تحصيل مشكلات هذا الكتاب، وجملتها ست مسائل:
المسألة الأولى في عفو أحد الوَلِيَّيْن
اشتقت الجناية من اجتنى الثمرة باليد؛ فاستعمل ذلك في كل ما يكتسب من حدث في مال غيره، أو نفسه، أو حاله مما يسوء، ويضر كان بيد أو غيره،كما أن الجَرِيرَة أصلها مما يُجتر الإنسان من منفعة لنفسه من مال أو غيره، ثم استعمل في كل ما يحدثه على غيره عمومًا مما لا يوافقه، ويضره في نفسه، أو ماله، أو حاله.
فإذا ثبت ذلك، فليرجع بنا الكلام إلى ما ترجمنا عليه أول المسألة في العبد إذا قتل، رجلًا عمدًا له وليان فعفى أحدهما على أن [يأخذ العبد القاتل لنفسه، أو على أن] (١) يأخذه، وزيادة عبد آخر معه، فإن كان على أن يدفع سيد العبد إلى الآخر نصف الدية جاز له ما صنع.
وهل يستبد كل واحد منهما بما أخذ، ولا يدخل على صاحبه؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن كل واحد منهما يستبد بما أخذ، ولا يدخل على صاحبه بما أخذ قلّ أو كثر، كان مثل ما أخذ أو أكثر منه، وهو قول الغير في "كتاب الصلح" من "المدونة" حيث قال: وليس دم العمد بمال؛ وإنما هو كعبد بينهما باع أحدهما حصته منه بما شاء، ولا يدخل عليه الآخر فيه.
والثاني: التفصيل بين أن يكون ما صالح به الأول أكثر من سهمه أو
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٥١ ]
أقل؛ فإن صالح على أكثر من سهمه من الدية، فإن للآخر أن يضم ما أخذ من سهمه من الدية إلى ما صالح به الأول، فيقتسمان الجميع أنصافًا بينهما؛ لأن ما أخذاه ثمن الدم الذي بينهما على السواء فلا مزية فيه لأحدهما على الآخر، وهو قول أشهب في "كتاب الصلح"، وأحد قولي ابن القاسم في "كتاب الجنايات" من "المدونة".
فإن كان ما صالح به الأول مثل سهمه، أو أقل فكل واحد منهما يستبد بما قبض، ولا يدخل أحدهما على الآخر فيه.
فإن أبى سيد العبد أن يدفع إلى الآخر نصف الدية، هل يكون له الدخول على أخيه في نصف ما قبض من العبد القاتل أو في العبدين جميعًا إن كان قبض القاتل، وزيادة عبد آخر كما قال في الباب الثاني، أو لا يمكن من الدخول معه؟
فالمذهب على قولين منصوصين في المدونة:
أحدهما: أنه لا يمكن من الدخول معه فيما قبض [وهو أحد قولي ابن القاسم في أول "كتاب الجنايات"، وهو قول الغير في "كتاب الصلح" من "المدونة".
والثاني: أن له الدخول فيما قبض] (١) -شاء القابض أو أبى- وهو أحد قولي ابن القاسم في "كتاب الجنايات"، وهو قوله في "كتاب الصلح" من "المدونة" أيضًا. وقال سحنون: ومعناه: إذا أحب الأخ الذي لم يصالح أن يدخل على أخيه فيما قبض، وقوله تفسير لقول ابن القاسم.
وعلى القول بأنه لا يمكن من الدخول على أخيه فيما قبض، فقد قال
_________________
(١) سقط من ب.
[ ١٠ / ١٥٢ ]
في "الكتاب": إن الذي صالح بالخيار إن شاء دفع إلى أخيه نصف العبد، وتم ما صنع، وإن أبى رد العبيد، وقتلًا أو عفوًا.
أما إذا رضى القابض بمشاركة أخيه في العبد الذي قبض، ورخى أخوه بالدخول معه فيه على القول بأن ذلك له باختياره، فلا إشكال في جواز العفو، وإسقاط القصاص.
وأما على القول بأنه لا يمكن من الدخول على أخيه فيما قبض، هل يكون عفو الأول عن القاتل يبطل القصاص أو لا يبطله؟
فإنه يتخرج على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن عفوه يُبْطل الدَّم، ولا سبيل إلى القصاص، وهو قوله في "كتاب الصلح"، وقال فيه: وللذي لم يصالح على القاتل بحساب الدية، فكذلك يجب له أيضًا على سيد العبد القاتل نصف الدِّية؛ لأن تسليمه للقاتل لو أحد من أولياء الدم في حقه في الدم رضًا منه بتحمل نصف الدية للولي الآخر كما قال في إيلاده الجارية الجانية بعد علمه على ما سنتكلم عليه في مسألة مفردة إن شاء الله.
والثاني: أن القصاص قائم، ولا يبطله صلحه؛ إذ لا يجبر سيد العبد على دفع نصف الدية للذي لم يصالح، وهو نص قوله في "كتاب الديات" من "المدونة".
وعلى القول بأن لأخيه الدخول معه فيما قبض ينبغي ألا يلزمه الصلح متى [ذهب] (١) من يده بعض ما ترك القصاص من أجله؛ لأنه يقول: إنما عفوت عن القصاص لرغبتي فيما قبضت [لأستبد] (٢) به وحدي، وهو يقول في هذا الكتاب "وكتاب الصلح" أنه لا سبيل لهما إلى القتل
_________________
(١) في أ: ذهبت.
(٢) في أ: لتستبد.
[ ١٠ / ١٥٣ ]
مهما أشركه في العبد إما برضا من المصالح [وإما] (١) بالجبر على قول؛ فقد اختلف المتأخرون فيما وقع في الكتابين، هل ذلك اختلاف قول أو ذلك اختلاف حال؟ على قولين:
أحدهما: أن ذلك اختلاف حال، وأن مسألة "كتاب [الجنايات] (٢) " الجناية فيها متعلقة برقبة العبد، ولسيده أن يفتكه، وفي مسألة "كتاب الصلح" هي متعلقة بالذمة لا بغيرها لكون الجاني هناك حُرّ.
والثاني: أن ذلك اختلاف قول؛ لأن تلك الجناية [تعلقت] (٣) برقبة العبد إلا أن يشاء سيده أن يفديه إذا استحياه وليا الجناية، فكذلك تعلقه بنفس الحر إلا أن يفدي نفسه [بالدية] (٤) برضا أولياء الدم، ولا فرق سواء، والحمد لله وحده.
_________________
(١) في أ: أو.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: متعلقة.
(٤) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٥٤ ]
المسألة الثانية في العبد يقتل رجلًا خطأ ثم يعتقه سيده أو يبيعه
والكلام في هذه المسألة على سؤالين:
أحدهما: إذا باعه، أو أعتقه بعد الجناية.
والثاني: إذا وطئها، فحملت بعد الجناية إن كانت أمة.
فالجواب عن السؤال: في العبد إذا جنى ثم باعه سيده أو أعتقه، فلا يخلو الحكم من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون السيد جاهلًا بالجناية.
والثاني: أن يكون عالمًا بالجناية جاهلًا بالحكم.
والثالث: أن يكون عالمًا بالأمرين.
فأما الوجه الأول: إذا كان جاهلًا بالجناية، هل يبدأ بتخيير السيد بين الفداء، أو التسليم، أو يبدأ بمال العبد، أو طلب معونته؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يبدأ بمال العبد، وهو قوله في أول "كتاب الجنايات".
والثاني: أنه يبدأ بتخيير السيد، وهو قوله في "باب المُدبَّر" يجني ثم يعتقه السيد، وهو قول سحنون.
وسبب الخلاف: هل يرجع العبد إذا فَدَاه السيد إلى الرِّق، وهو قوله في المُدَبَّر؛ لأنه قال: يفديه مدبرًا، معناه: ويبطل عتقه، أو يرجع إلى حريته؛ فمن رأى أنه يرجع رقًا قال: يبدأ بمال العبد، ومن رأى أنه يرجع حرًا، قال: يبدأ السيد ويخير بين أن يفديه أو يسلمه؛ فإن أسلمه، فإنه
[ ١٠ / ١٥٥ ]
ينظر، فإن كان للعبد مال يكون قدر الجناية أخذ المال منه في الجناية وعتق العبد، وإن لم يكن له مال، ووجد من يعينه من ذوي قرابته أو غيرهم، فإنه لا يرد عتقه إذا أعانوه بمال قدر الجناية.
فإن لم يجد من يعينه، وكان في رقبته فضل عن أرش [الجناية] (١) هل يباع منه بقدر الجناية، أو يسلم لأهل الجناية؟
على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أنه يباع منه بقدر الجناية، وعتق ما بقى، وهو قول ابن القاسم في الكتاب.
والثاني: أنه لا يباع منه شيء؛ فإن كان فيه فضل، فإنه يسلم لأهل الجناية، وهم أولى بفضله كما لو لم يكن فيه [فضل] (٢)؛ لأنه محل الاتفاق أنه يسلم لأهل الجناية، وهو قول الغير في "كتاب الجنايات" من "المدونة".
وعلى القول بأنه يباع منه للجناية، ويعتق ما بقى هل يقوم ما فيه على العتق أم لا؟
على قولين قائمين من "المدونة":
وسبب الخلاف: ما يوجبه الحكم هل هو [مثل] (٣) ما يوجبه الشرط في الابتداء أم لا؟
فأمَّا إن باعه، ولم يعلم بالجناية، فإن السيد مخير بين أن يفديه بدية الجناية أو يسلمه؛ فإن فداه تم البيع، ولا كلام للمشتري في ذلك إن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٥٦ ]
كانت الجناية خطأ؛ لأنه عَيْب ذهب، وإن كان عمدًا، ولم يبين له حين البيع، فللمشتري أن يرده مخافة أن يعود إلى [مثل] (١) ذلك.
فإن أسلمه السيد رجع الخيار إلى المجني عليه إن شاء أجاز البيع، وأخذ الثمن، وإن شاء نقض البيع، وأخذ العبد، إلا أن يشاء المشتري أن يدفع إليه أرش الجناية، ثم يرجع [على] (٢) البائع بالأقل من أرش الجناية أو الثمن.
فإذا رضي ولي الجناية أن يجيزوا البيع، ويأخذوا الثمن على من تكون عهدة المشتري لو استحق العبد، هل تكون على سيد العبد، أو على المجني عليه؟ فإنه يتخرج على قولين.
وسبب الخلاف: الاستدامة هل تعد كالإنشاء [أم لا؛ لأن استدامة الجاني للبيع الأول الذي أوقفه السيد كان الجاني هو الذي أنشأه، أو لا تعد الاستدامة كالإنشاء؟] (٣).
وينبني الخلاف فيه: على أصل آخر؛ وهو من ملك أن يملك، هل يعد كالمالك أم لا؟؛ لأن الجاني ملك أن يفسخ البيع، ويأخذ العبد؛ فإجازته للبيع كابتداء بيع، ولا يعد كالمالك.
وأما الوجه الثاني: إذا كان عالمًا بالجناية جاهلًا بالحكم، فإنه يحلف ما أراد ببيعه، ولا عتقه تحمل الجناية، ولقد جهلت ذلك، وما ظننت إلا أن ذلك العتق يخرجه من الرق، وتكون الجناية عليه يحملها هو، وهذا نص قول مالك في "الكتاب".
فإذا حلف المعتق أنه لم يرد بقوله تحمل الجناية صار كأنه أعتق عبد
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: إلى.
(٣) سقط من ب.
[ ١٠ / ١٥٧ ]
غيره، فلا يجوز عتقه، ويسلم إلى المجني عليه.
فإذا افتداه سيده بأرش الجناية، هل يعتق عليه أو يسترقه.
فإنه يتخرج على قولين قائمين من المدونة:
أحدهما: أن له أن يسترقه؛ لأن الجناية كأنها أخرجته من ملك سيده، وكان إذا افتداه كأنه اشتراه، وهو مذهب أشهب.
والثاني: أنه يعتق عليه بالعتق الأول، ولا يجوز له أن يسترقه؛ لأنه وإن كانت الجناية أحق برقبته، فهي لم تخرجه عن ملك سيده؛ إذ السيد مقدم في الخيار بين الفداء والتسليم إذا كانت الجناية خطأ، فإذا افتداه فكأنه لم يزل من ملكه.
وينبني الخلاف: على الخلاف فيمن يخير بين شيئين، فاختار أحدهما، هل يعد مختارًا لما ترك أم لا؟
فإن قلنا: إنه لا يعد مختارًا لما ترك قلنا: يعتق؛ لأنه لم يزل من ملكه، وإن قلنا: إنه يعد مختارًا لما ترك، قلنا: [إن] (١) له أن يسترقه؛ فكأنه اختار تسلميه أولًا لأرباب الجناية ثم افتداه منهم آخرًا، فيعد ذلك شراء مبتدأ.
وأما الوجه الثالث: إذا علم بالجناية، وبالحكم في منعه من البيع، والعتق، هل يعد ذلك رضا منه بتحمل الجناية أم لا؟
[فالمذهب] (٢) على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك منه رضا بتحمل الجناية، ويؤديها من ماله، وينفذ البيع والعتق، وهو قوله في الأمة إذا أولدها بعد أن جنت، وهو عالم
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٥٨ ]
بذلك؛ لأنه نص عليه في "الكتاب": أن ذلك منه رضا بتحمل الجناية.
وهذا إذا كان له مال.
فإن [لم يكن] (١) له مال أجرى الحكم [فيه] (٢) على ما تقدم في الوجه الأول.
والثاني: [أن ذلك] (٣) لا يعد منه رضا، ويحلف بالله ما أراد بذلك حمل الجناية، وهو ظاهر قوله في أول "كتاب الجنايات" أيضًا.
قلت: وإنما يستحلف في هذا كله إذا قال أولياء الجناية: نحن نرضى باتباعه بالجناية، ويمضي العتق والبيع.
والجواب عن السؤال الثاني: في الأمة إذا جَنَت ثم وطئها السيد، فلا تخلو من أن تحمل من وطئه، أو لم تحمل.
فإن لم تحمل، فليس وطئه رضا بتحمل الجناية، وهو مخير في افتكاكها، أو إسلامها -علم بالجناية أو لم يعلم- إلا أن يقول: أردت بذلك حمل الجناية. قاله أبو عمران الفاسي.
فإن حملت من وطئه، فلا يخلو من أن يعلم بالجناية أو [لم] (٤) يعلم.
فإن علم بجنايتها، هل يعد ذلك منه رضا بتحمل جنايتها أم لا؟
فالمذهب على قولين قائمين من "المدونة":
أحدهما: أن ذلك منه رضا بتحمل الجناية، ويغرم قيمة الجناية على ما
_________________
(١) في أ: كان.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: أنه.
(٤) في أ: لا.
[ ١٠ / ١٥٩ ]
أحب أو كره، وإن كان أكثر من قيمتها؛ لأن ذلك منه رضا، وهو نص قوله في "الكتاب".
فإن لم يكن له مال أسلمت إلى أهل الجناية، وكان الولد ولدها، ولا يتبعها في الجناية، ولا على الأب غرم قيمته.
والثاني: أن السيد يحلف أنه ما أراد حمل الجناية ويفديها بالأقل كالعتق، وهو قوله [في العتق] (١)، والبيع في أول "الكتاب"، وهو قوله في "كتاب محمَّد".
وقد يفرق بين العتق والإيلاد أن العتق قد يظن أنه إذا أعتقه بعد أن جنى العبد يتبع بالجناية بعد عتقه، ويبعد أن يظن هذا في أمّ الولد؛ لأنها باقية في ملك سيدها، فيكف يمكن أن يظن أنها تتبع؟
فإن لم يعلم بجنايتها، فعلى السيد الأقل من قيمتها أو من أرش الجناية، وهذا نص قوله في "الكتاب".
وقد اختلف فيها هل يفيتها الحمل، أو لا يفيتها على قولين منصوصين في "الكتاب":
أحدهما: أنه يفيتها، ويكون على السيد الأقل من قيمتها يوم الحمل أو من أرش الجناية، فإن كان له مال أخذت منه القيمة، وإن لم يكن له مال أَتبع بذلك في ذمته، وهو قول ابن القاسم، وظاهره أنها تقوم بمالها، ولا شيء عليه من قيمة الولد، وهو في "الكتاب" في الأمة إذا ولدت بعد الجناية أنها تسلم بمالها، وفي مال أمّ الولد قولان عن مالك في "الكتاب" هل تقوم بمالها، وفي ولد الأمة قولان، فقيل: [لا] (٢)
_________________
(١) في أ: كالعتق.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٦٠ ]
تسلم بولدها؛ لأنها إنما [استحقت] (١) يوم التسليم لا يوم الجناية، وهو نص قول ابن القاسم في "الكتاب".
والثاني: [أنها] (٢) تسلم بولدها.
ومثلها في "الكتاب" بمسألة الوارث إذا وثب على جارية في تركة أبيه، وقد توفي، وعليه من [الديون] (٣) ما يغترق ماله، فأحبلها أنه إن كان عالمًا بدين أبيه، فبادر الغرماء رأيت إن كان له مال أن تكون عليه قيمتها في ماله، وإن لم يكن له مال أسلمت إلى الغرماء فباعوها.
وإن لم يعلم بدين أبيه رأيتها أمّ ولد للابن، ورأيت أن يتبع بقيمتها، فقال ابن القاسم: فهذا أصل مسألتك.
والثاني: أن الحمل لا يفيتها، وأن السيد إذا لم يكن له مال يفديها به كانت أملك ربها، وتسلم إلى المجني عليه؛ لأنها لو بيعت، ولا علم [لهم] (٤) بالجناية، فأعتقها المشتري لم يكن ذلك فوتًا يبطل حق المجني عليه؛ لأنها مرتهنة بالجناية، وهي في رقبتها بخلاف الجارية التي وطئها الوارث؛ فإن دين الغرماء غير متعلق بعينها، ودينهم في ذمة الميت، ولو أن الورثة باعوها، ولا علم لهم بأن على أبيهم دين يغترق قيمتها، وفاتت عند المشتري بعتق، أو إيلاد لم يكن لهم إلى رد العتق سبيل، وإنما لهم الثمن إن وجدوه، وإلا أتبعوا به من أخذه، وهذا نص قول سحنون في "المدونة" [والحمد لله وحده] (٥).
_________________
(١) في أ: استحلفت.
(٢) سقط من ب.
(٣) في أ: الدين.
(٤) سقط من ب.
(٥) زيادة من ب.
[ ١٠ / ١٦١ ]
المسألة الثالثة في جناية المُدَبَّر
ولا تخلو جنايته من وجهين:
أحدهما: أن يجني على أجنبي من الناس.
والثاني: أن يجني على سيده.
فأمَّا الوجه الأول: إذا جنى على أجنبي من الناس، فلا يخلو سيده من أن يكون عليه دين، أو لا دين عليه.
فإن كان عليه دين يغترق قيمة المدبر، أو لا يغترق قيمته؛ فأهل الجناية أولى بخدمته من غرماء السيد [فيستخدموه] (١) بقدر جناياتهم إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا لأهل الجناية قدر جنايتهم، ويأخذوا العبد المدبر، فيؤاجروه لأنفسهم حتى يستوفوا دينهم.
فإن لم يأخذه الغرماء وأسلموه إلى أولياء الجناية، ثم مات السيد، ولا مال له سوى المدبر، فلا تخلو قيمة المدبر من أن يستغرقها ما عليه من الجناية، والدين الذي على السيد، أو ما يبقى فيها فضل.
فإن استغرقت فالتدبير يبطل، ويبقى الدين والجناية؛ لأن التدبير وصية والدين يرد الوصية والجناية أولى من الدين؛ لأن الجناية في رقبته إلا أنْ يَزِيد أهل الدَّين على أرش الجناية، فيحط ذلك عن الميت؛ فيكون أولى بالعبد؛ لأن أهل [الجناية] (٢) إذا استوفوا جنايتهم، فلا حجة لهم.
_________________
(١) في أ: فيخدموه.
(٢) في ب: الجنايات.
[ ١٠ / ١٦٢ ]
وإن كان فيه فضل، فإنه يباع الأهل الجناية [أولًا] (١) بقدر جنايتهم، ثم يباع منه [للدين] (٢) فما بقى منه يعتق ثلثه، ويرق ثلثاه للورثة.
فلو أسقط الغرماء ديونهم عن سيد العبد بعد موته، هل يكون المجني عليه أولى بجميع رقبة المدبر أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه بمنزلة من لا دين عليه، ويعتق ثلث المدبر [أو] (٣) ما حمل الثلث منه، ويبيع من الجناية بقدر ذلك، ويخير الورثة فيما رق منه، وهو قول ابن القاسم، وأشهب في الموازية.
والثاني: أن المجني عليه أحق برقبة المدبر؛ لأن ذلك وجب له بعد موت السيد؛ فلا يزيله إسقاط الدين، وهذا القول نقله أبو محمَّد بن أبي زيد في "النوادر" (٤).
فأما الوجه الثاني: إذا لم يكن على السيد دين، فإن السيد يخير بين أن يسلم خدمته لأهل الجناية أو يفتديها؛ لأنه لم يملك من [المدبر] (٥) إلا هي، فإن فداها فإنه يستخدمه ما دام حيًا، فإذا مات [وحمله] (٦) الثلث فإنه يعتق ولا يتبع بشيء، فإن لم يحمله الثلث، فإنه يعتق منه ما حمل الثلث، ويرق الباقي للورثة.
فإن أسلمها لأهل الجناية، فإنهم يستخدمونه بقدر جنايتهم؛ فإن استوفوها، والسيد حي رجع وخدم السيد، فإن مات السيد قبل أن
_________________
(١) في أ: أولى.
(٢) في ب: المدبر.
(٣) في أ: و.
(٤) النوادر (١٣/ ٣٧٧).
(٥) في أ: الدين.
(٦) في أ: وحملها.
[ ١٠ / ١٦٣ ]
يستوفوها، فإن حمله الثلث عتق جميعه، وأتبع [ببقية] (١) الجناية، وإن لم يحمله الثلث عتق منه ما حمل الثلث، ويرق الباقي، ويخير الورثة فيما رق منه بين أن يفدوه بقدر ما ينوبه من أرش الجناية، أو يسلموه لأولياء الجناية.
فإن كان للمدبر مال لم تسلم خدمته، وأدى من ماله الجناية، فإن بقى منه شيء أقر بيده إلا أن ينتزعه السيد، وإن لم يف ماله بالأرش اختدموه فيما بقى إلا أن يفدي به.
ولو جنى بعد تسليم الخدمة إلى الأول، فإنهما يتحاصان في خدمته؛ الأول بما بقى له، والثاني يخرجه كله.
وخرج فيه ابن الجلاب قولًا ثانيًا أن المجني عليه أولى بالخيار بين أن يفديها من الثاني بدية جرحه أو يسلمها له، فيبطل حقه منها.
فإن جنى على المدبر بعد تسليم خدمته إلى المجروحين [لمن يكون أرش جرحه، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك للسيد، وهو قول ابن القاسم في الموازية.
والثاني: أنه يكون بين المجروحين] (٢) في بقية [جرحيهما] (٣)، فإن فضل منه شيء، فهو للسيد مع مرجع الرقبة، وهو قوله في "كتاب ابن المواز".
فإن أسلم خدمة مدبره إلى المجني عليه ثم بدا له أن [يفتديها] (٤) بدية
_________________
(١) في أ: ببقيته.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: جرحهما.
(٤) في أ: يفديها.
[ ١٠ / ١٦٤ ]
الجناية أو [ما] (١) بقى منها، فهل يمكن من ذلك أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك له؛ إذ لا حجة لأولياء الجناية؛ لأن ذلك كمال يأخذه شيئًا بعد شيء، فإذا دفع له نقدًا فلا حجة له، وهو قول ابن القاسم في "العتبية".
والثاني: أنه لا يمكن من ذلك؛ لأن السيد لما خير بين أن يسلم الخدمة أو يفديها؛ فإذا اختار تسليمها لم يكن له فيها رجوع؛ لأنها القدر الذي يملك من المدبر.
أصل ذلك العبد الذي لم يكن فيه تدبير إذا أسلمه أنه لا رجوع له فيه قولًا واحدًا في المذهب.
والخدمة في مسألتنا كالرقبة؛ إذ هي التي يملكها، ويملك التصرف فيها في الحال؛ ولأن ذلك ضرب من المبايعة، وإلى هذا أشار الشيخ أبو إسحاق التونسي، وألزم للمذهب على هذا القول إلزامًا، وقال: فعلى هذا القول إذا مات السيد، فحمل المدبر الثلث، فأعتق لا يتبع بشيء من بقية [الجناية لأن] (٢) المجني عليهم لما ملكوا جملة الخدمة [كانت] (٣) زيادتها لهم، ونقصانها عليهم، وأن الميت إذا لم يترك مالًا غيره، فعتق ثلثه ورق ثلثاه للورثة أن أهل الجناية لا يتبعون الثلث المعتق منه بشيء، وأن الورثة لا يخيرون في الثلثين [اللذين صارا] (٤) لهم؛ لأن سيده لما رضي بإسلام الخدمة؛ فكأنه أسلمها، وما يكون عنها من رقبة، ومعناه،
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: كان.
(٤) في أ: الذي صار.
[ ١٠ / ١٦٥ ]
فيكون [الثلثان] (١) للمجني عليهم، والذي قاله صحيح إذا اعتبرته.
وقد حكى ابن الجلاب في المذهب [قولًا] (٢) بأن المدبر إذا خرج من الثلث، وعتق قبل أن يستوفي المجني عليهم أرش جنايته أنه لا يتبع بشيء مما بقى عليه من أرش الجناية مثل إلزام التونسي للمذهب.
فإن مات المدبر قبل استيفاء المجروح حقه من الخدمة، فقد بطل حقه، ولا شيء له على السيد [إلا أن يترك المدبر مالًا، فإنه يؤخذ منه مقدار ما يقيله، ويكون الفضل للسيد] (٣)، وهو قول أشهب في "العتبية".
فإن كان على المُدَبَّر دين في جميع ما ذكرنا، فإن الدين الذي عليه أولى بماله، والجناية والدين الذي على السيد يتزاحمان على الخدمة على الوجه الذي شرحنا.
فالجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: في المَدَبَّر إذا جنى على سيده، ولا تخلو جنايته عليه من أن تكون فيما دون النفس، أو في النفس نفسها.
فإن كانت فيما دون النفس، فهل يختدمه السيد [بدية] (٤) الجناية أو يختدمه خدمة التَّدْبِير؟
فالمذهب على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن السيد يختدمه بدية الجناية كالأجنبي -كان جرحه عمدًا أو خطأ- فإن كان للمدبر مال أخذه، ويحاسبه [به] (٥) في جرحه. وهي
_________________
(١) في ب: الثلث.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: بخدمة.
(٥) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٦٦ ]
رواية عبد الحكم بن أعين عن مالك في "كتاب الجنايات" من "المدونة"، وهو راوٍ غريب -أعني: عبد الحكم بن أعين- وليس له في "المدونة" رواية سوى هذه الرواية.
والثاني: أن السيد لا يستخدمه بدية الجناية؛ لأن له عظم رقبته، وهو قول سحنون في "الكتاب".
وفائدة الخلاف وثمرته: أنا إذا قلنا برواية ابن أعين أن للسيد أن يستخدمه بدية الجناية أنه يستخدمه [بها] (١) كالأجنبي.
فإن استوفى جنايته، وهو حي -أعني: السيد- رجع إلى استخدامه بالتدبير، وإن مات السيد قبل أن يستوفي أرش جنايته، فإن المدبر يعتق منه مبلغ الثلث، أو جميعه إن حمله ثلث مال الميت كان ما بقى من الجناية التي جناها على سيده في ذمته، فإن عتق ثلثاه اتبع بثلثي الجناية، ويسقط ما بقى؛ لأنه رقيق لهم، وهذه فائدة استخدامه بالجناية، [ولهم] (٢) إذ قال في "الكتاب"؛ لأنه قد حدثت خدمة هي أولى من الخدمة الأولى.
ولو جنى على السيد والأجنبي لكان ذلك أيضًا [يختدمانه] (٣) بقدر جنايتهما، وهو نص قوله في الكتاب.
فإذا قلنا بأنه لا يختدمه بدية جنايته كان لا يتبع بشيء إذا عتق كما [لو] (٤) جنى [على] (٥) أجنبي ثم افتكه سيده أنه لا يختدمه بما افتكه [به] (٦)
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: وبه.
(٣) في أ: يخدمانه.
(٤) سقط من أ.
(٥) في أ: عليه.
(٦) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٦٧ ]
ولا يحاسبه به بالجناية على السيد أولًا ألا [يحاسبه بها] (١) الذي لم يخرج فيها شيئًا؛ فقد تبين لك فائدة الخلاف، والله المستعان.
فإن كانت جناية عليه في النفس، فلا يخلو من أن يقتله عمدًا أو خطأ.
فإن قتله عمدًا بطل تدبيره، ويرق للورثة إن عفوا عنه، وهو قول مالك في العتبية.
فإن قتله خطأ، فإنه يعتق في ثلث مال السيد دون ثلث الدِّية، وتؤخذ منه الدِّية أو يتبع بها أو بما عجز ماله عنه، وإن لم يحمله ثلث ماله عتق منه ما حمل ثلث المال ورق ما بقى، وأتبع بحصة ما [بقى] (٢) منه من الدية إلا أن يكون له مال، فيؤخذ منه مكانه ما لزمه من ذلك، وهو قول ابن القاسم في العتبية إذا خرج من الثلث، وهو قول أصبغ في الكتاب المذكور إذا خرج بعضه.
وفروع هذا الباب كثيرة، وإنما اختصرنا فيه على ما يليق بالكتاب [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) في أ: يحاسب به.
(٢) في ب: عتق.
(٣) زيادة من ب.
[ ١٠ / ١٦٨ ]
المسألة الرابعة في جناية الموصي بخدمته
فلا يخلو من أن يكون مرجعه إلى ملك أو إلى حرية.
فإن كان مرجعه إلى ملك؛ مثل: أن يخدم رجلًا عبده حياته أو أجلًا مسمى ثم رقبته للآخر، ومرجعها إليه، وقال [ذلك] (١) في وصية أو في غير وصية ثم جنى العبد جناية، فمن يبدأ بالخيار بين الفداء أو التسليم أصاحب الخدمة أم صاحب الرقبة؟
فالمذهب على أربعة أقوال:
أحدها: أنه يبدأ بصاحب الرقبة جملة بلا تفصيل كان مرجعها إلى السيد الذي أخدم أو إلى غيره ممن وهبت له بعد استيفاء الخدمة، وهو قول أصبغ واختياره من أحد قولي مالك في "الموَّازية" وغيرها.
والثاني: أنه يبدأ بالذي له الخدمة جملة بلا تفصيل، وهو أحد قولي [ابن القاسم في المدونة على ما حكاه سحنون فيها، وهو أحد قولي] (٢) مالك في "كتاب ابن الموَّاز".
والثالث: التفصيل بين أن يكون مرجع الرقبة بعد الخدمة إلى السيد الذى أخدم، فيكون هو المبدي، أو يكون مرجعها إلى أجنبي، فيكون المخدم هو المبدي، وهو قول ابن القاسم في "الكتاب" في أول الباب.
والرابع: أنهما فيه كالشريكين يخرج عبدهما فيقوم مرجع الرقبة، فإن
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٦٩ ]
قيل [يساوي] (١) عشرة تقوم خدمته أيضًا، فإن قيل [تساوي] (٢) عشرة صار حقهما فيه سواء، وهما كالشريكين، ويخيران جميعًا، فإن شاءا أسلما، وإن شاءا أفديا، فإن فدياه دفع كل واحد نصف دية الجرح، وكان العبد على حاله، فإن أسلماه كان مملوكًا لأهل الجناية؛ فإن أحب أحدهما أن يفتدي الذي له من خدمة، أو مرجع رقبة كان ذلك له، ومن شاء أن يسلم ماله فيه كان ذلك له، فإن [أسلمه] (٣) صاحب [الخدمة لم يكن للمجني عليه غير بقية الخدمة، وإن أسلمه صاحب] (٤) الرقبة كان للمجني عليه بعد الخدمة، فإن افتكه صاحب الخدمة لم يكن له إلا خدمته، وإن افتكه صاحب الرقبة لم يكن له إلا الرقبة بعد مرجعها، وهو قول أشهب في "الموازية".
ووجه القول بأن [صاحب الرقبة هو المبدي جملة أن ملك الرقبة أصل، والخدمة فرع عنها، وأن المعطى له الرقبة بعد الخدمة قائم مقام مالكها الأول، فيبدي بملك الأصل لا بملك الفرع ووجه القول بأن] (٥) المبدى ملك الخدمة جملة؛ لأنه هو المالك لمنافع العبد التي هي المقصودة منه، والرقبة قد تصح لربها، أو للذي أعطى له رجوعها إليه، وقد لا تصح؛ فصار المالك على الحقيقة في الحالة الراهنة هو المالك للخدمة، وعلى هذا ينبني الخلاف في نفقته على من تكون، وزكاه الفطر [عنه] (٦) على من تكون.
_________________
(١) في أ: يسوي.
(٢) في أ: تسوى.
(٣) في أ: أسلمها.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
(٦) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٧٠ ]
ووجه القول بالتفصيل: أنه إن كان مرجع الرقبة لمالكها الأول يكون هو المبدي؛ لأنه وهب الخدمة، وأبقى الرقبة على ملكه، فكأن ملكه لم يزل [عن] (١) الرقبة، وإذا كان مرجع الرقبة لأجنبي بهبة من المالك كان صاحب الخدمة مبدى؛ لأن من له مرجع الرقبة لم يملك شيئًا إلى الآن، ولا استنفع بشيء إلى الآن، فكأنه غير مالك للرقبة؛ فكانت التبدية لمالك الخدمة أولى.
ووجه القول أنهما فيه كالشريكين؛ لأن الجناية وقعت عليهما جميعًا فكل واحد منهما مخير في القدر الذي ملك من العبد، ولا مزية لأحدهما على الآخر.
فإذا قلنا بأن مالك الرقبة هو المبدى، فإذا أسلم العبد للمجني عليه، قيل للمخدم: إن أحببت أن تفتكه فافتكه، فإن أفتكه [اختدمه] (٢)، فإن قضى أمد الخدمة لم يكن لسيده إليه سبيل حتى يدفعه ما أفتكه به، وإلا كان للمخدم بتلًا، فإن فداه مالك الرقبة، فإن صاحب الخدمة يستخدمه حتى ينقضي أجل الخدمة، ثم يكون لصاحب الرقبة، ولا يرجع على صاحب الخدمة بشيء مما فداه [به] (٣).
وإذا قلنا: بأن صاحب الخدمة هو المبدى، فإن أسلم ما له فيه من الخدمة، قيل لصاحب الرقبة: افده أو أسلمه، فإن أسلمه كان رقيقًا لأهل الجناية، فإن فداه صار له، وبطل حق المخدم لتسليمه إياه أو لا، فإن افتداه ما له فيه من الخدمة بأرش الجناية، فله أن يستخدمه، فإذا انقضى أجل الخدمة رجع العبد إلى من له مرجع الرقبة، واختلف [هل يرجع] (٤)
_________________
(١) في أ: على.
(٢) في أ: خدمه.
(٣) سقط من أ.
(٤) سقط من ب.
[ ١٠ / ١٧١ ]
عليه صاحب الخدمة بما فداه به أم لا على قولين:
أحدهما: أنه يرجع على مالك الرقبة بما فداه به، وهو قوله في "المدونة".
والثاني: أنه لا يرجع عليه بشيء، وهذا القول حكاه التونسي في المذهب.
وسبب الخلاف: اختلافهم فيما فداه صاحب الخدمة هل إنما فدى الخدمة أو الرقبة؛ فمن رأى أنه إنما فدى الخدمة، قال: لا يرجع على مالك الرقبة بشيء، ومن رأى أنه إنما فدى الرقبة، قال: يرجع على مالكها بما فداها به، ولا سبيل له إليها حتى يدفع ما فداها به، وتنزل فيها منزلة المجني عليه.
وإذا جعل خدمته لرجل سنة ثم خدمته لآخر بعد سنة ثم رقبته لآخر، ثم جنى. ما الحكم فيه؟
فقد اختلف فيه [المذهب] (١) على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المخدمين يخيران، فإن افتدياه كان على حاله، ولم يكن لهما بما افتدياه به مرجع على أحد، وإن أسلماه اختدمه المجروح، فإن انقضت السنتان كان الخيار لمن له مرجع الرقبة إن شاء افتداه بما بقى من أرش الجناية بعد الخدمة، وصار له ملكًا، وإن شاء أسلمه وصار رقًا للمجني عليه، وإن استوفى المجروح قيمة جرحه قبل ذلك رجع العبد إلى منتهى سنته، فإن بقى من السنة الأولى شيء اختدمه الأول فيما بقى ثم يكون للثاني.
فإن انقضت السنة الأولى، ودخل في الثانية، فقد سقط حق الأول
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٧٢ ]
من الخدمة، ويكون للثاني أن يستخدمه فيما بقى من سنته، فإذا انقضت السنة الثانية كان لمن له مرجع الرقبة بتلًا، وهو قول ابن القاسم في "الموازية".
والثاني: أن المخدم الأول مخير، فإن افتداه، هل يخدمه بالأرش الذي فداه به، وبالسنة التي وهبت له فيها خدمته أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يختدمه بالأمرين جميعًا، فيبدأ بالأرش يختدمه فيه، فإن استوفاه، وبقى من سنته شيء اختدمه باقيها، ثم أسلمه إلى الثاني بغير غرم؛ لأنه قد استوفى لما فداه به عوضًا.
فإن تمت سنته قبل تمام الأرش، قيل للثاني: ادفع إليه باقي الأرش، واختدمه فيه مدتك، فإن استوفيت قبلها أخدمت باقيها بالعطية، ثم يكون لمن له مرجع الرقبة، فإن تمت سنتك قبل أن تستوفي كان الخيار لمن له مرجع الرقبة بين أن يعطيك ما بقى لك مما افتديته به أو يسلمه لك بَتْلًا، وإن أبى الثاني أن يدفع للأول ما بقى له قيل للأول: اختدمه في مدة الثاني، فإذا استوفيت قبل تمامها فادفعه إلى الثاني يختدمه ما بقى، وإن لم يستوف الأول حتى تمت خدمة الثاني خير من له المرجع بين أن يعطيه ما بقى له مما فداه به أو يسلمه إليه [رقا] (١)، وهذا كله قول سحنون في "كتاب ابنه"، ومثله لعبد الملك في "كتاب ابن حبيب".
والثاني: أنه لا يختدمه إلا بالعطية خاصة، وليس له أن يستخدمه بالأرش الذي فداه به، فإن فداه اختدمه باقي مدته، ثم يكون للمخدم الثاني، ولا شيء للأول على الثاني مما فداه [به] (٢) ولا على من له
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٧٣ ]
المرجع، وهو قول ابن القاسم في "الموازية".
فإن أسلمه خير المخدم الثاني بين أن يفدى خدمته، أو يسلمها؛ فإن افتداها هل يستخدمه بالسنتين جميعًا، أو يستخدمه بمدة العطية خاصة؟
فالمذهب على قولين أيضًا:
أحدهما: أنه يستخدمه بقية الأول، وجميع مدته هو ثم يسلمه إلى صاحب المرجع، ولا شيء له عليه مما فداه به؛ لأنه [اختدمه الخدمتين] (١) وهو قول ابن القاسم أيضًا في "الموازية".
والثاني: أن المخدم الثاني لا يختدمه إلا [سنته] (٢) وحدها، ثم يكون مرجعه إلى صاحب الرقبة، وهذا القول حكاه ابن أبي زيد، ولم يُسَم قائله.
[وقال] (٣) والأشبه أن يختدمه الثاني في السنتين جميعًا؛ لأنه إذا جنى في أول السنة الأولى التي للأول، فافتداه الثاني بعد أن أسلمه الأول، فالذي افتداه لم تأت سنته بعد، والأول قد سلم حقه في الخدمة، والذي له مرجع الرقبة إنما هي له بعد سنتين، فكيف يبتدأ بالسنة الآخرة؟ وهذا ظاهر في المعنى.
فإن أسلمها اختدمه المجروح، وحسب ذلك من جرحه، فإن وفي وبقى من خدمة الأول بقية رجع إليه [يخدمها] (٤) ثم خدم الثاني سنة، فإن لم تف الخدمة الأولى بالأرش اختدمه السنة الثانية، فإن استوفى وبقى منها شيء اختدمه الثاني، ولا شيء للأول فيه، فإن لم تف خدمة السنة
_________________
(١) في أ: أخدمه خدمتين.
(٢) في أ: سنة.
(٣) سقط من أ.
(٤) في أ: يختدمها.
[ ١٠ / ١٧٤ ]
الثانية بالأرش، فإن كان [مرجعه] (١) إلى حرية كان حرًا ويتبع بالباقي، وإن كان [مرجعة] (٢) إلى ملك قيل لمن له مرجع الرقبة حين أسلمه المخدمان: إن فديته بالأرش كان لك اليوم بتلًا، وإن أسلمته كان للمجروح بَتلًا.
وعلى القول بأن المبدى في التخيير من له مرجع الرقبة كسيده الأول، فإن فداه بقى في خدمة الرجلين إلى إتمامها ثم أخذه.
وإن أسلمه خير المخدمين، فإن أسلماه كان للمجروح بتلًا، وإن افتدياه اختدماه، ثم لم يأخذه من له الرقبة حتى [يعطيهما] (٣) مما فدياه به، وهو قول أصبغ في "الموَّازية".
فإن قتل العبد المخدم في جميع ما ذكرناه أو جرح لمن تكون قيمته أو أرش جراحه؟.
فقد اختلف فيه المذهب على أربعة أقوال كلها قائمة من "المدونة":
أحدها: أنها لسيده الأول جملة بلا تفصيل كان مرجعه إلى ملك أو حرية، وهو ظاهر قوال مالك في الكتاب؛ لأنه قال: القيمة للذي له الرقبة، وسواء قتله السيد أو قتله غيره.
والثاني: أن قيمته وأرشه لمن له مرجع الرقبة بعد الخدمة إن كان مرجعها إلى ملك، وهو ظاهر "الكتاب" أيضًا.
والقولان لمالك في "الموازية"، وأخذ ابن القاسم بالأول.
_________________
(١) في أ: مرجعها.
(٢) في أ: مرجعها.
(٣) في أ: يعطيها.
[ ١٠ / ١٧٥ ]
وعند ذكر سبب الخلاف يَتَبَيَّن لك موضع القولين في "الكتاب".
والثالث: التفصيل بين أن تكون الجناية من السيد أو من غيره؛ فإن كانت الجناية من [سيده] (١) قتله عمدًا، فإنه يغرم قيمته، وتوقف بيد عدل فيؤاجر منها للمخدم بقية الأجل أو العمري إن عمره فيه فما فضل فللسيد، وما عجز فلا شيء عليه فيه، وإن قتله خطأ، فلا شيء عليه.
وإن كانت الجناية من غير السيد، فالقيمة للسيد الأولى، وهي رواية عن ابن القاسم.
والرابع: أن القيمة للمخدم لا لسيد العبد، ولا لمن له مرجع الرقبة، وهو قول أشهب وغيره.
وعلى القول بأنها للمخدم، هل يشتري له منها رقبة تخدمه بقية المدة أو يستأجر له بها؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه يشتري بالقيمة رقبة أخرى تخدمه بقية المدة، وهو قول أشهب في "الموازية".
والثاني: أنه يكتري له من القيمة من يخدمه بقية المدة، وهو قول المخزومي، وأحد قولي ابن القاسم، والقولان قائمان من "المدونة" من قول سحنون فيها بعد قوله: إن القيمة للذي له الرقبة حيث قال: أما مالك فهذا قوله لم يزل، واختلف فيه أصحابه، فكلما سمعت خلاف هذا فرده إلى هذا، وهو أصل مذاهبهم مع ثبوت مالك عليه؛ فهذا منه تنبيه على الخلاف الذي حكيناه في المسألة.
وسبب [الخلاف بين] (٢) القولين المتقابلين: اختلافهم في حَوْز الغير
_________________
(١) في أ: سيدها.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٧٦ ]
بغير إذن الواهب للموهوب له، هل يكون حوزًا أم لا؟
فمن قال: لا يكون حوزًا قال: القيمة لسيده الأول.
ومن قال: هو حوز قال: القيمة لمن له مرجع الرقبة.
ومن قال القيمة للمخدم يشتري له بها عبدًا آخر أو يكتري له منها قال: إن قيمة الشيء تقوم مقام عينه.
ومن فَرَّقَ بين جناية السيد، وبين جناية عبده فراعى قوة التهمة؛ لأن السيد إذا قتله [عمدًا] (١) يتهم في إبطال حق المخدم من العبد، فيعاقب بغرم القيمة.
وأما الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا كان مرجع العبد بعد الخدمة إلى حرية، فالحكم فيه كالحكم في الوجه الأول إذا كان مرجعه إلى ملك إلا في موضع واحد؛ وهو إذا أسلمه المخدم إن كان واحدًا أو المخدمان إذا كانا اثنين إلى المجروح، فاستخدمه [في جرحه] (٢) ثم انقضت المدة قبل أن يستوفي قيمة [دية] (٣) جرحه من الخدمة، فإنه يكون حرًا، ويتبع بما بقى من أرش الجرح في ذمته.
وإذا كان مرجعه إلى رق على القول بأن المخدم يبدى، فإن اختار تسليمه إلى المجني عليه رجع الخيار إلى من له مرجع الرقبة، فإن فداه كان له ملكًا وسقطت الخدمة، وإن أسلمه كان رقًا للمجني عليه من ساعته [والحمد لله وحده] (٤).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ب.
(٤) زيادة من ب.
[ ١٠ / ١٧٧ ]
المسألة الخامسة في [جناية] (١) أمّ الولد
ولا تخلو أمّ الولد من وجهين:
[أحدهما] (٢) أن تجني على غيرها.
والثاني: أن يجني عليها.
والجواب عن الوجه الأول: إذا جنت على غيرها، فلا تخلو من أن تجني على واحد أو على جماعة.
فإن جنت على واحد، فعلى السيد أن يفتديها بالأقل من قيمتها، أو من أرش تلك الجناية.
واختلف في القيمة متى تعتبر على قولين:
أحدهما: قيمتها يوم الحكم، وهو قوله في "المدونة"، وهو مشهور المذهب.
والثاني: قيمتها يوم الجناية، وهو قول المغيرة في "المجموعة".
فإن جنت على جماعة، فلا يخلو المجني عليهم من أن يقوموا على السيد في حياته أو بعد مماته.
فإن قاموا عليه [بأروش] (٣) جناياتهم في حياته [فلا يخلو المجني عليه آخرًا من أن يقوم بعد الحكم في الأول، أو قبل أن يحكم فيه، فإن جنت عليه بعد الحكم في جنايتها] (٤) على الأول واستيفاء واجبه، فإنه
_________________
(١) في ب: جنايات.
(٢) في أ: إما.
(٣) في أ: بأرش.
(٤) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٧٨ ]
يبتدأ الحكم في الثاني قولًا واحدًا في المذهب.
فإن جنت على الثاني قبل الحكم في الأول، فلا يخلو من أن يقوموا على السيد جميعهم، أو قام بعضهم دون بعض.
فإن قاموا على السيد كلهم، هل يدفع لهم السيد قيمتها، ويتحاصون فيها على قدر جنايتهم، أو عليه أن يعطي لكل واحد [منهم] (١) الأقل من قيمتها أمّ ولد أو أرش جرحه؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن الواجب عليه أن يدفع إليهم قيمتها إن كانت أقل، ويتحاصون فيها بقدر جنايتهم، وهو مذهبه في المدونة، وهو المشهور.
والثاني: أن عليه لكل واحد [منهم] (٢) الأقل من قيمتها أو من أرش جنايته، وهو قول المغيرة في المجموعة والموازية [والواضحة، وبه قال اللخمي أولًا، ثم رجع عنه إلى قول الجماعة على ما قال أشهب في المجموعة والموازية] (٣) أن ابن القاسم والمغيرة خالفاني في ذلك، وقالا: عليه قيمتها يوم جنت، فرجع ابن القاسم عن ذلك، وتمادى المغيرة فيما علمت حتى قال في الأمة الغارة للحر أن عليه قيمة ولده منها يوم ولد، وإن ماتوا بعد ذلك.
وينبني الخلاف: على الخلاف في الاعتبار في القيمة، هل النظر إلى يوم الحكم أو إلى يوم الجناية؟
واختلف هل تقوم بمالها أم لا؟ على قولين: حكاهما أبو سعيد في
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٧٩ ]
"التهذيب" (١) عن مالك.
فإن قام بعضهم على السيد دون بعض، فلا يخلو الغائب من أن يعلم به السيد أو لا يعلم.
فإن علم به السيد، فإن الحاضر يضرب بقدر جنايته في قيمتها؛ لأن [الاشتراك] (٢) يقع في قيمتها بقدر جناية كل واحد منهم؛ لأن إحدى الجنايتين قد تكون أقل من قيمتها، وتكون الأخرى أكثر من قيمتها، فيقال للسيد: أخرج قيمتها؛ فيشتركان فيها بقدر جنايتهما.
فإن لم يعلم به السيد، فأعطى للحاضر جميع دية جرحه، أو قيمتها إن كانت هي أقل، ثم قام الثاني، فعلى السيد أن يعطيه دية جرحه أو قدر ما يصير له مع الأول من قيمتها لو تحاصا اليوم، ثم يرجع السيد على الأول بالزائد الذي أخذ؛ لأنه لا يصح له إلا قدر ما كان يصير له من قيمتها يوم قام أولًا لو تحاصا يومئذ، والزائد يرده مثل أن يجرح الأول، والثاني موضحة [موضحة] (٣)، فدفع إلى الأول أرش جرحه، ولم يعلم بالثاني ثم قام الثاني، وقيمة الأمة الآن أقل من الموضحتين، فإنه يدفع إلى الثاني نصف قيمتها اليوم، ويرجع السيد، فيقول للأول: إنما أعطيتك دية جرحه، ولم أعلم أن معك شريك، ويسترجع مما قبض قدر نصف قيمتها يوم كان قام إلا أن يكون نصف قيمتها يوم قام أكثر مما كان قبض، فيكون له الأقل من دية جرحه من نصف قيمتها يوم قيامه.
ولو لم يعلم بالثاني حتى جرحت ثالثًا، وقد كان للأول قيمتها يوم قام به، ثم قام الباقيان فوجه العمل في المسألة أن تقدر أنها جنت على الأولين
_________________
(١) تهذيب المدونة (٤/ ٥٢٥).
(٢) في أ: الاشتراط.
(٣) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٨٠ ]
موضحة موضحة، ثم جنت على الثالث موضحة فقام أحدهما، فأسلم السيد [إليه] (١) قيمتها، ولم يعلم بالآخر، وكانت قيمتها يومئذ مثل أرش الموضحة سواء، فلم يقم الثاني حتى جرحت ثالثًا موضحة أيضًا، ثم قام هو والثاني فإن السيد يرجع على الأول بخمسة وعشرين؛ لأن الواجب له يوم قام نصف الجناية، ثم ينظر إلى قيمتها اليوم، فإن كانت ستين قيل للثالث: قد جنى عليك نصفها المفتك من الأول، وهو فارغ والنصف الآخر [وهو] (٢) مرتهن بجناية الثاني؛ فنصف موضحتك في النصف الفارغ [فيفتكه] (٣) السيد منه بخمسة وعشرين؛ لأن نصف جنايتك أقل من نصف قيمتها الآن، والنصف الثاني بينك وبين المجروح الثاني علي ما بقى لك وله؛ فلك ثلثه وهو عشره، وله ثلثاه وهو عشرون؛ لأن هذا بقى له نصف جرحه، وهذا جرحه كله، والجرحان سواء، فصار علي الثلث والثلثين، وهو قول سحنون في "العتبية".
وروى أبو زيد عن ابن القاسم أنه يسترجع نصف ما أعطى للأول، ويعطى لهذين نصف دية جرحيهما كاملًا أو قيمتها الآن، فتكون بينهما [نصفين] (٤).
وأنكره سحنون، وقال: هذا خطأ.
وقال أبو زيد ﵀: لا يقوم بهذه المسألة.
وذكر ابن عبدوس عن أشهب مثل ما روى أبو زيد عن ابن القاسم.
فأما إن قاموا عليه بعد الموت فلا يخلو من أن يقوموا عليه بعد موتها،
_________________
(١) في أ: إياه.
(٢) سقط من أ.
(٣) في أ: فيفتك.
(٤) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٨١ ]
أو قاموا بعد موت السيد.
فإن قاموا على السيد بعد موت أمّ الولد، وقبل الحكم عليه بجنايتها، فلا تخلو من أن تترك [مالًا] (١) أو لا مال لها.
فإن ماتت ولم تدع مالًا، فلا شيء على السيد على القول بأن النظر في جنايتها يوم الحكم.
فإن تركت مالًا، فلا يخلو من أن يكون عينًا أو عرضًا.
فإن كان عينًا كان للمجروح دية جرحه منه وما فضل يكون لسيدها، وإن كان مالها أقل لم يكن للمجروح غيره، وإن كان [عرضًا] (٢) خير سيدها بين افتكاكها بالأرش أو إسلامه، وهو قول عبد الملك فيما نقله ابن أبي زمنين.
فإن قاموا بعد موت السيد؛ إما على القول بوجوب أروش الجناية [يوم الجناية] (٣) فلا تفريع، وأما على القول بأن النظر فيها إلى يوم الحكم، فلا يخلو السيد من أن يترك مالًا أو لا.
فإن مات وترك مالًا، هل يكون الأرش في ماله أم على أم الولد؟
فعلى ثلاثة أقوال:
أحدها: أن ذلك في ماله، ولا شيء عليها في مالها، وهو قول مطرف، وابن الماجشون [في "الواضحة"] (٤).
والثاني: أن ذلك [في مالها] (٥) دون مال السيد، وهو قول سحنون
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) سقط من أ.
(٣) سقط من ب.
(٤) سقط من أ.
(٥) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٨٢ ]
في "الكتاب" حيث قال: إنما يكون على السيد إذا قاموا وهي عنده، فلو قاموا وقد ماتت لم يكن لهم عليه شيء [فكذلك إذا ماتت قبل أن يقوموا فلا شيء عليه] (١) وعليها هي إذا قاموا بعد الموت؛ لأنها هي الجانية؛ [فذلك] (٢) عليها، فهذا نص قوله.
والثالث: أنه لا شيء عليها، ولا على السيد ولو ترك مالًا؛ لأن السيد إنما هو مطلوب بقيمتها يوم يقام عليه، وله مال.
فإذا مات قبل القيام عليه، ولم تكن جنايتها متعلقة بذمته، وصار ما ترك ملكًا لورثته بالميراث، فكيف يجب أن يؤخذ من تركته ما جنت، وهذا قول قياسي.
وأما [هي] (٣) فلا يجب أن يكون عليها شيء؛ لأن الجناية حين وقعت منها لم تكن ممن تطلب بها، والمطلوب بها سيدها؛ فليس موته بالذي يوجب عليها ما لم يكن واجبًا قبل موته، فإن مات السيد ولم يترك مالًا، فلا خلاف في المذهب في أنه لا شيء على ورثته، وهل يلزم الأرش أمّ الولد أم لا؟
على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أنه لا شيء عليها، وهو قول مالك في "المدونة".
والثاني: أن ذلك عليها؛ لأنها هي الجانية، وهو قول سحنون فيها.
والجواب عن الوجه الثاني من أصل التقسيم: إذا جنى على أم الولد لمن يكون أرشها؟
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في ب: بذلك.
(٣) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٨٣ ]
أما في الحياة، فالأرش للسيد [كمالها] (١) قولًا واحدًا، وأما إن مات السيد قبل أن يقبضه، فلمن يكون الأرش؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لها.
والثاني: أن ذلك لسيدها مال يورث عنه.
وحكى القولين التونسي، ولم يسم قائلهما.
فرع
فلو قتلت رجلًا حرًا عمدًا، فعفى أولياء القتيل عن أمّ الولد على أن يأخذوا القيمة من السيد؛ فإن رضي السيد بذلك، فلا إشكال، وإن أبى السيد، هل يجبر على ذلك أم لا؟
على قولين منصوصين في "المدونة":
أحدهما: أن السيد لا يجبر على ذلك، ويكون لهم معاودة القتل؛ لأنهم إنما عفوا على أخذ القيمة أو الدية، وهو قول مالك، وابن القاسم في "كتاب الجنايات" من "المدونة".
والثاني: أن السيد يجبر على دفع الأقل من قيمتها أو من الأرش، وهو قول الغير في الكتاب المذكور، وقال: ليس أمّ الولد كالحر؛ إنما حكمها حكم العبد.
وقال أشهب في "كتاب الجنايات": أن الحر يجبر على الدية على ما أحب أو كره إذا [طلبت] (٢) منه، ولا يقتل [والحمد لله وحده] (٣).
_________________
(١) سقط من أ.
(٢) في أ: طلب.
(٣) زيادة من ب.
[ ١٠ / ١٨٤ ]
المسأله السادسة في القصاص بين العبيد والأحرار فيما بينهم من القتل والجراح
والعبيد مخاطبون بجناياتهم لاحقة بهم متعلقة برقابهم لا يلزم ساداتهم أكثر من إسلامهم بما جنوا -كانت الجناية مما يجب فيه القصاص أو مما لا يجب فيه القصاص- وإن أحب ساداتهم أن يفْتُّكُوهم بما جنوا، ولا يسلمونهم بجناياتهم كان ذلك لهم إلا فيما فيه القصاص في أبدانهم، فلا يكون ذلك لهم إلا برضى المجني عليه.
فإذا ثبت ذلك فجناية العبيد تنقسم على ثلاثة أقسام:
أحدها: جناياتهم على العبيد.
والثاني: جناياتهم على الأحرار.
والثالث: جناياتهم على الأموال.
فالجواب عن القسم الأول: إذا كانت جناياتهم على العبيد، فلا يخلو من أن تكون جنايته عمدًا أو خطأ.
فإن جنى عليه عمدًا أو خطأ لا يجب القصاص فيه؛ لكونه متلفًا فسيد العبد الجاني مخير بين أن يسلمه بجنايته أو يفتكه بقيمة العبد المقتول أو بما نقص الجرح منه.
وإن لم ينقصه الجرح شيئًا فلا شيء عليه إلا في المنقلة، والمأمومة، والجائفة؛ فإنه يَفتكه في المأمومة، والجائفة بثلث قيمة العبد المجروح، وفي المنقلة بعشر قيمته ونصف عشر قيمته إن برئت على غير شين.
[ ١٠ / ١٨٥ ]
فإن برئت على شين فنقص ذلك من قيمته، فقد اختلف [المذهب] (١) بماذا يفتديه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يفتديه: لما نقص الجرح من قيمته على ما هو عليه من الشين.
والثاني: أنه يفتكه بالواجب [في] (٢) ذلك الجرح مع ما نقصه الشين.
والثالث: أنه يَفْتكه [بالأكثر] (٣) من الواجب في ذلك الجرح أو [مما] (٤) نقص الجرح من قيمته على ما هو عليه من الشين.
والأقوال الثلاثة حكاها القاضي ابن رشد في المذهب.
وثبتت الجناية في هذا الوجه بشاهدين، وبشاهد وامرأتين، وباليمين مع الشاهد.
وفي إقرار العبد على نفسه بالجناية [بحضرتها] (٥) قولان:
أحدهما: أنها تثبت بإقراره، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: أنها لا تثبت به، وهو قول ابن نافع، فإن كانت جنايته عمدًا، فهل يجب القصاص فيما بينهم أو لا يجب؟
فقد اختلف أهل العلم في ذلك على أربعة مذاهب:
أحدها: قول مالك ومن تابعه أن القصاص قائم بينهم في النفس، وفيما دون النفس كما هو بين الأحرار لاستوائهما في المزية كانوا لمالك أو
_________________
(١) سقط من ب.
(٢) في أ: من.
(٣) في أ: بالأكبر.
(٤) في أ: ما.
(٥) في ب: بحضرتهما.
[ ١٠ / ١٨٦ ]
ملاك، وبه قال الشافعي وأصحابه.
والثاني: أنه لا قصاص بينهم جملة لا في النفس، ولا فيما دون النفس كالصغير والمجنون، وروى هذا القول عن ابن مسعود، وقال به جماعة من التابعين، وبعض فقهاء العراقيين مثل ابن شبرمة.
والثالث: أن القصاص بينهم في النفس دون الجراح، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
والرابع: التفصيل بين أن يكونوا لمالك واحد أو ملاك شتى؛ فإن كانوا لمالك واحد فلا قصاص بينهم، فإن كانوا لملاك، فالقصاص قائم بينهم، وهذا القول وقع في "المدونة" في "كتاب الرجم" لبعض الناس.
والدليل على صحة مذهب مالك، والشافعي عموم قوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (١)، وبه قال عمر بن الخطاب - ﵁ -.
والدليل على صحة مذهب أبي حنيفة حديث عمران بن الحصين أن عبدًا لقوم فقراء قطع أذن عبد لقوم أغنياء، فأتوا رسول الله - ﷺ - فلم يقتص منه.
فعلى مذهب مالك -﵀- أن القصاص بينهم قائم في النفس والجراح؛ فإن سيد العبد المقتول أو المجروح مخير بين أن يقتص [منه] (٢) أو يأخذ العبد الجارح إلا أن يشاء سيده أن يفتكه بقيمة العبد المقتول أو بما نقص الجرح منه، إلا أن تكون موضحة، فيفتكه بنصف عشر قيمة العبد، وهذا إذا ثبت القتل أو الجرح بشاهدين، وأما إن شهد على ذلك شاهد واحد، هل يحلف السيد أو يقتص أم لا؟
_________________
(١) سورة البقرة الآية (١٧٨).
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٨٧ ]
فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يحلف ويستحق العقل دون القصاص، وهو قول ابن القاسم في "كتاب الشهادات" من "المدونة".
والثاني: أنه يحلف ويقتص، وهو قول مالك في "كتاب الأقضية" من "المدونة"، وفي "كتاب الديات"، وهو قول الغير في "كتاب الشهادات" على اختلاف الروايات هناك.
والثالث: أنه إن أراد العقل حلف وأخذ، وإن أراد القصاص حلف العبد، وهو قول المغيرة المخزومي.
وينبني الخلاف: على الخلاف في القصاص [هل يكون] (١) بشاهد ويمين قياسًا على القسامة، أو لا يكون القصاص به؛ لأن القسامة مستثناة.
فأمَّا إن ثبتت الجناية بإقرار العبد على نفسه بذلك، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن ذلك لازم لسيده، ويقتص منه؛ إذ لا يتهم في ذلك، وهو نص "المدونة".
والثاني: أنه لا يجوز إقراره على نفسه بذلك، ولا يقتص منه؛ لأنه لا يجوز له أن يتلف نفسه على سيده، وهذا القول حكاه الأشياخ عن كثير من أصحاب مالك.
والجواب عن القسم الثاني: إذا كانت جنايتهم على الأحرار، فإنها على وجهين:
أحدهما: جنايتهم عليهم في النفس.
والثاني: جنايتهم عليهم فيما دون النفس من الجراح.
_________________
(١) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٨٨ ]
فأمَّا جنايتهم عليهم في النفس، فلا يخلو إذا قتل العبد الحر من أن يكون ذلك خطأ أو عمدًا.
فإن كان خطأ خير سيد العبد القاتل بين أن يسلمه أو يفتكه [بالدية] (١)؛ فإن اختار افتكاكه بالدية، هل تكون حالة على السيد أو منجمة؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنَّ الدِّية حَالَّة عليه في ماله، وهو قول مالك في "المدونة" في مسألة العبد والحر إذا اصطدما فيموتان أو مات الحر منهما.
والثاني: أنها تكون منجمة عليه في ثلاثة أعوام، وهو قول ابن القاسم عن مالك في "العتبية".
فإن كان قتله عمدًا خير أولياء الحر المقتول بين أن يقتلوا العبد أو يستحيوه؛ فإن قتلوه فماله لسيده، فإن استحيوه، فالمذهب على قولين:
أحدهما: أن المال يكون للسيد كما لو قتلوه.
والثاني: أن المال يكون تبعًا له كما لو استحيوه، وقد أسلم إليهم في الجناية.
والقولان عن ابن القاسم في "العتبية".
وأما جنايتهم عليهم فيما دون النفس، فهل يقتص من العبد للحر أم لا؟
فالمذهب على قولين:
أحدهما: أنه لا يقتص من العبد للحر في الجراح بخلاف النفس، وهو مشهور المذهب.
_________________
(١) سقط من ب.
[ ١٠ / ١٨٩ ]
والثاني: أنه يقتص منه [في الجراح للحر] (١) كما يقتص له في النفس، وهي رواية عن مالك حكاها الحفيد عن مالك في "كتاب النهاية" وهو الأصوب.
والجواب عن القسم الثالث: وهو جنايتهم على الأموال: فلا يخلو ذلك من وجهين:
أحدهما: جنايتهم على ما لم يؤتمنوا عليه.
والثاني: جنايتهم على ما اؤتمنوا عليه.
فأمَّا جنايتهم على ما لم يؤتمنوا عليه، فذلك في رقابهم -كانت لحر أو لعبد- يخير سيد العبد الجاني بين أن يسلمه بما استهلك من الأموال، أو يفتكه بذلك -كان ما استهلك من الأموال أقل من قيمته أو أكثر- إلا أن يرضى المجني عليه بأقل من ذلك إذا كان ممن يجوز له التصرف في ماله.
فأمَّا جنايته على ما اؤتمن عليه بعارية أو كراء أو وديعة أو استعمال أو ما أشبه ذلك، فإن ذلك على وجهين:
أحدهما: أن يستهلكه بالانتفاع به.
والثاني: أن يستهلكه بالفساد، والهلاك من غير انتفاع به.
فأمَّا إذا استهلكه بالانتفاع به مثل أن يكون ثوبًا، فيعتدي عليه فيبيعه، ويأكل ثمنه، أو طعامًا فيأكله: فهذا لا خلاف [فيه] (٢) أنه في ذمته لا في رقبته.
وأما ما استهلك بالفساد والهلاك، ففيه قولان:
أحدهما: أن ذلك في رقبته، وهو قول ابن الماجشون.
_________________
(١) في أ: للجراح في الحر.
(٢) سقط من أ.
[ ١٠ / ١٩٠ ]
والثاني: أن ذلك في ذمته؛ لأنه اؤتمن عليه، وهو قول ابن القاسم، والحمد لله وحده [تم كتاب جنايات العبيد بحمد الله وعونه] (١).
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ١٠ / ١٩١ ]
كتاب الديات
[ ١٠ / ١٩٣ ]