يُستقرأ من "المُدوّنة" مِن مواضع "جمة" (١):
منها قول ابن القاسم: أول الباب "كان مالك يقول: "ثلاثة أَقْرأ تبرئها من الزوجين [جميعًا] (٢) "، وهذا يشعر بأنَّ له قولةً أخرى، لأنَّ قولك: "كان فلانٌ يعمل كذا" ينبيء عمَّا كان يُكثر تكرارُهُ ووقوعُهُ منه، ويُشعِر بأنَّهُ كان يفعل غيرُ ذلك. إلا أنَّ صدورَهُ منهُ في نادر الأوقات.
كقولِ عائشة ﵂: "إن كان رسول الله - ﷺ - ليصلي الصبح، فينصرف النساء متلفعاتٍ بمروطهن. . . ." الحديث.
ومعلومٌ أنْ النبي - ﷺ -: قد صلَّى الصبح بعد الإسفار في حديث السائل عن وقت صلاةِ الصُبح.
ويُؤخذ أيضًا مِن قولهِ: "وهذا قولُ مالك" في أمرِ هذا الزوج الغائب.
فأمرَ الذي تزوّجها في العدَّة، وفي الوفاة عنها [و] (٣) في حملها على ما وصفت [لك] (٤)، بعدد العدة على اختلاف أجناسها واختلاف مُوجبها.
وسببُ الخلاف: هل النظر إلى تجانس العدَّتين فتتداخلان أو النظر إلى تعداد الأزواج ثُم لا تتداخلان؟
فإن كانتا من جنسين كعدَّة الطلاق والوفاة، فهل تتداخلان أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنهما لا تتداخلان، وهو نصُّ "المُدوَّنة".
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ٢١١ ]
والثانى: أنَّهما تتداخلان، وهذا القولُ قائم من "المُدونة"، وتبين [لك] (١) الموضع الذي يُستقرأ منهُ الأصل الذي هو منشأ الخلاف، فإذا تأمّلتهُ يتبين لك ما أشرنا إليه إن شاء الله تعالى.
وسبب الخلاف: الأقراء الثلاثة، هل هى كُلُّها استبراء. أو كُلُّها عبادة. [أو بعضها عبادة وبعضها] (٢) استبراء؟
وقولنا هل هى كُلُّها عبادة لا يُنكر، لأنَّ الطلاق إذا وقع بعد الأقراء الكثيرة لا وطء بعدها، كالغائب والمريض مرضًا لا يقوى معهُ على الجماع أو امرأة علمُ براءة رَحمِها بالوضع، ثُمَّ [لا] (٣) يكون الطلاق عُقيب ذلك قبل أنْ يمسَّها، ولا شكَّ أنَّ الثلاثة الأقراء في هذا الموضع عبادة محضة.
وأمَّا الوجه الثاني: إذا كانت حاملًا، فلا يخلو [من] (٤) أن يكونَ مِن الأول أو مِن الثاني:
فإن كان من الأول مثل أن يتزوجها الثاني قبل الحيضة أو بعد الحيضة ثم تأتى بولدٍ لأقل مِن ستة أَشهر:
فاتفق أهل المذهب في هذا الوجه على أنَّ العدَّتينِ تتداخلان وأنَّ الوضع يُبرئها مِن الزوجين جميعًا.
ويلزم مِن المسألة قولٌ [ثان] (٥): أن لا يتداخلا.
ويتخرج على الخلاف: في الاستبراء من النكاح الفاسد الذي لا يُقرُّ عليه هل هو استبراء محض أو لهُ حُكم العدَّةَ؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: ثالث.
[ ٤ / ٢١٢ ]
فإن قلنا: إنهُ استبراءٌ محض، فيصحُّ التداخل، كما قالوا: تتيقَّن براءة الرحم بالوضع".
فإن قُلنا: أنَّ لهُ حكم العدّة في توابعه مِن مُلازمةِ البيتِ وغيرها، فيُجرى على الخلاف الذي قدَّمناهُ آنفًا.
وهذا الإلزام لا [محيد] (١) عنهُ. فكيف يُطلق القولُ بالتداخل، ومَن تدبَّر ما قلتُ يجدَهُ صحيحًا إن كان عارفًا بالمذهب.
فإن كان الحمل مِن الثاني، فهل يُبرئها من الزوجين جميعًا ويصحُّ التداخل ويُطلب أقصى الأجلين؟ فالمذهب علىَ قولين قائمين مِن "المُدوّنة" منصوصين في المذهب:
أحدهما: أنَّهما يتداخلان، وهو ظاهر قولهُ في المُدوّنة أول الباب حيثُ قال أنَّها تبرأ بالوضع. ولم يُفصِّل بين أن يكون مِن الأول أو مِن الثاني، وهو نصُّ أشهب في غير "المُدوّنة".
[والثانى] (٢): أنها تطلب أقصى الأجلين، وهو ظاهر "المُدوّنة".
ويُؤخذ مِن قوله في مسألة "المنعى لها زوجها"، إذا حملت مِن الثاني ثُمَّ مات زوجُها الأول، فلتطلب أقصى الأجلين، ثُمَّ قال: "وكذلك سائر هذه المسائل كلها"، إشارةً منهُ إلى ما قال أوَّل الباب.
وسبب الخلاف: ما تقدّم مِن العدَّة في النكاح الفاسد، هل تُضاهى عدةَ النكاح الصحيح أو هى استبراءٌ محض [فإن قلنا أنها استبراء محض] (٣) فلا يُبرئها الوضع مِن الثاني، مِن عدَّة وفاة الأول؟
_________________
(١) في ع، هـ محيص.
(٢) في أ: والثالث.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٢١٣ ]
أصلُ ذلك: إذا وضعت مِن الزنا وهو موضعُ الاتفاق.
وعلى القول: بأنَّها [تضاهى] (١) عدَّة النكاح الصحيح فيتداخلان، وهو إذا كانت عدَّة الأول مِن الوفاة، لأنَّ هذا إنَّما يُتصَّور في المنعى لها زوجها.
وأمَّا إذا اعتَّدت مِن طلاق الأوّل، ثُمَّ حملت مِن الثاني، على القول بأنَّ الوضع مِن الثاني، لا يبرئها مِن عدّة الأول، هل ينبنى على ما مضى مِن الأَقْراء قبل الوضع، إن كان قد مضى لها شىءٌ أو تبتدئ بعد الوضع ثلاثة قُروء؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تبنى على ما مضى منها، وهو مشهور المذهب، وهو ظاهرُ المُدوّنة.
والثانى: أنَّها تبتدئ، وهي رواية أفلح عن ابن القاسم.
وسبب الخلاف: طروء الوضع، هل يهدم ما مضى مِن عدَّتها أو لا يهدم؟
فعلى القول بأنَّ الوضعَ يهدمهُ: فإنَّها تبتدئ بثلاثة أقراء. وهل تحسب بدم النفاس قُرءًا أو لا تحسب به؟ قولان:
أحدهما: أنها تحسب [به] (٢)، وبهِ قال أبو القاسم بن مِحرز.
والثانى: أنَّها لا [تحسب به] (٣) وتلغيه.
وسبب الخلاف: هل العبرة بالعبر والمعانى أو العبرة بالألقاب
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: تحسبه.
[ ٤ / ٢١٤ ]
[والأسامي] (١)؟.
فمن اعتبر الألقاب والتسميات، قال: لا تحسب بدمِ النفاس قُرءًا.
والله تعالى يقولُ: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، والنفاس لا يُسمى قرءًا.
ومن اعتبر المعانى، في كون دم النفاس لهُ حكم دم الحيض في جميع ما تعلَّق بهِ من الأحكام قال: تحسبُ بهِ.
ومعنى التداخُل: أن يكون الحُكم لإحدى العدتين، وتندرج الأُخرى تحتها.
وعدم التداخُل: إمَّا طلبُ أقصى الأجلين، إذا تمت إحداهما، انتظرت تمام الأخرى، وهو المشهور.
أو أنَّها إذا أتمت إحداهما، ابتدأت الأُخرى، كما قال عُمر ﵁ [وهو الذي نقله ابن الجلاب] (٢).
فهذا جُملة ما حضرَ عندي الآن في تحصيل مسألة تداخل العدَّتين.
وإلى الله الهداية في بُلُوغ الغاية.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ، جـ: والتسميات.
(٢) سقط من أ.
[ ٤ / ٢١٥ ]
المسألة السابعة
في امرأة المفقود، وما كان في [معناها] (١).
والكلام في هذه المسألة، على ثلاثة أسئلة:
منها سؤال المفقود.
ومنها سؤال التي علمت بالطلاق ولم تعلم بالرجعة.
ومنها سؤال المنعى لها زوجها.
فأمَّا السؤال [الأول] (٢) الذي هو سؤال المفقود، فإنَّ [عادة] (٣) الأصحاب في تصانيفهم اختلفوا في تقاسيم المفقودين.
فمنهم من قسَّمهم ثلاثة أقسام:
مفقود في بلاد الإِسلام، ومفقود في المُعترك الذي يكون بين المسلمين والمُشركين، ومفقودٌ في الفتن التي بين المسلمين.
ومنهم مَن زاد قِسمًا رابعًا وهو:
المفقود في أرض الشِرك.
ونحن نزيد قسمًا خامسًا: وهو المفقود في سنة المجاعة.
فأمَّا المفقود في بلاد الإِسلام مِن غيرِ مضرَّة لحقتهُ ولا حاجة رمقته،
_________________
(١) في هـ: معناه.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: علة.
[ ٤ / ٢١٦ ]
فالكلامُ فيه في ثلاث مواضع:
أحدها: الكلام في حُكم نفسهِ.
والثانى: في ماله.
والثالث: في زوجهِ.
فأمَّا الموضعَ الأوَّل: وهو الكلام في نفسِ المفقود، وهو عندَ أهلِ اللُغة أعنى: الفقد، هو: تلفُ الشىء بعد حضورهِ وعدمِهِ بعد وجودهِ.
فحُكمُهُ في نفسه يُحمل على أنَّهُ حىٌ حتى يُتبيَّن موتُهُ حسًا أو معنًى، وما قبل ذلك فلهُ حكم الأحياء فيما لهُ وعليه.
مَمَنْ مات [له] (١) مَن ولد أو من لهُ [فيه] (٢) ميراثٌ [ولم يكُن حسًا أو معنًى، وما قبل ذلك فلهُ حكم الأحياء] (٣) [ولم يكن] (٤) هناك مَن يحجُبُهُ فإنَّهُ يرث منهُ ويوقف لهُ سهمهُ منهُ وقفًا مخالفًا لوقوف ماله على ما نصفه في موضِعِه، إنْ شاء الله تعالى.
فإن ثبت موتُهُ حسًا، وكان موتُهُ بعد موت مَن وُقف لهُ [منه] (٥) الميراث ضُمَّ ذلك إلى [ماله] (٦)، وكان من جُملة تركتهُ، ويُقسَّم [مَع] (٧) مالَهُ.
فإن كان موتُ الغائب [قبل] (٨) موتِ الحاضر [فإنه يرد إلى ورثة
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من هـ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: من.
(٦) في أ: ميراثه.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: بعد.
[ ٤ / ٢١٧ ]
الحاضر] (١) ولا شىء [فيه] (٢) لورثة الغائب، [إذ لا يُورث الأموات مِن الأحياء.
وكذلك الحُكم إذا جُهل من مات منهما أولًا] (٣)، إذْ لا يُورث أحدٌ بالشكِّ.
فإن كان موتهُ معنًا مِثل أن يموت بالتعمير، فإنَّ المال [الموقف] (٤) يرجع أيضًا إلى مَن يرث الحاضر يوم مات، ولا شىء [فيه] (٥) لورثةِ الغائب، لاحتمال أن يكون قد مات قبل الحاضر لأنَّ ذلك مِن باب التوارث بالشكِّ، وإنَّما أوقَفناه لاحتمال أن يحيى أو يثبت أنَّه حى بعد موت الحاضر.
وقد حكى أبو إسحاق بن شعبان في المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: ما ذكرناه، وهو المشهور.
والثانى: أنَّ ميراث الأب مِن الابن [موقوف] (٦) إن كان [يرث] (٧) الأب بالتعمير.
والثالث: أنَّ الأب إذا مات بالتعمير يوقف مِن مالهِ ميراث ولده الذي كان مات ويكون الميراث بين موقوفين حتى يكشف مَن يرث منهما صاحبهُ.
وقد اختُلف في الجد الذي إذا انتهى إليه في السنّ حُكم الشرع بموته،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من هـ.
(٤) سقط من هـ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: موت.
[ ٤ / ٢١٨ ]
على خمسة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يُعمَّر سبعين سنة، لمالك وابن القاسم.
والثانى: أنَّهُ يُعمَّر ثمانين سنة، وهي رواية عن مالك أيضًا.
والثالث: أنَّهُ يُعمَّر تسعين سنة، وهو قول ابن الماجشون.
والرابع: أنَّهُ يُعمَّر مائة سنة، وهو مروىٌ عن مالك أيضًا.
والخامس: مائة وعشرين، وهو قولٌ حكاه أبو جعفر الداوردى عن محمَّد بن عبد الحكم.
قال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب: [والصحيح] (١) سبعون سنة، لقوله - ﷺ -: "أعمار أمتى ما بين الستين إلى السبعين، وقلَّ من يُجاوز ذلك". وهذا إخبارٌ عن ما يتعلَّق به الحُكم مِن الأعمال، وما زاد عن ذلك فليس فيه دليل يتحرَّر عمَّا يتعلَّق لكلِّ قول، وإنَّما هو على حسب ما يغلبُ على الظنِّ ويترجَّح في النفس مِن طول المُدَّة وقصرها والله أعلم.
وأما الموضع الثاني: وهو الكلام في: حُكم مالهِ.
ولا شكَّ ولا خفاء أنَّ مال المفقود موقوف، وأنَّ النظر فيه للسلطان، ولا يُمكَّن منهُ وارثٌ ولا غيرُ، وينظرُ لهُ السلطان بما هو الأحوطُ لهُ، وإلا سد فيما يخلف مِن رياع وأموال ومتاجر وديون وقراض وودائع وعوارٍ.
وأمّا الرياع: فإن كانت ممَّا يصلحُ للكراء أكراها، وإن كان فيها شىءٌ يحتاج إلى إصلاح ولا [يتقى] (٢) على انهدامهِ أُصلح له، وإن كان يتقى عليه أو كانت النفقة تعظُم ويُرى أنَّ البيعَ أحسن بيعت.
وأمَّا متاجرِهِ وذخائرهِ: فما كان يُخشى فسادُهُ أو يتسُّوس أو يدود:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: يتغير.
[ ٤ / ٢١٩ ]
باعَهُ صاحبهُ، وإلا لم يتعرّض لهُ إلا أن يأتى على شىءٍ [من ذلك] (١) نفاق أو غلاء وما يُعلم أنَّهُ لو كان حاضرًا لم يُؤخِّر بيعهُ فإنَّهُ يُباع.
وأمَّا رقيقهُ: فإن كان لا يخشى عليهم الإباق وفي خراجهم ما يقومُ بمؤنتهم وكسوتهم لم يُباعوا، وإلا بيعوا.
وكذلك الدواب: إذا كان في غلَّاتها ما يقوم بعلوفاتها ولم تبلغ [من] (٢) السن ما يُخشى [عليها] (٣): فلا تباع.
وأمَّا دُيونهُ: فإنَّها تُقبض بعد حُلول [أجلها] (٤) و[قراضها] (٥) بعد نضوضه، ووقف كُلُّ [ذلك] (٦) على يدٍ ثقة.
وكذلك عواريه: إن كان لها أجلٌ انقضى أو لم يكن لها أجل فانقضى، ما يُعارُ لمثله.
وإن أعار أرضًا فَبَنَى فيها المُستعير، أمر لهُ الإِمام بنقضهِ إذا مضى ما يُعارُ لمثلهِ.
فإن رأى الإِمام أنْ يُعْطِيَهُ قيمتهُ [منقوضًا] (٧)، كان ذلك لهُ، وقد قال مالك في "كتاب الشفعة" في العرصة المُستعارة، إذا بني فيها رجلان ثُمَّ أراد أحدهما الخروج منها وربُّها غائب، فقال مالك: "ينظر السلطان
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: آجاله.
(٥) في أ: قراضه.
(٦) في أ، جـ: واحد.
(٧) في أ: مقلوعًا.
[ ٤ / ٢٢٠ ]
في ذلك: فإن رأى أن يُعطيه قيمة نقضه ويبقى البُنيان للغائب، كان ذلك له، فقيل له: مِن أين يدفُع الثمن؟ قال: هو أعلمُ بذلك".
وأمَّا ودائِعهُ: فإن كانت تركته على يدِ مأمون، وإلا نزعت.
وإن كان المفقودُ قد رضي بأمانته، لأنَّهُ قد تعلَّق بها حقُّ الورثة، لإمكان أن يكون قد مات، وأنَّهُ مالهم اليوم، ومراعاة لمذهبِ مَن يقول أنَّهُ يورث عند انقضاء الأربع سنين.
وأمَّا الموضعُ الثالث: وهو الكلام في حُكم [زوجهِ] (١).
وهو عمدةُ الباب. فإذا رفعت امرأة المفقود أمرها إلى السلطان واشتكت [إليه] (٢)، وأظهرت الحاجة والفاقة، وما يلحقُها مِن الضررِ في نفسها لغيبة زوجها، وسألت السُلطان [أن] (٣) يدفع عنها الضرر، [ويزيل] (٤) ما تشكى [به] (٥) مِن الضيم الذي لحقها مِن غيبةِ زوجها، فإنَّ السلطان يكلف لها ثبوت الزوجية وثبوت الغيبة، فإذا ثبت [عنده] (٦) الأمران: وجب عليه الاعتناء بحقها، ودفعُ الضررِ اللاحق بها، ويكتبُ إلى والي البلد الذي يُظنُّ أنَّهُ فيهِ أو يكتب إلى سُلطان تلك البلد، إن لم يعلم أنَّهُ في بلدٍ بعينها ويُعرِّفهُ في كتابه إليه باسمهِ واسم أبيه، ويكتب صفته ومتجرهُ وصنعتهُ إن كانت [له] (٧) صنعة يُشتهرُ بها، وَيكتبُ هو في ذلك إلى نواحى بلدهِ، [فإذا
_________________
(١) في هـ: زوجته.
(٢) في أ: عليه.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: ويريح.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: عنه.
(٧) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٢١ ]
ورد] (١) على الإِمام جواب كتابهُ، ولم يقع لهُ على خبر ولا وُجد لهُ أثر فحينئذٍ يضرب لامرأتهِ أجلًا: أربعُ سنين إن كان حرًا، وسنتين إن كان عبدًا، وهذا هو مشهور المذهب.
وقد قيل: يضرب لها أجل: أربعُ سنين مِن يوم الرفع، وهو قولُ محمَّد بن عبد الحكم. والأول أصح.
واختُلف في الحِكمة في ضرب أربع سنين، على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يضربُ لها أربع سنين، لأنَّهُ أقصى [مدَّة] (٢) الحمل، وهو قول أبى بكر الأبهرى.
وهذا تعليلٌ ضعيف. لأنَّ العلة لو كانت كما ذَكر لوجب أنْ يستوى فيه الحُرُّ والعبدُ لاستوائهما في مُدَّة لُحُوق النسب، وَلَوَجَبَ [أيضًا] (٣) أنْ يسَقط جُملةً في الصغيرة التي لا يوطأ مثلُها إذا فُقد زوجها.
والمذهب: أنها لو قامت عشرين سنة ثُمَّ رَفعت أمرُها، يُضرب لها أجلٌ أربعة أعوام، وهذا يبطل تعليله إبطالًا ظاهرًا.
والثانى: أنَّ الحكمة في ذلك، لأنَّه القدر الذي تصلُ إليه الكتابة في بُلدان الإِسلام مسيرًا وعودًا.
وهذا التعليلُ أيضًا باطل -لأنَّهُ ما يتخرج إلا على القول بأنَّ ضربَ الأجل أربعُ سنينٍ قبل الكشف، وهو [قول] (٤) ضعيفٌ في نفسهِ.
_________________
(١) في أ: فأورد.
(٢) في هـ: أمد.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٢٢ ]
والثالث: [أن ذلك] (١) لاختبار حاله والتماس موقعه في الجهات الأربع في المشرق والمغرب والشمال والجنوب. فجعل لكلِّ جهةٍ عامًا.
قال القاضى أبو بكر بن العربى ﵁: "وهذا مما [يمكن أن يكون] (٢) قصد عمر ﵁ مِن غير أن يقطع عليه بذلك".
والرابع: أن الأربعة الأعوام إنَّما أُخذت بالاجتهاد، لأنَّ الغالب أنَّ من كان حيًا لا تخفى حياتُهُ [مع] (٣) البحث [عنه] (٤) أكثر مِن هذه المُدَّة، فوجب الاقتصار عليها، لأن الزيادة فيها والنُقصان [منها] (٥) خرقٌ للإجماع.
لأن [امرأة] (٦) المفقود على قولين:
أحدهما: أنَّ زوجتهُ لا تتزوج حتى تعلمَ موتَهُ، أو يأتى عليهِ مِن الزمان ما لا يَحيا إلى مِثله.
والثانى: أنَّهُ يُباح لها التزويج إذا اعتدَّت بعد تربُّصِ أربعةُ أعوام.
فلا يجوز إحداث قول ثالث، وهذا هو المشهور عند الأصوليين.
ولها النفقة في هذه المُدَّة التي هى أربعُ سنين، لأنَّها باقية في عصمة الزوج الغائب.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: في.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: الأمة في.
[ ٤ / ٢٢٣ ]
فإذا انقضت تلك المُدَّة خيَّرها الإِمام بين البقاء على العصمة أو الخروج مِنها.
فإن اختارت البقاء على العصمة كانت لها النفقة.
وإن اختارت الخروج منها أمرها أن تعتدَّ عدَّة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، ولا نفقة لها في مال الغائب في تلك المُدَّة.
فإذا انقضت عدتها فلا يخلو حالها مِن ثلاثة أوجه:
إمَّا أن يأتى زوجها أو العلمُ بحياتهِ.
وإمَّا أن يثبتَ موتُهُ.
وإمَّا ألا يتبيَّن حياته ولا موتهُ.
فإن جاء بنفسه أو أتى العلمُ بحياتهِ فإنَّها تُمنع مِن النكاح جبرًا ورجعت بالنفقة مِن يوم قُطعت عنها وذلك مِن يوم أخذت في العدّة.
فإن جاء الخبرُ بموتهِ وثبت الخبرُ بِبيِّنة: فإنَّهُ يُنظر إلى تاريخ موتهِ.
فإن مضى مِن ذلك ما تنقضى فيه عدَّتها أربعة أشهرٍ وعشرًا حلَّت للأزواج.
وإن بقىَ منها شىءٌ: تربَّصت [حتى تقضى ما بقى] (١)، ويكونُ عليها الإحداد في ذلك.
وحالها في [جميع الأحوال] (٢): حال المعتدَّة مِن وفاةٍ، ولها الميراثُ في كلا الوجهين، وهذا قولُ أشهب في كتاب "محمَّد".
وقال عبد الملك في "المبسوط": "لا إحداد عليها".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: جميعه.
[ ٤ / ٢٢٤ ]
وسببُ الخلاف: هل يغلُبُ [فيها] (١) شائبة الطلاق، ثُمَّ لا إحداد عليها أو يغلبُ فيها شائبةُ الموت، فيكونُ عليها الإحداد، لأنَّ عدّتها عدَّة الوفاة؟
وبهذا الاعتبار قال بعض المتأخرين وأراه أبا الحسن اللخمى: تطلب أقصى الأجلين أربعة أشهرٍ وعشرًا مع ثلاثة قُروء.
فإن لم يتبين حالهُ [ولا عرفت حياته] (٢) من موته كان النكاحُ لها مُباحًا.
فإن تزوجت ثُمَّ ظهر خبره فلا يخلو ما يطلع بهِ الخبرُ من وجهين:
أحدهما: أن يطلع بحياتهِ.
والثانى: أن يطلع بموته.
فإن طلع الخبرُ بحياته، هل يصح نكاح الثاني ويكون الأول أحقُّ بها أم ماذا يكون الحُكم [فيها؟ فالمذهب] (٣) على أربعة أقوال كلها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّ الأولَ أحقُ بها، ما لم تتم أربعة أشهرٍ وعشرًا، فإذا كمّلتها [و] (٤) خرجت من العدَّة وحلت للأزواج بانت من الأولى لخروجها مِن عصمته. وهو ظَاهر قولُ الشيخ: أبى بكر الأبهرى وغيره مِن البغداديين، لأنَّهُ قال: "أنَّ الطلاق يقعُ عليه للضرر الذي يلحقُها في عدم الوطء".
_________________
(١) في هـ: عليها.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٢٥ ]
وهذا هو الأظهر في النظر على القولِ بأنَّها تفوتُ [للأول] (١) بوجهٍ ما.
وبيانُ ذلك: اتفاق مَن يقول بالتفويت: أنَّها بانقضاء العدَّة تحلُّ للأزواج ويحلُّ العقدُ عليها. ومُحالٌ أنْ تبقى زوجتُهُ في عصمته وهي مع ذلك تحلُّ للأزواج ويحلُّ العقدُ عليها.
وهذا ما لم يُعهد لهُ في الشريعة نظير، والأصول موضوعة على أنَّ المعتدَّة تحلُّ بانقضاء العدَّة وتحل عصمتها.
وأصل ذلك: المولى والمُعسر بالنفقة، إذا كان غائبًا مع الإمكان أنْ يكون قد ترك لها النفقة أو بعث بها إليها أو وصلت.
[والثانى] (٢): أنَّها بالعقدِ تفوت. فإذا عقد عليها الثاني فلا سبيل للأول إليها.
وهو أحد قولى مالك، وبهِ قال [من] (٣) أصحابُنا: المغيرة وغيره.
والثالث: أنَّ الأول أحقّ بها ما لم يدخل بها الثاني، وهو قولُ مالك أيضًا، وبهِ قال ابن القاسم من أصحابنا وأشهب.
ووجهُ القول الثاني: أنَّها تفوت بالعقدِ. لأنَّ [الحاكم] (٤) أباح النكاح مع إمكان حياة زوجها، وما كشف عن أكثر الذي [كان] (٥) يظن.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: الحُكم.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٢٦ ]
وأمَّا الثالث: فتوجيهُهُ ظاهر.
والقول الرابع: أنَّ الأول أحقُّ بها [أبدًا] (١) وأنَّها لا يفيتها العقد و[لا] (٢) الدخول.
[قياسًا] على أحد الأقوال في النصرانية تُسلِم وزوجها غائب.
وقد قال فيها عبد الملك بن الماجشون فيما حكاهُ عنهُ الشيخ أبو محمَّد ابن أبي زيد إنْ ثبت إسلامُهُ قبلها أو بعدها في العدَّة كان أحقَّ بها وإن ولدت مِن الثاني. والجمع بين المسألتين نكاح في عصمة. وأحسبُ أنى رأيت لهذا القول نصًا لابن عبد الحكم.
وحُدثت [أن] (٣) القاضى أبا بكر بن العربى نقل هذا القول في "القبس" وعزاه إلى المذهب ولم يُسم قائله، وهو اختيار أبى الحسن اللخمى ﵁، في التي علمت بالطلاق، ولم تعلمْ بالرجعة، وقد ساوى مالك [في المدونة] (٤) بين "مسألة المفقود" وبين التي [علمت] (٥) بالطلاق ولم تُعلم بالرجعة في [جميع] (٦) وجوهها.
ورام بعض المتأخرين استقراء هذا القول مِن "المُدوّنة" مِن مسألة:
"التي علمت بالطلاق ولم تعلم بالرجعة" على ما [سنبينه] (٧) [في فصله] (٨) إن شاء الله.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: تعلم.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ، جـ: سنبين.
(٨) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٢٧ ]
والأصل في ذلك: قضية عمر بن الخطاب ﵁ في المفقود، وذلك أنَّهُ قد رُوى عنهُ في المفقود إذا قدم، وقد تزوجت امرأتهُ، ثلاثة أقوال:
فَمرةً قال: الأول أحقُّ بها ما لم تُنكح.
ومرَّة قال: الأول أحقُّ بها ما لم يُدخل بها الثاني.
والقولان مشهوران عنه أيضًا.
ورُوى عنه أيضًا أنَّهُ قال: يُخيَّر بين المرأة وأخذ الصداق.
وروى عن علي بن أبي طالب ﵁ وعبد الله بن مسعود ﵁ أن امرأة المفقود لا تتزوّج، حتى يثبت موتُهُ، وهو مذهب الشافعى وأبى حنيفة ﵄.
وسبب الخلاف: بين مَن قال: يفوت أو لا يفوت: اختلافهم في الحُكم إذا وقع موقع السداد ثُمَّ انكشف عن الفساد، هل يُستصحب معهُ حالة الابتداء أو يُستصحب معه حالة الانتهاء؟
وسببُ الخلاف: بين مَن قال: تحلُّ [وبين من قال:] (١) لا تحل: [تعارض] (٢) استصحاب الحال للقياس، وذلك أنَّ استصحاب الحال يُوجب أنْ لا تخل عصمته لا بموتٍ أو طلاقٍ حتى يقوم الدليل على غير ذلك وأمَّا القياس: وهو تشبيهُ الضررُ اللاحق بها [من غيبته بالضرر اللاحق بها من] (٣) الإيلاء والعِنة، فيكون لها الخيارُ في هذين.
فإن طلع الخبرُ بموتهِ، فلا يخلو ذلك مِن ثمانيةِ أوجه:
_________________
(١) في أ: أو.
(٢) في أ: معارضة.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٢٨ ]
[أحدها: أن يتزوجها الثانى بعد موت الأول وبعد انقضاء عدتها منه] (١).
والثانى: أن يتزوجها بعد الموت وقبل انقضاء العدة.
والثالث: أن يتزوجها ويدخلُ بها قبل موتهِ.
والرابع: أن يموت بعد التزويج وقبل الدُخول ودخل [فى] (٢) العدَّة.
[والخامس: أن يموت بعد التزويج وقبل الدخول ودخل بعد انقضاء العدة] (٣).
والسادس: أن يكون التزويج والدُخول بعد الموت وقبل انقضاء العدَّة.
والسابع: أن يكونَ التزويجُ فى العدَّة والدخولُ بعدها.
والثامن: [إن عُدم] (٤) التاريخ، ولا يدرى متى كان موته.
والفصول الثمانية كُلها فى "المُدوّنة" غير أنَّها مُبددة فيها.
فأمَّا الوجهُ الأول: إذا تزوجها [الثانى] (٥) بعد موت الأول وبعد انقضاء عدتها:
فإنَّها ترثُ الأول وتبقى زوجة للثانى، لأنَّهُ تزوجها بعد خروجِها مِن العصمة وانقضاء العدّة.
وأمَّا الوجهُ الثانى: إذا تزوّجها بعد الموت وقبل انقضاء العدَّة:
فإنَّها ترثُ الأوَّل وينفسخ نكاح الثانى، ثُمَّ ينظر إلى دخولهِ.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) فى أ: بعد.
(٣) سقط من أ.
(٤) فى هـ: أن يعدم.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٢٩ ]
فإن دخل قبل انقضاء العدَّة، كان في تأبيد التحريم قولان:
والمشهور أنَّهُ يتأبَّد عليهِ التحريم.
وإن دخل بعد انقضائها، فعلى الخلاف المُتقدم أيضًا إذا عقد في العدَّة ودخل بعد العدَّة.
وأمَّا الوجهُ الثالث: إذا تزوّجها ودخل بها قبل موتهِ فإنَّها لا ترثُهُ بالاتفاق، وتبقى زوجة للثانى.
وأمَّا الوجهُ الرابع: إذا مات بعد التزويج وقبل الدُخول ثُمَّ دخل الزوجُ في العدَّة، فهل ترث الأول أو لا ترثَهُ؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّها ترثهُ.
والثانى: أنَّها لا ترثهُ.
وهذا الخلافُ: يتخرَّج على الخلاف في امرأة المفقود: هل يُفتيها العقد أو لا يفتيها إلا الدُخول؟
فعلى القول: بأنَّ العقد يُفتيها، فلا ترثُه. لأنَّهُ مات بعد انقضاء عصمتهُ منها.
وعلى القول: بأنَّها لا تفوتُ إلا بالدُخُول، فإنَّها ترث، ويُفرّق بينها وبين الثاني، ولا تحلُّ لهُ أبدًا، لأنَّهُ ناكحٌ في عدَّة لدخولهِ في العدَّة.
وأمَّا الوجه الخامس: إذا مات بعد التزويج وقبل الدُخول ثُمَّ دخل بعد انقضاء العدَّة. فإنَّ النكاح الثاني مفسوخ، لأنَّهُ [ناكح] (١) في عصمة، ولهُ أنْ يتزوَّجها بعد الاستبراء، ولا يتأبَّد [التحريم بينهما] (٢)، لأنَّ
_________________
(١) في أ: متزوج.
(٢) في أ: عليه التحريم.
[ ٤ / ٢٣٠ ]
العدَّة قد سلمت مِن أنْ يكون فيها عقد ودخُول.
وهل ترث الأوَّل أو لا ترثُهُ؟ يتخرّج على الخلاف الذي قدّمناه.
وأمّا الوجهُ السادس: إذا كان التزويج والدخول بعد الموت، وقبل انقضاء العدَّة، فهذا لا خلاف فيهِ أنَّها ترث الأول، وينفسخ نكح الثاني، ويتأبَّد عليهِ التحريم، لأنه نكح في العدَّة ودخلَ فيها.
وأمَّا الوجه السابع: إذا تزوّجها [بعد موته] (١) ودخل بعد انقضاء العدَّة. فلا خلاف أيضًا أنَّها ترث الأول، وينفسخ نكاح الثاني، وهل يتأبَّد عليه التحريم أو لا يتأبَّد؟ قولان وقد قدّمناهُما.
وأما الوجهُ الثامن: إذا عُدم التاريخ ولا يدرى هل مات قبلَ النكاح أو بعدهُ؟، وقد دخل الثاني، فلا ترث الأول، ولا يُفرّق بينها وبين الثاني، إذ لا ميراث [بالشك] (٢).
وإن تزوّجت في الأربع سنين فنكاحُها فاسد قبل الدخول وبعدهُ.
ثُمَّ يُنظر إلى ما ينكشف عنهُ الغائب بعد ذلك:
فإنْ ثبت أنَّهُ حى أمسكت عن الأزواج.
وإن ثبت أنَّهُ مات وَرِثتهُ، ثُمَّ يُنظر في نكاحهِ.
فإن ثبت أنَّهُ تزوجها في عِدَّة فُسخ النكاح ويتأبد عليهِ [فيه] (٣) التحريم.
فإن ثبت أنَّهُ تزوجها بعد انقضاء العدَّة فيُنظر.
فإن ثبت ذلك بعد فسخ النكاح رُدّت إليهِ بِنكاحٍ جديد.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: في الشك.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٣١ ]
فإن ثبت قبل فسخ النكاح، هل يُقرَّان على نكاحهما أو يُفسخ؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: [أنه] (١) يُفسخ، لأنَّهُ [قد] (٢) وقع على خطر.
والثانى: [أن] (٣) النكاح [بينهما ثابت] (٤).
لأنَّهُ قد انكشف الغيبُ على أنَّهُ كان وقع على وجهٍ صحيح.
والقولان منصوصان في "المذهب".
وسببُ الخلاف: الحكم إذا وقع موقع الفساد ثُمَّ انكشف عن السداد، هل يُستصحب معه حالة الابتداء أو حالة الانتهاء؟
وهذا الحُكم في نفسها [و] (٥) في ميراثها.
وأمَّا الحُكم في صداقها: فلا يخلو مِن أن تكون غيبة المفقود قبل البناء أو بعدهُ.
فإن كانت بعد البناء فلا خلاف في المذهب أنَّها تُمكَّن مِن جميع صداقها لاستحقاقها إياه بالدُخُول.
فإن كانت غيرُ مدخولٍ بها وكانت غيبةُ المفقود قبل البناء فهل يُحكم لها بالصداق إذا انقضت عدَّتها أو لا يُحكمُ لها بشىءٍ؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يُعجَّل لها جميع الصداق إذا كان على التأجيل، وهو قول
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من هـ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في هـ: يقر بينهما.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٣٢ ]
مالك في كتاب "ابن سحنون"، وبهِ قال أصبغ في "كتاب ابن الموّاز"، وكتاب "ابن حبيب".
والثانى: أنَّهُ يُعجَّل لها نصفهُ ويُؤخَّر النصف حتى يموت بالتعمير فتأخذه.
وهو قول عبد الملك في كتاب "ابن الموّاز".
والقولُ الثالث: أنَّهُ ليس لها إلا النصف خاصةً، ويُعجَّلُ لها، وهو قولُ ابن دينار.
والقولُ الرابع: أنَّهُ ليس لها إلا النصف، ولا يُعجَّل لها، ويُوقف إلى الوقت الذي تلزم الغائب فيه طلقة، وذلك إذا تزوّجت على القول بأنَّ العقدَ يفتيها. أو إذا دخل الثاني، على القول بأنَّ الدُخُول هو المُفيت. وهذا القول حكاه محمَّد بن أبي زيد عن بعض الأصحاب في "النوادر".
وسبب الخلاف: اختلافهم في وجوب الصداق، هل يجب جميعُهُ بالعقد [أو نصفه بالعقد] (١) أو لا يجب بالعقد شىء؟ وقد بيَّنا هذا [الفصل] (٢)، واستقصيناهُ في كتابِ النكاح الثاني.
وعلى القول [بأنَّها] (٣) يُدفع لها جميعُ الصداق ثُمَّ إنْ قدم الغائب وقد تزوّجت، هل يُسترجع منها نصفُ الصداق أم لا؟
فعن مالك [في ذلك] (٤) قولان في كتاب "ابن الموّاز".
أحدهما: أنَّها تردُّ النصف على الزوج.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: الأصل والصواب ما أثبتناه.
(٣) في هـ: بأنه.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٣٣ ]
والثانى: أنَّها لا تردُّ شيئًا.
وهذا الخلافُ ينبنى على الخلاف في الحكم في امرأةِ المفقود، هل يُغلب فيها شائبة الطلاق فتردُّ النصف، أو يغلب فيها شائبة الوفاة فلا تردُّ شيئًا لِكونها اعتدَّت عدَّة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا؟
وعلى القول بأنَّها لا يكون لها إلا النصفُ فإن جاء الخبر أنَّهُ مات:
فإن كان ذلك قبل أن تتزوج، أخذت النصفَ الباقي.
وإن جاء الخبر في الوقت الذي لا سبيل له إليها لو قدم، فلا شىء لها إلا النصف الذي قبضتهُ، وهو قولُ سحنون.
والجواب عن القسم الثاني: إذا فُقد في أرضِ العدو، فقد اختَلف فيه المذهب على أربعةِ أقوال.
أحدها: أنَّهُ كالمفقود في أرضِ الإِسلام في جميع أحوالهِ جُملةً بلا تفصيل.
والثانى: أنَّهُ كالأسير جُملةً بلا تفصيل.
والثالث: التفصيل بين أن يُفقد قبل وصولُهُ إلى بلاد الشرك فيكون على [حكم] (١) المفقود، وإنْ فُقد بعد وُصولهِ كان كالأسير.
والقول الرابع: التفصيل بين أن يكون سفرهُ في البحر وفُقد قبل الوصول كان على حكم المفقود، وإن كان سفرهُ في البرِّ كان على حُكمِ الأسير.
وسبب الخلاف: تردُّدُ هذا الفرع بين [هذين الأصلين] (٢) أيُّهما
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: أصلين.
[ ٤ / ٢٣٤ ]
يغلب؟
هل يغلبُ الفقدُ فيكونُ لهُ حُكمُهُ، أو يغلب الأسر فيكون لهُ حُكمُهُ؟
وعلى هذا الأصل ينبنى الخلاف في هذه المسألة.
والجواب عن القسم الثالث: وهو المفقود في الصفِّ الذي يكون بين المسلمين والمشركين.
فقد اختلف فيه المذهبُ على خمسةِ أقوال.
أحدها: أنَّ حُكمه حكم الأسير جُملةً، كان [القتال] (١) في أرض الحرب أو في أرض الإِسلام. فلا يُقسَّم مالُهُ ولا تُنكح زوجتُهُ ولا يُحكم [لها] (٢) بذلك حتى يأتى عليه مِن الزمان ما لا يحيا إلى مثله. وهي رواية ابن القاسم في "العُتبيَّة".
والثانى: أنَّ حكمهُ حُكم المقتول جُملةً. بعد أن يتلوم [لها] (٣) السلطان سنة مِن يوم ترفع أمرها إلى السلطانِ، ثُمَّ تعتد. وهي رواية أشهب عن مالك في الكتاب المذكور.
والثالث: أنَّهُ يُحكم لهُ بحكم المفقود في جميع الأحوال. حكاهُ محمَّد ابن الموّاز في كتابه.
والقول الرابع: أنَّهُ يُحكم [له] (٤) بِحكم المقتول في الزوجة [فتعتد] (٥) بعد التلوم، ويُحكم لهُ بحكم المفقود في ماله، ذهب إلى هذا أحمد بن خالد.
_________________
(١) في أ: القتل.
(٢) في أ: عليه.
(٣) في أ: له.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: تعتد.
[ ٤ / ٢٣٥ ]
والقول الخامس: التفصيل بين أن يكون الالتقاء في بلاد الإِسلام فتكون العدَّة واقتسام ماله [من] (١) يومَ افتراق الجيش، وبعد التربُّص والكشفِ عن أمره إلا أن يُعَلم أنَّه قد صار إليهم فيكون كالأسير، أو يكون في بلاد الشرك فَيكون حُكمهُ حُكم الأسير إلا أن يُعلم أنَّهُ مقتول.
وهو اختيار [الشيخ] (٢) أبى الحسن اللخمى [﵁] (٣).
فوجهُ القول بأنَّهُ كالأسير: لأن أمرهُ مُتردد بين الأسر والقتل، والأصل الحياة.
ووجه القول بأنَّهُ يُنتظر [سنة] (٤): فلأن الغالب في القتال [القتل] (٥).
وغيرهُ إن قُدِّر [نادر] (٦)، فكان تعلق الحُكم بالغالب أولى.
ووجه القول بأنَّهُ كالمفقود: [أنه] (٧) لما أُشكلَ أمرُهُ بين القتلِ والأسر، كان لهُ حُكم المفقود.
ووجه القول بأنَّهُ يُحكم لهُ [بحكم القتل] (٨) في الزوجة، وبحكم المفقود في المال: أنَّ ذلك حكمٌ بين حُكمين، لِما في ذلك مِن التشابه والتشاكل مِن الطرفين.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من جـ، ع، هـ.
(٣) زيادة من جـ، ع، هـ.
(٤) في أ: البينة.
(٥) سقط من هـ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: بالقتل.
[ ٤ / ٢٣٦ ]
والجواب عن القسم الرابع: وهو المفقود في الفتن التي تكون بين المُسلمين فيما بينهم، فلا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن تشهد البينة العادلة أنَّهُ حضر اللقاء.
والثانى: أنْ تشهد البينة أنَّهُ خرج مع العسكر ولم يروهُ في المعركة.
فإن شهدت البينة على حضوره في اللقاء فقد اختلف المذهبُ [فيه] (١) على أربعة أقوال:
أحدها: أنَّه يُحكم لهُ بحكم الموت وليس في ذلك أجل.
وتعتد زوجتهُ [من يوم] (٢) اللقاء وإن لم تشهد [البينة] (٣) بموته، وهو قولُ سحنون في "العُتبيَّة".
والثانى: أنَّ زوجتهُ تتربَّص سنة. وهي رواية أشهب، وأحد قولى ابن القاسم:
والثالث: التفصيل بين قُرب البلاد التي فيها الفتن وبُعدها.
فما قُربَ مِن [البلاد] يتلوم (٤) الإِمام لزوجته باجتهادهِ، [بعد] (٥) انصراف مَن انصرف وانهزام مَن انهزم [ثُم تعتد] (٦) وتتزوج.
وفيما بعد مثل: إفريقية ونحوها يريد من المدينة تنتظر سنة. وهو قولُ مالك في "العُتبيَّة" وكتاب [محمَّد بن الموّاز] (٧).
_________________
(١) في: فيها.
(٢) في أ: بين.
(٣) سقط من هـ.
(٤) في ع، هـ: البلدان.
(٥) في أ: بقدر.
(٦) سقط من أ.
(٧) في هـ: ابن عبد الحكم.
[ ٤ / ٢٣٧ ]
والقول الرابع: أنَّ ما بعد هو على حكم المفقود، وتتربَّص أربع سنين وهو قول مالك في كتاب محمَّد أيضًا.
وعلى القول بأنَّها تنتظر سنة، فهل تكون العدَّة داخلة في السنة [أم لا] (١)؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّها تعتدّ بعد السنة.
والثانى: أنَّ العدَّة داخلة في السنة. والقولان لابن القاسم في كتاب "ابن الموّاز" على ما حكاهُ أبو محمَّد في "النوادر" [وهذا كله حكم الزوجة] (٢).
وأمّا مالُهُ: فيتخرج الخلاف [فيه] (٣) على الخلاف الذي [ذكرناه] (٤) في الزوجة.
فمن رأى أنَّ العدّة مِن يوم التقاء الصفين، قال: يُقسم مالهُ ساعتئذ.
ومن رأى أنَّ الزوجة تتربَّص أربع سنين، قال: يُوقف مالهُ إلى التعمير.
وعلى القول بأنَّها تتربَّص سنة، هل يُقسَّم مالهُ أو يُوقف؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يُقسَّم مالهُ ذلك الوقت الذي تحل فيه.
والثانى: أنه يوقف ماله إلى التعمير.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: يكون.
[ ٤ / ٢٣٨ ]
وأمَّا الوجه الثاني: إذا شهدت البِّينة أنَّهُ [خرج] (١) مع العسكر.
ولم يروهُ في اللقاء، فهذا حُكمهُ حُكم المفقود في جميع أحوالهِ وأحكامهِ.
والجواب عن الوجه الخامس: وهو المفقود في زمان الطاعون أو في زمان المجاعة فنسأل الله السلامة والعافية، هل يحكم لهُ بحكم الميت أو يُحكم لهُ بحكم الحي؟ فالمذهب يتخرج على قولين:
[أحدهما] (٢): أنَّهُ يُحكم [له] (٣) بحكم المفقود في زمان الرخاء والراحة، وهو ظاهر المذهب.
والثانى: أنَّهُ يُحكم لهُ بحكم الميت، وتعتدُّ زوجتُهُ بعد التربُّص والاستيفاء على قدْر ما يرى الإِمام، وهذا على وجه الاستحسان وإلا فالذي تقتضيه نُصوصُ المذهب وهو ظاهر الكتاب أنَّ الَمرأة يأمُرها الإِمام بالعدَّة بغيرِ تربُّصَ ويُقسَّم مالَهُ على ورثتهم.
هذا نصُّ [ما حكاه] (٤) بعضُ أصحاب مالك. أنَّ الناس أصابهم سنة بطريق مكة سعال، وكان الرجلُ لا يسعل إلا يسيرًا ثُمَّ يموت، فماتَ مِن ذلك عالم وفُقد ناسٌ مِمن خرجوا إلى الحجِّ. فلم يأتِ لهم خبرُ حياةٍ ولا موت.
فرأى مالك: "أن تُقسَّم أموالهم وتعتدُّ نساؤهم ولا يُضرب لهم أجلُ المفقود ولا غيره"، وهو ظاهر قولُهُ في "المُدوّنة" في كتاب "النكاح الأوَّل" في الأعراب: تصيبهم السنة، فوقع عند الرجلِ منهم صبية،
_________________
(١) في أ: خارج.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٣٩ ]
فأراد أنْ يُزوِّجُها، فقال مالك: لا بأس بذلك ومن أنظر لها منهُ. فأباح مالك ﵀ [للمربى] (١) نكاحها، وما ذلك إلا لكونه حَكَمَ على أبيها وسائر أوليائها بالموت، لأنَّهم انجلوا في البلاد لأجل ما [نزل] (٢) بهم من المخمصة والحاجة. ولاسيَّما على تأويل بعض المتأخرين على مسألَة "المُدوّنة" [أن] (٣) للمُربِّى أن يُجبرها على النكاح وأنَّ لهُ أن يُزوجها قبل البلوغ، وهذا لا ينبغى أنْ يُمكَّن منهُ مع حياةِ الأب، فكان ذلك مِن أدلِّ الدلائل [على أن المفقود في سنة المجاعة وزمان الطاعون أنه يحكم عليه بالموت] (٤).
والجواب عن السؤال الثاني: في التي علمت بالطلاق ولم تعلم بالرجعة. فلا يخلو الزوج مِن أن يكون حاضرًا أو غائبًا.
فإن كان غائبًا [فقدم] (٥) وقد تزوجت غيرهُ بعدَ انقضاءِ عدتها، هل ترد إلى الأول أو يكونَ الثاني أحق بها؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلُّها قائمة مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّ العقد يفيتها.
والثانى: أنَّ الأوَّل أحقُّ بها ما لم يدخُل بها الثاني.
والقولان منصوصان عن مالك في "المُدوّنة".
والثالث: أنَّ الأول أحقُّ بها أبدًا ولا يفيتها الدخولُ أصلًا قياسًا على أحدِ الأقوال في النصرانية تُسلم وزوجها غائب وقد أسلم قبلها أو بعدها في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: حل.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من هـ.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٤٠ ]
العدَّة.
فقد حكى الشيخ أبو محمَّد [عن] (١) عبد الملك أنَّهُ يكون أحقُّ بها وإن ولدت مِن الثاني، وهو الأظهر. لأنَّ الإِسلام والرجعة [هدما] (٢) حكم الطلاق. ولا تباح للأزواج. فصارت بمنزلةِ امرأةٍ ذات زوجٍ [تزوّجت ولها زوج] (٣) ".
وهذا القولُ استقرأهُ بعض الشيوخ مِن "المُدونة" مِن قوله في "كتاب العدَّة" في التي لم تعلم بالرجعة فتزوجت ثُمَّ قدم زوجها الأوَّل وأنَّ مالكًا وقف قبل موتهِ بعام فقال: "زوجُها الأول أحقُّ بها"، فاستقرأ بعض المتأخرين، مِن إطلاق هذا الجواب أنَّهُ أحقُّ [بها] (٤) أبدًا.
وسبب الخلاف: تردُّدها بين امرأة المفقود والمنعى لها.
فمن ألحقها بأحدِ الأصلين أجراها على حُكمهِ.
ولا أعلمُ في المذهب نصَّ خلاف في المنعى لها زوجها إذا تزوّجت ثُمَّ قدم زوجها الأول أنَّهُ أحقُّ بها أبدًا.
وأمَّا إذا كان حاضرًا وقد ارتجعها ولم تعلم برجعته حتى تزوّجت ودُخل بها. فهل يكون أحقُّ بها أو تفوتُ بالدُخول؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّهُ يكون أحقُّ بها كالغائب.
والثانى: أنَّها تفوتُ بالدُخول. والحاضر أعظم ظُلمًا. وهو قول مالك
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: بعدما.
(٣) سقط من هـ.
(٤) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٤١ ]
في "كتاب محمَّد"، وقال بعض المتأخرين: وما قاله ليس بالبِّين ولو أنَّ رجُلًا رأى زوجتهُ تتزوّج فلم يُنكر عليها لم يكُن [ذلك] (١) طلاقًا؟ ولو عُد ذلك مِن المرتجع طلاقًا لاحتُسب عليه طلقةٌ أُخرى وفُرق بينها وبين الثاني واستأنفت العدة مِن الأول انتهى كلامُهُ.
وما قالهُ مسلَّمٌ لهُ إلا قولهُ: [واستأنفت العدة] (٢) من الأول فكيف تستأنف العَّدة منهُ وهو لم يدخل بعد الرجعة؟ وإنَّما قُلنا: إنَّ الرجعة تهدم العدَّة فيما إذا طلَّقها بعد الرجعة وقبل الوطء وقبل انقضاء العدَّة فإنَّها تستأنف العدَّة [منه] (٣).
وأمَّا إذا ارتجع ولم يطأ حتى [انقضت] (٤) العدَّة ثم طلَّقها فكأنَّهُ طلَّق قبل البناء، فكان ينبغى ألا تلزمُها العدَّة.
وتأمّل هذا الموضع فإنَّهُ موضع البحث.
على كُلِّ حال وعلى القول بأنَّهُ لا يُفيتها إلا الدُخول فلا يخلو مِن أنْ يتصادقا على الوطء أو يدْعيهِ أحدهما دون الآخر.
فإن تصادق الزوجان على وجوب الوطء مِن الثاني فإنَّها تبقى زوجةً لهُ وفاتت للأوّل على مشهور المذهب.
فإن تصادقا على عدم الوطء فإنَّها لا تحلُّ للثانى، على القولِ بأنَّها لا يُفيتها للأوّل إلا الدخول لإقرار الثاني أنَّها زوجة الأوّل ولا تحلُّ للأول إلا بعد ثلاثة قروء لثبوت الخُلوة بينهما وبعد اتفاقهما على ذلك [بالطلاق] (٥)،
_________________
(١) في أ: دليل.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: تنقضى.
(٥) في هـ: كالطلاق.
[ ٤ / ٢٤٢ ]
وهو قولُ محمَّد بن الموّاز.
وهذا إذا كان الزوج الأوّل قد صدقها.
وإن لم يصدقها كان لها أن ترفعَ أمرها إلى السلطان فيُطلِّقها على الأوَّل لأنَّها تقول: أبقى بلا نفقة وبغيرِ إصابة.
فإنْ ادعاهُ [الزوج] (١) وكذّبته المرأة فلا تحلُّ للأوَّل أيضًا، وتبقى زوجةً للثانى غير أنها لا يحل لها أن تُمكِّنهُ مِن نفسها ولا يأتيها إلا وهي كارهة كما لو طلَّقها ثلاثة فجحدَ لها الطلاق.
فإن ادّعتهُ الزوجة وكذبها الزوج فإنَّها لا تحلُّ للثانى أيضًا لإقرارهِ أنَّها زوجة الأوّل، ثُم ينظر إلى الأوَّل.
فإن صدّقها كان لهُ أن يرتجعها، بعد ثلاثة قُروء.
فإن كذّبها كان لها أن ترفع أمرها إلى السلطان كما تقدّم.
والجواب عن السؤال الثالث: في المنعى لها زوجها وهي التي تبلغها وفاة زوجُها.
وهو عند الفقهاء: بضم الميم وفتح العين، وهو خطأ عند أهل العربية، وصوابهُ عندهم: بفتح الميم وكسرِ العين وتشديد الياء.
فإذا [بلغتها] (٢) وفاة زوجها ثُمَّ تزوجت ثم جاء زوجها الأول فلا خلاف أعلمهُ في المذهب أنَّها تُردُّ إلى الأوَّل وإن ولدت أولادًا، قال [في الكتاب] (٣): "لأنها كذبت وعجلت ونكحت مِن غير اعتداد ولا تربُّص مِن سلطان وتعتدُّ في بيتها التي كانت تسكُن فيه مع الآخر حتى تحيض أو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: بلغتها.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
يثبت حملُها إن كانت حاملًا".
قال في الكتاب: "ويُحال بين الثاني وبين الدخولِ عليها، ولا أعلمُ خلافًا في منع الثاني مِن الدُخول عليها والنظر إليها وإلى شىءٍ مِن محاسنها لأنَّهُ أجنبىٌ عنها كسائر الأجانب".
وأمَّا الأوّل فلا خلاف أيضًا أنَّهُ يُمنع مِن وطئها في هذهِ العدَّة لأنها إنْ كانت حائلًا يُؤدى إلى اختلاط الأنساب.
وإن كانت حاملًا فيُمنع أيضًا على مشهور المذهب لئلا يسقى ماءَهُ زرع غيره.
وأما ما عدا الوطء مِن أنواع الاستمتاع فمباحٌ له، لأنَّها زوجتهُ وإنما حُبست عنهُ، [لأجل اختلاط] (١) النَّسبين كما [لو ابتدأها] (٢) مَن زنا [أو غصب. وإلى هذا ذهب بعض المتأخرين. وما قاله غير صحيح ومذهبنا حماية الذرائع] (٣).
[وكيف] (٤) يباح لهُ الاستمتاع بدواعى الوطء مع ما يُخاف منهُ مِن الإفراط المؤدى إلى الوِقاع المُتفق على تحريمُه في تلك الحال.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: لاختلاط.
(٢) في هـ: استبرأها.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: ولا.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
المسألة الثامنة
في عِدَّةِ امرأة الخصي والمجبوب.
[ومسألة الخصي والمجبوب] (١) تكررت في الكتاب بألفاظٍ مختلفة ومعانٍ مضطربة تُشعر باختلاف أقوال.
فمنها قولُهُ في "كتاب النكاح الأول": في جواز نكاح الخصي والمجبوب وطلاقهِ فقال: "لأنَّ المجبوب يحتاج إلى شىء من أمور النساء".
وقال في آخر الكتاب المذكور في "باب عُيوب الرجال" فيما إذا كان الرجل خصِيًا أو مجبوبًا ولم تعلمْ المرأة فلها الخيارُ؟ قال: "فإن اختارت الفِراق بعد الدخولِ [عليها] (٢) فعليها العدَّة إن كان يطأ، وإن كان لا يطأ فلا عدَّة عليها". قيل: "فإن كان مجبوبَ الذكر قائم الخصي، قال: "إنْ كان يُولد لمثلهِ فعليها العدَّة، ويُسأل عن ذلك فإن كان يُحمل لمثله لزمهُ الولد وإلا لم يلزمُهُ [ولا يلحق به] (٣) ".
قال في "كتاب النكاح الثالث" من "المُدوّنة": "ولا يحل المرأة ولا يُحصنها مجبوب إذ لا يطأ".
وقال في "كتاب العدَّة": "وتعتدُّ امرأة الخصيَّ في الطلاق".
قال أشهب: "لأنَّهُ يُصيب ببقية ذكرِه ويتحاصنان بذلك، وإن كان المجبوب لا يمسُّ امرأتهُ فلا عدَّة عليها من طلَاق".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٤٥ ]
فهذا ما وقع في الكتاب مِن الأجوبة والألفاظ.
والمجبوب: في تعارف الفقهاء عبارة عن الممسوح، وهو: مقطوعُ [الذكر] (١).
والخصىُّ: عبارة عن مقطوع إحدى [الآلتين] (٢)، إمَّا الذكر، وإمَّا الأُنثيين.
وقولهُ: "لأنَّ المجبوب يحتاجُ إلى شىءٍ مِن أمور النساء" يفيد أنَّهُ يستمتعُ بعض الاستمتاع.
وقولُهُ: "لأن المجبوب لا يطأ" يُفيد أنَّ المجبوب لا حاجة لهُ إلى النساء في ظاهر الأمر، لأنَّ مَن لا يطأ ولا عندهُ آله [الوقاع] (٣) فلا إربة لهُ في النساء.
وقولُهُ: "إن كان يطأ أو لا يطأ" تردَّدَ في أمره، والجهل بحالهِ وهو مُنافٍ لقولهِ: " [المجبوب] (٤) لا يطأ".
ولهذا قال أبو عُمران الفاسى ﵁: "هذا غريبٌ مِن اللفظِ في قوله إن كان ممن [لا] (٥) يمسَّ" قال: " [إذ] (٦) هو مِمن لا يمسّ".
قال بعض المتأخرين اعتذارًا عما في الكتاب ودرأ لِما ألزمَهُ الشيخ أبو عمران [للكتاب] (٧): [و] (٨) قد يحتمل لفظُهُ في الكتاب عندي أنْ
_________________
(١) في أ: الكل.
(٢) في أ: الأنثيين.
(٣) في أ: القوام.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: في الكتاب.
(٨) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٤٦ ]
يكون معناهُ: "إن كان ممن لا يحتاج إلى النساء ولا ينزل ولا يتلذّذ فإن كان هذا متأكدًا تحقَّق أنَّهُ لا يُولد لهُ".
ويكون هذا معنى قولُهُ في "النكاح الثالث".
"وإنْ كان مِمن دنا إلى النساء، وعالج التداوى [وأنزل] (١) فهذا يُخشى منهُ الولد كما يُخشى مِمن يطأ ويعزل ولا ينزل".
فيكون هذا معنى قولُهُ في "النكاح الأول" [في قوله] (٢): "لأنَّ المجبوب يحتاجُ إلى شىءٍ مِن أمور النساء"، ومعلومٌ أنَّهُ لم يقصد بذلك الاقتصار على القُبلة والمباشرة، وإنَّما قصدَ أمرًا زائدًا عليهما وهو أمرٌ يوصلهُ إلى اللَّذة الكبرى.
فيكون قولهُ: "إن كان ممن لا يمس امرأتهُ" جزمًا على هذا المعنى.
وما قالهُ [هذا المتأخر] (٣) رضي الله [عنه] (٤) ظاهر، وعليهِ يُحمل جميعُ ما في الكتاب، وهو تأويلٌ صحيح ولا وصم فيهِ.
وإن كان ابن حبيب أشار إلى مثل ما قال الشيخ أبو عمران فقال: "إن
كان ممسوحًا فلا عدَّة عليها ولا يلحق الولد بالزوج إن [جاءت به] وتحدُّ هى".
وأمَّا الخَصِىُّ: فإن كان قائم الذكر كما قال في كتاب "النكاح الثالث" أو معهُ بعضَهُ كما يُفهم مِن كلام أشهب في "كتاب العدَّة".
وهو مقطوع الأنثيين أو إحداهما أو اليُسرى منهما على اختيار "ابن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: هؤلاء المتأخرون.
(٤) في أ: عنهم.
[ ٤ / ٢٤٧ ]
حبيب".
فهذا هو الخصي الذي قال في الكتاب:
يُسأل عنه أهل المعرفة.
إن كان يُولده لمثلِهِ. لأنَّهُ يُشكل إذا قطع الذكر دون الأُنثيين أو الأُنثيين أو أحدهما دون الذكر هل ينزل وينسل أم لا؟
وإن كان ابن حبيب فصَّل [في] (١) هذا فقال:
"إذا بقى معه أُنثياه أو اليُسرى منهما وبقى معهُ من العسيب ما يُمكنه بهِ الوطء فالولدُ يُلحقُ بهِ"، لأنَّهُ يرى أنَّ الماء مِن الأُنثيين، والولد مِن اليسرى منهما، وما بقى معهُ مِن العسيب يُوصِّل بهِ الماء إلى داخل الفرج.
وقال أشهب في "الكتاب": "يُحتمل ما قالهُ ابن حبيب".
[وذلك أن] (٢) قولهُ: "لأنَّهُ يُصيب بما بقى مِن ذكره" يُحتمل أنْ يُريد بقولهِ "مِن" للتبعيض، ويكون بعض الذكر.
وتكون "مِن" للبيان، فيُحمل على جميعهُ.
وكلا التأويلين على مذهب الكتاب سواء، وكذلك [على] (٣) مذهب ابن حبيب.
وإنَّما وقع الخلاف بين ابن حبيب والكتاب في بقاء الأنثيين أو إحداهما.
فمذهب "الكتاب": الإحالة على سؤال أهل المعرفة
_________________
(١) في أ: بين.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٤٨ ]
عن صفةِ حالهِ من الحاجة للنساء.
وعند ابن حبيب: الإحالة على رأى أهل الطب.
وأمَّا ما يرجعُ إلى الإحلال والإحصان، ووجوب الصداق والحدُّ والاغتسال: فإن ذلك منوطٌ ببقاء الذكر أو بعضه خاصة، دون بقاء الأُنثيين أو إحداهما إلا أنْ يكون [منه] (١) أمر يُوجب الاغتسال كالإنزال مع المُلاعبة.
وكان [كتاب] (٢) النكاح [الأول] (٣) أولى بهذهِ المسألة لكنَّا أخَّرناها إلى هذا الموضع لغرضٍ لنا فيهِ.
والحمدُ لله وحدهُ [وصلى الله على محمَّد نبيه] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) زيادة من ع، هـ.
[ ٤ / ٢٤٩ ]
المسألة التاسعة
في سكنى المُعتدَّة.
و[المُعتدَّة] (١) لا تخلو مِن وجهين:
أحدهما: أنْ تكون معتدَّة مِن طلاق.
والثانى: أنْ تكون معتدَّة مِن وفاة.
فإن كانت معتدَّة مِن طلاق، فلا يخلو مِن أنْ يكون الطلاق رجعيًا أو بائنًا.
فإن كان رجعيًا: فلا خلاف بين العلماء أن لها [النفقةَ والسُّكنى] (٢).
وإن كان بائنًا: فلا يخلو مِن أن تكون حاملًا أو حائلًا.
فإن كانت حاملًا: فلا خلاف أيضًا أنَّ لها الأمرين جميعًا، النفقة والسكنى، لقولهِ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ الآية.
فإن كانت حائلًا: فهل لها النفقة والسكنى أم لا؟ فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب:
أحدها: أن لها السكنى والنفقة، وهو قولُ الكُوفيين.
والثانى: أنَّها لا نفقة لها ولا سُكنى، وهو مذهب [أحمد بن حنبل] (٣) وداود وأبى ثور وإسحاق وجماعة.
_________________
(١) في هـ: المعتدات.
(٢) في هـ: الأمرين جميعًا.
(٣) في أ: ابن حبيب.
[ ٤ / ٢٥٠ ]
والثالث: أنَّ لها السَّكنى ولا نفقة لها، وهو [مذهب] (١) مالك والشافعى وجماعة.
وسبب الخلاف: اختلاف الروايات في حديث فاطمة بنت قيس [ومعارضة ظاهر الكتاب له. فمن لم يوجب لها نفقة ولا سكنى استدل بما روى في حديث فاطمة بنت قيس] (٢) أنها قالت:
"طلَّقنى زوجى ثلاثًا على عهد رسول الله - ﷺ -، فأتيتُ النبي - ﷺ - فلم يجعل لي نفقة ولا سكنى" خرَّجهُ مُسلم.
[و] (٣) في بعض الروايات [أنه قال:] (٤) "إنَّما النفقة والسُّكنى لمن لزوجها عليها الرجعة".
وهذا القول مروىٌ عن علي وابن عباس وجابر بن عبد الله ﵃ [أجمعين] (٥).
ومَن أوجب لها السُّكنى دون النفقة احتجَّ بما خرّجهُ مالك في موطأه من حديث فاطمة المذكور، وفيه: فقال لها رسول الله - ﷺ - "ليس لك عليه نفقة" وأمرها أنْ تعتدَّ في بيت أمِّ شريك، ولم يذكر فيها إسقاط السُّكنى، فبقى على عمومهِ ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾.
[وجعل] (٦) أنَّ أمرهُ - ﷺ -[لها] (٧) أنْ تعتدَّ في بيت أمِّ شريك مُعلَّلٌ
_________________
(١) في هـ: قول.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) زيادة من هـ.
(٦) في أ: ومعلوم.
(٧) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٥١ ]
بأمور منها: أنَّها كانت في مكان وحش، فخاف عليها رسول الله - ﷺ -، وهو قول عائشة ﵂.
ومنها أنها كانت [لَسِنَة تؤذى] (١) أحماءها وجيرانها، وهو قول سعيد بن المسيب ﵁.
ومن أوجب لها الأمرين جميعًا (النفقة والسكنى) صار إلى وجوب السكنى لها بعموم قولهِ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ وصار إلى وجوب النفقة لها لكون النفقة تابعة لوُجوب السُّكنى في الرجعة وفي الحامِل وفي نفس الزوجية.
وبالجُملة فحيثما وجبت السكنى في الشرع وجبت النفقة، ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ في حديث فاطمة هذا: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقولِ امرأةٍ لا ندرى أصدقت أم كذبت".
يُريد: قولهُ تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ. . . .﴾ الآية.
والمعروف من [سنة] (٢) رسول الله - ﷺ -: أنَّهُ أوجب النفقة حيث تجب السُّكنى.
وقال بعض المتأخرين: "الأوْلى في هذه المسألة أحد المذهبين:
إمَّا أن يُقال: لها الأمرين جميعًا فيصير إلى ظاهر الكتاب والمعروف مِن السُّنة.
وإمَّا أنْ يُخصص [هذا] (٣) العموم بحديث فاطمة بنت قيس المذكورة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٥٢ ]
وإمَّا التفريق بين إيجاب السُّكنى وإسقاط النفقة فعسير. ووجهُ عُسره: ضعفُ دليلهِ.
فعلى مذهب مالك ﵀ [الذي] (١) أوجب لها السُّكنى دون النفقة، فلا تخلو الدار التي سكن فيها الزوج مع زوجته مِن أربعة أوجه:
أحدها: أنْ تكونَ للزوج ملكًا.
والثانى: أنْ تكونَ لهُ بِكِراء.
والثالث: أنْ تكونَ للزوجة ملكًا.
والرابع: أنْ تكونَ بكراء على الزوجة.
فإن كانت مِلكًا للزوج فهي أحقُّ بها حتى تنقضى عدتها وهي أحقُّ بها مِن الغُرماء في الفلس بالاتفاق، وفي الموت على الخلاف على ما سنذكره في فصلِ [المُتوفى عنها زوجها] (٢) إن شاء اللهُ تعالى.
[فإن أراد] (٣) [الغرماء] (٤) [أو الورثة] (٥) بيعها، ويُشترطوا مُدَّة العدَّة على المشترى، هل يجوز ذلك البيع أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المُدَّونة":
أحدهما: أنَّ ذلك جائزٌ، وهو نصُّ المُدوَّنة.
والثانى: أنَّ ذلك لا يجوز، وهو قول ابن عبد الحكم، وهو قائم مِن المُدوّنة، وتبيَّن لك موضعهُ آنفًا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: فأراد.
(٤) في أ: الغريم.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
وعلى القول: بأنَّهُ يجوز البيع وتستثنى مُدة العدَّة، هل يستثنى أمد العِدَّة المعتادة أو يجوز لهُ أنْ يستثنى أمد الريبة؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوَّنة":
أحدهما: أنَّهُ لا يجوز لهُ أن يستثنى إلا [أمد] (١) العدَّة المُعتادة. خاصةً إن كانت العدة مِن طلاق ثلاثةِ قُروء أو ثلاثة أشهر.
وإن كانت مِن وفاة: فأربعةُ أشهرٍ وعشرًا، وهذا ظاهر "المُدوّنة"، وهو مشهور المذهب.
والثانى: أنَّهُ يجوز له أن يستثنى على المُشترى سُكنى [أمد] (٢) الريبة إلى أربع سنين [أو] (٣) إلى خمسِ سنين، على الخلاف بين أصحاب مالك في ذلك، وقد قدَّمناهُ فيما سلف من هذا الكتاب، وهذا القول استقرأهُ الشيخ أبو إسحاق التونسى مِن [المذهب] (٤)، وهو ظاهر "المُدوّنة"، ونحن نُبيِّن موضع الاستقراء إن شاء الله.
وعلى القول بأنَّهُ لا يجوز له أن يستثنى على المشترى [في] (٥) أمد الريبة فإذا استثنى أمد العدَّة المعتادة ثُمَّ استرابت بعد وفاته وكماله، هل يرجع الخيار إلى المُشترى [في] (٦) فسخ البيع أو لا خيار لهُ؟
فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّهما إن ارتابت فهي أحق بالمقام إلى انقضاء أمدِ الريبة،
_________________
(١) في أ، جـ: مدة.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في هـ: المدونة.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
وهو قولُ مالك في كتاب "ابن الموّاز".
قال سحنون: "فإن تمادت إلى خمسِ سنين، فلا حُجَّة لهُ. لأنَّهُ قد علم، فكأنَهُ قد علمَ أن [قضاء] (١) العدَّة خمسُ سنين فكأنَّهُ قد دخلَ على عِلم".
وروى أبو زيد عن ابن القاسم في "العُتبيَّة"، مِثل قولِ مالك وسحنون "أنَّهُ لا حجَّة للمُبتاع".
والثانى: أنَّ الخيارَ يرجعُ إلى المُشترى على البائع، فإن شاء فسخَ بيعهُ وأخذ الثمن، وإن شاء تماسك ببيعه فلا شىء يرجعُ بهِ، لأنَّ البيع إنَّما وقع على استثناء العدَّة المُعتادة في الغالب ولو وقع البيعُ بشرطِ الاسترابة.
فقال الشيخ أبو إسحاق التونسى ﵁: "أما جعلَهُ المُشترى بالخيار في فسخِ البيع والرضا به إذا استبرأت المرأة ففيه نظر لأنَّهُ إذا وجب لهُ [رد البيع] (٢) لمكان حبس جُملة الدار [عنها] (٣) أمدًا لا يعرفهُ لجواز أن يكون سنة أو خمسِ سنين.
فإن رضي بالتمادى على هذا الشراء بعد وجوب الرد، كابتداء شرائه، وهو قد قال: لو اشتراها بشرط الاسترابة يفسخ البيع إلا أن يكون القولُ على أحد التأويلين فيمن خُيِّر بين شيئين فاختار أحدهما أنَّهُ لا يُعدُّ مُختارًا لما ترك". انتهى كلامه.
فعلى هذا الأصل الذي ذكرهُ الشيخ ينبنى الخلاف في المسألة.
فعلى القول بأنَّهُ يُعدُّ مُختارًا لما ترك، يجوز البيعُ بشرط استثناء أمد
_________________
(١) في أ: قضى.
(٢) في أ: الرد.
(٣) في أ: عنه.
[ ٤ / ٢٥٥ ]
الاسترابة، لأنَّهُ قد اختار الفسخُ أولًا ثُمَّ تركه. ويرجع ثُمَّ يختارُ الإمضاء فيعودُ ذلك الاستثناء، وهو ظاهرٌ لِمن تأمَّلهُ.
وعلى هذا الأصل ينبنى أكثر فروع "المُدوّنة".
فإن مات الزوج قبل انقضاء عدتها ولا دين عليه، هل لها السكنى في مالِ الميت [إلى تمام المدة أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في المدونة:
أحدهما: أن لها السكنى في مال الميت ثابت] (١). بخلاف المتوفى عنها زوجها، وهو قولُ ابن القاسم في "الكتاب".
ومعنى [قوله في المتوفى عنها زوجها ألا سكنى لها] (٢) إذا لم تكن الدار لهُ، ولا [نقد] (٣) الكراء، فلم يلزمهُ السكنى لانقطاع ذمَّتهِ بموته، وصار المالُ للورثة، فهذا معنى قولهُ في الكتاب ومعنى قولهُ في المطلقة: أنَّ السكنى ثابتٌ لها في [ذمَّتهِ] (٤)، وهو دينٌ عليه في حياته، وليس الموت بالذى يسقط عنهُ ما وجب عليه قبل الموت" وهذَا نصُّ "المُدَوّنة".
والقول الثاني: أنَّ المُطلَّقة والمتوفَّى عنها سواء. أنَّهُ لا سكنى لواحدةٍ منهما بعد الموت في مال الميت، وهي رواية ابن نافع عن مالك في "المدونة".
ووجههُ أنَّ سكنى المُطلَّقة ليس بدين ثابت في ذمَّةِ الزوج في الحياة بدليل: أنَّهُ لو اعتبر في حياتهِ لم يلَزمُهُ لأنَّ ما لم يأت بعد لا يتقرَّر في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: نقل.
(٤) في هـ: عصمته.
[ ٤ / ٢٥٦ ]
ذمته.
فإن كانت بكراءٍ على الزوج فهي أحقُّ بسكناها أيضًا مِن الغُرماء إذا أنفذ الكراء وسكنت.
فإن انقضى أمدُ [الكراء] (١) قبل انقضاء العدَّة فإنَّهُ [ينظر إلى رب الدار. فإن رضى أن يضاعف المدة بكراء الأول أو بكراء المثل مما لا ضرر فيه على الزوج فإنه] (٢) يُجبر على [إتمام] (٣) ذلك، ولا يُمكَّن مِن إخراجها.
وإن أخرجها ربُّ الدار، لكونهِ محتاجًا إلى دارِهِ أو لِكونهِ طلب مِن الزوج ما يجحفه مِن الكراء: كان [له] (٤) الخروج [بها] (٥) ولا إثم عليها، ثُمَّ كان لها على الزوج أنْ يكترى لها منزلًا آخر تتمُّ فيه بقيةُ العدَّة.
فإن اختلفا فدعا الزوج إلى موضعٍ، ودعت هي إلى غيره.
فلا يخلو مِن أن يدعو الزوج إلى مسكنٍ يملكه أو إلى مسكنٍ يكتريه [فإن دعاها إلى موضع يملكه كان القول قوله إلا أن تسقط عند الكراء فيتخرج على الخلاف فكذلك إن دعاها إلى مسكن يكتريه] (٦)، ودعت هى إلى غيره وهو أكثر كِراء وهو الوجهُ الثاني كان القولُ قولهُ.
فإن أسقطت عنهُ الزائد، هل يكون القولُ قولها؟ فالمذهب يتخرّج على قولين:
_________________
(١) في أ: السكنى.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من هـ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: لها.
(٦) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
أحدهما: أنَّ القول قولُها إذا توازى الكراءُ أو أسقطت جميعُ الكراءِ عن الزوج أو أسقطت الزائد عن كراء الزوج إذا دعت إلى موضعٍ مأمون وهو نصُّ "المُدوَّنة".
والثانى: أنَّ القول قولُ الزوج ولا تُترك إلى ما دعت إليه، وهذا القول قائم مِن "المُدوَّنة" أيضًا.
وسببُ الخلاف: العدَّة هل هى حق لله تعالى خصوصًا أو فيها حقٌ للعبد؟
فمن رأى أنَّها حقٌ للهِ تعالى خصوصًا: كان القولُ قولُها فيما دعت إليه.
وَمَنْ رأى أنَّ فيها حقا للزوج: كانَ القولُ قولهُ فيما دعاها إليه.
فإن كان الزوج مُعسرًا في جميع العدَّة أو في [بعضها] (١): فلا شىء عليه فيما هو فيه مُعسر.
فإن كان المسكن لها ملكًا، فسكنت فيه مع الزوج حتى طلَّقها، أو اعتدَّت فيه ثُمَّ طالبت الزوج بالكراء.
أمَّا المُدَّة التي سكن معها وهي في عصمته فلا أعلمُ في المذهب نصَّ خلافٍ في أنَّها لا ترجع على الزوج بِكراء سكنى العصمة [إذا كانت رشيدة] (٢).
وفي السَّفيهة: [إذا] (٣) سكنت في بيتها مع زوجها وحملتْ عنهُ موؤنة السكنى مخافة الطلاق قولان بين المتأخرين:
_________________
(١) في أ: بقيتها.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: أنها.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
أحدهما: أنَّ ذلك جائز ولا رُجُوعَ لها عليه بشىء ولا كلام في ذلك لوليِّها، واستقرأ بعض المتأخرين هذا القول مِن "المُدّونة" من كتاب "النكاح الثاني" في باب "نكاح التعويض" في عفو الوصى عن بعض الصداق مخافة الفِراق والرغبة في الزوج، فقال: "لا يجوز ذلك إلا برضاها" فقال: "يُؤخذ مِن هذه المسألة أنَّ المحجورة تسكن [مع] (١) زوجها في دارها وتُنفق على نفسها رغبةً في الزوج ومخافة الطلاق، وغبطتها بهِ، [وأنها] (٢) إن فارقها رجعت تسكُن دارها وتُنفق على نفسها وتعدم زوجها" وبهذا أفتى أبو القاسم بن عتاب وغيره من شُيُوخ الأندلسيين ﵏.
والثانى: أنَّ ذلك لا يجوز، وبه قال [مطرف] (٣) وغيرُهُ، ويكونُ الرُجوعُ لها عليهِ بِكراء المثل، كما لا يجوز له أن يأخذ شيئًا مِن مالها إذا ساعدتهُ [وخافت] (٤) من فراقهِ إن لم تفعل".
قال القاضى أبو الفضل: "وهذا لا يلزم" والقولُ الأوّل أظهر والفرقُ بين أخذه مِن مالها وبين سُكناهُ معها في بيتها أنها تقول: "إن فارقَتنى رجعت [آكل] (٥) مالى وأسكن دارى ولا أتزوج سواهُ فسكونى الآن دارى وأكل مالى مع زوجى [أرغب أوليائى] (٦) [وغير] (٧) ذلك من مالها باقٍ طُلقت أو بقيت.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: وأنه.
(٣) في أ: أبو المطرف.
(٤) في هـ: وخشيت.
(٥) في أ: إلى.
(٦) في أ: أولى بي وأرغب.
(٧) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٥٩ ]
وأمَّا سكنى أمد العدَّة هل ترجع بهِ على الزوج أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدها: أنَّها ترجع عليهِ بِكراء أمد العدَّة، وإليه ذهب القاضى بن زرب وابن عتاب وأبو الحسن اللخمى ﵃، وهو ظاهر "المُدَوَّنة" في "كتاب العدَّة": في التي تسكنُ بِكراء منزل هى اكترتهُ، فطلقت ولم تطلب الزوج بالكراء حتى انقضت العدَّة، قال مالك: ذلك [لها] (١).
والثانى: أنَّ ذلك لا يلزم [الزوج] (٢) ولا ترجع عليه بشىءٍ، وبهِ أفتى مِن شُيوخ [الأندلس] (٣) أبو عمران البكرى وابن القطان، وبهِ قال "الأصبهانى" وهذا القول قائم مِن "المُدوّنة" أيضًا مِن مسألة الأمة إذا طلَّقها زوجها وهو عبد ولم يتبوأ معها بيتًا: أنَّها لا سكنى لها في العدَّة كما لا سكنى لها في العصمة سواءٌ أَعتق بعد الطلاق [أم لا] (٤).
لقولهِ في الكتاب: "وإنَّما حالها اليوم بعدما طلَّقها كحالها قبل أن يُطلِّقها في ذلك، وإنَّما يلزم الزوج ما كانَ يلزمُهُ حين طلَّقها، فما حدث بعد ذلك لم يُلزم الزوج [منه] (٥) شىء"، وهذا منهُ بناء على أنَّ السكنى لو لزمته قبل الطلاق لَلَزمتهُ بعد الطلاق وفي زمان العدَّة.
وسببُ الخلاف: سكنى العدَّة هل هى تبعٌ لسكنى العصمة أم لا؟
_________________
(١) في أ: كله.
(٢) سقط من أ.
(٣) في هـ: الأندلسيين.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٦٠ ]
فمن رأى أنها تبعٌ لسكنى العصمة قال: لا [كراء لها] (١) على الزوج.
ومن رأى أنها مخالفة لها [قال: لها أن] (٢) ترجع على الزوج بِكراء أمد العدَّة.
والفرقُ بين سكنى العصمة وسكنى العدَّة على أحد القولين: أنَّ زمان العصمة زمان مكارمة فلا يُقبل فيه [للزوجة] (٣) دعوى لو طلبت فيه الكراء.
وزمان العدَّة زمان المُنافرة والمُغايرة، فدعواها فيه مقبولة فإن كان المسكن بالكراء على الزوجة فسكنت فيهِ مع الزوج أمد العصمة [وسكنت فيه بانفرادها أمد العدة فطالبت الزوج بكراء أن العصمة] وكراء أمد العدة (٤).
[أمَّا أمد العدَّة] (٥): فإنها تطلب الزوج بحصَّته من الكراء -بلا خلافٍ أعلمُهُ في المذهب في ذلك، وهو نصُّ "المُدوّنة" في "كتاب العدَّة": لأنَّها قامت على الزوج في ذلك بالواجب، كما لو أنفقت على نفسها وهي في عِصمةِ الزوج وهو مُوسر وإنَّما ترجع عليه بما أنفقت ولا يبعد دُخول الخلاف [فيه] (٦) [بالمعنى] (٧).
وأمَّا أمد العصمة فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة مِن "المُدوّنة":
_________________
(١) في أ: سكنى عليها.
(٢) في أ: هل.
(٣) في هـ: للزوج.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من هـ.
(٦) في أ: فيها.
(٧) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٦١ ]
أحدها: أنَّها ترجع عليه بكراء تلك المُدَّة، وهو قول ابن القاسم في [كتاب] (١) "العدَّة".
والثانى: أنَّها لا ترجع عليه بشىء إلا أن يتبيَّن لهُ أنَّها في بيت كراء، وهو قولُهُ في "كتاب كراء الدور [والأرضين. والقول الثالث: أن لها عليه الأقل من كراء المثل وما اكترت به المرأة وهو قول الغير في كتاب الدور والأرضين] (٢).
وسببُ الخلاف: ملكها لمنافع الدار هل هو كملكها لِرقبة الدار أم لا؟
فمن جعل مِلك المنافع كمِلك الرقبة قال: لا ترجع عليهِ بالكراء.
ومَنَ جعلهُ مُخالفًا لمِلك الرقبة قال: ترجعُ عليهِ بالكراء لأنَّها [ترجع] (٣) عليهِ بالواجب.
فإن كانت مُعتدَّة مِن وفاةِ الزوج فلا خلاف أنَّها لا نفقة لها، سواءٌ كانت حاملًا أو حائلًا لأنَّها وارثة [والحمل وارث] (٤).
واختلف المذهب عندنا في وُجوب السكنى لها على قولين:
أحدهما: وجوب السكنى لها، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنَّها لا سكنى لها، وهذا القولُ حكاهُ محمَّد بن خويز منداد عن مالك في "أحكام القُرآن" لهُ، وهو اختيار القاضى أبى الحسن بن القصار قال: "لأنَّهُ يزولُ ملكهُ عن المال، وبعد الموت تجب العدَّة". وهذا القول يُؤخذ مِن "المُدوّنة" مِن رواية ابن نافع عن مالك في "كتاب
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: قامت.
(٤) سقط من هـ.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
العدَّة": في المُطلَّقة تكونُ لها السكنى ثُمَّ يموتُ الزوج في العدَّة أنَّ: "السكنى تسقط بموتهِ، كما تسقط نفقة الحمل بموتهِ"، فهذا [يؤخذ منهُ] (١) ألا سُكنى للمُتوفى عنها جملة، لأنها إذا أسقط السكنى بالوفاة [مع تقدم الطلاق كان إذا وجبت العدة بالوفاة] (٢) مِن غير طلاق أولى وأحرى.
وعلى القول بأنَّ للمُتوفى عنها السكنى على الجُملة فلا يخلو مِن أن يتوفَّى عنها الزوج وهي في بيت أبيها أو يتوفى بعد أن زفَّها وحملها ونقلها إلى بيتهِ:
فإن توفَّى الزوج وهي عند أهلها قبل أن يزُفَّها فلا سُكنى عليه اتفاقًا في المذهب، وتعتدُّ زوجتهُ حيثُ كانت تسكُن ويلزمُها مِن اللبث واللازمة ما يلزمُها إذا اعتدَّت في بيت زوجها.
فإن مات بعد أن حوّلها إلى منزلهِ فلا يخلو ذلك المنزلِ مِن أنْ يكونَ لهُ مِلك أو اكتراهُ:
فإن كان لهُ مِلك، إمّا مِلك رقبة [الدار] (٣) أو مِلك [انتفاع] (٤) كالحبس والعمران وما كان في معناهما من العوارى فهي أحقُّ بالسكنى إلى آخر الآمد فيما قُدِّر بِمدة كالحبس المُؤجَّل والعارية المُؤجلة وإلى انقضاء العدَّة فيما يملك رقبتهُ وهي أحقُّ بهِ مِن الغُرماء في جميع ما ذكرنا.
فإن أرادوا بيع الدار، وأرادهُ الورثة فإنَّهم يُبيعونها بشرط استثناء أمد
_________________
(١) في هـ: يؤدى.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في هـ: استنفاع.
[ ٤ / ٢٦٣ ]
العدّة على الخلاف والتفصيل الذي قدَّمناهُ [في مسائل الطلاق] (١).
فإن كان أمد السكنى المُؤجل يحل أجلهُ قبل انقضاء العدّة فإنَّها تخرج إذا أخرجها رب الدار وتنظر لنفسها في موضع تتمُّ فيهِ العدَّة على حسب ما ابتدأتها.
فإن حوّلها إلى بيت اكتراهُ فلا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن يكون على الوجبية.
والثانى: أن يكون على المشاهرة والمساماة.
فإن كان الكراء على الوجبية فلا يخلو مِن ثلاثة أوجه:
أحدها: أن ينقد الزوج الكراء ويسكن.
والثانى: أن ينقد الزوج ثم مات قبل أن يسكن.
والثالث: أن يعقد الزوج الكراء [وسكنته] (٢) ثمَّ مات قبل النقد.
فإن نقد الزوج الكراء وسكنته [ثم مات الزوج] (٣) فلا خلاف في المذهب [أنها] (٤) أحقُّ بالسكنى مِن الورثة والغرماء وهي كدار يملكها الميت.
فإن نقد الزوج الكراء أو عقدهُ ثُمَّ مات قبل أن يَسكُن فالكراء لازمٌ [له] (٥). في ذمتهِ وهو مالٌ موروثٌ عنهُ ولا سُكنى للزوجة في ماله.
كما لو مات وهي ساكنة في بيتها أو في بيت أبيها وهو قولهُ في "المُدوّنة" وغيرها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: أنه.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٦٤ ]
فإن عقد الزوج الكراء وسكنت ثُمَّ مات قبل أن يُؤدى جميع الكراء أو بعضهُ هل تكون أحقُّ بالسكنى من الغُرماء والورثة أو يرجع الكراء ميراثًا؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: [أنها] (١) أحق به، لأنَّ الكراء قد وجب في ذمَّته فأشبهَ دارًا يملكُها، وهذا تأويل ما وقع في "المُدوّنة" عند بعضهم، ومِثل هذا في رواية أبى قرَّة وعلي بن زياد وابن وهب عن مالك.
والثانى: أنَّ باقى الوجبية التي لم يؤد الزوج كراها ميراث إلا أن تشاء المرأة أن تسكُن في حصَّتها وتكرى نصيب الورثة يريد برضاهم، وهو نصُّ قول مالك في كتاب محمَّد بن المواز، وهذا القول أسعد بظاهر "المُدوّنة".
وعلى هذين التأويلين يتخرج ما في المُدوّنة من الإشكال في المسألة فإن كان الكراء [على] (٢) المشاهرة مِثل أن يُكريها كُلُّ شهر بكذا [أو كل سنة بكذا فهذا] (٣) لا يخلوا مِن أن ينقد الكراء أو لا ينقده:
فإن نقد جميع الكراء كان كالوجبية، والكراء لازمٌ لها وهو مالٌ مِن مالِ الزوج.
فإن لم ينقد الكراء فلا [سكنى] (٤) لها في ذمة الزوج، ثُمَّ لأهل الدار إخراجها إذا أرادوا.
وكذلك إن كان الكراء على الوجبية فانقضت الوجبية قبل انقضاء العدَّة فلهم أن يُخرجوها إذا أرادوا، وهو نصُّ قولُ مالك في "المُدوّنة".
قال بعض المتأخرين: "معنى ما وقع في "المُدوّنة": إذا كان
_________________
(١) في أ: أنه.
(٢) في أ: عن.
(٣) سقط من أ.
(٤) في هـ: شىء.
[ ٤ / ٢٦٥ ]
إخراجهم لحاجةٍ لهم في الدار مِن سكنى أو بناء وشبه هذا".
وهكذا فسَّرهُ بن كنانة في "المبسوط"، قال: "ليس لربِّ الدار أن يُخرجها إلا لعُذر مجحف يخاف على دارهِ إنْ تركت فيها، وليس لهم أن يزيدوا في الكراء على القدر الذي [كان] (١) يتكارى بهِ زوجها".
وقال بعض الحُذّاق: "ومعناهُ عندي: أن يكون ذلك مِن قِبَلِ أنفسهم وأمَّا إن جاءهم مَنْ يكتريها منهم بأكثر كان لهم إخراجها إلا أن تلزم الزيادة".
ولا خلاف في المذهب أنَّ: أهل الدار متى تركوها بكراءِ مثلها أنَّهُ لازمٌ للزوج في الطلاق ولها في الوفاة، وهذا في "الكتاب" ظاهر.
فإذا ثبت ذلك وتقرَّر لها السكنى في مالِ زوجها، هل يجوز لها الانتقال مِن ذلك المنزل والتحول منهُ إلى غيرهِ؟، فذلك على وجهين:
إمَّا أن يكون ذلك بغلبة واضطرار أو يكون ذلك على معنى الترفُّه والاختيار.
فإن كان ذلك [على معنى الترفه والاختيار فإن ذلك] (٢) لا يجوز بالإتفاق، لقوله - ﷺ - لفريعة بنت مالك بن سنان: "امكثى في بيتك، حتى يبلغَ الكتابُ أجلهُ"، ولقوله - ﷺ -: "للنساء اللاتي أتين تتحدثن عند إحداكن ما بدا لكن ثم تؤوب كل امرأة إلى بيتها". فأباح لهنَّ الاجتماع بالحديث بالليل حتى إذا أرادت النوم، وترجع كُلَّ واحدةٍ منهنَّ إلى بيتها، قال محمَّد: "ومعناهُ: أن يقمن في الحديث إلى وقت نيام الناس"، ولهذا قال مالك ﵀:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٦٦ ]
"تخرج إلى حوائجها سحرًا قرب طلوع الفجر [وترجع] (١) ما بينها وبين العشاء الآخرة" فأباح لها التصرُّف فيما لا مندوحة [لها] (٢) عنهُ في النهار وفي طرفى الليل ومنعها فيما سوى ذلك.
وذلك أنَّ النهار محلٌّ للانتشار والتصرف فيُؤمَنْ عليها مِن الريبة لأنَّها لو حاولت شيئًا لظهرَ عليها.
وكذلك طرفى [الليل] (٣) لأنَّ عوائد الناس مِن السَّحر يخرجون إلى أراضيهم وبساتينهم، فإذا أدلجت معهم فلا يبقى [عليها] (٤) ريبة.
وكذلك ما بين العشاءين فإنَّ عادة الناس قضاء المآرب مِن الأسواق والمشى إلى المساجد.
وما سوى ذلك فلا تمكن فيه وينبغى للإمام إذا علم منها المبيت عن بيتها أن ينهاها عن ذلك ويعظُها، فإن عاودت أدبها فإذا منعت من المبيت في غير بيتها، ومن كثرة الخروج بالنهار لغير حاجةٍ تعرَّضت لها فبأنْ تُمنع مِن الانتقال مِن منزلٍ إلى منزلٍ أولى وأحرى.
ولا فرق في ذلك بين الحُرَّة والأمة، ولا بين العدَّة للوفاة والطلاق.
وقد وقع في "المُدوّنة" في "كتاب العدَّة" مسألة اضطربت [فيها] (٥) آراء المتأخرين في التأويل وهي "الأمة الحادَّة" حيثُ قال: "لا يُزينونها للبيع ولا يبيعونها لمنْ يُخرجُها مِن موضِعُها حتى تتمَّ عدَّتُها". ثُمَّ قال في آخر "الكتاب": "إذا انتقل أهلها انتقلوا بها".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في هـ: النهار.
(٤) في أ: معها.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
فاختلف المتأخرون: هل ذلك اختلاف أقوال أو ذلك اختلاف سؤال أو ذلك اختلافُ أحوال؟
فمنهم مَن يقولُ: إن ذلك اختلاف قول، فإذا كان لهم الخروج فكيف لا يجوز للُمشترى؟! وهو قولُ بعض المتأخرين، [وإليه] (١) أشار حمديس.
ومنهم من يقول: إن ذلك اختلاف أحوال، وإنَّما قال: لا يُخرجها المشترى مِن موضعها كالبائعين لها.
فإذا أرادوا الانتقال بها انتقلوها كما جاز ذلك للبائعين.
وقيل: لا يبيعونها إلا لمن يرعى ذلك ولا يبقى عليه في إخراجها.
ومنهم مَن قال إنَّ ذلك اختلاف سؤال، وأنهم ينتقلون بها إذا لم يتبوأ معها بيتًا، وهو معنى [ما] (٢) قال في آخر "الكتاب"، وهو نصُّ قولُهُ في "كتاب محمَّد" ومعنى ما قال في "باب الإحداد": أنَّه قد بوأ معها بيتًا.
فإذا كان انتقالها وتحوُّلها على معنى الغلبة والاضطرار، مِثل: أنْ تخافَ سقوط بيتها أو لُصُوص أو تخاف مِن جار سوء وهي في البادية أو خشيت أن ينتقل عنها الجيران أو حدث منها هى أمرٌ يُوجبُ إخراجها أو أخرجها ربُّ الدار لحاجةٍ لهُ [في الدار] (٣).
_________________
(١) في هـ: وإلى مثله.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٦٨ ]
إذا انقضى أمدُ الكراء قبل انقضاء أمد العدَّة. فلا حرج عليها في ذلك فيما بينها وبين الله تعالى.
والحمد لله وحده.
[ ٤ / ٢٦٩ ]
المسألة العاشرة
في [سكنى] (١) التي تُوُفِى عنها زوجها في السفر، ولا يخلو سفرها معهُ مِن وجهين:
أحدهما: أن [يكون سفر انتجاع. والثانى: أن يكون سفر ارتجاع. فإن كان سفر انتجاع كمن رفض سكنى بلده وانتقل بأهله إلى غيره ثم مات فلا يخلو من وجهين: أحدهما أن] (٢) يموت قبل الوصول إليه.
والثانى: مات بعد الوصول.
فإن مات قبل الوصول إلى الموضع الذي انتقل إليهِ فلا يخلو مِن أن يموتَ ويتركُها في مُستعتب أو في غير مُستعتب.
فإن تركها في مُستعتب فإنَّها تعتدُّ هناك ولا تنفد لوجهها ولا ترجع، لأنَّ ذلك يُؤدى إلى أن تفرغ عدَّتُها في الأسفار لغير معنى.
فإن تركها في غير مُستعتب فلها الخيارُ بين ثلاثة أشياء:
إمَّا أن تنفد إلى الموضع الذي أقبلت إليه.
أو ترجع إلى الموضع الذي خرجَت منهُ.
أو تعُد إلى أىِّ موضعٍ شاءت ممَّا هو قريبٌ منها.
وهذا كُلُّهُ إذا كانت تصل إلى الموضع الذي تذهب إليه قبل انقضاء عدَّتها أو مُعظمها وَوَجَدَت ثقةً تذهب معهُ.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٧٠ ]
فإن مات بعد الوُصول إلى الموضع الذي خرجت إليه فلا يخلو مِن أن يموت بعد أن [اتخذ لها] (١) مسكنًا أو قبل.
فإن مات بعد أن [اتخذ لها] (٢) مسكنًا فلا إشكال أنَّها تعتدُّ فيهِ كما تعتد في المنزل الذي خرجت منهُ.
فإن مات قبل أن يتخذ لها مسكنًا فإنَّها تعتدُّ حيث شاءت.
فإن كان سفرُهُ سفرَ ارتجاع فلا يخلو مِن وجهين:
أحدهما: أن يكونَ [سفر] (٣) بِر وطاعة.
والثانى: أن يكون [سفرًا] (٤) لقضاء المآرب والحاجات.
فإن كان سفرهُ سفرَ بِر وطاعات، فلا تخلو تلك الطاعات مِن أن تكون مِمن يحتاج إلى إحرام كالحج [أو ممن له يحتاج إلى الإحرام كالغزو والرباط.
فإن كانت ممن يحتاج إلى إحرام كالحج] (٥) فلا يخلو مِن أن يموت الزوج قبل الإحرام أو مات بعدهُ.
فإن مات الزوج بعد الإحرام فلا خلافَ أعلمُهُ في المذهب أنَّ امرأتهُ [تنفد في] (٦) حجِّها ولا ترجع إلى بيتها سواء قربت أو بعدت، وسواءٌ كان الحجُّ الذي أحرمت بهِ تطوعًا أو واجبًا.
فإن مات الزوج قبل الإحرام فهاهنا يُفصَّل بين أن يكون الحجَّ واجبًا أو
_________________
(١) في أ: اتخذه.
(٢) في أ: اتخذه.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من هـ.
(٦) في أ: تذهب إلى.
[ ٤ / ٢٧١ ]
تطوُّعًا.
فإن كان الحجُّ واجبًا فلا يخلو ذلك مِن أن يكون بالقرب أو بالبُعد.
فإن مات قبل أن يتباعد مِثل اليومين أو الثلاثة، فهل ترجع أو تنفد؟ قولان قائمان مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّها ترجع إلى بيتها ولا ترجع إلى مع ثقةٍ، وهو ظاهر "المُدونة"، لأنَّهُ قال: في "الكتاب": "ترجع" ولم يُفصِّل بين النفلِ والفرض.
والثانى: أنَّها تتمادى قياسًا على الاعتكاف.
وسببُ الخلف: اختلافُهم من الحجِّ، هل هو على الفورِ أو على
التراخى؟
فَمَنْ رأى أنَّهُ على الفور قال: إنَّها تنفد ولا ترجع.
وَمَنْ رأى أنَّهُ على التراخى قال: ترجع.
فإن مات الزوج بعد أنْ يتباعد فإنَّها تنفد ولا ترجع اتفاقًا في المذهب.
فإن كان الحجُّ تطوُّعًا فلا يخلو ذلك مِن أن يكون بالقُرب أو بالبُعد:
فإن كان بالقُرب فإنَّها ترجع قولًا واحدًا في المذهب.
فإن كان بالبعد فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّها تتمادى ولا ترجع، وهو ظاهر "المُدوّنة".
والثانى: أنها ترجع، وهو أحد قولى مالك فيمن خرج إلى الجهاد أو إلى الرباط ثُمَّ مات هناك أنَّ امرأتهُ ترجعُ وتعتدُّ في بيت زوجها الذي خرج منهُ.
[ ٤ / ٢٧٢ ]
ولا فرق في الحقيقة بين حجِّ التطُّوع والجهاد إذا لم يتعيَّن.
وإن كانت تلك الطاعات ممَّا لا تفتقر إلى الإحرام كالغزو والرباط فإنَّها ترجع في القرب، وفي البُعد والوصول قولان عن مالك.
فإن كان سفرهُ [سفر] (١) قضاء المآرب والحاجات، وكانت الحاجة أوَّلها فمات في الطريق قبل الوُصول، أو مات بعد الوُصول إلى موضع الحاجة فإنَّها ترجع إلى بيت زوجها إن كانت تصلُ إليه قبل انقضاء عدَّتها أو مُعظمها ووجدت ثقةً ترجعُ معهُ.
فإن كانت لا تصلُ إلا بعد انقضاء عِدَّتها لبُعد البلاد أو كانت تصلُ في بقيَّةِ العدَّة إلا أنَّها لا تجد ثقة، فإنَّها تعتدُّ في الموضع الذي توفَّى فيهِ زوجها.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٧٣ ]
المسألة الحادية عشرة
في سكنى المُرتدَّة، ولا تخلو المُرتدَّة مِن أن تكون حاملًا أو حائلًا أو مشكوكًا فيها.
فإن كانت حاملًا فلها النفقة اتفاقًا لأجلِ الولد، ولا سُكنى لها على مشهور "المذهب".
وقد وقع في "المُدوّنة" حرف مُشكل في "كتاب العدَّة" في قوله: "أرأيت المُرتدَّة أيكون لها النفقة والسُّكنى؟ قال: "نعم، لأنَّ الولدَ يلحقُ بأبيهِ، فمن هنا لزمتهُ النفقة".
واختلف المتأخرون في الاعتذار عن إطلاق جوابهِ "نعم" هل هو على عموم النفقة والسُّكنى معًا أو على النفقة خاصةً؟
فمنهم مَن حملهُ على النفقة خاصةً دون السُّكنى إذْ هى مسجونة لا تترك فكيف يجبُ لها السُّكنى على الزوج؟، وهذا تأويل ابن اللباد وغيره.
ومنهم مَن قال: معنى ذلك "أن لها النفقة والسُّكنى إذا غُفل عن سجنها".
ومنهم مَن قال: "معنى ذلك إذا كان الموضع الذي تُعتقلُ فيه يُطلب فيهِ الكراء فيكون على الزوج".
فإن كانت حائلًا فإنَّها تقتل بعد الاستتابة، وهل تُستتاب ثلاثة أيام أو ثلاث مرات؟ فالمذهب على قولين قائمين مِن "المُدوّنة":
أحدهما: أنَّها تُستتاب ثلاثة أيام، وهو مشهور "المذهب".
[ ٤ / ٢٧٤ ]
والثانى: أنَّها تُستتاب ثلاث مرات [استحبابًا] (١)، وهذا القول مروى عن مالك، وبهِ قال أشهب، وهو قائم مِن "المُدوّنة" مِن قولِهِ:
"إن كانت غيرُ حامل يعرفُ ذلك لم تُؤخَّر واستُتيبت".
وقولُهُ "لم تُوخَّر" يُريد ثلاثة أيام.
وقولُهُ "استُتيبت" يريدُ ثلاثَ مرات.
فإن جُهل حالها ولا يُدرى إن كانت حاملًا أو حائلًا، فإنَّها تُؤخَّر إنْ طَلَبَ الزوجُ ذلك، إلى أن تحيضَ [حيضة] (٢) واحدة أو تمر بها ثلاثة أشهر.
فإن أسقط الزوج حقَّهُ ينظر.
فإن مضى لإصابته أربعون يومًا [لم يعجل عليها لاحتمال أن يكون الرحم مشغولًا بالولد لأنه بعد الأربعين] (٣) مِن [يوم] (٤) الإصابة يكونُ علقة.
وإن لم يمض لإصابتهِ أربعون يومًا قتلت ولم تُؤخر.
وهذا معنى قولهُ في "المُدوّنة": "وإن كانت غير حامل".
فاعرف ذلك [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٤ / ٢٧٥ ]
المسألة الثانية عشرة
في المُكاتب إذا اشترى زوجتهُ.
وإذا اشترى المكاتب زوجتهُ وقد كانت ولدت منهُ أو لم تلد فعجز [فرجع رقيقًا أو مات عنها فلا يخلو المكاتب من وجهين:
أحدهما: أن يطأها بعد اشترائه لها.
والثانى: ألا يطأها حتى مات أو عجز. فإن وطأها المكاتب بعد الشراء] (١) ثم مات [أو عجز] (٢) فعليها حيضة واحدة اتفاقًا وهي في العجز استبراء.
وفي الموت قولان:
قيل: استبراء، وقيل: عدَّة.
فإن مات أو عجز قبل أن يطأ فهل تستبرئ بحيضة أو بحيضتين؟
فالمذهب على قولين منصوصين في المُدوَّنة عن مالك في آخر "كتاب العدَّة":
أحدهما: أنَّها تستبرئ بحيضة واحدة.
والثانى: أنَّها تستبرئ بحيضتين، وهو الذي رجع إليه مالك.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الاستبراء مِن الفسوخ، هل هو استبراءٌ أو عدَّة؟ لأن طرآن الملك على النكاح قد تقدم أمره.
فمن رأى أنَّهُ استبراءٌ محض قال: تُستبرئ بحيضة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٧٦ ]
وَمَنْ رأى أنَّهُ عدة قال: تُستبرئ بحيضتين.
وقال الشيخ أبو القاسم بن محرز: "وهذا غلط، بل [اختلاف قول مالك] (١) ينبنى على الخلاف في الإباحة، هل تقوم مقام الفعل أم لا؟
فمن رأى أنَّ الإباحة تقوم مقام الفعل [: قال: تستبرئ بحيضة] (٢) لأنَّ المكاتب لما ملك أن يطأ بملك يمينه عُدَّ ذلك منهُ كالوطء، لأنَّ الوطء إذا كان يُبطل حُكم الاعتداد كانت إباحة الوطء تُبطلهُ أيضًا.
ومن رأى أنَّ الإباحة لا تقوم مقام الفعل قال: تستبرئ بحيضتين.
وقد وقع في هذه المسألة اختلاف في الروايات وكُلُّهُ يرجعُ إلى ما فصَّلناهُ وحصَّلناهُ.
[قال] (٣) قلت: أرأيت المكاتب يشترى زوجتهُ الأمة، فلم يطأها بعد الشراء، حتى خرجت حُرَّة فلا استبراء عليها.
وهذه هى الرواية الثابتة عند الشُيوخ، و[قد] (٤) وقع في حاشية كتاب "ابن عيسى" على ما نقل بعضُ المحققين، وفي بعض النسخ " [فى] (٥) الاستبراء عليها على الإثبات".
فمعنى الرواية الأولى: أنَّها إذا حاضت عند المُكاتب قبل عتقها.
ومعنى الثانية: أنَّ عتقُها قبل الحيضتين، فيكون ذلك اختلافُ حال.
تمَّ الكتابُ بحمد الله وعونه.
ويليه كتاب الأيمان بالطلاق.
_________________
(١) في أ: اختلافهم.
(٢) سقط من هـ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
كتاب الأيمان بالطلاق
[ ٤ / ٢٧٩ ]