تحصيل مشكلات هذا الكتاب [وجملتها] (٢) ثماني عشرة مسألة:
المسألة الأولى (فيما) (٣)
إذا حلف بالمشي إلى مكة:
لا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن ينوي حجًا أو عمرة.
والثاني: أن ينوي الوصول إلى مكة ويعود، لا أكثر من ذلك.
والثالث: أن لا تكون له نية.
والرابع: أن يقول: عليه المشي، ولم يذكر مكة ولا شيئًا من حرمها.
وأما [الجواب عن الوجه] (٤) الأول: إذا نوى حجًا أو عمرة: فإنه يمشي حتى يسعى بين الصفا والمروة إن كانت عمرة، وحتى يفيض وحتى يرمي الجمار إن كانت حجة.
فإن قدَّم الإفاضة على الرمي هل يركب في رمي الجمار أم لا؟
قولان:
أحدهما: أنه يركب في رمي الجمار -أعني في حين سيره لا حين الرمي وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٥)، وهو المشهور في النقل.
والثاني: أنه لا يركب في رمي الجمار وإن كان قد أفاض، وهو قول ابن
_________________
(١) المدونة (٣/ ٧٦) و(٣/ ١١١).
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: منها.
(٤) سقط من أ.
(٥) المدونة (٣/ ٧٦).
[ ٣ / ٩١ ]
حبيب (١).
ووجه قول ابن القاسم: إن الحج قد تم وحلَّ من إحرامه كأن المعنى الذي أراد المشي فيه قد ذهب.
ووجه قول [ابن حبيب] (٢) أنه وإن حلَّ من إحرامه فقد بقى عليه من جملة المناسك التي نذر المشي فيها.
فإن أخر الإفاضة وقدم الرمي عليها هل يركب في رمي الجمار أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يركب في رمي الجمار، وهو قول مالك في المدونة.
والثاني: أن له أن يركب فيها [قبل أن يفيض] (٣)، وهو ظاهر قول ابن القاسم في الكتاب أيضًا حيث [قال] (٤) عقيب قول مالك: (وأنا لا أرى به بأسًا وذلك عندي بمنزلة، ما لو مشى فيما وجب عليه ثم [رجع إلى] (٥) المدينة فركب في حوائجه أو رجع من الطريق لحاجة نسيها) (٦).
وإن كان المتأخرون قد اختلفوا في تأويل قول ابن القاسم في [الكتاب] (٧): (ولا أرى به بأسًا): هل يرجع على المسألة الأولى، وهو قول مالك: لا يركب في رمي الجمار، ويكون خلافًا، وإليه ذهب أبو الحسن اللخمي، ويؤخذ منه أيضًا أن الخلاف يدخل في الركوب إلى
_________________
(١) النوادر (٤/ ٢٨ - ٢٩).
(٢) في الأصل: إلى.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: أتى.
(٦) المدونة (٣/ ٧٦).
(٧) في جـ: المدونة.
[ ٣ / ٩٢ ]
الحوائج، أو يعود إلى الركوب في حوائجه وفاقًا، وهو تأويل الشيخ أبي محمد بن أبي زيد (١) - ﵁ - فلو ركب المناسك كلها فقد قال في الكتاب أنه يحج الثانية راكبًا، فإذا طاف وسعى خرج إلى عرفات ماشيًا [حتى] (٢) يفيض، ولم يبين هل كان ركوبه اضطرارًا أو اختيارًا، ونحن نقول من حيث التفصيل: لا يخلو ركوبه في المناسك من [وجهين] (٣) إما أن يكون على معنى الترفه والاختيار، أو على معنى الغلبة والاضطرار.
فإن كان [ركوبه] (٤) على معنى الترفه والاختيار: كان عليه أن يقضي قابلًا راكبًا، ثم يمشي المناسك على أي وجه كان مشيه منذورًا معينًا أو مضمونًا في الذمة، أو تطوعًا، ولا إشكال في ذلك.
وإن كان [ركوبه] (٥) على معنى الغلبة والاضطرار كالعجز والمرض: فلا يخلو إما أن يكون نذره مضمونًا في الذمة وسمي حجًا، أو كان معينًا.
فإن كان مضمونًا في الذمة: فإنه يقضي قابلًا [راكبًا] (٦) [و] (٧) قضي المناسك ماشيًا، ولا خلاف في [ذلك] (٨).
وإن [كان] (٩) المنذور معينًا في عام بعينه.
وسمىّ الحَّج أو لم يُسمِّه، أو كان مضمونًا [و] (١٠) لم يَسمِّ حجًا،
_________________
(١) النوادر (٤/ ٢٩).
(٢) في ب: ثم.
(٣) في أ: جهتين.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: أو.
(٨) في ب: هذا الوجه.
(٩) سقط من أ.
(١٠) في أ: أو.
[ ٣ / ٩٣ ]
هل يمشي المناسك في حجة القضاء أو يجوز له الركوب؟ فالمذهب على قولين [قائمين] (١) من "المدونة":
أحدهما: أنه يجوز له الركوب، ولا شيء عليه، وهو قول مالك في المدونة: في الذي حلف بالمشي إلى بيت الله، فحنث، فمشى في حج، ففاته الحج: "أن المشي يجزئهُ، [ويجعله] (٢) في عمرة، ويقضي عامًا قابلًا، [ويهدي لفوات الحج، ولا شيء عليه غير ذلك".
والثاني: أنَّهُ يمشي المناسك قابلًا] (٣)، وهو قول ابن القاسم في كتاب "محمد"، وظاهر الكتاب يدلُّ عليه أيضًا، فرأى مالك ﵁: أنَّهُ [إن] (٤) [غلب] (٥) على مشي المناسك، ولم يفته الحج: كان له الركوب ويجزئه وإن فاتهُ الحج: كان قد غلب على الوجهين جميعًا، فقضى الحج ولم يقض [المشي] (٦) وعلى أصل ابن القاسم، إن [غلب] (٧) على المشي وحده وشهد المناسك راكبًا: قضى قابلًا ويمشي المناسك.
فإن غلب على الوجهين جميعًا الحج [والمشي] (٨)، حتى فاته الحج يمرض -[أو خطأ] (٩). قضى المشي والحج جميعًا.
وينبني الخلاف على الخلاف: في مراعاة المقاصد والألفاظ:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ويجعلها.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: غلبه.
(٦) في ب: المناسك.
(٧) في ب: غلبه.
(٨) في أ: والعمرة.
(٩) سقط من أ.
[ ٣ / ٩٤ ]
فمن اعتبر الألفاظ، قال: لا يلزمه مشي المناسك، لأنه قال: "إلى مكة"، و"إلى": في موضوعية الاستعمال في وضع اللغة، بمعنى الغاية [ومن شروط الغاية] (١)، أن يكون ما بعدها [خلافًا] (٢) لما قبلها.
ومَنْ اعتبر المقاصد، قال: لا يلزمه مشي المناسك، لأنَّ المقصود من المشي إلى مكة: عمل المناسك، وهو فائدة المشي وثمرتُهُ.
ولهذا فُرِّق بين مشى المناسك ومشي الطريق، فقال: إذا [مشى] (٣) مثل البريد واليوم لم يلزمه العود ثانية، وعليه الهدى، وقال: إذا ركب المناسك كُلَّها، فإنَّهُ يعود ثانية، فأمرهُ بالرجوع ثانية، وإن كان أقل من يوم، وما ذلك إلا لكونه مقصود المشي ومطلوبه، ولأنَّ الحاج فيها محبوسٌ أيامًا، فأشبه السفر، ولأنَّهُ مدة تقصر [فيها] (٤) الصلاة أيضًا.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا [نذر] (٥) الوصول إلى مكة، ويعود ولا نية له في أكثر من ذلك، فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يرى أنَّ في ذلك فضيلة وقُربة [والثاني: أن يكون عالمًا أنه لا قربة فيه. فإن كان يرى أن فيه فضيلة وقربة] (٦) فلا شيء، [عليه] (٧) لا مشي ولا غيره، وهو قول أشهب في كتاب محمد: " [أن] (٨) من نذر المشي إلى مكة ولا نية له أن لا شيء عليه".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: مخالفًا.
(٣) في أ: ركب.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: نوى.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
[ ٣ / ٩٥ ]
وإن كان عالمًا أنَّهُ لا قُربة في نذره، ووصوله: كان نذره معصية، وهل يلزمهُ أن يجعل ذلك في حج أو عمرة؟ قولان قائمان من المُدوَّنة:
أحدهما: أنّهُ يجعل ذلك في حج أو عمرة [ويلزمه ذلك وجوبًا] (١)، وهو قوله في "الكتاب": فيما [إذا] (٢) نذر أن يحمل فلانًا إلى بيت الله، وقصد بذلك التعب والمشقة على نفسه، حيث قال: "إنَّهُ يحج ماشيًا ويهدي".
والثاني: أنَّهُ لا شيء عليه ولا يلزمهُ المشي، وهو قوله في "الكتاب" أيضًا، فيما إذا نذر الشي إلى بيت الله حافيًا [راجلًا] (٣) قال: فإنَّهُ ينتعل، فإن أهدى فحسن، وإن لم يهد فلا شيء عليه، وجميع ذلك نذر معصية.
وينبني الخلاف على الخلاف: فيمن نذر معصية، هل يلزمه أن يعكس نذرهُ [في طاعة] (٤) أم لا؟
والجواب عن [الوجه] (٥) الثالث: إذا نذر المشي إلى بيت الله، ولا نية له في حج ولا عُمرة، فهو مخيَّر: إن شاء جعل مشيهُ في حج، وإن شاء جعلهُ في عُمرة.
وإن جعله في عمرة، مشى حتى يسعى بين الصفا والمروة.
فإن ركب بعد السعي، وقبل الحلاق فلا شيء عليه، لأنه لم يبق عليه شيء. وإن [جعلهُ] (٦) في حجٍ، فلا يخلو من أن يكون قد أدرك الحجَّ أو فاته:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في ب: جعل مشيه.
[ ٣ / ٩٦ ]
فإن أدرك الحج، فلا خلاف أنَّهُ يلزمهُ المشي إلى مكة، وهل يلزمه مشي المناسك أم لا؟ قولان: وقد قدَّمناهما، والصحيح أنَّهُ يلزمهُ مشي المناسك.
فإن فاتهُ الحج، ففسخ مشيهُ في عمرة، فإنه يقضي قابلًا ويهدي، وهل يلزمهُ مشي المناسك في حجة القضاء أم لا؟
[فالمذهب] (١) على قولين قائمين من "المدونة" على حسب ما قدَّمناه أيضًا.
فمن ألزمهُ مشي المناسك، فكأنه رأى أنَّهُ لما أحرم بالحجِّ أوجب على نفسه مشى المناسك.
ومن لم يُوجب ذلك عليه، فكأنَّهُ لم يلزمهُ مشي المناسك إلا مع سلامة حجه، فمتى فاتهُ صار عملهُ عمل العُمرة أشبه من ابتداء العُمرة في عمرة، لأنَّ قضاءهُ الحج، ليس من [جهة] (٢) المشي، لأن المشي قد أتى به، وإنَّما سنة من فاتهُ الحج أن يقضيه، وإن غلب عليه تطوعًا كان [أو] (٣) واجبًا، وهذا ظاهر "المدونة"، لقولهِ: "فإنَّهُ يقضْي قابلًا ويهدي، ولا شيء عليه غير ذلك"، وظاهرهُ: أنَهُ لا شيء عليه من مشي المناسك، وإلا [فما المشي] (٤) الذي أشار إليه غيرهُ؟
والجواب عن [الوجه] (٥) الرابع: إذا قال عليه المشي، ولم يذكر مكة ولا شيء من حرمها، فقد اختلف فيه المذهب على قولين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: حجه.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: فالمشى.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٩٧ ]
أحدهما: أنه لا شيء عليه، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: [أن المشي يلزمه] (١) إلى مكة [وهو قول أشهب] (٢) والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: أنه عليه المشي.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٩٨ ]
المسألة الثانية
فيمن نذر إحرامًا بحجة أو عُمرة إن فعل كذا، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أنَّ يقيِّد يمينه بوقت.
والثاني: ألا يقيدها بوقت.
فإن قيَّدها بوقت غير معين، وكان يمينه [على حج] (١)، مثل: أن يقول "يوم [يفعل] (٢) كذا أو كذا" أو "حين [يُفعل] (٣) كذا وكذا"، فهو مُحرم، فقد قال في "الكتاب": "إنَّهُ يكون مُحرمًا يوم كلمه"، وكذلك العُمرة.
وهل يكون محرمًا بنفس الفعل أو لابد من إحرام يُحرم به، فيصير بإحرامه مُحرمًا؟ فإنه يتخرّج على قولين:
أحدهما: أنه لا يكون محرمًا بنفس [الفعل] (٤)، حتى [يبتدئ] (٥) الإحرام، وهو ظاهر ما في "كتاب ابن المواز".
والثاني: أنه يكون محرمًا بنفس الفعل، وهو ظاهر قول سحنون.
فإن تمكن له الخروج [خرج] (٦) في الحال، وإلا بقى على إحرامه حتى يصيب الطريق، والحج والعمرة في ذلك سواء.
فإن لم يُقيد يمينه بوقت، مثل: أن يقول "إن [فعل] (٧) كذا وكذا فهو
_________________
(١) في أ: بحج.
(٢) في ب: أفعل.
(٣) في ب: أفعل.
(٤) في أ: الحج.
(٥) في ب: يجدد.
(٦) سقط من أ.
(٧) في ب: فعلت.
[ ٣ / ٩٩ ]
محرم "أو" أنا محرم بحجة وعمرة":
أمَّا الحجَّ فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يحنث قبل أشهر الحج.
والثاني: أن يحنث في أشهر الحج.
فإن حنث قبل أشهر الحج:
أمّا في قوله: "فأنا محرم"، فلا خلاف أعلمه في المذهب: أنَّهُ لا يكون محرمًا بنفس الحنث، وإنما يكون محرمًا إذا دخل عليه أشهر الحج، لأنّ أشهر الحج وقتٌ للإحرام، وقبلها لا يجوز.
فإذا حنث قبل أشهر الحج: أخَّر، حتى تدخل أشهر الحج إلا أن يكون له نية، فيكون محرمًا يوم حنث، كما قال في "الكتاب"، غير أنَّهُ ينظر:
فإن كان أخر الخروج [بعد الحنث] (١) إلى دخول أشهر الحج، لم يصل ولم يدرك، لبعد بلده: فينبغي أن يخرج بغير إحرام، فإذا دخلت عليه أشهر الحج في طريقه أحرم.
فإن حنث في أشهر الحج، فإنَّ الإحرام يلزمه ويكلف الخروج، للوفاء بعهده وبيمينه.
وأمَّا قوله: "فأنا محرم" هل هو مثل قوله: "فأنا أحرم [أم لا] (٢)؟.
فالمذهب على ثلاثة أقوال كُلها قائمة من المدونة:
أحدها: [أن قوله "فأنا مُحرم" كقوله "فأنا أحرم"] (٣)، فلا يكون محرمًا بنفس الحنث، وهو قول [ابن القاسم] (٤) في "كتاب الأيمان والنذور" لأن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: أمنهما سواء.
(٤) في جـ: النخعي والشعبي.
[ ٣ / ١٠٠ ]
قوله: "محرم" و"أحرم" سواء اسمٌ للفعل يكون للماضي والحال والاستقبال.
والثاني: أن قوله "أحرم" و"محرم" سواءٌ، يكون محرمًا بنفس الحنث، وهو قول سحنون وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب "النكاح الأول" في باب "النكاح إلى أجل"، في قوله: إذا قال لها "إذا مضى هذا الشهر، فأنا أتزوجك، فرضيت ورضى وليُّها"، قال مالك: "هذا النكاح باطل، ولا يقام عليه"، فظاهر قوله: يقتضي أن يمضي الشهر ينعقد النكاح بينهما من غير تجديد عقد، ولذلك قال مالك "النكاح باطل"، وهو تأويل الشيخ أبى محمد [عبد الحق] (١) في "النكت"،ولو لم يكن الأمر كذلك لما احتاج أن يقول أنَّ النكاح باطل أو لا عقد هناك، وإنَّما ذلك مواعدة، والمواعدة في النكاح في غير عدة، لا أعرف في المذهب مَنْ منعها.
والثالث: أنه يكون محرمًا بنفس الحنث، في قوله: "أنا محرم"، ولا يكون بالحنث في قوله: "أنا أحرم حتى يبتدئ الإحرام"، فيُحمل قوله "أنا مُحرم" أي: صرتُ مُحرمًا، كقولهُ "فامرأتهُ طالق" أي: صارت ذات طلاق.
وأما العمرة يحنث بها الحالف، فلا يخلو حين حنثه من أحد وجهين:
أحدهما: أن يمكنه الخروج [ووجد أصحابه] (٢).
والثاني: ألا يمكنه الخروج.
فإن أمكنهُ الخروج، ووجد الأصحاب، فلا خلاف أعلمهُ في المذهب نصًا أنَّهُ يُؤمر بالخروج، ولا يجوز له التأخير [إلا متأولًا] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ١٠١ ]
فإن لم يمكنه الخروج، لعدم الصحابة، والطريق منقطعة، هل يلزمهُ الإحرام مع الافتقار، أو لا يلزمهُ إلا مع المشي؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يلزمه الإحرام بالحنث، وينتظر الخروج حتى يتمكن له، وهو قول سحنون، وبه قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب.
والثاني: أنَّهُ لا يلزمهُ الإحرام [إلا إذا] (١) تمكن [له] (٢) الخروج فيخرج ساعتئذ، وهو قول مالك.
وسبب الخلاف: الأمر المُطلق، هل هو على الفور أو على التراخي؟
فمن رأى أنهُ على الفور، قال: يحرم بنفس الحنث.
ومن رأى أنهُ على التراخي، قال: لا يُحرم حتى يخرج، وهو ظاهر فعل النبي - ﷺ - أنه كان لا يحرم حتى تنبعث به راحلته (٣)، ويتوجه للذهاب، وليس من السنة أن يحرم ويُقيم في أهلهِ، ولأنَّ عقد اليمين لم يتضمن الإحرام بالقول، وإنَّما استحسن تعجيلهُ.
وفي السألة وجهٌ رابع: وهو أنَّ [يقول] (٤) عليه المشي، ولم يذكر مكة ولا المسجد، فقال ابن القاسم: "ولا شيء عليه".
وقال أشهب: "عليه المشي إلى مكة".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري (١٦٦) ومسلم (١١٨٧).
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ١٠٢ ]
المسألة الثالثة
فيمن عجز عن المشي، فيركب (١)، فلا يخلو ركوبهُ من أن يكون اختيارًا أو اضطرارًا:
فإن كان ركوبه اختيارًا، فإنه يعود ثانية، ويمشي الطريق كله، ويهدي [و] (٢) إن كان ركوبه اضطرارًا؛ [إما] (٣) لكونه عاجزًا عن مشي الطريق كله، [و] (٤) إمَّا لكونه مريضًا لا يُرجى برؤه، وإما لضعف اعتراهُ، فإنه يخرج [على تلك الحالة] (٥) ويحج راكبًا ويهدي، ولا عودة عليه [بعد ذلك] (٦) لأن ذلك [غاية] (٧) مقدورة.
وكذلك إن كان [مريضًا] (٨) يرجى برؤهُ، إلا أنَّ نذرهُ كان في عام بعينه: فإنَّهُ يحج راكبًا، ويهدي ولا شيء عليه غير ذلك.
وإن كان نذرهُ في عام مضمون، مثل: أن ينذر أن يحج ولم يعين سنة، فعجز عن المشي [ففرقه] (٩)،فلا يخلو تفريقهُ من أن يكون تفريق زمان أو تفريق مكان:
فإن فرقه تفريق زمان، مثل أن يمشي أشهرًا ويقعدُ أشهرًا، هل يجزئهُ أو يُعيد؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
_________________
(١) المدونة (٣/ ٨٠ - ٨٣).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ، جـ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) في ب: مرضه مرضًا.
(٩) في ب: وفرقه.
[ ٣ / ١٠٣ ]
أحدهما: أنهُ يجزئهُ، ولا يلزمهُ العودة ثانية، وهو مشهور المذهب، لأنَّه قد مشى الطريق كُلَّهُ.
والثاني: أنَّهُ [يُعيد] (١) ثانية، ويهدي ولا يجزئهُ الذهاب الأول، وهو قول ابن حبيب، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"، لأنه قال: فيمن ركب بعض الطريق، "أنه [يعيد] (٢) ثانية، ويمشي ما ركب، ويهدي لما فرق من مشيه"، وهذا مثل [قول] (٣) ابن حبيب الذي يقول: "إن تتابع المشي واجب، وهو بمنزلة من عليه [صوم] (٤) شهرين متتابعين"، وقول ابن القاسم في المدونة، مثل قول ابن حبيب، لأنَّ المشي قد وَفَّاهُ، فلا يُؤمر بالهدى إلا على القول بوجوب تتابع المشي.
وسبب الخلاف: المشي، هل يلزم تتابعهُ أم لا؟
فإن فرَّقهُ تفريق مكان، مثل: أن يركب موضعًا، ويمشي موضعًا، فلا يخلو ما ركب من أن يكون يسيرًا أو كثيرًا:
فإن كان يسيرًا، مثل: الأميال أو البريد أو اليوم، فإنهُ يهدي ولا عودة عليه ثانيةً.
فإن كان ما ركب كثيرًا، فلا يخلو من أن يكون موضعهُ قريبًا من مكة أو بعيدًا منها:
فإن كان قريبًا من مكة، مثل: المدينة ونحوها، فهل يعود ثانيةً ويمشي الطريق كله أو يمشي ما ركب خاصة؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهُ يمشي ما ركب [خاصة] (٥)، ويركب ما مشى، وهو قول
_________________
(١) في ب: يعود.
(٢) في أ: يعود.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ١٠٤ ]
ابن القاسم في "المدونة"، لأنه لم يفرق في "الكتاب" بين القُرب والبعد.
والثاني: أنهُ يرجع ثانية، ويمشي الطريق كله، وهو قول عبد الملك، وهو قول مالك في "كتاب محمد" أيضًا. وإن كان بعيدًا مثل: مصر [من] (١) مكة، فهل يعيد ثانية أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهُ يعيد ثانية، ويمشي أماكن ركوبه، وهو قوله في "كتاب محمد"، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنه لا يكلف العودة أصلًا، وهو قوله في شرح "ابن مزين"، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا، لأنه قال: "إذا علم أنه لا يقدر أن يستوعبه بمشيه ثانية لأجل المشقة، فلا يكلف الرجوع، ولا يكلفه على من كان موضعه أعظم وأصم.
وإن كان موضعه بعيدًا جدًا، مثل: إفريقية من مكة والأندلس من مكة، فلا يكلف الرجوع قولًا واحدًا، وهذا تحصيل بعض المتأخرين، ويشبه أن يكون تفسيرًا لما في "المدونة"، وربُك أعلم.
واختلف فيما إذا نزل مدينة أو منزلًا، هل له أن يركب في حوائجه أم لا؟؟ [قولان] (٢) قائمان من المدونة:
أحدهما: أن لهُ أن يركب في حوائجه، وهو نصَّ "المدونة".
والثاني: أنه لا يجوز له أن يركب في حوائجه ولا في رجوعه لحاجة نسيها وراءه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة، [على اختلاف الروايات ونص ما في الكتاب. قال مالك: إذا أخر طواف الإفاضة لا يركب في رمي الجمار] (٣)، ولا بأس أن يركب في حوائجه، قال ابن
_________________
(١) في أ: و.
(٢) ساقطة من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ١٠٥ ]
القاسم: "وأنا لا أرى به بأسًا، وإنما ذلك عندي بمنزلة ما لو مشى فيما وجب عليه، ثم أتى المدينة يركب في حوائجه أو رجع من الطريق في حاجة فيما قد مشى، فلا بأس أن يركب فيها، وهذا قول مالك الذي أحب أن [آخذ] (١) به" (٢)، وفي رواية ابن عتاب: "يجب ونأخذ به"، ونص هذا في "كتاب الحج": الذي أحب وآخذ به".
قال [القاضي] (٣) أبو الفضل ﵀: "في هذا بيان وإشارة إلى الاختلاف من قوله: في الذي ركب في حوائجه أو في رجوعه لحاجته أنَّ لهُ قولًا آخر غير الذي أحب أن يأخذُهُ، وهو ما لهُ منصوص في سماع ابن القاسم، في الذي يركب في المناهل أحب إليّ أن يهدي، قال ابن القاسم: "وبلغني عن مالك [أنه] (٤) كان يستثقل أن يركب فيها، يعني في الذي سقط بعض متاعه" [أو في حوائجه] (٥)، فيتحصل له في "الكتاب" قولان: في ركوبه في الحوائج وفي حاجة نسيها، وهذا كله ينبني على الأصل الذي قدمناه في تتابع المشي، هل يجب [أم لا يجب. فافهم هذا التخريج فهو ظاهر لمن تأمل ما في الكتاب فإذا كلف الرجوع ثانية هل يجعل] (٦) مشيه الثاني [في] (٧) غير ما جعل فيه الأول أم لا؟ فلا يخلو من أن يكون نذرهُ مطلقًا أو مقيدًا:
فإن كان مطلقًا، مثل: أن يقول: عليّ المشي إلى مكة، ولم ينو حجًا
_________________
(١) في الأصل: يأخذ، والمثبت من المدونة.
(٢) المدونة (٣/ ٧٦) بتصرف يسير.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ١٠٦ ]
ولا عمرة"، فلا يخلو من أن يجعله في حج أو عُمرة:
فإن جعله في عُمرة، فله أن يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول.
فإن جعله في حج، فلا يخلو ركوبه في المناسك أو دون المناسك:
فإن كان ركوبه في المناسك، هل يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من"المدونة":
أحدهما: أن يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول [وهو قول مالك] (١).
والثاني: أنهُ [لا يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول] (٢) [وهو قول ابن القاسم] (٣).
وسبب الخلاف: اختلافهم في ناذر المشي فمشى فجعله في [حجة] (٤)، ثم فاته الحج، فهل يلزمهُ مشي المناسك قابلًا أو لا يلزمه؟.
فابن القاسم يقول: يلزمه، ومالك يقول: لا يلزمهُ فإن كان ركوبُه في غير المناسك، فله أن يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول.
فإن كان نذره مقيدًا، مثل: أن ينوي بمشيه حجة أو عمرة:
فإن كان الأول حجًا، فلا خلاف أنهُ لا يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول.
وإن كان الأول عمرة، فهل له أن يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول؟ فالمذهب على قولين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ليس له ذلك.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: عمرة.
[ ٣ / ١٠٧ ]
أحدهما: أنهُ لا يجعل الثاني في غير ما جعل فيه الأول، وهو مذهب "المدونة" وهو المشهور.
والثاني: أنَّ له أن يجعل الثاني في حج، وإن كان الأول عمرة، لأنَّ عمل [الحج] (١) يأتي [على عمل] العُمرة وزيادة، وهو قول ابن حبيب.
_________________
(١) في أ: العمرة.
[ ٣ / ١٠٨ ]
المسألة الرابعة
فيمن قال: أنا أحمل فلانًا إلى [مكة] (١) أو: أنا أحج به (٢)، ففي هذه المسألة ثلاثة أسئلة:
فالسؤال الأول: إذا قال "أنا أحملُ فلانًا إلى بيت الله".
والثاني: إذا قال "أنا أحج بفلان".
والثالث: إذا قال "أنا أحج فلانًا".
فالجواب عن [السؤال] (٣) الأول: إذا قال: "أنا أحمل فلانًا إلى بيت الله"، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن ينوي بذلك حمله [على] (٤) عنقه.
والثاني: أن ينوي بذلك حملهُ في ماله.
والثالث: ألا يكون له نية.
فأما الوجه الأول: إذا نوى حملهُ على رقبته، فإنه يحج ماشيًا ويهدي، وهل الهدى في حقه واجب أو [مستحب] (٥)؟ فعلى قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن الهدى عليه واجب، وهو ظاهر قوله في هذه المسألة.
والثاني: أن عليه الهدى استحبابًا، وهو قولهُ في الكتاب، فيمن نذر أن يمشي إلى بيت الله حافيًا راجلًا، فإنه ينتعل:
_________________
(١) في ب: بيت الله.
(٢) انظر "المدونة" (٣/ ٨٤ - ٨٥).
(٣) سقط من أ.
(٤) ساقطة من الأصل.
(٥) في أ: استحباب.
[ ٣ / ١٠٩ ]
فإن أهدى: فحسن، وإن لم يهد: فلا شيء عليه وحمل المشقة هو المقصود في كلا الموضعين.
وأما [الوجه] (١) الثاني: أن ينوي بذلك حمله في ماله دون رقبته، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن [ينوي أن] (٢) يحج معهُ.
والثاني: أن ينوي بذلك حملهُ في مالهِ خاصة.
والثالث: ألا يكون له نية أصلًا.
فإن نوى أن يحج معه، فلا إشكال أنه يحج راكبًا، ولا هدى عليه.
فإن أحب الرجل أن [يحج] (٣) معه زودهُ، وإن أبى فلا شيء عليه إلا أن يحج بنفسه.
فإن نوى إحجاجه [بنفسه من ماله] (٤) خاصة، دون أن يحج [هو] (٥) معه، فهذا أيضًا مما لا إشكال فيه: أنه لا شيء عليه، لا حج ولا هدى إلا أن يُزَوِّدُ الرجل من ماله خاصة، فإن أبى الرجل أن يحج: فلا شيء عليه.
وهذا معنى قول علي بن زياد في "المدونة".
فإن نوى ألا يحمله على رقبته، ولم تكن له نية فيما عدا ذلك، فلا إشكال أنه: يلزمه إحجاج الرجل من ماله إن أحبَّ أن يحج، وهل يلزمه هو الحج في نفسه أم لا؟ فهذا مما اختلف تأويل [حذاق] (٦) المتأخرين فيه
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: يمشي.
(٤) في أ: بذلك.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ١١٠ ]
في "الكتاب"، لأنه قال في "المدونة": "وإن لم ينو حمله على عنقه، حج هو راكبًا، وحج بالرجل معه، ولا [هدى] (١) عليه".
فبعض المتأخرين يقول: "إنما ألزمهُ الحج في نفسه لأنهُ نواهُ، ولو لم ينوه لكان لا شيء عليه".
وبعضهم يقول: يلزمه الحج، بظاهر لفظه كأنه أراد السير معه إلى بيت الله، ويدل عليه قوله في "الكتاب": "أنا أحج بفلان" أوجب [عليه] (٢) من قوله: "أنا أحملهُ" -لا يريد على عنقه، وذلك يدل على أنه يلزمه الحج في الأمرين جميعًا، إلا أن أحد اللفظين أظهر من الآخر في الوجوب، لأن قوله: "أحج بفلان"، يفيد السير معه، والمشي في صحبته مع ما يناله من الرفق بماله، وهذا أظهر احتمالات اللفظ.
وقوله: "أنا أحمله"، ولم يرد بذلك على عنقه، فأظهر الاحتمالات أن يحمله في ماله، ويزوده منه دون أن يسير معه.
ولا شك ولا خفاء أنَّ: لفظة "الحمل" مشتركة بين العرف اللغوي والعرف الشرعي:
فالعرف اللغوي: الحملُ على الرقبة، والعرف الشرعي: الحملُ في المال، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: "حَمَلْتُ على فرس عتيق في سبيل الله (٣) "، قال الله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَوْا ﴾ (٤)، واللفظة إذا وردت ولها عرفان: لغوي وشرعي، فإنما تحمل على الشرعي عند كثير من الأصوليين، ولهذا اعتبر
_________________
(١) في أ: شيء.
(٢) سقط من أ.
(٣) أخرجه البخاري (١٤٩٠) ومسلم (١٦٢٠).
(٤) سورة التوبة الآية (٩٢).
[ ٣ / ١١١ ]
"مالك" نية الحالف، فإذا لم تكن له نية: رجع في ذلك إلى العرف الشرعي.
وأما الوجه الثالث: إذا لم تكن له نيةٌ أصلًا، لا في حملهِ على رقبته، ولا في حمله [في ماله]، هل يغلب في ذلك العرف الشرعي خاصة أو لابد من ملاحظة الأمرين؟ فهذا مما يتخرج على قولين:
أحدهما: تغليب العرف الشرعي، ويحججه من ماله، ويحج هو راكبًا، وهو ظاهر "الكتاب" على الخلاف الذي قدَّمناه في حجه هو.
والثاني: أنهُ لابد من ملاحظة الشقين واعتبار الأمرين، ويحج الحالف ماشيًا، ويحج الرجل من ماله راكبًا.
والقولان: مخرجان، والتخرج ظاهر لمن أنصف.
والجواب عن [السؤال] (١) الثاني: إذا قال أنا أحج بفلان إلى بيت الله، فإنَّ الحالف يحج هو راكبًا، ويحج بالرجل معه من ماله، إلا أن يأبى، وإنما يلزمه الحج في نفسه: لقوله: "أنا أحج"، ولزمه أن يحج بالرجل: لقوله: "بفلان".
والجواب عن [السؤال] (٢) الثالث: إذا قال: "أنا أحج فلانًا إلى بيت الله"، فلا خلاف أنه: لا يلزمه الحج في نفسه، لأنه لم ينذره ولا التزمه، وإنما يلزمه إحجاج الرجل من ماله، فإن أبى: فلا شيء عليه [وعليه أكثر الرواة] (٣).
_________________
(١) في أ، ب: الوجه.
(٢) في أ: الوجه.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ١١٢ ]
المسألة الخامسة
إذا قال عليه السير أو الانطلاق أو الذهاب إلى مكة (١)، والكلام في هذه المسألة في فصلين:
أحدهما: في معرفة ما يجب عليه المشي من الألفاظ.
والثاني: في معرفة ما يلزمه المشي [إليه] (٢) من المواضع المنذورة.
فالجواب عن [الفصل] (٣) الأول: في معرفة ما يجب به المشي من الألفاظ المنذورة: ولا خلاف في لفظ "المشي" إذا نوى به الحج أو العُمرة: أنَّهُ يلزمه.
واختلف فيما لم تكن له نيَّة، فالمشهور أنه يلزمه المشي، ولأشهب في "كتاب محمد": "لا [شيء] عليه"، وقد قدَّمناهُ.
وأمَّا ما عداهُ من الألفاظ: كالذهاب والانطلاق والمسير والرُكوب والإتيان والضرب وغير ذلك من الألفاظ التي يفهم منها المشي، فلا يخلو من أن يريد بذلك العمرة أو الحج [أو] (٤) لا.
فإن قال: "عليه الذهاب إلى مكة"، ونوى بذلك حجًا أو عُمرة: فلا خلاف في المذهب أنه يلزمه إتيان مكة بحج أو عمرة إن شاء ماشيًا وإن شاء راكبًا.
وكذلك سائر الألفاظ التي ذكرنا.
فإن لم تكن له نية، هل يعطى لهذه الألفاظ حُكم المشي؟
_________________
(١) المدونة (٣/ ٨٨).
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: بأس.
(٤) في ب: أم.
[ ٣ / ١١٣ ]
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أنه لا يلزمه إتيان مكة في جميع هذه الألفاظ، وهو قوله في المدونة.
والثاني: أنه يلزمه الإتيان في جميع [هذه الألفاظ] (١) حاجًا أو معتمرًا، وهو قول أشهب، ونص ابن القاسم فيها في الركوب أيضًا.
واختلف المتأخرون: هل اختلف قول ابن القاسم في سائر الألفاظ، كاختلافه في الركوب؟
فمنهم من قال: إنما اختلف في الركوب خاصة دون ما عداه، وهو ظاهر تأويل أبي عمران الفاسي، وهو قول ابن المواز (٢) من متقدمي الأصحاب، وقد سئل أبو عمران الفاسي: "لم اختلف قول ابن القاسم في ناذر الركوب إلى مكة، ولم يختلف قوله في الذهاب والانطلاق ونحوه؟ فقال: "يحتمل أن يحمل على قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (٣)، فذكر المشاة والركبان، فكان الركوب في اللفظ أمام المشي، وذلك جيد في المخاطبات، كقولهم: "حافيًا منتعلًا"، ويحتمل أيضًا أن يكون: إنما وجد الخلاف في الركوب منصوصًا، فيقاس عليه باقي الألفاظ.
ومنهم من يقول: إن ابن القاسم اختلف في الجميع، وأن له قولة أخرى، مثل قول أشهب، وهو الصحيح، وله في "المدونة" شواهد تدل على ذلك مع ماله منصوص في الأمهات مع ما نقله بعض مشايخ المذهب:
منها قوله في "المدونة": "قال سحنون": وقد كان يختلف في هذا
_________________
(١) في أ: ذلك.
(٢) النوادر (٤/ ٢٨ - ٢٩).
(٣) سورة الحج الآية (٢٧).
[ ٣ / ١١٤ ]
القول على رواية فتح الياء وكسر اللام -يريد ابن القاسم، وفيه رواية أخرى بضم الياء وفتح اللام، وقد وقع مُبينًا في بعض النسخ، وقد كان ابن القاسم يختلف قوله، ثم ذكر قول أشهب.
وقد اختلف فيما اختلف فيه ابن القاسم، ويؤخذ من "المدونة" (١) أيضًا، من قوله: "أنا أضرب بمالي حطيم الكعبة"، فقال: "يلزمه الحج أو العمرة، ولم يشترط في ذلك نية"، واختصر المسألة حمديس على أن قوله اختلف في جميع الألفاظ، وعليه تأويل ابن لُبابة، وقد حكى القولين [عنه] (٢) ابن حارث، وقد روى سحنون وابن رشد [عنه] (٣) مثل قول أشهب.
قال [القاضي] (٤) أبو الفضل عياض: وأكثر المختصرين على أنَّ الخلاف في الركوب وحده. وعلى القول: بأنه يلزمه الإتيان في الركوب، هل يجوز له المشي إذا أراد أن يحمل المشقة على نفسه أو لا؟
[فظاهر] (٥) قول ابن القاسم: أنه يجوز له أن يؤثر المشي على الركوب إذا اختارهُ، ولأنه اختار الأثقل على الأخف.
وأشهب يقول: "لا ينتقل عن الركوب إلى المشي، لأنه خفف عن نفسه مؤنة الكراء والشراء، وهو نفقة وجبت عليه لله تعالى أن يخرجها في طاعة الله تعالى سبحانه [فوجه القول الأول بمساواة هذه الألفاظ أن المقصود منها الوصول إلى مكة فمشى. فهم أن المقصود منها إتيان مكة فأمر بإتيانها كما لو عبر بلفظ المشي والاعتبار بالمعاني لا بالألفاظ] (٦).
_________________
(١) (٣/ ٩٨).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ، جـ.
[ ٣ / ١١٥ ]
ووجه القول الثاني: أن لفظة "المشي" [مفهومة مشهورة] (١) في عرف الاستعمال، إذ العادة الجارية والسنة المطردة أن من حلف بالمشي إلى مكة، أنه قصد إتيانها، لإحدى العبادتين: إما حجة وإما عمرة.
وما عدا هذا من سائر الألفاظ بخلاف ذلك حتى ينوي، وذلك من باب التخصيص بالعبادة.
والجواب عن [الفصل] (٢) الثاني: في معرفة ما يلزم المشي إليه من المواضع، وقد قال النبي - ﷺ -: "لا تشد المطي إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد بيت المقدس، أو إيليا شك من الراوي" (٣).
ومعنى قوله - ﷺ -:"لا تُستعمل المطى" (٤) أي: لا [يتكلف] (٥) السفر، لأن المطايا لا تُستعمل إلا للأسفار البعيدة التي يحتاج فيها إلى استعداد المراكب والأزواد، وسواءٌ كانت معهُ راحلة أم لا.
فإذا نذر المشي إلى غير هذه المساجد الثلاثة، فلا يجوز له الوفاء به، لأن ذلك نذر معصية، ويؤمر أن يعكسه في طاعة، إلا أن ينذر المشي إلى ساحل من [السواحل] (٦)، فإنه يؤمر بالوفاء، وإن كان من أهل مكة والمدينة أفضل [لكون] (٧) السواحل فيها [الحرس] (٨) على المسلمين وسدِّ
_________________
(١) في ب: معروفة.
(٢) في أ: الوجه.
(٣) أخرجه البخاري (١١٨٩) ومسلم (٨٢٧) بلفظ: "لا تشد الرحال" وأخرجه أحمد (١١٩٠١) والبخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٢١٠) وعبد بن حميد في "المسند" (٩٥١) والطبراني في "الكبير" (٢١٦١) ومسند الشاميين (١٥٣٨) من طرق بلفظ: "لا تشد المطى".
(٤) لم أفف عليه بهذا اللفظ.
(٥) في ب: يكلف.
(٦) في ب: سواحل الكر.
(٧) في أ: لكن.
(٨) في ب: الحرص.
[ ٣ / ١١٦ ]
الثغور، وهو معنى لا يوجد بالمدينة [ولا بمكة] (١).
فإذا نذر المشي إلى أحد المسجدين، مسجد الرسول أو مسجد إيليا، فلا يخلو من أن يذكر المسجد أو لا يذكره:
فإن ذكر المسجد أو لم يذكره، إلا أنه [قصد] (٢) الصلاة في مسجد ذلك الموضع: فلا خلاف أعلمه في المذهب في وجوب الإتيان [عليه] (٣)، إلا ما ذكر عن إسماعيل القاضي؛ أنه لا يلزمه شيء إلا أن يشاء [أن] (٤) يركب.
وإنما الخلاف في الركوب، هل يجوز له إذا نذر المشي أم لا؟
على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يركب ولا يمشي، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يمشي ولا يركب، وهو قول ابن وهب في "الكتاب" أيضًا.
والثالث: التفصيل بين القُرب والبُعد:
فإن كان قريبًا، مثل: الأميال اليسيرة، مشى.
وإن كان بعيدًا، ركب.
وهو قولٌ حكاهُ ابن المواز في "كتابه".
وهذا الخلاف ينبني على الأصل الذي قدمناه في التخصيص بالعادة، وذلك أن العادة إنما جرت بالمشي إلى مكة، فيطالب الناذر بمقتضى لفظه، والقضى عن عُهدة لفظه.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: نوى.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: و.
[ ٣ / ١١٧ ]
وإن لم يذكر المسجد، ولا قصد الصلاة في ذلك الموضع. أما مسجد النبي - ﷺ - ومسجد بيت المقدس، فلا يلزمه إتيانهما جملة وأما مكة فقد اضطربت أجوبة "الكتاب" وألفاظه في ناذر المشي إلى بعض [مواضع مكة] (١)، وقد قال ابن القاسم: "إذا قال عليه المشي إلى مكة والمسجد الحرام أو البيت أو الكعبة أو الحجر أو الركن: لزمه.
وإن قال إلى الصفا أو المروة أو الزمزم أو المقام أو مني أو عرفات: لم يلزمه".
فألزمه: ابن القاسم المشي إذا قال: إلى مكة، وهي القرية، وأسقط عنه: إذا قال الصفا والمروة، وهما داخلان في القرية، وهما من مشاعر الحج أيضًا، وألزمه: إذا قال المسجد، وأسقطه عنه: إذا قال الزمزم أو المقام، وهما داخلان في المسجد، وهذا كله اضطراب واختلاف وتناقض من القول، وتحصيل في ذلك أنه مهما ذكر البيت أو جزءًا من أجزائه: فلا خلاف في [المذهب] (٢) في وجوب المشي عليه، من غير اعتبار نية.
واختلف فيما كان متصلًا بالبيت، كالحجر والحطيم: على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن له حكم البيت، وهو تأويل أبي محمد بن أبي زيد (٣) على "الكتاب"، وهو ثابت في الحجر في بعض الروايات [في "كتاب النذور"] (٤)، ولا يكون المشي إلا على من قال: مكة، إلى أن قال: أو الحجر أو الركن، وهما ثابتان في "كتاب الحج" ونص في "المدونة" في كتاب
_________________
(١) في أ: المواضع.
(٢) في ب: المدونة.
(٣) النوادر (٤/ ٢٩).
(٤) في ب: هاهنا.
[ ٣ / ١١٨ ]
الصلاة الأول: "أن الحجر حكمه حكم البيت".
والثاني: أن الحجر والحطيم لا يلزمه المشي [إليهما] (١)، وهو قول ابن حبيب [وقد تأول ما قاله ابن حبيب] (٢)، على أنه اختلاف حال، ويكون قوله وفاق "المدونة"، ويحمل قوله: على أن الحجر والحطيم من البيت، لأن الحطيم ما بين الباب إلى المقام.
فتكلم ابن القاسم على: ما اتصل منه بالبيت.
وتكلم ابن حبيب على: أوله مما بان عن البيت.
وكذلك الحجر، لأن منه ما هو من البيت، ومنه ما ليس منه، وإنما أدخل احتفاظًا واحتياطًا، كذا ذكر المحدثون والمؤرخون، فكأنه جعل غاية مشيه [إلى] (٣) أوله، كقوله "إلى الحرم"، ولا شك أن البيت من الحرم، متصل به، وإنما سمي بالحطيم: لتحطم الناس فيه عند الطواف والركوع، وإذا ذكر المسجد: لا [شك أنه] (٤) يلزمه وكذلك مكة، فكان يجب أن يلزمه المشي متى ذكر شيئًا مما هو داخل المسجد، كما قال في الكعبة، وهو تأويل ابن لبابة على "المدونة"، وهو خلاف منصوص [فيها فيكون] (٥) فيما إذا ذكر شيئًا مما هو في المسجد: قولان، وكذلك أيضًا في القرية: أن يلزمه المشي مهما ذكر [شيئًا] (٦) مما هو داخل فيها، كالصفا والمروة أو غيرهما، وهو قول أصبغ.
_________________
(١) في أ: فيهما.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: على.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ١١٩ ]
وتغالى ابن حبيب حتى قال (١): يلزمه المشي، متى ذكر الحرم أو بعض ما هو داخل فيه، كمنى ومزدلفة، ولا يلزمه فيما هو خارج عنه إلا عرفة، فإنه يلزمه المشي إذا ذكرهُ وإن كان في الحل، لأنه من مشاعر الحج، فيتحصل في المسألة على هذا الترتيب أربعة [أقوال] (٢).
أحدها: أنه يلزمه [في الحرم] (٣) ما حوى ولا يلزمه فيما هو خارج عنه [إلا عرفات] (٤)، وهو قول ابن حبيب.
والثاني: أنه لا يلزمه إلا في القرية وما [حوته] (٥) دون ما كان خارجًا، عنها، وهو قول أصبغ (٦).
والثالث: أنه لا يلزمه إلا في ذكر القرية [نفسها] (٧)، ولا يلزمه فيما هو داخل فيها، إلا المسجد وما فيه، وهو تأويل ابن لبابة على "المدونة"، ونص ابن القاسم فيما هو خارج المسجد [وداخل القرية] (٨).
والرابع: أنه لا يلزمه إلا من ذكر مكة أو المسجد أو الكعبة وأجزائها، وهو مشهور قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى ما يقتضيه مجرد اللفظ أو النظر إلى ما جرت العادة بإتيانه في تلك الأماكن؟
فمن نظر إلى ما يقتضيه مجرد اللفظ، قال: لا يلزمه شيء.
_________________
(١) النوادر (٤/ ٢٨ - ٢٩).
(٢) في أ: أوجه.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: داخلها.
(٦) النوادر (٤/ ٢٩).
(٧) في ب: بعينها.
(٨) في أ: وداخله.
[ ٣ / ١٢٠ ]
ومن نظر إلى ما جرت العادة بفعله هناك، قال: يلزمه إذا ذكر ما هو المقصود بالعادة، فكل منهم بناه على ما هو المقصود عنده. وبالله التوفيق والحمد لله وحده.
[ ٣ / ١٢١ ]
المسألة السادسة
في ناذر الهدى (١)، ولا يخلو ناذر الهدى من وجهين:
أحدهما: أن ينذر هدى ما لا يصح هديهُ.
والثاني: أن ينذر هدى ما يصح هديهُ.
فإن نذر هدي ما لا يصح هديهُ، إما عادة وإما شرعًا، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك لحرمتهِ في نفسه.
والثاني: أن يكون ذلك لصفةٍ هو عليها.
فإن كان ذلك لحرمتهِ في نفسه، ولصفةٍ هو عليها شرعًا كالحُر، فهل يلزمه أم لا؟ قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه يلزمه الهدي، وهو قول مالك: [في المدونة] (٢) إذا قال [الرجل] (٣): "أنا أهديك إلى بيت الله، إن فعلت كذا وكذا".
والثاني: أنه لا شيء عليه، لأنه نذر معصية، وهو قول [ابن] (٤) عبد الحكم، وهو أحد قولي مالك في "كتاب الصيام"، فيما إذا نذر صوم ما لا يصح صومه، مثل: صوم يوم النحر ويوم الفطر.
وسبب الخلاف: القصد إلى التقرب بما لا تصح القربة به شرعًا، هل هو قصد إلى البدل أم لا؟
فإن كان ذلك لصفة هو عليها في نفسه عادة، فلا يخلو من أن يكون
_________________
(١) المدونة (٣/ ٨٩ - ٩٠).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ١٢٢ ]
ذلك في ملك نفسه أو في ملك غيره:
فإن كان ذلك في ملك غيره، مثل أن يقول: "عبد فلان [أو داره هدي] " (١)، فهل يلزمه إخراج البدل أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يلزمه البدل، وهو نص "المدونة" (٢).
والثاني: أنه يلزمه البدل، ويؤخذ من قوله: في الحر، إذ لا فرق بينهما، لأن معنى قوله: "أنا أهديك"، أي: "أنا أنحرك"، ولا فرق [بين] (٣) أن يقول ذلك لحرٍ أو لعبدٍ، إلا أن يقال لما كان يصح أن يباع ويشترى بثمنه هدى، فكأنه أراد بالهدي ثمنه، وهو لا يملكه ولا يلزمه شيء، كالقائل، عبد فلان ومال فلان صدقة، وقال النبي - ﷺ -: "لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم" (٤).
فإن كان ذلك في ملك نفسه، مثل: أن يقول: "عبدي أو داري هدي"، أو ذكر من العروض ما لم تجر العادة بهديه، فإنه: يبيعه [ويشتري هديًا. وهل يجوز أن يمسكه ويخرج قيمته أم لا؟ قولان قائمان من المدونة أحدهما: يجوز أن يمسكه] (٥)، ويخرج ثمنه، وهو ظاهر في قوله في "الكتاب": "إذا حلف فحنث، أخرج ثمن ذلك كله فبعث به أو اشترى به هديًا، وهو قوله في "كتاب الحج" [أيضًا] (٦).
وقوله "أخرج ثمنه" ظاهره: أنه من عنده، وهو نص المذهب في غير "المدونة"، على ما نقله الشيخ أبو إسحاق التونسي وغيره.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) (٣/ ٨٩).
(٣) سقط من أ.
(٤) أخرجه مسلم (١٦٤١).
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ١٢٣ ]
والثاني: أنه يبيعه ويشتري بثمنه هديًا، وهو نص "المدونة"، وظاهر هذا القول أنه [لا يجوز] (١) إمساكه وإخراج قيمته.
وقد ذكر ابن المواز القولين عن مالك (٢)، ولا فرق في جميع ذلك بين أن يكون بيمين أو بغير يمين.
وسبب الخلاف: هل ذلك من باب شراء المرء صدقته أم لا؟
فإذا باعه أو أخرج قيمته من عنده، فلا يخلو من وجهين:
إما أن يبلغ ذلك ثمن هدى أو لا يبلغ:
فإن بلغ ثمن هدي، فإنه يبعث به لمن يشتري به هديًا من حيث يبلغ إلى مكة.
فإن عجز عن ثمن هدي أو اشترى هديًا، وفضلت فضلة لا تبلغ ثمن هدى آخر، هل يبعث بها أو يتصدق حيث هو؟ قولان في الكتاب:
أحدهما: أنه يبعث بها إلى خزنة الكعبة، وهو قولُ مالك في "الكتاب".
والثانى: أن يتصدق بتلك الفضلة حيث هو، ولا يبعث بها، وهو قول ابن القاسم في الكتاب أيضًا.
وفي المسألة قول ثالث: وهو أن يتصدق بها على مساكين مكة، وهو اختيار أبي الحسن اللخمي.
ووجه قول مالك: أنه شيء نذر صرفه إلى مكة، فعجز عن ثمن هدي، فكان صرفه حيث هو أولى، إذ لاحق إلى الكعبة، كما لو قال: "مالى في طيب الكعبة أو كسوتها".
_________________
(١) في ب: يجوز.
(٢) النوادر (٤/ ٣٣).
[ ٣ / ١٢٤ ]
ووجه قول ابن القاسم: أنه لم ينذر للكعبة شيئًا، ولا بلغ ثمن هدي، فكان صرفه حيث هو أولى لمساكين مكة.
ووجه قول أبي الحسن اللخمي: أنه لو اشترى به الهدي، لكان مساكين مكة أولى بلحمه، فهم بذلك الثمن أولى وقال أيضًا: "لو [اشترك به] (١) في هدي، لكان وجهًا".
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم. وهو أن ينذى هدي ما يصح هديه، كالإبل والبقر والغنم، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يقصد بذلك مكة.
والثاني: أن يقصد به غير مكة من سائر البلدان.
فإن قصد به مكة، فلا يخلو من أن يكون بموضع تصل منه الهدايا لقربه أو بموضع لا تصلُ منه:
فإن كان بموضع تصل منه لقربه: فلا خلاف أنه ينفذها ويبعث بها.
فإن كان في موضع لا تصل منه لبعده: فإنه يبيعها ويشتري بأثمانها أمثالها أو أفضل منها من [موضع] (٢) [يغلب] (٣) على ظنه أنها تصل منه ويشتري بثمن الإبل إبلًا، ولا يشتري بثمن البقر بقرًا، حتى يعجز عن الإبل، ولا بثمن الغنم غنمًا حتى يعجز عن الإبل والبقر، لأن ذلك أفضل، ولأن الإبل أعلى الهدايا وأدناها الغنم على ما نص عليه مالك في "كتاب الحج": "أنه إذا نذر هديًا، فإن الشاة تجزئه، يريد وإن قدر على البدنة".
فإن قصد بنذره غير مكة، مثل: أن يقول: "لله على هدى لمساكين
_________________
(١) في أ: اشتراه.
(٢) في أ: حيث.
(٣) في أ: تبلغ.
[ ٣ / ١٢٥ ]
الأندلس أو لمساكين إفريقية" فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يقصد بذلك الرفق لمساكين تلك البلدة أو قصد تعظيمها.
فإن قصد الرفق بمساكين تلك البلدة، فهل يجوز له السوق إليها أم لا؟
قولان:
أحدهما: أن ذلك جائز، وهو قول مالك في "كتاب محمد".
والثاني: أن ذلك [غير] (١) جائز، وهو قول مالك في "المدونة" [حيث قال] (٢) وسوق البدن إلى غير مكة من الضلال.
فإن قصد بذلك تعظيم تلك البلدة، [وتفخيمًا] (٣) لشأنها: فلا خلاف في منع ذلك، لأن ذلك من خصائص مكة [وبذلك] (٤) وأمثاله شرفها الله تعالى. والحمد لله وحده.
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: تعجيلها.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ١٢٦ ]
المسألة السابعة
إذا حلف بصدقة ماله (١)، فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يعين جميع ماله للصدقة.
الثاني: أن يعم جميعه دون تعيين.
الثالث: أن يعين البعض [ويهمل البعض] (٢).
الرابع: أن يتصدق [بالبعض] (٣) ويترك البعض.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا عين جميع ماله للصدقة، مثل: أن يقول: "داري صدقة" ولا مال له سواها، أو قال: "داري وعبدي [ودابتي] (٤) "، حتى أتى على جميع ماله هل يلزمه إخراج الجميع أو لا يلزمه؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يلزمه إخراج جميع ماله، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنه لا يلزمه إلا قدر الثلث، وهي رواية رواها ابن الجلاب عن مالك (٥).
والثالث: أنه يخرج منه ما لا يضره إخراجه، على حسب قلة المال وكثرته، وهو قول سحنون.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا عم جميع ماله دون تعيين، مثل: أن يقول "مالي صدقة في يمين أو في غير يمين"، فإنه يجزئه من ذلك الثلث،
_________________
(١) انظر: "المدونة" (٣/ ٩٤ - ٩٥).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) التفريع (١/ ٣٨٠).
[ ٣ / ١٢٧ ]
ولا يلزمه أكثر، ولا خلاف في ذلك عندنا، لحديث أبي لبابة.
وكان يجب إذا عين، حتى أتى على جميع ماله ألا يلزمه إلا الثلث خاصة من غير خلاف، إذ لا فرق في التحقيق بين أن يعين أو يعم، ولا يعين إلا أن يكون هناك [سنة] (١)، فيجب المصير إليها.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا عين البعض وعم البعض، مثل: أن يقول: "عبدي صدقة، وجميع مالي صدقة"، ففي ذلك قولان:
أحدهما: أنه يخرج العبد، وثلث ما بقى من ماله، وهو قول مالك [في الكتاب] (٢).
والثاني: أنه يخرج ثلث العبد، وثلث ما بقى من ماله، وهي رواية ابن الجلاب (٣) [عنه] (٤).
والجواب عن الوجه الرابع: إذا تصدق بالبعض، وترك البعض، فهل يخرج [جميع] (٥) ذلك البعض أو يقتصر على ثلثه؟ قولان أيضًا:
أحدهما: أنه يتصدق بجميع ذلك البعض، وإن كان أكثر [من الثلث] (٦)، مثل أن يقول: "مالي صدقة إلا درهمًا"، وهو مذهب "المدونة".
والثاني: أنه إذا سمى أكثر من الثلث، اقتصر على الثلث، مثل: أن يقول: "نصف مالي"، وهذا القول حكاه ابن وهب عن مالك في
_________________
(١) في جـ: حجة أو قرينة.
(٢) سقط من أ.
(٣) التفريع (١/ ٣٨٠).
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ١٢٨ ]
"النوادر" (١).
وهذه كلها أقوال مجردة لا دليل لها.
فرع: فإن حلف بصدقة ماله، فلم يحنث، حتى حلف بثلث ماله فحنث في اليمينين جميعًا: أجزأه ثلث واحد، لأن جميع المال في حين اليمين الثانية على ملكه، وإنما كرر اليمين في شيء واحد.
ولو حلف بثلث ماله فحنث: فإنه يخرج ثلث الجميع عن اليمين الأول، ثم ثلث الباقي عن اليمين الثانية.
واختلف إذا حلف بصدقة ماله، فحنث [ثم حلف بصدقة ماله فحنث] هل يجزئه ثلث واحد أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يجزئه ثلث واحد، وهو قول ابن كنانة.
والثاني: أنه يخرج عن الأولى ثلث جميع ماله، ثم يخرج عن الثانية ثلث الباقي، وهو قول أشهب.
وهذا الخلاف داخل في المسألة، التي فوق إذا حلف بثلث ماله فحنث ثم حلف بالثلث مرة ثانية ثم حنث، ولا فرق بين السؤالين.
فرع: ولو حلف فحنث، وماله مائة ثم حلف وحنث، وماله مائتان، ثم حلف وحنث، وماله ثلاثمائة، فليس عليه إلا مائة واحدة، ولو حنث أولًا، وماله مائة، ثم حنث ثانية، وماله ستون، ثم حنث ثالثة وهو أربعون، فليس عليه إلا ثلث المائة التي حلف فيها أولًا إلا أن يبقى بيده أقل من ثلثها، فلا شيء عليه غير ما بيده، إلا أن يكون تلف بسببه، فيلزمه وهو دين عليه.
فإن حنث في يمينه، وقد زاد المال أو نقص، فلا تخلو زيادته من أن
_________________
(١) (٤/ ٣٥).
[ ٣ / ١٢٩ ]
تكون اختيارية أو اضطرارية:
فإن كانت [اختيارية] (١) مثل: أن يقيد [المال] (٢) بفائدة أو بربح من تجارة اتجر فيها، فعليه ثلثه يوم حلف.
فإن كانت زيادته اضطرارية، كالولادة في الحيوانات أو ميراثًا ورثه، فعليه ثلثه يوم حنث، وهو قول مالك في "العتبية" (٣) وكتاب "ابن حبيب" في الولادة، والميراث كالولادة.
فإن نقص المال بعد حنثه [أو نقص بعد اليمين وقبل الحنث. فإن نقص المال بعد حنثه] (٤)، فلا يخلو ذلك من أن يكون بسببه أو بغير سببه:
فإن كان ذلك بسببه، مثل أن ينفقه أو فرط فيه حتى ضاع، فهل يضمن أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه ضامن، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه لا ضمان عليه، ولا يتبع بذلك دينًا، وهو قول أشهب.
والقولان: في كتاب "ابن المواز".
فإن كان ذلك بغير سببه ولا تفريط منه، فإنه: لا شيء عليه، ولا يتبع بشيء.
فإن نقص بعد اليمين وقبل الحنث، فلا يخلو يمينه من أن تكون على بر أو على حنث:
فإن كانت يمينه على بر، مثل قوله "إن فعلت كذا" أو لا فعلت، فلا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) البيان والتحصيل (٣/ ٢١٨).
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ١٣٠ ]
ضمان عليه فيما تلف قبل الحنث سواء كان ذلك بسببه أو بغير سببه:
فإن كانت يمينه على حنث، مثل قوله: "إن لم أفعل" أو "لأفعلن" فهو كتلفه بعد الحنث، إن كان بغير سببه فلا ضمان عليه، وإن كان بسببه، إما بمباشرة الإنفاق، وإما بتفريط فقولان أيضًا، ونص ابن حبيب في "كتابه" (١): أن التفريط غير مؤاخذ به، ونص ابن القاسم وسحنون على أنه: مؤاخذ بالتفريط، مثل الزكاة.
فهذه فروع لا يستغنى الناظر عنها في هذا الباب.
والله الموفق للصواب [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) انظر: "النوادر" (٤/ ٣٨).
(٢) زيادة في جـ.
[ ٣ / ١٣١ ]
المسألة الثامنة
إذا نذر أن يذبح ولده أو أجنبيًا من الناس أو نذر أن يذبح نفسه (١):
فإن نذر أن يذبح ولده، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك في يمين.
والثاني: أن يكون في غير يمين.
فإن كان ذلك في يمين، مثل أن يقول: "إن فعلت كذا، فعلى أن أنحر ولدي"، فهل يلزمه الهدى أو لا يلزمه؟ قولان:
أحدهما: أن الهدى يلزمه، سواء ذكر المقام أو لم يذكره، قصد بذلك الهدى أو لم يقصده، وهو قول بعض الأشياخ، ومثله في كتاب الأبهري.
والثاني: أنه لا هدي عليه، حتى يذكر المقام أو ينوي الهدي، وهو قول ابن المواز، وهو ظاهر "المدونة".
فإن كان ذلك في غير يمين، مثل أن يقول "أنا أنحر ولدي" أو "لله على أن أنحر ولدي"، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن ينوي بذلك قربة أو يذكر المقام أو الصفا أو المروة أو لا نية له ولا ذكر المقام:
فإن نوى بذلك قربة لله تعالى أو قصد بذلك موضعًا يفهم منه أنه أراد القربة، فلا خلاف في المذهب: أنه يجب عليه الهدي.
واختلف هل يهدي بدنة أو يجزئه الكبش؟ قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه يهدي بدنة مع القدرة، وهو ظاهر المدونة.
_________________
(١) المدونة (٣/ ٩٩ - ١٠٠) و"النوادر" (٤/ ٣١ - ٣٣).
[ ٣ / ١٣٢ ]
والثاني: أنه يجزئه كبش، وهو قوله في كتاب "ابن المواز" (١): فيمن نذر أن يذبح نفسه [ولا فرق بين من نذر أن يذبح نفسه] (٢) أو نذر أن يذبح ولده.
فإن لم تكن له نية، ولا ذكر المقام، فلا يلزمه الهدى، وهل تجب عليه كفارة يمين أم لا؟ فالمذهب على قولين منصوصين في المدونة: [وقال] (٣) في "الكتاب": ويلزمه في نحر أبويه، مثل ما يلزمه في نحو ولده.
وقال ابن القاسم في كتاب "ابن المواز": "وابنه والأجنبي في ذلك سواء".
واختلف فيما إذا قال: "أنا أنحر أولادي"، هل يجزئه هدى واحد عن جميعهم أو عن كل واحد هدى؟ على قولين [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) انظر:"النوادر" (٤/ ٣٢).
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) زيادة من جـ.
[ ٣ / ١٣٣ ]
المسألة التاسعة
في لغو الأيمان (١): والله تعالى يقول: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٢).
واللغو [من] الكلام يطلق، والمراد به: الهجر والخنا، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (٣)، [وهو قول [ابن دريد] (٤):
أحرز أجرًا وقلى هُجر اللغا] (٥)
ويطلق ويراد به الباطل من الكلام، و[منه] (٦) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٧)، كذا قال بعض أهل التفسير، ومنه قوله في الحديث: "إذا قلت لصاحبك [أنصت] (٨)، والإمام يخطب، فقد لغوت" (٩)، معناه: قال الباطل من الكلام.
ويطلق ويراد به: الكلام الذي لا يفيد، ولا يتعلق به حكم من الأحكام، منه قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (١٠).
واختلف العلماء في اللغو الذي رفع الله المؤاخذة به من الأيمان عن عباده اختلافًا كثيرًا، يجوز التعرض عنه لصرده [إلى التعريض
_________________
(١) انظر: "المدونة" (٣/ ١٠١ - ١٠٢) و"التفريع" (١/ ٣٨٢ - ٣٨٣).
(٢) سورة البقرة الآية (٢٢٥).
(٣) سورة القصص الآية (٥٥).
(٤) في ب: ولله در ابن دريد حيث قال.
(٥) سقط من جـ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سورة الفرقان الآية (٧٢).
(٨) ساقطة من الأصل.
(٩) أخرجه البخاري (٩٣٤) ومسلم (٨٥١).
(١٠) سورة البقرة الآية (٢٢٥).
[ ٣ / ١٣٤ ]
والتطويل] (١)، والذي في المذهب عندنا قولان:
[أحدهما]: أن لغو اليمين [قول الرجل] (٢) "لا والله"، "وبلى والله"، وهو مذهب عائشة ﵂، وقال به إسماعيل القاضي من أصحابنا البغداديين.
والثاني: أن لغو اليمين أن يحلف [الرجل] (٣) على أمر [يظنه كذلك] (٤)، ثم يتبين له خلاف ذلك، مثل أن يقول: "والله ما لقيت فلانا أمس، ويقينه كذلك، ثم تبين له [أنه لقيه] (٥)، فهذا لغو اليمين الذي رفع الله تعالى المؤاخذة عن العبد به في اليمين، ولا يكون إلا في الأيمان التي تكفر دون ما لا تكفر من الأيمان.
ومعنى الظن "الذي ذكرناه": اليقين، لأنه لا يخلو في حين يمينه من أربعة أوجه:
أحدها: أن يحلف على يقين عنده.
والثاني: أن يحلف على الظن.
والثالث: أن يحلف على الشك.
والرابع: أن يحلف على تعمد الكذب.
فإن حلف على اليقين، فهو المعنى الذي شرحناه.
فإن حلف على الظن الذي هو تجويز الأمرين، أحدهما أظهر من
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: يوقنه في ظنه.
(٥) في أ: الخلاف فيه.
[ ٣ / ١٣٥ ]
الآخر، فلا يخلو من أن يكون قد صادف ذلك كما حلف أو جاء على خلاف يمينه:
فإن صادف ذلك كما حلف عليه: بر في يمينه، واختلف في الإثم، هل يلزمه أم لا؟ على قولين متأولين على "المدونة":
أحدهما: أنه لا إثم عليه، وقد خاطر وسلم، وهو قول ابن المواز، (١) وهو تأويل بعض المتأخرين على "المدونة".
والثاني: أنه يكون مأثومًا، لأنه تجرأ باليمين على القطع على غير يقين، وإن جرى أن يكون إثمه أخف من تعمد الكذب في الذي ذكر أنه لقيه.
فإن جاء على خلاف يمينه، مثل: أن يحلف على ظن أنه ما لقيه، ثم تبين له أنه لقيه: فإنه يكون مأثومًا، وإثمه دون إثم من تعمد الكذب، وأعظم من إثم من صادف الكذب كما حلف عليه.
وكذلك من حلف على الشك الذي هو تجويز الأمرين، من غير أن يكون أحدهما أظهر من الآخر، في جميع ما ذكرناه وأما إذا حلف على تعمد الكذب، مثل: أن يحلف أنه ما لقيه، وهو يعلم أنه لقيه: فهذه يمين الغموس، وهي أعظم من أن تكون فيها كفارة، وسميت غموسًا: لأنها تغمس صاحبها في النار، ونعوذ بالله منها.
وقد قالوا: إن الأيمان أربعة: يمينان لا تكفران، ويمينان تكفران:
فاليمينان اللتان لا تكفران: هما ما قدمناهما من لغو اليمين [ويمين الغموس] (٢).
واليمينان اللتان تكفران [وهما] ما كان في مستقبل من الأمور، ومثل:
_________________
(١) انظر: "النوادر" (٤/ ٨).
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ١٣٦ ]
اليمين التي يكون فيها على حنث، مثل قوله: "إن لم أفعل" أو "لأفعلن": فهاتان يمينان تجب فيهما الكفارة وإذا وجد فيهما الحنث، لأن البر بالموافقة، والحنث بالمخالفة [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من جـ.
[ ٣ / ١٣٧ ]
المسألة العاشرة
في اليمين [بأسماء الله] (١) تعالى وصفاته (٢):
ولا خلاف بين الأمة في جواز اليمين بأسماء الله تعالى، كقوله: "والله" "والرحمن" والرحيم" "والعزيز" "والسميع" "والبصير"، وجميع الأسماء التي سمى الله تعالى بها نفسه، وأذن [في اليمين] (٣) بها إذنًا مطلقًا، قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (٤) وقال عز من قائل: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ﴾ (٥)، وقال سبحانه: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ (٦)، فكل يمين بالذات جائزة، وإن اختلفت الأسماء.
وأما صفات الله تعالى، "كقدرته" "وعزته" "وإرادته" "وعظمته" وغيرها من الصفات، فقد اختلف المذهب في جواز اليمين بها على قولين:
أحدهما: جوازه ووجوب الكفارة على من [حنث] (٧) بها [وهو قول ابن القاسم في المدونة] (٨)، وهذا هو المشهور من المذهب.
والثاني: أنه لا يجوز اليمين بها جملة، ولا تجب الكفارة على من [حلف] (٩) بها، وهو ظاهر قوله في كتاب "ابن المواز" فيمن حلف، وقال: "لعمر الله"، قال: لا يعجبني أن يحلف بها أحد، وقال فيمن قال: "وأمانة
_________________
(١) في أ: بالله.
(٢) انظر:"المدونة" (٣/ ١٠٣).
(٣) في أ: باليمين.
(٤) سورة الأنعام الآية (١٠٩).
(٥) سورة المائدة الآية (١٠٦).
(٦) سورة النور الآية (٦).
(٧) في أ: حلف والمثبت هو الصواب.
(٨) سقط من أ.
(٩) في ب: حنث.
[ ٣ / ١٣٨ ]
الله" نحن نكره اليمين بها، وروى ابن زياد عن مالك أنه إذا قال: "لا والقرآن" "لا والمصحف": ليس بيمين، ولا كفارة على من حلف به فحنث، والمشهور ما قدمناه أن اليمين بالصفات جائزة، وغيره مهجور.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد (١): رواية علي عن مالك في ذلك منكرة، والمعروف عنه غيرها، ويحتمل أيضًا إن صحت الرواية: أن يريد بذلك [جرم] (٢) المصحف وأوراقه دون المفهوم منه.
ويحتمل أيضًا: أن يريد بالقرآن "فعل العبادة من القراءة"، كما قال: "يقطع الليل تسبيحًا وقرآنًا": أي قراءة، كما قال أشهب في العزة والأمانة، إذا قال: "وعزة الله وأمانته": "فإن أراد بذلك العزة التي هي صفة ذاته: فهي يمين، وإن أراد العزة التي خلقها في خلقه فلا شيء عليه، وكذلك الأمانة التي هي مقتضى صفات ذاته، فهي يمين، وإن أراد الأمانة التي جعلها بين العباد: فلا شيء عليه".
وعلى القول بأن اليمين بالصفات جائزة، فهل حكم اليمين بها حكم اليمين بالأسماء في اتحاد الكفارة مع تعدد الأسماء أم لا؟
وذلك لا خلاف عندنا أن الأسماء إذا اجتمعت في يمين بالواو أو بغير الواو: أن عليه كفارة واحدة، كقوله: "والله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم" أو "والله والسميع والبصير والعليم والقدير واللطيف والخبير"، إلى غير ذلك من الأسماء، وإن كان قد وقع في "الكتاب" ما يوهم أن الكفارة تتعدد [بتعدد] (٣) الأسماء، فيمن قال: "والسميع والعليم"، هذه الأسماء، وما أشبهها، كل واحد منها يمين، أي: أنها أيمان
_________________
(١) انظر: "النوادر" (٤/ ١٥).
(٢) في "النوادر": جسم. تهذيب اللغة (١١/ ٦٤).
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ١٣٩ ]
لا تفترق بعضها من بعض، في أن تلزم الكفارة ببعضها دون بعض، ولم ترد أنها إذا اجتمعت كفر عن كل قسم منها، لأنها راجعة إلى شيء واحد، ولاسيما على مذهب أهل الحق أن الاسم هو المسمى، ولا فرق بين قوله "والله والعزيز والسميع" وبين قوله: "والله والله والله والسميع والسميع والسميع".
وهل الصفات فيما ذكرناه كالأسماء على القول بجواز اليمين بها أم لا؟
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الصفات كالأسماء في اتحاد الكفارة، وإن تعددت الصفات، وهو قول ابن حبيب، وهو ظاهر "المدونة" على ما تأوله الشيخ أبو إسحاق التونسي، في قوله: "على عهد الله ومثياقه وكفالته".
قال مالك: "هذه كلها أيمان [قال: ألزمه هاهنا في كل واحدة كفارة لأنه لم يجعلها أقسامًا وإنما هي كالنذور ومثل قوله: على أربعة أيمان] (١)، وأربعة نذور، فهذا تأويل أبي إسحاق التونسي.
والثاني: أن عليه في كل واحدة كفارة، فرقت أو جمعت، وهذا تأويل بعض المتأخرين على المدونة [في] (٢) المسألة التي ذكرناها، وهو قول مالك: "هذه أيمان كلها"، وهذا التأويل أسعد بظاهر الكتاب من تأويل أبي إسحاق التونسي.
والثالث: التفصيل بين الصفات المتفقة المعاني والصفات المختلفة المعاني:
فأما الصفات المتفقة المعاني، فتجب عليه فيها كفارة واحدة، كقوله: وعزة الله، وكبرياء الله، وجلال الله" لأن هذه الصفات بمعنى [واحد] (٣)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: من.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ١٤٠ ]
فتجب [في جميعها] (١) كفارة واحدة.
والصفات المختلفة [المعاني] (٢)، "كقدرة الله" و"كلام الله" و"علم الله"، فيجب عليه في كل واحدة منها كفارة، لأن كل صفة من هذه تفيد معنى في الموصوف بخلاف معنى الآخر، وهذا تأويل أكثر الأشياخ أيضًا.
وسبب الخلاف: اختلاف المتكلمين في جواز القول فيها بالاختلاف أو بالتغاير، وقد أبى جمهور الأشياخ أن يقال فيها أنها غير الذات، ولا خلافها، ولا هي.
فأجاز أبو بكر بن الباقلاني، وغيره إطلاق المخالفة وأبى من المغايرة، ولم ينكر الإمام أبو المعالي [المغايرة] (٣) بين كل شيئين كل التنكير وقال: لا يقطع [بتخطئة] (٤) من قال ذلك، وأبى إطلاقه في الصفات والذات [وإذا رد] (٥) الكلام [إلى] (٦) أحد الغيرين، على مذهب أئمتنا، وهو ما [جرت] (٧) بينهم المفارقة امتنع إطلاق هذا في الصفات والذات، ويلزم من رتب الكفارة على [تعادد] (٨) ترتيب الصفات [أن يرتب] (٩) الكقارة في الأسماء على ذلك.
وقد اختلف فيها أيضًا: فذهب جمهور المشايخ إلى أنها راجعة كلها إلى
_________________
(١) في أ: فيها.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: على تخطىء.
(٥) في أ: وإدراك.
(٦) في أ: على.
(٧) في جـ: جازت.
(٨) سقط من أ.
(٩) في أ: أن ترتيب.
[ ٣ / ١٤١ ]
شيء واحد، وإن اختلفت معانيها.
وأما الشيخ أبو الحسن الأشعري: فمذهبه فيها أنها منقسمة إلى ثلاثة أقسام:
فمنها: ما يقال أنها هو.
ومنها: ما يقال أنها غيره.
ومنها: ما لا يقال فيها أنها هو، ولا هي غيره.
وأما ما يقال فيها أنها هو: وذلك كل ما دل من الأسماء على الوجود بالله عند من يجعله مشتقًا وقديم ودائم وباقٍ.
وأما ما يقال أنها غيره: وهو كل ما دل من الأسماء على صفة فعل كالخالق والرازق.
وأما ما لا يقال فيه أنها هو، ولا هي غيره: وهو كل ما دل على صفة [في الذات] (١) [كالعليم] (٢) والقادر والسميع [والبصير] (٣).
والحق في ذلك: أن مدرك العقل في الذات "الوجود والإثبات بما يجب لها من الصفات، وبما يستحيل عليها، وما وراء ذلك من تكييف وتوهيم: فالعقل معزول عنه وممنوع منه، كما قال بعض المحققين: التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات، ولا معراة من الصفات، وقد جنحت بنا سوابق العقل في هذا المكان، وأرخينا لها في العنان وطولنا عليها الميدان، وقد حان أن نثني العنان إلى المقصود، و[نعطف] على المطلوب.
وإذا حلف باسم من أسماء الله تعالى وكرره، فلا يخلو من وجهين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: كالعالم.
(٣) أ: والعليم.
[ ٣ / ١٤٢ ]
[أحدهما] (١): أن يكرره [على] (٢) [شيء] (٣) واحد.
والثاني: أن يكرره على أشياء مختلفة.
فإن كرر ذلك في شيء واحد، مثل أن يقول: "والله لا أدخل دار فلان" [والله لا أدخل دار فلان والله لا أدخل دار فلان] (٤) وفلان واحد، فلا يخلو من أن يقصد بذلك التأكيد أو قصد بذلك تعدد الأيمان:
فإن قصد بذلك التأكيد، فلا خلاف أنه لا تجب عليه إلا كفارة واحدة.
وكذلك الحكم أيضًا إذا لم تكن له نية.
فإن قصد بذلك تعدد الأيمان، هل تتعدد عليه الكفارة أو لا تتعدد عليه؟
فإنه يتخرج على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة" (٥):
أحدها: أن الكفارة تتعدد إذا قصد بالتكرار تعدد الأيمان، وهذا تأويل الشيخ [أبي عمران الفاسي] (٦) على "المدونة"، وهذا الذي قاله ظاهر "المدونة" على إثبات [رواية] (٧) الألف في قوله: "إلا أن يريد به النذر أو ثلاثة أيمان"، وهو ظاهر اختصار أبي سعيد البراذعي في "التهذيب"، إلا أن ينوي أن عليه ثلاثة أيمان كالنذور.
والثاني: أن عليه كفارة واحدة إلا أن يريد مجمل النذور، وهو ظاهر قوله في "المدونة" (٨)، حيث قال:"أرأيت إن نوى باليمين الثانية غير الأولى
_________________
(١) زيادة ليست بالأصل.
(٢) في ب: في.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) انظر:"المدونة" (٣/ ١٠٥) و"النوادر" (٤/ ١٥ - ١٦).
(٦) في أ: أبي الحسن القابسي.
(٧) سقط من أ.
(٨) (٣/ ١١٥).
[ ٣ / ١٤٣ ]
والثالثة، أعليه ثلاثة أيمان"؟، قال: "لا يكون إلا يمينًا واحدة إلا أن يريد بها مجمل النذور، وهذا التأويل أظهر من الأول.
والثالث: أنه لا يلزمه إلا كفارة واحدة، حتى ينوي ثلاث كفارات، وهذا هو ظاهر قوله في "كتاب الظهار" من "المدونة"، في الذي كرر الظهار من زوجته، مثل: أن يقول لها: "أنت على كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي"، في شيء واحد أو في غير شيء، فليس عليه إلا كفارة واحدة، وإن نوى [بقلبه] (١) ثلاث ظهارات، [حتى] (٢) ينوي ثلاث كفارات [وهو ظاهر قوله في كتاب الظهار من المدونة] (٣)، فكما لا تتعدد عليه الكفارات إذا نوى ثلاث ظهارات حتى ينوي ثلاث كفارات.
فكذلك لا تتعدد في اليمين بالله تعالى، وإن نوى ثلاثة أيمان، حتى ينوي ثلاث كفارات.
وهذا القول ظاهر في الاستقراء جدًا والحمد لله به يُهتدى.
_________________
(١) في ب: بقوله.
(٢) في ب: إلا أن.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ١٤٤ ]
المسألة الحادية عشرة
في [النذر (١)] (٢)، ولا يخلو [الناذر] (٣) من أحد وجهين:
أحدهما: أن ينذر نذرًا لا مخرج له.
والثاني: أن ينذر نذرًا له مخرج.
فإن نذر نذرًا لا مخرج له، فلا يخلو من أن يكون نذرًا معلقًا باليمين أو غير معلق به:
فإن نذرا وعلقه باليمين، مثل: أن يقول على نذر "إن فعلت كذا، وإن لم أفعل [كذا] (٤) ".
فإن كانت يمينه على بر، فلا شيء عليه حتى يفعل، ويمينه منعقدة، وسواء كانت يمينه على طاعة أو على معصية.
فإن حنث في يمينه، كفر كفارة اليمين، وكان مثابًا على فعل الطاعة إن حنث بها، ومعاقبًا على المعصية إن حنث بها، مثل أن يقول: علي نذر إن أعتقت عبدي أو شربت خمرًا" أو ما أشبه ذلك.
فإن كان يمينه على حنث، مثل أن يقول علي نذر: "لأعتقن أو لأشربن خمرًا"، فهذا يؤمر بفعل ما فيه طاعة، فيوفي به ويحنث نفسه فيما كان فيه معصية، يكفر ولا يوفى به.
فإن اجترأ وفعل فقد سقط عنه اليمين، وهم آثم في شرب الخمر.
فإن كان نذره غير معلق باليمين، مثل: أن يقول: علي نذر، ولم يجعل
_________________
(١) انظر: "المدونة" (٣/ ١١١) و"النوادر" (٤/ ١٧ - ١٨).
(٢) في أ: الناذر.
(٣) في ب: النذر.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ١٤٥ ]
له مخرجًا: فالمذهب على أنه يكفر كفارة اليمين، لقوله - ﷺ -:" [كفارة النذر] (١) كفارة اليمين" (٢) خرجه مسلم.
فإن قال: علي نذر لا كفارة له أو قال: "لا يكفره صدقة ولا صيام"، ثم حنث فليستغفر الله، وليكفر كفارة اليمين.
فإن نذر نذرًا له مخرج، فلا يخلو ذلك المخرج من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون طاعة.
والثاني: أن يكون معصية.
والثالث: أن يكون المخرج أمرًا مباحًا، لا طاعة ولا معصية:
فإن كان [المخرج] (٣) طاعة، مثل قوله: "على النذر أن أحج أو أغزو أو أصوم أو أتصدق أو أصلي"، أو قال: [علي نذر] (٤) حج أو صوم، فحذف "أن" التي مع الفعل، بتأويل المصدر، فتلك الطاعة هي المنذورة، وليس هناك يمين منعقدة تجب عليه الكفارة بالحنث فيها.
فإذا حلف: أمر أن يوفى بتلك الطاعة، ولا يلزمه أكثر منها.
فإن نذر معصية، مثل: أن ينذر شرب الخمر، فذلك على ستة أوجه:
أحدها: أن يقول [عليّ النذر أن أشرب الخمر أو يقول: علي النذر شرب الخمر أو يقول] (٥) علي النذر ألا أشربها".
أو قال: "علي النذر لا شربتها".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) أخرجه مسلم (١٥٢٨) وهو بتمامه: "كفارة النذر كفارة اليمين".
(٣) في ب: النذر.
(٤) في أ: النذر.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ١٤٦ ]
أو قال: "النذر إن لم أشربها".
أو قال: "عليَّ النذر إن شربتها".
[أما إذا قال: "عليّ النذر أن أشرب الخمر"، أو "علي النذر شربها"] (١)، فذلك سواء، وهو نذر معصية، فلا شيء عليه إن ترك.
وإن فعل: فعليه الحد مع الإثم، لأن فعل المعصية ليس مما ينذر.
وإن قال "عليّ نذر ألا أشربها"، فقد نذر ترك فعل معصية، وذلك باليمين، ففي ذلك قولان:
أحدهما: أن الشرب هو المنذور، فصار بمنزلة ما لو قال عليّ النذر أن أشربها، وهو قول ابن المواز.
والثاني: أنه نذر معلق باليمين، ففي ذلك قولان:
أحدهما: بمنزلة ما لو قال: عليّ نذر إن لم أشربها، وهو اختيار أبي الحسن اللخمي.
فإن فعل سقط نذره، فإن لم يفعل كفر، وهو الظاهر من اللفظ، والله أعلم.
وأما الوجهان الآخران، فهما يمينان:
أحدهما: على البر، فلا شيء عليه، حتى يشربها، فإذا شربها كفر كفارة اليمين مع لزوم الإثم في ذلك.
والثاني: علي الحنث، فيؤمر بأن يحنث نفسه، ويكفر ولا يشربها. فإن اجترأ وفعل: سقط عنه اليمين [ولا يكون] (٢) آثمًا.
فرع: ومن نذر إن رزقه الله ثلاثة دنانير أن يصوم ثلاثة أيام، فرزق
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ١٤٧ ]
ديناران، فصام ثلاثة أيام، فرزق دينار ثالث، فإنه يبتدئ صيام ثلاثة أيام.
وقال فيمن قال: إن قضى الله المائة الدينار التي تحملت بها، فعلي صيام ثلاثة أشهر، فقضاها إلا دينارًا واحدًا، فصام ثلاثة أشهر، ثم قضا الدينار ونصف، قال: "أرجو أن يجزئه، [ورأيته عندي ضعيفًا] (١)، وهذا تناقض من القول، وهي رواية أبي زيد بن أبي العمر [عن ابن القاسم] (٢)، في "ثمانيته" في السؤالين جميعًا.
فإن كان المخرج أمرًا مباحًا، وليس بطاعة ولا هو بمعصية، مثل: أن يقول "عليّ نذر أن أطلق زوجتي"، أو قال: "عليّ نذر أن أمشي إلى السوق"، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا شيء عليه فعل أو ترك.
واختلف فيما إذا قال: [عليّ نذر] (٣) أن أعتق عبدي، هل يؤمر أو يخير؟ قولان بين ابن القاسم وأشهب:
فابن القاسم يقول: يؤمر.
وأشهب يقول: يخير، على ما يستقصى عليه الكلام في كتاب "العتق الأول" إن شاء الله [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) في أ: وروايته عنده ضعيفة.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) زيادة من جـ.
[ ٣ / ١٤٨ ]
المسألة الثانية عشر
في الاستثناء في اليمين (١):
وحد الاستثناء: استخراج بعض ما تتناوله الجملة، لولاه لكان داخلًا، وهو ينقسم على قسمين:
استثناء من غير الجملة.
واستثناء من الجملة.
فأما الاستثناء من غير الجملة، وهو الذي يقال له: الاستثناء من غير الجنس، فقد اختلف الأصوليون في جوازه:
فذهبت طائفة إلى أن الاستثناء من غير الجنس لا يجوز، وهو مذهب مالك -﵀-، وقد قال في كتاب "الصرف" من "المدونة" (٢) فيمن باع ثوبًا بدينار إلا قفيز حنطة: أن البيع جائز، كأنه باع الثوب، وقفيز حنطة بدينار، فاضطر إلى أن جعل "إلا" بمعنى "مع"، وذلك نادر في كلام العرب، لأن الضرورة دعته إلى ذلك، لما كان الاستثناء من غير الجنس عنده غير جائز، ولو كان جائزًا عنده فكان يقول: يؤخذ من الدينار ثمن القفيز، وما بقى منه فهو ثمن للثوب.
[قال] (٣) الشافعي [- ﵁ -] (٤): وذهبت طائفة إلى القول بجوازه، وهو الصحيح مذهبًا ونظرًا، وهو قول مالك في "كتاب الغصب" من "المدونة" في قوله: "هذا الخاتم لفلان"، وفصه لي، والدليل على ذلك، قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ﴾، وإبليس ليس
_________________
(١) انظر: "المدونة" (٣/ ١٠٩) و"النوادر" (٤/ ١٨ - ١٩).
(٢) (٨/ ٤٠٩).
(٣) في ب: كما قاله.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ١٤٩ ]
من الملائكة، على الصحيح من التأويل، وبه قال ابن مسعود والزهري والحسن وغيرهم: أن إبليس [لم يكن] (١) من الملائكة طرفة عين، وأن إبليس هو الجان، وهو أبو الجان، كما يقال آدم هو أصل الإنس، وهو من الإنس، وهو أبو الإنس.
قالوا: والجان كلهم عن آخرهم من ولد إبليس، منهم مؤمن وكافر، فالمؤمن منهم جنى، والكافر منهم شيطان.
وقال في آية أخرى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ (٢)، وهذا الاستثناء من غير الجنس، لأن [السلام] (٣) ليس من اللغو ولا من التأثيم، ومنه قول النابغة الذبياني:
وما بالربع من أحد إلا الأواري
والأواري ليس من أحد.
وأما الاسثتناء من الجنس، فإنه ينقسم أيضًا إلى قسمين:
أحدهما: استثناء أكثر الجملة [والثاني: استثناء أقلها. فأما استثناء أكثر الجملة] (٤)، مثل أن يقول: "لفلان عندي عشرة دراهم إلا تسعة"، أو قال لامرأته: "أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين"، فهل يجوز أو لا يجوز؟ فالمذهب عندنا على قولين: الجواز والمنع، والجواز: هو الأشهر.
وإن كان ذلك في الكلام قبيح، لأنه يشبه الهزل وأما إذا كان استثناء أقل الجملة: فلا خلاف في جوازه، قال الله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (٥) فهو على وجهين:
_________________
(١) في أ: ليس.
(٢) سورة الواقعة الآيتان (٢٥ - ٢٦).
(٣) في أ: سلامًا.
(٤) سقط من أ.
(٥) سورة العنكبوت الآية (١٤).
[ ٣ / ١٥٠ ]
أحدهما: أن يكون الاستثناء بحرفه.
والثاني: أن يكون بغير حرفه.
فإن كان الاستثناء بحرفه، فإنه أيضًا على وجهين:
أحدهما: الاسثتناء "بإلا".
والثاني: الاستثناء "بأن" و"بإلا أن".
وأما الاستثناء "بإلا"، فهل يجوز دون تحريك اللسان أو لابد فيه من تحريك اللسان، مثل "أن يحلف ما صحب اليوم قرشيًا"، ونوى إلا فلانًا، وما "شرب اليوم شرابًا" ونوى إلا عسلًا، و"ما أكلت اليوم طعامًا" ونوى إلا لحمًا؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه تجزئه النية دون تحريك اللسان، كما تجزئه ذلك في محاشاة زوجته في الحرام، إلا أن يكون بمعنى المحاشاة، مثل: "سوى وغير وعدا وحاشا"، وغير ذلك من ألفاظ المحاشاة، وهو قول أشهب وروايته عن مالك، والفرق بين الاستثناء والمحاشاة: أن الاستثناء إخراج بعض ما تناولته الجملة، والمحاشاة: إخراج ذلك قبل اليمين، فإذا عقد الاستثناء قبل اليمين كان ذلك كالمحاشاة.
والثاني: أنه لابد فيه من تحريك اللسان، وهو المشهور في المذهب.
وعلى القول: بأنه لابد من تحريك اللسان، فهل تجزئه الحركة دون الجهر من القول أو لا تجزئه حتى يجهر؟
فلا يخلو من أن يكون حالفًا لنفسه أو مستحلفًا لغيره: فإن حلف لنفسه، فلا إشكال أن حركة اللسان تجزئه وإن كان الحالف مستحلفًا لغيره، فلا يجزئه إلا الجهر باستثنائه، وهو قول أصبغ وغيره، وبه قال ابن حبيب.
وأما الاستثناء بأن وبإلا أن، كقوله: "إن شاء الله"، "إن شاء زيد"، "إن فعل عمر"، وكذا وكذا أو نحو ذلك في قوله "إلا أن يشاء" كقوله "إلا أن
[ ٣ / ١٥١ ]
يكون كذا" "إلا أن يفعل فلان كذا"، إلا إن أراد غير ذلك"، "إلا أن يشاء الله"، فهذا لا تجزئ فيه النية ولابد فيه من حركة اللسان.
ولا خلاف في ذلك غير أن الاستثناء، لا يخلو أن يكون بمشيئة الله تعالى أو بمشيئة غيره:
وأما الاستثناء بمشيئة آدمي، فإنها جائزة في كل يمين، كانت يمينه بالله تعالى، كقوله: "والله لأفعلن كذا إن شاء زيد" أو كانت بغير الله، كقوله: "امرأته طالق أو عبده حر إن شاء زيد".
وأما الاستثناء بمشيئة الله، فإنه [ينفع] (١) في اليمين بالله تعالى، إذا قصد بقوله: "إن شاء الله" وجه الاستثناء بلا خلاف، وإن قصد بذلك الاستثناء امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٢)، فلا ينفعه الاستثناء اتفاقًا.
وأما اليمين بالعتاق والطلاق إذا استثنى فيه، مثل أن يقول: إن فعلت كذا وكذا، وإن لم أفعل كذا وكذا، فامرأته طالق أو عبده حر أو عليه كذا وكذا من فعل البر إن شاء الله، فهل ينفعه الاستثناء أو لا ينفعه؟ قولان:
أحدهما: أنه لا ينفعه جملة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها.
والثاني: [التفصيل بين] (٣) أن يكون الاستثناء راجعًا إلى الفعل أو راجع إلى اليمين:
فإن كان الاستثناء راجعًا إلى الفعل، فإنه ينفعه.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سورة الكهف الآيتان (٢٣ - ٢٤).
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ١٥٢ ]
وإن كان راجعًا إلى اليمين، فلا ينفعه إذا نوى به الطلاق والعتق وعمل البر، وهو قول ابن الماجشون وأصبغ [في كتاب ابن المواز] (١)، وذلك أن الاستثناء ولغو اليمين رخصة من الله تعالى لعباده، قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢)، وقال النبي - ﷺ -: "من حلف واستثنى، عاد كمن لم يحلف" (٣)، والرخصة إنما يترخص [بها] (٤) المطيع دون المعاصي، وذلك أن اليمين بالله وجميع أسمائه الحسنى وصفاته العُلى مباحة، ومن حلف بها، فإنه ينتفع فيها باللغو، والاستثناء، إذا استثنى واليمين بغير الله [محظور. قال النبي - ﷺ -: "لا تحلفوا بآبائكم من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت". ومن حلف بغير الله تعالى فقد غلط] (٥)، وهو بها عاص، لأنه عظم غير الله ولا يعظم إلا الله، واليمين بالشيء تعظيم له، والعظمة لله لا لغيره.
فإذا ثبت ذلك فهل من شرط الاستثناء أن ينعقد عليه اليمين [أو ليس ذلك من شرطه؟ فالمذهب فيه على قولين: أحدهما: أن من شرطه أن ينعقد عليه اليمين] (٦) وأنه مهما فرغ من اليمين قبل أن يخطر له الاستثناء بالبال، فاليمين تلزمه ولا ينفعه الاستثناء، وهو قول ابن المواز (٧) وإسماعيل القاضي، وقالا: "لابد للاستثناء من أن [يأخذ] (٨) من اليمين ولو الحرف
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سورة المائدة الآية (٨٩).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢١٠٥) وصححه الألباني رحمه الله تعالى.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) انظر: "النوادر" (٤/ ٤٦).
[ ٣ / ١٥٣ ]
الأخير، مثل أن يقول مثلًا: "بالله الذي لا إله إلا هو"، فإذا خطر له الاستثناء قبل أن ينطق بالواو، فإن الاستثناء ينفعه.
فإن خرج الواو ثم خطر له الاستثناء عقيب اليمين، فإنه لا ينفعه، وهذا نص مذهبهما.
والثاني: أنه ينفعه الاستثناء إذا وصله بيمينه من غير صمات ولا كلام، وإن لم يعقد عليه اليمين ولا خطر له إلا بعد الفراغ من جميع حروف اليمين، وهو قول ابن القاسم، ونصه في "المدونة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في الاستثناء، هل هو رفع أو حل؟
فمن رأى أن الاستثناء هو رفع اليمين، وضعه من الانعقاد، قال لا ينتفع به إلا إذا أخذ بعض حروف اليمين من آخره، لأن اليمين غير منعقدة بعد.
ومن رأى أن [الاسثتناء حل] (١) لليمين بعد انعقاده، قال: ينتفع به إذا وصله بيمينه، من غير صمات ولا كلام، وهو ظاهر قوله - ﷺ -: "من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف" (٢)، فقوله: "من حلف": ظاهره أن اليمين قد وقع وكمل.
وأما الاستثناء بغير حروفه، فهو أن يفيد العموم بصفة، وذلك يقتضي إخراج من ليس على تلك الصفة من ذلك العموم، وهو استثناء بالمعنى، وله حكم الاستثناء في أنه لا ينتفع [به] (٣) إلا بحركة اللسان، واتصاله بالكلام، مثل: أن يقول: "والله ما رأيت اليوم قرشيا عاقلًا"، فإن وصل "عاقلًا" بالكلام نفعه، وإلا فلا، وهو أعنى الاستثناء لا يكون إلا في أحد
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) تقدم.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ١٥٤ ]
وجهين:
أحدهما: العدد المسمى.
والثاني: اللفظ الذي يقتضيه العموم، وهو يحتمل الخصوص.
فأما العدد المسمى، فلا يخلو من أن يكون نص بالتسمية على آحاده أو لم ينص:
فإن نص بالتسمية على آحاده وأعيانه، مثل: أن يقول: "والله لأعطين فلانًا وفلانًا وفلانًا بثلاثة دراهم إلا فلانًا منهم": لم ينفعه استثناؤه فإن لم ينص بالتسمية على آحاده وأعيانه، مثل أن يقول امرأته طالق ثلاثًا إلا واحدة، إن فعل [كذا وكذا] (١)، هل ذلك من باب المحاشاة ثم لا ينفع فيه الاستثناء إلا إذا عقد اليمين أو يصح فيه الاستثناء وينتفع به، وإن لم يعقد عليه يمينه إذا استدركه به وصله بيمينه أم لا: على قولين في المذهب:
وزعم ابن رشد أن القولين قائمين من "المدونة"، ولم يظهر لي من أين استقرأهما من "المدونة".
وأما اللفظ الذي يقتضي العموم، وهو يحتمل الخصوص، مثل: أن يقول: "والله لأعطين فلانًا ثلاثة دراهم إن شاء الله" أو "إن شاء فلان"، فهذا ينتفع فيه بالاستثناء على الخلاف بين ابن القاسم وابن المواز فيما قدمناه [بين ابن القاسم وابن المواز] (٢).
ومسألة محاشاة الزوجة إذا قال "الحلال عليه حرام"، تأتي في "كتاب التخيير والتمليك" إن شاء الله [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) زيادة من جـ.
[ ٣ / ١٥٥ ]
المسألة الثالثة عشر
في البر والحنث [هل] (١) يقعان بأقل الأشياء فيمن حلف ألا يأكل هذا الشيء [أو من هذا الشيء؟] (٢).
اعلم أنهم قالوا [إن] (٣) الحنث يقع بأقل الأشياء، والبر لا يقع إلا بأكمل الأشياء، وذلك أن الله تعالى حرم ما نكح الآباء والأبناء، بمجرد العقد في القرآن، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٤)، وقال سبحانه: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ (٥). قال في المطلقة المبتوتة: "فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره" (٦) فبين النبي - ﷺ - أن النكاح المراد: الوطء، وأنها لا تحل إلا بالعقد دونه، فدل ذلك على أن ما يباح به الشيء أقوى مما يخطر به، ولهذا قال مالك ﵀: فيمن حلف ليهدمن هذا البئر، فهدم منها حجرًا لا يبر إلا بهدم جميعه، وإن حلف ألا يهدمه، فهدم حجرًا منها حنث، فهذا نص قول مالك في "المدونة" وغيرها.
وإن كان الخلاف يدخل في السؤالين بالمعنى، وقد قال ابن الجلاب فيما إذا حلف ألا يفعل فعلًا ففعل بعضه أنه [يحنث ثم] (٧) قال: "يتخرج فيها قول آخر أنه لا يحنث إلا بفعل جميعه" (٨)، وهو ظاهر قول ابن القاسم في كتاب العتق الأول فيمن قال لأمتيه إن دخلتما هذه الدار، فأنتما حرتان أو لامرأتيه فأنتما طالقتان، فدخلت إحداهما [فقال] (٩) لا شيء عليه،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سورة النساء الآية (٢٢).
(٥) سورة النساء الآية (٢٣).
(٦) سورة البقرة الآية (٢٣٠).
(٧) سقط من أ.
(٨) التفريع (١/ ٣٨٤).
(٩) سقط من أ.
[ ٣ / ١٥٦ ]
حتى تدخلا جميعًا.
قال بعض المتأخرين: "هذا منه جنوح إلى أن الحنث لا يقع بأقل الأشياء".
وقد اختلف فيمن قال لزوجته: "إن وطئتك فأنت طالق، هل يحنث بمغيب الحشفة أو لا يحنث إلا بالوطء التام؟
وهذا الخلاف ينبني على الخلاف في اعتبار المقاصد والألفاظ، وهي قاعدة تُبنى عليها مسائل الأيمان، فيجب علينا التعرض لذكرها، [والاعتبار بتحصيلها] (١)، فنقول وبالله التوفيق: لا يخلو الحالف على نفسه من وجهين:
أحدهما: أن يحلف بما لا يقضي عليه به [أو بما يقضي عليه به] (٢)، ولم تقم عليه بيمينه بينة.
والثاني: أن يحلف لغيره في حق أو وثيقة.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا حلف على نفسه بما لا يقضي عليه [به] (٣) كالمشي إلى بيت الله أو بما يقضى عليه به إلا أنه لم يقم ليمينه بينة، كاليمين بالطلاق أو بالعتاق، وجاء مستفتيًا، فلا يخلو من أن تكون له نية أو لا نية له:
فإن كانت له نية، فلا خلاف أنها مقدمة على المقاصد، وإن كانت مخالفة لظاهر لفظه.
وإن لم تكن له نية، وكان ليمينه بساط أو عرف من مقاصد الحالفين في
_________________
(١) في ب: وصرف العناية لتحصيلها.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ١٥٧ ]
أيمانهم، هل يحمل يمينه على البساط أو ما عرف من مقاصد الناس في أيمانهم أو على ظاهر لفظه، فقد اختلف فيه [المذهب] (١) على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يبدأ بالبساط، فيحمل [عليه] (٢) إن كانت ليمينه بساط، ومعنى البساط: السبب الموجب لليمين.
والثاني: أن اللفظ مقدم على البساط، وهو المقصد العرفي.
والثالث: أنه يحمل عليهما، فإن اجتمعا [بدأ] (٣) ببساط يمينه، وإن عدما رجعا إلى العادة.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا حلف لغيره في حق أو وثيقة، هل يقبل منه [النية] (٤) إذا ادعى أم لا؟ قولان:
أحدهما: أن نيته مقبولة.
والثاني: [أنها] (٥) غير مقبولة.
وينبني الخلاف على الخلاف [في اليمين] (٦): هل [اليمين] (٧) على نية الحالف أو على نية [المستحلف] (٨)؟ والقولان مرويان عن ابن القاسم في "العتبية" (٩) من رواية أصبغ.
وإما إذا حلف ألا يأكل هذا الشيء [أو من هذا الشيء] (١٠)، مثل: أن يحلف ألا يأكل هذه الحنطة أو من هذه الحنطة، فقد اختلف فيها المذهب على ثلاثة أقوال:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب ـ: أن نيته.
(٦) سقط من أ.
(٧) في ب: هي.
(٨) في ب: المحلوف له.
(٩) البيان والتحصيل (٣/ ٣٢١).
(١٠) سقط من أ.
[ ٣ / ١٥٨ ]
أحدها: أنهُ لا يأكل ما تولد منها جملة، سواء قال هذه أو مِن هذه أو نكر، أو عرف أو لم يعرف، وهو مذهبهُ في "المدونة".
والثاني: أنه لا شئ عليه في أكل ما تولد منها إلا أن يقول من هذا القمح وهو قول ابن المواز.
[ ٣ / ١٥٩ ]
المسألة الرابعة عشر
فيمن حلف ألا يكلم فلانًا أو ليكلمنه (١):
فإذا حلف ألا يكلمه، فلا يخلو الحالف من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقصده بالكلام.
والثاني: ألا يقصده بالكلام.
والثالث: أن يقصده بما ليس بكلام، إلا أنه يفهم منه معنى الكلام.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا قصده بالكلام مشافهة، فلا يخلو المحلوف عليه من أن يكون قد سمع كلام الحالف أو هو في حكم السامع، إلا أنه مشغول عنه بغيره أو كان نائمًا أو أصم.
فإن سمع كلامهُ وفهم عنه مراده، فلا خلاف أنه حانث.
وإن [كان] في حكم السامع، إلا أنه مشغول عنه بغيره أو كان نائمًا أو أصم أو كان المحلوف عليه بمكان بعيد، فمد الحالف صوته، بحيث أن لو استمع به لسمعه، فهل يحنث أم لا؟
قولان في المذهب قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه حانث.
والثاني: أنه لا يحنث.
والقولان: لابن القاسم في [العتبية] (٢) و"الموازية".
وسبب الخلاف: اعتبار المقاصد والألفاظ:
فمرة اعتبر الألفاظ، فقال: يحنث.
_________________
(١) المدونة (٣/ ١٣٠ - ١٣١).
(٢) في جـ: المدونة.
[ ٣ / ١٦٠ ]
ومرة اعتبر المقاصد، فقال: لا يحنث، لأن قصده بترك الكلام الهجران والمقاطعة، فإذا كان على تلك الصفة، فلا يخرجه هذا الكلام [عن] (١) مقصوده.
والجواب عن [الوجه] (٢) الثاني: إذا لم يقصده بالكلام بعينه، وإنما تكلم لأمر وجب عليه أو لعارض طرأ:
فإن كان كلامه لأمر وجب عليه، مثل: أن يسلم عليه وهو [معه] (٣) في الصلاة:
أما التسليمة الأولى: فلا خلاف أنه لا يحنث بها، لأن المقصود بها الخروج من الصلاة.
وأما التسليمة الثانية: فإن كان الحالف مأمومًا فرد على الإمام، ففي ذلك قولان:
أحدهما: أنه لا يحنث، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنه حانث، وهو قوله في "كتاب محمد".
وإن كان الإمام [هو] (٤) الحالف، فسلم تسليمتين على قول، فقيل: يحنث، وقيل: لا يحنث، وهو قول محمد بن ميسر، وهو قول مالك في "المدونة"، وقال: فيمن حلف ألا يكلم زيدًا، فسلم عليه وهو في جماعة، علم به أو لا: حنث، إلا أن يحاشيه [بنيته] (٥) فعلى هذا يحنث إذا سلم عليه وهو في الصلاة، ويتخرج من "الكتاب" قولان.
_________________
(١) في أ: من.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: بيمينه.
[ ٣ / ١٦١ ]
وهذا الخلاف أيضًا مبني على الاعتبار في المقاصد والألفاظ:
فمن اعتبر الألفاظ: حنثه.
ومن اعتبر المقاصد: لم يحنثه، لأن المقاصد الهجران، وذلك لا يخرجه منه.
والجواب عن [الوجه] (١) الثالث: وهو أن يقصده بما ليس بكلام على الحقيقة، ولكنه يفهم منه [معنى] (٢) الكلام، مثل أن يكتب إليه كتابًا أو يرسل إليه رسولًا، هل يبرئه ذلك أو يحنثه أو لا يحنثه أو لا يبرئه ولا يحنثه؟ فالكلام من وجهين:
[أحدهما] (٣): أن يكون له نية.
والثاني: ألا يكون له نية.
فإن لم تكن له نية، فالمذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه حانث في الكتاب والرسول، وهو نص "المدونة".
والثاني: أنه لا يحنث لا في الكتاب ولا في الرسول، وهو قول أشهب في "كتاب محمد" (٤)، وهو ظاهر "المدونة". في اعتبار الألفاظ.
والثالث: التفصيل بين الكتاب والرسول، فيحنث في الكتاب دون الرسول، وهي رواية ابن القاسم وأشهب عن مالك، وقد وقع في "المدونة" لفظ مشكل، وهو قوله: "وإن كتب الحالف للمحلوف عليه ثم استرجع الكتاب قبل أن يصل إلى المحلوف عليه، لم يكن عليه شيء،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) النوادر (٤/ ١٢٥).
[ ٣ / ١٦٢ ]
وهذا آخر قوله.
وقوله: "وهذا آخر قوله": مشكل، لأن هذا يشعر بالخلاف، إذا وصل مثل ما ذكر في الطلاق في "كتاب الأيمان بالطلاق"، ولا ينبغي أن يكون الخلاف في رجوع "الكتاب" في "مسألة النذور": لا على اعتبار المقاصد ولا على اعتبار الألفاظ، لأنه لم يسمعه، [ولا رأى] (١) "الكتاب" فأشبه ما لو كلمه، وهو غائب عنه بخلاف الطلاق الذي لا يعتبر فيه سماع الزوجة ولا حضورها.
فإن ادعي نية، فقال: "إنما أردت ما شفهته" فهل تقبل منه نيته أم لا؟
على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن ينوي في الكتاب والرسول، وهذا أحد أقاويل الكتاب.
والثاني: أن لا ينوي فيهما معًا، وهو قوله في "كتاب محمد".
والثالث: أنه ينوي في الرسول دون الكتاب، وهو منصوص في "الكتاب"، فالقولان: فيه منصوصان، والثالث: مستقرأ.
وسبب الخلاف: اعتبار المقاصد والألفاظ:
فمرة اعتبر المقاصد والألفاظ. ومرة اعتبر المقاصد فقال: يحنث لأن المقصد المقاطعة والمهاجرة.
فإذا كاتبه أو راسله فقد واصله وزال الهجران وحصل له بهما الأنس.
فإن ادعى نية المشافهة فتداعى ما يكذبه العرف والعادة ومن رأى أن من الناس من يقصد هجرانًا دون هجران فيكتب ويراسل ويقف عن المشافهة ولا فرق بين الكتاب والرسول وذلك أن الذي في الكتاب ليس بكلام المتكلم على الحقيقة لأن الإنسان قد يكتب ولا يتكلم ولا ينطق. ولو نطق ما زاد
_________________
(١) في أ: ولأن.
[ ٣ / ١٦٣ ]
معنى ولا صار ذلك الكتاب كلامه وهذا مذهب [أهل] (١) السنة. أن المكتوب في المصاحف ليس بقرآن على الحقيقة لأن القرآن كلام الله تعالى وهو صفة من صفاته التي لا يجوز أن [يتصف] (٢) بها غيره على ما هو [مبسوط] في كتب المتكلمين. وذلك في الرسول أبعد. لأنه إنما يحكي مثل كلام رسله.
ومن فرق بين الكتاب والرسول فقد لاحظ الألفاظ. فكأنه يرى الذي في الكتاب هو لفظ الذي قاله فعبر عنه بالكتاب فأشبه الكلام والرسول يحكي معاني [الألفاظ] (٣).
فليس ما نقله الرسول هي الألفاظ بعينها وهذا كلام بعض المتأخرين كأبي إسحاق وغيره. والذي قاله ليس بصحيح لما قدمناه.
وقال ابن حبيب: إذا وصل [الكتاب] (٤) إلى المحلوف عليه فقرأ عنوانه حنث وإن لم يقرأه وأقام عنده سنين لم يحنث ولا وجه لما ذكر لأنه إذا حنث بالمكاتبة لكونها ضربًا من المواصلة ورفعًا لبعض المقاطعة.
فكذلك يقع بنفس وصول الكتاب [من الحالف] (٥) وإن لم يقرأه.
والذي قاله ابن حبيب ظاهر ما أشار إليه في المدونة لقوله: "إذا استرجع الكتاب قبل أن يصل إلى المحلوف عليه، لم يكن عليه شيء، وهو آخر كلامه".
فإذا كان ابن حبيب لا يحنثه بنفس وصول [الكتاب] (٦) حتى يقرأه أو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: يوصف.
(٣) في ب: ألفاظه.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ١٦٤ ]
يقرأ عنوانه، فبأن لا [يحنث] (١) بنفس الكتابة أولى وأحرى، وقد ظهر لي أن كلام ابن حبيب له وجه، وذلك أن بنفس وصول الكتاب لا يحصل به الإيناس للمحلوف عليه، حتى يفتحه ويقرأ ما فيه أو يقرأ عنوانه، لأنه ربما توحش في نفسه أن الكتاب في سبه، وإظهار [البغض] (٢) له وزيادة المنافرة فيما بينهما؛ فإذا قرأه أو قرأ عنوانه تبين له أن القصد بالمكاتبة تجديد المواصلة وهجران [المفاصلة] (٣)، لأن العنوان ترجمة لما في الكتاب، ومنه يظهر انقطاع العنف والإنابة إلى الألفة والمحبة في [جنب] (٤) رب الأرباب، والله الموفق للصواب.
ولو حلف ليكلمنه، فكتب إليه كتابًا أو أرسل إليه رسولًا: لم يبر، لأنه لم يكلمه.
وهذا مما يبين [المسألة] (٥) [أن الأول إذا حلف ألا يكلمه، فكتب إليه أنه لا يحنث] (٦)، إذ لو كان للكتاب [نفس] (٧) كلامه لبر فيه، إذا حلف ليكلمنه، [فالخلاف الذي] (٨) [يجري] (٩) في تلك المسألة [التي قدمناها] (١٠) يجري في هذه أيضًا.
ولو كتب المحلوف عليه إلى الحالف، فلا يخلو من أن يقبل كتابه
_________________
(١) في أ: يحلف.
(٢) في الأصل: البعض.
(٣) في ب: المقاطعة.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من ب.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: فالذي.
(٩) سقط من أ.
(١٠) سقط من أ.
[ ٣ / ١٦٥ ]
أم لا:
فإن لم يقبل كتابه: لم يحنث.
فإن قبل كلامه وقرأه، فهل يحنث أم لا؟ فقولان عن ابن القاسم:
أحدهما: أنه يحنث.
والثاني: أنه لا يحنث، وهو الأحسن، لأن الكلام من المحلوف [عليه] (١) لا يحنث به الحالف، كما لو اجتمع معه وكلمه، فلم يجاوبه لأنه إنما حلف لا [كلمته] (٢)، ولم [يحلف] (٣) لا كلمتني، اللهم إلا أن يكون منه صغو إلى كلامه وميل إليه، فيكون ذلك محل [النظر] (٤) والله أعلم.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: أكلمه.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: النطق.
[ ٣ / ١٦٦ ]
المسألة الخامسة عشر
فيمن حلف ألا يسكن في هذه الدار وهو فيها ساكن أو ينتقل منها.
فإن حلف ألا يسكن في هذه الدار وهو فيها ساكن فإنه يمر بالانتقال. وهل يجوز له التراخي في الانتقال أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: إنه لا يجوز له التراخي ويخرج من ساعته. وإن كان في جوف الليل لم يمهل حتى يصبح إلا أن ينوي ذلك وإن لم يجبر الكراء إلا بالغلاء [أو ما لا يوافقه] (١) وهو قول [ابن القاسم في المدونة. والثاني: أنه يجوز له التراخي عن الانتقال يومًا وليلة. فإن مكث أكثر من ذلك حنث وهو قول] (٢) أصبغ وأشهب في كتاب "محمد".
وسبب الخلاف:
اعتبار المقاصد والألفاظ. فمن اعتبر الألفاظ قال: يؤمر بالخروج من ساعته.
ومن اعتبر المقاصد قال: يجوز له التراخي [إلا أن] (٣) الاعتبار باليوم والليلة، لأنه أقل ما يقع عليه اسم السكنى [فاعتبر ابن القاسم الألفاظ في هذه المسألة] (٤).
وعلى القول بأنه لا يجوز له التراخي في الانتقال، فهل يكلف الانتقال بنفسه ومتاعه ساعة حلف أو يجوز [له] (٥) تأخير المتاع؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: و.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ١٦٧ ]
فإن انتقل بمتاعه دون عياله: حنث.
وإن انتقل بعياله دون متاعه: قولان:
أحدهما: أنه يحنث بترك متاعه، إلا أن يترك ما لا حاجة له [به] (١)، مثل: الوتد والمسمار، وهو قول ابن القاسم في ["الكتاب" (٢)] حيث قال: "والرحلة عند مالك أن ينتقل بكل شيء له".
والثاني: أنه لا يحنث بترك متاعه، تركه اضطرارًا أو اختيارًا، وهو قول أشهب، وأراه [ذهب] (٣) في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ (٤)، فنفى [عنها] (٥) اسم السكنى إذا لم يكن فيها إلا المتاع.
وكذلك لو حلف ألا يسكنها، فاختزن فيها: حنث عند ابن القاسم، ولم يحنث عند أشهب.
ولو اشتغل بنقل [ما فيها] (٦) من أشيائه أيامًا: لم يحنث عند الكل، لأن ذلك غاية المقدور.
فإذا انتقل منها وسكن في غيرها، لم يعد إليها [أبدًا] (٧)، لأن يمينه على العموم.
وإن كانت يمينه على الانتقال، مثل: أن يحلف لينتقلن من هذه الدار،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: المدونة.
(٣) ساقطة من الأصل.
(٤) سورة النور الآية (٢٩).
(٥) في أ: عنه.
(٦) في أ: قماشه.
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ١٦٨ ]
لم يحنث بالتمادي في السكنى فيها إلى يوم أو يومين، إلا أن يكون له نية في الخروج ساعة اليمين أو يكون ليمينه بساط، يوجب أن يخرج من فوره، فيكون كالسؤال الأول: إذا حلف ألا يسكنها.
وقال ابن المواز (١): "فإن أقام ثلاثة أيام يطلب منزلًا، فلم يجد فأرجو ألا شيء عليه، قيل: فإن أقام شهرًا، فقال: إن توانى في الطلب، خفت أن يحنث".
ولابن حبيب في "الواضحة" (٢): "لا يحنث، وإن أخر الانتقال، وهذا هو الأصل فيمن حلف ليفعلن، فإذا انتقل انتقل بكل شيء له"، وهو في هذا أشد من السؤال الأول وإذا انتقل وأقام الشهر كله ونحوه، ثم إن شاء أن يرجع إليها رجع، لأنه حلف على الانتقال، وقد وجد منه، والأول حلف ألا يوجد منه السكنى، فمتى وجد منه حنث.
وكذلك إذا حلف ليخرجن فلانًا من داره، فأخرجه: فله رده بعد شهر.
ولو حلف ليخرجن من المدينة، فإن لم ينو إلى بلد بعينه، فليخرج إلى ما تقصر فيه الصلاة، فيقيم نحو الشهر.
قال مالك: " [وهو استحسان] (٣)، [لا يحمله] (٤) القياس [وقيل] (٥): إنه يخرج إلى موضع يلزمه فيه إتيان الجمعة، فيقيم [فيه] (٦) ما قل أو كثر، ثم يرجع إن شاء".
_________________
(١) النوادر (٤/ ١٤٩).
(٢) النوادر (٤/ ١٤٩).
(٣) في ب: وهذا استحباب.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: فيها.
[ ٣ / ١٦٩ ]
قال ابن المواز: "والأول أبرأ من الشك، وأحسن في [رأيي] (١)، إلا أن يكون ليمينه سبب، [فيجري] (٢) عليه".
وكذلك إن حلف ليسافرن، فليخرج إلى ما تقصر فيه الصلاة ويقيم شهرًا، على قول ابن المواز، وما قل أو كثر على قول مالك ﵀.
_________________
(١) في ب: الرأي.
(٢) في ب: فيحمل.
[ ٣ / ١٧٠ ]
المسألة السادسة عشر
فيمن استعار [رجلًا] (١) ثوبًا، فحلف ما يملك إلا ثوبه، وله ثوبان مرهونان (٢):
اعلم أن المسألة اختلفت فيها الروايات في الأمهات اختلافًا متباينًا، واختلفت الأجوبة فيها لأجل اختلاف الروايات، وأنا أورد ما ثبت عندنا من تلك الروايات، وما يتركب عليها من الأجوبة ونص "المدونة" [إن شاء الله وهو حسبي ونعم الوكيل وهذه المسألة تخرج على الكتاب] (٣).
قلت: أرأيت من استعار ثوبًا من رجل، فحلف بطلاق زوجته [ما يملك إلا ثوبه وله ثوبان مرهونان أترى عليه حنثًا. قال: إن كان في ثوبيه المرتهنين كفاف لدينه] فلا أرى عليه حنثًا، وكانت تلك نيته، مثل: ما يقول "ما أملك" أي: ما أقدر على غير ثوبي هذين"، كذا في بعض النسخ.
وفي بعضها أيضًا: "أني ما أقدر على ثوبي"، بإسقاط "إلا"، وعلى هذا اختصرها ابن أبي زمنين، ثم قال في بقية الجواب: "فإن لم يكن له نية أو كان في الثوبين فضل، فلا أراه حانثًا".
وقال ابن القاسم: أيضًا: "فإن لم تكن له نية، وليس في الثوبين فضل، بإثبات الألف، رأيت أن يحنث"، كذا في بعض الأمهات.
وفي بعضها: "وكان في الثوبين فضل، فلا أراه حانثًا" وقال ابن القاسم أيضًا: "فإن لم تكن له نية، وليس في الثوبين فضل، فهو حانث".
فهذا ما ثبت [عندي] (٤) من اختلاف الروايات في المسألة، وبحسب
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) المدونة (٣/ ١٣٧).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ١٧١ ]
اختلاف الروايات، جاء الخلاف في المسألة على ما نصف إن شاء الله، وهو خيرُ معين.
أما قوله: "إني ما أقدر على غير ثوبي هذين"، فهذا لا معنى له، لأن ظاهر هذه الرواية يفيد أنه قادر على افتكاك ثوبي الرهن، وليس ذلك غرضه وأما الرواية التي قال فيها: "إني لا أقدر على غير ثوبي هذا، فهي رواية صحيحة: أراد أنه لا يقدر إلا على الثوب [الذي] (١) عليه، ولا يقدر على افتكاك ثوبي الرهن.
وقد يحمل قوله في الرواية التي [قال] (٢) فيها: "لا أقدر على غير ثوبى هذين" على الثياب التي عليه، لأنه أدنى ما يكون عليه لباسه ثوبان، فيحمل [ذلك] (٣) على ثوبي جسده لا على ثوبي الرهن، فتصح الرواية [عليه] (٤) على وفق المسألة.
وأما الرواية التي قال فيها أيضًا: "إني ما أقدر على ثوبي" بإسقاط "إلا"، فالمراد بذلك ثوبي الرهن [فهذا التنزيل تأويل للروايات] (٥).
وأما الرواية "بإثبات الألف وإسقاطها"، فهي التي يختلف [الحكم] (٦) باختلافها:
فإذا [أثبتنا] (٧) الألف، فقلنا: "أو كان في الثوبين فضل"، فإنه يحنث بأحد وجهين: إما وجود الفضل، وإما عدم النية، وإن لم يكن فضل، ولم
_________________
(١) ساقطة من الأصل.
(٢) سقط من الأصل.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: ثبت.
[ ٣ / ١٧٢ ]
تكن له نية: فلا أعلم في المذهب من قال يحنث مع وجود النية إذا تبرأ باليمين، وظاهر الرواية يقتضي الحنث.
وأما الرواية بإسقاط الألف فهي صحيحة في نفسها، موافقة للمعنى، وهي مثل قول ابن القاسم الذي قال فيه: "وإن لم تكن له نية، وليس في الثوبين فضل، فهو حانث"، وذلك أنه مهما لم تكن له نية: فإنه يحنث من غير اعتبار بالفضل كان أو لم يكن، لأنه إذا حنث مع عدم الفضل، فبأن يحنث مع وجوده أولى وأحرى.
وأما الرواية التي [قال] (١) فيها: "لا أراه حانثًا"، [وهي] (٢) رواية الدباغ، إذا عدمت النية، كان [فيها] (٣) فضل أم لا، وهي صحيحة في نفسها، ملائمة للمعنى، وذلك إذا اعتبرنا المقاصد: لا يحنث مع عدم النية، كان فيها فضل أم لا، لأن مراد يمينه على ما يقدر على تسليمه.
فهذا ترتيب الروايات [وأما تنزيل الأجوبة عليها] (٤) وتحصيلها بأن تقول: لا يخلو [الحالف] (٥) من وجهين:
أحدهما: أن تكون له نية.
والثاني: ألا تكون له نية.
فإن كان له نية، فلا يخلو من أن يكون في الثوبين فضل أم لا:
فإن لم يكن في الثوبين فضل، فلا خلاف أنه ينوي ولا حنث عليه، وهل يحلف على نيته أم لا؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: فهي.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ١٧٣ ]
فظاهر "المدونة": أنه لا يحلف، لأن كل من قبلت نيته فيما ينوي فيه، فلا يمين عليه على [أصل] (١) "المدونة".
ولمالك في "كتاب محمد": أنه يحلف أنه ما أراد ما قدر عليه للعارية، وذلك نيته.
وإن كان فيهما فضل، فلا يخلو من أن يكون غير قادر على افتكاكه قبل الأجل أو قادر عليه:
فإن كان غير قادر على الفكاك إما لغيره وإما لدين لا يقدر (٢) على تعجيله إلا برضى صاحبه كالطعام وسائر العروض من بيع فلا إشكال أنه ينوي ولا يحنث. وإن كان قادرًا على الفكاك بتعجيل الدين وهو ذو مال فهل ينوي أو يحنث؟ قولان:
أحدهما: أنه ينوي وهو قول يحيى بن عمر.
والثاني: أنه يحنث ولا ينوي. وهذا القول مخرج من ظاهر المدونة من قوله: أو كان في الثوبين فضل وما رأيت فيها [نص خلاف] (٣) إلا أن أبا إسحاق التونسي قال: يحنث.
وأظن في ذلك اختلافًا. هذا نص قوله.
وإن لم يكن له نية فالذي يتخرج من الكتاب على اختلاف الروايات ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يحنث كان في الثوبين فضل أم لا. وهذا نقل أبي سعيد في "التهذيب".
_________________
(١) في ب: أصول.
(٢) النوادر (٤/ ١٠١ - ١٠٣).
(٣) في أ: نصًا.
[ ٣ / ١٧٤ ]
الثاني: أنه لا يحنث كان في الثوبين فضل أم لا وهي رواية الدباغ في المدونة التي قال فيها: لا أراه حانثًا.
والقول الثالث: التفصيل بين أن يكون فيهما فضل أم لا فإن كان فيهما فضل حنث وإن لم يكن فيهما فضل لم يحنث لأنه إن لم يكن فيهما فضل فقد ملك ذلك الفضل على الحقيقة وإن لم يكن فيهما فضل والدين مستغرق لقيمتها فملكه [فيهما] (١). غير متمحص إلا بعد [الفكاك] (٢). وهذا [القول] (٣) أضعف الأقوال وهو قول [بين القولين] (٤).
وسبب الخلاف:
اعتبار المقاصد والألفاظ: فعلى مراعاة الألفاظ يحنث بكل حال كان فيهما فضل أم لا لأنهما على ملكه. وقد حلف على ما يملك.
وعلى مراعاة المقاصد لا شيء عليه. لأن القصد ما كان عنده مما تيسر تسليمه حينئذ للمستعير وليس القصد ما كان في رهن.
والثالث: التفصيل بين أن يعرف أو ينكر:
فإن عرف، وقال: من هذ القمح، حنث يأكل ما تولد منه.
وإن نكر، وقال: لا آكل قمحًا، لم يحنث بأكل ما تولد منه، وهو قول ابن حبيب (٥) في [كتابه] (٦).
فوجه القول الأول: ما ذكره في "المدونة"، حيث قال: "لأن هذا هكذا
_________________
(١) في ب: قيمتها.
(٢) في أ: الكفاف والصواب ما أثبتناه من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) في جـ: ابن القاسم.
(٥) النوادر (٤/ ٩٩ - ١٠٠).
(٦) في أ: حبه.
[ ٣ / ١٧٥ ]
يؤكل"، وهو من باب مراعاة المقاصد.
ووجه القول الثاني: التفاضل بين القمح وما [تولد منه من خبز أو كعك أو سويق أو غير ذلك مباح فكأنه جنس آخر فلا تسرى إليه اليمين كما لو] (١) حلف ألا يأكل لحمًا، فإن اليمين لا تتعدى إلى الخبز.
ووجه القول الثالث: أنه إن عين، فالصفة لا تخرجه عن أن يكون هو العين المشار إليها، وإن نكر: فذلك إشارة إلى مجهول لا يعرفه، فبأي وجه حنث بأكل الخبز، وإن زرع القمح المحلوف على أكله فلا يحنث بأكل الخبز منه من الحب، إلا أن يريد أن يضيق على نفسه.
فإن كان هبة، فأراد رده ودفعه لواهبه، فلم يفعل حتى زرعه، فإنه يحنث بأكل ما رفع منه.
وإن حلف ألا يأكل دقيق قمح، فأكل خبز قمح: لم يحنث، لأن هذا اسم خاص.
فإن حلف ألا يأكل هذا اللبن أو من هذا اللبن [فعرف أو نكر] (٢)، فعلى الثلاثة الأقوال التي قدمناها في القمح.
فإن حلف ألا يأكل زبدًا فأكل سمنًا، أو حلف ألا يأكل سمنًا فأكل زبدًا، فهل يحنث أم لا؟ قولان وكلاهما لمحمد بن المواز.
فمن اعتبر الألفاظ، قال: لا يحنث.
ومن اعتبر المقاصد، قال: يحنث.
فإن حلف في لبن شاة بعينها، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يحلف ألا يأكل من لبنها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ١٧٦ ]
أو لا يأكل منها لبنًا.
أو لا يأكل لبنها.
فإن حلف لا يأكل من لبنها، حنث بأكل ما يعمل منه من زبدٍ أو سمن أو جبن.
قال ابن القاسم: "كان ذلك مستخرجًا منها قبل يمينه أو بعد يمينه".
وأما إن قال: لا أكلت منها لبنًا، لم يحنث بأكل ما عمل منه من زبد أو سمن أو جبن أو أقط.
وقال أبو محمد بن أبي زيد: "وقد اختلف أصحابنا فيه" (١).
وإن قال: "لا أكلت لبنها": جرى على القولين فيما إذا عرف أو نكر بمنزلة من قال: "لا أكلت من هذا اللبن".
فإن قال: "لا أكلت من هذه [الشاة] (٢)، ولم يذكر لبنها: لم يحنث بأكل اللبن منها، لأن [المقصد] (٣) ألا يأكل من ذاتها، إلا أن يكون ذلك على وجه المنة.
واختلف إذا أكل من نسلها، هل يحنث أم لا؟ على قولين، وهذا الخلاف يتخرج على الخلاف في الولد، هل هو غلة أم لا؟
وإن حلف ألا يأكل تمرًا، فله أكل الرطب والبسر والزهو اتفاقًا وإن حلف ألا يأكل البسر، هل له أن يأكل الرطب والتمر أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنه يأكل التمر أو الرطب إذا حلف ألا يأكل البسر، وهو قول
_________________
(١) النوادر (٤/ ١٠٠).
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: المقاصد.
[ ٣ / ١٧٧ ]
ابن القاسم.
والثاني: أنه لا يأكل التمر، ويحنث بأكلها، كالشحم واللحم، وهو قول ابن وهب، وقال محمد بن المواز (١): ولا يحنث بأكل ما تولد عن المحلوف عليه، إلا أن يقول من عند ابن القاسم إلا في [ستة أشياء] (٢).
الخبز من القمح، والمرق من اللحم، والشحم من اللحم، والعصير من العنب [والزبيب من العنب] (٣) والنبيذ من التمر.
[قال التونسي] (٤) أما الخبز من القمح، لأن العادة جرت أن القمح لا يأكل إلا خبزًا أو دقيقًا، فكان يمينه إنما وقعت على ما يكون منه.
والمرق والشحم من اللحم، وعلته أن المرق فيه اللحم والشحم، و[المرق] (٥) لأن قوة اللحم فيه، فأكل المرق كأنه أكل اللحم.
والشحم من اللحم، لأن كل لحم لابد أن يكون فيه دهنية الشحم، فصار أكل الشحم، لأن القائل: "لا آكل لحمًا": إنما يحنث بما يأكل من لحم أو شحم، والحالف على الشحم لا يحنث بأكل اللحم.
والعلة في ذلك أن القائل: "لا آكل اللحم" قد دخل تحت هذه الكلمة "الشحم"، لغة وعرفًا، كما لو: أسلم في لحم الضأن" لم يكن للبائع ولا للمبتاع أن يقول هذا لحم لا شحم فيه، لأن له لحمًا وإن كان فيه شحم، لأن ذلك يقتضيه الاسم، كما ذكر الله سبحانه تحريم لحم الخنزير، ومعلوم أن الشحم داخل فيه لأن الاسم جامع لذلك، وكان تحريمه الشحم على بني
_________________
(١) النوادر (٤/ ٩٩).
(٢) في أ: ست مسائل.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: الشحم.
[ ٣ / ١٧٨ ]
إسرائيل ألا يدخل معه اللحم، ولا يدخل تحت هذا الاسم إلا الشحم.
فكذلك الحالف على الشحم، لا يحنث بأكل اللحم، لما ذكرناه" (١).
وفي كتاب ابن سحنون قال: "واللحم اسم جامع للحم والشحم" (٢).
والعصير من العنب: وذلك أن عصير العنب، إنما هو الماء الذي كان في العنب، فكأنه إذا أكل العنب: أكل القشرة والماء والشحم، وإذا شرب العصير: شرب الماء بعينه الذي كان في العنب مع ما تفتت فيه من أجزاء الشحمية، فصار كأنه [أكل] (٣) العنب، والزبيب من العنب [أيضا] (٤) كذلك لأنه لم يعدم منه إلا الماء الذي كان فيه، وهو الآن منعقد فيه، فالقشرة والشحم وجميع أجزائه قائمة.
قال [أبو إسحاق] (٥): "وهذه الأشياء كلها بينة".
وأما النبيذ من التمر ففيه إشكال، لأن النبيذ إنما يجعل الماء على التمر، فليس الماء من التمر، إلا أن يشبه المرق من اللحم، وفي هذا بعد، وهو يقول أعني صاحب المذهب: "من حلف ألا يأكل رطبًا، فأكل تمرًا أو حلف ألا يأكل تمرًا فأكل رطبًا، فلا شيء عليه، وهذا وما شابهه مما يتولد عن المحلوف عليه فكذلك كان ينبغي أن يكون النبيذ من التمر.
وأما إذا قال في هذه الأشياء من اللحم بأكل ما تولد عنها إلا أن يبعد ذلك جدًا مثل أن يقول: لا آكل من هذه الحنطة فزرعت فأكل من الحب الذي نبت. فلم يسر عليه شيئًا إلا أن يكون ذلك على وجه المن كما قدمناه
_________________
(١) من كلام ابن أبي زيد في "النوادر" (٤/ ٩٧) بتصرف يسير.
(٢) النوادر (٤/ ٩٧).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في جـ: ابن سحنون.
[ ٣ / ١٧٩ ]
في [صور] (١) هذه المسألة ومن هذا الباب إذا حلف ألا يأكل لحمًا فأكل رؤوسًا أو بيضًا هل يحمل يمينه على جميع ما يطلق عليه ذلك الاسم أو لابد من تخصيص.
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يحنث بأكل ما ينطلق عليه اسم اللحم من لحوم الطير والحوت وجميع الأنعام إنسيها ووحشيها وجميع ما ينطلق عليه اسم الرأس من جميع ما يأكل وكذلك البيض فيحنث ببيض الطير وبيض الحوت إلا أن تكون له نية أو ليمينه بساط فيحمل عليه وهو قول ابن القاسم في المجموعة في البيض والرؤوس وفي [الموازية] (٢) في اللحم.
والثاني: التفصيل بين اللحم والرؤوس والبيض. فلا يحنث في الرؤوس واللحم إلا بلحم الأنعام الأربعة ورؤوسها. لأن عليها تقع أيمان الناس إلا أن ينوي في جميع اللحم أو لا يكون ليمينه سبب.
وأما البيض فيحنث بأكل كل بيض عمومًا لا خصوصًا وهو قول أشهب في المجموعة.
والقول الثالث: أنه لا يحنث كالرؤوس بأكل رؤوس الحيتان والجراد إلا أن ينوي ذلك. وفي البيض يحنث بأكل بيض الطير ولا يحنث بأكل بيض الحوت حتى ينويه وهو قول ابن حبيب في الواضحة.
وقال [ابن القاسم] (٣) في المجموعة أيضًا: والحالف على أكل الدجاج يحنث بأكل الديكة. والحالف على الديكة لا يحنث بأكل الدجاجة. فإن
_________________
(١) سقط من أ، ب.
(٢) في ب: المدونة.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ١٨٠ ]
قال: لا آكل دجاجة لم يحنث بأكل الديك. ولو عكس ذلك فقال: ديكًا لم يحنث بأكل دجاجة وهو قول ابن الماجشون فيما ذكر عنه ابن حبيب.
وهذا الخلاف يتخرج على الخلاف في اعتبار المقاصد والألفاظ.
ومسائل هذا الباب مجردة لا نظام لها ولذلك سردتها على الولاء وقصدنا منها إلى ذكر ما يحتاج إلى بيانه وتفسيره، والحمد لله وحده.
[ ٣ / ١٨١ ]
المسألة السابعة عشر
فيمن حلف ألا يبيع من فلان أو لا يشتري منه، فباع أو اشترى من وكيله (١): فلا يخلو من أن يكون الوكيل من سبب المحلوف عليه أو لا يكون من سببه:
فإن لم يكن من سببه و[لا من] (٢) ناحيته: لم يحنث.
وإن كان من سببه وناحيته، فلا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يكون عالمًا به أو غير عالم:
فإن كان عالمًا أنه من سببه، فلا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يعرفه الحالف أنه لا يبيع من فلان ولا يشتري أم لا.
فإن عرفه أنه حلف ألا يبيع من فلان، فقال له المشتري: "أنا أشتري لنفسي"، فلما وجب البيع بينهما، قال له المشتري: "سلم السلعة لفلان، فأنا اشتريت له":
قال مالك في "المدونة": وهو حانث، ولا ينفعه ما تقدم له".
قال أبو إسحاق التونسي: "لا يحنث الحالف بذلك، ولا يصدق المشتري فيما يدعيه بعد أن قال: لنفسي اشتريت.
ولو قال له: إنما أبيع منك بشرط أنك إن اشتريت لفلان فلا بيع بيني وبينك فثبت أنه اشترى لفلان فلا ينبغي أن يحنث ولا ينعقد البيع بينهما وإن لم يعرفه بذلك حتى اشتراه قال مالك: "يحنث".
ويتخرج في المذهب قول آخر أنه [لا] يحنث إذا اعتبر المقصد في
_________________
(١) المدونة (٣/ ١٤١).
(٢) سقط من أ، ب.
[ ٣ / ١٨٢ ]
القول الأول.
فإذا لم يحنثه ولم يعلم أنه من سببه وناحيته هل يحنث أم لا؟
قولان قائمان من المدونة:
أحدهما: أنه مهما كان من [سببه] (١) فإنه يحنث من غير اعتبار بعلم الحالف أو بعدم علمه وهو ظاهر المدونة لقوله: فإن كان من سبب المحلوف عليه ومن ناحيته. وهو مفسر في كتاب محمد وهو نص قول ابن القاسم في المجموعة.
والثاني: أنه لا يحنث الحالف حتى [لا] (٢) يعلم أن المشتري من سبب المحلوف عليه ومن ناحيته وهو قول مالك وأشهب في كتاب محمد. وهو ظاهر المدونة أيضًا في قوله في موضع آخر: إن علم أنه من سببه ومن ناحيته. وعلى القول بأن ذلك يفتقر إلى علمه هل يصدق إذا ادعى أنه لم يعلم به بغير يمين أو لابد من يمين. وإن كان المتولي للشراء صارفًا غير معروف في ذمة المحلوف إليه ولا من أصدقائه فلا يمين عليه. وإلى هذا ذهب أبو الحسن اللخمي وهو الصحيح.
واختلف فيمن هو من سببه وناحيته على قولين: أحدهما: أن الصديق الملاطف أو من هو في عياله أو ناحيته وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن الذي من سببه وكيله أو أبوه أو ابنه أو من يلي القيام بتدبيره وشأنه وأما الصديق الملاطف والجار الجليس فلا وهو قول ابن حبيب. وكذلك الحكم في اليمين ألا يبيع له ومعناه ألا [يستمر له على سلعة] (٣) في جميع ما ذكرناه. [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) في ب: يبيع.
(٢) سقط من ب.
(٣) يستثمر له في سلعة.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ١٨٣ ]
المسألة الثامنة عشر
فيمن حلف ليفعلن فعلا، ففاته المحل قبل أن يفعل، مثل: أن يحلف ليضربن عبده أو ليركبن هذه الدابة أو ليأكلن هذا الطعام، فأبق العبد أو ماتت الدابة أو سرقت أو هلك الطعام أو سرق: فلا يخلو من أن يكون قد ضرب ليمينه أجلًا أم لا: فإن ضرب ليمينه أجلًا: فلا شيء عليه فيما هلك.
واختلف في السرقة، هل يحنث بها أو يبرأ؟ على قولين:
أحدهما: أنه حانث، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، إلا أن ينوي إن سرق.
والثاني: أنه لا شيء عليه، لأنه على بر.
وإن لم يضرب ليمينه أجلًا: فإن بادر إلى الفعل، ففاته محله من غير تفريط، فلا شيء عليه اتفاقًا.
فوجه قول ابن القاسم في السرقة: إذا لم تكن له نية أن عين الشيء المحلوف على فعله باقٍ، ولو أمكنه منه السارق ليأكله، فلذلك حنثه [والإباق من هذا القبيل] (١).
ووجه قول أشهب: أنه مغلوب على ترك الفعل لتعذر فعله، فأشبه الفوات الحسي.
وقد قال مالك في كتاب الأيمان بالطلاق: "فيمن حلف ليبيعن هذه الجارية، فألفاها حاملًا [منه] (٢)، "هو حانث".
وقال في "كتاب النذور"، فيمن حلف ليذبحن حمامات ليتيمه، فقام
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ١٨٤ ]
من فوره، فوجدها ميتة، قال: "لا شيء عليه لأنه مغلوب على ترك الفعل".
واختلف المتأخرون، هل ذلك اختلاف قول أو ذلك اختلاف حال:
فذهب أكثرهم إلى أن ذلك اختلاف قول، وأنه لا فرق بين السؤالين، وأنه لا يحنث في الجميع، لعدم التفريط، وهو قول سحنون، وهو أحد أقاويل ابن القاسم في "العتبية".
ومنهم من قال: إن ذلك اختلاف أحوال، وذلك أن الذبح في الحمامات قد فات محله لغة وشرعًا، لأن الميتة ليست بمحل للذكاة أصلًا، لا لغة ولا شرعًا، إذ كلاهما لا يستعملان إلا في الحي دون الميت، فالشرعي منها [عبارة] (١) عما اجتمعت فيه الشروط المعتبرة فيها [واللغوي منها ما أحل فيه بالشروط المعتبرة] (٢). أو المتفق عليها منها، فإذا فهمت هذا تبين لك أن: الذكاة اللغوية لا تستعمل فيما فات بنفسه، لا كما يحتج [به] (٣) بعض الأغمار من طلبة الزمان.
أن الذكاة تستعمل [فيه] (٤) لغة.
والجارية التي حلف ليبيعنها، فألفاها حاملًا منه: فإن البيع يتمكن فيها على الجملة، لأنها قائمة العين، غير أن البيع الشرعي لا يتمكن فيها.
والبيع اللغوي فيها متمكن فلذلك: حنثه ابن القاسم على أشهر الأقوال، وإلى هذا التأويل ذهب أبو القاسم بن محرز وغيره.
والخلاف في ذلك: يرجع إلى اعتبار المقاصد والألفاظ.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: فيها.
[ ٣ / ١٨٥ ]
فمن اعتبر الألفاظ، قال: يحنث في الجميع.
ومن اعتبر المقاصد، قال: لا يحنث في الجميع.
فرع: ومن أكل مع زوجته، فحلف بطلاقها لتأكلن هذه القطعة، [فأكلتها] (١) الهرة، فأخذت المرأة الهرة فذبحتها، وأخرجت القطعة فأكلتها:
فقال ابن القاسم في "ثمانية أبي زيد": "لا يخرجه ذلك عن يمينه، ولكن إن كان بين أخذ الهرة إياها، وبين يمينه قدر ما لو أرادت أخذها لأخذتها، فتوانت حتى أخذتها الهرة: حنث.
فإن خطفتها الهرة قبل أن يمكنها أخذها، فلا حنث عليه".
ولو حلف ليطأن امرأته، فقطع ذكره من غير تفريط: لم يحنث، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن حبيب"، وقال أصبغ: "فرط أو لم يفرط لبقاء العين الذي هو محل الفعل"، وهو أحد قولي ابن القاسم في مسألة الجارية.
وسبب الخلاف: [مانع] الشرع، هل هو كالمانع العدم أم لا؟
وقد قدمنا فيما سلف من الكتاب أن للشرع إعدام الموجود.
فإن وطئها وهي حائض، هل يبر [في] (٢) يمينه، أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه آثم في فعله [ولا يبرئه ذلك من يمينه وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن حبيب. والثاني: أنه يبرأ في يمينه ويكون آثمًا في فعله] (٣).
_________________
(١) في ب: فأخطفتها.
(٢) في ب: من.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ١٨٦ ]
وهو قول سحنون في كتاب ابنه. وهذا الخلاف ينبني على [خلاف في اعتبار] (١) المقاصد والألفاظ أيضًا:
فمن اعتبر المقصد، قال: يحنث، لأن [قصده وطء صحيح] (٢).
ومن اعتبر اللفظ، قال: لا يحنث، لأن الوطء موجود، وافق الشرع أو خالفه.
ولو حلف [لا وطئتها] (٣)، حنث بوطئها حائضًا، وهو قول ابن القاسم في "المجموعة" أيضًا. [تم كتاب النذور والأيمان والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: قصد وطئًا صحيحًا.
(٣) في ب: ألا يطأها.
(٤) زيادة من ب.
[ ٣ / ١٨٧ ]