تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها أربع مسائل:
المسألة الأولى في الفرق بين الذمة والرقبة حقيقة وحكمًا
فإن كان أكثر مسائل هذا الكتاب أحكامها جارية على ما يترتب في الذمة، أو يكون في الرقبة؛ فلأجل هذا يجب أن نبتدئ بها، ثم نتعقبها بمسائل الكتاب على الولاء إن شاء الله، فنقول -وبالله التوفيق: إن الفرق الحقيقي؛ وهو أن الرقبة عبارة عن شهامته، وهيكله، ودأبه؛ فإذا قيل في حكم من الأحكام هو في رقبة فلان، فالمراد أن يقضي منها عينًا، لا بدلًا.
وأما الذمة: فليست بعبارة عن ظرف ووعاء أثبتها الشرع لتكون محملًا للإلزام والالتزام شرعًا، لا وجود لها في الأعيان، وإنما وجودها في الأذهان؛ كالإنسانية في الإنسان، وكالحيوانية في الحيوان؛ وذلك أن الآدمي لما فارق سائر الحيوانات بخطاب الشرع فارقها بذمة تكون محملًا للالتزام في العقود والحقوق والتمليكات، وغير ذلك من أسباب الأحكام، وهو نوع كرامة لبني آدم لما أكرموا بالخطاب الملزم محقوق أكرموا بالمحل لذلك.
وأما الفرق الحكمي: فهو كل دين التزمه برضا من له الدين، فهو في ذمته، وسموا هذا بأنه دين معاملة.
وكل ما التزمه بغير رضاه فهو في رقبته، وسموا هذا دين جناية.
[ ٨ / ٢٢٩ ]
ولا خلاف في أروش الجنايات أنها في الرقبة، ولا خلاف أيضًا فيما استدانه بغير إذن سيده أنه لا يعلق بالرقبة؛ بل هو في الذمة ما لم يفسخه السيد عنه، وبينهما أوساط مشكلة؛ وذلك أن ما استدانه بإذن السيد فيه للعلماء المتقدمين مذهبان:
فمن جعله في الرقبة قاسه على الجنايات، ومن جعله في الذمة قاسه على الدين، وبه نقول -نحن المالكية- والشافعية.
والفرق بينه وبين الجنايات: أن الخطاب في الجنايات للسيد لما كان قضاؤها من رقبة يملكها، وخطاب السادات في الذوات، والخطاب في الديون للعبد، وخطاب العبيد في الأموال لتصديهم للمعاملات تصدي الأحرار لها، بيد أنا نقول: تعلق الجناية بالرقبة خارج عن قياس الأصول، ومنهاج القواعد، فإشكال الجناية وارد على المذهبين، لازم للخصمين، فدفعه متعين على الفريقين، وفيه غموض، وإزاحته [محالة] (١) على فن الأصول، [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في أ: محال.
(٢) زيادة ليست بالأصل.
[ ٨ / ٢٣٠ ]
المسألة الثانية في إذن السيد لعبده في التجارة
ينبغي أن تعلم أن العبد -وإن قلنا نحن معاشر المالكية أنه يملك على الحقيقة- فإنه منزوع من التصرف في ماله؛ لعقد الرق الذي ارتكب فيه؛ إذ لا يصح للمالك التصرف في ماله إلا بأربعة أوصاف:
البلوغ، والحرية، وكمال العقل، وبلوغ الرشد.
فأما اشتراط الحرية: فلأن العبد -وإن كان يملك- فإن ملكه غير مستقر؛ إذ للسيد انتزاعه منه، فهو محجور عليه فيه لحق السيد، فلا يجوز له فعل، ولا تصرف إلا بإذن سيده.
فإن أذن له السيد: فلا يخلو إذنه من أن يكون إذنًا مطلقًا، أو يكون إذنًا خاصًا.
فإن كان إذنًا عامًا: فتصرفه في جميع أنواع المعاوضات جائزة على اختلاف أنواعها وتباين صفاتها من المتأخر، ولا اعتراض عليه، وله أن يبيع بالدين أو يشتري به، ولا خلاف في ذلك.
فإن كان إذنه إذنًا خاصًا: فلا يخلو من أن يكون خاصًا بالصيغة، والإشهاد، أو خاصًا بالصيغة دون الإشهاد.
فإن كان إذنًا خاصًا بالصيغة والإشهاد، والإشهار على رؤوس الأشهاد؛ مثل أن يأذن له في نوع له من المتاجر، وأشهر ذلك وأعلنه: فلا خلاف -أعلمه- في المذهب نصًا أنه محجور عن التصرف فيما عدا ذلك النوع، وأنه فيه باق على المنع، وأن من عامله في غير ذلك النوع قد عرض ماله للتلف.
[ ٨ / ٢٣١ ]
وإن كان إذنًا خاصًا بالصيغة دون الإشهاد والإشهار؛ مثل أن يأذن له في نوع من المتاجر، ولم يشهر ذلك، هل يجوز له أن يتصرف في غير ذلك النوع، ويلزم السيد؟ وهل يجوز له أن يبيع بالدين أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك لازم للسيد، وهو قول ابن القاسم في المدونة، في أول "كتاب المأذون"؛ حيث قال: لأنه أقعد للناس، ولا يدري الناس لأي أنواع التجارة أقعده، فيجوز له أن يبيع بالدين وغيره، وهو قول أصبغ في التحجير في الدين؛ إذ لا فرق بين أن يحجر عليه في التجارة في الدين، أو يحجر عليه في التجارة في نوع من الأنواع.
والثاني: أنه لا يجوز له أن يتجر في الدين إذا حجر عليه في التجارة به، وهو قول سحنون، وكذا يلزم على قوله إذا حجر عليه في التجارة في نوع من المتاجرة.
وأما الرشد: فإن الله تعالى جعل الأموال قوامًا للعيش، وسببًا للتجارة، وصلاحًا للدين والدنيا، ونهى عن إضاعتها وتبذيرها في غير وجوهها؛ نظرًا منه لعباده، ورأفة بهم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ الآية (٢).
وأمرنا أن لا نمكن منه السفهاء؛ حراسة لها من أن تبذر وتنفق في غير وجوهها؛ فقال ﵎: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٣).
وأما اشتراط البلوغ: إذ لا يصح الرشد من صبي لضعف ميزه بوجوه
_________________
(١) سورة الإسراء الآيتان (٢٦، ٢٧).
(٢) سورة الفرقان الآية (٦٧).
(٣) سورة النساء الآية (٥).
[ ٨ / ٢٣٢ ]
منافعه، ولا من مجنون؛ لسقوط ميزه وذهاب رأيه.
فوجب الاحتياط للأموال، وقطع مادة النظر عنها بأن يمنع من التصرف فيها من ليس من أهل التصرف فيها، ويحجر عليه، ويحال بينه وبينها؛ خشية الإضاعة لها، امتثالًا لأمر الله فيها.
وأما البلوغ: فحده الاحتلام في الرجال، والحيض في النساء، أو يبلغ أحدهما من السن أقصى سن من يحتلم، وقد اختلف فيه عندنا من خمسة عشر إلى ثمانية عشر عامًا.
وأما العقل: فمحله القلب عند مالك، على مشهور مذهبه، وحده: علوم يتميز من اتصف بها عن البهيمة والمجنون؛ كالعلم بأن الاثنين أكثر من واحد، وأن الضدين لا يجتمعان، وأن السماء فوقنا والأرض تحتنا، وأن الجمل [لا يلج] (١) في سم الخياط.
فحد البلوغ وكمال العقل تدرك معرفتهما بأدنى حظ من النظر والاستدلال.
وأما الرشد حده في المال، فحبس النظر، ووضع التصرف فيها، واختلف هل من شرط كماله الصلاح في الدين أم لا، على قولين قائمين من كتاب الأيمان في الطلاق وغيره، وهو مما يخفى ولا تدرك معرفته إلا بطول الاختبار في المال والتجربة له فيه؛ ولهذا المعنى وقع الاختلاف بين أهل العلم في الحد الذي يحكم فيه للإنسان بالرشد، ويدفع إليه ماله، ويمكَّن من التصرف فيه، والاختلاف في هذا إنما هو على حسب الأحوال؛ وهي تنقسم على أربعة أقسام:
حال الأغلب من صاحبها السفه، فيحكم له فيها، بحكمه وإن ظهر رشده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٨ / ٢٣٣ ]
وحال محتملة للرشد والسفه، والأظهر من صاحبها الرشد: فيحكم له به ما لم يظهر سفهه، على اختلاف كثير من أصحابنا في هذه الأقسام على ما سنبينه إن شاء الله.
والجواب عن الحال الأول: الذي يحكم له فيها بحكم السفه، وإن ظهر رشده؛ فمنها حال الصغير: فلا خلاف في المذهب أن الصغير -الذي لم يبلغ الحلم من الرجال، والتي لم تبلغ الحيض من النساء- لا يجوز له التصرف في ماله بالمعروف من هبة، ولا صدقة، ولا عتق، وإن أذن له في ذلك الأب أو الوصي إن كان ذا أب، أو وصي.
فإن باع أو اشترى، أو مغل ما يشبه البيع أو الشراء مما يخرج عن عوض، ولا يقصد فيه إلى معروف: كان موقوفًا على نظر وليه -إن كان له وليّ- فإن رآه سدادًا، أو غبطة: أجازه وأنفذه، وإن رآه خلاف ذلك: رده وأبطله.
وإن لم يكن له وليّ قدم له القاضي وليًا ينظر له، وإن غفل عن ذلك حتى يلي أمره: كان النظر إليه في إجازة ذلك أو رده.
واختلف إذا وافق فعله السداد، والنظر مما كان يلزم الوليّ فعله، هل له أن يرده، ولاسيما إن تغير ذلك بنماء أو نقصان؟ على قولين؛ ومشهور المذهب أن ذلك له.
وعلى القول بأن له أن يرده هل يستحب له إمضاء فعله أم لا؟
على قولين، كليهما متأول على المدونة:
أحدهما: أنه يستحب له الإمضاء في الجميع، وهو ظاهر قوله في "المدونة" لإطلاقه، وعله اختصر المختصرون، وألَّا فرق بين العتق، والصدقة، والبيع.
[ ٨ / ٢٣٤ ]
والثاني: أنه يستحب ما لله فيه قربة أن يقضي دون ما بينه وبين العباد، وعليه تأول ما في المدونة، وهو قول أشهب في سماعه، ويلزم ما أفسد أو كسر مما لم يؤتمن عليه في حاله.
واختلف فيما أفسد أو كسر مما ائتمن عليه على قولين:
أحدهما: أنه لا يلزمه، وهو مذهب "المدونة" وعليه الجمهور.
والثاني: أنه يلزمه، وهو قول ابن كنانة.
ومنها حال البكر ذات الأب أو الوصي ما لم تتعنس على مذهب من يعتبر تعنيسها، أو ما لم تتزوج، ويدخل بها زوجة على مذهب من لا يعتبر تعنيسها.
ومنها حالة من ثبتت عليه ولاية من قبل الأب، أو سلطان حتى يطلق منها على قول مالك وجميع أصحابه إلا ابن القاسم قال: إن بيعه وشراءه جائز إذا كان سدادًا.
والجواب عن الحال الثاني: التي يحكم له فيها بحكم الرشد، وإن علم سفهه:
فمنها حال السفيه إذا كان لم تثبت عليه ولاية من قبل أب أو سلطان على اختلاف بين أصحاب مالك في ذلك، وقد اختلفوا فيه على أربعة أقوال:
أحدها: أن بيعه وشراءه وقضاءه جائز حتى يولي عليه، وسواء خرج من الولاية بالبلوغ وإيناس الرشد منه، أو لم يخرج منها من يوم بلغ إلى وقته، وبه قال ابن كنانة، وابن نافع، وأكثر أصحاب مالك.
والثاني: أن بيعه وشراءه وقضاءه في ماله لا يجوز جملة بلا تفصيل؛ لأنه لم يزل في ولاية السلطان مذ كان، والسلطان وليّ من لا وليّ له،
[ ٨ / ٢٣٥ ]
وليس ترك السلطان ما يلزمه من التولية عليه مما يخرجه من ولايته.
وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، و"المدونة".
والثالث: التفصيل بين أن يتقدم عليه الحجر والولاية ثم خرج برشد الحال، ثم حجر عليه ثانية، فتكون أفعاله نافذة ماضية، فإن لم يأت عليه حال رشده، وهو منذ بلغ سفيهًا: فأفعاله مردودة كما قال ابن القاسم لأنه لم يخرج من ولاية السلطان.
وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب".
والقول الرابع: أنه إن كان معروفًا بالسفه، معلنًا به.
فأفعاله له غير جائزة، وإلا فأفعاله جائزة جملة بلا تفصيل بين أن يتصل سفهه أم لا.
وهو قول أصبغ في "العتبية".
والجواب عن الحال: التي يحكم له فيها بحكم السفه ما لم يظهر رشده: فمنها حال الابن بعد بلوغه في حياة أبيه، على الخلاف بين أصحابنا في ذلك، وقد قدمناه في أول "كتاب النكاح الأول"، وقد كنا استقرأنا من "الكتاب" ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يكون رشيدًا بنفس البلوغ، ويخرج من ولاية الأب.
والثاني: أنه لا يخرجه من ولايته إلا الرشد، وصلاح الحال، وهو قوله في "كتاب الصدقة" وغيرها.
والثالث: التفصيل بين النفس والمال، وهو تأويل الشيخ أبي محمد بن أبي زيد على "المدونة"، وهذا في المجهول الحال.
ومنها: حال البكر، أو اليتيمة التي لا وصي لها إذا تزوجت، ودخل بها زوجها من غير حد، ولا تفرقة بين ذات الأب واليتيمة، على رواية
[ ٨ / ٢٣٦ ]
ابن القاسم عن مالك، خلافًا لمن حد في ذلك حدًا، أو فرق بين ذات الأب واليتيمة، على ما سنذكره بعد إن شاء الله.
والجواب عن الحال: التي يحكم له فيها بحكم الرشد ما لم يظهر سفهه:
فمنها حال البكر المعنس -على مذهب من يعتبر تعنيسها- وقد اختلف في حده.
أو التي دخل بها زوجها، ومضى لدخوله بها العام، أو العامان أو السبعة الأعوام، على الاختلاف في الحد المؤقت في ذلك بين من وقته.
ومنها: حال الابن ذي الأب بعد بلوغه، والابنة البكر بعد بلوغها على رواية زياد عن مالك.
ولا يخرج عن هذا التفصيل الذي فصلناه وقسمناه شيء من الخلاف الحاصل بين أصحابنا في هذا الباب، وأنا أذكر من ذلك ما حضر في حفظي بأقرب تلخيص، وأحسن تحصيل: أما الابن فهو في ولاية أبيه ما دام صغيرًا لا يجوز له فعل إلا بإذن أبيه، فإذا بلغ فلا يخلو أمره من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون معلوم الرشد.
والثاني: أن يكون معلوم السفه.
والثالث: أن يكون مجهول الحال لا يعلم رشده من سفهه.
فإن كان معلومًا بالرشد: فأفعاله جائزة ليس للأب أن يرد منها شيئًا وإن لم يشهد على إطلاقه من الولاية، فقد خرج منها ببلوغه مع ما ظهر من رشده.
[ ٨ / ٢٣٧ ]
وأما إن كان معلومًا بالسفه: فلا يخرجه الاحتلام من ولاية أبيه، وأفعاله كلها مردودة غير جائزة.
وأما إن كان مجهول الحال لا يعلم رشده من سفهه: فقد اختلف فيه المذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه محمول على السفه حتى يثبت رشده، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الصدقة"، و"الهبة"؛ حيث قال: ليس الاحتلام بالذي يخرجه من ولاية أبيه حتى يعرف حاله، ويشهد العدول على صلاح أمره، وهو ظاهر سائر الروايات عنه، وعن مالك في "المدونة" وغيرها.
والثاني: أنه محمول على الرشد حتى يثبت سفهه، وأنه بالاحتلام يخرج من ولاية أبيه إذا لم يعرف سفهه ولا رشده، روى ذلك زياد عن مالك، وهو ظاهر ما وقع في أول "كتاب النكاح الأول" من "المدونة".
والثالث: التفصيل بين النفس والمال؛ ويحمل على الرشد في نفسه، وعلى السفه في ماله، وهو تأويل أبي محمد على "المدونة" في قوله: وإذا احتلم الغلام، فله أن يذهب حيث شاء، إلا أن يخاف عليه من ناحية السفه، فللأب أن يمنعه، وقال الشيخ أبو محمد: يريد بنفسه لا بماله.
والرابع: أنه لا يخرج بالاحتلام من ولاية أبيه حتى يمر به العام ونحوه، وإليه ذهب ابن العطار في وثائقه.
ولا زلت قط أتأمل قوله في "كتاب النكاح الأول" أنه إذا احتلم يجوز أن يذهب حيث يشاء، فأباح له الأسفار والجولان في الأمصار بغير رضي الأب والاختيار.
ووقع في "العتبية" من رواية أشهب عن مالك أنه سأله رجل فقال: إن ابني تزوج امرأة، وهو يريد أن يذهب معها ويدعني وأنا شيخ كبير لا
[ ٨ / ٢٣٨ ]
أقدر على نزع الشوكة من رجلي؟
فقال: إن كان قد بلغ، وليس بسفيه ولا ضعيف العقل، وهو يلي نفسه: فذلك جائز له، وهو رجل يخرج إن شاء إلى العراق، وإن كان لا يلي نفسه، وهو سفيه مأخوذ على يديه: فليس ذلك له.
فانظر كيف أباح له مالك الخروج إلى العراق إذا كان رشيدًا -شاء الأب أو أبى- ومنعه في مشهور مذهبه أن يخرج لحجة الفريضة إلا بإذن أبويه وهذا الذي لم أزل أتفكر فيه مع عموم الأزمان.
فإن كان في ولاية وصي: فلا يخلو من أن يكون وصيًا من قبل الأب، أو من قبل القاضي.
فإن كان وصيًا من قبل الأب، هل يخرج من الحجر بإطلاق الوصي أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يخرج منه بإطلاق الوصي، وإن لم يعلم رشده إلا من قوله، وهو مصدق فيما يذكر من حسن حاله كالأب.
والثاني: أنه لا يجوز إطلاقه إلا أن يتبين رشده وحسن حاله، وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم في "العتبية".
فإن كان وصيًا من قبل القاضي -أعني: مقدمًا: فقد اختلف في إطلاقه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يطلقه من ولايته إلا بإذن القاضي الذي قدمه عليه.
وهو قول ابن زرب وغيره، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في وصي الأب، فكيف عند وصي المقدم من جهة القاضي.
والثاني: إن إطلاقه جائز دون إذن القاضي، وإن لم يعلم رشده إلا من قوله.
[ ٨ / ٢٣٩ ]
والثالث: أنه إذا عرف بالرشد، واشتهر به جاز إطلاقه دون القاضي، وإذا لم يعرف إلا من قوله: فلا يطلقه إلا السلطان.
والثلاثة الأقوال حكاها بعض الشيوخ.
واختلف هل حكمه مع الوصي كحكمه مع الأب في الخروج من الحجر بنفس البلوغ على قولين:
أحدهما: أنه حاله مع الوصي كحاله مع الأب، وأنه يخرج من ولاية الوصي إذا علم رشده أو جهل حاله، على الخلاف المتقدم، وهو ظاهر ما وقع في "كتاب الهبة"، و"الصدقة" من "المدونة" من قوله: وقد منعهم الله من أموالهم مع الأوصياء بعد البلوغ بالرشد، فكيف مع الآباء الذين [هم] (١) أملك بهم من الأوصياء، وإنما الأوصياء بسبب الآباء.
ونحوه لابن الماجشون في "الواضحة" قال: إن البكر إذا عنست أو نكحت: جازت أفعالها -كانت ذات أب أو وصيّ-.
والثاني: أن أفعالها كلها مردودة، وإن علم رشدها ما لم تطلق من ثقاف الحجر الذي لزمه، وهذا هو المشهور الذي عليه أكثر أصحاب مالك.
وأما الابنة البكر: فلا خلاف في المذهب أن أفعالها مردودة غير جائزة ما لم تبلغ المحيض، فإذا بلغته فلا يخلو أمرها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون ذات أب.
والثاني: أن تكون يتيمة ذات وصي، وقد أوصى عليها الأب، أو قدم عليها السلطان.
والثالث: أن تكون يتيمة لا وصى لها من قبل أب، ولا مقدمًا من قبل السلطان.
فإذا مات الأب، فاختلف فيها المذهب على سبعة أقوال:
أحدها: رواية زياد عن مالك أنها تخرج بالحيض من ولاية أبيها، ومعنى
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٨ / ٢٤٠ ]
ذلك -والله أعلم: إذا علم رشدها أو جهل حالها، وأما إن علم سفهها فهي باقية في ولايته.
والثاني: أنها باقية في ولاية أبيها حتى تبلغ ويدخل بها زوجها ويعرف من حالها، ويشهد العدول على صلاح أمرها.
وهو قول مالك في "الموطأ"، و"المدونة"، و"الواضحة" من رواية مطرف عنه، فعلى هذا ما لم تنكح أو يدخل بها زوجها في الولاية أفعالها مردودة، وإن علم رشدها، فإذا دخل بها زوجها حُملت على السفه وردت أفعالها، فإذا ظهر صلاحها وعلم رشدها خرجت من ولاية أبيها وإن كان ذلك بقرب بناء زوجها بها.
والثالث: أنها في ولاية أبيها ما لم تعنس أو يدخل بها زوجها، ويعرف صلاح حالها، وهي رواية عن مالك في "كتاب الكفالات" أيضًا في اعتبار التعنيس محمولة على الرشد جائزة أفعالها ما لم يعلم سفهها.
والرابع: أنها في ولاية أبيها حتى تمر بها سنة بعد دخول زوجها بها وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة".
فعلى هذا القول تكون أفعالها قبل دخول زوجها مردودة، وإن علم رشدها، وبعد دخول زوجها ما بينها، وبين القضاء العام جائزة الأفعال ما لم يعلم سفهها.
والخامس: أنها في ولاية أبيها حتى يمر بها عامان، وهو قول ابن نافع في "العتبية".
والسادس: أنها في ولاية أبيها حتى يمر بها سبعة أعوام، وهذا القول يعزى إلى ابن القاسم.
والسابع: أنها تخرج من ولاية أبيها إذا مضى لها في بيت زواجها من
[ ٨ / ٢٤١ ]
الستة الأعوام إلى السبعة ما لم يجدد عليها الأب السفه قبل ذلك، وهو اختيار ابن زمنين.
فعلى القول بتجديد السفه عليها بعد الدخول، وقبل انقضاء المدة التي حديث لجواز أفعالها، ثم تراخى الأمر إلى أن يبلغ ذلك الحد، ثم يموت الأب بعد ذلك، هل يلزمها حكم الولاية أم لا؟ فبين المتأخرين قولان:
أحدهما: أن إيصاء الأب عليها لازم لها كتجديد السفه عليها الذي لا تخرج منه إلا بثبات رشدها بالبينة العادلة.
والثاني: أن ذلك لا يلزمها بخلاف تجديد السفه عليها، بمنزلة الأب يولي على ابنته البكر ثم زوجها، فتقيم مع زوجها سبع سنين، أو أكثر فيموت: أن الإيصاء ساقط عنها.
وأما إن كانت يتيمة ذات وصي من قبل أب أو سلطان: فقد اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أنها لا تخرج من الولاية، وإن عنست، أو تزوجت ودخل بها زوجها، وطال زمانها: لم تطلق من ثقاف الحجر الذي لزمها بما يصح إطلاقها منه، وهذا هو المشهور في المذهب.
والثاني: أن حالها مع الوصي كحالها مع الأب في خروجها من ولايته بالتعنيس أو النكاح مع طول المدة وتبين الرشد، وهي رواية مطرف، وابن عبد الحكم، وعبد الرحيم عن مالك.
وأما إن كانت يتيمة لم يولَّ عليها بأب ولا وصي: فقد اختلف فيها على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن أفعالها جائزة إذا بلغت المحيض، وهو قول سحنون في "العتبية"، وهو قول الغير في "كتاب النكاح الثاني" في باب نكاح
[ ٨ / ٢٤٢ ]
التفويض إذا رضيت بأقل من صداق مثلها، وهي رواية زياد عن مالك.
والثاني: أن أفعالها مردودة ما لم تعنس، وهو أحد قولي مالك في "كتاب الكفالات".
واختلف في حد تعنيسها على خمسة أقوال:
أحدها: ثلاثون سنة، وهو قول ابن الماجشون.
والثاني: من الثلاثين إلى دون الأربعين، وهو قول ابن نافع.
والثالث: أربعون، وهي رواية مطرف عن مالك، وأصبغ عن ابن القاسم.
والرابع: من الخمسين إلى الستين، وهي رواية سحنون عن ابن القاسم.
والخامس: أن حد تعنيسها أن تقعد عن المحيض، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المدونة" قال: لا تجوز أفعالها حتى تعنس، وتقعد عن المحيض، أو ما لم تتزوج ويدخل بها زوجها، وتقيم معه مدة يحمل أمرها فيها على الرشد قبل انقضاء هذه المدة العام، وهو قول ابن الماجشون، وإليه ذهب ابن العطار.
وقيل: ثلاثة أعوام ونحوها.
وقيل: السنتين، والثلاثة، وهو اختيار محمد بن أبي زمنين، [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٨ / ٢٤٣ ]
المسألة الثالثة في معرفة ما يلزم السفيه من إقراره وأفعاله
أما ما كان من حقوق الله تعالى التي أوجبها على عبادة في بدنه وماله، فإنه يلزمه ما وجب في بدنه من حد أو قصاص، ويلزمه الطلاق -كان بيمين حنث بها أو بغير يمين- وكذلك الظهار، وينظر له وليه فيه بوجه النظر؛ فإن رأى أن يعتق عنه ويمسك عليه زوجته فعل، وإن رأى ألا يعتق عنه، وأزال ذلك الفراق بينهما كان ذلك له.
وهل له أن يكفر بالصيام رقبته؟ وهل منعه الولي العتق أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز أن يكفر بالصيام إذا كان له مال يحتمل رقبته وهذا هو المشهور.
والثاني: أنه يجوز له أن يكفر بالصيام إذا لم ير وليه أن يكفر عنه بالعتق، وهو قول ابن المواز.
والثالث: أن الوليّ يكفر عنه بالعتق -كان ذلك منه أول مرة، فإن عاد إلى الظهار لم يعتق عنه؛ لأن المرة الواحدة تأتي على الكليم والسفيه وهو قول ابن كنانة.
وعلى القول بأنه لا يكفر عن بالعتق، هل يدخل عليه الإيلاء أم لا؟
فأمَّا على قول من ذهب أنه لا يجوز أن يكفر بالصيام، فإنه لا يدخل عليه إذا طلبت المرأة ذلك؛ لأنه لم يبق له أمر ترضى بالتربص، وهو قول أصبغ، ويحتمل أن يضرب له من أجل الإيلاء لعل الزوجة ترضى بالمقام معه بلا وطء، كما قال في "كتاب الظهار" و"كتاب
[ ٨ / ٢٤٤ ]
الإيلاء" مع الاحتمال أن يرشد في باقي الأجل، ويملك التصرف في ماله، فيكفر بالعتق.
وأما على مذهب من يرى أن يكفر بالصيام: فإنه يضرب له أجل الإيلاء إذا تراخى عن الصيام، وطلب المرأة ذلك.
وأما الإيلاء فلا يخلو من أن يدخل عليه بسبب يمين الطلاق وهو فيها على حنث، أو حلف على ترك الوطء، فلا يخلو من أن يكون يمينه بعتق، أو صدقة، أو ما لا يجوز له فعله، ويحجر عليه في ذلك وليه لم يلزمه به الإيلاء.
وإن كانت بالله تعالى، فيلزمه الإيلاء إذا لم يكن له مال، وإن كان له مال، فقولان:
أحدهما: أنه لا يلزمه الإيلاء، وهو المشهور.
والثاني: أنه يلزمه، وهو قول ابن المواز.
وإن كانت يمينه بصلاة، أو صيام، أو ما أشبه ذلك مما يلزمه: لزمه به الإيلاء، ولا تلزمه هبة، ولا صدقة، ولا عتق، ولا شيء من المعروف في ماله، إلا أن يعتق أمَّ ولده، فقد اختلف في لزومه على قولين:
أحدهما: أنه يلزمه عتقها؛ لأنها تشبه الزوجة التي ليس له فيها إلا الاستمتاع بالوطء، وهو المشهور.
والثاني: أنه لا يلزمه عتقها.
وهل يتبعها مالها أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يتبعها، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه.
والثاني: أنه لا يتبعها، وهي رواية يحيى عن ابن القاسم.
والثالث: التفرقة بين أن يكون مالها قليلًا، أو كثيرًا؛ فيتبعها إذا كان
[ ٨ / ٢٤٥ ]
قليلًا، ولا يتبعها إذا كان كثيرًا، وهو قول أصبغ: وأما ما كان من حقوق الآدميين على الخلوص؛ كبيعه وشرائه، ونكاحه، وما أشبه ذلك مما يخرج على عوض، ولا يقصد به المعروف: فإنه موقوف على نظر وليِّه إن كان له وليّ؛ فإن رأى أن يجيزه جوزه، وإن رأى أن يرده رده بوجه النظر له والاجتهاد.
فإن لم يكن له وليّ: قدم القاضي ناظرًا ينظر له في ذلك نظر الوصي.
وإن لم يفعل حتى ملك أمر نفسه: كان هو مخير في رد ذلك وإجازته.
فإن رد بيته وابتياعه، وكان أتلف الثمن الذي باع، أو السلعة التي ابتاعها: فلا يخلو من أن ينفق الثمن فيما لابد له منه، أو في غيره.
فإن أنفقه في غير واجبه مما هو عنه في غنى: فإنه لا يتبع بذلك، ولا يتقرر في ذمته.
وإن أنفقه فيما لابد له منه مما يلزمه إقامته من ماله، فهل يتبع بذلك في ماله أم لا؟
على قولين متأولين على "المدونة"، ولا خلاف أنه لا يتبع بذلك في ذمته.
فإن كان الذي اشترى المشتري منه أمة، فأولدها أو أعتقها، أو غنمًا فتناسلت، أو بقعة فبنى فيها، أو شيئًا له غلة فاغتلها: كان حكمه في جميع ذلك حكم من اشترى من مالك فيما يرى فاستحق من يده ما اشترى بعد أن أحدث فيها ترد إلى المولى عليه الأمة التي ولدت من المشتري وقيمة ولدها، على اختلاف قول مالك في ذلك.
[ ٨ / ٢٤٦ ]
وإن كان الولد من غيره بتزويج: أخذه مع الأم، وكذلك يأخذ الغنم ونسلها، وكان عليه فيما بناه قيمة بنائه قائمًا، وكان الغلة التي اغتل له بالضمان، وهو قول أصبغ في "كتاب ابن حبيب".
هذا كله إن لم يعلم بأنه مولى عليه لا يجوز بيعه.
وأما إن علم أنه مولى عليه: فهو متعد في البيع بغير إذن وليه لسفهه، فحكم المشتري حكم الغاصب يرد الغلة، على الخلاف المألوف فيه، ويكون له فيما بناه قيمته منقوضًا.
واختلف فيما فوت السفيه من ماله بالبيع، والهبة وغير ذلك، فلم يعلم به حتى مات، هل يرد بعد الموت أم لا؟ على قولين.
وكذلك اختلف إذا تزوج، ولم يعلم وليه بنكاحه حتى مات، هل ترثه المرأة، ويلزمه الصداق أم لا على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا ميراث لها، ولا صداق إلا أن يدخل بها، فيكون لها قدر ما يستحل به فرجها، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في "الواضحة".
والثاني: أن لها الميراث وجميع الصداق، وهو أحد قولي مالك في "المدونة" في النكاح الذي لأحد الزوجين، أو لغيرهما إجازته أو رده، وهو اختيار ابن القاسم.
والثالث: أن لها الميراث، وينظر الولي في النكاح؛ فإن كان نكاح غبطة هل لو نظر فيه الولي في حياته لم يفسخه، وأجازه فلها الصداق مع الميراث دخل بها أم لا.
فإن كان نكاح غير غبطة مما لو نظر فيه الولي لم يجوزه: وجب لها الميراث، وردت الصداق دخل بها أم لا، ويترك لها في الدخول ربع دينار
[ ٨ / ٢٤٧ ]
وهو قول أصبغ.
والقولان المتقدمان لابن القاسم.
وينبني الخلاف: على الخلاف في فعله، هل هو على الرد حتى يجاز، أو على الجواز حتى يرد؟
فإن كانت المرأة هي التي ماتت، وبقى المولى عليه فقولان أيضًا.
أحدهما: أن النظر لوليه قائم، فإن رأى إجازة ذلك خير له وغرم الصداق لما يأخذ من الميراث أجازه، وإلا رده، وهو الذي على قول مطرف، وابن الماجشون، وأحد قولي ابن القاسم إذا مات الزوج.
والثاني: أنه جائز، ويكون لها الصداق، ويرثها الزوج، وهو قول ابن القاسم؛ لأن موضع النظر قد فات ومضى.
واختلف هل يجيزه الولي على النكاح، أم لا كما يجيز الصغير على قولين قائمين من المدونة، وقد بيناهما في "كتاب النكاح الأول"، وهما منصوصان في "الواضحة".
وكذلك اختلف أيضًا هل يخالع عنه بغير إذنه أم لا؟ على قولين:
فله في "المدونة": أنه لا يخالع عنه إلا بإذنه، وله في "العتبية" من رواية عيسى عنه أنه يخالع عنه بغير إذنه كالصبي، وهو قائم من "المدونة" على القول بأن الخلع حكمه حكم المعاوضة المحضة، [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
[ ٨ / ٢٤٨ ]
المسألة الرابعة في الإذن في التجارة، هل يتناول الإجارة؟
اعلم أن أرباب المذهب اختلفوا في الإذن في التجارة هل ينتظم الإذن في الإجارة أم لا، على قولين:
أحدهما: أنه يتناوله وينتظمه، وهو مذهب ابن القاسم، ومن تابعه على ذلك؛ لأنه أباح للمأذون له في التجارة أخذ القراض، وذلك محض الإجارة.
والثاني: أنه لا ينتظمه ولا يقتضيه، وهو مذهب أشهب وسحنون ومن تابعهما؛ ولأجل ذلك منعا المأذون له في التجارة من أخذ القراض ورأياه من باب الإجارة.
وشبهة ابن القاسم: أن الإجارة عنه مقصوده حصول المالية على أي وجه كان، وقد تحصل ذلك بالإجارة حصوله بالتجارة؛ لأنه عوَض في مقابلة معوض، والإجارة في تحصيل مقصوده الذي هو استجلاب المال، واكتسابه كالتجارة، فوجب أن يفهم الإذن بها إذنًا الإجارة؛ إذ لا مضادة بينهما في باب المقصود.
وشبهة سحنون وأشهب: أن التجارة لا يستفاد من الإذن بها إذن في الإجارة؛ لأن الإجارة سبب لرفع التجارة، وتعطيل حركتها؛ لأن التجارة إنما تحصل بانتهاز الفرص، وتجرع الغصص، وطلب الغرة والتماس الغفلة، ومخالطة التجار، ومجالستهم، والتصرف معهم وبينهم، وارتصاد الأوقات، والتصرف في الحالات التي تحصل الأرباح فيها، وهذا الاستعداد يبطل بكونه أجر نفسه، كما يبطله بيعه لرقبته؛ لأن منفعته ملك من أملاك السيد؛ فبالطريق الذي به يمنع له بيع رقبته يمنع به بيع منافعه له؛ ولأنه متصرف بالإذن فلا يتعدى تصرفه محل الإذن.
وما قاله ابن القاسم أظهر؛ لأنه أذن له في طلب الكسب.
[ ٨ / ٢٤٩ ]
كتاب الرهون
[ ٨ / ٢٥١ ]