بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تحصيل مشكلات هذا الكتاب وجملتها ست عشرة مسألة:
المسألة الأولى في اشتقاقه
وأصل النكاح في وضع اللغة: الجمع والضم، قالوا: أنكحت البذر في الأرض: إذا حرثته فيه، ونكحت الحصا أخفاف الإبل: إذا دخلت فيها، ثُمَّ استُعمل في الوطء.
وهو [عرف الشرع] (١) ينطلق على العقد؛ لأنه بمعنى الجمع وما له [في] (٢) الوطء، وقد جاء في كتاب الله تعالى، قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٤)، وقال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ (٥)، وقال جل وعلا: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (٦).
ويبعد أن يكون "النكاح" المذكور، المراد به: الوطء، إذ الوطء بغير عقد نكاح محرمٌ شرعًا.
_________________
(١) في أ، ب: الشرع عرف.
(٢) في ب: إلى.
(٣) سورة النساء الآية (٢٢).
(٤) سورة البقرة الآية (٢٢١).
(٥) سورة النساء الآية (٣).
(٦) سورة النساء الآية (٢٥).
[ ٣ / ٢٧٧ ]
وقد يرد والمراد به: الوطء بعينه، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١)، وكذلك أيضا قوله سبحانه: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَة﴾ (٢)، على الخلاف بين العلماء في التأويل.
ويُطلق والمراد به: الصداق، قال الله ﷿: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣)، أي: لا يقدرون على الصداق لعُسرهم، وذلك أيضا على أحد التأويلات، وهو من الأسماء المشتركة.
والحمد لله وحده.
_________________
(١) سورة البقرة الآية (٢٣٠).
(٢) سورة النور الآية (٣).
(٣) سورة النور الآية (٣٣).
[ ٣ / ٢٧٨ ]
المسألة الثانية في الشغار وحكمه
- والشِّغَار في اللغة يُطلق ويراد به: الرفع، يقال: شغر الكلب، إذا رفع رجله ليبول، وذلك أنه لا يفعل ذلك إلا إذا كبر وبلغ حد الوثوب على الإناث.
- ثم استعلموه: فيما يُشبه، وقال: شَغَر الرجل المرأة إذا فعل بها ذلك للجماع، وشَغَرَت هي أيضا: إذا فعلته.
- ثم استعملوه في النكاح لارتفاع الصداق من العقد.
- ويطلق أيضا والمراد به: الخلو، يقال: [بلد] (١) شاغر: إذا كان [خاليًا] (٢) من السلطان، ثم استعمل ذلك في النكاح لخلوه [من] (٣) الصداق.
وقد أجمع العلماء [﵏] (٤) على تحريم الشِّغار، ثم اختلفوا فيه بعد وقوعه، واختلف مشايخنا في علَّة تحريمه، هل هي لفساد عقده لكون كل يضع صداقا للآخر، فهو للزوج غير تام الملك، [لمشاركته] (٥) من أصدقته لحقها فيه، فكان كمن زوج وليته من رجلين [أو] (٦) تزوَّج
_________________
(١) في أ، ب، جـ: له.
(٢) في أ، ب: خليا.
(٣) في أ، جـ: عن.
(٤) زيادة من ب، جـ، ع، هـ.
(٥) في أ: لمشاركة.
(٦) في أ، ب: و.
[ ٣ / ٢٧٩ ]
نصف امرأة أو عقد بيعًا في سلعة من رجلين، على أنَّ لكلّ واحدٍ منهما جميع السلعة، وذلك كله مما لا يصح فيه العقد.
وعلى هذا حملوا قوله المشهور بفسخه "قبل وبعد"، إذ هو أصله فيما فسد لعقده، فيما حكاه البغداديون عنه في الأشهر من القول.
وعلى ما في "كتاب ابن عبد الحكم" من الخلاف فيما فسد لصداقه.
ومنهم من جعل علَّة فسخه لجمعه الفسادين، فساد في الصداق وفساد في العقد.
ومنهم من قال: إنما اختلف قولهُ فيه، للاختلاف في النهي هل يدلُّ على فساد المنهي عنه أم لا؟، وهو تأويل أبي عمران الفاسي.
ومنهم من قال: إنما اختلف لاختلافهم في معنى الشِّغار، وهو تأويل القاضي [إسماعيل] (١)، وهو أضعف التأويلات.
ومنهم من قال: أن [علة فساده] (٢) عروه من الصداق واشتراطهما ذلك، وهو تأويل القاضي إسماعيل.
فعلى هذا يأتي القولان المنصوصان له في "كتاب النكاح الثاني" فيمن شرط ألا صداق عليه، وإلى هذا التأويل نحا أبو الوليد الباجي.
وقال القاضي أبو الفضل: وتفريق مالك بين صريح الشِّغار ووجه [لا يدلَّ] (٣) عندي على هذا، إذ لو كان فساده لأجل فساد الصداق مجردًا، لكان جوابه فيهما سواء، إذ العِلَّة موجودة فيهما.
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في أ، ب: علته.
(٣) في ب: يدل.
[ ٣ / ٢٨٠ ]
وإن كان لفساد العقد، فكذلك أيضا يجب أن يكون الجواب فيهما واحد، لمشاركة كل [واحدةٍ] (١)، زوج [الأخرى] (٢) في بضعها.
وقد يحمل الخلاف فيهما: إما على الخلاف في فساد الصداق إذ عدمه كفساده، أو على الفساد في العقد إذ خلو العقد عن الصداق أو التفويض فيه، وشرط إسقاطه خلل ببعض أركانه، فأدى ذلك إلى فساده، وبه [علل] (٣) ابن حبيب.
و[قد] (٤) قال بعض المتأخرين من البغداديين: أن المعقود به إذا كان فاسدًا وجب فساد العقد، ويتخرج [قوله] (٥) على الوجهين:
فمرة غلب فساده للصداق، فقال بإمضائه بعد الدخول [ومرة غلب فساده] (٦) للعقد [فرده] (٧) أبدًا، وإن دخل.
وقد أشار [أبو محمد] (٨) عبد الحميد السوسي إلى أنه يتخرج من الكتاب على التعليل، فسخ نكاح الشغار بأنَّ العلة فيه [فساده] (٩) لعقده، قول فيما فسد لصداقه يفسخه أبدا، كما قال البغداديون، وقال أبو القاسم السيوري: أنَّه يتخرج من قوله: أن فيه الميراث، وأن الفسخ فيه بطلاق قول
_________________
(١) سقط من جـ.
(٢) في أ، ب: أخرى.
(٣) في أ، ب: قال.
(٤) سقط من أ، ب.
(٥) في أ، ب: قول.
(٦) سقط من أ، ب.
(٧) في أ: فردًا.
(٨) زيادة من ب.
(٩) في أ: فساد.
[ ٣ / ٢٨١ ]
ثالث أنَّه يمضي بالعقد، كمذهب المخالف، وخرَّج هذا القول غيره، على أحد قولي مالك فيما اختلف الناس فيه أنه يمضي ولا يرد وإن نزلوه ووقوعه [كحكم] (١) حاكم، وهو تخريج بعض البغداديين.
وهذا الذي قاله البغداديون [بعيد] (٢)، وتخريج السيوري أقرب، وذلك أن فوات ما اختلف فيه [بالعقد] (٣)، إنما هو فيما اختلف فيه ابتداء في إجازته أو منعه.
وإذا وقع فهل وقوعه فوت أم لا؟
وأما الشِّغَار فمتفق على منعه ابتداء للنهي الوارد فيه، وقد قيل: إن العقد في [مثل] (٤) هذا فوات للنكاح، لوقوع [الموارثة] (٥) والحرمة، وأحكام كثيرة بنفس العقد فيه، فأشبه اختلاف الأسواق المفيتة للعقود الفاسدة في البيوع.
فهذا ما قيل في هذه المسألة على الجملة.
وأما من حيث التفصيل، فنقول وبالله التوفيق: لا خلاف في نكاح الشِّغَار أنه لا يجوز [ابتداءً] (٦).
فإن وقع ونزل، هل يفسخ أو لا يفسخ؟ على أربعة أقوال كلها قائمة من المدوّنة:
_________________
(١) في أ: حكم.
(٢) في أ: يبعد.
(٣) في أ: بعد العقد.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: الموازنة.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٨٢ ]
أحدها: أنَّه يفسخ قبل البناء وبعده، ولا فرق بين صريح الشغار ووجهه، وهذا على القول بأنَّ فساد الصريح في صداقه، ولاسيما [على] (١) تخريج السيوري وغيره من البغداديين.
والثاني: أنه يمضي بالعقد دون الدخول، وهو تأويل أبي القاسم السيوري، ولا فرق بين الصريح ووجهه.
والثالث: التفصيل بين الصريح والوجه، وهو نص [قوله في] (٢) الكتاب.
والرابع: أنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، وهو نص "المدونة" في وجه الشِّغَار، ولا فرق بين صريحه ووجهه، على القول بأنَّ العلة في [وجه] (٣) الفساد في الصداق، وهذا الكلام في فساد النكاح وصحته.
وأما الصداق: فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
إما أن يدخل بهما جميعا.
أو لم يدخل بواحدة منهما.
أو دُخل بواحدة دون الأخرى.
فإن دخل بهما جميعا، فلا يخلو من ثلاثة [أوجه]:
إما أن لا يُسميا لواحدة منهما.
أو سُميا لكل واحدة منهما.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٨٣ ]
أو سميا لواحدةٍ دون الأخرى.
فإن لم يُسم لواحدة منهما، فلكل واحدة منهما صداق مثلها، ولا خلاف في ذلك.
وإن سميا لكل واحدة منهما، هل يكون لهما صداق المِثل أو الأكثر؟
فالمذهب على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أنّ لكلِّ واحدة صداق مثلها بالغا ما بلغ، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة"، ولا يلتفت إلى ما سميا، إن كان أقل من صداق المثل، وهو نص ما وقع لابن القاسم في "كتاب ابن أبي العمر" ومن قوله: "فإن بني بها كان لها صداق المثل، كان أقل من التسمية أو أكثر"، وهو أحد الأقوال في البيع والسَّلَف.
والثاني: أن لها الأكثر من المسمى أو صداق المثل، وهو قول سحنون في بعض روايات "المدونة" [وهي رواية صحيحة] (١)، وهو قوله: "إلا أن يكون ما سميا أقل فلا ينتقصان من التسمية"، ثبت هذا اللفظ من قول سحنون في الأصل.
واختلف: في تأويله:
فمنهم: من جعله تفسيرًا لقول ابن القاسم، فيكون له في المسألة قولان، ويدل على ذلك تمثيل ابن القاسم [المسألة] (٢) بالتي تزوجت بمائة، [وبثمرة] (٣) لم يبدو صلاحها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: وثمره.
[ ٣ / ٢٨٤ ]
ومنهم من [جعله] (١) خلافًا، وأنَّ ابن القاسم لا يقول به، إذ هو عقد فاسد عنده، [ففات] (٢) بالدخول، فيكون فيه صداق المثل ما بلغ، كسائر العقود الفاسدة.
فعلى القول الثاني: أنَّ لهما الأكثر، إذ لم يبق للزوجين حجَّة، وإنَّما الحجَّة للنساء، تقول كل واحدة: جُعل مهري ما سمي لي ونكاح الثانية، فكان البضع بعض الصداق، فتبلغ مهر مثلها، والزوج وإن سمَّى أكثر من صداق المثل، ويحتج بأنه سيقول: إنما فعلت ذلك لرغبتي في تزويج وليَّتي، فيقال له: قد وصلت إلى غرضك، إذ قد ثبت لك ما أردت بالدخول، فلا حجة لك في ذلك.
وإن سمَّى لواحدةٍ منهما دون الأخرى، [فللتي] (٣) لم يُسم لها صداق المثل [بالغًا] (٤) ما بلغ، ولا خلاف في ذلك.
واختلف في التي سمى لها، هل يكون لها الأكثر أو صداق المثل؟
على قولين متأولين على "المدونة":
أحدهما: أنّ لها صداق المثل بالغا ما بلغ، وعلى هذا اختصر الشيخ أبو محمد المسألة، قال: "ولكلِّ واحدة صداق المثل"، فسوَّى بينهما، وكذلك نقل ابن لبابة في المسألة على "المدونة"، وهو [قول] (٥) عيسى بن دينار في
_________________
(١) في جـ: جعل ذلك.
(٢) في جـ: وفات.
(٣) في أ: والتي.
(٤) سقط من أ.
(٥) في جـ: نص.
[ ٣ / ٢٨٥ ]
"المبسوط"، [كذا] (١) [فسرها] (٢) في سماع يحيى بن يحيى بن القاسم، وهذا على الأصل المتقدم، لأنا لو فسخنا نكاح التي لم يُسَّم لها بكل وجه بقيت حجة للزوج، فيما زاد، إذ لم يتم له غرضه في إمضاء نكاح وليته.
والثاني: أنها يكون لها الأكثر، وهو تأويل بعض المتأخرين على "المدونة"، وقالوا: هو مراد الكتاب.
وإن لم يدخل بواحدة: فلا صداق لها لا نصف ولا غيره، سمّى أو لم يُسم.
وإن دخل بواحدة منهما دون الأُخرى، كان للمدخول بها صداق المثل.
وعلى القول بأن النكاح يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، هل يكون الفسخ فيه بطلاق أو بغير طلاق؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الفسخ في ذلك بغير طلاق، وهو ظاهر قول ابن القاسم في رواية البلّاغ.
والثاني: أن الفسخ فيه بطلاق، وهو قول ابن القاسم أيضًا في، "المدونة" في قوله: "وأكثر الرواة [وعلى] (٣)، أن كل نكاح كانا مغلوبين علي فسخه، مثل: نكاح الشِّغَار ونكاح المحرم، وما كان صداقه فاسدًا، فأدرك قبل البناء: فالفسخ في ذلك [كله] (٤) بغير طلاق".
والقول بأن الفسخ في ذلك بطلاق أصح، لأن الفسخ فيه على معنى
_________________
(١) في جـ: كما.
(٢) في أ: فسر ما.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٨٦ ]
الاستحباب لا على معنى الوجوب، لأن العقد لا يخلو من أن يقع صحيحا [أو فاسدًا، فإن وقع صحيحًا] (١) كيف يفسخ قبل البناء؟ وإن وقع فاسدًا كيف يصحِّحه البناء؟ لأن العقود الفاسدة لا يصحِّحها البناء، يدل ذلك، والحالة هذه: أن الفسخ استحباب.
وقال بعض المتأخرين: "وفائدة الفسخ قبل البناء بطلاق عقوبة على الزوج، لئلا يعود إلى مثل هذا، وبيان العقوبة تفويت الغرض المقصود بالطلاق [والواقع] (٢) [فقيل له] (٣)، وقد يراجعها بنكاح جديد، فأجاب بأن قال: وقد لا ترضى بذلك إلا بزيادة المهر، وإن اتفق أن ترضي بذلك القدر أو بدون صداق المثل، فالطلاق في نفسه عقوبة، لاحتمال أن تكون بقيت عنده تطليقة [واحدة] (٤).
فإذا فسخ [نكاحه] (٥) بطلاق حرمت عليه إلا بعد زوج، وقد [لا] (٦) يتقدم [منه] (٧) فيها طلاق إلا هذه التطليقة، فيتم [بها] (٨) العدد، ويدخل عليه بذلك ضرر على كلِّ حال، وإلى هذا ذهب أبو القاسم بن محرز.
فإذا قلنا: أنَّ الفسخ فيه بطلاق، فهل يُشطر الصداق إذا كان مما يصح فيه الملك أم لا؟ فالمذهب على قولين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: قبل وبعد.
(٤) زيادة من ب، ع.
(٥) سقط من أ، جـ.
(٦) سقط من أ.
(٧) في ع: له.
(٨) في أ: عليه بهذا.
[ ٣ / ٢٨٧ ]
أحدهما: أنه لا يُشطر ولا يكون لها من الصداق شيء، وهذا نص المذهب.
ويتخرج فيه قولٌ ثان: أنه يُشطر، ويكون لها النصف؛ لأنه طلاق وقع قبل البناء، ولا يُعترض على هذا القول بأن يقال: طلاق وقع [بغير] (١) اختياره، وإيثاره ولا يلزمه فيه الصداق، كما لو كان مجمعا على تحريمه، لأن الفسخ فيه على الاستحباب، والزوج قادر على تصحيحه بالدخول الذي هو من جنس مقدوره، فأشبه طلاق المعسر بالنفقة على أحد الأقوال، وهو ما لابن القاسم في "العُتبيَّة"، وهو إذا كان الصداق مما يمتلك، ويمكن تشطيره كما قَدَّمناه، مثل: أن يتزوجها بمائة دينار إلى أجل مجهول.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المرأة، بماذا تملك الصداق؟، هل تملكه بالعقد أو لا تملك بالعقد شيئًا، وإنما تملكه بالدخول أو نصفه بالعقد ونصفه بالدخول؟، على ما يأتي عليه البيان في كتاب "النكاح الثاني" إن شاء الله تعالى [وهو حسبنا ونعم الوكيل] (٢) [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) زيادة من ب، ع.
(٣) زيادة من جـ.
[ ٣ / ٢٨٨ ]
المسألة الثالثة في الولاية في النكاح
ولا خلاف في مذهب مالك - ﵀: أن الولاية مشروطة في النكاح، وأنها من شروط الصحة لا من شروط التمام إلا شيئا تأول على ابن القاسم: أن الولاية من شروط التمام، من قوله: أن الميراث بين الزوجين بغير ولي، ومن قوله في الدنية: يجوز أن تستخلف على نفسها أجنبيا يزوجها، وبمذهب مالك قال الشافعي خلافا لأبي حنيفة، والدليل على ما نقوله [ظاهر] (١) الآي والأخبار، على ما [لا] (٢) يسع هذا المجموع إيراده، وهي عندنا أعني، الولاية تنقسم إلى ولاية جبر وإلى ولاية إذن:
فأما ولاية الجبر، فهي مختصة بالسادات في العبيد، صغارًا [كانوا] (٣) أو كبارًا، [أو] (٤) بالآباء في صغار بنيهم الذُّكور: من غير خلاف، والإناث: على الخلاف.
وفي بنيهم الكبار الذكور [والإناث] (٥) على تفصيل وتحصيل، وبمن أقاموه مقام أنفسهم بعد وفاتهم.
أما ولاية السادات في العبيد، فلا يخلو من وجهين:
_________________
(١) في أ: بظاهر.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ، ب، ع.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٨٩ ]
أحدهما: أن يكون السيد قد سبق فيهم [منه] (١) عقد من عقود الحرية أم لا، فإن سبق من السيد فيهم عقد من عقود الحرية، مثل: التدبير والكتابة والإيلاد والعتق إلى أجل، فهل [له إجبارهم] (٢) على النكاح أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أن له إجبارهم جملة، لأنهم إلى الآن على الرق، ولم يصيروا بعد الحرية.
والثاني: أنه ليس له إجبارهم، [لأجل الشبهة] (٣) التي حصلت لهم من الحرية [بالعقد] (٤) الذي عقد لهم.
والثالث: أن له جبر من له أن ينتزع ماله دون من ليس له أن ينتزع ماله، فيمنع من إجبار الكاتب والكتابة ومن إجبار أم الولد، والمُدَبَّر إذا مرض، ومن المعتق إلى أجل إذا قرُب الأجل، لأنه إذا لم يملك أن ينتزع ماله، فأحرى ألا يعقد عليه فيما يتعلق بالجبر.
والرابع: أن له إجبار الذُّكران دون الإناث، لأن الذكران بأيديهم الطلاق، فيحلون عن أنفسهم، إذا صاروا إلى العتق بما عقد عليهم، وتوجيه كل [قول] (٥) مشار إليه عند الإيراد.
فإن لم يسبق من السيد فيهم عقد من عقود الحرية، فلا يخلو من أن
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في أ: لهم إجبار.
(٣) في أ: لأن النية، وفي جـ: لأن التهمة، والمثبت من ب، ع.
(٤) في أ، جـ: قد حصلت من العقد.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
يقصد بذلك الضرر [بهم] (١) أم لا:
فإن قصد السيد بعقد النكاح عليهم ضررًا، مثل الجارية المرتفعة [لها] (٢) الحال، يزوجها من عبد له أسود على غير وجه الإصلاح، فهذا لا يجوز، وهو قول مالك في "كتاب محمد".
فإن لم يقصد بذلك ضررًا، فلا خلاف في مذهبنا أنّ للسيد أن يُجبرهم على النكاح، ذكرانًا وإناثًا، صغارًا وكبارًا؛ لأنها ولاية صحيحة لأجل الرق.
وأما ولاية الآباء في الجبر، فإنها صحيحة في صغار ذكور أولاده جملة من غير تفصيل، حتى يبلغوا.
فإذا بلغوا وظهر منهم الرشد سقطت عنهم ولاية الجبر بلا خلاف.
فإن بلغوا وظهر منهم السفه، هل يسقط عنهم الإجبار أم لا؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنهم يجبرون ما دام السَّفه قائما بهم، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنهم لا يجبرون ولا ينكحون إلا برضاهم، وهو قول ابن الماجشون.
فإذا قلنا: أن الأب يجبر ولده على النكاح، هل يحمل ذلك على المصلحة والسداد من [غير] اعتبار بظهور دلائل الصحة [أو لابد من ظهور دلائل الصحة] (٣)؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٩١ ]
فظاهر المذهب: أن فعل الأب يُحمل على المصلحة [والسداد] (١) سواء ظهرت لنا أو خفيت، وإن [كان قد وقع في كتاب "إرخاء الستور" في "باب الخلع": إذا كان فيه الغبطة والسرور، كنكاحه من المرأة الموسرة، فظاهر] (٢) هذا [التقييد] (٣) يشعر بالخلاف.
وأما صغار الإناث، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون بكرًا.
والثاني: أن تكون ثَيبًا.
فإن كانت بكرًا، فلا خلاف في المذهب [في] (٤) جواز الجبر، كصغار الذكور على سواء.
وإن كانت ثيِّبًا، مثل: أن تكون قد تَأَيَّمت من زوج، وانقضت عدَّتها قبل [بلوغها، فهل يملك الجبر عليها أم لا؟
المذهب] (٥) على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن له إجبارها قبل البلوغ وبعده، ولا اعتبار لثبوتها، وهو قول سحنون.
والثاني: أنها لا تجبر أصلًا، بلغت أم لا، وهو قول أبي تمام البغدادي.
والثالث: أنها تجبر قبل البلوغ، فإذا بلغت سقط الجبر عنها، وهو قول
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) سقط من ب.
(٣) في ب: التعليل.
(٤) في أ: على.
(٥) بياض في جـ.
[ ٣ / ٢٩٢ ]
أشهب في كتاب محمَّد.
وسبب الخلاف: استنباط القياس من موضع الإجماع، وذلك أنهم لما أجمعوا على أن الأب [يجبر] (١) البكر [غير] (٢) البالغ، وأنه لا يجبر الثيب البالغ، إلا خلافا [شاذًا] (٣) روي عن الحسن، ثم اختلفوا في موجب الإجبار، هل هو البكارة أو الصغر؟
فمن قال: الصغر قال: لا تُجبر البالغ كما صار إليه الحنفي.
ومن قال: البكارة قال: تجبر البكر البالغ، ولا تجبر الثيب الصغيرة.
ومن قال كل واحد منهما يوجب الإجبار إذا انفرد، قال: تجبر البكر البالغ والثَّيِّب غير البالغ.
وأما كبار الأولاد، الذكور والإناث:
أما الذكور، فلا يخلوا من أن يكونوا رشداء أو سفهاء.
فإن كانوا رشداء، فلا خلاف أنهم لا يجبرون؛ لأنهم مالكون أمر أنفسهم وأموالهم.
وإن كانوا سفهاء، فهل يزيل الجبر عنهم البلوغ [أو لا يزيله] (٤)؟
قولان:
وأما الإناث البوالغ، فلا يخلوا حالهن من أن يكن أبكارًا أو ثيبات:
فإن كن أبكارًا، فلا يخلوا من ثلاثة أوجه:
_________________
(١) في أ: الإجبار في.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: أم لا.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
أحدها: أن تكون بكرًا في خدرها.
[والثاني] أن: تكون بكرًا تأيمت من زوج.
[والثالث] أن: تكون بكرًا معنَّسة.
فإن كانت بكرًا في خدرها، غير معنَّسة في حالها، فلا خلاف في المذهب أن للأب أن يجبرها على النكاح، وهل يندب الأب إلى مؤامرتها أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه يندب، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
والثاني: أنَّه لا يندب وأن ذلك أمر مباح [له] (١)، إن شاء فعل وإن شاء ترك، وهو ظاهر "المدونة".
وسبب الخلاف: تعارض القول والفعل:
أما القول، فقوله - ﷺ -: "البكر يستأذنها أبوها" (٢) خرجه مسلم.
وأما الفعل، فما روي عنه [- ﷺ -] (٣) أنه زوج ابنته [من عثمان] (٤) ولم يستشرها على الرواية الصحيحة في الحديث، وفي بعض طرقه [ابنتيه] (٥)، والاستئمار أحسن، ليخرج من الخلاف، ويعقد نكاح ابنته، على وجه متفق عليه، وقد يكون بها من العيوب ما يخفى على الأب، بحيث لو أخبرها أو استأمرها، لأعلمته بذلك [العيب] (٦)، إما بواسطة أو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) أخرجه مسلم (١٤٢١).
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: لعثمان.
(٥) في ب: لم يستأمرها.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٩٤ ]
بمباشرة.
وإن كانت بكرًا قد تأيمت من زوج بطلاق أو موت، فهل للأب أن يجبرها على النكاح [أو ليس له أن يجبرها] (١)؟ فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون قد تأيمت بقرب البناء.
والثاني: أن تتأيم بعد طول.
فإن تأيمت بقرب البناء وأنكرت المسيس، وادّعت بقاء البكارة وكذبها الزوج: فالقول قولها في بقاء البكارة، ولأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر، لأنها أقرت بأن صنع الأب جائز لها، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" [ومعناه أن الأب صدقها فلو كذبها الأب لكان القول قوله، وهذا الذي قاله ابن القاسم] (٢) فيه نظر، وكيف يقبل قولها وقد تتهم [في بقاء نفقتها] (٣) على أبيها بما تدعيه من بقاء البكارة.
فإن طالت المدة، فالمذهب [على قولين: أحدهما] (٤) أنها تجبر و[الثاني] (٥) أنها [لا تجبر وأنها] (٦) كالثيب على سواء.
واختلف في حد الطول، على قولين:
أحدهما: أن السُّنة طول الإقامة، وهو قول مالك في "المدونة". إذا طالت إقامتها معه، وشهدت مشاهد النساء، فلا يزوجها الأب إلا برضاها، وهل السُّنة طول بمجردها أو بإضافة مشاهد النساء إليها؟ [وظاهر "المدونة":
_________________
(١) في أ: أم لا.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: بقائه فيها.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٩٥ ]
أن السُّنة طول، بإضافة مشاهد النساء إليها] (١).
والثاني: أن حد الطول زوال الحياء والانقباض.
والقولان حكاهما القاضي عبد الوهاب في المذهب، وسواء في جميع ذلك وافقها الزوج على [عدم] (٢) المسيس أو ناكرها، وهذا من المسائل التي جعل فيها طول [المكث] (٣) يقوم مقام الدخول.
ومنها امرأة العنين [فإن] (٤) طول المكث تستحق به جميع الصداق كالدخول، وهذا مما لا دليل عليه أصلًا، وإنما الإتباع لمالك - ﵀.
وقد جعل في هذه المسألة أن علة الجبر الحياء والانقباض من غير اعتبار بالبكارة.
[فإن] (٥) كانت بكرا معنسة، ففي إجبارها على النكاح قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنها تُجبر.
والثاني: أنها لا تُجبر.
والقولان: عن مالك قائما من "كتاب الكفالة".
وسبب الخلاف: هل الاعتبار بالبكارة أو بالحياء والحشمة:
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: المدة.
(٤) في أ، جـ: أن.
(٥) في أ: وإن.
[ ٣ / ٢٩٦ ]
فمن اعتبر البكارة، قال: تجبر.
ومن اعتبر الحياء، قال: لا تجبر.
وقد اضطرب المذهب في ذلك:
[فمرة] اعتبر البكارة على الانفراد [ومرة اعتبر الحياء على الانفراد] (١)، ومرة اعتبر الوصفين على الضم والجمع، ومشهور مذهبه أن الاعتبار بالحياء على الانفراد.
فإن وجدت معه البكارة كان وإلا فيجتزئ بالحياء على الانفراد، وهو ظاهر قوله في الثيب الصغيرة، وفي التي طالت إقامتها مع زوجها، وفي التي زنت مرة واحدة، وفي المعنسة على أحد الأقوال، وذلك [أن] (٢) ولاية الجبر فائدتها اختصاص الولي بالنظر، واستبداده بالاختيار، فيما يراه سدادًا وصلاحا لوليته من غير أن يشاركها في رأي أو يطالعها في أمر، لا في تعين الزوج ولا في تقدير [المهر] (٣) [لقصور] (٤) عقلها عن إدراك مصاحلها وقلة خبرتها بأحوال الرجال، ولا جرم [فقد] (٥) وكل الشرع أمرها إلى من هو أشفق الناس عليها وأكثرهم بها حنانا ورأفة ورحمة، وهو الأب في بنيه الصغار، والسيد في عبيده عن فإذا ذهب جلباب الحياء عن وجهها، وباشرت الأمور بنفسها، وعرفت مصالحها وما يُراد منها وبها، فقد زال الجبر عنها لزوال علته، وهذا [معنى] (٦) مناسب للحكم مخيل له.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: بأن.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: لقصر.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٩٧ ]
وأما النساء [الثيبات] (١) فلا يخلوا حالهن من وجهين:
أحدهما: أن تكون ثيبا بنكاح.
والثاني: أن تكون [ثيبا بزنا] (٢) أو غصب.
فإن كانت، ثيبا بنكاح، فلا يخلوا [حالها] (٣) من وجهين:
أحدهما: أن تكون مصلحة في نفسها، [مرضية] (٤) في أحوالها.
والثاني: أن تكون سفيهة في نفسها مضيعة لأمرها.
فإن كانت صالحة في نفسها مدبرة لضيعتها، عارفة بمصالح حياتها، فلا خلاف في زوال الجبر عنها.
وإن كانت سفيهة في نفسها، غير رشيدة في حالها مضيعة لأمرها، فخشى عليها الفساد والضيعة، هل تجبر على النكاح أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّها لا تجبر على النكاح، ولا يجبرها أحد من أوليائها لا أب ولا غيره، وهو قول ابن القاسم في المدونة، إلا أن للأب أو الولي أن يضمها إلى نفسه إذا خاف عليها الهوى والضيعة.
والثاني: أن وليها يجبرها على النكاح [بغير رضاها] (٥) إذا رأى
_________________
(١) في أ: الثيب.
(٢) في أ: بزنًا ثيبًا.
(٣) في أ، ب، ع: حالهن.
(٤) في ب: مدبرة.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٢٩٨ ]
[في] (١) ذلك نظرا ومصلحة لها، وسواء كان وليها أبًا أو غيره من الأولياء، وهو قول ابن القصَّار، ووافقه على ذلك حُذَّاق المشايخ، والذي قاله أبو الحسن يشير إلى ما تقدم من اعتبار المصالح في علة الجبر.
وإن كانت ثيوبتها بالغصب والزنا، فلا يخلوا من أن يتكرر ذلك [منها] (٢) أو لا:
فإن تكرر الزنا منها حتى استأنست به، وعاد لها حرفة، فهذا محل الاتفاق أنها لا تجبر على النكاح لوجود الوصفين، زوال البكارة وقلة الحياء [وبروز وجهها] (٣) في الخلا والملا.
فإن لم يتكرر ذلك منها، وإنما كان [ذلك] (٤) منها زلة [وفلتة] (٥)، فهل يزيل ذلك الجبر عنها أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن للأب أن يجبرها على النكاح؛ لأن ذلك لا يزيد إلا حياءً لها وحشمة [لرذيلة] (٦) الفاحشة التي أتت بها، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنها لا تجبر على النكاح؛ لأن الثيب بالزنا كالثيب بالنكاح، وهو قول حكاه ابن الجلاب بناء منه على أن البكارة علة للجبر.
والثالث: أن لها حكم الثيب بالنكاح، في عدم الإجبار، لوصول العلم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: وبروزها.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: واحدة.
(٦) في ب: لرذالة.
[ ٣ / ٢٩٩ ]
إليها بما يراد لها من ذلك، ولمباشرتها [أمور الوقاع] (١) ومقدماته، ولا فرق [بين] (٢) أن يكون ذلك عن حلال أو حرام، وأن لها حكم البكر في صفة الإذن، ويكون إذنها صماتها؛ لأنها تستحي أن تنطق بالرضا، لما [تراكم] (٣) على وجهها من الحياء، لإتيانها فاحشة الزنا، وهذا القول حكاه ابن رشد، وهو قول بُيْنَ القولين.
وسبب الخلاف: ما تقدم.
وأما الوجه الثاني: الذي أقامه الآباء مقام أنفسهم، كالوصي، فلا يخلو ذلك من خمسة أوجه:
أحدهما: أن يقول [فلان] (٤) وصى على تزويج ابنتي فلانة لفلان.
والثاني: أن يقول [فلان] (٥) وصى على تزويج ابنتي فلانة ممن أحب.
والثالث: أن يقول: [فلان] (٦) وصي على أبضاع بناتي.
والرابع: أن يقول: فلان وصي [ولم يزد] (٧).
والخامس: أن يقول: فلان وصى على بيع تركتي، واقتضاء ديوني.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا عين الزوج، وقال: فلان وصَّى على
_________________
(١) في ب: ولوقوع الوطء.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: يزاحم.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٠٠ ]
تزويج ابنتي فلانة من فلان، فهذا له الجبر بلا خلاف في المذهب؛ لأن العقد كأنه صدر من الأب لما عين الزوج واختاره، وقد حكى ابن بشير الخلاف في الوصي على النكاح: أنه لا مدخل له [مع] (١) الأولياء في البكر أصلا.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا قال: فلان وصى على تزويج ابنتي فلانية ممن أحب من غير أن يعين الزوج، ولا سمَّاهُ، هل له الجبر وإنكاحهن قبل البلوغ أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن للوصي إجبارهنَّ وإنكاحهنَّ ممن يراه نظرًا لهن، قبل البلوغ وبعده، وهو المشهور من قول مالك.
والثاني: أنه ليس له إجبارهن ولا يعقد على البوالغ منهنَّ إلا بإذنهنَّ؛ لأنَّ الأب إنما ملك ذلك لأمر هو عليه، لا يوجد في غيره، وذلك ما ركب الله في الآباء من الشفقة والحنان والرفق والرأفة [بأولادهم] (٢) وهو [قول] القاضي أبي محمَّد [عبد] الوهاب.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الوصي، هل يقوم مقام الأب في جميع تصرفاته أم لا؟
وقد قال يحيى بن سعيد في بعض آثار "المدونة": الوصي العدل كالأب.
الجواب عن الوجه الثالث: إذا قال: فلان وصى على [أبضاع] (٣)
_________________
(١) في ب: على.
(٢) سقط من أ، جـ.
(٣) في أ: بضع.
[ ٣ / ٣٠١ ]
بناتي، فهذا لا أعلم له في المهذب نص خلاف: أنه لا [حق] (١) له في التصرف في المال، وإنما يتصرف في الأبضاع؛ لأنها وصية مخصوصة على شيء معين، ثم لا يخلوا أمر بناته من [أحد] (٢) وجهين:
إما أن يكُنَّ أبكارًا أو [ثيبات] (٣).
فإن كُنَّ أبكارًا، فالعقد للوصي دون سائر الأولياء، ويستحب أن يشاورهم تطييبا لأنفسهم، لأنه أجنبي عنهم.
واختلف هل له أن يجبرهن على النكاح أم لا؟ على قولين: وهو الخلاف حكاه بعض المتأخرين، فإن اجترئ الولي وعقد نكاح البكر بغير إذن الوصي، فهل للوصي فسخه، أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن للوصي فسخه، وهو ظاهر المدونة، ونص ما في كتاب محمَّد.
والثاني: أن السلطان ينظر في ذلك، فإن رآه نظرًا وسدادًا منع الوصي من فسخه، وهو قول بعض المتأخرين على ما نقله القاضي أبو الفضل [عياض -﵀] (٤).
وسبب الخلاف: هل ذلك حق للوصي، وأنه لا ولاية للولي معه فيها، كما ليس له ذلك مع الأب الذي أنزله منزلة نفسه، فينقضه على كل حال، أو ذلك حماية للأوصياء لئلا يقتات [عليهم] (٥)، ويتفاقم الأمر فيؤدي
_________________
(١) في ب: حكم.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: ثيبا.
(٤) زيادة من ب.
(٥) في أ: عليه.
[ ٣ / ٣٠٢ ]
ذلك إلى إسقاط ما بأيديهم، فيكون النظر في ذلك للسلطان، ولا خلاف في الأب أن له فسخ ما عقده غيره في ابنته البكر بغير وكالة منه، وكذلك السيد في أمته، وإنما الخلاف في الإجازة، إذا أجازه الأب أو السيد هل تلحقه الإجازة أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن العقد وقع على نعت النساء، فلا يجاز بإجازته أصلا، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أن الإجازة تلحقه أن أجيز، وهو قول مالك في الأمة، على ما نقله أبو محمَّد عبد الوهاب إذا أجازه السيد، وعلى هذا تجوز في البكر أيضا، ولا فرق.
وعلى هذا أن الوصي إذا أجاز النكاح الذي عقده غيره من [غير] (١) الأولياء أنه يجوز، وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق التونسي؛ لأنه أخفض رتبة من الأب على كل حال.
وإذا كان الخلاف في إجازة الأب، فبأن يجوز في الوصي أولى وأحرى.
وسبب الخلاف: ولاية الجبر في النكاح، هل هي حق لله تعالى، ثم لا يجوز وإن أجازه الأب أو السيد أو هو حق لهما؛ فيجوز بإجازتها؟
وهذا كله إذا كُنَّ أبكارًا.
وأما إن كن ثَيِّبات، فهل للولي الدخول مع الوصي في عقد نكاحهن، فمن سبق منهما إلى العقد، كان أولى به، أو لا مدخل له في ذلك؟
فالمذهب على قولين:
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٠٣ ]
أحدهما: أن له الدخول في الولاية، فمن سبق منهما إلى العقد كان أولى به، وهو ظاهر "المدونة" لأنه أطلق فيها ولم يفصِّل.
والثاني: [أنه] (١) لا مدخل له مع الوصي في الثيب، كما لا مدخل له معه في الأبكار، وهو قول أبي الوليد بن رشد، ففرق بين قوله: "فلان وصى، ولم يزد، وبين قوله: وصي على أبضاع بناتي"، [فإذا قال: على أبضاع بناتي] (٢) كان أولى على كل حال، وهذا الذي قاله [ظاهر في اللفظ بعيد في المعنى] (٣) وذلك أنه غاية ما فيه أنه أنزله منزلة نفسه [في الأبضاع] (٤)، وقد وجدنا بعض الأولياء يجوز أن يتقدم على الأب في إنكاح ابنته الثيِّب، وهو قوله في "الكتاب": في الأخ يزوج أخته الثيِّب برضاها، وثم أبوها.
قال مالك: النكاح جائز ما للأب، وما لها على ما تأول على "الكتاب": أن ذلك يجوز ابتداء، على ما يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
فإذا جاز ذلك في الأب الذي يدلى به الوصي، وهو أصل فما ظنك بالوصي الذي هو فرع عنه، وذلك ظاهر.
والجواب عن الوجه الرابع: إذا قال: فلان وصى، ولم يزد، فهذا مما اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أن الوصي أولى بالنظر في المال والأبضاع وسائر ما كان ينظر فيه الموصي في حياته، وله تزويج الأبكار بعد البلوغ بمؤامرتهن، ولا مدخل
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: بعيد في اللفظ ظاهر في المعنى.
(٤) سقط من أ، جـ.
[ ٣ / ٣٠٤ ]
للأولياء معه في أمرهن، وهو قول مالك وابن القاسم في "المدونة" وغيرها.
والثاني: ألا تزويج للوصي مع الأولياء إلا أن يكون وليا، وهو قول عبد الملك في "مختصر ما ليس في المختصر"، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم أيضًا.
وأما الثيِّب منهنَّ، فلا تخلو من أن تكون سفيهة أو رشيدة:
فإن كانت سفيهة، فهل هي كالبكر في استقلال الوصي بإنكاحها أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الرشيدة والسفيهة في ذلك سواء، وأن من سبق إلى العقد مِنْ ولي أو وصي: كان جائزًا، وهو ظاهر "المدونة"، وكونها سفيهة لا يخرجها عن أحكام الثيب، وإنما يؤثر السفه في المال لا في الأبضاع.
والثاني: أنها كالبكر، ولا كلام للولي فيها مع الوصي، إلا أن رضاها [بالنطق] (١) دون الصمت، وهو تأويل بعض المتأخرين على "المدونة"، ووقع لأصبغ نصًا في "كتاب فضل بن سلمة"، و"كتاب ابن مزين".
وسبب الخلاف: هل التخصيص بالنظر في المال يقتضى التخصيص بالنظر [في] (٢) البضع أم لا؟
وأما الثيب الرشيدة: فهل يقع الاشتراك في جواز العقد عليها بين الوصي وسائر الأولياء أو بعضهم أولى؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أن الوصي أولى ولا مدخل للأولياء معه، كما لا مدخل لهم مع الأب في عقد نكاحها وهو قول ابن حبيب، وذكر أنه قول
_________________
(١) في أ: بالقول.
(٢) في أ: إلى.
[ ٣ / ٣٠٥ ]
مالك وأصحابه المدنيين والمصريين.
والثاني: أن الوصي لا ولاية له مع الأولياء في الثيب الرشيدة وهو قول سحنون [﵁] (١).
والثالث: أن الوصي في الثيب ولي من الأولياء، إن زوجها الوصي والأولياء ينكرون جاز [وإن زوجها الأولياء والوصي ينكر جاز] (٢) وهو مذهب "المدوَّنة".
وسبب الخلاف: هل الوصي كالأب أم لا؟
فمن رأى أنَّ الوصي كالأب، قال: لا مدخل للأولياء معه إلا كمدخل الأبعد مع الأقرب، إذا سبقه بالعقد، فإنه يأتي إن شاء الله، وإليه أشار ابن حبيب أو أنه من جملتهم.
فمن سبق كان فعله جائزًا على غيره، وهو ظاهر "الكتاب"، وهو تأويل فضل بن سلمة: أنه أقامه مقام الأب، وكذلك قال أشهب.
وقول من قال: لا ولاية له مع الأولياء في الثيب الرشيدة، لا أعلم له وجهًا، وهذا في الإناث.
وأما الذكور: فلا يخلوا من أن يكونوا كبارًا أو صغارًا:
فإن كانوا كبارًا، فلا يخلوا من أن يكونوا كبارًا يلون أنفسهم أو كبارًا محجورًا عليهم.
فإن كانوا كبارًا يلون أنفسهم، فلا خلاف أنه لا حكم للوصي عليهم، لا في النفس ولا في المال.
_________________
(١) زيادة من ب.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٠٦ ]
وإن كانوا كبارًا محجورًا عليهم، هل يجوز للموصي أن يجبرهم على النكاح أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن للوصي أن يجبرهم على النكاح، إذا كان ذلك نظرًا، وهو قول المخزومي، وهو ظاهر [المدونة] (١) من غير ما موضع، منها قوله: ولا يجبر أحدٌ أحدًا على النكاح إلا الأب، إلى أن قال: والولي في يتيمه.
والولي هاهنا هو الوصي، إذا لا يجبر الصغير على النكاح إلا الوصي على مشهور المذهب، وإن كان [قد] (٢) وقع في كتاب يحيى بن إسحاق لابن كنانة في أخ زوج أخا له صغيرًا يليه، وليس بوصي عليه أن النكاح يمضي ويلزم الصغير.
وروى عن مالك فسخه إلا أن يطول بعد الدخول وظاهر الكتاب: ألا فرق بين الصغير والكبير، لأن الاسم يجمعهما.
واسم اليتيم: له عُرفان، لُغوي وشرعي:
فهو في اللغة: عبارة عن الانفراد [عن] (٣) أبيه، وقد ينطلق على المنفرد [عن] (٤) أمِّه، والأول أظهر لغة، وعليه وردت الأخبار، لأن الذي فقد أباه عَدِم النُصرة، والذي فقد أمه عَدِم الحضانة، وقد تنصر الأم ولكن الأب أكثر نصرة، وقد يحضن الأب ولكن الأم [أرفق] (٥) حضانة منه.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: من.
(٤) في أ: من.
(٥) في أ: أكثر.
[ ٣ / ٣٠٧ ]
وهو في الشرع: عبارة عن عدم الرشد، وذلك يعتبر بعد البلوغ، لقوله - ﷺ -: "اليتيمة تستأمر في نفسها، ولا إذن إلا للبالغة" (١)، ولقول ابن عباس - ﵁ - في جوابه لنجدة الحروري حين سأله عن خمس خصال، منها: يتم اليتيم متى ينقضي؟ فكتب إليه ابن عباس - ﵄ -: ولعمري لتنبت لحية الرجل، وإنه لضعيف العقل حتى يأخذ لنفسه من مصالح ما يأخذ المسلمون" (٢).
وعلى هذا لا فرق بين الصغير والكبير، ويؤخذ من "المدونة" من قوله: في الذي زوج ابنه الذي قد بلغ، فقال: لا يلزمه النكاح، ثم قال في آخر المسألة: إذا كان الابن قد ملك [نفسه و] (٣) أمره، ومفهومه: أنه إذا لم يملك أمره أن للأب أو الوصي أن يجبره على النكاح، [والقول الثاني أن الوصي لا يجبره على النكاح] (٤) وهو ظاهر قول مالك في "كتاب إرخاء الستور": إذا زوّج الوصي يتيمه البالغ بأمره، وهو نص ما في [المدوَّنة] (٥) وهو المشهور: ألا يجبره؛ لأن النكاح [ملاذ] وشهوات، فليس ذلك مما يجبره عليه الوصي.
وإن كانوا صغارًا، هل يجبرون على النكاح أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنهم يجبرون عليه، إذا كان في ذلك نظر وسداد وسرور
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢١٠٠)، والنسائي (٣٢٦١)، وأحمد (٢٣٦٥)، من حديث ابن عباس، وصححه الشيخ الألباني - رحمه الله تعالى.
(٢) أخرجه مسلم (١٨١٢).
(٣) سقط من أ، جـ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب، ع: الموازية.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
وغبطة، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنهم لا يجبرون، ولا نظر له في تزويجهم أصلًا، وهو قول مالك في كتاب محمَّد، وهذا اختلاف حال، والله أعلم.
وذلك أن من جوَّز الإجبار إنما جوزه بشرط الغبطة والسرور. كتزويجه إياه ذات الشرف والمال. ومن منعه إنما منعه لعدم النظر، فإذا ثبت هذا النظر المصلحي ووجد الغرض الكلي كان النكاح جائزًا والجبر صحيح باتفاق من الجميع، والله أعلم.
والجواب عن الوجه الخامس: إذا قال: [فلان] (١) وهي على بيع مالي، أو قال: على بيع تركتي واقتضاء ديوني، فإنَّ تصرُّفه ماضٍ فيما تضمنه إطلاق الوصية من التصرف، في المال، واختلف هل تضمنت وصيته جواز التصرف في تزويج البنات والبنين الصغار والكبار الضعفاء العقول أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنها لا تتضمن شيئًا من ذلك، وهو قول مالك في كتاب الوصايا من "المدونة".
والثاني: أن الوصية تتضمن التصرف في المال والأبضاع، إلا أن ينص الميت على أنه ليس بوصي على الأولاد، وهو قول ابن القاسم في "كتاب ابن الموّاز"، وبه قال أشهب في "مدونته".
وعلى القول بأنها لا تتضمن النكاح إن زوّج الوصي على المال البنات، قال مالك: نكاحه جائز، ولو رُفع إلى الإِمام، كان أحب إلى، وهذا منه
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٠٩ ]
جنوح إلى قول أشهب الذي يقول: أن النكاح داخل في الوصية.
وأما ولاية الإذن: فهي لمن عدا من [ذكرنا] (١) من سائر الأولياء، على اختلاف أنواعهم وترتيب منازلهم، على ما سنبينه [فصلا فصلا] (٢) إن شاء الله تعالى [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ: ذكر.
(٢) زيادة من ب.
(٣) زيادة من ب.
[ ٣ / ٣١٠ ]
المسألة الرابعة في تزويج [الأب] (١) [ابنته] (٢) البكر بأقل من صداق مثلها
وقد قدمنا فيما سلف من هذا الباب: أن الأب هو الناظر لابنته الصغيرة، وأن نظره مقدم بالطبع الجلي على [نظر] (٣) غيره من شفقته وحنانه عليها، وإرشاده لها بحال الارتفاق، واختياره لها من الأزواج مكان الوفاق، فلذلك ملك الجبر عليها، على حسب ما فُهم من الجبر، وهو مع ذلك مأمور بأن لا يُزِّوجها إلا ممن يساويها في الحال والجمال، ويكون كفؤا لها في كل حال.
وقد كره عمر - ﵁ - أن يزوج الرجل وليته للرجل القبيح، وقال: يعمد أحدكم، فيزوجهن الشيخ والذميم، إنهن يحببن لأنفسهن ما تحبون لأنفسكم، يريد: ألا يكون ذلك برضاها، ولا يزوجها ممن هو موسوم [بالشقاق] (٤) كثير الأيمان بالطلاق، لأن ذلك من علامات الفساق.
واختلف المذهب، هل يجوز أن يزوجها بأقل من صداق مثلها إذا صادف من هو لها كفؤ في الحال والجمال [أم لا] (٥)؟ على قولين من
_________________
(١) سقط من أ، ب.
(٢) في أ: الابنة.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: بالنفاق، وفي جـ: بالفسق.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٣١١ ]
"المدونة":
أحدهما: أن ذلك جائز إذا كان على وجه النظر، وهو نص قول مالك في "كتاب النكاح الأول".
والثاني: أن ذلك جائز، وإن لم يكن نظرًا، وهو قوله أيضًا في "كتاب النكاح الثاني" في [باب] (١) "نكاح التفويض".
وسبب الخلاف: فعل الأب هل يحمل على السداد ولا يتعقبه نظر إلا أن يتبين الفساد أو يتعقبه النظر وإن لم يتبين الفساد؟، فإن كان مصلحة مضي وإلا رد.
وهذا الخلاف مبني على اختلاف الروايات، في مسألة المطلقة التي أتت إلى مالك، وقالت له: إن لي ابنة موسرة مرغوبٌ فيها، وقد أصدقت صداقًا كثيرًا، فأراد أبوها أن يزوجها ابن أخ له معدما لا شيء له، أفترى لي [أن] (٢) أتكلم في ذلك؟، وفي بعض روايات "الكتاب" (٣)، قال: نعم إني أرى لك في ذلك متكلما، وفي بعضها: إني لا أرى لك في ذلك متكلما، مع إثبات "نعم"، وفي بعضها إسقاط "نعم"، فأثبت لها الكلام في رواية وأسقطه في رواية فصار الخلاف فيها في موضعين في إثبات نعم وفي نفيه، والموضع الثاني في إثبات "الألف" وإسقاطه، فاختلف [المتأخرون] (٤) في الرواية التي [قال] (٥) فيها: نعم إني لأرى لك في ذلك متكلما.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) المدونة (٢/ ١٠٠).
(٤) في ع: المتأولون.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٣١٢ ]
فأكثرهم يقول: [إن] (١) هذا كلام متناقض؛ لأنه أثبت ونفى، فقوله: نعم إثبات، إذ لو اقتصر عليه لاستقل الكلام بعده، و[هو] (٢) قوله: "إني لأى" بالنفي، و[بمد] (٣) لا نفى، وذلك لا يستقيم.
وقال بعضهم: الرواية غير صحيحة في نفسها، [فاسدة] (٤) في وضعها، فكيف يتكلم عليها، [وهذا كله] (٥) عندي غير صحيح؟ أما الرواية: فهي ثابتة مروية عن المشايخ.
وأما الاضطراب: في إثبات "نعم" وإثبات "لا" على النفي، فلا شك أن ظاهر [هذا] (٦) الكلام يشعر به إلا أنا إذا وجدنا للكلام تأويلا يصح حمله عليه، ودليل الاستعمال: يشهد له، فكيف يسوغ [لنا حمله] (٧) على تناقض واضطراب؟، وذلك أن قوله: "نعم" الواقع بعد [السؤال] (٨)، يصلح أن يكون جوابا [له] (٩)، [وذلك] (١٠) لو اقتصر عليه واجتزأ به، فلما عقبه بالنفي دل، والحالة هذه: أنه لم يرد به جوابا، وإنما قصد به ابتداء الكلام، كما تقول: "نعم مالك كذا ما يصلح لك كذا"، وذلك جائز في عرف الاستعمال وأما الرواية بإثبات "نعم" وإسقاط
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: ولا مستقيمة.
(٥) في أ، جـ: وهو.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: له حكمه.
(٨) في أ: سؤال.
(٩) سقط من أ.
(١٠) سقط من أ.
[ ٣ / ٣١٣ ]
"الألف"، فلا إشكال فيها، لأنه أوجب لها الكلام، وإسقاط "نعم" وإثبات "الألف" لم يثبت لها الكلام.
وفي كثير من النسخ: "إني أرى لك في ذلك متكلما، وهذه رواية صحيحة، وبها يرتفع الإشكال، وعليها اختصر أكثر المختصرين.
وفائدة اختلاف الروايات، يرجع إلى ما قدمناه في فعل الأب، هل يتعقبه النظر أم لا؟
واختلف تأويل المتأخرين في قول ابن القاسم في المسألة، حيث قال: وأنا أراه ماضيا، إلا أن يأتي من ذلك ضرر، فيمنع، هل هو وفاق أم خلاف؟
فمنهم من يقول إنه خلاف قوله، وأن الضرر الذي أراد ابن القاسم ضرر البدن، كالجنون والجذام والبرص، وهو مذهب سحنون، وبه قال ابن حبيب، وهذا الخلاف إنما يكون على رواية الإيجاب.
وأما على رواية النفي فهو وفاق واتفاق، [ومنهم من يقول إنه وفاق والقائلون بالوفاق] (١) اختلفوا في التعليل.
فبعضهم يقول: أن ابن القاسم لم يتكلم على الفقر الفادح المضر بها، وإنما تكلم على فقر ابن الأخ بالإضافة إلى مالها، [فهو فقير بالإضافة لسعة مالها]، كما أن صاحب المائة فقير بالنسبة إلى صاحب الألف.
وبعضهم يقول: أن الضرر المعتبر عند ابن القاسم: الفقر الذي لا دين معه، فإذا كان [الفقير] الذي لا دين له، ولا عنده وازعٌ من تقوى الله يوزعه من أكل مالها، فهذا الذي يكون للأم فيه متكلم.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٣١٤ ]
وأما الفقير الصابر الديِّن الذي عنده من تقوى الله ما يصده عن أكل مالها ومد يده فيه بالعدوان ففعل الأب في ذلك ماض، ولا يعترض عليه فيه، وقال ابن محرز وغيره: وهذا إحالة للمسألة، إذ لا معنى لذكر الفقر، و[إنما] (١) المانع الخوف منه وعدم الأمانة، وكلام سحنون يدل على خلاف هذا.
وسبب الخلاف: الكفاءة المعتبرة، هل هي الكفاءة في الدِّين أو الكفاءة في المال والنسب؟
فمن رأى أن الكفاءة المعتبرة، "المال والنسب"، قال: الفقر عيب، وهو قول مالك في هذه المسألة، على أحد الروايات، وهو مذهب الموثقين كأبي حفص العطار وغيره، وهو ظاهر قوله - ﷺ - لفاطمة بنت قيس: "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، انكحي أسامة ابن زيد" (٢)، فبين - ﷺ -: عيب كل واحد، وجعل الفقر عيبًا، ومعلوم أن معاوية لا تخشى فاطمة من جهته، وإن كان فقيرًا، فثبت أن العلة: كونه فقيرًا لا غير.
ومن رأى أن الكفاءة المعتبرة: الدين لا المال، قال: لا كلام للأم إذا كان فقيرًا صالحًا صابرًا، تؤمن ناحيته، كما تأول على ابن القاسم في هذه المسألة، وهو نص مالك في هذا "الكتاب"، في "نكاح الموالي في العرب"، وهو قوله: وإذا رضيت ثيب بكفؤ في دينها، وهو دونها في الشرف والمال، أو رضيت بمولى ورده أب أو ولي زوجها إياه الإِمام؛ لأن نكاح الموالي في العرب لا بأس به.
_________________
(١) في أ، ب: لا.
(٢) أخرجه مسلم (١٤٨٠).
[ ٣ / ٣١٥ ]
قيل: فإن رضيت بعبد، قال [مالك] (١): المسلمون بعضهم لبعض أكفاء، فقيل له: إن بعض هؤلاء القوم [قد] (٢) فرقوا بين عربية ومولى، فاستعظم ذلك إعظامًا شديدًا، وقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣)، قال غيره: ليس الولي بعاضل في منعه ذات القدر نكاح العبد ومثله؛ لأن الناس [مناكح] (٤) قد عرفت لهم وعرفوا بها.
وقول الغير هذا مثل قول مالك في السؤال أن الكفاءة في المال والنسب، فيتحصَّل لمالك في الكفاءة قولان في "الكتاب".
وقد اعترض أبو الحسن اللخمي على ما استدل به مالك في الآية، وما كان من نكاح بلال وصهيب وأسامة وغيرهم من الموالي في العرب، فقال: إن الآية لا مدخل لها هاهنا، لأن تضمنها الحال عند الله تعالى، وعلى ما يكون عليه في الآخرة، ومنازل [الدنيا] (٥)، وما يلحق منه معرة غير ذلك، وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه خير بريرة في زوجها حين عتقت، ولم يختلف المذهب أن ذلك لنقصه [عنها] (٦)، وأنه ليس بكفؤ لها [وأنها] (٧) لا خيار لها إذا كان حرًا.
فبان بهذا أن العبد ليس بكفؤ للحرة، عربية [كانت] (٨) أو بربرية، حديثة العهد بعتق، وهي في عدد [الدنيات] (٩).
_________________
(١) سقط من أ، جـ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سورة الحجرات الآية (١٣).
(٤) في أ: منافع.
(٥) في أ: الدين.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: أنه.
(٨) سقط من أ.
(٩) في أ: الدناة.
[ ٣ / ٣١٦ ]
و[لأنه] (١) لا خلاف في العبد يتزوج الحرة، وهي لا تعلم أن ذلك عيب يوجب لها الرد، وإن كانت دنية.
وأما ما ذكر من نكاح أسامة وغيره، فقد كان ذلك في أول الإِسلام، وقد رفضوا ما كان من الافتخار في الجاهلية، لقوله - ﷺ -: "إن الله أذهب عنكم [بالإِسلام] (٢) عبية الجاهلية وفخرها [بالآباء] (٣) وعبيتها تحولها" (٤)، إلى آخر ما قال.
وما اعترض به غير لازم، وذلك أن [الله تعالى قال] (٥): ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فإذا كان المتقي [هو] (٦) المكرم عند الله في الآخرة، فبأن يكرم في الدنيا أولى؛ لأن إكرامه في الدنيا تعظيم لأمر الله تعالى، وإكراما لمن أكرمه، ومن إكرام التقي في الدنيا إسعافه بمطلوبه، وقضاء مآربه على أحسن مرغوبه، ويدل على ما ذكرناه قوله - ﷺ -: "إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه"، قالوا: وإن كان عبدًا يا رسول الله؟ قال: "نعم، وإن كان عبدًا، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" (٧).
فقوله: "إذا جاءكم" يستغرق عموم الأزمان من غير تخصيص، ومن أين للمعترض أن ذلك كان في أول الإِسلام، وما ذكر أيضًا من خيار بريرة
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: قوله.
(٥) سقط من أ.
(٦) أخرجه البخاري (٣٢٧٠)، (٣٩٥٥)، وأحمد (٨٧٢١)، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
(٧) أخرجه الترمذي (١٠٨٤)، وابن ماجه (١٩٦٧)، وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
[ ٣ / ٣١٧ ]
حين عتقت تحت عبد، فلا حجة فيه لاتفاق المذهب أنَّ الأمة إذا عتقت تحت عبد، فاختارت المقام معه أن النكاح جائز، ولا كلام [فيه] (١).
فإذا جاز النكاح إذا رضيت [به] (٢) بعد عتقها وبعد عقد النكاح، فبأن يجوز النكاح إذا رضيت به، وهي حرة عربية في حين [العقد] (٣) أولى، إذ ليس هناك إلا إسقاط حقها لمن بقي في قيد الرق خاصة، وقد اتفقنا على أنه لو خطبها رجل مصل من صميم العرب، وهي أمة حبشية مشقوقة القدمين قسطا كبيرة الشفتين، أو هي مولاة أنها لا تجبر على نكاحه، فدل ذلك على أن الاعتبار بالرضا [خاصة] (٤)، فثبت أن الاعتراض ساقط في نفسه، باطل في أصله. والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ، جـ.
(٢) سقط من أ، جـ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٣١٨ ]
المسألة الخامسة في العقد إذا تقدم على الرضا، وكيف إذا تراخى عنه أمدًا بعيدًا؟
وقد تنازع علماؤنا في هذه المسألة تنازعًا كثيرًا، وتجاذبوا فيها [طرف] (١) التأويل.
وسبب اختلافهم: اختلاف الأسئلة واضطراب [الأجوبة] (٢) الواقعة في الكتاب، فهو الذي أثار بينهم عجاج اللجاج، وأوجب خوضهم في كل مسلك ومنهاج، وذلك [أنه] (٣) قال: في الذي زوج وليته أو ابنه الكبير البكر، وهما غائبان [عنه] (٤) فبلغهما ذلك، فرضيا: لا يقام على هذا النكاح.
وقال في الذي زوج أخته ولم يستشرها فبلغها [ذلك] (٥) فرضيت: بلغني أن مالكا مرة كان يقول: إن كانت في غير البلد أو فيه فتأخر إعلامها لم يجز، وإن قرب جاز.
و[قال] (٦) في المسألة التي نزلت [في المدينة] (٧) في رجل زوج أخته، فقالت حين بلغها ذلك: ما وكلت ولا أرضا، ثم كلمت فرضيت،
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: أنهم.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ، ع: بالمدينة.
[ ٣ / ٣١٩ ]
فقال: لا يجوز هذا النكاح، ولا يقام عليه حتى يأتنفا نكاحًا جديدا إن أحبا.
فإذا نظرت إلى هذه [الأجوبة] (١) تجد منها ما يتشابه ويتشاكل وتجد منها ما يتباين ولا يتماثل، كسؤال الأخت التي قالت فيه: "ما وكلت ولا أرضا"، لأن هذه ردَّت الأمر وأبطلته ولاسيما ما وقع في سماع ابن القاسم: "ما وكلت ولا رضيت"، معناه: إذا بلغني.
والسؤالان فيهما الرضا بما فعل الولي إلا أن سؤال الأخت يعارضه سؤال العبد إذا تزوج بغير إذن سيده، فأبا السيد أن يجيزه ثم كُلِّم في ذلك فأجازه، قال في "الكتاب": فإن أراد بقوله: الأول فسخًا تم الفسخ، وإن لم يرد الفسخ تم النكاح، وقد يحتمل أن يكون ذلك اختلاف سؤال، وقد يحتمل أن يكون اختلاف أحوال، ويحتمل أن يكون اختلاف أقوال.
فبيان [الاحتمال في] (٢) اختلاف السؤال: وذلك أن نكاح الأخت على الرد حتى تجيزه، ونكاح العبد على الجواز حتى [يرده] (٣) السيد، والدليل على ذلك أن السيد لو لم يعلم بنكاحه حتى [أعتق] (٤) العبد أن النكاح جائز، وهذا على مذهب "الكتاب".
وبيان اختلاف الأحوال: أن السيد ينوي لما يعلم من عادة السادات أنهم يقولون مثل ذلك تأديبًا للعبيد لئلا يسارعوا إلى [جناية] (٥) النكاح [التي
_________________
(١) في أ: الأسئلة.
(٢) سقط من أ، جـ.
(٣) في أ: يرد.
(٤) في أ، جـ: عتق.
(٥) سقط من ب.
[ ٣ / ٣٢٠ ]
يستضر بها السادات] (١) ردعًا وزجرًا، ولا يقصدون بذلك فسخ النكاح، فإذا ادعى السيد في ذلك نية فالقول قوله؛ لأن العرف يشهد به.
بيان اختلاف الأقوال: وذلك أنه عقد تقدم على الرضا في كلا المسألتين، فأنكر ثم أجيز، فقال بالجواز في أحد الموضعين ولم يقله في الآخر.
والأصح والله أعلم: أنه اختلاف [أسئلة] (٢).
وأما [بقية] (٣) الأسئلة: فإنها كلها أسئلة متشابهة متشاكلة.
اختلف المتأخرون، في تأويل هذه المسألة بين ملفق ومفرق:
أما الشيخ أبو عمران الفاسي: قد سلك فيها التلفيق.
وأما المسألة التي فرق فيها بين القرب والبعد فتفسير التي قال فيها لا يقام على هذا النكاح، وأنها تمضي عليها، ومسألة الابن الغائب: يريد بعيد الغيبة ومسألة التي قالت: "لا أرضى": [بأنها] (٤) ردت الأمر وأبطلته.
وأن معنى قوله: كان مالك مرة يقول. أي لم يتكلم بهذا التفسير [والبيان] (٥) إلا مرة واحدة، وفي غير ذلك أجمل الجواب، فترجع الأسئلة كلها عنده إلى معنى واحد.
وذهب غيره إلى أن ذلك اختلاف قول، وأن ما في "الكتاب"
_________________
(١) في ب: المضر بالسادات.
(٢) في ب: سؤال.
(٣) في أ، جـ: كيفية.
(٤) في ب: لأنها.
(٥) في أ، جـ: باللسان.
[ ٣ / ٣٢١ ]
[يتخرج] (١) على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن النكاح لا يجوز، وإن أجيز، ولا فرق بين القُرب والبُعد، وهو ظاهر قوله في الذي زوج ابنته الثيب وابنه الكبير المنقطع عنه، وهما غائبان، فبلغهما فرضيا، فقال: لا يجوز هذا النكاح ولا يقام عليه لأنهما لو ماتا لم يتوارثا. وظاهر الكلام: أنهما [كانا] (٢) غائبين عن المجلس.
والثاني: أن النكاح جائز إن [أجيز] (٣) قربت [الغيبة] (٤) أو بعدت، وهو ظاهر قوله في "الكتاب" أيضًا، حيث قال: كان مالك مرة يقول. وذكر [تفريقه] (٥) بين القُرب والبُعد.
ومرة أخرى أبين؛ لأن قوله مرة يشعر بأنه قال مرة أخرى غير ذلك، ويشعر به قوله آخر المسألة: وإن بعدت الغيبة أو تأخر إعلامها لم يجز، وإن رضيت، وهذا قول مالك الذي عليه [أكثر] (٦) أصحابه، وهذه الرواية أصح من التي قال فيها: "عليه أصحابه"، وقوله الذي عليه أصحابه أكثر، ويدل على أن هناك قولة أخرى عليها أقل أصحابه، وهو قول منصوص عليه لأصبغ وغيره في "كتاب محمد" وغيره.
والثالث: التفصيل بين القُرب والبُعد، وهو نص قوله مرة في "الكتاب".
_________________
(١) في أ: يترجح.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: أجيزت.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: تفرقته.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٢٢ ]
وهذه الأقوال الثلاثة: كلها قائمة من "المدونة" منصوصة في المذهب في "كتاب محمَّد".
وحد القُرب: [عند] (١) سحنون، مثل ما بين مصر والقلزم، وهو مسيرة ثلاثة أيام.
وقيل: حد القُرب: ما بين المسجد والدار.
وحد البُعد عنده: ما بين مصر والأسكندرية، وذلك أربعة أيام أو خمسة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الخيار الحكمي، هل هو كالخيار الشرطي أم لا؟
فمن جعل الخيار الحكمي كالخيار الشرطي [قال]: لا يجوز النكاح قُرب أو بُعد، وهو مذهب البغداديين من أصحابنا، لأن العقد المتقدم على الرضا والإذن، ويرجع فيه الأمر إلى اختيار المرأة [بين] (٢) الإجازة والرد.
ومن جعل الخيار الحكمى ليس كالشرطي، قال: يجوز النكاح قرب أو بعد، وذلك أتى ما يوجبه الحكم خلاف ما يوجبه الشرط.
والتفرقة بين القرب والبعد استحسان لاستحقاق الشيء اليسير في [الوصول] (٣)؛ لأن القرب لا يبيح ما كان محظورًا كما أن البُعد لا يحرم ما كان مباحًا.
وإلى هذا المعنى أشار القاضي أبو الفرج المالكي في "الحاوي" أن
_________________
(١) في أ: عن.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: الشريعة.
[ ٣ / ٣٢٣ ]
التفصيل بين القرب والبعد لا يصح، لأنه لم يلزم [منه] (١) تجديد كل عقد ممنوع، قال: وإنما معنى ذلك [عندي] (٢) في تجويزه في القرب أنها علمت [فعل وليها] (٣) ولم تنكره ثم رضيت، وأما لو لم تعلم حتى أُعلمت، كانت كمسألة الأخت، وهذا الذي قاله القاضي يشبه [أن يعد] (٤) قولا رابعًا في المسألة.
ووجهه أنها إذا علمت بفعل وليها، فلم تنكره حتى كلمت فرضيت، فكأنَّها لم تزل راضية في حين العقد، وصار النكاح معقودًا على رضاها، وإن كان يمكن ألا ترضى حين علمت، ثم رضيت إذ سألت، فيكون هذا النكاح لم يخرج عن الخيار من كل وجه.
فعلى القول: بأن النكاح لا يجوز ويفسخ، هل قبل أو بعد أم لا؟
قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، وهو قول ابن القاسم؛ لأن جُلّ الناس على إجازته.
والثاني: أنه يفسخ قبل [البناء] (٥) [وبعده] (٦)، وهو قول أصبغ.
وفي المسألة قول ثالث: يؤمران بالفسخ والترك من غير حكم حاكم، لاختلاف العلماء [فيه] (٧) وعلى القول بالفسخ، هل هو بطلاق أو بغير
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: ويعود.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: وبعد.
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٢٤ ]
طلاق؟ قولان قائمان من "المدونة"، وقد قدمنا [بيان] (١) موضعهما.
وعلى القول بأن النكاح لا يجوز ويفسخ، هل يقع [فيه] (٢) التحريم أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يقع [فيه] (٣) التحريم بين الآباء والأبناء، وهو نص قول ابن القاسم لقوله: كل نكاح اختلف الناس فيه فالحرمة تقع فيه كحرمة النكاح الصحيح الحلال.
والثاني: أنه لا تقع به الحرمة جملة.
والثالث: التفصيل بين أن يفسخ قبل الإجازة أو بعدها:
فإن فسخ قبل الإجازة فلا يقع به التحريم بين الآباء والأبناء.
وإن فسخ بعد الإجازة، فيقع به التحريم، وهكذا نقله اللخمي.
والأقوال كلها متأولة على "المدونة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في العقد الفاسد، هل يفيد شبهة العقد الصحيح أم لا؟
فمن رأى أنه يفيد شبهة العقد الصحيح، قال: يقع به التحريم.
ومن رأى أنه لا يفيدها، قال: لا يقع به التحريم، وسنزيد لهذا الفصل بيانا في "كتاب النكاح الثالث" إن شاء الله [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) سقط من أ، جـ.
(٢) في أ، ع: به.
(٣) في أ، ع: به.
(٤) زيادة من ب، جـ، ع.
[ ٣ / ٣٢٥ ]
المسألة السادسة في وضع الأب من صداق ابنته البكر قبل البناء
ولا يخلو ذلك الوضع من وجهين:
إما أن يكون بطلاق أو بغير طلاق:
فإن كان بطلاق، مثل أن [يطلق] (١) الزوج قبل البناء، فعفى الأب عن النصف الذي وجب لابنته بالطلاق، وذلك جائز باتفاق المذهب عندنا، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (٢) يريد: الثيب، ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، وهو الأب في ابنته البكر والسيد في أمته، على تأويل مالك الآية، إذ له الجبر.
وعلى مذهب المخالف أن الذي بيده عقدة النكاح: هو الزوج؛ لأنه [هو] (٣) الذي [يملك] (٤) حلها، والحكمة في ذلك الحث [على] (٥) الإحسان ومكارم الأخلاق؛ لأن الزوج حين طلقها، [قبل أن] (٦) يصل منها إلى مرغوبه، فمكارم الأخلاق تقتضي ألا تأخذ منه شيئًا مما كان بدل لها مما فاته منها، بل تتركه كما تركها؛ لأنه إنما عوض ليستمتع، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (٧)، وهن: الزوجات، إذ ذلك صيغة العموم
_________________
(١) في ب: يطلقها.
(٢) سورة البقرة الآية (٢٣٧).
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: ولم.
(٧) سورة البقرة الآية (٢٣٧).
[ ٣ / ٣٢٦ ]
في جميعهن، والمراد [به] (١) والله أعلم: المالكات لأمورهن، على تأويل مالك -﵀- ثم قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، وهو الأب والسيد كما قدمناه.
وعلى مذهب المخالف الذي يقول أن الذي بيده [عقدة النكاح هو الزوج، فالحكمة فيه [أيضًا] (٢) مطردة، وأن الأزواج ندبوا بذلك إذا طلقها وفوّتها ما رجت منه من حسن الصحبة وجميل العشرة واستدامة الاستمتاع، فكان من مكارم الأخلاق أيضًا إذا طلقها: ألا يسترد منها ما أسقطه الشرع، مما كان يدل على معاشرتها التي [يدعها] (٣) من قبله، ويشهد لهذه الحكمة التي ذكرناها، قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾، وذلك يشعر بالندب إلى الوضع، والأمر بفعل الإحسان ممن ملك، وذلك يشمل تعليلنا وتأويل المخالف.
فإن كان الوضع بغير طلاق، مثل أن يضع الأب من صداق ابنته البكر قبل البناء من غير أن يطلقها زوجها، هل تجوز وضيعة الأب وتلزم الابنة أم لا؟ فالمذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه لا يجوز للأب أن يضع منه شيئًا، كان ذلك لنظر أو لغير نظر، وهو ظاهر قول مالك في "كتاب النكاح الأول"، لقوله: ولا يجوز لأحد أن يعفو عن [شيء من] (٤) صداق ابنته [البكر] (٥).
_________________
(١) في أ: بذلك.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: ترك.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من ب.
[ ٣ / ٣٢٧ ]
والثاني: أنه جائز كان لنظر أم لا، وهو قوله في "باب نكاح التفويض" حيث قال: يجوز للأب الرضا بأقل من صداق المثل بعد الدخول، ولم يذكر النظر قياسًا منه على أحد الأقوال في جواز إنكاحه إياها بأقل من صداق مثلها [من غير نظر وهو نص قوله في باب نكاح التفويض أنه لا يجوز للأب أن يزوجها بأقل من صداق مثلها] (١)، فظاهره: "وإن كان [لغير نظر] (٢) ".
والثالث: التفصيل بين أن يكون لنظر أو لا يكون لنظر:
فإن كان لنظر: جاز، مثل: أن تعسر بالمهر ويسأل التخفيف ويخشى أن يطلق.
وإن كان لغير ذلك: فلا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "كتاب النكاح الأول".
ولا فرق في هذه الأقوال الثلاثة بين رضاها وعدمه.
والرابع: التفصيل بين أن ترضى فيجوز أو لا ترضى فلا يجوز، وهو قول ابن القاسم في "كتاب النكاح"، على اختلاف المتأخرين في تأويل قوله: في "كتاب النكاح الثاني": إذا رضيت، هل هو عائد على ذات الأب؟ وهو تأويل بعض المتأخرين على "المدونة"، أو [هو] (٣) عائد على ذات الوصي في البكر والثيب السفيهة، وهو تأويل [بعض المتأخرين] (٤) أيضًا، وهو نص قول ابن الجلاب في كتابه [التفريع] (٥).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ، جـ: لنظر.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ، جـ: بعضهم.
(٥) سقط من أ، جـ، ع.
[ ٣ / ٣٢٨ ]
فإن ثبت أن ذلك عائد على ذات الأب، صح في المسألة أربعة أقوال، ثم لا خلاف في وضيعة الوصيك: أنها لا تجوز بإذنها أو بغير إذنها.
[فإن] (١) ثبت أن الكلام عائد على ذات الوصي، فيتحصل في ذات الأب ثلاثة أقوال، وفي الوصي: لا خلاف أن وضيعته قبل الإذن والرضا أنها لا تجوز، وبعد الإذن والرضا قولان: الجواز والمنع لمالك، و[هو] (٢) نص الجواز لابن القاسم.
وسبب الخلاف: الأب، هل يجوز له أن يزوج ابنته البكر بأقل من صداق مثلها لغير مصلحة ولا نظر، أو لا يجوز إلا لنظر؟
فمن قال يمنع النكاح: منع الوضيعة.
ومن قال بجواز النكاح، قال: بجواز الوضيعة أيضًا، إذ لا فرق بين أن يترك من بعض ما استحقت أو يضع من بعض ما استحقت.
ووجه القول الثالث: اعتبار المصلحة في أفعال الأب وأن النظر يتعقب صنيعه.
ووجه القول الرابع: في اعتبار الرضا، تطييب النفس، وذلك منه استحسان جار على غير قياس [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ، جـ: وإن.
(٢) سقط من ع.
(٣) زيادة من ب، جـ، ع.
[ ٣ / ٣٢٩ ]
المسألة السابعة في اختلاف درجات الأولياء في القرب والبعد، وكيف إن زوج الأبعد مع وجود الأقرب؟
وقد قدّمنا أن الولاية مشروطة في النكاح عندنا، ولها شروط:
وهي أن يكون الولي مسلما، حرًا بالغًا، ذكرًا عاقلًا.
واختلف في الشرط السادس، وهو العدالة، هل هي مشروطة أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أن ولاية الفاسق في النكاح جائزة، وهو قول ابن القصار.
والثاني: أن ولايته وعقده لا يجوز، [ولا يعقد السفيه الفاسق النكاح] (١) وهو قول أشهب في "العتبية".
فعلى القول بأن عقده لا يجوز، فإن وقع ونزل، فهل يفسخ أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يفسخ ويرد قبل الدخول وبعده، وهو قول أبي مصعب، ولمالك في "كتاب ابن أشرس": أنه لا يعقد ولا يستخلف من يزوجها، لأنه لا نكاح لسفيهه، وهذا يفسخ كما قال أبو مصعب.
والقول الثاني: أن ذلك مكروه مع وجود عدل، فإن عقد جاز، وهو قول القاضي أبي محمَّد عبد الوهاب.
وقولنا: مسلمًا، احترازًا من الكافر، ولا خلاف عندنا أن ولاية الكافر
_________________
(١) سقط من أ، جـ.
[ ٣ / ٣٣٠ ]
لا تجوز على مسلمة لمسلم [عند] (١) نكاحها أو لكافر، وله أن يعقد نكاح ابنته النصرانية لمسلم [إن شاء] (٢).
وقولنا: حرًا، احترازًا من ولاية العبد، ولا خلاف عندنا في منع ولايته، وعقده على الإناث الحرائر [والإماء] (٣).
وقولنا: ذكرًا، احترازًا من الإناث، ولا خلاف عندنا في المذهب: أنه لا يجوز للمرأة أن تعقد النكاح [على امرأة] (٤)، وإن كانت [هي] (٥) وليتها، كأمتها أو مولاتها أو [وصية عليها] (٦): فإنها لا تباشر العقد بنفسها، ولكنّها تُوكِّل من يتولاه دونها.
واختلف في عقدها على الذكران، هل يجوز أم لا؟
على قولين:
أحدهما: لا يجوز عقدها عليهم، وهو ظاهر "المدونة" في قوله: ولا تعقد المرأة النكاح على أحد، وهو قول حكاه القاضي أبو محمَّد وغيره في المذهب.
والثاني: أنه يجوز أن تعقد النكاح على الذكران ممن تلي عليه بملك أو إيصاء أو وكالة، وهو قول منصوص عن مالك في "العتبية" و"الواضحة"، والعبد النصراني كالمرأة في ذلك.
فوجه القول الأول: أنها لا تعقد على أحد، بناء منه على أن العقد لا
_________________
(١) في أ: عقد.
(٢) زيادة من ب.
(٣) سقط من ب، ع.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ، جـ: وصيتها.
[ ٣ / ٣٣١ ]
يكمل ولا يتم إلا إذا انعقد من الطرفين، إذ لا يتم ولا يطلق عليه اسم العقد إلا كذلك.
ووجه القول الثاني: أن الولاية إنما اشترطت في الإناث دون الذكران؛ لأن ابتداء العقد إنما يكون على المرأة، فإذا عقد عليها كان القبول من جهة الزوج خاصة ولا فرق بين أن يتولاه الرجل أو تتولاه المرأة أو العبد، وهذا هو المعروف في المذهب على ما ذكره بعض حُذَّاق المتأخرين.
وقولنا أيضًا: بالغًا احترازًا من غير البالغ، وغير البالغ لا يخلو من أن يكون مراهقًا أو غير مراهق.
فإن كان غير مراهق فلا خلاف [أن عقده] (١) لا يجوز وهو كلا عقد وسواء عقد على نفسه أو على غيره.
وإن كان مراهقًا فلا يخلو من أن يكون أنبت أم لا؟
فإن أنبت الشعر فقولان:
أحدهما: أن عقده جائز كالمحتلم وعليه نص بعض المتأخرين.
والثاني: أن عقده لا يجوز، والقولان قائمان من "المدونة".
وسبب الخلاف: الإنبات هل هو علامة للبلوغ أم لا؟ وظاهر ما قال [مالك] (٢) في "كتاب القطع في السرقة" أن الإنبات من علامات البلوغ.
وأما المراهق الذي لم ينبت الشعر فالذي تقتضيه "المدونة"، وظواهرها ونصوص المذهب أن المراهق لا يحكم عليه ولا له بحكم البالغ، ومن أعجب ما رأيت بعض متفقهة الزمان يلهثون في المجالس بحكاية الخلاف
_________________
(١) في أ: أنه.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٣٢ ]
في المراهق هل هو كالبالغ أم لا؟ وقد مارست المجالس وأفنيت [عمري في المدارس] (١) وطالعت الأمهات [الكبار] (٢) في الفقه والآثار "كالنوادر" "والاستذكار" [و"البيان] (٣) والتحصيل" وكتاب "الاستيعاب للأقاويل" و"كتهذيب الطالب" وكتاب "أسنى المطالب"، وطالعت كثيرًا من كتب الحديث وشرحها وتفاسير القرآن ككتاب "قانون التأويل في شرح علوم التنزيل" مع بسطه وكثرة بحثه واستقصائه حتى أربى على جميع المصنفين في تلك الطريقة؛ لأن صاحبه جمع فيه بين تفسير الظواهر والبواطن فما سمعت ولا رأيت فيما رأيت من يقول أن المراهق له حكم البالغ.
والذي لم أطالعه من الأمهات ولا وقعت عيني عليه أكثر من الذي رأيته وطالعته، والذي نسيته من الذي طالعته أكثر [مما] (٤) عقلته عليه، لأن الكلام على ما هو متداول بين أيدي الناس إلا شيئًا ذكره مالك في "المختصر الكبير" لأبي بكر الوقار إذ قال: من ناهز الحلم فلانة طالق إن تزوجتها فتزوجها فرق بينهما ولم يذكر متى تزوجها هل بعد يمينه أو بعد أن بلغ ولم يذكر هل أنبت أم لا؟
أو لعله تزوجها بعد أن بلغ على القول بأن النظر في اليمين إلى يوم الحنث.
وهو [قول مالك] (٥) في المبسوط في الصبي يحلف ثم يحنث [وهو
_________________
(١) في أ، ب: في المدارس عمري.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: من الذي.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٣٣ ]
بالغ] (١) أنه يلزمه ما [حنث] (٢) فيه وهو نص مالك في المدونة (٣) أن من زنا وقد ناهز الحلم وأنبت ولم يحتلم [ألا حد عليه] (٤)، ولو كان [في المسألة] (٥) نص منصوص عليه: "أن المراهق له حكم المحتلم"، لما قال اللخمي مع جلالة قدره، وغزارة علمه، وكثرة لجته، وذكاء عقله [وحدة] (٦) فطنته: ولو قيل: "فيمن ناهز [الحلم] (٧) أن عقده ماض"، لم يبعد، ويحتمل أن يريد بالمناهز: الذي قد أنبت، كما نص عليه مالك في "المدونة".
فنسأل الله تعالى أن [يلهمنا رشدنا] (٨) وأن يرزقنا علم ما جهلنا والعمل بما علمنا.
فإذا حصلت هذه الشروط التي ذكرناها صحت الولاية لمن حصلت فيه.
وهي تنقسم -أعني الولاية- إلى: ولاية خاصة وإلى ولاية عامة.
فولاية الخاصة: ولاية القرابة، قال الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٩)، [وهي أيضًا] (١٠) على وجهين:
أحدهما: أن يتساووا في المرتبة.
_________________
(١) سقط من أ، ب.
(٢) في أ، ب: حلف.
(٣) المدونة (٤/ ٤٩١).
(٤) في أ، ب، جـ: أن عليه ألحد.
(٥) سقط من أ، ب.
(٦) في باقي النسخ: ووفور.
(٧) سقط من أ.
(٨) في ب: يرشدنا.
(٩) سورة الأنفال الآية (٧٥).
(١٠) في ب: والأولياء.
[ ٣ / ٣٣٤ ]
[والثاني: أن تختلف مراتبهم، فإن تساووا في المرتبة] (١) بنون أو أخوة أو بنوهم أو أعمام أو بنوهم.
فإذا اتفقوا وسلَّموا النظر إلى واحد منهم: جاز ذلك بغير خلاف.
وإن اختلفوا فقال في "المدونة": ينظر السلطان في ذلك.
وقال عبد الملك بن حبيب: ذلك إلى أفضلهم، فإذا استووا في الفضل كان إلى أسنَّهم.
وإن استووا في الفضل والسن كان ذلك إلى جميعهم.
فأما لو فوضت إلى واحد لكان ذلك إليه دون أصحابه.
وإن اختلفت مراتبهم كالأب والابن، وكالأخ وابن الأخ، والعم وابن العم: فإنه يقدم الأولى فالأولى، لأن الولي مأخوذ من الولاء، وهو القرب، ومنه [قول] (٢) مجنون بن عامر (٣):
أحن إلى ليلى، وإن شط وليها كما حن في الكف اليراع المثقب
فإذا زوج الأبعد مع وجود الأقرب [من ولاية] (٤) الخاصة، هل [للأقرب] (٥) فيه كلام أم لا؟، وهل يجوز له الإقدام على العقد ابتداء مع حضور الأبعد أم لا؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز له الإقدام على العقد مع وجود الأقرب، وهو
_________________
(١) سقط من أ، ب.
(٢) سقط من أ.
(٣) هذا من شعر خارجة بن فليح المللي، أما مجنون بني عامر فقال: أحن إلى ليلى وإن شطت النوى بليلى كما حن اليراع المثقب
(٤) في أ: بالولاية.
(٥) في أ: للأب.
[ ٣ / ٣٣٥ ]
نص قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه يجوز له الإقدام عليه ابتداء، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" من مسألة: تزويج الأخ أخته الثيب مع وجود الأب، حيث قال [قال مالك] (١): ما للأب ومالها [وهي] (٢) مالكة أمر نفسها، وهو قول ابن القاسم أيضًا في ذي الرأي من أهلها: أنه يجوز تزويجه مع وجود الأخ وابن الأخ والجد، وهو نص قوله " [كتاب] النكاح الأول"، وهذا يكاد أن يكون نصًا في الباب، والدليل [عليه] (٣) قول عمر - ﵁ -: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان (٤)، و"أو" هاهنا على أصلها، وليست بمعنى "الواو".
واختلف في ذي الرأي من أهلها، على قولين:
أحدهما: أنه الرجل الذي له الصلاح والفضل.
والثاني: أنه الوجيه الذي له رأي، ومن يرجع إليه في الأمور.
قال اللخمي: وكلا القولين يحتمل أن يكون هو المراد.
واختلف: أيضًا في معنى قوله: "من أهلها"، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه الرجل من العُصبة، وهو قول ابن نافع عن مالك.
والثاني: أنه الرجل من العشيرة، وهو قول ابن القاسم عن مالك.
والقولان: منصوصان في "المدونة".
والثالث: أنه الرجل من البطن، وهو قول ابن الماجشون في
_________________
(١) سقط من أ، ب.
(٢) في أ، ب: فهي.
(٣) سقط من هـ، ع.
(٤) أخرجه الدارقطني (٣/ ٢٢٨)، والبيهقي في "الكبرى" (١٣٤١٨)، بسند ضعيف.
[ ٣ / ٣٣٦ ]
" [واضحة] (١) ابن حبيب".
وفائدة اختلافهم: في ذي الرأي من أهلها، من هو؟
أي أنه ليس من العصبة؛ لأن عصبة الرجل أقاربه من قبل الرجال، فإن ذوي الرأي آخر درجات أولياء الخاصة [العشيرة] (٢).
فعلى قول ابن القاسم: آخر [درجات] (٣) الأولياء الخاصة: العشيرة، وأنهم على قول عبد الملك: البطن، وعلى قول ابن نافع: العصبة.
فعلى قول ابن القاسم أنه من العشيرة، فالمولى الأسفل داخل في العشيرة، لقوله - ﷺ -: "مولى القوم منهم"، ولدخوله في جماعتهم وعقلهم وأوقافهم.
وعلى القول بأنه من العصبة أو البطن، فلا يدخل الأسفل.
و[القول] (٤) الثالث: التفصيل بين الأخوة وغيرهم، فإنه يجوز للأخ للأب أن يزوِّج أخته ابتداء وثم أخوها لأبيها وأمها حاضر، إلا أن يكون الأب أوصى بها إلى الشقيق، فلا ينبغي لغيره من الأولياء أن ينكح، وثم أولى منه حاضر إذا لم يكونوا إخوة، وهذا نص رواية علي ابن زياد عن مالك في "المدونة".
وإلى أن قوله خلاف ذهب فضل بن سلمة وسحنون وغيرهما من شيوخ المذهب، وحملوه على [أنه] (٥) قولة على حيالها، وهو الصحيح.
_________________
(١) في أ، جـ: كتاب.
(٢) سقط من أ، جـ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: أنها.
[ ٣ / ٣٣٧ ]
فعلى القول: بأنه لا يجوز له الإقدام ابتداء على العقد، فإذا وقع ونزل هل يتعقبه النظر أم لا؟ على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن النكاح ماض لا يتعقبه النظر، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه يتعقبه، وهو قول الرواة في "الكتاب".
وسبب الخلاف: [اختلافهم] (١) في تقديم الأقرب على الأبعد، هل هو من باب الأولى أو ذلك من باب [الولاية] (٢)؟
فمن رأى أن ذلك من باب [الأولى] (٣)، فلا يتعقبه النظر.
ومن رأى أن ذلك من باب [الولاية] (٤)، قال: يتعقبه النظر.
فعلى القول [بأن النظر] (٥) يتعقب فعله وعقده، هل النظر إلى الولي [الأبعد] (٦) أو النظر إلى السلطان؟ قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن النظر في ذلك إلى السلطان، وهو قول أكثر الرواة في "المدونة".
والثاني: أن النظر في ذلك إلى الأقرب [بين] (٧) الإجازة والرد، وهو قول [آخرين] (٨) في الكتاب أيضًا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ، جـ: الولاء.
(٣) في أ: أولى.
(٤) في أ، جـ: الولاء.
(٥) في أ: بالنظر.
(٦) في جـ، ع، هـ: الأقعد.
(٧) في أ: من.
(٨) في ب: آخر.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
وسبب الخلاف: اختلافهم [في تعقب النظر هل هو لمعنى أو لغير معنى فإن قلنا أنه لمعنى كان النظر للسلطان وهو الذي كلفه الشرع الكشف] (١) عن الأسرار وإزالة الأضرار.
وإن قلنا أنه لغير معنى، [ثم لا] (٢) يتعقبه النظر على قول، ويتعقبه على قول، ولا تتعجب من فعل يتعقبه النظر [من غير] (٣) معنى وتبادر بالإنكار، وتعتبر بالمألوف [المعهود] (٤)؛ لأن الحكمة في نظر الولي مخافة أن [تضع] (٥) وليته نفسها تحت من لا يكافئها، لما علم من ميلهنَّ إلى الرجال، وغلبة شبق [شهوة] (٦) النكاح عليهن، فيكون ذلك من العار الذي إذا نزل لم يزل، فكانت الحكمة تقتضي نظر الولي إلى صنعها.
فإنك إذا أمعنت النظر في "الكتاب"، وتفطنت لما قاله مالك فيه نصا، [يتبين] (٧) لك أن تعقب النظر قد يكون بغير معنى، وذلك أنه قال في "كتاب النكاح الأول" في المرأة ذات الشَّرف والدِّين يزوجها رجل من قريش ذو شرف ودين بغير إذن وليها، استخلفت على نفسها رجلًا يزوجها، فقال: النظر في ذلك إلى الولي، إن شاء أجازه، وإن شاء فسخه.
فانظر كيف جعل له النظر في فعلها، وإن لم تضع نفسها في دناءة، ولا فيما تلحقه منه معرَّة، ولا فخر أعظم من تزويجها قرشي، ومع ذلك
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: فلا.
(٣) في أ، ع: لغير.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ، جـ: تضيع.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: فتبين.
[ ٣ / ٣٣٩ ]
جعل له النظر كما ترى. وربك أعلم.
والجواب عن [الوجه] (١) الثاني: في الولاية العامة، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٢)، ولا خلاف عندنا أنها ولاية تطالب بها المرأة عند عدم ولاية النسب، فيصح النكاح لوجودها ويفسد لعدمها إذا باشرت العقد بنفسها ولم تستخلف رجلًا.
واختلف إذا تزوجت المرأة بولاية الإِسلام، مع وجود الولاية الخاصة، على ستة أقوال:
أحدها: [جوازه] (٣) بعد الوقوع، وهي رواية حكاها أبو محمَّد عبد الوهاب في المذهب، [واستخرجه] (٤) بعض المتأخرين، [من] (٥) توقف مالك في "المدونة" عن فسخه، وهو جنوح منه إلى القول بجوازه بعد الوقوع.
والثاني: أنه جائز إن أجازه الولي، دخل بها أم لا؟ وهو قول ابن وهب.
والثالث: أنه يفسخ، وإن أجازه [الولي] (٦)، وهو قول غيره في "المدونة".
والرابع: التفصيل بين الدخول وعدمه، فيفوت بالدخول، وهو تأويل إسماعيل القاضي على قول مالك في "المدونة".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سورة التوبة الآية (٧١).
(٣) في ب: الجواز.
(٤) في ب: واستخرجها.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٤٠ ]
والخامس: أن للولي أن يجيزه أو يرده، ما لم يطل ذلك بعد الدخول، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" أيضًا.
والسادس: التفصيل بين الدَّنية والشَّريفة وهو قول ابن القاسم أيضًا في "المدونة".
وفي المسألة قول سابع في الكتاب بالوقف، على القول بأن الوقف يعد قولا؛ لأن قول مالك - ﵁ - اضطرب في [التوقيف] (١): فتارة توقف عن فسخه، وذلك جنوح منه [إلى] (٢) ما حكاه القاضي عبد الوهاب في [المذهب] (٣) كما قدمناه.
وتارة توقف عن الإجازة إذا أجيز، وذلك منه جنوح إلى القول أنه يفسخ على كل حال.
وتفصيل ابن القاسم بين الطول وعدمه، ووجود البناء وعدمه استحسان جار على غير قياس.
فعلى القول بأن النظر يتعقبه، هل نظر السلطان أو نظر الولي؟ قولان قائمان من "المدونة" كما تقدم في ولاية الخاصة.
وسبب الخلاف: الولاية في النكاح، هل هي حق لله تعالى أو حق للولي؟
فمن رأى أنها حق لله تعالى، قال: [بفسخ] (٤) النكاح على كل حال.
_________________
(١) في ب: التوقف.
(٢) في أ: على.
(٣) في أ: المدونة.
(٤) فى أ: صح.
[ ٣ / ٣٤١ ]
ومن رأى أنها حق للولي [قال يتوقف على النظر] (١)، فعلى القول بأن النظر لمعنى: كان إلى الإِمام.
وعلى القول بأنه لغير معنى: كان للولي. والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ، جـ.
[ ٣ / ٣٤٢ ]
المسألة الثامنة فيمن غاب عن ابنته
فلا تخلو غيبته من أحد وجهين:
أحدهما: أن تكون غيبته غيبة انقطاع.
والثاني: أن تكون غيبته غيبة ارتجاع.
فإن كانت [غيبته] (١) غيبة انقطاع، فلا تخلو من وجهين:
أحدهما: أن تكون على معنى الغلبة والاضطرار.
والثاني: أن تكون على معنى [الترفه] (٢) والاختيار.
فإن كانت غيبته على معنى الغلبة والاضرار، كالأسير، فلا تخلو حالة ابنته من أن تكون في حرز وصيانة والنفقة جارية عليها أم لا:
فإن كانت في حرز وتحصين، والنفقة جارية عليها، ولم تدع إلى النكاح، فلا إشكال أنها لا [تزوج] (٣) وتنظر قدوم أبيها، إذ لا يجبرها أحدٌ سواه.
وإن [كانت قد] (٤) دعت إلى النكاح: فإنها [تزوج] (٥) إن كانت بالغة.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: الرأفة.
(٣) في أ، جـ: تتزوج.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: تتزوج.
[ ٣ / ٣٤٣ ]
[فإن] (١) كانت في غير حرز وتحصين، أو كانت في حرز ولا كفاية [ولا مؤنة] (٢) معها: فإنها [تزوج] (٣) أيضًا، إذا خُشي عليها الفساد والضيعة، دعت إلى النكاح أو لم تدع [إليه] (٤).
وإن كانت غيبته على معنى [الترفه] (٥) والاختيار، فلا تخلو من أحد وجهين:
إما أن تُعلَم حياته أو جُهِلَت:
فإن علمت حياته، فلا يخلو موضع غيبته من أن يكون قريبًا أو بعيدًا:
فإن كان قريبًا، فلا خلاف في المذهب أنه لا يفتات عليه في إنكاح بناته، دعون إلى النكاح أم لا، إلا أن يتبين ضرر الأب بهن، فيكون كالعاضل الحاضر، فإن الإِمام يتقدم إليه: إما أن يزوجها، وإلا زوَّجها عليه الإمام.
وإن [كان بعيد الغيبة] (٦)، مثل الأندلس وطنجة من المدينة، فهل يجوز أن تزوج أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنها تزوج [جملة] (٧) بلا تفصيل وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنها لا تزوج إلا أن يخشى عليها الفساد والضيعة، وهو قول
_________________
(١) في أ: وإن.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: تتزوج.
(٤) زيادة من جـ، ع، هـ.
(٥) في ع، هـ: الرأفة.
(٦) في هـ: كانت غيبته بعيدة.
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
مالك في كتاب "محمَّد".
وإن جُهلت حياته، ولم تعلم جهته، كالمفقود، فإن الإِمام ينظر في أمر بناته كما ينظر في أمر ماله، ولا يكون المال أسوأ حالًا من البضع، وهذا ظاهر قول مالك في "المدونة"، لأن الإِمام ينظر لها ويعقد النكاح عليها.
ولمالك في "كتاب محمَّد" قول آخر: أن للأخ أن يزوجها برضاها، وهذا الخلاف يبنى على الخلاف في المفقود: هل حكمه حكم الحي أو حكمه حكم الميت؟
فمن رأى أن حكمه حكم الميت، قال: النظر في ذلك إلى الأخ لأنه ولي وارث.
ومن رأى أن [حكمه حكم الحي، قال] (١): النظر في ذلك إلى الإِمام؛ لأنه من باب النظر للغائب.
وأما الوجه الثاني: إذا كانت غيبته غيبة ارتجاع، كمن خرج لتجارة أو لطلب حاجة: فلا إشكال في هذا الوجه أنه لا يتعرض للنظر في أمور بناته، على آية حالة هن عليها كما لو كان حاضرًا، [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) سقط من هـ.
(٢) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٣ / ٣٤٥ ]
المسألة التاسعة في وكالة المرأة على النكاح من يزوجها
ولا يخلو توكليها من وجهين: إما أن تعين الزوج أم لا.
فإن عينت الزوج، مثل: أن تقول: زوجني من فلان، فلا خلاف في جواز النكاح إذا كان الزوج الذي عينته [كفؤًا لها على حسب ما قدمناه] (١).
وإن لم تكن عينته، ولكن فوضت أمرها إلى من أسندت إليه، فلا يخلو من وجهين:
إما أن تفوض ذلك إلى واحد، أو تفوض إلى أكثر من واحد:
فإن فوضت أمرها إلى رجل واحد، مثل أن تقول له: زوجني ممن أحببت، ثم زوجها من نفسه أو من غيره، فلا يخلو من وجهين:
إما أن يطالعها بذلك ويعرفها أم لا:
فإن طالعها بذلك وعرفها اسم الرجل الذي زوجها إياه كان هو أو غيره، فرضيت به، فلا خلاف في جواز النكاح.
وإن كرهت ذلك، فهل يلزمها فعله، ولا خروج لها عما عقد عليها أم لا؟، فلا يخلو من وجهين:
إما أن يزوجها من نفسه أو يزوجها من غيره:
فإن زوجها من نفسه، فقولان قائمان من "المدونة":
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٤٦ ]
أحدهما: أن النكاح لا يجوز، وهو نص قول ابن القاسم، وهل يجوز إن أجازته؟ قولان قائمان من "المدونة" أيضًا، وقد قدمناهما في تقديم العقد على الرضا.
والثاني: أن النكاح جائز لازم لها، ولا خيار لها فيه إذا كان الزوج كفؤًا لها، وهذا القول حكاه ابن القصَّار على المذهب، وهو قائم من "المدونة": من مسألة القاضي إذا زوجها من نفسه، إذ لا فرق بين الولي والقاضي، مع سلامة حاله وإصابته في فعله.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الوكيل، هل هو معزول عن العقد من نفسه لنفسه بما تضمنته الوكالة أو هو داخل فيها وهو من جملة ما اقتضته الوكالة؟
فمن رأى أنه معزول عن العقد من نفسه، قال: لا يلزمه العقد، ويتوقف على رضاها، فيجوز إن أجازته على قول، ولا يجوز على قول.
ومن رأى أنه غير معزول، قال بجواز النكاح ولزومه.
وهذا الخلاف ينبني على أصل آخر: وهو تخصيص العموم بالعادة، وذلك أن قولها: زوجني ممن أحببت.
وهذا العموم يعم نفسه وغيره والعادة الجارية، وذلك أن المرأة [إن] (١) كان لها غرض في [عين] (٢) رجل، فإنها تجعل سفيرا [إليه] (٣) وتقصده بذلك [و] (٤) لا توكله لينظر [لها] (٥) غيره.
_________________
(١) في أ: إنما.
(٢) في باقي النسخ: غير.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: إليها.
[ ٣ / ٣٤٧ ]
فإذا وكلته علم أن المقصود غيره لا عينه.
ومن رأى أن العموم يخصص بالعادة، قال: لا يلزمها النكاح.
ومن رأى أنه لا يخصص بالعادة، قال: إنه يلزمها، وهي مسألة اختلف فيها الأصوليون.
والبيع في جميع ما ذكرناه مثل النكاح.
وإن زوجها [من غيره] (١) من غير مطالعتها [ولا عرفها] (٢)، فهل يلزمها النكاح أم لا؟.
قولان منصوصان في [المدونة] (٣):
فمرة ألزمها النكاح، ومرة لم يلزمها النكاح، وكل عن مالك.
فوجه القول بالجواز واللزوم: عموم الوكالة، وتفويضها الأمر إلى اجتهاده.
ووجه القول الثاني: أن المرأة لها غرض في عين الزوج وتسميته، ثم لا يلزمها النكاح إلا برضاها.
وأما الوجه الثاني: إذا فوضت أمرها إلى أكثر من واحد، مثل أن تفوض أمرها إلى رجلين فزوجها هذا من رجل، وهذا من رجل، فلا يخلو [ذلك] (٤) من وجهين:
إما أن يعقدا معا أو تقدم أحدهما بالعقد على الآخر:
_________________
(١) سقط من أ، جـ.
(٢) سقط من أ، جـ.
(٣) في أ، جـ: الكتاب.
(٤) زيادة من هـ.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
فإن عقدا عليها معا، فلا خلاف في المذهب في فسخ النكاح من غير اعتبار بالدخول.
وإن تقدم أحدهما بالعقد على الآخر، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يعلم الأول منهما.
والثاني: أن يجهل ولا يعلم.
فإن علم الأول منهما، فلا يخلو من أن يدخل بها الثاني أم لا:
فإن لم يدخل بها الثاني، فلا خلاف أنها للأول، ويفسخ نكاح الثاني.
فإن دخل بها الثاني، هل يكون دخوله بها فوتا أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن الدخول فوت، ويكون الثاني أحق بها، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن الأول أحق بها، ويفسخ نكاح الثاني، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم، وهو ظاهر "المدونة" في كتاب "الوكالات" وكتاب "الشركة".
وسبب الخلاف: اختلافهم في الفسخ، متى يستعمل؟ هل بنفس الورود أو بالبلوغ؟
فمن رأى أن الفسخ والعزل يستعملان بنفس الورود، قال: بفسخ نكاح الثاني، دخل أم لا؛ لأنه يعقد الأول عزل الآخر عن الوكالة؛ لأن الأمر المقصود بالوكالة قد حصل، فصار الثاني قد عقد من غير توكيل.
ومن رأى أنهما لا يستعملان إلا بعد البلوغ والعلم، قال: الثاني أحق بها من الأول إذا دخل بها، لأنه دخل بوجه جائز في ظاهر الأمر.
[ ٣ / ٣٤٩ ]
وإن جهل الأول منهما، فلا يخلو من أن يدخل بها أحدهما أو لم يدخل بها واحد منهما:
فإن دخل بها أحدهما، هل يكون أحق بها أم لا؟، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه أحق بها، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أنه لا يكون أحق بها، وأن الدخول لا تأثير له في ثبوت النكاح؛ لأنه على شك، إذ قد يكون هو الآخر، فلا يصلح له المقام على هذا النكاح، وهو قول ابن عبد الحكم. وجمهور العلماء: على أن النكاح مفسوخ من غير اعتبار بالدخول، كما قال ابن عبد الحكم، وما قاله مالك ﵀ - استحسان لا يحمله قياس، والله أعلم.
فإن لم يدخل بها واحد منهما، فلا خلاف في المذهب أن نكاحها مفسوخ.
واختلف إذا أقرت الزوجة أن هذا هو الأول، هل يقبل قولها أم لا؟
على قولين:
أحدهما: أنه لا يقبل، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن قولها مقبول، وهو قول أشهب في "الواضحة".
فإذا قلنا بفسخ النكاح إذا لم يدخل بها واحد منهما: فظاهر المذهب أن الفسخ في ذلك بغير طلاق؛ لأنه نكاح فسخ بالغلبة.
وقيل: بطلاق، وهو المنصوص في المذهب.
فإن تزوجها أحدهما بعد الفسخ، هل ترجع عنده على جميع الطلاق أو على ما بقي من طلاق الملك؟
[ ٣ / ٣٥٠ ]
فقد ذكر بعض المتأخرين عن ابن الموَّاز كلامًا متناقضًا في نفسه، وقال: لا يخلو الذي تزوج منها من أن يكون تزوجها قبل زوج أو بعد زوج:
فإن تزوجها قبل زوج، فإنها ترجع عنده على جميع الطلاق؛ لأنه إن كان هو الأول [فنكاحه] (١) الثاني، كلا شيء؛ لأنه رجعت إليه امرأته، وهو لم يطلق.
وإن كان هو الثاني فكذلك أيضًا، لأن نكاحه بعد الأول، كلا نكاح، لأنه تزوج امرأة غيره، [فإن تزوجها بعد الفسخ فإنها ترجع عنده على جميع الطلاق] (٢).
فإذا تزوجها [أحدهما] (٣) بعد زوج، فإنها ترجع عنده على تطليقتين، وهذا كلام [متناقض] (٤) لأن الفسخ الذي فسخ به نكاحهما إن كان بطلاق، فكيف ترجع [عند] (٥) الذي تزوجها منهما بعد ذلك على جميع الطلاق، لأنه فسخ [وقع] (٦) بحكم حاكم، والأول منهما مجهول.
وإن كان بغير طلاق، فكيف [يلزمه] (٧) الطلاق بتزويج غيره إياها بعد الفسخ من غير [طلاق] (٨) يوجبه عليه حكم حاكم.
وهذا الكلام كما تراه، وربك أعلم بمن هو أهدى سبيلا.
_________________
(١) في أ: فنكاح.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أع، هـ: مدخول، وفي جـ: مجهول.
(٥) في أ: إلى.
(٦) في أ: لو وقع، وفي ب: لو رفع.
(٧) في أ، جـ: يلزم، وفي ع: يلزمهما.
(٨) في أ: أن.
[ ٣ / ٣٥١ ]
فإن عثر على هذا النكاح بعد دخول أحدهما، وعلم أنه الثاني، وقد كان الأول قد مات أو أطلق، فلا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
[أحدهما]: أن يكون عقد ودخل قبل موت الأول أو طلاقه.
والثاني: أن يكون عقد ودخل بعد موت الأول أو طلاقه.
والثالث: أن يكون عقد قبل موته أو طلاقه، [ودخل بعد موته وطلاقه] (١).
فأما إن عقد ودخل قبل [موت الأول] (٢) أو طلاقه: فإن نكاحه صحيح ثابت بمنزلة ما لو كان حيًا ولم يطلق، على قول ابن القاسم.
وأما على قول ابن عبد الحكم، فينفسخ نكاحه كما قدمناه في صدر المسألة.
وأما إذا عقد ودخل بعد موت الأول أو طلاقه، فلا يخلو الأول من أن يكون مات أو طلق:
فإن مات: فإن نكاح الثاني مفسوخ، لأنه نكاح في عدة [وترث الأول، وإن طلق فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن نكاحه صحيح؛ لأنه نكاح في غير عدة] (٣) وهو قول ابن القاسم.
والثاني: التفصيل بين أن يكون العاقد لنكاحها آخرًا بعد طلاق الأول
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: موته.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
هو الأب: فلا يفسخ نكاحه، وإن لم يدخل.
وإن كان العاقد آخرًا بعد طلاق الأول هو الوكيل: فإنه يفسخ، إلا أن يدخل، وهو قول ابن الماجشون.
والفرق بينهما على قول [عبد الملك] (١): أن الأب مطلق على النكاح على الاسترسال، والوكيل تنفسخ وكالته بتزويج الأب قبله.
وأما إن عقد قبل الموت أو الطلاق، ودخل بعد ذلك، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه كالذي عقد ودخل قبل الموت أو الطلاق، [في أن نكاحها] (٢) ثابت ولا ميراث لها من الأول، ولا عدة عليها منه، وهو قول [مالك] (٣) حكاه ابن الموَّاز.
والثاني: الفرق بين الوفاة والطلاق:
ففي الوفاة: يكون متزوجًا في عدة، بمنزلة امرأة المفقود، تتزوج بعد ضرب الأجل وانقضاء العدة ودخل بها [زوجها] (٤)، ثم تبين أنها تزوجت قبل وفاة المفقود ودخلت بعد وفاة المفقود وقبل انقضاء العدة: أنه يكون متزوجًا في عدة، وفي الطلاق، ولا يكون متزوجا في عدة، وهذا قول بعض المتأخرين، والحمد لله وحده.
_________________
(١) في ب: مالك.
(٢) في أ، جـ: فإن نكاحه.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٥٣ ]
المسألة العاشرة في تعدي الوكيل في النكاح، واختلافه مع الأمر
ولا يخلو اختلافهما من وجهين:
أحدهما: أن يختلفا في الوكالة [والتسمية] (١).
والثاني: أن يتفقا في الوكالة، ويختلفا في التسمية.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا اختلفا في الوكالة والتسمية مثل أن يدعي رجل على رجل أنه وكله على تزويج امرأة بكذا وكذا مهرًا، [فادعى] (٢) أنه قد فعل [وحمل] (٣) عنه الصداق، وأنكر الزوج أن يكون [قد] (٤) وكله ولا أمر [له] (٥) بذلك: فالقول في ذلك قول الآمر، وهل ذلك بيمين أو بغير يمين؟ قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يمين عليه، وهو ظاهر المدونة، وهو قول سحنون في غيرها.
والثانى: أن قوله مقبول مع يمينه، وهو قول ابن القاسم في "الأسدية"، وهو ثابت في بعض نسخ "المدونة".
فإذا قلنا بفسخ النكاح، هل فسخه بطلاق أو بغير طلاق؟ قولان قائمان
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ، جـ: ضمن.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٥٤ ]
من "المدونة":
أحدهما: أن الفسخ فيه بطلاق، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنه فسخ بغير طلاق.
والقولان في بعض نسخ "المدونة"، وبالفسخ بطلاق أخذ سحنون - ﵁ -.
فعلى القول بأن الفسخ فيه بطلاق، هل يكون على الرسول نصف الصداق مما ضمن أم لا؟ قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن الرسول لا يضمن شيئًا من الصداق، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنه يضمن نصف الصداق، يغرمه للزوجة، وهو قول علي بن زياد في بعض روايات "المدونة".
وسبب الخلاف: المخير بين شيئين، هل يعد مختارًا لما ترك أم لا؟
فمن رأى أنه يعد مختارًا لما ترك قال: يكون الفسخ طلاقا، ويغرم الوكيل نصف الصداق.
ومن رأى أنه لا يعد [الوكيل] (١) مختارًا لما ترك، قال: يكون الفسخ بغير طلاق ولا صداق ولا نصف صداق.
وظاهر قول ابن القاسم في [الكتاب] (٢): ألا شيء على [الوكيل] (٣)، فسخ بطلاق أم لا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ: المدونة.
(٣) في أ، جـ: الرسول.
[ ٣ / ٣٥٥ ]
والجواب عن الوجه الثاني: إذا اتفقا في الوكالة، واختلفا في التسمية، مثل أن يدعي الوكيل أن النكاح بمائتين، وبذلك أمره الآمر، وقال الآمر: ما أمرته إلا بمائة، فلا يخلو من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون لكل واحد منهما بينة.
والثاني: ألا بينة لواحد منهما.
والثالث: أن يكون له بينة دونها.
والرابع: أن يكون لها بينة دونه.
فإن كان لكل واحد منهما بينة، للزوج [بينة] (١) أن الوكالة كانت بمائة، وللزوجة [بينة] (٢) أن العقد كان بمائتين، فلا يخلو [ذلك] (٣) من وجهين:
أحدهما: أن يعثر على ذلك قبل الدخول.
والثاني: أن يعثر عليه بعد الدخول.
فإن عثر على تعدي الوكيل قبل الدخول:
فإن تراضيا الزوجان على إثبات الزيادة أو إسقاطها ثبت النكاح بينهما، مثل أن يرضى الزوج على إمضاء النكاح بمائتين أو رضيت هي [على] (٤) أن تسقط عنه المائة.
فإن لم يتراضيا بذلك، فسخ النكاح بينهما، وهل فسخه بطلاق أو بغير
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٥٦ ]
طلاق، قولان قائمان من "المدونة".
وسبب الخلاف: ما تقدم، [في] (١) المخير بين شيئين، هل يعد مختار لما ترك أم لا؟ لأن الزوج كان قادرًا على إثبات النكاح بالرضا بما ادعت الزوجة.
وإن عثر على ذلك بعد الدخول، [ولم] (٢) يعلم الزوج بزيادة الوكيل إلا [بعد الدخول]، ما الذي كون للمرأة من الصداق؟ فقد اختلف المذهب فيها على ثلاثة أقوال، كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن للمرأة أن تأخذ المائتين، مائة من الزوج لإقراره بها، ومائة من الوكيل لتعديه، وهو ظاهر قوله في "المدونة": أن الرسول ضامن إذا أقر بالتعدي، وقيام البينة عليه بالتعدي، كإقراره.
والثاني: لا شيء لها إلا مائة واحدة، ولا شيء على الرسول، وهو قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر"، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا، من قوله في الكتاب: أن الرسول ضامن إذا أقر بالتعدي، وهو لم يقر بالتعدي، و[قال: إن] (٣) المرأة فرَّطت حين [مكنته] (٤) من نفسها، ولم تستخبر عن مقدار الصداق وتصحيح، ما أقر به الوكيل.
والثالث: أن الذي يلزم الزوج من ذلك صداق المثل، وما زاد فعلى الرسول، فإن كان صداق المثل مائة وخمسين: غرمها الزوج، وغرم الرسول خمسين.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: فلم.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ، ب: مكنت.
[ ٣ / ٣٥٧ ]
فإن كان صداق المثل مائتين: غرمها الزوج، ولا شيء على الرسول، وهو قول عبد الملك في "كتاب محمد"، وبه قال ابن حبيب، وهو ظاهر "المدونة" أيضًا.
وإن لم تكن لكل واحد منهما بينة لا للزوج ولا للمرأة إلا مجرد الدعاوي، فلا يخلو من أن يكون اختلافهما قبل الدخول أو بعده:
فإن كان اختلافهما قبل البناء، فالقول قول الزوجة، ويخير الزوج بين أن يغرم مائتين أو يفارق.
فإن نكلت عن اليمين: حلف الزوج وفسخ النكاح بينهما، وكان الفسخ في ذلك بطلاق [وهو قول ابن القاسم] (١) وقيل بغير طلاق، وهو قول غيره من أهل المذهب.
فإن نكل الزوج عن اليمين [لزمته المائتان] (٢) وثبت النكاح بينهما، فإن رضي الرسول قبل الدخول أن يغرم المائة التي زادها ويثبت النكاح، وكره ذلك الزوج: كان القول قوله؛ لأنه يقول: "لا أرضى أن يكون نكاحي بمائتين".
واختلف المتأخرون في [علة ذلك] (٣):
فقال بعضهم: العلة في ذلك: قبول المائة، لأن الوكيل يمن عليه بما دفع عنه من الصداق.
وقال بعضهم: العلة في ذلك: كثرة التوابع، لأن الصداق مهما
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ب: تأويل ذلك وعلته.
[ ٣ / ٣٥٨ ]
[كثر] (١) كثرت توابعه ويستضر بذلك الزوج.
وهذه العلة: أسعد بظاهر [الكتاب] (٢)، لقوله: لا أرضى أن يكون صداقي ألفين، وذلك يشعر بكثرة المؤنة لا [تقليل] (٣) المنة.
وإن كان اختلافهما بعد الدخول، فلا يخلو ذلك من خمسة أوجه:
أحدها: أن يعلما جميعًا، الزوج والمرأة، وعلم كل واحد منهما بعلم صاحبه.
والثاني: أن يعلما جميعًا، ولم يعلم كل واحد منهما بعلم صاحبه.
والثالث: ألا يعلم واحد منهما بفعل الآخر.
والرابع: أن يعلم الزوج بزيادة الألف، وأنها ما رضيت إلا بألفين.
والخامس: أن تعلم المرأة أن الزوج لم يرض إلا بالألف، وبه أمر الوكيل.
[فأما] (٤) الوجه الأول: إذا علما جميعًا، وعلم كل واحد منهما بعلم صاحبه، مثل أن يعلم الزوج أن المرأة ما رضيت إلا بألفين، وعلم أنها علمت بعلمه، وتعلم الزوجة أن الزوج لم يرض إلا بالألف، وعلمت أنه علم بعلمها: كان لها ألفان؛ لأن الزوجة تقول: "أنا قد علمت أنه ما أمره إلا بالألف، ولم أرض [أنا] (٥) أن أبيع سلعتي إلا بألفين، وهو بذلك
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: المدونة.
(٣) في جـ: قلة، وفي ب، ع: تقليد.
(٤) في أ: وأما.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٥٩ ]
عالم، فرضي بذلك ودخل".
وكذلك الجواب عن الوجه الثاني: إذا علمنا جميعًا، ولم يعلم واحد منهما بعلم الآخر حتى دخل بها: أنه يكون لها الألفان أيضًا، وهو ظاهر "المدونة"؛ لأنه علم بزيادة المأمور وتعديه قبل الدخول.
فإذا دخل بعد العلم، كان ذلك منه رضا بتلك الزيادة، من غير اعتبار بالمرأة أن تكون عالمة بعلمه.
وقال بعض المتأخرين: والقياس أن يكون لها الألف وخمسمائة [لأن علمها] (١)، بانفرادها إذا لم تعلم بعلمه يوجب [لها] (٢) الألف، وعلمه بانفراده إذا لم يعلم بعلمها يوجب لها الألفين؛ لأنها تقول: إنما رضيت بالألف، ولا علم لي برضاه بألفين، ولو علمت ذلك لم أرض بألف، والزوج يقول: رضيت بألفين ولا علم عندي برضاها بألف، ولو علمت ذلك لم أرض بألفين، فتساوت الدعاوى [فوجب] (٣) أن تقسم الألف بينهما، والذي قاله فيه نظر.
وأما [الجواب عن] (٤) الوجه الثالث: إذا لم يعلم واحد منهما بفعل الآخر، لا الزوج علم بزيادة وكيله، ولا الزوجة علمت بأن الزوج إنما أذن بالألف خاصة حتى دخل، فليس لها على الزوج إلا الألف خاصة، لأنه على ذلك دخل، ولا عنده بالزيادة [علم] (٥)، وقال في "المدونة": ولا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: ووجب.
(٤) سقط من أ، ع.
(٥) في أ: علم عليه.
[ ٣ / ٣٦٠ ]
شيء لها على الوكيل؛ لأنها [صدقته] (١)، والزوج جحدها الألف الزائدة.
فإن أقر المأمور بالتعدي بعد البناء بها: غرم الألف الزائدة للزوجة، ثم لا يرجع بها على الأمر.
وأما [الجواب عن] (٢) الوجه الرابع: إذا علمت المرأة قبل الدخول أن وكالة الزوج كانت بألف، ولم يعلم الزوج بزيادة الوكيل حتى دخل بها، لم يكن لها إلا ألف.
وأما [الجواب عن] (٣) الوجه الخامس: إذا علم الزوج أنها لم ترض إلا بألفين والزوجة لم تعلم بما أمر به الزوج: كان لها ألفان؛ لأن الزوج على ذلك دخل.
وأما الوجه الثالث من أصل التقسيم: إذا كان للزوج بينة دونها، مثل أن يدعي الزوج ألفا، وشهدت له البينة بذلك، وساعده الوكيل، والزوجة تدّعي ألفين، ولا بينة لها عليه، وكان ذلك قبل [الدخول] (٤): فإنها تبدأ باليمين وتحلف على ما قالت، ويكون [الزوج] (٥) بالخيار بين أن يغرم ألفين أو يفارق.
فإن نكلت وحلف الرسول: كان لها ألف.
[فإن] (٦) نكل الرسول فرق بينهما إلا أن يرضى الزوج [بالألفين] (٧).
_________________
(١) في أ: صدقة.
(٢) سقط من أ، ع.
(٣) سقط من أ، ع.
(٤) في ب: البناء.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: وإن.
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٦١ ]
[فإن] (١) لم يعلم حتى دخل بها: كان لها صداق المثل.
وإن كان صداق مثلها ألفا: لم يكن لها على الزوج ولا على الوكيل غير ذلك.
وإن كان صداق مثلها ألفين: حلفت واستحقت، لأن الرسول أتى بما لا يشبه.
واختلف فيمن يستحق الألف الزائدة، على قولين:
أحدهما: أنها تستحقها على الوكيل، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنها تستحقها على الزوج، وهو قول عبد الملك.
فإن نكلت عن اليمين، سقطت مقالتها عن الزوج، لأن يمينها على الزوج [يمين] (٢) [يهمه] (٣) لا [ترد] (٤)، وترجع مقالتها على الرسول؛ لأنها تدعي عليه التحقيق.
فإن حلف برئ، [وإن] (٥) نكل غرم الألف الزائدة.
وأما الوجه الرابع من أصل التقسيم: إذا شهدت البينة [للزوجة] (٦) بألفين، وقال الرسول: بذلك أمرني، وقال الزوج: إنما أمرته بألف، ولا بينة [له] (٧)؛ فإن الزوج يحلف، وتكون الزوجة بالخيار بين أن ترضى
_________________
(١) في أ: وإن.
(٢) سقط من أ.
(٣) في هـ: شبهة.
(٤) في أ، جـ: ترجع.
(٥) في أ: فإن.
(٦) في أ: للزوج.
(٧) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٦٢ ]
بالألف أو تفارق.
فإن نكل الزوج: لزمه ألفان.
وهذا فيما بينه وبين الزوجة، لأن يمينه [لها] (١) يمين تهمة [لا ترد] (٢).
واختلف هل للزوج أن يُحلِّف الرسول أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن له أن يحلفه فإن نكل غرم الألف الزائدة، وهو قول أصبغ.
والثاني: أنه لا يمين له عليه؛ لأنه أقر أنه تعدى وافتات عليه في الزيادة، والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٦٣ ]
المسألة الحادية عشرة في النكاح الذي يفسخ بطلاق وبغير طلاق
النكاح ينقسم إلى قسمين: صحيح وفاسد.
فالصحيح: [ما جوزه القرآن والسنة] (١).
والفاسد: ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
نكاح فسد لعقده، ونكاح فسد لصداقه، ونكاح فسد لشروط فاسدة اقترنت به.
فأما ما فسد لعقده: فينقسم إلى قسمين:
قسم متفق على فساده، وقسم مختلف في فساده:
فالمتفق على فساده: مثل نكاح من لا يحل نكاحه، من ذوات المحارم، من نسب أو رضاع أو نكاح المرأة في عدتها [أو على ابنتها أو على أمها] أو على أختها أو ما أشبه ذلك.
فهذا القسم يفسخ قبل البناء وبعده، وفيه الصداق المسمَّى إن وقع الدخول.
وأما المختلف في فساده: مثل نكاح الشغار، ونكاح المحرم، [ونكاح المريض] (٢)، والناكح والإمام يخطب يوم الجمعة، ونكاح من خطب على خطبة أخيه، وما أشبه ذلك.
فهذا مما اختلف فيه المذهب، على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
أحدها: أن الفسخ فيه بغير طلاق، قبل الدخول وبعده، وهي رواية السماع.
والثاني: أن الفسخ في ذلك [كله] (١) بطلاق، وفيه الميراث، وهي رواية البلاغ.
والثالث: التفصيل بين أن يعثر على ذلك قبل البناء أو بعده:
فإن عثر عليه قبل البناء، فالفسخ فيه بغير طلاق.
وإن كان بعد البناء، فالفسخ فيه بطلاق، وهو أحد أقاويل مالك -﵀- في الذي يتزوج امرأة على ألا صداق [لها] (٢).
وينبني الخلاف على الخلاف في الخلاف، هل يراعي أو لا يراعى؟
فمن رأى أنه يراعي، قال: الفسخ فيه بطلاق.
ومن رأى أنه لا يراعى، قال: الفسخ فيه بغير طلاق.
والتفرقة بين البناء وعدمه: استحسان، جار على غير قياس.
وأما ما فسد لصداقه: مثل: أن يتزوج الرجل المرأة بحرام، مثل: الخمر، والخنزير أو بغرر، كالثمرة التي لم يبد صلاحها، والعبد الآبق والبعير الشارد، والجنين في بطن أمه أو تزوجها بصداق [إلى أجل] (٣) مجهول أو ما أشبه ذلك.
فهذا قد اختلف فيه المذهب أيضًا، على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده، ويكون فيه صداق المثل، وهو المشهور من المذهب، وهو نص "المدونة".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٦٥ ]
والثاني: أنه يفسخ قبل الدخول وبعده، وهذا القول مروي عن مالك، وهو قائم من "المدونة" من مسألة نكاح الشغار، وقد أتقناها إتقانًا كليًا.
وأما ما فسد لشروط افترقت [به] (١): [وهي] (٢) كثيرة لا تحصى، ولهذا قال مالك في "الكتاب": "وليس لما [يفسد] (٣) به النكاح من الشروط حد"، مثل أن يتزوجها على ألا صداق لها [أو على أن لا نفقة لها أو على أن لا مبيت لها] (٤) أو على أن لا ميراث بينهما، أو تزوجها على أن تكون نفقتها على غير زوجها، كالأب وغيرها، [والزوج] (٥) صغير أو كبير أو على أنه إن لم يأت بالصداق إلى أجل كذا، [وإلا] (٦) فلا نكاح بينهما أو على أن أحدهما بالخيار.
فالحكم في هذه الشروط يختلف:
فمنها: ما يفسخ به [النكاح] (٧) قبل [وبعد، ومنها ما يفسخ به قبل] (٨) ويثبت بعد.
ومنها: ما يمضي بالصداق المسمى.
ومنها: ما يرد إلى صداق المثل.
وذلك يختلف على حسب اختلاف الصور، وقد عقد [فيه] (٩) بعض
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: فهي.
(٣) في ع، هـ: يبطل.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ب: أو تزوج.
(٦) سقط من أ.
(٧) سقط من أ.
(٨) سقط من أ.
(٩) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
[حذاق] (١) المتأخرين عقدًا ضابطًا، وقيد فيه قيدًا رابطًا، وقال: كل شرط ترك لأجل شيء لولاه، لكان واجبا، فإنه يفسخ به النكاح، وكل شرط [كان] (٢) لأجل ترك شيء لولاه لكان مباحًا فهذا الشرط لا يفسد به النكاح.
وهذا العقد إذا تدبرته تجده صحيحا و[كان] (٣) كلامًا فصيحًا.
واختلف في لزوم الطلاق وثبوت الميراث في الأنكحة الفاسدة، على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن كل نكاح كانا مغلوبين على فسخه، فلا طلاق فيه ولا ميراث، مثل: نكاح الشغار، ونكاح المحرم، وما كان صداقه فاسدا فأدرك قبل البناء، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "المدونة".
والثاني: أن كل نكاح يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ففيه الطلاق والميراث، قبل الدخول وبعده.
وما [كان] (٤) يفسخ قبل الدخول وبعده: [وإن] (٥) كان مختلفا فيه، فلا [صداق] (٦) فيه ولا ميراث، لا قبل الدخول ولا بعده، وهو ظاهر "المدونة".
والثالث: أن كل نكاح اتفق على تحريمه، فلا [صداق] (٧) فيه ولا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: فإن.
(٦) ، (٧) في جـ، ع، هـ: طلاق.
[ ٣ / ٣٦٧ ]
ميراث، وكل نكاح اختلف في تحريمه وإن غلبا على فسخه قبل الدخول وبعده: ففيه الطلاق والميراث قبل الدخول وبعده.
وهذا الذي قاله ابن القاسم برواية بلغته عن مالك على ما نص عليه في "كتاب النكاح الثاني"، وفي بعض روايات كتاب "النكاح الأول" لرواية بلغته ولم يذكر مالك.
واختلف في الخلع: إذا خالعها ثم تبين أن النكاح فاسد، هل يرد الزوج الخلع أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أن الخلع تابع للطلاق، فحيث ما لزم الطلاق [لزم] (١) الخلع، وحيث ما لم يلزم الطلاق [لم يلزم] (٢) الخلع، وهو قول ابن القاسم في كتاب "النكاح الأول"، خلاف ما قاله في "كتاب الخلع"، وقد قال في " [كتاب] النكاح الأول": [في] (٣) التي تزوجت [بغير إذن وليها] (٤)، [و] (٥)، استخلفت على نفسها رجلًا، يزوجها، ثم خالعها زوجها على مال أخذه منها، قبل أن يجيز الولي نكاحها، فقال ابن القاسم: الطلاق واقع والخلع لازم، ويحل للزوج ما أخذ منها.
وقال في "كتاب الخلع": "أن [الخلع ماض و] (٦) المال مردود" (٧).
لكن المتأخرون اختلفوا فيما وقع في "كتاب الخُلع"، هل هو لابن القاسم أو لعبد الملك؟.
_________________
(١) في أ: ثبت.
(٢) في هـ: سقط.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ع، هـ: بغير ولي.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ، جـ، ع، هـ.
(٧) المدونة (٢/ ٢٥٣).
[ ٣ / ٣٦٨ ]
فإن كان لابن القاسم: فهو تناقض منه.
وإن كان لعبد الملك: فهو وفاق لمذهبه على ما نصف.
والقول الثاني: أن الخلع ماضٍ في كل ما لأحدهما المقام عليه مما يرجع إلى اختيارهما وإيثارهما، ويرد في كل نكاح لا يقران عليه، ولا خيار لهما فيه، وهو قول ابن الموَّاز.
والثالث: التفصيل بين أن يكون الخيار له أو لها:
فإن كان الخيار للزوج في رد النكاح أو إجازته: مضى الخلع له.
وإن كان [الخيار] (١) لها عليه رد المال عليها، وهو قول عبد الملك، ومثله في "كتاب ابن سحنون".
واختلف هل يقع به التحريم أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أن التحريم يقع بكل نكاح لم يتفق على تحريمه، وهذا هو مشهور المذهب.
والثاني: أن التحريم جار على مجرى الطلاق والميراث، فحيثما لزم [الطلاق] (٢) وثبت فيه الميراث: ثبت فيه التحريم على الآباء والأبناء، وحيث [ما لم] (٣) يلزم الطلاق ولا يثبت فيه الميراث: لم يثبت فيه التحريم، وهو قول [ابن وهب] (٤). وروى مثله عن ابن القاسم.
فهذا تحصيل وتفصيل شاف، [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ب: ابن حبيب.
(٥) زيادة من جـ، ع، هـ.
[ ٣ / ٣٦٩ ]
المسألة الثانية عشرة في الأمة بين الشريكين، يزوجها أحدهما بغير إذن شريكه
ولا يخلو [ذلك] (١) من وجهين:
أحدهما: أن يعثر على ذلك قبل البناء.
والثاني: أن يعثر على ذلك بعد البناء.
فإن عثر عليه قبل البناء: فإن النكاح يفسخ، والفسخ فيه بغير طلاق ولا صداق فيه، لا نصفه ولا غيره.
فإن عثر عليه بعد البناء: فالنكاح مفسوخ أيضًا.
وأما الصداق: فلا يخلو من أن يجيز الشريك نكاحه أم لا.
فإن أجازه ورضي به: كان [لها] (٢) [نصف] (٣) المسمى.
وإن لم يجزه ولا رضي به، هل يكمل [لها] (٤) صداق المثل أم لا؟
مثل أن يزوجها الشريك الحاضر بعشرين، وصداق [مثلها] (٥) ثلاثون، هل يكمل [لها] (٦) صداق المثل أم لا؟ قولان:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ، ب، جـ: له.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ، ب: له.
(٥) في أ، ب: المثل.
(٦) في أ، ب: له.
[ ٣ / ٣٧٠ ]
أحدهما: أنه يكمل [لها] (١) صداق المثل، وهو [قول] فضل بن سلمة.
والثاني: أنه لا يزاد على المسمى، وهو قول أشهب.
فعلى القول: بأنها يكمل لها صداق المثل، فلا يخلو الزوج من أن يكون عالمًا أن فيها شريكًا لغير من زوجه أم لا:
فإن كان عالمًا أن فيها [شركا لغيره] (٢) لم يكن له على الذي زوجه مقال في العشرة [التي] (٣) أكمل بها صداق المثل، لأن خمسة منها للغائب وخمسة أكملت لحق الغائب.
وقيل: إنه يزاد على صداق المثل خمسة حق للغائب، والحاضر قد رضي بنصف المسمى.
وهذا خلاف ينبني على اختلافهم في قسمة هذا الصداق، هل هي موقوفة على تراضيهم واجتماعهم عليها، أو ذلك لمن دعي إلى القسمة منها؟
فمن رأى أن الصداق نحلة لها، [لا أنه] (٤) عوض عن معوض، قال: لا يقسم إلا باجتماعهما، وأن [عليه] العشرة التي [كمل] (٥) بها صداق المثل تزاد على العشرين لحق الغائب، وهو قول فضل بن سلمة.
ومن رأى أن الصداق ثمن للرقاب أو ثمن للمنافع، أي ذلك كان، فإنه
_________________
(١) في أ، ب: له.
(٢) في ب: شريك غيره.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: لأنه.
(٥) في أ: أكمل.
[ ٣ / ٣٧١ ]
يكون [حقًا] (١) للسيد.
ومن دعا منهما إلى القسم كان ذلك له، وهو ظاهر قول ابن القاسم على القول بأن الزوج يخرج جميع العشرة، ويدفعها للأمة مع العشرين دينارًا، فلا يخلو ساعتئذ من ثلاثة أوجه:
إما أن تعتق، أو تباع، أو تموت.
فإن عتقت تبعها مالها ولا يرجع الزوج عليها، و[لا] (٢) على الشريك بشيء.
وإن بيعت فلا يخلو من أن تباع بمالها أو [أن تباع] (٣) بغير مالها.
فإن بيعت بمالها، كان للزوج الأقل من الخمسة، وما زاد المال في ثمنها.
وإن بيعت بغير مالها: أخذ الزوج خمسة، وهي التي تنوب الحاضر.
وإن ماتت أخذ خمسة من نصيب الحاضر.
وإن كان الزوج غير عالم أن فيها شركًا لأحد كان له الرجوع على من زوّجه بجميع [المسمى] (٤)، إن أجاز الغائب أو بجميع صداق المثل إن لم يجز، وهل يترك لها ربع دينار أو لا يترك شيئًا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يترك لها شيئًا، وهو ظاهر المدونة، بخلاف الغارة التي
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: بيعت.
(٤) في أ: المسلمين.
[ ٣ / ٣٧٢ ]
يترك لها ربع دينار لئلا يخلو البضع عن العوض.
والثاني: أنه يترك لها ربع دينار، كما يترك للزوجة، وهذا ضعيف. وربك أعلم. [بمن هو أهدى سبيلا والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من جـ، هـ.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
المسألة الثالثة عشرة في أحكام العبد في النكاح وغيره، مما يفتقر في ذلك إلى حد وعدد وغاية
وأمر العبد في أحكام الشريعة على أربعة أقسام:
قسم منها هو فيه على المساواة بينه وبين الحر بلا خلاف.
وقسم منها يكون العبد [فيه] (١) على النصف من الحر، بلا خلاف.
وقسم منها مختلف فيه، هل العبد فيه على النصف أو على المساواة؟
وقسم منها العبد فيه مخالف للحر، يجب على الحر ولا يجب على العبد.
فأما القسم الأول: الذي كان العبد فيه على المساواة مع الحر: [وذلك في] (٢): الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان، ولا خلاف بين المسلمين في ذلك، وجميع ما يجوز للعبد أن يكفر به على ظاهر المذهب.
وأما القسم الثاني: الذي [كان] (٣) فيه العبد على النصف من الحر، مثل: حد الزنا، فلا خلاف [فيه] (٤) بين العلماء أن العبد فيه النصف من الحر، لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٥)، والعبد
_________________
(١) في أ: منها.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سورة النساء الآية (٢٥).
[ ٣ / ٣٧٤ ]
مساوٍ للأمة في ذلك [بلا خلاف] (١) ومثل: الطلاق والعدة [عندنا] (٢) أيضًا، لأن طلاق العبد عندنا على النصف من طلاق الحر، إلا أن الطلقة لا تتبعض [فكملت] (٣) عليه تطليقتان.
وكذلك العدة في ذوات الحيض، لما كانت الحيضة لا تتبعض، [كملت عليه حيضتان] (٤).
وأما القسم الثالث المختلف فيه: هل العبد مساوٍ للحر أو مخالف له [فمثل ما يباح له] (٥) من عدد النساء في النكاح، فقد اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أن العبد يتزوج أربعًا حرائرًا كُنَّ أو إماءً، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه لا يتزوج إلا اثنتين على النصف [من الحر] (٦)، وهي رواية ابن وهب عن مالك في كتاب ابن المواز، وهو مذهب الليث بن سعد.
واختلف أيضًا في الأجل إذا آلي أو اعترض عن زوجته أو فقد، وفي [عدد] (٧) حده إذا قذف [رجلًا] (٨)؟ على قولين:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: على مذهبنا.
(٣) في أ: وكملت.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
(٧) في أ: أقل.
(٨) في هـ: حرًا.
[ ٣ / ٣٧٥ ]
أحدهما: أن العبد في [جميع] (١) ذلك على النصف من الحر، أجله في الإيلاء شهران، وفي العنة ستة أشهر [وفي الفقد سنتان] (٢)، وفي قذف الحر أربعون [جلدة] (٣)، وهو المشهور، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن العبد في جميع ذلك مساوٍ للحر، وهو القول الذي حكاه ابن شعبان في [كتاب] (٤) "الزاهي".
وسبب الخلاف: اختلافهم في هذه التحديدات، هل شرعت لمعنى أو لغير معنى؟
فمن رأى أن ذلك لمعنى قال: لا فرق بين الحر والعبد لوجود ذلك المعنى [في الجميع وذلك] (٥)، أن أجل العنة إذا قلنا إنما قيد بسنة ليعالج نفسه في الأزمنة الأربعة، لإمكان أن يكون أحد الفصول [أرفق] (٦) له في العلاج وأنجح للدواء.
وقيد أجل المولى بأربعة أشهر، لأنها مدة يلحق فيه الضرر بالزوجة، ويتبين [فيه] (٧) الصبر عليها، [ولا] (٨) يختلف حالها في ذلك، [وإذا] (٩) كان الزوج حُرًا أو عبدًا، فكان من حقه ألا يطلق عليه قبل الوقت الذي
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) في أ: أوفق.
(٧) سقط من أ.
(٨) في أ: فلا.
(٩) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٧٦ ]
يلحقه الضرر فيه.
وقيدت المدة بأربع سنين في الفقد؛ لأنها مدة يبلى فيها أمر الزوج، فكان من حقه إذا كان عبدًا ألا يقصر به عن ذلك، ويحد ثمانين إذا قذف حرًا؛ لأن ذلك من حق المقذوف [الحر] (١) حماية، وليس كذلك إذا كان المقذوف عبدا، والأصول موضوعة على أن المعتبر في الحد: حُرمة المقذوف [لا حرمة القاذف] (٢)، ولذلك لا حد على من قذف صبيًا أو عبدًا أو كافرًا.
فإذا كان الأمر هكذا، وجب ألا ينقص العبد عن ثمانين إذا قذف حرًا مسلما [وانتهك] (٣) حرمته.
وأما القسم الرابع: الذي يجب على الحر، ولا يجب على العبد، كالزكاة والحج، فلا خلاف أن العبد غير مخاطب [بالزكاة ولا بالحج، وإن كانت عنده أموال وافرة ما دام في قيد الرق وكذلك العتق في الأيمان عندنا أيضًا فإنه غير مخاطب] (٤) به أيضًا، فهذا مما يجب على الحر ولا يجب على العبد، [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: وهتك.
(٤) سقط من أ.
(٥) زيادة من: ع، هـ.
[ ٣ / ٣٧٧ ]
المسألة الرابعة عشرة في نكاح الإماء، ونكاح الحر الأمة
لا يخلو من أحد وجهين:
أحدهما: أن تكون الأمة ممن يعتق ولده منها.
والثاني: أن تكون ممن يرق ولده [منها] (١).
فإن كانت الأمة ممن يعتق ولده منها، كأمة الأب والأم والجد والجدة: فإنه يجوز له أن يتزوجها من غير اعتبار الشرطين، لأن العلة التي من أجلها منع من نكاح الحر الأمة معدومة، وهي استرقاق الولد، وقد نص عليها مالك -﵀- في "المبسوط" للقاضي.
وعلى هذا المعنى حمل حُذَّاق المتأخرين مسألة "الكتاب" في تزويج الابن أمة أبيه: أن ذلك جائز ابتداءً، مع وجود الطَّوْل وأمن العنت.
ولا يعترض على ذلك بمنعه الأب من تزويج أمة ابنه.
وإن كانت العلة التي هي استرقاق الولد معدومة، لكنه منعه لعلة أخرى، وهي الشبهة التي تثبت للأب في مال ولده، ألا ترى [أنه] (٢) لا يحد إذا وطأ أمة ولده، ولا يقطع إذا سرق [منه] (٣)، وقد ثبت من قوله - ﷺ -: "أنت ومالك لأبيك" (٤) ما يقطع العذر.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في هـ: أن الأب.
(٣) في هـ: مال ابنه.
(٤) أخرجه ابن ماجه (٢٢٩١) وأحمد (٦٩٠٢)، وصححه الألباني رحمه الله تعالى.
[ ٣ / ٣٧٨ ]
وإن كانت الأمة ممن [يرق] (١) ولده منها: فهل يجوز للحر أن يتزوجها أم لا؟ المذهب على ثلاثة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنه لا يجوز إلا بشرطين: عدم الطول، [وخوف] (٢) العنت، وهو مشهور قول مالك.
والثاني: أنه يجوز مع عدم الطول والأمن من العنت، وهو مشهور قول ابن القاسم، وأحد قولي مالك.
والقول الثالث: الكراهة.
والقول بالمنع أنه منع تحريم، وبه قال أشهب وابن عبد الحكم، وهو قائم من "المدونة" من قوله: يفسخه.
والقول بالإباحة ابتداء من غير اعتبار الشرطين [قائم من المدونة من قوله: إن نكاح الأمة على الحرة جائز، وقال ابن القاسم] (٣) في "كتاب الأيمان بالطلاق" حيث قال: آخر ما فارقنا عليه، مالكًا [﵀] أن نكاح الأمة على الحرة جائز، والخيار للحرة.
والقول بالكراهة قائم من "المدونة" من رواية ابن القاسم وابن وهب، ولا ينبغي للحر أن يتزوج أمة، وهو يجد طولا لحرة، فحمله على الكراهة.
وسبب الخلاف: معارضة دليل الخطاب للعموم:
أما دليل الخطاب، فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ
_________________
(١) في هـ: لا يعتق.
(٢) في هـ: خشى.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٧٩ ]
الْمُحْصَنَاتِ﴾ (١)، [يقتضي أنه لا ينكح الأمة إلا بشرطين عدم الطول وخوف العنت] (٢) وأما العموم، فقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٣)، وذلك يقتضي إنكاحهنَّ لحر وعبد، كان الحر واجدًا أو غير واجد، خائفا العنت أو غير خائف.
فمن رجَّح دليل الخطاب قال: لا يجوز إلا باعتبار الشرطين.
ومن رجح العموم قال: يجوز من غير اعتبار الشرطين، وعليه يدل قول مالك في "الكتاب" حيث قال: لو [لا] (٤) ما قالته العملاء قبلي -يريد سعيد بن المسيب وغيره-، لأجزأته، لأنه حلال في كتاب الله تعالى.
قال محمَّد: أراه يعني هذه الآية: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾.
والطول المعتبر عند مالك: المال، قال الله تعالى: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ (٥)، يعني: أصحاب الأموال.
واختلف المذهب عندنا في الحرة إذا كانت تحته، هل هي طول تمنعه نكاح الأمة إذا خشي العنت على نفسه أم لا؟ على قولين منصوصين في المذهب قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن للحرة تحته ليست بطول، وهو المشهور في الرواية.
_________________
(١) سورة النساء الآية (٢٥).
(٢) سقط من أ.
(٣) سورة النور الآية (٣٢).
(٤) سقط من أ.
(٥) سورة التوبة الآية (٨٦).
[ ٣ / ٣٨٠ ]
والثاني: أن الحرة طول يمنعه نكاح الأمة، [وهو ظاهر المدونة في قوله: ولا يجوز له أن يتزوج أمة] (١)، وهو يجد طولا لحرة على رواية الباء وهو نص ما في كتاب "محمد" في سماع عيسى عن ابن القاسم أيضًا: أن الحرة طول، وفي رواية أخرى، وهو يجد طولا لحرة "باللام"، وهي رواية ابن نافع في "الكتاب"، حيث قال: لأنها لا تتصرف [تصرف] (٢) المال.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى كونه غير عزب الذي لا يخشى عليه العنت، إذا كانت عنده زوجة، ثم لا يجوز [له] (٣) نكاح الأمة، أم النظر إلى خوف العنت جملة، سواء كان عزبا أو متأهلا؛ لأنه قد لا تكون الزوجة الأولى مانعة من العنت، وهو لا يقدر على حرة أخرى تمنعه من العنت، فكان له أن يتزوج الأمة، لأن حاله مع هذه الحرة في خوف العنت، كحاله قبلها، [وتحاصنه] (٤) إذا خشى العنت من الأمة التي يريد نكاحها.
وعلى القول بأن الحرة ليست بطول، وأن المال هو الطول.
فإذا قدر على صداق الحرة، وعجز عن نفقتها، هل هو واجد للطول أو عاجز عنه؟ قولان:
أحدهما: أنه واجد للطول، وأن نكاح الأمة لا يجوز له، وهو قول مالك في "كتاب محمَّد" على ما نقله [ابن أبي زيد] (٥)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ، جـ: كمصرف.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ، جـ: وتخاصمه.
(٥) في ع، هـ: أبو محمَّد.
[ ٣ / ٣٨١ ]
في "النوادر".
والثاني: أنه لا يكون واجدًا حتى يقدر على الصداق والنفقة وسائر مؤن النكاح وكلفه، وهو قول أصبغ في "الواضحة".
واختلف في القدرة على نكاح حرة كتابية، هل هو طول يمنعه [من] (١) نكاح الأمة [أم لا] (٢)؟ على قولين:
أحدهما: أن الحرة الكتابية مقدمة على نكاح الأمة، وأنها طول.
والثاني: أن الأمة مقدمة على الحرة الكتابية، وأنها ليست بطول، والقولان مخرجان في المذهب.
وسبب الخلاف: معارضة دليل الخطاب لعموم الإباحة:
ودليل الخطاب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ [أَيْمَانُكُمْ] (٣)﴾ (٤)، فمفهومه: أن ما عدا الحرائر المؤمنات لا يمنعه من نكاح الإماء، لتخصيص الله لهن في الآية.
وأما عموم الإباحة فقوله له تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٥) فساوى الله تعالى بينهم.
فمن رجح العموم على دليل الخطاب قال: تقدم الحرائر الكتابيات على الإماء المسلمات، وإليه مال حُذَّاق الشافعية.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سورة النساء الآية (٢٥).
(٤) زيادة من ع، هـ.
(٥) سورة المائدة الآية (٥).
[ ٣ / ٣٨٢ ]
ومن رجح دليل الخطاب على العموم قال بتقديم الأمة على الحرة الكتابية. والأول أظهر؛ لأن العلة إرقاق الولد وذلك معدوم في الحرة الكتابية.
وعلى القول بأنه لا يتزوج الأمة إلا مع عدم الطول وخشي العنت.
فإذا تزوجها بوجود الشرطين ثم أمن من خوف العنت فلا خلاف أعلمه في المذهب أنه لا يلزمه أن يطلقها إذ لا تؤمن عودة [العلة] (١) وقد يطلقها ثم يعود عليه العنت [فيتزوجها] (٢)، فيكون ذلك من باب الضرر [به] (٣).
وأما إن قدر على صداق حرة، هل يلزمه أن يطلق الأمة التي تحته [أم لا يلزمه] (٤)؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لا يلزمه، وهو قول مالك [﵀] (٥).
والثاني: أن ذلك يلزمه، لأنه بتزويج الحرة حرمت الأمة، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: الاستدامة، هل هي كالإنشاء أم لا؟
فمن رأى أن الاستدامة كالإنشاء [قال: يجبر على الفراق، ومن رأى أن الاستدامة ليس كالإنشاء] (٦)، قال: لا يجبر على الفراق.
فعلى القول بأنه لا يلزمه أن يطلق، وأنه يجوز له أن يتزوج الأمة
_________________
(١) في هـ: العنت.
(٢) في ع، هـ: ثم يتزوجها.
(٣) في ع، هـ: له.
(٤) سقط من أ.
(٥) زيادة من ع، هـ.
(٦) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٨٣ ]
ابتداء، من غير اعتبار الشرطين، كما هو مشهور قول ابن القاسم.
فإذا تزوج حرة على أمة، ولم تعلم الحرة بها، هل لها الخيار أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا مقال لها؛ لأنها دخلت على أن الأمة من نسائه.
والثاني: أن للحرة الخيار في نفسها لما يلحقها من المعرَّة في كونها ضُرَّة الأمة، وذلك بَخْسٌ في حقها، وضرر لاحق بها، وهو تأويل التونسي، وهو ظاهر قول مالك في العبد يتزوج أمة على حرة: أن للحرة الخيار مع علمها أن الأمة من نسائه، ومع ذلك جعل لها الخيار، وما ذلك إلا للمعرَّة التي تلحقها في مشاركة الأمة.
فإذا أبيح له نكاح الأمة بوجود الشرطين، هل يجوز له الزيادة على واحدة أم لا؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يجوز له أن يتزوج من الإماء ما بينه وبين أربع، وهو قول مالك في "المدونة" و"الموَّازية".
والثاني: أنه لا يتزوج أكثر من واحدة ولا يزيد عليها إلا إن دعته الحاجة إلى ذلك، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
وسبب الخلاف: اختلافهم في نكاح الإماء، هل هو أصل في نفسه أو مستثنى من الأصول المحظورة؟
فمن رأى أنه أصل في نفسه، وأن دليل الإباحة [قد تناوله] (١) قال
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٨٤ ]
[بجواز] (١) الزيادة على واحدة، لأن الحظر إذا رفع رجع الشيء إلى أصله، حتى كأنه لم يتقدم فيه الحظر قط، وكيف لا، وقد قالت جماعة [من] (٢) العلماء بجواز نكاح الأمة ابتداء، من غير أن يتوقف جوازه على حصول شرط.
ومن رأى أنه من الأصول المستثناة قال: لا يجوز الزيادة على الواحدة إلا للضرورة.
وعلى القول: بأنه لا يجوز للحر أن يتزوج حرة على أمة أو أمة على حرة [إلا بشرطين، وإذا تزوج الرجل أمة على حرة أو حرة على أمة] (٣)، هل يكون الخيار في ذلك للحرة [أم لا] (٤)؟
فالمذهب على خمسة أقوال:
أحدها: أن الحرة بالخيار في نفسها، كانت أولًا أو آخرًا، وهو أحد قولي مالك في "المدونة" وغيره.
والثاني: أنها إن كانت آخرا: فلها الخيار في نفسها، وإن كانت أولًا فلها الخيار في الأمة، وهو قول المغيرة وابن دينار وابن الماجشون، وابن نافع.
والثالث: أنها إن كانت الأمة هي الداخلة عليها فلها الخيار في نفسها، وإن كانت هي الداخلة على الأمة فلا خيار لها، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" أيضًا.
_________________
(١) في ع، هـ: تجوز.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في ع، هـ: أو لا خيار لها.
[ ٣ / ٣٨٥ ]
وذلك أن التفريط من جهة الحرة في الاستقصاء والكشف عن حاله، هل كانت تحته أمة أم لا؟
فلما كان التفريط من جهتها كان وبال الغرور عليها، وإلى هذا التعليل ذهب بعض المتأخرين، وزيفه بعضهم، وذلك أن تزويج الحر الأمة نادر، والنادر لا حكم له.
والرابع: أنها إن كانت الأمة هي الداخلة عليها: فسخ نكاحها ولم يجز.
وإن كانت هي الداخلة على الأمة: فسخ نكاح الأمة أيضًا، فنكاح الأمة على هذا القول مفسوخ من كل وجه، وهذا على القول بأن الحرة طول، وهو أحد قولي مالك في "العتبية" وغيرها: إذا كانت الأمة هي الداخلة [على الحرة أن نكاحها مفسوخ وهو قول مالك في أول كتاب النكاح الثالث، فإن كانت الأمة هي الداخلة] (١) عليها: فسخ نكاح الأمة لوجود الطول، وهو نص [قول] (٢) ابن حبيب في "واضحته"، وحكاه عن أكثر أصحاب مالك: أن الحرَّ إذا تزوج حرة وتحته أمة: أن نكاحها مفسوخ.
والخامس: أنها إن كانت الأمة هي الداخلة على الحرة: فسخ نكاحها، وإن كانت الحرة هي الداخلة على الأمة: لم. يفسخ نكاح الأمة، وهو قول مالك.
وفي المسألة قول سادس: أن الحرة تخير بين أن ترضى بالمقام مع الأمة أم لا.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٨٦ ]
فإن رضيت فلا كلام.
وإن لم ترض: كان الخيار للزوج يطلق أيتهما شاء، وهو اختيار اللخمي.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الجمع بين الحرة والأمة في عصمة النكاح، هل ذلك على معنى التحريم أو على [معنى] (١) الكراهة؟
فإن قلنا: أن ذلك على معنى التحريم فلا خيار في ذلك للحرة، لأن ذلك حق لله تعالى.
وإن قلنا: أن ذلك على معنى الكراهة: كان ذلك حق [للحرة] (٢)، من حيث إنه نكاح منعقد على انحلال أحد العقدين، إما الأول وإما الثاني، بعقد يؤثر في وهن نفسه أن يكون مكروها.
وكون الحرة تارة يكون لها الخيار في نفسها على قول، وتارة يكون لها الخيار في الأمة على قول، وتارة فرق بين أن يكون أولًا أو آخرا على قول، وذلك كله استحسان [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ، جـ: وجه.
(٢) في أ، جـ: للزوجة.
(٣) زيادة من ع، هـ.
[ ٣ / ٣٨٧ ]
المسألة الخامسة عشر في الغارَّة
وإذا تزوج امرأة على أنها حرة فإذا هي أمة فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون الغرور منها.
والثاني: أن يكون الغرور من غيرها.
فإن كان من غيرها، مثل: أن يغره رجل [فيزوجه امرأة على] (١) أنها حرة، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يغره بالقول والفعل.
والثاني: أن يغره بالقول دون الفعل.
والثالث: عكس الثاني.
فإن كان غرورًا بالقول والفعل، مثل أن يخبره بأن هذه حرة وعقد له نكاحها، فلا خلاف أعلمه في المذهب أن هذا الغرور يلزم الغار، ويرجع الزوج عليه بالصداق، وإن كان بعد البناء.
واختلف هل يترك له ربع دينار أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه يرجع عليه بجميع الصداق، ولا يترك له شيء لا ربع ولا غيره، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب النكاح الأول"، ونص قوله في "كتاب الاستحقاق".
والثاني: أن يترك له ربع دينار، كما يتركه لها لو كانت هي الغارة وهو
_________________
(١) في أ: فيخبره.
[ ٣ / ٣٨٨ ]
قول بعض المتأخرين.
ولا وجه لما قاله: لأن الغار [إنما يترك لها ربع دينار] (١) لئلا يخلو البضع [عن] (٢) العوض، وذلك المعنى معدوم في الغار.
وأما إن كان غروره بالقول دون الفعل، مثل أن يخبره بأنها حرة، وتولي [غيره] عقد نكاحها، فهل يرجع على الغار بالصداق أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه لا يرجع عليه بشيء، وهو نص قوله في "كتاب النكاح [الثاني] (٣) " في هذه المسألة، ونص قوله [أيضًا] (٤) في "كتاب تضمين الصُنَّاع". فيمن سأل خياطًا قياس ثوب، فزعم أنه يقطع قميصا، فابتاعه بقوله، فلم يقطع قميصا [منه] (٥)، أو أرى دراهم للصيرفي، فقال: هي جياد، فتلفا ردية، فقال ابن القاسم: فإن غرَّ من أنفسهما عوقبا، ولم يغرما.
والقول الثاني: أنه يرجع عليه بما غرم من الصداق، وهو ظاهر قوله في "كتاب النكاح الثاني"، في مسألة الأخوين إذا تزوجا أختين، فإن دخلت امرأة كل واحد منهما إلى غير زوجها، حيث قال: لكل واحد منهما صداقها على الذي وطئها، ويرجع به الواطئ على الذي غرّه، فهذه قوله في "الكتاب": بالغرم بالغرور بالقول، إذْ ليس هناك إلا القول خاصة،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ: من.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٨٩ ]
وكل واحدة منهما أرشدت إلى من تدخل عنده وتنحو نحوه.
وعلى هذا الاستقراء عقد بعض حُذَّاق المتأخرين في استخراج الغرم بالغرور بالقول من "الكتاب".
والقولان منصوصان في المذهب، والصواب: القول بالغرم به عند أكثر شيوخ المذهب.
-ويؤخذ أيضًا الغرم بالغرور بالقول من "كتاب الجعل والإجارة"، ومن "كتاب الرواحل والدواب": إذا غر [الجمال] (١) بضعف الجبال وعثور الدابة، ولم يبين للمكترى، حيث قال: إنه يضمن ما كان من سبب ذلك، وإن لم يباشر [الجمال ذلك] (٢) بيده.
وينبني الخلاف على الخلاف [في الغرور] (٣) بالقول، هل يلزم أم لا؟
وإن كان غروره بالفعل دون القول: فمنصوص [المذهب على] (٤) أنه يلزم الغرم به.
وينبغي ألا يختلف في هذا الوجه، كاجتماع الفعل والقول، إلا أن بعض المتأخرين أشار إلى دخول الخلاف في ذلك، كالقاضي أبي بكر بن العربي وغيره، وما أظن ذلك إلا وهمًا من قائله أو غلطا من ناقله.
وإن كان الغرور منها، مثل: أن يأذن لها سيدها، فتخبر بأنها حُرَّة، فتزوجها رجل حر [أو عبد] (٥)، ودخل على ذلك، ثم جاء السيد
_________________
(١) في أ، جـ: الحار.
(٢) في أ، جـ: ذلك الجمال.
(٣) في أ، جـ: بالغرور.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٩٠ ]
فاستحقها: فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل البناء أو بعده:
فإن كان قبل البناء: فالخيار للزوج، حرًا كان أو عبدًا، إن شاء طلّق وإن شاء أمسك.
وإن كان بعد البناء: فلا يخلو الزوج من أن يكون حرًا أو عبدًا:
فإن كان حرًا: فهو بالخيار، إن شاء أمسكها وإن شاء [طلَّقها] (١):
فإن أمسكها: كان لها [الصداق] (٢) المسمَّى.
وإن [فارقها] (٣): فاختلف ما الذي يكون لها من الصداق؟
على خمسة أقوال:
أحدها: أنه يكون لها الأقل من المسمى أو صداق المثل، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أن لها الأكثر، وهو قول أشهب في "الموازية"، ولابن القاسم مثله في "العتبية".
والثالث: أن لها صداق المثل، ويكمل لها على المسمى، وهو قول ابن القاسم وأصبغ ومحمد في "النوادر".
و[القول] (٤) الرابع: أنه ليس لها إلا ربع دينار خاصة، وهو قول ابن الموَّاز.
والخامس [من الأقوال] (٥): إن كان المسمَّى مثل صداق مثلها أعطيت
_________________
(١) في ع، هـ: فارقها.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ع، هـ: اختار الفراق.
(٤) سقط من أ.
(٥) زيادة من ع.
[ ٣ / ٣٩١ ]
ما بين صداق حرة وأمة، نصف صداق أمة ونصف صداق حرة، وهذا القول حكاه سحنون عن ابن القاسم في "النوادر"، ولم يسم قائله.
فوجه القول الأول: أن لها الأقل؛ لأن ذلك عدل بين الزوج والسيد.
فإن كان المسمى أقل: فقد رضي به الزوج أولًا.
وإن كان صداق المثل أقل: فقد دخل السيد على ذلك حين أذن لها ببيع سلعتها [في النكاح] (١).
فإذا باعتها بقيمة أمثالها، فلا مقال لسيدها.
ووجه القول الثاني: أن لها الأكثر، بناء على تغليب حق السيد، والتفريط جاء من جهة الزوج لترك الاستقصاء؛ لأن السيد وكَّلها على بيع تلك المنافع كبيعها لخدمتها.
فإن خانت كان للسيد أن يرد محاباتها؛ لأنها حابت في ملك.
وهذا القول والأول هما أمثل الأقوال وأقربهما إلى الصواب.
ووجه القول الثالث: أن ليس لها إلا المسمى، قال كما لو زنا بها طائعة، وبهذا استدل قائل هذا القول -الذي هو أشهب- إلا أنه توجيه ضعيف وقياس رهيف، لأن قياس النكاح على الزنا قياس فاسد.
والزنا: إنما يعتبر فيه ما نقص منها، فإن لم ينقصها فلا شيء لسيدها.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٩٢ ]
ووجه القول الرابع: [أن ليس لها إلا ربع دينار] (١) لأن الغرور من جهة السيد حين لم يعرف بحالها، ولا أشهر أمرها، فكان التفريط من جهته.
وأما القول الخامس: الذي جعل لها نصف صداق أمة ونصف صداق حرة: فلا وجه له فيما ظهر لنا.
فإن اختلف الزوج والسيد، فالسيد يدعي أن الزوج علم أنها أمة، والزوج يقول: إنما ظننت أنها حرة، فالقول قول الزوج، وعلى السيد البينة [على] (٢) ما يدعيه، وهو قول أصبغ عن ابن القاسم في "العتبية".
[قال أصبغ] (٣) ولو أقرَّ الزوج [الآن] (٤) أنه عالم أنها أمة، وقد فشا [وعُرف] (٥) [في السماع] (٦) أنها غرَّته بأنَّها حرة، فلا يصدق [إلا] (٧) على ما يدفع عن نفسه، من غرم قيمة ولده، ولا يقبل فيما يريد من [إرفاقه] (٨)، وإن صدقه السيد على ذلك.
ولا فرق في جميع ما ذكرناه من الخلاف في الصداق وغيره، من أن تكون [الأمة] (٩) الغارة ممن سبق فيها عقد من عقود الحرية، كالإيلاد
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في ع، هـ: واشتهر.
(٦) سقط من أ.
(٧) في جـ، هـ: الآن.
(٨) في ع، هـ: إرفاقهم.
(٩) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٩٣ ]
والتدبير [والكتابة] (١) والعتق إلى أجل، [أولا] (٢) فيها كالأمة القنية، وإنما تختلف أحكام هذه الأشياء في قيمة الولد، إن كان هناك.
فإن ولد الزوج مع هذه الأمة التي غرته بالحرية ولدًا، فلا يخلو سيد الأمة من أن يكون ممن يعتق عليه ما ولدته [أمته] (٣) من زوجها أم لا:
فإن كان ممن يعتق عليه بالملك إذا ملكه، كأمة الأب والابن يغران من أنفسهما: فعلى الابن صداق أمة أبيه، على الخلاف الذي قدمناه في مقداره [و] (٤) على الأب قيمة أمة ولده، ولا شيء عليها من قيمة الولد اتفاقا؛ لأن ولد أمة الأب عتق على حدة، وولد أمة الابن عتق على أخيه.
وإن كان السيد ممن لا يعتق عليه ما ولدته هذه الأمة من زوجها، وكانت أمة قنية لا حرية فيها، فإنَّ الزوج يغرم قيمة الأولاد.
واختلف المذهب، هل يغرم قيمتهم يوم الولادة أو يوم الحكم؟ على قولين:
أحدهما: أنه يغرم قيمتهم يوم الولادة، وهو قول المغيرة في "كتاب ابن حبيب".
والثاني: أن [عليه] (٥) قيمتهم يوم الحكم، وهو مشهور المذهب، وهو مذهب "المدونة".
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ولم.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: عليهم.
[ ٣ / ٣٩٤ ]
فعلى القول بأنه يغرم قيمتهم يوم الولادة، فإن ماتوا بعد ذلك أو قتلوا عمدًا، فلا يسقط موتهم ما وجب عليه من القيمة.
وعلى القول بأن القيمة لا تجب عليه إلا بالحكم، فإن ماتوا قبل الحكم أو قتلوا عمدًا: فلا شيء على الأب من قيمتهم.
فإن قتلوا خطأ أو صالح [الأب] (١) في العمد على مال فأخذه من القاتل، فإنه يغرم الأقل من القيمة أو ما أخذ من الدية.
فإن كان الولد يوم الحكم حيًا، فإنه يقوم على ما سوى ذلك اليوم: أن لو كان [عبدًا فيئا]، يجوز بيعه ويغرم الأب تلك القيمة، وإن كانت أكثر من الدية.
واختلف هل يُقَّوم [الولد] (٢) بماله [أم لا] (٣)؟ على قولين:
أحدهما: أنه يقوم بغير ماله، وهذا القول قائم من "المدونة"، من قوله: إن كان الأب معسرًا والابن موسرًا غرم الابن القيمة من ماله، ثم لا يرجع بذلك على أبيه.
فلو كان الابن يقوَّم بماله لما أمكن أن يكون في أموالهم قيمتهم بأموالهم، لأن ذلك يقتضي أن يخرج من أموالهم أكثر من أموالهم، وذلك محال على كل حال.
والثاني: أن الولد يقوَّم بماله، وحكاه بعض المتأخرين رواية، ولم يوقف عليها.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في ع، هـ: أم يقوم بغير ماله.
[ ٣ / ٣٩٥ ]
فإذا قوم بماله أو بغير ماله على الخلاف، فلا يخلو [حينها] (١) من ثلاثة أوجه:
إما أن يكونا معا موسرين.
أو معسرين.
أو أحدهما معسر والآخر موسر.
كانا موسرين معا الأب والولد [أو الأولاد إن كانوا عددًا، فإن القيمة تؤخذ من مال الأب باتفاق المذهب ثم لا يرجع بذلك على الابن وكذلك إن كان الأب موسرًا والابن معسرًا الجواب واحد، فإن كانا معسرين] (٢) فالقيمة تؤخذ من أولهما يسرًا [إن كان] (٣) الأب على [الاتفاق] (٤)، و[إن كان] (٥) الابن علي الخلاف.
وإن كان الابن موسرًا والأب معسرًا، فهل تؤخذ القيمة من الابن أم لا؟ قولان منصوصان في "المدونة":
أحدهما: أن القيمة تؤخذ من مال الابن، لأنها عنه أديت، وهو قول ابن القاسم في "المدونة".
والثاني: أنه لا شيء على الولد، ولا يؤخذ من ماله شيء، ويتبع بذلك الأب، وهو قول الغير في "كتاب الاستحقاق".
وكذلك من كانوا جماعة أولاد، فإن الموسر منهم لا يؤدي عن المعسر
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: من.
(٤) في أ: الوفاق.
(٥) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٩٦ ]
باتفاق من ابن القاسم والغير.
وإيجاب المسألة بجميع أصولها وفصولها يأتي في "كتاب الاستحقاق" إن شاء الله تعالى.
فإن كانت الغارة هي أم ولد، ولها من زوجها الذي غرته، فلا يخلو الولد من أن يكون حيًا أو ميتًا.
فإن كان حيًا، فقد اختلف في قيمته على أربعة أقوال:
أحدها: أن الأب يغرم قيمة الولد لسيد الأمة على الرجاء والخوف، وهو نص "المدونة".
والثاني: أنه يغرم قيمة عبد لا عتق فيه، بمنزلة ما لو قتلت [أمه] (١)، وهو قول ابن الماجشون.
والثالث: أن على الأب قيمته يوم ولد، وهو قول المغيرة.
والرابع: التفصيل بين أن يكون الولد صغيرًا أو كبيرًا.
فإن كان صغيرًا لا خدمة فيه: فلا شيء على الأب حتى يطيق، فإذا أطاق الخدمة: غرم أجرة كل يوم، وكلما كبر زاد الأب أجرته، وهو قول مالك في "ثمانية أبي زيد"، ولمطرف عن مالك في "الواضحة" مثله.
وهذا كله في حياة السيد.
فإن مات السيد سقطت القيمة عن الأب وعن الابن باتفاق جميع الأقوال إلا المغيرة؛ لأن القيمة عنده وجبت بنفس الولادة، من غير التفات إلى من مات بعد ذلك من سيد أو أب أو ولد.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٣٩٧ ]
فعلى القول بأن الأب يغرم قيمة الولد على الرَّجاء والخوف، فقد اختلف المتأخرون في الرَّجاء المعتبر، ما هو؟ على قولين:
أحدهما: أن الرَّجاء فيهم أن تطول حياتهم، ويعيشون ويعيش سيدهم، وتحصل بالخدمة الكثيرة لمشتريهم أن لو جاز بيعهم على هذا.
والخوف ما يخشى أن تخترمهم المنية أو تخترم سيدهم بفور عقد البيع، وقبل أن ينتفع المشتري بخدمتهم.
وهذا تأويل ابن أبي زمنين وغيره، وهو أسعد بظاهر "الكتاب".
والثاني: أن الرَّجاء المعتبر أن الولد المشترى لعله يقتل فيأخذ المشتري [قيمة عبد] (١)، أن لو جاز بيعه على هذا المعنى، وهو تأويل فضل بن سلمة. والأول أظهر.
فعلى تأويل ابن أبي زمنين: إذا قتل الولد، فأخذ أبوه ديته أنه يُقَوِّم عليه السيد الأمة [قيمة عبد] (٢)، لا على الرَّجاء والخوف [وكذلك قال حمديس] (٣)؛ لأن الرَّجاء قد انقطع بموت الولد، [وكذلك قال أحمد بن مزين] (٤) وإلى هذا ذهب بعض الشيوخ.
وإن كان أبو محمَّد بن أبي زيد قال في "المختصر" يريد على الرَّجاء والخوف.
_________________
(١) في ع، هـ: قيمته عبدًا.
(٢) في ع، هـ: قيمته عبدًا.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من ب.
[ ٣ / ٣٩٨ ]
ووهم الشيخ أبو عمران قوله في ذلك جدًا، وصوبه غيره من المتأخرين.
وإن كان الولد ميتا، فلا يخلو من أن يموت حتف أنفه أو مات مقتولا:
فإن مات حتف أنفه قبل الحكم، فلا شيء على الأب من قيمته، إلا على قول المغيرة القائل [بأن القيمة تجب بالوضع وقد قدمناه.
فإن كان عمدًا فلا شيء على الأب أيضًا.
وإن كان خطئا فعليه الأقل مما أخذ من قيمته على الخلاف الذي قدمناه.
فإن كانت هي التي عزت من نفسها رجلًا فتزوجها وولد] (١) "معها أولادًا"، فلا يخلو من أن يكون النظر في ذلك في حياة السيد أو بعد وفاته:
فإن كان النظر في حياته، فقد اختلف في صفة القيمة في الأولاد، على قولين:
أحدهما: أن الولد يقوم على الرَّجاء والخوف، خوف الرق إن مات العبد في حياة السيد أو مات السيد وعليه دين [يغترقه] (٢)، ورجاء العتق إن حمله الثلث، وهو قول مالك في "المدونة" وفي "كتاب محمد".
والثاني: أنه يقوم عبدًا لا عتق فيه، كمن ابتاع مُدَبَّرا فأعتقه، وهو اختيار ابن الموَّاز.
وإن كان النظر بعد موت السيد، فلا يخلو من أن يكون عليه دين أو
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ: يرقه.
[ ٣ / ٣٩٩ ]
لا دين عليه.
فإن كان عليه دين، فرَّقهما، كانت قيمته قيمة عبد لا عتق فيه.
وإن كان لا دين عليه، فلا يخلو من أن يكون له مال سواه أم لا.
فإن كان له مال يحمل ثلث قيمة الأم وقيمة الأولاد، فلا شيء على الأب؛ لأن الولد قد عتق قبل أن يجب على الأب من قيمته شيء.
وإن لم يكن له مال سواهما، كانت على الأب قيمة ثلثي الولد، وسقطت قيمة الثلث التي عتقت [منه] (١).
فإن كانت مكاتبة، فقد اختلف في قيمة ولدها على قولين:
أحدهما: أنه يؤخذ من الأب قيمته عبدًا، فتوقف، فإن زقوا بالعجز أخذها السيد، وإن عتقوا [رجعوا] (٢) إلى الأب، وهو قول ابن القاسم في "كتاب محمَّد".
والثاني: أن المكاتبة أحق بقيمتهم، فإن [كانت] (٣) فيها وفاء بباقي الكتابة، دفعت إلى السيد وعجّل عتقهم.
وإن لم يكن فيها وفاء، حسبت من آخر الكتابة كالجناية عليها، وهو قول ابن الموَّاز.
فإن كانت معتقة إلى أجل، ففي قيمة ولدها قولان:
أحدهما: أنه يقوم على الرَّجاء والخوف، رجاء العتق إن عاش إلى انقضاء الأجل، وخوف الرق إن مات قبل انقضائه، وهذا على قول مالك
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ: رجعت.
(٣) في ع، هـ: كان.
[ ٣ / ٤٠٠ ]
بتقديم الخدمة في "ثمانية أبي زيد".
والثاني: أن الأب يغرم قيمة عبدٍ لا عتق فيه، بمنزلة ما لو قتلت أمه، وهو قول عبد الملك.
وكل ما ذكرناه في هذا الباب من أن الأب يغرم قيمة الولد، فإنه لا يرجع بذلك على الذي غره باتفاق المذهب، بخلاف الصداق؛ لأنه لم يغره بالولد.
وأما إن كان الزوج عبدًا غرته أمة بأنها حرة، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يشترط أنها حرة لو نسبت له أو لعزله بوجه يعلم بأنه [عمل] (١) على أنها حرة.
والثاني: أن لا يشترط شيئًا، ولا قامت له قرينة تدل على الاشتراط.
فإن اشترط الحرية أو قامت له قرينة تدل على الاشتراط: فإنه يرجع بالصداق على من غره، إن كان غره أحد، ثم لا يرجع من غره عليها بشيء كالحر على سواء، ومن حجته أن يقول: دخلت على حرية أولادي، لأن أولاد العبد من الحرة أحرار، ولا يسترق السيد الولد منها، وهو قول ابن الموَّاز.
وإن لم يشترط حريتها، ولا قامت له قرينة تدل على الشرط، فهذا لا يرجع بشيء من الصداق، بخلاف الحر في هذا الوجه، لأن الحر له الخيار، اشترط الحرية أم لا، إلا أن يعلم أنها أمة، فدخل على ذلك. والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٠١ ]
المسألة السادسة عشرة في العيوب التي توجب الرد في النكاح
والعيوب التي يرد بها الزوجان أو أحدهما في النكاح، تنقسم على ثلاثة أقسام:
فسم منها يوجب الخيار لمن اطلع عليها، سواء اشترط السلامة أم لا.
قسم منها لا يوجب الرد، إلا أن يشترط السلامة.
وقسم مختلف فيه، هل يلحق بالأول أو الثاني؟
فالجواب عن القسم الأول: في العيوب التي توجب الرد، اشترط السلامة أم لا، وهي العيوب التي نص عليها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ -، وهي: الجنون والجذام والبرص وداء الفرج.
أما الجنون: فإنه يرد به من به ذلك منهما؛ لأن ذلك علة لا يطيب للزوج [عيش] معها، ولا يستلذ معها بالجماع.
وكذلك الجذام والبرص أيضًا، لأنهما علتان تنفر النفس منهما، ويمنعان أحدهما من الإلمام بالوقاع، ولاسيما مما يخاف من عاقبة أمرهما، من أن يتعد ذلك إلى الأولاد والأحفاد.
وداء الفرج كذلك أيضًا: لأنه يمنع من الوقاع أو من استيفاء الشهوة.
ثم لا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يكون بأحدهما أو بهما جميعًا.
فإن كان بأحدهما، فلا يخلو من أن يكون بالزوج أو بالزوجة.
[ ٣ / ٤٠٢ ]
فإن كان بالزوج:
أما الجنون: فلا يخلو من أن يؤذيها ولا يعفها من نفسه أو لا يؤذيها.
فإن كان يؤذيها من نفسه ولا يعفها: فلا خلاف في المذهب أنه يحال بينه وبينها، ويؤجل سنة، فإن برأ، وإلا فرق بينهما وكان لها جميع الصداق، ولا فرق في ذلك بين أن يكون قبل البناء أو بعده، ولا بين أن يكون أمر حدث بعد العقد أو كان قبل العقد، وسواء كان يجن مطبقا أو يجن عند رأس كل هلال.
فإن كان يعفها من نفسه ولا يؤذيها، هل يكون لها الخيار أو لا خيار لها؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن لها الخيار بعد أجل سنة، فإذا [مرت] (١) السنة ولم يبرأ، كان لها الخيار، وهو قول مالك في "المدونة" و"كتاب محمد".
والثاني: أنها لا خيار لها إذا أعفاها من نفسه، وهو قول ابن الموَّاز في "كتابه"، وهو قول مثل قول ربيعة في "الكتاب".
وأما الجذام: فلا يخلو من أن يحدث قبل الدخول أو بعده:
فإن حدث قبل الدخول، فإن تبين أنه جذام لا شك فيه: كان لها الخيار اتفاقا [ووفاقا] (٢) من غير تفصيل بين القليل والكثير، وهو ظاهر "المدونة" وتفسير ابن وهب في "العتبية".
وإن شك في أمره ولم يتبين لها أمره: فلا خيار لها بالشك.
وإن كان بعد الدخول: فلها الخيار في كثيره اتفاقا، وهل لها خيار في
_________________
(١) في ع، هـ: مضت.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
يسيره؟ قولان:
أحدهما: أن لها الخيار في يسيره، كما كان في كثيره، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنها لا خيار لها في يسيره، وهو ظاهر قول أشهب في "النوادر"؛ لأنه قال: وليس للجذام حدًا إلا أنه إذا كان متفاحشًا، لا يحتمل النظر إليه، وتغض الأبصار دونه فلها الخيار، فظاهر هذا: أنه إذا كان شيئًا يسيرا [مما] (١) لا يصل إلى هذا الحد، فلا خيار لها، وكذلك نقل اللخمي: أنه لا يفرق من قليله، حتى يتناهى ويتفاحش، لأنه قد اطلع عليها، فلا يعجل بالفراق.
وأما البرص: فقد اختلف المذهب في الرد به على أربعة أقوال:
أحدها: أنه عيب يوجب الخيار للزوج، يسيرًا كان أو كثيرًا، حدث بعد العقد أو قبله أو بعد الدخول، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب النكاح الأول"، وهو ظاهر قول عمر - ﵁ -.
والثاني: أنه لا يرد به الزوج، ولا يوجب الخيار للزوجة، سواء كان قبل العقد أو حدث قبل الدخول، وهو قول أشهب عن مالك في "كتاب ابن الموَّاز"، وهو قول ابن القاسم في كتاب "بيع الخيار" من "المدونة".
والقول الثالث: أنه يرد به إذا كان قبل العقد، ولا يرد به بعد الدخول إن حدث، وإن كان شديدًا، وهو قول ابن القاسم في "النوادر"، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب بيع الخيار"، على تأويل بعضهم.
والرابع: أنه يرد به [قبل] (٢) العقد والدخول، وإن كان خفيفا، ولا
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: بعد.
[ ٣ / ٤٠٤ ]
يرد بما حدث بعد الدخول إلا أن يكون شديدًا فاحشًا لا صبر لها معه، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في "العتبية"، وهو قول ابن حبيب في "الواضحة".
والخلاف: الذي أوردناه في هذه المسألة لا مستند له ولا مأخذ على الحقيقة، ولا بأس أن يقول القائل: إن الخلاف ينبني على الخلاف في قول عمر - ﵁ -، هل هو معلل أو غير معلل؟
فمن قال: إنه معلل بالإذاية وما يخشى من الترامي في الأولاد والأحفاد، قال: بوجوب الخيار [لها] (١) فيما كان يخشى ذلك منه مما يسري إلى الأبدان، وما يسري إلى إسقاط الاستمتاع وإلي منع استيفائها.
وإن كان قبل البناء، فلا ضرر عليها في الفراق.
وإن كان بعد البناء، فإن كثرت الإذاية، آثر الشرع إزالتها على الضرر الذي يلحقها في كشف الزوج عنها وإن قلت الإذاية: كان موضع [الترجيح] (٢) لذي النظر.
ومن رأى أنه غير معلل، قال: لا فرق بين اليسير والكثير.
وأما داء الفرج: كالجبة والعنة وما كان في معناهما من الخصي والاعتراض.
فأما المجبوب الممسوح [أو] (٣) المقطوع الذكر أو الحشفة أو الحصور أو عنينا الذي آلته كالزر على تفسير أهل اللغة، دون تعارف الفقهاء أو من لا يتأتى منه الاستمتاع أصلًا: فلا خلاف في وجوب الخيار.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: الترجي.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
وأما المعترض: فإن لها فيه الخيار غير أنه يؤجل سنة، فإن برأ سقطت حجتها، وإن لم يبرأ فلها الرد، وكان لها جميع الصداق.
وتمام المسألة المعترض في "كتاب النكاح الثاني" إن شاء الله.
واختلف في الخصي القائم الذكر، على قولين:
أحدهما: أن لها الرد، وهو قول مالك.
والثاني: أنه لا يرد به، لأنه بمنزلة من كان عقيما؛ لأن ذلك لا ينقص من جماعه.
فإن كان ذلك بالزوجة:
أما الجنون والجذام: فلا خلاف أعلمه في المذهب أنها ترد بهما من غير تفصيل بين القليل والكثير.
وكذلك ترد من كثير البرص، واختلف في قليله، على قولين:
أحدهما: أنها ترد منه، كما ترد من الكثير، وهو قول مالك في "العتبية"؛ لأنه سئل عن قليل البرص، قال: ما سمعت إلا ما جاء في الحديث. وما الفرق بين قليل ولا كثير.
والثاني: أنها لا ترد من قليله الذي أحيط به علمًا أنه لا يزيد، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
وأما داء الفرج: فإنه ينقسم قسمين:
قسم يمنع الجماع: كالرتق والقرن.
وقسم لا يمنعه: كالعفل والنتن والاستحاضة والإفاضة وحرق النار.
والعفل: بفتح العين المهملة وفتح الفاء في النساء، كالإردة في الرجال، وهي بروز اللحم من الفرج.
[ ٣ / ٤٠٦ ]
والقرن: بفتح القاف وسكون الراء، مثله لكنه: قد يكون لحما، وقد يكون عظما.
والرتق: بفتح الراء والتاء، تضايق المحل والتحامه.
فإذا وجد الزوج شيئًا من هذه العيوب كان مخيرًا بين الإمساك والفراق، إذا كان ذلك شيئًا لا يقبل العلاج، على تفصيل يأتي إن شاء الله تعالى.
واختلف فيما خف من تلك العيوب، هل يرد به أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنها ترد به، وهو قول مالك في "المدونة" وغيرها.
والثاني: أنها لا ترد إلا أن يكون عيبا يمنع اللذة، وهو قول ابن حبيب.
وسبب الخلاف: هل المراعى في ذلك ما [يمنع] (١) اللذة كلها أو ما يمنع من استيفائها؟
ولا شك أن الجنون والبرص توجد اللذة معهما، ولكنهما يمنعان من استيفائها.
فإذا دعا أحدهما إلى المعالجة وامتنع الآخر، فهل يجبر عليها من أباها؛ فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه:
أحدها: [أن لا] يكون عليها ضرر في المعالجة، ولا عيب بالإصابة بعد العلاج.
والثاني: أن يكون عليها ضرر في المعالجة، وفي الإصابة عيب.
والثالث: أن يكون عليها ضرر في المعالجة، ولا عيب في الإصابة.
والرابع: ألا ضرر عليها في المعالجة، وفي الإصابة عيب.
_________________
(١) في ع، هـ: يقطع.
[ ٣ / ٤٠٧ ]
فإن كان لا ضرر عليها في معالجة الداء وقطعه ولا عيب يستضر به الزوج في الإصابة بعد العلاج: فالقول قول من دعى منهما إلى القطع والعلاج، ويجبر عليه من أباه منهما.
فإن طلق الزوج بعد رضاها بالعلاج وقبل أن تفعل: لزمه نصف الصداق.
فإن كرهت العلاج، فطلقها الزوج لأجل ذلك: فلا شيء لها؛ لأنه لأجل العيب طلق.
فإن كان عليها ضرر في المعالجة وفي الإصابة [عيب] (١) بعد ذلك: كان لكل واحد منهما مقال.
فلها أن تأبى من العلاج إن دعا إليه الزوج للضرر اللاحق بها.
وله ألا يرضى، وإن رضيت بالعلاج لأجل بقاء العيب.
فإن كان عليها ضرر في المعالجة، ولا عيب في الإصابة [بعده كان الخيار للمرأة دون الزوج.
فإن رضيت بالعلاج سقطت مقالته وإن كرهت فارق ولا شيء عليه.
فإن كان لا ضرر عليها في القطع والعلاج وفي الإصابة] (٢) بعد ذلك [عيب] (٣)، كان المقال له دونها، إن أحب ألزمها القطع، وإن أحب فارق، ولا شيء عليه.
وإذا رد الزوج المرأة بشيء من هذه العيوب، فينظر:
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
فإن كان قبل البناءة فلا شيء لها من الصداق ولا نصف ولا غيره.
وإن كان بعد البناء: فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يكون الغرور منها.
الثاني: أن يكون من وليها.
فإن كان منها، فإنها ترد جميع الصداق، إلا ربع دينار.
فإن كان الغرور من وليها، فالأولياء في ذلك على ثلاثة أوجه:
[وجه]: يحمل فيه جميعهم على العلم بها.
ووجه يحمل فيه جميعهم على الجهل بها.
ووجه يحمل فيه بعضهم على العلم دون بعض.
فأما الوجه الذي يحمل فيه جميعهم على العلم بعيوبها كالجنون والجذام، والبرص إذا كان بموضع لا يخفى من جسدها، كالوجه والذراع والساق، لأن هذه العيوب لا تخفى على الأقارب والجيران، بل لا تخفى على الأباعد؛ لأن الحديث عنه من نساء الأقارب يكثر، حتى ينمو العلم بها إلى الأجانب، فيكون الرجوع في هذا الوجه على الولي دون الزوجة.
وأما الوجه الذي يحمل فيه جميع الأولياء [على] (١) الجهل، مثل العيوب الكامنة في الفرج، التي لا يتأتي الاطلاع عليها لأحد من الأولياء حتى الأب، مثل أن يكون العيب لا يتميز للأم أو تكون لا أم لها، لموتها قبل ظهور ذلك العيب أو يكون الأب ممن لا ترفع إليه الأم [مثل ذلك] (٢)، وإن عاشت لقدره وسؤدده، ففي هذا الوجه يكون الرجوع عليها، لكون
_________________
(١) في أ، جـ: في.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٤٠٩ ]
الغرور من جهتها دون سائر الأولياء.
وأما الوجه الثالث: وهو الذي يحمل فيه بعضهم على العلم وبعضهم على الجهل، كالعيوب التي تواريها الثياب، فهذا مما لا يحمل الأب والأخ على العلم فيه دون سائر الأقارب، وما ذلك إلا لمخالتطهما إياها في الدار، وقلة احتراسها والتحفظ عنهما في كل الأزمان، ولابد لا من غفلة: يكون للزوج الرجوع [عليهما] (١) بالصداق إذا عثر على ذلك بعد الدخول، ولا يصدقان إن ادعيا الجهل بذلك.
وإن كان الغرور من جهة الولي، وكان معسرًا، هل للزوج الرجوع عليها أم لا؟ قولان:
أحدهما: أنه لا رجوع له عليها، إذ لا يجب عليها أن تخرج فتخبر بعيبها، ولا أن ترسل به إليه، وهو قول مالك.
والثاني: أن للزوج الرجوع [عليها] (٢)، في عدم الولي، ثم لا ترجع عليه هي غرمت، وهو قول ابن حبيب؛ لأنها مدلسة بالعيب.
فإن كان [الولي] ممن يمكن أن يعلم بالعيب ويمكن ألا يعلم به، كالعم وابن العم أو هو من العشيرة، فادعى الزوج عليه العلم بالعيب، فأنكره أن يكون قد علم به، فقد اختلف فيه على قولين:
أحدهما: أن الولي يحلف، فإن نكل الزوج أنه علم وغر فيما استقر عنده، فإن نكل فلا شيء على الولي ولا على المرأة [لأنه قد] (٣)، أسقط
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٤١٠ ]
تباعته على المرأة بدعواه على الولي، وهو قول ابن الموَّاز في كتابه.
والثاني: أنه إن حلف الولي رجع الزوج على المرأة، وكذلك إن نكل عن اليمين فللزوج أن يرجع على الولي، ويرجع الولي عليها؛ لأن سلعته المبيعة قد ردت بعيب، وهي مدلسة معه، وإن قدمت إليه في أن يعلم بعيبها، فلم يفعل، رأيت أن يرجع عليها بما بين الصحة والداء وليس [لها] (١) أن تبيع معيبا وتأخذ الثمن كاملا، وهو قول ابن حبيب.
فإن كانت العيوب بهما جميعًا الزوج والمرأة، فاطلع كل واحد منهما من صاحبه على عيب، وكان ذلك العيب من جنس عيب صاحبه أو [مخالفه] (٢)، كان لكل واحد [منهما] (٣) القيام بما اطلع عليه ويظهر له.
والجواب عن القسم الثاني: وهو ما لا يوجب الرد من العيوب إلا أن يشترط السلامة، مثل أن يصيبها عمياء أو عوجاء أو مقعدة أو شلاء أو قد ولدت من الزنا أو وجدها بغية أو وجدها ثيبًا أو سوداء أو ما أشبه ذلك، فلا خلاف في المذهب عندنا أن الزوج لا رد له ولا مقال إلا أن يشترط السلامة.
فإذا اشترط السلامة، ثم وجد خلاف ذلك، كان له الخيار.
فإن اشترط البكارة، فلا يجوز له الإقدام على الدخول إلا على أمر ثبت عنده، مثل أن ينظر إليها النساء، فإن قلن: إنها قائمة البكارة، فلا يقبل للزوج كلام بعد ذلك.
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ع، هـ: مخالف له.
(٣) سقط من أ.
[ ٣ / ٤١١ ]
وإن قلن: إنها [ذاهبة البكارة] (١)، كان الزوج بالخيار في ذلك، ولا أظنهم يختلفون في قبول قول النساء في هذا الوجه، وقبول شهادتهن إذا كن ممن تجوز شهادتهن، بخلاف مسألة "إرخاء الستور"، ومسألة "كتاب الرجم".
فإن اشترط البكارة، ودخل بها، وقال: وجدتها ثيبا، فلا يقبل قوله، ولها عليه جميع الصداق.
واختلف إذا صدقه الأب أنها قد زالت بكارتها، فأخذ الزوج جميع الصداق، هل للأب أن يسترجعه من الزوج؟
على قولين:
أحدهما: أن للأب أن يسترجع منه جميع الصداق، ولا شيء للزوجة، وهي رواية أصبغ عن أشهب في "العتبية"، وظاهر قوله أنه لا شيء للزوج على الأب ولا على الزوجة.
والثاني: أنه لا يكون للأب الرجوع على الزوج [بشيء] (٢) من وجهين:
أحدهما: أنه شرط أنها بكر.
والآخر: لو لم يشترط، فإن للأب رد الصداق طائعًا، فليس جهله حجة ولا يصدق، ويحمل على أنه أراد الستر، وصار كالفرية وترجع به المرأة على الأب، وهو قول أصبغ في الكتاب المذكور.
والجواب عن القسم الثالث: وهو المختلف فيه، هل هو من العيوب
_________________
(١) في أ: ذهبت البكارة منها.
(٢) سقط من أ.
[ ٣ / ٤١٢ ]
التي توجب الرد مع الجهل به أو من العيوب التي لا توجب الرد إلا أن يشترط السلامة؟ وذلك في أربع: السواد، والقرع، والبخر في الفم، والخشم، وهو نتن الأنف، فقد اختلف فيه المذهب على قولين:
أحدهما: أنها لا ترد بشيء من ذلك، وهو ظاهر قول مالك.
والثاني: أنها ترد من السواد، إذا كانت من بين لا سواد فيهم، وهو كالشرط.
وترد بالقرع؛ لأنه مما يستتر [باللفافة] (١)، وهو قول ابن حبيب.
وترد أيضًا من بخر الفم والخشم وهو ظاهر قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر"، وفي "كتاب ابن الجلاب"، لأنه نص هناك على أنها ترد من نتن الفرج، فبأن ترد من بخر الفم والخشم أولى لقرب مضرته وبعد الآخر.
وسبب الخلاف: اختلافهم في قول عمر - ﵁ -: ترد المرأة من أربعة، هل ذلك لمعنى أو لا لمعنى؟
فمن رأى أن ذلك لمعنى قال: بجواز القياس عليها.
ومن رأى أن ذلك لغير معنى قال: لا يجب له الرد من سوى الأربعة إلا أن يشترط السلامة، والحمد لله وحده.
_________________
(١) في ع، هـ: بالعمامة.
[ ٣ / ٤١٣ ]
كتاب النكاح الثاني
[ ٣ / ٤١٥ ]