تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها خمس مسائل:
المسألة الأولى في حد الغَرَر وتفسيره
اختلف العلماء في حَدِّ الغَرَر وحقيقته؛ فمنهم من يقول: الغرر ما له ظاهر محمود، وباطن مكروه؛ ومنه قيل للدنيا: متاع الغرور.
وقيل: الغرور: ما له عائلة ذميمة وعاقبة وخيمة.
وقيل: هو تردد بين السلامة والعطب.
وقيل: ما خفي عنك أمره، وانطوت عنك عاقبته.
وقيل: الغرور مأخوذ من الغرارة؛ وهي الخديعة، ومنه الغرر؛ وهو الرجل الخداع، والغر أيضًا المخدوع، ومنه قوله ﵇: "المؤمن غر كريم".
والخَطر -بفتح الخاء- الغرر، وأصله من المخاطرة، والخطر: اسم لما يفعل، فسمي بيع الغرر خطرًا ومخاطرة بسببها؛ إذ لا يدري المشتري حقيقة ما اشتراه، ولا البائع عرف حقيقة ما باع، ولا صفته، ولا مقداره بالمقام.
وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الغرر (١).
وفسره عبد الله بن مسعود - ﵁ - وقال: كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٥١٣).
[ ٦ / ٣٥٧ ]
ولم يعن ابن مسعود - ﵁ - أن الغرر المنهي عنه محصور فيما فسره، وإنما فسر نوعًا من أنواعه ليكون ذلك دستورًا وأصلًا يقال عليه كل ما كان في معناه.
فإذا ثبت ذلك، فالمبيعات تنقسم على ثلاثة أقسام:
قسم الغالب عليه السلامة: فسمي ذلك البيع صحيحًا.
وقسم الغالب عليه الهلاك: فسمي ذلك البيع غررًا.
وقسم اشترك فيه الأمران، واستوى فيه الحالان؛ فما كان الأغلب فيه الهلاك، والسلامة فيه قليلة: فبيعه فاسد.
فإن كان الغالب فيه السلامة، والذي يخاف هلاكه به أمر نادر: بيعه جائز.
بدليل نهيه - ﷺ - عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها؛ لما يخشى عليها من العاهات، وأباح ذلك بعد زهوها، والخوف عليها قائم، لما كان الغالب عليها السلامة، ولا تكاد البيوع تنفك عن الغرر اليسير.
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٣٥٨ ]
المسألة الثانية في بيع الشراء الغائب على الصفة
ولا تخلو غيبته من ثلاثة أوجه:
إما أن تكون غيبة بعيدة، وإما أن تكون غيبة قريبة، وإما أن تكون غيبة متوسطة.
فإن كانت غيبة بعيدة جدًا: فلا يجوز البيع اتفاقًا.
فإن كانت قريبة جدًا؛ مثل الحاضر في البلد الغائب عن المجلس، أو كان على مسيرة يوم: فالمذهب في جواز بيعه على صفة يتخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدها: الجواز، وهو مشهور المذهب نقلًا، وهو نص المدونة في غير ما موضع من "كتاب السلم الثالث" وكتاب الآجال، و"كتاب البيوع الفاسدة".
والثاني: المنع، وهو قول محمَّد بن الموَّاز، وهو ظاهر "المدونة" في "كتاب بيع الغرر"، في باب البيع على البرنامج؛ لأن مالكًا جوزه للضرورة، ولا ضرورة في غير البرنامج، وهو نص قول مالك في أول "كتاب بيع الغرر" في الثوب المدرج في جرابه.
والقول بالمنع هو الصحيح مذهبًا ونظرًا.
وسبب الخلاف: اختلافهم في الصفة هل تقوم مقام الرؤية مع القدرة، على الوقوف على عين الموصوف أم لا.
وأما ما كانت غيبته متوسطة بين القرب المفرط، والبعد المفرط: فهذا
[ ٦ / ٣٥٩ ]
الذي يجوز بيعه على صفة أو رؤية تقدمت منذ أمد لا تتغير فيه السلعة من غير خلاف في المذهب في جواز العقد والنقد بلا تفصيل بين المأمون وغيره، وإنما التفصيل بين المأمون وغير المأمون فيما يرجع إلى الضمان وجواز شرط النقد.
فأما المأمون؛ كالدور والأرضين: فلا خلاف في جواز النقد فيها بغير شرط.
وهل يجوز بشرط أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يجوز بشرط، وهو نص "المدونة"، وهو مشهور المذهب.
والثاني: أنه لا يجوز بشرط، وهو ظاهر ما حكاه ابن الموَّاز، وابن القصار عن المذهب من أن الضمان فيهما من البائع حتى يقبضها المشتري، واشتراط النقد تابع للضمان.
وهل يلزم المشتري النقد ويحكم عليه به أم لا؟ أو يجب وإن لم يشترطه عليه البائع؟
فالمذهب على قولين، حكاهما القاضي أبو الحسن بن القصار في المذهب.
أحدهما: وجوب النقد على المشتري وإن لم يشترطه عليه.
والثاني: أن النقد جائز، وليس بواجب إلا بالشرط، وهذا هو الصحيح؛ لأن وجوب النقد متعلق بالتسليم وجوازه متعلق بالأمن على الشيء المشترى.
وسبب الخلاف: اختلافهم في السلعة، هل بالعقد صارت في ضمان المشتري، أو يبقى على البائع حق التوفية والتسليم.
[ ٦ / ٣٦٠ ]
فمن رأى أن قدر المسافة التي يقبضها فيها المشتري هو التسليم الذي بقي على البائع؛ كالصاع إذا امتلأ، ثم هلك بيد البائع قبل أن يفرغه في وعاء المشتري، قال: فإن النقد لا يجب، وإن الضمان لا يلزم أيضًا.
ومن رأى أن العقد يقتضي التسليم لوجود التمكين، وهذا غاية المقدور عليه: قال بوجوب النقد.
وهذا كله إذا كان اشتراؤه بصفة غير البائع.
وأما إذا اشتراها على صفة: فلا يجوز اشتراط النقد للتهمة في البيع والسلف أن يخرج الشيء المشتري من ريع أو عقار على خلاف صفة البائع؛ لأن الحرص على البيع يحمله أن لا بيع إلا في الصفة.
وأما غير المأمون من الحيوان وسائر العروض: فلا خلاف أيضًا في المذهب في جواز العقد عليها والنقد فيها بغير شرط، وسواء اشتراها على رؤية تقدمت، أو اشتراها على صفة.
وصفة البائع وصفة غيره في هذا الوجه سواء، ولا يجوز النقد في ذلك بشرط، قولًا واحدًا.
واختلف فيما إذا طلب البائع إيقاف الثمن هل يمكن من ذلك أم لا على قولين:
أحدهما: أن الثمن يوقف له على يد عدل إن طلب ذلك، وهو نصف قوله في "كتاب البيوع الفاسدة"، في باب بيع الابن وضمانه.
والثاني: أنه لا يمكن؛ لأن ذلك صحيح يمنع المشتري من الانتفاع بسببه مدة الإيقاف.
وسبب الخلاف: مراعاة الطوارئ هل تراعى أو لا تراعى؛ فمن اعتبرها: قال بالإيقاف إن طلبه البائع؛ لما يخاف من طرآن العدم على المشتري.
[ ٦ / ٣٦١ ]
ومن لم يعتبرها منع الإيقاف.
واختلف على من يكون طلب الشيء الغائب هل على البائع، أو على المشتري على قولين قائمين من "المدونة" من "كتاب بيع الغرر"؛ فمرة يقول على البائع، ومرة يقول: على المشتري.
وسبب الخلاف: من المخاطب بالتسليم أولًا؟
هل البائع هو المخاطب بتسليم المبيع أولًا ثم يقبض الثمن، أو المشتري مخاطب بتسليم الثمن أولًا ثم يقبض المبيع ثانيًا؟
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٣٦٢ ]
المسألة الثالثة في ضمان الغائب المشتري إذا هلك قبل الصّفة
[ولا يخلو حال البائع والمشتري من أحد خمسة أوجه] (١):
أحدها: أن يتفقا أنه هلك قبل الصفة.
والثاني: أن يتفقا أنه هلك قبل الصفة.
والثالث: أن يختلفا.
والرابع: أن يشكل أمره عليهما.
والخامس: إذا وجدا به عيبًا فاختلفا في حدوثه.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا اتفقا أنه هلك قبل الصفة: فلا خلاف في المذهب أن ضمانه من البائع.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا اتفقا أنه هلك بعد الصفة فقد اختلف فيه المذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أن الضمان فيها على المشتري، إلا أن يشترط على البائع، وهو قول مالك في "الكتاب".
والثاني: أن الضمان فيه من البائع جملة، إلا أن يشترطه على المشتري، وهذا القول الذي اختاره ابن القاسم.
ولا فرق على ظاهر هذين القولين بين المأمون وغيره، وهو قول مالك في "كتاب ابن المواز" و"كتاب ابن حبيب": أن ضمان المأمون من البائع.
_________________
(١) سقط من أ. والعبارة مثبتة من جملة المسألة.
[ ٦ / ٣٦٣ ]
قال ابن حبيب: ولم يختلف قول مالك أن الضمان من البائع فيما يجوز فيه النقد وقربت غيبته في الرياع وإن بعدت غيبتهما.
والقول الثالث: التفصيل بين المأمون وغيره،؛ فالمأمون يكون الضمان فيه من المشتري، وغير المأمون يكون الضمان فيه من [البائع] (١)، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب".
والقول الرابع: التفصيل بين ما قربت غيبته جدًا؛ كالحاضر في البلد الغائب عن المجلس فيكون الضمان فيه من المشتري، وهو ظاهر قول مالك في كتاب النكاح الثاني في الذي يتزوج امرأة بثوب في بيته فهلك الثوب قبل أن تقبضه؛ حيث قال: إن هلك في بيته: فضمانه من الزوجة، وهو قوله في "كتاب الصرف" و"كتاب السلم الثالث"، والآجال، والبيوع.
وبين المتوسط الغيبة: فيكون الضمان فيه من البائع حتى يقبضه المشتري.
وسبب الخلاف: ما قدمناه وأصلناه من المخاطب بالتسليم.
أولًا هل البائع أو المبتاع؟
والجواب عن الوجه الثالث: إذا اختلفا، وادعى البائع أنه هلك بعد الصفة، وادعى المشتري أنه هلك قبل الصفة: أن القول قول المشتري مع يمينه على العلم إن ادعاه عليه البائع، وإن لم يدع البائع عليه فلا يمين عليه.
والجواب عن الوجه الخامس: (٢) إذا اقتضت السلعة، ثم وجد بها عيب وزعم المشتري أنه كان بها قبل الصفة، وادعى البائع أنه حدث بعد الصفة، والعيب مما يمكن حدوثه وقدومه: وهذا الوجه قد أغفله في الكتاب ولم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط الجواب عن الوجه الرابع.
[ ٦ / ٣٦٤ ]
ينص عليه فيه، وقد اختلف في المذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن العيب من المشتري، ويحلف البائع أن ما كان بالسلعة يوم الصفة، وهو قوله في "كتاب العيوب"، في العيب الذي يمكن أن يحدث عند البائع ويمكن أن يحدث عند المشتري: أنه من المشتري، ويحلف البائع.
والثاني: أنه من البائع، ويكون القول قول المشتري، وهو ظاهر قوله في بيع الغرر.
فإذا كان القول للمشتري إذا اختلفا في هلاكها هل كان قبل الصفة أو بعدها، فأولى أن يكون القول قوله في العيب، ولا يكون العيب أسوأ حالًا من الموت.
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٣٦٥ ]
المسألة الرابعة في البيع على البرنامج
وقد قدمنا ومهدنا أن بيع الغائب على الصفة إنما جوز للضرورة؛ وهي تعذر الوقوف على عين المبيع وتأمله، وهذه العِلَّة موجودة في بيع البرنامج؛ إذ لا فرق بين أن يتعذر الوقوف على عين الشيء وحقيقته لبعد الشقة وطول المسافة، وبين أن يتعذر لأجل ما يخشى من نقصان المالية وإن كان بين أيديهم ونصب أعينهم؛ مثل أحكام البر؛ لأن فتحها وسير ما فيها من المتاع يؤدى إلى الإضرار بالبائع في الحل، والشد، والطي مع ما يلحق المبتاع من التمرين والامتهان بملامسة أيدي السوام والمباع الرفيع بكونه أدنى الأشياء.
فبهذا الاعتبار جوز مالك -﵀- البيع على البرنامج مع ما له في ذلك من ظواهر الأخبار، وشواهد الآثار؛ فمن ذلك تفسيره - ﷺ - بيع الملامسة؛ حيث قال: "هو أن يبتاع القوم السلعة لا ينظرون إليها، ولا يخيرون عنها" (١).
فبين النبي - ﷺ - أن الإخبار يقوم مقام النظر إليها مع القدرة عليها.
فإذا ثبت ذلك، فلا يخلو مشتري العدل على برنامجه من وجهين:
إما أن يجد المبتاع على وفق الصفة، أو على خلاف الصفة.
فإن وجده على خلاف الصفة: فلا يخلو إما أن يكون ذلك قبل الغيبة عليها، أو بعد الغيبة عليه.
فإن كان ذلك قبل الغيبة عليه: فالقول قوله.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠٣٧).
[ ٦ / ٣٦٦ ]
وكذلك إن كان بعد الغيبة، وكان ذلك بمحفر البينة: كان القول قوله أيضًا.
فإن كان وحده: فلا يقبل قوله فيه، ويكون له الخيار إن شاء أخذه كذلك وإن شاء نقض البيع.
فإن وجده على وفق الصفة فلا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يجد الزيادة في العدد.
والثاني: أن يجد النقصان منه.
فإن وجد الزيادة في العدد؛ مثل أن يشتري عدلًا على أن فيه خمسين ثوبًا: فقد قال مالك في المدونة: يرد جزءًا من اثنين وخمسين جزءًا من الثياب.
قلت: فإن كان جزءًا من اثنين وخمسين ثوبًا لا يعتدل أن يكون ثوبًا كاملا؛ يكون أقل من الثوب، أو أكثر من الثوب كيف يصنع؟
قال مالك: منذ حين أرى أن يرد جزءًا من اثنين وخمسين جزءًا.
ثم أعدته عليه؛ فسألته عنه كيف يرد؟
قال: يرد ثوبًا كأنه عيب وجده فيرده به.
قلت لمالك: أفلا يقسمها على الأجزاء؟
فقال: لا وانتهزني، ثم قال: إنما يرد ثوبًا كأنه عيب وجده في ثوب فرددته، فلم أر فيما قال لي مالك آخرًا أن يجعله معه شريكًا.
قال ابن القاسم: وأنا أرى قوله الأول أعجب إليَّ. فهذا نص قوله في "المدونة".
وقد اختلف المتأولون والشارحون في هذه المسألة في موضعين:
[ ٦ / ٣٦٧ ]
أحدهما: في منتهاها.
والثاني: في معناها.
فأما اختلافهم في منتهاها: فهو قوله: فوجد فيها إحدى وخمسين ثوبًا، وقال: يعطي جزءًا من اثنين وخمسين جزءًا.
فذهب الأكثرون من أهل الشرح والتأويل إلى أن ذلك وهم من الراوي، أو خطأ من الكاتب، وإلا فالذي ينبغي على سياق المسألة: أن يعطي جزءًا من اثنين وخمسين، وهو في بعض النسخ المدونة كذلك، إلا أنه نقل على الإصلاح.
وقد تغالى بعض المتأخرين في التأويل وقال: يحمل قوله على أنه قد أحل اللفافة في العدد، وهو تأويل بارد؛ لأن اللفافة لا تعد ولا تقصد، ولا هي من جنس الثياب المشتراه، ولو صح ذلك لصح أن تعد حبال شده وطيه، وذلك كله ملغي.
وهو تأويل أبي بكر بن اللباد، وهذا التأويل مطرح ساقط الاعتبار.
والصحيح أن ذلك وهم من الرواة؛ إما من الرواة عن مالك، وإما من الرواة عن ابن القاسم.
والموضع الثاني في معنى المسألة: وقد اختلف المتأولون في معنى ما وقع في الكتاب هل يتأول ويرجع إلى قول واحد أو ذلك اختلاف قول ولا مدخل فيه للتأويل على قولين:
أحدهما: أن ذلك يرجع إلى قول واحد، وأن معنى قول مالك أنه يكون شريكًا بجزء من اثنين وخمسين جزءًا، وقوله آخرًا: كعيب وجده فيه، يريد: بالقيمة، وأن الثياب تنقسم بالقيمة إلى إحدى وخمسين جزءًا لم يسم بينهم فيرد جزءًا واحدًا، وصار بعض كلامه تفسيرًا لبعض.
[ ٦ / ٣٦٨ ]
وهذا تأويل أبي عمران الفاسي.
والثاني: أن ذلك اختلاف قول، وهو الصحيح، ويدل عليه سياق الكلام في "الكتاب"، واختيار ابن القاسم في الباب.
وإنما هما قولان:
أحدهما: أن البائع [يكون] (١) شريكًا بالثوب الواحد.
والثاني: أنه لا يكون شريكًا، وأن المشتري يرد ثوبًا على البائع، غير أن القائلين بهذا القول قد اختلفوا في صفة الشركة على القول بها؛ فقد اختلف فيها على ثلاثة أقوال، كلها متأولة على المدونة:
أحدها: أنه يكون شريكًا بجزء من إحدى وخمسين جزءًا، فإذا بيعت الثياب أخرج ذلك الجزء من الثمن، ويأخذه البائع، وهذا تأويل ابن لبابة.
وظاهر هذا القول: أنه لا يعجل ببيع الثياب على المشتري حتى يبيع باختياره.
والثاني: أنه يعجل ببيع الثياب الآن، ويقسمان الثمن على إحدى وخمسين جزءًا.
وهذا القول أظهر، وأسعد بظاهر "الكتاب".
والثالث: أنه يقرع على الثياب على إحدى وخمسين جزءًا، فما خرج للبائع في جزئه من ثوب أو ثوبين، أو أقل، أو أكثر أخذه.
فإن خرج له أقل من ثوب، أو أكثر من ثوب: كانا شريكين وذلك غاية المقدور عليه.
وهذا تأويل الشيخ أبي عمران الفاسي.
وسبب الخلاف: الشركة الحكمية هل تضاهي الشركة الأصلية حتى
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ٣٦٩ ]
كأنها هي أم لا؟
وعلى هذا القول بأنهما يشتركان في الثوب إذا خرج له الجزء في بعضه، هل لصاحب الأقل أن يلزمه لصاحب الأكثر -بائعًا كان أو مشتريًا- ويأخذ منه قيمة بقيته؟ قولان قائمان من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك له؛ لأنه إن وقع الأكثر للبائع كان للمشتري أن يلزمه له؛ لأنه يتهم إدخاله عليه فيتوصل بذلك إلى الشركة، والمشتري لم يدخل عليها.
فإن وقع الأكثر للمشتري: فللبائع أن يلزمه ويقوم عليه، كأنه المشتري استحق عليه الأكثر مما اشترى، وهو ظاهر المدونة في غير ما موضع؛ لأنها شركة أوجبتها الأحكام، فلا كلام لواحد منهما على صاحبه فيها.
وسبب الخلاف: الأصل الذي قدمناه في الشركة الحكمية هل هي على مكان الشركة الأصلية أم لا؟ وعلى القول بأنهما لا يكونان شريكين في جميع الثياب، وأن المشتري يرد ثوبًا -سواء كان أعلى أو أدنى- ويقدر البائع كأنه باعه إحدى وخمسين على أن يختار منها خمسين، ألا تراه يقول في "الكتاب": كأنه عيب وجده فيه.
وهذا تأويل أبي عمران الفاسي.
والثاني: أنه يرد ثوبًا موافقًا للصفة التي عليها اشترى -لا أقل منها ولا أكثر- وهذا تأويل ابن لبابة، وهو ظاهر "المدونة" لمساواتهما في الثياب، وليس لواحد منهما أن يستبد بالأعلى ويأخذ الآخر الأدنى.
وظاهر هذين القولين [أنه] (١) يرد بلا قرعة.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ٦ / ٣٧٠ ]
والثالث: أنه يرد الثوب بالقيمة والقرعة، وهذا القول منصوص في المذهب أيضًا، وهو جنوح من قائله إلى القول بالشركة.
وسبب الخلاف: اختلافهم في المخطئ في مال نفسه هل هو كالمخطئ في مال غيره، أم لا.
فإن قلنا: إنه كالمخطئ في مال غيره فإن المشتري يرد ثوبًا على الصفة التي اشترى ويكون البائع كالمستحق.
وإن قلنا: إنه لا يكون كالمخطئ في مال غيره وأنه جنى على نفسه. والتسليط من جهته ولاسيما مع ما يلحقه من التهمة أن يكون قصد إلى ذلك ابتداء: فإن المشتري يرد عليه أيّ ثوب شاء -أعلى أو أدنى.
وهذا كله إذا كانت جنسًا واحدًا، ووجدت الزيادة.
وأما إذا وجد النقصان؛ مثل أن يشتري عدلًا على أن فيه خمسين ثوبًا فوجد المشتري أقل من خمسين: فلا يخلو النقصان من أن يكون يسيرًا، أو كثيرًا.
فإن كان يسيرًا؛ كالخمس والسدس -على الاتفاق- أو كالثلث والربع -على الخلاف في "كتاب القسم" وغيره- فلا يخلو من أن تكون الثياب جنسًا واحدًا، أو أجناسًا.
فإن كانت من جنس واحد: فلا خلاف في المذهب أن المشتري يلزمه البيع فيما وجد، ويرجع بثمن ما نقص إن كان قد نقده.
وإن لم ينقد فإنه يوضع عنه ذلك القدر.
والثمن هاهنا على عدد الثياب؛ إن وجد أربعين رجع بخمس الثمن، وإن وجد ثلاثين رجع بخمس الثمن؛ كالطعام إذا اشتراه صبرة على أن فيه
[ ٦ / ٣٧١ ]
مائة أردب، فوجد فيها أكثر من المائة.
ولا تقويم في هذا الوجه أصلًا، بخلاف الاستحقاق والرد بالعيب؛ لوجود ما يقوم هناك، وغرم ما يقوم هنا.
فإن كان النقصان كثيرًا؛ ذهب بأكثر الصفقة: فالمشتري بالخيار في ذلك إن شاء تماسك بما بقي بحصته من الثمن، وإن شاء رده وفسخ البيع عن نفسه.
فإن كانت الثياب أجناسًا، فوجد النقصان في بعضها، فإنه ينظر إلى الجنس الذي وجد فيه النقص كم هو من جميع الثياب؛ فإن كان ربعًا وكان عشرة أثواب: ينقص منها ثوب؛ فإنه يوضع عن المشتري ربع الثمن، فعلى هذا الحساب يجري.
والحمد لله وحده.
[ ٦ / ٣٧٢ ]
المسألة الخامسة في الذي اشترى جارية بمائة دينار، ثم ادعى أن بها عيبًا، فأنكره البائع، ثم قال رجل آخر: أنا آخذها منكما بخمسين على أن يتحمل كل واحد منكما بخمسة وعشرين
ومثلها مسألة من اشترى عبدًا من رجل على أن يعينه فلان بألف درهم، فأنعم له فلان.
فوجه التشبيه بين المسألتين: أن البائع الأول يلزمه ما التزم من حمالة خمسة وعشرين، كما يلزم فلانًا ما التزم من إعانة من اشترى عبدًا.
وقوله في "الكتاب": "أنا آخذها منكما": لفظة فيها تجوز، والصواب فيها: "أنا آخذها منك"؛ لأن المشتري النائق إنما اشتراها من المشتري الأول، وعهدته عليه، فإن استحقت منه تلك الجارية: فإنه يرجع عليه بخمسين دينارًا، ويرجع هو على البائع الأول بخمسة وسبعين دينارًا.
فإن وجد بها عيبًا غير الذي دخل عليه: فعلى المشتري الأول أن يردها، ثم ينظر، فإن كان هذا العيب الذي ردها عليه قديمًا عند البائع الأول: فإن المشتري الأول يردها عليه بذلك -صدقة في العيب الذي يتحاصان فيه أو كذبه.
فإن كان حديثًا مشكوكًا فيه: فإن المشتري الأول وبائعه يرجعان إلى رأس أمرهما في الخصومة.
والحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمَّد خير خلقه، وعلى آله.
[ ٦ / ٣٧٣ ]
كتاب بيع الخِيَار
[ ٦ / ٣٧٥ ]