تحصيل مشكلات هذا الكتاب [وجملتها ثلاثة مسائل] (١):
[المسألة الأولى] في أخذ اللُّقَطة وتركها، أيهما أفضل؟
واللُّقطة: بضمِّ اللام و[فتح] (٢) القاف: ما التقط وأصل الالتقاط: وجود الشيء على غير قصد وطلب، فإذا ثبت ذلك، فلا تخلو اللُّقطة من أربعة أوجُه:
أحدهما: أن تكون [اللقطة] (٣) بين قومٍ مأمونين، والإمام عادل.
والثاني: أن تكون بين قوم غير مأمونين، والإمام [عادل.
والثالث: أن تكون بين قوم مأمونين، والإمام غير عادل.
والرابع: أن تكون بين قوم غير مأمونين والإمام] (٤) جائر.
فأما إن كانت: بين قومٍ مأمونين، والإمام عدل، فلا تخلو من أن تكون: لُقطة مكة أو لُقطةُ الحاج أو تكون لُقطة سائر البلاد.
فإن كانت لُقطة مكة أو لُقطةُ الحاج، فإنّ أخذها ورفعها ممنوع.
أما لُقطة الحاج: فقد انعقد الإجماع على أنه لا يجوز التقاطها، لنهيه - ﷺ - عن ذلك.
فإن التقطها مُلتقط فعليه من تعريفها ما يجبُ عليه في غيرها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٧٧ ]
وأما لُقطة مكة: فقد رُوي عنه - ﷺ - فيها لفظان:
أحدهما: لا ترفع لُقطتها إلا لُمنشد.
والثاني: "لا يُرفع لُقطتها إلا منشد" (١)، فالمعنى [الأول] (٢) أنها: لا تُرفع إلا لمن يُنشدُها، فيُقال [له: هذا لك] (٣).
والمعنى الثاني: أنه لا يلتقطها إلا مَن يُعرِّف الناس بها.
فعلى [المعنى] (٤) الأول: تكون كلُقطة الحاج.
وعلى المعنى الثاني: يكون حُكمها حُكم سائر البلاد إلا في التعريف، وأنَّهُ يُعرِّف بها أبدًا، وإن طال زمانه، كذا قال علماؤُنا [﵃] (٥).
فإن كانت لُقطة سائر البلاد، فلا خلاف في المذهب في جواز أخذها، وإنما اختلفوا في الأفضل في الأخذ، والترك على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنّ تركها أفضل من أخذها جُملةً بلا تفصيل، وهو قولُ مالك، وجماعة من أهل العلم على ما نقلهُ القاضي في النهاية، وهو مذهب عبد الله بن عمر ﵁، وهذا القول قائم من "المدونة" من "مسألة الكساء" حيث قال مالك: بأنّه قد أحسن حين ردّهُ [وأصاب] (٦).
والثاني: أن أخذها أفضل من تركها؛ لأنه مالٌ يجمع على ربّه ويمسّك
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٤٨٦)، ومسلم (١٣٥٥).
(٢) في أ، ب: الواحد.
(٣) في أ: لها ذلك.
(٤) سقط من ب.
(٥) زيادة من أ.
(٦) في أ: وأطاب.
[ ٩ / ٢٧٨ ]
عليه، وهو أحد قولى مالك، وهو مذهب سعيد بن المسيب ﵀، [وذهب] (١) إلى أن حُرمة المال كحُرمة النفس.
والثالث: التفصيل بين اليسير والكثير، فإن كان كثيرًا [فأخذه] (٢) أفضل، وإن كان يسيرًا فتركَه أفضل، وهي إحدى [روايات] (٣) ابن القاسم عن مالك، وهو قول أشهب.
وعلى القول بأن تركها أفضل، فإن أخذها ثم ردها في موضعها، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يأخذها بنية الاختيار.
والثاني: أن يأخذها بنية التعريف بها.
فإن أخذها بنية الاختيار، مثل أن يمرَّ بها فيُعرفها لقومٍ سائرين، فيصيح لهم أهذا لكم فيقولون: لا، فيردها فضاعت فهذا لا خلاف أعلمه في المذهب أنه لا ضمان عليه قرب أو بعد.
وإن أخذها بنية: التعريف بها ثم ردّها، فضاعت: فالمذهب في ضمانه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه ضامِنٌ لها جُملة، وهو تأويل بعض الشيوخ على قول ابن القاسم في "الكتاب"، وعليه يدلُّ احتجاجُهُ في "الكتاب"، وهذا القولُ حكاهُ القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب في المسألة، ولا فرق في ذلك بين القُرب والبُعد.
والثاني: أنهُ لا ضمان عليه جُملة، رَدَّهَا بالقُرب أو بالبُعد، وهو قول أشهب.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في أ: فأخذها.
(٣) في أ: رواية.
[ ٩ / ٢٧٩ ]
والثالث: التفصيل بين القُرب والبُعد، فإن ردَّهُ [بالقرب] (١) لا ضمان عليه، وإن ردّهُ بالبُعد ضمِن، وهو نصُ قول ابن القاسم في البُعد، وتأوّل عليه في "المدونة" أنه لا ضمان عليه، بدليل قوله في "الكتاب" فأرى أن من أخذها على غير هذا الوجه حتى يتبين بها عن ذلك الموضع إلى قوله: "فإن [رده] (٢) بعدما ذهب به، ومكث في يده فهو ضامن"، ومن قوله أيضًا: "والذي أراد مالك أنه ردّها مكانُه من ساعته"، وإلى هذا التأويل نحا [الشيخ] (٣) أبو الحسن اللخمي ﵀.
وأما الوجه الثاني: إذا كانت بين قومٍ غير مأمونين، والإمام عدل، فأخذها واجب قولًا واحدًا، لما في ذلك من صيانة مال امرئٍ مسلم.
وأما الوجه الثالث: إذا كانت بين قومٍ مأمونين، والإمام غير عدل، فالأفضل ألا يلتقطها، ولا يتعرض لها.
وأما الوجه الرابع: إذا كانت بين قومٍ غير مأمونين، والإمام جائر، فهو مُخيّر إن شاء أخذها، وإن شاء تركها، وذلك بحسب ما يغلُب على ظَنِّه من سلامتها وهلاكها.
فإذا ثبت ذلك: فما الحكم في التعريف بها إذا أخذها على سائر الوجوه التي ذكرناها؟
وذلك يختلف باختلاف اللُقطة [وهي تنقسم] (٤) على ثلاثة أقسام:
أحدها: [ما] (٥) يبقى في يد ملتقطه، ويُخشى عليه التلف إن ترك.
_________________
(١) في أ: في القرب.
(٢) في أ: ردها.
(٣) زيادة من ب.
(٤) في ب: وذلك ينقسم.
(٥) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٨٠ ]
[والثاني: ما لا يبقى في يد ملتقطه ويخشى عليه التلف: إن ترك] (١).
والثالث: ما يبقى في يد ملتقطه ولا يخشى عليه التلف إن تُرك.
فأما الوجه الأول: وهو ما يبقى في يد مُلْتقطه، ويُخشى عليه التلف إن تُرك كالدنانير، والدراهم، والعروض، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون يسيرًا [جدًا] (٢) ولا بال له، ولا قدْر لقيمته، ويعلم أن صاحبهُ لا يطلبهُ لتفاهته.
والثاني: أن يكون يسيرًا إلا أنّ له قدرًا ومنفعة، [وقد شح] (٣) به صاحبهُ ويطلبهُ.
والثالث: أن يكون كثيرًا له قدرٌ وبال.
فأما الوجه الأول من الوجه الأول: إذا كان يسيرًا لا بال له، ويعلم أن صاحبهُ لا يطلبُهُ، فإن هذا لا يُعرّف به، وهو لمن وجده إن شاء أكلَهُ، وإن شاء تصدّق به.
والأصل فيه: ما رُوي أن رسول الله - ﷺ - مرّ بتمرةٍ في الطريق فقال: "لولا أنِّي خشيتُ أن تكون مِنْ الصدقة لأكلتها" (٤)، لم يذكُر فيها تعريفًا، وهو قول أشهب في الذي يجد العصا أو السوْط: أنه يُعرِّف به، فإن لم يفعل، فأرجو أن يكون خفيفًا.
وأما الوجه الثاني: إذا كان يسيرًا إلا أنّ له قدرًا وبالًا، ومنفعة، وقد يشح به صاحبهُ ويطلبُه، فهذا لا خلاف في وجوب التعريف به إلا أنه
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: ويبيح.
(٤) تقدم.
[ ٩ / ٢٨١ ]
يختلفُ في حدِّهِ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن التعريف به سنة كالذي له بال، وهو ظاهر ما حكى ابن القاسم عن مالك في المدونة.
والثاني: أنه يُعرفها أيامًا، وهو قول ابن وهب في "العتبية"، و[هو] (١) قول ابن القاسم [من رواية] (٢) في "المدونة".
وأما الوجه الثالث: إذا كان كثيرًا له بال، وقدر، فهذا لا خلاف في وجوب التعريف به حولًا كاملًا.
فإن استنفقهُ واستهلكهُ قبل السنة، فإنهُ يضمن قولًا واحدًا.
فإن ضاعت بغير سببهِ فلا ضمان عليه، وهو مُصدّقٌ بغير يمين.
وأما حكمها بعد التعريف بها سنة، فلا خلاف بين فقهاء الأمصار، أن لهُ أن يتصدق [بها] (٣) بعد السنة غنيًا [كان] (٤) أو فقيرًا.
واتفقوا أيضًا أنَّ له أن يأكلها بعد السنة إن كان فقيرًا، ويضمنها.
واختلف في الغنيّ، هل يجوز له أن يأكلها بعد السنة، ويضمن أم لا على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يجوز [له] (٥) أن يأكلها ويضمنها، وهو قولُ مالك، والشافعي.
والثاني: أنه لا يأكلها، ولا يُنفقها قليلة كانت أو كثيرة، وهو قولُ ابن القاسم في "النوادر"، وهو مذهب أبو حنيفة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: من رأيه.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٨٢ ]
والثالث: التفصيل بين اليسير والكثير، فالكثير لا يأكلُهُ، [واليسير] (١) يجوزُ له أن يأكله، وهو قول ابن وهب في "النوادر".
أيضًا، وكُلُّهم مُتفقون على أنّهُ ضامِنٌ لها إن أكلها بعد السنة أو تصدّق بها، إلا "أهلُ الظاهر"، فإنه قالوا: لا ضمان عليه.
وسبب الخلاف: تعارُض أحاديث اللُّقطة لأصل الشرع، فمن ذلك حديث يزيد بن خالد الجهني -وهو حديث متفق على صحته- قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله فسألهُ عن اللُّقطة فقال له: "اعرف عفاصها، ووكاءَهَا ثُمَّ عرّفها سنة، فإن جاء وإلا فشأنك بها" (٢)، وبهذا الحديث استدلّ من يقول بجواز أكلها بعد العام مع الضمان.
ومنها ما خرّجهُ البخاري، والترمذي عن سُويد بن غفلة، قال: لقيتُ أُبيّ بن كعب فقال: وجدتُ صُرّةٌ فيها مائة دينار، فأتيتُ النبي - ﷺ - فقال: "عَرِّفها حوْلًا" فَعرّفها فلم أجد، فأتيته ثلاثًا، فقال: "احفظ عفاصها، ووكاءها، فإن جاء صاحبها، وإلا فاستمتع بها" (٣)، وزاد الترمذي وأبو داود: "فاستنفقها" (٤)، وبهذا يستدلُّ أهلُ الظاهر.
ومقتضى دليل الشرع أنه لا يحلُّ مال امرئٍ مُسلم إلا عن طيب نفسٍ منه.
فمن غلّب أصل الشرع علي ظاهر الحديث قال: لا يجوز لهُ فيها التصرفُ إلا بالصدقة، على أن يخير صاحبها إذا قدَم.
_________________
(١) في أ: والقليل.
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٤٣)، ومسلم (١٧٢٢).
(٣) أخرجه البخاري (٢٢٩٥).
(٤) أخرجه أبو داود (١٧٠٤)، (١٧٠٦)، (١٧٠٧)، والترمذي (١٣٧٢)، (١٣٧٣)، وابن ماجة (٢٥٠٤)، وأحمد (١٧٠٨٧).
[ ٩ / ٢٨٣ ]
ومن غلّب ظاهر الحديث على الأصل، ورأى أنه مُستثنى منهُ، قال: تحلُّ له بعد العام، وهي مالٌ من مالهِ، ولا يضمنها إن جاء صاحبها.
ومن توسَّط، قال: يتصرّفُ فيها بعد العام، وإن كان غنيًا: على جهة الضمان.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: وهو ما لا يبقى في يدِ مُلتقطهِ، ويُخشى عليه التلف إن ترَك، كالشاة في القفر، أو الطعام الذي يُسرع إليه الفساد.
وأما الشاة فلا تخلو من وجهين:
إما أن يجدها بقُرب العمران.
أو يجدها بعيد العمران.
فإن وجدها بِقُربِ العمران فلا يأكلها، [وليعرف بها في أقرب العمران إليه، فإن وجدها بعيدًا من العمران، فلا يخلو من أن يحملها حكم إلى العمران أو يذبحها، فإن حملها إلى العمران فلا يأكلها] (١) وحُكمها ما وُجد في العمران [على] (٢) سواء فإن لم يأكلها، فلا تخلو من: أن تكون [معه] (٣) ماشية في [الفلاة] (٤) أو لم تكن معه ماشية.
فإن كانت معهُ ماشية، فلا يأكلها، ولا يذبحها، وتكون مع ماشيته، إن جاء، وله حلابُها، ولا يُتبع بها إن جزها، فإن ذبحها ضَمنَها، ذَبَحَهَا قبل السنة أو بعدها، إلا أن يخاف عليها الموتُ ثمّ لا شيء عَليه، إلا أن يقدر على بيع لَحمها، وهو قول ابن نافع عن مالك، قال سحنون:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: له.
(٤) في أ: الفلوات.
[ ٩ / ٢٨٤ ]
وكذلك شاة وجدها في غَنَمِه، فهي كاللُّقطة يتصدقُ بها بعد السنة ولا يذبحها، ولا بأس أن يأكل لَبَنَها، وهذا خفيف.
فإن لم تكن معهُ ماشية، وإنَّمَا هو مُنفردٌ بنفسه، وبعياله، فلا خلاف في المذهب أن له أن يذبحها ويأكلها ثمَّ لا ضمان عليه [لصاحبها] (١) إن جاء بعد ذلك، لقوله ﵇: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" (٢)، فأتى باللام التي هي للتمليك، وساوى [بينه] (٣) وبين الذئب، الذي لا ضمان عليه.
فإن ذبحها، وجاء بلحمها إلى العُمران فله أكلُهُ، كان غنيًا أو [فقيرًا] (٤) أو يصير لحمها وجلدها مالًا من ماله، ويطيبُ له ذلك، وليس عليه أن يُعرِّفها، فإن جاء ربُّها بعد ذلك، فلا ضمان عليه إلا أن يأتي، ولحمُها قائمٌ بيدِهِ، فيكونُ أحَقُّ به. وهذا كلُّهُ نص قول أصبغ في "العتبية".
وفي المسألة: قولٌ آخر أنَّهُ لا يأكلُهُ؛ بل يبيعُهُ، ويُوقف ثمنهُ، فإنْ أكلَهُ بعد قدومِه بهِ ضمِنَهُ لربِّه، وهو قول غير أصبغ في الطعام في "النوادر".
وأمّا الطعام الذي لا يبقى، فلا يخلو مِنْ وجهين:
إما أن يجدهُ في العُمران.
أو يجدُهُ في فيافي الأرض.
فإن وجدهُ في العُمران، فلا خلاف أنَّهُ يبيعَهُ ويُوقف ثمنهُ، فإنْ أكَلَهُ
_________________
(١) في أ: لصاحبه.
(٢) تقدم.
(٣) في أ: بينها.
(٤) في ب: لم يكن.
[ ٩ / ٢٨٥ ]
أو تصدّق به، هل يضمن أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه ضامنٌ له، أكلهُ أو تصدّق به، وهو ظاهر قولُ "أشهب" في "النوادر".
والثاني: أنه لا ضمان عليه، أكلهُ أو تصدّق به، وهو ظاهر قولُ ابن القاسم في "المُدونة".
والثالث: [أنه] (١) إنْ أكْلَهُ ضمنهُ لانتفاعه به، وإنْ تصدّق به لم يضمنْه، وهو قولُ ابن حبيب في "الواضحة".
فإن وَجَدَهُ في فيافي الأرض: فلا يخلو من أن يأكُلَه هناك أو يصل به إلى العمران.
فإن أكلهُ هناك فلا ضمان عليه قولًا واحدًا في المذهب غنيًا كان أو فقيرًا كالشاة.
فإن حملَهُ إلى العُمران هل يضمنهُ إنْ أكلَهُ أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنّهُ ضامنٌ له؛ لأنَّ عليه أن يبيعَهُ ويُوقف ثمنُه، وهذا القول حكاهُ الشيخ أبو محمَّد في "النوادر".
والثاني: أنه لا ضمان عليه، وهو قول أصبغ في "العتبية" في اللحم.
وأمّا الوجه الثالث من أصل التقسيم: وهو ما يبقى في يدِ مُلتقطه، ولا يخشى عليه التلف إن تركَهُ كالإبل، فلا يخلو من وجهين: إما أن يجدها في مستعتب [من] (٢) الأرض أو في مسبعة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٨٦ ]
فإن وجدها في مستعتب، فلا يخلو من أن يكون ذلك: في زمن العدل أو في زمن الجور.
فإن كان ذلك في زمن عدْلٍ، وصلاح الناس، فلا يأخذها ولا يتعرض لها، لقوله ﵇: "ما لَكَ ولها، ومعها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء، وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها" (١). فإن أُخذت عُرِّفَت، فإن لم تُعَرَّف رُدَّت حيثُ وُجدت، على ما جاء عن عمر ﵁.
فإن كان في زمن الجوز، هل يكونُ حكمها حُكمِ ضالة الغنم أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك عمومٌ في زمنِ العدل، أو في زمنِ الجور، وهو ظاهر قولُ مالك في "المدونة"، وهو قول أشهب في "العتبية".
والثاني: أن ذلك خاصٌ بزمنِ العدل، وأما زمنِ الجور، وفساد الناس، فالحُكم [فيها] (٢) أن تؤخذ وتُعرف، فإن لم تُعرف: بيعت، ووُقف ثمنُها لصاحبها.
فإن لم تُعرف: بيعت، ووُقف ثمنُها لصاحبها.
فإن لم يأتِ ويئس منه، فتصدّق به عنه، على ما فعلَهُ عثمان ﵁ لمَّا دخل الناس زمن الفساد، وهو أحد قولي مالك أيضًا. وكان علي بن أبي طالب ﵁ بَنَى [للضوال] (٣) [مربطًا] (٤) يُعلِّقها فيه علقًا، لا يُسمِّنُها ولا يُهزلها من بيت المال، فمن أقام بينة على شيء أخذهُ، وإلا ثبتت على حالها لا يبيعها، واستحسن ذلك سعيد بن
_________________
(١) تقدم.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: مربدًا.
[ ٩ / ٢٨٧ ]
المُسَيِّب (١).
فإن وجدها في مسبعةٍ: وحيث يَخاف عليها السِّباع، هل يُحكم [عليها] (٢) بحُكم الغنم أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنّ لها حُكم ضالة الغنم لو أخذها فأكلها.
والثاني: أنها تُؤخذ فتُعرّف؛ إذ لا مشقة في حلبها، وحكى القولين: القاضي أبو الوليد بن رشد.
وضالة البقر كضالة الغنم إلا أن يكون لها من المنع بنفسها، والعيش في المرعى ما يكون للإبل، فيكون لها حُكم الإبل، وهو قول أشهب في "مدونته".
وأما ضالة الدواب من الخيل، والبغال، والحمير، هل تؤخذ كضوالِّ الغنم، والبقر أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها كضوال البقر، والغنم، يُعرف بها، فإن لم يأت لها طالبٌ تصدّق بها، وهو قولُ ابن القاسم.
والثاني: أنها لا تُؤخذ أصلًا ولا يُتعرض لها؛ لأن النفقة [عليها] (٣) تسبب إلى إخراجها من أيدي أصحابها، ورُبَّما جاوزت النفقة ثمنها، وهو قولُ ابن كنانة في "النوادر".
ولو أخذها [فله] (٤) أن يركبها من موضع وجدها إلى موضعه، وأما في حوائجه فلا، فإن فعل ضمنها إن عطبت، وهو قول ابن حبيب عن مُطَرِّف.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٦٩).
(٢) في أ: لها.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من الأصول.
[ ٩ / ٢٨٨ ]
[المسألة الثانية] فيما تستحق به اللُّقطة من معرفة العفاص والوكاء
والعفاص: الخِرقة، والوكاء: [الذي يكون فيه] (١) الشيء المُلتقط.
والوكاء: مَدود الخيط الذي يُشد به، وقد قيل بعكس ذلك، وهو وَهْم، والأول أصوب عند أهل اللُّغَة.
ولا يخلو واصف اللُّقطة من أربع أوجُه:
إمّا أن: يصف العِفَاص والوكاء، والعدد، وصفة العدد.
وإمَّا يُعرّف العِفاص، والوكاء، والعدد، وأخطأ في صفة الدنانير، والدراهم.
وإما أن يُعرّف العِفاص والوكاء وصفة الدنانير والدراهم، وأخطأ العدد.
وإما أن يعرف العفاص دون الوكاء أو الوكاء دون العِفاص.
فإن عرّف العفاص، والوكاء، والعدد والسكّة، فإنها تُدفع له قولًا واحدًا.
واختُلف هل تُدفع له بيمين أو بغير يمين؟ على قولين قائمين من المدونة:
أنها تُدفع له بغير يمين، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنها لا تُدفع إليه إلا بيمين، وهو قولُ أشهب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في شاهد الحال، هل يقوم مقام الشاهدين أم لا، وإن عرف العفاص، والوكاء، وعرف العدد، وأخطأ [في]
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٨٩ ]
صفة الدنانير [والدراهم: فإنه لا يعطاها، فإن عرف العفاص والوكاء، وصفة الدنانير، وأخطأ في عددها] (١) فلا يخلو خطؤهُ في العدد من أن يصف عددًا، فيُصيب أقل أو يصيب أكثر -فإن أصاب أكثر مما وصف، ولم يخطئ شيئًا كما لو أخطأ في السكَّة.
فإن أصاب أقل، فإنه يُعطاها، وقال أشهب: لأني أخاف أن يغتال فيها.
وقيل: إنّهُ لا يُعطى شيئًا كما لو أخطأ في الزيادة، وهو قول: أصبغ، وابن عبد الحكم، أنّهُ لا يُعطى في الخطأ شيئًا.
وأمّا إن عرف العفاص، وجَهل الوكاء أو أخطأ فيه، ووصفهُ بصفةٍ ثم وُجد على صفةٍ أخرى أو عرف الوكاء، وجهل العفاص أو أخطأ فيه، وعرّف مع ذلك بقية الأوصاف أو جهلها، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا شيء له إلا بمعرفة جميع الأوصاف، وهو قول أصبغ، وابن عبد الحكم.
والثاني: أنه يستبرأ أمرُه، فإن لم يأت أحد بأثبت مما [أتى به دفعت إليه، وهو أحد قولي أصبغ في العتبية أيضًا.
والثالث: أنه إن ادعى الجهالة] (٢) استبرئ أمره، فإن غلط لم يُكن له شيء، وهذا هو المُختار عند حُذَاق المتأخرين "كالقاضي أبي الوليد، والشيخ أبي إسحاق التونسي".
وسبب الخلاف: اختلافهم في قوله ﵇: "اعرف عفاصها ووكائها" (٣) هل لابد من اعتبار الوجهين جميعًا حتى لو انخرم بعضها لم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) تقدم.
[ ٩ / ٢٩٠ ]
يصح منها شيء، وإنما تُعتبر الأوصاف على الجملة؟
فإذا انخرم بعضها، فتستحق بمعرفة ما عُرف منها كشروط الخلطة.
ولو كان الموجود دينارًا غير مَصرور، فوصف سكّتَهُ: هل يُعطى بذلك أو لابد من زيادة وصف آخر أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يأخذه بصفة سكته، وهو قول يحيى بن عمر.
والثاني: أنه لا يُعطاه حتى يذكر ذلك من صفة أو علامةٍ فيه، وهو قول سحنُون.
فإن [عرف] (١) [واحدٌ] (٢) العفاص، والوكاء، وعرّف آخر [عدد] (٣) الدنانير ووزنها، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها لِمن عرّف العفاص، والوكاء، ولا حقّ فيها لمن وصف العدد، وهو قول أصبغ.
والثاني: أنها تُقَسَّمُ بينهما كما لو تواردا على معرفة العِفاص، والوكاء بعد أن يتحالفا، وهو استحسان ابن حبيب.
فإن استحقها رجلٌ فأخذها، ثم جاء آخر فادعاها، فلا يخلو ذلك من أربعة [أوجه] (٤):
أحدها: أن يأخذها الأول ببيِّنة، ثم ادعاها الآخر ببيّنة.
والثاني: أن يأخذها بالصفة، ثمّ جاء آخر بتلك الصفة.
والثالث: أن يأخذها ببيّنة، ثم جاء عليها الآخر بصفة.
_________________
(١) في أ: وجد.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: عدة.
(٤) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٩١ ]
والرابع: أن يأخذها بالصفة، ثم ادعاها الآخر ببينة.
فأما الوجه الأول: إذا أخذها الأول من مُلتقطها ببينة ثم جاء الآخر، فأقام بينة، فهي لأعدلهما بينة، فإن تكافأتا في العدالة، فلأقدمهما تاريخًا بالمُلك، فإن جُهل التاريخ أو تساوى هل يكون للأول أو تُقسَّم بينهما؟ فالمذهب على قولين قائمين من المُدونة:
أحدهما: أنها تكون للأول، وهو قول أشهب في "مُدونته"، وهو قولُ الغير في "كتاب الولاء [والمواريث] (١) " من "المدونة".
والثاني: أنها تُقَسَّم بينهما، وهو قولُ ابن القاسم في المُدونة أنَّ اليد إذا [عرف] (٢) أصل ما أخذت، وجاء الثاني بالمعنى الذي جاء به الأول أنّ اليدّ لا حُكم لها، وهو قولهُ في الوارث يطرأ على [الورثة] (٣) بعد القبض والحوز.
وأما الوجه الثاني: إذا أخذها الأول بالصفة، ثم جاء بتلك الصفة، فلا يخلو الثاني من أن يُتهم على أنه سمع تلك الصفة، ووعاها من الواصف أو لا يُتَّهم. فإن اتُهِمَ على ذلك، كانت للأول، وإن لم يُتَّهم على ذلك لعلمنا بأنه لم يكن بالحضرة حين [الوصف] (٤) [ولا دس] (٥) مَنْ يسترق السَمع، هل تقسّم بينهما أم لا؟ فإنّه يتخرج على قولين قائمين من المُدونّة:
أحدهما: أنها للأول دون الثاني، وهو قولُ أشهب وغيرهُ في "المدونة"
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: عرفت.
(٣) في أ: الوارث.
(٤) في أ: الصفة.
(٥) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٩٢ ]
في "تكافؤ البيّنتين".
[والثاني: أنها تقسم بينهما، وهو الذي يأتي على قول ابن القاسم في تكافؤ البينتين] (١).
وأما الوجه الثالث: إذا أخذها الأول ببيّنة، ثمّ جاء الآخر بصفة، فإن الأول أحق بها قولًا واحدًا.
وأما الوجه الرابع: إذا أخذها الأول بصفة، ثم جاء الآخر ببينة، فلا يخلو الذي قبضها من أن يكون حاضرًا أو غائبًا.
فإن كان حاضرًا، فالدافع بريءٌ مع قيامها في يد القابض، وفي ملائه مع الفوات، وتكون الخُصومة بينهما، ويُحكم بها لصابح البيّنة.
فإن كان غائبًا، فلا يخلو الدافع من أن يدفعها بإشهاد أو بغير إشهاد.
فإن دفعها بإشهاد، فلا ضمان عليه، وعليه أن يُعرّفه باسمه وموضعه إن عَرِفَهُ، وإلا فلا شيء عليه.
فإن دفعها بغير إشهاد، ضمن للثاني قيمتها أو مثلها إن كان مما له مِثل، وهو قول ابن الماجشون وغيره [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب.
[ ٩ / ٢٩٣ ]
[المسألة الثالثة] في أخذ الآبق، وحَبسِهِ، والنفقة عليه
أما أخذه: فقد قال مالك في "المدونة": إن تَركَهُ خيرٌ من أخذهِ إلا أن يكون لقريبِهِ أو لجارِهِ أو لِمَن يعرفهُ، قال: "فأحبُّ إليّ أن يأخُذه".
وهو من أخذهِ في سعة.
فإن أخذهُ فلا يخلو السلطان من أن يكون عدلًا أو جائرًا، فإن كان عدلًا فهو مُخيَّر، إن شاء رفعهُ إليه، وإن شاء عرّف به.
فإن رفعهُ إلى السلطان، فإنّ السُلطان يحبسُهُ وينُفق عليه سنة، فإن جاء صاحبهُ أخذهُ، وغرِم النفقة، فإن لم يأت له طالب، باعهُ السلطان، ويأخذ النفقة من ثمنهِ، ويُرجع الباقي في بيت المال حتي يجيء صاحبهُ فيأخُذهُ.
فإن جاء أحدٌ يدعيه فلا يخلو مِن أن يدّعيه ببينة أو بغير بينة.
فإن ادعاهُ ببيّنة أقامها، فإن السلطان يدفعهُ.
فإن أقام شاهدًا واحدًا، فإنّهُ يحلف معهُ.
فإن ادعاهُ بغير بيّنة يُقيمها، فلا يخلو العبد من أن يُقر له بالرق أو لم يُقر.
فإن أقر له بالملك، فإنهُ يأخذهُ بعد الاستيفاء قولًا واحدًا.
وإن لم يُقر له بالملك، فعلى قولين:
أحدهما: أنه يدفع [له] (١) بعد الاستيفاء ويضمنهُ كما لو اعترف،
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٩ / ٢٩٤ ]
وهو قول ابن القاسم في "المُدونة" وغيرها، كالأمتعة التي تُسرق بمكة.
والثاني: أنه لا يدفع له، وهو قول أشهب في "مُدوّنته".
واختُلف هل يجوز في كَتْب القضاة إلى القضاة على الصفة والتحلية أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك جائز إذا ثبت كتاب القاضي ببينة، وهو قول ابن القاسم في "المُدونة"، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أن ذلك لا يجوز، ولا يأخذهُ حتى ينظر إليه الشهود، ويعرّفونَه أنّه هو.
فإن كان السلطان جائرًا: فلا ينبغي له أن يرفعهُ إليه، ويعرفُهُ سنة، وينفق عليه، ويكون حكمهُ في النفقة حكم السلطان.
فإن جاء صاحبه، وعرفْت أنه هو، فإنّهُ يأخذهُ منك، فإن جهلته ولم تعلم أنه سيدهُ، فإن اعترف له العبد بالرِقِّ فلا ضمان عليك في دفعه، وإن لم يعترف له بالملك، فارفعهُ إلى الإِمام إنْ لم تخفْ ظُلمهُ، فإن خِفْتَه فيتخرج دفعك إياهُ على قولين:
الجواز لابن القاسم في تضمينه إياه، والمنع لأشهب، وتضمنُه أنت إن دفعتَهُ له، وقال مالك في المُدونّة: "لم أزل أسمع أن الآبق يُحبس على ربّه سنة، وذلك يختلف باختلاف الأحوال".
وتحصيلُهُ أنّ العبد لا يخلو من أن يُخشى عليه الضيعة في هذا الأمر أم لا:
فإن خيف عليه أن يضيع، فإنّهُ يُباع قبل السنة، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية"، وهو تفسير لقول مالك.
فإن لم يُخشى عليه أن يضيع، هل ينتظر به سنة أم لا؟ على قولين:
[ ٩ / ٢٩٥ ]
أحدهما: أنه ينتظر به سنة، وهو [قول ابن القاسم في المدونة] (١) وهو المشهور.
والثاني: أنه لا يوقف سنة، وإنما يوقف قدر ما يتبّين ضررهُ، وهو قول سحنون، قال: "يُباع ويُوقف ثمنهُ وتُكتب صفتُهُ حتى يأتي له طالب"، ولابن كنانة مِثلُهُ؛ لأنه قال: "لا يُدفع الآبق إلى الإِمام بحال لِمَا يَخاف من طول حبسِهِ".
فإن باعه الإِمام بعد الاجتهاد ثمّ جاء سيدُهُ ثمّ ادعى أنه قد كان أعتقهُ قبل الإباق أو دُبُره، أو ادعى [أنها] (٢) وُلدت منه إن كانت أَمَةً، فأراد نقض البيع بذلك.
أمّا العتق، والتدبير، وسائر عُقود العتق غير الإيلاد، فلا يُقبل قولهُ في نقض البيع إلا ببينة عادلة.
فإن ادعى أنها ولدت منه، فلا يخلو من أن يكون معها ولد أم لا:
فإن كان معها ولد، هل تُردُّ إليه أم لا؟ على قولين منصوصين في "المُدونّة":
أحدهما: أنها تُرد إليه سواءٌ اتُهم أو لم يُتهم، وهو قول أشهب؛ لأن استلحاق الولد قاطع كلِّ تُهمة.
والثاني: أنها تُردُّ إليه إن لم يُتهم، وإن اتُهم فيها لم تُردُّ إليه، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الآبق"، وكتاب "أمهات الأولاد" وما به تكون التُهمة قد تقدّم تحصيلُه في "كتاب أمهات الأولاد".
فإن لم يكن معها ولد، فلا يخلو من أن يُتهم فيها، أو لا يُتهم فيها:
_________________
(١) في أ: مذهب.
(٢) في أ: أنه.
[ ٩ / ٢٩٦ ]
فإن اتُهم فيها لم تُرد إليه قولًا واحدًا.
فإن لم يتهم فيها، فهل تُرد إليه أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المُدونة:
أحدهما: أنها لا تُرُّد إليه، وهي رواية أكثر الأندلسيين، وهي رواية ابن اللباد.
والثانى: أنها ترد إليه وهي رواية أكثر القرويين، وعليه اختصر الشيخ أبو محمَّد بن أبي زمنين، وأبو سعيد البراذعي، وذكرها ابن حبيب عن ابن القاسم قال: فضل، وكذلك [قال] (١) عبد الملك بن الماجشون.
فإن هرب منه بعد أن أخذه: فلا يخلو من أن يأبق منهُ [أو يُرسلهُ باختياره] (٢).
فإن أبق منه، فلا يخلو من: أن يهرب من الدار أو يُرسلَهُ [في] (٣) بعض حوائجهُ ثم يأبق.
فإن أبق مِنْ دَارهِ، فإن ظهر ذلك واشتُهر، قُبل قوله بلا يمين قولًا واحدًا، كان مِمن يُتهم [أم] (٤) لا؟
فإن لم يكُن إلا دعواهُ، هل يحلف أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهُ لا ضمان عليه، ولا يمين، وهو ظاهر قوله في "المدونة" حيث قال: "لا شيء عليه".
والثاني: أنه يحلف: لقد انفلت منهُ من غير تفريط، وهو قول ابن الماجشون.
والثالث: أنه إن كان من أهل التُهمة حُلِّف، وإلا فلا، وهو ظاهر قول ابن نافع.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) في ب: إلى.
(٤) في أ: أو.
[ ٩ / ٢٩٧ ]
فإن أرسلهُ في حاجةٍ فهربَ: فإن أرسلهُ في حاجة خفيفة أقرب منها، فلا ضمان عليه.
فإن أرسله في حاجةٍ يأبق في مثله لبُعدها وما يلحقهُ من المشقَّة، فهو ضامن، وهو قول أشهب في "كتابه".
فإن أرسله باختياره: فلا يخلو من أن يكون ذلك لعُذرٍ أو لغير عُذر.
فإن كان ذلك لعُذرٍ وخاف أن يقتلهُ أو يضربهُ، أو يذهب لحوائج بينة، ونحو ذلك، فقد قال ابن عبد الحكم: لا ضمان عليه.
وينبغي ألا يُختلف فيما قالهُ إذا غَلب على الظنِّ الخوفُ منه بما ظهر من ظواهر حال العبد.
فإن أرسلهُ لغير عُذرٍ فهو ضامن، وليس شدة النفقة بعُذرٍ يسقط عنه الضمان، قالهُ ابن عبد الحكم، وسواء كان الذي أخذهُ ممن يأخذ الجُعل على طلب الآبق في جميع ما ذكرناهُ أم لا، والحمد لله وحده. [تم الكتاب بحمد الله وعونه] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ٩ / ٢٩٨ ]
كتاب حريم الآبار
[ ٩ / ٢٩٩ ]