تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ثمان مسائل:
المسألة الأولى في شهادة الوارثين أن أباهما أعتق هذا العبد والعبد هو الثلث
وإذا شهد وارثان أن أباهما أعتق هذا العبد في مرضه والعبد هو الثلث.
فلا يخلو من وجهين: إما أن يكون [معهما] (١) ورثة نساء أو وصية بثلث المال لأجنبي.
وإما أن يكون الورثة كلهم ذكورًا، والميت لم يوص بشيء غير عتق ذلك العبد في المرض.
فإن لم يكن معهما وارث من النساء، ولا أوصى الميت بوصية فشادتهما على العتق جائزة، ويعتق العبد اتفاقًا.
وإن كان معهما من الورثة نساء، أو كان الميت قد أوصى بثلث ماله لأجنبي، فلا يخلو العبد من أن يكون ما يتهمان في جر ولائه أو لا.
فإن كان العبد من دناة الرقيق مما لا يتهم في جر ولائه فشهادتهما على العتق جائزة، ويُبَدّى من الثلث.
وإن كان ممن يرغب في ولائه، ويتهمان على إبطال الوصية، والاستبداد بالولاء دون الإناث [فهل يتهمان أم لا؟ فالمذهب على قولين:
_________________
(١) في أ: معتمد.
[ ١٠ / ٧ ]
أحدهما: أن التهمة تلحقهما، والظنة ترمقهما] (١) إذا كان معهما نساء أو وصية؛ لأن الرجال يحوزون الولاء دون النساء، والنساء لا يرثن من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو ولد من أعتقن، ويتهمون في الوصية أيضًا أن يقولوا: إن الوصية لا يرجع إلينا منها شيء إذا لم تكن عتقًا.
وإذا كانت عتقًا، والمعتق يرغب في ولائه، وإخراجه خير لهم من إخراج الثلث؛ إذ أداء الثلث لا انتفاع لهم فيه، والولاء ينتفعون به، وهو قول ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أنهم لا يتهمون بهذا؛ بدليل أن الميت جاز له أن يعتق في مرضه، والولاء للرجال دون النساء، فلم يكن عتقه محاباة للذكور لمصير الولاء لهم دون النساء؛ فعلى قول ابن القاسم أنهما لا يتهمان في العتق، فينفذ الثلث شهادة الأجنبيين، والعبد هو الثلث، هل يعتق كله على الشاهدين الوارثين أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يعتق جميعه على الوارثين، وهو قول ابن القاسم.
ووجهه أنهما يقولان: إنه حر؛ لأن الثلث الذي ظلمنا فيه، وجعل الثلث الخارج بشهادة البينة كأنه باق بأيديهما، ولم يجعله كما لو غصب من المال شيء أو ضاع.
والثاني: أنه لا يعتق من العبد إلا ثلثاه، وهو قول أشهب.
ووجهه أن الثلث الذي أخذه الموصى له به كجائحة أتت على المال، فلم
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ٨ ]
تُبق من المال إلا ثلثاه؛ فيعتق ثلثا العبد؛ لأنه ثلث ما بقى، وهذا هو الأشبه في النظر، [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ١٠ / ٩ ]
المسألة الثانية في الوصية بخدمة العبد
فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن تصير رقبته بعد الخدمة إلى ملك.
والثاني: أن تصير إلى حرية.
فإن صارت إلى ملك؛ مثل أن يقول: يخدم عبدي فلانًا ثم هو لفلان: فلا يخلو من أن يضرب للخدمة أجلًا، أو لا يضرب لها أجلًا.
فإن ضرب لها أجلًا مثل أن يقول: يخدم عبدي فلانًا سنة، أو قال: حياته: فلا يخلو من أن يوصي مع ذلك بوصايا لقوم آخرين، أو لم يوص بشيء.
فإن أوصى مع ذلك بوصايا لقوم آخرين مثل أن يوصي مع ذلك بثلث ماله لرجل آخر أو أوصى له بمائة دينار: فلا يخلو من أن يحمل الثلث جميع الوصايا أو ضاق عنها.
فإن حمل الثلث جميع الوصايا فلا إشكال، وإن ضاق عنها، فالورثة مخيرون بين أن يجيزوا وصية الميت أو يبروا من ثلث الميت لأهل الوصايا.
فإن باروا لهم من الثلث، فإنه يتحاص فيه الموصى له بالمائة أو بالثلث، والموصى له بالخدمة، والموصى له بالرقبة، ولا يضرب [له] (١) الموصى له بالخدمة، والموصى له بالرقبة إلا بقيمة العبد؛ لأن وصيتهما واحدة فيما صار لهما من الثلث؛ بَدّي فيه صاحب الخدمة على صاحب الرقبة.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٠ ]
فإذا انقضى الأجل، أو مات صاحب الخدمة -إن كانت الخدمة حياته- صار لصاحب الرقبة ما صار لهما في محاصتهما في العبد؛ إن كان نصفًا فنصفًا، وإن كان ثلثًا فثلثًا، ويكون صاحب الثلث والمائة شريكًا للورثة بمقدار ما صار له في المحاصة في جميع مال الميت، وفيما بقي من العبد في يد الورثة مما لم يحمله الثلث، ولا تغيير في هذا الوجه، والموصى له بالثلث يتحاصى مع أهل الوصايا بجميع الثلث في ثلث الميت.
فإن لم يوص مع ذلك بشيء، مثل أن يقول: عبدي يخدم فلانًا سنة أو حياته، ثم هو لفلان: فإن حمله الثلث خدم صاحب الخدمة أمد الخدمة، فإذا تمت الخدمة صار لفلان، وإن لم يحمله الثلث، فإنه يقطع لهما من العبد بقدر [محمل] (١) الثلث؛ فيخدم الذي جعلت له الخدمة إن كان ما حمل [الثلث منه] (٢) النصف خدم الورثة يومًا، وخدم الموصى له بالخدمة يومًا، حتى إذا انقضى أمد الخدمة كان نصفه للموصى له بالرقبة بَتْلًا.
فإن لم يضرب للخدمة أجلًا؛ مثل أن يقول: يخدم عبدي فلانًا، ولم يقل حياته، ولم يؤقت من السنين شيئًا، وأوصى أن رقبته لفلان -رجل آخر-[ولم يقل] (٣) من بعده، هل هي وصية واحدة أو وصيتان؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنهما وصيتان، فتقوم الخدمة على غررهما حياة الذي أخدم، وتقوم [الرقبة] (٤) ثم يتحاصان في رقبة العبد بقدر ذلك.
_________________
(١) في أ: تحمل.
(٢) في أ: من الثلث.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: الرقبتان.
[ ١٠ / ١١ ]
وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: أنها وصية واحدة، والخدمة حياة فلان، فإذا مات فلان رجع العبد إلى صاحب الرقبة ملكًا له.
وهو قول أشهب في "المدونة" أيضًا.
وعلى القول بالتحاصص، هل يتحاصص صاحب الرقبة بقيمة الرقبة على أنها لا خدمة فيها [أم لا] (١)؟ قولان متأولان على "المدونة":
أحدهما: أنه يحاص بقيمة الرقبة على أنها لا خدمة فيها، وهو ظاهر قول ابن القاسم عند بعضهم.
والثاني: أنه يحاص بمرجع الرقبة، وهو قول ابن المواز، وحكاه عن ابن القاسم، يقال: ما تسوى هذه الرقبة بشرط أن تخدم هذه سنة، ثم يكون مرجعها لمن أوصى له بها.
فإن كان مرجعها بعد الخدمة إلى حرية أو إلى ورثة الموصى؛ مثل أن يقول: يخدم عبدي فلانًا سنة ثم هو حر، أو قال: ثم يرجع إلى ورثتي، وأوصى مع ذلك بوصايا: فلا يخلو من أن يحمل الثلث جميع الوصايا أو ضاق عنها.
فإن حمل الثلث جميع الوصايا أخذ كل واحد [من] وصيته.
فإن ضاق عنها فلا يخلو العبد من أن يكون كفاف الثلث، أو أكثر منها.
فإن كانت قيمته كفاف الثلث [فإنه] (٢) يعمر العبد أو الموصى له بالخدمة أيهما كان أقصرهما عمرًا على قدر ما يرى الناس، فينظر كم ذلك
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٢ ]
فتقوم تلك السنين ذهبًا على غررها على الرَّجاء والخوف يقال: بكم يتكارى هذا العبد إلى أقصى عمره، أو عمر الموصى له -أيهما أقصر عمرًا على ما قدمناه- على أنه إن عاش إلى ذلك الأمَد، فهو من حق المستأجر وإن مات قبل ذلك فقد بطل حقه، ولا يرجع في بقية ذكر المدة؛ فيتحاص مع أهل الوصايا بأقل العمرين على ما فسرناه في خدمة العبد.
فإذا هلك الموصى له بالخدمة فالعبد حر، ولا يُبَدّى في هذا الوجه بالعتق على الخدمة؛ لأن المعتق إلى أجل، ولا يعتق العبد إلا إلى الأجل الذي جعل عتقه إليه، وهو قبل الأجل عليه الخدمة؛ فتكون تلك الخدمة بين الموصى له بها، وبين الموصى له بالمائة.
فإن انكشف [الغيب] (١) في التعمير خلاف ما عمر؛ مثل أن يزيد عمره على ما عمر أو قصر عن ذلك، هل يعمل على ما انكشف عنه الغيب أو يعمل على ما حكم به ابتداء؟ فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يعمل على ما مضى عليه الحكم ابتداء، ويرد ما بقي بعد انقضاء عمره على أهل الوصايا يتحاصون فيه، وما بقي بعد تمام الوصايا يرجع إلى الورثة، وهو قول ابن القاسم في "العتبية"، و"الموازية"، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أنه يعمل على ما انكشف عنه الغيب، ويؤتنف له التعمير، ويرجع [على] (٢) أهل الوصايا، وهو قول أشهب، وهو القياس.
والقولان حكاهما الباجي [في المنتقى] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: إلى.
(٣) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٣ ]
وسبب الخلاف: اختلافهم في المجتهد، هل يعذر [باجتهاده] (١) أم لا؟
فإن كان الثلث لا يحمل جميع العبد، وأبَى الورثة أن يجيزوا وصية الميت، هل تسقط الخدمة، ويبدأ بالعتق أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الخدمة ساقطة، ويبدأ بالحرية، وهو قول ابن القاسم في "المدونة"، و"المجموعة".
والثاني: أنه يبدأ بالخدمة، فيخدم ثلثه فلانًا سنة، ثم هو حر؛ كما يفعل إذا كان للعبد ثلث الميت، وهو قول أشهب، وأحد قولي مالك.
ووجه القول الأول: أن العبد لو أعتق جميعه لزمته الخدمة [فإذا أعتق بعض كان أولى أن يخدم، فإذا لم تسقط الخدمة] (٢) بعتق جميعه، فبأن لا تسقط بعتق بعضه أولى.
ووجه القول الثاني: أن الثلث إذا ضاق عن الوصايا قدم العتق المعين، فتقديمه يقضي بإبطال الوصية.
وإذا لم يعتق من العبد إلا ثلثه، ومنع ضيق الثلث من نفوذ جميع الوصية، وذلك يوجب إنفاذ عتق ما حمل الثلث منه، ولا يصح ذلك إلا بإبطال الخدمة، والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: في اجتهاده.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٤ ]
المسألة الثالثة إذا أوصى بعبده لرجل، وأوصى بسدس ماله لآخر
فقد قال مالك في "الكتاب": ينظر إلى قيمة العبد، فإن كان العبد هو ثلث مال الميت كان للموصى له بالعبد ثلث الثلث في العبد، وكان للموصى له بالسدس ثلث الثلث فيما بقى من العبد، ومن جميع مال الميت يكون شريكًا مع الورثة في ذلك التسع، أو بالسبع على اختلاف الروايات.
قلت: أرأيت إن كانت قيمة العبد الذي أوصى به نصف الثلث، وقد أوصى لآخر بالسدس، قال: يكون للموصى له بالعبد جميع العبد، ويأخذ الموصى له بالسدس وصيته فيما بقى يكون شريكًا للورثة بالخمس، وهذا قول مالك؛ فهذا نص ما في المدونة.
وهو كلام يحتاج إلى تفسير؛ لأن المسألة حسابية.
وصورتها أن يترك الميت العبد، وأربعمائة دينار، وقيمة العبد مائتان، فالعبد هو الثلث، فيقطع لمن أوصى له بالعبد، فيأخذ ثلثيه؛ لأن وصيته سهمان ووصية صاحب السدس سهم؛ لأنه وصى له بالسدس، فيكون شريكًا بثلث الثلث، ولا يقوم ذلك إلا من تسعة؛ فثلث التسعة ثلاثة؛ فسهمان [منها] (١) للموصى له بالعبد، وسهم للذي أوصى له بالسدس؛ وهو سبع ما بقي بعد السهمين، وهو تسع جميع المال.
وعلى هذا يتخرج ما في "الكتاب".
وإن كان العبد هو نصف الثلث، وهو السدس، فعلى قول مالك في "الكتاب" يأخذ العبد صاحبه من ستة، وبقيت خمسمائة يأخذ الموصى له
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٥ ]
بالسدس مائة، فاستكملا الثلث.
وعلى قول ابن القاسم في العتبية إذا كان العبد يساوي مائة وترك خمسمائة، فأوصى بالعبد لرجل وبالسدس لرجل آخر أن صاحب العبد يأخذ خمس أسداسه؛ لأنه انفرد بذلك [ويأخذ الموصى له بالسدس سدس الخمسمائة؛ لأنه انفرد بذلك] (١)، ويبقى سدس العبد وصى به لهذا، فيجب أن يقسم ذلك بينهما نصفين.
فهذه صورة المسألة وتفسيرها، والحمد لله وحده.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٦ ]
المسألة الرابعة في الوصية بالحج
واتفق المذهب عندنا أن الوصية بالحج مكروهة في الابتداء.
واختلف بعد وقوعها في وجوب تنفيذها على قولين:
أحدهما: وجوب تنفيذها، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه لا يجب تنفيذها على الورثة إلا أن يشاؤوا، وهو قول ابن كنانة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في تصويب المجتهدين؛ وهل كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد؟
فعلى القول بوجوب تنفيذها، فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يوصي بذلك إلى مجهول.
والثاني: أن يوصي بذلك إلى معين معقول.
فإن أوصى بذلك إلى مجهول؛ مثل أن يوصى أن يحج عنه بثلث ماله: فعلى الورثة أو الوصي أن يختاروا لذلك رجلًا حرًّا بالغًا مكلفًا، فيدفعوا له المال ليحج به عن الميت، ويختار لذلك من قد حج أحب إلى مالك، فإن دفع لمن لم يحج أجزأهم، وإن دفعوه إلى عبد أو صبي، أو من هو غير مخاطب بالحج، فلا يخلو من أن يكون ذلك منهم على معنى العمد، أو على معنى الخطأ والجهل.
فإن فعلوه على معنى العمد، فلا خلاف في وجوب الضمان على من دفع.
[ ١٠ / ١٧ ]
وإن كان على معنى الخطأ، والجهل، فهل يضمنوا أم لا؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: سقوط الضمان عنهم؛ فإنهم بجهلهم معذورون.
وهو قول ابن القاسم في "كتاب الوصايا الثاني" من "المدونة".
والثاني: وجوب الضمان على من دفع، وهو نص قول الغير في "كتاب الوصايا [الثاني] (١) " من "المدونة"، ويؤخذ من قول ابن القاسم في "كتاب الزكاة الأول" من "المدونة" في المخطيء في الزكاة يدفعها إلى نصراني، أو غني، وهو لا يعلم حيث قال: إن الدافع يضمن.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المجتهد، هل يعذر باجتهاده أم لا؟
ثم لا يخلو قابض المال ليحج به عن الميت من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يأخذه على البلاغ] (٢).
والثاني: أن يأخذه على الإجارة.
والثالث: أن يأخذه على الضمان.
فإن أخذه على البلاغ؛ فإنه يرجع بالنقصان، ويرد الزائد، مثل أن يقول [له] (٣): خذ هذه الدنانير، فحج بها عن فلان، فإن فرغت قبل تمام الحج كان علينا التمام، وإن فضلت منها فضلة بعد الإياب كانت الفضلة لنا، فهذا معنى البلاغ.
فإن ترك شيئًا من مناسك الحج مما يجب فيه الدم، فإن أخذ المال على
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٨ ]
معنى الإجارة، فالدم عليه في ماله -تركه عامدًا أو ناسيًا- وإن أخذه على معنى البلاغ، فالدم في ماله إن تركه عمدًا، وفي مال الميت إن تركه ناسيًا.
فإن أخذه على معنى البلاغ، وسقطت عنه النفقة في طريقه، فلا يخلو من أن يكون ذلك قبل الإحرام، أو بعد الإحرام.
فإن ضاع قبل الإحرام، فإنه يرجع من موضع سقطت منه، ونفقته في رجوعه من مال الميت، فإن تمادى ولم يرجع فهو متطوع ولا شيء له عليهم في ذهابه.
فإن ضاع بعد الإحرام، فليمض في حجه، فإنه لما أحرم لم يستطع الرجوع، ويَتَسَلَّق ما ينفق في ذهابه ورجوعه، ويرجع بذلك على الذي دفع إليه المال.
ولو أخذه على الإجارة، فسقط لكان ضامنًا للحج أحرم، أو لم يحرم.
وهذا كله نص قول مالك في "كتاب الحج الثاني" من "المختلطة".
فإن أخذه على الإجارة؛ مثل أن يستأجره بكذا، وكذا دينار على أن يحج [عن] (١) الميت، فهذه الإجارة له ما زاد، وعليه ما نقص.
وإن أخذه على معنى الضمان، فهو بمعنى الجعل.
فإن مات قبل تمام الحج، فلا شيء له على سنة الجعل، وعلى هذا تأول ابن لبابة ما وقع له في "المدونة" في آخر الباب حيث قال: والناس يعرفون كيف يأخذون، إن أخذوا على البلاغ، فهو على البلاغ، وإن أخذوا على أنهم ضمنوا الحج، فقد ضمنوا.
وخالفه في ذلك جماعة من المتأخرين، وقالوا: معنى الضمان أن
_________________
(١) في أ: على.
[ ١٠ / ١٩ ]
يأخذه على الإجارة، فيرجع إلى وجهين.
وأما الوجه الثاني: إذا أوصى به إلى معين معقول، فلا يخلو ذلك المعين من أن يكون وارثًا أو أجنبيًا.
فإن كان وارثًا دفع له من المال قدر نفقته، وكرائه ذاهبًا وراجعًا، ويرد الزائد على ذلك؛ لأنه وصية لوارث.
فإن كان أجنبيًا، فلا يخلو من أن يكون بالغًا مكلفًا، أو غير بالغ غير مكلف.
فإن كان بالغًا مكلفًا؛ مثل أن يقول: يحج عني فلان بثلثي، فلا يخلو من أن يرضى ذلك الرجل، أو يأبي.
فإن رضي بذلك فلا إشكال.
وإن أبى وامتنع، هل يعطي المال لغيره أم لا؟
فلا يخلو الموصي من أن يكون ضرورة أو غير ضرورة.
فإن كان ضرورة، فإنه يدفع لغيره قولًا واحدًا في المذهب.
وإن كان غير ضرورة، فهل ترجع الوصية ميراثًا أم لا؟ فعلى قولين منصوصين في "الكتاب":
أحدهما: أنها ترجع ميراثًا، ولا تعطى لغيره، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنها تدفع لغيره، ولا ترجع ميراثًا، وهو قول [غيره] (١) في "الكتاب"؛ لأن الحج إنما قصد به نفسه.
فإن كان الموصى له غير بالغ، أو بالغ غير مكلف؛ مثل أن يقول في وصيته: يحج عني فلان، وهو صبي صغير، أو قال: يحج عني عبد
_________________
(١) في ب: الغير.
[ ١٠ / ٢٠ ]
فلان، فإن أذن سيده للعبد، وأذن والده للصغير فحجا عنه، فإنه يجزئه؛ لأنه لما قصدهما علمنا أنه أراد التطوع.
فإن لم يكن للصبي والد، [أو] (١) أذن له الولي أن يحج عن الميت، فإن خيف عليه في ذلك مشقة وضيعة من السفر، فلا يجوز إذنه في ذلك.
فإن لم يخف عليه في ذلك، وكان قويًا على الذهاب، فهل يجوز إذن الولي في ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "الكتاب":
أحدهما: أن إذنه في ذلك جائز، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أن ذلك لا يجوز، وهو قول الغير.
والقولان في "كتاب الوصايا الثاني" من "المدونة" [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في أ: فإن.
(٢) زيادة من ب.
[ ١٠ / ٢١ ]
المسألة الخامسة في الذي يوصي بوصيتين واحدة بعد أخرى
ولا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: أن يوصي بهما لشخص واحد.
والثاني: أن يوصي بهما لشخصين.
فإن أوصى بهما لشخص واحد، فلا يخلو من أن تكون الوصيتان من جنس واحد، أو من جنسين، فإن كانتا من جنس واحد، فلا يخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون الوصيتان معينتان.
والثاني: أن تكونا مجهولتين.
والثالث: أن تكون إحداهما معينة، والأخرى مجهولة.
فإن كانتا معينتين مثل أن يوصى لرجل بعبده ميمون، ثم أوصى له بعبده مرزوق: فلا خلاف في المذهب أن له الوصيتين جميعًا إن حملهما الثلث أو ما حمل الثلث منهما من غير التفات إلى اتفاق الوصيتين في العدد بعد التنصيص على التعيين.
فإن كانتا مجهولتين، فلا تخلو من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون الوصيتان بمسميين.
والثاني: أن تكونا بجزءين.
والثالث: أن تكون إحداهما بشيء مسمى، والأخرى بجزء.
فإن كانتا بمسميين؛ مثل أن يوصي لرجل بعدد مسمى ثم أوصى له
[ ١٠ / ٢٢ ]
بعدد من ذلك الجنس، فلا يخلو من أن يتفق العددان قدرًا وصفة أو اختلفا.
فإن اتفقا قدرًا وصفة؛ مثل أن يوصي له بعشرة دنانير، ثم أوصى له مرة أخرى بعشرة دنانير، والسكة واحدة، فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن له العشرة خاصة، ويعد ذلك منه تكرارًا، وهو قوله في "كتاب محمَّد"، وهو ظاهر "المدونة".
والثاني: أن له الوصيتين جميعًا، وهو قول مطرف، وابن الماجشون.
والثالث: التفصيل بين أن يكون ذلك في كلام نسق، فتكون له الوصيتان، أو يكون في كلامين أو كتابين، فتكون وصية واحدة، وهو اختيار اللخمي.
[فإن اختلفا قدرًا وصفة؛ مثل أن يوصي له بعشرة دنانير، ثم أوصى له بعد ذلك بعشرين، فالمذهب على ثلاثة أقوال] (١).
أحدها: أن له الأكثر قدم الأكثر في [الوصية] (٢) أو آخره، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: التفصيل بين أن يقدم الأكثر على الأقل، فتكون له الوصيتان؛ مثل أن يوصي له بعشرين، ثم بعشرة، فيكون له ثلاثون، أو قدم الأقل على الأكثر، فيكون له الأكثر، وهو قول عليّ بن زياد.
والثالث: التفصيل بين أن تكونا بكتابين أو بكتاب واحد؛ فإن كانتا بكتابين، فله الأكثر كما قال ابن القاسم في "الكتاب".
وإن كانتا بكتاب واحد، وقدم الأكثر فهما وصيتان، وهو قول مطرف،
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٣ ]
وابن الماجشون.
واختلاف الصفة كاختلاف الجنس، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
فإن كانت الوصيتان بجزءين، فلا يخلو من أن يكونا جزءين متفقين أو مختلفين.
فإن كانا جزءين متفقين؛ مثل أن يوصي لرجل بربع ماله أو سدسه، ثم أوصى له بذلك الجزء مرة أخرى، فالجواب فيه كالجواب في فصل المسمى إذا استوى العددان، ولا فائدة في التكرار.
فإن كانا جزءين مختلفين؛ مثل أن يوصي له بالرُّبع ثم أوصى له مرة أخرى بالسدس، فإنه يجري على الخلاف الذي قدمناه في العين حرفًا حرفًا.
إذا أوصى له بعد ذلك أقل أو أكثر، فلا فائدة للإطالة.
وأما إن كانت إحدى الوصيتين بشيء مسمى، والأخرى بجزء؛ مثل أن يوصي له بعشرة دنانير ثم أوصى له بعد ذلك بثلث ماله: فلا يخلو ماله من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون كله عينًا.
والثاني: أن يكون كله عروضًا.
والثالث: أن يكون بعضه عينًا، وبعضه عروضًا.
فإن كان ماله كله عينًا، فإنك تنظر، فإن استبَدّ بالوصية كان له جميع الثلث، فإن زاحمه أهل الوصايا ضرب معهم بالأكثر من العشرة أو جميع الثلث، وهو قول مالك في الكتاب على ما فسره سحنون في "المجموعة" أن ماله كله عين، ويكون قوله تفسيرًا على ما في المدونة.
[ ١٠ / ٢٤ ]
فإن كان ماله [كله] (١) عروضًا ضرب مع أهل الوصايا بالثلث وبالتسمية، فإن لم يكن معه وصايا، فله الثلث إلا أن يجيز الورثة الوصيتين.
فإن كان ماله عروضًا وعينًا، وانفرد بالوصية كان له ثلث جميع المال إن لم يجيزوا الورثة، فإن كان معه الوصايا ضرب معهم بثلث العروض، وبالأكثر من ثلث العين، والتسمية، وهو قول ابن حبيب.
وأما الوجه الثالث من أصل التقسيم: إذا كانت إحدى الوصيتين معينة، والأخرى مجهولة؛ مثل أن يوصي له بعبده ميمون، ثم أوصى له مرة أخرى بعبد من عبيده: فإن كان ذلك في كلام نسق فله الوصيتان جميعًا إن حملهما الثلث، أو ما حمل منهما.
فإن كان ذلك كلامًا منفصلًا؛ مثل أن يوصي له اليوم بعبده ميمون، ثم يوصي له يومًا آخر، أو ساعة أخرى بعبد من عبيده، فإن قدم المجهول، وأخر المعين فهي وصية واحدة، ويكون قوله آخرًا تفسيرًا لما قاله أولًا.
فإن قدم المعين في الوصية، وأخر المجهول فقولان:
أحدهما: أنها وصية واحدة، ولا يكون له إلا المعين.
والثاني: أنهما وصيتان.
والقولان متأولان على "المدونة".
والجواب عن الوجه الثاني من الوجه الثالث من أصل التقسيم: وهو إذا كانت الوصيتان من جنسين؛ مثل أن يوصي له بعبد، ثم أوصى له بدار، أو بدابة، أو بعرض، أو بعين: فلا خلاف في المذهب أن له الوصيتين
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٥ ]
جميعًا إن حملهما الثلث من غير اعتبار بتساوي العدد، واختلافه، وتقدم الأكثر وتأخره.
واختلف في الوصية بالنوعين واحدة بعد أخرى؛ مثل أن يوصي له بدنانير ثم أوصى له مرة أخرى بدراهم، أو أوصى له بأرادب من سمراء، ثم أوصى له بعد ذلك بأرادب من محمولة، أو شعير هل هما كالصنفين، فتكون له الوصيتان أو كالصنف الواحد، فينظر إلى المساواة، والاختلاف في تقديم الأقل على الأكثر على حسب ما تقدم تفصيلًا وتأصيلًا.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: وهو أن يوصي بذلك لشخصين؛ مثل أن يوصي بثلث ماله لزيد، أو بشيء بعينه، ثم أوصى بذلك الشيء بعينه لعمرو: فلا يخلو من أن يكون في الوصية الثانية دليل على نقض الأولى أم لا.
فإن كان في الثانية ما ينقض الأولى؛ مثل أن يقول: الشيء الذي أوصيت به لزيد هو لعمرو: فلا خلاف في هذا الفعل أن الأولى باطلة، والثانية صحيحة.
وإن لم يكن فيها ما ينقضها، فإنهما مشتركان في الوصية، ويكون [كأنه] (١) أوصى لهما بوصية واحدة يشتركان فيها.
واختلف إن رد أحدهما وصية، أو مات قبل موت الموصي، هل تكون جميع الوصية للباقي منهما، أو تكون لورثة الموصي محاصة الباقي بحق الراد أو الميت؟
على ثلاثة أقوال كلها منصوصة في "المدونة":
أحدها: أن الوصية كلها للباقي منهما على الموصي بموت الميت منهما أم
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٦ ]
لا.
والثاني: أن للورثة محاصة الباقي علم [الموصي] (١) بموته أم لا.
والثالث: التفصيل بين أن يعلم الموصي بموت الميت، فتكون جميع الوصية للباقي، وإن لم يعلم، فللورثة محاصة الباقي.
وسبب الخلاف: الاستدامة هل هي كالإنشاء أم لا؟
فإن أوصى بعبده لزيد، ثم أوصى ببيعه لعمرو، فإنه يباع لعمرو بثلثي الثمن، ويدفع ذلك الثمن لزيد.
فإن أوصى به لزيد، ثم أوصى به للعتق، فعلى ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الآخرة أحق به من الأولى عتقًا كان أو ملكًا، وهو مذهبه في "المدونة".
والثاني: أن العتق أولى -قدم أو أخر- وهو قول أشهب تعصيبًا للعتق، [وهو ظاهر قول ابن القاسم في "كتاب العتق" فيما إذا وهب عبده لرجل، فلم يقبضه الموهوب حتى أعتقه الواهب، فقال: إن العتق أولى من الهبة] (٢).
والثالث: أنهما يتحاصان فيه العتق، والملك؛ فيكون نصفه عتيقًا ونصفه مملوكًا للموصى له إذا حمله الثلث قياسًا على ما لو أوصى به لرجلين، وهو ظاهر "المدونة"، وليس وصيته به للعتق بأولى من وصيته [به] (٣) لزيد [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من ب.
(٣) سقط من أ.
(٤) زيادة من ب.
[ ١٠ / ٢٧ ]
المسألة السادسة في الوصية بمثل نصيب أحد بنيه
فالكلام في هذه المسألة على عشرة أسئلة:
أحدها: أن يقول: لفلان مثل نصيب أحد بني.
والثانى: أن يقول: لفلان مثل نصيب أحد ولدي.
والثالث: أن يوصي له بمثل نصيب أحد ورثته.
والرابع: أن يوصي له بنصيب أحد ولده، ولم يقل مثله.
والخامس: أن يقول: اجعلوا فلانًا من جملة ورثتي أو كأحدهم.
والسادس: أن يقول: لفلان سهم [مثل سهم] (١) أحد ورثتي.
والسابع: أن يوصي له بجزء من ماله.
والثامن: أن يوصي له بسهم من ماله.
والتاسع: أن يوصي له بمثل نصيب أحد ولده، ولا ولد له يومئذ.
والعاشر: إذا أوصى له بمثل نصيب أحد ولده، فمات بعضهم قبل موت الموصى، أو ولد له آخر قبل موته.
فالجواب عن السؤال الأول: إذا أوصى له بمثل نصيب أحد بنيه، هل يكون ثالثهم إن كانا اثنين، أو رابعهم إن كانوا ثلاثة أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يأخذ القدر الذي يصح لأحدهم دون انضمامه إليهم؛ مثل أن يكون اثنين، فيأخذ النصف، أو ثلاثة فيأخذ الثلث، وهو نص
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ٢٨ ]
"المدونة".
والثاني: أنه كواحد منهم؛ فإن كانوا ثلاثة صار رابعهم، وهو مذهب أهل الفرائض من أهل المذهب.
وسبب الخلاف: هل النظر إلى لفظ الموصي أم النظر إلى مقصده.
والجواب عن السؤال الثاني: إذا أوصى له بمثل نصيب أحد ولده، فلا يخلو من أن ينفرد الأولاد بالميراث أو يشاركهم غيرهم فيها.
فإن انفردوا بالميراث، فهل يكون كأحدهم، أو يأخذ النصيب الذي يصح لأحدهم؟
فعلى الخلاف الذي قدمناه، غير أن الذكر والأنثى في ذلك سواء.
فإذا أخذ الموصى له ما أخذ رجع الورثة، فجمعوا متاعهم، وقسموا على فرائضهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
فإن شاركهم غيرهم في الميراث كالأولاد مع الزوجة، والأبوين، فإن الذي يشاركهم في الميراث يأخذ سهمه، ويأخذ الأولاد سهامهم، ثم يأخذ الموصى له مثل نصيب أحدهم على عددهم، ثم يجمع نصيب الزوجة، والأبوين إلى الباقي بعدما أخذ الموصى له ما أخذ، فيقسمونه على فرائض الله تعالى.
والجواب عن السؤال الثالث: إذا أوصى له بمثل نصيب أحد ورثته، فهذا ينظر إلى عدد ما ترك من الورثة من الأولاد وغيرهم، فيقسم المال على عددهم، فيأخذ الموصى له مثل نصيب أحدهم، ثم يرجع الورثة فيقسمون ما بقي على فرائضهم؛ لأن الوارث اسم لكل من يرث ولدًا كان أو غيره.
والجواب عن السؤال الرابع: إذا أوصى له بنصيب أحد ولده، ولم
[ ١٠ / ٢٩ ]
يقل مثله، فقولان:
أحدهما: أنه يأخذ مثل نصيب أحدهم على عددهم، الذكر والأنثى فيه سواء، وهو قول مالك وابن القاسم.
والثاني: أن له نصف نصيب الذكر، ونصف نصيب الأنثي، وهو قول عبد الملك، وهو أقيس.
والجواب عن السؤال الخامس: إذا قال: اجعلوا فلانًا من جملة ورثتي أو كأحدهم فلا خلاف في هذا الوجه أنه وارث من الورثة وواحد منهم؛ إن كان ذكرًا أخذ ميراث الذكر، وإن كان أنثى أخذ ميراث الأنثى، ما لم يكن ما يأخذ أكثر من الثلث فيكون الخيار للورثة.
والجواب عن السؤال السادس: إذا قال: لفلان سهم مثل سهم أحد ورثتي أو أحد ولدي، فبمنزلة ما لو قال: له مثل نصيب أحد ورثتي، أو أحد ولدي، وقد تقدم الجواب فيه؛ فلا فائدة للتكرار.
فالجواب عن السؤال السابع والثامن: إذا أوصى له بجزء، أو بسهم من ماله، فقد اختلف فيه المذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن له الثمن؛ لأنه أقل سهم ذكره الله تعالى في الفرائض.
والثاني: أنه يعطي له سهم من سهام الفريضة -قلت السهام أو كثرت- وهو الذي اختاره ابن المواز، وذكر أن عليه جُلّ أصحاب مالك.
والثالث: أنه يعطي سهم من سهام [الفريضة] (١) إن كانت تنقسم على ستة، فأقل ما لم تجاوز الثلث فيرد إلى الثلث إن لم يجيزوا الورثة.
فإن انقسمت فريضتهم على أكثر من ستة، فلا ينقص من السدس؛ لأن الستة أصل من أصول الفرائض، وهو أضعف الأقوال.
_________________
(١) في أ: فريضته.
[ ١٠ / ٣٠ ]
وهذا كله نقله التونسي من كتاب ابن المواز عن ابن عبد الحكم.
والجواب عن السؤال التاسع: إذا أوصى له مثل نصيب أحد ولده، ولا ولد له بعد، وجعل يلتمس الولد حتى مات، ولم يولد له، فلا شيء للموصى له.
والجواب عن السؤال العاشر: إذا أوصى له بمثل نصيب أحد ولده، فمات بعضهم قبل موت الموصى أو ولد آخرون قبل موته: فإنه ينظر إلى عددهم يوم مات الموصي لا قبل ذلك، فيكون للموصى له مثل نصيب أحدهم على ما تقدم [والحمد لله وحده] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ١٠ / ٣١ ]
المسألة السابعة في الوصية لولد [فلان
فلا يخلو الحكم فيها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون أولاد فلان محصورين محدودين، ولا يطمع لفلان في زيادة الولد بعد ذلك؛ إما] (١) لفقده، وإما لعلة طرأت عليه كالجب والعنة.
والثاني: أن يكون له أولاد في حين الوصية، ويرجى له زيادة النَّسْل في ثاني حال.
والثالث: أن يكون لا ولد له في حين الوصية، ويرجى له الأولاد في المستقبل.
والجواب عن الوجه الأول: إذا كان أولاده محصورين في حين الوصية، ولا مطمع له في تزايد الولد في ثاني حال، فلا يخلو من أن يسميهم عند الوصية تصريحًا بالتعيين، أو ما يفهم منه التعيين كالإشارة؛ مثل قوله: على أولاد فلان هؤلاء، وأطلق دون تعيين، فلا خلاف في المذهب أن الوصية مقصورة عليهم، وأن المراعي فيها يوم الوصية، ومن مات منهم قبل القسم، فورثته يقومون مقامه.
فإن لم يعينهم، ولا أشار إلى التعيين، فهل هم كالمعينين بحصرهم وعددهم، وقلة عددهم، أو كالمجهولين لعدم التصريح بالتعيين، أو ما يقوم مقامه؟
فالمذهب على قولين متأولين على "المدونة":
_________________
(١) سقط من ب.
[ ١٠ / ٣٢ ]
أحدهما: أنهم كالمعينين، وهو المشهور، وهو ظاهر "المدونة" من قوله: وولد ذلك الرجل عشرة، إلا أن يقول في هذا الوجه ولد فلان، وعقبهم، فيكونوا كالمجهولين قولًا واحدًا.
والثاني: أنهم كالمجهولين، وهو قوله في "الكتاب" في مسألة الأخوال.
فعلى القول بأنهم كالمعينين، فالنظر إلى يوم [الوصية، وعلى القول بأنهم كالمجهولين، فالنظر إلى يوم] (١) القسمة، ولا شيء لمن مات قبل ذلك، فعلى هذا القول، فهل يقسم بينهم بالسواء أو بالاجتهاد؟ فقولان.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا كان له أولاد حين الوصية، ويرجى له زيادة النسل في ثاني حال.
فإن عين الموجودين وخصهم فلا خلاف.
وإن أطلق وأبهم، فقولان منصوصان في المذهب متأولان على المدونة على ما ذهب إليه سحنون في الباب الثاني حيث قال: وولد ذلك الرجل عشرة أن الثلث بينهم بالسواء.
قال سحنون: قول عبد الرحمن في هذه المسألة أحسن، والمشهور أنهم كالمجهولين.
واختلف المتأخرون في التناقض الذي [ألزمه] (٢) سحنون لابن القاسم، هل يلزم أم لا؛ فمنهم من يقول: إن ذلك لا يلزم، وإنما هو اختلاف السؤال؛ لأن السؤال الأول قال فيه: لولد ولدي؛ فأطلق فيحمل على المجهولين، والسؤال الثاني قال فيه: لولد فلان -وهم عشرة- فيحمل
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: ألزمها.
[ ١٠ / ٣٣ ]
على التعيين أو يحمل على أنه اختلاف السؤال.
ومنهم من ذهب إلى أن ذلك اختلاف حال؛ لأنه إنما تكلم في الباب الثاني على صفة اختلاف القسم بين الوصايا، والأحباس فساوى بينهم في قسمة الوصايا، والأحباس تقسم بالاجتهاد.
وهذا هو الأظهر لمن أنصف وتأمل ما في الكتاب.
ومنهم من أحسن [النظر] (١)، وقلد سحنونًا، وجعل ذلك اختلاف [قول] (٢)، وحمل ما في الكتاب على ظاهره.
وسبب الخلاف على هذا التأويل: هل المعتبر قصد الموصي أو المعتبر صيغة اللفظ؟ فمن اعتبر قصد الموصي جعلهم كالمعينين، فكأن الموصي قد قصد إلى أعيان الموجودين دون غيرهم؛ فيقسم بينهم بالسواء ملكًا لهم، ومن مات منهم قبل القسم ورث [عنه] (٣) حقه.
ومن اعتبر صيغة اللفظ أن ذلك لمن حضر القسم إما بالسواء، وإما بالاجتهاد على الخلاف الذي قدمناه؛ فعلى القول بالسواء يكون ملكًا لهم، وعلى القول بالاجتهاد يكون موقوفًا بأيديهم على معنى الاستغلال والانتفاع به، ويتجرون في العين، ويكون لهم الربح، ويضمنون رأس المال.
وفائدة الإيقاف ليدرك من ولد بعد ذلك حقه فيه.
فإن انقرضوا جميعًا، ولا ولد يرجى، وقد مات من كان [فلورثتهم] (٤) الدخول في ذلك على قدر مواريثهم من آبائهم، ويكون ذلك ملكًا لهم.
_________________
(١) في أ: الظن.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: عنهم.
(٤) في أ: فلورثته.
[ ١٠ / ٣٤ ]
والجواب عن السؤال الثالث: إذا كان فلان لا ولد له حين الوصية، ولكن يرجى له النَّسْل في المستقبل، فإن كانت امرأته حاملًا حين الوصية، فالوصية لذلك الحمل وحده ذكرًا كان أو أنثى، ويحمل على أنه هو المقصود بالوصية.
فإن ولد كانت له.
فإن أسقطته أو وُلِدَ ميتًا بطلت الوصية، ولا شيء لمن يولد له بعده، وهذا نص اللخمي، وفيه نظر.
فإن كانت حائلًا، فلا يخلو الموصي من أن يعلم أنه لا ولد له، أو لا يعلم.
فإن لم يعلم، فالوصية ساقطة.
فإن علم أنه لا ولد حملت الوصية على كل من يولد له بعد ذلك، وإن كثروا، وتوقف في يد الأب.
فإن مات قبل أن يولد له، أو آيس له من ولد رجعت الوصية إلى ورثة الموصي يقسمونها على فرائضهم يوم مات الموصي؛ فمن ولد كانت جميع الوصية في يده على معنى الانتفاع، وكل من ولد يدخل فيها، ومن مات منهم لم يمكن ورثته من الدخول في حقه حتى ينقرضوا جميعًا ثم يكون لورثتهم أجمعين.
فإن أوصى لتميم أو لقريش، فلا خلاف في المذهب أن ذلك لمن حضر القسم، وأن القسم فيها على الاجتهاد لا على السواء.
واختلف هل يدخل معهم مواليهم في الوصية أم لا. على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن لا حظ فيها للموالي جملة، وهو قول مالك في "المدونة".
[ ١٠ / ٣٥ ]
والثاني: أنهم يدخلون فيها جملة، وهي رواية ابن حبيب عن ابن الماجشون.
والثالث: التفصيل بين قول الموصي لبني فلان، فلا يدخل معهم الموالي؛ لأن "بني" تقتضي الصلبية، وإن قال: لفلانة -كقولهم: لتميم أو لقيس- فإنهم يدخلون معهم؛ لأن الاسم [يشتمل] (١) الصلبية والموالي.
وقوله: وصيتي لموالي فلان كوصيته لولد فلان لا فرق سواء، [والحمد لله وحده] (٢).
_________________
(١) في أ: يقتضي.
(٢) زيادة من ب.
[ ١٠ / ٣٦ ]
المسألة الثامنة في إجازة الورثة للموصي أكثر من الثلث، وكان ذلك بسؤال من الموصي أو بغير سؤال
ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون ذلك في حالة الصحة.
والثاني: أن يكون في حال المرض.
والثالث: أن يكون بعد الموت.
فأما الوجه الأول: إذا كانت الإجازة في الصحة، فلا يخلو من أن يكون ذلك لسبب أو لغير سبب.
وإن كان ذلك لسبب كالغزو والسفر، فأذن له الورثة أن يوصي بأكثر من ثلثه، ثم مات بسفره ذلك، هل يلزم الورثة ذلك الإذن أو لا يلزم؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لازم لهم كالمرض، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أنه لا يلزمهم، وأن لهم الرجوع عنه، وهو قول ابن وهب، وبه قال أصبغ.
فإن كان لغير سبب، فلا خلاف في المذهب أنه لا يلزم الورثة، وأن لهم الرجوع في ذلك؛ لأنها حال لم يتعلق لهم فيها بالتركة حق.
وأما الوجه الثاني: إذا كانت الإجازة في المرض، فلا يخلو من أن يتخلل بين وصيته ومرض وفاته صحة، أو لا يتخللها.
[ ١٠ / ٣٧ ]
فإن تخللها صحة بينة، فلا يلزم ذلك الإذن الورثة إن رجعوا عنه؛ لأنه تخلل بين الإذن والوفاة حالة لا يصح فيها الإذن -وهي حالة الصحة- وهي رواية يحيى عن ابن القاسم، وعليهم اليمين أن سكوتهم ما كان منهم رضا لاستدامة الإذن المتقدم، وهو قول ابن كنانة.
فإن لم يتخلل بين الإذن والوفاة وقت صحة، فهل يلزم ذلك الإذن الورثة أو لا يلزم؟
فلا يخلو الوارث الذي أذن من أن يكون نائبًا عنه، أو هو في عياله.
فإن كان نائبًا عنه، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك الإذن لازم له، ولا رجوع له عنه، وهو قوله في "المدونة"، وهو المشهور.
والثاني: أنه لا يلزمه، وأن له الرجوع فيه، وهو قول عبد الملك في "المجموعة" في مريض باع عبدًا بأقل من قيمته بأمر بين أنه لا إجازة لورثته في ذلك قبل الموت، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة.
ووجه القول الأول أنها حال يتعلق فيها للوارث بالمال حق، فوجب أن يعتبر إذنه؛ قياسًا على ما بعد الموت؛ لأن المريض محجور عليه في التصرف في الزائد على الثلث لحقهم.
ووجه القول الثاني: أنها حال لا يجوز للوارث فيها التصرف في هذا المال؛ فأشبه حال الصحة؛ إذ لا يعلم لعل غيره هو الوارث له.
فإن كان هذا الوارث المجيز باق في عيال الموصي، ومن جملة من يُمَوّنه، فلا يخلو من أن يكون محجورًا عليه، أو غير محجور.
فإن كان محجورًا عليه كالبكر، والسفيه البالغ، فلا خلاف في المذهب، أن إذنهم غير معتبر وأنه غير لازم لهم.
[ ١٠ / ٣٨ ]
فإن كان بالغًا رشيدًا، فهل له الرجوع فيما أذن فيه أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن لهم الرجوع في ذلك، وأن إذنهم غير لازم لهم، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" وغيرها.
ووجهه أنه يخاف على نفسه إن لم يجوز [له] (١) ذلك إذا صح من مرضه أن يقطع عنه رفده ورفقه الذي يناله منه.
والثاني: التفصيل بين من يخدع في عقله، ومن تغلب عليه الهيبة منه، فله الرجوع، ومن لا يُخْدَع، ولا تُدركه الهيبة منه، ولا يخاف فليس له الرجوع، وهو قول أشهب في "الموازية".
وقال: ورب زوجة لا تهابه، ولا تخاف منه، فهذه لا ترجع، وكذلك الابن الكبير، وهو في عيال أبيه، فلا رجوع له إذا كان مما لا يُخدع.
وهذا كله إذا كانت الإجازة بسؤال.
فإن كانت بغير سؤال من الموصي، هل يكون الرجوع في الإذن لمن له العذر كما كان له إذا كان الإذن بسؤال أم لا؟
على قولين متأولين على الكتاب:
أحدهما: أن جوازه على السواء؛ لأنهم يقولون: بادرنا بالإجازة لتطيب نفسه، وخشينا منه إن لم نبادر. وهو تأويل بعض الصقليين.
والثاني: أن الإجازة متى كانت بغير سؤال لم يكن لمن أجاز رجوعًا -كان في عياله أو لم يكن- وهذا تأويل بعض القرويين، وإليه ذهب التونسي وغيره.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ٣٩ ]
وأما الوجه الثالث: إذا كان الجواز بعد الموت، فلا خلاف في نفوذه وإمضائه؛ لأنه حال واجب لهم المال فيها بلا خلاف إذا كان ممن يجوز أمره، ويحكم عليه بإمضاء تصرفه.
تم [كتاب الوصايا الثاني] (١) بحمد الله وعونه.
_________________
(١) في أ: الكتاب.
[ ١٠ / ٤٠ ]
كتاب القطع في السرقة
[ ١٠ / ٤١ ]