تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها خمس مسائل:
المسألة الأولى في اشتقاق العرية وتسميتها بذلك
وقد اختلف في تسميتها بذلك على سبعة أقوال:
أحدها: أنها مأخوذة من قولهم عريته أعريه إذا طلب إليه فعيلة بمعنى مفعولة أي عطية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (١).
وتكون على هذا أيضًا بمعنى إبانته عنها لأن الذي اعتراها يختلف إليها ويحل بأهله فيها.
والثاني: أنها سميت بذلك؛ لأنها عرت عن السوم عند البيع فعلى هذا كله تكون العرية اسم للثمرة، أو تكون بمعنى أن هذه النخلة عرية من الثمرة بهذه الهيئة فتكون هنا اسم للنخلة.
والثالث: أنها النخلة تكون للرجل في نخل الرجل فيدخل إليها صاحبها فيؤذي صاحب النخل الكثير بدخوله فرخص له في شراء ثمرها منه ليدفع أذاه عنه، وهذا يأتي على مذهب مالك وابن القاسم، فلا يجوز أن يشتريها منه إلا على طريق المعروف معه ويكفيه سقيها لدفع الضرر مجردًا على ما سنبينه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ومعنى تسميتها على هذا الوجه عرية لانفرادها من حمله، يقال: عريت هذه النخلة إذا أفردتها بالبيع والهبة.
_________________
(١) سورة الحج الآية (٣٦).
[ ٧ / ٥٧ ]
والرابع: أنها شراء من لا يحل له ثمر النخلة من صاحب النخل ليأكلها هو وعياله رطبًا يخرجها تمرًا مما بيده من التمر نقدًا، وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه ورأى أن الرخصة في العرايا إنما هي الرفق ويشتريها وحاجته إلى ذلك، وهذا يأتي على التفسير المتقدم أنها لانفرادها أعني النخلة أو اسما للعقد.
والخامس: أن العرية هي الثمرة إذا أرطبت، سميت بذلك لأن الناس يعرونها أي يأتونها لالتقاط ثمرها.
والسادس: أنها إنما سميت بذلك لانعزال مالكها عنها من بين سائر ماله لأنها عرية من جملة النخل، ويكون على هذا فعليه بمعنى فاعله، قال الله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ (١)، أي: في الموضع الواسع الخالي من الأرض.
والسابع: أنها سميت بذلك لأنها عرية من جملة تحريم المزابنة وحلت من ذلك، ولا فرق بين اسمها عرية أو هبة أو عطية أو منحة أن ذلك من ألفاظ المعروف إلا في حكم الرخصة في جواز شرائها منه بخرصها إلى الجذاذ، فقد اختلف أئمتنا في ذلك؛ فابن القاسم لا يجري الرخصة إلا فيما منح باسم العرية وعرفها المستعمل فيها، قال: وأما لغير ذلك من ألفاظ والتمليك فلا يحكم لها بحكم العرية ولا يقضي فيها بخرصها.
وأما ابن حبيب فلم يراع اختصاص لفظ العرية من غيرها من تلك الألفاظ ويجري الرخصة عنده في كل الألفاظ، وهي أعني بيع العرية بخرصها مستثناه من أربعة أصول ممنوعة محرمة:
أولها: المزابنة وهي شراء الرطب بالتمر.
_________________
(١) سورة الصافات الآية (١٤٥).
[ ٧ / ٥٨ ]
والثاني: بيع الطعام بالطعام إلى أجل.
والثالث: بيع الطعام من جنسه متفاضلا.
والرابع: الرجوع في الهبة.
فإذا ثبت ذلك فشراؤها يخرصها يجوز بعشرة شروط ستة متفق عليها في المذهب، وأربعة مختلف فيها.
فأما السنة المتفق عليها:
[أحدها] (١): أن يكون مشتريها هو معريها.
والثاني: أن تكون قد طابت.
والثالث: ألا يكون تمرًا.
والرابع: ألا يكون إلا بخرصها.
والخامس: ألا تباع إلا بنوعها.
والسادس: ألا تكون إلا إلى الجذاذ.
وأما الأربعة المختلف فيها: ألا تكون إلا باسم العرية وأن تكون خمسة أوسق فأدنى لأكثر منها، وأن يكون للمشتري جملة ما أعرى المعري، وأن يكون مما ييبس ويدخر. فهذه عشرة شروط.
وقد اختلف فيما ييبس ويدخر على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يشتري بخرصها إلا النخل والعنب خاصة.
والثاني: أنه تجوز في كل ما ييبس ويدخر، والقولان لمالك في "كتاب محمَّد".
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٧ / ٥٩ ]
والثالث: أنه يجوز في المدخر وغيره من الثمار وهو قول محمَّد، واختلف في خمسة أوسق هل يجوز شراؤها بالخرص أو لا يجوز إلا فيما دون الخمسة على قولين. [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٦٠ ]
المسألة الثانية في عَرِيَّة الواحد للواحد أو للجماعة
ولا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
أحدها: أنه يعري واحدًا لواحد في حائط واحد.
والثاني: أن يعري واحد لواحد في حوائط متعددة.
والثالث: أن يعري واحد لجماعة.
والرابع: أن يعري الجماعة للواحد، وذلك كله في حائط أو حوائط.
فأما عرية الواحد للواحد في حائط واحد فلا خلاف في المذهب في جواز شراء ما دون خمسة أوسق ويخرصها تمرًا عند الجذاذ إلا رواية شاذة رويت عن مالك أنه منع شراء العرية بخرصها تمرًا عند الجذاذ وأجازه بالعين وغيره.
وفي خمسة أوسق قولان، مشهور المذهب جوازه وهو مذهب "المدونة".
والثاني: المنع وهو الأظهر في النظر، وذلك أن الراوي شك في خمسة أوسق هل وردت فيها الإباحة أو لا؟ والشك لا يقدح في اليقين، ونحن على اليقين في تحريم المزابنة عمومًا حتى يثبت دليل التخصيص.
ووردت الرخصة بجواز شراء العرايا بخرصها تمرًا عند الجذاذ مما دون خمسة أوسق، وشك الراوي في الخمسة، فالإباحة فيما دون الخمسة لا في الخمسة إذ لابد أن يبقى للرخصة محل، ويبقى على أصل المنع محل فيما دون الخمسة محل للرخصة وهي أربعة فدون؛ وفوق الخمسة محل للمنع بالأصل، والتوسط بينهما هو المشكوك فيه.
[ ٧ / ٦١ ]
فوجه قول من يقول: أن الرخصة جملة أو يبقى لها أقل القليل الذي بنوه منصب الشارع عن التعرض لذكره فضلا عن أن ينصبه محلا للإباحة بعد الخطر إذ الشك صالح أن يجري في الجميع، فقطعنا نحن مادة الشك واستعملنا الرخصة في الخمسة فدون لاسيما، والرخصة وردت من طريق لا شك فيه.
وعلى القول في الخمسة فدون أو فيما دون الخمسة على الخصوص هل ذلك لمعنى أو لا لمعنى؟ فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن الرخصة معللة بدفع الضرر وإكفاء المؤونة على الضم والجمع وهو نص قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن ذلك لدفع الضرر خاصة دون إفكاء المؤنة وهو قول غيره في "الكتاب".
والثالث: أنه لإكفاء المؤونة خاصة وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب" فيمن له نخلة في حائط رجل حيث جوز لرب الحائط شراء تلك النخلة بخرصها عند الجذاذ فليس في ذلك دفع الضرر ولا إكفاء المؤونة وهو قوله في "الكتاب" فيما إذا أعرى الرجل من حائطه أكثر من خمسة أوسق فقد قال: أنه أجوز للمعري أن يشتري من عريته خمسة أوسق، فهذا ليس فيه دفع ضرر ولا إكفاء المؤونة لأن الباقي من العرية في يد المعري أو الضرر فيه قائم للدخول والخروج والمؤونة؛ دائمة على المعري له في تكلفة القيام بما بقي ولا احتفال بقول من يقول أن المؤونة والكلفة قد انقضت عنه وخفت وذلك باطل، ولاسيما إن كان المشتري في جنبه ما يفي أيسر اليسير وذلك كله إذا أعرى الواحد للواحد في حائط واحد.
وأما الوجه الثاني: إذا أعرى الواحد للواحد في حوائط، هل يجوز له
[ ٧ / ٦٢ ]
أن يشتري من كل حائط خمسة أوسق أم لا؟
[على] (١) ثلاثة أقوال كلها متأولة على "المدونة":
أحدها: أنه يجوز له أن يشتري من كل حائط خمسة أوسق ويكون كحائط واحد وهو تأويل القابسي على "المدونة".
والثاني: أنه لا يشتري من الجميع إلا خمسة أوسق كان ذلك بلفظ واحد أو بألفاظ متعددة وهو تأويل ابن أبي زيد ويحيى بن عمر على "المدونة".
والثالث: التفصيل بين أن يكون ذلك بلفظ واحد فيكون كما قال ابن أبي زيد، أو يكون بألفاظ فيكون كما قال القابسي، وهو تأويل ابن الكاتب على "المدونة"، ويشهد لهذا التأويل ما وقع في "كتاب الجوائح" فيمن اشترى حوائط فاجتيحت حيث قال: فإن كانت في صفقة واحدة فإنه يعتبر ثلث الجميع، وإن كانت في صفقات فيعتبر كل واحد.
وأما الوجه الثالث: إذا أعرى الواحد للجماعة في حائط أو حوائط.
فإن كان ذلك في حوائط فالجواز ولا إشكال لأن كل واحد مستقل بعريته فيجوز له أن يشتري خمسة أوسق من كل حائط.
وإن كان ذلك في حائط واحد فيتخرج الخلاف على الخلاف في شراء العرية بالخرص، هل هو معلل أو غير معلل؟
فعلى القول بتعليله فيمنع الشراء في هذا الوجه لعدم العلة وعلى القول بأنه معلل فيجوز الشراء.
وأما الوجه الرابع: إذا أعرى الجماعة للواحد في حائط أو حوائط
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٧ / ٦٣ ]
فالجواز إطلاقا.
وأما الوجه الخامس: إذا أعرى الجماعة للجماعة.
فإن تساوى عدد من أعرى [مع] (١) عدد من أعرى له أو كان عدد من أعرى أقل فإنه يجوز لمن أعرى أن يشتري منهم جميع ما أعرى له إذا كان خمسة أوسق أو دون.
فإن كان عدد من أعرى أكثر فلا يجوز لواحد منهم أن يشتري جميع سهم من أعرى له وإن كان أقل من خمسة أوسق، لأنه اشترى ما أعرى وما أعرى غيره، والرخصة إنما وردت في شراء المعري عرية نفسه لا فيما أعرى غيره.
ولا خلاف في مذهب مالك في ذلك، وإنما يجوز ذلك في مذهب الشافعي، [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٦٤ ]
المسألة الثالثة بما تصح العرية للمعري إذا مات المعرِي أو مات المعرَى
فإن مات المعرِي فلا يخلو من أن يموت بعد طيب الثمرة وبعد قبضها أو مات قبل الطيب.
فإن مات بعد طيب الثمرة وبعد الجذاذ فلا خلاف أعلمه في المذهب أن الثمرة للمعرَى دون ورثة المعرِي.
فإن مات المعرِي قبل طيب الثمرة وقد أبرت فلا يخلو من أن يقبضها المعرَى ويجوزها أو لم يقبضها.
فإن مات قبل القبض والحوز فلا خلاف في المذهب أنها لورثة المعرِي ولا شيء فيها للمعرَى.
فإن مات المعرِي قبل قبض المعرَى وحوزه للأصول قبل أن يطلع في النخل شيء فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن العرية تصح للمعرَى بحوز الأصول ويكون أحق بما يطلع فيها من الثمار بعد موت المعرِي، وهو تأويل بعض المتأخرين، على "المدونة" قياسا على الهبة والصدقة.
قال في "كتاب الهبة" في هبة الثمر والجنين أن ذلك جائز إذا حوزه الأصول والأمة.
والثاني: أنه لا شيء فيه للمعرَى إلا إذا قبض الأصول بعد طلوع الثمار فيها وهو تأويل بعضهم على "الكتاب" أيضًا، وهو مذهب ابن حبيب أن
[ ٧ / ٦٥ ]
الحوز فيها لا يصح إلا بحوز الرقاب [وطلوع] (١) الثمر فيها، وإلى هذا الذي قاله ابن حبيب ذهبت طائفة من الأندلسيين.
وسبب الخلاف:
اختلافهم في تأويل ما وقع في "الكتاب" من قوله فيمن أعرى لرجل نخلًا فمات ربها قبل أن يطلع في النخل شيء وقبل أن يحوز المعرَى عريته: إن العرية غير جائزة وللورثة إبطالها.
فقوله: قبل أن يطلع في النخل شيء وقبل أن يحوز المعرَى عريته، هل لابد من اعتبار الشرطين جميعًا، أو لا يعتبر إلا قبض الأصول خاصة.
واختلفوا في الهبة والصدقة هل يجري فيهما هذا الخلاف أم لا؟ على ثلاثة أقوال كلها متأولة على "المدونة":
أحدها: أن الهبة والعرية والصدقة في الأصول والإماء واحد لا يتم حوزها إلا بحوز الأصول وخروج الثمرة وخروج الولد وهو مذهب ابن حبيب.
والقول الثالث: التفصيل بين العرية والهبة والصدقة، وأن الخلاف والتوقف في العرية دون الهبة والصدقة.
وأن مذهب "الكتاب" التفريق بينهما، وهو تأويل أبي جعفر بن رزق.
والرابع: التفصيل بين أن يتصدق عليه بما في بطن أمته وبين العرية وبين هبة ما بثمر النخل وصدقته.
ففي العرية والهبة، والهبة والصدقة في الأصول لابد من اعتبار الشرطين: الحوز وطلع الثمر.
_________________
(١) في أ: وطول.
[ ٧ / ٦٦ ]
وفي الجنين يكون حوز الأم حوزًا له، وإلى هذا ذهب فضل بن سلمة تأويلًا على "المدونة".
وسبب الخلاف:
قبض الأصول هل هو قبض لما يأتي من الثمار أم لا؟
وأما اختلافهم في قبض الأمة فمبني على اختلافهم في الجنين في بطن أمه هل يطعى له حكم الوجود أو يعطى له حكم العدم.
فإن مات المعرى فقد اختلف المذهب بماذا تصح للورثة على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يجب لهم إذا مات بعد طيبها وهو قول ابن القاسم في "العتبية" وظاهر "المدونة" في "كتاب الحبس".
والثاني: أنها تجب للورثة بالإبار وهو قول أشهب في "كتاب الحبس" من "المدونة" أيضًا.
ويتخرج في المسألة قول ثالث: أنها تجب للورثة بحوز الأصول كانت فيها ثمرة أم لا؛ على القول بأنها تجب للمعرِي بالحوز؛ لأن ذلك حق ثابت له، فوجب أن يورث لقول النبي - ﷺ -: "من مات عن حق فلورثته" (١). [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٦٨)، ومسلم (١٦١٩).
(٢) زيادة ليست بالأصل.
[ ٧ / ٦٧ ]
المسألة الرابعة في زكاة العرية على من تجب هل هي على المعرِي أو على المعرَى وزكاة الهبة والصدقة والسقى في ذلك
فلا تخلو العرية والهبة من أن تكون بعد الطيب أو قبله فإن كانت بعد طيب الثمرة فالزكاة والسقي إن احتيج إليه على المعرَى له والموهوب قولًا واحدًا.
فإن كان قبل طيب الثمرة فعلى من تكون الزكاة والسقي؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن السقي والزكاة والعلاج على المعرَى والموهوب له وهو قول كبار أصحاب مالك في "الكتاب".
والثاني: أن الزكاة والسقي والعلاج على المعرِي، وزكاة الهبة على الموهوب له سواء أعرى جزءًا شائعًا أو معينًا وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والرابع: التفصيل بين الزكاة ولا سقي، فالزكاة على المعرَى له والسقي على المعرِي وهو قول ابن الموَّاز.
وينبني الخلاف على الخلاف في العرية متى يمكلها المعرَى؟ هل يملكها الآن أو لا يمكلها إلا بعد طيبها؟
والحمد لله وحده.
[ ٧ / ٦٨ ]
المسألة الخامسة في بيع الثمار
وموضع ذكر هذه المسألة في "كتاب البيوع الفاسدة" إلا أنا أغفلنا تنزيلها هنالك فاستدركناها آخر هذا الكتاب؛ لأن لها فيه تعلقًا، فنقول من حيث التقريب: بيع الثمر قبل بدو الصلاح على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يشتريها بشرط الحد.
والثاني: أن يشتريها بشرط البقاء.
والثالث: أن يبهم الأمر.
فأما الوجه الأول: إذا اشتراها على الجذ فجحدها فلا خلاف في الجواز.
وأما الوجه الثاني: إذا اشتراها على البقاء فلا خلاف في البطلان، ثم لا يخلو من أن يعثر على ذلك قبل الجذاذ أو بعد الجذاذ.
فإن عثر على ذلك فلا يخلو من أن يدرك ذلك قبل أن يفوتها بالبيع أو بعد أن فوتها.
فإن أدرك ذلك قبل أن يفوتها فالبيع يفسخ اتفاقًا.
فإن أدرك ذلك بعد أن فوتها بالبيع بعد طيبها فذلك فوت قولًا واحدًا.
واختلف ما الذي يجب على المشتري الأول على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن عليه قيمتها يوم بدو صلاحها.
والثاني: أن عليه قيمتها يوم باعها وهو قول ابن الموَّاز.
[ ٧ / ٦٩ ]
والثالث: أنه يرد عدد المكيلة التي قبض منها المشتري الثاني، وهو قول مالك في "الموَّازية".
فإن عثر على ذلك بعد الجذاذ فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يجذها بسرًا؛ وإما أن يجذها رطبًا؛ وإما أن يجذها تمرًا.
فإن جذها بسرًا أو تمرًا فعليه قيمتها يوم جذها.
فإن جذها رطبًا فلا تخلو من أن تكون قائمة العين أو فائتة.
فإن كانت قائمة العين فلا تخلو من تكون العادة فيها أن تجذ رطبًا أو تترك إلى أن تيبس.
فإن جرت العادة بجذاذها رطبًا كان في غرم قيمتها قولان:
أحدهما: أن البائع يأخذها، وهذا القول مخرج غير منصوص عليه.
والثاني: أن يغرم قيمتها يوم جذها.
فإن كانت العادة أن تترك إلى أن تيبس فعليه القيمة قولًا واحدًا، وكذلك إذا فاتت الثمرة بعد الجذاذ فإنه يغرم قيمتها يوم الجذ قولًا واحدًا.
فإن جذها فإنه يرد المكيلة إن عرفت أو القيمة إن جهلت.
فأما الوجه الثاني: إذا أبهم الأمر فهل يحمل على الجذ فيجوز [أو] (١) يحيى على البقاء فلا يجوز؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن البيع إذا أطلق فيها ولم يشرط الجذ أو البقاء أنه يحمل على الجذ فيجوز حتى يشرط البقاء إلى الطياب وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب البيوع الفاسدة" في الذي اشترى ثمرًا فجذها قبل بدو
_________________
(١) في أ: أن.
[ ٧ / ٧٠ ]
صلاحها حيث قال: البيع جائز إذا لم يكن في البيع شرط أنه يتركها حتى يبدو صلاحها.
وظاهر هذا الكلام الجواز متى أطلق حتى يشترط، وإليه مال الأبهري وغيره.
والثاني: أنه على البقاء حتى يشترط الجذ وهو ظاهر قوله في "كتاب العرايا" من "المدونة" حيث قال: لا يجوز شراؤها قبل زهوها بعين ولا بعرض إلا على أن يجذها مكانه، وإليه ذهب القاضيان أبو محمَّد وأبو الحسن وغيرهما من المتأخرين.
وتأول الشيخ أبو محمَّد بن أبي زيد ما وقع في "كتاب البيوع الفاسدة" على أنه اشترط الجذ، وعليه اختصر هو وغيره، واستدلوا بقوله في "الكتاب": فجذها.
فوجه القول على الجذ حتى يقطع الشرط أن نفس العقد يقتضي التسليم عقيبه.
فإذا كان ذلك فالعقد يقتضي الجذ وإن لم يشترطا له إلا أن تكون عادتهم التبقية فيفسخ البيع بينهم لأن العرف كالشرط، وعلى ذلك حمل فضل بن سلمة البيع الفاسد [في] (١) مسألة البيع الفاسد أن العرف الجذ، فلذلك جاز إذا أطلق العقد.
ووجه القول الثاني: أن الإطلاق يحتمل الأمرين عدم العرف احتمالًا متساويًا فيغلب حكم التبقية على الجذاذ؛ لأن ذلك من باب تغليب الخطر على الإباحة. والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٧ / ٧١ ]
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
[ ٧ / ٧٣ ]