تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ست مسائل:
المسألة الأولى فيمن وجد مع امرأة في بيت واحد
والقذف: أصله الرمي إلى بعد؛ فكأنه رماه بما يبعد، ولا يصح. وقد سماه الله تعالى رميًا، فقال: ﴿وَالَذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية (١). وقال النبي - ﷺ -: "من رمى مسلمًا بغير ما فيه" (٢) الحديث.
فإذا ثبت ذلك، فلا يخلو من أن يدعيا الزوجية فيما بينهما أو لا.
فإن لم يدعيا الزوجية فيما بينهما، ولا ملكًا، ولا شبهة نكاح، فإنهما يحدان قولًا واحدًا.
وإن ادعيا النكاح بينهما، فلا يخلو من أن يكونا من أهل البلد أو يكونا طارئين.
فإن كانا من أهل البلد، فلا تقبل دعواهما إلا ببينة.
فإن أقاما بينة على النكاح، وإلا حدا، ولا إشكال في هذا الوجه.
فإن كانا طارئين فلا يخلو من [أن] (٣) يتصادقا على أن بينهما نكاحًا، أو ادعاه أحدهما دون الآخر.
فإن تصادقا على ثبوت النكاح بينهما، ولم يقم دليل على تكذيب دعواهما، فإنهما يصدقان قولًا واحدًا في المذهب، ولا يحد واحد منهما.
_________________
(١) سورة النور الآية (٤).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٨٨٣)، وحسنه الألباني رحمه الله تعالى.
(٣) سقط من أ.
[ ١٠ / ٩٧ ]
فإن ادعاه أحدهما، ولم يصدقه صاحبه؛ فإن ادعته المرأة لم يقبل قولها إلا بتصديق الزوج قولًا واحدًا، وإن كذبها فإنها تحد، ولا يلحق [به الولد] (١)، وهذا إذا [اعترفت] (٢) بالوطء [وادعت] (٣) أنه زوجها، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
فإن اعترف بوطئها أو وجد يطأها، وهي تنكر أن تكون زوجته، فلا خلاف في حَدِّها.
وهل يحد الزوج أم لا؟ فإن يتخرج على قولين:
أحدهما: أنه يحد، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنه لا يحد؛ لأنه أقر بوطء حلال، وكونها معه ممكنة له من الوطء شبهة تصديقه وتدرأ عنه الحد، وصارت كمدعية عليه حرامًا، وهو يدعي الحلال؛ فالقول قوله. وهذا إذا اعترف [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) في أ: بها الزوج.
(٢) في أ: اعترف.
(٣) في أ: وادعته.
(٤) زيادة من ب.
[ ١٠ / ٩٨ ]
المسألة الثانية فيمن وطأ وطئًا حرامًا بشبهة نكاح، هل يحد أم لا؟
مثل من تزوج خامسة أو أخته من النَّسَب أو رضاعة وما أشبه ذلك. هل يعذر بالجهل إن ادعاه أو لا يعذر؟.
ولا تخلو تلك المحرمة التي تزوجها من وجهين:
أحدهما: أن تكون محرمة لعينها.
والثاني: أن تكون محرمة لعلة.
فإن كانت محرمة لعينها مثل أمه، أو أخته من النسب، والرضاع، فإن تزوجه عالمًا بالتحريم، ووطئها فإنه يحد قولًا واحدًا.
فإن تزوجها وهو جاهل بالتحريم؛ فإنه يعذر [بالجهل] (١) ولا يُحَد.
فإن كانت محرمة لمعنى فيها، فلا يخلو من أن يكون تحريمها متفق عليه، أو يكون تحريمًا مختلفًا فيه.
فإن كان تحريمًا متفقًا عليه مثل نكاح الخامسة، ونكاح الأخت على الأخت، ونكاح المبتوتة [قبل] (٢) زوج إذا كان طلاقها مفترقًا ليس في كلمة واحدة، فإنه يعذر بالجهل قولًا واحدًا.
وهل يحد في العمد أم لا يحد؟ قولان:
أحدهما: أنه يحد، ولا يلحق به الولد. وهو قوله في "المدونة" في "كتاب القذف".
_________________
(١) في أ: بجهل.
(٢) في أ: تحت.
[ ١٠ / ٩٩ ]
والثاني: أنه لا يُحَد. وهو قوله في "كتاب ابن حبيب" فيمن تزوج أختًا على أخت عالمًا.
وكذا يجب في الخامسة؛ لأن العلة الموجبة لتحريم الوطء هو الجمع، فإذا زال الجمع حل الوطء والخامسة لو طلق أحد الأربعة حل نكاحها ووطئها، فأشبه تحريم الأخت على الأخت سواء كانت الآخرة بالنسب أو بالرضاع.
فإن كان تحريمها مختلفًا فيه كالنكاح في العدة، ونكاح المتعة، والجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، فإنه لا يحد، وإن كان عالمًا بالتحريم، والولد في ذلك لاحق، وهو نص قوله في "المدونة".
وفرق في "كتاب ابن حبيب" بين مطلقها ثلاثًا في كلمة واحدة فتزوجها قبل زوج، وهو عالم بتحريم ذلك، وبين من قال لها: أنت طالق البتة ثم تزوجها بعد علمه بتحريم ذلك، فقال: إنه يحد إذا تزوجها بعد قوله ثلاثًا إذا لم يعذر بجهل، ولا يحد عنده إذا تزوجها بعد طلاق البتة؛ لقوة الاختلاف عنده في البتة أنها واحدة، فضعف الحد في ذلك، وقواه في الثلاثة بضعف القول [في أنها] (١) غير لازمة، وإن العلماء مجمعون على إلزامه الثلاث إلا من لا يعتبر خلافه.
فرع
ولو وطيء أمة رجل، فقامت عليه البينة بذلك، وادعى أنه اشتراها من سيدها: فلا يخلو السيد من أن يصدقه على ذلك أو يكذبه.
فإن صدقه، فقولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يُحَد، وهو قول ابن القاسم؛ ودليله قول عمر -رضي
_________________
(١) في أ: فإنها.
[ ١٠ / ١٠٠ ]
الله عنه- في "الكتاب": أنه لما اعترفت له الزوجة أنها وهبتها له خلى سبيله.
والثاني: أنه يُحَد، ولا ينفعه اعتراف سيد الأمة، وهو قول أشهب؛ لأن البينة شهدت بالوطء، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب السرقة" في السارق إذا ادعى أن السرقة مال له وصدقه المسروق منه حيث قال: إنه يقطع.
فأما إن كَذَّبَه السّيد، وأنكر أن يكون قد باعها، فقال ابن القاسم في "الكتاب": يحلف السيد أني لم أبعها منك، ويحد الواطيء، فإن نكل حلف الواطيء. وهل يسقط عنه الحَد أم لا؟ على قولين:
أحدهما: سقوط الحَدِ عنه، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: وجوبه عليه، وهو قول أشهب.
وعلى القول بسقوط الحد، فإن الولد لاحق بالواطيء، وتكون أمه أم الولد له.
ولو أقام شاهدًا واحدًا على الشراء ما لحق به الولد، ولو وجب عليه الحد؛ لأن الشاهد واليمين إنما يقضي به في الأموال دون الحدود، والحمد لله وحده.
[ ١٠ / ١٠١ ]
المسألة الثالثة في العفو في القذف والقيام به
واختلف في القذف، هل تجوز فيه الشفاعة أم لا تجوز؟
ولا تخلو الشفاعة من أن تكون من المقذوف أو من غيره.
فإن كانت من غيره، فلا أعرف في المذهب نص خلاف أنه لا تقبل.
فإن كانت من المقذوف، فهل يجوز عفوه عن القاذف أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن العفو لا يجوز فيه جملة -بلغ الإِمام أم لا- وهو ظاهر رواية أشهب عن مالك في "العتبية"، وهو ظاهر "المدونة" من غير ما موضع منها قوله في "كتاب القذف" إذا ادعى المقذوف أن القاذف قذفه، وأقام بذلك بينة عند السلطان، ثم إن المقذوف قال للسلطان بعدما شهد شهوده أنهم شهدوا بزور حيث قال: هذا قد بلغ الإِمام، فلا ينظر في قوله؛ لأن الحد قد وجب، فهذا يريد إبطاله.
وقال في موضع آخر في الكتاب المذكور: وإذا قذف رجل رجلًا عند الإِمام بمحضر العدول، والمقذوف غائب فإنه يقيم عليه الحد.
فظاهر هذا كله أنه حق لله، فلا يجوز فيه العفو جملة.
والثاني: أنه يجوز فيه العفو جملة -بلغ الإِمام أم لا- وهو ظاهر قوله في "كتاب السرقة"، و"كتاب الرجم" من "المدونة"؛ لأنه قال: يجوز العفو، وإن بلغ الإِمام [وسكت] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ١٠ / ١٠٢ ]
والثالث: أنه يجوز العفو ما لم يبلغ الإِمام؛ فإنه إذا بلغ الإِمام، فلا يجوز فيه العفو، وإن أراد سترًا، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" في الذي زور بنيته بعد أن شهدوا له بالقذف عند السلطان حيث قال: لأنه حد قد بلغ الإِمام، وهو نص قوله في "كتاب الرجم" حيث قال: أجازه مالك مرة بعد بلوغ الإِمام، ثم رجع عنه. معناه أنه منع العفو بعد بلوغ الإِمام جملة -أراد سترًا أم لا.
والرابع: التفصيل بين أن يريد سترًا أو لا يريد سترًا؛ فإن أراد سترًا على نفسه جاز عفوه، وإن بلغ الإِمام، وإن لم يرد سترًا فلا يجوز عفوه بعد بلوغ الإِمام. وهو نص قوله في "كتاب القذف" من "المدونة".
ومعنى قوله: أراد سترًا مخافة أن يُشد على القاذف، ولم يعف عنه حقق ذلك عليه بإقامة البينة. وهذا أحد التآويل في ذلك.
وسبب الخلاف: هل القذف حق لله أو حق للمقذوف؟
فمن رأى أنه حق لله منع العفو فيه -بلغ الإِمام أو لم يبلغه- ومن رأى أنه حق للمقذوف جوز العفو جملة.
ومن جوز ما لم يبلغ الإِمام، أو جوز إذا أراد سترًا رأى أنه تعلق به حقان: حق الله تعالى، وحق المقذوف، ويترجح أيهما أقوى.
وعلى هذا المعنى اختلف، هل يجوز للأجنبي القيام به أو لا يجوز؟ وكذلك إذا عفى عنه المقذوف ثم [قام] (١) به، هل يمكن من ذلك أم لا، على قولين: ابن القاسم منعه، وأشهب مكنه.
وذلك يتخرج على الخلاف في حد القذف، هل هو حق لله تعالى أو حق للمقذوف؟ والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: قاد.
[ ١٠ / ١٠٣ ]
المسألة الرابعة في التعريض بالقذف، هل يوجب الحد كالتصريح به أو لا؟
وقد قال مالك ﵁ لا يجب الحد إلا في قذف، أو نفي، أو تعريض بَيِّن.
فالتصريح بالقذف لا خلاف في وجوب الحد فيه على ما قدمناه.
وأمَّا التعريض به فكالتصريح به على منصوص المذهب؛ فلا أحفظ في المذهب نص رواية أنه خلاف التصريح إلا ما يستقرأ من "كتاب اللعان" من "المدونة" إذا قال: وجدت مع امرأتي رجلًا في لحاف واحد، أو قال: وجدتها عريانة مع عريان، فقال ابن القاسم: لا يلزمه اللعان.
ومع أن هذا تعريض بين. وهذا ينحو إلى مذهب الشافعي الذي يقول: إن التعريض لا حَدَّ فيه.
فعلى هذا التخريج يجري في التعريض قولان:
أحدهما: ثبوت الحد. وهو نص "المدونة".
والثاني: أنه لا حد فيه. وهو ظاهر قوله في "كتاب اللعان" من "المدونة".
فإذا قلنا: إن التعريض يعد كالتصريح، فإذا قال لامرأته: زنيت وأنت مستكرهة، أو وأنت صبيه، أو زنيت وأنت نصرانية، أو أمة: فلا يخلو من أن تقوم له على ذلك بَيِّنة، أو لا تقوم له.
فإن لم تقم له على ما يَدَّعِيه من زناهن على تلك الحالة بينة، فإنه
[ ١٠ / ١٠٤ ]
يحد في الجميع، ويلاعن للزوجة.
فإن قامت له على ذلك بَيِّنة، فإنه يتخرج على ثلاثة أقوال:
أحدها: سقوط الحَدّ عنه في جميع ذلك، وهو قوله في المستكرهة في "المدونة"، وهو قول عبد الملك في النصرانية إذا قال لها: زنيت، وأنت نصرانية.
والثاني: وجوب الحَدّ على القاذف في الجميع، وهو نص "المدونة" في الصبية والنصرانية؛ لأن اسم الزنا لا يقع على ما فعل قبل البلوغ في الصبية، وقبل الإِسلام في النصرانية؛ لأن الإِسلام قد هدم ما كان قبله؛ وهو قوله في "كتاب محمَّد" في المستكرهة أيضًا؛ لأن الاستكراه لا حرج عليها فيه؛ فأشبه زنا الصبية.
والثالث: التفصيل بين المستكرهة وغيرها؛ فالمستكرهة لا حد عليه فيها بإقامة البَيِّنة، والصبية والنصرانية يحد فيهما، وإن أقام البَيِّنة، وهو نص "المدونة".
والأمة والعبد بمعزل عن جميع ما ذكرناه؛ لأنه أقام البَيِّنة على أنهما زنيا قبل العتق فلا حَدّ عليه؛ لأن ذلك يطلق عليه اسم الزنا، ويؤاخذان فيه، وإن لم يأت بالبينة على ذلك حد لهما، ولا خلاف في هذا الوجه.
وسبب الخلاف: [في ذلك] (١) ما تلحق فيه المعرفة، وما لا تلحق فيه؛ فمن رأى أن المعرفة تلحق في الجميع، قال بوجوب الحَدّ عليه، وإن أقام البَيِّنة؛ لأن ذلك لا يطلق عليه اسم الزنا، والمعرة تلحقهن من ذلك، والمستكرهة ينفي عنها الإكراه ذلك.
ومن رأى أن المعرة لا تلحق في الجميع قال: لا يحد؛ لأنه لم يقصد
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٠٥ ]
بذلك القذف وإنما قصد الإخبار، وقد أخبر عن الشيء على ما هو عليه.
ومن فرق بين المستكرهة، والصبية، والنصرانية رأى أن الإِسلام هدم ذلك عن النصرانية، والصبية لا [يلحق] (١) ذلك اسم الزنا عليها [إلا أن] (٢) المعرة تلحقها، لكونها توطأ مثلها، والمستكرهة لحق عليها اسم الزنا، وإنما سقط الحد عنها لأجل الإكراه. وأمَّا النفي فإنه يذكر في مسألة مفردة، والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: يحقق.
(٢) في أ: لأن.
[ ١٠ / ١٠٦ ]
المسألة الخامسة في الحدود هل تتداخل أم لا؟
ولا تخلو الحدود الواجبة من وجهين:
أحدهما: أن تتجانس.
والثاني: ألَّا تتجانس.
فإن كانت غير متجانسة كالقتل والجَلْد والقَطْع، فلا خلاف أنها تتداخل، ويجزيء القتل عن الجلد والقطع إلا القذف، فإنه يجلد ثم يقتل لحق المقذوف [أن يقال له: لولا صحة ما قذفك به لحد] (١).
فإن تجانست الحدود كالجلد، ولا يخلو الجلد من أن يتحد موجبه، أو يتعدد.
فإن اتحد موجبه كالزنا؛ مثل أن يزني مرارًا [يشرب مرارًا أو] (٢) يقذف مرارًا، ثم أخذ، أو يسرق مرارًا، ثم أخذ.
أمَّا الزنا، والشرب، والسرقة، فإن حُد حدًا واحدًا يجزيء عن كل زنا كان قبله، وعن كل شرب كان قبله، وقطع واحدًا عن كل سرقة كانت قبله، ولا خلاف في ذلك.
وأمَّا القذف، فيأتي الكلام عليه في أثناء المسألة على تفصيل لنا فيه.
فإن [تعدد] (٣) الموجب كالزنا، والسرقة، والقذف، والسرقة، والزنا، والقذف فإن الحدود هاهنا لا تتداخل؛ بل يقطع، ويجلد للزنا
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: تعدي.
[ ١٠ / ١٠٧ ]
وللقذف، وللإمام أن يفرق ذلك عليه، أو يجمعه على حسب ما يغلب على ظن الإِمام من الخوف عليه، ولا خلاف في ذلك في المذهب.
وأمَّا الشرب والقذف فحد واحد يجزيء عنهما جميعًا؛ لأنهما عن سبب واحد.
وأمَّا القذف فلا يخلو القاذف من أن يقذف واحدًا أو يقذف جماعة.
فإن قذف واحدًا ثم قام بحده، فلا خلاف أنه يحد له حدًا واحدًا قذفه مرة واحدة أو مرارًا.
فإن قذف جماعة فلا يخلو من أن يقذفهم في كلمة واحدة، أو في مجالس.
فإن قذفهم في كلمة واحدة، فلا يخلو من أن يقوموا في طلبه مجتمعين، أو مفترقين.
فإن قاموا في طلبه مجتمعين؛ فإنه يحد لهم حدًا واحدًا قولًا واحدًا في المذهب.
فإن قاموا في طلبه مفترقين، فالمذهب على قولين:
أحدهما؛ أنه يُحَدّ لهم حَدًا واحدًا. وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه يُحَدّ لكل واحد منهم حدًا كاملًا، وهو قول المغيرة [والمخزومي] (١).
وحكى ابن شعبان عن بعض أصحاب المذهب ما هو أغرب من هذا أن من قال لصاحبه: يا بن الزانيين، وأمه حرة مسلمة أنه يُحَدّ حَدَّين لحرمة الصحابي.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٠٨ ]
فإن قذفهم في مجالس، فلا يخلو من أن يقذف الثاني قبل الشروع في إقامة حَدّ الأول، أو بعد الشروع فيه.
فإن قذفه قبل الشروع فيه، فعلى التفصيل الذي قدمناه من أن يقوما في الطلب معًا، أو واحدًا بعد آخر.
فإن قذفه بعد الشروع في إقامة حد الأول، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يقذفه بعد أن مضى أقل الحد.
والثاني: أن يقذفه بعد أن مضى جُلّ الحد.
والثالث: أن يقذفه بعد أن مضى أكثر الحد.
فإن قذفه بعد أن ضرب أقل الحد مثل [الأسواط] (١) اليسيرة كالعشرة الأسواط على قول أشهب، أو أقل على قول ابن القاسم في "المدونة"؛ لأنه قال: فلما ضرب أسواطًا، وهي من أبنية القّلَّة، وهو قول عبد الملك، هل يبنى على ما مضى من الحد الأول أو يبتديء الحدين؟
فالمذهب على القولين:
أحدهما: أنه يبتدئ الحد عليه ثمانين. وهو قول ابن القاسم في "كتاب [القذف] (٢) " من "المدونة"، و"الموازية".
والثاني: أنه يبنى على ما مضى ويتمادى، ويجزئه لهما جميعًا. وهو قول عبد الملك، وأشهب.
فإن قذفه بعد ما مضى جل الحد كالنصف أو ما يقاربه في الكثرة، والقلة كالثلاثين والأربعين على قول عبد الملك؛ فقد نص أشهب، وعبد الملك على أنه يستأنف لهما الحَدّ، ولا يعتد بما مضى من
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: الرجم.
[ ١٠ / ١٠٩ ]
السِّياط، ولا شيء عليه من الحَدّ [الثاني] (١) عندهما. وأما ابن القاسم فلم أَرَ له في ذلك نصًا.
وأما إن قذفه بعد أن مضى أكثر الحد الأول، ولم يبق إلا اليسير مثل السّوط، أو الأسْواط على قول ابن القاسم، أو العشرة، أو الخمسة على قول محمَّد، فإنه يتم الأول، ويبتديء الثاني. وهو قول ابن القاسم، وأشهب، وعبد الملك، والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: الباقي.
[ ١٠ / ١١٠ ]
المسألة السادسة فيمن نفى رجلًا عن أبيه، أو عن قبيلته
ولا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يقطع نسبه من أبيه، أو من جده.
والثاني: أن يقطع نسبه من قبيلته.
فإن قطع نسبه من أحد أبويه مثل أن يقول: لست لأبيك، وأبوه مسلم، فإنه يُحَد، سواء كانت أمه حُرّة كتابية أو أمة، والابن حُر؛ لأنه حمل أباه على غير أمه، وصار قاذفًا لأبيه؛ فكأنه قال: زنا أبوك بامرأة أخرى، وهي التي ولدتك.
ولو كان الابن عبدًا، وأبوه حُرّ مسلم، فقد توقف فيه مالك في "الكتاب".
وأجاب فيه ابن القاسم بأنه يُحَدّ كما لو كان حُرًا.
ولو قال له: لست بابن فلان لجده من أبيه، وجده كافر يحد؛ لأنه قطع نسبه، وهو نص قول مالك في "الكتاب".
ولو قال له: لست لأمك هل يحد أم لا؟ فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: أنه لا حد عليه؛ لأنه لا يقطع نسبه إذا نسب من الأب، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه يُحَدّ؛ لأنه زنا الأب، وأن معنى الكلام أن غير أمك ولدتك زنا بها أبوك؛ فيصير قاذفًا لأبيه؛ لأنه حمل الأب على غير أمه، وهو قول في المسألة المتقدمة إذا قال له: لست لأبيك.
[ ١٠ / ١١١ ]
فلو نسبه إلى غير أبيه لصلبه؛ مثل أن يقول له: أنت ابن فلان -لجد من أبيه أو من أمه- فلا يحد؛ لأنهما يسميان آباء؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١)؛ فما نكح الجد للأم محرم نكاحه على ابن الابنة.
فأما إن قطع نسبه من قبيلته، فلا يخلو من خمسة أوجه:
أحدها: أن ينسب العربي إلى غير العربي.
والثاني: أن ينسبه إلى غير قبيلته.
والثالث: أن ينسبه من قبيلة مخصوصة إلى عموم الاسم؛ مثل أن تقول لقرشي: يا عربي.
والرابع: أن يقول لمن ليس بعربي من سائر أجناس الأمم: يا عربي.
والخامس: أن ينسب من ليس بعربي من سائر الأجناس إلى غير جنسه.
أما الوجه الأول والثاني: إذا قال لعربي: يا بربري أو قال لتميمي: يا قرشي أو لقرشي: يا مُفَرِي، فإنه يُحَدّ؛ لأنه قطع نسبه.
وأما الوجه الثالث: إذا قطع نسبه من قبيلة مخصوصة إلى عموم الاسم؛ مثل أن يقوم لقرشي أو لتميمي: يا عربي فإنه لا حَدّ عليه.
وقال في "الكتاب": لأن اسم العرب قد جمع اسم قريش وغيرها. ومعناه أنه إذا ذكر جنسًا عم به لم يُحَد؛ لأنه لم يقطع بذلك نسبه لدخوله في عموم هذا الاسم.
وإن كان جنسًا خص به [لا] (٢) يدخل فيه من نفي حد؛ لأنه قطع
_________________
(١) سورة النساء الآية (٢٢).
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ١١٢ ]
نسبه.
وأما الوجه الرابع: إذا نسب من ليس بعربي من سائر أجناس الأمم إلى العرب؛ مثل أن يقول لبربري أو لفارسي: يا عربي: فلا حَدّ عليه.
وأما الوجه الخامس: إذا نسب من ليس بعربي من سائر أجناس الأمم إلى غير جنسه؛ مثل أن يقول لبربري: يا فارسي، أو لفارسي: يا بربري، أو لبربري: يا رومي، أو لرومي: يا بربري أو يا فارسي أو يا حبشي: فهذا كله لا حَدّ فيه إلا في وجه واحد، فإن مالكًا اختلف فيه قوله، وهو إذا قال لبربري أو لرومي: يا فارسي، أو يا حبشي؛ فمرة قال: يحد، ومرة قال: لا يحد.
ويمكن أن يكون سبب اختلاف قول مالك في ذلك أنه يقع عنده تارة أن البربري، والرومي يحفظون أنسابهم، ويضبطونها كالعرب؛ فيحد من نفاه، وتارة رأى أنهم بخلاف العرب، وأنهم لا يحفظون أنسابهم، ولا يحافظون عليها، وهو الأصح منهم.
وأمَّا الموالي فلا تخلو من أن يقول للمولى: لست من موالي بني فلان، أو يقول له: لست من الموالي، أو يقول له: لست مولى.
فإن قال له: لست من موالي بني فلان، فإنه يحد؛ لأنه نفاه من أبيه وقطع نسبه.
ولو قال له: لست من الموالي جملة، وله أبي معتق، هل يُحَدُّ أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يُحَد، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب"؛ لأنه قطع نسبه من أبيه.
والثاني: أنه لا يُحَد، وهو قول أشهب.
[ ١٠ / ١١٣ ]
فإن قال له: لست مولى فلان، وفلان أعتقه دون أن يعتق أباه، فهل يُحَدُّ أم لا؟ فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: أنه يُحَد، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب"؛ لأنه ليس له أب معتق، فيقطع نسبه منه.
والثاني: أنه يحد؛ لأنه إذا قال: لست مولى فلان قطع ولاءه من فلان العتق، والولاء كالنسب، وهذا القول مخرج غير منصوص عليه. [والحمد لله وحده، تم كتاب القذف بحمد الله وحسن عونه].
[ ١٠ / ١١٤ ]
كتاب الجراحات
[ ١٠ / ١١٥ ]