تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها أربع عشرة مسألة.
المسألة الأولى في تقاسيم أنواع القسمة، وفي الحكم فيها إذا دعى [لها] (١) بعض الأشراك
والحكم بقسمة ما ينقسم إذا دعى [إلى] (٢) ذلك بعض الأشراك واجب، وبيع ما لا ينقسم وقسم ثمنه بينهما إذا دعى إلى الانفصال في ذلك بعضهم: لازم لا اختلاف بين أهل العلم في هذه الجملة، وإنما اختلفوا عند تفصيلها في تعيين ما ينقسم مما لا ينقسم، و[في] (٣) صفة القسم فيما ينقسم، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى، فنقول: القسمة تكون في شيئين:
أحدهما: رقاب الأموال.
والثاني: منافعها.
فأما قسمة الرقاب: فإنها تكون على ثلاثة أوجه: قسمة قرعة بعد تقويم وتعديل، وقسمة مراضاة بعد تقويم وتعديل، وقسمة مراضاة بغير تقويم ولا تعديل.
ولكل وجه من هذه الوجوه الثلاثة أحكام يختص بها دون ما سواها.
فأما قسمة القُرعة بعد التعديل والتقويم: فهي القسمة التي يوجبها
_________________
(١) في ب: إليها.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ب.
[ ٩ / ١٢٩ ]
الحكم، ويجبر عليها مَنْ أباها فيما ينقسم، ولا يصح إلا فيما تماثل أو تجانس من الأصول، والحيوان، والعروض لا فيما اختلف وتباين من ذلك، ولا شيء من المكيل، والموزون، ولا يجمع فيها [حظين أعني] (١) حظ اثنين في القسم، ويجب القيام فيها بالغبن إذا ثبت؛ لأن كل واحد منهم دخل على قيمة مقدرة ودرع معلومة، فإذا وجد نقصًا من ذلك وجب له الرجوع به.
وأما قسمة المراضاة بعد التقويم والتعديل: فتصح في الجنس الواحد، وفي الأجناس المختلفة المتباينة، وفي الكيل والموزون، إلا ما كان منه صنفًا واحدًا مدخرًا لا يجوز فيه التفاضل، وهذه المسألة أيضًا متى ظهر فيها غبن في درع، أو قيمة كان للمغبون الرجوع بذلك، للعلة التي قدمناها.
وكذلك الحكم في قسمة المراضاة والمهاباة بغير تعديل، ولا تقويم تجوز في الجنس الواحد، وفي الأجناس المختلفة، وفي المكيل كله، والموزون، إلا فيما يجوز فيه التفاضيل من الطعام، إلا أنه لا قيام فيها بالغبن لواحد منهم على صاحبه؛ لأنه لم يأخذ ما أخذ بعينه على أن يخرج فيما سواه من جميع حقه، سواء كان أقل منه أو أكثر كبيع المكايسة سواء.
وهذه القسمة على الوجهين الأولين اختلف فيها، هل هي تمييز حق، أو بيع من البيوع؟
فنص مالك في المدونة على أنها بيع من البيوع، وذهب سحنون إلى أنها تمييز حق، واضطرب قول ابن القاسم في ذلك على ما تقتضيه مسائله في المدونة وغيرها.
ووجه قول من قال: إنها تمييز حق: أنها غير موقوفة على اختيار
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ١٣٠ ]
المتقاسمين؛ بل قد تجوز فيها المخاطرة بالقرعة، وذلك ينافي البيع، فثبت أنها تمييز حق.
ووجه قول من قال: [إنها] (١) بيع من البيوع هو أن كل واحد من المتقاسمين عاوض صاحبه حصته بحصته، فملك حصة صاحبه من الجزء الذي [صار إليه بحصته عن الجزء الذي] (٢) خرج عنه، وهذه معاوضة محضة، والمعاوضة مبايعة.
والأظهر في قسمة القرعة أنها تمييز حق، وفي قسمة المراضاة بعد التقويم والتعديل: أنها بيع من البيوع.
وأما قسمة المراضاة بغير تعديل ولا تقويم: فلا خلاف أنها بيع من البيوع في جميع الأحكام كما ذكرناه.
فأما قسمة المنافع: فإنها لا تجوز بالشبهة على مذهب ابن القاسم، ولا يجبر عليها من أباها، ولا تكون إلا على المراضاة والمهاياة، وهي على وجهين:
أحدهما: أن [يتهاينا] (٣) بالأزمان.
والثاني: أن [يتهاينا] (٤) بالأعيان.
فأما التهاين بالأزمان: وهو أن يتفقا على أن يستغل أحدهما العبد، أو الدابة، أو يستخدم العبد، أو يركب الدابة، أو يسكن الدار، أو يحرث الأرض مدة من الزمان، والآخر مثلها أو أقل أو أكثر: فهذا يفترق فيه
_________________
(١) في أ: أنه.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: يتهايا.
(٤) في أ: يتهايا.
[ ٩ / ١٣١ ]
الاستغلال والاستخدام في العبد والركوب [في الدابة] (١) والسكنى في الدار، والإزراع في الأرض.
وأما التهاين على الاغتلال: فلا يجوز في المدة الكثيرة باتفاق، واختلف في المدة اليسيرة كاليوم ونحوه على قولين:
أحدهما: جواز ذلك في اليوم الواحد، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد".
والثاني: أنه لا يجوز [ذلك] (٢) في العبد والدابة، وإن كان ذلك يومًا واحدًا، وهو قول محمَّد في كتابه أيضًا.
وأما التهاين في الاستخدام: فاتفقوا على أن ذلك لا يجوز في المدة الكثيرة، واتفقوا على جوازها في الأيام اليسيرة، إلا أنهم اختلفوا في حدها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يجوز في مثل الخمسة أيام فأقل لا أكثر.
والثاني: أنه يجوز في الشهر، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المجموعة".
والثالث: أنه يجوز في أكثر من الشهر، وهو قول ابن القاسم.
وأما التهاين في الدُّور والأرضين: فيجوز فيها الشؤون المعلومة، والأجل البعيد ككرائها، قاله ابن القاسم في "المجموعة"، ووجه ذلك: أنها مأمونة، إلا أن التهاين إذا كان في أرض الزراعة، فلا يجوز إلا أن تكون مأمونة مما يجوز فيه النقد.
وأما التهاين في الأعيان بأن يستخدم هذا عبدًا، وهذا عبدًا، أو يسكن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ١٣٢ ]
هذا دارًا، وهذا دارًا، أو يزرع هذا أرضًا، وهذا أرضًا: ففي "المجموعة" عن ابن القاسم أن هذا يجوز في سكنى الدار، وزراعة الأرض، ولا يجوز في الغلة، والكراء، ولا على قياس التهاين بالأزمان فيسهل في اليوم الواحد، على أحد قولي مالك، ولا يجوز في أكثر من ذلك باتفاق؛ لأنه غرر ومخاطرة.
وكذلك استخدام العبد، والدواب يجري على الخلاف المتقدم في التهاين بالأزمان.
وقسمة المهاناة -تُقَال بالنون- لأن كل واحد منهما [هنأ صاحبه ما أراده. ويقال بالباء أيضًا؛ لأن كل واحد منهما] (١) وهب لصاحبه الاستمتاع بحقه في ذلك الشيء مدة معلومة، ويقال: بالياء تحته ثنتين؛ لأن كل واحد منهما هيأ لصاحبه ما [طلب] (٢) منه [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: طاب.
(٣) زيادة من ب.
[ ٩ / ١٣٣ ]
المسألة الثانية إذا اقتسما دارًا على أن رقبة الطريق لأحدهما، وللآخر فيه الممر، واقتسما على أن يأخذ أحدهما الغرف، والآخر السفل
وأما اقتسام [الدار] (١) فأخذ هذا طائفة، وهذا طائفة على أن لأحدهما رقبة الطريقة، وللآخر فيه الممر: فلا يخلو من أن تكون قسمتها على المراضاة، أو بالسهمة، فإن اقتسما على المراضاة: جازت القسمة، قولًا واحدًا.
وإن اقتسما بالسهم، فهل يجوز ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين متأولين على المدونة:
أحدهما: أنها لا تجوز إلا على المراضاة، وهو قول سحنون، وعليه حمل جواب ابن القاسم في "الكتاب" حيث أطلق الجواز.
والثاني: أنها جائزة بالقرعة والمراضاة، وهذا تأويل أبي عمران الفاسي [﵀] (٢).
ووجه قول سحنون أنها على المراضاة لا بالقرعة: لما يجب قبل القسمة من إخراج الطريق، ورفعها من الوسط فعند ذلك يقسمون ما بقى من سائر [الدار] (٣).
_________________
(١) في أ: الطريق.
(٢) زيادة من ب.
(٣) في أ: الدواب.
[ ٩ / ١٣٤ ]
ووجه قول أبي عمران: أنه قد لا يحتاج إلى إخراج الطريق [في] (١) قسمة كل دار لإحاطة الطريق ببعضها، فحيث يخرج نصيبه يخرج بابه لما يليه من المحجة، وقد يضطرون إلى خروجهم النصيبين علي باب الدّار نفسها، ولا يقسم الباب، فتقوم رقبته في أحد النصيبين على أن الممر للآخر، وكذلك قسمة [العُلوي] (٢) والسُّفلي أطلق ابن القاسم جوازهما في "الكتاب" ولم يبين هل ذلك بالقرعة أو بالتراضي؛ فأما قسمتها بالتراضي: فإنها جائزة، قولًا واحدًا، وأما بالقرعة: فعلى قولين:
أحدهما: الجواز، وهو مذهب أكثر الأصحاب، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"، وتباين الأغراض فيما بين العلوي والسفلي أهون وأخف من تباينهما فيما بين الجيد والرديء، وقد جوزه ابن القاسم في الأرض.
والثاني: المنع، وهو قول عبد الملك بن الماجشون، ومثله في "كتاب ابن شعبان" كجمع السلعتين المختلفتين في القسم؛ إذ لا حاجة للعُلوي في السُّفلي، وإنما هو مرتفق كالساحة مع البيوت.
_________________
(١) في أ: و.
(٢) في ب: العلي.
[ ٩ / ١٣٥ ]
المسألة الثالثة في قسمة الرِّياع والعقار، وما يجمع منها في القسم وما لا يجمع
واتفق أهل العلم على جواز قسمتها بالتراضي وبالقرعة إذا عدلت بالقيمة، واتفقوا على ذلك اتفاقًا مجملًا.
واتفقوا أيضًا أنه لا يجمع في قسمة القرعة الدور مع الحوائط، ولا الحوائط مع الأرضين، ولا الدور مع [الأرضين. وإنما يقسم كل شيء من ذلك على حدة، ويضم بعضها إلى بعض على شروط نصفها إن شاء الله تعالى بعد] (١) تقسيم وتفصيل في أنواع التركة وأجناسها، فنقول: لا تخلو التركة من ثمانية أوجه:
أحدها: أن تكون دورًا، أو دارًا.
والثاني: أن تكون أرضًا، أو أرضين.
والثالث: أن تكون جنة، أو بساتين.
والرابع: أن تكون حيوانًا.
والخامس: أن تكون عروضًا.
والسادس: أن تكون مكيلًا أو موزونًا.
[والسابع: أن تكون مكيلًا أو موزونًا من النقدين] (٢).
والثامن: أن تكون التركة اشتملت على جميع ذلك.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ١٣٦ ]
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانت التركة دورًا: فلا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يتباعد موضعها، ويختلف فيها في الرغبة والتشاحح.
والثاني: أن تتقارب مواضعها، وتتفق فيها الرغبة والنفاق.
والثالث: أن تتباعد مع [اتحاد] (١) الرغبة [أو تتقارب مع اختلاف الرغبة] (٢).
فإن تباعدت المواضع، واختلفت فيه الرغبة والنفاق: فلا تجمع في القسم، قولًا واحدًا، وتُقَسَّم كل دار على حِدَة؛ لأن جمعها في القسم مع تباعدها وتباينها في الرغبة خطر، وذلك محظور في القسمة؛ لأن القسمة في نفسها خطر إذا وقعت على ما هو معتدل متساوٍ، فكيف إذا وقعت على ما هو مختلف متباين، وهذا كله في قسمة القُرعة.
وأما قسمة التراضي: فتجوز؛ إذ لا غرر فيه.
فإن تقاربت المواضع، وتساوت فيه الرغبة والتشاحح: فلا تخلو من أن تكون كلها جديدة، أو كلها قديمة، أو بعضها جديد، وبعضها رثيث.
فإن كانت كلها جديدة، أو كلها قديمة: فلا خلاف في المذهب أنها تجمع في القسمة.
فإن كان بعضها جديد، وبعضها رثيث، فهل تجمع في القسم أم لا؟ فإنه يتخرج على قولين:
أحدهما: أنه يجمع بينهما في القسم، وإن كان بينهما تفاوت يسير؛ مثل أن تكون قيمة أحدهما مائة، والأخرى تسعون، فلا بأس أن يقترعا
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ١٣٧ ]
على أن من صارت إليه التي قيمتها مائة أعطى لصاحبه [خمسة] (١) دنانير؛ لأن هذا مما لابد منه، ولا يتفق في الغالب أن تكون قيمة الدارين سواء، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "الكتاب" في العُلوي والسُّفلي.
والثاني: أن ذلك لا يجوز، وتُقَسَّم كل دار على حِدَة؛ لأنها كالأصناف المختلفة، وهو قول عبد الملك في العُلوي والسُّفلي.
وهذا كله إذا كان [كل] (٢) نوع منها لا يحتمل القسم.
وأما إذا كان الجديد ذوات عدد، والقديم ذوات عدد قسم الجديد بانفراده، والقديم بانفراده: فإن تقاربت [المواضع] (٣) واختلفت الرغبة، أو تباعدت المواضع، واتفقت الرغبة، والتشاحح، هل يجمع في القسم أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجمع في القسم بحال، وتُقَسَّم كل دار على حِدَة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنها تجمع في القسم، وهو قول أشهب في مدونته إذا كانت متقاربة [في] (٤) نَمَطٍ واحد، وبعضها أكرم من بعض.
والثالث: التفصيل بين أن تكون كل دار تحتمل القسم بانفرادها فلا يجمع بينهما، وبين أن تكون كل دار لا تحتمل القسم، فيجمع بينهما في القسم، وهذا القول متأول على المدونة.
وحد القرب فيما بين الدور: الميلين والثلاثة، وحد الكثير البعيد: اليوم واليومين.
_________________
(١) في أ: عشرة، والصواب ما أثبتناه من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: المنافع.
(٤) في أ: من.
[ ٩ / ١٣٨ ]
وأما الدار الواحدة، أو الأرض الواحدة المتصلة، فإن احتمل القسمة حتى يصير لكل واحد من الورثة ما ينتفع به: قسم بينهم إذا دعا إلى القسمة بعضهم، فإن كانت الدار أو الأرض لا تنقسم إلا على ضرر، فهل يقسم بينهم إذا دعا إلى القسمة بعضهم، ويجبر عليها من أباها أم لا؟ على ستة أقوال:
أحدها: أنها تُقَسَّم بينهم، وإن لم يَصِر في نصيب كل واحد منهم إلا قدر قدم وما لا [له] (١) منفعة فيه، وهو قول مالك في المدونة، وتلا [في ذلك] (٢) قوله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (٣)، ولم يتابعه على ذلك أحد من أصحابه إلا ابن كنانة.
والثاني: أنه لا يقسم بينهم إلا أن يصير لكل واحد [منهم] (٤) ما ينتفع به في وجه من وجوه المنافع، وإن قلَّ نصيب أحدهم حتى لا يصير له بالقسمة إلا ما لا منفعة له فيه في وجه من الوجوه: فلا تقسم، وهو قول ابن الماجشون.
والثالث: أنها لا تقسم إلا أن تقسم من غير ضرر، ويصير لكل واحد منهم موضع ينفرد به، وينتفع بسكناه من غير اعتبار بنقصان الثمن، وإنما يراعى ذلك في العروض، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والرابع: أنه إن صار في [نصيب] (٥) [كل] (٦) واحد منهم ما ينتفع
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سورة النساء الآية (٧).
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: حظ.
(٦) سقط من ب.
[ ٩ / ١٣٩ ]
به [قسم بينهم، وإن لم يصر لكل واحدٍ ما ينتفع به] (١) دعا إلى ذلك صاحب النصيب القليل الذي لا يصير له في نصيبه ما ينتفع به، أو صاحب النصيب الكثير الذي يصير له في حظه ما ينتفع به، وهو قول مطرف.
والخامس: أنها لا تقسم إلا أن يدعو إلى ذلك صاحب النصيب القليل.
والسادس: أنها لا تقسم إذا دعا إلى ذلك صاحب النصيب الكثير.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كانت التركة أرضين: فعلى التفصيل والتحصيل الذي قدمناه في قسمة الدور حرفًا حرفًا، والخلاف الذي فيه إذا تقاربت المواضع، واختلفت الرغبة، أو تباعدت المواضع، واتفقت الرغبة: داخل فيه، ولا نُطَوِّلُ بالتكرار.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا كانت جنة، وبساتين فلا تخلو من وجهين: إما أن تكون جنسًا واحدًا، أو أجناسًا.
فإن كان جنسًا: فلا يخلو من أن يكون حائطًا، أو حوائط، فإن كان حائطًا واحدًا كالنخيل كلها أو الاعناب كلها، والزيتون كله، أو الفواكه كلها: فإنه يقسم بين الورثة إن كان الجنان تحتمل القسمة حتى يصير لكل واحد منهم ما ينتفع به.
فإن كان حوائط: فلا تخلو من الأقسام التي قدمناها أولًا، إما أن تكون متقاربة، واتحدت فيها الأغراض، وإما أن تكون متباعدة، والأغراض فيها مختلفة، وإما أن تختلف فيها الأغراض، وتقاربت المواضع.
فإن تقاربت المواضع، واتحدت فيها الأغراض: فإنها تجمع في القسم
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ١٤٠ ]
قولًا واحدًا.
وإن تباعدت المواضع، واختلفت الأغراض: فلا يجمع في القسم بالقرعة، قولًا واحدًا.
وإن تقاربت المواضع واختلفت الرغبة، أو تباعدت المواضع، واتفقت الرغبة: فالمذهب على ثلاثة أقوال، وقد قدمناها في قِسْمَة الدّور.
فإن كانت أجناسًا؛ كجنات من نخيل، وأعناب، وزيتون، وفواكه: فهذه الأربعة الأصناف لا خلاف أنها تجمع في القسم في قسمة التراضي بغير قرعة، وهل تجمع في قسمة القرعة بالتراضي دون جبر أم لا؟ على قولين:
أحدهما: [المنع] (١)، وهو مشهور المذهب، وهو أحد قولي ابن القاسم؛ لأن دخول القرعة في [القسمة] (٢) [ينفي] (٣) الاختيار.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو مذهب أشهب، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في مسألة النخلة والزيتونة، والفواكه كلها نوع واحد؛ كالرمان، والخوخ، والتفاح، والأترج، والكمثري، جميع أنواع الفواكه صنف واحد.
فإن كان لكل نوع منها جنان على حدة كالرمان جنان على حدة، والتفاح جنان على حدة، والخوخ جنان على حدة، فإنه يقسم كل نوع منه على حدة، وكل جنان على حِدَة بالقيمة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: القرعة.
(٣) في ب: به في.
[ ٩ / ١٤١ ]
وإن اختلطت كلها في جنة واحدة، فإنها تُقَسَّم كلها مجتمعة بالقيمة؛ كالحائط فيه البرني، والصماني، والجعروري، على ما سنبين صفة القسم فيه إن شاء الله.
ويراعى في الجميع في القسمة البَعْلِي، والسقى، واختلاف أنواع السقى من [العيون] (١) والآبار، فنقول: لا تخلو الأرض من ستة أوجه:
أحدها: أن تكون بعلًا لا سقي لها، وإما أن تسقيها العيون، وإما أن يسقيها بالقرب، وإما أن تسقى إحداهما بالبَعْل، والأخرى بالعين، وإما بعلًا، وذوات بئر، وإما ذوات عين، وذوات بئر؛ فيجمع البَعْلِي إلى البَعْلِي والعيني إلى العيني مع تساوي العينين في الغزر [وذوات البئر مع ذوات البئر مع تساوى البئرين في الغزر] (٢)، ولا خلاف في ذلك على الشروط التي قدمناها.
وأما البَعْلِي مع السقي: فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز الجمع بينهما في القرعة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، وهو قول أشهب أيضًا.
والثاني: أنه يجوز جمع البَعْلِي مع ذوات العين إذا تشابها في الكرم، والجودة، وهي رواية ابن وهب عن مالك.
والثالث: أنه يقسم البعل مع العيون، ولا يقسم مع النضح إلا برضا أهله، وهو قول محمَّد بن مسلمة، ولا وجه لقوله؛ بل البَعْل مع النضح أقرب من البَعْل مع [العين] (٣).
_________________
(١) في أ: العين.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: العينين.
[ ٩ / ١٤٢ ]
والجواب عن الوجه الرابع والخامس: إذا كانت حيوانًا، أو عروضًا فقسمتها على التراضي من غير سهمة جائزة باتفاق [العلماء] (١) وأما قسمتها بالسَّهْم والتعديل: ففي المذهب فيها قولان:
أحدهما: أنها لا تجوز قسمتها بالقرعة، جملة بلا تفصيل، وأنها تباع، ويقسم الثمن بينهم، وهو قول ابن الماجشون في سماع يحيى.
والثاني: جواز القسمة بالقرعة في الصنف الواحد منهما، وهو مشهور مذهب مالك، ولا يجوز في الصنفين المختلفين، وفي تمييز الصنف الواحد من الصنفين في ذلك اختلاف بين أصحاب مالك؛ أما أشهب فأجرى القسمة في ذلك مجرى البيع، وحملها عليه، فقال: ما جاز سلم بعضه في بعض [فلا يجوز] (٢) جمعه في القسمة بالسهمة، وما لم يجز سلم بعضه في بعض: فجائز جمعه في القسمة بالسهمة.
وأما ابن القاسم: فقد اضطرب قوله في "الكتاب"، ولم يجر مذهبه في ذلك على قياس؛ لأنه جعل القسمة في بعض المواضع أخف من البيع؛ فأجاز القسمة [بالسهمة] (٣) فيما يجوز سلم بعضه في بعض، وذلك قوله في البزِّ: أنها تجمع في القسمة، والبز أصناف كثيرة في البيع يجوز سلم بعضها في بعض، وجعلها في بعض المواضع أشد من البيع، فمنع من القسمة بالسهمة فيما هو عنده في البيع صنف واحد لا يجوز أن يسلم بعضه في بعض، وهو قوله في "المدونة": تقسم الخيل على حِدَة، والبراذين على حِدَة، والبغال على حدة، والحمير على حدة إذا كان في كل صنف منها ما يحتمل القسم، فيكون ذلك مثل ظاهر قوله في البز في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: فجائز.
(٣) سقط من ب.
[ ٩ / ١٤٣ ]
أحد الموضعين من "المدونة"، ومثل قول عيسى بن دينار في قسمة الأرض الدنيئة والكريمة: أنها تُقَسَّم كل واحدة على حِدَة إذا كانت تحتمل القسم، فإن كانت لا تحتمل جمعت وقسمت بالقيمة، ولا ينظر إلى مساحة ما يصح لكل واحد منهم من الأرض؛ ولهذا قال في كتاب الوصايا: فإن صار لهذا مبذر خمسة أمد من كرم الأرض، وللآخر مبذر أربعين مديًا من رداء الأرض: قسمت بالقرعة.
فيتحصل من مذهبه على هذا التأويل في الحبوب ثلاثة أقوال، وفي العروض والبز وغيره: أربعة أقوال:
أحدها: تجمع الخيل والبراذين، والبغال، والحمير، والبزور على اختلاف أنواعه، وإن كان كل صنف منها يحتمل أن يقسم على حدة.
والثاني: أنه لا يجمع في القسم بحال، وإن كان كل صنف منها لا يحتمل القسم إلا بإضافته إلى غيره.
والثالث: التفصيل بين أن يكون كل صنف منها يحتمل القسم أو لا؛ فإن كان كل صنف [منها] (١) يحتمل القسم: [لم يجمع] (٢) كان كان كل صنف منها لا يحتمل القسم: [جمع] (٣) في القسم.
والقول الرابع في البز: بالتفصيل بين ما تقارب وتشاكل فيجمع في القسم، وما تباين [وتغاير] (٤): فلا يجمع في القسم، وهو قول ابن حبيب، فجعل الخز والحرير صنفًا، والقطن والكتان صنفًا، والصوف
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: جمع.
(٣) في أ: لم يجمع.
(٤) في ب: وتباعد.
[ ٩ / ١٤٤ ]
["والمُدَعَّر" (١)] (٢) صنفًا، والقز، وإن اختلفت أجناسها صنفًا.
وأما ما هو فرد من ذلك، أو ما هو زوج منه لا يستغني أحدهما عن صاحبه كالخفين، والبابين، والقرارتين أو ما هو فرد كالثوب الواحد، والخيل [والبغل] (٣) والبعير الواحد، فلا يقسم بين الشريكين، قولًا واحدًا إلا بالتراضي؛ لأن قسمة ذلك فساده.
والجواب عن الوجه السادس: إذا كانت مكيلًا أو موزونًا من المأكول وغيره من العروض: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون صنفًا واحدًا.
والثاني: أن يكون صنفين.
فإن كان صنفًا واحدًا: فلا يخلو من أن يكون صبرة واحدة، أو صبرتين.
فإن كان صبرة واحدة: فلا خلاف في وجوب قيمته على الاعتدال في الكيل، أو الوزن، أو على التفصيل البين، كان ذلك مما يجوز فيه التفاضل أو من الطعام المدخر الذي لا يجوز فيه التفاضل.
ويجوز ذلك كله بالكيل المعلوم والمجهول، وبالصنجة المعلومة والمجهولة.
ولا خلاف أيضًا: أن قسمته جزافًا بغير كيل، ولا وزن، ولا تحرٍ لا يجوز؛ لأن ذلك غرر ومخاطرة.
فإن كان من الطعام المدخر: دخله أيضًا عدم المماثلة.
_________________
(١) المُدَّعر: اللون القبيح من جميع الحيوان.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
[ ٩ / ١٤٥ ]
وأما قسمته تحريًا لا يجوز في المكيل، ويجوز في الموزون.
فأما إن كان صبرتين فزائد: فلا يخلو من أن يكون مما يجوز فيه التفاضل، أو مما لا يجوز التفاضل.
فإن كان مما لا يجوز فيه التفاضل مثل محمولة وسمرًا، وقمح، وشعير، ونقي، ومغلوت: فلا تجوز قسمته إلا على الاعتدال في الكيل بالكيل المعروف فيما يُكال، وعلى الاعتدال [في الوزن] (١) بالصنجة المعروفة [فيما يوزن] (٢)؛ لأنهما إذا اقتسما القمح، والشعير [بالمكيال] (٣) المجهول، فأخذ أحدهما القمح، وأخذ الآخر الشعير: لم يجز، وإن اعتدلا في الكيل.
وإن اقتسما الزائد من القمح على الشعير، أو الشعير على القمح بينهما نصفين إن وجدا في أحدهما زيادة على الآخر؛ لأن ما كان من القمح مساويًا للشعير في الكيل قد بادل كل واحد منهما صاحبه في نصفه بالمكيال المجهول.
ولا تجوز مبادلة القمح بالشعير بالمكيال المجهول، كما لا يجوز بيع أحدهما بالمكيال المجهول؛ لأن ذلك غرر؛ إذ لا يدري ما يقع المكيال المجهول من المعلوم؛ لأن الذي أخذ الشعير يقول: لو علمت أنه يبلغ هذا العدد لم أرض أن آخد الشعير وأعطيه القمح.
ولو اقتسما القمح على حدة، والشعير على حدة لجاز بالمكيال المجهول، على ما تقدم في قسم الصبرة الواحدة.
وأما إن كان مما يجوز فيه التفاضل مثل ما لا يدخر من الأطعمة، ومثل
_________________
(١) في أ: بالوزن.
(٢) في ب: بينهما.
(٣) في ب: بالمكيل.
[ ٩ / ١٤٦ ]
الحناء، والعصفر، وشبه ذلك: فتجوز قسمته على الاعتدال، والتفاضل البين بالمكيال المعلوم، والصنجة المعروفة، ولا يجوز بالمكيال المجهول، ولا بالصنجة المجهولة؛ لأن ذلك غرر، على ما بيناه في الصبرتين من جنس واحد لا يجوز [فيه] (١) التفاضل مثل القمح والشعير.
وإذا اقتسمت كل صبرة على حدة: جازت قسمتها بالمكيال المجهول كما يجوز بالمكيال المعلوم؛ لأن قسمة الصبرة الواحدة على الكيل تمييز حق، وليس ببيع.
وأما إذا كان صنفين كالقمح، والشعير، أو التمر، والزبيب، أو القمح والزبيب: فلا خلاف في جواز قسمته على الاعتدال في الكيل والوزن، ولا غير الاعتدال إذا تبين الفضل [لجواز التفاضل] (٢) بين الجنسين، ولا يجوز ذلك إلا [بالمكيال] (٣) المعلوم أو الصنجة المعلومة.
وأما في واجب الحكم فلا يقسم كل صنف إلا على حدته، وإذا قسم كل صنف على حدته جاز ذلك بالمكيال المعلوم، والمجهول حسب ما مضى بيانه.
ولا تجوز القرعة في شيء مما يكال [أو يوزن] (٤)؛ لأن القرعة لا تطيب لأنفس المتقاسمين، وليس بعد الكيل، والوزن في النفوس ريب.
والجواب عن الوجه السابع: إذا كان موزونًا من النقدين مثل أن تكون التركة ذهبًا أو فضة، أو بعضها حلي -ذهب أو فضة- ولا يخلو من أن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: بالكيل.
(٤) سقط من أ.
[ ٩ / ١٤٧ ]
يكون الذهب والفضة خالصًا غير مربوط بغيره، أو يكون مربوطًا، ربط صياغة مرصعًا غير منظوم.
فإن كان الذهب والفضة خالصًا غير مركب على غيره: فإنه يقسم بين الورثة بالوزن، فإن تساوت قيمته [والوزن] (١) جازت قسمته بالقرعة.
وإن تتساوى في الوزن واختلفت قيمته: فلا تجوز فيه القسمة بالقرعة، ولا ينظر إلى اختلافه في الجودة إذا تساوى في الوزن.
وأما إن كان الحلي مربوطًا مرصعًا بالجواهر والياقوت، أو كانت سيوفًا محلاة بالفضة: فلا يخلو ما فيه من الذهب والفضة من أن يكون تبعًا أو متبوعًا؛ فإن كان تبعًا مثل الثلث فأدنى: فله حكم العروض في البيع، والقسمة على ما قاله ابن القاسم في "كتاب [الصرف] (٢) "، وفي "كتاب القسمة" من "المدونة".
فإن كانت متبوعًا: فله حكم الذهب والفضة في البيع والقسمة، ولا يقسم إلا وزنًا، ولا تجوز قسمتها بالقيمة.
فإن كان ما في التركة من الذهب والفضة لا يحتمل القسمة: فإن الورثة بالخيار إن شاؤوا أن يسلموه لبعضهم بوزنه، وإن شاؤوا فليبيعوه ويقسموا ثمنه، أو يضيفوه إلى بقية [التركة] (٣).
والجواب عن الوجه الثامن: إذا اشتملت الشركة على جميع ما ذكرناه من الأنواع، والأصناف: فإنك تنظر، فإن كان كل صنف منها يحتمل القسم: عمل فيه على ما تقدم.
وما لا يحتمل القسم فيه: يكون فيه الخيار للورثة؛ إما يتراضون على
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: الحركة.
[ ٩ / ١٤٨ ]
قسمته بلا قرعة، وإما يبيعوه ويقتسموا الثمن [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ٩ / ١٤٩ ]
المسألة الرابعة في القسمة على الغائب في الرِّياع
ولا خلاف عندنا في المذهب أنه يقضي على الغائب في غير الرياع -قربت غيبته أو بعدت- وأما الرياع: فلا تخلو من أن تكون غيبته غيبة انقطاع، أو غيبة ارتجاع؛ فإن كانت غيبة ارتجاع؛ مثل أن يغيب في البلاد التي يسافر الناس إليها، ويقدمون، فهل يحكم عليه السلطان في غيبته أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنه يقضي عليه بما ادَّعَى به عليه [وهو قول عبد الملك، وهو ظاهر قوله في كتاب النكاح الثاني وغيره.
والثاني: أنه لا يقضي عليه] (١) في غيبته، وأن السلطان يكتب إليه إما أن يقدم أو يوكل، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
وأما البعيد الغيبة [المنقطع] (٢) كالأندلس، وطنجة من المدينة: فهذا يقضي عليه في الرياع، قولًا واحدًا، ويكون على حجته إذا قدم، ولا ينبغي للقاضي أن يقيم للغائب أو للطفل وكيلًا يقوم بحجته.
وهذا كله إذا ادعى على الغائب في ريعه.
وأما إذا طلب بعض أشراكه القسمة في ريع بينه، وبين الغائب: فإن القاضي يمكنه من القسمة، ويقضي بها على الغائب، قولًا واحدًا في المذهب فيما علمت؛ لأن الغائب مُقر بالشركة في الشيء المقسوم؛ ولذلك
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ١٥٠ ]
جوز القسمة [عليه] (١) وهو منكر بدعوى من ادعى الملك عليه، فلذلك منع [القضاء] (٢) عليه في الريع في أحد الأقوال.
والفرق بين الرياع وغيرها في جواز القضاء على الغائب: أن الرِّياع أمره خطر، والتنافس فيه يكثر، فقد لا يصادف الإنسان دارًا أو جنانًا يشتريه على وفق مراده لقلة وجود ذلك، ووقوعه في النداء في كل وقت؛ إذ ليس [للرِّياع] (٣) سوق يُنتحى [ويُقصد] (٤) عند [طلب] (٥) الشراء، فإذا فوت الإنسان ريعًا، فقليل ما يخلفه بمثله، وما عدا الرِّيع من جميع المتمولات على اختلاف أنواعها، فإن لها أسواقًا يجتمع منها فيها ما هو مثل ما فوت عليه أو أفضل منه.
وعلى القول بأنه يقضي على الغائب -إما [في] (٦) ما عدا الرِّيع بالاتفاق، وإما [في] (٧) الرِّياع على قول عبد الملك، وأصبغ، وابن عبد الحكم، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الشفعة" حيث قال: ويباع ريعه في الدين، وتكون فيه الشفعة- فهل يمكن من حجته إذا قدم أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يبقى على حجته إذا قدم، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنه لا حجة له إذا قدم؛ لأنه إنما يقضي عليه بعد التلوّم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: الفضل.
(٣) في ب: للريع.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٩ / ١٥١ ]
والاستبيان، وهو قول سحنون.
وعلى القول بأنه على حجته إذا قدم: فإنه يعرف بمن شهد عليه، فإن كان عنده ما يدفع به شهادة الشهود عن نفسه؛ مثل أن يثبت أنهم عبيد، أو على غير الإِسلام.
فالحكم بالقضاء عليه مردود، قولًا واحدًا في المذهب، وهو قول مالك في "كتاب الرجم" إذا صح فيما [إذا] (١) شهدوا على مال ثم تبين أن أحدهما عبد، فنكل الطالب عن اليمين مع الشاهد الباقي فحلف المطلوب: أن الحكم يرد.
وأما إن جرحهم بأمر ينافي العدالة، وهم أحرار مسلمون كالزنا وشرب الخمر أو بأمر يوجد مع العدالة كالعداوة في غير حق الله، فهل ينتقض الحكم بذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الحكم لا يرد، ويكون البيع نافذًا، وهو قول عبد الملك في "كتاب ابن حبيب": فإن قدم الغائب، فأقام بينة على البراءة من الحق الذي [قضى] (٢) عليه به، وبيع فيه ريعه لمضى البيع لمبتاعه، ولا ينتقض، ويكون للقادم الرجوع على المقضي له بما أخذ من الثمن، وهو قول مالك وأصحابه في "الموازية" وهو قول أصبغ في "الواضحة"؛ لأن ذلك حكم قد مضى على وجه شبهة، ولا فرق في ذلك بين الرياع وغيره في جميع ما بيع عليه من ماله ثم قدم وأثبت البراءة من ذلك أن البيع يمضي ويكون حقه في الثمن. والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: يقضي.
[ ٩ / ١٥٢ ]
المسألة الخامسة في قسمة الأصول بالثمار والأرض بما فيها من زرع
والكلام في هذه المسألة في هذين السؤالين.
فالجواب عن السؤال الأول: في قسمة الأصول بالثمار: ولا تخلو الثمار المتصلة بتلك الأصول من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون الثمار غير مأبورة.
والثاني: أن تكون مأبورة.
والثالث: أن تكون مزهية.
فأما إذا كان ما فيها من الثمار غير مأبور: فلا يخلو من أن يقتسما على أن تبقى لأربابها، أو على أن تدخل في المقاسمة.
فإن اقتسما على أن تبقى الثمار لأربابها، فهل يجوز ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن القسمة لا تجوز جملة، وهو قول ابن القاسم؛ لأن استثنائها في البيع لا يجوز عنده، وهو من بيعها قبل قبضها، والقسمة بيع من البيوع على أحد قولي المذهب، وهو نص المدونة.
والثاني: أن ذلك جائز، وهذا القول قائم من المدونة أيضًا.
وينبني الخلاف: على الخلاف في المستثنى، هل هو مشتري أو مبقى؛ فعلى القول بأنه مشتري: منعت القسمة في مسألتنا، وعلى القول بأنه مبقى: جازت القسمة.
وقد حكى الشيخ أبو الحسن اللخمي في استثناء ما لم يؤبر من الثمار
[ ٩ / ١٥٣ ]
في البيع قولان.
فإن اقتسما على أن تدخل في القسمة، فهل يجوز ذلك أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز؛ لأنها تؤول إلى أن تصير طعامًا، فيؤدي ذلك إلى طعام بطعام متفاضل، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أن ذلك يجوز، وهو ظاهر قول محمَّد بن مسلمة؛ لأنه قال فيمن باع [نخلًا وفيها] (١) تمر لم يطب -أبر، أو لم يؤبر- فلا بأس أن يبيعها بالطعام والشراب من قبل أن [المقصود] (٢) بالبيع، والشراء الأصل، فإذا جوز بيعها مع الأصول بسائر أنواع الطعام، ولم يعتبر لها وجودًا، فبأن تجوز قسمتها مع الأصول أولى [وأحق] (٣).
وسبب الخلاف: اختلافهم في اعتبار الحال والمآل، هل يراعى أم لا؟
فإن اشتراها أحدهما أن ما وقع في نصيبه من الثمن، فهو داخل في القسمة، وما وقع في نصيب صاحبه فهو باق على أصل الشركة: فذلك جائز، ولا أظنهم يختلفون في ذلك لعدم العلة المتقاة.
وإن كانت إحدى الثمرتين مأبورة، والأخرى غير مأبورة:
فالتي هي مأبورة: غير داخلة في القسمة، وإنها باقية على أصل الشركة، قولًا واحدًا، وغير المأبورة داخلة في القسمة بلا إشكال، وهو يجوز استثناؤها أم لا؟ قولان: الجواز، والمنع.
فإطلاق القسمة دون إدخال المأبورة فيها بالشرط، وإخراج غير المأبورة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) القصدر.
(٣) في ب: وأحرى.
[ ٩ / ١٥٤ ]
منها غير المأبور منها بالاستثناء: جائز من غير خلاف في المذهب بأنه يركب [على] (١) كل شائبة مقتضاها.
فأما إن اشترطا إدخال المأبور [في القسمة] (٢)، وقد استثنى غير المأبورة: فإنه يتخرج على الخلاف الذي قدمناه؛ لأنها إذا أدخلا المأبورة بالشرط وغير المأبورة داخلة بمقتضى الإطلاق، وهي تؤول إلى أن تصير طعامًا، فيؤدي ذلك إلى طعام بطعام متفاضلًا.
فإن وقع الاستثناء في غير المأبورة: فإنه يتخرج على الخلاف الذي قدمناه أيضًا في استثناء ما لم يؤبر من الثمار، وأما إن كانت الثمار مأبورة، وهي بلح صغير أو كبير: كان إطلاق المقاسمة على الجواز؛ لأن الثمار في جميع ذلك غير داخلة في القسمة؛ بل هي باقية على أصل الشركة.
فإن اشترطا دخولهما في المقاسمة، فهل يجوز أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في المدونة، وهو المشهور.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو ظاهر قول محمَّد بن مسلمة؛ لأنه جوز بيع الأصول مع ما فيها من الثمار المأبورة بالطعام إلى أجل كالسيفين مع حليتهما إذا كانت الحلية تبعًا، فإنه يجوز بيع أحدهما بالأخرى نقدًا أو إلى أجل على القول بأن الأتباع لا تراعى جملة.
وسبب الخلاف: الأتباع هل تراعى أو لا تراعى؟
فإن كانت إحداهما مأبورة، والأخرى غير مأبورة: قد تقدم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ١٥٥ ]
الكلام عليه.
وأما إذا كان [ما] (١) فيه من الثمار مزهية: فإطلاق المقاسمة على الجواز؛ لأن الثمار غير داخلة، وهي باقية على أصل الشركة.
فإن اشترطا دخولها في المقاسمة، فهل يجوز ذلك أم لا؟ [فالمذهب] (٢) على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، جملة بلا تفصيل، وهو مذهب ابن القاسم في "المدونة" وغيرها.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو ظاهر قول سحنون في "السليمانية"؛ لأنه قال: من اشترى نخلًا فيه ثمر قد طاب، أو لم يطب بطعام نقدًا أو إلى أجل: لا بأس به؛ لأن الثمر [تبع للنخل] (٣) كالعبد يباع، ويستثنى ماله، فإن ذلك جائز نقدًا، أو إلى أجل؛ لأن ماله ملغي، وهو قول سحنون، وهو أضعف الأقوال.
وقول محمَّد بن مسلمة أقرب إلى الصواب؛ لأن التقابض والمناجزة قد حصلت فيما بينهما؛ لأنها إن كانت في [حين] (٤) المقاسمة طعامًا فقد حصل التناجز، وإن كان غير طعام؛ لأنها تصير طعامًا بعد انتقال الملك [بعد أن] (٥) صارت في سهمه بخلاف إذا كانت مزهية؛ لأنها مقصودة حينئذ فيدخلها التفاضل.
والجواب عن السؤال الثاني: في قسمة الأرض بما فيها
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: مع النخل.
(٤) في أ: حيز.
(٥) في أ: عقد من.
[ ٩ / ١٥٦ ]
من الزرع: فلا يخلو من الأوجه الثلاثة التي قسمنا عليها الثمر؛ إما أن تكون قبل إبار الزرع، أو بعد الإبار، وقبل أن يطيب، وإما أن تكون بعد طيب الزرع.
فأما إن كانت القسمة قبل إبار الزرع، فهل تجوز القسمة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها لا تجوز، جملة بلا تفصيل؛ لأن إطلاق القسمة يقتضي دخول الزرع في القسمة، وذلك يؤول إلى التفاضل بين الطعامين، واستثنى الزرع من القسمة وبقاؤه على أصل الشركة لا يجوز أيضًا؛ لأن ذلك بيعه قبل طيبه على البقية، وذلك حرام، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن القسمة جائزة استثنى، أو دخل في القسمة؛ لأن [استثناءها] (١) جائز على أحد قولي المذهب، ودخوله في القسمة لا تأثير له على قول محمَّد بن مسلمة وغيره؛ لأنه ليس بطعام في الحال، وما يؤول إليه في ثاني حال غير معتبر.
فأما إن كان الزرع مأبورًا: فإطلاق القسمة جائز؛ لأن الزرع غير داخل في القسمة إلا بالاشتراط، فإن أدخلاه في القسمة، هل يجوز ذلك أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم؛ لأن ذلك طعام بطعام متفاضل.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول محمَّد بن مسلمة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الأتباع هل تراعى، أو لا تراعى؛ فمن قال أنها تراعى منع، ومن قال لا تراعى جوز. فإن كان أحد الزرعين
_________________
(١) في أ: استثناؤه.
[ ٩ / ١٥٧ ]
مأبورًا، والآخر غير مأبور: وقعت القسمة على إطلاقها، فهي جائزة اتفاقًا؛ لأن المأبور بقى على أصل الشركة وغير المأبور داخل في القسمة.
فإن وقع الشرط إما بإدخال المأبور في القسمة مع الأرض، وإما باستثناء غير المأبور [وبقائه] (١) على أصل الشركة، ففي كل فصل من ذلك قولان.
وقد اختلف في إبار الزرع على ثلاثة أقوال:
أحدها: ظهوره وبروزه من الأرض، وهو قول ابن القاسم في المدونة في كتاب الشفعة.
والثاني: أن إبار الزرع بذاره في الأرض، وإن لم يطلع، وهو قول [القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب] (٢).
والثالث: أن إبار الزرع أن يَسْبل، وهو قول محمَّد.
والأظهر [في الصواب] (٣): ما ذهب إليه القاضي؛ لأن البذر كسلعة أودعت [في] (٤) الأرض، فوجب حمل المقاسمة على الأرض دون ما فيها بخلاف الثمار التي هي ولادة.
وأما إن كان ذلك بعد طيب الزرع: فلا خلاف في هذا الوجه أن الزرع لا يقسم مع الأرض، بل تقسم الأرض على حدة، ويبقى الزرع شركة بينهما [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) في أ: وبقيته.
(٢) في أ: أبي محمَّد عبد الوهاب القاضي.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) زيادة من ب.
[ ٩ / ١٥٨ ]
المسألة السادسة في قسمة الثمار والزروع
والكلام في هذه المسألة في أربعة أسئلة:
أحدها: قسمة الثمرة.
والثاني: قسمة الزرع.
والثالث: قسمة البقل.
والرابع: قسمة اللبن.
والجواب عن السؤال الأول: في قسمة الزرع: ولا يخلو من أن يكون [ذلك] (١) قبل طيب الزرع، أو بعد طيبه.
فإن كان ذلك قبل طيب الزرع، فأراد قسمته فصيلًا: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يتفقا على جذه في الحال، وإما أن يتفقا على تركه حتى يطيب، وإما أن يجد أحدهما ويترك الآخر.
فإن كان على أن يجذا جميعًا في الحال: فذلك جائز، ويقسم بينهما بالتحري إن كان يستطاع أن يعدل [بينهما] (٢)، وهو قوله في "الكتاب".
فإن حصد أحدهم حصته، وترك الآخر نصيبه حتى تحبب الزرع انتقض القسم؛ إذ لا يجوز بيع الزرع على أن يترك إلى طيبه، وليرد الذي حصد قيمة ما حصد فتكون تلك القيمة مع الزرع القادم بينهما، وقال في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ثلثهما.
[ ٩ / ١٥٩ ]
"الكتاب": لأن القسمة هاهنا بيع من البيوع.
فإن اتفقا على تركه جميعًا أو حصة أحدهما حتى يطيب: فإن القسمة فاسدة لا تجوز؛ لأن ذلك بيع الزرع قبل بدو صلاحه على البقاء.
وأما إن كان ذلك بعد طيب الزرع: فلا تجوز قسمته فدادين، ولا مدارعة، ولا قتتا، ولا يقسم إلا كيلًا؛ لأن ذلك مزابنة.
والجواب عن السؤال الثاني: في قسمة الثمار بعد طيبها، وقبل جذاذها، أو قبل طيبها، وهي بلح صغير أو كبير، ولا يخلو الشركاء في ذلك من وجهين:
إما أن تتفق حاجتهم [في ذلك] (١)، أو تختلف.
فإن اتفقت حاجتهم: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يتفقا على التيبيس [وإما أن يتفقا على البيع] (٢)، وإما أن يتفقا على الجذاذ.
فإن اتفقا على التيبيس: فلا خلاف أنهما لا يقتسمان حتى ييبس الثمر، ويقتسماه كيلًا، وكذلك الحكم إذا اتفقا على البيع، وحاجة كل واحد منهما إلى بيع نصيبه رطبًا، فليبيعاه ويقتسمان الثمن بينهما، ولا يقتسمانها بالخرص.
فإن اتفقت حاجتهما على الجذاذ للأكل: فلا يخلو من أن يتساويا عيالهما، أو يكون أحدهما أكثر عيالًا من الآخر.
فإن تساوت العيال، ويكون الذي يجد كل واحد منهما في كل يوم مثل ما يجد الآخر: فلا يقتسمان بالخرص [لعدم الحاجة إليه، فإن كان
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ١٦٠ ]
أحدهما أكثر عيالًا من صاحبه جاز أن يقتسماه بالخرص] (١) [ليتوسع] (٢) صاحب العيال الكثير؛ لأنَّا إن قصرنا أكثرهما عيالًا عما يحتاجه أضربه، وإن كلفه الآخر أن يجد كثيرًا على قدر ما يحتاج إليه [صار] (٣) صاحبه [فسد] (٤) عليه، فاقتضت المصلحة القسم بينهما بالخرص حتى يأخذ كل واحد منهما القدر الذي يقوم به.
فإن أخذ أحدهما، وأبقى الآخر نصيبه حتى أزهى: انتقض القسم، وكان الذي أزهى، وقيمة الذي لم يزه شركة بينهما، والقيمة يوم كان جذ على أنه مجذوذ، وليس على الرَّجاء والخوف؛ لأنه جذه بإذن شريكه.
فأما إذا اختلف حاجتهم، فأراد أحدهما أن يأكل رطبًا، وأراد الآخر أن يتمر: جاز القسم بالخرص إذا وجد من يعرف ذلك لاختلاف الحاجة، والأغراض في ذلك.
فإن أراد أحدهما البيع، وأراد الآخر أن يتمر: فلا يخلو الذي يريد أن يشتري من أن يكون مراده الجذاذ، أو الإتمار، فإن كان مراده الجذاذ: جاز القسم بالخرص لأجل اختلاف الأغراض.
وإن كان مراده الإتمار: فلا يقسم بينهما بالخرص لاتحاد غرض المشتري والشريك.
فإن أراد أحدهما الجذاذ، وأراد الآخر البيع: فلا يخلو المشتري من أن يشتري للبيع، أو يشتري للأكل.
فإن اشترى للبيع: هل يجوز أن يقتسما بالخرص أم لا؟ على قولين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ليتسع.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: فيسئل.
[ ٩ / ١٦١ ]
أحدهما: أن ذلك لا يجوز؛ لأن المشتري على الجذاذ اشترى، فقد اجتمعا عليه، وهو قول سحنون في البلح الكبير.
والثاني: أن ذلك جائز، وإن لم يجد الذي حاجته للأكل إلا بعد يومين أو ثلاثة إذا لم يتركه حتى يزهو، وهو قول ابن القاسم؛ لأن المشتري، وإن اشترى على الجذ، وقد يجد ما اشتراه على مرة أو مرتين ليدرك بها الأسواق، والآخر يجذ شيئًا بعد شيء على قدر حاجته وعياله.
وأما البلح: فلا يخلو من أن يكون صغيرًا، أو كبيرًا؛ فإن كان كبيرًا، فهل يقسم بينهما بالخرص مع اختلاف الحاجة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يقسم بينهما بالخرص إذا اختلفت حاجتهما كما تقسم إذا أزهت، وهو قول ابن القاسم في المدونة وغيرها.
فإن أراد أحدهما أكله، والآخر بيعه، هل يقسم بينهما بالخرص أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يقسم [بينهما] (١)، وهو قول ابن القاسم، وأشهب.
والثاني: أنه لا يقسم بينهما بالخرص؛ لأن ذلك ليس باختلاف حاجة، وهو قول سحنون.
والقول الثاني من الأول: أنه لا يجوز قسمة البلح الكبير بالخرص، وإنما يجوز بالتراضي مع اختلاف الحاجة بخلاف الرطب، وهو قول بعض المتأخرين، وهو اختيار التونسي [﵀] (٢).
فإذا قسماه بالخرص للحاجة، فجذ أحدهما نصيبه، وترك الآخر ما
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
[ ٩ / ١٦٢ ]
صار له حتى أزهى: فإن القسمة تنتقض بينهما، ويرد الذي جذ حصته قيمة ذلك يوم جذه، ويقسمانه مع نصيب الآخر الذي تركه، بخلاف المزهي من الثمار إذا اقتسماه وترك أحدهما نصيبه حتى يتمر: فإن القسمة بينهما لا تنتقض؛ لأن البيع لو وقع على ذلك بالعقد على قول، وبالقبض على آخر.
واختلف إذا اجتيح نصيب أحدهما، هل توضع فيه الجائحة أم لا على قولين؛ فقال ابن الماجشون: لا جائحة في ذلك، وظاهر قول ابن القاسم: أنه توضع فيه الجائحة؛ لأنه يقول في "الكتاب": إن القسمة تنتقض فيه إذا تركه حتى أزهى.
وسبب الخلاف: اختلافه في القسمة، هل هي بيع، أو تمييز حق.
وأما البلح الصغير: فقد اختلف فيه، هل له حكم الطعام، أو هو علف لا غير؟
فقد قال مالك في المدونة في كتاب القسمة أنه علف، وقال ابن القاسم: هو بمنزلة البقل، وإلى هذا التخريج أشار اللخمي.
فعلى القول بأن له حكم العلف: جازت قسمته، وإن لم تختلف الحاجة فيه.
وإن جذ أحدهما نصيبه، وأبقى الآخر إلى الآخر إلى الأيام ما لم يتركه حتى يصير زهوًا.
وعلى القول بأن له حكم الطعام لم تجز المقاسمة إلا أن يجذا معًا.
فإن اقتسماه على المفاضلة بالأمر البين جاز؛ لأن التفاضل فيه جائز يدًا بيد على القول [بأن له حكم الطعام، وإلى أجل على القول] (١) بأنه
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ١٦٣ ]
علف. فإن اقتسماه ثم لا يجذا حتى صار بلحًا كبيرًا [فإنك تنظر. فإن اقتسماه على التعديل، وكان لا يختلف الآن إذا كبر فالقسمة جائزة، وإن اقتسماه على المفاضلة أو كان إذا كبر تفاضل انتقضت القسمة، فإن جذ أحدهما نصيبه، وترك الآخر حتى صار بلحًا كبيرًا] (١) لم تنتقض القسمة لجواز التفاضل بين البلح الصغير والكبير.
وإن تركه حتى أزهى انتقض القسم بينهما، ويرد الذي جنى نصيبه قيمته يوم جناه ويقتسمانه مع نصيب الآخر.
فانظر كيف جوز قسمة البلح الصغير بالتحري، وهو مما يكال، وما يكال [غيره] (٢) لا يقسم بالتحري، وقد يعتذر عن ذلك بأن يقال: إنما أجاز هذا؛ لأنه لا يمكن كيله؛ لأنه مما أصله الخرص، فإذا خرجا من الخطار جاز.
وأما قسمته الفواكه بالخرص: فلا تخلو من أن تتفق الحاجة أو تختلف فيها.
فإن اتفقت الحاجة: فيمنع قولًا واحدًا، وإن اختلف الحاجة: ففي جواز قسمتها بالخرص قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو نص قول مالك في "المدونة" في "كتاب القسمة"، وقال: إنما مضى الخرص في النخل والعنب، وليس الخرص في هذا من عمل الناس.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو قول أشهب في "المجموعة"، وهذا القول يؤخذ من المدونة من "كتاب العَرَايا"؛ حيث قال فيما سوى النخل
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: عنده.
[ ٩ / ١٦٤ ]
والعنب: إذا أعرى يجوز أن تشتري بخرصها، فإذا جوز أن تشتري الفواكه بخرصها إذا أعرت فما المانع من أن تقسم بالخرص إذا اختلفت الحاجة، وذلك ظاهر.
والجواب عن السؤال الثالث: في قسمة البقل: فلا تخلو من أن تتفق فيه الحاجة، أو تختلف.
فإن اتفقت فيه الحاجة: فلا إشكال، وإن اختلفت، فهل تجوز قسمته بالخرص أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك لا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، واحتج بأن مالكًا لم يجوز الخرص فيما يجوز فيه التفاضل مثل التفاح وغيره.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو مذهب أشهب في "مدونته"، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا؛ لأن ابن القاسم إنما منع ذلك لعدم من يعرف الخرص، فإذا تحققت المفاضلة بين القسمين فما المانع من الجواز، وواحد [في ذلك] (١) باثنين جائز، وهو قول ابن القاسم في قسمة اللبن إذا اقتسما الغنم للحِلَاب على ما يأتي في فصله إن شاء الله.
والجواب عن السؤال الرابع: في قسمة اللبن في ضُرُوع الماشية مثل أن يشتركا في ماشية فيقتسماها للحلاب، فيأخذ هذا غنمًا يحلبها، ويأخذ هذا مثلها يحلبها: فلا يخلو من وجهين:
إما أن يكون ذلك على أن من هلكت الغنم التي بيده فلا يرجع في حِلَاب ما بيد صاحبه.
وإما إن هلك ما بيده من الماشية: لم يرجع فيما بيد صاحبه بشيء،
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ١٦٥ ]
فإن ذلك لا يجوز، قولًا واحدًا؛ لأن ذلك مخاطرة وقمار.
فأما إن كان ذلك منهما على وجه المعروف، وفضل أحدهما الآخر على أنه إن هلك ما بيد أحدهما رجع فيما بيد صاحبه، فهل يجوز ذلك أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك جائز -افترقا للحلَاب أو اجتمعا- وهو قول ابن القاسم في "المدونة" في "كتاب القسمة".
والثاني: أن ذلك لا يجوز -افترقا أو اجتمعا- وهو قول أشهب؛ لأنه لبن بلبن متفاضلًا، وهو لا يجيز قسمته محلوبًا تحريًا، فإذا فَضَّلَه فهو حرام.
والثالث: التفصيل بين أن يكون ذلك قبل التفرق، أو بعده؛ فإن حلباه قبل التفرق: جاز إذا فَضَل أحدهما الآخر بشيء بين.
فإذا حلباه بعد التفرق: فلا يجوز؛ لأن ذلك طعام بطعام؟ وليس يدًا بيد، وهو قول سحنون، وهو ظاهر "المدونة"؛ لأنه أجاز في [القسمة] (١) أن يأخذ أحدهما أقل من نصفها بالأمر البين، ويسلم الآخر بقيمتها، فانظر كيف جوز ابن القاسم قسمة اللبن على التحري، وهو مما يكال، ومذهبهم أن التحري لا يجوز في المكيل من الطعام؛ وإنما يجوز في الموزون في القليل، والكثير منه على قول، وأما في اليسير منه على رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية".
وأما [ما لا يجوز] (٢) في المكيل من الطعام: فلا يجوز جملة، وهذا القول حكاه أبو الحسن بن القصار عن مالك في كتاب "عيون
_________________
(١) في ب: الصبرة.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ١٦٦ ]
الأدلة"؛ لأن بيع الجزاف بالجزاف من صنف واحد مخاطرة، وهو حرام، وإن كان ترابًا من أجل أن الميزان عندهم ربما يُعْدم في الأسفار والبوادي، والكيل لا يكاد يعدم، ولو كان بالألف، وبهذا فرق أكثرهم بين المكيل والموزون، وذلك فرق استئناس؛ لأن الكيل بمكيال غير الجاري، والكيل به ممنوع على مشهور المذهب؛ لأن ذلك مخاطرة، والمخاطرة فيه أشد من المخاطرة في التحري؛ لأن التحري معيار شرعي، وفي بعض الحالات يتوصل به إلى معرفة المقادير التي لا يمكن فيها الكيل والوزن [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ٩ / ١٦٧ ]
المسألة السابعة في الثمار إذا قُسِّمَت بعد الأصول على مَنْ يكون سَقيِها
مثل أن يقتسموا الأصول، وفيها ثمرة، وتركوا الثمرة ثم قسموها بعد زهوها لاختلاف حاجتهم في ذلك، فهل على كل واحد سقى نخله، وإن كانت ثمرته لغيره أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن السقي على صاحب الأصل، وإن كانت الثمرة لغيره، وهو مذهب ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن السقي على من له الثمرة دون صاحب الأصل كمن أوصى بالأصل لرجل، وفيها ثمرة مأبورة أو مزهية: فالسقي على ورثة الموصي بخلاف البيع، وهو مذهب سحنون.
وسبب الخلاف: اختلافهم في القسمة هل هي بيع، أو تمييز حق، فمن رأى أنها بيع قال: السقي على من له الأصل كما لو باع الثمرة دون الأصل، فإن السقي على البائع ما دامت الثمرة متصلة بأصوله.
ومن رأى أنها تمييز حق، قال: السقي على من له الثمرة، فيقدر الأصل الذي وقع له في القسم كأنه لم يزل، وكأن هذه الثمرة التي صارت في أصول هذا لغيره كأنها لم تزل ملكًا لصاحبها الذي وقعت له في القسم، فكان السقى على صاحب الثمرة كما لو وهب له الثمرة، فإن السقى على الوهوب له؛ لأنَّ صاحب الأصول لم يمنع منه الثمرة، فيكون قد التزم له السقى.
وأما على قول ابن القاسم بأن القسمة بيع: فقد اعترضه بعض المتأخرين، وقال: إذا اقتسموا الأصول أولًا، فصار لهذا عشر نخلات،
[ ٩ / ١٦٨ ]
ولهذا خمس عشرة نخلة، ولم يقتسموا الثمرة بعد، فإذا قدرنا أنه بيع: كان على كل واحد سقي نصف ما في يديه من النخل؛ لأنها للذي له في الأصل، والنصف الآخر اشتراه، وهو مذهب ابن القاسم: أن من اشترى أصلًا دون ما فيه من الثمرة أن السقي على البائع فيما أبقى من الثمرة، ومذهب المخزومي على أن مشترى الأصول يسقي ثمرة البائع.
فإذا اقتسما الثمرة بعد ذلك فصار لصاحب الخمس عشر نخلات ما في العشر من الثمر، وصار لصاحب العشر ما في الخمس عشرة: كان على مذهب ابن القاسم أن يلزم صاحب خمس عشرة نخلة سقى نصفها؛ لأنه باع ثمرة نصفها، وكان على شريكه سقى النصف الآخر؛ لأنه باع نصف الأصل، وأبقى الثمرة له، ومن باع أصلًا دون ثمرته، فالسقي على البائع.
وأما على قول المخزومي: فإنه يلزمه سقي الجميع؛ لأن نصف النخل له، وقد باع ثمرها، والنصف الآخر اشتراه، فعليه سقيه، وإن بقيت ثمرته للبائع.
فإن كان ابن القاسم قد رجع إلى قول المخزومي استقام الجواب، وأما بناء مذهبه الذي يرى أن من باع الأصل: فالسقى على البائع فيما أبقى من الثمرة: فلا يستقيم الجواب إذا سلك بالقسمة مسلك البياعات [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ٩ / ١٦٩ ]
المسألة الثامنة في قسمة الساحة [والأبنية
فأما قسمة الساحة] (١) مع البيوت، فلا تخلو من أربعة أوجه:
إما أن تحتمل الساحة الدار، وبيوتها القسمة.
أو لا تحتمل القسمة لا الساحة ولا البيوت.
وإما أن تحتمل البيوت القسمة دون الساحة.
وإما أن تحتمل الساحة القسمة دون البيوت.
فأما الوجه الأول: إذا احتملت الساحة، والبيوت القسمة: فإن البيوت تنقسم، قولًا واحدًا.
وهل تقسم الساحة معها أو يجعل لكل نصيب من البيوت ما يقابله [من الساحة] (٢) أم لا؟ على أربعة أقوال:
أحدها: أن الساحة تقتسم مع البيوت، ويجعل لكل نصيب من البيوت ما يقابله من الساحة، وهو قول ابن القاسم [في "المدونة"] (٣).
والثاني: أن قسمتها مع البيوت تجوز بالتراضي، ولا تجوز بالقرعة، وهو ظاهر قوله في "كتاب القسم"، وهو مشهور المذهب إذا عدل ذلك بالقيمة ثم استهم عليها على ما تأوله الشيخ أبو عمران الفاسي.
والثالث: أن البيوت تقسم [على حدة، ولا تقسم الساحة أصلًا،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ب.
[ ٩ / ١٧٠ ]
وهو قول مطرف، وعليه تأويل قول مالك حيث قال: تقسم] (١) الساحة بين الورثة، وإن احتملت القسمة.
والرابع: التفصيل بين أن يكون على البيوت حجر، فلا تقسم الساحة أصلًا، أو لا يحجر عليها فتقسم، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في "المجموعة".
وأما الوجه الثاني: إذا كانت البيوت والساحة لم يحتملا القسمة، فهل تقسم أم لا؟ فقد تقدم الكلام على ذلك بما لا مزيد عليه.
وأما الوجه الثالث: إذا كانت البيوت تحتمل القسمة دون الساحة: فإنهم يقسمون البيوت، ويتركوه الساحة يرتفقون بها على السواء، فيرتفق صاحب السهم القليل كما يرتفق صاحب السهم الكثير.
فإن اتفقوا على قسمتها، فهل تقسم أو لا تقسم أصلًا؟
فإنها تتخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنها تقسم إذا اجتمعوا على قسمتها، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنها لا تقسم أصلًا، وهو تأويل مطرف عن مالك في الساحة إذا كانت واسعة تنقسم، فإذا كنت ضيقة لا تحتمل القسم.
وأما الوجه الرابع: إذا كانت البيوت لا تحتمل القسم، واحتملتها الساحة، فهل تجمع مع البيوت في القسم، فتكون البيوت قسمًا، وتكون الساحة قسمًا أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنهما لا يُجمعان في القسم، وأن الساحة بينهما إلا بالتراضي دون القرعة، وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم؛ لأنها إن جمعت في القسمة بالسهم خرج سهم بعضهم في البيوت، وبعضهم في
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ١٧١ ]
الساحة، فيؤدي ذلك إلى المخاطرة التي منع لأجلها الصنفين المختلفين في قسمة السهم، وهذا هو مشهور المذهب.
والثاني: أنه يضم البنيان في القسمة إلى الساحة حتى كأنه منها ثم تقسم كلها قسمًا واحدًا، وإن لم يقع انقسام كلها في البنيان، وهو قول ابن حبيب، وهو مذهب أشهب في جوازه جمع الصنفين المختلفين في القسم بالسهم، وهو ظاهر قول ابن القاسم في مسألة النخلة، والزيتونة.
وأما قسمة الأفنية: فإنها على قسمين فناء يكون أمام دور القوم إلى جنب الطريق، وفناء [يكون] (١) بين دور القوم.
فأما فناء يكون أمام دار القوم إلى جنب الطريق: فلا خلاف في المذهب أنه لا يقسم ابتداء، وإن اجتمعوا على قسمته؛ لأن لعامة الناس فيه حق وموقف عند تضايق الناس في الزِّحَام.
فإن اقتسموه هل ترد القسمة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تنتقض، ويبقى الفناء على حاله، وهو الأظهر.
والثاني: أنها لا تنتقض، وهو قول أصبغ.
وأما فناء يكون بأن دور القوم ليس إلى جانب الطريق، ولا لأحد من المارة فيه مرفق، فإن اتفقوا على قسمته قسم قسمًا واحدًا، فقيل [على] (٢) ما تراضوا عليه، وهو قول ابن القاسم، وقيل: على حال منازلهم، وهي رواية ابن وهب، وابن نافع عن مالك.
فإن أبا بعضهم القسمة لم يحكم بها بينهما على رواية ابن وهب، وابن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
[ ٩ / ١٧٢ ]
نافع، وقيل: إنه يحكم بينهم به، وهو أحد قولي المذهب في الأنادر والمسارح، فعلى القول بأنها تقسم، فإن الفناء يُقَسَّم، وإن أبى بعضهم؛ إذ لا فرق بينهما [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ٩ / ١٧٣ ]
المسألة التاسعة في دعوى الغلط بعد القسمة
فالكلام في هذه المسألة على فصلين:
أحدهما: أنْ يَدَّعِي [أحدهم] (١) الغلط في القسمة.
والثاني: أنْ يَدَّعِي أحد المتبايعين الغلط في البيع.
أما الفصل الأول: إذا ادعى أحد المتبايعين الغلط في البيع، فذلك على وجهين:
أحدهما: أن يتولوا القسم بأنفسهم.
والثاني: أنْ يُقَدِّمُوا من يقسم بينهم أو يقدمه الحاكم.
فإن كانوا تولوا القسم بأنفسهم ثم ادعى أحدهم الغلط، فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
أحدها: أن يعدلا [على] (٢) ذلك بالقيمة، ثم يقترعا أو يأخذا ذلك بغير قرعة.
والثاني: أن يقولا: هذه الدار تكافئ هذه، وهذا العبد يكافئ هذا من غير ذكر القيمة، ثم يقترعا أو يأخذا ذلك بغير قرعة.
والثالث: أن يقول أحدهما لصاحبه: خذ أنت هذه الدار وهذا العبد، وآخذُ أنا هذه الدار، وهذا العبد من غير تقويم، ولا ذكر مكافأة.
والرابع: أن يختلفا في الصفة التي وقعت عليها القسمة مثل أن يقتسما
_________________
(١) في ب: بعضهم.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ١٧٤ ]
عشرة أثواب، فكان في يد أحدهما ستة أثواب، وفي يد الآخر أربعة، وادعى أن الثوب السادس في نصيبه.
فأما الوجه الأول: إذا عدلا ذلك بالقيمة ثم يقترعا أو يأخذا ذلك بغير قرعة ثم يَدَّعِي أحدهما غلطًا: فهذا ينظر إليه أهل المعرفة، فإن كان سواء أو قريبًا من السواء وإلا نقض القسم، وكان القول قول من ادعى الوهم أو الغلط.
وأما الوجه الثاني: إذا قالا: هذه الدار تكافئ هذه، وهذا العبد يكافئ هذا من غير [ذكر] (١) القيمة ثم يقترعان، أو يأخذا ذلك بغير قرعة، فإنَّ الحُكم فيه كالحكم في الوجه الأول؛ لأن مفهوم القصد إلى التعديل المساواة في القِيَم، وذلك إذا قالا: هذه الدار تكافئ هذا المتاع أو هذا العبد، ثم أخذ كل واحد منهم أحد الصنفين بالتراضي بغير قرعة، ثم ذكر أن القيمة مختلفة.
وأما الوجه الثالث: إذا قال أحدهما لصاحبه: خذ أنت هذه الدار، وهذا العبد، وآخذ أنا هذه الدار وهذا العبد من غير تقويم، ولا ذكر مكافأة.
فإن كانت القسمة بالتراضي: مضت المقاسمة على من كانت في نصيبه كما تمضي في البيع، إلا على القول بالقيام بالغبن فيما زاد على الثلث.
فإن كانت [القسمة] (٢) بالقرعة: فلا يخلو من أن يكونا عالمين، أو غير عالمين.
فإن كانا عالمين بفسخ ذلك: فإن القسمة تفسخ بينهما بالجبر، وإن لم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: القيمة.
[ ٩ / ١٧٥ ]
يدع واحد منهما إليه؛ لأن القرعة على ذلك غرر.
فإن كانا غير عالمين بفساد ذلك، ويظنان أنه جائز: فإن [القسمة] (١) بينهما نافذة، ويكون القيام بالغبن في ذلك كالقيام بالعيب، فإن قام به من عنده ذلك الغبن: فسخت القسمة، فإن رضي به مضت.
وأما الوجه الرابع: إذا اختلفا في الصفة التي وقعت عليها القسمة؛ مثل أن يقتسما عشرة أثواب، فكان في يد أحدهما ستة أثواب، وقال: هي في نصيبي، وعلى هذا اقتسمنا، وقال الآخر: بل الثوب السادس منها لي أنا، وقد كانت قسمتها خمسة خمسة، وإنما سلمته غلطًا: فلا يخلو من أن تكون القسمة بالقرعة، أو بالتراضي.
فإن كانت بالقرعة: فالمذهب فيها على قولين:
أحدهما: أن القول قول الحائز للثوب السادس مع يمينه إذا أتى بما يشبه أن يتقاسم الناس عليه، وهو قول ابن القاسم؛ لأن الآخر قد أقر بالقسم، وادعى ما في يد صاحبه.
والثاني: التفصيل بين أن يدعي الآخر أنه سلمه إليه غلطًا، أو ادعى أنه سلمه على وجه الإيداع.
فإن ادعى أنه سلمه على وجه الإيداع: كان القول قوله أنه قاسمه خمسة خمسة مع يمينه، ثم يكون الآخر بالخيار بين أن يسلمه، ويحلف أنه قاسمه ستة وأربعة، ويتفاسخان القسمة كلها، وهو قول أشهب في "مدونته".
وقال محمَّد بن عبد الحكم: يتحالفان ويتفاسخان في ذلك الثوب وحده.
_________________
(١) في أ: القيمة.
[ ٩ / ١٧٦ ]
فيتحصل في التحالف والتفاسخ قولان:
قيل: في الثياب كلها، وقيل: في الثوب وحده، ويكون بينهما شركة على السواء.
فإن كانت القسمة بالتراضي: لم ينظر إلى الدعوى، وإن كان الغلط؛ لأنه كبيع المساومة، فيلزمه التغابن، وهو قول ابن حبيب، وهو وفاق المذهب.
والجواب عن الوجه الثاني من الفصل الأول: إذا قدَّمُوا لأنفسهم من يقسم بينهم من غير أن يتولوا القسمة، فادعى بعضهم أن القاسم غلط: [أو جار] (١) فقد قال ابن القاسم في "المدونة": لا يلتفت القاسم إلى قولهم وليتم على قسمته، فإذا فرغ منها نظر السلطان [فيها] (٢) فإن وجدها على التعديل مضى ما قسم ولا يرد، فإن رضي جميعهم بِرَده ونقضه ليستأنفا القرعة أو التراضي بقسمته مرة أخرى: لم يجز؛ لأنهم ينتقلون من معلوم إلى مجهول، وهو ما يخرج لهم في المستقبل، ولو تراضوا بنقضه بشرط أن يأخذ كل واحد شيئًا معلومًا معينًا: جاز فإن وجد فيه غيبًا: فلا يخلو من أن يكون غبنًا فاحشًا، أو غير فاحش.
فإن كان فاحشًا: فللسطان أن ينقضه، قولًا وحدًا.
وإن كان غير فاحش، هل تنتقض قسمته ويُرَد أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن قسمة يُرَد ويَرُده هو وغيره، وهو قول ابن القاسم في المدونة؛ لأنه قال في الكتاب: ولم ير مالك في قسم القاسم بمنزلة حكم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ١٧٧ ]
الحاكم.
والثاني: أن القاضي والقاسم في ذلك سواء، وأن القاسم لا يَرُد من قسمه إلا ما كان غلطًا بينًا كالقضاء على سواء، وهو قول أشهب.
ووجه [قول] (١) من يساوي بين القاسم والقاضي: أن كل واحد منهما يعمل على نظره، واجتهاده، فلا ينقض ما قسمه بنظره بنظر غيره إلا أن يتبين الغلط.
ووجه من فرق بينهما: أن القاضي، والقاسم وإن اجتمعا أن كل واحد منهما عمل باجتهاد، إلا أن الحكم يختلف فيما أدى إليه الاجتهادان؛ فالذي يؤدي إليه اجتهاد القاضي مظنون، والذي يؤدي إليه اجتهاد القاسم محقق تُدْرَك معرفته قطعًا؛ لأن الغلط إن كان هناك يدرك حقيقة وقطعًا فافترقا، وهذا يحرك سلسلة باب تصويب المجتهدين، والكلام عليه مُحَال على فن الأصول.
فالجواب عن الفصل الثاني: إذا ادّعى أحد المتبايعين الغلط في البيع؛ مثل أن يدعي المشتري أنه اشترى عشرة أثواب بعشرة دنانير، وقال البائع: بل هذه التسعة بعشرة، والعاشر غلط مني، أو هو عندك وديعة: فلا يخلو من أن تكون الثياب قائمة، أو دخلها فوت.
فإن كانت قائمة: فالقول قول من ادّعى ما يشبه على الخلاف في اعتبار الشبهة مع القيام.
فإن أتيا جميعًا بما يشبه، أو بما لا يشبه: فإنهما يتحالفان ويتفاسخان.
فإن فاتت بحوالة الأسواق فاعلًا كان ذلك فوتًا في التسعة دون العاشر لم يُقر ببيعه، فيحلف المشتري أنه اشترى العشرة بعشرة دنانير، ويغرم ما
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ١٧٨ ]
ينوب التسعة على أنه ذلك العاشر داخل في البيع، ويُرَد العاشر على ما هو به من عيب، ولا شيء على المشتري إذا كان العيب من غير سببه، فإن كان من سببه، وكان العيب يسيرًا: أخذه صاحبه وما نقصه العيب، وإن كان كثيرًا غرم جميع قيمته إلا أن يكون الثمن أكثر [فيضمنه له بالثمن؛ لأنه قد أقر أنه اشترى بذلك الثمن، وإن باعه المشتري كان لصاحبه أكثر من ثلاثة أوجه من قيمته يوم باعه المشتري أو الثمن الذي باعه به، أو ما ينوبه من الثمن في العقد الأول، وأما إذا كان الثمن الأول أكثر] (١) فحلف المشتري: استغنى عن يمين البائع [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
[ ٩ / ١٧٩ ]
المسألة العاشرة في قسمة الوصي على من يلي عليه من اليتامى
وقسمة الوصي لا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون بين صغير وكبير رشيد.
والثاني: أن تكون بين صغيرين ورشيد.
والثالث: أن تكون بين الصغار.
فأما الوجه الأول: إذا كانت القسمة بين صغير وكبير رشيد: فمقاسمة الوصي على الصغير جائزة دون مطالعة الحاكم قولًا واحدًا؛ لأنه يتهم أن يميل عما هو في ولايته إلى من هو رشيد؛ إذ لا غرض.
وأما الوجه الثاني: إذا [قسم الوصي] (١) بين صغيرين ورشيد: فلا يخلو ما يأخذه الوصي للصغيرين من أن يكون مشاعًا بينهما أو غير مشاع.
فإن كان مشاعًا: فالجواز قولًا واحدًا كما لو كان صغيرًا واحدًا، [وإن] (٢) كانا اثنين فأكثر فإن كان سهم كل واحد منهما مَفْرُوزًا، فهل تجوز قسمة الوصي عليهما أم لا؟ فعلى قولين:
أحدهما: الجواز من غير كراهة، وهو مذهب "المدونة".
والثاني: الجواز مع الكراهة مخافة أن يميل بالأفضل إلى أحد الصغيرين.
_________________
(١) في أ: قاسم.
(٢) في أ: فإذا.
[ ٩ / ١٨٠ ]
وأما الوجه الثالث: إذا كانوا صغارًا كلهم، وليس بينهم كبير، فهل تجوز قسمة الوصي بينهم أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: [أنها] (١) لا تجوز، وأنه لا يقسم بينهم إلا السلطان، وهو قوله في المدونة.
والثاني: أنه يجوز مع الكراهة، وهو قوله في "الكتاب" أيضًا.
والثالث: الجواز بلا كراهة، وهو قول سحنون، وهذا القول قائم من "المدونة" من "كتاب الرهون" من قول ابن القاسم حيث قال: يجوز للأب أن يشتري لابنه الصغير من ابن له صغير، والوصي كذلك.
فعلى هذا يجوز أن يقسم بينهم.
والقول بالجواز من غير كراهة أصح؛ لأن القسمة أعلى مراتبها أن تكون بيعًا، وبيع الوصي عليهم، وشراؤه لهم لبعض من بعض أو من غيرهم جائز، والقول بالرفع إلى السلطان ضرب من الاستحسان [والحمد لله وحده].
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ٩ / ١٨١ ]
المسألة الحادية عشرة في قسمة الماء بالقِلْد
والقِلْد: بكسر القاف وسكون اللام، واختلف أهل اللغة في تفسيره.
فقيل: هي القِدْر [التي] (١) يقسم به الماء، وبه فسر في بعض نسخ المدونة، وثبت في كتاب ابن المرابط.
وقيل: هو الحظ من الماء؛ يقال: سقينا أرضنا قلدنا، أي: حظنا من الماء، وهو قول ابن دُرَيْد.
وقيل: هو سقي الزرع وقت حاجته؛ يقال: أقمت قلدي: إذا سقى زرعًا يوم حاجته إلى السقي، وهو قول ابن قُتَيْبَة.
والمعنى الأول أقرب وأسعد بظاهر الكتاب؛ إذ هو المراد هنا.
وأما صفة قسم الماء بالقلد: فقد اختلف فيه المتقدمون، والمتأخرون اختلافًا كثيرًا، وتعقب بعضهم كلام بعض، ولم يسلم المُتَعَقِب من الاعتراض فيما عقب به، فقال ابن حبيب عن ابن الماجشون وغيره من علماء المدينة، وأصبغ من المصريين: هو أن يؤخذ قدر من الفخار وغيره، فيثقب في أسفلها بمثقب يمسكه الأمين عنده، ثم يعلقونها عند انصداع الفجر، وقد جعلت تحتها قصرية، واستعدت جرار المياه، فإذا انصدع الفجر صب الماء في القدر فسال من الثقب، وكلما هم الماء أن ينضب ويفرغ زادوا الصب [في القدر] (٢) حتى يكون سيل الماء من الثقب معتدلًا النهار كله، والليل كله فينحونها ويقتسمون ما اجتمع من الماء على أقلهم سهامًا
_________________
(١) في أ: الذي.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ١٨٢ ]
كيلًا أو وزنًا، ثم يجعلون لكل وارث قدرًا يحمل سهمه من الماء، ويثقبون كل قدر بالمثقب الأول، فإذا أراد أحدهم السقى علق قدره، وصرف الماء إلى أرضه، فيسقى ما دام الماء يسيل من القدر، ثم كذلك بقيتهم.
ثم إن تَشَاحّوا في التبدئة استهموا فيه، فيتتابعون على ذلك، انتهى كلامه.
وقال بعض الصقليين: قوله: "ثم يجعلون لكل وارث قدرًا يحمل سهمه": فإنما يصح ذلك إذا تساوت أنصباؤهم خاصة، وأما إذا اختلفت وكان لبعضهم أكثر، ولبعضهم أقل: كان صاحب الكثير مغبونًا؛ لأن القدر كلما كثرت ثقل فيها [الماء] (١) وقوي جريه من الثقب لزوم الماء بعضه بعضًا إلى الخروج بالقوة حتى [يوافي] (٢) [زمن] (٣) خروجه وفراغه [زمن] (٤) جريه، وفراغه من القدر الصغير؛ لأن أحدهم قد يكون له عشرة أسهم، وللآخر سهم، فإذا أخذ حقه في قدر صغير: خف جرى الماء منها، فيأخذ أكثر من حقه، قال: والذي أرى: أن يقسم الماء على أقلهم [سهامًا] (٥)، فيأخذ صاحب السهم الواحد [سهمه] (٦) في قدر واحد، ويأخذ الآخر سهمه في عشرة قدور، فيكون جري الماء على حد واحد.
وقال بعضهم: وهذا الاعتراض الذي اعترض به أبو عبد الله الصقلي صحيح، إلا أنه يرد عليه هو [من الاعتراض مثل ما أوردوا على ابن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: يوازي.
(٣) في ب: زمان.
(٤) في ب: زمان.
(٥) في ب: سهمًا.
(٦) سقط من أ.
[ ٩ / ١٨٣ ]
حبيب؛ لأنه أغفل ما هو أشد مما تعقب به عليه، وذلك قوله أولًا: وكل ما هم الماء أن ينصب صبوًا، فهذا عليه من الاعتراض] (١) مثل ما ذكره؛ لأن صب الماء في القدر من الثقب، وهي بخلاف صبه بعد نقصها، ولو [قال] (٢) كل ما نقص من الماء شيء داركوه، كان أسلم حتى يكون جري الماء من الثقب على جري واحد، وقد تفطن لهذا أبو عبد الله بن العطار، وقال: يصب [من الماء] (٣) قدر ما ينتقص به الماء من القدر، ويبقى على ابن حبيب، والصقلي أيضًا في قسمة الماء على ما ذكروه من قدور متفرقة صغارًا كلها على قول الصقلي، أو صغارًا وكبارًا بقدر الأنصباء على قول ابن حبيب أن الليل والنهار ينقصان ويذهبان قبل تمام جري ماء هذه القدور؛ لأنه إن كانت قدرًا كبيرة يجري منها الماء يومًا وليلة، فلا يمكن أن يجري ذلك الماء من قدور صغار وكبار في تلك المُدَّة لقوة جري الماء في الكبار، وضعف اندفاعه من الصغار، فلو قسم الماء على ما قالاه لتمت الليلة واليوم، وبقي بعض الأنصباء ومن الأشراك من لم يسبق، وقد تكلم أبو عبد الله بن العطار فيها، وأخذ طريقًا آخر لم يسلم هو فيه من الاعتراض أيضًا، فقال: إذا أرادوا السقي بعد قسمة الماء، وابتدأ أحدهم بالقرعة أو التراضي يؤخذ ما جاز للمبتدئ بالسقي من مكيلة الماء، ويجمع في الغلة، فإذا فرغ أخذت منه مكيلة الذي يليه، ثم هكذا يفعل لكل واحد منهم إلى أن ينقضي اليوم والليلة [وهما] (٤) الدَّهر كله.
قال بعضهم: فاعتراض الصقلي على ابن حبيب لازم لابن العطار؛ لقوة اندفاع الماء الكثير وضعف القليل، وأنه قد يمكن أن يمتد جري هذا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: كان.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: وهم.
[ ٩ / ١٨٤ ]
القليل لضعفه حتى يأخذ من النهار مثل ما أخذ من له مثل سهمه أو أكثر لقوة اندفاع الماء الكثير.
قال: وكذلك يبقى عليه ما صورناه من الاعتراض بانقضاء اليوم والليلة قبل فراغ الماء، وهذا مما لا شك فيه، ولولا قولهم: "يفعل ذلك لكل واحد منهم إلى أن ينقضي اليوم والليلة، وهما الدهر كله"، لقيل: لعلهم لم يقصدوا في القسمة بهذا قسمة كل يوم وليلة، وإنما أرادوا بقية الماء قسم الدول المذكورة -كانت في يوم وليلتين، أو دون ذلك، أو أكثر- لكنه ليس مرادهم.
ويبقى فيه أيضًا على هذا اعتراض آخر سنذكره في مراعاة سقي الليل من سقي النهار.
ويمكن أن يحمل كلام ابن حبيب وأبي عبد الله الصقلي معناه، وأنهما لم يقصدا في القسمة كل يوم وليلة، وإنما قصدا ذلك في الاختيار في أول وهلة، ثم بعد ذلك عند شروعهم في السقي يبدأ الأول -أي: وقت شاء- حتى يتم سقيه، فيأخذ الذي يليه هكذا حتى تتم دولتهم متى تمت من الزمان، ثم يرجعون إلى الأول، كان ذلك في يوم وليلة أو أكثر من ذلك، ويستريح من الاعتراض باختلاف سقي الليل من سقي النهار على ما يأتي؛ إذ باختلاف الدول تأتي دولة بهذا مرة نهارًا ومرة ليلًا، وكذلك الآخر فيعتدلون في ذلك.
وذهب ابن لبابة إلى مثل ما ذهب إليه ابن العطار في قسمته من قدر واحد غير أنه سلك في مسلكًا آخر، فقال: إنه يؤخذ قدر [مستوفيه] (١) ويثقب في جانب القدر ثقبًا بقدر الأنصباء لكل قسط من الماء ثقبه في جانب القدر بعد أن يوضع قسط الماء فيها وبعد أن يعلق الثقب الذي في أسفل
_________________
(١) في ب: مستوية.
[ ٩ / ١٨٥ ]
القدر، وتكون ثقبة القسط الثاني من مبلغ القسط الأول في جانب القدر، ثم يثقب للثالث ثقبه عند آخر القسط الثاني، وكذلك يفعل بكل قسط إلى آخرهم سهمًا، فمن خرج سهمه أولًا ألقى ماؤه في القدر، فإن خرجت القرعة لمن له ثلاثة أقساط فتح أول الثقب الأول، فإذا أنقض القسط الذي فوقه فتح للثاني، ثم كذلك الثالث، فإذا تم فقد انقضى سهمه، وكذلك يفعل بمن له قسط وقسطان.
وهذا الذي قاله ابن لبابة أيضًا، وإن سَلِم من اعتراض الصقلي، فلا يَسْلَم من اعتراض الثاني؛ لأن خروج الماء من ثقب تحته في جانب القدر ليس في القوة كخروجه أولًا من أسفل القدر مملوءًا في حين الاختبار لقوة اندفاع الماء بسرعة في أول الاختبار إلا أن ذلك لا يضر، ولا يؤثر إلا على مذهب من اعتبر انقضاء الدول في كل يوم وليلة أبدًا على الدوام، وهو ظاهر قول ابن حبيب وغيره.
وقد أشار ابن أبي زمنين إلى [نحو] (١) ما ذهب إليه ابن لبابة، وقال: يثقب لصاحب الثلث [في القدر] (٢) ثقبه في مقدار ثلثها، ولصاحب النصف في مقدار نصفها على مقدار أسهامهم، قال: "هكذا رأيته لبعض العلماء"، وهذا يلزمه فيه من الاعتراض ما يلزم ابن لبابة.
وقال القاضي أبو الفضل: والذي يظهر مما يقطع هذه الاعتراضات كلها، وهو أقرب في العمل، وأقل في التعب، وأكثر الأواني أن تكون صفة هذه القسمة على ما يرد، وذلك أنا نصبنا القدر مع الفجر، وهي ملأى ولم يغفل عن تدريك الماء [فيها] (٣) أبدًا، ولا يتركوها تنقص حتى
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٩ / ١٨٦ ]
يكون جري الماء من الثقب طول اليوم والليلة معتدلًا، وإن شئنا جمعنا الماء الخارج في أسفل القدر في آنية ثم قسمناه على أقلهم سهمًا، وإن شئنا جعلنا تحت القدر المعلق آنية عرفنا كيلها أو وزنها، وتدرك بالتي عزلنا هذا القدر المعلق، كلما نقص منها شيء، ثم هكذا يتداول تحتها الآنيتين اليوم والليلة، وقد عرفنا عدد ما ملأناه من الأواني، ونستغني بذلك عن استعداد الماء في الجِرَار لتدريك الماء في القدر، عن استعداد القمار بجميع الماء، فإذا عرفنا عدد الجميع من الأواني وما فيها: قسمنا ذلك على الأنصباء، وعرفنا ما يقع لكل سهم بتلك الآنيتين، فإذا احتاجوا إلى السقي علقنا القدر مملوءًا ونصبنا تحته تلك الآنية مع الفجر، وبدأنا بالأول على ما تقدم، وفتحنا الثقب، وكلما صب من الماء شيء داركناه على ما ذكرنا أولًا حتى يعتدل جريه عند السقي كما كان اعتدل عند الاختبار والقياس، وإذا امتلأت هذه الآنية، فإن كان ذلك قدر نصيبه: أمر بتحويل الماء وجعلت الأخرى لغيره، ورفعت هذه وأدرك بها ما يصب من القدر، ومن كانت له اثنان حتى يمتلئ اثنان، وكذلك من له ثلاثة وأكثر، فإن المدولة بين اثنين أبدًا على ما ذكرناه، ولا يحتاج لغيرهما، والقدر في أثناء ذلك يتعاهد في الصب منها في حين القسمة، والسقي على جريه ما كان منها في حين القياس والاختبار، قال: ولا خلاف ولا مزية أن اليوم والليلة لا يتمان إلا بتمام السقي وانقضاء الدول، واستيفاء جميع الأسهم من هاتين الآنيتين لاعتدل خروج الماء من الثقب الواحد في اليوم والليلة أولًا وآخرًا، قال: ولا يبقى على الاعتراض جملة إلا من وجه واحد لابد من تصويره على كل حال، وقد أشار إليه ابن لبابة، وهو من اختلاف السقي بالليل والنهار، فإن من الناس من يرغب في سقي الليل لكثرة الماء فيه، وسرعته والراحة من معاناة الشمس في تصرف الساقي؛ ولأنه أنفع لما يسقى.
[ ٩ / ١٨٧ ]
وقد نقل ابن أبي زيد في آخر "كتاب الدور والأرضين" من "كتاب النوادر" من تعدي على نوبة رجل بالليل، فسقى بها، فأراد أن يعطيه فيها نوبة النهار: أن ذلك لا يلزم المتعدى عليه إلا برضاه؛ لأن سقي الليل أفضل من سقي النهار، ومنهم من يرغب في سقي النهار، لكونه أقل مؤنة ومشقة من معاناة الظلام والسهر.
فإذا اختلفت الأغراض هكذا: فلا يصح جمعه في قرعته؛ لأن من خرج سهمه بالليل قد لا يوافقه ذلك [وكذلك من خرج له سهمه بالنهار قد لا يوافقه ذلك] (١) لما ذكرناه، فإذا قلنا بتفريق قسمة القِلد بين الليل والنهار، وأن تجعل قسمة الليل على حدة، والنهار على حدة: فإنه يسلم من هذا الاعتراض إذا كان مدة السقي قريبة من مدة القياس، والاختبار لأجل اختلاف الليالي والأيام بالطول والقصر، إلا أن يقال: إن الضرورة داعية إلى هذا، و[هو] (٢) غاية المقدور كما يجوز أن تقسم الدَّار الواحدة، وبعضها جيد البناء، وبعضها رديء، والأرض الواحدة بعضها كريم، وبعضها رديء مع اختلاف الأغراض في ذلك.
قال ابن لبابة: لو قسم ماء كل [ليلة وماء كل] (٣) يوم عرف ما لكل ليلة، وكل يوم على شهور العجم كان أحب إليَّ وأجود لاختلاف الليالي والأيام.
وقال بعض المتأخرين: ولكن مثل هذا يشق ويحتاجون أن يعملوا ذلك السنة كلها [للقيام] (٤) ثم بعد [ذلك] (٥) يجرون ما يأتي من السنين
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: للقياس.
(٥) سقط من أ.
[ ٩ / ١٨٨ ]
المقبلة، ولياليها على ما تقرر عندهم في السنة التي اختبروا فيها، فإن كان بعض الأرض قريبة من البلد، وبعضها بعيدة منه فمتى يحسب [له] (١) شربه من الماء، فهذا يحتاج إلى تفصيل، وتحصيل القول ثم لا يخلو الشركاء في ذلك الماء من أن يكون ابتداء شركتهم في الأرض معلوم إما بميراث وغيره، أو كان أمرًا مجهولًا.
فإن كان ابتداء شركتهم أمرًا معلومًا، ثم تقاسموها بعد ذلك، فإن من بَعُدَت أرضه يحسب له من حين علق سهمه في القدر، وليس له أن يقول: لا تحسبوا عليّ حتى يصل الماء أرضي؛ لأن أرضه حين القسمة قد قومت لبعدها من القلد بدون ما قومت به القريبة منه التي صارت لغيره، ولو كان لا يحسب له الماء حتى يصل أرضه لاستوت به القريبة التي صارت لغيره، ولو كان لا يحسب [له] (٢) الماء حتى يصل أرضه [لاستوت] (٣) في التقويم [القريبة] (٤) والبعيدة، وذلك مما لا يعمل به في قسمة القرعة بعد التقويم والتعديل.
فإن جهل أمر ذلك، ولم يعلم أصل هذه الأراضي، ولا كيف كان أصل ملكهم فيها إلا أنهم شركاء في الماء والقلد: فلا يحسب على البعيد الأرض السقي حتى يبلغ أرض، وإلى هذا ذهب [أبو] (٥) عبد الله بن العطار في "ثمانية أبي زيد"، وعن [ابن القاسم وعبد الملك] (٦) مثله في القوم يرثون الأرض، وعليها ماء مأمون كثير، فيقتسمون الأرض
_________________
(١) في أ: منه.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: ابن.
(٦) في أ: عبد الله.
[ ٩ / ١٨٩ ]
والشرب، وبعضهم أقرب إلى العين، ثم يقل الماء، فيقوم بمن قربت أرضه، ولا يقوم بمن بعدت، فأراد رد القسم فيقال: أما قسمة الأرض فقد مضت، وترك قسمة الماء، فيزاد لمن بعد على من قرب بقدر ما يستوي البعيد، والقريب في السقي، فيكون للبعيد منه أكثر مما للقريب على مثل ما لو قسمت بالماء قسمًا واحدًا لكانت كذلك، وهذا مثل ما قال ابن العطار لأن قسمتهم الأولى فيها مراعاة قرب الماء من بعده، لا من قلَّة الماء وكثرته كما لو كانت أرض مطر.
وما قاله ابن العطار هو عين المذهب، ولا أعلم من أهل المذهب من يقول غير ذلك، وتأمل ذلك كله وقف عليه، فإنك لا تجده مجموعًا [ولا] (١) مشروحًا موضوعًا نحو هذا الموضع، وبه قال أصبغ: وكان ابن القاسم [يقول] (٢) يقسم الماء بالقلد، ولم يفسره ولا شرحه [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من ب.
[ ٩ / ١٩٠ ]
المسألة الثانية عشر [في] (١) طرءان الموصى له أو وارث على الورثة بعد القسمة
وإن كان قد تقدم الكلام على طروء الوارث على الورثة بعد القسمة في كتاب المديان، فإنا نكرر ذكره في هذه المسألة لزيادة بيان ووضوح إشكال.
فأما طروء الموصى له: فلا يخلو من أن يطرأ على الورثة، أو يطرأ على الموصى لهم.
فإن طرأ على الورثة: فلا تخلو التركة من أربعة أوجه:
أحدها: أن تكون عينًا.
والثاني: أن تكون عروضًا.
والثالث: أن تكون عقارًا أو رياعًا.
والرابع: أن تشتمل على جميع ذلك.
فإن كانت التركة عينًا؛ دنانير ودراهم، أو يقضي بمثله من المكيل، والموزون من الطعام والعروض: فلا يخلو الورثة من أن يكونوا كلهم مياسير، أو يكون بعضهم موسرًا، وبعضهم معسرًا.
فإن استووا في اليسر: فإن الموصى له يتبع كل واحد من الورثة بقدر ما ينوبه من تلك الوصية، ولا تنتقض القسمة إلا على مذهب من يرى أن نقضها من حق الله تعالى.
فإن كان بعضهم موسرًا، وبعضهم معسرًا، هل يتبع الموسر بقدره
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ١٩١ ]
[والمعسر بقدره] (١) أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يتبع كل واحد بقدر ما ينوبه، ولا يأخذ الملي بالمعدم، وهو قول مالك في "الكتاب".
والثاني: أنه يقاسم الموسر جميع ما في يديه ثم يرجعان جميعًا على الوارث المعدم فيتبعانه، وهو قول أشهب، وابن عبد الحكم في الوارث يطرأ على الورثة، ويطرأ الموصى له بجزء غير معين على الورثة كطروء الوارث على الورثة على مشهور المذهب.
والثالث: أنه يستوفي من الموسر جميع وصيته، ثم يرجع الموسر على بقية الورثة كغريم طرأ على الورثة، وهو قول ابن حبيب، ومثله في "كتاب ابن المواز".
وسبب الخلاف: اختلافهم [في فهم] (٢) طروء الموصى له بجزء على الورثة، هل هو كوارث طرأ على الورثة، أو كغريم طرأ على الغُرَمَاء؟
فمن شبهه بالغريم لاحظ قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣).
فمن شبهه بالوارث رأى أن له جزءًا معلومًا كواحد منهم، وهو المشهور في النقل.
فإن كان التركة عروضًا لا تكال ولا توزن: فقد طرأ عليهم موصى له فقد ساوى في [جواب] (٤) المسألة في "كتاب القسمة" من "المدونة"
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) سورة النساء الآية (١١).
(٤) في أ: جميع.
[ ٩ / ١٩٢ ]
بين العين والعروض، فقال: إن كانت دراهم أو عروضًا: فإنما لهذا الموصى له أن يتبع كل وارث بما صار في يده من حقه، وقد اختلف في تأويل ذلك على قولين:
أحدهما: أن تلك العروض مستوية القيم، وهو تأويل أصبغ، وقال بعض المتأخرين، يريد أصبغ: إذا كان يخرج نصيب الطارئ في عين من هذه العروض [لاستوائها] (١) واستواء أنصبائهم في الميراث؛ مثل أن يكون الورثة ابنين، أو أخوين، وترك الميت ستة أثواب أو ستة أعبد مستوية القيم، فقسماها ثلاثة ثلاثة: بهذا الطارئ الموصى له يأخذ ثلث كل ما بيد واحد منهما ثوبًا أو عبدًا؛ إذ هو حقه من وصيته، فحصل له ثوبان كما حصل لكل واحد منهما، ويكون ذلك كالعين ولا تنتقض القسمة.
والثاني: أن مراده بالعروض المذكورة: المكيل والموزون دون المعدودة منها، وهو تأويل بعض الأصحاب، وضعفوا قول أصبغ في ذلك، وما قالوه ليس بظاهر، وتأويل أصبغ أظهر، وأصح علي ما فسر به بعضهم مراده، وهو أسعد بظاهر الكتاب، وأسلم من التناقض.
وأما إن كانت التركة عقارًا، أو رياعًا: فلا يخلو الموصى له من وجهين: إما أن يوصى [له] (٢) بشيء بعينه، وإما أن يوصى له بجزء شائع.
فإن أوصى له بشيء بعينه: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون الوصية بعين بعينه.
والثاني: أن تكون في جنس بعينه.
_________________
(١) في ب: لاستوائهم.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ١٩٣ ]
فإن كانت الوصية في عين بعينه؛ مثل أن يوصى له بعبد بعينه أو بدار بعينها، والثلث يحملها، فللموصى له أن يأخذ ذلك من الوارث إن أدركه بيده كالاستحقاق، ويرجع الوارث المأخوذ منه على الورثة كأن الميت لم يخلف ذلك.
فإن فات من يد الوارث: فلا يخلو ذلك الفوت من أن يكون باختياره أو بغير اختياره.
فإن كان ذلك باختياره؛ مثل أن يبيعه، أو يهبه، أو يعتقه: فالهبة، والعتق يكون فيهما الرَّد للموصى، ويأخذ عين ما أوصى له [به] (١) وليس له إلى التضمين سبيلًا.
وفي البيع يكون له الخيار مع قيامه عند المشتري، إن شاء أخذ عين شيئه، وإن شاء جوز البيع ويأخذ الثمن، فإن فات به المشتري، ولم يقدر عليه أو مات عنده أو هلك: فليس للموصى له إلا الثمن يأخذه من الوارث.
فإن كان فواته بغير اختيار الوارث، ولا له فيه سبب؛ مثل أن يهلك بسبب من السماء: فلا يخلو من أن يصير إلى الوارث في سمهم بالقرعة، أو بالتراضي [فإن صار إليه بالقرعة لم يرجع عليه الموصى له بشيء، فإن صار إليه بالتراضي] (٢) أو بوجه المبايعة كان له أخذ الثمن من أيدي الورثة، ويجوز فعلهم ويسقط من جملة الثمن نصيب الوارث الذي اشتراه؛ لأنه لم يشتر نصيب نفسه، وإنما اشترى سهام بقية الورثة.
فإن لم يحمله الثلث كان [الموصى] (٣) له في الاتباع [فيما] (٤)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: فهل.
[ ٩ / ١٩٤ ]
يحمله الثلث منه على نحو ما مضى إذا حمله الثلث؟
فأما إذا كانت الوصية في جنس بعينه؛ مثل أن يوصى له بعبد من عبيده أو بدار من دوره من غير أن يعين عبدًا، ولا دارًا كان الموصى له شريكًا للورثة، وهو في ذلك بمنزلة وارث طرأ على الورثة، فإن خلف الميت ثلاثة أعبد أو ثلاثة آدر كان شريكًا بالثلث، وإن كانوا أربعة فالربع.
ثم لا يخلو ذلك الجنس الذي فيه الوصية من أن يكون مما يعتدل في القسم أم لا؛ فإن كان مما يعتدل في القيم حتى يخرج للموصى له عبدًا أو دارًا كان له أن ينقض القسمة ثم يقرع بينهم، فيأخذ ما يخرجه له القسم.
فإن كانوا لا يعتدلون في القسم، هل تنقض القسمة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن القسمة تنتقض.
والثاني: أنها لا تنتقض، ويكون شريكًا في كل عبد، وفي كل دار بقدر وصيته، وهو المشهور.
فأما إذا أوصى له بجزء مثل أن يوصى له بثلث عبيده، أو بثلث دياره، ولم يكن له مال سوى العبيد أو الدور: فالجواب فيه كالجواب إذا أوصى له في جنس بعينه، وقد قدمناه.
فإن كانت التركة على دنانير ودراهم وعروض ورِيَاع: فلا تخلو من أن تكون وصية لمطلقة، أو مقيدة.
فإن كانت مطلقة؛ مثل أن يوصى له بثلث جميع ماله، والثلث يحتمل ذلك: فإنه يكن شريكًا للورثة في كل ما قلَّ وجلَّ، وتنتقض القسمة فيما عدا العين من المعدود من العروض، وجميع الرياع إن كانت تحتمل القسمة، قولًا واحدًا.
وفي انتقاضها في العين والمكيل والموزون، وفيما لا ينقسم من الرياع
[ ٩ / ١٩٥ ]
قولان.
وسبب الخلاف: هل يُغلَّب في ذلك حق الله فتنتقض، أو يُغلَّب حق الآدمي ثم لا تنتقض.
فإن كانت وصية مقيدة في عين بعينه؛ مثل أن يقول: ثلث مالي لفلان يأخذها في الدار الفلانية أو في العبد الفلاني، فإن حمل ذلك الثلث: كان له أخذ ذلك من يد من هو فيه من الورثة، ويرجع على الورثة كما لو أوصى [له] (١) بذلك الشيء بعينه وحمله الثلث.
فإن لم يحمله الثلث: فإنه يكون شريكًا بما حمل الثلث من ذلك العين مع الورثة، وهو في ذلك كواحد منهم.
فأما طروء الموصى له على الموصى لهم: فلا يخلو الطارئ من أن تكون وصيته في شيء بعينه، ووصية الأول في شيء آخر بعينه، أو كانت وصية الأول في عين بعينه، ووصية الطارئ في شيء غير معين.
فإن كانت الوصيتان في عين بعين [مثل أن تكون للأول بعبد بعينه] (٢) فأخذه ثم طرأ آخر بوصية بعبد آخر صار إلى أحد الورثة، فإن كان الثلث يحمل الوصيتين جميعًا: مضى الأول لمن أخذه، ويرجع الطارئ على من أخذ العبد من الورثة، فيأخذه منه.
وإن كان الثلث لا يحملهما: فإن الطارئ يأخذ من وصيته قدر ما ينوبه في المحاصة ثم يرجع الورثة على الموصى له الأول بما فضل عنده بما ينوبه في المحاصة.
فإن اختلفت الوصيتان؛ مثل أن تكون الأولى في عبد بعينه، أو دارًا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ١٩٦ ]
بعينها، والثانية بعبد أو بدار غير معينة، فإن حمل الثلث الوصيتين جميعًا: كان مقال الطارئ مع الورثة دون الموصى له الأول.
فإن كان الثلث لا يحملهما: كان له الرجوع على الفريقين؛ فيرجع على الموصى بما فضل عنده، ويرجع على الورثة بما فضل عندهم من ثلث الميت.
واختلف هل يكون كوارث طرأ على ورثة، فيتبع الموسر بما كان يتبعه لو استووا جميعهم في اليسر، أو هو كغريم طرأ على ورثة، فيأخذ وصيته من جميع ما بيد الموسر؟
فالمذهب في ذلك على قولين:
والجواب عن السؤال الثاني: في طروء الوارث على الورثة بعد القسمة، وقد أومأنا بأن هذا الفصل مذكور قبل هذا لكنا نذكر هنا طرفًا منه غير مستوعب هناك، فنقول: وقد اختلف المذهب في طروء الوارث على الورثة، هل يتبع كل واحد [منهم] (١) بما ينوبه وجدهم أملياء أو عدمًا أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يتبع كل واحد منهم بقدر ما يَنُوبه من ميراثه، ولا يأخذ المَلِي بما على المُعْدَم، وهو قول ابن القاسم، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه إذا وجد واحدًا من الورثة شاركه فيما بيديه حتى كأنه لم يترك الميت غيرهما، ثم يتبعان بقية الورثة، فمن أيسر منهم دخلوا معه، وساووه وهكذا حتى يعتدلوا كغريم طرأ على الورثة، وهو قول أشهب، وابن عبد الحكم في "الموازية"، وعلى هذا القول بني محمَّد بن المواز المسألة الواقعة [في كتابه] (٢) فيمن هلك وترك امرأة وابنًا، فأخذت المرأة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ١٩٧ ]
الثُمن، وأخذ الابن سبعة أثمان، ثم طرأت امرأة أخرى، فوجدت صاحبتها معسرة، والابن موسرًا: حيث قال: بأن الطارئة ترجع على الابن بثلث خمس ما صار له، وهو جزء من خمسة عشر جزءًا.
يريد أن جملة المال ثمانية للمرأتين ثمن غير مقسوم عليهما، فانكسرت الفريضة، فصحت من ستة عشر، فللابن أربعة عشر، وللحاضرة جزء، وللطارئة جزء، وقد أخذت الحاضرة أكثر من نصيبها، فكان الباقي مقسومًا على ما لكل واحدة، فللطارئة جزء، وللابن أربعة عشر جزءًا، فلهذا وجب لها على الابن جزء من خمسة عشر جزءًا مما أخذ؛ لأن ما مضى عند المعسرة كالذاهب، وكأنه لم يكن.
وعلى [هذا] (١) القول، فإن الطارئ يرجع على كل واحد من الورثة بمقدار ما ينوبه: فإنها لا ترجع إلا على صاحبتها متى أيسرت؛ لأن [الابن] (٢) ليس في [يديه] (٣) إلا حقه فقط.
فلو قالت الطارئة لما قدمت [قد] (٤) صار إلى ميراثي كان ذلك كقولها: قد تركت لكما ميراثي لا حاجة لي به: فإن القسمة تنتقض على قول أشهب، وابن عبد الحكم، ويقتسمان على خمسة عشر جزءًا للابن أربعة عشر جزءًا ولهذه جزء، ويعلم أنه قد صار لهذه الطارئة مثل ما أخذت هذه الحاضرة من الابن، فيصير ذلك ستة عشر سهمًا، فتقسم على العدل.
وأما على قول ابن القاسم، فلا تنتقض أصلًا؛ لوصول كل واحد منهما إلى حقه.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ابن القاسم.
(٣) في ب: يده.
(٤) سقط من أ.
[ ٩ / ١٩٨ ]
المسألة الثالثة عشر في أجرة [القسَّامة] (١) وشهادتهم على ما قسموا
فأما أجرتهم فلا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون أجرتهم راتبة في بيت مال المسلمين.
والثاني: أن تكون أجرتهم في مال الأيتام قسموا أو لم يقسموا.
والثالث: أن يستأجروهم أهل التركة على أن يقسموا بينهم.
فأما الوجه الأول: إذا كان [للقسَّام] (٢) رزقًا مطلقًا برسم من بيت المال: فلا بأس به، ولا يجوز لهم مع ذلك أن يأخذوا من [التركة] (٣) قليلًا ولا كثيرًا؛ كالقاضي المرتزق.
وقال ابن القاسم في "العتبية": وينبغي للإمام أن يختار رجلًا يرضاه يقيمه لذلك، ويجري له عطاء مع الناس كما يجري للقاضي وغيره ممن يحتاج إليه المسلمون.
وأما الوجه الثاني: إذا كان يفرض لهم من أموال اليتامى -قسموا أو لم يقسموا- يجعل لهم على الناس جُعلًا معلومًا: فهذا حرام لا يحل بالإجماع، وبه علل سحنون مرة في الكتاب، وقال: لأنه يفرض لهم من أموال اليتامى.
وأما الوجه الثالث: إذا [لم يكن] (٤) لهم رزق في بيت المال، ولا
_________________
(١) في ب: القسام.
(٢) في ب: للقاسم.
(٣) في ب: التركات.
(٤) في أ: كان.
[ ٩ / ١٩٩ ]
رَسَم لهم في التركات جُعلًا معلومًا، ومن احتاج إليهم استأجرهم: فهذا لا خلاف في جوازه إذا كان القاسم عدلًا عارفًا بأحكام القسمة.
وإنما اختلف هل يجوز ذلك بغير كراهة، أو يجوز مع الكراهة على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: الجواز من غير كراهة، وهو قوله في "كتاب الوثيقة".
والثاني: الجواز مع الكراهة، وهو ظاهر قوله في "الكتاب": "وقد كان خارجة، ومجاهد [يقسمان و] (١) لا يأخذان لذلك [جعلًا] (٢) "، وهو نص قوله في "كتاب ابن حبيب".
فإذا وقعت الإجارة على قسمة الفريضة، هل تكون على عدد الرؤوس أم على عدد الأنصباء؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها على عدد الرؤوس؛ لأن استخراج السهم القليل أشد على القاسم من استخراج السهم الكثير؛ لأنه يحتاج إلى بسط الفريضة ونشرها، إلا إذا كان فيه السهم القليل كالثمن والسدس؛ إذ لا تكاد تسلم من الانكسار في أغلب الأحوال، وهو قول مالك في الكتاب.
والثاني: أنها على عدد الأنصباء، وهذا القول أيضًا يؤخذ من المدونة من مسألة الشفعة، وهو الأظهر في النظر؛ لأن كل واحد لا يؤدي إلا على قدر العناء في حقه، وهو قول أصبغ في أجرة كاتب الوثيقة.
وأما أجرة كاتب الوثيقة: فلا تخلو من وجهين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: أجرًا.
[ ٩ / ٢٠٠ ]
أحدهما: أنه يصدر الوثيقة، ولا يشهد فيها.
والثاني: أنه يصدرها ويشهد فيها.
فإن كان يصدر الوثيقة، ولا يشهد فيها: فهذا لا إشكال في جواز أخذ الأجرة على ذلك، وهل ذلك بكراهة أو بغير كراهة أم لا؟ على قولين.
وهل ذلك على عدد الرؤوس أو على عدد الأنصباء؟ قولان:
أحدهما: أن ذلك على عدد الأنصباء، وهو قول أصبغ.
والثاني: أن ذلك على عدد الرؤوس، وهو قوله في "كتاب الأقضية" من "المدونة".
فإذا ثبت ذلك، فعلى من تكون هذه الأجرة، هل على الدافع، أو على القابض، أو عليهما معًا؟
فهذا يحتاج إلى تفصيل وتحصيل؛ فنقول: لا يخلو هذا المال من أن يكون فيه عمل الفريضة، وحساب الأجزاء، أو لا يكون فيه إلا الدفع خاصة.
فإن كان فيه عمل الفريضة، وحساب الأجزاء، والقبض، والدفع: فإن الأجر في ذلك على جميعهم، قولًا واحدًا؛ لأن المنفعة في ذلك لهم جميعهم، ولولا عمل حسابهم لم يطل، ولم يكثر كتابها، ولا حقق ما يقبض كل واحد منهم، ولا تفاضل بعضهم من بعض.
فإن لم يكن فيها عمل ولا حساب، وإنما هو مجرد القبض لا غير، وليس فيه قسمة ولا كبير عمل، وإنما هو توثقة للدافع، وبراءة له: ففي هذا الوجه اختلف المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الأجرة كلها على الدافع [وحده] (١) ولا شيء على
_________________
(١) سقط من ب.
[ ٩ / ٢٠١ ]
الآخرين، وهو قول سحنون.
والثاني: أن الأجرة على القابض، ولا شيء على الدافع، وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى في "العتبية".
والثالث: أن الأجرة عليهما جميعًا -على الدافع والقابض- وهو قول ابن القاسم عن مالك في "المدونة" في "كتاب القسمة"، و"كتاب الأقضية".
فوجه قول من قال: إن الجعل على الدافع وحده؛ لأن المنفعة في التوثق وحده، فعليه أن يوثق لنفسه بما يبرئ به ذمته.
ووجه القول الثاني: أن [المنفعة في] (١) التوثق للقابضين لئلَّا يتوجه له عليهم دعوى، أو لأحد من سببه أنه دفعه إليهم قرضًا، أو قراضًا، أو وديعة، أو دينًا كان لهم عليه، ولهم فيه منفعة أيضًا من وجه آخر مخافة أن يطرأ عليهم وارث أو غيره، فمن يثبت له في هذا المال حق، فيدعي عليهم أنهم قد قبضوا أكثر مما اعترفوا به، ولا شيء على الدافع؛ لأنه متطوع بقبض المال، والنظر فيه بغير منفعة له فيه إلا إعانة مسلم لمسلم؛ لأن المال في غير ذمة، وهذا كله في مثل الوديعة، والقراض.
ووجه القول الثالث: أن المنفعة في ذلك للقابض والدافع، ولا مزية لأحدهما على الآخر.
فأما الوجه الثاني: إذا كان يصدر الوثيقة ويشهد فيها، فهل يجوز أخذ الجعل عليها أم لا: أما الجواز فقد استمر عليه عمل أهل الزمان في مشارق الأرض ومغاربها، واتخذ الشهود أسواقًا في أمهات البلاد يبيعون فيها الشهادة بالدراهم، والفلوس، وجعلوا ذلك أحد الحرف، وأطيب
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٠٢ ]
المباحات، فليت شعري من أين لهم ذلك، وهل أوتوا في ذلك نصوص من إمام المذهب أبي عبد الله مالك بن أنس ﵁ أم اغتروا بما وقع له في أمهات المذهب من إطلاق الكلام في أجرة كاتب الوثيقة؟
فإن وقفوا على نص مالك ﵀ أو واحد من أصحابه أنه يجوز للشاهد أن يأخذ الجعل على شهادته فسمعًا وطاعة وحبًا وكرامة، فإن لم يكن إلا التعلق بالظواهر فهيهات، وأنى ترجى النجاة لغريق يتعلق بأرجل الضفادع؛ بل الذي دلَّت عليه ظواهر المذهب خلاف ذلك، وأن ذلك لا يجوز منها، وأن ذلك من باب الشهادة بجعل، ولا أظن يخالف أحد من المسلمين أن رجلًا لو سأل شاهدًا أن يشهد له على حد أو حق، فقال: لا أشهد لك إلا بجعل، أن ذلك لا يجوز، وأن شهادته إن شهد على ذلك الوجه مردودة ساقطة [. .] (١) جوز بعض أرباب المذهب لمن طلب الشهود في البادية أن يؤدوا له الشهادة عند القاضي في البلد، ومسافتهم بعيدة: أن يكري لهم دوابًا يركبونها للضرورة الداعية إلى ذلك، ومن ذلك يؤدي إلى إسقاط الثقة بشهادته؛ لأن الحرص على أخذ الجعل يحمله على ترك الاستقصاء في تحمل الشهادة على وجهها؛ ولأنه من باب الجار إلى نفسه.
ومنها أيضًا على ما هو عوهد من أحوالهم في [الحواضر] (٢) أنهم يشتركون فيما يأخذونه من الجعل، وذلك أيضًا فيه ما فيه؛ لأنهم لا يخلو من أن يكون الشريكان في حانوت واحد، أو في حوانيت.
فإن [كانا] (٣) في حانوت واحد: فلا يخلو من أن يتساويا في الجعل، أو يختلفا.
_________________
(١) قدر كلمتين لم نتمكن من قراءتهما.
(٢) في أ: الحاضر.
(٣) في أ: كانوا.
[ ٩ / ٢٠٣ ]
فإن تساوت سهامهما [في ذلك] (١)؛ كان من أكل المال بالباطل؛ لأن أحدهما يصدر الوثيقة ويشهد فيها، والآخر يشهد خاصة، ومعلوم أن الذي يصدر الوثيقة، ويشهد أكثر عناءً من الذي يضع اسمه خاصة، وشركة الأبدان مبنية على التساوي فيه العمل، والاعتدال على مشهور المذهب.
فإن اختلفت سهامهما في الجعل، وأنه يقسم على قدر عملهما، فكيف يُدْرَك ذلك ويُعْرَف؟ ومن الوثائق ما يطنب فيها الكلام، ويحتاج فيها الموثق إلى أتعاب القرعة في استنتاج المقاصد؛ لأن الموثق مصنف، ومنها ما يختصر في الكلام، ومثل ذلك لا يتمكن فيه التجزئة.
فإن افترقا فيه حانوتين: فقد زاد على ذلك الوجه في المنع وجه آخر؛ وهو اختلاف المواضع، وشركة الأبدان إنما جازت في مشهور مذهب مالك بثلاثة شروط:
اتحاد الصنعة، واتحاد المنفعة، وعدم التفاضل، إلا الشيء المغتفر، على ما أشبعنا فيه الكلام في "كتاب الشركة".
فكيف تقبل شهادة من تعرض لهذه المشكلات وتورط في هذه [الشبهات] (٢) وبنى أصل دينه على الخلافيات، والله تعالى يقول في محكم كتابه: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (٤).
ومن يأخذ الجعل على وضع الشهادة فما أقامها لله، ولا شهد لله؛ بل هو شاهد لنفسه، ومغتنم فلسه، وذلك مما نستجير الله فيه.
_________________
(١) في أ: فيه.
(٢) في ب: الشهادة.
(٣) سورة الطلاق الآية (٢).
(٤) سورة النساء الآية (١٣٥).
[ ٩ / ٢٠٤ ]
وأما شهاد القسَّام فيما قسموه إذا تنازع فيه الورثة، وأنكروا القسمة، أو اعترفوا بها إلا أنه يتجاوز بعضهم إلى حق صاحبه، هل تقبل شهادتهم أم لا؟
فلا يخلو من أن يكون ذلك ببعثة الحاكم، أو ببعثة الورثة؛ فإن كان ذلك ببعثة الحاكم: فلا يخلو الحاكم الذي يرفع إليه القاسم الشهادة من وجهين:
إما أن يكون هو الذي بعثه، وإما أن يبعثه غيره ممن درج من الحكام.
فإن كان هو الذي بعثه، فهل تقبل شهادته أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن شهادة القَسَّام في ذلك جائزة، والحاكم يقبلها إذا علم الآن أنه أمره بذلك، وكذلك كلما لا يباشره القاضي بنفسه من القود، ولا خلاف والنظر إلى العيب، وهو قول ابن الماجشون في "العتبية".
والثاني: أن شهادة القسام في ذلك لا تقبل؛ لأنهم شهدوا على فعل أنفسهم، وهو قول سحنون في "كتاب ابنه"، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"؛ لأنه أطلق المنع في "الكتاب"، ولم [يُفَصِّل] (١).
[و] (٢) القول بجواز شهادتهم، هل يجزئ من ذلك واحد، أو لابد من اثنين؟
فالمذهب على قولين، ومشهور المذهب أن الواحد يجزئ من ذلك.
وسبب الخلاف: هل طريقه طريق الخبر، أو طريقه طريق الشهادة؟
فإن انقضى الذي بعثهم إلى القسمة، وتولى النظر غيره، أو كانوا ببعثة
_________________
(١) في أ: يقصدوا.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٠٥ ]
الورثة، وهو الوجه الثاني من أصل التقسيم: فلا يخلو من أن تقوم له البينة على بعثهم، أو لم تقم.
فإن لم تقم بينة عادلة على بعثهم: فلا تقبل شهادتهم، قولًا واحدًا.
فإن قامت البينة على أن القاضي الذي درج قد بعثهم، وأنه قد نفذ قسمتهم، وأن الورثة تراضوا بذلك والتزموه بعد القسمة، فهل يقبل المتولي النظر بشهادتهم أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن شهادتهم جائزة، وأنه يلزم الحاكم العمل بمقتضاها، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة" وغيرها.
والثاني: أنها لا تجوز جملة بغير تفصيل [وهو قول سحنون] (١) في كتاب ابنه، وهو ظاهر "المدونة" على ما قدمناه [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
[ ٩ / ٢٠٦ ]
المسألة الرابعة عشر في صفة القسمة في الرياع والأرضين والأشجار [وكيف] (١) تبدية [بعض] (٢) السهام على بعض في الخروج
أما الرِّياع: فإنها تنقسم بالقيمة، لا بالقياس، وقد اختلف في الطريق هل يرفع قبل القسمة، أو تجوز القسمة على أن يكون بنصيب أحد الورثة؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الطريق يرفع من باب الدار إلى أقصى بيوتها، فيطرح ذلك، ولا يحسب على أحد، ثم يقوم الباقي فيقسم على الأنصباء بالقيمة، وهو مذهب سحنون في "العتبية".
والثاني: أنه يجوز أن يضاف الطريق إلى سهم أحدهم، ويكون له ملكًا، وللباقين فيها الممر، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
وصفة القسم في ذلك أن يوازي القاسم البيوت بالقيمة فيُقَوِّم كل بيت، وما لها من مرفق على حِدَة، فيجزئ بيوت الدار على عدد سهام الفريضة، فإذا اعتدلت في القيمة وصح [في كل سهم] (٣) ما ينتفع به صاحبه، فيرمي بينهم بالسهام.
فإن لم يحصل لكل واحد منهم ما ينتفع به، أو كان يصح لصاحب النصيب الكثير دون صاحب النصيب القليل، فهل يقسم بينهم أم لا؟ وقد
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من ب.
(٣) في ب: في كل واحدٍ منهم.
[ ٩ / ٢٠٧ ]
تقدم الكلام على ذلك في مسألة مفردة.
واقتسام الدار مع الساحة تقدم عليه الكلام أيضًا، فلا نعيده مرة أخرى.
فإن خرج نصيب أحدهم في بيت ونصف بيت، هل يتم عليه القسم الذي يليه أو يشتركان في بيت كما قال في [قسمة] (١) الشجر أم لا؟
وهذا يتخرج على قولين:
أحدهما: الجواز؛ قياسًا على الشجر للضرورة [الدَّاعية] (٢) إلى ذلك.
والثاني: أن ذلك لا يجوز؛ لأن الاشتراك في الشجر يخالف الاشتراك في البيت؛ [إذ ليس عليهم بالاشتراك في الشجرة كبير ضرر، وعليهم في البيت] (٣) الضرر الكثير إذا كان البيت صغيرًا لا ينقسم في نفسه، وأما إذا كان يحمل القسم: فلا ضرر عليهم في ذلك.
وأما قسمة الأرضين: فإنك تنظر، فإن اتصلت الأرض، وكانت كلها متساوية في الكرم، والدناءة: فإنها تقسم بالقياس.
وإن اختلفت، وكان بعضها كريم، وبعضها رديء: فبالقيمة على قدر تفاضلها، فيقع لواحد مبذر قفيرين في النصف، لكرم الأرض، ويقع للآخر مبذر عشرة أقفزة؛ لدناءة الأرض، إلا أن القيمة مستوية.
فإن استوت، فبالقياس على ما ذكرنا، فيأخذ ساحة الأرض على قدر سهامهم، ويعرف ما لكل واحد من الأسهم، فيعطيه من القيس بقدره،
_________________
(١) في ب: مسألة.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٠٨ ]
فإن كان في الفريضة السدس، فعلى ستة أجزاء يجزئ الأرض، وإن كان فيها الثمن، فعلى ثمانية، فإن انكسرت، وبلغت أكثر من ذلك فعلى ما انتهت إليه سهام [المسألة] (١) يقسم ويسهم بينهم على ما نصف إن شاء الله.
وإن اختلفت: فإنه يقوم الأرض قيمة عدل، ثم تقسم تلك القيمة على أقلهم [سهامًا] (٢).
وأما قسمة الشجر، فوجه العمل فيها على ما حكاه ابن عبدوس عن سحنون؛ وهو أن يقوم القاسم كل شجرة على حدة بالعدل إن كان من أهل المعرفة بقيمة ذلك الموضع، وإلا جمع لذلك أهل المعرفة بالقيمة، ويسأل أهل المعرفة والخبرة عما عرف من حمل كل شجرة، فرب شجرة لها منظرة، ولا مخبرة لها، وأخرى يكثر حملها، ولا منظرة لها، فإذا قوم ذلك جمع جميع القيمة، فقسمها على قدر السهام حتى يعرف ما ينوب كل سهم ثم يضرب السهام بأي الطرفين يبدأ، فإذا عرفت كتبت أسماء الأشراك كل واحد في رقعة، ثم يدخلها في كمه فيخلطها، ويخرج أول سهم ثم ثاني ثم ثالث ثم رابع إلى آخر ذلك، فإذا تمت بدأها بالأول على تواليها، فأعطاه من الناحية التي وقع عليها السهم أولًا، فأعطاه شجرة شجرة حتى يكمل له ما صار [له] (٣) من جملة القيمة.
فإن استوفى كمال شجره: فقد استوفى، فإن لم يأت حقه على كمال شجرة، وبقى له كسر من القيمة: أعطى ذلك في شجرة، فكان شريكًا فيها بقدر ما بقى له، ويأخذ من بعده من الشجرة يضم إليه تمام حقه.
_________________
(١) في أ: السلمة.
(٢) في ب: سهمًا.
(٣) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٠٩ ]
وقد اختلف قول مالك في الكتاب [في أربعة فصول في مسألة القسمة أولها قوله: لا يجمع نصيب اثنين في القسم إن أرادوا. وقال في أول الكتاب] (١): لا يجمع بين رجلين في القسم، وهو قول ابن القاسم في مسألة العصبة [إذا أرادوا أن يجمعوا نصيبهم، وتسويغ مالك ذلك لهم، وذلك عندي في العصبة] (٢) خاصة دون جميع أهل الميراث، فقالوا: هذا التأويل الذي تأوله ابن القاسم على مالك خلاف قول مالك، وغير مراده، ولم يرد مالك أنه جميع الأنصباء في سهم واحد في جميع الأقسام بالقرعة، وإنما أراد بذلك إذا انفرد سهم كل واحد منهم.
وأما إذا اختلفت أنصباؤهم، فكان لقوم منهم الثلث، وللآخر منهم [السدس وللآخرين منهم] (٣): فإنه يجمع أهل كل سهم في القرعة عليه، وإن كرهوا.
وبذلك فسره عن مالك في العتبية ابن نافع، وأشهب، ومثله في "كتاب ابن حبيب" عن عبد الملك، ومطرف، وأصبغ، وقال: هو قول مالك، وجميع أصحابه؛ فإذا خرج سهمهم من الفريضة: قسم لهم على رؤوسهم إن أحبوا ذلك ودعوا إليه، وقوله في "المدونة" في الولد كقوله في العصبة حيث قال: ويضرب لهم في الناحية الثانية فما خرج للمرأة أخذته وضم باقي بعضه إلى بعض فقسم بين الورثة، فهذا يدل على أنه إنما يضرب لهم [بسهم] (٤) واحد لحاجته بعد إلى القسمة عليهم [مرة] (٥) أخرى، كما قال في العصبة، فابن القاسم تأول على قول مالك أنه لا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: سهمهم.
(٥) سقط من أ.
[ ٩ / ٢١٠ ]
يجمع سهم اثنين جملة -اتفقا أو اختلفا، رضيا أو كرها، جمعهم سهم أو فرقهم إلا العصبة إذا رضوا.
وغيره تأول على المشهور أو المنصوص له في غير المدونة أنه يجمع سهم أهل كل سهم في سهم واحد، ويضرب لهم به شاؤوا ذلك، أو كرهوا، ثم هم بعد ذلك بالخيار إن شاءوا أن يبقوا على الشركة في سهمهم، وإن شاؤوا استأنفوا القسمة فيما بينهم.
الفصل الثاني: في تفسير هذه القسمة في قوله في الكتاب: إذا تشاحوا ضرب القاسم بأيِّ الطرفين [يبدأ فعلى أي الطرفين] (١) خرج السهم ضرب عليه أولًا، فمن خرج سهمه عليه أخذه وضم إليه بقية حقه، فإن تشاحوا أيضًا ضرب على أي الطرفين يبدأ به، فكذلك أبدًا، حتى إذا لم يبق إلا اثنان: ضرب على أيِّ الطرفين شاء، ولم يلتفت إلى تشاححهما؛ لأن الضرب على أحد الطرفين لأحدهما ضرب للآخر، كذا وقع في بعض روايات المدونة.
وفي رواية ابن وضاح على ما ذكره ابن أبي زمنين: أنه إذا ضرب على أي الطرفين يبدأ بالقسم، فمن خرج سهمه في ذلك الطرف: أُعطيه، وأكمل له، ولا تبالى كانت زوجة، أو أما أو ابنة، ثم تقسم ما بقي على أقل من بقى منهم سهمًا، ويستأنف القسمة، والقرعة على أيِّ الطرفين يبدأ، هكذا قال ابن أبي زمنين، وأنكر ذلك سحنون، وكان يرى القاسم على أقل الأنصباء من أولها حتى تنفذ السهام، وكذلك روى عن ابن القاسم وغيره في غير المدونة.
الفصل الثالث: [قوله] (٢) يُسْهم للزوجة على أي الطرفين.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٢١١ ]
قال ابن لبابة: مذهبه في الزوجة وغيرها سواء يبدأ بالضرب لصاحب النصيب القليل على صاحب النصيب الكثير، ويجعل في الطرف، وكذلك ذكره فضل عن ابن الماجشون، وذكر عن المغيرة أنه يسهم للزوجة حيث خرج سهمها، ومثله قال ابن حبيب، وذكر عن عبد الملك القولين جميعًا، ورجح أن يكون لها حيث خرج، قال: ابن عبد الحكم: إنما هذا إذا كانا نصيبين؛ يريد أن مالكًا إنما قال ذلك للضرورة، والقسمة تقتضي أن تكن في طرف ولابد، ومثلها بما تشابهها مما تكون فيه القسمة بين اثنين أو بين سهمين [ووافق] (١) ابن عبد الحكم على هذا التأويل فيما إذا وقع التشاحح على أحد الطرفين في صورة القسمة ابن حبيب وغيره، لكن ابن حبيب [خالفه] (٢) في صورة إلقاء السهام، فقال: إنما [يأخذ سهمين] (٣) فيلقيهما على الطرفين، من هنا واحد، ومن هنا واحد، ثم أعاد لمن بقي وتشَاحَّا هكذا حتى يتم القسم.
وقد قال: فضل هذا [يرجع] (٤) إلى ما قال ابن القاسم، لكنه [اختصر] (٥) وأقل عناء، وقد طرح سحنون كلام ابن القاسم في المسألة كلها، وتفسيره يخالف أصل مالك؛ وذلك من قوله: ثم يضرب أيضًا بالسهام لما بقي منهم، إلى قوله: [و] (٦) هذا تفسير مني لقول مالك.
وقال ابن [أبي] (٧) زمنين: اختلف [أصحاب] (٨) مالك في صفة
_________________
(١) في أ: وروى.
(٢) في أ: قاله.
(٣) في أ: يؤخذ سهمان.
(٤) في ب: يسمع.
(٥) في أ: أخصر.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من ب.
[ ٩ / ٢١٢ ]
القسمة، واختصرها على رواية ابن وضاح، وكان سحنون ينكر هذه الرواية، ويرى أن يقسم على أقلهم سهمًا حتى تنفذ السهام، وروى ذلك عن ابن القاسم وغيره، وهو أصل قول مالك.
الفصل الرابع: في معنى التشاحح المذكور من حيث يبدأ [القاسم] (١) فظاهر قول ابن القاسم وغيره: ما تقدم من الضرب على أيِّ طرف يبدأ به.
فأما ابن لبابة: فخالف في تأويل معنى قوله: "فإن تشاحوا على أي الطرفين يبدأ أولًا"، وقال: إنما معنى ذلك أن يقول بعضهم: تقتسم الأجزاء من قبلة إلى جوف، وقال آخرون: بل من شرق إلى غرب، فلا اعتراض لهم في ذلك، فإن القاسم يضرب بأي جهة يقسم إليها الأجزاء فإذا ضرب عليها، وخرجت ضرب بمن سبق وعلى أي طرف يبدأ؛ إذ قد تختلف أغراضهم في ذلك لكون جهة الغرب مثلًا أقرب لأرض أحدهم، فيريد أن يقع سهمه هناك، فيضمه إلى أرضه، أو يكون أقرب لمنزله، أو لمجاورة من يريد مجاورته، أو لمنفعة يرجوها هناك، فيريد أن يخرج نصيبه بتلك الجهة، فإذا جعلت رؤوس السهام عن تلك الجهة خرج له طرف سهمه إليه بكل وجه، فإن جعل بخلاف ذلك عرضًا، فقد يقع سهم غيره في ذلك، ويحول بينه وبين مراده ومرغوبه.
قال ابن لبابة: ولا وجه لتشاحح الورثة إلا على هذا، وأما على قول ابن القاسم: فلا وجه له؛ لأن الضرب لأحدهم ضرب لجميعهم، كما قال: إذا بقي سهمان ويريد أن يخرج السهم للضرب، ولا يدري لمن هو فحكم ضربه للواحد كحكمه للجميع؛ لأنه غير معين، فلا وجه فيه للتشاحح.
_________________
(١) في ب: القسم.
[ ٩ / ٢١٣ ]
قال ابن لبابة: ولا يمكن التشاحح على الضرب بأي الطرفين يبدأ إلا في اختلافهم إذا طلب القليل النصيب أن يبدأ بأحد الطرفين، وهذا على ما تقدم من قول من قال: يضرب لأقلهم نصيبًا في أحد الطرفين، فيكون سهمه هناك معلوم، فمن حقه وحق غيره ألا يحصى طرفًا باختيار أحدهم، أو اختيار القاسم حتى يسهم بمن يبدأ له بقرعة أخرى، فإذا خرج سهمه على أحد الطرفين أخذه.
فأما إذا لم يكن على هذا الوجه، واعتدلت على الطرف الذي يبدأ به إلا ما ذهب إليه ابن لبابة، وهو الأظهر ومسألة الاستحقاق إذا وقع بعد القسمة وجد أحدهما ببعض ما أخذ عيبًا؛ قد تقدّم الكلام عليها في "كتاب البيوع" في "التدليس بالعيوب" بما يغني عن إعادتها، والحمد لله وحده.
[ ٩ / ٢١٤ ]
كتاب الوديعة
[ ٩ / ٢١٥ ]