تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها مسألة واحدة في حَدِّ الحرابة، وتفصيل أحكام المحاربين.
فَحَدُّ الحِرَابة إشهار السِّلاح، وقطع السُّبل خارج المِصْر.
واختلفوا فيمن حارب المصر، هل يعطى له حكم المحارب أم لا؟ على مذهبين:
أحدهما: أن له حكم المحارب كمن حارب خارج المصر، وهو مذهب مالك.
والثاني: أنه لا يكون محاربًا حتى يكون خارج المصر، وهو الذي يقتضيه مذهب الشافعي؛ لأنه اشترط في الحِرَابة الشركة؛ ومعناها عنده قوة المغالبة؛ ولذلك اشترط البُعد عن العمران؛ [لأن المغالبة إنما تتأتى بالبعد عن العمران] (١) فإذا ثبت ذلك، فالحرابة على وجهين: حرابة على الفسق، والخلوع، وحرابة على التأويل.
والجواب عن الوجه الأول: في الحِرابة فسقًا وخلوعًا؛ وهو الخارج عاصيًا [للسلطان] (٢) قاطعًا للطريق مخوفًا للسبيل، فلا يخلو من أن يكون لهم مادة، وقوة، وسطوة، أو لم تكن لهم مادة.
فإن كانت لهم مادة، وقوة، وسطوة، وسعوا في الأرض فسادًا بأخذ المال، وسبي الحريم، وهتك الحرمات، فيجب على المسلمين جهادهم، وهو قول مالك في آخر "كتاب المحاربين"، قال: وجهاد المحاربين
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ٧٣ ]
جهاد.
فإن لم يكن لهم مادة، وسطوة، وقوة، وإنما هم نفر نصبوا على الطريق، وأخافوا السبيل، فإذا قدر عليهم الإِمام قبل التوبة، فإنه يستعمل فيهم ما أنزل الله في آيات المحاربين: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (١) الآية، فهذه العقوبات التي أمر الله تعالى الإِمام بإقامتها على المحاربين غير أن العلماء اختلفوا فيها، هل هي على الترتيب أو على التخيير؟
فمذهب الشافعي، وأبو حنيفة أنها على الترتيب مُرَتَّبة على الجنايات المعلوم من الشرع ترتيبها؛ فلا يقتل من المحاربين إلا من قتل، ولا يقطع إلا من أخذ المال، ولا ينفى إلا من لم يأخذ المال؛ فهكذا عرفت هذه العقوبات في الشرع أن من قتل يقتل، ومن سرق يقطع.
وذهب آخرون إلى أن الإِمام مخير فيهم على الإطلاق، وسواء قتل أو لم يقتل أخذ المال أم لم يأخذه، وهو مذهب أبي مصعب الزهري من أصحاب مالك.
وذهب مالك -﵀- إلى أن الآية على التخيير، وهو راجع إلى اجتهاد الإِمام، فقال: إن قتل فلابد من قتله، وليس للإمام في ذلك تخيير لا في قطعه، ولا في نفيه، وإنما التخيير في قتله أو صلبه [على ما يأتى بيانه، وأما إن أخذ المال، ولم يقتل فلا يخير في نفيه. وإنما التخيير في قتله، أو صلبه، أو قطعه من خلاف. وأما إذا خاف السبيل وقطعه.
فالإمام عنده مخير في قتله أو صلبه] (٢) أو نفيه. ومعنى التخيير عنده أن
_________________
(١) سورة المائدة الآية (٣٣).
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ٧٤ ]
الأمر راجع [في ذلك] (١) إلى اجتهاد الإِمام؛ فإن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير، فوجه الاجتهاد قتله، أو صلبه؛ لأن القطع لا يرفع ضرره، وإن كان لا رأي له، ولكنه ذو قوة، وبطش، وبأس شديد قطعه من خلاف، وإن كان ليس فيه شيء من هاتين الصفتين أخذنا بأيسر ذلك فيه وهو الضرب والنفي.
وسبب الخلاف: هل حرف -أو- في الآية للتخيير أو للتفصيل على حسب جناياتهم.
ومالك حمل البعض من المحاربين علي التفصيل، والبعض على التخيير.
واختلف تأويل الأشياخ على مذهب "الكتاب" إذا طالت [إضافته] (٢) وعظم شره، واشتهر أمره، ولم يقتل؛ فأكثرهم يرون أن الإِمام فيه مخير بما شاء، لكن لا يستحبون له النفي، ويجري الاستحباب في تفصيل صفاته كالتي قبله إذا أخاف السبيل، وأخذ المال، وإن لم تطل إقامته على ذلك. وهذا ظاهر لفظه في قوله: لا يخير الإِمام إذا قتل، وأخذ المال وأرى أن يقتل إذا أخذ، وإن لم يقتل؛ لأن الله ﵎ يقول في كتابه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٣)، فإذا أخذ المال، فهو من الفساد في الأرض، وإنما يجتهد الإِمام في الذي يخيف، ولا يقتل، ولا يأخذ [المال] (٤).
وتأول بعض الأندلسيين أن حكم هذا حكم الذي قتل لا تخيير للإمام
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: إقامته.
(٣) سورة المائدة الآية (٣٢).
(٤) في أ: ماله.
[ ١٠ / ٧٥ ]
فيه، ولابد من قتله؛ واستدلوا بقوله: وأما من أخاف، ونصب نصبًا شديدًا، فهذا لا تخيير فيه، ويقتله الإِمام، ولم يكن هذا الكلام في رواية الدَّبَّاغ وهو في "كتاب محمَّد": إذا طال زمانه، واشتدت محاربته، وأخذ المال قتل، وإن لم يقتل.
وتأول الأولون ما في "الكتاب" أن له قتله لا أن ليس له تخيير في سواه. وهذا هو الصحيح.
وحكى القاضي أبو الحسن الماوردي عن مالك في المسألة خلاف مذهبه، وأن العقوبات عنده -فيما حكى عنه- على الترتيب لا على التخيير بحسب اختلاف صفاته؛ فيقتله بكل حال إذا كان ذا رأي وتدبير، ولا يقطعه من خلاف، وإن كان ذا بطش وقوة، وإن كان بخلاف ذلك عزره وحبسه.
فجعل ما استحسن مالك من إباحة التخيير مستحقًا مرتبًا، ولا يقوله مالك، ولا أصحابه.
واختلف في معنى قوله: "أو يصلبوا" على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يصلب حتى يموت جوعًا.
والثاني: أنه يقتل أولًا، ثم يصلب، وهو قول أشهب.
والثالث: أنه يصلب حيًا ثم يقتل في الخشبة، وهو قول [ابن القاسم و] (١) ابن الماجشون.
وعلى القول بأنه يقتل أولًا، ثم يصلب صلى عليه قبل الصلب.
ومن رأى أنه يقتل على الخشبة، فهل يصلى عليه أم لا يصلى عليه؟ إذا قيل: إنه يصلي عليه، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يصلى عليه، ويترك على خشبته حتى تأكله السباع،
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ٧٦ ]
والكلاب، ولا يترك أحد من أهله، ولا من غيرهم أن ينزله ليدفنه أو يصلى عليه، وهو قول عبد الملك بن الماجشون في "الواضحة".
والثاني: أنه يصلى عليه، وهو مصلوب، ويصف خلف الخشبة، وهو قول ابن الماجشون في "ثمانية أبي زيد" أيضًا.
والثالث: أنه ينزل عن الخشبة، ويصلى عليه، وهو قول سحنون.
وهل يعاد إلى الخشبة بعد الصلاة عليه أم لا؟ فلسحنون في ذلك قولان.
واختلف أيضًا في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ (١)، على ستة أقوال:
أحدها: أن النفي هو السجن.
والثاني: أن النفي هو أن ما ينفى من بلد إلى بلد يسجن فيه إلى أن تظهر توبته. وهو قول ابن القاسم عن مالك، ويكون بين أقل ما تقصر فيه الصلاة، والقولان لمالك.
والثالث: أن النفي هو فرار المحاربين من الإِمام إذا طلبهم لإقامة الحد عليهم، فأمَّا أن ينفي بعد أن يقدر عليهم فلا، وهو قول ابن الماجشون. والأقوال الثلاثة مذهبية.
والرابع: أن النفي غير مقصود، ولكن إن هربوا شردناهم في البلاد بالامتناع.
والخامس: أن النفي عقوبة مقصودة، وينفي ويسجن، ولا ينفي دائمًا، والقولان للشافعي.
والسادس: أن ينفوا من أرض الإِسلام إلى أرض الحرب.
_________________
(١) سورة المائدة الآية (٣٣).
[ ١٠ / ٧٧ ]
والذي يظهر من الآية أن النفي هو تعريتهم عن وطنهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ (١) الآية؛ فسوى بين النفي والقتل، وهي عقوبة معروفة بالعادة من العقوبات كالضرب، والقتل، وكل ما يقال فيها سوى ما ظهر من الآية، فليس معروفًا بالعادة، ولا بالعرف.
فالجواب عن الوجه الثاني: إذا حاربوا على التأويل؛ مثل أن يحاربهم الإِمام، فإنه إذا قدر على أحد منهم لم يقتله إلا إذا كانت الحرب قائمة على ساقها؛ فإن مالكًا قال: للإمام أن يقتله إن رأى ذلك لما يخاف من عونه لأصحابه على المسلمين.
وأما إذا أُسر بعد أن وضعت الحرب أوزارها، فإن حكمه حكم البدْعي الذي لا يَدْعو إلى بدعته؛ فإنه يُسْتَتَاب، فإن تاب خلي سبيله، فإن أَبَى هل يقتل أو يؤدب؟ قولان:
أحدهما: أنه يقتل إن أبى من التوبة، وهو قول مطرف، وابن عبد الحكم.
والثاني: أنه يؤدب ولا يقتل، وهو قول ابن الماجشون، وسحنون.
وسبب الخلاف: أهل البدع، هل يكفرون بمآل قولهم أم لا؟
ومعنى الكفر بالمآل أنهم لا يصرحون بقول هو كفر، ولكن يصرحون بأقوال يلزم عنها الكفر، وهم لا يعتقدون ذلك اللزوم.
وأما ما لا يلزم هؤلاء من الأحكام عند التوبة إذا ظفر بهم أو إذا تابوا، فإنهم لا يقام عليهم حد الحرابة، ولا يؤخذ منهم ما أخذوا من المال إلا أن يوجد بأيديهم شيء، فيرد إلى ربه، وإنما اختلفوا هل يقتل قصاصًا بمن
_________________
(١) سورة النساء الآية (٦٦).
[ ١٠ / ٧٨ ]
قتل أم لا على قولين:
أحدهما: أنه يقتل، وهو قول عطاء، وأصبغ من أهل المذهب.
والثاني: أنه لا يقتل بمن قتل، ولا يقاد منه، وهو قول مطرف، وابن الماجشون عن مالك، ومثله في الأثر من آخر "كتاب الجهاد" من "المدونة" من قول ابن شهاب: هاجت الفتنة الأولى، فأدركت رجالًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - فرأى جماعة من البدريين أن يهدم أمر الفتنة، فلا يقام على أحد قصاص في تأويل القرآن.
فرع ملحق بهذا الموضع
وهو المحارب إذا امتنع فأمنه الإِمام على أن ينزل، هل له الأمان أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن له الأمان، ويسقط عنه حد الحرابة.
والثاني: أنه لا أمان له؛ لأنه إنما يؤمن المشرك على أن يؤدي الجزية، ويكون على الذِّمة، وتأمين المحارب إنما هو على أن يعطل إقامة الحد فيه، وذلك مما لا يصح، وهو قول ابن الماجشون.
تم كتاب المحاربين بحمد الله وحسن عونه.
[ ١٠ / ٧٩ ]
كتاب الرجم
[ ١٠ / ٨١ ]