تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها مسألتان:
المسألة الأولى
[في حده] (١) وهو مأخوذ من اللعنة وهو الإبعاد، أعاذنا الله وإياكم من الإبعاد.
وسمى بذلك لأن الزوج يخمس بها، وهي التي تبعده [عن] (٢) العذاب الواجب عليه بالقذف.
وسمى بذلك لتباعد ما بين الزوجين، إذ لا تحل له أبدا بعد أن كانت [أقرب] الناس إليه.
والكلام في هذه المسألة في أربعة مواضع:
أحدها: في صفة اليمين.
والثانى: في المبدى باليمين.
والثالث: متى تنقطع العصمة بينهما؟
والرابع: في الفرقه بينهما، هل هى [فسخ] (٣) أو طلاق؟
فأما الموضع الأول: في صفة [أيمان اللعان] (٤)، وصفتها كصفة سائر الأيمان بالله تعالى.
_________________
(١) سقط من أ، ع، هـ.
(٢) في هـ: من.
(٣) في أ: فتح.
(٤) في أ: أيمانها.
[ ٥ / ١٢٩ ]
واختلف إذا قال: أشهد بالله دون أن يزيد عليها الذي لا إله إلا هو، هل يُجزئُهُ أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنَّه يجزئه، وهو قوله في "المُدوّنة".
والثانى: أنه لا يجزئه، وهو قول "أشهب".
وكذلك إذا حلف بالصفات، هل هو كالحالف بالذات أم لا؟
على قولين:
مثل قوله: أشهد بعلم الله فأشهب يمنعه، وابن القاسم يجيزه.
وكذلك إذا جعل [من] (١) موضع "إِنه لمن الصادقين" ما هو من الكذابين، هل يجزئه أو لا؟ على قولين [أيضًا] (٢).
ظاهر "المُدوّنة" الجواز، وهو قوله في "كتاب محمَّد"، وقال القاضى أبو محمَّد عبد الوهاب: النظر، بمقتضى ألا يجوز.
واختلف إذا قذفها برؤية، هل يصف نفسه بالصدق ويصف الزنا أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يحتاج إلى صفة الزنا ولا إلى صفة نفسه بالصدق، وهو ظاهر "المُدوّنة".
والثانى: أنه لابد من أن يقول: وإنى لمن الصادقين، لرأيتها تزنى كالمرود في المكحلة، وهو قول ابن القاسم في وصف نفسه بالصدق في "كتاب محمَّد"، وهو قول محمَّد أيضًا في "كتابه" في صفة الزنا قال: وهو قول مالك وجميع أصحابه.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٥ / ١٣٠ ]
وإن كان في لعانه ينفى الحمل، هل يقتصر على مجرد القذف أو لابد من إضافة نفى الحمل إليه؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن يقول: أشهد بالله [أنها] (١) زنت، دون أن يصف شيئًا وهو مذهبه في "المُدوّنة".
والثانى: أنه لابد أن يضيف إليه: ما هذا الحمل مني، وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمَّد".
والموضع الثاني: من المبدى [باليمين] (٢) من الزوجين:
ولا خلاف أعلمه في المذهب أن المبدى باللعان هو الزوج، لقوله تعالى: ﴿وَالَذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ. .﴾ الآية.
فإن كان هذا عكسًا للأصول، والأصول [موضوعة] (٣) على أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، كما نص عليه الشارع، إلا [أن] (٤) أيمان اللعان وأيمان القسامة قد بدأ فيها بأيمان المدعين والحكمة في ذلك صيانة الدماء والأنساب، فكانت أيمانهم تقوم مقام البينة لتعذر الشهود على دعواهم.
واختلف إذا بدأت المرأة باللعان على الزوج، هل يعاد لعانها أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن اللعان لا يعاد عليها، ولا على الطالب في الحقوق، وهو قول ابن القاسم.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: باللعان.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ١٣١ ]
والثانى: أنه يعاد عليها باللعان بعد لعان الزوج، وهو قول أشهب.
وقال أبو القاسم بن الكاتب: قول أشهب أحسن، لأن لعانها إنما تدرأ به [عنها] (١) ما يجب عليها [من العذاب] (٢) بالتعانه.
واختلف إذا نكلت عن اللعان بعد لعان الزوج، ثم أرادت أن تلاعن بعد نكولها فبين المتأخرين قولان:
أحدهما: أن لها [معاودة اللعان] (٣) كما [لها] (٤) الرجوع عن الزنا إذا أقرت به على نفسها، وهو قول أبى بكر بن عبد الرحمن، وأبى على ابن خلدون وغيرهما.
والثانى: أنها لا تمكن من اللعان بعد نكولها لما يتعلق للزوج عليها في ذلك من الحق، وهو قول أبى القاسم بن الكاتب، وأبى محمَّد بن اللؤلؤى وأبى عمران الفاسى ﵃ أجمعين.
وأما الموضع الثالث: متى تنقطع العصمة بينهما؟ هل بتمام لعان المرأة أو بتمام لعان الزوج إذا [التعنت] (٥) الزوجة؟
فلا خلاف أعلمه في المذهب في الزوج إذا مات قبل أن يتم لعانه أو ماتت المرأة أن الميراث بينهما ثابت والعصمة بينهما قائمة.
واختلف المذهب عندنا إذا مات أحدهما بعد تمام لعان الزوج،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: معاودته.
(٤) في أ: له.
(٥) في أ: لعنت.
[ ٥ / ١٣٢ ]
وقبل أن تلتعن هى، هل يتوارثان أم لا؟ [فالمذهب] (١) على ثلاثة أقوال [كلها قائمة من المدونة] (٢):
أحدها: أن التوارث بينهما قائم، وهو مشهور المذهب، وهذا القول قائم من "المُدوّنة" من قوله: إذا كذب الزوج نفسه، [قد] (٣) بقى من التعان الزوجة مرة واحدة أنه يجلد الحد، وكانت امرأته.
فعلى هذا إذا مات الزوج بعد أن التعن، وقبل أن تلتعن هى فإنها ترثه، التعنت [بعده] (٤) أو لم تلتعن، وهو قول مطرف، واختيار ابن حبيب.
والثانى: أنهما لا يتوارثان، وأنه بتمام لعان الزوج: تنقطع العصمة [بينهما] (٥)، وهو قول سحنون فى "العتبية إذا لاعن الزوج ونكلت المرأة ثم أكذب الزوج نفسه، قال: لعانه، قطعًا لعصمته ولا ميراث بينهما، ونحوه لأصبغ في "العتبية": في التى تزوجت في عدتها، فتأتى بولد، فلاعن الزوج أنها تحرم للأبد على الذي لاعنها ولم تلاعنه، وهو ظاهر قولُ مالك في "المُوطأ"، ونص كلامه فيه، قال مالك في الرجل يلاعن [امرأتهُ] (٦) فينزع ويُكِّذب نفسه بعد يمين أو يمينين ما لم يلتعن في الخامسة أنه إذا [نزع قبل أن تلتعن جلد الحد ولم يفرق بينهما. وقوله ما لم تلتعن في الخامسة مفهومه أنه إذا] (٧) التعن فيها فرق بينهما،
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: قد.
(٤) في أ: بعدها.
(٥) سقط من هـ.
(٦) في ب: زوجته.
(٧) سقط من أ.
[ ٥ / ١٣٣ ]
وهو قول [عبد الله بن عمرو بن العاص] (١) في أثر "المُدوّنة"، وهو مذهب الشافعى ﵀.
والقول الثالث: [أنها] (٢) إن ماتت بعد لعان الزوج، وقبل لعانها هى ورثها.
وإن مات هو بعد أن التعن، فإن لاعنت فلا ميراث لها وإن لم تُلاعن فإنَّها ترثه وتحد، وهو نص "المُدوّنة".
والموضع الرابع: في [الفرقة] بين المتلاعنين، هل هى فسخ أو طلاق؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المُدوّنة":
أحدهما: أن الفرقة بين المتلاعنين فسخ لا طلاق، وهو مشهور المذهب.
[والثانى] (٣): [أنها] (٤) فسخ بطلاق، وهذا القول متأول على "المذهب"، ولابن نافع في "كتاب ابن مزين"، ولعيسى: أحبُ للزوج أن يطلقها بعد تمام اللعان ثلاثًا، كما جاء في الحديث، فإن لم يفعل فهو فراق ولا تراجع واختارهُ ابن لُبابة، ورأى لهُ الرجعة بعد زوجٍ مع كراهيته لهُ في ذلك، وهذا القول قائم من "المُدوّنة" [من قوله] (٥) في غير المدخول بها إذا جاءت بولدٍ لستَّة أشهر، وادعت أنهُ من الزوج وأنكرهُ الزوج، حيث قال: إنهما يتلاعنان، ولها نصف الصداق.
وقال ابن الجلاب: لا شىء لها من الصداق.
_________________
(١) في أ: عبد الله بن عمر والصواب ما أثبتناه من هـ. انظر المدونة (٢/ ٣٥٢).
(٢) في أ: أنه.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ، جـ: أنه.
(٥) سقط من أ.
[ ٥ / ١٣٤ ]
وقد اختلف المتأخرون في تأويل ما وقع له في "المُدوّنة" على أربعة أقوال:
أحدها: أن ذلك يتخرج على الخلاف عندنا في اللعان، هل هو فسخ أو طلاق؟ فإثباتهِ فيهِ الصداق يدل على أنه طلاق.
وقد يحتج قائلُ هذا بقوله في "الكتاب": لأنها [في] (١) عدة منه، وهى مبتوتة.
والثانى: أنها أثبتت الدخول بأيمانها، والزوج نفاهُ بأيمانه، فتساوت [الدعاوى] (٢) في الصداق، فقسم بينهما كما لو تعارضت الشهادتان والأيمان في اللعان مقام الشهادة.
واعترض على هذا التأويل بأن مجرد دعواه هو لو لم يكن لعانًا يوجب له نصف الصداق، ودعواها هى توجب لها جميعه، فلم تعدل القسمة بينهما على النصف.
والقول الثالث: أنا إذا لم نعلم صدق الزوج، ويتهم أنه أراد أن يطلقها وتحريمها باللعان ليسقط عن نفسه الصداق ألزمناه نصفه إذا حلف على نفى الدخول.
والقول الرابع: أن ذلك لاختلاف الناس في اللعان، هل هو فسخ أو طلاق؟ فأوجب لها نصف الصداق [مراعاة للخلاف] (٣).
وربك أعلم [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: الدواعى.
(٣) سقط من أ.
(٤) زيادة من جـ.
[ ٥ / ١٣٥ ]
المسألة الثانية
إذا ادعى رؤية لا مسيس بعدها ولم يدع الاستبراء أو ادعاه على ما في الكتاب من الاضطراب واختلاف القول، واختلاف المتأخرين في تحصيل ذلك، ومعناه.
فمنهم من قال: جميع ما فى الكتاب يرجع إلى قولين:
أحدهما: أن الولد بقى باللعان الأول جملة.
والثانى: بالتفصيل بين أن تأتى به لأقل من ستة أشهر، فيكون للفراش أو تأتى به لستة أشهر فأكثر، فيكون [للرؤية] (١)، فينفى [الولد] (٢) باللعان [الأول] (٣)، وصار قوله ومرة قال بنفيه وإن كانت حاملًا تكرارًا لا يفيد.
وإلى هذا التأويل ذهب ابن لبابة.
وقيل معنى قوله: تنفيه وإن كانت حاملًا بلعان ثان، وهو قوله في باب لعان الأخرس على الرواية بإثبات الواو، في قوله، ويكون [اللعان إذا قال ذلك والذي كان نفيًا للولد ويؤخذ من قوله في الباب المذكور] (٤) أيضًا، أن الذي كان لما ادعى الاستبراء بعدما وضعته، فقد قال نفيًا للولد، فلما استلحقه وأكذب نفسه في الاستبراء صار قاذفًا.
ويؤخذ أيضًا من قوله هذا "صار قاذفًا أن من قذف زوجته بعد تمام
_________________
(١) في أ: للزوجة.
(٢) سقط من هـ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٥ / ١٣٦ ]
اللعان: أنه يحد، والخلاف فيه في المذهب.
فعلى هذا التأويل: يرجع ما في "الكتاب" إلى ثلاثة أقوال:
أحدها: [مرةً] (١) ألزمه الولد على التفصيل المتقدم.
والثانى: أنه ينفيه باللعان الأول.
والثالث: أنه ينفيه بلعان ثان، وإن لم يدع الاستبراء، وهو قول [محمد بن عبد الحكم] (٢) وأصبغ في [غير "المُدوّنة"] (٣).
وقيل: أن ما في الكتاب يرجع إلى أربعة أقوال.
ويستخرج القول الرابع من قوله في "الكتاب" ومرة [ألزمه] (٤) الولد [بلا تفصيل] (٥) بين أن تأتى به لأقلِّ من [سته أشهر] (٦) أو لأكثر، ولا [ينفعه] (٧) اللعان لأنه لم يدّع الاستبراء، وهو قوله في "كتاب محمَّد"، ولعبد الملك وأشهب نحوه.
ثم اختلف على هذا التأويل في معنى قوله: ينفيه وإن كانت حاملًا، هل هو مقر بالحمل، علم به أو لم يعلم بذلك إلا [بعد الوضع] (٨)؟
واختلف في تأويل [قول] (٩) المخزومي الواقع في الكتاب على ثلاثة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: عبد الملك.
(٣) في هـ: المدونة.
(٤) في أ: ألزمت.
(٥) في أ: بالتفصيل.
(٦) سقط من هـ.
(٧) في أ، جـ: ينفيه.
(٨) في أ: بالوضع.
(٩) سقط من أ.
[ ٥ / ١٣٧ ]
أقوال:
أحدها: [أنه] (١) سواءٌ علم الزوج [بالحمل] (٢) أو لم يعلم، أقر بالحمل أم لا، وهو نص قوله في كتاب محمَّد، لأن الزوجة كانت مأمونة عنده على فراشه.
فلما اطلع على خيانتها: صح له نفى ما كان أمر به، إذ لا يؤمن [أن يكون] (٣) ذلك عادةً لها قبل ذلك، ويدل عليه من قول المخزومي في الكتاب، وقد أقر بالحمل.
[والثانى: أن معنى قول المخزومي] (٤): إذا لم يعلم بالحمل وعليه يدل تفسيره آخر كلامه، ويكون معنى قوله: [وهو] (٥) أقر بالحمل أي بالوطء، [من باب] (٦) تسمية الشىء بما يكون منه، وهو اختيار الشيخ أبى القاسم [بن محرز] (٧).
والثالث: أن معنى قوله: [وقد] (٨) اعترف بالحمل أي اعترف به حين وضعته، أنها كانت حاملًا، وأنها [ولدته] (٩) ثم ينظر إلى [مدة] (١٠) الوضع، وإن [كان] (١١) لسته أشهر أو لأقل. هو تأويل التونسى، وهو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من هـ.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
(٩) في أ: ولدت.
(١٠) في ب: أمد.
(١١) في أ: كانت.
[ ٥ / ١٣٨ ]
أضعف التأويل.
فيأتى على [قول] (١) المخزومى ثلاث تأويلات:
الاعتراف بالحمل والاعتراف بالوطء والاعتراف به [حين] (٢) الوضع لا حين اللعان.
والحمد لله. [تمت رزمة الأنكحة بحمد الله وحسن عونه يتلوه رزمة العبيد إن شاء الله] (٣).
_________________
(١) في أ، جـ: تأويل.
(٢) في أ: يوم.
(٣) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٥ / ١٣٩ ]
كتاب العتق الأول
[ ٥ / ١٤١ ]