بَابٌ) فَرْضُ الْحَجِّ، وَسُنَّتْ الْعُمْرَةُ مَرَّةً، وَفِي فَوْرِيَّتِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] [بَابٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةُ] بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَوْ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (الْحَجُّ) أَيْ: الْعِبَادَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى إحْرَامٍ وَحُضُورٍ بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ وَطَوَافٍ بِالْبَيْتِ وَسَعْيٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَيْنًا (وَسُنَّتْ) بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ النُّونِ مُشَدَّدَةً وَسُكُونِ التَّاءِ مَفْتُوحَةً أَوْ رَفْعِهَا مَرْبُوطَةً (الْعُمْرَةُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، أَيْ: الْعِبَادَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى إحْرَامٍ وَطَوَافٍ وَسَعْيٍ فَقَطْ عَيْنًا. فِي النَّوَادِرِ مَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ كَالْوِتْرِ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهَا. (مَرَّةً) مَنْصُوبٌ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِلْعُمْرَةِ، وَيُقَدَّرُ مِثْلُهُ لِلْحَجِّ؛ لِأَنَّهُمْ مَصْدَرَانِ يَنْحَلَّانِ إلَى أَنْ وَالْفِعْلِ أَيْ: أَنْ يَحُجَّ مَرَّةً وَيَعْتَمِرَ مَرَّةً وَلَيْسَا مَنْصُوبَيْنِ بِفَرْضٍ وَسُنَّةٍ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ الْفَرْضَ وَالسُّنَّةَ وَقَعَا مِنْ الشَّارِعِ مَرَّةً وَلَيْسَ بِمُرَادٍ أَوْ تَمْيِيزٍ مُحَوَّلٍ عَنْ نَائِبِ الْفَاعِلِ أَوْ مَرْفُوعِ خَبَرٍ عَنْ فَرْضٍ وَسُنَّةٍ عَلَى الضَّبْطِ. الثَّانِي مَصْدَرَانِ مُبْتَدَآنِ مُؤَوَّلَانِ بِاسْمِ مَفْعُولٍ، أَيْ: الْمَفْرُوضُ مِنْ الْحَجِّ مَرَّةً وَالْمَسْنُونُ مِنْ الْعُمْرَةِ مَرَّةً وَالزَّائِدُ عَلَيْهَا مِنْهُمَا مَنْدُوبٌ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ إقَامَةَ الْمَوْسِمِ لِيَقَعَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي الْحَجِّ وَسُنَّةُ كِفَايَةٍ فِي الْعُمْرَةِ. (وَفِي فَوْرِيَّتِهِ) يَاؤُهُ لِلْمَصْدَرِيَّةِ أَيْ: كَوْنُ الْحَجِّ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ فِي أَوَّلِ عَامٍ مِنْ أَعْوَامِ الْقُدْرَةِ. فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ أَثِمَ وَلَوْ لَمْ يَخَفْ الْفَوَاتَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ رَوَاهُ ابْنُ الْقَصَّارِ وَالْعِرَاقِيُّونَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَشَهَّرَهُ صَاحِبَا الذَّخِيرَةِ وَالْعُمْدَةِ
[ ٢ / ١٨٦ ]
وَتَرَاخِيهِ لِخَوْفِ الْفَوَاتِ: خِلَافٌ.
وَصِحَّتُهُمَا بِالْإِسْلَامِ فَيُحْرِمُ وَلِيٌّ
_________________
(١) [منح الجليل] وَابْنُ بَزِيزَةَ. وَإِنْ فَعَلَهُ بَعْدُ فَهُوَ أَدَاءٌ وَحَكَى عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ. وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ قَضَاءٌ. ابْنُ عَرَفَةَ وَعَلَى فَوْرِهِ فِي كَوْنِهِ بَعْدَ أَوَّلِ عَامٍ مُسْتَطِيعُهُ قَضَاءً أَوْ أَدَاءً قَوْلَا ابْنِ الْقَصَّارِ وَغَيْرِهِ. (وَتَرَاخِيهِ) أَيْ: كَوْنُ الْحَجِّ وَاجِبًا عَلَى التَّرَاخِي (لِ) عَامِ (خَوْفِ الْفَوَاتِ) أَيْ: تَعَذُّرِ الْحَجِّ بِتَأْخِيرِهِ عَنْهُ فَيَتَّفِقُ عَلَى فَوْرِيَّتِهِ وَيَخْتَلِفُ خَوْفَ الْفَوَاتِ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ قُوَّةً وَضَعْفًا وَشُبُوبِيَّةً وَكُهُولِيَّةً، وَكَثْرَةَ مَرَضٍ وَقِلَّتَهُ، وَأَمْنَ طَرِيقٍ وَخَوْفَهُ، وَوُجُودَ مَالٍ وَعَدَمَهُ، وَقُرْبَ بَلَدٍ وَبُعْدَهُ. وَلَمْ يُرْوَ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ - وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنْ مَسَائِلَ وَلَيْسَ أَخْذُهُ مِنْهَا بِالْقَوِيِّ وَشَهَرَهُ ابْنُ الْفَاكِهَانِيِّ. وَرَأَى الْبَاجِيَّ وَابْنِ رُشْدٍ وَالتِّلْمِسَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْمَغَارِبَةِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ. (خِلَافٌ) فِي التَّشْهِيرِ الْحَطّ سَوَّى الْمُصَنِّفِ هُنَا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَفِي التَّوْضِيحِ الظَّاهِرُ قَوْلُ مَنْ شَهَرَ الْفَوْرِيَّةَ. وَفِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَيْلٌ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ضَعَّفَ حُجَّةَ التَّرَاخِي. وَلِأَنَّ الْفَوْرَ مَرْوِيٌّ عَنْ الْإِمَامِ وَالتَّرَاخِي لَمْ يُرْوَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنْ مَسَائِلَ وَلَيْسَ أَخْذُهُ مِنْهَا بِقَوِيٍّ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْفَوْرِ أَرْجَحُ وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ أَكْثَرَ الْفُرُوعِ الْآتِيَةِ فِي الِاسْتِطَاعَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفَوْرِ، فَكَانَ يَنْبَغِي الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ وَعَلَى التَّرَاخِي إنْ أَخَّرَهُ فَاخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ قَبْلَ خَوْفِ الْفَوَاتِ فَقَالَ فِي الطِّرَازِ لَا يَأْثَمُ وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يَأْثَمُ بِكُلِّ حَالٍ وَإِنَّمَا جَوَّزَ لَهُ التَّأْخِيرَ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ. وَعَلَى هَذَا ابْنُ السُّبْكِيّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَكَلَامُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ يُفِيدُ دُخُولَ الْخِلَافِ بِالْفَوْرِيَّةِ وَالتَّرَاخِي فِي الْعُمْرَةِ. (وَصِحَّتُهُمَا) أَيْ: الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَشْرُوطَةٌ (بِالْإِسْلَامِ) فَقَطْ فَلَا يَصِحَّانِ مِنْ كَافِرٍ وَلَوْ صَبِيًّا مُرْتَدًّا (فَيُحْرِمُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ نَدْبًا (وَلِيٌّ) أَيْ: أَبٌ أَوْ وَصِيُّهُ أَوْ مُقَدِّمُ قَاضٍ أَوْ عَاصِبٌ أَوْ أُمٌّ أَوْ كَافِلٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَظَرٌ فِي مَالِهِ نَقَلَهُ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَقَرَّهُ
[ ٢ / ١٨٧ ]
عَنْ رَضِيعٍ، وَجُرِّدَ قُرْبَ الْحَرَمِ، وَمُطْبَقٍ لَا مُغْمًى
_________________
(١) [منح الجليل] عَنْ) شَخْصٍ (رَضِيعٍ) بِأَنْ يَنْوِيَ إدْخَالَهُ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْوَلِيَّ يُحْرِمُ بِأَحَدِهِمَا نِيَابَةً عَنْهُ. وَمِثْلُ الرَّضِيعِ الْمَفْطُومُ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ وَخَصَّ الرَّضِيعَ بِالذِّكْرِ لِلْخِلَافِ فِي صِحَّةِ الْإِحْرَامِ عَنْهُ بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهِ بِالْمُمَيِّزِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي صِحَّتِهِ لِغَيْرِ الْمُمَيِّزِ قَوْلَانِ لَهَا وَلِلَّخْمِيِّ مَعَ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ يُحَجُّ بِابْنِ أَرْبَعٍ لَا رَضِيعٍ. (وَجُرِّدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ: الرَّضِيعُ الذَّكَرُ مِنْ الْمُحِيطِ بِبَدَنِهِ وَسَاتِرِ رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَالْأُنْثَى مِنْ سَاتِرِ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ وَتَنَازَعَ يُحْرِمُ وَجُرِّدَ (قُرْبَ الْحَرَمِ) أَيْ: مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِخَوْفِ الْمَشَقَّةِ وَحُصُولِ الضَّرَرِ بِتَجْرِيدِهِ وَالْإِحْرَامُ عَنْهُ مِنْ الْمِيقَاتِ فَإِنْ تَحَقَّقَ الْوَلِيُّ أَوْ ظَنَّ تَضَرُّرَهُ بِتَجْرِيدِهِ قُرْبَ مَكَّةَ أَحْرَمَ عَنْهُ بِلَا تَجْرِيدٍ وَافْتَدَى عَنْهُ. ابْنُ عَرَفَةَ وَعَلَى صِحَّتِهِ أَيْ: إحْرَامِ الْوَلِيِّ عَنْ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ يُحْرِمُ عَنْهُمَا، أَيْ: الرَّضِيعِ وَالْمَفْطُومِ وَلِيُّهُمَا بِتَجْرِيدِهِمَا نَاوِيهِ. وَلَا يُلَبِّي عَنْهُمَا وَيُجَرِّدُ الْمُنَاهِزُ مِنْ مِيقَاتِهِ وَمَنْ لَا يَنْتَهِي كَابْنِ ثَمَانِ سِنِينَ قُرْبَ الْحَرَمِ. وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَتْرُكَ عَلَيْهِ مِثْلَ الْقِلَادَةِ وَالسِّوَارَيْنِ، وَفِيهَا لَا بَأْسَ أَنْ يُحْرِمَ بِأَصَاغِرِ الذُّكُورِ وَفِي أَرْجُلِهِمْ الْخَلَاخِلُ وَعَلَيْهِمْ الْأَسْوِرَةُ. (وَ) يُحْرِمُ وَلِيٌّ أَيْضًا عَنْ مَجْنُونٍ (مُطْبَقٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: مُتَّصِلٌ جُنُونُهُ لَا يُفِيقُ فِي وَقْتٍ مَا وَلَا يُمَيِّزُ السَّمَاءَ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا الطُّولَ مِنْ الْعَرْضِ، وَمَنْ لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَلَا يُحْسِنُ رَدَّ الْجَوَابِ وَإِنْ مَيَّزَ الْإِنْسَانَ مِنْ الْفَرَسِ أَيْ يَنْوِي وَلِيُّ مَالِهِ أَوْ كَافِلُهُ إدْخَالَهُ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ نَدْبًا بَعْدَ تَجْرِيدِهِ قُرْبَ مَكَّةَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطْبِقًا بِأَنْ كَانَ مُتَقَطِّعَ الْجُنُونِ يُجَنُّ فِي وَقْتٍ وَيُفِيقُ فِي غَيْرِهِ اُنْتُظِرَتْ إفَاقَتُهُ لِيُحْرِمَ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ أَحْرَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ حِيَالَ جُنُونِهِ فَلَا يَصِحُّ إلَّا إذَا خِيفَ فَوَاتُهُ الْحَجَّ. (لَا) يُحْرِمُ وَلِيٌّ عَنْ شَخْصٍ (مُغْمًى) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ أَيْ: مَسْتُورٍ عَقْلُهُ بِمَرَضٍ وَلَوْ خِيفَ فَوَاتُهُ الْحَجَّ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِفَاقَةِ قَرِيبًا. وَإِذَا أَفَاقَ فِي زَمَنٍ يُدْرِكُ الْوُقُوفَ فِيهِ أَحْرَمَ لِنَفْسِهِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِتَعَدِّيهِ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ لِعُذْرِهِ بِإِغْمَائِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي الْمَجْنُونِ قَوْلَانِ
[ ٢ / ١٨٨ ]
وَالْمُمَيِّزُ بِإِذْنِهِ، وَإِلَّا فَلَهُ تَحْلِيلُهُ، وَلَا قَضَاءَ بِخِلَافِ الْعَبْدِ، وَأَمَرَهُ مَقْدُورَهُ وَإِلَّا نَابَ عَنْهُ؛
_________________
(١) [منح الجليل] لَهَا وَلِتَخْرِيجِ اللَّخْمِيِّ عَلَى الصَّبِيِّ. وَقَوْلُ الْبَاجِيَّ عَدَمُ الْعَقْلِ يَمْنَعُ صِحَّتَهُ خِلَافَ النَّصِّ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَصِحُّ عَنْ مَرْجُوٍّ صِحَّتُهُ. (وَ) يُحْرِمُ الشَّخْصُ الصَّغِيرُ (الْمُمَيِّزُ) بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ مُثَقَّلَةً الَّذِي يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَيُحْسِنُ الْجَوَابَ (بِإِذْنِهِ) أَيْ الْوَلِيِّ وَجُرِّدَ قُرْبَ الْحَرَمِ إنْ لَمْ يُقَارِبْ الْبُلُوغَ كَابْنِ ثَمَانٍ، فَإِنْ قَارَبَهُ فَمِنْ الْمِيقَاتِ قَالَهُ فِيهَا فَإِنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ يُحْرِمْ بِإِذْنِهِ بِأَنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِهِ (فَلَهُ) أَيْ الْوَلِيِّ (تَحْلِيلُهُ) أَيْ: الْمُمَيِّزِ مِنْ إحْرَامِهِ بِالنِّيَّةِ وَالْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ بِأَنْ يَنْوِيَ إخْرَاجَهُ مِمَّا أَحْرَمَ بِهِ، وَيَحْلِقَ رَأْسَهُ أَوْ يُقَصِّرَ شَعْرَهُ إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ فَقَطْ. وَإِنْ كَانَتْ فِي إبْقَائِهِ عَلَى إحْرَامِهِ فَقَطْ أَبْقَاهُ عَلَيْهِ وُجُوبًا فِيهِمَا، وَإِنْ اسْتَوَتْ مَصْلَحَتُهُمَا خُيِّرَ الْوَلِيُّ فَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ لَا لِلتَّخْيِيرِ (وَ) إنْ حَلَّلَهُ وَلِيُّهُ فَ (لَا قَضَاءَ) عَلَيْهِ إذَا بَلَغَ وَمِثْلُهُ فِي الِاسْتِئْذَانِ وَالتَّحْلِيلِ وَعَدَمِ الْقَضَاءِ السَّفِيهُ أَيْ: الْبَالِغُ الَّذِي لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ. (بِخِلَافِ الْعَبْدِ) أَيْ: الرَّقِيقِ الْبَالِغِ إذَا أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَحَلَّلَهُ مِنْهُ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ أَوْ عَتَقَ، وَيُقَدِّمُهُ عَلَى حِجَّةِ الْإِسْلَامِ لِوُجُوبِهِ فَوْرًا اتِّفَاقًا فَإِنْ قَدَّمَهَا عَلَى الْقَضَاءِ صَحَّتْ. وَمِثْلُ الْعَبْدِ الزَّوْجَةُ فِي تَطَوُّعِهَا بِدُونِ إذْنِ زَوْجِهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ وَبَيْنَ الْعَبْدِ وَالزَّوْجَةِ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ لِحَقِّ نَفْسِهِمَا وَعَلَى الْأَخِيرَيْنِ لِحَقِّ غَيْرِهِمَا. وَإِنْ أَذِنَ لِلْعَبْدِ فِي الْقَضَاءِ ثُمَّ أَرَادَ مَنْعَهُ مِنْهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ فَفِي الشَّامِلِ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: لَهُ مَنْعُهُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا مَرَّ فِي الِاعْتِكَافِ. (وَأَمَرَهُ) أَيْ: الْوَلِيُّ الْمُمَيِّزُ الَّذِي أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي إبْقَائِهِ مُحْرِمًا (مَقْدُورَهُ) أَيْ: مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِ وَأَقْوَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَيُلَقِّنُهُ التَّلْبِيَةَ إنْ قَبِلَهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْدُورُهُ وَكَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ أَوْ مُطْبَقًا (نَابَ) الْوَلِيُّ فِيهِ (عَنْهُ) أَيْ:
[ ٢ / ١٨٩ ]
إنْ قَبِلَهَا: كَطَوَافٍ، لَا: كَتَلْبِيَةٍ، وَرُكُوعٍ، وَأَحْضَرَهُمْ الْمَوَاقِفَ وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ؛ إنْ خِيفَ ضَيْعَةً، وَإِلَّا فَوَلِيُّهُ: كَجَزَاءِ صَيْدٍ، وَفِدْيَةٍ
_________________
(١) [منح الجليل] الْمَحْجُورِ (إنْ قَبِلَهَا) أَيْ: الشَّيْءُ الْمَطْلُوبُ النِّيَابَةِ وَهُوَ الْفِعْلُ. (كَطَوَافٍ) وَسَعْيٍ وَرَمْيٍ وَفِي جَعْلِهِ نَائِبًا فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ نَظَرٌ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ النِّيَابَةِ فِعْلُ النَّائِبِ دُونَ الْمَنُوبِ عَنْهُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ يَفْعَلُهُمَا الْوَلِيُّ حَامِلًا لِلْمَحْجُورِ وَيَقِفُ بِهِ بِعَرَفَةَ وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَحَقُّهُ التَّمْثِيلُ بِالرَّمْيِ وَالذَّبْحِ (لَا) أَنْ يَقْبَلَهُمَا (كَتَلْبِيَةٍ وَرُكُوعٍ) أَيْ: صَلَاةِ رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ فَيَسْقُطَ. وَضَابِطُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ كُلَّ مَا يُمْكِنُ الْمُمَيِّزَ فِعْلُهُ مُسْتَقِلًّا يَفْعَلُهُ، وَمَا لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ مُسْتَقِلًّا فَعَلَهُ بِهِ وَلِيُّهُ كَطَوَافٍ وَسَعْيٍ، وَمَا لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ مُسْتَقِلًّا وَلَا أَنْ يَفْعَلَ بِهِ. فَإِنْ قَبِلَ النِّيَابَةَ كَالرَّمْيِ فَعَلَهُ وَلِيُّهُ، وَإِلَّا سَقَطَ كَالتَّلْبِيَةِ وَالرُّكُوعِ. (وَأَحْضَرَهُمْ) أَيْ الْوَلِيُّ الرَّضِيعَ وَالْمُطْبَقَ وَالْمُمَيِّزَ (الْمَوَاقِفَ) جَمْعُ مَوْقِفٍ أَيْ: مَحَلَّ الْوُقُوفِ وَهِيَ عَرَفَةُ وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ وَمِنًى عَقِبَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فِي أَيَّامِ الرَّمْيِ وُجُوبًا فِي عَرَفَةَ وَنَدْبًا فِي الْبَاقِي (وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ) الَّتِي يَحْتَاجُهَا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ صَبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ فِي السَّفَرِ لِحَمْلِهِ وَأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَلُبْسِهِ كَائِنَةً (عَلَيْهِ) أَيْ الْمَحْجُورِ فِي مَالِهِ (إنْ خِيفَ) عَلَيْهِ (ضَيْعَةٌ) أَيْ: هَلَاكٌ أَوْ شِدَّةُ ضَرَرٍ بِتَرْكِهِ فِي الْبَلَدِ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَافِلٌ سِوَى مَنْ سَافَرَ بِهِ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ حِينَئِذٍ مِنْ مَصَالِحِهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ ضَيْعَةً بِتَرْكِهِ فِي الْبَلَدِ لِوُجُودِ كَافِلٍ سِوَى مَنْ سَافَرَ بِهِ (فَوَلِيُّهُ) أَيْ: الْمَحْجُورِ الَّذِي سَافَرَ بِهِ، هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ تِلْكَ الزِّيَادَةُ أَيًّا كَانَ أَوْ وَصِيَّهُ أَوْ حَاكِمًا أَوْ مُقَدِّمَهُ أَوْ حَاضِنًا مِنْ أُمٍّ أَوْ جَدٍّ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَشَبَّهَ فِي الْوُجُوبِ عَلَى الْوَلِيِّ فَقَالَ (كَجَزَاءِ صَيْدٍ) قَتَلَهُ الْمَحْجُورُ مُحْرِمًا فِي غَيْرِ الْحَرَمِ فَهُوَ عَلَى الْوَلِيِّ مُطْلَقًا فَالتَّشْبِيهُ لَيْسَ تَامًّا، وَأَمَّا جَزَاءُ مَا قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِمًا أَوْ لَا فَفِيهِ تَفْصِيلُ زِيَادَةِ النَّفَقَةِ (وَ) كَ (فِدْيَةٍ) تَسَبَّبَتْ عَنْ تَطَيُّبِ الْمَحْجُورِ أَوْ لُبْسِهِ أَوْ
[ ٢ / ١٩٠ ]
بِلَا ضَرُورَةٍ.
وَشَرْطُ وُجُوبِهِ كَوُقُوعِهِ فَرْضًا حُرِّيَّةٌ وَتَكْلِيفٌ وَقْتَ إحْرَامِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] نَحْوِهِمَا فَيَغْرَمُهَا الْوَلِيُّ مِنْ مَالِهِ مُطْلَقًا خَافَ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ ضَيْعَةً أَوْ لَا عَلَى الْأَشْهَرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلتُّونُسِيِّ عَنْ ثَالِثِ حَجِّهَا. وَحَكَى فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْكَافِي أَنَّهُ الْأَشْهَرُ وَبِهِ قَرَّرَ الشَّارِحُ فِي الصَّغِيرِ وَالْأَقْفَهْسِيِّ وَالْبِسَاطِيِّ، وَجَعَلَ الشَّارِحُ فِي كَبِيرِهِ وَوَسَطِهِ التَّشْبِيهَ تَامًّا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ يُونُسَ قَائِلًا؛ لِأَنَّ مَا يُتَخَوَّفُ أَنْ يَطْرَأَ فِي إحْجَاجِهِ إيَّاهُ مِنْ الْجَزَاءِ وَالْفِدْيَةِ أَمْرٌ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ وَإِحْجَاجُهُ طَاعَةٌ وَأَجْرٌ لِمَنْ أَحَجَّهُ لَا يُتْرَكُ لِأَمْرٍ قَدْ يَكُونُ وَقَدْ لَا يَكُونُ. وَتَأَوَّلَ صَاحِبُ الطِّرَازِ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ فَحَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا صَحِيحٌ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِ الْحَطّ اخْتِيَارُ الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ (بِلَا ضَرُورَةٍ) ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ أَنَّهَا عَلَى الْوَلِيِّ لِضَرُورَةٍ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِي الْإِحْرَامِ، فَلَوْ حَذَفَهُ كَانَ أَوْلَى. وَقَوْلُ تت إنْ كَانَتْ لِضَرُورَةٍ فَفِي مَالِ الصَّبِيِّ عَلَى الْمَشْهُورِ تَبِعَ فِيهِ الشَّارِحَ وَالْبِسَاطِيَّ، وَنَسَبَهُ الشَّارِحُ لِلْجَوَاهِرِ وَرَدَّهُ الْحَطّ بِأَنَّ صَاحِبَ الْجَوَاهِرِ لَمْ يَقُلْ بِأَنَّهُ لِضَرُورَةٍ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، وَإِنَّمَا قَالَ مَا نَصُّهُ وَلَوْ طَيَّبَ الْوَلِيُّ الصَّبِيَّ فَالْفِدْيَةُ عَلَى الْوَلِيِّ إلَّا إذَا قَصَدَ الْمُدَاوَاةَ فَيَكُونُ كَاسْتِعْمَالِ الصَّبِيِّ اهـ. فَلَمْ يَجْعَلْهُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ كَاسْتِعْمَالِ الصَّبِيِّ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْأَشْهَرَ فِي اسْتِعْمَالِهِ كَوْنُهُ عَلَى الْوَلِيِّ فَكَذَلِكَ إذَا طَيَّبَهُ الْوَلِيُّ وَلَوْ لِضَرُورَةٍ. (وَشَرْطُ وُجُوبِهِ) أَيْ: الْحَجِّ (كَوُقُوعِهِ) أَيْ: الْحَجِّ (فَرْضًا حُرِّيَّةٌ) أَيْ: كَوْنُ الْحَاجِّ حُرًّا فَلَا يَجِبُ وَلَا يَقَعُ فَرْضًا مِنْ رَقِيقٍ وَلَوْ بِشَائِبَةِ حُرِّيَّةٍ كَمُكَاتَبٍ (وَتَكْلِيفٌ) أَيْ: كَوْنُهُ مُكَلَّفًا أَيْ: مُلْزَمًا بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ لِكَوْنِهِ بَالِغًا عَاقِلًا فَلَا يَجِبُ وَلَا يَقَعُ فَرْضًا مِنْ صَبِيٍّ وَلَا مِنْ مَجْنُونٍ، وَبَقِيَ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِهِ دُونَ وُقُوعِهِ فَرْضًا الِاسْتِطَاعَةُ وَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَوَجَبَ بِاسْتِطَاعَةٍ فَلَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ مُسْتَطِيعٍ، وَإِنْ تَكَلَّفَهُ وَقَعَ فَرْضًا وَتَنَازَعَ حُرِّيَّةٌ وَتَكْلِيفٌ (وَقْتَ إحْرَامِهِ) أَيْ الْحَجِّ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ حُرًّا مُكَلَّفًا وَقْتَ إحْرَامِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا
[ ٢ / ١٩١ ]
بِلَا نِيَّةِ نَفْلٍ، وَوَجَبَ بِاسْتِطَاعَةٍ بِإِمْكَانِ الْوُصُولِ: بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ، وَأَمْنٍ عَلَى نَفْسٍ وَمَالٍ؛ إلَّا لِأَخْذِ ظَالِمٍ مَا
_________________
(١) [منح الجليل] يَقَعُ مِنْهُ فَرْضًا وَلَوْ صَارَ حُرًّا مُكَلَّفًا فِي أَثْنَاءِ حَجِّهِ فَلَا يَنْقَلِبُ فَرْضًا وَلَا يَرْتَفِضُ وَلَا يَرْتَدِفُ عَلَيْهِ إحْرَامٌ آخَرُ فَيُتِمُّهُ نَفْلًا وُجُوبًا، وَيَحُجُّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ. وَقَوْلُهُ (بِلَا نِيَّةِ نَفْلٍ) شَرْطٌ فِي وُقُوعِهِ فَرْضًا فَقَطْ وَمَنْطُوقُهُ صَادِقٌ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ وَالْإِطْلَاقِ، وَيَنْصَرِفُ لِلْفَرْضِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ نَوَى بِهِ النَّفَلَ فَلَا يَقَعُ فَرْضًا، وَهُوَ كَذَلِكَ فَيَنْعَقِدُ نَفْلًا وَعَلَيْهِ إتْمَامُهُ وَحَجُّ الْفَرْضِ فِي عَامٍ آخَرَ. (وَوَجَبَ) الْحَجُّ (بِاسْتِطَاعَةٍ) فَلَا يَجِبُ عَلَى حُرٍّ مُكَلَّفٍ غَيْرِ مُسْتَطِيعٍ، وَلَكِنْ إنْ تَكَلَّفَهُ وَهُوَ صَرُورَةٌ وَقَعَ فَرْضًا فَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي وُقُوعِهِ فَرْضًا فَلِذَا لَمْ يَقُلْ وَاسْتِطَاعَةٌ لِإِيهَامِهِ شَرْطِيَّتَهَا فِيهِ أَيْضًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَصُوَرُ الِاسْتِطَاعَةِ بِقَوْلِهِ (بِإِمْكَانِ الْوُصُولِ) لِأَمَاكِنِ الْمَنَاسِكِ مِنْ مَكَّةَ وَمِنًى وَعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ إمْكَانًا عَادِيًا لَا خَارِقًا لِلْعَادَةِ كَخُطْوَةٍ وَطَيَرَانٍ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا وَقَعَ مِنْهُ - ﷺ - وَلَكِنْ إنْ وَقَعَ أَجْزَأَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ كَتَكَلُّفِ غَيْرِ مُسْتَطِيعِهِ. (بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ) أَيْ: خَرَجَتْ عَنْ الْمُعْتَادِ مِنْ مَحَلِّ الضَّرُورَةِ بِالنِّسْبَةِ لَهُ، وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ، فَلَيْسَ الشَّيْخُ كَالشَّابِّ، وَلَا الْمَرِيضُ كَالصَّحِيحِ وَلَا الْفَقِيرُ كَالْغَنِيِّ، وَلَا الْحَضَرِيُّ كَالْبَدْوِيِّ، فَفِي الْحَطّ التَّشْنِيعُ عَلَى مَنْ أَطْلَقَ السُّقُوطَ عَنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ (وَ) بِ (أَمْنٍ عَلَى نَفْسٍ) مِنْ هَلَاكٍ وَشَدِيدِ أَذًى وَقَتْلٍ وَأَسْرٍ وَسِبَاعٍ (وَمَالٍ) مِنْ مُحَارِبٍ وَقَاطِعِ طَرِيقٍ وَغَاصِبٍ، وَأَخْذِ ظَالِمٍ يَنْكُثُ أَوْ كَثِيرًا، لَا مِنْ سَارِقٍ يَنْدَفِعُ بِالْحِرَاسَةِ وَهَذَا مِنْ عَطْفِ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ. وَاسْتَثْنَى مِنْ مَفْهُومِ وَأَمْنٍ عَلَى مَالٍ فَقَالَ (إلَّا لِأَخْذِ) شَخْصٍ (ظَالِمٍ مَا) أَيْ مَالًا
[ ٢ / ١٩٢ ]
قَلَّ لَا يَنْكُثُ عَلَى الْأَظْهَرِ،
_________________
(١) [منح الجليل] قَلَّ) بِالنِّسْبَةِ لِمَالِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يُجْحِفُ بِهِ وَلَوْ كَثُرَ فِي نَفْسِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ قَلَّ فِي نَفْسِهِ وَأَنَّ أَخْذَ الْكَثِيرِ مُسْقِطٌ وَلَوْ لَمْ يُجْحِفْ كَمَا لِلَّخْمِيِّ. ابْنِ عَرَفَةَ وَيَسْقُطُ بِطَلَبِ نَفْسٍ أَوْ بِمُجْحِفٍ أَوْ بِمَا لَا حَدَّ لَهُ وَبِمَا لَا يُجْحِفُ قَوْلَا الْمُتَأَخِّرِينَ. اللَّخْمِيُّ لَا يَسْقُطُ بِغُرْمِ الْيَسِيرِ قَالَ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي وَلَا بِكَثِيرٍ لَا يُجْحِفُ (لَا يَنْكُثُ) أَيْ لَا يَعُودُ الظَّالِمُ لِلْأَخْذِ وَعَلِمَ ذَلِكَ بِالْعَادَةِ كَعِشَارٍ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَنْكُثُ أَوْ جَهِلَ سَقَطَ وُجُوبُ الْحَجِّ. بِلَا خِلَافٍ، قَالَهُ زَرُّوقٌ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا فِي الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ قَالَهُ الْحَطّ وَنَحْوِهِ لِلشَّيْخِ سَالِمٍ. وَمَا فِي عج مِنْ أَنَّ جَهْلَ الْحَالِ كَعِلْمِ عَدَمِ نَكْثِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ نَقْلِيٍّ غَيْرِ ظَاهِرٍ، وَإِنْ شَكَّ هَلْ يَنْكُثُ أَوْ لَا؟ فَيَسْقُطُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ لَا كَذَا الْبَعْضُ. الْحَطّ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَنْكُثُ أَوْ شَكَّ فِيهِ فَلَا يَجِبُ الْحَجُّ بِلَا خِلَافٍ، وَإِذَا كَانَ يَأْخُذُ مَا قَلَّ وَلَا يَنْكُثُ فَلَا يَسْقُطُ وُجُوبُ الْحَجِّ (عَلَى الْأَظْهَرِ) عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ الْخِلَافِ وَلَيْسَ لِابْنِ رُشْدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اسْتِظْهَارٌ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَالْمَوَّاقُ وَالْحَطّ فِي صَدْرِ كَلَامِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْبُرْزُلِيُّ مَا يَشْهَدُ لِلْمُصَنِّفِ وَذَكَرَهُ حُلُولُو بِوَجْهٍ أَتَمَّ مِنْهُ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ ظَالِمٍ مِنْ أَخْذِ الدَّالِّ عَلَى الطَّرِيقِ أُجْرَةً مِنْ الْمُسَافِرِينَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَلَيْسَ فِيهِ تَفْصِيلُ الظَّالِمِ وَتُوَزَّعُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِ الْمُسَافِرِينَ لَا عَلَى حَسَبِ أَمْتِعَتِهِمْ؛ إذْ مَنْ مَعَهُ دَوَابُّ كَالْمُجَرَّدِ مِنْهَا فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ وَالظَّاهِرُ عَدَدُ رُءُوسِ التَّابِعِينَ وَالْمَتْبُوعِينَ وَإِنْ جَرَى عُرْفٌ بِشَيْءٍ عَمِلَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَالشَّرْطِ، وَاحْتُرِزَ أَيْضًا عَمَّا يَأْخُذُهُ الْجُنْدُ وَنَحْوُهُمْ عَلَى حِفْظِ الْمَارَّةِ مِنْ مَوْضِعٍ لِآخَرَ أَوْ فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَيَلْزَمُ الْحَجُّ حِينَئِذٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَنْ لَا يُجْحِفَ وَإِلَّا سَقَطَ الْحَجُّ، وَإِنْ يَمْشُوا هُمْ أَوْ خَدَمُهُمْ مَعَ الْمَارَّةِ وَإِلَّا حَرُمَ عَلَيْهِمْ الْأَخْذُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ أَخْذٌ عَلَى الْجَاهِ وَلَكِنْ لَا يَسْقُطُ الْحَجُّ بِذَلِكَ. الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مُرَتَّبٌ قَدْرَ مَا يَكْفِيهِمْ فِي مُقَابَلَةِ حِفْظِ الْمَارِّينَ وَإِلَّا كَانُوا كَالظَّالِمِ، وَإِنْ أَخَذُوا بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ فَيُوَزِّعُ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ وَقَدْرِ الْأَمْتِعَةِ وَالدَّوَابِّ لِاسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ الِانْتِفَاعَ بِالْحِفْظِ مِنْ سَارِقٍ وَنَحْوِهِ وَالدَّالِ عَلَى الطَّرِيقِ
[ ٢ / ١٩٣ ]
وَلَوْ بِلَا زَادٍ وَرَاحِلَةٍ لِذِي صَنْعَةٍ تَقُومُ بِهِ، وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ: كَأَعْمَى بِقَائِدٍ، وَإِلَّا اُعْتُبِرَ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ مِنْهُمَا، وَإِنْ بِثَمَنِ وَلَدِ زِنَا،
_________________
(١) [منح الجليل] يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسَافِرُونَ فَقَطْ، فَلِذَا كَانَتْ أُجْرَتُهُ عَلَى عَدَدِهِمْ دُونَ أَمْتِعَتِهِمْ إنْ كَانَ لِمَنْ يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ زَادٌ وَرَاحِلَةٌ بَلْ: (وَلَوْ بِلَا زَادٍ) يَأْكُلُهُ فِي سَفَرٍ (وَرَاحِلَةٍ) يَرْكَبُهَا فِيهِ (لِذِي) أَيْ: صَاحِبِ (صَنْعَةٍ) كَحِلَاقَةٍ وَخِيَاطَةٍ وَنِجَارَةٍ (تَقُومُ) الصَّنْعَةُ (بِهِ) أَيْ: الْمُسَافِرِ فِي سَفَرِهِ، أَيْ: تَكْفِيهِ فِيهِ لِزَادِهِ وَلَا تَزْرِي بِهِ وَعَلِمَ أَوْ ظَنَّ عَدَمَ كَسَادِهَا (وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ) هَذَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ فَهُوَ نَشْرٌ مُرَتَّبٌ لِلَفِّ السَّابِقِ. وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يُعِدْ الْمَشْيَ وَاشْتَرَطَ الْقَاضِي وَالْبَاجِيِّ اعْتِيَادَهُ. وَشَبَّهَ فِي الْوُجُوبِ فَقَالَ (كَ) شَخْصٍ (أَعْمَى) قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ (بِقَائِدٍ) وَلَوْ بِأُجْرَةٍ لَا تُجْحِفُ بِهِ بِمِلْكِهَا وَلَهُ مَالٌ يُوَصِّلُهُ لَهُ اللَّخْمِيُّ أَوْ يَتَكَفَّفُ، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الْأَشَلَّ وَالْأَعْرَجَ يَدًا أَوْ رِجْلًا وَالْأَقْطَعَ وَالْأَصَمَّ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوُصُولُ بِلَا زَادٍ وَلَا رَاحِلَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا انْفِرَادًا أَوْ اجْتِمَاعًا (اُعْتُبِرَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ فِي السُّقُوطِ (الْمَعْجُوزُ عَنْهُ مِنْهُمَا) أَيْ: الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَأَيُّهُمَا عَجَزَ عَنْهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ، فَأَحْرَى عَجْزُهُ مِنْهُمَا مَعًا فَإِنْ كَانَ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ بِرُكُوبِ الْقَتَبِ وَالزَّامِلَةِ اشْتِرَاطٌ فِي حَقِّهِ وُجُودَ الْمَحْمَلِ، فَإِنْ كَانَتْ تَلْحَقُهُ بِرُكُوبِهِ أَيْضًا اُعْتُبِرَ وُجُودُهَا أَرْقَى مِنْهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ وُجُودِ الْمَاءِ فِي كُلِّ مَنْهَلٍ. وَنَقَلَ عَبْدُ الْحَقِّ اشْتِرَاطَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ابْنُ عَرَفَةَ وَلِذَا لَمْ يَحُجَّ أَكْثَرُ شُيُوخِنَا لِتَعَذُّرِ الْمَاءِ غَالِبًا فِي بَعْضِ الْمَنَاهِلِ وَحِكَايَةُ الشَّامِلِ قَوْلُ عَبْدِ الْحَقِّ بِقِيلَ تَقْتَضِي ضَعْفَهُ، وَكَلَامُ جَمْعٍ يَقْتَضِي اعْتِمَادَهُ وَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وُجُودُهُ فِي الْمَنَاهِلِ الْمُعْتَادِ وُجُودُهُ فِيهَا غَالِبًا لَا فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ وَيَجِبُ الْحَجُّ عَلَى الْحُرِّ الْمُكَلَّفِ الَّذِي يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ، بِإِنْفَاقِ مَالٍ غَيْرِ ثَمَنِ وَلَدِ زِنَا بَلْ (وَإِنْ) كَانَ إمْكَانُ الْوُصُولِ بِلَا مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ (بِ) إنْفَاقِ (ثَمَنِ) رَقِيقِ (وَلَدٍ) لِأَمَتِهِ حَمَلَتْ بِهِ مِنْ (زِنًا)؛ لِأَنَّهُ لَا شَبَهَ فِيهِ وَإِثْمُ الزِّنَا عَلَى فَاعِلَيْهِ، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ
[ ٢ / ١٩٤ ]
أَوْ مَا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ، أَوْ بِافْتِقَارِهِ، أَوْ تَرْكِ وَلَدِهِ، لِلصَّدَقَةِ؛ إنْ لَمْ يَخْشَ هَلَاكًا، لَا بِدَيْنٍ أَوْ عَطِيَّةٍ
_________________
(١) [منح الجليل] لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ كَوْنَهُ نَاشِئًا عَنْ الزِّنَا مَانِعٌ مِنْ الْحَجِّ بِثَمَنِهِ وَلِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ لَا يَحُجَّ بِهِ مَنْ يَمْلِكُ غَيْرَهُ. وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ وَبِهِ يُرَدُّ قَوْلُ الْبِسَاطِيِّ، لَوْ تَرَكَ الْمُصَنِّفُ خُشُونَةَ هَذَا اللَّفْظِ فِي مِثْلِ الْحَجِّ لَكَانَ أَحْسَنَ. (أَوْ) بِإِنْفَاقِ ثَمَنِ (مَا) أَيِّ شَيْءٍ (يُبَاعُ عَلَى الْمُفَلَّسِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَاللَّامِ مُثَقَّلَةً أَيْ: الْمَدِينُ الَّذِي حُكِمَ بِخَلْعِ مَالِهِ وَقِسْمَتِهِ عَلَى غُرَمَائِهِ بِحَسَبِ دُيُونِهِمْ لِتَوْفِيَةِ بَعْضِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ (أَوْ بِ) إنْفَاقِ مَا يُؤَدِّي إلَى (افْتِقَارِهِ) أَيْ: صَيْرُورَتِهِ فَقِيرًا (أَوْ) إلَى (تَرْكِ وَلَدِهِ) الَّذِي تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَوْ وَالِدُهُ كَذَلِكَ (لِلصَّدَقَةِ) عَلَيْهِ مِنْ النَّاسِ بِنَاءً عَلَى فَوْرِيَّةِ الْحَجِّ. (إنْ لَمْ يَخْشَ) مُرِيدُ الْحَجِّ بِالْمَالِ الَّذِي بِيَدِهِ صَيْرُورَتَهُ فَقِيرًا أَوْ تَرْكَ مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ لِلصَّدَقَةِ (هَلَاكًا) لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ وَلَا أَذًى شَدِيدًا. تت وَأَحْمَدُ عُلِمَ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ مَنْ مَعَهُ مَا يُنْفِقُهُ عَلَى زَوْجَتِهِ أَوْ يَحُجَّ بِهِ وَيَتْرُكُهَا بِلَا نَفَقَةٍ فَتُطَلِّقُ نَفْسَهَا لِعَدَمِ النَّفَقَةِ إنْ شَاءَتْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ أَيْ: إلَّا أَنْ يَخْشَى الزِّنَا وَلَوْ بِغَيْرِهَا أَوْ كَانَتْ مَضَرَّةُ طَلَاقِهَا تَزِيدُ عَلَى مَضَرَّةِ تَرْكِ الْحَجِّ تت وَفُهِمَ مِنْهَا أَيْضًا أَنَّ الْعَزَبَ الَّذِي مَعَهُ مَالٌ يَحُجُّ أَوْ يَتَزَوَّجُ بِهِ فَإِنَّهُ يَحُجُّ بِهِ مَا لَمْ يَخْشَ الْعَنَتَ. ابْنُ رُشْدٍ وَإِنْ تَزَوَّجَ أَثِمَ وَلَا يَفْسَخُ وَالْمَسْأَلَتَانِ عَلَى فَوْرِيَّتِهِ (لَا) يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى مَنْ اسْتَطَاعَهُ (بِدَيْنٍ) وَلَوْ مِنْ وَلَدِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوَفِّيهِ بِهِ، وَحَجُّهُ حِينَئِذٍ مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ إلَيْهِ لِبُعْدِهِ وَإِلَّا وَجَبَ الْحَجُّ عَلَيْهِ بِهِ. (أَوْ) أَيْ وَلَا يَجِبُ بِقَبُولِ (عَطِيَّةٍ) أَيْ: هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ بِغَيْرِ سُؤَالٍ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ أَيْ إنْ أَعْطَى لِلْحَجِّ، وَإِنْ لَمْ يَحُجَّ فَلَا يُعْطِي فَإِنْ أَعْطَى مُطْلَقًا وَقَبِلَ وَجَبَ حَجُّهُ بِهَا فَمَحَلُّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إنْ لَمْ يَقْبَلْهَا أَوْ أُعْطِيهَا لِلْحَجِّ وَلَمْ يَكُنْ مُعْطِيهُ وَلَدَهُ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ. تت وَالْحَطَّابُ عَنْ سَنَدٍ زَادَ الْحَطَّابُ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَالْقُرْطُبِيِّ لَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ هِبَةِ ابْنِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -؛ لِأَنَّهَا تَسْقُطُ حُرْمَةُ أُبُوَّتِهِ. وَيَلْزَمُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -؛ لِأَنَّ ابْنَهُ مِنْ كَسْبِهِ وَلَا مِنَّةَ لَهُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَمَا قَالَهُ سَنَدٌ
[ ٢ / ١٩٥ ]
أَوْ سُوَالٍ مُطْلَقًا، وَاعْتُبِرَ مَا يُرَدُّ بِهِ، إنْ خَشِيَ ضَيَاعًا، وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ، إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَطَبُهُ،
_________________
(١) [منح الجليل] أَظْهَرُ وَلِابْنِ رُشْدٍ مَا يُوَافِقُهُ اهـ. كَلَامُ الْحَطَّابِ وَأَمَّا وَالِدُهُ فَلَا اهـ. عب الْبُنَانِيُّ الصَّوَابُ فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَمَا فِي الْحَطَّابِ أَنْ يُقَالَ إذَا أَعْطَى مَالًا عَلَى جِهَةِ الْهِبَةِ أَوْ لِصَدَقَةٍ يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ بِهِ إلَى مَكَّةَ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ وَالْحَجُّ بِهِ لِسُقُوطِ الْحَجِّ عَنْهُ اهـ، فَالْمَدَارُ عَلَى قَبُولِهَا، فَإِنْ قَبِلَهَا لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ (وَ) أَيْ: وَلَا يَجِبُ الْحَجُّ عَلَى مَنْ اسْتَطَاعَهُ بِ (سُؤَالٍ) مِنْ النَّاسِ فِي السَّفَرِ (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِعَدَمِ اعْتِيَادِهِ فِي الْحَضَرِ وَعَدَمِ الْإِعْطَاءِ فِي السَّفَرِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ اعْتَادَهُ فِي الْحَضَرِ وَعَلِمَ إعْطَاءَهُ فِي السَّفَرِ مَا يَكْفِيهِ، وَلَكِنَّ الْمَذْهَب وُجُوبُهُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَيْثُ كَانَتْ لَهُ رَاحِلَةٌ أَوْ قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصَّهُ، وَقُدْرَةُ سَائِلٍ بِالْحَضَرِ عَلَى سُؤَالٍ كِفَايَتُهُ بِالسَّفَرِ اسْتِطَاعَةً. وَأَمَّا غَيْرُ سَائِلٍ بِالْحَضَرِ وَغَيْرُ قَادِرٍ عَلَى سُؤَالِ كِفَايَتِهِ بِالسَّفَرِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَفِي إبَاحَتِهِ وَكَرَاهَتِهِ رِوَايَتَانِ. الْبُنَانِيُّ كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِلَفْظِ غَيْرِ قَادِرٍ، وَالصَّوَابُ إسْقَاطُ لَفْظِ غَيْرِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَنَصُّ ابْنِ عَرَفَةَ وَلَا يَجِبُ عَلَى فَقِيرٍ غَيْرِ سَائِلٍ بِالْحَضَرِ قَادِرٌ عَلَى سُؤَالٍ كِفَايَتُهُ بِالسَّفَرِ. ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا وَفِي إبَاحَتِهِ لَهُ وَكَرَاهَتُهُ رِوَايَتَا ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ الْقَاسِمِ. (وَاعْتُبِرَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ فِي الِاسْتِطَاعَةِ زِيَادَةً عَلَى مَا يُوَصِّلُهُ لِمَكَّةَ (مَا) أَيْ: مَالٌ (يُرَدُّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ أَيْ: يُرْجَعُ (بِهِ) إلَى أَقْرَبِ مَكَان يُمْكِنُهُ التَّمَعُّشُ فِيهِ بِمَا لَا يَزْرِي بِهِ مِنْ الْحِرَفِ (إنْ خَشِيَ ضَيَاعًا) بِبَقَائِهِ بِمَكَّةَ فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ التَّمَعُّشُ بِهَا بِمَا لَا يَزْرِي بِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ إلَّا مَا يُوَصِّلُهُ إلَيْهَا. (وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ) فِي وُجُوبِ السَّفَرِ فِيهِ لِمَنْ تَعَيَّنَ طَرِيقُهُ كَأَهْلِ الْجُزُرِ وَجَوَازُهُ لِمَنْ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَغْلِبَ) أَيْ: يَفُوقَ وَيَزِيدَ (عَطَبُهُ) أَيْ: الْبَحْرِ عَلَى السَّلَامَةِ مِنْهُ وَأَفَادَ كَلَامُهُ أَنَّ اسْتِوَاءَهُمَا كَغَلَبَةِ السَّلَامَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِ التَّلْقِينِ: وَالْبَحْرُ
[ ٢ / ١٩٦ ]
أَوْ يُضَيِّعُ رُكْنَ صَلَاةٍ لِكَمَيْدٍ.
وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ وَسُنَّةِ الْعُمْرَةِ مَرَّةً وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، إلَّا فِي بَعِيدِ مَشْيٍ، وَرُكُوبِ بَحْرٍ، إلَّا أَنْ تَخْتَصَّ بِمَكَانٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] كَالْبَرِّ إنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ وَابْنِ عَرَفَةَ وَالْبَحْرُ الْآمِنُ مَعَ أَدَاءِ فَرْضِ الصَّلَاةِ كَالْبَرِّ وَإِلَّا سَقَطَ اهـ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ كَرَاهَتُهُ لِغَيْرِ أَهْلِ الْجُزُرِ. (أَوْ) إلَّا أَنْ (يُضَيِّعَ رُكْنَ صَلَاةٍ) كَسُجُودٍ وَقِيَامٍ (لِكَمَيْدٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ دَوْخَةٍ وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الزَّحْمَةَ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهَا السُّجُودَ إلَّا عَلَى ظَهْرِ آخَرَ؛ وَمِثْلُ الْإِخْلَالِ بِرُكْنِهَا الْإِخْلَالُ بِشَرْطِهَا كَنَجَاسَةٍ وَاسْتِبْرَاءٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ وَقِبْلَةٍ أَوْ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ، وَفِيهِ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: لَا يَرْكَبُهُ أَيَرْكَبُ حَيْثُ لَا يُصَلِّي؟ وَيْلٌ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي كَوْنِهِ مَعَ الصَّلَاةِ جَالِسًا وَالسُّجُودُ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ مُسْقِطًا أَوَّلًا سَمَاعَ أَشْهَبَ وَتَخْرِيجَ اللَّخْمِيِّ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ بِصِحَّةِ جُمُعَةِ مَنْ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ وَإِبَاحَةِ سَفَرِ تَجْرٍ يَنْقُلُ لِلتَّيَمُّمِ اهـ. وَيَقْضِي الْعَالِمُ بِالْمَيْدِ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ فِي غَيْبَةِ عَقْلِهِ كَالسَّكْرَانِ بِجَامِعِ إدْخَالِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَقْضِيهِ غَيْرُهُ لِعُذْرِهِ. ابْنُ الْمُعَلِّي وَاللَّخْمِيُّ إنْ عَلِمَ حُصُولَ الْمَيْدِ حَرُمَ عَلَيْهِ رُكُوبُهُ وَإِنْ عَلِمَ عَدَمَهُ جَازَ، وَإِنْ شَكَّ كُرِهَ، وَيُؤْمَرُ بِالرُّجُوعِ فِي الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ بِأَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهُ. (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ) فِي وُجُوبِ الْحَجِّ وَسُنَّةِ الْعُمْرَةِ مَرَّةً وَشُرُوطُهُ: الصِّحَّةُ وَالْوُقُوعُ فَرْضًا وَكَوْنُهُ فَوْرًا أَوْ مُتَرَاخِيًا وَغَيْرُهَا (إلَّا فِي بَعِيدِ مَشْيٍ) فَيُكْرَهُ لَهَا وَهِيَ قَادِرَةٌ عَلَيْهِ وَلَوْ مُتَجَالَّةً وَالظَّاهِرُ اخْتِلَافُهُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النِّسَاءِ فَنِسَاءُ الْحَاضِرَةِ لَسْنَ كَنِسَاءِ الْبَادِيَةِ وَلَا يُكْرَهُ الْقَرِيبُ كَمَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا مِمَّا لَيْسَ عَلَى مَسَافَةِ قَصْرِ ابْنِ عَرَفَةَ وَفِي كَوْنِ مَشْيِهَا مِنْ بُعْدٍ كَالرَّجُلِ أَوْ عَوْرَةٍ. ثَالِثًا إنْ كَانَتْ غَيْرَ جَسِيمَةٍ أَوْ رَائِعَةٍ، ثُمَّ قَالَ وَرَدَّ ابْنُ مُحْرِزٍ الْأَوَّلَيْنِ لِلثَّالِثِ. (وَ) إلَّا فِي (رُكُوبِ بَحْرٍ) فَيُكْرَهُ لَهَا (إلَّا أَنْ تُخَصَّ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ أَيْ: الْمَرْأَةِ عَنْ الرِّجَالِ (بِمَكَانٍ) مِنْ السَّفِينَةِ أَوْ تَتَّسِعَ بِحَيْثُ لَا تَخْتَلِطُ بِالرِّجَالِ عِنْدَ نَوْمِهَا وَقَضَاءِ حَاجَتِهَا. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي كَوْنِ الْمَرْأَةِ فِيهِ أَيْ الْبَحْرِ كَالرَّجُلِ وَسُقُوطُهُ عَنْهَا بِهِ قَوْلَا اللَّخْمِيِّ وَسَمَاعُ
[ ٢ / ١٩٧ ]
وَزِيَادَةِ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ لَهَا.
_________________
(١) [منح الجليل] ابْنُ الْقَاسِمِ مَعَ رِوَايَتِهِ فِي الْمَجْمُوعَةِ. ابْنُ رُشْدٍ قِيلَ يَسْقُطُ بِهِ عَنْ الرَّجُلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ (وَ) إلَّا فِي (زِيَادَةِ مَحْرَمٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ. (أَوْ زَوْجٍ لَهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ لِقَوْلِهِ - ﷺ - «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ»، وَقَوْلُهُ - ﷺ - «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ يَوْمًا وَلَيْلَةً إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ»، وَرُوِيَ نِصْفُ يَوْمٍ وَيَوْمَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَلَيْلَةٍ وَبَرِيدًا. وَرُوِيَ «لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» فَرَدُّوا رِوَايَاتِ التَّحْدِيدِ إلَى رِوَايَةِ الْإِطْلَاقِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْمُطْلَقَ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِقَيْدٍ وَاحِدٍ لَا بِأَزْيَدَ مِنْ قَيْدٍ فَتَسْقُطُ الْقُيُودُ لِتَعَارُضِهَا وَيُعْمَلُ بِالْمُطْلَقِ. وَأُجِيبُ أَيْضًا بِأَنَّ رِوَايَاتِ التَّحْدِيدِ إنَّمَا وَرَدَتْ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ أَسْئِلَةِ السَّائِلِينَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - بِأَنْ «سُئِلَ - ﷺ - هَلْ تُسَافِرُ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ؟ فَقَالَ: لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ» . وَكَذَا بَاقِي رِوَايَاتِ التَّقْيِيدِ فَلَا مَفْهُومَ لَهَا، وَالْمُرَادُ مَا يُسَمَّى سَفَرٌ لُغَةً لِحُرْمَةِ اخْتِلَائِهَا بِأَجْنَبِيٍّ وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ زِيَادَةَ الْمَحْرَمِ أَوْ الزَّوْجِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ اعْتِبَارُهُ فِي اسْتِطَاعَةِ الرَّجُلِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ زِيَادَتَهُ عَنْ وَاحِدٍ وَتَعَدُّدَهُ. الْحَطَّابُ وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ بَلْ تَمْيِيزُهُ وَكِفَايَتُهُ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَشَمِلَ الْمَحْرَمُ رَبِيبُهَا. وَكَرِهَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سَفَرَهَا مَعَهُ لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَلِخَوْفِ ضَيْعَتِهَا مَعَهُ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعَدَاوَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ الْقَرِينَانِ لَا تَخْرُجُ مَعَ خَتْنِهَا دُونَ جَمَاعَةِ النَّاسِ. ابْنُ رُشْدٍ كَسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ كَرَاهَةَ سَفَرِهَا مَعَ رَبِيبِهَا أَوْ حَمْوِهَا لِحَدَاثَةِ حُرْمَتِهِمَا. الْبَاجِيَّ كَرَاهَتُهُ مَعَ رَبِيبِهَا لِعَدَاوَتِهَا الرَّبِيبَ وَقِلَّةِ شَفَقَتِهِ وَسَائِرِ مَحَارِمِ الصِّهْرِ وَالرَّضَاعِ، وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ كَالْمَرْأَةِ، وَإِنْ امْتَنَعَ الزَّوْجُ أَوْ الْمَحْرَمُ مِنْ السَّفَرِ مَعَهَا إلَّا بِأُجْرَةٍ لَزِمَتْهَا إنْ قَدَرَتْ عَلَيْهَا وَحَرُمَ عَلَيْهَا السَّفَرُ مَعَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ حِينَئِذٍ، فَإِنْ امْتَنَعَ بِكُلِّ وَجْهٍ أَوْ طَلَبِ أُجْرَةٍ زَائِدَةٍ لَا تَقْدِرُ عَلَيْهَا خَرَجَتْ مَعَ الرُّفْقَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي سَفَرِهَا مَعَ عَبْدِهَا فَرَجَّحَ ابْنُ الْقَطَّانِ سَفَرَهَا مَعَهُ مُطْلَقًا وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ الْفُرَاتِ مَنْعَهُ مُطْلَقًا، وَعَزَا ابْنُ الْقَطَّانِ لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ الْقَصَّارِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى سَفَرَهَا مَعَ الْوَفْدِ فَقَطْ.
[ ٢ / ١٩٨ ]
كَرُفْقَةٍ أَمِنَتْ بِفَرْضٍ، وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِنِسَاءٍ أَوْ رِجَالٍ، أَوْ بِالْمَجْمُوعِ: تَرَدُّدٌ.
وَصَحَّ بِالْحَرَامِ وَعَصَى.
_________________
(١) [منح الجليل] وَشَبَّهَ فِي الْوُجُوبِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ تُخَصَّ بِمَكَانٍ أَيْ: فَيَجِبُ عَلَيْهَا فَقَالَ (كَ) سَفَرِهَا مَعَ (رُفْقَةٍ أُمِنَتْ) بِضَمِّ الْهَمْزِ أَيْ مَأْمُونَةٍ (بِ) سَفَرٍ (فَرْضٍ) لِحَجَّةِ إسْلَامٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ انْتِقَالٍ مِنْ أَرْضِ كُفْرٍ أَسْلَمَتْ بِهَا لِأَرْضِ إسْلَامٍ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَحْرَمٌ أَوْ امْتَنَعَا مِنْ السَّفَرِ مَعَهَا، أَوْ عَجْزًا هَذَا مُفَادُ النَّقْلِ لَا مَا أَوْهَمَهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مِنْ مُسَاوَاةِ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ الزَّوْجِ وَالْمَحْرَمِ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِ الْمَرْأَةِ مَأْمُونَةً فِي نَفْسِهَا. (وَفِي الِاكْتِفَاءِ) فِي الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ (بِنِسَاءٍ) فَقَطْ (أَوْ رِجَالٍ) فَقَطْ فَالْمَجْمُوعُ أَحْرَى (أَوْ) الْعِبْرَةُ (بِالْمَجْمُوعِ) مِنْ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ فَأَحَدُهُمَا لَا يَكْفِي (تَرَدُّدٌ) حَقُّهُ تَأْوِيلَانِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَخْرُجُ مَعَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ قِيلَ الْمُرَادُ بِمَجْمُوعِهِمَا، وَقِيلَ أَرَادَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا وَأَكْثَرُ مَا نَقَلَهُ أَصْحَابُنَا اشْتِرَاطُ النِّسَاءِ قَالَهُ عِيَاضٌ، وَظَهَرَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهَا تَأْوِيلَاتٌ ثَلَاثَةٌ وَلَوْ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ مُوَافَقَتَهُ لَقَالَ وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِنِسَاءٍ أَوْ رِجَالٍ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْمَجْمُوعِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ النِّسَاءِ تَأْوِيلَاتُ ابْنِ عَرَفَةَ وَالْمَعْرُوفُ شَرْطُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِصُحْبَةِ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ. الْمُوَطَّإِ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ كَالْمَحْرَمِ اللَّخْمِيِّ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا تَخْرُجُ مَعَ رِجَالٍ دُونَهُ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ - ﵁ - تَخْرُجُ مَعَ رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ لَا بَأْسَ بِهِمْ. وَرَوَى ابْنُ رُشْدٍ جَمَاعَةُ النَّاسِ كَالْمَحْرَمِ وَفِيهَا مَنْ لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ تَخْرُجُ مَعَ مَنْ تَثِقُ بِهِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ النِّسَاءِ. الْبَاجِيَّ لَا يُعْتَبَرُ فِي كَبِيرِ الْقَوَافِلِ وَعَامِرِ الطَّرِيقِ الْمَأْمُونَةِ الشَّيْخُ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ لِلْفَرْضِ بِلَا إذْنِ الزَّوْجِ، وَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا وَلَا بُدَّ فِي التَّطَوُّعِ مِنْ إذْنِهِ وَالْمَحْرَمُ. (وَصَحَّ) الْحَجُّ فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا (بِ) إنْفَاقِ الْمَالِ (الْحَرَامِ) فَيَسْقُطُ بِهِ طَلَبُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ (وَعَصَى) أَيْ: أَثِمَ بِإِنْفَاقِ الْمَالِ الْحَرَامِ الْحَطَّابُ وَلَا ثَوَابَ فِيهِ وَغَيْرُ مَقْبُولٍ. الْمِسْنَاوِيُّ هَذَا خِلَافُ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ السَّيِّئَةَ لَا تُحْبِطُ ثَوَابَ الْحَسَنَةِ فَيُثَابُ عَلَى حَجِّهِ وَيَأْثَمُ بِإِنْفَاقِهِ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ مَنْ قَاتَلَ الْكُفَّارَ عَلَى فَرَسٍ مَغْصُوبٍ فَلَهُ أَجْرُ الْجِهَادِ وَعَلَيْهِ إثْمُ غَصْبِ الْفَرَسِ.
[ ٢ / ١٩٩ ]
وَفُضِّلَ حَجٌّ عَلَى غَزْوٍ، إلَّا لِخَوْفٍ.
وَرُكُوبٌ،
_________________
(١) [منح الجليل] (وَفُضِّلَ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مُشَدَّدَةً (حَجٌّ) وَلَوْ نَفْلًا (عَلَى غَزْوٍ) نَفْلٍ أَوْ فَرْضِ كِفَايَةٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (إلَّا لِخَوْفٍ) مِنْ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيُفَضَّلُ الْغَزْوُ عَلَى الْحَجِّ النَّفْلِ أَوْ الْفَرْضِ عَلَى الْقَوْلِ بِتَرَاخِيهِ لِخَوْفِ الْفَوَاتِ فَإِنْ كَثُرَ الْخَوْفُ أَوْ اشْتَدَّ أَوْ فَجَأَ الْعَدُوُّ أَوْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ قُدِّمَ الْغَزْوُ عَلَى الْحَجِّ وَلَوْ عَلَى فَوْرِيَّتِهِ أَوْ مَعَ خَوْفِ فَوَاتِهِ وَعَلَى صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ فِي غَيْرِ مَجَاعَةٍ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ إنْ سَاوَتْهُ قَدْرًا وَإِلَّا فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا، أَفَادَ عب. الْبُنَانِيُّ يَتَحَصَّلُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعُ صُوَرٍ: حَجُّ التَّطَوُّعِ مَعَ الْغَزْوِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَحَجُّ الْفَرْضِ مَعَ الْغَزْوِ كَذَلِكَ وَحَجُّ التَّطَوُّعِ مَعَ الْغَزْوِ فِي سَنَةِ خَوْفٍ، وَحَجُّ الْفَرْضِ مَعَ الْغَزْوِ كَذَلِكَ، فَفِي الْأُولَى يُقَدَّمُ الْحَجُّ نَدْبًا عَلَى الْغَزْوِ، وَفِي الثَّانِيَةِ يُقَدَّمُ الْحَجُّ نَدْبًا عَلَى التَّرَاخِي وَوُجُوبًا عَلَى الْفَوْرِ، وَفِي الثَّالِثَةِ يُقَدَّمُ الْغَزْوُ نَدْبًا، وَفِي الرَّابِعَةِ عَلَى التَّرَاخِي يُقَدَّمُ الْغَزْوُ وَعَلَى الْفَوْرِ يُنْظَرُ إلَى كَثْرَةِ الْخَوْفِ وَقِلَّتِهِ، وَمَا ذُكِرَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُولَى قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَمَا ذُكِرَ فِي الرَّابِعَةِ اسْتَظْهَرَهُ الْحَطّ قَائِلًا لَمْ أَرَ فِيهَا نَصًّا، وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَجِبْ الْغَزْوُ عَلَى الْأَعْيَانِ لِفَجْءِ الْعَدُوِّ وَإِلَّا فَلَا شَكَّ فِي تَقْدِيمِهِ قَوْلًا وَاحِدًا. . (وَ) فُضِّلَ (رُكُوبٌ) عَلَى مَشْيٍ فِي سَفَرِ الْحَجِّ وَفِي الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ إلَى مِنًى، وَفِي التَّوَجُّهِ مِنْهَا إلَى عَرَفَةَ، وَفِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَفِي الرَّدِّ مِنْهَا إلَى مُزْدَلِفَةَ وَفِي الْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَفِي الدَّفْعِ مِنْهُ إلَى مِنًى وَفِي رَمْيِ الْعَقَبَةِ حِينَ وُصُولِ مِنًى، وَفِي الذَّهَابِ لِمَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَفِي الرُّجُوعِ إلَى مِنًى لِلْمَبِيتِ بِهَا وَفِي الذَّهَابِ مِنْهَا إلَى الْمُحَصَّبِ. وَأَمَّا الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ فَالْمَشْيُ فِيهِمَا وَاجِبٌ وَرَمْيُ الْجِمَارِ فِي الْيَوْمَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ فَيُنْدَبُ فِيهِ الْمَشْيُ وَفُضِّلَ الرُّكُوبُ فِيمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ - ﷺ - وَلِمُضَاعَفَةِ النَّفَقَةِ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلشُّكْرِ وَأَعْوَنُ عَلَى الْمَنَاسِكِ لَا يُقَالُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «إنَّ لِلرَّاكِبِ بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا رَاحِلَتُهُ سَبْعِينَ حَسَنَةً، وَلِلْمَاشِي بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ» . وَحَدِيثُ «إنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَافِحُ الرَّاكِبَ وَتَعْتَنِقُ الْمَاشِيَ» يُفِيدَانِ أَفْضَلِيَّةَ الْمَشْيِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ
[ ٢ / ٢٠٠ ]
وَمُقَتَّبٌ.
وَتَطَوُّعُ وَلِيِّهِ عَنْهُ بِغَيْرِهِ: كَصَدَقَةٍ، وَدُعَاءٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] هَذِهِ مَزِيَّةٌ وَهِيَ لَا تَقْتَضِي الْأَفْضَلِيَّةَ (وَ) فَضْلُ الرُّكُوبِ (مُقَتَّبٌ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ مِنْ أَقَتَبَ أَوْ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا مِنْ قَتَبَ كَذَلِكَ أَيْ عَلَى رَحْلٍ صَغِيرٍ قَدْرَ السَّنَامِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - ﷺ - «فَقَدْ حَجَّ عَلَى قَتَبٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، أَيْ: كِسَاءٌ مِنْ شَعْرٍ وَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا لَا رِيَاءَ فِيهِ وَلَا سُمْعَةَ» . (وَ) فُضِّلَ (تَطَوُّعُ) بِضَمِّ الْوَاوِ مُشَدَّدَةً (وَلِيِّهِ) أَيْ: عَاصِبِ الْمَيِّتِ كَابْنِهِ وَأَبِيهِ وَكَذَا سَائِرُ الْأَقَارِبِ وَالْأَجَانِبِ (عَنْهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ وَكَذَا عَنْ الْحَيِّ (بِغَيْرِهِ) أَيْ: الْحَجِّ وَمَثَّلَ لِغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ (كَصَدَقَةٍ وَدُعَاءٍ) وَهَدْيٍ وَعِتْقٍ لِقَبُولِ هَذِهِ النِّيَابَةِ وَالِاتِّفَاقِ عَلَى وُصُولِ ثَوَابِهَا لِلْمَيِّتِ فَالْمُرَادُ غَيْرُ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ مَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ لَا مَا لَا يَقْبَلُهَا كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَيُكْرَهُ تَطَوُّعٌ عَنْهُ بِالْحَجِّ. وَقَدْ ذَكَرَ الْحَطَّابُ هُنَا الْخِلَافَ فِي جَوَازِ إهْدَاءِ ثَوَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - وَشَيْءٍ مِنْ الْقُرَبِ قَالَ، وَجُلُّهُمْ أَجَابَ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ أَثَرٌ وَلَا شَيْءٌ عَمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ مِنْ السَّلَفِ
[ ٢ / ٢٠١ ]
وَإِجَارَةُ ضَمَانٍ عَلَى بَلَاغٍ،.
_________________
(١) [منح الجليل] فَانْظُرْهُ. وَلَمَّا أَفْهَمَ قَوْلُهُ " وَتَطَوُّعِ وَلِيِّهِ عَنْهُ بِغَيْرِهِ " صِحَّةَ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْحَجِّ وَكَانَتْ أَقْسَامُهُ أَرْبَعَةً: إجَارَةُ ضَمَانٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِذِمَّةِ الْأَجِيرِ، وَضَمَانٌ مُتَعَلِّقٌ بِعَيِّنَةٍ، وَبَلَاغٌ، وَجَعَالَةٌ وَفِي كُلٍّ مِنْهَا. أَمَّا أَنْ تُعَيَّنَ السَّنَةُ أَمْ لَا شَرَعَ فِيهَا مُشِيرًا إلَى الضَّمَانِ بِقِسْمَيْهِ فَقَالَ: (وَ) فُضِّلَتْ (إجَارَةُ ضَمَانٍ) عَلَى الْحَجِّ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ عَلَى وَجْهِ اللُّزُومِ وَسَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِعَيْنِ الْأَجِيرِ نَحْوُ ذَلِكَ كَذَا دِينَارًا عَلَى أَنْ تَحُجَّ أَنْتَ عَنْ فُلَانٍ، أَوْ بِذِمَّتِهِ نَحْوُ ذَلِكَ كَذَا عَلَى الْحَجِّ عَنْ فُلَانٍ وَلَوْ مِنْ غَيْرِك، وَسَوَاءٌ عَيَّنَ لِعَامٍ فِيهِمَا أَوْ أَطْلَقَهُ (عَلَى بَلَاغٍ) وَسَيُعَرِّفُهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ إعْطَاءُ مَا يُنْفِقُهُ بِيَدٍ أَوْ عَوْدًا بِالْعُرْفِ، وَسَيَعْطِفُ عَلَى قَوْلِهِ عَلَى بَلَاغٍ قَوْلَهُ الْآتِيَ وَعَلَى الْجَعَالَةِ أَيْ: الْإِجَارَةِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ بِشَرْطِ التَّتْمِيمِ، وَالْمُرَادُ بِأَفْضَلِيَّةِ الضَّمَانِ بِهِ بِقِسْمَيْهِ عَلَى الْبَلَاغِ أَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْمَالِ لِوُجُوبِ مُحَاسَبَةِ الْأَجِيرِ فِيهِ إنْ مَاتَ أَوْ صُدَّ قَبْلَ التَّمَامِ، وَعَلَى الْجَعَالَةِ أَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْحَجِّ لِلُزُومِهِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ فِي الْجَعَالَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَكْثَرُ ثَوَابًا؛ إذْ لَا ثَوَابَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لِكَرَاهَتِهَا كُلِّهَا. وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ عَاشِرٍ الْأَفْضَلِيَّةَ بِأَنَّ الْمُوصِيَ إنْ عَيَّنَ شَيْئًا مِنْ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ وَجَبَ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا مِنْهَا وَجَبَ لِقَوْلِهِ الْآتِي وَتَعَيَّنَتْ فِي الْإِطْلَاقِ فَلَمْ يَبْقَ لِلْأَفْضَلِيَّةِ مَحَلٌّ. الْبُنَانِيُّ مَحَلُّهَا عِنْدَ تَعْيِينِ الْمُوصِي نَفْسَهُ أَوْ جَعْلِهِ الْخِيَارَ لِلْوَصِيِّ أَوْ عِنْدَ اسْتِئْجَارِ حَيٍّ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ. ابْنُ عَرَفَةَ وَالنِّيَابَةُ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ بِذَاتِهِ إجَارَةٌ إنْ كَانَتْ عَلَى مُطْلَقِ عَمَلٍ، وَجُعْلٌ إنْ كَانَتْ عَلَى تَمَامِهِ وَبَلَاغٌ إنْ كَانَتْ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ وَمَا الْإِجَارَةُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ بِكَذَا وَكَذَا دِينَارًا عَلَى أَنْ يَحُجَّ عَنْ فُلَانٍ لَهُ مَا زَادَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ، وَالْبَلَاغُ خُذْ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ تَحُجُّ بِهَا عَنْهُ عَلَى أَنَّ عَلَيْنَا مَا نَقَصَ عَنْ الْبَلَاغِ أَوْ يَحُجُّ بِهَا عَنْهُ وَالنَّاسُ يَعْرِفُونَ كَيْفَ يَأْخُذُونَ إنْ أَخَذُوا عَلَى الْبَلَاغِ فَبَلَاغٌ، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَنَّهُمْ ضَمِنُوا الْحَجَّ فَقَدْ ضَمِنُوهُ. قُلْت يُرِيدُ بِالضَّمَانِ لُزُومَهُ الْحَجَّ بِذَلِكَ الْعِوَضِ دُونَ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ وَلَا رَدٍّ مِنْهُ. مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيُنْفِقُ فِي الْبَلَاغِ مَا يُصْلِحُهُ مِمَّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنْ كَعْكٍ وَزَيْتٍ وَخَلٍّ وَلَحْمٍ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَشَبَهِ ذَلِكَ، وَالْوِطَاءُ وَاللِّحَافُ وَالثِّيَابُ، وَيَرِدُ فَضْلُ ذَلِكَ وَالثِّيَابُ وَإِنَّا لَنَكْرَهُهُ،
[ ٢ / ٢٠٢ ]
فَالْمَضْمُونَةُ كَغَيْرِهِ.
وَتَعَيَّنَتْ فِي الْإِطْلَاقِ: كَمِيقَاتِ الْمَيِّتِ، وَلَهُ بِالْحِسَابِ
_________________
(١) [منح الجليل] وَهَذِهِ وَالْإِجَارَةُ فِي الْكَرَاهَةِ سَوَاءٌ وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يُؤَاجِرَ بِمُسَمًّى؛ لِأَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ كَانَ ضَامِنًا لِذَلِكَ. مُحَمَّدٌ يُرِيدُ ضَامِنًا لِلْمَالِ يُحَاسَبُ بِمَا صَارَ وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ مَا بَقِيَ وَهَذَا أَحْوَطُ مِنْ الْبَلَاغِ، وَلَا يُؤَاجِرُ مِنْ مَالِهِ غَيْرَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَجًّا مَضْمُونًا. (فَ) الْإِجَارَةُ عَلَى الْحَجِّ بِمَالٍ مَعْلُومٍ (الْمَضْمُونَةُ) أَيْ الْمُتَعَلِّقَةُ بِضَمَانِ الْأَجِيرِ (كَ) الْإِجَارَةِ الْمَضْمُونَةِ عَلَى (غَيْرِهِ) أَيْ: الْحَجِّ فِي لُزُومِ الْعَقْدِ وَكَوْنِ فَضْلِ الْمَالِ الْمُسْتَأْجَرِ بِهِ عَنْ الْحَجِّ لِلْأَجِيرِ وَنَقْصُهُ عَنْهُ عَلَيْهِ وَالصِّفَةُ وَهُوَ الْعَقْدُ عَلَى الْحَجِّ بِمَالٍ مَعْلُومٍ يَمْلِكُهُ الْأَجِيرُ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِمَا يَشَاءُ وَفِي عَدَمِ جَوَازِ شَرْطِ تَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ إنْ تَعَلَّقَتْ بِمُعَيَّنٍ وَتَأَخَّرَ شُرُوعُهُ فِيهِ، وَجَوَازُ تَقْدِيمِهِ إنْ تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ قَالَهُ سَنَدٌ وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ فِي الْمُتَعَلِّقَةِ بِالذِّمَّةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ أَوْ الشُّرُوعِ إلَّا فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْحَجِّ قَبْلَ وَقْتِهِ فَيَكْفِي تَعْجِيلُ الْيَسِيرِ، فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الشُّرُوعِ أَوْ تَعْجِيلِ جَمِيعِ الْأُجْرَةِ. (وَتَعَيَّنَتْ) إجَارَةُ الضَّمَانِ عَلَى الْوَصِيِّ (فِي) صُوَرٍ (الْإِطْلَاقِ) عَنْ التَّقْيِيدِ بِهَا وَبِغَيْرِهَا مِنْ الْمُوصِي بِأَنْ قَالَ: حُجُّوا عَنِّي وَسَكَتَ وَمَفْهُومُ فِي الْإِطْلَاقِ أَنَّهُ إنْ قَيَّدَ بِشَيْءٍ تَعَيَّنَ وَلَوْ الْبَلَاغَ وَإِنْ قَيَّدَ بِالضَّمَانِ وَلَمْ يُعَيِّنْ هَلْ فِي الذِّمَّةِ أَوْ الْعَيْنِ؟ فَالْأَحْوَطُ الْأَوَّلُ وَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا تَعَيَّنَ وَشَبَّهَ فِي التَّعَيُّنِ فَقَالَ (كَمِيقَاتِ) بَلَدِ (الْمَيِّتِ) الْمُوصِي فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْأَجِيرِ إحْرَامُهُ مِنْهُ فِي إطْلَاقِ الْمُوصِي وَعَدَمِ تَعْيِينِهِ مِيقَاتًا، وَسَوَاءٌ وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ بِبَلَدِ الْمُوصِي أَوْ بِغَيْرِهَا هَذَا هُوَ الْمُرْتَضَيْ كَمَا فِي تت وَالْمَوَّاقِ وَالشَّيْخِ سَالِمٍ. وَقَالَ الْحَطّ يُحْرِمُ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِ الْمَيِّتِ إنْ وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ بِهِ وَإِلَّا فَيُحْرِمُ مِنْ مِيقَاتِ الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ بِهِ، وَمَفْهُومُ الْمَيِّتِ أَنَّ مِيقَاتَ بَلَدِ الْمُسْتَأْجِرِ الْحَيِّ لَا يَجِبُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ يُنْدَبُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ قَالَهُ الْحَطَّابُ قَالَهُ عب. الْبُنَانِيُّ الَّذِي قَالَهُ الْحَطّ مِنْ اعْتِبَارِ بَلَدِ الْعَقْدِ قَالَهُ أَشْهَبُ وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ وَسَنَدٌ فَهُوَ أَقْوَى، وَمَا نَسَبَهُ لِلْحَطَّابِ آخِرًا لَيْسَ فِيهِ. (وَلَهُ) أَيْ: أَجِيرِ الضَّمَانِ مِنْ الْأُجْرَةِ إنْ كَانَ الْعَقْدُ مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِهِ (بِالْحِسَابِ) بِاعْتِبَارِ
[ ٢ / ٢٠٣ ]
إنْ مَاتَ وَلَوْ بِمَكَّةَ، أَوْ صُدَّ وَالْبَقَاءُ لِقَابِلٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] مَا سَارَ وَمَا بَقِيَ طُولًا وَقِصَرًا وَسُهُولَةً وَصُعُوبَةً وَأَمْنًا وَخَوْفًا (إنْ مَاتَ) أَجِيرُ الضَّمَانِ قَبْلَ الْإِتْمَامِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ أَوْ بَعْدَهُ لَا بِمُجَرَّدِ الطُّولِ وَالْقَصْرِ فَقَدْ يُسَاوِي رُبْعَ الْمَسَافَةِ نِصْفَ الْأُجْرَةِ لِصُعُوبَتِهِ وَعَكْسُهُ لِسُهُولَتِهِ، فَيُقَالُ بِكَمْ يَحُجُّ مِثْلُهُ فِي زَمَنِ الْإِجَارَةِ مِنْ مَوْضِعِ الِاسْتِئْجَارِ؟ فَإِنْ قِيلَ: بِعَشْرَةٍ قِيلَ: وَبِكَمْ يَحُجُّ مِثْلُهُ فِي زَمَنِهَا مِنْ مَوْضِعِ مَوْتِ الْأَجِيرِ؟ فَإِنْ قِيلَ: بِثَمَانِيَةٍ وَنِسْبَةُ الثَّمَانِيَةِ لِلْعَشْرَةِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ عُلِمَ أَنَّ الْأَجِيرَ اسْتَحَقَّ مِنْ الْأُجْرَةِ خُمُسَهَا فَيُرَدُّ مِنْ تَرِكَتِهِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا إنْ كَانَ قَبَضَهَا بَقِيَتْ عِنْدَهُ أَوْ تَلِفَتْ بِسَبَبِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَهَا دُفِعَ لِوَارِثِهِ خُمُسُهَا. وَأَمَّا إنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِذِمَّتِهِ وَمَاتَ قَبْلَ التَّمَامِ فَيَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ، فَإِنْ أَبَى أَخَذَ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ أُجْرَةَ حِجَّةٍ بَالِغَةٍ مَا بَلَغَتْ قَالَهُ الْمُتَيْطِيُّ وَسَنَدٌ، وَنَصُّهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ عَرَضًا أَوْ جَارِيَةً عَلَى أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حِجَّةٌ عَنْ فُلَانٍ فَمَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَجُّ فَفِي مَالِهِ حِجَّةٌ لَازِمَةٌ تَبْلُغُ مَا بَلَغَتْ لَا يَلْزَمُهُ غَيْرُهَا بِمَنْزِلَةِ سِلْعَةٍ وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَلِأَجِيرِ الضَّمَانِ الْمَيِّتِ قَبْلَ التَّمَامِ بِالْحِسَابِ إنْ مَاتَ قَبْلَ وُصُولِهِ مَكَّةَ اتِّفَاقًا. بَلْ (وَلَوْ) مَاتَ (بِمَكَّةَ) وَأَشَارَ بِوَلَوْ لِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ إنْ مَاتَ بِمَكَّةَ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَضَعَّفَ، وَأَجِيرُ الْبَلَاغِ إنْ مَاتَ قَبْلَ التَّمَامِ فَلَهُ مَا أَنْفَقَهُ، وَأَجِيرُ الْجَعَالَةِ إنْ مَاتَ قَبْلَ التَّمَامِ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَعَطَفَ عَلَى مَاتَ فَقَالَ (أَوْ صُدَّ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الدَّالِ أَيْ: مُنِعَ الْأَجِيرُ مِنْ التَّمَامِ بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوٍّ وَمِثْلُهُ خَطَؤُهُ فِي عَدَدِ الْأَيَّامِ فَفَاتَهُ الْحَجُّ فَلَهُ بِالْحِسَابِ وَيَتَحَلَّلُ. (وَ) لَهُ أَيْ: الْأَجِيرِ عَلَى الْحَجِّ فِي عَامٍ مُعَيَّنٍ وَصَدَفِيَّةٍ بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوٍّ أَوْ فِتْنَةٍ أَوْ أَخْطَأَ فِي الْعَدَدِ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ مِنْ عَامِهِ (الْبَقَاءُ) عَلَى عَقَدَ الْإِجَارَةِ (لِ) عَامٍ (قَابِلٍ) يَحُجُّ فِيهِ عَنْ الْمَيِّتِ إنْ تَحَلَّلَ مِمَّا فَاتَهُ أَوْ يُتِمُّ فِيهِ إنْ بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ وَيَسْتَحِقُّ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ، فَإِنْ كَانَ الْعَامُ مُعَيَّنًا، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى بَقَائِهِ جَازَ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ لِمَنْ طَلَبَ فَسْخَهُ لِخِفَّةِ الْإِجَارَةِ عَلَى الْحَجِّ عَنْ الْإِجَارَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، فَلَمْ تَنْفَسِخْ بِفَوَاتِ الْعَامِ الْمُعَيَّنِ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ الْحِسَابُ وَلَا يَجُوزُ
[ ٢ / ٢٠٤ ]
وَاسْتُؤْجِرَ مِنْ الِانْتِهَاءِ وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطٌ: كَهَدْيِ تَمَتُّعٍ عَلَيْهِ.
وَصَحَّ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْعَامَ، وَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ وَعَلَى عَامٍ مُطْلَقٍ،.
_________________
(١) [منح الجليل] الْبَقَاءُ لِقَابِلٍ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ لِانْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ بِفَوَاتِ الْعَامِ الْمُعَيَّنِ، فَصَارَ بَاقِي الْأُجْرَةِ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْأَجِيرِ يُؤْخَذُ عَنْهُ مَنَافِعُ مُؤَخَّرَةٌ. وَاخْتَارَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ الْجَوَازَ وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُصَنِّفُ. (وَ) إنْ مَاتَ الْأَجِيرُ أَوْ صُدَّ وَلَمْ يَبْقَ لِقَابِلٍ (اُسْتُؤْجِرَ) أَجِيرٌ عَلَى الْحَجِّ (مِنْ) مَوْضِعِ (الِانْتِهَاءِ) مِنْ الْأَوَّلِ الَّذِي مَاتَ أَوْ صُدَّ فِي إجَارَةِ الضَّمَانِ وَالْبَلَاغِ وَقَصَرَهُ عَلَى الضَّمَانِ، وَإِنْ اقْتَضَاهُ سِيَاقُهُ قُصُورٌ، وَيَبْتَدِئُ الْأَجِيرُ الثَّانِي الْحَجَّ مِنْ حَيْثُ اُسْتُؤْجِرَ وَلَا يَبْنِي عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْأَوَّلِ، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ إلَّا مِثْلُ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فِي عَامٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَهُ مِنْ الِانْتِهَاءِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ مَنْ يَبْتَدِئُ الْحَجَّ مِنْ الِانْتِهَاءِ فِي الْمَسَافَةِ فَلَا يَلْزَمُهُمْ اسْتِئْجَارُ مَنْ يَبْتَدِيهِ مِنْ أَوَّلِهَا، وَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ أَوْ صُدَّ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فِي الْعَامِ الْمُعَيَّنِ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ وَرُدَّتْ حِصَّتُهُ، وَلَا يَسْتَأْجِرُ ثَانٍ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ إعَادَتُهُ فِي عَامِهِ فَمَحَلُّ الِاسْتِئْجَارِ حَيْثُ أَمْكَنَ فِعْلَ الْحَجِّ وَلَوْ فِي ثَانِي عَامٍ. (وَلَا يَجُوزُ) فِي الضَّمَانِ (اشْتِرَاطٌ كَهَدْيِ تَمَتُّعٍ عَلَيْهِ) أَيْ: الْأَجِيرِ لِلْغَرَرِ؛ إذْ تَصِيرُ الْأُجْرَةُ فِي نَظِيرِ الْحَجِّ وَالْهَدْيُ وَالْمَجْهُولُ قِيمَتُهُ، فَإِنْ ضَبَطَ صِنْفَهُ وَسِنَّهُ وَوَصْفَهُ جَازَ عَلَى حَدِّ اجْتِمَاعِ الْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ. (وَصَحَّ) عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَى الْحَجِّ (إنْ لَمْ يُعَيِّنْ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ مُشَدَّدَةً (الْعَامَ) الَّذِي يَحُجُّ فِيهِ الْأَجِيرُ، وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ لَا يَصِحُّ لِلْجَهْلِ (وَ) حَيْثُ لَمْ يُعَيِّنْ (تَعَيَّنَ) عَلَى الْأَجِيرِ الْعَامُ (الْأَوَّلُ) لِلْحَجِّ فَإِنْ لَمْ يَحُجَّ فِيهِ عَمْدًا أَثِمَ وَلَزِمَهُ فِيمَا يَلِيهِ قَالَهُ فِي الْبَيَانِ، وَنَقَلَهُ الْمُوضِحُ وَالْحَطَّابُ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعَيُّنَ الْحُكْمِيَّ لَيْسَ كَالشَّرْطِيِّ إذْ فِيهِ تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِالتَّأْخِيرِ لِقَوْلِهِ وَفُسِخَتْ إنْ عَيَّنَ الْعَامَ وَعُدِمَ. (وَ) فُضِّلَ عَامٌ مُعَيَّنٌ (عَلَى عَامٍ مُطْلَقٍ) عَنْ التَّعْيِينِ أَيْ: أَنَّهُ أَحْوَطُ مِنْهُ لِاحْتِمَالِ مَوْتِ الْأَجِيرِ وَنَفْدِ الْمَالِ مِنْ يَدِهِ وَلَا تَرِكَةَ لَهُ، بِهَذَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ وَقَرَّرَهُ الْبِسَاطِيُّ بِأَنَّ مَعْنَاهُ وَصَحَّ الْعَقْدُ عَلَى عَامٍ مُطْلَقٍ أَيْ: عَلَى أَنْ يَحُجَّ الْأَجِيرُ فِي أَيِّ عَامٍ شَاءَ، وَارْتَضَاهُ الْحَطَّابُ، وَنَقَلَ عَلَيْهِ كَلَامَ ابْنِ بَشِيرٍ
[ ٢ / ٢٠٥ ]
وَعَلَى الْجِعَالَةِ، وَحَجَّ عَلَى مَا فُهِمَ، وَجَنَى إنْ وَفَّى دَيْنَهُ وَمَشَى.
_________________
(١) [منح الجليل] وَاسْتَبْعَدَ الْبِسَاطِيُّ تَقْرِيرَ الشَّارِحِ قَائِلًا كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ وَصَحَّ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْعَامَ. وَعِنْدِي أَنَّ الصُّورَةَ الْأُولَى إذَا قَالَ: حُجَّ عَنِّي وَلَمْ يُقَيِّدْ بِعَامٍ وَلَمْ يُطْلِقْ فَيُحْمَلُ عَلَى أَوَّلِ عَامٍ وَهَذِهِ مُقَيَّدَةٌ بِالْإِطْلَاقِ كَحُجَّ عَنِّي مَتَى شِئْت. (وَ) فُضِّلَتْ الْإِجَارَةُ بِأَنْوَاعِهَا (عَلَى الْجَعَالَةِ) أَيْ أَنَّهَا أَحْوَطُ لَا أَنَّ ثَوَابَهَا أَكْثَرُ؛ إذْ لَا ثَوَابَ فِيهَا كُلِّهَا. الْبُنَانِيُّ لَا وَجْهَ لِهَذَا الْحَمْلِ؛ لِأَنَّ الْجَعَالَةَ أَحْوَطُ فَالصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَصَحَّ الْعَقْدُ عَلَى الْجَعَالَةِ. الدُّسُوقِيُّ قَدْ يُقَالُ الْجَعَالَةُ وَإِنْ كَانَتْ أَحْوَطَ مِنْ جِهَةٍ أَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تُدْفَعُ لِلْأَجِيرِ إلَّا بَعْدَ الْحَجِّ إلَّا أَنَّهُ لَا يَدْرِي فِيهَا هَلْ يُوفِي الْأَجِيرَ أَمْ لَا؟ لِكَوْنِ عَقْدِهَا لَيْسَ لَازِمًا وَعَقْدُ الْإِجَارَةِ لَازِمٌ فَهُوَ أَحْوَطُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ. (وَحَجَّ) الْأَجِيرُ ضَمَانًا أَوْ بَلَاغًا (عَلَى مَا فُهِمَ) بِضَمِّ الْفَاءِ مِنْ حَالِ الْمُوصِي بِنَصٍّ أَوْ قَرِينَةٍ مِنْ رُكُوبِ مَحْمَلٍ أَوْ مِحَفَّةٍ أَوْ قَتَبٍ عَلَى جَمَلٍ أَوْ غَيْرِهِ وُجُوبًا. وَالْعِبْرَةُ يُفْهَمُ غَيْرُ الْأَجِيرِ لِاتِّهَامِهِ بِتَوْفِيرِ الْمَالِ لِنَفْسِهِ. وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ شَيْءٌ مِنْ وَصِيَّةِ الْمُوصِي فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْكَبَ مَا كَانَ يَرْكَبُ الْمُوصِي مِنْ جَمَلٍ أَوْ غَيْرِهِ. (وَجَنَى) أَيْ: تَعَدَّى الْأَجِيرُ (إنْ وَفَّى) بِشَدِّ الْفَاءِ أَيْ: قَضَى (دَيْنَهُ) بِالْأُجْرَةِ (وَمَشَى) فِي الْحَجِّ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْحَجِّ فَإِنْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ نَزَعَ الْمَالَ مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ وَأُلْزِمَ بِأَنْ يَحُجَّ بِهِ عَلَى مَا فُهِمَ، أَوْ يَسْتَأْجِرَ بِهِ غَيْرَهُ، وَتَصَدُّقُهُ أَوْ تَزَوُّجُهُ بِهَا كَوَفَاءِ دَيْنِهِ الْبُنَانِيُّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْوَفَاءِ وَالْمَشْيِ أَوْ بَعْدَ الْوَفَاءِ وَقَبْلَ الْمَشْيِ، فَإِنْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْدَهُمَا، فَقَالَ الْحَطّ إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ ضَمَانًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا هِيَ خِيَانَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ بَلَاغًا فَالظَّاهِرُ إعْطَاؤُهُ قَدْرَ نَفَقَةِ مِثْلِهِ وَأُجْرَةِ رُكُوبِهِ وَأَخَذَ الزَّائِدَ إنْ كَانَ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْعَامُ مُعَيَّنًا أَمْ لَا وَقَالَ عبق يَرْجِعُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْعَامُ مُعَيَّنًا مُطْلَقًا لِانْفِسَاخِهَا بِفَوَاتِ الْعَامِ الْمُعَيَّنِ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَرْجِعْ فِي عَامٍ آخَرَ لِلْحَجِّ عَلَى مَا فُهِمَ، وَعَلَى هَذَا فَالتَّعْبِيرُ بِالْجِنَايَةِ لَا إشْكَالَ فِيهِ وَمُشْكِلٌ عَلَى اسْتِظْهَارِ الْحَطّ كَمَا قَالَ، وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي تَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ خِيَانَةً بِالْخَاءِ
[ ٢ / ٢٠٦ ]
يَقُولُ حُجَّ عَنِّي وَأَدْفَعُ لَك مِائَةَ دِينَارٍ مَثَلًا تُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى نَفْسِك كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ مَثَلًا فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَقْدِ أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعُرْفِ وَالْبَلَاغُ: إعْطَاءُ مَا يُنْفِقُهُ بَدْءًا وَعَوْدًا بِالْعُرْفِ، وَفِي هَدْيٍ وَفِدْيَةٍ لَمْ يَتَعَمَّدْ مُوجِبُهُمَا،
_________________
(١) [منح الجليل] الْمُعْجَمَةِ. وَأَمَّا إنْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْوَفَاءِ وَقَبْلَ الْمَشْيِ فَلَا إشْكَالَ فِي الرُّجُوعِ عَلَيْهِ فِي الْعَامِ الْمُعَيَّنِ مُطْلَقًا وَغَيْرُهُ إنْ لَمْ يَرُدَّ الْحَجَّ عَلَى مَا فُهِمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَالْبَلَاغُ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ حَقِيقَتُهُ شَرْعًا إجَارَةٌ عَلَى الْحَجِّ أُجْرَتُهَا (إعْطَاءُ مَا) أَيْ: مَالٍ (يُنْفِقُهُ) الْأَجِيرُ عَلَى نَفْسِهِ فِي سَفَرٍ لِلْحَجِّ (بَدْءًا) أَيْ: ذَهَابًا مِنْ الْبَلَدِ إلَى مَكَّةَ وَمِنًى وَعَرَفَةَ (وَعَوْدًا) أَيْ: رُجُوعًا مِنْهَا لِلْبَلَدِ إنْفَاقًا (بِالْعُرْفِ) أَيْ: الْمَعْرُوفِ بَيْنَ النَّاسِ بِلَا إسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ فِيمَا يُصْلِحُهُ مِنْ كَعْكٍ وَزَيْتٍ وَلَحْمٍ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَوِطَاءٍ وَلِحَافٍ وَخِفَافٍ وَثِيَابٍ وَشَبَهِهَا وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُرَاعِي الْعُرْفَ فِيمَا يُنْفِقُهُ ابْتِدَاءً. وَقَالَ الْحَطّ قَوْلُهُ بِالْعُرْفِ أَيْ: بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَأَمَّا أَوَّلًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ النَّفَقَةَ بِأَنْ يَقُولَ حُجَّ عَنِّي وَأَدْفَعُ لَك مِائَةَ دِينَارٍ مَثَلًا تُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى نَفْسِك كُلَّ يَوْمٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مَثَلًا فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَقْدِ أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعُرْفِ وَدَلَّ قَوْلُهُ إعْطَاءٌ عَلَى أَنَّهُ إنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ النَّفَقَةِ أَوْ بَعْضَهَا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ يَدْفَعَ لَهُ عِوَضَ مَا أَنْفَقَهُ فَلَيْسَ بَلَاغًا جَائِزًا وَهُوَ كَذَلِكَ إذْ هُوَ سَلَفٌ وَإِجَارَةٌ بِشَرْطٍ فَهِيَ فَاسِدَةٌ قَالَهُ سَنَدٌ. وَيَرُدُّ مَا مَا فَضَلَ مِنْ الْمَالِ وَالثِّيَابِ الَّتِي اشْتَرَاهَا وَنَحْوِهَا. (وَفِي هَدْيٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى بَدْءٍ أَوْ عَوْدٍ قَالَهُ الْفِيشِيُّ وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ قَوْلِ تت، عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ مُتَعَلِّقٍ بِنَفَقَةٍ أَيْ عَلَى نَفْسِهِ. فَإِنْ قُلْت هَذَانِ التَّقْرِيرَانِ يُفِيدَانِ إعْطَاءَ مَا يُنْفِقُهُ فِي هَدْيٍ وَفِدْيَةٍ مِنْ مُسَمَّى الْبَلَاغِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قُلْت بَلْ هُوَ مِنْهُ قَالَهُ الْحَطّ وَأَمَّا جَعْلُهُ عَطْفًا عَلَى مُقَدَّرٍ مُتَعَلِّقٍ بِجَوَابِ شَرْطٍ مُقَدَّرَيْنِ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكْفِهِ مَا أَعْطَاهُ لَهُ رَجَعَ بِمَا أَنْفَقَهُ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَفِي هَدْيٍ فَفِي غَايَةِ التَّكْلِيفِ بِلَا ضَرُورَةٍ. (وَ) فِي (فِدْيَةٍ لَمْ يَتَعَمَّدْ) الْأَجِيرُ (مُوجِبَهُمَا) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ: سَبَبِ وُجُوبِ الْهَدْيِ وَالْفِدْيَةِ بِأَنَّ فِعْلَهُ اخْتِيَارُ الْغَيْرِ وَعُذِرَ بِأَنَّ فِعْلَهُ لِعُذْرٍ كَإِكْرَاهٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ مَرَضٍ
[ ٢ / ٢٠٧ ]
وَرُجِعَ عَلَيْهِ بِالسَّرَفِ، وَاسْتَمَرَّ إنْ فَرَغَ أَوْ أَحْرَمَ، وَمَرِضَ وَإِنْ ضَاعَتْ قَبْلَهُ رَجَعَ، وَإِلَّا فَنَفَقَتُهُ عَلَى آجِرِهِ، إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِالْبَلَاغِ، فَفِي بَقِيَّةِ ثُلُثِهِ وَلَوْ قُسِمَ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ التَّعَمُّدِ حَتَّى يَثْبُتَ عَلَيْهِ قَالَهُ سَنَدٌ (وَرُجِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْأَجِيرِ (بِ) عِوَضِ (السَّرَفِ) الزَّائِدِ عَلَى الْعُرْفِ فِيمَا أَنْفَقَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي دُفِعَ لَهُ، وَهُوَ مَا لَا يَلِيقُ بِحَالِهِ وَإِنْ كَانَ لَائِقًا بِحَالِ الْمُوصِي، وَأَوْلَى مِنْ السَّرَفِ فِي الْإِنْفَاقِ شِرَاؤُهُ هَدِيَّةً لِأَهْلِهِ وَأَصْدِقَائِهِ. (وَاسْتَمَرَّ) أَجِيرُ الْبَلَاغِ وُجُوبًا عَلَى عَمَلِهِ إلَى تَمَامِ الْحَجِّ (إنْ فَرَغَ) الْمَالُ الَّذِي أَخَذَهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ أَوْ بَعْدَهُ فِي عَامٍ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِهِ وَيَرْجِعُ بِمَا يُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِهِ عَلَى الْوَصِيِّ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ لِتَفْرِيطِهِ بِالْعُدُولِ عَنْ إجَارَةِ الضَّمَانِ لَا عَلَى الْمُوصِي، إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِالْبَلَاغِ فَفِي بَاقِي ثُلُثِهِ (أَوْ أَحْرَمَ وَمَرِضَ) أَجِيرُ الْبَلَاغِ أَوْ صُدَّ عَنْ عَرَفَةَ أَوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِهَا لِخَطَإِ عَدَدٍ بَعْدَ إحْرَامِهِ فَيَسْتَمِرُّ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْعَامَ فِي الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ عَيَّنَ انْفَسَخَتْ فِيهَا وَسَقَطَتْ أُجْرَتُهُ عَنْ مُسْتَأْجِرِهِ لِقَوْلِهِ وَفُسِخَتْ إنْ عَيَّنَ الْعَامَ وَعُدِمَ. وَمَفْهُومُ أَحْرَمَ وَمَرِضَ أَنَّهُ إنْ مَرِضَ قَبْلَ إحْرَامِهِ حَتَّى فَاتَهُ الْوُقُوفُ يَرْجِعُ وَلَهُ النَّفَقَةُ فِي إقَامَتِهِ مَرِيضًا وَرُجُوعِهِ لَا فِي ذَهَابِهِ إلَى مَكَّةَ وَرُجُوعِهِ مِنْهَا إلَى مَحَلِّ الْمَرَضِ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ. (وَإِنْ ضَاعَتْ) النَّفَقَةُ مِنْ أَجِيرِ الْبَلَاغِ وَعَلِمَ بِهِ (قَبْلَهُ) أَيْ الْإِحْرَامِ وَأَمْكَنَهُ الرُّجُوعُ (رَجَعَ) أَجِيرُ الْبَلَاغِ لِلْبَلَدِ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ مِنْهُ فَإِنْ اسْتَمَرَّ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ مِنْ مَوْضِعٍ عِلْمِهِ الضَّيَاعَ إلَى عَوْدِهِ إلَيْهِ وَنَفَقَتُهُ عَلَى مُسْتَأْجَرِهِ مِنْ مَوْضِعِ الضَّيَاعِ إلَى بَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي وَرَّطَهُ فِيهِ إنْ لَمْ يُوصِ الْمَيِّتَ بِالْبَلَاغِ وَإِلَّا اسْتَمَرَّ وَلَهُ النَّفَقَةُ فِي بَقِيَّةِ ثُلُثِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ ضَاعَتْ بَعْدَ إحْرَامِهِ أَوْ قَبْلَهُ وَلَمْ يَعْلَمْهُ إلَّا بَعْدَهُ أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرُّجُوعُ (فَ) يَسْتَمِرُّ إلَى تَمَامِ الْحَجِّ وَ(نَفَقَتُهُ عَلَى آجِرِهِ) بِمَدِّ الْهَمْزِ أَيْ: مُسْتَأْجِرِهِ لَا عَلَى الْمُوصِي. (إلَّا أَنْ يُوصِيَ بِالْبَلَاغِ فَفِي) بَقِيَّةِ (ثُلُثِهِ) أَيْ الْمُوصِي لَمْ يُقَسِّمْ مَتْرُوكَهُ بَلْ (وَلَوْ قُسِمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مَا تَرَكَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ ثُلُثِهِ شَيْءٌ فَعَلَى عَاقِدِ إجَارَةِ
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وَأَجْزَأَ إنْ قُدِّمَ عَلَى عَامِ الشَّرْطِ أَوْ تَرَكَ الزِّيَارَةَ، وَرَجَعَ بِقِسْطِهَا.
أَوْ خَالَفَ إفْرَادًا
_________________
(١) [منح الجليل] الْبَلَاغِ لِتَفْرِيطِهِ بِالْعُدُولِ عَنْ الضَّمَانِ وَصِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ مَا لَمْ يَقُلْ حَالَ الْعَقْدِ هَذَا جَمِيعُ مَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ لَيْسَ لَك يَا أَجِيرُ غَيْرَهُ، فَهَذِهِ إجَارَةٌ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ، فَإِنْ قَالَ لَهُ إنْ فَضُلَ شَيْءٌ تَرُدُّهُ وَإِنْ نَقَصَ شَيْءٌ فَلَا تَرْجِعْ بِهِ فَإِنْ قَلَّ الْمَالَ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فَلَا يَرْجِعُ الْأَجِيرُ بِالزَّائِدِ، وَإِنْ شَكَّ فَغَرَرٌ يَسِيرٌ لَا يُوجِبُ الْفَسْخَ وَلَا رُجُوعَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ وَإِنْ ضَاعَتْ النَّفَقَةُ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَلَا شَيْءَ لِلْأَجِيرِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ. (وَأَجْزَأَ) حَجُّ الْأَجِيرِ (إنْ قُدِّمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ الْحَجُّ (عَلَى عَدَمِ الشَّرْطِ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْمُوصِي أَوْ الْوَصِيِّ؛ لِأَنَّهُ كَدَيْنٍ قُدِّمَ قَضَاؤُهُ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ فَيُجْبَرُ رَبُّهُ عَلَى قَبُولِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تَعْيِينِ الْعَامِ إلَّا التَّوْسِعَةُ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ فِعْلِ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ فَتَأْخِيرُهُ حَقٌّ لَهُ، وَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ التَّقْدِيمِ عَلَى عَامِ الشَّرْطِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُكْرَهُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ وَأَجْزَأَ، وَمَفْهُومُ قُدِّمَ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ إنْ أَخَّرَ عَنْهُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَسَيَأْتِي. وَفُسِخَتْ إنْ عَيَّنَ الْعَامَ وَعُدِمَ وَظَاهِرُهُ الْإِجْزَاءُ وَلَوْ كَانَ فِي عَامِ الشَّرْطِ غَرَضٌ كَكَوْنِ وَقْفَتِهِ بِالْجُمُعَةِ وَمَعْنَى الْإِجْزَاءِ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْأَجِيرِ مِمَّا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ، فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ وَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ حَجَّ عَنْهُ. (أَوْ) إنْ (تَرَكَ) الْأَجِيرُ (الزِّيَارَةَ) لِلنَّبِيِّ - ﷺ - الْمُشْتَرَطَةِ أَوْ الْمُعْتَادَةِ فَيَجْزِي حَجُّهُ وَمِثْلُهَا الْعُمْرَةُ (وَرَجَعَ) عَلَى الْأَجِيرِ (بِقِسْطِهَا) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ: مُقَابِلِهَا مِنْ الْأُجْرَةِ إنْ تَرَكَهَا لِعُذْرٍ. وَقِيلَ يُؤْمَرُ بِالرُّجُوعِ لَهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا مُخْتَارًا أُمِرَ بِالرُّجُوعِ لَهَا وَنَصُّ مَنَاسِكِ الْمُصَنِّفِ. وَلَوْ اُسْتُؤْجِرَ وَاشْتُرِطَتْ عَلَيْهِ الزِّيَارَةُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَرُدُّ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَسَافَةِ الزِّيَارَةِ. وَقِيلَ يَرْجِعُ حَتَّى يَزُورَ اهـ طفي يُفْهَمُ مِنْ فَرْضِهِمْ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا عَمْدًا مِنْ غَيْرِ تَعَذُّرٍ يُؤْمَرُ بِالرُّجُوعِ بِلَا خِلَافٍ وَبِهَذَا تُعُقِّبَ الْبِسَاطِيُّ الْمُصَنِّفَ. (أَوْ) إنْ (خَالَفَ) الْأَجِيرُ فِي حَجِّهِ (إفْرَادًا) اشْتَرَطَهُ عَلَيْهِ الْوَارِثُ أَوْ الْوَصِيُّ
[ ٢ / ٢٠٩ ]
لِغَيْرِهِ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمَيِّتُ، وَإِلَّا فَلَا كَتَمَتُّعٍ بِقِرَانٍ أَوْ عَكْسُهُ، أَوْ هُمَا بِإِفْرَادٍ أَوْ مِيقَاتًا شُرِطَ، وَفُسِخَتْ إنْ عُيِّنَ الْعَامُ، أَوْ عُدِمَ:
_________________
(١) [منح الجليل] لِغَيْرِهِ) أَيْ الْإِفْرَادِ مِنْ قِرَانٍ أَوْ تَمَتُّعٍ فَيُجْزِي فِيهِمَا (إنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ) أَيْ الْإِفْرَادَ (الْمَيِّتُ) حَالَ إيصَائِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ اشْتَرَطَهُ الْمَيِّتُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ تَعَيَّنَ حَالَ الْإِطْلَاقِ (فَلَا) يَجْزِيهِ غَيْرَ الْإِفْرَادِ عَنْهُ وَتُفْسَخُ الْإِجَارَةُ إنْ خَالَفَ إلَى قِرَانٍ مُطْلَقًا أَوْ تَمَتُّعٍ، وَالْعَامُ مُعَيَّنٌ وَإِلَّا فَلَا تَنْفَسِخُ وَيَحُجُّ مُفْرِدًا، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَيِّتَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ، وَقَدْ تَعَلَّقَ غَرَضُهُ بِالْإِفْرَادِ وَغَيْرُهُ نَائِبٌ عَنْهُ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ وَالتَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ مُشْتَمِلَانِ عَلَيْهِ، وَصَرَّحَ بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ لِيُشْبِهَ بِهِ فِي عَدَمِ الْإِجْزَاءِ بِقَوْلِهِ (كَ) مُخَالَفَةِ (تَمَتُّعٍ) مُشْتَرَطٍ وَإِبْدَالُهُ (بِقِرَانٍ أَوْ عَكْسِهِ) أَيْ: إبْدَالِهِ قِرَانًا مَشْرُوطًا بِتَمَتُّعٍ. (أَوْ) أَحَدِ (هِمَا) أَيْ: التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ الْمَشْرُوطِ فَخَالَفَهُ وَإِبْدَالُهُ (بِإِفْرَادٍ) فَلَا يَجْزِيهِ فِي الصُّوَرِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ كَوْنِ الشَّرْطِ مِنْ الْمُوصِي أَوْ الْوَصِيِّ. فَإِنْ قِيلَ الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ فَلِمَ لَمْ يَجُزْ عَنْ أَحَدِهِمَا قُلْت الْأُجْرَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا وَقَعَتْ فِي مُقَابَلَتِهِ وَلَوْ فُضُولًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْعُمْرَةِ فَحَجَّ لَمْ يُجْزِهِ أَفَادَهُ سَنَدٌ. (أَوْ) خَالَفَ الْأَجِيرُ (مِيقَاتًا شُرِطَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْهُ فَأَحْرَمَ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَجْزِيهِ، وَلَوْ كَانَ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ مِيقَاتَ بَلَدِ الْمَيِّتِ وَلَوْ حُكْمًا كَتَعْيِينِ مِيقَاتِ بَلَدِ الْمَيِّتِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَكَذَا الْإِحْرَامُ بَعْدَ الْمِيقَاتِ الْمُشْتَرَطِ، وَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَهُ أَجْزَأَ قَالَهُ سَنَدٌ لِمُرُورِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَكَأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّرْطُ مِنْ الْمَيِّتِ أَوْ غَيْرِهِ وَسَوَاءٌ عَيَّنَ الْعَامَ أَمْ لَا. (وَ) حَيْثُ لَمْ يَجُزْ مَا خَالَفَ إلَيْهِ فِي الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ (فُسِخَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ فَفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ: الْإِجَارَةُ فِيهَا وَهُوَ الْأَصْلُ فِيمَا يَجْزِي بَلَاغًا أَوْ ضَمَانًا (إنْ عُيِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (الْعَامُ) الَّذِي يَحُجُّ فِيهِ الْأَجِيرُ وَرُدَّ الْمَالُ، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ رَجَعَ وَأَحْرَمَ مِنْهُ (أَوْ عُدِمَ)
[ ٢ / ٢١٠ ]
كَغَيْرِهِ، وَقَرَنَ.
أَوْ صَرَفَهُ لِنَفْسِهِ.
_________________
(١) [منح الجليل] بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ الْحَجُّ بِأَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ بِأَنْ فَاتَهُ أَوْ أَفْسَدَهُ بِأَوْ عُطِفَ عَلَى مُقَدَّرٍ، أَيْ: إنْ حَصَلَتْ الْمُخَالَفَةُ فَالْكَلَامُ مَسْأَلَتَانِ وَفِي نُسْخَةٍ وَعُدِمَ بِالْوَاوِ فَهُوَ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَغُرِّمَ بَالِغَيْنِ وَالرَّاءِ أَيْ: غَرِمَ الْأَجِيرُ الْمَالَ الَّذِي أَخَذَهُ أَفَادَهُ عب. الْبُنَانِيُّ الْمُرَادُ بِفَسْخِ الْمُعَيَّنِ بِالْفَوَاتِ وَنَحْوِهِ أَنَّ مَنْ أَرَادَهُ فَلَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى الْبَقَاءِ لِقَابِلٍ جَازَ هَذَا مُخْتَارُ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَغَيْرِهِ. وَبِهَذَا يُوَافِقُ مَا هُنَا إطْلَاقُهُ السَّابِقُ فِي قَوْلِهِ وَلَهُ الْبَقَاءُ الْقَابِلُ أَيْ: فِي الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِهِ وَلَكِنْ بِرِضَاهُمَا فِي الْمُعَيَّنِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا تَعَيُّنُ الْفَسْخِ وَلَوْ تَرَاضَيَا عَلَى الْبَقَاءِ؛ لِأَنَّهُ فَسْخُ دَيْنٍ الَّذِي قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ سَابِقًا وَقَدْ حَمَلَ الْحَطّ مَا تَقَدَّمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَمَا هُنَا عَلَى تَحَتُّمِ الْفَسْخِ فَعَارَضَ بَيْنَهُمَا وَقَدْ عَلِمْت دَفْعَهَا قَالَهُ طفي. (ز) بِأَنْ فَاتَهُ أَوْ أَفْسَدَهُ هَذَا لِابْنِ رُشْدٍ لِتَسْوِيَتِهِ بَيْنَ الْفَوَاتِ بِمَرَضٍ أَوْ خَطَإِ هِلَالٍ وَالْإِفْسَادِ بِوَطْءِ وَحَصْرِ الْعَدُوِّ وَجَعْلِهِ حُكْمَهَا وَاحِدًا وَهُوَ الْفَسْخُ فِي الْمُعَيَّنِ وَالْقَضَاءُ فِي غَيْرِهِ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَكَذَا تَرْكُ الْحَجِّ فِيهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ؛ إذْ قُصَارَاهُ أَنَّهُ كَإِفْسَادِهِ بِوَطْءٍ قَالَهُ طفي خِلَافُ مَا فِي الْحَطّ عَنْ سَنَدٍ مِنْ خِيَارِ الْوَارِثِ فِي الْفَسْخِ وَالْبَقَاءِ لِقَابِلٍ إنْ تَرَكَهُ اخْتِيَارًا، أَوْ أَفْسَدَهُ بِوَطْءٍ وَعَلَى نُسْخَةِ الْوَاوِ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ وَعَدَمَ الْحَجِّ حَقِيقَةٌ بِتَرْكِهِ أَوْ فَوَاتِهِ لِصَدٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ خَطَإٍ أَوْ حُكْمًا بِأَنْ أَفْسَدَهُ بِوَطْءٍ أَوْ خَالَفَ كَمَا فِي الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَشَبَّهَ فِي الْفَسْخِ فَقَالَ (كَ) عَدَمِ الْإِفْرَادِ أَوْ التَّمَتُّعِ الْمَشْرُوطِ فِي (غَيْرِهِ) أَيْ: الْعَامِ الْمُعَيَّنِ وَهُوَ الْعَامُ الْمُبْهَمُ (وَقَرَنَ) الْأَجِيرُ بَدَلَ الْإِفْرَادِ الَّذِي اشْتَرَطَهُ الْمَيِّتُ أَوْ بَدَلَ التَّمَتُّعِ الَّذِي اشْتَرَطَهُ الْمَيِّتُ أَوْ الْوَصِيُّ فَتُفْسَخُ الْإِجَارَةُ وَمِثْلُهَا مُخَالَفَتُهُ إلَى الْإِفْرَادِ، وَقَدْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْقِرَانَ أَوْ التَّمَتُّعَ فَلَوْ زَادَ أَوْ أَفْرَدَ لَشَمِلَ هَذَا. (أَوْ) أَحْرَمَ الْأَجِيرُ عَنْ الْمَيِّتِ ثُمَّ (صَرَفَهُ) أَيْ: الْأَجِيرُ الْإِحْرَامَ (لِنَفْسِهِ) أَيْ: الْأَجِيرِ فَلَا يُجْزِي عَنْ الْمَيِّتِ وَلَا عَنْ الْأَجِيرِ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَتُفْسَخُ وَيَرُدُّ الْأُجْرَةَ؛ لِأَنَّ خِلَافَ شَرْطِهِ. وَلِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَنْتَقِلُ لِغَيْرِ مَنْ وَقَعَ لَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَامُ مُعَيَّنًا أَمْ لَا؛ لِأَنَّ عَدَاءَهُ خَفِيٌّ
[ ٢ / ٢١١ ]
وَأَعَادَ؛ إنْ تَمَتَّعَ.
وَهَلْ تَنْفَسِخُ إنْ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ فِي الْمُعَيَّنِ، أَوْ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ لِلْمِيقَاتِ، فَيُحْرِمُ عَنْ الْمَيِّتِ فَيُجْزِيهِ؟ تَأْوِيلَانِ.
_________________
(١) [منح الجليل] كَعَدَاءِ مَنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْإِفْرَادَ أَوْ التَّمَتُّعَ فَقَرَنَ. (وَ) إنْ اُشْتُرِطَ عَلَى الْأَجِيرِ قِرَانٌ مُطْلَقًا أَوْ إفْرَادٌ مِنْ الْمَيِّتِ فَخَالَفَ بِتَمَتُّعٍ (أَعَادَ) الْأَجِيرُ الْحَجَّ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا، أَوْ تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ (إنْ تَمَتَّعَ) الْأَجِيرُ بَدَلًا عَنْ الْقِرَانِ أَوْ الْإِفْرَادِ؛ لِأَنَّ عَدَاءَهُ ظَاهِرٌ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْقِرَانِ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ خَالَفَ الْمِيقَاتَ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ لَا تُفْسَخُ إجَارَتُهُ وَتَجِبُ إعَادَةٌ مِنْ الْمِيقَاتِ الْمُشْتَرَطِ. (وَهَلْ تُفْسَخُ) الْإِجَارَةُ (إنْ اعْتَمَرَ) أَجِيرُ الْحَجِّ (عَنْ نَفْسِهِ) مِنْ الْمِيقَاتِ وَحَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ (فِي) الْعَامِ (الْمُعَيَّنِ) سَوَاءٌ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ أَوْ الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ بِاعْتِمَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ لَا عَلِمَ أَنَّ سَفَرَهُ لَيْسَ لِلْمَيِّتِ (أَوْ) تُفْسَخُ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَرْجِعَ) الْأَجِيرُ (لِلْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُ) مِنْهُ بِالْحَجِّ (عَنْ الْمَيِّتِ فَيُجْزِيهِ)؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ حِينَئِذٍ فِي الْجَوَابِ (تَأْوِيلَانِ) مَحَلُّهُمَا فِي اعْتِمَارِهِ عَنْ نَفْسِهِ فِي عَامٍ مُعَيَّنٌ لَا يُمْكِنُهُ فِيهِ الرُّجُوعُ لِبَلَدِهِ وَالْعَوْدُ مِنْهُ بِحَيْثُ يُدْرِكُ الْحَجَّ فِي عَامِهِ، وَيُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ لِلْمِيقَاتِ فَقَطْ. وَأَمَّا اعْتِمَارُهُ عَنْ نَفْسِهِ فِي عَامٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ مُعَيَّنٍ وَيُمْكِنُهُ فِيهِ الرُّجُوعُ لِبَلَدِهِ وَعَوْدُهُ مِنْهُ وَإِدْرَاكُ الْحَجِّ فِيهِ فَفِيهِمَا تَأْوِيلَانِ آخَرَانِ غَيْرُ تَأْوِيلَيْ الْمُصَنِّفِ وَهُمَا هَلْ بُدٌّ أَنْ يَرْجِعَ لِبَلَدِهِ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ لَهُ فُسِخَتْ أَوْ يَجْزِيهِ رُجُوعُهُ لِلْمِيقَاتِ وَالْإِحْرَامُ مِنْهُ بِالْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ ثُمَّ عَلَى الْقَوْلِ بِالْإِجْزَاءِ فِي تَأْوِيلَيْ الْمُصَنِّفِ، فَإِنْ كَانَ اعْتِمَارُهُ عَنْ نَفْسِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ وَدَمُهُ فِي مَالِهِ لِتَعَمُّدِهِ سَبَبَهُ قَالَهُ سَنَدٌ. وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي نَقْصِ التَّمَتُّعِ. وَعَنْ التُّونُسِيِّ لَوْ قِيلَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمِقْدَارِ مَا نَقَصَ مَا بَعْدَ وَسَكَتَ عَمَّنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْقِرَانَ وَنَوَى الْعُمْرَةَ الَّتِي فِيهِ لِنَفْسِهِ وَالْحَجُّ لِلْمَيِّتِ وَالْمَنْصُوصُ فِيهِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ.
[ ٢ / ٢١٢ ]
وَمُنِعَ اسْتِنَابَةُ صَحِيحٍ فِي فَرْضٍ، وَإِلَّا كُرِهَ:
_________________
(١) [منح الجليل] ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَاخْتُلِفَ هَلْ يُمْكِنُ مِنْ الْإِعَادَةِ أَوْ تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ؟ الْحَطّ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ ثُمَّ الْجَارِي عَلَى عِلَّةِ خَفَاءِ الْعَدَاءِ الْفَسْخُ مُطْلَقًا وَفِي كَلَامِ سَنَدٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَهُ عب. الْبُنَانِيُّ التَّأْوِيلَانِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ هُمَا الْمَنْصُوصَانِ وَالتَّأْوِيلَانِ فِي الْمُعَيَّنِ مُخْرِجَانِ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ كِلَاهُمَا مَفْرُوضٌ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَمَا فِي الْحَطّ وَالْمَوَّاقِ، فَمَنْ قَالَ يَرْجِعُ لِبَلَدِهِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ قَالَ بِالْفَسْخِ فِي الْمُعَيَّنِ وَمَنْ قَالَ يَرْجِعُ لِلْمِيقَاتِ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ قَالَ بِعَدَمِ الْفَسْخِ فِي الْمُعَيَّنِ إنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ. (وَمُنِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (اسْتِنَابَةُ) شَخْصٍ (صَحِيحٍ) أَوْ مَرْجُوِّ الصِّحَّةِ مُسْتَطِيعٍ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ أَيْ تَوْكِيلُهُ غَيْرَهُ (فِي) فِعْلِ حَجٍّ (فَرْضٍ) كَحَجَّةِ إسْلَامٍ وَلَوْ عَلَى تَرَاخِيهَا لِخَوْفِ الْفَوَاتِ أَوْ حَجَّةٍ مَنْذُورَةٍ مُكْتَفِيًا بِفِعْلِ وَكِيلِهِ، وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ فَسَدَتْ وَفُسِخَتْ، وَإِنْ أَتَمَّ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا الْمُسَمَّى (وَإِلَّا) بِأَنْ اسْتَنَابَ صَحِيحٌ فِي نَفْلٍ أَوْ عَاجِزٌ غَيْرُ مَرْجُوٍّ أَوْ فِي عُمْرَةٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَنِيبُ صَحِيحًا أَوْ عَاجِزًا اعْتَمَرَ أَمْ لَا (كُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: التَّوْكِيلُ وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ صَحَّتْ. سَنَدٌ اتَّفَقَ أَرْبَابُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ لَا تَجُوزُ اسْتِنَابَتُهُ فِي فَرْضِ الْحَجِّ وَالْمَذْهَبُ كَرَاهَتُهَا فِي التَّطَوُّعِ، وَإِنْ وَقَعَتْ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ والتِّلِمْسَانِيُّ وَالْقَرَافِيُّ وَالتَّادَلِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَأَطْلَقَ غَيْرُ سَنَدٍ مَنَعَ النِّيَابَةَ فِي الْحَجِّ وَنَحْوِهِ قَوْلُ التَّوْضِيحِ فَائِدَةٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ مَا لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ بِإِجْمَاعٍ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَمِنْهَا مَا يَقْبَلُهَا إجْمَاعًا كَالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَرَدِّ الدُّيُونِ وَالْوَدَائِعِ، وَاخْتُلِفَ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْمَذْهَبِ أَنَّهُمَا لَا يَقْبَلَانِ النِّيَابَةَ. وَفِي الْجَلَّابِ يُكْرَهُ اسْتِئْجَارُ الْمَرِيضِ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَإِنْ فَعَلَ مَضَى فَاعْتَمَدَ الْمُصَنِّفُ فِي مَنْعِ اسْتِنَابَةِ الصَّحِيحِ فِي الْفَرْضِ وَكَرَاهَتِهَا فِي النَّفْلِ قَوْلُ سَنَدٍ، وَكَرَاهَتُهَا عَنْ الْمَرِيضِ كَلَامُ الْجَلَّابِ وَالْمُعْتَمَدُ مَنْعُ النِّيَابَةِ عَنْ الْحَيِّ مُطْلَقًا قَالَهُ الرَّمَاصِيُّ وَلَا فَرْقَ فِي النِّيَابَةِ بَيْنَ كَوْنِهَا بِأُجْرَةٍ أَوْ تَطَوُّعًا قَالَهُ الرَّمَاصِيُّ. وَأَمَّا قَوْلُ شَارِحِ الْعُمْدَةِ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ إنْ كَانَتْ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ فَحَسَنَةٌ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ خَيْرٍ وَمَعْرُوفٍ، وَإِنْ كَانَ بِأُجْرَةٍ فَالْمَنْصُوصُ عَنْ مَالِكٍ - ﵁ - كَرَاهَتُهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْمَلِ الدُّنْيَا
[ ٢ / ٢١٣ ]
كَبَدْءِ مُسْتَطِيعٍ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ وَإِجَارَةِ نَفْسِهِ،.
_________________
(١) [منح الجليل] بِالدِّينِ وَعَمَلِ الْآخِرَةِ فَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى النِّيَابَةِ عَنْ الْمَيِّتِ الْمُوصِي لَا عَنْ الْحَيِّ، فَلَا يُخَالِفُ مِمَّا قَبْلَهُ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ. وَنَصَّ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا اسْتِنَابَةَ الْعَاجِزَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَثَالِثُهَا تَجُوزُ لِلْوَلَدِ، فَحَمَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَدَمَ الْجَوَازِ عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ وَشَهَرَهُ، وَخَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا يَصِحُّ عَنْ مَرْجُوِّ صِحَّتِهِ وَلِأَشْهَبَ إنْ أَجَّرَ صَحِيحٌ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ لَزِمَ لِلْخِلَافَةِ وَالْمَغْصُوبُ مَنْ لَا يُرْجَى ثُبُوتُهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ الْبَاجِيَّ كَالزَّمِنِ وَالْهَرَمِ فِي إجَازَتِهِ عَنْهُ ثَالِثُهَا لِابْنِهِ. وَشَبَّهَ فِي الْكَرَاهَةِ فَقَالَ (كَبَدْءِ) شَخْصٍ صَرُورَةً (مُسْتَطِيعٍ) الْحَجَّ (بِهِ) أَيْ الْحَجِّ (عَنْ غَيْرِهِ) فَيُكْرَهُ بِنَاءً عَلَى التَّرَاخِي وَلَمْ يُخَفْ فَوَاتُهُ وَإِلَّا فَهُوَ مُحْرِمٌ وَمَفْهُومُ بَدْءٍ إنْ حَجَّ الْمُسْتَطِيعُ الَّذِي حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ عَنْ غَيْرِهِ لَا يُكْرَهُ إنْ كَانَ بِلَا أُجْرَةٍ أَفَادَهُ عب الْبُنَانِيُّ غَيْرَ صَوَابٍ، وَلِذَا قَالَ طفي قَوْلُهُ كَبَدْءِ مُسْتَطِيعٍ إلَخْ لَا يَأْتِي عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَنْعِ النِّيَابَةِ وَعَدَمِ صِحَّتِهَا لَا عَنْ الصَّحِيحِ وَلَا عَنْ الْمَرِيضِ وَلَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ عَلَى مَا فِيهِ، وَإِلَّا كُرِهَتْ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا هُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ، فَهُوَ إشَارَةٌ لِقَوْلِهَا، وَإِنْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ أَنْفَذَ ذَلِكَ وَيَحُجُّ عَنْهُ مَنْ قَدْ حَجَّ أَحَبُّ إلَيَّ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ. (وَإِجَارَةِ نَفْسِهِ) فِي عَمَلِ اللَّهِ تَعَالَى حَجٍّ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ أَعَمُّ مِمَّا قَبْلَهُ كَانَ صَرُورَةً مُسْتَطِيعًا أَوْ غَيْرَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّرَاخِي، وَإِلَّا حَرُمَ عَلَى الضَّرُورَةِ الْمُسْتَطِيعِ لِقَوْلِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنْ يُؤَاجِرَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ فِي عَمَلِ اللَّبِنِ وَقَطْعِ الْحَطَبِ وَسَوْقِ الْإِبِلِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا لِلَّهِ بِأُجْرَةٍ وَالْقَوْلُ الشَّاذُّ جَوَازُهَا. وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْآذَانِ فَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ فِيهِمَا اتِّفَاقًا، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا كُرِهَ الْعَقْدُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ حَرُمَ عَلَى الْأَجِيرِ أَيْضًا؛ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ مُحَرَّمًا مِنْ جَانِبٍ مَكْرُوهًا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ أَفَادَ عب. الْبُنَانِيُّ هَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَنَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا لِابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّوْضِيحُ، وَنَصُّهُ إذَا أَجَزْنَا الْوَصِيَّةَ وَأَنْفَذْنَاهَا بَعْدَ الْوُقُوعِ فَهَلْ يَجُوزُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ أَوْ يُكْرَهُ فِيهِ قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ كَرَاهَتُهُ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْ الْعِبَادَةِ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ أَهْلِ الْخَيْرِ وَنَحْوِهِ لِابْنِ شَاسٍ.
[ ٢ / ٢١٤ ]
وَنَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ مِنْ الثُّلُثِ.
وَحَجَّ عَنْهُ حِجَجٌ إنْ وَسِعَ.
وَقَالَ: يَحُجّ بِهِ لَا مِنْهُ، وَإِلَّا فَمِيرَاثٌ: كَوُجُودِهِ بِأَقَلَّ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَنَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ) أَيْ: الْحَجِّ الْمَكْرُوهِ لَا الْمَمْنُوعِ؛ لِأَنَّهُ يَفْسَخُ وَصِلَةُ نَفَذَتْ (مِنْ الثُّلُثِ) صَرُورَةً كَانَ الْمُوصِي أَوْ غَيْرُهُ، فَإِنْ لَمْ يُوصِ فَلَا يَلْزَمُ، وَإِنْ كَانَ صَرُورَةً عَلَى الْأَصَحِّ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي التَّوْضِيحِ الْخِلَافُ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ ابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ شَاسٍ لَا فِي اللُّزُومِ خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ. ابْنُ عَرَفَةَ مُقَابِلُ الْأَصَحِّ لَا أَعْرِفُهُ، وَمَحَلُّ نُفُوذِهَا مِنْهُ إذَا لَمْ يُعَارِضْهَا وَصِيَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ وَلَمْ يَسَعْ الثُّلُثُ إلَّا إحْدَاهُمَا فَتَقَدَّمَ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ التَّطَوُّعُ هَذَا مَذْهَبُهَا. وَلَوْ أَوْصَى بِمَالٍ وَحَجَّ صَرُورَةً وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهُمَا تَحَاصَّا هَذَا مَذْهَبُهَا أَيْضًا، وَصَحَّحَ ابْنُ رُشْدٍ تَقْدِيمَ وَصِيَّةِ الْمَالِ فِي هَذِهِ أَيْضًا، وَاقْتَصَرَ تت عَلَيْهِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ تَقْدِيمُ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْفَرْعَيْنِ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ مُقْتَصِرًا عَلَى مَذْهَبِهَا فِيهِمَا قَالَهُ عبق. الْبُنَانِيُّ نَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ - وَإِنْ كَانَ لَا يُجِيزُ النِّيَابَةَ فِيهِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ. (وَ) إنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِلْحَجِّ (حُجَّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا (عَنْهُ) أَيْ الْمُوصِي (حِجَجٌ) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ جَمْعُ حِجَّةٍ وَلَوْ مِنْ مَكَّةَ وَاسْتَحْسَنَ ابْنُ الْمَوَّازِ جَعْلَهُ فِي حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ وَمَحَلُّ الْأَوَّلِ (إنْ وَسِعَ) الثُّلُثُ حِجَجًا بِأَنْ كَثُرَ جِدًّا عَمَّا يَحُجُّ بِهِ حَجَّةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِاتِّسَاعِهِ إمْكَانَ الْحَجِّ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ مَعَ جَرَيَانِ الْعَادَةِ بِصَرْفِهِ فِي حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ كَانَ هَذَا ظَاهِرَ لَفْظِهِ فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ الزَّائِدُ يُورَثُ وَلَا يُحَجُّ بِهِ أَفَادَهُ ابْنُ عَاشِرٍ. (وَقَالَ) الْمُوصِي فِي وَصِيَّتِهِ (يَحُجُّ بِهِ) أَيْ: الثُّلُثِ وَلَوْ كَثُرَ جِدًّا كَثَلَاثَةِ آلَافِ دِينَارٍ كَانَ الْمُوصِي صَرُورَةً أَمْ لَا (لَا) يُحَجُّ عَنْهُ حِجَجٌ إنْ وَسِعَ وَقَالَ يَحُجُّ (مِنْهُ) فَحَجَّةٌ وَاحِدَةٌ لِإِفَادَةٍ مِنْ التَّبْعِيضِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسَعْ الثُّلُثُ حِجَجًا أَوْ وَسِعَ وَقَالَ يَحُجُّ مِنْهُ (فَ) الزَّائِدُ عَلَى حَجَّةٍ (مِيرَاثٌ) وَشَبَّهَ فِي إرْثِ الزَّائِدِ فَقَالَ (كَوُجُودِهِ) أَيْ: الْأَجِيرِ (بِأَقَلَّ) مِمَّا سَمَّى الْمُوصِي مِنْ مَالٍ لِمَنْ يَحُجُّ عَنْهُ فَالزَّائِدُ عَمَّا أَخَذَهُ الْأَجِيرُ مِيرَاثٌ. الْبُنَانِيُّ هَذَا فِي غَيْرِ الْوَاسِعِ وَهُوَ مَا يُشَبِّهُ أَنْ يَحُجَّ بِهِ حَجَّةً وَاحِدَةً قَالَهُ ابْنُ عَاشِرٍ، وَهُوَ دَاخِلٌ
[ ٢ / ٢١٥ ]
أَوْ تَطَوَّعَ غَيْرٌ، وَهَلْ إلَّا أَنْ يَقُولَ وَيُحَجُّ عَنِّي بِكَذَا فَحِجَجٌ؟ تَأْوِيلَانِ،
_________________
(١) [منح الجليل] تَحْتَ وَإِلَّا لَكِنْ صَرَّحَ بِهِ لِلتَّأْوِيلَيْنِ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي فَهْمِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُوصِيَ بِمَالٍ مُعَيَّنٍ أَوْ بِالثُّلُثِ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ وتت (أَوْ تَطَوَّعَ غَيْرٌ) بِالْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ بِلَا أُجْرَةٍ فَيُوَرَّثُ مَا أَوْصَى بِهِ لِمَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ ثُلُثًا أَوْ قَدْرًا مُعَيَّنًا. (وَهَلْ) يَرْجِعُ الزَّائِدُ عَنْ حِجَّةٍ مِيرَاثًا إذَا وُجِدَ بِأَقَلَّ مِمَّا سَمَّاهُ وَشَأْنُهُ الصَّرْفُ فِي حَجَّةٍ وَجَمِيعُهُ إذَا تَطَوَّعَ بِهِ أَحَدٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ قَيَّدَ بِحَجَّةٍ بِأَنْ قَالَ: يُحَجُّ بِهِ عَنِّي حَجَّةً، أَوْ أَطْلَقَ بِأَنْ قَالَ: يُحَجُّ بِهِ أَوْ حُجُّوا بِهِ عَنِّي، أَوْ يَرْجِعُ مِيرَاثًا فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ) يُطْلِقَ بِأَنْ لَمْ يُقَيِّدْ بِحَجَّةٍ وَ(يَقُولُ يُحَجُّ) أَوْ حُجُّوا (عَنِّي بِكَذَا) أَيْ: بِمِائَةٍ مَثَلًا (فَ) يُحَجُّ عَنْهُ (حِجَجٌ) حَتَّى يَنْفُذَ فَلَا يَرْجِعَ الزَّائِدُ عَنْ حَجَّةٍ فِي وُجُودِهِ بِأَقَلَّ وَإِلَّا الْجَمِيعُ فِي تَطَوُّعِ أَحَدٍ بِهِ مِيرَاثًا فِي الْجَوَابِ. (تَأْوِيلَانِ) فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا فِي الْحَطّ وَالْخَرَشِيِّ وَغَيْرِهِمَا. وَيُفِيدُهُ كَلَامُهُ فِي مَنَاسِكِهِ وَنَصُّهُ وَإِنْ سَمَّى قَدْرًا حَجَّ بِهِ عَنْهُ، فَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِدُونِهِ كَانَ الْفَاضِلُ مِيرَاثًا إلَّا أَنْ يَفْهَمَ إعْطَاءَ الْجَمِيعِ، هَذَا إنْ سَمَّى حَجَّةً وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ فَكَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَحُجُّ بِهِ حِجَجٌ، وَاخْتَلَفَ هَلْ قَوْلُهُ تَفْسِيرٌ أَوْ خِلَافٌ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ خِلَافٌ. اهـ. فَقَوْلُهُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِدُونِهِ صَادِقٌ بِالْمُتَطَوِّعِ بِهِ دُونَ مَالٍ وَبِالْحَاجِّ بِأَقَلَّ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَوْ عَيَّنَ عَدَدًا لِيَحُجَّ بِهِ عَنْهُ مُعَيَّنٌ أَوْ غَيْرُهُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ لِلْمُدَوَّنَةِ وَيَكُونُ مَا فَضَلَ عَنْ حَجَّةٍ مِيرَاثًا. وَالثَّانِي لِلشَّيْخِ عَنْ مُحَمَّدٍ يَكُونُ لَلْأَجِيرَانِ عَيْنُهُ أَوْ قَالَ يَحُجُّ عَنْهُ بِهِ رَجُلٌ، وَإِنْ قَالَ حُجُّوا عَنِّي بِهِ أَوْ يَحُجُّ عَنِّي بِهِ فَفِي حَجَّاتٍ وَالْأَحْسَنُ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ. ثَالِثُهَا لِأَشْهَبَ يَكُونُ لِلْأَجِيرِ إنْ عَيَّنَهُ وَإِلَّا فَفِي حَجَّاتٍ. وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ إذَا سُمِّيَ مَا يُعْطَى فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلْمُوصَى لَهُ إذَا قَالَ يَحُجُّ عَنِّي بِهَذِهِ الْأَرْبَعِينَ فُلَانٌ أَوْ قَالَ رَجُلٌ وَأَمَّا إنْ قَالَ حُجُّوا عَنِّي
[ ٢ / ٢١٦ ]
وَدُفِعَ الْمُسَمَّى، وَإِنْ زَادَ عَلَى أُجْرَتِهِ لِمُعَيَّنٍ لَا يَرِثُ فُهِمَ إعْطَاؤُهُ لَهُ.
_________________
(١) [منح الجليل] بِهَا أَوْ يَحُجُّ عَنِّي بِهَا فَلْتَنْفُذْ كُلُّهَا فِي حَجَّةٍ أَوْ حَجَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، وَلَوْ جُعِلَتْ فِي حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ فَهُوَ أَحْسَنُ هَلْ هُوَ تَفْسِيرٌ لِكَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ خِلَافٌ. اهـ. وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ. وَمَحَلُّ التَّأْوِيلَيْنِ فِي غَيْرِ الْوَاسِعِ سَوَاءٌ كَانَ عَدَدًا مُعَيَّنًا كَأَرْبَعِينَ أَوْ جُزْءًا شَائِعًا كَثُلُثٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاسِعِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَنَصُّهُ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي رَجُلٍ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِثُلُثِهِ فَوَجَدَ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَحُجُّ عَنْهُ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ الثُّلُثَ. قَالَ فِي الْبَيَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الثُّلُثُ وَاسِعًا حَمَلَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَجَّةً وَاحِدَةً، وَلَوْ كَانَ ثُلُثُهُ بِشَبَهِ أَنْ يَحُجَّ بِهِ حَجَّةً وَاحِدَةً رَجَعَ مَا بَقِيَ مِيرَاثًا كَمَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَرْبَعِينَ دِينَارًا اهـ، فَفُهِمَ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى كَوْنِ الْمَالِ وَاسِعًا أَوَّلًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَدَدِ وَالْجُزْءِ، وَفُهِمَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْوَاسِعِ وَغَيْرِهِ. (وَدُفِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمَالُ (الْمُسَمَّى) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ مُشَدَّدَةً جَمِيعُهُ عَدَدًا كَانَ كَأَرْبَعِينَ أَوْ جُزْءًا كَسُدُسِ مَالِي إنْ كَانَ قَدْرَ أُجْرَةِ الْحَجِّ بَلْ (وَإِنْ زَادَ) الْمُسَمَّى (عَلَى أُجْرَةِ) مِثْلِ (هـ) أَيْ: الْمُعَيَّنِ وَصِلَةُ دُفِعَ (لِ) شَخْصٍ (مُعَيَّنٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمُثَنَّاةِ بِالذَّاتِ أَوْ بِالْوَصْفِ سَوَاءٌ قَالَ فِي حَجَّةٍ أَوْ أَطْلَقَ، وَنَعْتُ مُعَيَّنٍ بِضَمٍّ (لَا يَرِثُ) الْمُعَيَّنُ الْمُوصِي بِالْفِعْلِ سَوَاءٌ كَانَ أَجْنَبِيًّا أَوْ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ كَالْخَالِ، أَوْ عَاصِبًا مَحْجُوبًا كَأَخٍ مَعَ ابْنٍ، وَهَذَا قَيْدٌ فِي الْمُبَالَغِ عَلَيْهِ فَقَطْ. وَأَمَّا قَدْرُ الْأُجْرَةِ فَيُدْفَعُ لَهُ وَإِنْ كَانَ وَارِثًا فَلَوْ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ الْوَاوَ الدَّاخِلَةَ عَلَى أَنْ لَكَانَ أَحْسَنَ، أَوْ تُجْعَلُ لِلْحَالِ وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ وَارِثًا أَوْ غَيْرُهُ وَقْتُ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ فِي بَابِهَا. أَوْ الْوَارِثُ يَصِيرُ غَيْرَ وَارِثٍ، وَعَكْسُهُ الْمُعْتَبَرُ مَالُهُ. وَمَفْهُومُ لَا يَرِثُ أَنَّ الْوَارِثَ لَا يَدْفَعُ لَهُ الْمُسَمَّى الزَّائِدَ عَلَى أُجْرَتِهِ وَنَعَتَ مُعَيَّنٍ بِجُمْلَةِ (فُهِمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (إعْطَاؤُهُ) أَيْ الزَّائِدَ عَلَى أُجْرَتِهِ (لَهُ) أَيْ: الْمُعَيَّنِ فَلَوْ لَمْ يُفْهَمْ إعْطَاؤُهُ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أُجْرَةُ مِثْلِهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْحَجِّ بِهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ وَيَرْجِعُ الْمُسَمَّى مِيرَاثًا قَالَهُ عب. الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ
[ ٢ / ٢١٧ ]
وَإِنْ عَيَّنَ غَيْرَ وَارِثٍ وَلَمْ يُسَمِّ: زِيدَ، إنْ لَمْ يَرْضَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ ثُلُثَهَا ثُمَّ تُرُبِّصَ، ثُمَّ أُوجِرَ لِلضَّرُورَةِ فَقَطْ، غَيْرُ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ،
_________________
(١) [منح الجليل] لِأَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ كَمَا إذَا عَيَّنَ غَيْرَ وَارِثٍ، وَلَمْ يُسَمِّ. وَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ زِيدَ إنْ لَمْ يَرْضَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ ثُلُثُهَا إلَخْ. وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَكُونُ الْجَمِيعُ لِلْمُوصَى لَهُ أَيْ: فُهِمَ إعْطَاؤُهُ أَوَّلًا إلَّا أَنْ يَرْضَى بِدُونِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْوَصِيَّةِ. (وَإِنْ عَيَّنَ) الْمُوصِي شَخْصًا لِلْحَجِّ عَنْهُ وَارِثًا فَلَا يُزَادُ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ شَيْئًا وَإِنْ عَيَّنَ شَخْصًا (غَيْرَ وَارِثٍ) فَإِنْ سَمَّى لَهُ شَيْئًا فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ (وَ) إنْ (لَمْ يُسَمِّ) قَدْرًا يُدْفَعُ لَهُ فِي حَجَّةٍ عَنْهُ فَإِنْ رَضِيَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا فَوَاضِحٌ وَ(زِيدَ) بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ: غَيْرُ الْوَارِثِ (إنْ لَمْ يَرْضَ) غَيْرُ الْوَارِثِ (بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ) وَنَائِبُ زِيدَ (ثُلُثُهَا) أَيْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فَإِنْ رَضِيَ فَوَاضِحٌ. (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَرْضَ أَيْضًا لَهَا مَزِيدًا عَلَيْهَا ثُلُثُهَا (تُرُبِّصَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَالرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مُثَقَّلَةً، أَيْ انْتَظَرَ سَنَةً أَوْ بِالِاجْتِهَادِ قَوْلَانِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُوصَى بِهِ صَرُورَةً أَمْ لَا (ثُمَّ) إنْ اسْتَمَرَّ مُمْتَنِعًا (أُوجِرَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْجِيمِ (لِ) لِشَخْصِ الْمُوصِي بِالْحَجِّ عَنْهُ (الصَّرُورَةِ) أَيْ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَيُطْلَقُ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ؛ لِأَنَّهُمَا صَرَّا دَرَاهِمَهُمَا لِلْحَجِّ وَالزَّوَاجِ غَالِبًا مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ غَيْرُ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ غَيْرِ الصَّرُورَةِ فَلَا يَسْتَأْجِرُ لَهُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيُورَثُ الْمَالُ كُلُّهُ قَالَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ رَدَّ الْمُعَيَّنِ كَرَدِّ الْوَصِيَّةِ مِنْ أَصْلِهَا. وَنَائِبُ فَاعِلِ أُوجِرَ (غَيْرُ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ) وَهَذَا شَرْطٌ فِي كُلِّ أَجِيرٍ لِلْحَجِّ عَنْ صَرُورَةٍ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهِ فَيُؤَاجِرُ لَهُ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّ غَيْرَ الصَّرُورَةِ إذَا عَيَّنَ قَدْرًا وَلَمْ يَرْضَ بِهِ الْوَصِيُّ لَهُ فَتَبْطُلُ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ قَدْرًا أُوجِرَ لَهُ بَعْدَ زِيَادَةِ الثُّلُثِ وَالِاسْتِيفَاءِ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا إنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ اسْتِئْجَارِهِمَا لَهُ لِعَدَمِ وُجُوبِ
[ ٢ / ٢١٨ ]
وَإِنْ امْرَأَةً.
وَلَمْ يَضْمَنْ وَصِيٌّ دَفَعَ لَهُمَا مُجْتَهِدًا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بِمَا سَمَّى مِنْ مَكَانِهِ حُجَّ مِنْ الْمُمْكِنِ وَلَوْ سَمَّى،
_________________
(١) [منح الجليل] الْحَجِّ عَلَيْهِ فَلَا يَضُرُّ إيجَارُهُمَا؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ فِي حَقِّهِ وَهُمَا مُخَاطَبَانِ بِهِ نَعَمْ يُشْتَرَطُ إسْلَامُهُمَا، وَتَمْيِيزُ الصَّبِيِّ قَالَهُ زَرُّوقٌ. الْحَطّ لَعَلَّ شَرْطَ التَّمْيِيزِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ فِي صِحَّةِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ إنْ كَانَ الْحُرُّ الْبَالِغُ رَجُلًا عَنْ مِثْلِهِ أَوْ عَنْ امْرَأَةٍ أَوْ امْرَأَةً عَنْ مِثْلِهَا بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (امْرَأَةً) عَنْ رَجُلٍ لِمُشَارَكَتِهَا لَهُ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ وَإِنْ خَالَفَتْهُ فِي مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ وَالرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ. (وَ) إنْ اسْتَأْجَرَ الْوَصِيُّ مَنْ يَحُجُّ عَنْ صَرُورَةٍ وَدَفْعِ الْمَالِ لَهُ ثُمَّ ظَهَرَ رَقِيقًا أَوْ صَبِيًّا (لَمْ يَضْمَنْ) الْأَوْلَى لَا يَضْمَنُ (وَصِيٌّ دَفَعَ) الْمَالَ الَّذِي سَمَّاهُ الْمُوصِي لِمَنْ يَحُجُّ عَنْهُ (لَهُمَا) أَيْ: الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ سَوَاءٌ حَجَّا بِهِ أَمْ لَا حَالَ كَوْنِ الْوَصِيِّ (مُجْتَهِدًا) أَوْ ظَانًّا أَنَّ الْعَبْدَ حُرٌّ لِبَيَاضِهِ وَفَصَاحَتِهِ مَثَلًا وَأَنَّ الصَّبِيَّ بَالِغٌ لِطُولِهِ وَغِلَظِهِ وَالتَّقْيِيدُ بِالِاجْتِهَادِ إنْ اسْتَأْجَرَهُمَا عَنْ صَرُورَةٍ لَمْ يَأْذَنْ فِي اسْتِئْجَارِهِمَا عَنْهُ، أَوْ غَيْرِهِ وَقَدْ مُنِعَ مِنْ اسْتِئْجَارِهِمَا عَنْهُ وَيَضْمَنُ الْعَبْدُ إنْ غُرَّ بِحُرِّيَّتِهِ وَصَارَتْ جِنَايَةً فِي رَقَبَتِهِ وَإِنْ سَمَّى الْمُوصِي مِقْدَارًا فَلَا يُزَادُ الْأَجِيرُ عَلَيْهِ وَيَحُجُّ عَنْهُ بِهِ مِنْ مَكَانِ إيصَائِهِ. (وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ) أَجِيرٌ يَحُجُّ عَنْهُ (بِمَا سَمَّى) الْمُوصِي لِمَنْ يَحُجُّ عَنْهُ (مِنْ مَكَانِهِ) أَيْ: مَحَلِّ مَوْتِهِ (حُجَّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا عَنْهُ (مِنْ) الْمَكَانِ (الْمُمْكِنِ) الْحَجُّ مِنْهُ عَنْهُ بِمَا سَمَّاهُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ مَكَانًا بَلْ (وَلَوْ سَمَّى) مَكَانًا لِلْحَجِّ مِنْهُ عَنْهُ بِهِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا قَالَ حُجُّوا
[ ٢ / ٢١٩ ]
إلَّا أَنْ يَمْنَعَ فَمِيرَاثٌ، وَلَزِمَهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ.
لَا الْإِشْهَادُ، إلَّا أَنْ يُعْرَفَ،
_________________
(١) [منح الجليل] عَنِّي مِنْ بَلَدِ كَذَا وَبِهِ مَاتَ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَعَلَيْهِ فَتَسْمِيَتُهُ غَيْرُ مَا مَاتَ بِهِ لَغْوٌ وَرَدَّ بِوَلَوْ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ يَرْجِعُ مِيرَاثًا وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ وَاَلَّذِي فِي الْمَتْنِ قَوْلُ أَشْهَبَ. وَفِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا وَلَا يُورَثُ فِي كُلِّ حَالٍ. (إلَّا أَنْ يَمْنَعَ) الْمُوصِي أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي سَمَّاهُ بِنَصٍّ كَلَا تَحُجُّوا عَنِّي إلَّا مِنْ مَكَانِ كَذَا أَوْ بِقَرِينَةٍ (فَ) الْمُسَمَّى (مِيرَاثٌ) وَلَا يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ الْمُمْكِنِ. (وَلَزِمَهُ) أَيْ: أَجِيرُ الْحَجِّ (الْحَجُّ بِنَفْسِهِ) إنْ نَصَّ الْمُوصِي عَلَى تَعْيِينِهِ كَاسْتَأْجَرْتُكَ لِلْحَجِّ بِنَفْسِك أَوْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى تَعْيِينِهِ كَكَوْنِهِ مِمَّنْ يَرْغَبُ فِيهِ لِعِلْمِهِ أَوْ صَلَاحِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِئْجَارُ غَيْرِهِ وَلَا يَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ. وَكَذَا إنْ لَمْ يَنُصَّ وَلَمْ يَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى تَعْيِينِهِ عَلَى مَا شَهَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا. وَقِيلَ تَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ فِي تَوْضِيحِهِ أَنَّهُ اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ. وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ تَمْكِينُ الْأَجِيرِ مِنْ الِاسْتِئْجَارِ لِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ وَقِيَامُ وَارِثِهِ مَقَامَهُ إذَا مَاتَ قَبْلَ التَّمَامِ وَعَدَمُهُمَا بِخِلَافِ أَجِيرِ غَيْرِ الْحَجِّ فِي هَذَا الْأَخِيرِ، وَيُصَلِّي النَّائِبُ رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ وَالطَّوَافِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ نِيَابَةً حَقِيقِيَّةً فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ كَفَتْهُ النِّيَّةُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَبَّيْكَ عَنْ فُلَانٍ. سَنَدٌ مَقْصُودُهُ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ عَنْ الْغَيْرِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كَانْعِقَادِهِ بِهَا عَنْ النَّفْسِ. (لَا) يَلْزَمُ الْأَجِيرُ عَلَى الْحَجِّ (الْإِشْهَادُ) عِنْدَ إحْرَامِهِ عَلَى أَنَّهُ أَحْرَمَ عَنْ فُلَانٍ إذَا كَانَ قَبَضَ الْأُجْرَةَ مُطْلَقًا أَوْ لَمْ يَقْبِضْهَا وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ وَحَلَفَ أَنَّهُ أَحْرَمَ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَظَاهِرُ سَنَدٍ تَصْدِيقُهُ بِلَا يَمِينٍ فَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا فَلَا بُدَّ مِنْ إشْهَادِهِ حَالَ إحْرَامِهِ أَنَّهُ عَنْ فُلَانٍ وَلَا تَكْفِيهِ يَمِينُهُ عَلَى هَذَا. وَهَذَا فِي إجَارَةِ الضَّمَانِ، وَأَمَّا الْبَلَاغُ فَيَفْسُدُ بِشَرْطِ تَأْخِيرِ الْأُجْرَةِ. (إلَّا أَنْ يُعْرَفَ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ الْإِشْهَادُ بَيْنَ النَّاسِ أَوْ يُشْتَرَطُ فَيَلْزَمُ وَلَا يُصَدَّقُ بِدُونِهِ وَلَوْ أَمِينًا وَحَلَفَ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَلَوْ قَبَضَهَا. وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْأَجِيرَ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ
[ ٢ / ٢٢٠ ]
وَقَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِيمَنْ يَأْخُذُهُ فِي حَجَّةٍ، وَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ حَجَّ عَنْهُ،
_________________
(١) [منح الجليل] بِنَفْسِهِ بَيَّنَ أَنَّهُ فِي الْمَضْمُونَةِ بِذَاتِهِ وَأَنَّ الْمَضْمُونَةَ بِذِمَّتِهِ إذَا مَاتَ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ أَوْ اسْتَأْجَرَ غَيْرَهُ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ الْأُجْرَةِ فَلَهُ وَإِنْ نَقَصَتْ فَعَلَيْهِ فَقَالَ (وَقَامَ وَارِثُهُ) أَيْ: الْأَجِيرِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ (مَقَامَهُ) أَيْ: الْأَجِيرِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ فِي تَتْمِيمِ الْحَجِّ أَوْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يُتَمِّمْهُ. (فِي) قَوْلِ الْمُوصِي ادْفَعُوا كَذَا دِينَارًا لِ (مَنْ يَأْخُذُ فِي حِجَّةٍ) بِكَسْرِ الْحَاءِ عَلَى الْأَشْهَرِ وَسُمِعَ فَتْحُهَا أَيْضًا فَرَضِيَ إنْسَانٌ يَأْخُذُهُ فِيهَا وَمَاتَ قَبْلَ تَمَامِهَا فَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِمَوْتِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَوْفًى مِنْهُ لِعَدَمِ تَعْيِينِهِ وَالْإِجَارَةُ إنَّمَا تَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الْمُسْتَوْفِي مِنْهُ الْمُعَيَّنُ وَيَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فَيَحُجُّ بِنَفْسِهِ أَوْ يَسْتَأْجِرُ مَنْ يَحُجُّ وَلَهَ الْفَضْلُ، وَعَلَيْهِ النَّقْصُ وَيَسْتَأْنِفُ الْقَائِمُ الْإِحْرَامَ سَوَاءٌ كَانَ وَارِثًا أَوْ غَيْرَهُ وَلَا يُكَمِّلُ عَلَى مَا فَعَلَهُ الْأَوَّلُ مِنْ الْمَوْضِعِ الْمُشْتَرِطِ الْإِحْرَامُ مِنْهُ أَوْ مِنْ مِيقَاتِ الْمُسْتَأْجِرِ حَيْثُ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَإِلَّا فَمِنْ مَوْضِعٍ يُدْرِكُ مِنْهُ. (وَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ) أَيْ الْمُسْتَنِيبِ الَّذِي (حُجَّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا (عَنْهُ) حَيًّا أَوْ مَيِّتًا وَلَا نَفْلُهُ أَيْضًا فَمَفْهُومُ فَرْضٍ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ. فَلَوْ قَالَ: وَلَا يُكْتَبُ لِمَنْ حُجَّ عَنْهُ غَيْرَ أَجْرِ النَّفَقَةِ وَالدُّعَاءِ لَشَمِلَهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ النِّيَابَةَ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَصَحَّتْ النِّيَابَةُ فِيهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِغَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ وَنَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ لِشَائِبَةِ الْمَالِ كَنِيَابَةِ إمَامِ الصَّلَاةِ مَنْ يُصَلِّي عَنْهُ فَلَا يَسْقُطُ فَرْضُ الْإِمَامِ بِفِعْلِ النَّائِبِ، وَصَحَّتْ لِلْمَالِ وَمُلَازَمَةُ الْمَحَلِّ الَّذِي صَلَّى فِيهِ وَيَكْتُبُ نَافِلَةً لِلْأَجِيرِ عَلَى مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْحَطّ. هُنَا عَنْ سَنَدٍ وَابْنِ فَرْحُونٍ وَالْمَوَّاقِ عَنْ الْقَرَافِيِّ. وَقَالَ الْحَطّ عِنْدَ قَوْلِهِ كَتَمَتُّعٍ بِقِرَانٍ تَنْبِيهٌ صَرَّحَ صَاحِبُ الطِّرَازِ بِأَنَّ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى شَيْءٍ فَخَالَفَ مَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ نَوَاهُ عَنْ غَيْرِهِ وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّهُ لَا يُثَابُ الْإِنْسَانُ إلَّا عَلَى مَا نَوَى لِقَوْلِهِ - ﷺ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . وَأُجِيبُ بِاسْتِثْنَاءِ هَذَا مِنْ الْحَدِيثِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ. الْمِسْنَاوِيُّ الْحَقُّ أَنَّ نِيَّةَ الْحَجِّ هُنَا مَوْجُودَةٌ وَالْخَلَلُ إنَّمَا هُوَ فِي مُتَعَلِّقِهَا وَهُوَ كَوْنُهُ عَنْ فُلَانٍ، وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ كَقَوْلِهِمْ فِي إخْرَاجِ بَعْضِ الْمُسْتَبَاحِ.
[ ٢ / ٢٢١ ]
وَلَهُ أَجْرُ النَّفَقَةِ وَالدُّعَاءِ.
وَرُكْنُهُمَا
_________________
(١) [منح الجليل] (وَلَهُ) أَيْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ (أَجْرُ النَّفَقَةِ) الَّتِي أَنْفَقَهَا الْأَجِيرُ فِي الْحَجِّ عَنْهُ (وَ) لَهُ أَجْرُ حَمْلِهِ عَلَى (الدُّعَاءِ) وَلَوْ لِنَفْسِ الْأَجِيرِ بِدُنْيَوِيٍّ فَيَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ حَمْلِهِ عَلَى الْخُضُوعِ وَالتَّضَرُّعِ لِلَّهِ تَعَالَى لِخَبَرِ «الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ» وَمُتَعَلَّقِهِ، وَهُوَ مَطْلُوبُ الْأَجِيرِ لَهُ. ابْنُ فَرْحُونٍ ثَوَابُ الْحَجِّ لِلْحَاجِّ وَإِنَّمَا لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ بَرَكَةُ الدُّعَاءِ وَثَوَابُ الْمُسَاعِدَةِ. (وَرُكْنُهُمَا) أَيْ: الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الْمُشْتَرِكُ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةٌ الْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ، وَفِي هَذَا خِلَافٌ مَشْهُورُهُ رُكْنِيَّتُهُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. وَرَوَى ابْنُ الْقَصَّارِ أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَإِنَّهُ وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ وَلِلْحَجِّ. رُكْنٌ رَابِعٌ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَزَادَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الْوُقُوفُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَرَمْيُ الْعَقَبَةِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْأَوَّلَ مَنْدُوبٌ وَالثَّانِي وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلًا بِرُكْنِيَّةِ طَوَافِ الْقُدُومِ وَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، بَلْ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ. وَاخْتُلِفَ فِي اثْنَيْنِ خَارِجَ الْمَذْهَبِ وَهُمَا النُّزُولُ بِمُزْدَلِفَةَ وَالْحَلْقُ. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ يَنْجَبِرَانِ بِالدَّمِ فَهَذِهِ تِسْعٌ بَعْضُهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ أَوْ خَارِجُهُ فَيَنْبَغِي نِيَّةُ الرُّكْنِيَّةِ بِهَا لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَلْيُكْثِرْ الثَّوَابَ أَشَارَ لَهُ الشَّبِيبِيُّ. وَأَفْعَالُ الْخَيْرِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَرْكَانٌ وَوَاجِبَاتٌ وَسُنَنٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ فَرَائِضُ وَسُنَنٌ وَفَضَائِلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فُرُوضٌ وَوَاجِبَاتٌ وَسُنَنٌ. فَالْأَوَّلُ: مَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ دَمٌ وَلَا غَيْرُهُ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَفُوتُ الْحَجُّ بِفَوَاتِهِ وَلَا يُؤْمَرُ بِشَيْءٍ وَهُوَ الْإِحْرَامُ وَقِسْمٌ يَفُوتُ الْحَجُّ بِفَوَاتِهِ وَيُؤْمَرُ بِالتَّحَلُّلِ بِعُمْرَةٍ وَالْقَضَاءِ فِي قَابِلٍ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ. وَقِسْمُ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْ الْإِحْرَامِ إلَّا بِفِعْلِهِ وَلَوْ وَصَلَ إلَى أَقْصَى الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ لِفِعْلِهِ وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ. وَالثَّانِي: مَا يُطْلَبُ الْإِتْيَانُ بِهِ وَإِنْ تَرَكَهُ لَزِمَهُ هَدْيٌ كَطَوَافِ الْقُدُومِ وَالتَّلْبِيَةِ وَجَزَمَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِالتَّأْثِيمِ بِتَرْكِهِ عَمْدًا وَكَذَا ابْنُ فَرْحُونٍ وَتَرَدَّدَ الطُّرْطُوشِيُّ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ
[ ٢ / ٢٢٢ ]
الْإِحْرَامُ، وَوَقْتُهُ لِلْحَجِّ شَوَّالٌ لِآخِرِ الْحِجَّةِ وَكُرِهَ قَبْلَهُ كَمَكَانِهِ وَفِي رَابِغَ تَرَدُّدٌ.
وَصَحَّ.
_________________
(١) [منح الجليل] مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ قَالَ بِتَأْثِيمِهِ، وَمَنْ قَالَ بِسُنِّيَّتِهِ قَالَ بِكَرَاهَتِهِ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا لَا دَمَ وَلَا إثْمَ فِي تَرْكِهِ كَغُسْلِ الْإِحْرَامِ وَرُكُوعِهِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ. (الْإِحْرَامُ) أَيْ: الدُّخُولُ بِالنِّيَّةِ فِي حُرْمَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (وَوَقْتُهُ) أَيْ: الْإِحْرَامِ بِالنِّسْبَةِ لِإِنْشَائِهِ (لِلْحَجِّ شَوَّالٌ) وَيَمْتَدُّ لِقُرْبِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَبِالنِّسْبَةِ لِلتَّحَلُّلِ مِنْهُ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ (لِآخِرِ) شَهْرِ (الْحِجَّةِ) وَالْأَفْضَلُ لِأَهْلِ مَكَّةَ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ مِنْ أَوَّلِ الْحِجَّةِ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيهَا. وَقَالَ فِي غَيْرِهَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ (وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ. (قَبْلَهُ) أَيْ: شَوَّالٍ صَادِقٌ بِيَوْمِ النَّحْرِ وَمَا بَعْدَهُ إلَى شَوَّالٍ. وَشَبَّهَ فِي الْكَرَاهَةِ فَقَالَ (كَ) الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ قَبْلَ وُصُولِ (مَكَانِهِ) أَيْ: الْإِحْرَامِ الْآتِي بَيَانُهُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَالْجُحْفَةِ وَنَحْوِهِمَا فَيُكْرَهُ (وَ) فِي كَرَاهَةِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ (فِي رَابِغٍ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ قَرْيَةٌ بِسَاحِلِ الْقُلْزُم؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ الْجُحْفَةِ الَّتِي هِيَ الْمِيقَاتُ لِأَهْلِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَنَحْوِهِمْ قَالَهُ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ، وَعَدَمُ كَرَاهَتِهِ فِيهَا لِمُحَاذَاتِهَا الْجُحْفَةَ قَالَهُ الْمَنُوفِيُّ (تَرَدُّدٌ) لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْحُكْمِ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ. . (وَصَحَّ) الْإِحْرَامُ قَبْلَ مِيقَاتِهِ الزَّمَانِيِّ وَقِيلَ مِيقَاتِهِ الْمَكَانِيِّ وَفِي رَابِغٍ وَذَكَرَ هَذَا. وَإِنْ عُلِمَ مِنْ الْكَرَاهَةِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَلِدَفْعِ تَوَهُّمِ حَمْلِهَا عَلَى الْمَنْعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَهُ إحْرَامٌ وَتَحَلُّلٌ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ أَنَّ الْحَجَّ لَا يُمْكِنُ فَرَاغُهُ قَبْلَ وَقْتِهِ؛ إذْ مِنْ أَرْكَانِهِ وُقُوفُ عَرَفَةَ لَيْلَةَ الْعِيدِ الْأَكْبَرِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ وَقْتِهَا فَيُمْكِنُ فَرَاغُهَا قَبْلَهُ وَبَحَثَ فِيهِ بِاقْتِضَائِهِ صِحَّةَ الصَّلَاةِ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ وَقْتِهَا بِمِقْدَارِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَقَطْ وَفَعَلَ بَاقِيَهَا بِوَقْتِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَفَرَّقَ عَبْدُ الْحَقِّ بِمُبَايِنَةِ الْحَجِّ الصَّلَاةَ فِي أُمُورٍ شَتَّى وَرَدَّ بِأَنَّهُ وَإِنْ بَايَنَهَا بِجَامِعِهَا فِي
[ ٢ / ٢٢٣ ]
لِلْعُمْرَةِ أَبَدًا إلَّا لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ فَلِتَحَلُّلِهِ.
وَكُرِهَ بَعْدَهُمَا وَقَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ.
_________________
(١) [منح الجليل] الْإِحْرَامِ وَالتَّحَلُّلِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ. وَفَرَّقَ سَالِمٌ بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] يُفِيدُ أَنَّ سَائِرَ الْأَهِلَّةِ مِيقَاتٌ لِلْحَجِّ فَيُقَيَّدُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] بَيَانُ الْوَقْتِ الْكَامِلِ الَّذِي لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، فَالْإِحْرَامُ بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا شَرْطُ صِحَّةِ وَبِالْحَجِّ فِي وَقْتِهِ شَرْطُ كَمَالِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَرَوَى اللَّخْمِيُّ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَدَمَ انْعِقَادِهِ قَبْلَ وَقْتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] لِوُجُوبِ انْحِصَارِ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ فَيَجِبُ حَصْرُ الْحَجِّ فِي الْأَشْهُرِ، فَالْإِحْرَامُ بِأَقْبَلِهَا كَالْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا فَلَا يَنْعَقِدُ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمَحْصُورَ فِي الْأَشْهُرِ الْمَعْلُومَاتِ الْحَجُّ الْكَامِلُ الَّذِي لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، وَاَلَّذِي فِي آيَةِ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] الْحَجُّ، الْحَجُّ الشَّامِلُ لِلْكَامِلِ وَالْمَكْرُوهُ جَمْعًا بَيْنَ الْآيَتَيْنِ. (وَ) وَقْتُهُ بِالنِّسْبَةِ (لِلْعُمْرَةِ أَبَدًا) أَيْ فِي أَيْ: وَقْتِ مِنْ السَّنَةِ (إلَّا لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ) مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا فَيُمْنَعُ إحْرَامُهُ بِهَا وَلَا يَنْعَقِدُ وَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا وَيَسْتَمِرُّ الْمَنْعُ (لِتَحَلُّلِهِ) مِنْ جَمِيعِ أَفْعَالِ الْحَجِّ أَيْ فَرَاغِهِ مِنْ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ، وَرَمْيِ الرَّابِعِ لِغَيْرِ مُتَعَجِّلٍ وَمَضَى قَدْرِهِ لِمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ، وَهُوَ قَدْرُ زَمَنِهِ عَقِبَ زَوَالِ الرَّابِعِ. (وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْإِحْرَامُ بِهَا (بَعْدَهُمَا) أَيْ: تَحَلُّلَيْ الْحَجِّ الْأَصْغَرِ وَهُوَ رَمْيُ الْعَقَبَةِ وَالْأَكْبَرِ وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ إنْ كَانَ سَعَى عَقِبَ قُدُومِهِ وَإِلَّا فَهُوَ فَرَاغُ السَّعْيِ (وَقَبْلَ غُرُوبِ) الْيَوْمِ (الرَّابِعِ) فَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا حِينَئِذٍ صَحَّ إحْرَامُهُ لَكِنْ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْهَا إلَّا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِنْ فَعَلَ قَبْلَهُ شَيْئًا فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ فَلَوْ تَحَلَّلَ مِنْهَا قَبْلَهُ وَوَطِئَ فَقَدْ أَفْسَدَهَا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُهَا وَقَضَاؤُهَا عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ، وَيَسْتَمِرُّ خَارِجُ الْحَرَمِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ لِلرَّابِعِ وَلَا يَدْخُلُهُ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ بِسَبَبِهَا عَمَلٌ لَهَا وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا مِنْهَا حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ. الْحَطّ وَالظَّاهِرُ عَلَى بَحْثِهِ أَنَّ دُخُولَهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَغْوٌ فَيَرْجِعُ لِلْحِلِّ لِيَدْخُلَ مِنْهُ بَعْدَهُ وَلَمْ
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وَمَكَانُهُ لَهُ لِلْمُقِيمِ بِمَكَّةَ.
وَنُدِبَ الْمَسْجِدُ: كَخُرُوجِ ذِي التَّفَثِ لِمِيقَاتِهِ.
وَلَهَا وَلِلْقِرَانِ: الْحِلُّ،
_________________
(١) [منح الجليل] أَرَهُ مَنْصُوصًا، وَاعْتَرَضَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَقْتَضِي صِحَّةَ إحْرَامِهِ بِهَا بَعْدَ الْإِفَاضَةِ وَقَبْلَ رَمْيِ الرَّابِعِ لِغَيْرِ الْمُتَعَجِّلِ أَوْ قَدْرَ رَمْيِهِ عَقِبَ زَوَالِهِ لِلْمُتَعَجِّلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّ قَوْلَهُ يَحُجُّ لَا مَفْهُومَ لَهُ فَمَفْهُومُهُ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ. وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ أَرَادَ مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ لِقَوْلِهِ الْآتِي وَلَغَا عُمْرَةً عَلَيْهِ كَالثَّانِي فِي حَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ. (وَمَكَانُهُ) أَيْ: الْإِحْرَامِ (لَهُ) أَيْ: لِلْحَجِّ غَيْرِ قِرَانٍ (لِلْمُقِيمِ بِمَكَّةَ) سَوَاءٌ كَانَتْ إقَامَتُهُ تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ أَمْ لَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ وَإِنْ كَانَتْ قَاصِرَةً فِي الصَّلَاةِ عَلَى الَّتِي تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ وَخَبَرُ مَكَانَةِ مَكَّةَ أَيْ: الْأَوْلَى لِلْمُتَوَطِّنِ وَالْمُقِيمِ غَيْرِ ذِي النَّفَسِ لَا الْمُتَعَيِّنِ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ خَارِجَهَا فَقَدْ خَالَفَ الْأَوْلَى وَلَا دَمَ عَلَيْهِ. وَالْمُتَمَتِّعُ عَلَيْهِ دَمٌ لِتَمَتُّعِهِ لَا لِإِحْرَامِهِ خَارِجَ مَكَّةَ فَلَيْسَتْ مِيقَاتًا لِلْمُقِيمِ بِهَا بِدَلِيلِ إحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ وَالْقِرَانُ مِنْ الْحِلِّ، وَلَوْ كَانَتْ مِيقَاتًا لَهُ لَأَحْرَمَ بِهِمَا مِنْهَا لِاسْتِوَاءِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي الْمِيقَاتِ وَمِثْلُ أَهْلِ مَكَّةَ أَهْلُ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُقِيمَ مَعَهُمْ مِثْلُهُمْ. (وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ مِمَّنْ بِمَكَّةَ (بِالْمَسْجِدِ) الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْكَعْبَةِ أَيْ: فِيهِ كَمَا فِيهَا. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ بِبَابِهِ لَوَضَعَهُ لِلصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ لَا لِلْإِحْرَامِ وَيُحْرِمُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ وَيُلَبِّي وَهُوَ فِيهِ، وَلَا يُؤْمَرُ أَنْ يَقُومَ مِنْ مُصَلَّاهُ وَلَا أَنْ يَتَقَدَّمَ إلَى الْبَيْتِ وَلَا إلَى مَا تَحْتَ الْمِيزَابِ وَشَبَّهَ فِي النَّدْبِ فَقَالَ (كَخُرُوجِ) الْغَرِيبِ الْمُقِيمِ بِمَكَّةَ (ذِي) أَيْ: صَاحِبِ (النَّفَسِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْ: الزَّمَنِ الَّذِي يَسَعُ سَفَرَهُ إلَى مِيقَاتِهِ وَالْإِحْرَامَ مِنْهُ وَالْعَوْدَ بِمَكَّةَ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَصِلَةُ خُرُوجٍ (لِمِيقَاتِهِ) لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مِنْهُ فَهُوَ مَنْدُوبٌ. (وَ) مَكَانُهُ (لَهَا) أَيْ الْعُمْرَةِ لِلْمُقِيمِ بِمَكَّةَ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا أَمْ لَا (وَ) مَكَانُهُ لِمَنْ ذُكِرَ (لِلْقِرَانِ) أَيْ: الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا (الْحِلُّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَشَدِّ اللَّامِ أَيْ الْأَرْضُ الَّتِي يَجُوزُ الِاصْطِيَادُ بِهَا لِيَجْمَعَ فِي إحْرَامِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَلَا
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وَالْجِعْرَانَةُ أَوْلَى، ثُمَّ التَّنْعِيمِ،.
وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ أَعَادَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ بَعْدَهُ، وَأَهْدَى إنْ حَلَقَ.
_________________
(١) [منح الجليل] يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِأَحَدِهِمَا فِي الْحَرَمِ وَلَكِنْ يَنْعَقِدُ إنْ وَقَعَ وَلَا دَمَ فِيهِ (وَالْجِعْرَانَةُ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ أَوْ كَسْرِهَا وَشَدِّ الرَّاءِ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ مِنْهَا (أَوْلَى) مِنْ الْإِحْرَامِ بِهَا مِنْ بَاقِي الْحِلِّ لِاعْتِمَارِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ حِينَ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ اعْتَمَرَ مِنْهَا ثَلَثُمِائَةِ نَبِيٍّ. (ثُمَّ) يَلِي الْجِعْرَانَةَ فِي نَدْبِ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ مِنْهَا (التَّنْعِيمُ) وَيُسَمَّى مَسَاجِدَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لِاعْتِمَارِهَا مِنْهُ مَعَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِأَمْرِهِ - ﷺ - وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا النَّوَادِرَ وَاَلَّذِي فِي مَنَاسِكِهِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ كَمَا فِي الشَّارِحِ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَقَدْ سَوَّى بَيْنَهُمَا ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ. وَأَمَّا الْقِرَانُ فَإِفْرَادُ الْحِلِّ كُلُّهَا لَهُ سَوَاءٌ. (وَإِنْ) أَحْرَمَ الْمُقِيمُ بِمَكَّةَ بِعُمْرَةٍ أَوْ قِرَانٍ فِيهَا انْعَقَدَ إحْرَامُهُ وَوَجَبَ الْخُرُوجُ لِلْحِلِّ قَبْلَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ خُرُوجِهِ لِمِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَإِنْ (لَمْ يَخْرُجْ) لَهُ وَطَافَ وَسَعَى لِلْعُمْرَةِ فَهُمَا فَاسِدَانِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لَهُ (وَأَعَادَ) وُجُوبًا (طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ بَعْدَهُ) أَيْ: الْخُرُوجِ لِلْحِلِّ وَالْقَارِنُ مِنْ الْحَرَمِ إنْ لَمْ يَخْرُجْ عَقِبَ إحْرَامِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ أَيْضًا. وَلَكِنْ لَا يُعِيدُ طَوَافًا وَلَا سَعْيًا؛ إذْ لَا يُخَاطِبُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ قَبْلَ خُرُوجِهِ لِمِنًى لِانْدِرَاجِ طَوَافِ عُمْرَتِهِ وَسَعْيِهَا فِي طَوَافِ الْحَجِّ وَسَعْيِهِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ ثُمَّ رَجَعَ وَطَافَ لِلْإِفَاضَةِ وَسَعَى أَجْزَأَهُ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ قَالَهُ الْحَطّ. فَإِنْ قُلْت لِمَ أَمَرَ الْقَارِنَ مِنْ الْحَرَمِ بِخُرُوجِهِ لِلْحِلِّ وَلَمْ يَكْتَفِ بِخُرُوجِهِ لِعَرَفَةَ. قُلْت لِيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا لِلْعُمْرَةِ وَخُرُوجُهُ لِعَرَفَةَ خَاصٌّ بِالْحَجِّ وَأَجْزَأَ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِانْدِرَاجِ الْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ. (وَأَهْدَى) أَيْ افْتَدَى بِشَاةٍ فَأَعْلَى أَوْ إطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّانِ أَوْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وُجُوبًا (إنْ حَلَقَ) رَأْسَهُ عَقِبَ سَعْيِ عُمْرَتِهِ مُتَحَلِّلًا مِنْهَا بِهِ لِحَلْقِهِ قَبْلَ
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وَإِلَّا فَلَهُمَا: ذُو الْحُلَيْفَةِ وَالْجُحْفَةُ وَيَلَمْلَمُ وَقَرْنٌ وَذَاتُ عِرْقٍ، وَمَسْكَنٌ دُونَهَا،
_________________
(١) [منح الجليل] طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَسَعْيِهَا لِفَسَادِهَا قَبْلَ خُرُوجِهِ لِلْحِلِّ وَالْمَعْدُومُ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقِيمًا بِمَكَّةَ وَمَا فِي حُكْمِهَا (فَ) مَكَانُ الْإِحْرَامِ (لَهُمَا) أَيْ: الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (ذُو الْحُلَيْفَةِ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ قَرْيَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ بِأَنْوَارِ النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوُ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَبِهَا مَسْجِدٌ يُسَمَّى مَسْجِدَ الشَّجَرَةِ وَبِئْرٍ تُسَمِّيهِ الْعَوَامُّ بِئْرَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ قَاتَلَ الْجِنَّ بِهَا وَهَذَا غَيْرُ ثَابِتٍ، وَلَا يُرْمَى بِهِ حَجَرٌ وَلَا غَيْرُهُ كَفِعْلِ الْجَاهِلِينَ وَهَذَا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ. (وَالْجُحْفَةُ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَلَدٌ أَجْحَفَهَا السَّيْلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَمَانِ مَرَاحِلَ لِأَهْلِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْمَغْرِبِ وَالرُّومِ وَالسُّودَانِ (وَيَلَمْلَمُ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ الْمِيمِ الْأُولَى وَيُقَالُ فِيهَا أَلَمْلَمُ بِالْهَمْزِ بَدَلُ الْمُثَنَّاةِ وَيَرَمْرَمُ بِرَاءَيْنِ بَدَلُ اللَّامَيْنِ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ لِأَهْلِ الْيَمَنِ وَالْهِنْدِ (وَقَرْنٌ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَيُقَالُ لَهَا قَرْنُ الْمَنَازِلِ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ لِأَهْلِ نَجْدِ الْيَمَنِ وَنَجْدِ الْحِجَازِ، قَالُوا وَهِيَ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ لِمَكَّةَ وَأَصْلُ الْقَرْنِ مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ وَفِي الْإِكْمَالِ أَصْلُ الْقَرْنِ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ الْمُسْتَطِيلُ الْمُنْقَطِعُ عَنْ الْجَبَلِ الْكَبِيرِ. (وَذَاتُ عِرْقٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ آخِرُهُ قَافٌ قَرْيَةٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ يُقَالُ: إنَّهَا تَحَوَّلَتْ إلَى جِهَةِ مَكَّةَ فَيَتَحَرَّى الْقَرْيَةَ الْقَدِيمَةَ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ عَلَامَاتِهَا الْمَقَابِرُ الْقَدِيمَةُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ وَفَارِسَ وَخُرَاسَانَ وَالْمَشْرِقِ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ. (وَ) مَكَانُهُ لَهُمَا (مَسْكَنٌ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ مُنَوَّنًا أَيْ: مَحَلٌّ مَسْكُونٌ (دُونَهَا) أَيْ: الْمَوَاقِيتُ السَّابِقَةُ لِجِهَةِ مَكَّةَ لَا لِجِهَةِ الْقُطْرِ الْمُقَابِلِ لَهَا أَيْ: أَقْرَبُ مِنْهَا لِمَكَّةَ مُتَوَسِّطًا بَيْنَهُمَا كَقُدَيْدٍ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَعُسْفَانُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ السِّينِ وَمَرُّ الظَّهْرَانِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَشَدِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَالَةِ، أَيْ: مِنْ مَسْكَنِهِ بَيْنَ الْمِيقَاتِ
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وَحَيْثُ حَاذَى وَاحِدًا، أَوْ مَرَّ وَلَوْ بِبَحْرٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَمَكَّةَ كَأَهْلِ الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ فَمِيقَاتُهُ الَّذِي يُحْرِمُ فِيهِ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا أَوْ الْعُمْرَةِ بَلَدُهُ الَّذِي هُوَ سَاكِنُهُ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْأَبْعَدِ لِمَكَّةَ مِنْ دَارِهِ أَوْ الْمَسْجِدِ وَتَأْخِيرِ إحْرَامِهِ عَنْ بَلَدِهِ كَتَأْخِيرِهِ عَنْ الْمِيقَاتِ فِي إيجَابِ الْهَدْيِ أَيْ كَانَ مَسْكَنُهُ فِي الْحِلِّ، وَإِنْ كَانَ بِالْحَرَمِ وَأَرَادَ الْقِرَانَ أَوْ الْعُمْرَةَ فَلَا يُحْرِمُ مِنْهُ بَلْ مِنْ الْحِلِّ. فَإِنْ سَافَرَ حَتَّى تَعَدَّى الْمِيقَاتُ ثُمَّ رَجَعَ نَاوِيًا الْإِحْرَامَ فَكَمِصْرِيٍّ مَرَّ بِالْحُلَيْفَةِ نَاوِيًا الْإِحْرَامَ فَالْمَنْدُوبُ إحْرَامُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخَّرَهُ إلَى مَسْكَنِهِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَدُونَ مَنْصُوبٌ صِلَةُ مَحْذُوفٍ نَعْتِ مَسْكَنٍ. (وَ) مَكَانُهُ لَهُمَا أَيْضًا (حَيْثُ) أَيْ: مَكَانُ (حَاذَى) أَيْ: قَابَلَ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا (وَاحِدٌ) مِنْ الْمَوَاقِيتِ السَّابِقَةِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ أَتَى مِنْ خَارِجِ الْمَوَاقِيتِ مُرِيدًا مَكَّةَ وَلَمْ يَأْتِ عَلَى نَفْسِ الْمِيقَاتِ وَوَصَلَ إلَى مَكَان مُحَاذٍ لَهُ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْهُ وَلَا يَلْزَمُهُ السَّيْرُ إلَى نَفْسِ الْمِيقَاتِ لِلْإِحْرَامِ مِنْهُ، وَرُبَّمَا تَكُونُ الْمَسَافَةُ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِيقَاتِ كَالْمَسَافَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ فَتَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ وَأَخْرَجَ حَيْثُ عَنْ نَصْبِ الظَّرْفِيَّةِ إلَى رَفْعِ الْخَبَرِيَّةِ عَلَى تَصَرُّفِهَا وَهُوَ نَادِرٌ. وَعَطَفَ عَلَى جُمْلَةِ حَاذَى فَقَالَ (أَوْ مَرَّ) مُرِيدُ الْإِحْرَامِ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ فَيَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ وَإِنْ تَعَدَّاهُ وَأَحْرَمَ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ إنْ لَمْ يَكُنْ مِيقَاتُهُ أَمَامَهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ أَتَى مِنْ خَارِجِ مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ السَّابِقَةِ وَمَرَّ بِهِ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ كَمِصْرِيٍّ مَرَّ بِيَلَمْلَمَ أَوْ قَرْنٍ أَوْ ذَاتِ عِرْقٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْهُ، هَذَا إذَا حَاذَاهُ بِبَرٍّ بَلْ (وَلَوْ) حَاذَاهُ (بِبَحْرٍ) مِلْحٍ وَهُوَ مُسَافِرٌ لِجُدَّةِ فِي سَفِينَةٍ فَيُحْرِمُ إذَا حَاذَى الْمِيقَاتَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ - مَنْ أَتَى بَحْرًا إلَى جُدَّةَ فَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ إذَا حَاذَى الْجُحْفَةَ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَشَبَهِهَا اهـ. وَنَقَلَهُ جَمَاعَةٌ وَأَبْقَوْهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ عُمُومِهِ بَحْرِ عَيْذَابٍ وَهُوَ بَحْرُ الْقُصَيْرِ وَبَحْرُ الْقَلْزَمِ وَهُوَ بَحْرُ السُّوَيْسِ. وَنَقَلَهُ سَنَدٌ وَقَيَّدَهُ بِالْمُسَافِرِ فِي بَحْرِ الْقَلْزَمِ، قَالَ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي عَلَى سَاحِلِ
[ ٢ / ٢٢٨ ]
إلَّا كَمِصْرِيٍّ يَمُرُّ بِالْحُلَيْفَةِ
_________________
(١) [منح الجليل] الْجُحْفَةِ ثُمَّ يَتْرُكُهَا خَلْفَهُ وَيَتَجَاوَزُهَا إلَى جُدَّةَ وَلَمْ يَكُنْ السَّفَرُ فِي عَيْذَابٍ مَعْرُوفًا فِي زَمَنِ الْإِمَامِ وَمَنْ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَرْضَ مَجُوسٍ. وَأَمَّا الْيَوْمُ فَمَنْ سَافَرَ فِيهِ فَلَا يُحْرِمُ حَتَّى يَخْرُجَ لِلْبَرِّ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ قَبْلَ مِيقَاتِ أَهْلِ الشَّامِ أَوْ الْيَمَنِ فَلَا يُحْرِمُ حَتَّى يَصِلَ مِيقَاتُهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِتَأْخِيرِهِ لِلْبَرِّ؛ لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِهِ عِنْدَ مُحَاذَاةِ الْمِيقَاتِ تَغْرِيرًا وَارْتِكَابَ خَطَرٍ؛ إذْ رُبَّمَا رَدَّتْهُ الرِّبْحُ فَيَبْقَى مُحْرِمًا عُمْرَهُ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْحَرَجِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَمِثْلُ هَذَا لَوْ وَجَبَ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ فِيهِ شَيْءٌ وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ التَّأْخِيرِ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى لُزُومِهِ وَلَا دَلِيلَ. وَأَمَّا مَنْ سَافَرَ فِي بَحْرِ الْقَلْزَمِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ بِتَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ إلَى جُدَّةَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى النُّزُولِ إلَى الْبَرِّ وَالْإِحْرَامِ مِنْ نَفْسِ الْجُحْفَةِ لَكِنْ لِمَضَرَّةِ النُّزُولِ بِمُفَارَقَةِ الرَّحْلِ وَالْخَطَرِ بِخَوْفِ رَدِّ الرِّيحِ إنْ أَحْرَمَ فِي السَّفِينَةِ يُبَاحُ لَهُ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ لِجُدَّةِ وَعَلَيْهِ الدَّمُ نَظِيرَ مَمْنُوعَاتِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهَا تُبَاحُ لِلضَّرُورَةِ مَعَ الدَّمِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ فِي بَحْرِ عَيْذَابٍ لَا يُمْكِنُهُ النُّزُولُ لِلْبَرِّ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ عِنْدَ مُحَاذَاةِ الْمِيقَاتِ فَيُؤَخِّرُهُ إلَى جُدَّةَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا. وَأَمَّا مَنْ فِي بَحْرِ الْقَلْزَمِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِمُحَاذَاةِ الْمِيقَاتِ لِإِمْكَانِ نُزُولِهِ بِالْبَرِّ لَكِنْ لِلْمَشَقَّةِ يَسْقُطُ عَنْهُ الْوَاجِبُ، وَيُرَخَّصُ لَهُ فِي تَأْخِيرِهِ إلَى جُدَّةَ وَعَلَيْهِ الدَّمُ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ. الْحَطّ قَبْلَ تَقْيِيدِ سَنَدٍ هَذَا الْقَرَافِيُّ وَابْنُ عَرَفَةَ وَخَلِيلٌ وَابْنِ فَرْحُونٍ وَأَفْتَى بِهِ وَالِدُهُ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى فَتْوَاهُ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَلَكِنْ الْمُصَنِّفُ مَشَى عَلَى خِلَافِهِ وَرَدَّهُ بِوَلَوْ بِبَحْرٍ وَرَدَّ بِهِ أَيْضًا رِوَايَةَ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَا يُحْرِمُ الْمُسَافِرُ فِي السُّفُنِ فَالْمُبَالَغَةُ فِي حَاذَى فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُهَا عَلَى أَوْ مَرَّ وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ أَوْ مَرَّ فَقَالَ (إلَّا كَمِصْرِيٍّ) الْكَافُ اسْمٌ بِمَعْنَى مِثْلِ مَدْخَلٍ لِلشَّامِيِّ وَالْمَغْرِبِيِّ وَالرُّومِيِّ وَالسُّودَانِيِّ وَسَائِرِ مَنْ شَارَكَهُمْ فِي مِيقَاتِهِمْ وَمَنْ مَسْكَنُهُ بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ وَأَتَى مِنْ وَرَاءِ الْمِيقَاتِ مُرِيدًا الْإِحْرَامَ وَالْمُرُورَ عَلَى مَسْكَنِهِ (يَمُرُّ) نَحْوُ الْمِصْرِيِّ (بِالْحُلَيْفَةِ) وَمَنْ مَسْكَنُهُ بَعْدَ الْمِيقَاتِ إلَى جِهَةِ مَكَّةَ يَمُرُّ بِهِ مُرِيدًا الْمُرُورَ بِالْجُحْفَةِ أَوْ مُحَاذَاتَهَا أَوْ مَسْكَنِهِ أَوْ مُحَاذَاتَهُ.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
فَهُوَ أَوْلَى وَإِنْ لِحَيْضٍ رُجِيَ رَفْعُهُ: كَإِحْرَامِهِ أَوَّلَهُ.
وَإِزَالَةِ شَعَثِهِ، وَتَرْكِ اللَّفْظِ بِهِ، وَالْمَارُّ بِهِ إنْ لَمْ يَرِدْ مَكَّةَ،
_________________
(١) [منح الجليل] فَهُوَ) أَيْ إحْرَامُهُ مِنْ الْحُلَيْفَةِ وَالْمِيقَاتِ (أَوْلَى) مِنْ إحْرَامِهِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَالْمَسْكَنِ وَلَا وَاجِبَ؛ لِأَنَّ مِيقَاتَهُ أَمَامَهُ فَلَا يَلْزَمُ عَلَى عَدَمِ إحْرَامِهِ مِنْ الْحُلَيْفَةِ أَوْ الْمِيقَاتِ دُخُولُ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ أَوْ إحْرَامُهُ مِنْ غَيْرِ مِيقَاتٍ، هَذَا إذَا كَانَ وَقْتُ مُرُورِهِ عَلَى الْحُلَيْفَةِ أَوْ الْمِيقَاتُ لَيْسَ مُتَلَبِّسًا بِنَحْوِ حَيْضٍ بَلْ (وَإِنْ) كَانَ حِينَ مُرُورِهِ بِالْحُلَيْفَةِ أَوْ الْمِيقَاتِ مُتَلَبِّسًا (بِحَيْضٍ) أَوْ نِفَاسٍ (رُجِيَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (رَفْعُهُ) أَيْ الطُّهْرُ مِنْهُ قَبْلَ الْجُحْفَةِ أَوْ فِيهَا بِحَيْثُ يُحْرِمُ بِهَا عَقِبَ صَلَاةٍ فَتَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ بِالْحُلَيْفَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَقِبَ صَلَاةٍ، أَوْلَى مِنْ تَأْخِيرِهِ إلَى الْجُحْفَةِ. وَإِنْ كَانَ عَقِبَ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ التَّلَبُّسَ بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَيَّامًا أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ أَجْرِ الْإِحْرَامِ عَقِبَ صَلَاةٍ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ نَحْوُ الْمِصْرِيِّ الْمُرُورَ بِالْجُحْفَةِ وَمُحَاذَاتَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ إحْرَامُهُ مِنْ الْحُلَيْفَةِ. وَشَبَّهَ فِي النَّدْبِ فَقَالَ (كَإِحْرَامِهِ) أَيْ: الشَّخْصِ الْبَالِغِ (أَوَّلَهُ) أَيْ الْمِيقَاتِ مِنْ جِهَةِ الْأَقْطَارِ؛ لِأَنَّهَا مُبَادَرَةٌ إلَى الطَّاعَةِ إلَّا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَالْأَفْضَلُ الْإِحْرَامُ مِنْ مَسْجِدِهَا أَوْ فِنَائِهِ لَا مِنْ أَوَّلِهِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - ﷺ -. (وَإِزَالَةِ شَعَثِهِ) أَيْ: مُرِيدِ الْإِحْرَامِ بِتَقْلِيمِ أَظْفَارِهِ وَقَصِّ شَارِبِهِ وَحَلْقِ عَانَتِهِ وَنَتْفِ إبْطِهِ وَإِزَالَةِ شَعْرِ بَدَنِهِ إلَّا شَعْرَ رَأْسِهِ فَالْمَنْدُوبُ إبْقَاؤُهُ وَتَلْبِيدُهُ بِصَمْغٍ أَوْ غَاسُولٍ لِيَلْتَصِقَ عَلَى رَأْسِهِ وَلَا تَتَرَبَّى فِيهِ الدَّوَابُّ، وَاكْتِحَالُهُ وَادِّهَانُهُ بِغَيْرِ مُطَيِّبٍ. (وَتَرْكِ اللَّفْظِ) أَيْ التَّلَفُّظِ حَالَ الْإِحْرَامِ (بِهِ) أَيْ: اللَّفْظِ الدَّالِ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى نِيَّةِ الدُّخُولِ فِي حُرُمَاتِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ وَعَنْ مَالِكٍ: - ﵁ - كَرَاهَتُهُ. وَعَنْ ابْنِ وَهْبٍ نَدْبُهُ بِأَنْ يَقُولَ لَبَّيْكَ أَوْ أَحْرَمْت بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ لِلْخُرُوجِ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - إنْ لَمْ يَلْفِظْ بِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ (وَ) الشَّخْصُ (الْمَارُّ بِهِ) أَيْ: الْمِيقَاتِ (إنْ لَمْ يُرِدْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ يَقْصِدْ (مَكَّةَ) بِأَنْ كَانَتْ حَاجَتُهُ دُونَهَا أَوْ فِي جِهَةٍ أُخْرَى وَهُوَ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ لَوْ أَرَادَهَا.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
أَوْ كَعَبْدٍ فَلَا إحْرَامَ عَلَيْهِ، وَلَا دَم، وَإِنْ أَحْرَمَ إلَّا الصَّرُورَةَ الْمُسْتَطِيعُ فَتَأْوِيلَانِ، وَمُرِيدُهَا إنْ تَرَدَّدَ أَوْ عَادَلَهَا لِأَمْرٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] أَوْ) أَرَادَهَا وَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالْحَجِّ (كَعَبْدٍ) وَصَبِيٍّ أَوْ يُخَاطَبُ بِهِ وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ لِكُفْرِهِ (فَلَا إحْرَامَ عَلَيْهِ) مِنْ الْمِيقَاتِ (وَلَا دَمَ) عَلَيْهِ بِمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ إنْ اسْتَمَرَّ كَذَلِكَ بَلْ (وَإِنْ) بَدَا لَهُ بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ بِلَا إحْرَامٍ دُخُولُهَا أَوْ إذَا الْوَلِيُّ أَوْ السَّيِّدُ لِلْعَبْدِ أَوْ الصَّبِيِّ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ بَلَغَ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونَ أَوْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَ(أَحْرَمَ) بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ فَلَا دَمَ لِمُجَاوَزَتِهِ بِوَجْهٍ جَائِزٍ. (إلَّا الصَّرُورَةَ) الَّذِي لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ (الْمُسْتَطِيعُ) لَهُ الَّذِي مَرَّ عَلَى الْمِيقَاتِ غَيْرُ مُرِيدِ مَكَّةَ وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ وَبَدَا لَهُ بَعْدَهُ دُخُولُهَا فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ (فَ) فِي لُزُومِهِ الدَّمَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَمَنْ مَرَّ بِهِ مُرِيدُهَا وَعَدَمُهُ نَظَرًا لِحَالِ مُرُورِهِ (تَأْوِيلَانِ) أَيْ: فَهْمَانِ لِشَارِحَيْهَا الْأَوَّلُ لِابْنِ شَبْلُونٍ وَالثَّانِي لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ. (وَمُرِيدُهَا) أَيْ: مَكَّةَ (إنْ تَرَدَّدَ) لَهَا مِنْ مَكَان قَرِيبٍ دُونَ الْمَوَاقِيتِ أَيْ أَتَاهَا مِنْهُ ثُمَّ عَادَ مِنْهَا إلَيْهِ ثُمَّ عَادَ مِنْهُ إلَيْهَا، وَهَكَذَا فِي أَيَّامٍ مُتَقَارِبَةٍ مُتَسَبِّبًا بِفَاكِهَةٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ حَشِيشٍ أَوْ فَحْمٍ أَوْ نَحْوِهَا. وَأَمَّا الْمَارُّ عَلَى الْمِيقَاتِ مُرِيدًا مَكَّةَ فَيَجِبُ الْإِحْرَامُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ سَوَاءٌ كَانَ مُتَرَدِّدًا أَوْ غَيْرُهُ كَمَا تُقَيِّدُهُ الْمُدَوَّنَةُ وَإِنْ أَوْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمَارَّ بِهِ الْمُتَرَدِّدَ لَا إحْرَامَ عَلَيْهِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ أَفَادَهُ الرَّمَاصِيُّ. اللَّخْمِيُّ وَيُنْدَبُ لِلْمُتَرَدِّدِ لَهَا مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ الْإِحْرَامُ أَوَّلَ مَرَّةٍ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُوضِحُ وَالْحَطّ. (أَوْ عَادَ) أَيْ: رَجَعَ مُرِيدُهَا (لَهَا) أَيْ: مَكَّةَ مِنْ مَكَان قَرِيبٍ كَمَسَافَةِ قَصْرٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُقِيمًا بِهَا وَخَرَجَ مِنْهَا لَا يُرِيدُ الْعَوْدَ لَهَا وَعَادَ لَهَا (لِأَمْرٍ) عَاقَهُ عَنْ السَّفَرِ، فَإِنْ عَادَ لَهَا اخْتِيَارًا لِغَيْرِ عَائِقٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ وَإِلَّا لَزِمَهُ الدَّمُ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَنَقَلَهُ الْحَطّ أَوْ خَرَجَ مِنْهَا مُرِيدًا الْعَوْدَ إلَيْهَا وَرَجَعَ مِنْ مَكَان قَرِيبٍ لَمْ يَقُمْ فِيهِ كَثِيرًا وَلَوْ لِغَيْرِ عَائِقٍ كَفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - حَيْثُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى قَدِيدٍ فَبَلَغَتْهُ فِتْنَةُ الْمَدِينَةِ فَرَجَعَ فَدَخَلَ مَكَّةَ بِلَا إحْرَامٍ.
[ ٢ / ٢٣١ ]
فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا وَجَبَ الْإِحْرَامُ، وَأَسَاءَ تَارِكُهُ، وَلَا دَمَ إنْ لَمْ يَقْصِدْ نُسُكًا،
_________________
(١) [منح الجليل] فَكَذَلِكَ) أَيْ الْمَارُّ الَّذِي لَمْ يُرِدْهَا فِي عَدَمِ لُزُومِ الْإِحْرَامِ وَعَدَمِ الدَّمِ. سَنَدٌ وَأُلْحِقَ بِهَذَا مَنْ خَافَ مِنْ سُلْطَانِهَا وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَظْهَرَ أَوْ خَافَ مِنْ جَوْرِ يَلْحَقُهُ بِوَجْهٍ فَيَجُوزُ لَهُ دُخُولُهَا بِلَا إحْرَامٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ عُذْرِ التَّكْرَارِ فَكَيْفَ بِعُذْرِ الْمَخَافَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَلْحَقَ بِهِ أَيْضًا دُخُولُهَا لِقِتَالٍ جَائِزٍ. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُرِيدُهَا مُتَرَدِّدًا مِنْ قَرِيبٍ وَلَمْ يَعُدْ لَهَا لِأَمْرٍ بَلْ عَادَ لَهَا لِنُسُكٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ لِسُكْنَاهَا وَلَمْ يَعُدْ لَهَا مِنْ قَرِيبٍ بَلْ مِنْ بَعِيدٍ زَائِدٍ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ سَوَاءٌ خَرَجَ مِنْهَا بِنِيَّةِ الْعَوْدِ أَمْ لَا (وَجَبَ) عَلَيْهِ (الْإِحْرَامُ) لِدُخُولِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ دُخُولَهَا حَلَالًا مِنْ خَصَائِصِهِ - ﷺ - (وَأَسَاءَ) أَيْ: أَثِمَ (تَارِكُهُ) وَلَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ وَجَبَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَى تَأَكُّدٍ كَقَوْلِهِمْ وَجَبَ الْوِتْرُ وَجَبَ الْأَذَانُ وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا. (وَلَا دَمَ) عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ صَرُورَةً أَمْ لَا (إنْ لَمْ يَقْصِدْ نُسُكًا) وَلَا دُخُولَ مَكَّةَ فَقَصْدُ دُخُولِهَا كَقَصْدِ النُّسُكِ. الْبُنَانِيُّ فَتَحَصَّلَ أَنَّ مُرِيدَ مَكَّةَ مِنْ مَكَان قَرِيبٍ إنْ كَانَ مُتَرَدِّدًا أَوْ رَجَعَ لَهَا الْفِتْنَةُ فَلَا إحْرَامَ عَلَيْهِ وَإِلَّا وَجَبَ الْإِحْرَامُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْمَارَّ بِالْمِيقَاتِ إنْ لَمْ يُرِدْ مَكَّةَ أَوْ كَانَ كَعَبْدٍ فَلَا إحْرَامَ عَلَيْهِ وَلَا دَمَ وَإِنْ أَرَادَهَا وَهُوَ مُخَاطَبٌ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَإِنَّمَا التَّفْصِيلُ فِي الدَّمِ إنْ لَمْ يُحْرِمْ. ابْنُ عَرَفَةَ تَعَدِّيهِ حَلَالٌ لِغَيْرِ دُخُولٍ وَلَا حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ عَفْوٌ ثُمَّ قَالَ: وَلِأَحَدِهِمَا مَمْنُوعٌ ثُمَّ ذَكَرَ التَّفْصِيلَ فِي الدَّمِ. طفي لَكِنَّ التَّفْصِيلَ فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَقْصِدْ نُسُكًا فِي مُتَعَدِّي الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ حَلَالًا غَيْرَ مُتَعَدٍّ الْمِيقَاتَ لَا دَمَ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَصَدَ النُّسُكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَدَّاهُ الِاخْتِصَارُ إلَى عَدَمِ تَرْتِيبِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَعَلَى مَا قَرَّرَهُ الْحَطّ، يَبْقَى عَلَى الْمُصَنِّفِ حُكْمُ تَعَدِّي الْمِيقَاتِ حَلَالًا هَلْ هُوَ مَمْنُوعٌ أَمْ لَا؟ فَالْأَوْلَى التَّعْمِيمُ فِي قَوْلِهِ وَإِلَّا وَجَبَ الْإِحْرَامُ أَمَّا وُجُوبُهُ لِدُخُولِ مَكَّةَ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عِنْدَ الْمِيقَاتِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ
[ ٢ / ٢٣٢ ]
وَإِلَّا رَجَعَ، وَإِنْ شَارَفَهَا وَلَا دَمَ وَإِنْ عَلِمَ، مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتًا، فَالدَّمُ: كَرَاجِعٍ بَعْدَ إحْرَامِهِ، وَلَوْ أَفْسَدَ، لَا فَاتَ، وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ.
، وَإِنْ خَالَفَهَا
_________________
(١) [منح الجليل] تَعَدِّيهِ حَلَالًا لِدُخُولِ مَكَّةَ مَمْنُوعٌ فَصَرَّحَ بِالْمَنْعِ اهـ. (وَإِلَّا) أَيْ: بِأَنْ قَصَدَ مُرِيدُ مَكَّةَ نُسُكًا حَجًّا أَوْ عُمْرَةً وَلَمْ يَتَرَدَّدْ، وَتَعَدَّى الْمِيقَاتَ جَاهِلًا بِهِ أَوْ عَالِمًا وَلَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ (رَجَعَ) وُجُوبًا لِلْمِيقَاتِ وَأَحْرَمَ مِنْهُ إنْ لَمْ يُشَارِفْ مَكَّةَ بَلْ (وَإِنْ شَارَفَهَا) أَيْ قَارَبَ مَكَّةَ بَلْ يَرْجِعُ وَإِنْ دَخَلَهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَبِهِ أَفْتَى النَّاصِرُ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ الْمُصَنِّفُ قَالَهُ الْحَطّ (وَلَا دَمَ) عَلَيْهِ إنْ رَجَعَ قَبْلَ إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إلَيْهِ وَأَحْرَمَ مِنْهُ صَارَ كَأَنَّهُ أَحْرَمَ مِنْهُ ابْتِدَاءً وَظَاهِرُهُ رَجَعَ عَنْ قُرْبٍ أَوْ بُعْدٍ خِلَافًا لِقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَإِنْ عَادَ قَبْلَ الْبُعْدِ لِلْمِيقَاتِ وَأَحْرَمَ مِنْهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ جَهِلَ أَنَّ مُجَاوَزَتَهُ حَلَالًا مَمْنُوعَةٌ. بَلْ (وَإِنْ عَلِمَ) ذَلِكَ وَأَخْرَجَ مِنْ قَوْلِهِ رَجَعَ فَقَالَ (مَا لَمْ يَخَفْ) قَاصِدُ النُّسُكِ بِرُجُوعِهِ (فَوْتًا) لِحَجَّةٍ أَوْ رُفْقَةٍ وَلَا مَرَضًا شَاقًّا فَإِنْ خَافَ شَيْئًا مِنْهَا (فَالدَّمُ) وَجَبَ عَلَيْهِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ وُجُوبُ الرُّجُوعِ وَيُحْرِمُ مِنْ مَكَانِهِ وَيَتَمَادَى؛ لِأَنَّ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ تُبَاحُ بِالْعُذْرِ وَيَلْزَمُ الدَّمُ، وَهَذَا إنْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، فَإِنْ فَاتَهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ الْآتِي لَا فَاتَ. وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ الدَّمِ فَقَالَ (كَرَاجِعٍ) لِلْمِيقَاتِ الَّذِي تَعَدَّاهُ بِلَا إحْرَامٍ مِنْهُ (بَعْدَ إحْرَامِهِ) فِي مَحَلٍّ بَعْدَهُ إلَى جِهَةِ مَكَّةَ فَالدَّمُ تَخْلُدُ عَلَيْهِ وَلَا يَسْقُطُهُ عِنْدَ رُجُوعِهِ بَعْدَ إحْرَامِهِ إنْ لَمْ يُفْسِدْ إحْرَامَهُ بَلْ (وَلَوْ أَفْسَدَ) إحْرَامَهُ بِجِمَاعٍ أَوْ إنْزَالٍ فَيَتَمَادَى عَلَيْهِ كَالصَّحِيحِ إلَى تَمَامِهِ وَيَقْضِيهِ، وَعَلَيْهِ هَدْيَانِ هَدْيٌ لِتَعَدِّي الْمِيقَاتِ وَهَدْيٌ لِلْإِفْسَادِ (لَا) يَتَخَلَّلُهُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ إنْ (فَاتَ) الْحَجُّ وَتَحَلَّلَ مِنْهُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ فَيَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ التَّعَدِّي؛ لِأَنَّهُ بِتَحَلُّلِهِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يُحْرِمْ أَصْلًا وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَبَّبْ فِيهِ، فَإِنْ بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ لِقَابِلٍ فَعَلَيْهِ الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَفُتْهُ. (وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ) الْإِحْرَامُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (بِالنِّيَّةِ) لِلدُّخُولِ فِي عِبَادَةِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَالْحُصْرُ مُنَصَّبٌ عَلَى قَوْلِهِ الْآتِي مَعَ قَوْلِ إلَخْ إنْ وَافَقَهَا لَفْظُهُ بَلْ. (وَإِنْ خَالَفَهَا) أَيْ: النِّيَّةَ
[ ٢ / ٢٣٣ ]
لَفْظُهُ، وَلَا دَمَ وَإِنْ بِجِمَاعٍ مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ تَعَلَّقَا بِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] لَفْظُهُ) عَمْدًا بِأَنْ نَوَى الْحَجَّ وَقَالَ نَوَيْت الْعُمْرَةَ أَوْ عَكْسُهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ الصَّلَاةِ بِعَدَمِ ارْتِفَاضِهِ (وَلَا دَمَ) عَلَيْهِ لِهَذِهِ الْمُخَالَفَةِ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ - ﵁ - الْمَرْجُوعُ عَنْهُ، وَاَلَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ أَنَّ عَلَيْهِ الدَّمَ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. الْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ الْأَوَّلُ أَقْيَسُ، وَعَلَى الثَّانِي هَلْ الدَّمُ إنْ أَوْجَبَهُ لَفْظُهُ بِأَنْ قَالَ نَوَيْت الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ وَنَوَى الْحَجَّ فَقَطْ أَوْ مُطْلَقًا احْتِمَالَانِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَعَلَى أَوَّلِهِمَا يَدُلُّ كَلَامُ الْجَوَاهِرِ وَيَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ. (وَإِنْ) كَانَتْ (بِجِمَاعٍ) أَيْ: مَعَهُ فَيَنْعَقِدُ فَاسِدًا فَيُتِمُّهُ وَيَقْضِيهِ وَيَهْدِي. الْحَطّ عَنْ طُرَرِ التَّلْقِينُ شَرْطُ صِحَّةِ انْعِقَادِ الْإِحْرَامِ أَنْ لَا يَنْوِيَ عِنْدَ الدُّخُولِ فِيهِ وَطْئًا وَلَا إنْزَالًا فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ مَعَ إحْرَامِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ شَيْءٌ وَلَا مِنْ لَوَازِمِ الْإِحْرَامِ بِهِمَا شَيْءٌ اهـ. قَوْلُهُ فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ إلَخْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَحْرَمَ عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا يَحْرُمَ عَلَيْهِ وَطْءٌ وَلَا إنْزَالٌ فَلَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ مُنَاقِضٌ لِمُقْتَضَى عَقْدِهِ، أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ حَالَ كَوْنِ النِّيَّةِ (مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ تَعَلَّقَا) أَيْ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ (بِهِ) أَيْ: الْمَنْوِيِّ مِنْ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ كَالتَّلْبِيَةِ وَالتَّقْلِيدِ وَالْأَشْعَارِ وَالتَّوَجُّهِ. وَاحْتُرِزَ عَنْ غَيْرِ الْمُتَعَلِّقِينَ كَالتَّكْبِيرِ وَالْأَكْلِ، وَتَبِعَ فِي هَذَا قَوْلَ ابْنِ شَاسٍ أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ وَقَوْلُهُ فِي مَنَاسِكِهِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَاَلَّذِي فِي التَّلْقِينِ وَالْمُعَلَّمِ وَالْقَبَسِ أَنَّ النِّيَّةَ كَافِيَةٌ فِي انْعِقَادِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ أَوْ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فِي قَوْلِهَا مَنْ قَالَ أَنَا مُحْرِمٌ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَهُوَ يَوْمَ يُكَلِّمْهُ مُحْرِمٌ. الْحَطّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ إحْرَامٍ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ. وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ - ﵄ - لَا يَكُونُ مُحْرِمًا حَتَّى يُنْشِئَ إحْرَامًا وَاسْتَشْكَلَ اللَّخْمِيُّ قَوْلَ سَحْنُونٍ وَخَلِيلٍ وَهُوَ حَقِيقٌ بِالْإِشْكَالِ فَإِنَّ الْإِحْرَامَ عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ ابْنُ عَرَفَةَ وَيَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ مَعَ ابْتِدَاءِ تَوَجُّهِ الْمَاشِي أَوْ اسْتِوَاءِ الرَّاكِبِ عَلَى رَاحِلَتِهِ. وَشَرَطَ ابْنُ حَبِيبٍ تَلْبِيَتَهُ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَفِيهِ بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ مَعَهَا قَوْلَا إسْمَاعِيلَ عَنْ الْمَذْهَبِ وَالْأَكْثَرُ عَنْهُ، وَفِيهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ طُرُقٌ. الْمَازِرِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَسَنَدٌ يَنْعَقِدُ بِهَا. لِلَّخْمِيِّ
[ ٢ / ٢٣٤ ]
بَيَّنَ، أَوْ أَبْهَمَ، وَصَرَفَهُ لِحَجٍّ وَالْقِيَاسُ لِقِرَانٍ.
وَإِنْ نَسِيَ فَقِرَانٌ، وَنَوَى الْحَجَّ
_________________
(١) [منح الجليل] كَالْيَمِينِ بِهَا. ابْنُ بَشِيرٍ لَا يَنْعَقِدُ بِهَا ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَرْتَفِعُ بِرَفْضٍ أَوْ إفْسَادٍ إلَّا بِتَحَلُّلٍ خَاصٍّ وَيَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ بِالنِّيَّةِ مَعَ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ الْمُتَعَلِّقِ سَوَاءٌ (بَيَّنَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا مَا أَحْرَمَ بِهِ مِنْ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ أَوْ هُمَا مَعًا (أَوْ أَبْهَمَ) بِأَنْ نَوَى الدُّخُولَ فِي عِبَادَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يُلَاحِظْ كَوْنَهَا حَجًّا وَلَا عُمْرَةً فَيَنْعَقِدُ مُطْلَقًا وَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا حَتَّى يُعَيَّنَ أَحَدُهُمَا أَوْ هُمَا. (وَصَرَفَهُ) أَيْ: الشَّخْصُ الْإِحْرَامَ الْمُبْهَمَ (لِحَجٍّ) وُجُوبًا إنْ كَانَ طَافَ طَوَافَ الْقُدُومِ سَوَاءٌ كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَمْ لَا وَنَدْبًا إنْ كَانَ قَبْلَهُ وَالْإِحْرَامُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيُؤَخِّرُ سَعْيَهُ فِي الثَّلَاثِ صُوَرٍ عَقِبَ الْإِفَاضَةِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ نُدِبَ صَرْفُهُ لِعُمْرَةٍ وَكُرِهَ لِحَجٍّ، فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ وَوَجَبَ صَرْفُهُ لَهُ فِي الْأُولَيَيْنِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ يُصْرَفُ لِطَوَافِ الْقُدُومِ وَهُوَ وَاجِبٌ، فَلَا يَكْفِي عَنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ أَفَادَهُ سَنَدٌ أَفَادَهُ عب. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وُجُوبًا إنْ وَقَعَ الصَّرْفُ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ هَذَا الْفَرْعُ الَّذِي وَقَعَ الصَّرْفُ فِيهِ لِحَجٍّ بَعْدَ الطَّوَافِ إنَّمَا نَقَاؤُهُ عِنْدَ سَنَدٍ وَالْقَرَافِيِّ وَهُمَا لَمْ يَذْكُرَا فِيهِ وُجُوبَ صَرْفِهِ لِحَجٍّ، وَإِنَّمَا قَالَا: الصَّوَابُ أَنْ يُجْعَلَ حَجًّا وَهَذَا لَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَكَذَا التَّعْلِيلُ الْآتِي لَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ وَيُؤَخِّرُ سَعْيَهُ فِي الثَّلَاثِ صُوَرٍ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ مَا صَرَفَهُ قَبْلَ الطَّوَافِ وَقَدْ أَحْرَمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ الْحِلِّ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ طَوَافِ الْقُدُومِ وَيَسْعَى عَقِبَهُ وَمَا صَرَفَهُ بَعْدَهُ فَقَدْ قَالَ سَنَدٌ يُؤَخِّرُ سَعْيَهُ لِلْإِفَاضَةِ أَيْ:؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ لَمْ يَنْوِ بِهِ الْقُدُومَ. وَبَحَثَ فِيهِ الْحَطّ بِأَنَّهُ تَكَلُّفٌ. وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ الَّذِي وَقَعَ إلَخْ لَا يُخْفِي مَا فِي هَذَا التَّعْلِيلِ مِنْ الْخَلَلِ وَالِانْحِلَالِ. وَعِبَارَةُ الذَّخِيرَةِ وَلَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا وَلَمْ يُعَيِّنْ حَتَّى طَافَ فَالصَّوَابُ أَنْ يَجْعَلَ حَجًّا وَيَكُونَ هَذَا طَوَافَ الْقُدُومِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ رُكْنًا فِي الْحَجِّ، وَطَوَافُ الْعُمْرَةِ رُكْنٌ وَقَدْ وَقَعَ قَبْلَ تَعْيِينِهَا اهـ. وَأَصْرَحُ مِنْهُ كَلَامُ سَنَدٍ وَقَدْ نَقَلَهُ الْحَطّ. (وَالْقِيَاسُ) صَرَفَهُ (لِقِرَانٍ)؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى النُّسُكَيْنِ. (وَإِنْ) أَحْرَمَ بِنُسُكٍ مُعَيَّنٍ وَ(نَسِيَ) مَا أَحْرَمَ بِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَهُوَ حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ أَوْ قِرَانٌ (فَقِرَانٌ) أَيْ: يَعْمَلُ عَمَلَهُ؛ لِأَنَّهُ أَجْمَعَ وَيُهْدِي لَهُ لَا أَنَّهُ يَنْوِي الْقِرَانَ وَإِلَّا نَافَى قَوْلَهُ (وَنَوَى) وَقْتَ عَمَلِهِ (الْحَجَّ) وُجُوبًا
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وَبَرِئَ مِنْهُ فَقَطْ: كَشَكِّهِ أَفْرَدَ أَوْ تَمَتَّعَ.
وَلَغَا عَمْرَةً عَلَيْهِ: كَالثَّانِي فِي حَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ،
_________________
(١) [منح الجليل] لِيَتِمَّ عَمَلُ الْقِرَانِ إنْ كَانَ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَقَدْ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَيْهَا قَبْلَ الطَّوَافِ، وَهَذَا إذَا شَكَّ فِي وَقْتٍ يَصِحُّ فِيهِ الْإِرْدَافُ بِأَنْ وَقَعَ قَبْلَ الطَّوَافِ، أَوْ فِي أَثْنَائِهِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الرُّكُوعِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ السَّعْيِ فَلَا يَنْوِي الْحَجَّ؛ إذْ لَا يَصِحُّ إرْدَافُهُ عَلَى الْعُمْرَةِ حِينَئِذٍ فَيَسْتَمِرُّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَصَارَ مُتَمَتِّعًا إنْ كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَكَذَا إنْ كَانَ شَكُّهُ بَعْدَ السَّعْيِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُهْدِيَ احْتِيَاطًا لِخَوْفِ تَأْخِيرِ الْحَلَّاقِ قَالَهُ سَنَدٌ اهـ عب. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وُجُوبًا فِيهِ نَظَرٌ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْبَرَاءَةَ مِنْ الْحَجِّ أَحْدَثَ نِيَّتَهُ صَرُورَةً كَانَ أَوْ لَا، وَإِنْ تَرَكَ نِيَّتَهُ بَرِئَ مِنْ عُهْدَةِ الْإِحْرَامِ فَقَطْ وَلَيْسَ مُحَقِّقًا عِنْدَهُ إلَّا عُمْرَةً (وَ) إذَا نَوَى الْحَجَّ (بَرِئَ مِنْهُ فَقَطْ) لَا مِنْ الْعُمْرَةِ فَيَأْتِي بِهَا لِاحْتِمَالِ أَنَّ إحْرَامَهُ أَوَّلًا كَانَ بِحَجٍّ، وَمُفَادُ النَّقْلِ أَنَّ عَمَلَ الْقِرَانِ لَازِمٌ لَهُ سَوَاءٌ نَوَى الْحَجَّ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، وَبَرَاءَتُهُ مِنْ الْحَجِّ إنَّمَا تَكُونُ إذَا نَوَاهُ. ثُمَّ شَبَّهَ فِي نِيَّةِ الْحَجِّ وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ فَقَطْ فَقَالَ (كَشَكِّهِ) أَيْ: الْمُحْرِمِ فِي كَوْنِهِ (أَفْرَدَ) أَيْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ (أَوْ تَمَتَّعَ) أَيْ: أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَحْدَهَا بِدَلِيلِ أَنَّ الشَّكَّ حَصَلَ عَقِبَ إحْرَامِهِ، وَالتَّمَتُّعُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِفَرَاغِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ أَيْ أَشْهُرِهِ وَلَمْ يُوجَدْ الْآنَ فَقَوْلُهُ أَوْ تَمَتَّعَ فِيهِ مَجَازٌ الْأَوَّلُ أَيْ فَصْلُ مَا يَصِيرُ بِهِ مُتَمَتِّعًا فَيَنْوِي الْحَجَّ لِيَرْتَدِفَ عَلَى الْعُمْرَةِ إنْ كَانَ أَحْرَمَ بِهَا أَوَّلًا، وَيَبْرَأُ مِنْهُ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ نِيَّةَ الْحَجِّ بَرِئَ مِنْ الْعُمْرَةِ فَقَطْ (وَلَغَا) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: لَا تَنْعَقِدُ (عُمْرَةً) أُرْدِفَتْ (عَلَيْهِ) أَيْ: الْحَجِّ لِضَعْفِهَا وَقُوَّتِهِ. وَشَبَّهَ فِي اللَّغْوِ فَقَالَ (كَ) الْإِحْرَامِ (الثَّانِي فِي حَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ)؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الثَّانِي مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا حَصَلَ بِالْأَوَّلِ. وَأَمَّا إرْدَافُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَيَصِحُّ لِقُوَّتِهِ وَضَعْفِهَا وَلِأَنَّهُ
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وَرَفْضُهُ.
وَفِي كَإِحْرَامِ زَيْدٍ: تَرَدُّدٌ.
وَنُدِبَ: إفْرَادٌ، ثُمَّ قِرَانٌ: بِأَنْ يُحْرِمَ
_________________
(١) [منح الجليل] يَحْصُلُ بِهَا، وَمَعْنَى اللَّغْوِ فِي الثَّلَاثَةِ عَدَمُ الِانْعِقَادِ وَحُكْمُ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ الْكَرَاهَةُ. (وَ) لَغَا (رَفْضُهُ) أَيْ: الْإِحْرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَوْ فِي الْأَثْنَاءِ فَيَجِبُ إتْمَامُهُ بِنِيَّةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِهِ كَالطَّوَافِ، وَلَا يَلْزَمُهُ هَدْيٌ وَلَا شَيْءٌ عَبْدُ الْحَقِّ، فَإِذَا رَفَضَ إحْرَامَهُ ثُمَّ عَادَ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُخَاطِبُ بِهَا فَفَعَلَهَا لَمْ يَحْصُلْ لِرَفْضِهِ حُكْمٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهِ وَنَوَى رَفْضَهَا وَفِعْلَهَا بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَالطَّوَافِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ رَافِضٌ يُعَدُّ كَالتَّارِكِ. . (وَفِي) جَوَازِ إحْرَامِ شَخْصٍ (كَإِحْرَامِ زَيْدٍ) وَعَدَمِهِ (تَرَدُّدٌ) لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ نَقَلَ سَنَدٌ وَالْقَرَافِيُّ عَنْ الْمَذْهَبِ جَوَازَهُ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ عَنْ مَالِكٍ - ﵁ - الْمَنْعَ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ. وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ «إهْلَالِ عَلِيٍّ وَأَبِي مُوسَى - ﵄ - حِينَ قُدُومِهِمَا مِنْ الْيَمَنِ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَقَرَّهُمَا النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى ذَلِكَ وَأَمَرَ - ﷺ - عَلِيًّا بِصَرْفِ إحْرَامِهِ لِحَجٍّ لِسَوْقِهِ هَدْيًا وَأَبَا مُوسَى بِصَرْفِهِ لِعُمْرَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسُقْ هَدْيًا» وَعَلَى الْجَوَازِ فَيَتَّبِعُ زَيْدًا فِي الْإِفْرَادِ أَوْ الْقِرَانِ أَوْ الْعُمْرَةِ فَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يُحْرِمْ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ الْمُطْلَقُ فَيَجْرِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ زَيْدٌ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا أَحْرَمَ بِهِ أَوْ وَجَدَهُ مُطْلَقًا فِي إحْرَامِهِ وَجَرَى التَّرَدُّدُ هُنَا وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ إحْرَامِ الْمَأْمُومِ بِمَا أَحْرَمَ بِهِ مِنْ إمَامِهِ لِشِدَّةِ ارْتِبَاطِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بِصَلَاةِ إمَامِهِ. (وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (إفْرَادٌ) أَيْ فَضْلٌ عَلَى قِرَانٍ وَتَمَتُّعٍ؛ لِأَنَّهُ هَدْيٌ فِيهِ وَفِيهِمَا هَدْيٌ وَهُوَ لَا يَطْلُبُ إلَّا لِلنَّقْصِ، وَلَا تُرَدُّ الصَّلَاةُ الْمُرَقَّعَةُ لِامْتِيَازِهَا بِالسُّجُودِ الْمُرْغِمِ لِلشَّيْطَانِ وَلِأَنَّ السَّهْوَ لَا اخْتِيَارَ لِلْمُصَلِّي فِيهِ بِخِلَافِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَفْضَلِيَّتُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الِاعْتِمَارَ بَعْدَهُ. الْبُنَانِيُّ نَقَلَ الْمُقْرِي فِي قَوَاعِدِهِ عَنْ مَالِكٍ وَمُحَمَّدٍ - ﵄ - تَقْيِيدُ أَفْضَلِيَّتِهِ بِنِيَّةِ الِاعْتِمَارِ بَعْدَهُ، وَقَوْلُ عب وَلَا تُرَدُّ الصَّلَاةُ إلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا عَلَى مَا لَا سَهْوَ فِيهَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا تُرَدُّ أَصْلًا. (ثُمَّ) يَلِي الْإِفْرَادَ فِي الْفَضْلِ (قِرَانٌ) لِمُشَابِهَتِهِ الْإِفْرَادَ فِي الْعَمَلِ مُصَوَّرٌ (بِأَنْ يُحْرِمَ)
[ ٢ / ٢٣٧ ]
بِهِمَا وَقَدَّمَهَا، أَوْ يُرْدِفُهُ بِطَوَافِهَا، إنْ صَحَّتْ وَكَمَّلَهُ، وَلَا يَسْعَى وَتَنْدَرِجُ.
وَكُرِهَ قَبْلَ الرُّكُوعِ، لَا بَعْدَهُ.
وَصَحَّ بَعْدَ سَعْيٍ.
وَحَرُمَ الْحَلْقُ وَأَهْدَى لِتَأْخِيرِهِ وَلَوْ فَعَلَهُ.
_________________
(١) [منح الجليل] بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ (بِهِمَا) أَيْ: الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ بِأَنْ يَقْصِدَهُمَا أَوْ بِنِيَّتَيْنِ (وَقَدَّمَ) نِيَّتَ (هَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ وُجُوبًا لِيُرْدِفَ الْحَجَّ عَلَيْهَا (أَوْ) يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ وَحْدَهَا وَ(يُرْدِفُهُ) أَيْ: الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْلَ طَوَافِهَا أَوْ (بِطَوَافِهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ أَرْدَفَهُ قَبْلَ طَوَافِهَا فَلَا يَطُوفُ وَلَا يَسْعَى حَتَّى يَعُودَ مِنْ عَرَفَةَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَيَصِحُّ إرْدَافُهُ عَلَيْهَا (إنْ صَحَّتْ) الْعُمْرَةُ، فَإِنْ فَسَدَتْ فَلَا يَصِحُّ إرْدَافُهُ عَلَيْهَا، وَلَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ فَلَا يُتِمُّهُ وَلَا يَقْضِيهِ وَهُوَ عَلَى عُمْرَتِهِ الْفَاسِدَةِ فَيُتِمُّهَا وَيَقْضِيهَا. فَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ بَعْدَ إتْمَامِهَا وَقَبْلَ قَضَائِهَا انْعَقَدَ إحْرَامُهُ بِهِ وَصَارَ مُتَمَتِّعًا وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا بَعْدَ تَمَامِ الْحَجِّ (وَ) إنْ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ بِطَوَافِهَا (كَمَّلَهُ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا نَفْلًا وُجُوبًا وَصَلَّى رَكْعَتَيْهِ. (وَلَا يَسْعَى) عَقِبَهُ وَانْدَرَجَتْ عُمْرَتُهُ فِي الْحَجِّ فَيَسْعَى عَقِبَ الْإِفَاضَةِ وَكَذَا إرْدَافُهُ عَقِبَ طَوَافِهَا وَقَبْلَ رَكْعَتَيْهِ أَوْ فِيهِمَا (وَتَنْدَرِجُ) الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ فَيُسْتَغْنَى بِالْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ عَقِبَهُ عَنْ طَوَافِهَا وَسَعْيِهَا وَحَلْقِهِ عَنْ حَلْقِهَا فَلَا يَبْقَى لَهَا فِعْلٌ ظَاهِرٌ يَخُصُّهَا. (وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ إرْدَافُهُ عَلَيْهَا عَقِبَ طَوَافِهَا وَ(قَبْلَ الرُّكُوعِ) أَيْ: صَلَاةِ رَكْعَتَيْهِ وَيَصِحُّ إرْدَافُهُ عَلَيْهَا وَيَصِير قَارِنًا فَيُصَلِّيهِمَا وَتَنْدَرِجُ (لَا) يَصِحُّ إرْدَافُهُ عَلَيْهَا (بَعْدَهُ) أَيْ: الرُّكُوعِ وَلَا يَنْعَقِدُ وَلَا يَصِيرُ قَارِنًا وَمَفْهُومُ بَعْدِهِ صِحَّتُهُ فِيهِ وَهُوَ كَذَلِكَ. (وَصَحَّ) إحْرَامُ الْحَجِّ (بَعْدَ) تَمَامِ (سَعْيٍ) لِلْعُمْرَةِ قَبْلَ حَلْقِهَا ثُمَّ إنْ كَانَ أَتَمَّهُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا وَإِنْ كَانَ أَتَمَّهُ فِيهِ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ صَحَّ بَعْدَ جَوَازِهِ ابْتِدَاءً وَهُوَ كَذَلِكَ لِاسْتِلْزَامِهِ تَأْخِيرَ حَلْقِهَا أَوْ سُقُوطَهُ. (وَحَرُمَ) عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ سَعْيِهَا (الْحَلْقُ) لِلْعُمْرَةِ حَتَّى يَتَحَلَّلَ مِنْ حَجِّهِ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ. (وَأَهْدَى) وُجُوبًا (لِتَأْخِيرِهِ) أَيْ: الْحَلْقِ وُجُوبًا بِسَبَبِ إحْرَامِ الْحَجِّ (وَلَوْ فَعَلَهُ) أَيْ:
[ ٢ / ٢٣٨ ]
ثُمَّ تَمَتَّعَ بِأَنْ يَحُجَّ بَعْدَهَا وَإِنْ بِقِرَانٍ.
وَشَرْطُ دَمِهِمَا: عَدَمُ إقَامَةٍ بِمَكَّةَ أَوْ ذِي طُوًى وَقْتَ فِعْلِهِمَا وَإِنْ بِانْقِطَاعٍ بِهَا
_________________
(١) [منح الجليل] الْحَلْقَ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ مِنْ الْحَجِّ مُبَالَغَةً فِي وُجُوبِ الْهَدْيِ وَتَلْزَمُهُ فِدْيَةٌ أَيْضًا لِحَلْقِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ وَأَشَارَ بِوَلَوْ لِقَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِ ابْنِ يُونُسَ لَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ فَعَلَهُ تَخْرِيجًا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِسُقُوطِ سُجُودِ مَنْ قَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ بِلَا تَشَهُّدٍ بِرُجُوعِهِ وَتَشَهُّدِهِ بَعْدَ اسْتِقْلَالِهِ قَائِمًا قَبْلَ سَلَامِهِ، وَيَسْجُدُ بَعْدَهُ، وَعَلَى سُقُوطِ دَمِ تَعَدِّي الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ وَالْإِحْرَامِ مِنْهُ. (ثُمَّ) يَلِي الْقِرَانَ فِي الْفَضْلِ (تَمَتُّعٌ) فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَعَلَى الْإِحْرَامِ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ فَأَوْجُهُهُ خَمْسَةٌ، وَلَا فَضْلَ فِي الْأَخِيرَيْنِ عَلَى أَنَّهُمَا رَاجِعَانِ إلَى الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ فَلَا يَنْبَغِي عَدَّهُمَا مُسْتَقِلَّيْنِ مُصَوَّرٌ (بِأَنْ) يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ وَيُتِمَّهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ (يَحُجُّ بَعْدَهَا) فِي عَامِهِ بِإِفْرَادٍ بَلْ (وَإِنْ بِقِرَانٍ) فَيَصِيرُ مُتَمَتِّعًا قَارِنًا وَيَلْزَمُهُ هَدْيَانِ وَاحِدٌ لِتَمَتُّعِهِ وَهَدْيٌ لِقِرَانِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْعُمْرَةُ صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً وَلَوْ كَرَّرَهَا فِي أَشْهُرِهِ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَهَدْيٌ وَاحِدٌ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ، وَسُمِّيَ مُتَمَتِّعًا لِتَمَتُّعِهِ بِإِسْقَاطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ تَمَتَّعَ بَعْدَ تَمَامِ عُمْرَتِهِ بِالنِّسَاءِ وَالطِّيبِ وَغَيْرِهِمَا. (وَشَرْطُ) وُجُوبِ (دَمِهِمَا) أَيْ: الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ (عَدَمُ إقَامَةٍ بِمَكَّةَ) وَمَا فِي حُكْمِهَا مِمَّا لَا يَقْصِرُ الْمُسَافِرُ حَتَّى يُجَاوِزُهُ (أَوْ ذِي طُوًى) مُثَلَّثُ الطَّاءِ مَوْضِعٌ بَيْنَ الطَّرِيقِ الَّتِي يَهْبِطُ مِنْهَا إلَى مَقْبَرَةِ مَكَّةَ الْمُسَمَّاةِ بِالْمُعَلَّاةِ وَالطَّرِيقِ الْآخَرِ الَّذِي إلَى جِهَةِ الزَّاهِرِ، وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ مَكَّةَ بَيْنَ الْحَجُونَيْنِ. وَأَمَّا طُوَى الَّذِي فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ فَيَضُمُّهَا فَقَطْ فِي الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ مُنَوَّنًا وَغَيْرَ مُنَوَّنٍ وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالشَّامِ وَصِلَةُ إقَامَةِ (وَقْتَ فِعْلِهِمَا) أَيْ: الْإِحْرَامِ بِالْقِرَانِ وَالْعُمْرَةِ، فَلَوْ قَدِمَ آفَاقِيٌّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَارِنًا وَنِيَّتُهُ السُّكْنَى بِمَكَّةَ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَعَلَيْهِ هَدْيُ التَّمَتُّعِ أَوْ الْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ أَوْ الْقِرَانِ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَالْمُقِيمُ بِمَكَّةَ وَقْتَ الْإِحْرَامِ بِهِمَا لَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ كَانَتْ إقَامَتُهُ بِهَا أَصْلِيَّةً بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ إقَامَتُهُ بِهَا (بِانْقِطَاعٍ) عَنْ وَطَنِهِ (بِهَا) أَيْ: مَكَّةَ أَيْ: رَفَضَ وَطَنَهُ وَسُكْنَاهَا بِنِيَّةِ عَدَمِ الِانْتِقَالِ وَهُوَ مُرَادُ التَّوْضِيحِ بِقَوْلِهِ الْمُجَاوِرُ بِهَا الْمُنْقَطِعُ كَأَهْلِهَا لَا الْمُجَاوِرُ بِنِيَّةِ الِانْتِقَالِ أَوْ بِلَا نِيَّةٍ فَإِنَّ عَلَيْهِ الدَّمَ.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
أَوْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ، لَا انْقَطَعَ بِغَيْرِهَا، أَوْ قَدِمَ بِهَا يَنْوِي الْإِقَامَةَ.
وَنُدِبَ لِذِي أَهْلَيْنِ، وَهَلْ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ فَيُعْتَبَرُ، تَأْوِيلَانِ.
وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ، وَلِلتَّمَتُّعِ عَدَمُ عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ أَوْ مِثْلِهَا
_________________
(١) [منح الجليل] أَوْ) تَوَطُّنُهَا وَ(خَرَجَ) مِنْهَا (لِ) قَضَاءِ (حَاجَةٍ) كَغَزْوٍ وَرِبَاطٍ وَتِجَارَةٍ نَاوِيًا الرُّجُوعَ طَالَتْ إقَامَتُهُ أَوْ قَصُرَتْ ثُمَّ رَجَعَ لَهَا بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَارِنًا وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ (لَا) يَسْقُطُ الدَّمُ عَنْ مُتَوَطِّنِهَا إنْ رَفَضَ سُكْنَاهَا وَ(انْقَطَعَ بِغَيْرِهَا) أَيْ: مَكَّةَ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهَا بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَارِنًا وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ (أَوْ قَدَّمَ) أَيْ: الْمُنْقَطِعُ بِغَيْرِهَا (بِهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ أَوْ أَشْهُرُ الْحَجِّ حَالَ كَوْنِهِ (يَنْوِي الْإِقَامَةَ) بِمَكَّةَ وَأَوْلَى إنْ لَمْ يَنْوِهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ إنْ قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ فَأَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَأَمَّا إنْ انْقَطَعَ بِغَيْرِهَا غَيْرُ رَافِضٍ سُكْنَاهَا ثُمَّ رَجَعَ لَهَا نَاوِيًا الْإِقَامَةَ بِهَا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إنْ قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ. (وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ دَمُ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ (لِذِي) أَيْ: صَاحِبِ (أَهْلَيْنِ) أَهْلٍ بِمَكَّةَ وَأَهْلٍ بِغَيْرِهَا مِمَّا لَيْسَ فِي حُكْمِهَا (وَهَلْ) يُنْدَبُ دَمُ التَّمَتُّعِ لِذِي أَهْلَيْنِ مُطْلَقًا أَوْ (إلَّا أَنْ يُقِيمَ) ذُو الْأَهْلَيْنِ (بِأَحَدِهِمَا) أَيْ: الْأَهْلَيْنِ (أَكْثَرَ) مِنْ إقَامَتِهِ بِالْآخَرِ (فَيُعْتَبَرُ) مَا أَقَامَ بِهِ أَكْثَرَ وَيُلْغَى مَا أَقَامَ بِهِ أَقَلَّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إنْ كَانَتْ إقَامَتُهُ بِغَيْرِ مَكَّةَ أَكْثَرَ، وَلَا يَجِبُ إنْ كَانَتْ إقَامَتُهُ بِهَا أَكْثَرَ (تَأْوِيلَانِ) الْأَوَّلُ لِلتُّونُسِيِّ وَالثَّانِي لِلَّخْمِيِّ. (وَ) شَرَطَ دَمَ التَّمَتُّعِ (حَجَّ مِنْ) أَيْ: فِي (عَامِهِ) الَّذِي اعْتَمَرَ فِيهِ وَالْقِرَانُ حَجٌّ بِإِحْرَامِهِ وَلَوْ فِي عَامٍ آخَرَ، فَمَنْ قَرَنَ وَفَاتَهُ الْحَجُّ وَبَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى أَتَمَّهُ فِيمَا يَلِيهِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ، وَإِنْ تَحَلَّلَ مِنْهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ. الْخَرَشِيُّ أَيْ: وَشَرْطُ دَمِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَوْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ إلَّا مِنْ قَابِلٍ أَوْ فَاتَ الْمُتَمَتِّعُ الْحَجَّ أَوْ الْقَارِنَ وَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ فَلَا دَمَ، وَلَوْ بَقِيَ الْقَارِنُ عَلَى إحْرَامِهِ لِقَابِلٍ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الدَّمُ. (وَ) شَرَطَ (لِ) دَمِ (التَّمَتُّعِ عَدَمَ عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ أَوْ مِثْلِهِ) فِي الْبُعْدِ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وَلَوْ بِالْحِجَازِ لَا أَقَلَّ، وَفِعْلُ بَعْضِ رُكْنِهَا فِي وَقْتِهِ، وَفِي شَرْطِ كَوْنِهِمَا عَنْ وَاحِدٍ: تَرَدُّدٌ، وَدَمُ التَّمَتُّعِ يَجِبُ بِإِحْرَامٍ الْحَجِّ،
_________________
(١) [منح الجليل] مِنْ الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، فَإِنْ عَادَ لَهُ بَعْدَهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِثْلَهُ بِغَيْرِ الْحِجَازِ بَلْ (وَلَوْ) كَانَ مِثْلَ بَلَدِهِ الَّذِي رَجَعَ لَهُ (بِالْحِجَازِ) وَأَشَارَ بِوَلَوْ لِقَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ يُشْتَرَطُ الرُّجُوعُ إلَى بَلَدِهِ أَوْ الْخُرُوجُ مِنْ الْحِجَازِ، فَالْمُبَالَغَةُ رَاجِعَةٌ لِمِثْلِهِ فَقَطْ. وَأَمَّا الرُّجُوعُ لِبَلَدِهِ بِأَرْضِ الْحِجَازِ فَسَقَطَ الدَّمُ اتِّفَاقًا (لَا) يَسْقُطُ الدَّمُ (بِ) عَوْدِهِ إلَى (أَقَلَّ) مِنْ بَلَدِهِ فِي الْبُعْدِ وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ عَوْدِهِ لِبَلَدِهِ أَوْ مِثْلَهُ ثُمَّ عَادَ لَهُ فَعَلَيْهِ الدَّمُ؛ لِأَنَّ عَوْدَهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ لِلْحَجِّ الْمُصَنِّفُ أَطْلَقَ الْمُتَقَدِّمُونَ هَذَا الشَّرْطَ، وَقَيَّدَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ بِمَنْ كَانَ أَفْقَهَ إذَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَعَادَ يُدْرِكُ الْحَجَّ فِي عَامِهِ فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا كَإِفْرِيقِيَّةَ كَفَى عِنْدِي رُجُوعُهُ إلَى مِصْرَ. (وَ) شَرْطُهُ لِلتَّمَتُّعِ (فِعْلُ بَعْضِ رُكْنِهَا) أَيْ الْعُمْرَةِ وَلَوْ شَرْطًا مِنْ السَّعْيِ لَا حَلَقَهَا (فِي وَقْتِهِ) أَيْ: الْحَجِّ وَيَدْخُلُ بِظُهُورِ هِلَالِ شَوَّالٍ، فَإِنْ أَتَمَّ سَعْيَهَا فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَحَلَقَ رَأْسَهُ عَقِبَ غُرُوبِ شَمْسِهِ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَيْسَ مُتَمَتِّعًا. ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُتْعَةُ إحْرَامُ مَنْ أَتَمَّ رُكْنَ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِهِ، رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ وَلَوْ بِآخِرِ شَوْطٍ بِحَجٍّ مِنْ عَامِهِ لَا حَلَقَهَا فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَهُ لَزِمَهُ، وَتَأْخِيرُ حَلْقِهَا وَلَا مُتْعَةَ فَإِنْ حَلَقَ افْتَدَى فِي سُقُوطِ دَمِ التَّأْخِيرِ مَا مَرَّ. (وَفِي شَرْطِ كَوْنِهِمَا) أَيْ: الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (عَنْ) شَخْصٍ (وَاحِدٍ) فَلَوْ كَانَ الْحَجُّ عَنْ شَخْصٍ وَالْعُمْرَةُ عَنْ آخَرَ فَلَا دَمَ وَعَدَمُهُ (تَرَدُّدٌ) مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ فَنَقَلَ الشَّيْخُ وَالصَّقَلِّيُّ وَاللَّخْمِيُّ عَدَمَ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْأَشْهَرُ اشْتِرَاطٌ وَحَكَى ابْنُ شَاسٍ الْقَوْلَيْنِ وَلَمْ يَعْزُهُمَا، وَأَنْكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفُ فِي مَنَاسِكِهِ الْقَوْلَ بِاشْتِرَاطِهِ. (وَدَمُ التَّمَتُّعِ يَجِبُ) وُجُوبًا مُوسَعًا قَابِلًا لِلسُّقُوطِ (بِإِحْرَامِ الْحَجِّ) وَيَتَحَتَّمُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَسَيَقُولُ وَإِنْ مَاتَ مُتَمَتِّعٌ فَالْهَدْيُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إنْ رَمَى الْعَقَبَةَ فَمَفْهُومُ
[ ٢ / ٢٤١ ]
وَأَجْزَأَ قَبْلَهُ.
ثُمَّ الطَّوَافُ لَهُمَا سَبْعًا
_________________
(١) [منح الجليل] إنْ رَمَى الْعَقَبَةَ أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ رَمْيِهَا فَلَا يَلْزَمُ هَدْيٌ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَلَا مِنْ ثُلُثِهِ، وَمِثْلُ فَوَاتِ وَقْتِهِ أَوْ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَمَا هُنَا بَيَانٌ لِابْتِدَاءِ وَقْتِ وُجُوبِهِ وَمَا يَأْتِي بَيَانٌ لِتَقَرُّرِهِ وَتَخَلُّدِهِ فِي الذِّمَّةِ. (وَأَجْزَأَ) دَمُ التَّمَتُّعِ أَيْ: تَقْلِيدُهُ وَإِشْعَارُهُ (قَبْلَهُ) أَيْ إحْرَامِ الْحَجِّ وَلَوْ عِنْدَ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ وَلَوْ سَاقَهُ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ كَمَا يَأْتِي فَلَيْسَ مُرَادُهُ نَحْرَهُ أَوْ ذَبْحَهُ لِعَدَمِ إجْزَائِهِ قَبْلَ إحْرَامِ الْحَجِّ. الْبُنَانِيُّ أَطْبَقَ مَنْ يَعْتَدُّ بِهِ مِنْ الشُّرَّاحِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِأَنَّ نَحْرَ الْهَدْيِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مُجْزِئٌ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِقَوْلِ الْآبِي فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَلَى أَحَادِيثِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ عَلَى قَوْلِ الرَّاوِي، فَأَمَرَنَا إذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُهْدِيَ مَا نَصَّهُ عِيَاضٌ فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ يُجِيزُ هَدْيَ التَّمَتُّعِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَهِيَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَنَا، وَالْأُخْرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ جَارٍ عَلَى تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ وَعَلَى تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى الْحَوْلِ، وَقَدْ يُفَرِّقُ بَيْنَ هَذِهِ الْأُصُولِ وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ لِقَوْلِهِ إذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُهْدِيَ. الْمَازِرِيُّ مَذْهَبُنَا أَنَّ هَدْيَ التَّمَتُّعِ إنَّمَا يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ وَفِي وَقْتِ جَوَازِ نَحْرِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ فَالصَّحِيحُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَجُوزُ نَحْرُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ حَتَّى يُحْرِمَ بِالْحَجِّ، وَالثَّالِثُ إنَّهُ يَجُوزُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ اهـ. وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ إبْقَاءُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَسُقُوطُ تَعَقُّبِ شُرَّاحِهِ وَتَأْوِيلُهُمْ لَهُ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَطَفَ عَلَى الْإِحْرَامِ فَقَالَ (ثُمَّ الطَّوَافُ) بِالْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ (لَهُمَا) أَيْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ذَكَرَهُ لِطُولِ الْفَصْلِ حَالَ كَوْنِهِ أَشْوَاطًا (سَبْعًا) سَوَاءٌ كَانَ رُكْنًا لِلْحَجِّ أَوْ لِلْعُمْرَةِ أَوْ وَاجِبًا لَهُ أَوْ مَنْدُوبًا فَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا لَمْ يَجُزْ وَلَمْ يَنُبْ عَنْهُ دَمٌ، وَإِنْ زَادَ عَلَى السَّبْعِ أَلْغَى الزَّائِدَ الْبَاجِيَّ مَنْ سَهَا فِي طَوَافِهِ فَبَلَغَ ثَمَانِيَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَقْطَعُ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ لِلْأُسْبُوعِ الْكَامِلِ، وَيُلْغِي مَا زَادَ عَلَيْهِ وَلَا يَعْتَدُّ بِهِ. التَّادَلِيُّ وَهَكَذَا حُكْمُ الْعَامِدِ وَابْتِدَاؤُهُ مِنْ
[ ٢ / ٢٤٢ ]
بِالطُّهْرَيْنِ، وَالسَّتْرُ، وَبَطَلَ بِحَدَثٍ: بِنَاءٌ، وَجَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] رُكْنِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَاجِبٌ، فَإِنْ ابْتَدَأَهُ مِنْ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ مَثَلًا أَلْغَى مَا قَبْلَ رُكْنِ الْحَجَرِ وَأَتَمَّ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ إلَيْهِ وَسَعَى عَقِبَهُ أَعَادَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ دَمٌ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَلَوْ بَدَأَ فِي طَوَافِهِ مِنْ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِ فَلْيَلْغُ ذَلِكَ وَيَتِمُّ إلَى الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، فَإِنْ تَذَكَّرَ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَعَادَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ إنْ طَالَ أَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَإِلَّا بَنَى هَذَا كُلَّهُ فِي النِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ، وَأَمَّا إنْ بَدَأَ مِنْهُ عَامِدًا وَأَتَمَّ إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي إلَّا إنْ رَجَعَ بِالْقُرْبِ جِدًّا وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَإِذَا لَمْ يَتَدَارَكْ حَتَّى رَجَعَ لِبَلَدِهِ أَجْزَأَهُ وَيَبْعَثُ بِهَدْيٍ، وَكَذَلِكَ إنْ بَدَأَ بِالطَّوَافِ مِنْ بَابِ الْبَيْتِ فَلْيُلْغِ مَا مَشَى مِنْ بَابِ الْبَيْتِ إلَى الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ قَبْلُ، فَلَوْ ابْتَدَأَ الطَّوَافَ مِنْ بَيْنِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْبَابِ قَالَ هَذَا يَسِيرٌ يُجْزِئُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. سَنَدٌ وَالْبُدَاءَةُ عِنْدَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ سُنَّةٌ فَلَوْ بَدَأَ مِنْ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ تَمَادَى إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ أَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وَهَذَا قَدْ طَافَ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ مُتَلَبِّسًا (بِالطُّهْرَيْنِ) مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَحُكْمُ الْخَبَثِ، فَإِنْ شَكَّ فِي أَثْنَائِهِ ثُمَّ بَانَ طُهْرُهُ فَلَا يُعِيدُهُ وَالْأَحْسَنُ بِالطَّهَارَتَيْنِ لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِ الطُّهْرَيْنِ فِي الطُّهْرِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالطُّهْرِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، فَتَصِيرُ الطَّهَارَةُ مِنْ حُكْمِ الْخَبَثِ مَسْكُوتًا عَنْهَا وَغَلَبَةُ اسْتِعْمَالِ الطَّهَارَتَيْنِ فِي الْحَدِيثَةِ كُبْرَى وَصُغْرَى وَالْخَبَثِيَّةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الطَّهَارَةُ مَائِيَّةً أَوْ صَعِيدِيَّةً. (وَالسَّتْرُ) لِلْعَوْرَةِ فَلَا يَصِحُّ مَعَ كَشْفِهَا (وَبَطَلَ بِحَدَثٍ بِنَاءٌ) عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْأَشْوَاطِ يَعْنِي أَنَّهُ إنْ أَحْدَثَ فَلَا يَبْنِي وَسَوَاءٌ أَحْدَثَ غَلَبَةً أَوْ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا كَانَ الطَّوَافُ فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ نَفْلًا وَيَسْتَأْنِفُ الْفَرْضَ. وَالْوَاجِبُ بَعْدَ الطَّهَارَةِ مُطْلَقًا وَالنَّفَلُ إنْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ وَإِلَّا فَلَا يُطْلَبُ بِإِعَادَتِهِ، وَكَذَا إنْ ابْتَدَأَهُ مُحْدِثًا عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا (وَ) بِ (جَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ) أَيْ: الطَّائِفِ مَاشِيًا إلَى أَمَامِهِ فَإِنْ رَجَعَ الْقَهْقَرَى لَمْ يَصِحَّ وَحِكْمَةُ التَّيَاسُرِ
[ ٢ / ٢٤٣ ]
وَخُرُوجِ كُلِّ الْبَدَنِ عَنْ الشَّاذَرْوَانِ وَسِتَّةِ أَذْرُعٍ مِنْ الْحِجْرِ،
_________________
(١) [منح الجليل] صَيْرُورَةُ قَلْبِ الطَّائِفِ جِهَةَ الْبَيْتِ فَيَسْتَحْضِرُ عَظَمَتَهُ. وَلِأَنَّ بَابَ الْبَيْتِ هُوَ وَجْهُهُ فَيُقْبِلُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ وَقَلْبِهِ فَلَوْ جَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ لَأَعْرَضَ عَنْهُ وَتَرَكَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ وَلَا يَلِيقُ بِالْأَدَبِ الْإِعْرَاضُ عَنْ وُجُوهِ الْأَمَاثِلِ، فَلَوْ جَعَلَهُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ قُبَالَةَ وَجْهِهِ أَوْ وَرَاءَ ظَهْرِهِ لَمْ يُجْزِهِ. (وَ) بِ (خُرُوجِ كُلِّ الْبَدَنِ عَنْ الشَّاذَرْوَانِ) بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِهَا وَهُوَ بِنَاءٌ لَطِيفٌ مُلْصَقٌ بِجِدَارِ الْكَعْبَةِ مُرْتَفِعٌ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ، نَقَصَتْهُ قُرَيْشٌ مِنْ عَرْضِ الْكَعْبَةِ لِضِيقِ الْمَالِ الْحَلَالِ فَهُوَ مِنْ الْبَيْتِ وَشَرْطُ صِحَّةِ الطَّوَافِ خُرُوجُ جَمِيعِ الْبَدَنِ عَنْهُ. وَاعْتَمَدَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا ذَكَرَهُ عَلَى كَلَامِ سَنَدٍ وَابْنِ شَاسٍ وَمَنْ تَبِعَهُمَا كَالْقَرَافِيِّ وَابْنِ جُزَيٍّ وَابْنِ جَمَاعَةَ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ هَارُونَ وَابْنِ رَاشِدٍ وَسَلَّمَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. الْحَطّ وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ كَوْنَ الشَّاذَرْوَانِ مِنْ الْبَيْتِ مِنْهُمْ ابْنُ رُشْدٍ بِالتَّصْغِيرِ فِي رِحْلَتِهِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِ قَوَاعِدِ عِيَاضٍ وَابْنِ فَرْحُونٍ. وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ كَثُرَ الِاضْطِرَابُ فِي الشَّاذَرْوَانِ وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ بِأَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ فَيَجِبُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فِي طَوَافِهِ ابْتِدَاءً، فَإِنْ طَافَ وَبَعْضُ بَدَنِهِ فِي هَوَائِهِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ حَتَّى بَعُدَ عَنْ مَكَّةَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَ بِالرُّجُوعِ لِذَلِكَ مُرَاعَاةً لِمَنْ قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَ) خُرُوجُ كُلِّ الْيَدَيْنِ عَنْ (سِتَّةِ أَذْرُعٍ) بِإِثْبَاتِ التَّاءِ وَحَذْفِهَا؛ لِأَنَّ ذِرَاعَ الْيَدِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (مِنْ الْحِجْرِ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ سُمِّيَ حِجْرًا لِاسْتِدَارَتِهِ كَحِجْرِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ بِنَاءٌ قَصِيرٌ يَصِلُ إلَى صَدْرِ الْإِنْسَانِ عَلَى صُورَةِ نِصْفِ دَائِرَةٍ مُقَابِلٌ لِلرُّكْنَيْنِ الْوَالِيَيْنِ لَبَابِ الْكَعْبَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ نَحْوَ ذِرَاعَيْنِ، جَعَلَهُ سَيِّدُنَا إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ - ﵊ - عَرِيشًا مِنْ أَرَاكٍ تَقْتَحِمُهُ الْغَنَمُ، وَكَانَ زَرِيبَةً لِغَنَمِ إسْمَاعِيلَ - ﵊ -. ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا أَدْخَلَتْ فِيهِ أَذْرُعًا مِنْ الْكَعْبَةِ لِضِيقِ الْمَالِ الْحَلَالِ، وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّحْدِيدِ بِسِتَّةِ أَذْرُعٍ اللَّخْمِيُّ وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيهَا لَا يَعْتَدُّ بِمَا طَافَ دَاخِلَ الْحِجْرِ
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وَنَصَبَ الْمُقَبِّلِ قَامَتَهُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وِلَاءً.
وَابْتَدَأَ إنْ قَطَعَ لِجِنَازَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ
_________________
(١) [منح الجليل] أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ جَمِيعِهِ لِشُمُولِهِ السِّتَّةَ أَذْرُعٍ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ طَافَ - ﷺ - مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . (وَنَصَبَ) أَيْ أَقَامَ وَعَدَلَ الشَّخْصُ (الْمُقَبِّلُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ مُثَقَّلَةً الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ فِي ابْتِدَاءِ كُلِّ شَوْطٍ (قَامَتَهُ) قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الطَّوَافِ لِيَخْرُجَ جَمِيعُ بَدَنِهِ عَنْ الشَّاذَرْوَانِ؛ إذْ لَا يُمْكِنُهُ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ إلَّا بِانْحِنَائِهِ عَلَيْهِ وَصَيْرُورَةِ أَغْلَبِ بَدَنِهِ عَلَى الشَّاذَرْوَانِ فَلَوْ طَافَ قَبْلَ نَصْبِ قَامَتِهِ لَزِمَ طَوَافُهُ وَأَغْلَبُ بَدَنِهِ فِي الشَّاذَرْوَانِ، وَكَذَا اسْتِلَامُ الْيَمَانِيِّ ابْنُ الْمُعَلَّى فِي مَنْسَكِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَرْجِعُونَ بِلَا حَجٍّ بِسَبَبِ جَهْلِهِمْ بِهَذَا، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الطَّوَافِ (دَاخِلَ الْمَسْجِدِ) فَلَا يَصِحُّ خَارِجَهُ وَلَا عَلَى سَطْحِهِ وَيُنْدَبُ الْقُرْبُ مِنْ الْبَيْتِ. (وَ) كَوْنُهُ (وِلَاءً) بِكَسْرِ الْوَاوِ مَعَ الْمَدِّ أَيْ مُتَوَالِيًا بِلَا فَصْلٍ كَثِيرٍ بَيْنَ أَجْزَائِهِ بِلَا عُذْرٍ، وَيُغْتَفَرُ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ وَلَوْ اخْتِيَارًا وَالْكَثِيرُ لِعُذْرٍ بِشَرْطِ بَقَاءِ طَهَارَتِهِ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَسَنَدٌ، وَإِنْ نَقَضَ وُضُوءُهُ بَيْنَ الطَّوَافِ وَرَكْعَتَيْهِ تَوَضَّأَ وَأَعَادَهُ فَإِنْ صَلَّاهُمَا وَلَمْ يُعِدْهُ وَسَعَى أَعَادَ الطَّوَافَ وَالرَّكْعَتَيْنِ وَالسَّعْيَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا فَإِنْ تَبَاعَدَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهِمَا بِمَوْضِعِهِ وَيَبْعَثُ بِهَدْيٍ وَلَمْ تُجْزِهِ الرَّكْعَتَانِ الْأُولَيَانِ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ. (وَابْتَدَأَ) الطَّوَافَ فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ نَفْلًا (إنْ قَطَعَ) هـ (لِ) صَلَاتِهِ عَلَى (جِنَازَةٍ) وَلَوْ خَفَّفَهَا؛ لِأَنَّهَا فِعْلٌ آخَرُ وَقَطْعُهُ لَهَا مَمْنُوعٌ مَا لَمْ تَتَعَيَّنْ وَيُخْشَ تَغَيُّرُهَا بِتَأْخِيرِهَا إلَى تَمَامِ الطَّوَافِ فَيَجِبُ قَطْعُهُ لَهَا وَيَبْنِي كَالْفَرِيضَةِ (أَوْ) خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ لِأَجْلِ (نَفَقَةٍ) نَسِيَهَا خَارِجَهُ وَيُمْنَعُ قَطْعُهُ لَهَا ابْتِدَاءً كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنْ قَطَعَ لَهَا وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَبْنِي الْمُصَنِّفُ. لَوْ قِيلَ بِجَوَازِ الْخُرُوجِ لِلنَّفَقَةِ كَانَ أَظْهَرَ لِإِجَازَتِهِمْ قَطْعَ الصَّلَاةِ لِمَنْ أَخَذَ مَالَهُ ذُو الْبَالِ وَهِيَ أَشَدُّ حُرْمَةً، وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ مُنِعَ الْكَلَامُ فِيهَا إلَّا الْيَسِيرَ لِإِصْلَاحِهَا فَاضْطَرَّ لِقَطْعِ الْكَلَامِ جَائِزٌ فِي الطَّوَافِ فَيُوَكِّلُ مَنْ يَأْتِي لَهُ بِنَفَقَتِهِ وَلَا يَقْطَعُهُ.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
أَوْ نَسِيَ بَعْضَهُ وَإِنْ فَرَغَ سَعْيُهُ.
وَقَطَعَهُ لِلْفَرِيضَةِ وَنُدِبَ كَمَالُ الشَّوْطِ.
_________________
(١) [منح الجليل] أَوْ نَسِيَ) الطَّائِفُ (بَعْضَهُ) أَيْ: الطَّوَافِ وَلَوْ بَعْضَ شَوْطٍ أَوْ تَرَكَهُ جَهْلًا فَيَبْتَدِئُهُ (إنْ) كَانَ (فَرَغَ سَعْيُهُ) وَطَالَ الزَّمَنُ بِالْعُرْفِ أَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَإِلَّا بَنَى سَنَدٌ إنْ قِيلَ كَيْفَ يَبْنِي بَعْدَ فَرَاغِ سَعْيِهِ وَهَذَا تَفْرِيقٌ كَثِيرٌ يَمْنَعُ مِثْلُهُ الْبِنَاءَ فِي الصَّلَاةِ. قُلْت لَمَّا كَانَ السَّعْيُ مُرْتَبِطًا بِالطَّوَافِ حَتَّى لَا يَصِحَّ دُونَهُ جَرَى مَعَهُ مَجْرَى صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ كَمَنْ تَرَكَ سُجُودَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَقَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ الْبَقَرَةَ وَتَذَكَّرَ سُجُودَ الْأُولَى قَبْلَ عَقْدِ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لَهُ وَلَا تُعَدُّ قِرَاءَةُ الْبَقَرَةِ طُولًا. وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ " إنْ فَرَغَ سَعْيُهُ " أَنَّهُ طَوَافُ قُدُومٍ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ إفَاضَةٍ يَسْعَى عَقِبَهُ فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ إفَاضَةً لَا سَعْيَ بَعْدَهُ اُعْتُبِرَ الْقُرْبُ وَالْبُعْدُ مِنْ فَرَاغِ الطَّوَافِ بِالْعُرْفِ، فَإِنْ قَرُبَ بَنَى وَإِنْ بَعُدَ ابْتَدَأَ. (وَقَطَعَهُ) أَيْ: الطَّائِفُ طَوَافَهُ وُجُوبًا (لِ) إقَامَةِ الصَّلَاةِ (الْفَرِيضَةِ) لِرَاتِبِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَزِمَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا أَوْ صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا بِبَيْتِهِ أَوْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ جَمَاعَةٍ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّاهَا جَمَاعَةً بِهِ وَأُقِيمَتْ لِلرَّاتِبِ فَهَلْ يَقْطَعُهُ وَيَخْرُجُ؛ لِأَنَّ فِي بَقَائِهِ طَعْنًا عَلَيْهِ أَوْ لَا؟؛ لِأَنَّ تَلَبُّسَهُ بِالطَّوَافِ يَدْفَعُ الطَّعْنَ وَمِثْلُ الْإِقَامَةِ فَرِيضَةٌ حَاضِرَةٌ تَذَكَّرَهَا وَخَافَ خُرُوجَ وَقْتِهَا وَلَوْ الِاخْتِيَارِيَّ إنْ أَتَمَّ الطَّوَافَ الْفَرْضَ اسْتَظْهَرَهُ الْحَطّ، قَالَ وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَا إشْكَالَ فِي قَطْعِهِ لَهَا وَمَفْهُومُ لِلْفَرِيضَةِ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ رُكْنًا كَانَ وَاجِبًا لِغَيْرِهَا كَرَكْعَتَيْ فَجْرٍ وَضُحًى، فَإِنْ كَانَ مَنْدُوبًا فَلَهُ قَطْعُهُ لِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ لَا تُقَامُ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهُ. الْحَطّ وَيَبْنِي وَالظَّاهِرُ قَطْعُ الطَّوَافِ غَيْرِ الْوَاجِبِ لِلْوِتْرِ إذَا خُشِيَ خُرُوجُ وَقْتِهِ الِاخْتِيَارِيِّ وَإِيقَاعُهُ فِي الضَّرُورِيِّ. (وَنُدِبَ) لَهُ (كَمَالُ الشَّوْطِ) الَّذِي أُقِيمَتْ الْفَرِيضَةُ فِيهِ قَبْلَ قَطْعِهِ لَهَا وَلَوْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ بِأَنْ يَخْرُجَ مِنْ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ لِيَبْنِيَ مِنْ أَوَّلِ الشَّوْطِ الَّذِي يَلِيهِ، فَإِنْ لَمْ يُكَمِّلْهُ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ يَبْنِي مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ وَالْمُسْتَحَبُّ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ الشَّوْطِ. الْحَطّ الظَّاهِرُ حَمْلُ كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى الْوِفَاقِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ سَنَدٍ
[ ٢ / ٢٤٦ ]
وَبَنَى: إنْ رَعَفَ.
أَوْ عَلِمَ بِنَجَسٍ، وَأَعَادَ رَكْعَتَيْهِ بِالْقُرْبِ،
_________________
(١) [منح الجليل] (وَبَنَى) الطَّائِفُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ طَوَافِهِ (إنْ رَعَفَ) حَقُّهُ أَنْ يُقَالَ كَأَنْ رَعَفَ لِيُفِيدَ أَنَّهُ إذَا قَطَعَهُ لِلْفَرِيضَةِ يَبْنِي قَبْلَ تَنَقُّلِهِ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، فَإِنْ تَنَفَّلَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ طَوَافَهُ ابْتَدَأَهُ، وَكَذَا إنْ جَلَسَ بَعْدَ صَلَاتِهِ طَوِيلًا لِذِكْرٍ أَوْ حَدِيثٍ لِتَرْكِ الْمُوَالَاةِ. وَلَوْ قَالَ كَأَنْ رَعَفَ لَمْ يَكُنْ تَشْبِيهًا فِي نَدْبِ كَمَالِ الشَّوْطِ لِخُرُوجِ الرَّاعِفِ بِمُجَرَّدِ حُصُولِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِطَ هُنَا أَنْ لَا يُجَاوِزَ مَكَانًا مُمْكِنًا قَرُبَ، وَأَنْ لَا يَبْعُدَ جِدًّا، وَأَنْ لَا يَطَأَ نَجَسًا لَا الِاسْتِقْبَالُ وَعَدَمُ الْكَلَامِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِمَا فِي الطَّوَافِ. (أَوْ عَلِمَ) الطَّائِفُ فِي أَثْنَاءِ طَوَافِهِ (بِنَجَسٍ) فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ فَيَطْرَحُهَا أَوْ يَغْسِلُهَا وَيَبْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ طَوَافِهِ إنْ لَمْ يَطُلْ، وَإِلَّا بَطَلَ لِعَدَمِ مُوَالَاتِهِ. وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ ابْنَ الْحَاجِبِ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ لَا يَبْنِي وَيَبْتَدِئُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَنْ أَشْهَبَ، وَلَمْ يَحْكِ مُقَابِلَهُ وَجَوَابُ الْحَطّ بِأَنَّهُ تَبِعَ اسْتِظْهَارَ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيِّ لَا يُعَادِلُ ذَلِكَ قَالَهُ عب. الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ كَرَاهَةُ الطَّوَافِ بِالثَّوْبِ النَّجَسِ. ابْنُ رُشْدٍ وَعَلَيْهِ لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَإِنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا. الثَّانِي: لِابْنِ الْقَاسِمِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ إلَّا بَعْدَ الطَّوَافِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَالثَّالِثُ: لِأَشْهَبَ إنْ عَلِمَ بِهِ أَثْنَاءَهُ ابْتَدَأَهُ وَبَعْدَ كَمَالِهِ أَعَادَهُ وَأَعَادَ السَّعْيَ إنْ قَرُبَ اهـ. فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَ أَشْهَبَ مُقَابِلٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ كَمَالِهِ التُّونُسِيُّ يُشْبِهُ أَنْ يَبْنِيَ إنْ عَلِمَ أَثْنَاءَهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُوَافِقَ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - هُوَ وَاَلَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ الْحَاجِبِ. (وَ) إنْ لَمْ يَعْلَمْ النَّجَسَ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ طَوَافِهِ فَلَا يُعِيدُهُ وَ(أَعَادَ) نَدْبًا (رَكْعَتَيْهِ) أَيْ الطَّوَافَ (بِالْقُرْبِ) بِالْعُرْفِ، فَإِنْ طَالَ فَلَا يُعِيدُهُمَا وَانْتِقَاضُ وُضُوئِهِ كَالطُّولِ (وَ)
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وَعَلَى الْأَقَلِّ إنْ شَكَّ.
وَجَازَ بِسَقَائِفَ لِزَحْمَةٍ، وَإِلَّا أَعَادَ، وَلَمْ يَرْجِعْ لَهُ، وَلَا دَمَ
_________________
(١) [منح الجليل] يَبْنِي (عَلَى الْأَقَلِّ إنْ شَكَّ) فِي عَدَدِ الْأَشْوَاطِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكِحًا وَإِلَّا فَيَبْنِي عَلَى الْأَكْثَرِ وَيَعْمَلُ بِأَخْبَارِ غَيْرِهِ وَلَوْ وَاحِدًا لَيْسَ مَعَهُ فِي الطَّوَافِ، نَقَلَهُ الْحَطّ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَهُ عب. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَلَوْ وَاحِدًا لَيْسَ مَعَهُ فِي الطَّوَافِ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ قَدْ طَافَ مَعَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَخْفِيفَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لِلشَّاكِّ قَبُولُ خَبَرِ رَجُلَيْنِ طَافَا مَعَهُ الشَّيْخُ، وَفِي رِوَايَةٍ قَبُولُ خَبَرِ رَجُلٍ مَعَهُ الْبَاجِيَّ عَنْ الْأَبْهَرِيِّ الْقِيَاسُ إلْغَاءُ قَوْلِ غَيْرِهِ وَبِنَاؤُهُ عَلَى يَقِينِهِ كَالصَّلَاةِ وَقَالَهُ عَبْدُ الْحَقِّ اهـ. وَنَقَلَهُ الْحَطّ قَالَ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى الْأَقَلِّ سَوَاءٌ شَكَّ وَهُوَ فِي الطَّوَافِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ، بَلْ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ إذَا شَكَّ فِي إكْمَالِ طَوَافِهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ لِبَلَدِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ. (وَجَازَ) الطَّوَافُ (بِسَقَائِفَ لِزَحْمَةٍ) وَمِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ بِالْأَوْلَى قَدْ يُقَالُ يُتَوَهَّمُ مِنْ اقْتِصَارِ الْمُصَنِّفِ عَلَى السَّقَائِفِ جَوَازُهُ مِنْ وَرَاءِ زَمْزَمَ بِلَا زَحْمَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ جَمَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَإِنْ ذَهَبْت أَثْنَاءَهُ كَمَّلَهُ بِمَكَانِهِ الْمُعْتَادِ، وَلَا يَجُوزُ تَجَاوُزُهُ فِي بَقِيَّةِ أَشْوَاطِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لِضَرُورَةٍ وَقَدْ زَالَتْ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الطَّوَافُ بِالسَّقَائِفِ لِزَحْمَةٍ بِأَنْ طَافَ بِهَا الْحَرُّ أَوْ بَرْدٌ أَوْ مَطَرٌ (أَعَادَ) طَوَافَهُ وُجُوبًا مَا دَامَ بِمَكَّةَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (وَ) إنْ خَرَجَ مِنْهَا (لَمْ يَرْجِعْ لَهُ) أَيْ: الطَّوَافِ مِمَّا شَقَّ عَلَيْهِ رُجُوعُهُ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ بَلَدَهُ أَوْ غَيْرَهُ. (وَلَا دَمَ) عَلَيْهِ وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِالسَّقَائِفِ وَاجِبًا كَانَ أَوْ غَيْرُهُ إلَّا لِزَحْمَةٍ، فَإِنْ طَافَ بِهَا لِغَيْرِهَا أَعَادَ الْوَاجِبَ لَا غَيْرَهُ. وَقَوْلُهُ بِسَقَائِفَ أَيْ: الَّتِي كَانَتْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الَّتِي فِي زَمَنِنَا فَهِيَ خَارِجَةٌ عَنْ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهَا مَزِيدَةٌ فِيهِ فَالطَّوَافُ فِيهَا طَوَافٌ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ بَاطِلٌ وَلَوْ لِزَحْمَةٍ. سَحْنُونٌ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَهِيَ
[ ٢ / ٢٤٨ ]
وَوَجَبَ كَالسَّعْيِ قَبْلَ عَرَفَةَ إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ وَلَمْ يُرَاهِقْ وَلَمْ يُرْدِفْ بِحَرَمٍ، وَإِلَّا سَعَى بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، وَإِلَّا فَدَمٌ
_________________
(١) [منح الجليل] الزِّحَامُ إلَى السَّقَائِفِ اهـ. الْحَطّ لَمْ نَسْمَعْ قَطُّ أَنَّ الزِّحَامَ انْتَهَى إلَيْهَا بَلْ لَا يُجَاوِزُ النَّاسُ مَحَلَّ الطَّوَافِ الْمُعْتَادِ وَعَلَى نِهَايَتِهِ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ عَمُودًا مِنْ النُّحَاسِ وَعَمُودَانِ مِنْ الرُّخَامِ، فَمَا وَرَاءَ هَذِهِ الْعَوَامِيدِ لَيْسَ مِنْ مَحَلِّهِ الْمُعْتَادِ. (وَوَجَبَ) الطَّوَافُ عَلَى مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا وَلَيْسَ حَائِضًا وَلَا نُفَسَاءَ وَلَا مَجْنُونًا وَلَا مُغْمًى عَلَيْهِ وَلَا نَاسِيًا وَيُسَمَّى طَوَافَ الْقُدُومِ. وَشَبَّهَ فِي الْوُجُوبِ فَقَالَ (كَ) تَقْدِيمِ (السَّعْيِ) الَّذِي هُوَ رُكْنُ الْحَجِّ فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ (قَبْلَ) وُقُوفِ (عَرَفَةَ) فَالتَّشْبِيهُ لَيْسَ تَامًّا إذْ طَوَافُ الْمَقْدُومِ وَاجِبٌ وَالسَّعْيُ رُكْنٌ، فَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ وُجُوبَ طَوَافِ الْقُدُومِ فِي نَفْسِهِ وَوُجُوبَ تَقْدِيمِهِ عَلَى عَرَفَةَ (إنْ أَحْرَمَ) بِالْحَجِّ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْعُمْرَةِ (مِنْ الْحِلِّ) وَلَوْ آفَاقِيًّا اتَّسَعَ نَفْسُهُ خَرَجَ لِمِيقَاتِهِ فَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ مِنْ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْحَرَمِ لِإِقَامَتِهِ بِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ. (وَ) إنْ (لَمْ يُرَاهِقْ) بِكَسْرِ الْهَاءِ أَوْ فَتْحِهَا أَيْ: لَمْ يُقَارِبْ وَقْتَ الْوُقُوفِ بِحَيْثُ يَخْشَى فَوَاتَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إنْ طَافَ لِلْقُدُومِ، فَإِنْ رَاهَقَ وَخَشِيَ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ (وَ) إنْ (لَمْ يُرْدِفْ) الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَلَوْ بَعْدَ فَرَاغِهَا (بِحَرَمٍ) وَأَغْنَى عَنْ هَذَا قَوْلُهُ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ فَإِنْ وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ وَجَبَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ وَالسَّعْيُ عَقِبَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ لِعَرَفَةَ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَتَوَفَّرْ هَذِهِ الشُّرُوطُ بِأَنْ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ الْحَرَمِ أَوْ رَاهَقَ أَوْ أَرْدَفَهُ بِحَرَمٍ فَلَا قُدُومَ عَلَيْهِ وَ(سَعَى) السَّعْيَ الَّذِي هُوَ رُكْنُ الْحَجِّ (بَعْدَ) طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ) وَلَا دَمَ لَتَرْكِهِ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ لِعَدَمِ شَرْطِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ النَّاسِي وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ الَّذِينَ اسْتَمَرَّ عُذْرُهُمْ إلَى عَرَفَةَ وَيُمْكِنُ إدْخَالُهُمْ فِي الْمُرَاهِقِ. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَسَعْ مِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ عَقِبَ الْإِفَاضَةِ بِأَنْ طَافَ الْمُرْدِفُ بِحَرَمٍ أَوْ الْمُحْرِمِ مِنْهُ غَيْرُ الْمُرَاهِقِ تَطَوُّعًا أَوْ فَرْضًا بِنَذْرِهِ وَسَعَى عَقِبَهُ (فَ) عَلَيْهِ (دَمٌ)
[ ٢ / ٢٤٩ ]
إنْ قَدَّمَ وَلَمْ يُعِدْ.
بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ السَّعْيُ سَبْعًا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، مِنْهُ الْبَدْءُ مَرَّةً وَالْعَوْدُ أُخْرَى.
وَصِحَّتُهُ بِتَقَدُّمِ طَوَافٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] لِمُخَالَفَتِهِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ تَأْخِيرِ سَعْيِهِ عَقِبَ إفَاضَتِهِ (إنْ) كَانَ (قَدَّمَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا سَعْيَهُ عَقِبَ الطَّوَافِ الَّذِي طَافَهُ قَبْلَ عَرَفَةَ تَطَوُّعًا أَوْ نَذْرًا (وَ) إنْ (لَمْ يُعِدْ) السَّعْيَ عَقِبَ إفَاضَتِهِ حَتَّى رَجَعَ لِبَلَدِهِ، وَأَمَّا الْمُرَاهِقُ إذَا تَكَلَّفَ طَوَافَ الْقُدُومِ وَسَعَى عَقِبَهُ وَلَمْ يُعِدْهُ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِإِتْيَانِهِ بِمَا هُوَ الْأَصْلُ قَالَهُ الشَّارِحُ وتت، وَاسْتَظْهَرَهُ الْحَطّ. وَقَالَ ابْنُ عَاشِرٍ إنَّهُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ مِنْ اللَّفْظِ. (ثُمَّ السَّعْيُ) أَيْ: لَهُمَا وَحَذَفَهُ اسْتِغْنَاءً بِذِكْرِهِ عَقِبَ الطَّوَافِ أَشْوَاطًا (سَبْعًا) لِلْحَجِّ وَكَذَا لِلْعُمْرَةِ (بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْهُ) أَيْ الصَّفَا (الْبَدْءُ) حَالَ كَوْنِهِ مَعْدُودًا (مَرَّةً) فَإِنْ بَدَأَ مِنْ الْمَرْوَةِ فَلَا يَحْتَسِبُ بِهِ وَإِلَّا بَطَلَ سَعْيُهُ. (وَالْعَوْدُ) مِنْ الْمَرْوَةِ إلَى الصَّفَا يُعَدُّ مَرَّةً (أُخْرَى) وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ أَلِفَ الصَّفَا لِلتَّأْنِيثِ؛ لِأَنَّهَا ثَالِثُهُ كَأَلِفِ فَتًى وَعَصًا، أَلِفُ التَّأْنِيثِ لَا تَكُونُ إلَّا رَابِعَةً فَصَاعِدًا وَمِنْ شُرُوطِ السَّعْيِ مُوَالَاتُهُ فِي نَفْسِهِ وَيُغْتَفَرُ التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ كَصَلَاتِهِ أَثْنَائِهِ عَلَى جِنَازَةٍ أَوْ بَيْعِهِ أَوْ اشْتِرَائِهِ شَيْئًا أَوْ جُلُوسِهِ مَعَ أَحَدٍ أَوْ وُقُوفِهِ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ مِنْ غَيْرِ طُولٍ فَيَبْنِي، وَلَا يَنْبَغِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنْ كَثُرَ التَّفْرِيقُ لَمْ يَبْنِ وَابْتَدَأَهُ، فَإِنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِيهِ فَلَا يَقْطَعُهُ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْمَسْجِدِ، نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ. وَأَمَّا الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ فَفِي الْحَطّ أَنَّ اتِّصَالَهُ بِالطَّوَافِ شَرْطٌ، وَفِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ سُنَّةٌ. (وَصِحَّتُهُ) أَيْ السَّعْيِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَشْرُوطَةٌ (بِتَقَدُّمِ طَوَافٍ) عَلَيْهِ فَإِنْ سَعَى بِلَا تَقَدُّمِ طَوَافٍ فَهُوَ بَاطِلٌ سَوَاءٌ كَانَ الطَّوَافُ فَرْضًا كَالْإِفَاضَةِ وَطَوَافِ الْعُمْرَةِ، أَوْ وَاجِبًا كَالْقُدُومِ أَوْ نَفْلًا كَمَا عَدَاهَا. ثُمَّ إنْ كَانَ فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا صَحَّ السَّعْيُ بَعْدَ صِحَّةٍ تَامَّةٍ لَا يَحْتَاجُ مَعَهَا لِشَيْءٍ إنْ نَوَى وُجُوبَ الْقُدُومِ أَوْ سُنِّيَّتَهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ رُكْنًا، وَأَنَّهُ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ أَوْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ عِنْدَ فِعْلِهِ شَيْئًا وَهُوَ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ أَوْ سُنِّيَّتَهُ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا إنْ
[ ٢ / ٢٥٠ ]
وَنَوَى فَرْضِيَّتَهُ، وَإِلَّا فَدَمٌ، وَرَجَعَ إنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ عُمْرَةٍ حِرْمًا،
_________________
(١) [منح الجليل] نَوَى سُنِّيَّتَهُ بِمَعْنَى أَنَّ لَهُ فِعْلَهُ وَتَرْكَهُ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَهُوَ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ أَوْ كَانَ الطَّوَافُ الَّذِي سَعَى بَعْدَهُ نَفْلًا أَعَادَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَسَعَى بَعْدَهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ أَوْ قُرْبَهَا، فَإِنْ تَبَاعَدَ فَعَلَيْهِ دَمٌ. فَقَوْلُهُ (وَنَوَى فَرْضِيَّتَهُ) أَيْ: الطَّوَافِ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ السَّعْيِ وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِتَمَامِهِ وَعَدَمِ إعَادَتِهِ وَعَدَمِ تَرَتُّبِ دَمٍ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَرْضِيَّتَهُ بِأَنْ طَافَ قَبْلَهُ طَوَافًا نَفْلًا أَوْ طَوَافَ قُدُومٍ نَاوِيًا نَفْلِيَّتَهُ لِجَهْلِهِ وُجُوبَهُ (فَ) عَلَيْهِ (دَمٌ) إنْ تَبَاعَدَ عَنْ مَكَّةَ وَإِلَّا أَعَادَهُ بِنِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ وَسَعَى بَعْدَهُ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ فَفِي قَوْلِهِ وَالْإِقْدَامُ مُسَامَحَةٌ إذْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهِ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ قُرْبَهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِالْفَرْضِيَّةِ هُنَا الْوُجُوبُ بِدَلِيلِ انْجِبَارِهِ بِالدَّمِ. وَلِأَنَّ الْفَرْضَ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ إنَّمَا هُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ عَرَفَةَ كَمَا يَأْتِي. الْمُصَنِّفُ فِي مَنْسَكِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الطَّوَافُ وَاجِبًا عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي شَرْطِ وُجُوبِهِ قَوْلَانِ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَلَهَا. وَقَالَ الشَّارِحُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الطَّوَافِ وَاجِبًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ إذْ لَوْ كَانَ شَرْطًا لَلَزِمَ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ صِحَّةِ السَّعْيِ وَأَنْ يَرْجِعَ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ دُونَ جَبْرِهِ بِالدَّمِ (وَرَجَعَ) الْمُعْتَمِرُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ. (إنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ عُمْرَةٍ) اعْتَمَرَهَا لِفِعْلِهِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ تَرَكَ بَعْضَهُ حَالَ كَوْنِهِ (حِرْمًا) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ: مُحْرِمًا مُتَجَرِّدًا مِنْ الْمُحِيطِ، كَتَجَرُّدِهِ عِنْدَ أَوَّلِ إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ أَرْكَانِهَا إلَّا الْإِحْرَامُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي ارْتِكَابِ شَيْءٍ مَمْنُوعٍ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَصَابَ النِّسَاءَ فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ فَيُتِمُّهَا فَاسِدَةً ثُمَّ يَقْضِيهَا مِنْ الْمِيقَات الَّذِي كَانَ أَحْرَمَ مِنْهُ أَوَّلًا وَيُهْدِي، وَعَلَيْهِ لِكُلِّ صَيْدٍ أَصَابَهُ الْجَزَاءَ قَالَهُ فِيهَا، وَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ لِلُبْسِهِ وَطِيبِهِ وَاتَّحَدَتْ إنْ ظَنَّ الْإِبَاحَةَ فَإِذَا وَصَلَ مَكَّةَ طَافَ
[ ٢ / ٢٥١ ]
وَافْتَدَى لِحَلْقِهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ سَعْيِهِ بِحَجٍّ، فَقَارِنٌ كَطَوَافِ الْقُدُومِ إنْ سَعَى بَعْدَهُ، وَاقْتَصَرَ، وَالْإِفَاضَةُ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَهُ، وَلَا دَمَ حِلًّا
_________________
(١) [منح الجليل] وَسَعَى وَحَلَقَ أَوْ قَصَّرَ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ وُقُوعِ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا بَعْدَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَأَنَّهُ لَا يَقْضِي النُّسُكَ فِي الْعَمْدِ (وَافْتَدَى) وُجُوبًا (لِحَلْقِهِ) إنْ كَانَ قَدْ تَحَلَّلَ بِهِ أَوَّلًا، وَلَا بُدَّ مِنْ حَلْقِهِ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا. (وَإِنْ) كَانَ (أَحْرَمَ) مَنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ عُمْرَتِهِ (بَعْدَ سَعْيِهِ) بَعْدَ الطَّوَافِ الْفَاسِدِ (بِحَجٍّ فَ) هُوَ (قَارِنٌ)؛ لِأَنَّ طَوَافَهُ الْفَاسِدَ وَسَعْيَهُ عَقِبَهُ كَالْعَدَمِ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ غَيْرُ إحْرَامِهَا وَالْإِرْدَافُ عَلَيْهِ صَحِيحٌ لِصِحَّةِ الْعُمْرَةِ فِي نَفْسِهَا بِاعْتِبَارِ إحْرَامِهَا وَمَفْهُومُ بِحَجٍّ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ لَكَانَ إحْرَامُهُ بِهَا لَاغِيًا لِقَوْلِهِ كَالثَّانِي فِي عُمْرَتَيْنِ. وَشَبَّهَ فِي الرُّجُوعِ فَقَطْ فَقَالَ (كَطَوَافِ الْقُدُومِ) الْفَاسِدِ فَيَرْجِعُ لَهُ (إنْ) كَانَ (سَعَى بَعْدَهُ) أَيْ: الْقُدُومِ (وَاقْتَصَرَ) عَلَى سَعْيِهِ عَقِبَ الْقُدُومِ وَلَمْ يُعِدْهُ عَقِبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، فَإِنْ أَعَادَهُ فَلَا يَرْجِعُ فَالرُّجُوعُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلسَّعْيِ لَا لِلْقُدُومِ، فَإِذَا وَصَلَ مَكَّةَ فَيَطُوفُ وَيَسْعَى فَيُتِمُّ تَحَلُّلَهُ مِنْ الْحَجِّ وَيَنْوِي بِطَوَافِهِ الْإِفَاضَةَ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ فَاتَ مَحَلُّهُ بِوُقُوفِ عَرَفَةَ وَلَزِمَهُ إعَادَةُ السَّعْيِ يُعِدْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، فَلَمَّا لَمْ يُعِدْهُ بَعْدَ طَوَافِهَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ صَارَ كَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ فَيُعِيدُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَيَسْعَى عَقِبَهُ (وَ) كَطَوَافِ (الْإِفَاضَةِ) الْفَاسِدِ أَوْ الْمَنْسِيِّ كُلِّهِ أَوْ بَعْضَهُ فَيَرْجِعُ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَهُ) بِطَوَافٍ صَحِيحٍ فَيُجْزِئُهُ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ الْفَاسِدِ، وَلَا يَرْجِعُ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ تَطَوُّعَ الْحَجِّ يَجْزِي عَنْ وَاجِبِ جِنْسِهِ كَطَوَافٍ عَنْ مِثْلِهِ (وَلَا دَمَ) عَلَيْهِ إذَا تَطَوَّعَ بَعْدَهُ نَاسِيًا لِقَوْلِ الْجُزُولِيِّ لَا خِلَافَ إذَا طَافَ لِلْوَدَاعِ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلْإِفَاضَةِ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ وَفَرْضُهَا فِي رُجُوعِهِ لِبَلَدِهِ، فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَمَرَ بِإِعَادَةِ الْإِفَاضَةِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ ابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِ وَيَرْجِعُ لِلْقُدُومِ الَّذِي سَعَى بَعْدَهُ وَاقْتَصَرَ وَلِلْإِفَاضَةِ حَالَ كَوْنِهِ (حِلًّا) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ اللَّامِ أَيْ: حَلَالًا مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَحَلَّلَ
[ ٢ / ٢٥٢ ]
إلَّا مِنْ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ، وَكُرِهَ الطِّيبُ وَاعْتَمَرَ، وَالْأَكْثَرُ إنْ وَطِئَ،.
_________________
(١) [منح الجليل] التَّحَلُّلَ الْأَصْغَرَ بِرَمْيِ الْعَقَبَةِ أَوْ مَضَى وَقْتُهَا (إلَّا مِنْ) لَذَّةِ (نِسَاءٍ وَ) تَعَرُّضِ (صَيْدٍ) فَيَحْرُمَانِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَحِلَّانِ إلَّا بِالتَّحَلُّلِ الْأَكْبَرِ وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ. (وَكُرِهَ الطِّيبُ وَ) إذَا رَجَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِمَكَّةَ فَيَكْمُلُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ بِإِحْرَامِهِ الْأَوَّلِ وَلَا يُجَدِّدُ إحْرَامًا لِبَقَائِهِ عَلَى إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ، وَلَا يُلَبِّي فِي طَرِيقِهِ لِفَوَاتِ وَقْتِ التَّلْبِيَةِ فَاَلَّذِي لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ قُدُومِهِ يُعِيدُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَيَسْعَى عَقِبَهُ. وَاَلَّذِي لَمْ يَصِحَّ طَوَافُ إفَاضَتِهِ يَطُوفُ لِلْإِفَاضَةِ فَقَطْ وَلَا يَحْلِقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَأْسَهُ لِحَلْقِهِ بِمِنًى وَإِنْ تَبَيَّنَ فَسَادَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ الْإِفَاضَةِ وَرَجَعَ لَهُ وَكَمَّلَ حَجَّهُ (اعْتَمَرَ) بَعْدَ إكْمَالِهِ أَيْ: خَرَجَ إلَى الْحِلِّ وَأَتَى مِنْهُ بِعُمْرَةٍ سَوَاءٌ وَطِئَ أَمْ لَا، وَهَذَا ظَاهِرُ ابْنِ الْحَاجِبِ زَادَ وَيُهْدِي. (وَالْأَكْثَرُ) قَالُوا يَعْتَمِرُ (إنْ) كَانَ (وَطِئَ) لِيَأْتِيَ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ لَا خَلَلَ فِيهِمَا وَيُهْدِي وَلَا يُحْرِمُ بِهَا قَبْلَ إكْمَالِ الْحَجِّ، لِقَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ إلَّا لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ فَلِتَحَلُّلِهِ. وَأَمَّا إنْ لَمْ يَطَأْ فَلَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْأَقَلَّ قَالُوا يَأْتِي بِعُمْرَةٍ إنْ لَمْ يَطَأْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَالْمُنَاسِبُ وَاعْتَمَرَ إنْ وَطِئَ وَالْأَكْثَرُ لَا يَعْتَمِرُ. الرَّمَاصِيُّ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَاعْتَمَرَ إنْ وَطِئَ لَكَانَ أَسْعَدَ بِقَوْلِهَا حَتَّى رَجَعَ وَأَصَابَ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ إلَى أَنْ قَالَتْ وَالْعُمْرَةُ مَعَ الْهَدْيِ تُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَجُلُّ النَّاسِ يَقُولُونَ لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ وَيُحْذَفُ قَوْلُهُ وَالْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُمْ الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا وَجُلُّ النَّاسِ. وَفَسَّرَهُمْ أَبُو الْحَسَنِ بِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَطَاءٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ خَارِجُ الْمَذْهَبِ بَلْ ذِكْرُهُمْ يُوهِمُ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ إثْبَاتُ الْعُمْرَةِ مَعَ الْوَطْءِ وَبَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ الْهَدْيُ إنْ أَصَابَ النِّسَاءَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي نَصِّهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ لِوَطْئِهِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الثَّانِي فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ مَعَ الْعُمْرَةِ. فَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ إلَى الْمُحْرِمِ فَالْأَقْيَسُ قَوْلُ أَشْهَبَ عَلَيْهِ هَدْيَانِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُدًى وَاحِدٌ اُنْظُرْ الْحَطّ.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وَلِلْحَجِّ حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ سَاعَةً لَيْلَةَ النَّحْرِ، وَلَوْ مَرَّ إنْ نَوَاهُ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَ) الرُّكْنُ (لِلْحَجِّ) وَحْدَهُ (حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ) أَيْ الْكَوْنُ فِيهَا مُطْمَئِنًّا سَوَاءٌ وَقَفَ أَوْ جَلَسَ أَوْ اضْطَجَعَ أَوْ رَكِبَ عَلِمَ أَنَّهَا عَرَفَةُ أَمْ لَا، وَلِذَا عَدَلَ عَنْ وُقُوفِ الْمَشْهُورِ إلَى حُضُورٍ وَإِضَافَةِ حُضُورٍ إلَى جُزْءٍ بِمَعْنَى فِي فَلَا يُقَالُ مَعْنَى الْحُضُورِ الْمُشَاهَدُ فَتَصْدُقُ الْعِبَارَةُ بِمَنْ شَاهَدَهَا وَهُوَ خَارِجٌ عَنْهَا. وَلَيْسَ بِمُرَادٍ وَإِضَافَةُ جُزْءِ عَرَفَةَ بِمَعْنَى اللَّامِ أَيْ: فِي جُزْءٍ مَنْسُوبٍ لِعَرَفَةَ نِسْبَةَ الْجُزْءِ لِكُلِّهِ لَا بِمَعْنَى مِنْ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْإِخْبَارِ بِالْمُضَافِ إلَيْهِ عَنْ الْمُضَافِ كَيَدِ زَيْدٍ لِخَبَرِ «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» «وَارْتَفَعُوا عَنْ بَطْنِ عَرَفَةَ» . وَالْأَفْضَلُ الْوُقُوفُ فِي مَوْقِفِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ الْمَطْرُوحَةِ قُرْبَ جَبَلِ الرَّحْمَةِ وَهُوَ فِي وَسَطِ عَرَفَةَ. وَوَقْتُ الْحُضُورِ قَوْلُهُ (سَاعَةً) أَيْ: جُزْءٌ مِنْ الزَّمَانِ (مِنْ) سَاعَاتِ (لَيْلَةِ) يَوْمِ (النَّحْرِ) أَيْ: عَاشِرِ ذِي الْحِجَّةِ وَتَدْخُلُ بِغُرُوبِ التَّاسِعِ وَهَذَا هُوَ الرُّكْنُ، وَأَمَّا الْوُقُوفُ نَهَارًا مِنْ زَوَالِ تَاسِعِ ذِي الْحِجَّةِ فَوَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ إنْ تَرَكَهُ عَمْدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ يَدْخُلُ وَقْتُ الْوُقُوفِ الرُّكْنَ بِزَوَالِ الشَّمْسِ وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ زَمَانَ الْوُقُوفِ مُوسِعٌ وَآخِرُهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْدَئِهِ فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ الْغُرُوبِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ الزَّوَالِ، وَوَافَقَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ الْجُمْهُورَ وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَيَكْفِي الْحُضُورُ بِعَرَفَةَ سَاعَةً مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ إذَا اسْتَقَرَّ وَاطْمَأَنَّ بَلْ (وَلَوْ مَرَّ) الْحَاجُّ بِعَرَفَةَ مِنْ غَيْرِ طُمَأْنِينَةٍ (إنْ نَوَاهُ) أَيْ: الْمَارُّ الْوُقُوفَ بِهَا بِمُرُورِهِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ بِهِ فَلَا يَحْصُلُ الرُّكْنُ بِهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ سُنَّةِ الْحُجَّاجِ، بِخِلَافِ الْمُطْمَئِنِّ فَيَنْسَحِبُ إحْرَامُهُ عَلَى حُضُورِهِ مُطْمَئِنًّا كَانْسِحَابِهِ عَلَى الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَسَائِرِ أَعْمَالِ الْحَجِّ. وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا مَعْرِفَةُ أَنَّ مَا مَرَّ بِهِ عَرَفَةُ وَسَيُفِيدُ هَذَا بِقَوْلِهِ لَا الْجَاهِلُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ وَعَرَفَهُ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ فَلَا يَكْفِيهِ، وَعَلَى الْمَارِّ النَّاوِي الْعَارِفِ هَدْيٌ فَالطُّمَأْنِينَةُ وَاجِبَةٌ.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
أَوْ بِإِغْمَاءٍ قَبْلَ الزَّوَالِ، أَوْ أَخْطَأَ الْجَمُّ بِعَاشِرٍ
_________________
(١) [منح الجليل] وَأَشَارَ بِوَلَوْ إلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ إجْزَاءِ الْمُرُورِ وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَفِي الْمَارِّ قَوْلَانِ وَاعْتَرَضَهُ فِي التَّوْضِيحِ بِقَوْلِهِ لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ جَعَلَ سَنَدٌ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَعْرِفْهَا وَنَصُّهُ وَمَنْ مَرَّ بِعَرَفَةَ وَعَرَفَهَا أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا فَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَجْزِيهِ وَالْأَشْهَرُ الْإِجْزَاءُ اهـ. وَبَحَثَ فِيهِ الْحَطّ بِأَنَّ سَنَدًا لَمْ يُصَرِّحْ بِتَشْهِيرِ الْإِجْزَاءِ وَإِنَّمَا قَالَ بَعْدَ أَنْ حَكَى عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْإِجْزَاءَ وَهُوَ بَيِّنٌ. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي جَاهِلِهَا رِوَايَتَيْنِ وَفِي الْعَارِفِ بِهَا أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ، وَنَصُّهُ وَفِي إجْزَاءِ مُرُورِ مَنْ مَرَّ بِعَرَفَةَ عَارِفًا بِهَا مُطْلَقًا أَوْ إنْ نَوَى بِهِ الْوُقُوفَ، ثَالِثُهَا وَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى فَإِنْ نَوَى وَلَمْ يَذْكُرْهُ لَمْ يُجْزِهِ، وَرَابِعُهَا الْوُقُوفُ. ثُمَّ قَالَ وَفِي إجْزَاءِ مَنْ مَرَّ بِهَا جَاهِلًا رِوَايَةُ ابْنِ الْمُنْذِرِ. وَدَلِيلُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ اللَّخْمِيِّ عَنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ وَيَكْفِي حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ سَاعَةً مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَاضِرُ سَالِمًا مِنْ الْإِغْمَاءِ قَبْلَ الزَّوَالِ (أَوْ) كَانَ مُتَلَبِّسًا (بِإِغْمَاءِ) أَيْ: اسْتِتَارُ عَقْلٍ بِشِدَّةِ مَرَضٍ (قَبْلَ الزَّوَالِ) مِنْ تَاسِعِ ذِي الْحِجَّةِ وَأَوْلَى بَعْدَهُ وَاسْتَمَرَّ مُغْمًى عَلَيْهِ حَتَّى طَلَعَ فَجْرُ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ وَخَرَجَ وَقْتُ الْوُقُوفِ فَيَكْفِيهِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِغْمَاءَ لَا يُبْطِلُ الْإِحْرَامَ وَهُوَ مُنْسَحِبٌ عَلَى حُضُورِهِ إذَا وَقَفَ بِهِ رُفَقَاؤُهُ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ. وَمِثْلُ الْإِغْمَاءِ هُنَا الْجُنُونُ وَالنَّوْمُ وَالسُّكْرُ بِحَلَالٍ بِخِلَافِ السُّكْرِ بِحَرَامٍ فَيَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ كَجَهْلِ الْمَارِّ بَلْ أَوْلَى، وَأَشَارَ إلَى الْخِلَافِ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَبَالِغِ عَلَيْهِ بِوَلَوْ. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي إجْزَاءِ مَنْ وَقَفَ بِهِ مُغْمًى عَلَيْهِ مُطْلَقًا. أَوْ إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَوْ قَبْلَ وُقُوفِهِ، ثَالِثُهَا إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَهُمَا وَسَوَاءٌ كَانَ الْوُقُوفُ بِتَاسِعٍ. (أَوْ أَخْطَأَ الْجَمُّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَشَدِّ الْمِيمِ أَيْ: جَمِيعُ أَهْلِ الْمَوْقِفِ لَا أَكْثَرُهُمْ وَإِنْ كَانَ هَذَا مَعْنَى الْجَمِّ لُغَةً فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ فَوَقَفُوا (بِ) بِيَوْمِ (عَاشِرٍ) مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ الْيَوْمُ التَّاسِعُ وَأَنَّ اللَّيْلَةَ عَقِبَهُ لَيْلَةُ الْعَاشِرِ بِأَنْ غُمَّ عَلَيْهِمْ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ فَأَكْمَلُوا عِدَّتَهُ، وَوَقَفُوا فِي تَاسِعِ ذِي الْحِجَّةِ فَتَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ الْعَاشِرُ فَيُجْزِيهِمْ
[ ٢ / ٢٥٥ ]
فَقَطْ
_________________
(١) [منح الجليل] إنْ كَانَ الْمُخْطِئُ الْجَمِيعَ (فَقَطْ) فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ فَلَا يَكْفِيهِمْ وَلَوْ كَانُوا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَوْقِفِ وَكَانَ الْخَطَأُ بِعَاشِرٍ فَقَطْ، فَإِنْ كَانَ بِثَامِنٍ أَوْ حَادِي عَشَرٍ فَلَا يَكْفِي. وَالْفَرْقُ أَنَّ الَّذِينَ وَقَفُوا بِالْعَاشِرِ فَعَلُوا مَا تَعَبَّدَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - ﷺ - مِنْ إكْمَالِ الْعِدَّةِ إذَا غُيِّمَتْ بِخِلَافِهِ بِالثَّامِنِ، فَإِنَّهُ بِاجْتِهَادٍ أَوْ شَهَادَةٍ بَاطِلَةٍ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَوْ أَخْطَأَ الْجَمُّ بِعَاشِرٍ الْإِجْزَاءَ سَوَاءٌ تَبَيَّنَ لَهُمْ الْخَطَأُ قَبْلَ وُقُوفِهِمْ وَيُؤَمَّرُونَ بِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ أَمْ بَعْدَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الرَّاجِحِ. وَقَالَ سَنَدٌ مَحَلُّ الْإِجْزَاءِ إنْ تَبَيَّنَ لَهُمْ الْخَطَأُ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُمْ قَبْلَ الْوُقُوفِ أَنَّهُ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ الْوُقُوفُ حِينَئِذٍ، وَإِنْ وَقَفُوا فَلَا يَجْزِيهِمْ. الْحَطّ مَا قَالَهُ سَنَدٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ أَنَّهُمْ يَمْضُونَ عَلَى عَمَلِهِمْ سَوَاءٌ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ الْعَاشِرُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِمْ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبِلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ وَنَحْوُهُ فِي الْجَوَاهِرِ. طفي وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت كَلَامَ سَنَدٍ وَجَدْتَهَ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْجَوَاهِرِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُمَا فِيمَنْ وَقَفَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ أَوْ بَعْدَهُ أَنَّهُ الْعَاشِرُ. وَكَلَامُ سَنَدٍ فِيمَنْ لَمْ يَذْهَبْ لِلْوُقُوفِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ الْعَاشِرُ وَأَصْلُهُ لِلَّقَانِيِّ فِي حَوَاشِي التَّوْضِيحِ. وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْأَوَّلَ أَوْقَعَ الْوُقُوفَ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا فِي ظَنِّهِ اجْتِهَادًا، وَالثَّانِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوقِعَ الْوُقُوفَ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ الْمَشْرُوعِ قَصْدًا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي. اللَّقَانِيُّ وَهَذَا مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الطِّرَازِ. وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا نَشَأَ الْخَطَأُ مِنْ غَيْمِ لَيْلَةِ ثَلَاثِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ غَلَطٌ فِي عَدَدِ الْأَيَّامِ، وَلَكِنْ مُقْتَضَى الْفَرْقِ الْمُتَقَدِّمِ اخْتِصَاصُهُ بِالْأَوَّلِ كَمَا قَرَّرْتُهُ أَوَّلًا وَإِنَّهُ لَا يَجْزِيهِمْ وُقُوفُهُمْ بِعَاشِرٍ فِي الْفَرْضِ الثَّانِي. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي إجْزَاءِ وُقُوفِ أَهْلِ الْمَوْسِمِ الْعَاشِرِ غَلَطًا نَقَلَ الطُّرْطُوشِيُّ اخْتِلَافِي نَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ ابْنُ الْكَاتِبِ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَأَتْبَاعُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى الْإِجْزَاءِ وَوُقُوفُهُمْ الثَّامِنَ غَلَطًا لَغْوٌ. وَعَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ إجْزَاؤُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ وَاخْتَارَهُ، وَسَمِعَ أَصْبَغُ ابْنَ الْقَاسِمِ يُجْزِئُ الْعَاشِرُ لَا الثَّامِنُ الشَّيْخُ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ سَحْنُونٍ ابْنُ رُشْدٍ حَمَلَ بَعْضُهُمْ اخْتِلَافَهُ عَلَى
[ ٢ / ٢٥٦ ]
لَا الْجَاهِلُ: كَبَطْنِ عُرَنَةَ، وَأَجْزَأَ بِمَسْجِدِهَا بِكُرْهٍ، وَصَلَّى وَلَوْ فَاتَ.
_________________
(١) [منح الجليل] الْعَاشِرِ وَبَعْضُهُمْ عَلَى الثَّامِنِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لِوُجُودِ الْخِلَافِ فِيهِمَا. وَغَلَطُ الْمُنْفَرِدِ لَا يُجْزِئُ مُطْلَقًا اتِّفَاقًا (لَا) يُجْزِئُ الْمُرُورُ بِعَرَفَةَ الْمَارُّ (الْجَاهِلُ) بِأَنَّ مَا مَرَّ عَلَيْهِ عَرَفَةَ لِتَقْصِيرِهِ. وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْإِجْزَاءِ فَقَالَ (كَ) وُقُوفٍ بِ (بَطْنِ عُرَنَةَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَالنُّونِ وَادٍ بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَى طَرَفِ الْحَرَمِ وَالْعَلَمَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَى طَرَفِ عَرَفَةَ فَلَيْسَ مِنْ الْحَرَمِ وَلَا مِنْ عَرَفَةَ فَلَا يَجْزِي الْوُقُوفُ بِهِ (وَأَجْزَأَ) الْوُقُوفُ (بِمَسْجِدِهَا) أَيْ: عُرَنَةَ بِالنُّونِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عَرَفَةَ بِالْفَاءِ وَنُسِبَ لِذَاتِ النُّونِ؛ لِأَنَّ حَائِطَ الْقِبْلِيِّ الَّذِي إلَى جِهَةِ الْحَرَمِ عَلَى حَدِّ ذَاتِ النُّونِ لَوْ سَقَطَ لَسَقَطَ فِيهَا وَيُجْزِئُ الْوُقُوفُ بِهِ. (بِكُرْهٍ) بِضَمِّ الْكَافِ أَيْ: كَرَاهَةٍ لِارْتِبَاطِهِ بِذَاتِ النُّونِ. الْحَطّ أَخَذَ الْمُصَنِّفُ هَذَا مِمَّا حَكَاهُ الْجَلَّابُ عَنْ الْمَذْهَبِ وَلَمْ يَعْرُجْ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ، وَنَصَّهُ أَبُو عُمَرَ. رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَرَفَةُ بِالْحِلِّ وَعُرَنَةُ بِالْحَرَمِ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ هِيَ وَادِي عَرَفَةَ وَفِي إجْزَاءِ الْوُقُوفِ بِهَا مَعَ الدَّمِ وَعَدَمِ إجْزَائِهِ. ثَالِثُهَا يُكْرَهُ ثُمَّ قَالَ وَفِي إجْزَائِهِ بِمَسْجِدِ عَرَفَةَ ثَالِثُهَا الْوُقُوفُ لِلَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ مُزَيْنٍ مَعَ مُحَمَّدٍ قَائِلًا حَائِطُهُ الْقِبْلِيُّ عَلَى حَدِّ عَرَفَةَ سُقُوطُهُ بِهَا وَأَصْبَغُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مَعَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَفِيهَا كُرِهَ بِنَاؤُهُ وَقَالَ: إنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ بَنِي هَاشِمٍ بِعَشْرِ سِنِينَ. (وَصَلَّى) الْحَاجُّ الْعِشَاءَ أَوْ وَالْمَغْرِبَ إذَا خَشِيَ عَدَمَ إدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ الْأَخِيرَةِ عَقِبَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ لِعَرَفَةَ إنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ بَلْ (وَلَوْ فَاتَ) هـ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ؛ لِأَنَّ مَا تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهِ الْقَتْلَ يُقَدَّمُ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ وَاخْتَارَ سَنَدٌ وَاللَّخْمِيُّ وَالْقَرَافِيُّ وَجَمْعُ تَقْدِيمِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَأَمَّا لَوْ أَمْكَنَهُ الذَّهَابُ لِعَرَفَةَ مَعَ صَلَاةِ رَكْعَةٍ مِنْ الْعِشَاءِ بِهَا لَوَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْرُ لِعَرَفَةَ وَالصَّلَاةُ بِهَا اتِّفَاقًا، وَالتَّقْيِيدُ بِالْعِشَاءِ وَالْمَغْرِبِ لِإِخْرَاجِ تَذَكُّرِ فَائِتَةٍ لَا يُمْكِنُهُ قَضَاؤُهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ الْوُقُوفُ اتِّفَاقًا. وَإِنْ كَانَ وَقْتُ الْفَائِتَةِ وَقْتَ ذِكْرِهَا كَمَا فِي الْخَبَرِ لَضَعُفَ
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وَالسُّنَّةُ غُسْلٌ مُتَّصِلٌ، وَلَا دَمَ وَنُدِبَ بِالْمَدِينَةِ لِلْحُلَيْفِيِّ. .
_________________
(١) [منح الجليل] أَمْرُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَاضِرِ وَقْتَهُ وَهُوَ الْوُقُوفُ. وَالْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ جَارٍ عَلَى الْفَوْرِيَّةِ وَالتَّرَاخِي. وَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ يُقَدِّمُ الصَّلَاةَ عَلَى التَّرَاخِي غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْفَوْرَ وَالتَّرَاخِيَ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَيْهِمَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَقَدْ صَارَ إتْمَامُهُ فَرْضًا عَلَى الْفَوْرِ إجْمَاعًا. بَلْ لَوْ كَانَ تَطَوُّعًا وَجَبَ إتْمَامُهُ. فَإِنْ أَفْسَدَهُ وَجَبَ إتْمَامُهُ وَقَضَاؤُهُ فَوْرًا اهـ. عب قَوْلُهُ وَالتَّقْيِيدُ بِالْعِشَاءِ إلَخْ صَحِيحٌ وَفِيهَا فَرَضَ ابْنُ بَشِيرٍ الْمَسْأَلَةَ وَالْخِلَافَ، وَلِذَا قَالَ الْحَطّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَوْ فَاتَتْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ اهـ. وَلَا يُرَدُّ بِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ. مُحَمَّدٌ إنْ ذَكَرَ مَنْسِيَّةً إنْ صَلَّاهَا فَاتَهُ الْوُقُوفُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَقَفَ إنْ كَانَ قُرْبَ عَرَفَةَ وَإِلَّا صَلَّى. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إنْ كَانَ آفَاقِيًّا وَقَفَ وَالْأَصْلِيُّ. الصَّائِغُ يُصَلِّي إيمَاءً كَالْمُسَايِفِ. وَرَدَّهُ ابْنُ بَشِيرٍ بِخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ وَهُوَ قِيَاسٌ عَلَى الرُّخْصَةِ، ثُمَّ قَالَ وَفَرَضَهَا ابْنُ بَشِيرٍ فِي ذَاكِرِ عِشَاءٍ لَيْلَتَهُ اهـ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ مُحْتَمِلٌ لِكَوْنِ الْمَنْسِيَّةِ فَاتَتْهُ أَوْ حَاضِرَةٌ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْأَوَّلَ قَالَهُ طفي. (وَالسُّنَّةُ) لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ مُطْلَقًا أَوْ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ (غُسْلٌ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا وَلَوْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ؛ لِأَنَّهُ لِلْإِحْرَامِ لَا لِلصَّلَاةِ (مُتَّصِلٌ) بِالْإِحْرَامِ قُيِّدَ فِي السُّنِّيَّةِ فَلَوْ اغْتَسَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ وَأَحْرَمَ آخِرَهُ لَمْ يَأْتِ بِالسُّنَّةِ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ. وَكَذَا إنْ اغْتَسَلَ أَوَّلَهُ وَأَحْرَمَ عِنْدَ زَوَالِهِ وَيُغْتَفَرُ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ كَإِصْلَاحِ الْجِهَازِ وَشَدِّ الرَّحْلِ (وَلَا دَمَ) فِي تَرْكِهِ وَلَوْ عَمْدًا. (وَنُدِبَ) الْغُسْلُ (بِالْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ بِأَنْوَارِ سَاكِنِهَا - ﷺ - (لِلْحُلَيْفِيِّ) أَيْ لِمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَأَرَادَ الْإِحْرَامَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ الْحُلَيْفَةِ سَوَاءٌ كَانَ إحْرَامُهُ مِنْهَا وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - ﵊ - وَهَذَا كَالْمُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ مُتَّصِلٌ فَيَتَجَرَّدُ وَيَغْتَسِلُ بِالْمَدِينَةِ وَيَلْبَسُ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ وَالنَّعْلَيْنِ بِهَا، وَإِذَا وَصَلَ الْحُلَيْفَةَ صَلَّى رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ وَأَحْرَمَ إذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وَلِدُخُولِ غَيْرِ حَائِضٍ مَكَّةَ بِطُوًى.
وَلِلْوُقُوفِ، وَلُبْسِ إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ
_________________
(١) [منح الجليل] ابْنُ يُونُسَ ابْنُ حَبِيبٍ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يَغْتَسِلَ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ يَخْرُجَ مَكَانَهُ فَيُحْرِمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَذَلِكَ أَفْضَلُ، وَبِهَا اغْتَسَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَتَجَرَّدَ وَلَبِسَ ثَوْبَيْ إحْرَامِهِ. قَالَ سَحْنُونٌ إذَا أَرَدْت الْخُرُوجَ مِنْ الْمَدِينَةِ خُرُوجَ الطَّلَاقِ فَأْتِ الْقَبْرَ كَمَا صَنَعْت أَوَّلَ دُخُولِك ثُمَّ اغْتَسِلْ وَالْبَسْ ثَوْبَيْ إحْرَامِك ثُمَّ ائْتِ مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ فَارْكَعْ بِهِ وَأُهِلّ، وَقَالَ سَنَدٌ مَنْ رَأَى أَنَّ الْغُسْلَ بِالْمَدِينَةِ فَضِيلَةٌ جَعَلَ التَّجَرُّدَ مِنْ الثِّيَابِ بِهَا فَضِيلَةً وَمَنْ رَآهُ رُخْصَةً جَعَلَ التَّجَرُّدَ مِنْهَا رُخْصَةً أَيْضًا. (وَ) نُدِبَ الْغُسْلُ (لِدُخُولِ) شَخْصٍ (غَيْرِ حَائِضٍ) وَنُفَسَاءَ (مَكَّةَ) وَجَعَلَهُ تت سُنَّةً (بِطُوًى) مُثَلَّثُ الطَّاءِ وَالْأَوْلَى وَبِطُوًى؛ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ ثَانٍ، وَلَا يُنْدَبُ لِحَائِضٍ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلطَّوَافِ فَلَا يُنْدَبُ لِمَنْ لَا يَطُوفُ. (وَ) نُدِبَ الْغُسْلُ (لِلْوُقُوفِ) بِعَرَفَةَ وَلَوْ لِحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ، وَجَعَلَهُ تت سُنَّةً وَيُخَفِّفُ الدَّلْكَ فِي هَذَيْنِ الْغُسْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ وَالدَّلْكُ جُزْءٌ مِنْ الْغُسْلِ عِنْدَنَا. (وَ) السُّنَّةُ الثَّانِيَةُ (لُبْسُ) بِضَمِّ اللَّامِ (إزَارٍ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ مِنْ فَوْقِ سُرَّتِهِ إلَى نِصْفِ سَاقَةِ وَيَقْلِبُ طَرَفَهُ الْأَعْلَى وَيَغْرِزُهُ فِي وَسَطِهِ مِنْ نَاحِيَةِ لَحْمِهِ بِأَنْ يَثْنِيَ طَرَفَ حَاشِيَتِهِ الْعُلْيَا عَلَى طَرَفِ الْإِزَارِ، وَيَغْرِزَ كُلَّ طَرَفٍ مِنْ طَرَفَيْهِ فِي جِهَةِ الطَّرَفِ الْآخَرِ أَوْ يَلُفَّ طَرَفَيْهِ فِي بَعْضِهِمَا وَيَغْرِزَهُمَا مِنْ جِهَةِ لَحْمِهِ، وَلَا يَرْبِطَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ وَلَا يَحْتَزِمَ عَلَيْهِ. فَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى (وَرِدَاءٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ مَمْدُودًا عَلَى كَتِفَيْهِ يَسْتُرُ بِهِ ظَهْرَهُ وَجَنْبَيْهِ وَصَدْرَهُ وَبَطْنَهُ. وَيَجُوزُ الِائْتِزَارُ وَالِارْتِدَاءُ بِمُلَفَّقٍ مِنْ شُقَّتَيْنِ مَخِيطٍ مِنْ وَسَطِهِ. (وَنَعْلَيْنِ) وَهُمَا الْحَدْوَةُ وَالْمَدَاسُ وَأَمَّا الصِّرُّ مَوْجَةٌ وَالصُّرَارَةُ أَيْ النَّاسُومَةُ فَلَا تَجُوزَانِ إلَّا لِضَرُورَةٍ إذَا كَانَ سَيْرُهُمَا عَرِيضًا، فَإِنْ رَقِّ جَازَتَا وَمَعْنَى هَذِهِ السُّنَّةِ أَنَّ هَذِهِ الْهَيْئَةَ مِنْ سُنَنِ الْإِحْرَامِ، وَأَمَّا التَّجَرُّدُ مِنْ الْمُحِيطِ فَوَاجِبٌ، فَإِنْ فَعَلَ غَيْرَهُمَا بِأَنْ الْتَحَفَ بِرِدَاءٍ أَوْ كِسَاءٍ أَجْزَأَ فِي التَّجَرُّدِ الْوَاجِبِ وَخَالَفَ السُّنَّةَ. عِيَاضٌ فِي قَوَاعِدِهِ وَالتَّجَرُّدُ مِنْ الْمَخِيطِ
[ ٢ / ٢٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] وَالْخِفَافِ لِلرِّجَالِ أَوْ مَالَهُ حَارِكٌ مِنْ النِّعَالِ يَسْتُرُ بَعْضَ الْقَدَمِ اهـ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِ الْقَوَاعِدِ وَقَوْلُهُ مَالَهُ حَارِكٌ يَسْتُرُ بَعْضَ الْقَدَمِ فَلَا يُلْبَسُ مِنْ النِّعَالُ غَيْرُ مَا لَهُ شِرَاكَانِ يُرْبَطُ بِهِمَا عَلَى الْقَدَمِ لِتَأْتِيَ الْمَشْيَ خَاصَّةً، فَلَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُ سِبَاطٍ وَلَا مِزْت وَلَا شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ النِّعَالِ الصَّحْرَاوِيَّةِ؛ لِأَنَّ لَهَا فِي عَاقِبِهَا حَارِكًا وَلِاتِّسَاعِ شِرَاكِهَا فَتَسْتُرُ كَثِيرًا مِنْ الْقَدَمِ اِ هـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَقَالَ عَقِبَهُ قَوْلُهُ مَا لَهُ حَارِكٌ مِنْ النِّعَالِ أَيْ: كَنِعَالِ التَّكْرُورِ الَّتِي لَهَا عَقِبٌ يَسْتُرُ بَعْضَ الْقَدَمِ، وَكَوْنُ هَذِهِ الْهَيْئَةِ سُنَّةً أَصْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَتَبِعَهُ الْحَطّ وَمَنْ بَعْدَهُ، وَبَحَثَ فِيهِ طفي بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ لِمَنْ نَصَّ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ وَأَنَّهُ مُعْتَمَدٌ. وَقَدْ جَعَلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ مُسْتَحَبَّةً فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُسْتَحَبُّ ثَوْبَانِ يَرْتَدِي بِأَحَدِهِمَا وَيَأْتَزِرُ الْآخَرُ الْجَلَّابُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَّزِرَ وَيَرْتَدِيَ اهـ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يُخَالِفُهُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْجَلَّابِ مِنْ الْجَوَازِ نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْأَكْثَرِ. وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ نَحْوَهُ قَوْلُ الْبَيَانِ الِاخْتِيَارُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُحْرِمَ بِثَوْبَيْنِ يَأْتَزِرُ بِأَحَدِهِمَا وَيُضْطَبَعُ بِالْآخَرِ. وَفِي الْجَوَاهِرِ السُّنَّةُ الثَّانِيَةُ التَّجَرُّدُ عَنْ الْمَخِيطِ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ اهـ. وَفِي الذَّخِيرَةِ نَحْوُهُ، وَلِذَا تَوَرَّكَ الْمَوَّاقُ عَلَى قَوْلِهِ وَلُبْسِ إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ بِقَوْلِهِ الَّذِي لِلْقَرَافِيِّ أَنَّ مِنْ السُّنَنِ التَّجَرُّدَ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَظَاهِرُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِلُبْسِ إزَارٍ وَرِدَاءٍ، بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ وَيَجُوزُ الِالْتِفَافُ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ وَإِنَّمَا الْخُصُوصِيَّةُ فِي اجْتِنَابِهِ الْمَخِيطَ اهـ. فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُ نَسَبَ لِلْأَكْثَرِينَ خِلَافَ مَا اعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ مُقَرِّرًا بِهِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَتَبِعَهُ فِي مُخْتَصَرِهِ. وَقَوْلُ الْحَطّ وَمَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ التَّجَرُّدُ مِنْ الْمَخِيطِ فِي سُنَنِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ غَيْرِ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ اصْطِلَاحَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ مُخْتَلَفٌ فَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَنْجَبِرُ بِالدَّمِ بِالْوَاجِبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْهَا بِالسُّنَّةِ الَّتِي فِيهَا دَمٌ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ الْأُسْتَاذُ الطُّرْطُوشِيُّ أَصْحَابُنَا يُعَبِّرُونَ عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ بِثَلَاثِ عِبَارَاتٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ وَاجِبَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ وَاجِبَةٌ وُجُوبَ السُّنَنِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وَتَقْلِيدُ هَدْيٍ، ثُمَّ إشْعَارُهُ.
ثُمَّ
_________________
(١) [منح الجليل] وَ) السُّنَّةُ لِمُرِيدِ الْإِحْرَامِ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ (تَقْلِيدُ هَدْيٍ) مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ لَا غَنَمٍ سَاقَهُ تَطَوُّعًا أَوْ لِنَقْصٍ مِنْ نُسُكٍ مَاضٍ لَا لِهَذَا الْإِحْرَامِ بِقِرَانٍ أَوْ تَمَتُّعٍ فَلَا يُسَنُّ قَبْلَهُ غَايَتُهُ أَنَّهُ يُجْزِئُ إنْ وَقَعَ كَمَا قَالَ قَبْلُ، وَدَمُ التَّمَتُّعِ يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ وَأَجْزَأَ قَبْلَهُ. طفي لَا خَفَاءَ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ إفَادَةُ حُكْمِ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارُ بِالسُّنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي فِي مَحَلِّهِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ بَيَانُ كَيْفَ يَفْعَلُ مَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ وَكَيْفَ يُطْلَبُ مِنْهُ تَرْتِيبُ الْأُمُورِ الْمَطْلُوبَةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ؟ فَمَعْنَى كَلَامِهِ كَمَا قَالَ الْحَطّ يُسَنُّ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ وَمَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يُقَلِّدَهُ بَعْدَ غَسْلِهِ وَتَجَرُّدِهِ ثُمَّ يُشْعِرَهُ، فَالسُّنَّةُ مُنْصَبَّةٌ عَلَى الْهَيْئَةِ وَتَبِعَهُ سَالِمٌ وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ كَلَامُ تت، لَكِنْ يَحْتَاجُ لِنَصٍّ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ. وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ وَمَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُقَلِّدْهُ ثُمَّ يُشْعِرْهُ ثُمَّ يُجَلِّلْهُ وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ ثُمَّ يَدْخُلْ الْمَسْجِدَ فَيَرْكَعْ وَيُحْرِمْ كَمَا وَصَفْنَا، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُقَلِّدَ وَيُشْعِرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُؤَخِّرَ إحْرَامَهُ إلَى الْجُحْفَةِ فَلَا يَفْعَلُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَلِّدَ وَيُشْعِرَ إلَّا عِنْدَ مَا يُرِيدُ أَنْ يُحْرِمَ اهـ. فَلَمْ تَنُصَّ عَلَى السُّنَّةِ وَقَوْلُهَا يَنْبَغِي ظَاهِرٌ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَهُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ سَنَدٌ وَابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ عَرَفَةَ ثُمَّ قَالَ: فَأَنْتَ تَرَى كَلَامَ الْأَئِمَّةِ فِي تَرْتِيبِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ خِلَافَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَشُرَّاحِهِ، وَالْأَوْلَى النَّصُّ عَلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ قَبْلَ الْإِشْعَارِ، ثُمَّ قَالَ قَوْلُ تت إنْ كَانَ مَعَهُ لَتَطَوَّعَ إلَخْ نَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَهَذَا فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ. وَأَمَّا هَدْيُ التَّمَتُّعِ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ اهـ. زَادَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِي مَعْنَاهُ هَدْيُ الْقِرَانِ اهـ. قُلْت تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُجْزِئُ تَقْلِيدُهُ وَإِشْعَارُهُ قَبْلَهُ فَيُسْتَحَبُّ فِيهِ هَذَا التَّرْتِيبُ فَالْإِجْزَاءُ فِي التَّقْدِيمِ لَا يُنَافِي نَدْبَ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ، وَلَا كَوْنُهُ سُنَّةً وَهُوَ ظَاهِرٌ لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ خِلَافًا لز وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ الْبُنَانِيُّ. (ثُمَّ إشْعَارُهُ) أَيْ: الْهَدْيَ إنْ كَانَ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ الَّتِي لَهَا سَنَامٌ وَالتَّقْلِيدُ وَالْإِشْعَارُ لَيْسَا مِنْ سُنَنِ الْإِحْرَامِ؛ إذْ لَا يُعَدُّ مِنْ سُنَنِهِ إلَّا مَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ إلَّا لِعُذْرٍ، وَهَكَذَا فَعَلَ فِي الْجَوَاهِرِ فَجَعَلَ السُّنَّةَ الثَّالِثَةَ لِلْإِحْرَامِ الرَّكْعَتَيْنِ وَالتَّجْلِيلُ مُسْتَحَبٌّ. (ثُمَّ)
[ ٢ / ٢٦١ ]
رَكْعَتَانِ، وَالْفَرْضُ مُجْزٍ يُحْرِمُ الرَّاكِبُ إذَا اسْتَوَى.
وَالْمَاشِي إذَا مَشَى.
وَتَلْبِيَةٌ
_________________
(١) [منح الجليل] السُّنَّةُ الثَّالِثَةُ لِلْإِحْرَامِ (رَكْعَتَانِ) إنْ كَانَ الْوَقْتُ يُتَنَفَّلُ فِيهِ وَإِلَّا أَخَّرَ إلَيْهِ إلَّا الْخَائِفُ وَالْمُرَاهِقُ فَيُحْرِمَانِ بِلَا رُكُوعٍ خِلَافًا لِلدَّاوُدِيِّ؛ إذْ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا مَرَّ وَمُنِعَ نَفْلٌ إلَخْ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ يُفِيدُ مَنْعَهُمَا كَغَيْرِهِمَا. (وَالْفَرْضُ) أَيْ: إحْدَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ (مُجْزِئٌ) عَنْ رَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ فِي حُصُولِ السُّنَّةِ (يُحْرِمُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أَيْ يَنْوِي الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ (الرَّاكِبُ إذَا اسْتَوَى) مَرْكُوبَهُ قَائِمًا لَا قَبْلَ قِيَامِهِ، وَيُحْتَمَلُ جَعْلُ فَاعِلِ اسْتَوَى ضَمِيرَ الرَّاكِبِ عَلَى دَابَّتِهِ وَهِيَ قَائِمَةٌ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى سَيْرِهَا لَا قَبْلَ قِيَامِهِمَا؛ إذْ لَا يُقَالُ اسْتَوَى عَلَيْهَا إلَّا إذَا قَامَتْ لِلسَّيْرِ، وَفِيهِ تَلْمِيحٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣] . (وَالْمَاشِي) فِي الْحَجِّ يُحْرِمُ (إذَا مَشَى) أَيْ: شَرَعَ فِي الْمَشْيِ وَلَا يُؤَخِّرُ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الْبَيْدَاءِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِخَبَرِ الْمُوَطَّإِ «أَنَّهُ - ﷺ - صَلَّى فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَهَلَّ» وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ، وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَوِيَّةِ. فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (وَ) السُّنَّةُ الرَّابِعَةُ (تَلْبِيَةٌ) أَيْ: مُقَارَنَتُهَا لِلْإِحْرَامِ وَاتِّصَالُهَا بِهِ فَإِنْ فَصَلَهَا فَاتَتْهُ السُّنَّةُ وَإِنْ طَالَ لَزِمَهُ دَمٌ وَسَيَقُولُ وَإِنْ تَرَكْت أَوَّلَهُ فَدَمٌ إنْ طَالَ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا هُنَا مِنْ السُّنَّةِ، فَلَوْ قَالَ وَاتِّصَالُ تَلْبِيَةٍ بِإِحْرَامٍ وَإِلَّا فَدَمٌ إنْ طَالَ فَصْلُهَا مِنْهُ كَتَرْكِهَا لَكَانَ أَظْهَرَ وَاسْتَغْنَى عَمَّا يَأْتِي. طفي كَوْنُ التَّلْبِيَةِ سُنَّةً نَحْوُهُ لِعِيَاضٍ فِي قَوَاعِدِهِ وَحَكَاهُ فِي إكْمَالِهِ فَقَالَ قَالَ شُيُوخُنَا التَّلْبِيَةُ عِنْدَنَا مَسْنُونَةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ تَلْبِيَتُهُ سُنَّةٌ مِنْ ابْتِدَائِهِ. وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ التَّلْبِيَةُ عِنْدَنَا سُنَّةٌ وَمِثْلُهُ لِلْقَلَشَانِيِّ، وَجَعَلَ الْحَطّ اتِّصَالُهَا بِالْإِحْرَامِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ هُوَ السُّنَّةُ. وَأَمَّا هِيَ نَفْسُهَا فَوَاجِبَةٌ وَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ لَا يَفْصِلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِحْرَامِ بِطَوِيلٍ ثُمَّ قَالَ، وَأَمَّا عَدُّهَا مِنْ السُّنَنِ فَفِيهِ تَجَوُّزٌ وَتَبِعَهُ عج، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَدَّاهُ لِذَلِكَ مَا سَبَقَ فِي التَّجَرُّدِ أَنَّ الدَّمَ يُنَافِي السُّنِّيَّةَ وَتَقَدَّمَ جَوَابُهُ،
[ ٢ / ٢٦٢ ]
وَجُدِّدَتْ لِغَيْرِ حَالٍّ، وَخَلْفَ صَلَاةٍ، وَهَلْ لِمَكَّةَ أَوْ لِلطَّوَافِ؟ خِلَافٌ: وَإِنْ تُرِكَتْ أَوَّلَهُ فَدَمٌ إنْ طَالَ.
وَتَوَسُّطٌ فِي عُلُوِّ صَوْتِهِ،
_________________
(١) [منح الجليل] فَإِنْ قُلْت فَقَدْ قَالَ الْبَاجِيَّ قَوْلُ أَصْحَابِنَا سُنَّةٌ مَعْنَاهُ عِنْدِي أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْحَجِّ وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّ فِي تَرْكِهَا الدَّمَ. قُلْت الْبَاجِيَّ مِنْ اصْطِلَاحِهِ أَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ الدَّمُ وَاجِبٌ، وَاصْطِلَاحُ غَيْرِهِ بِخِلَافِهِ. وَلِذَا قَالَ عِيَاضٌ قَالَ بِوُجُوبِهَا ابْنُ حَبِيبٍ، وَمَالَ إلَيْهِ الْبَاجِيَّ. (وَجُدِّدَتْ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِ الدَّالِ مُثَقَّلَةً أَيْ التَّلْبِيَةُ (لِتَغَيُّرِ حَالٍ) كَقِيَامٍ وَقُعُودٍ وَنُزُولٍ وَرُكُوبٍ وَصُعُودٍ وَهُبُوطٍ وَمُلَاقَاةِ رِفَاقٍ وَسَمَاعِ مُلَبٍّ اسْتِحْبَابًا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَعِنْدَ ابْنِ شَاسٍ سُنَّةٌ (وَخَلْفَ صَلَاةٍ) وَلَوْ نَافِلَةً. (وَهَلْ) يَسْتَمِرُّ الْمُحْرِمُ بِحَجٍّ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا يُلَبِّي (لِ) دُخُولِ (مَكَّةَ أَوْ) يَسْتَمِرُّ يُلَبِّي لِلشُّرُوعِ فِي (الطَّوَافِ) وَلِابْنِ الْحَاجِبِ لِرُؤْيَةِ الْبَيْتِ وَقِيلَ: إلَى بُيُوتِ مَكَّةَ وَقِيلَ: إلَى الْحَرَمِ فِي التَّوْضِيحِ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ الْمَشْهُورَ يُلَبِّي إلَى رُؤْيَةِ الْبَيْتِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا الْخِلَافُ فِي أَمْرٍ مُسْتَحَبٍّ (خِلَافٌ) الْأَوَّلُ مَذْهَبُ الرِّسَالَةِ وَشَهَّرَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَالثَّانِي مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. لِقَوْلِهَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حِينَ يَبْتَدِئُ الطَّوَافَ. (وَإِنْ تُرِكَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: التَّلْبِيَةُ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا (أَوَّلَهُ) أَيْ الْإِحْرَامِ (فَدَمٌ) وَاجِبٌ بِتَرْكِهَا (إنْ طَالَ) زَمَنُ تَرْكِهَا وَلَوْ رَجَعَ وَلَبَّى فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَمَفْهُومُ أَوَّلِهِ أَنَّهَا إنْ تُرِكَتْ أَثْنَاءَهُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ، وَصَرَّحَ بِهِ عَبْدُ الْحَقِّ وَالتُّونُسِيُّ وَصَاحِبُ التَّلْقِينِ وَابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ قَالُوا أَقَلُّهَا مَرَّةً، فَإِنْ قَالَهَا ثُمَّ تَرَكَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ الْحَطّ. وَشَهَّرَ ابْنُ عَرَفَةَ وُجُوبَهُ، وَنَصُّهُ فَإِنْ لَبَّى حِينَ أَحْرَمَ وَتَرَكَ فَفِي الدَّمِ ثَالِثُهَا إنْ لَمْ يُعَوِّضْهَا بِتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ لِلْمَشْهُورِ وَكِتَابِ مُحَمَّدٍ وَاللَّخْمِيِّ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَإِنْ ابْتَدَأَهَا وَلَمْ يَعُدَّهَا فَدَمٌ فِي أَقْوَى الْقَوْلَيْنِ وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ اعْتَمَدَ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ ظَاهِرٌ. (وَ) نُدِبَ (تَوَسُّطٌ فِي عُلُوٍّ) أَيْ: رَفْعِ (صَوْتِهِ) أَيْ: الْمُلَبِّي بِالتَّلْبِيَةِ فَلَا يُسِرُّهَا وَلَا
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وَفِيهَا.
_________________
(١) [منح الجليل] يُبَالِغُ فِي رَفْعِهِ حَتَّى يَعْقِرَهُ (وَ) نُدِبَ تَوَسُّطٌ (فِيهَا) أَيْ التَّلْبِيَةِ فَلَا يُكْثِرُهَا جِدًّا حَتَّى يَمَلَّهَا وَلَا يُقَلِّلُهَا، وَجَعَلَهُمَا تت سُنَّتَيْنِ. طفي اُنْظُرْ مَنْ ذَكَرَ السُّنِّيَّةَ فِيهِمَا. وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا إلَّا لِنِسَاءٍ وَلَا يُسْرِفُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ وَفِيهِمَا كَرِهَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يُلَبِّيَ مَنْ لَمْ يُرِدْ الْحَجَّ وَرَآهُ خَرْقًا لِمَنْ فَعَلَهُ اهـ. وَمَعْنَاهَا أَنْ يَقُولَ فِي غَيْرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك إلَخْ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْجَلَّابِ مَنْ نَادَى رَجُلًا فَأَجَابَهُ بِالتَّلْبِيَةِ سَبْعًا فَقَدْ أَسَاءَ، أَيْ: قَالَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ إلَخْ، هَذَا مُحَصِّلُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَتَلْبِيَتُهُ الضَّمِيرُ لِلْإِحْرَامِ وَإِضَافَتُهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ مَا تُذْكَرُ مَعَهُ وَلَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا بِسَبَبِهِ، وَاسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ النُّسُكِ جَهْلٌ وَمَكْرُوهٌ. فِي الشِّفَاءِ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ نَادَى رَجُلًا بِاسْمِهِ فَأَجَابَهُ لَبَّيْكَ فَقَالَ إنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ سَفَهٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ الْقَاضِي يَعْنِي نَفْسَهُ وَشَرَحَ قَوْلَهُ إنَّهُ لَا قَتْلَ عَلَيْهِ وَالْجَاهِلُ يُزْجَرُ وَيُعَلَّمُ وَالسَّفِيهُ يُؤَدَّبُ وَلَوْ قَالَهَا عَلَى اعْتِقَادِ إنْزَالِهِ مَنْزِلَةَ رَبِّهِ كَفَرَ هَذَا مُقْتَضَى قَوْلِهِ اهـ. أَمَّا مُجَرَّدُ قَوْلِ الرَّجُلِ لَبَّيْكَ لِمَنْ نَادَاهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ بَلَى هُوَ حُسْنُ أَدَبٍ وَاسْتَعْمَلَتْهُ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مَعَهُ - ﷺ - وَهُوَ مَعَهُمْ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ بِقَوْلِهِ بَابُ مَنْ أَجَابَ بِلَبَّيْكَ وَذَكَرَ فِيهِ قَوْلَ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَقَوْلُ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَذَلِكَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِقْهَ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي تَرَاجِمِهِ: وَفِي الشِّفَاءِ عَنْ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَا دَعَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ - ﷺ - وَلَا أَهْلِهِ إلَّا قَالَ - ﷺ - لَبَّيْكَ» اهـ. السُّيُوطِيّ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ وَاهٍ، وَقَدْ اعْتَرَضَ أَبُو الْحَسَنِ كَلَامَهَا الْمُتَقَدِّمَ بِقَوْلِهِ كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا وَقَدْ كَانَتْ الصَّحَابَةُ تُجِيبُ بِالتَّلْبِيَةِ؟ وَلَعَلَّهُ كَرِهَهُ إذَا كَانَ يُلَبِّي غَيْرَ مُجِيبٍ لِأَحَدٍ اهـ. لَكِنَّ اعْتِرَاضَهُ مُنْدَفَعٌ بِمَا حَمَلْنَاهَا عَلَيْهِ وَهُوَ مُرَادُهَا غَابَ عَنْهُ فَاعْتُرِضَ، وَأَجَابَ بِجَوَابٍ فِيهِ نَظَرٌ، فَلَوْلَا أَنَّ الْإِجَابَةَ بِلَبَّيْكَ فَقَطْ مُقَرَّرَةٌ عِنْدَهُمْ بِالْإِبَاحَةِ مَا اُعْتُرِضَ.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وَعَاوَدَهَا بَعْدَ سَعْيٍ وَإِنْ بِالْمَسْجِدِ لِرَوَاجِ مُصَلَّى عَرَفَةَ.
وَمُحْرِمُ مَكَّةَ يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ، وَفَائِتِ الْحَجِّ لِلْحَرَمِ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ عِنْدَ كَلَامِهِ عَلَى حَدِيثِ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَوْلُهُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الْإِجَابَةَ بِلَبَّيْكَ خَاصَّةٌ بِهِ - ﷺ - قَالَ وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ جَوَابَ الرَّجُلِ لِمَنْ نَادَاهُ لَبَّيْكَ مِنْ السَّفَهِ وَأَنَّهُ جَهْلٌ بِالسُّنَّةِ، وَاسْتِدْلَالُهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَفْعَلُوهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبِكَوْنِهِ - ﷺ - لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَهُمْ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَإِنْ سَلَّمَهُ فِي تَوْضِيحِهِ وَلَمْ يَقُمْ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ دَلِيلٌ. وَتَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ تَدُلُّ عَلَى نَفْيِهَا وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا، وَقَدْ عَلِمْت سَابِقًا أَنَّ السَّفَهَ لَيْسَ فِي الْإِجَابَةِ بِلَبَّيْكَ فَقَطْ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِهِ - ﷺ - لَمْ يَفْعَلْهُ مَعَ أَصْحَابِهِ خِلَافُ مَا لِعِيَاضٍ، وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -. (وَعَاوَدَهَا) أَيْ: الْحَاجُّ التَّلْبِيَةَ وُجُوبًا قَالَهُ عج. عب وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا مَرَّ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي أَوَّلِهِ فَقَطْ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ مُعَاوَدَتَهَا (بَعْدَ) فَرَاغِ (سَعْيٍ) كَتَجْدِيدِ إحْرَامٍ وَفِيهِ نَظَرٌ (وَإِنْ بِالْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ أَوْ مَسْجِدِ مِنًى وَلَا يَزَالُ يُلَبِّي (لِرَوَاحِ مُصَلَّى) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ أَيْ: مَسْجِدِ (عَرَفَةَ) بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ رَوَاحٍ، فَإِنْ ذَهَبَ لَهُ قَبْلَ الزَّوَالِ لَبَّى إلَيْهِ. قَالَ الْحَطّ فَإِنْ أَحْرَمَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ لَبَّى بِهَا ثُمَّ قَطَعَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَرَافِيُّ بِشَرْحِ الْجَلَّابِ، وَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ يُلَبِّي إلَى رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَأَمَّا مَنْ أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ يُلَبِّي إلَيْهِ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا مُصَلَّى إبْرَاهِيمَ وَمَسْجِدِ عُرَنَةَ بِالنُّونِ وَمَسْجِدِ نَمِرَةَ، فَهِيَ أَسْمَاءٌ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ وَهُوَ الَّذِي عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إلَى عَرَفَةَ. . (وَمُحْرِمُ مَكَّةَ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ مُقِيمًا بِهَا وَلَا يَكُونُ إلَّا بِحَجٍّ مُفْرِدٍ (يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ أَيْ: يَبْتَدِئُهَا فِيهِ (وَ) يُلَبِّي (مُعْتَمِرُ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ (الْمِيقَاتِ) أَيْ: الْمُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ (وَ) مُعْتَمِرُ (فَائِتِ الْحَجِّ) بِحَصْرِ عَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ وَلَمْ يَتَمَادَ عَلَيْهِ، وَتَحَلَّلَ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ الْحِلِّ يُلَبِّيَانِ (لِلْحَرَمِ) الْمُحَدَّدِ بِالْإِعْلَامِ الَّذِي يَحْرُمُ الصَّيْدُ فِيهِ، وَقَطْعُ النَّابِتِ فِيهِ بِنَفْسِهِ أَيْ: مَنْ اعْتَمَرَ لِفَوَاتِ حَجِّهِ، أَيْ: تَحَلَّلَ مِنْهُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ لَا أَنَّهُ يُنْشِئُ لَهَا إحْرَامًا. وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ وَفَاته الْحَجُّ قَبْلَ وُصُولِهِ
[ ٢ / ٢٦٥ ]
وَمِنْ الْجِعْرَانَةِ وَالتَّنْعِيمِ لِلْبُيُوتِ.
وَلِلطَّوَافِ الْمَشْيُ، وَإِلَّا فَدَمٌ لِقَادِرٍ لَمْ يُعِدْهُ، وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ بِفَمٍ أَوَّلَهُ،
_________________
(١) [منح الجليل] الْحَرَمَ، وَقُلْنَا يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا وَصَلَ الْحَرَمَ قَالَهُ الرَّمَاصِيُّ. (وَ) يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ (مِنْ الْجِعْرَانَةِ وَ) مِنْ (التَّنْعِيمِ) لِدُخُولِهِ (لِلْبُيُوتِ) لِقَوْلِهَا يَقْطَعُ إذَا دَخَلَ مَكَّةَ أَوْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَكُلّ ذَلِكَ وَاسِعٌ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ، وَغَيْرُهُ طفي. اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْبُيُوتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ إلَّا ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ نُسْخَتِهِ أَوْ الْمَسْجِدِ. (وَ) السُّنَنُ (لِلطَّوَافِ) كَانَ فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ نَفْلًا (الْمَشْيُ) فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ هُوَ وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ قَالَهُ عب. طفي كَوْنُهُ سُنَّةً نَحْوُهُ لِابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَبِي مُحَمَّدٍ إنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا كُرِهَ، وَقَبْلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. وَمُنَاقَشَةُ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الدَّمَ لَا يَأْتِي فِي السُّنَّةِ، وَاسْتِظْهَارُهَا الْحَطّ مَدْفُوعَانِ بِتَخَالُفِ الِاصْطِلَاحِ. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَمْشِ فِي الطَّوَافِ وَطَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا (فَدَمٌ) وَاجِبٌ (لِقَادِرٍ) عَلَى الْمَشْيِ فِيهِ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا وَ(لَمْ يُعِدْهُ) أَيْ: الطَّوَافَ مَاشِيًا، فَإِنْ أَعَادَهُ مَاشِيًا قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ أَوْ بَعْدَ رُجُوعِهِ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ فَلَا دَمَ وَمَا دَامَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ إعَادَتِهِ، وَلَوْ طَالَ الزَّمَنُ وَلَا يَكْفِيهِ الدَّمُ فَلَوْ قَالَ وَإِلَّا فَدَمٌ لِقَادِرٍ لَمْ يُعِدْهُ. وَرَجَعَ لِبَلَدِهِ لَكَانَ أَوْلَى. وَمَفْهُومُ لِقَادِرٍ أَنَّ الْعَاجِزَ لَا دَمَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ. قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَّا أَنْ يُطِيقَ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ وَالسَّعْيُ كَالطَّوَافِ فِي الْمَشْيِ، وَإِنْ تَرَكَ الْقَادِرُ الْمَشْيَ فِيهِمَا مَعًا فَالظَّاهِرُ أَنَّ عَلَيْهِ هَدْيًا وَاحِدًا لِلتَّدَاخُلِ قَالَهُ الْحَطّ. (وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ) أَسْوَدَ (بِفَمٍ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ؛ إذْ التَّقْبِيلُ لَا يَكُونُ إلَّا بِهِ (أَوَّلَهُ) بِشَدِّ الْوَاوِ أَيْ: الطَّوَافُ وَمِنْ سُنَنِهِ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْ الطَّوَافِ الَّذِي شَرْطُ الطَّهَارَةِ، وَيُسَنُّ اسْتِلَامُ الْيَمَانِيِّ بِيَدِهِ أَوَّلَهُ وَيَضَعُهَا عَلَى فِيهِ بِلَا تَقْبِيلٍ، وَيُنْدَبُ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ وَاسْتِلَامُ الْيَمَانِيِّ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَوْطٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْجَنَّةِ وَكَانَ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ الْكُفَّارِ لَا الْمُسْلِمِينَ، فَفِي الْبُدُورِ السَّافِرَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَاقُوتَةٌ بَيْضَاءُ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا سَوَّدَتْهُ
[ ٢ / ٢٦٦ ]
وَفِي الصَّوْتِ قَوْلَانِ، وَلِلزَّحْمَةِ لَمْسٌ بِيَدٍ، ثُمَّ عُودٌ وَوُضِعَا عَلَى فِيهِ ثُمَّ كَبَّرَ وَالدُّعَاءُ بِلَا حَدٍّ،
_________________
(١) [منح الجليل] خَطَايَا الْمُشْرِكِينَ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ يَشْهَدُ لِمَنْ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا» . وَفِي الشَّيْخِ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يُحْشَرُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ وَلِسَانٌ يَشْهَدُ عَلَى مَنْ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ. (وَفِي) كَرَاهَةِ (الصَّوْتِ) فِي تَقْبِيلِ الْحَجَرِ وَإِبَاحَتِهِ (قَوْلَانِ) لَمْ يَطَّلِعْ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ أَحَدِهِمَا وَرَجَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْجَوَازَ وَكَرِهَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - السُّجُودَ عَلَيْهِ وَتَمْرِيغُ الْوَجْهِ عَلَيْهِ (وَلِلزَّحْمَةِ) عَلَى الْحَجَرِ (لَمْسٌ) لِلْحَجَرِ (بِيَدٍ) إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ (ثُمَّ) إنْ عَجَزَ عَنْ مَسِّهِ بِهَا مَسَّهُ بِ (عُودٍ) حَيْثُ لَمْ يُؤْذِ أَحَدًا (وَوُضِعَا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْعُودِ وَالْيَدِ (عَلَى فِيهِ) مِنْ غَيْرِ تَقَبُّلٍ. (ثُمَّ) إنْ تَعَذَّرَ الْمَسُّ (كَبَّرَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا، أَيْ: قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ بِدُونِ إشَارَةٍ إلَيْهِ بِيَدِهِ وَلَا رَفْعٍ لَهَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ مَعَ تَقْبِيلِهِ بِفِيهِ وَوَضْعِ يَدِهِ أَوْ الْعُودِ عَلَيْهِ. وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَوْ صَرِيحُهَا أَنَّ التَّكْبِيرَ بَعْدَ التَّقْبِيلِ أَوْ الْوَضْعِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا وَظَاهِرُ ابْنِ فَرْحُونٍ أَنَّهُ قَبَّلَهُ. وَيُكْرَهُ تَقْبِيلُ الْمُصْحَفِ وَالْخُبْزِ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ امْتِهَانَ الْخُبْزِ مَكْرُوهٌ وَلَوْ بِوَضْعِ الرِّجْلِ عَلَيْهِ أَوْ وَضْعِهِ عَلَيْهَا اهـ عب. وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ سُنِّيَّةَ التَّقْبِيلِ عَنْ تَقْيِيدِهَا بِالطَّوَافِ الْوَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَقَيَّدَهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ بِالْوَاجِبِ. وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ الْخِلَافَ فِي هَذَا فَقَالَ وَاسْتِلَامُ الْحَجَرِ بِفِيهِ فِي ابْتِدَائِهِ وَفِي اخْتِصَاصِهِ بِوَاجِبِهِ، وَعُمُومُهُ فِي كُلِّ طَوَافٍ قَوْلُهَا لَيْسَ عَلَيْهِ اسْتِلَامُهُ فِي ابْتِدَائِهِ إلَّا فِي الطَّوَافِ الْوَاجِبِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، وَلَا يَدَعَ التَّكْبِيرَ كُلُّ مَا حَاذَاهُ فِي كُلِّ طَوَافٍ حَتَّى التَّطَوُّعَ وَقَوْلُ التَّلْقِينِ بَعْدَ ذِكْرِ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ فِي ابْتِدَائِهِ صِفَةُ كُلِّ الطَّوَافِ وَاحِدَةٌ، مَعَ نَقْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ مَنْ طَافَ تَطَوُّعًا ابْتَدَأَهُ بِالِاسْتِلَامِ. (وَ) ثَالِثُ السُّنَنِ لِلطَّوَافِ مُطْلَقًا (الدُّعَاءُ) فِيهِ (بِلَا حَدٍّ) أَيْ: يُكْرَهَ تَحْدِيدُهُ بِشَيْءٍ
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وَرَمَلُ رَجُلٍ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَلَوْ مَرِيضًا، وَصَبِيًّا حُمِلَا، وَلِلزَّحْمَةِ الطَّاقَةُ.
وَلِلسَّعْيِ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ وَرُقِيُّهُ عَلَيْهِمَا: كَامْرَأَةٍ إنْ خَلَا وَإِسْرَاعٌ بَيْنَ الْأَخْضَرَيْنِ
_________________
(١) [منح الجليل] مُعَيَّنٍ فِي الدُّعَاءِ وَالْمَدْعُوِّ بِهِ (وَ) رَابِعُهَا وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَهُوَ لِلْحَجِّ طَوَافُ الْقُدُومِ وَلِلْعُمْرَةِ طَوَافُهَا (رَمَلُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ أَيْ: إسْرَاعُ (رَجُلٍ فِي) الْأَشْوَاطِ (الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَخِفَّةِ الْوَاوِ فَلَا رَمَلَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيرَةِ، وَلَوْ تَرَكَهُ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا مِنْ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ كَتَارِكِ سُورَةٍ مِنْ الْأُولَيَيْنِ فَلَا يَقْرَأهَا فِي الْآخِرَيْنِ. وَيُسَنُّ الرَّمَلُ فِيهَا إنْ كَانَ كَبِيرًا صَحِيحًا بَلْ (وَلَوْ) كَانَ الطَّائِفُ (مَرِيضًا أَوْ صَبِيًّا حُمِلَا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَيَرْمُلُ الْحَامِلُ وَتُحَرَّكُ الدَّابَّةُ كَمَا تُحَرَّكُ فِي بَطْنِ مُحَسَّرٍ وَفِي السَّعْيِ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ وَالرَّمَلُ أَنْ يَثِبَ فِي مَشْيِهِ وَثْبًا خَفِيفًا هَازًّا مَنْكِبَيْهِ. (وَلِلزَّحْمَةِ) فِي الطَّوَافِ الْمَسْنُونِ فِيهِ الرَّمَلُ (الطَّاقَةُ) فَلَا يُكَلَّفُ فَوْقَهَا وَمَفْهُومُ رَجُلٍ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يُسَنُّ رَمَلُهَا؛ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ. (وَ) السُّنَّةُ (لِلسَّعْيِ) وَلَا يَكُونُ إلَّا رُكْنًا لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (تَقْبِيلُ الْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنْ الطَّوَافِ وَرَكْعَتَيْهِ وَالِالْتِزَامُ إذَا كَانَ مُتَوَضِّئًا؛ إذْ لَا يُقَبِّلُهُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ، وَيُجْزِئُ فِيهِ تَفْصِيلُ الزَّحْمَةِ مِنْ اللَّمْسِ بِيَدٍ ثُمَّ عُودٍ ثُمَّ التَّكْبِيرُ وَيَخْرُجُ لِلسَّعْيِ مِنْ أَيِّ بَابٍ شَاءَ، وَالْمُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ مِنْ بَابِ بَنِي مَخْزُومٍ الْمُسَمَّى بَابَ الصَّفَا لِقُرْبِهِ مِنْهُ بَعْدَ شُرْبِهِ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ. (وَ) السُّنَّةُ الثَّانِيَةُ (رُقِيُّهُ) أَيْ: الرَّجُلِ (عَلَيْهِمَا) أَيْ: الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كُلَّمَا يَصِلُ إلَى أَحَدِهِمَا وَفِيهَا يُنْدَبُ أَنْ يَصْعَدَ أَعْلَاهُمَا بِحَيْثُ يَرَى الْكَعْبَةَ مِنْهُ. اهـ. وَهَذَا مُسْتَحَبٌّ زَائِدٌ عَلَى السُّنَّةِ. وَشَبَّهَ فِي السُّنِّيَّةِ فَقَالَ (كَ) رُقِيِّ (مَرْأَةٍ) عَلَيْهِمَا فَيُسَنُّ (إنْ خَلَا) الْمَوْضِعُ مِنْ مُزَاحِمَةِ الرِّجَالِ وَإِلَّا وَقَفَتْ أَسْفَلَهُ. ابْنُ فَرْحُونٍ السُّنَّةُ الْقِيَامُ عَلَيْهِمَا إلَّا لِعُذْرٍ فَإِنْ جَلَسَ فِي الْأَعْلَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَلَوْ عَبَّرَ بِقَامَهُ لَكَانَ أَوْلَى؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الرُّقِيِّ الْقِيَامُ. وَقِيلَ الْقِيَامُ مَنْدُوبٌ زَائِدٌ عَلَى سُنَّةِ الرُّقِيِّ. (وَ) السُّنَّةُ الثَّالِثَةُ لِلرِّجَالِ فَقَطْ (إسْرَاعٌ بَيْنَ) الْعَمُودَيْنِ (الْأَخْضَرَيْنِ) أَوَّلُهُمَا فِي
[ ٢ / ٢٦٨ ]
فَوْقَ الرَّمَلِ، وَدُعَاءٌ وَفِي سُنِّيَّةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَوُجُوبِهِمَا: تَرَدُّدٌ.
_________________
(١) [منح الجليل] رُكْنِ الْمَسْجِدِ تَحْتَ مَنَارَةٍ بَابِ عَلِيٍّ وَالثَّانِي بَعْدَهُ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ قُبَالَةَ رِبَاطِ الْعَبَّاسِ وَفِي مُقَابِلَتِهِمَا عَمُودَانِ أَخْضَرَانِ أَيْضًا عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ مِنْ الصَّفَا لِلْمَرْوَةِ وَالْإِسْرَاعُ فِي حَالِ الذَّهَابِ مِنْ الصَّفَا لِلْمَرْوَةِ لَا فِي الْعَوْدِ مِنْهَا إلَيْهِ، هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ سَنَدٍ وَالْمَوَّاقِ، وَلَا يُقَالُ سَبَبُهُ إسْرَاعُ هَاجَرَ بَيْنَهُمَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي الْعَوْدِ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنَّ إسْرَاعَهَا كَانَ فِي حَالِ ذَهَابِهَا إلَى الْمَرْوَةِ فَقَطْ. الْبُنَانِيُّ ذَكَرَ الْحَطّ عَنْ سَنَدٍ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْإِسْرَاعِ يَكُونُ قَبْلَ الْعَمُودِ الْأَوَّلِ بِنَحْوِ سِتَّةِ أَذْرُعٍ لِتَأْخِيرِهِ عَنْ مَحَلِّهِ الْأَصْلِيِّ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ، وَقَوْلُهُ فِي حَالِ الذَّهَابِ لِلْمَرْوَةِ فَقَطْ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ هَذَا الْقَيْدَ وَعَزْوُهُ لِظَاهِرِ سَنَدٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَإِنَّمَا فِيهِ كَمَا نَقَلَ الْحَطّ عَنْهُ أَنَّهُ صَدَّرَ بِالْبَدْءِ مِنْ الصَّفَا وَسَكَتَ عَنْ بَيَانِ الْعَوْدِ إلَيْهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِثْلُهُ وَإِلَّا لَنُبِّهَ عَلَيْهِ. وَكَذَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ غَيْرِهِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمُرْشِدِ بِهِمَا فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ حُكْمِ الْبَدْءِ بِالصَّفَا مَا نَصُّهُ " ثُمَّ يَنْزِلُ مِنْ الْمَرْوَةِ وَيَفْعَلُ كَمَا وَصَفْنَا مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَالْخَبَبِ " وَيُفِيدُهُ نَقْلُ الْمَوَّاقِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ (فَوْقَ) أَيْ: أَشَدُّ مِنْ (الرَّمَلِ) . (وَ) السُّنَّةُ الرَّابِعَةُ (دُعَاءٌ) فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالرُّقِيِّ عَلَيْهِمَا. (وَفِي سُنِّيَّةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ) الرُّكْنُ وَالْوَاجِبُ وَالنَّفَلُ (وَوُجُوبُهُمَا) فِيهَا وَوُجُوبُهُمَا فِي الرُّكْنِ وَالْوَاجِبِ وَنَدْبُهُمَا فِي الْمَنْدُوبِ (تَرَدُّدٌ) لِلْمُتَأَخِّرِينَ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ الْأَوَّلُ اخْتَارَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَالثَّانِي اخْتَارَهُ الْبَاجِيَّ، وَقَالَ سَنَدٌ إنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَالثَّالِثُ لِلْأَبْهَرِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ بَشِيرٍ فِي التَّنْبِيهِ، قَالَ الْحَطّ وَهُوَ الظَّاهِرُ قَالَ فِيهَا فَإِنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ وَكَانَ طَوَافُهُ وَاجِبًا رَجَعَ وَابْتَدَأَ الطَّوَافَ وَرَكَعَ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ يُوَصِّلَانِ بِهِ إلَّا أَنْ يَتَبَاعَدَ فَلْيَرْكَعْهُمَا وَيُهْدِي وَلَا يَرْجِعُ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَاجِبٍ فَلْيَرْكَعْهُمَا وَلَا يُهْدِي وَظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا وَقَوْلُهُ الْآتِي وَرُكُوعُهُ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ تَنَقُّلِهِ أَنَّ الْفَرْضَ لَا يُجْزِئُ عَنْهُمَا وَلَعَلَّهُ لِلْقَوْلِ بِوُجُوبِهِمَا، وَيُكْرَهُ جَمْعُ أَسَابِيعَ وَإِنْ فَعَلَ صَلَّى لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
وَنُدِبَا كَالْإِحْرَامِ بِالْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ، وَبِالْمَقَامِ، وَدُعَاءٌ بِالْمُلْتَزَمِ وَاسْتِلَامُ الْحَجَرِ الْيَمَانِيِّ بَعْدَ الْأَوَّلِ، وَاقْتِصَارٌ عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ - ﷺ -.
_________________
(١) [منح الجليل] وَنُدِبَا) أَيْ رَكْعَتَا الطَّوَافِ وَالصَّوَابُ وَنُدِبَتَا بِتَاءِ التَّأْنِيثِ لِإِسْنَادِ الْفِعْلِ لِضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ فَتَلْزَمُهُ التَّاءُ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَتِرًا أَوْ بَارِزًا عَلَى الصَّوَابِ. نَعَمْ قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ يَجُوزُ تَرْكُ التَّاءِ فِي فِعْلِ الْمُؤَنَّثِ الْمَجَازِيِّ سَوَاءٌ كَانَ الْفَاعِلُ ظَاهِرًا أَوْ ضَمِيرًا فَيَخْرُجُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ. وَمَصَبُّ النَّدْبِ قَوْلُهُ بِالْكَافِرُونَ إلَخْ. وَشَبَّهَ فِي النَّدْبِ فَقَالَ (كَ) رَكْعَتَيْ (الْإِحْرَامِ بِالْكَافِرُونَ) بِوَاوِ الْحِكَايَةِ (وَالْإِخْلَاصِ وَ) نَدْبِ صَلَاةِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ (بِالْمَقَامِ) أَيْ: خَلْفَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ - ﷺ - أَيْ: الْحَجَرِ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ حِينَ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ فَيُقَالُ مَنْ أَجَابَهُ حَجَّ بِعَدَدِ مَرَّاتِ إجَابَتِهِ. وَقِيلَ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ حِينَ غَسَلَتْ لَهُ زَوْجَةُ ابْنِهِ إسْمَاعِيلَ - ﵇ - رَأْسَهُ. وَقِيلَ الَّذِي عَلَيْهِ لِبِنَاءِ الْبَيْتِ وَكَانَ ابْنُهُ إسْمَاعِيلُ - ﵊ - يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ. (وَ) نُدِبَ (دُعَاءٌ) بَعْدَ الطَّوَافِ وَرَكْعَتَيْهِ (بِالْمُلْتَزَمِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْبَابِ وَالْحِجْرِ مِنْ حَائِطِ الْكَعْبَةِ. وَفِي الْمُوَطَّإِ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ مِنْ الْمَطَافِ. أَبُو عُمَرَ «كَانَ - ﷺ - يَضَعُ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ بِالْمُلْتَزَمِ» . زَرُّوقٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ فِي طَوَافِهِ بِمَا تَيَسَّرَ، وَكَذَا فِي الْمَقَامِ وَالْحَطِيمِ وَالْمُلْتَزَمِ وَعِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، وَفِي الْمُسْتَجَارِ أَيْ: مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْبَابِ الْمُغْلَقِ الَّذِي كَانَ فَتَحَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَفِي الْحِجْرِ تَحْتَ الْمِيزَابِ وَلَا حَدَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. (وَ) نُدِبَ (اسْتِلَامُ) أَيْ: تَقْبِيلُ (الْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ بِكُلِّ شَوْطٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ (وَ) نُدِبَ لَمْسُ الرُّكْنِ (الْيَمَانِيِّ) بِآخِرِ كُلِّ شَوْطٍ (بَعْدَ) الشَّوْطِ (الْأَوَّلِ) بَعْدَ مُرُورِ الطَّائِفِ عَلَى الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ الْمُقَابِلَيْنِ الْحِجْرَ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ (وَ) نُدِبَ (اقْتِصَارٌ) فِي صِيغَةِ التَّلْبِيَةِ (عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ - ﷺ -) وَهِيَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك وَكَرِهَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الزِّيَادَةَ
[ ٢ / ٢٧٠ ]
وَدُخُولُ مَكَّةَ نَهَارًا.
وَالْبَيْتِ، وَمِنْ كَدَاءَ: لِمَدَنِيٍّ، وَالْمَسْجِدِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، وَخُرُوجُهُ
_________________
(١) [منح الجليل] عَلَيْهَا، وَمَعْنَى لَبَّيْكَ إجَابَةٌ بَعْدَ إجَابَةٍ وَالْإِجَابَةُ الْأُولَى إجَابَةُ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] أَيْ أَنْتَ رَبُّنَا، وَالثَّانِيَةُ لِتَأْذِينِ إبْرَاهِيمَ - ﵊ - فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ فَأَجَابُوهُ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، فَمَنْ أَجَابَهُ مَرَّةً حَجَّ مَرَّةً وَمَنْ زَادَ فِي الْإِجَابَةِ زَادَ فِي الْحَجِّ فَالْمَعْنَى أَجَبْتُك فِي هَذَا الْإِحْرَامِ كَمَا أَجَبْتُك فِيمَا تَقَدَّمَ، وَأَوَّلُ مَنْ لَبَّى الْمَلَائِكَةُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَكَذَا أَوَّلُ مَنْ طَافَ وَفِي مَشْرُوعِيَّتِهَا تَنْبِيهٌ عَلَى إكْرَامِ اللَّهِ تَعَالَى عِبَادَهُ بِأَنَّ وُفُودَهُمْ عَلَى بَيْتِهِ إنَّمَا كَانَ بِاسْتِدْعَاءٍ مِنْهُ ﷾. (وَ) نُدِبَ (دُخُولُ مَكَّةَ نَهَارًا) أَيْ: ضُحًى، قَالَ زَرُّوقٌ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَتَى مَكَّةَ أَرْبَعٌ: نُزُولُهُ بِذِي طُوًى وَهُوَ الْوَادِي الَّذِي تَحْتَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا وَيُسَمَّى الزَّاهِرَ، وَاغْتِسَالٌ فِيهِ، وَنُزُولُ مَكَّةَ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَمَبِيتُهُ بِالْوَادِي الْمَذْكُورِ فَيَأْتِي مَكَّةَ ضُحًى. (وَ) نُدِبَ دُخُولُ (الْبَيْتِ) أَيْ: الْكَعْبَةِ لِزِيَارَتِهَا وَالتَّبَرُّكِ بِهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا كَمَا فِي النَّقْلِ، وَلِذَا أَخَّرَهُ عَنْ الظَّرْفِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْحَذْفِ مِنْ الثَّانِي لِدَلَّالِهِ الْأَوَّلِ، وَمُقْتَضَى كَوْنِ سِتَّةِ أَذْرُعٍ مِنْ الْحِجْرِ مِنْ الْبَيْتِ أَنَّ مَنْ دَخَلَهَا أَتَى بِهَذَا الْمُسْتَحَبِّ. (وَ) نُدِبَ دُخُولُ مَكَّةَ (مِنْ كَدَاءَ) بِفَتْحِ الْكَافِ مَمْدُودًا مُنَوَّنًا إنْ لَمْ يُؤَدِّ لِازْدِحَامٍ وَأَذِيَّةٍ وَإِلَّا تَعَيَّنَ تَرْكُ الدُّخُولِ مِنْهُ (لِمَدَنِيٍّ) أَيْ: آتٍ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا لِآتٍ مِنْ غَيْرِهَا وَإِنْ مَدَنِيًّا. الْفَاكِهَانِيُّ الْمَشْهُورُ نَدْبُهُ لِكُلِّ مُحْرِمٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ طَرِيقُهُ لِاسْتِقْبَالِ الدَّاخِلِ وَجْهَ الْكَعْبَةِ. وَلِأَنَّهُ الْمَوْضِعُ الَّذِي دَعَا إبْرَاهِيمُ - ﵊ - رَبَّهُ تَعَالَى فِيهِ بِأَنْ يَجْعَلَ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ فَقِيلَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، وَلِذَا قَالَ يَأْتُوك دُونَ يَأْتُونِي. (وَ) نُدِبَ دُخُولُ (الْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ (مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) الْمُسَمَّى بَابَ السَّلَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقِ الدَّاخِلِ. (وَ) نُدِبَ (خُرُوجُهُ) أَيْ الْمَدَنِيِّ أَيْضًا وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِمْ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى
[ ٢ / ٢٧١ ]
مِنْ كُدَى.
وَرُكُوعُهُ لِلطَّوَافِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ تَنَفُّلِهِ.
بِالْمَسْجِدِ وَرَمَلُ مُحْرِمٍ مِنْ كَالتَّنْعِيمِ أَوْ بِالْإِفَاضَةِ لِمُرَاهِقٍ؛ لَا تَطَوُّعٍ وَوَدَاعٍ.
وَكَثْرَةُ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ،
_________________
(١) [منح الجليل] أَيْضًا مِنْ مَكَّةَ لِلسَّفَرِ (مِنْ كُدَى) بِضَمِّ الْكَافِ مَقْصُورًا وَفِي فَتْحٍ وَمَدٍّ مَوْضِعُ الدُّخُولِ وَضَمٍّ وَقَصْرٍ مَوْضِعُ الْخُرُوجِ إشَارَةٌ لَطِيفَةٌ إلَى أَنَّ الدَّاخِلَ يَفْتَحُ بَابَ الرَّجَاءِ، وَالْخَارِجُ يَضُمُّ عَلَى مَا حَصَلَ وَيَقْصُرُ أَمَلَهُ عَنْ تَعَلُّقِهِ بِغَيْرِهِ. (وَ) نُدِبَ (رُكُوعُهُ لِلطَّوَافِ) بَعْدَ فَرْضِ الْعَصْرِ حِينَ دُخُولِهِ مَكَّةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُخَالِفًا لِلْأَوْلَى مِنْ إقَامَتِهِ لِلْغُرُوبِ بِذِي طُوًى قَالَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ طَافَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصِلَةُ رُكُوعِهِ (بَعْدَ) صَلَاةِ (الْمَغْرِبِ) وَمَصَبُّ النَّدْبِ كَوْنُ رُكُوعِهِ (قَبْلَ تَنَفُّلِهِ) وَلِابْنِ رُشْدٍ الْأَظْهَرُ تَقْدِيمُهُمَا عَلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ لِاتِّصَالِهِمَا حِينَئِذٍ بِالطَّوَافِ وَلَا يَفُوتَانِهِ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ لِخِفَّتِهِمَا. (وَ) نُدِبَ لِمَنْ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ رُكُوعُهُ لِلطَّوَافِ (بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) قَبْلَ تَنَفُّلِهِ وَتَأْخِيرُ دُخُولِ مَكَّةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَإِنْ دَخَلَ قَبْلَهُ طَافَ حِينَ دُخُولِهِ، وَأَخَّرَهُمَا لِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِمَا مُرَاعَاةً لِسُنِّيَّتِهِمَا. وَعُلِمَ مِمَّا هُنَا أَنَّ الطَّوَافَ وَلَوْ فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا كَصَلَاةِ النَّفْلِ فِي كَرَاهَتِهِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَفَرْضِ الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَرْتَفِعَ قِيدَ رُمْحٍ وَتُصَلِّي الْمَغْرِبَ. (وَ) نُدِبَ صَلَاةُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ (بِالْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ وَخَلْفَ الْمَقَامِ. (وَ) نُدِبَ (رَمَلُ) رَجُلٍ (مُحْرِمٍ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (مِنْ كَالتَّنْعِيمِ) وَالْجِعْرَانَةِ (أَوْ) رَمَلٍ (بِ) طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ لِمُرَاهِقٍ) وَنَحْوِهِ مِمَّنْ لَمْ يَطُفْ الْقُدُومَ لِضِيقِ الْوَقْتِ عَنْ فِعْلِهِ لِخَشْيَةِ فَوَاتِ وُقُوفِ عَرَفَةَ أَوْ لِنِسْيَانِهِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُرَاهِقٍ وَطَافَ الْقُدُومَ وَرَمَلَ فِيهِ أَوْ تَرَكَهُ وَلَوْ عَمْدًا فَلَا يَرْمُلُ بِالْإِفَاضَةِ (لَا) يُنْدَبُ الرَّمَلُ فِي طَوَافِ (تَطَوُّعٍ وَ) لَا فِي طَوَافِ (وَدَاعٍ) وَالظَّاهِرُ كَرَاهَتُهُ فِيهِمَا عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ. (وَ) نُدِبَ لِكُلِّ مَنْ بِمَكَّةَ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا (كَثْرَةُ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ) ابْنُ حَبِيبٍ
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وَنَقْلُهُ.
وَلِلسَّعْيِ شُرُوطُ الصَّلَاةِ، وَخُطْبَةٌ بَعْدَ ظُهْرِ السَّابِعِ
_________________
(١) [منح الجليل] يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ وَالْوُضُوءُ مِنْهُ مَا أَقَامَ بِهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك عِلْمًا نَافِعًا وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَقَالَ وَهُوَ لِمَا شُرِبَ لَهُ فَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ هَاجَرَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - طَعَامًا وَشَرَابًا. (وَ) نُدِبَ (نَقْلُهُ) أَيْ: مَاءُ زَمْزَمَ مِنْ مَكَّةَ لِغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ وَخُصُوصِيَّتُهُ بَاقِيَةٌ فِيهِ بَعْدَ نَقْلِهِ الْحَطّ. وَصَرَّحَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ بِاسْتِحْبَابِ نَقْلِهِ قَالَ فِي مُخْتَصَرِهَا اُسْتُحِبَّ لِمَنْ حَجَّ أَنْ يَتَزَوَّدَ مِنْهُ إلَى بَلَدِهِ فَإِنَّهُ شِفَاءٌ لِمَنْ اسْتَشْفَى اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُعَلَّى وَالتَّادَلِيُّ وَغَيْرُهُمَا. . (وَ) نُدِبَ (لِلسَّعْيِ شُرُوطُ الصَّلَاةِ) الْمُمْكِنَةِ فِيهِ فَلَا يُنْدَبُ فِيهِ اسْتِقْبَالٌ لِعَدَمِ إمْكَانِهِ فِيهِ وَلَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ أَوْ ذَكَرَ خُبْثًا أَوْ أَصَابَهُ حَقْنٌ أَوْ جَنَابَةٌ نُدِبَ لَهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ وَيَبْنِيَ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُخِلًّا بِالْمُوَالَاةِ الْوَاجِبَةِ فِيهِ لِيَسَارَتِهِ وَتُتَصَوَّرُ الْجَنَابَةُ مَعَ صِحَّةِ النُّسُكِ وَالِاتِّصَالِ بِرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بِالِاحْتِلَامِ فِي نَوْمٍ خَفِيفٍ عَقِبَ سَلَامِهِ مِنْهُمَا. (وَ) نُدِبَ لِلْإِمَامِ (خُطْبَةٌ بَعْدَ ظُهْرٍ) الْيَوْمِ (السَّابِعِ) مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ذَكَرَ الْحَطّ أَنَّ مِنْ هُنَا إلَى قَوْلِهِ وَدُعَاءٍ وَتَضَرُّعٍ بِإِخْرَاجِ الْغَايَةِ مِنْ السُّنَنِ لَا مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ، قَالَ وَهَلْ يَفْتَتِحُ أُولَاهُمَا بِالتَّكْبِيرِ أَوْ بِالتَّلْبِيَةِ؟ قَوْلَانِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّهُمَا إنْ كَانَ الْخَطِيبُ مُحْرِمًا وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى الْقَوْلَ بِالتَّلْبِيَةِ؛ لِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ الْآنَ وَهِيَ شِعَارُ الْمُحْرِمِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْرِمٍ تَعَيَّنَ
[ ٢ / ٢٧٣ ]
بِمَكَّةَ وَاحِدَةٌ: يُخْبِرُ فِيهَا بِالْمَنَاسِكِ وَخُرُوجُهُ لِمِنًى قَدْرَ مَا يُدْرِكُ بِهَا الظُّهْرَ، وَبَيَاتُهُ بِهَا، وَسَيْرُهُ لِعَرَفَةَ بَعْدَ الطُّلُوعِ، وَنُزُولُهُ بِنَمِرَةَ، وَخُطْبَتَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ،
_________________
(١) [منح الجليل] عَلَيْهِ فِي تَحْصِيلِ الْمَنْدُوبِ التَّكْبِيرُ وَتَعَقَّبَهُ عج بِقَوْلِ سَنَدٍ النُّزُولُ بِنَمِرَةَ مُسْتَحَبٌّ، وَبِأَنَّ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ سُنَّةٌ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي سُنِّيَّةَ الْأَوَّلِ وَنُدِبَ الثَّانِي (بِمَكَّةَ) أَيْ: فِي حَرَمِ مَكَّةَ زَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا. (وَاحِدَةٌ) تَبِعَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَشَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَأَقَرَّهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ. وَلِابْنِ حَبِيبٍ وَالْأَخَوَيْنِ خُطْبَتَانِ كَالْجُمُعَةِ وَنَسَبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي لَكِنْ لَمْ أَرَ مَنْ شَهَرَهُ قَالَهُ طفي (يُخْبِرُ) الْإِمَامُ النَّاسَ تَذْكِيرًا لِلْعَالِمِ وَتَعْلِيمًا لِلْجَاهِلِ (فِيهَا) أَيْ: الْخُطْبَةِ (بِالْمَنَاسِكِ) الَّتِي تُفْعَلُ فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَلَيْلَةِ التَّاسِعِ إلَى زَوَالِهِ. (وَ) نُدِبَ (خُرُوجُهُ) أَيْ: الْحَاجِّ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ مِنْ مَكَّةَ (لِمِنًى قَدْرَ مَا) أَيْ: زَمَانِ (يُدْرِكُ) الْحَاجُّ إذَا خَرَجَ فِيهِ (بِهَا) أَيْ: مِنًى (الظُّهْرَ) مَقْصُورَةٌ فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ فَالْقَوِيُّ يَخْرُجُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَمَنْ بِهِ أَوْ بِدَابَّتِهِ ضَعْفٌ بِحَيْثُ لَا يُدْرِكُ الظُّهْرَ بِمِنًى آخِرَ الْمُخْتَارِ إذَا خَرَجَ لَهَا بَعْدَهُ يَخْرُجُ قَبْلَهُ بِقَدْرِ مَا يُدْرِكُ الظُّهْرَ بِهَا فِي مُخْتَارِهَا؛ إذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْهُ، وَصَلَاتُهَا فِي غَيْرِ مِنًى بِدْعَةٌ وَلَوْ وَافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ إذْ الظُّهْرُ بِمِنًى أَفْضَلُ مِنْ الْجُمُعَةِ بِمَكَّةَ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، وَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ وَيُكْرَهُ الْخُرُوجُ لَهَا قَبْلَ الثَّامِنِ (وَ) نُدِبَ (بَيَاتُهُ بِهَا) أَيْ: مِنًى لَيْلَةَ التَّاسِعِ. (وَ) نُدِبَ (سَيْرُهُ) مِنْ مِنًى (لِعَرَفَةَ بَعْدَ الطُّلُوعِ) لِلشَّمْسِ وَلَا يُجَاوِزُ بَطْنَ مُحَسِّرٍ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ مِنًى (وَ) نُدِبَ (نُزُولُهُ بِنَمِرَةَ) وَادٍ بَيْنَ الْحَرَمِ وَعَرَفَةَ وَيُسَمَّى أَيْضًا عُرَنَةَ بِالنُّونِ وَضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ لِنُزُولِهِ - ﷺ - بِهِ، وَيَضْرِبُ خَيْمَتَهُ بِهَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ فَإِذَا زَالَتْ اغْتَسَلَ وَدَخَلَ عَرَفَةَ لِجَمْعِ الصَّلَاتَيْنِ فِي مَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ. (وَ) نُدِبَ (خُطْبَتَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ) مِنْ الْيَوْمِ التَّاسِعِ بِجَامِعِ نَمِرَةَ وَقَالَ عِيَاضٌ فِي
[ ٢ / ٢٧٤ ]
ثُمَّ أُذِّنَ، وَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ إثْرَ الزَّوَالِ، وَدُعَاءٌ وَتَضَرُّعٌ لِلْغُرُوبِ، وَوُقُوفُهُ بِوُضُوءٍ، وَرُكُوبُهُ بِهِ،
_________________
(١) [منح الجليل] الْإِكْمَالِ فِي خُطْبَةِ عَرَفَةَ هِيَ سُنَّةٌ فِي قَوْلِ الْمَدَنِيِّينَ وَالْمَغَارِبَةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَيْسَ عَرَفَةُ بِمَوْضِعِ خُطْبَةٍ وَهُوَ قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا يُعَلَّمُ النَّاسُ فِيهِمَا الْمَنَاسِكَ مِنْ جَمْعِهِمْ الظُّهْرَيْنِ بِعَرَفَةَ وَوُقُوفِهِمْ بِهَا إلَى الْغُرُوبِ لِلتَّضَرُّعِ وَالدُّعَاءِ، وَدَفْعِهِمْ مِنْهَا عَقِبَ الْغُرُوبِ بِدُونِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إلَى مُزْدَلِفَةَ وَنُزُولِهِمْ بِهَا، وَجَمْعِهِمْ الْعِشَاءَيْنِ بِهَا وَمَبِيتِهِمْ بِهَا وَصَلَاتِهِمْ الصُّبْحَ بِهَا بِغَلَسٍ، وَوُقُوفِهِمْ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ إلَى الْإِسْفَارِ الْبَيِّنِ وَدَفْعِهِمْ إلَى مِنًى قَبْلَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وَإِسْرَاعِهِمْ بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ وَرَمْيِهِمْ الْعَقَبَةَ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِمْ إلَى مِنًى، وَتَذْكِيَتِهِمْ هَدَايَاهُمْ وَحَلْقِهِمْ أَوْ تَقْصِيرِهِمْ بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ وَالْمُبَادَرَةِ لِمَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَرُجُوعِهِمْ لِمِنًى لِلْمَبِيتِ وَالرَّمْيِ. (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِ الْخُطْبَتَيْنِ أَوْ قَبْلَهُ بِيَسِيرٍ (أُذِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا وَأُقِيمَ لِلظُّهْرِ وَالْإِمَامُ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ فِيهَا، وَيُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ إنْ شَاءَ فِي الْخُطْبَةِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهَا اهـ. وَلَفْظُ الْأُمَّهَاتِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسُئِلَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ الْمُؤَذِّنِ مَتَى يُؤَذِّنُ يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ خُطْبَتِهِ، أَوْ وَهُوَ يَخْطُبُ قَالَ ذَلِكَ وَاسِعٌ إنْ شَاءَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَإِنْ شَاءَ بَعْدَمَا يَفْرُغُ مِنْ خُطْبَتِهِ. (وَجَمَعَ) الْإِمَامُ إذَا نَزَلَ (بَيْنَ الظُّهْرَيْنِ) جَمْعَ تَقْدِيمٍ بِأَذَانٍ ثَانٍ وَإِقَامَةٍ لِلْعَصْرِ هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. ابْنُ الْجَلَّابِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَقِيلَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ الْمَوَّازِ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ لِإِطْلَاقِهِ الْأَذَانَ (إثْرَ الزَّوَالِ) وَقَوْلُهُ ثُمَّ أَذَّنَ إلَخْ يُفِيدُ تَأْخِيرَ الْأَذَانِ وَالْجَمْعَ عَنْ الْخُطْبَتَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: إثْرَ النُّزُولِ لَكَانَ أَظْهَرَ وَمَنْ فَاتَهُ جَمْعُهُمَا مَعَ الْإِمَامِ جَمَعَهُمَا وَحْدَهُ، فَإِنْ تَرَكَهُ جُمْلَةً فَعَلَيْهِ دَمٌ قَالَهُ فِي اللُّمَعِ. الْبَدْرُ هَذَا غَرِيبٌ أَنَّ الدَّمَ فِي تَرْكِ سُنَّةٍ فَلَعَلَّهُ ضَعِيفٌ. (وَ) نُدِبَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ (دُعَاءٌ وَتَضَرُّعٌ لِلْغُرُوبِ) بِعَرَفَةَ (وَ) نُدِبَ (وُقُوفٌ) هـ أَيْ: حُضُورُهُ فِي عَرَفَةَ (بِوُضُوءٍ) هَذَا مَصَبُّ النَّدْبِ (وَ) نُدِبَ (رُكُوبُهُ بِهِ) أَيْ: فِي
[ ٢ / ٢٧٥ ]
ثُمَّ قِيَامٌ إلَّا لِتَعَبٍ.
وَصَلَاتُهُ بِمُزْدَلِفَةَ الْعِشَاءَيْنِ، وَبَيَاتُهُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ فَالدَّمُ، وَجَمَعَ وَقَصَرَ، إلَّا أَهْلَهَا: كَمِنًى وَعَرَفَةَ،
_________________
(١) [منح الجليل] حَالِ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ لِلتَّقَوِّي عَلَى الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالِاقْتِدَاءِ بِالرَّسُولِ الْأَعْظَمِ - ﷺ - وَهَذَا مُسْتَثْنَى مِنْ النَّهْيِ عَنْ اتِّخَاذِ ظُهُورِ الدَّوَابِّ مَسَاطِبَ كَمَا فِي الْخَبَرِ (ثُمَّ) يَلِي الرُّكُوبَ فِي النَّدْبِ (قِيَامٌ) لِلرِّجَالِ وَكُرِهَ لِلنِّسَاءِ (إلَّا لِتَعَبٍ) لِلدَّابَّةِ أَوْ رَاكِبِهَا أَوْ الْقَائِمِ أَوْ مُدِيمِ الْوُضُوءِ فَيَكُونُ النُّزُولُ وَالْجُلُوسُ وَنَقْضُ الْوُضُوءِ أَفْضَلَ. (وَ) نُدِبَ (صَلَاتُهُ) أَيْ: الْحَاجِّ (بِمُزْدَلِفَةَ الْعِشَاءَيْنِ) مَجْمُوعَتَيْنِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ وَقَصْرُ الْعِشَاءِ وَتُسَمَّى مُزْدَلِفَةَ جَمْعًا بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ أَوْ آدَمَ وَحَوَّاءَ أَوْ الصَّلَاتَيْنِ بِهَا. وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ سُنَّةٌ إنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ فَإِنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ بِأَنْ لَمْ يَقِفْ أَصْلًا أَوْ وَقَفَ وَحْدَهُ فَلَا يَجْمَعُ لَا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَا بِغَيْرِهَا، وَيُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ مُخْتَارَهَا لَا يُقَالُ كَلَامُهُ لَا يُفِيدُ نَدْبَ جَمْعِهِمَا؛ إذْ هُوَ صَادِقٌ يَجْمَعُهُمَا وَعَدَمُهُ وَإِنَّمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ وَجَمْعٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ عَدَمُ جَمْعِهِمَا مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ فَلَا يَكُونُ مَنْدُوبًا. (وَ) نُدِبَ (بَيَاتُهُ بِهَا) أَيْ: مُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَالنُّزُولِ بِهَا بِقَدْرِ حَطِّ الرِّحَالِ سَوَاءٌ حُطَّتْ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لِتَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ وَاجِبٌ (وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ) بِهَا بِلَا عُذْرٍ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ (فَالدَّمُ) وَاجِبٌ وَإِنْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ جَاءَ بَعْدَ الشَّمْسِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهِمَا وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ إنَاخَةِ الْبَعِيرِ (وَجَمَعَ) الْإِمَامُ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِمُزْدَلِفَةَ اسْتِنَانًا (وَقَصَرَ) الْإِمَامُ الْعِشَاءَ كَذَلِكَ وَهَذَا كَالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ آنِفًا وَصَلَاتُهُ بِمُزْدَلِفَةَ الْعِشَاءَيْنِ وَكُلُّ الْحُجَّاجِ يَجْمَعُونَ وَيَقْصِرُونَ بِمُزْدَلِفَةَ (إلَّا أَهْلَهَا) أَيْ: مُزْدَلِفَةَ فَيُتِمُّونَ الْعِشَاءَ وَيَجْمَعُونَهَا مَعَ الْمَغْرِبِ. وَشَبَّهَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْأَهْلَ مِنْ الْقَصْرِ فَقَالَ (كَ) أَهْلِ (مِنًى وَ) أَهْلِ (عَرَفَةَ) وَأَهْلِ الْمُحَصَّبِ فَيُتِمُّونَ الرُّبَاعِيَّةَ فِي بِلَادِهِمْ وَفِي حَالِ رُجُوعِهِمْ إلَيْهَا إنْ كَانَ النُّسُكُ يُتَمُّ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يُتَمَّ بِهَا قَصَرَ حَالَ رُجُوعِهِ إلَيْهَا كَمَكِّيٍّ يَنْزِلُ الْمُحَصَّبِ قَبْلَ دُخُولِهِ مَكَّةَ فَيَقْصِرُ فِيهِ وَهَذَا
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وَإِنْ عَجَزَ فَبَعْدَ الشَّفَقِ، وَإِنْ نَفَرَ مَعَ الْإِمَامِ، وَإِلَّا فَكُلٌّ لِوَقْتِهِ، وَإِنْ قُدِّمَتَا عَلَيْهِ أَعَادَهُمَا، وَارْتِحَالُهُ بَعْدَ الصُّبْحِ، مُغَلِّسًا،.
_________________
(١) [منح الجليل] مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي السَّفَرِ إلَّا كَمَكِّيٍّ فِي خُرُوجِهِ لِعَرَفَةَ وَرُجُوعِهِ. (وَإِنْ عَجَزَ) مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسُ عَنْ السَّيْرِ مَعَهُمْ لِضَعْفِهِ أَوْ ضَعْفِ دَابَّتِهِ (فَ) يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا (بَعْدَ) مَغِيبِ (الشَّفَقِ) الْأَحْمَرِ فِي مُزْدَلِفَةَ أَوْ قَبْلَهَا (إنْ) كَانَ وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَ(نَفَرَ) أَيْ: سَارَ مِنْهَا (مَعَ الْإِمَامِ) وَتَأَخَّرَ عَنْهُ لِعُذْرٍ بِهِ أَوْ بِدَابَّتِهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقِفْ وَيَنْفِرْ مَعَ الْإِمَامِ بِأَنْ وَقَفَ وَحْدَهُ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ بِعَرَفَةَ (فَكُلٌّ) مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يُصَلِّيهِ (لِوَقْتِهِ) مِنْ غَيْرِ جَمْعٍ وَمَفْهُومُ عَجَزَ أَنَّ مَنْ وَقَفَ وَنَفَرَ مَعَهُ وَتَأَخَّرَ عَنْهُ لِغَيْرِ عَجْزٍ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ أَيْضًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ لَكِنْ فِي مُزْدَلِفَةَ فَقَطْ أَفَادَهُ عبق الرَّمَاصِيُّ قَوْلُهُ إنْ نَفَرَ مَعَ الْإِمَامِ الصَّوَابُ إنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ فِي الْمَنَاسِكِ؛ إذْ هُوَ الْمُطَابِقُ لِلنَّقْلِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا مَنْ وَقَفَ بَعْدَ الْإِمَامِ فَلَا يَجْمَعُ اهـ. وَهَكَذَا النَّقْلُ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي النَّوَادِرِ وَابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِمَا، زَادَ الْبُنَانِيُّ وَمِثْلُهُ فِي الْخَرَشِيِّ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَوَّاقِ وَبِهِ تَعْلَمُ مَا فِي تَقْرِيرِ (ز) (وَإِنْ قُدِّمَتَا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ الْعِشَاءَانِ (عَلَيْهِ) أَيْ الشَّفَقِ أَوْ النُّزُولُ بِمُزْدَلِفَةَ لِمَنْ يَجْمَعُ بِهَا وَهُوَ مَنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَسَارَ مَعَهُ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ (أَعَادَهُمَا) أَيْ: الْعِشَاءَيْنِ نَدْبًا إنْ كَانَ صَلَّاهُمَا بَعْدَ الشَّفَقِ قَبْلَ وُصُولِهِ مُزْدَلِفَةَ، وَإِنْ كَانَ قَدَّمَهُمَا عَلَى الشَّفَقِ أَعَادَ الْعِشَاءَ وُجُوبًا لِبُطْلَانِهَا لِصَلَاتِهَا قَبْلَ وَقْتِهَا وَالْمَغْرِبِ نَدْبًا إنْ بَقِيَ وَقْتُهَا فِيهَا. قِيلَ لِلْإِمَامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامُ الْمُزْدَلِفَةَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ فَقَالَ هَذَا مِمَّا لَا أَظُنُّهُ يَكُونُ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا صَلَّى فِي الْمُزْدَلِفَةِ فَلَا يُعِيدُ وَإِنَّمَا الْإِعَادَةُ عِنْدَهُ إذَا صَلَّى قَبْلَ الْمُزْدَلِفَةِ لِقَوْلِهِ - ﷺ - الصَّلَاةُ أَمَامَك وَلَا يُمْكِنُ عَادَةً أَنْ يُقَدِّمَهَا قَبْلَ الشَّفَقِ وَيُصَلِّيهِمَا بِالْمُزْدَلِفَةِ. (وَ) نُدِبَ (ارْتِحَالُهُ) أَيْ: الْحَاجِّ مِنْ مُزْدَلِفَةَ (بَعْدَ) صَلَاةِ (الصُّبْحِ) أَوَّلَ وَقْتِهَا حَالَ كَوْنِهِ (مُغَلِّسًا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ وَالْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ مُشَدَّدَةً أَيْ مُصَلِّيًا فِي وَقْتِ الْغَلَسِ أَيْ الظَّلَامِ.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وَوُقُوفُهُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ يُكَبِّرُ وَيَدْعُو لِلْإِسْفَارِ، وَاسْتِقْبَالُهُ بِهِ، وَلَا وُقُوفَ بَعْدَهُ وَلَا قَبْلَ الصُّبْحِ، وَإِسْرَاعٌ بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ.
وَرَمْيُهُ الْعَقَبَةَ حِينَ وُصُولِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] وَ) نُدِبَ (وُقُوفُهُ بِالْمَشْعَرِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا شِينٌ سَاكِنَةٌ أَيْ: مَحَلِّ الْعَشَائِرِ وَمَعَالِمِ الدِّينِ وَالطَّاعَةِ (الْحَرَامِ) الَّذِي يَحْرُمُ الصَّيْدُ وَقَطْعُ النَّابِتِ بِنَفْسِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَرَمِ وَهُوَ مَا بَيْنَ جَبَلِ الْمُزْدَلِفَةِ. وَقُزَحٍ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الزَّايِ آخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ اسْمُ جَبَلٍ مِنْ الْمَسْجِدِ الَّذِي عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إلَى مِنًى وَمَا أَحَاطَ بِهِ مِنْ الْفَضَاءِ وَالنَّدْبُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وُقُوفُ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَسُنَّتِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَأَقَرَّهُ وَقَالَ الْقَلْشَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْوُقُوفَ بِهِ سُنَّةٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فَرِيضَةٌ اهـ. وَالسُّنِّيَّةُ هِيَ الَّتِي تُفْهَمُ مِنْ قَوَاعِدِ عِيَاضٍ، وَلِذَا جَعَلَ الْبِسَاطِيُّ الِاسْتِحْبَابَ مُتَعَلِّقًا بِالْقَيْدِ حَالَ كَوْنِهِ (يُكَبِّرُ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا وَيُهَلِّلُ (وَيَدْعُو) فِي حَالِ وُقُوفِهِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَصِلَةُ وُقُوفِهِ (لِلْإِسْفَارِ) أَيْ: الضَّوْءِ الْأَعْلَى بِإِخْرَاجِ الْغَايَةِ قَالَهُ أَحْمَدُ. (وَ) نُدِبَ (اسْتِقْبَالُهُ) أَيْ الْوَاقِفِ بِالْمَشْعَرِ الْقِبْلَةَ (بِهِ) أَيْ عِنْدَ الْمَشْعَرِ جَاعِلًا لَهُ عَنْ يَسَارِهِ (وَلَا وُقُوفَ) مَشْرُوعٌ (بَعْدَهُ) أَيْ: الْإِسْفَارِ فَيَفُوتُ بِهِ وَصَرَّحَ بِهَذَا، وَإِنْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ لِلْإِسْفَارِ لِمُخَالَفَةِ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقِفُونَ بِهِ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ (وَلَا) وُقُوفَ مَشْرُوعٌ (قَبْلَ) صَلَاةِ (الصُّبْحِ)؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ. (وَ) نُدِبَ (إسْرَاعٌ) بِدَابَّتِهِ وَالْمَاشِي بِخُطْوَتِهِ ذَهَابًا لِعَرَفَةَ وَإِيَابًا لِمِنًى (بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَيْنِ مُشَدَّدَةً وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَادٍ بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَالطَّبَرِيُّ. وَفِي خَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ مِنًى وَنَقَلَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ أَنَّ بَعْضَهُ مِنْ مِنًى وَبَعْضَهُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ وَصَوَّبَهُ. (وَ) نُدِبَ (رَمْيُهُ الْعَقَبَةَ حِينَ وُصُولِهِ) مِنًى قَبْلَ حَطِّ رَحْلِهِ؛ لِأَنَّهَا تَحِيَّةُ الْحَرَمِ فَالنَّدْبُ
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وَإِنْ رَاكِبًا، وَالْمَشْيُ فِي غَيْرِهَا، وَحَلَّ بِهَا غَيْرُ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ.
وَكُرِهَ الطِّيبُ، وَتَكْبِيرُهُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَتَتَابُعُهَا، وَلَقْطُهَا، وَذَبْحٌ قَبْلَ الزَّوَالِ،
_________________
(١) [منح الجليل] مُنَصَّبٌ عَلَى كَوْنِهِ حِينَهُ، وَإِنْ كَانَ رَمْيُهَا وَاجِبًا إنْ وَصَلَ مَاشِيًا بَلْ (وَإِنْ) وَصَلَ (رَاكِبًا) وَيَدْخُلُ وَقْتُ رَمْيِهَا بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فَمَنْ رُخِّصَ لَهُ فِي التَّقْدِيمِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ فَتَقَدَّمَ وَوَصَلَ مِنًى لَيْلًا فَلَا يَرْمِيهَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ. وَيُنْدَبُ تَأْخِيرُهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلَا يَصِحُّ قَبْلَ الْفَجْرِ وَيُكْرَهُ بَعْدَهُ إلَى طُلُوعِهَا. وَاعْتَرَضَ قَوْلُهُ وَإِنْ رَاكِبًا بِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ رُكُوبَهُ بِهِ حَالَ رَمْيِهَا مَرْجُوحٌ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهَا الشَّأْنُ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ضَحْوَةً رَاكِبًا وَإِنْ مَشَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ رَمْيُهَا عَلَى الْحَالِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ مِنْ رُكُوبٍ أَوْ مَشْيٍ فَلَا يَشْتَغِلُ الرَّاكِبُ بِالنُّزُولِ قَبْلَ رَمْيِهَا وَلَا الْمَاشِي بِالرُّكُوبِ لِرَمْيِهَا. (وَ) نُدِبَ (الْمَشْيُ فِي) حَالِ رَمْيِ (غَيْرِهَا) أَيْ الْعَقَبَةِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ فَيَصْدُقُ بِغَيْرِهَا وَبِهَا فِي غَيْرِهِ (وَحَلَّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَاللَّامِ مُشَدَّدًا أَيْ: جَازَ (بِرَمْيِهَا) أَيْ: الْعَقَبَةَ أَوْ بِخُرُوجِ وَقْتِ أَدَائِهِ وَفَاعِلُ حَلَّ (غَيْرُ) قُرْبَانِ (نِسَاءٍ) بِجِمَاعٍ أَوْ مُقَدِّمَتِهِ أَوْ عَقْدُ نِكَاحٍ (وَ) غَيْرُ (صَيْدٍ) فَلَا يَحِلَّانِ بِهَا. (وَكُرِهَ الطِّيبُ) أَيْ: اسْتِعْمَالُهُ لِمَنْ رَمَى الْعَقَبَةَ فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ، فَهَذَا هُوَ التَّحَلُّلُ الْأَصْغَرُ. وَيَحِلُّ بِهِ لِلْمَرْأَةِ غَيْرُ رِجَالٍ وَصَيْدٍ وَيُكْرَهُ لَهَا الطِّيبُ. (وَ) نُدِبَ (تَكْبِيرُهُ مَعَ) رَمْيِ (كُلِّ حَصَاةٍ) تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ سُنَّةٌ وَافْهَمْ قَوْلَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُقَدِّمُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ عَنْ الرَّمْيِ وَيُفَوِّتُ الْمَنْدُوبُ بِمُفَارَقَةِ الْحَصَاةِ يَدَهُ قَبْلَ نُطْقِهِ بِهِ، وَلَوْ نَطَقَ بِهِ قَبْلَ وُصُولِهَا مَحَلَّهَا. (وَ) نُدِبَ (تَتَابُعُهَا) أَيْ: تَوَالِي الْحَصَيَاتِ بِأَنْ يَرْمِيَ الثَّانِيَةَ عَقِبَ رَمْيِ الْأُولَى وَهَكَذَا مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ إلَّا بِمِقْدَارٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ كَوْنُهُمَا رَمْيَتَيْنِ (وَ) نُدِبَ (لَقْطُهَا) أَيْ: الْحَصَيَاتِ الَّتِي تُرْمَى فِي يَوْمِ الْعِيدِ وَمَا بَعْدَهُ فَكَسْرُهَا خِلَافُ الْمَنْدُوبِ مِنْ مِنًى أَوْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ إلَّا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَيُنْدَبُ لَقْطُهَا مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ. (وَ) نُدِبَ (ذَبْحٌ) أَوْ نَحْرٌ لِهَدْيٍ بِمِنًى (قَبْلَ الزَّوَالِ) هَذَا مَصَبُّ النَّدْبِ وَيَصِحُّ بَعْدَ
[ ٢ / ٢٧٩ ]
وَطَلَبُ بَدَنَتِهِ لَهُ لِيَحْلِقَ، ثُمَّ حَلْقُهُ وَلَوْ بِنُورَةٍ، وَإِنْ عَمَّ رَأْسَهُ، وَالتَّقْصِيرُ مُجْزٍ
_________________
(١) [منح الجليل] الْفَجْرِ وَقَبْلَ الشَّمْسِ. سَنَدٌ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ لِتَعَلُّقِهَا بِالصَّلَاةِ وَلَا صَلَاةَ عِيدٍ عَلَى أَهْلِ مِنًى (وَطَلَبُ بَدَنَتِهِ) الضَّالَّةِ مِنْهُ (لَهُ) أَيْ: الزَّوَالِ أَيْ: قُرْبِهِ بِقَدْرِ حَلْقِهِ قَبْلَهُ (لِيَحْلِقَ) رَأْسَهُ قَبْلَهُ بَعْدَ نَحْرِهَا فَكِلَاهُمَا مَنْدُوبٌ قَبْلَهُ مَكْرُوهٌ بَعْدَهُ، فَإِنْ لَمْ يَحُدَّهَا وَخَشِيَ الزَّوَالَ حَلَقَ لِئَلَّا تَفُوتَهُ الْفَضِيلَتَانِ، وَالْأَصْلُ فِي تَقْدِيمِ النَّحْرِ عَلَى الْحَلْقِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَدَلَّ «قَوْلُهُ - ﷺ - لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ الْحَلْقِ قَبْلَ الذَّبْحِ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ»، عَلَى أَنَّ النَّهْيَ فِي الْآيَةِ لِلتَّنْزِيهِ. (ثُمَّ نَدَبَ حَلْقَهُ) يُحْتَمَلُ أَنَّ النَّدْبَ مُنْصَبٌّ عَلَى تَقْدِيمِ الْحَلْقِ عَلَى التَّقْصِيرِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُنَصَّبٌ عَلَى تَأْخِيرِ الْحَلْقِ عَنْ النَّحْرِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى الْإِفَاضَةِ، وَعَلَى كُلٍّ فَلَا يُنَافِي كَوْنَ الْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ وَاجِبًا. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُفْرِدِ وَالْقَارِنِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقَالَ ابْنُ الْجَهْمِ الْمَكِّيِّ الْقَارِنُ لَا يَحْلِقُ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى وَيَلْزَمُهُ هَذَا فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ أَخَّرَ السَّعْيَ إلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالصَّبِيُّ كَالْبَالِغِ. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ بِرَأْسِهِ وَجَعٌ لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الْحَلْقِ يُهْدِي. قَالَ بَعْضٌ: فَإِنْ صَحَّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ وَيَبْدَأُ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ بِهَذَا وَالنَّدْبُ لِلْمَحْلُوقِ عَلَى الظَّاهِرِ. وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الْحَلْقَ عَلَى مُطْلَقِ الْإِزَالَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (وَلَوْ بِنُورَةِ) بِضَمِّ النُّونِ أَيْ: شَيْءٍ مَخْلُوطٍ مِنْ جِيرٍ وَزِرْنِيخٍ يُزَالُ بِهِ الشَّعْرُ إذْ الْحَلْقُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْمُوسَى وَأَشَارَ بِوَلَوْ إلَى قَوْلِ أَشْهَبَ لَا يُجْزِئُ الْحَلْقُ بِهَا تَعَبُّدًا، وَضَمِيرُ حَلْقِهِ لِلذَّكَرِ وَمِثْلُهُ الْبِنْتُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ تِسْعَ سِنِينَ فَيَجُوزُ لَهَا الْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ، وَذَكَرَ الْبَدْر أَنَّ حَلْقُهَا أَفْضَلُ. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ رَوَى مُحَمَّدٌ حَلْقَ الصَّغِيرَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ تَقْصِيرِهَا وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ التَّخْيِيرَ. اللَّخْمِيُّ بِنْتُ تِسْعٍ كَكَبِيرَةٍ وَيَجُوزُ فِي الصَّغِيرَةِ الْأَمْرَانِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْجَوَازِ لَا فِي الْأَفْضَلِيَّةِ مِثْلُ قَوْلِهِ كَتُرَابٍ وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَلَوْ نُقِلَ (إنْ عَمَّ) الْحَلْقُ الْمَذْكُورُ سَوَاءٌ كَانَ بِمُوسَى أَوْ نُورَةٍ (رَأْسَهُ) فَلَا يَكْفِي حَلْقُ بَعْضِهِ وَلَوْ أَكْثَرَهُ. (وَالتَّقْصِيرُ مُجْزٍ) وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ إلَّا لِمُتَمَتِّعٍ تَحَلَّلَ مِنْ عُمْرَتِهِ وَنَوَى الْحَجَّ مِنْ عَامِهِ
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وَهُوَ سُنَّةُ الْمَرْأَةِ: تَأْخُذُ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ، وَالرَّجُلُ مِنْ قُرْبِ أَصْلِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ. .
_________________
(١) [منح الجليل] فَتَقْصِيرُهُ أَفْضَلُ لِبَقَاءِ شَعَثِهِ لِلْحَجِّ إنْ لَمْ يَكُنْ بِشَعْرِهِ عَقْصٌ وَلَا ضَفْرٌ وَلَا تَلْبِيدٌ وَإِلَّا فَلَا يُجْزِئُهُ التَّقْصِيرُ. وَلَزِمَهُ الْحَلْقُ كَمَا فِيهَا لِلسُّنَّةِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ ضَفَّرَ أَوْ عَقَصَ أَوْ لَبَّدَ فَعَلَيْهِ الْحِلَاقُ. وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ ضَفَّرَ فَلْيَحْلِقْ أَوْ يُقَصِّرْ، وَمَنْ عَقَصَ أَوْ لَبَّدَ فَعَلَيْهِ الْحِلَاقُ. وَيُحَقِّقُ كَوْنَ الْحَلْقِ حِينَئِذٍ لِلسُّنَّةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ لَبَّدَتْ رَأْسَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا التَّقْصِيرُ. وَفِي الْمُنْتَقَى وَذَلِكَ أَيْ: تَعَيَّنَ حَلْقُ الْمُلَبِّدِ وَنَحْوِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَدَلٌ عَمَّا تَمَتَّعُوا بِهِ مِنْ مُبَاعَدَةِ الشَّعَثِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَكَادُ مَعَ التَّلْبِيدِ أَنْ يَتَوَصَّلَ إلَى التَّقْصِيرِ مِنْ جَمِيعِ الشَّعْرِ، ثُمَّ قَالَ وَالْمَرْأَةُ الْمُلَبِّدَةُ لَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا التَّقْصِيرُ انْتَهَى وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ؛ إذْ لَوْ كَانَ لِامْتِنَاعِ التَّقْصِيرِ مِنْ جَمِيعِ الشَّعْرِ لَكَانَتْ الْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ التَّقْصِيرِ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهَا وَلَا يُمْكِنُ هَذَا مَعَ التَّلْبِيدِ. (وَهُوَ) أَيْ: التَّقْصِيرُ (سُنَّةُ) أَيْ: طَرِيقَةُ (الْمَرْأَةِ) أَيْ: بِنْتِ تِسْعٍ فَأَعْلَى اللَّخْمِيُّ لَا يَجُوزُ لَهُمَا حَلْقُ؛ لِأَنَّهُ مِثْلَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِرَأْسِهَا أَذًى (تَأْخُذُ) أَيْ: تَقُصُّ الْمَرْأَةُ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهَا. ابْنُ فَرْحُونٍ لَا بُدَّ أَنْ تَعُمَّ الْمَرْأَةُ الشَّعْرَ كُلَّهُ طَوِيلَةً وَقَصِيرَةً بِالتَّقْصِيرِ نَقَلَهُ الْبَاجِيَّ (قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ) أَوْ أَزَيْدُ أَوْ أَنْقَصُ بِيَسِيرٍ فَلَيْسَتْ الْأُنْمُلَةُ تَحْدِيدًا لَا بُدَّ مِنْهُ (وَ) يَأْخُذُ (الرَّجُلُ) الْمُقَصِّرُ (مِنْ قُرْبِ أَصْلِهِ) نَدْبًا فَإِنْ أَخَذَ مِنْ أَطْرَافِهِ أَخْطَأَ كَمَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ، أَيْ: خَالَفَ الْمَنْدُوبَ وَأَجْزَأَ كَمَا فِيهَا أَيْضًا. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَظَاهِرُهَا وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأُنْمُلَةِ وَمَنْ يَحْلِقُ بَعْضَ رَأْسِهِ وَيُبْقِي بَعْضَهُ كَشُبَّانِ مِصْرَ وَنَحْوِهِمْ فَلَهُ حَلْقُ مَا يَحْلِقُهُ وَتَقْصِيرُ مَا يُبْقِيهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، هَذَا الَّذِي يُفِيدُهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَعَلَّهُ إذَا كَانَ إبْقَاؤُهُ لِغَيْرِ غَرَضٍ قَبِيحٍ وَالْأَوْجَبُ حَلْقُهُ وَلَوْ فِي غَيْرِ النُّسُكِ. (ثُمَّ يُفِيضُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَكَسْرِ الْفَاءِ آخِرَهُ ضَادٌ مُعْجَمَةٌ أَيْ: يَطُوفُ لِلْإِفَاضَةِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ وَيُنْدَبُ فِعْلُهُ فِي ثَوْبَيْ إحْرَامِهِ وَعَقِبَ حَلْقِهِ، وَلَا يُؤَخِّرُ إلَّا قَدْرَ مَا يَقْضِي حَوَائِجَهُ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ الْعِيدِ، وَلَكِنْ يَطْلُبُ تَأْخِيرَهُ عَنْ الثَّلَاثَةِ
[ ٢ / ٢٨١ ]
وَحَلَّ بِهِ مَا بَقِيَ، وَإِنْ حَلَقَ، وَإِنْ وَطِئَ قَبْلَهُ فَدَمٌ بِخِلَافِ الصَّيْدِ: كَتَأْخِيرِ الْحَلْقِ لِبَلَدِهِ، أَوْ الْإِضَافَةِ لِلْمُحْرِمِ،
_________________
(١) [منح الجليل] الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ قَدَّمَهُ فَسَيَأْتِي. (وَحَلَّ بِهِ) أَيْ: طَوَافِ الْإِفَاضَةِ (مَا بَقِيَ) أَيْ: النِّسَاءُ وَالصَّيْدُ وَالطِّيبُ (إنْ) كَانَ (حَلَقَ) أَوْ قَصَّرَ وَكَانَ قَدَّمَ السَّعْيَ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَإِلَّا فَلَا يَحِلُّ مَا بَقِيَ إلَّا بِسَعْيِهِ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ وَتَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ لِظُهُورِهِ وَذَكَرَ إنْ حَلَقَ مَعَ عِلْمِهِ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ يَفِيضُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ التَّرْتِيبَ وَاجِبًا فَلَوْ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَى تَوَقُّفِ الْحِلِّ عَلَى تَقَدُّمِ الْحَلْقِ لَشَمِلَ تَأَخُّرَهُ عَنْ الْإِفَاضَةِ. (وَإِنْ) طَافَ لِلْإِفَاضَةِ وَ(وَطِئَ قَبْلَهُ) أَيْ الْحَلْقِ (فَ) عَلَيْهِ (دَمٌ بِخِلَافِ الصَّيْدِ) فِي الْحِلِّ قَبْلَ الْحَلْقِ وَبَعْدَ الْإِفَاضَةِ فَلَا دَمَ فِيهِ وَأَوْلَى الطِّيبِ وَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ وَقَبْلَ السَّعْيِ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ اصْطَادَ كَذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَكَذَا إنْ وَطِئَ وَاصْطَادَ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ. وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ الدَّمِ فَقَالَ (كَتَأْخِيرِ الْحَلْقِ) عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ جَهْلًا (لِبَلَدِهِ) وَلَوْ قَرُبَتْ وَلَوْ فَعَلَهُ بِذِي الْحِجَّةِ وَكَذَا تَأْخِيرُهُ طَوِيلًا بِأَنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ مِنًى الثَّلَاثَةِ كَمَا تُفِيدُهُ الْمُدَوَّنَةُ قَالَهُ عج. الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْمُدَوَّنَةُ تُفِيدُ خِلَافَهُ، وَنَصُّ التَّهْذِيبِ وَالْحِلَاقُ يَوْمَا النَّحْرِ بِمِنًى أَحَبُّ إلَيَّ وَأَفْضَلُ وَإِنْ حَلَقَ بِمَكَّةَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ أَوْ بَعْدَهَا أَوْ حَلَقَ فِي الْحِلِّ فِي أَيَّامِ مِنًى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخَّرَ الْحِلَاقَ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ وَأَهْدَى اهـ. التُّونُسِيُّ قَوْلُهُ إنْ أَخَّرَهُ حَتَّى بَلَغَ بَلَدَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ يُرِيدُ أَوْ طَالَ ذَلِكَ وَقِيلَ: إنْ خَرَجَتْ أَيَّامُ مِنًى وَلَمْ يَحْلِقْ فَعَلَيْهِ دَمٌ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ وَقِيلَ إنْ خَرَجَتْ مُقَابِلٌ لِمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ فَلَوْ حُذِفَ قَوْلُهُ بِأَنْ يَحْلِقَ بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى وَاقْتَصَرَ عَلَى مَا قَبْلَهُ كَالْخَرَشِيِّ لَأَفَادَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَتَقْيِيدُ التُّونُسِيِّ. (أَوْ) تَأْخِيرُ طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ) وَحْدَهُ أَوْ مَعَ السَّعْيِ أَوْ السَّعْيِ وَحْدَهُ (لِلْمُحْرِمِ) فَيُفِيضُ فِي الْأُولَى وَيُفِيضُ وَيَسْعَى فِي الْآخِرَيْنِ وَيُهْدِي هَدْيًا وَاحِدًا فِي الْجَمِيعِ قَالَهُ سَنَدٌ فِي تَأْخِيرِهِمَا، فَأَحْرَى فِي تَأْخِيرِ أَحَدِهِمَا وَمَفْهُومُ لِلْمُحْرِمِ أَنَّهُ لَوْ أَفَاضَ قُبَيْلَ غُرُوبِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ الْحِجَّةِ وَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِهِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
وَرَمْيُ كُلِّ حَصَاةٍ أَوْ الْجَمِيعِ لِلَّيْلِ، وَإِنْ لِصَغِيرٍ لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ أَوْ عَاجِزٍ، وَيَسْتَنِيبُ فَيَتَحَرَّى وَقْتَ الرَّمْيِ؛ وَيُكَبِّرُ، وَأَعَادَ إنْ صَحَّ قَبْلَ الْفَوَاتِ بِالْغُرُوبِ
_________________
(١) [منح الجليل] وَ) كَتَأْخِيرِ (رَمْيِ كُلِّ حَصَاةٍ) وَاحِدَةٍ مِنْ الْعَقَبَةِ أَوْ غَيْرِهَا وَالْأَوْلَى حَذْفُ كُلٍّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الصُّورَةُ الْأُولَى عَيْنَ مَا بَعْدَهَا. وَأُجِيبُ بِأَنَّ كُلَّ بِمَعْنَى أَيِّ (أَوْ) تَأْخِيرُ جَمِيعِ حَصَيَاتِ جَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ جَمِيعِ حَصَيَاتِ الْجِمَارِ (الْجَمِيعِ) عَنْ وَقْتِ الْأَدَاءِ وَهُوَ النَّهَارُ (لِلَّيْلِ) وَهُوَ وَقْتُ الْقَضَاءِ فَأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْقَضَاءِ أَيْضًا فَدَمٌ وَاحِدٌ لِتَأْخِيرِ حَصَاةٍ أَوْ أَكْثَرَ إنْ كَانَ التَّأْخِيرُ لِبَالِغٍ عَاقِلٍ قَادِرٍ بَلْ (وَإِنْ) كَانَ التَّأْخِيرُ (لِ) رَمْيِ شَخْصٍ (صَغِيرٍ) يُحْسِنُ الرَّمْيَ وَلَمْ يَرْمِ أَوْ (لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ) أَوْ مَجْنُونٍ أَخَّرَ وَلِيُّهُمَا الرَّمْيَ عَنْهُمَا وَالدَّمُ عَلَى مَنْ أَحَجَّهُمْ، وَإِنْ رَمَى عَنْهُمَا فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ فَلَا دَمَ. (أَوْ) تَأْخِيرُ رَمْيِ (عَاجِزٍ) بِنَفْسِهِ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ لِإِغْمَاءٍ طَرَأَ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْمِلُهُ وَالدَّمُ فِي مَالِهِ (وَيَسْتَنِيبُ) الْعَاجِزُ مَنْ يَرْمِيَ عَنْهُ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَفَائِدَةُ الِاسْتِنَابَةِ عَدَمُ الْإِثْمِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّغِيرِ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ الَّذِينَ رَمَى عَنْهُمْ وَلِيُّهُمْ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ أَنَّ الْعَاجِزَ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِسَائِرِ الْمَنَاسِكِ وَالصَّغِيرُ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِ لَمْ يُخَاطَبَا بِهَا وَالْمُخَاطَبُ بِهَا هُوَ الْوَلِيُّ وَقَدْ رَمَى فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ قَالَهُ الْبَاجِيَّ، وَإِنْ أَخَّرَ نَائِبُ الْعَاجِزِ لِوَقْتِ الْقَضَاءِ لَزِمَهُ دَمَانِ وَاحِدٌ لِلنِّيَابَةِ وَوَاحِدٌ لِلتَّأْخِيرِ إنْ كَانَ لِعُذْرٍ وَإِلَّا فَدَمُ التَّأْخِيرِ عَلَى النَّائِبِ. (فَيَتَحَرَّى) الْعَاجِزُ (وَقْتَ الرَّمْيِ) عَنْهُ (وَيُكَبِّرُ) الْعَاجِزُ كُلَّ حَصَاةٍ يَرْمِيهَا نَائِبُهُ تَكْبِيرَةً، وَيَتَحَرَّى أَيْضًا وَقْتَ وُقُوفِ نَائِبِهِ لِلدُّعَاءِ عَقِبَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَيَدْعُو قَالَهُ فِيهَا. (وَأَعَادَ) الْعَاجِزُ الرَّمْيَ وُجُوبًا فِيمَا قَالَهُ الْحَطّ (إنْ) صَحَّ الْعَاجِزُ مِنْ مَرَضِهِ أَوْ إغْمَائِهِ (قَبْلَ الْفَوَاتِ) لِوَقْتِ الرَّمْيِ (بِالْغُرُوبِ) مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ، فَإِنْ أَعَادَ قَبْلَ غُرُوبِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِلنِّيَابَةِ؛ لِأَنَّهَا جُزْءُ عِلَّةٍ وَالْآخَرُ عَدَمُ حُصُولِهِ مِنْ وَقْتِ أَدَائِهِ وَإِنْ صَحَّ
[ ٢ / ٢٨٣ ]
مِنْ الرَّابِعِ، وَقَضَاءُ كُلٍّ إلَيْهِ، وَاللَّيْلُ قَضَاءٌ، وَحُمِلَ مُطِيقٌ، وَرَمَى، وَلَا يَرْمِي فِي كَفِّ غَيْرِهِ وَتَقْدِيمِ الْحَلْقِ أَوْ الْإِفَاضَةِ عَلَى الرَّمْيِ
_________________
(١) [منح الجليل] لَيْلَةَ الثَّانِي أَوْ مَا بَعْدَهَا أَعَادَ وَعَلَيْهِ دَمُ التَّأْخِيرِ. (وَقَضَاءُ) رَمْيِ (كُلٍّ) مِنْ الْجَمَرَاتِ مِنْ غُرُوبِ شَمْسِ كُلِّ يَوْمٍ يَنْتَهِي (إلَيْهِ) أَيْ: غُرُوبِ الرَّابِعِ وَلَا قَضَاءَ لِرَمْيِ الرَّابِعِ لِخُرُوجِ وَقْتِ الرَّمْيِ بِغُرُوبِهِ وَوَجَبَ الدَّمُ (وَاللَّيْلُ) عَقِبَ كُلِّ يَوْمٍ (قَضَاءٌ) لِذَلِكَ الْيَوْمِ وَلِمَا قَبْلَهُ لَا يُقَالُ هَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ وَقَضَاءُ كُلٍّ إلَيْهِ لِدُخُولِ اللَّيْلِ فِيهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا كَانَ النَّهَارُ وَقْتًا لِأَدَاءِ الرَّمْيِ فَقَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَا يُقْضَى إلَّا فِي النَّهَارِ فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ يُقْضَى فِي اللَّيْلِ أَوْ ذَكَرَهُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ اللَّيْلُ أَدَاءٌ، وَدَلَّ قَوْلُهُ وَاللَّيْلُ قَضَاءٌ عَلَى أَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي يَلِيهِ قَضَاءٌ إلَى غُرُوبِ الرَّابِعِ. (وَحُمِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مَرِيضٌ عَاجِزٌ عَنْ الْمَشْيِ لِلْجَمْرَةِ (مُطِيقٌ) لِلرَّمْيِ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ آدَمِيٌّ (وَرَمَى) بِنَفْسِهِ وُجُوبًا (وَلَا يَرْمِ) الْحَصَاةَ (فِي كَفِّ غَيْرِهِ) لِيَرْمِيَهَا عَنْهُ وَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ إنْ وَقَعَ (وَ) كَ (تَقْدِيمِ الْحَلْقِ) عَلَى رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَفِيهِ فِدْيَةٌ لِوُقُوعِهِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ لَا هَدْيٌ كَمَا يُفْهِمُهُ كَلَامُهُ؛ لِأَنَّ الدَّمَ إنَّمَا يَنْصَرِفُ لَهُ فَإِذَا رَمَى الْعَقَبَةَ أَمَرَّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ؛ لِأَنَّ حَلْقَهُ الْأَوَّلَ وَقَعَ قَبْلَ مَحِلِّهِ أَوْ تَقْدِيمِ الْإِفَاضَةِ عَلَى الرَّمْيِ فَفِيهِ هَدْيٌ، فَلَوْ قَدَّمَهُمَا مَعًا عَلَى الرَّمْيِ فَفِيهِ فِدْيَةٌ وَهَدْيٌ وَلَا يُصَدَّقُ قَوْلُهُ أَوْ الْإِفَاضَةُ بِتَقْدِيمِهَا عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَهُ كَعَدَمِهَا؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ وَقْتِهَا كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُ ثُمَّ يَفِيضُ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَوْ الْإِفَاضَةُ عَلَى الرَّمْيِ وُجُوبُ الدَّمِ وَلَوْ أَعَادَهَا بَعْدَهُ. وَاسْتَظْهَرَهُ الْحَطّ قَالَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الطِّرَازِ وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا صَرِيحًا. عج ظَاهِرُ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَا يَطْلُبُ بِإِعَادَتِهَا عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لِجَعْلِهِ قَوْلَ أَصْبَغَ بِإِعَادَتِهَا مُقَابِلًا لَهُ وَفِي (ق) مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ إعَادَتُهَا بَعْدَهُ وَلَا دَمَ وَإِنَّهَا قَبْلَهُ كَعَدَمِهَا لِكَوْنِهَا قَبْلَ مَحَلِّهَا، وَفَهِمَ عج أَنَّ قَوْلَ الْحَطّ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَعْنَاهُ فِي غَيْرِهَا فَلَا يُقَدَّمُ عَلَى مَا فِي (ق) عَنْهَا مَعَ أَنَّ فِي الْحَطّ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ مَا رَوَاهُ
[ ٢ / ٢٨٤ ]
لَا إنْ خَالَفَ فِي غَيْرٍ.
_________________
(١) [منح الجليل] ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ مَذْهَبُهَا اهـ عب الرَّمَاصِيُّ وَمَا ذَكَرَهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَلِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَدَمُ إجْزَائِهَا قَبْلَهُ أَيْضًا. وَتَوَرَّكَ الْمَوَّاقُ عَلَى الْمُصَنِّفِ؛ إذْ نَسَبَ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ لَهَا. وَنَقَلَ عج كَلَامَهُ مُقَلِّدًا لَهُ وَبَنَى عَلَى ذَلِكَ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَمَا نَسَبَهُ لَهَا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَاللَّفْظُ الَّذِي نَقَلَهُ لَيْسَ لَفْظَهَا وَلَمْ أَرَ أَحَدًا نَسَبَ لَهَا عَدَمَ الْإِجْزَاءِ، وَكَيْفَ يَصِحُّ وَقَدْ قَالَتْ وَلَوْ وَطِئَ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ الرَّمْيِ وَبَعْدَ الْإِفَاضَةِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ هَدْيٌ وَحَجُّهُ تَامٌّ، وَقَدْ جَعَلَ الْحَطّ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ مُخَالِفًا لَهَا. اهـ. وَأَقَرَّهُ الْبُنَانِيُّ (لَا) يَلْزَمُهُ دَمٌ (إنْ خَالَفَ) التَّرْتِيبَ السَّابِقَ (فِي غَيْرِ) الصُّورَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ وَهُمَا تَقْدِيمُ الْحَلْقِ أَوْ الْإِفَاضَةِ عَلَى الرَّمْيِ كَحَلْقِهِ قَبْلَ النَّحْرِ وَنَحَرَهُ قَبْلَ الرَّمْيِ وَإِفَاضَتُهُ قَبْلَ النَّحْرِ أَوْ الْحَلْقِ أَوْ قَبْلَهُمَا مَعًا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِي صُورَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسِ عَلَى الْأَصَحِّ لِخَبَرِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ «جَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ فَقَالَ رَجُلٌ لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ فَقَالَ: اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ، وَقَالَ آخَرُ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ فَقَالَ: ارْمِ وَلَا حَرَجَ، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ إلَّا قَالَ - ﷺ - افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» وَقَوْلُهُ - ﷺ - اذْبَحْ وَارْمِ أَيْ: اعْتَدَّ بِفِعْلِك، فَصِيغَةُ افْعَلْ هُنَا بِمَعْنَى اعْتَدَّ بِفِعْلِك؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ السَّائِلَ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدَّمَ ثَانِيَهُمَا عَلَى أَوَّلِهِمَا. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ عَلَى عَدَمِ الدَّمِ فِي الصُّوَرِ الْخَمْسِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ الْخَبَرِ مَعَ أَنَّ مَا مَرَّ خَاصٌّ بِالْأُولَيَيْنِ مِنْ الْخَمْسِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ إلَخْ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، فَيَشْمَلُ غَيْرَ مَا يَشْمَلُهُ مِنْ السُّؤَالَيْنِ لَكِنَّهُ يَشْمَلُ الصُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فِيهِمَا الدَّمُ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ الطَّبَرِيِّ فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي حَمْلِهِ نَفْيَ الْحَرَجِ عَلَى نَفْيِ الْإِثْمِ مَعَ لُزُومِ الدَّمِ فِيهِمَا وَعَلَى نَفْيِ الدَّمِ وَالْإِثْمِ فِيمَا عَدَاهُمَا، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَا حَرَجَ ظَاهِرٌ فِي نَفْيِ الْإِثْمِ وَالدَّمِ؛ إذْ الْحَرَجُ يَشْمَلُهُمَا، وَالتَّخْصِيصُ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ - ﵊ - فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. وَأَجَابَ الْأَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِأَنَّ الدَّمَ أَيْ الْفِدْيَةَ فِي الْأُولَى تُخَصِّصُ عُمُومَ الْخَبَرِ الْمَارِّ لِقَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ فِي تَقْدِيمِ الْحَلْقِ عَلَى الرَّمْيِ إلْقَاءُ التَّفَثِ عَنْ الْمُحْرِمِ.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وَعَادَ لِلْمَبِيتِ بِمِنًى فَوْقَ الْعَقَبَةِ ثَلَاثًا، وَإِنْ تَرَكَ جُلَّ لَيْلَةٍ فَدَمٌ أَوْ لَيْلَتَيْنِ إنْ تَعَجَّلَ، وَلَوْ بَاتَ
_________________
(١) [منح الجليل] وَأَجَابَ الْقَسْطَلَّانِيُّ عَنْ الصُّورَتَيْنِ بِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - تَأَوَّلَا الْحَدِيثَ عَلَى نَفْيِ الْإِثْمِ لِعُذْرِهِمْ بِجَهْلِهِمْ وَنِسْيَانِهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِ السَّائِلِ لَمْ أَشْعُرْ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِ رَمَيْت وَحَلَقْت وَنَسِيت أَنْ أَنْحَرَ، وَأَمَّا الدَّمُ فَأَخَذَا وُجُوبَهُ مِمَّا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا فِي حَجِّهِ أَوْ أَخَّرَهُ فَلْيُهْرِقْ لِذَلِكَ دَمًا اهـ. لَكِنْ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي السَّنَدِ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - ضَعِيفٌ وَهُوَ إبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ قَالَ وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ يَلْزَمُ مَنْ أَخَذَ بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنْ يُوجِبَ الدَّمَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يَخُصُّهُ بِالْحَلْقِ أَوْ الْإِفَاضَةِ قَبْلَ الرَّمْيِ. (وَعَادَ) الْحَاجُّ وُجُوبًا بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ الْعِيدِ (لِلْمَبِيتِ بِمِنًى) أَيْ: فِيهَا فَلَا يَجِبُ الْعَوْدُ بِمِنًى فَوْرًا وَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ نَهَارًا وَلَكِنَّ الْفَوْرَ أَفْضَلُ، وَلَا يَرْجِعُ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْعِيدِ وَيَلْزَمُ مَسْجِدَ الْخَيْفِ بِمِنًى لِلصَّلَوَاتِ فَهُوَ أَفْضَلُ وَلَوْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَالْأَفْضَلُ عَوْدُهُ إلَى مِنًى قَبْلَ صَلَاتِهَا (فَوْقَ الْعَقَبَةِ) بَيَانٌ لِمِنًى فَحَدُّهَا مِنْ جِهَةِ مَكَّةَ الْعَقَبَةُ وَمِنْ جِهَةِ مُزْدَلِفَةَ وَادِي مُحَسِّرٍ، وَاحْتُرِزَ بِفَوْقِ الْعَقَبَةِ عَنْ أَسْفَلِهَا مِنْ جِهَةِ مَكَّةَ فَلَيْسَ مِنْ مِنًى وَصِلَةُ الْمَبِيتِ قَوْلُهُ (ثَلَاثًا) مِنْ اللَّيَالِيِ إنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ. (وَإِنْ تَرَكَ) الْمَبِيتَ بِهَا وَبَاتَ أَسْفَلَ الْعَقَبَةِ جِهَةَ مَكَّةَ أَوْ بِوَادِي مُحَسِّرٍ جِهَةَ عَرَفَةَ أَوْ عَنْ يَمِينِ مِنًى أَوْ شِمَالِهَا (جُلَّ لَيْلَةٍ فَ) عَلَيْهِ (دَمٌ) وَأَوْلَى لَيْلَةً كَامِلَةً فَأَكْثَرَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ لِضَرُورَةٍ كَخَوْفِهِ عَلَى مَتَاعِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَنْ حَبَسَهُ مَرَضٌ فَبَاتَ بِمَكَّةَ أَنَّ عَلَيْهِ هَدْيًا وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ. (أَوْ) لِلْمَبِيتِ بِهَا (لَيْلَتَيْنِ إنْ تَعَجَّلَ) وَيَجْرِي فِيهِ قَوْلُهُ وَإِنْ تَرَكَ جُلَّ لَيْلَةٍ فَدَمٌ وَيَجُوزُ التَّعْجِيلُ إنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيتَ اللَّيْلَةَ الثَّالِثَةَ بِغَيْرِ مَكَّةَ بَلْ (وَلَوْ بَاتَ) الْمُتَعَجِّلُ اللَّيْلَةَ
[ ٢ / ٢٨٦ ]
بِمَكَّةَ أَوْ مَكِّيًّا قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ الثَّانِي: فَيَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ الثَّالِثِ.
وَرُخِّصَ لِرَاعٍ بَعْدَ الْعَقَبَةِ أَنْ يَنْصَرِفَ، وَيَأْتِيَ الثَّالِثَ فَيَرْمِيَ لِلْيَوْمَيْنِ.
_________________
(١) [منح الجليل] الثَّالِثَةَ (بِمَكَّةَ) وَأَشَارَ بِوَلَوْ لِقَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنِ حَبِيبٍ مَنْ بَاتَ اللَّيْلَةَ الثَّالِثَةَ بِمَكَّةَ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ سُنَّةِ التَّعْجِيلِ وَلَزِمَهُ الرُّجُوعُ إلَى مِنًى لِرَمْيِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَهَدْيٍ لِمَبِيتِهِ بِمَكَّةَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُتَعَجِّلُ آفَاقِيًّا (أَوْ مَكِّيًّا) وَهَذَا فِي غَيْرِ الْإِمَامِ وَأَمَّا هُوَ فَيُكْرَهُ لَهُ التَّعْجِيلُ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ. وَأَشَارَ بِوَلَوْ إلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - لَا أَرَى التَّعْجِيلَ لِأَهْلِ مَكَّةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عُذْرٌ مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ مَرَضٍ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَقَدْ كَانَ قَالَ لِي قَبْلَ ذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ لَهُمْ وَهُمْ كَأَهْلِ الْآفَاقِ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ، وَدَلِيلُهُ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] . وَشَرْطُ التَّعْجِيلِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مِنًى لِجِهَةِ مَكَّةَ أَوْ لِجِهَةِ عَرَفَةَ أَوْ لِجِهَةِ الْيَمِينِ أَوْ الشِّمَالِ (قَبْلَ الْغُرُوبِ) لِلشَّمْسِ (مِنْ) الْيَوْمِ (الثَّانِي) مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ فَإِنْ غَرَبَتْ وَهُوَ بِمِنًى فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّعْجِيلُ، وَلَزِمَهُ الْمَبِيتُ بِمِنًى وَرَمْيُ الثَّالِثِ؛ إذْ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وَبَيَّنَ ثَمَرَةَ التَّعْجِيلِ بِقَوْلِهِ (فَيَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ) الْيَوْمِ (الثَّالِثِ) مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ وَمَبِيتُ لَيْلَتِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ بَاتَ بِغَيْرِ مِنًى لَيْلَةَ الْحَادِي عَشَرَ وَلَيْلَةَ الثَّانِي عَشَرَ كَمَا قَالَ. (وَرُخِّصَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا جَوَازٌ (لِ) شَخْصٍ (رَاعٍ) لِلدَّوَابِّ (بَعْدَ) رَمْيِ جَمْرَةِ (الْعَقَبَةِ) يَوْمَ الْعِيدِ صِلَةُ يَنْصَرِفُ (أَنْ يَنْصَرِفَ) عَنْ مِنًى لِجِهَةِ رَعْيِهِ (وَ) لَا يَعُودُ لَهَا لِلْمَبِيتِ بِهَا وَلَا لِرَمْيِ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ إلَى أَنْ يَأْتِيَ لِمِنًى الْيَوْمَ (الثَّالِثَ) مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ (فَيَرْمِي) فِيهِ (لِلْيَوْمَيْنِ) الْيَوْمِ الثَّانِي الَّذِي مَضَى وَهُوَ فِي رَعْيِهِ، وَالثَّالِثِ الَّذِي حَضَرَ فِيهِ ثُمَّ إنْ شَاءَ أَقَامَ بِمِنًى لِمَبِيتِ لَيْلَةِ الثَّالِثِ وَرَمْيِهِ وَإِنْ شَاءَ تَعَجَّلَ قَبْلَ غُرُوبِ الثَّانِي، فَيَسْقُطُ عَنْهُ مَبِيتُ لَيْلَةِ الثَّالِثِ وَرَمْيُهُ، وَحَمَلْنَا الثَّالِثَ عَلَى ثَالِثِ النَّحْرِ وَهُوَ ثَانِي أَيَّامِ الرَّمْيِ؛ لِأَنَّهُ الرُّخْصَةُ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إتْيَانَ مِنًى إلَى ثَالِثِ أَيَّامِ الرَّمْيِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ
[ ٢ / ٢٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] إلَيْهِ وَأَتَى فِيهِ رَمَى لِلْيَوْمَيْنِ قَبْلَهُ ثُمَّ رَمَى لَهُ وَلَزِمَهُ هَدْيٌ لِتَأْخِيرِ رَمْيِ الْيَوْمَيْنِ إلَيْهِ. وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ كَانَ رَاعِيَ إبِلٍ لِحَاجٍّ أَوْ غَيْرَهُ أَوْ رَاعِيَ غَيْرِهَا وَوَقَعَ فِي نَصِّ عِبَارَةِ رُعَاةِ إبِلٍ حُجَّاجٍ، ثُمَّ كَلَامُهُ كَالْمُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَعَادَ لِلْمَبِيتِ بِمِنًى. إلَخْ وَمِنْ قَوْلِهِ أَوْ لَيْلَتَيْنِ إنْ تَعَجَّلَ، وَأَمَّا أَهْلُ السِّقَايَةِ فَيُرَخَّصُ لَهُمْ فِي تَرْكِ الْمَبِيتِ بِمِنًى فَقَطْ لَا فِي تَرْكِ رَمْيِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ فَيَبِيتُونَ بِمَكَّةَ لِنَزْعِ الْمَاءِ مِنْ زَمْزَمَ لِلْحُجَّاجِ وَيَأْتُونَ مِنًى نَهَارًا لِلرَّمْيِ وَيَعُودُونَ لِلْمَبِيتِ بِمَكَّةَ لِذَلِكَ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ فَلَيْسُوا كَالرُّعَاةِ فِي تَأْخِيرِ الرَّمْيِ يَوْمًا. وَكَلَامُهُ فِي مَنَاسِكِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَلَكِنَّهُ مُعْتَرِضٌ بِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي حَقِّهِمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي تَرْكِ الْمَبِيتِ بِمِنًى فَقَطْ لِلسِّقَايَةِ لِنَزْعِهِمْ الْمَاءَ مِنْ زَمْزَمَ لَيْلًا وَتَفْرِيغُهُ فِي الْحِيَاضِ تَهْيِئَةً لِشُرْبِ الْحُجَّاجِ نَهَارًا وَيَجُوزُ لِلرُّعَاةِ إتْيَانُ مِنًى لَيْلًا وَيَرْمُونَ مَا فَاتَهُمْ رَمْيُهُ نَهَارًا قَالَهُ مُحَمَّدٌ. الْحَطّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ وِفَاقٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا رَخَّصَ لَهُمْ فِي تَأْخِيرِهِ لِلْيَوْمِ الثَّانِي فَرَمْيُهُمْ لَيْلًا أَوْلَى اهـ عب. الرَّمَاصِيُّ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الرَّاعِيَ كَصَاحِبِ الْجَوَاهِرِ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ مَعَ أَنَّ الرُّخْصَةَ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - لِرُعَاةِ الْإِبِلِ فَقَالَ الْبَاجِيَّ لِلرُّعَاةِ عُذِرَ فِي الْكَوْنِ مَعَ الظُّهْرِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهِ وَالرَّعْيِ لَهُ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ فِي الِانْصِرَافِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ﴾ [النحل: ٧] الْآيَةَ فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْإِبِلِ لَا سِيَّمَا الرُّخْصَةُ لَا تَتَعَدَّى مَحَلَّهَا وَفِي الْقِيَاسِ عَلَيْهَا نِزَاعٌ وَاعْتَرَضَ طفي قَوْلَ الْحَطّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ وِفَاقٌ وَنَقَلَ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيَّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خِلَافٌ فَانْظُرْهُ.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
وَتَقْدِيمُ الضَّعَفَةِ فِي الرَّدِّ لِلْمُزْدَلِفَةِ، وَتَرْكِ التَّحْصِيبِ لِغَيْرِ مُقْتَدًى بِهِ، وَرَمْيِ كُلَّ يَوْمٍ الثَّلَاثَ؛ وَخَتَمَ بِالْعَقَبَةِ
_________________
(١) [منح الجليل] وَ) رُخِّصَ نَدْبًا (تَقْدِيمُ الضَّعَفَةِ) أَيْ النِّسَاءِ وَالْمَرْضَى وَالصِّبْيَانِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ بِالْبَيَاتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَالسَّيْرِ مَعَ النَّاسِ غُدْوَةَ يَوْمِ الْعِيدِ إلَى مِنًى فَيُرَخِّصُ لَهُمْ بَعْدَ النُّزُولِ بِمُزْدَلِفَةَ وَجَمْعِ الْعِشَاءَيْنِ بِهَا وَإِقَامَتِهِمْ بَعْضَ اللَّيْلِ (فِي الرَّدِّ) أَيْ: الرُّجُوعِ (لِلْمُزْدَلِفَةِ) اللَّامِ بِمَعْنَى مِنْ وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ أَيْ: إلَى مِنًى لَيْلًا وَيَسْقُطُ عَنْهُمْ الْوُقُوفُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَيُرَخَّصُ لَهُمْ فِي التَّأَخُّرِ بِمُزْدَلِفَةَ إنْ بَاتُوا بِهَا إلَى ذَهَابِ زَحْمَةِ النَّاسِ فَلَوْ قَالَ وَتَقْدِيمُ الضَّعَفَةِ أَوْ تَأْخِيرُهُمْ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ لِمِنًى لَكَانَ أَحْسَنَ. (وَ) رُخِّصَ (تَرْكُ التَّحْصِيبِ) أَيْ: النُّزُولِ بِالْمُحَصَّبِ حِينَ وُصُولِهِ حَالَ الرُّجُوعِ مِنْ مِنًى لِمَكَّةَ عَشِيَّةَ ثَالِثِ أَيَّامِ الرَّمْيِ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِهِ (لِ) حَاجٍّ (غَيْرِ مُقْتَدًى بِهِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَهَذِهِ الرُّخْصَةُ خِلَافُ الْأُولَى وَمَفْهُومُ لِغَيْرِ مُقْتَدًى بِهِ عَدَمُ التَّرْخِيصِ فِي تَرْكِهِ لِلْمُقْتَدَى بِهِ مِنْ إمَامٍ وَعَالِمٍ وَنَحْوِهِمَا وَهُوَ كَذَلِكَ (وَ) إذَا عَادَ الْحَاجُّ مِنْ مَكَّةَ عَقِبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِمَبِيتِ مِنًى (رَمَى) وُجُوبًا كُلَّ (يَوْمٍ) بَعْدَ يَوْمِ الْعِيدِ الْجِمَارَ (الثَّلَاثَ) كُلَّ وَاحِدَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ مُبْتَدِئًا بِالْأُولَى مِنْ جِهَةِ مُزْدَلِفَةَ وَهِيَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ بِمِنًى وَيَتْبَعُهَا بِرَمْيِ الْوُسْطَى الَّتِي بِسُوقِ مِنًى. (وَخَتَمَ) الرَّمْيَ (بِ) رَمْيِ جَمْرَةِ (الْعَقَبَةِ) وَهَذَا التَّرْتِيبُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الرَّمْيِ كَمَا يَأْتِي وَصِلَةُ رَمَى (مِنْ الزَّوَالِ لِلْغُرُوبِ) هَذَا وَقْتُ الْأَدَاءِ وَهُوَ قِسْمَانِ اخْتِيَارِيٌّ وَضَرُورِيٌّ فَالِاخْتِيَارِيُّ لِلِاصْفِرَارِ وَالضَّرُورِيُّ مِنْ مَبْدَأِ الِاصْفِرَارِ لِلْغُرُوبِ وَالظَّاهِرُ كَرَاهَةُ الرَّمْيِ بِهِ
[ ٢ / ٢٨٩ ]
مِنْ الزَّوَالِ لِلْغُرُوبِ.
وَصِحَّتُهُ بِحَجَرٍ كَحَصَى الْخَذْفِ، وَرَمَى وَإِنْ بِمُتَنَجِّسٍ عَلَى الْجَمْرَةِ،
_________________
(١) [منح الجليل] لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا دَمَ فِيهِ أَفَادَهُ مِنْ الْحَطّ. (وَصِحَّتُهُ) أَيْ: الرَّمْيِ مُطْلَقًا مَشْرُوطَةٌ (بِحَجَرِ) فَلَا يَصِحُّ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْمَعَادِنِ وَلَا بِطِينٍ وَلَا بِفُخَّارٍ وَلَا بِجِصٍّ وَجِبْسٍ وَقَدْرُ الْحَجَرِ (كَحَصَى الْخَذْفِ) بِخَاءٍ وَذَالٍ مُعْجَمَتَيْنِ وَهُوَ الرَّمْيُ بِالْحَصَى بِالْأَصَابِعِ وَذَلِكَ فَوْقَ الْفُسْتُقِ وَدُونَ الْبُنْدُقِ وَلَا يَجْزِي الصَّغِيرُ كَالْقَمْحَةِ أَوْ الْحِمَّصَةِ، وَيُكْرَهُ الْكَبِيرُ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ وَخَوْفَ إيذَائِهِ، وَيَجْزِي إنْ رَمَى وَشَمِلَ الْحَجَرُ الزَّلَطَ وَالرُّخَامَ. طفي هَكَذَا فِي الرِّسَالَةِ وَالْجَوَاهِرِ وَصَدَّرَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهَكَذَا فِي الصَّحِيحِ، وَتَرَكَ قَوْلَ الْإِمَامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي مُدَوَّنَتِهِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَكُونَ حَصَى الْجِمَارِ أَكْبَرَ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ قَلِيلًا وَصَدَّرَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ، ثُمَّ قَالَ وَفِي الصَّحِيحِ كَحَصَى الْخَذْفِ. الْبَاجِيَّ لَعَلَّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ وَلَوْ بَلَغَهُ مَا اسْتَحَبَّ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ. (وَ) صِحَّتُهُ بِ (رَمْيٍ) لَا وَضْعٍ أَوْ طَرْحٍ فَلَا يُجْزِئُ قَالَهُ فِيهَا، وَالْمُرَادُ رَمْيُ كُلِّ حَصَاةٍ وَحْدَهَا فَإِنْ رَمَى السَّبْعَ رَمْيَةً وَاحِدَةً عَدَّهَا حَصَاةً وَاحِدَةً وَالظَّاهِرُ اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ بِيَدٍ لَا بِفَمٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ قَوْسٍ، وَمِنْ مُسْتَحَبَّاتِهِ كَوْنُهُ بِالْأَصَابِعِ لَا بِالْقَبْضَةِ، وَكَوْنُهُ بِالْيُمْنَى إلَّا الْأَعْسَرَ الَّذِي لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى. فَإِنْ قُلْت شَرْطُ الرَّمْيِ فِي الرَّمْيِ شَرْطُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ. قُلْت الْمُرَادُ بِالرَّمْيِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ مُطْلَقُ الْإِيصَالِ، وَبِالرَّمْيِ الْمَشْرُوطِ الدَّفْعُ وَيَصِحُّ الرَّمْيُ بِحَجَرٍ طَاهِرٍ بَلْ (وَإِنْ بِ) حَجَرٍ (مُتَنَجِّسٍ) مَعَ الْكَرَاهَةِ وَتُنْدَبُ إعَادَتُهُ بِطَاهِرٍ قَالَهُ فِي الطِّرَازِ وَصِلَةُ رَمْيٍ (عَلَى الْجَمْرَةِ) وَهُوَ مَوْضِعُ الْبِنَاءِ وَمَا حَوْلَهُ وَالْمَطْلُوبُ الرَّمْيُ عَلَى مَا حَوْلَهُ؛ إذْ الْبِنَاءُ مُجَرَّدُ عَلَامَةٍ عَلَى الْمَحَلِّ لِئَلَّا يَنْسَى. قَالَ فِي مَنْسَكِهِ وَلَا تَرْمِ عَلَى الْبِنَاءِ بَلْ ارْمِ أَسْفَلَهُ بِمَوْضِعِ الْحَصَى، وَسَيَقُولُ وَفِي إجْزَاءِ مَا وَقَفَ بِالْبِنَاءِ تَرَدُّدٌ فَإِنْ رَمَى الْبِنَاءَ فَإِنْ نَزَلَ الْحَصَى أَسْفَلَهُ أَجْزَأَ وَإِنْ وَقَفَ فِي شَقِّ
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وَإِنْ أَصَابَتْ غَيْرَهَا، وَإِنْ ذَهَبَتْ بِقُوَّةٍ، لَا دُونَهَا وَإِنْ أَطَارَتْ غَيْرَهَا لَهَا، وَلَا طِينٍ وَمَعْدِنٍ، وَفِي إجْزَاءِ مَا وَقَفَ بِالْبِنَاءِ تَرَدُّدٌ، وَبِتَرَتُّبِهِنَّ.
_________________
(١) [منح الجليل] الْبِنَاءِ فَفِي إجْزَائِهِ تَرَدُّدٌ، وَلَا يُجْزِئُ مَا وَقَعَ عَلَى ظَهْرِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَطْعًا، وَعِبَارَةُ ابْنِ فَرْحُونٍ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجَمْرَةِ الْبِنَاءُ الْقَائِمُ فَإِنَّهُ عَلَامَةُ مَوْضِعِهَا. وَقَالَ الْبَاجِيَّ وَغَيْرُهُ الْجَمْرَةُ اسْمٌ لِمَوْضِعِ الرَّمْيِ سُمِّيَتْ بِاسْمِ مَا يُرْمَى فِيهَا وَهِيَ الْحِجَارَةُ وَتُجْزِئُ الْحَصَاةُ الْمَرْمِيَّةُ فِي الْمَوْضِعِ الْمَخْصُوصِ إنْ لَمْ تُصِبْ غَيْرَهُ قَبْلَ وُصُولِهَا إلَيْهِ بَلْ (وَإِنْ أَصَابَتْ) الْحَصَاةُ (غَيْرَهَا) أَيْ: الْجَمْرَةَ ابْتِدَاءً ثُمَّ ذَهَبَتْ لَهَا (إنْ ذَهَبَتْ) لَهَا (بِقُوَّةِ) الرَّمْيِ (لَا) تُجْزِئُ إنْ وَقَعَتْ (دُونَهَا) أَيْ الْجَمْرَةِ وَلَمْ تَصِلْ لَهَا أَوْ وَصَلَتْ لَهَا لَا بِقُوَّةِ الرَّمْيِ بِأَنْ وَقَعَتْ عَلَى مَحَلٍّ عَالٍ ثُمَّ تَدَحْرَجَتْ مِنْ عَلَيْهِ وَوَصَلَتْ الْجَمْرَةَ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ سَنَدٌ وَلَوْ تَدَحْرَجَتْ مِنْ مَكَان عَالٍ فَرَجَعَتْ إلَيْهَا فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ وَمَفْهُومُ دُونَهَا مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ بِأَنْ رَمَاهَا فَتَجَاوَزَتْهَا وَوَقَعَتْ بِالْبُعْدِ عَنْهَا. قَالَ؛ لِأَنَّ رَمْيَهُ لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا وَلَا تُجْزِئُ الْوَاقِعَةُ دُونَهَا إنْ لَمْ تَطِرْ حَصَاةٌ غَيْرُهَا لَهَا بَلْ (وَإِنْ أَطَارَتْ) الْحَصَاةُ الْوَاقِعَةُ دُونَهَا حَصَاةً (غَيْرَهَا) فَوَصَلَتْ الْحَصَاةَ الْمُطَارَ (لَهَا) أَيْ: الْجَمْرَةِ (وَلَا) يُجْزِئُ (طِينٌ) وَمِثْلُهُ طَفْلٌ أَوْ هُوَ مِنْهُ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ مُحْتَرَزُ حَجَرٍ. (وَ) لَا يُجْزِئُ (مَعْدِنٌ) مُسْتَطْرَقٌ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَرَصَاصٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ وَقَزْدِيرٍ أَوْ غَيْرِ مُسْتَطْرَقٍ كَزِرْنِيخٍ وَزُمُرُّدٍ. (وَفِي إجْزَاءِ مَا وَقَفَ) مِنْ الْحَصَيَاتِ (بِالْبِنَاءِ) الَّذِي بِالْجَمْرَةِ وَلَمْ يَنْزِلْ أَسْفَلَهَا مِمَّا يَلِي مَمَرَّ النَّاسِ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَمِيلُ إلَيْهِ الْمَنُوفِيُّ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِتَفْسِيرِ الْجَمْرَةِ بِالْبِنَاءِ وَمَا تَحْتَهُ وَعَدَمُ إجْزَائِهِ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُفْتِي بِهِ سَيِّدِي خَلِيلٌ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ أَيْضًا، وَلَعَلَّ الْجَمْرَةَ عِنْدَهُ اسْمٌ لِلْمَكَانِ الْمُجْتَمَعِ فِيهِ الْحَصَى فَقَطْ (تَرَدُّدٌ) لِلشَّيْخَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمَيْنِ الْحَطّ الظَّاهِرُ الْإِجْزَاءُ (وَ) صِحَّتُهُ فِيمَا بَعْدَ يَوْمِ الْعِيدِ بِ (تَرَتُّبِهِنَّ) أَيْ:
[ ٢ / ٢٩١ ]
وَأَعَادَ مَا حَضَرَ بَعْدَ الْمَنْسِيَّةِ، وَمَا بَعْدَهَا فِي يَوْمِهَا فَقَطْ وَنُدِبَ تَتَابُعُهُ.
فَإِنْ رَمَى بِخَمْسٍ خَمْسٍ؛ اعْتَدَّ بِالْخَمْسِ الْأُوَلِ
_________________
(١) [منح الجليل] الْجَمَرَاتِ بِأَنْ يَبْدَأَ بِالْأُولَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى وَيُثَنِّي بِالْوُسْطَى وَيَخْتِمُ بِالْعَقَبَةِ، فَإِنْ نَكَسَ أَوْ تَرَكَ الْأُولَى أَوْ بَعْضَهَا أَوْ الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ وَلَوْ سَاهِيًا فَلَا يُجْزِيهِ، فَإِنْ ذَكَرَ فِي يَوْمِهَا أَعَادَهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ (وَ) إنْ خَرَجَ يَوْمَهَا وَرَمَى لِلْيَوْمِ الَّذِي يَلِيهِ ثُمَّ تَذَكَّرَ (أَعَادَ مَا حَضَرَ) وَقْتُهُ نَدْبًا (بَعْدَ) رَمْيِ (الْمَنْسِيَّةِ) مِنْ الْيَوْمِ الَّذِي مَضَى وُجُوبًا. (وَ) إعَادَةُ رَمْيِ (مَا بَعْدَهَا) أَيْ: الْمَنْسِيَّةِ وُجُوبًا أَيْضًا لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي رَمْيِ مَا هُوَ (فِي يَوْمِهَا) أَيْ: الْمَنْسِيَّةِ (فَقَطْ) لَا مَا بَعْدَهَا فِي يَوْمٍ آخَرَ فَلَا يُعِيدُهُ، فَإِذَا نَسِيَ فِي ثَانِي الْعِيدِ الْجَمْرَةَ الْأُولَى وَرَمَى فِيهِ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ وَرَمَى فِي ثَالِثِهِ جَمَرَاتِهِ كُلَّهَا أَوْ رَمَى فِي رَابِعِهِ جَمَرَاتِهِ كُلَّهَا ثُمَّ تَذَكَّرَ قَبْلَ غُرُوبِهِ جَمْرَةَ الثَّانِي الْأُولَى الَّتِي نَسِيَهَا فَيَرْمِيهَا وَمَا بَعْدَهَا فِي يَوْمِهَا وُجُوبًا، وَيُعِيدُ رَمْيَ جَمَرَاتِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ نَدْبًا، وَلَا يُعِيدُ رَمْيَ جَمَرَاتٍ الثَّالِثِ لِخُرُوجِ وَقْتِ أَدَائِهِ. (وَنُدِبَ تَتَابُعُهُ) أَيْ: رَمْيِ الْجَمَرَاتِ فَإِذَا رَمَى الْأُولَى أَرْدَفَهَا بِالثَّانِيَةِ وَلَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِقَدْرِ الدُّعَاءِ الْمَطْلُوبِ، وَإِذَا رَمَى الثَّانِيَةَ عَقَّبَهَا بِالثَّالِثَةِ إلَّا بِقَدْرِ ذَلِكَ وَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ وَتَتَابُعُهَا فَهُوَ فِي تَتَابُعِ حَصَيَاتِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَالَهُ أَحْمَدُ وعج أَوْ أَنَّ مَا هُنَا فِي تَتَابُعِ رَمْيِ الْجَمَرَاتِ وَمَا مَرَّ فِي تَتَابُعِ حَصَيَاتِ كُلِّ جَمْرَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْأَنْسَبُ بِقَوْلِهِ وَلَفْظُهَا وَلِذَا ذَكَرَ الضَّمِيرَ هُنَا وَفَرَّعَ عَلَى أَنْ تَرْتِيبَ الْجَمَرَاتِ شَرْطُ صِحَّةٍ وَأَنَّ تَتَابُعَهَا وَتَتَابُعَ الْحَصَيَاتِ مَنْدُوبٌ. قَوْلُهُ (فَإِنْ رَمَى) الْجِمَارَ الثَّلَاثَ فِي ثَانِي الْعِيدِ أَوْ مَا بَعْدَهُ كُلَّ جَمْرَةٍ (بِخَمْسٍ خَمْسٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ فِيهِمَا وَتَرَكَ مِنْ كُلِّ جَمْرَةٍ حَصَاتَيْنِ ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي يَوْمِهِ أَوْ مَا بَعْدَهُ مِنْ وَقْتِ الرَّمْيِ (اعْتَدَّ) أَيْ احْتَسَبَ وَاكْتَفَى (بِالْخَمْسِ الْأُوَلِ) مِنْ الْجَمْرَةِ الْأُولَى وَكَمَّلَهَا بِحَصَاتَيْنِ، وَرَمَى الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ بِسَبْعٍ سَبْعٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا بِنَاءً عَلَى نَدْبِ التَّتَابُعِ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ إنْ ذَكَرَ فِي يَوْمِهِ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ إنْ ذَكَرَ فِي
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وَإِنْ لَمْ يَدْرِ مَوْضِعَ حَصَاةٍ؛ اعْتَدَّ بِسِتٍّ مِنْ الْأُولَى وَأَجْزَأَ عَنْهُ
_________________
(١) [منح الجليل] وَقْتِ الْقَضَاءِ قَالَهُ فِي التَّهْذِيبِ، وَلَمْ يَعْتَدَّ بِخَمْسٍ مَا بَعْدَ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَمِّلْ الْأُولَى فَلَمْ يَحْصُلْ التَّرْتِيبُ فَبَطَلَ رَمْيُ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ، وَلِكَوْنِ الْفَوْرِ مَنْدُوبًا بُنِيَ عَلَى خَمْسِ الْأُولَى. وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ نَدْبِ تَتَابُعِهِ شَهَرَهُ الْبَاجِيَّ وَابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ رَاشِدٍ وَصَدَّرَ بِهِ ابْنُ شَاسٍ، وَحَمَلَ أَبُو الْحَسَنِ الْمُدَوَّنَةَ عَلَيْهِ. وَقَالَ سَنَدٌ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ أَنَّهُ وَاجِبٌ شُرِطَ مَعَ الذِّكْرِ اتِّفَاقًا وَمَعَ النِّسْيَانِ فِيهِ قَوْلَانِ وَعَلَيْهِ فَلَا يُعْتَدُّ بِخَمْسِ الْأُولَى أَيْضًا. (وَإِنْ) رَمَى الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ ثُمَّ وَجَدَ حَصَاةً فِي جَيْبِهِ مَثَلًا وَ(لَمْ يَدْرِ مَوْضِعَ حَصَاةٍ) تَرَكَ رَمْيَهَا تَحْقِيقًا أَوْ شَكًّا مِنْ أَيْ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ (اعْتَدَّ بِسِتٍّ) مِنْ الْحَصَيَاتِ (مِنْ) الْجَمْرَةِ (الْأُولَى) فَيَرْمِي عَلَيْهَا حَصَاةً وَيُعِيدُ رَمْيَ مَا بَعْدَهَا بِسَبْعٍ سَبْعٍ، فَإِنْ تَحَقَّقَ إتْمَامُ سَبْعِ الْأُولَى وَشَكَّ فِي الثَّانِيَةِ اعْتَدَّ بِسِتٍّ مِنْهَا وَرَمَاهَا بِحَصَاةٍ، وَرَمْي الثَّالِثَةَ بِسَبْعٍ وَإِنْ شَكَّ فِي الثَّالِثَةِ رَمَاهَا بِحَصَاةٍ فَقَطْ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَدْرِ مَوْضِعَ حَصَاتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَهَذَا عَلَى نَدْبِ التَّتَابُعِ أَيْضًا وَلَا يَعْتَدُّ بِشَيْءٍ عَلَى شَرْطِيَّتِهِ. وَإِنْ شَكَّ فِي رَمْيِ حَصَاةٍ وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِهِ حَصَاةٌ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيهَا، وَاَلَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِشَيْءٍ وَيَرْمِي كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعٍ، لَكِنَّ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ هُوَ الَّذِي فِي الْمَتْنِ. وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَصَرَّحَ الْبَاجِيَّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ وَمَنْ بَقِيَتْ بِيَدِهِ حَصَاةٌ لَمْ يَدْرِ مَوْضِعَهَا، فَحَكَى فِيهِ الْأَبْهَرِيُّ الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا فِيهَا. وَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ نَسِيَ حَصَاةً مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ جَمْرَةٍ فَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَرْمِي الْأُولَى بِحَصَاةٍ ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى وَالْعَقَبَةَ بِسَبْعٍ سَبْعٍ، وَفِي كِتَابِ الْأَبْهَرِيِّ وَمَنْ بَقِيَتْ بِيَدِهِ حَصَاةٌ وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ هِيَ فَلْيَرْمِ بِهَا الْأُولَى ثُمَّ يَرْمِي الْبَاقِيَتَيْنِ بِسَبْعٍ سَبْعٍ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يَسْتَأْنِفُ وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيْنَا. (وَأَجْزَأَ) الرَّمْيُ الْمُتَفَرِّقُ كَرَمْيِهِ (عَنْهُ) أَيْ: الرَّامِي سَبْعَ حَصَيَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ عَلَى
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وَعَنْ صَبِيٍّ وَلَوْ حَصَاةً حَصَاةً، وَرَمْيُ الْعَقَبَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ طُلُوعَ الشَّمْسِ، وَإِلَّا إثْرَ الزَّوَالِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَوُقُوفِهِ إثْرَ الْأُولَيَيْنِ قَدْرَ إسْرَاعِ الْبَقَرَةِ، وَتَيَاسُرِهِ فِي الثَّانِيَةِ.
_________________
(١) [منح الجليل] جَمْرَةٍ وَسَبْعِ حَصَيَاتٍ أُخْرَى عَنْ صَبِيٍّ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ يَرْمِي عَنْهُ نِيَابَةً عَلَى تِلْكَ الْجَمْرَةِ، وَهَكَذَا الْجَمْرَةُ الثَّانِيَةُ وَالْجَمْرَةُ الثَّالِثَةُ، بَلْ وَلَوْ كَانَ التَّفْرِيقُ فِي حَصَيَاتِ كُلِّ جَمْرَةٍ بِأَنْ يَرْمِيَ حَصَاةً عَنْ نَفْسِهِ وَحَصَاةً عَنْ غَيْرِهِ أَوْ عَكْسُهُ إلَى تَمَامِ السَّبْعِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ فِي كُلِّ جَمْرَةٍ، وَتَعْبِيرُهُ بِالْإِجْزَاءِ يُفِيدُ أَنَّهُ خِلَافُ الْمَنْدُوبِ وَهُوَ كَذَلِكَ فَلَا يُنَافِي نَدْبَ تَتَابُعِهَا. وَأَشَارَ بِوَلَوْ إلَى قَوْلِ الْقَابِسِيِّ بَعِيدٌ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يُعْتَدُّ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِحَصَاةٍ وَاحِدَةٍ. ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ يَسِيرٌ وَنُدِبَ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَمَصَبُّ النَّدْبِ كَوْنُ الرَّمْيِ طُلُوعَ الشَّمْسِ أَيْ بَعْدَهُ وَعِبَارَتُهَا ضَحْوَةً وَيَمْتَدُّ وَقْتُ الْفَضِيلَةِ لِلزَّوَالِ، وَيُكْرَهُ الرَّمْيُ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الشَّمْسِ وَإِنْ كَانَ أَدَاءً فِيهِمَا أَيْضًا. ابْنُ الْحَاجِبِ أَدَاءُ جَمْرَةِ يَوْمِ النَّحْرِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى الْغُرُوبِ وَأَفْضَلُهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ. ابْنُ رُشْدٍ إنْ رَمَاهَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، أَوْ بَعْدَ زَوَالِهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الرَّمْيُ أَوَّلَ يَوْمٍ بِأَنْ كَانَ ثَانِيَهُ أَوْ ثَالِثَهُ أَوْ رَابِعَهُ نُدِبَ (إثْرَ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَيْ: عَقِبَ (الزَّوَالِ قَبْلَ) صَلَاةِ (الظُّهْرِ وَنُدِبَ وُقُوفُهُ) أَيْ: مُكْثُ الرَّامِي وَلَوْ جَالِسًا (إثْرَ) رَمْيِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجَمْرَتَيْنِ (الْأُولَيَيْنِ) لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ بِدُونِ رَفْعِ يَدَيْهِ (قَدْرَ إسْرَاعِ) قِرَاءَةِ سُورَةِ (الْبَقَرَةِ) لَا إثْرَ الثَّانِيَةِ فَقَطْ وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إثْرَ الْأُولَيَيْنِ وَهَذَا كَالِاسْتِدْرَاكِ عَلَى قَوْلِهِ وَتَتَابُعُهَا. (وَ) نُدِبَ (تَيَاسُرُهُ فِي) وُقُوفِهِ لِلدُّعَاءِ عَقِبَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ (الثَّانِيَةِ) ابْنُ الْمَوَّازِ ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى وَيَنْصَرِفُ مِنْهَا إلَى الشِّمَالِ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ فَيَقِفُ أَمَامَهَا مِمَّا يَلِي يَسَارَهَا. ابْنُ عَرَفَةَ يَرْمِي الْوُسْطَى وَيَنْصَرِفُ عَنْهَا ذَاتَ الشِّمَالِ بِبَطْنِ الْمَسِيلِ يَقِفُ أَمَامَهَا مِمَّا يَلِي يَسَارَهَا وَمِثْلُهُ فِي عِبَارَةِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَسَنَدٍ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ الِاتِّبَاعُ، فَفِي الْبُخَارِيِّ مِنْ
[ ٢ / ٢٩٤ ]
وَتَحْصِيبُ الرَّاجِعِ لِيُصَلِّيَ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ.
_________________
(١) [منح الجليل] حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى فَيَأْخُذُ بِذَاتِ الشِّمَالِ فَيَسْهُلُ» قَوْلُهُ فَيُسْهِلُ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ السِّينِ وَكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ: يَأْتِي الْمَكَانَ السَّهْلَ، هَكَذَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثِ ابْنِ حَجَرٍ، أَيْ: يَمْشِي إلَى جِهَةِ شِمَالِهِ لِيَقِفَ دَاعِيًا فِي مَكَان لَا يُصِيبُهُ فِيهِ الرَّمْيُ. اهـ. وَيَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ فِي جِهَةِ يَسَارِهَا كَوْنُهَا فِي جِهَةِ يَمِينِهِ وَفِيهَا تَرْكُ الرَّفْعِ أَحَبُّ إلَيَّ. مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَلَا يَرْفَعُهُمَا فِي الْمَقَامَيْنِ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَضَعَّفَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي جَمِيعِ الْمَشَاعِرِ، هَذَا وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «ثُبُوتُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -.» ابْنُ الْمُنْذِرِ لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا أَنْكَرَ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ إلَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَيَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ فِي وُقُوفِهِ لِلدُّعَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ صِفَةَ وُقُوفِهِ لِرَمْيِهِمَا وَهُوَ أَنْ يَقِفَ مِمَّا يَلِي الْمَسْجِدَ فِي رَمْيِ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَفِيهَا وَيَرْمِي الْجَمْرَتَيْنِ جَمِيعًا مِنْ فَوْقِهِمَا وَالْعَقَبَةَ مِنْ أَسْفَلِهَا. (وَ) نُدِبَ (تَحْصِيبُ) الشَّخْصِ (الرَّاجِعِ) مِنْ مِنًى لِمَكَّةَ أَيْ نُزُولُهُ بِالْمُحَصَّبِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ وَمُنْتَهَاهُ الْمَقْبَرَةُ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ سُمِّيَ بِهِ لِكَثْرَةِ الْحَصْبَاءِ فِيهِ مِنْ السَّيْلِ وَيُسَمَّى الْأَبْطُحَ أَيْضًا لِانْبِطَاحِهِ (لِيُصَلِّيَ) الرَّاجِعُ (فِيهِ) أَيْ: الْمُحَصَّبِ (أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ) أَيْ: الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ اقْتِدَاءً بِهِ - ﷺ - وَهَذَا لِغَيْرِ الْمُتَعَجِّلِ، أَمَّا هُوَ فَلَا يُنْدَبُ تَحْصِيبُهُ وَلَوْ مُقْتَدًى بِهِ وَفِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَإِلَّا تَرَكَهُ وَدَخَلَ مَكَّةَ لِصَلَاتِهَا. فِي الذَّخِيرَةِ التَّحْصِيبُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَلَيْسَ بِنُسُكٍ وَفِي الْإِكْمَالِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ النُّزُولَ بِهِ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَاعْتَرَضَهُ الْأَبِيُّ بِقَوْلِ مُسْلِمٍ كَانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مِنْ النُّسُكِ فَيُنَاقِضُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، فَلَعَلَّ قَوْلَهُمْ لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ أَيْ الْمُتَأَكِّدُ أَوْ الْوَاجِبُ حَتَّى يَلْزَمَ بِتَرْكِهِ دَمٌ. (وَ) نُدِبَ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ مَكِّيًّا أَوْ آفَاقِيًّا قَدِمَ بِنُسُكٍ أَوْ تِجَارَةٍ
[ ٢ / ٢٩٥ ]
وَطَوَافُ الْوَدَاعِ إنْ خَرَجَ لِكَالْجُحْفَةِ.
لَا كَالتَّنْعِيمِ، وَإِنْ صَغِيرًا، وَتَأَدَّى بِالْإِفَاضَةِ وَالْعُمْرَةِ.
وَلَا يَرْجِعُ الْقَهْقَرَى.
_________________
(١) [منح الجليل] طَوَافُ الْوَدَاعِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا (إنْ خَرَجَ) أَيْ: أَرَادَ الْخُرُوجَ (لِ) مِيقَاتٍ (كَالْجُحْفَةِ) أَرَادَ الْعَوْدَ أَمْ لَا إلَّا لِقَصْدِهِ التَّرَدُّدَ لَهَا بِنَحْوِ حَطَبٍ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ الْوَدَاعُ، وَلَوْ خَرَجَ لِمَكَانٍ بَعِيدٍ وَكَذَا الْمُتَعَجِّلُ اهـ عب. الْبُنَانِيُّ نَحْوُهُ وَقَوْلُ الْخَرَشِيِّ، وَكَذَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمُتَعَجِّلُ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِمَا، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ إذْ لَا تَعَلُّقَ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ بِالْحَجِّ وَلَا هُوَ مِنْ مَنَاسِكِهِ حَتَّى يُفَرِّقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُتَعَجِّلِ وَغَيْرِهِ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ قَصَدَ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ لَا يُؤْمَرُ بِهِ. وَفِي التَّوْضِيحِ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْآمِرِ بِهِ كَوْنُهُ مَعَ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ، بَلْ يُؤْمَرُ بِهِ كُلُّ مَنْ أَرَادَ سَفَرًا مِنْ مَكَّةَ مَكِّيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَفِي الصَّحِيحِ «لَا يَنْفِرُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ» . (لَا) يُنْدَبُ طَوَافُ الْوَدَاعِ لِمَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ لِمَحَلٍّ قَرِيبٍ (كَالتَّنْعِيمِ) وَالْجِعْرَانَةِ مِمَّا دُونَ الْمِيقَاتِ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَسْكَنُهُ أَوْ يُرِيدَ الْإِقَامَةَ بِهِ طَوِيلًا فَيُنْدَبُ لَهُ الْوَدَاعُ إنْ كَانَ بَالِغًا. بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (صَغِيرًا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ أَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً ابْنُ فَرْحُونٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا تَقْبِيلَ الْحَجَرِ عَقِبَ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَهُوَ حَسَنٌ وَنَحْوُهُ لِسَنَدٍ. وَفِي الْوَاضِحَةِ يُنْدَبُ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ عَقِبَ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَنَقَلَهُ الْحَطّ. وَحَاصِلُ مَا ذَكَرُوهُ مَعَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ مَكَّةَ إنْ قَصَدَ التَّرَدُّدَ لَهَا فَلَا وَدَاعَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ قَصَدَ مَسْكَنَهُ أَوْ إقَامَةً طَوِيلَةً فَعَلَيْهِ الْوَدَاعُ مُطْلَقًا وَإِنْ خَرَجَ لِاقْتِضَاءِ دَيْنٍ أَوْ زِيَارَةِ أَهْلٍ نَظَرَ فَإِنْ خَرَجَ لِكَالْجُحْفَةِ وَدَّعَ، وَإِنْ خَرَجَ لِدُونِهَا كَالتَّنْعِيمِ فَلَا وَدَاعَ. (وَتَأَدَّى) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ: حَصَلَ طَوَافُ الْوَدَاعِ (بِالْإِفَاضَةِ وَ) بِطَوَافِ (الْعُمْرَةِ) وَلَا يَكُونُ السَّعْيُ عَقِبَهُ طُولًا حَيْثُ لَمْ يَقُمْ بَعْدَهُمَا إقَامَةٌ تُبْطِلُ حُكْمَ التَّوْدِيعِ وَيَحْصُلُ بِهِمَا ثَوَابُهُ إنْ نَوَاهُ بِهِمَا قِيَاسًا عَلَى تَأَدِّي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِالْفَرْضِ. (وَلَا يَرْجِعُ) الْمُوَدِّعُ حَالَ خُرُوجِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (الْقَهْقَرَى) أَيْ: يُكْرَهُ أَوْ
[ ٢ / ٢٩٦ ]
وَتَبْطُلُ بِإِقَامَةِ بَعْضِ يَوْمٍ بِمَكَّةَ لَا بِشُغْلٍ خَفَّ، وَرَجَعَ لَهُ، إنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ أَصْحَابِهِ، وَحُبِسَ الْكَرِيُّ، وَالْوَلِيُّ: لِحَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، قَدْرَهُ،
_________________
(١) [منح الجليل] خِلَافُ الْأَوْلَى لِعَدَمِ وُرُودِهِ فَيُقَبِّلُ الْحَجَرَ وَيَجْعَلُ ظَهْرَهُ لِلْبَيْتِ وَيَمْشِي مِشْيَةَ الْمُعْتَادِ وَالْأَدَبُ وَالْخُشُوعُ فِي الْقَلْبِ، وَكَذَا فِي خُرُوجِهِ مِنْ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. . (وَبَطَلَ) طَوَافُ الْوَدَاعِ بِمَعْنَى طَلَبِهِ بِغَيْرِهِ وَإِنْ صَحَّ فِي نَفْسِهِ وَثَبَتَ ثَوَابُهُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى (بِإِقَامَةِ بَعْضِ يَوْمٍ) لَهُ بَالٌ وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى سَاعَةٍ فَلَكِيَّةٍ (بِمَكَّةَ) فَإِنْ أَقَامَ خَارِجَهَا كَالْأَبْطَحِ وَذِي طُوًى فَلَا يَبْطُلُ (لَا) يَبْطُلُ إقَامَةٌ بِمَكَّةَ (لِشُغْلٍ خَفَّ وَ) إنْ تَرَكَهُ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ بَطَلَ حُكْمُهُ كَمَنْ أَتَى بِهِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيْهِ حَتَّى انْتَقَضَ وُضُوءُهُ أَوْ بَطَلَ كَوْنُهُ وَدَاعًا بِالْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ وَخَرَجَ مِنْهَا قَالَ مَالِكٌ - ﵁ - وَلَمْ يَبْعُدْ (رَجَعَ) نَدْبًا (لَهُ) أَيْ: طَوَافُ الْوَدَاعِ (إنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ أَصْحَابِهِ وَحُبِسَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: مُنِعَ مِنْ السَّفَرِ (الْكَرِيُّ) أَيْ: الشَّخْصُ الَّذِي أَكْرَى دَابَّتَهُ لِمَرْأَةٍ. (وَالْوَلِيُّ) أَيْ: زَوْجُ الْمَرْأَةِ أَوْ مُحْرِمُهَا (لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ) حَصَلَ لِلْمَرْأَةِ قَبْلَ طَوَافِهَا لِلْإِفَاضَةِ وَصِلَةُ حُبِسَ قَوْلُهُ (قَدْرَهُ) أَيْ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ سَوَاءٌ عَلِمَ الْكَرِيُّ حَمْلَهَا أَمْ لَا حَمَلَتْ عِنْدَ الْكِرَاءِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَيْسَ هَذَا فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا مِنْ نَفَقَتِهِ وَلَا نَفَقَةَ دَابَّتِهِ ذَكَرَهُ الْمَوَّاقُ وَالْحَطّ. زَادَ وَيُنْدَبُ لَهَا فِي النِّفَاسِ إعَانَتُهُ بِالْعَلَفِ لَا فِي الْحَيْضِ فَإِنْ مَضَى قَدْرُ حَيْضِهَا وَالِاسْتِظْهَارُ وَلَمْ يَنْقَطِعْ دَمُهَا فَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا تَطُوفُ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ. ابْنُ عَرَفَةَ وَعَلَى حَبْسِ كَرْيِهَا لَهَا مُعْتَادُ حَيْضِهَا وَالِاسْتِظْهَارِ، فَإِنْ زَادَ دَمُهَا فَظَاهِرُهَا تَطُوفُ كَمُسْتَحَاضَةٍ وَتَأَوَّلَهَا الشَّيْخُ بِمَنْعِهِ وَفَسْخِ كِرَائِهَا كَرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ بِالِاحْتِيَاطِ طفي وَرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ بِالِاحْتِيَاطِ بَعْدَ الِاسْتِظْهَارِ فِيمَا بَيْنَ عَادَتِهَا وَخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ فَظَهَرَ لِلْفَسْخِ وَعَدَمِ الطَّوَافِ وَجْهٌ وَهُوَ مُرَاعَاةُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فِي الِاحْتِيَاطِ. ابْنُ شَاسٍ فَإِذَا زَادَ الدَّمُ مُدَّةَ الْحَبْسِ فَهَلْ تَطُوفُ أَوْ يُفْسَخُ الْكِرَاءُ قَوْلَانِ.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
وَقُيِّدَ إنْ أَمِنَ، وَالرُّفْقَةُ فِي كَيَوْمَيْنِ.
_________________
(١) [منح الجليل] وَقُيِّدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ: حُبِسَ الْكَرِيُّ وَالْوَلِيُّ لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسِ الْمَرْأَةِ قَدْرَهُ (إنْ أُمِنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ الطَّرِيقُ حَالَ رُجُوعِهَا بَعْدَ طُهْرِهَا وَطَوَافِهَا لِلْإِفَاضَةِ، وَهَذَا الْقَيْدُ لِابْنِ اللَّبَّادِ وَابْنِ أَبِي زَيْدٍ التُّونُسِيِّ، فَإِنْ لَمْ يُؤْمَنْ فَيُفْسَخُ الْكِرَاءُ اتِّفَاقًا قَالَهُ عِيَاضٌ، وَلَا يُحْبَسُ كَرِيٌّ وَلَا وَلِيٌّ لِأَجْلِ طَوَافِهَا وَتَمْكُثُ وَحْدَهَا بِمَكَّةَ حَتَّى تَطْهُرَ وَتَطُوفَ إنْ أَمْكَنَهَا الْمُقَامُ بِهَا وَإِلَّا رَجَعَتْ لِبَلَدِهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ وَتَعُودُ فِي الْقَابِلِ. سَنَدٌ أَمَّا أَهْلُ الْآفَاقِ الْبَعِيدَةِ الَّذِينَ لَا يَمُرُّونَ إلَّا حَمِيَّةً فَأَمْرٌ مَحْمُولٌ عَلَى زَمَانِ الْحَجِّ عَادَةً فَلَا يُحْبَسُ عَلَيْهَا بَعْدَهُ وَهِيَ كَالْمُحْصَرَةِ بِالْعَدُوِّ وَلَا يَلْزَمُهَا جَمِيعُ الْأُجْرَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَلْزَمُهَا؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْهَا فَسْخُ الْكِرَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَمْنِ بِعَارِضِ مَا سَيَأْتِي أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَنْفَسِخُ بِتَلَفِ مَا يُسْتَوْفَى بِهِ إلَّا فِي مَسَائِلَ لَيْسَتْ هَذِهِ مِنْهَا. وَالْقِيَاسُ أَنَّ لِلْكَرِيِّ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ إنْ لَمْ تَجِدْ مَنْ يَرْكَبُ مَكَانَهَا، وَهَذَا كُلُّهُ إنْ لَمْ يَنْقَطِعْ دَمُهَا، أَصْلًا وَإِلَّا اغْتَسَلَتْ وَطَافَتْ حَالَ انْقِطَاعِهِ وَلَوْ بَعْضَ يَوْمٍ. هَذَا تَقْرِيرُ الْمَذْهَبِ وَفِيهِ مَشَقَّةٌ خُصُوصًا عَلَى مَنْ بِلَادُهَا بَعِيدَةٌ وَمُقْتَضَى يُسْرِ الدِّينِ، أَمَّا تَقْلِيدُ مَا رَوَاهُ الْبَصْرِيُّونَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ مَنْ طَافَ لِلْقُدُومِ وَسَعَى وَرَجَعَ لِبَلَدِهِ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا أَجْزَأَهُ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَإِنْ كَانَ خِلَافُ رِوَايَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ عَدَمَهُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَلَا شَكَّ أَنَّ عُذْرَ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ أَبْلَغُ مِنْ عُذْرِ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي. وَأَمَّا تَقْلِيدُ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - أَنَّ الْحَائِضَ تَطُوفُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ فِي الطَّوَافِ الطَّهَارَةَ مِنْ حَدَثٍ وَلَا مِنْ خَبَثٍ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ - ﵁ - وَعَلَيْهَا بَدَنَةٌ وَيَتِمُّ حَجُّهَا الصِّحَّةُ طَوَافُهَا، وَإِنْ أَثِمَتْ عِنْدَهُمَا أَوْ عِنْدَ أَحْمَدَ فَقَطْ بِدُخُولِهَا الْمَسْجِدَ حَائِضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَ) حُبِسَتْ (الرُّفْقَةُ) مَعَ كَرِيِّهَا وَوَلِيِّهَا إنْ كَانَ يَزُولُ عُذْرُهَا (فِي كَيَوْمَيْنِ) لَعَلَّهُ مَعَ الْأَمْنِ كَمَا سَبَقَ وَلَا تُحْبَسُ الرُّفْقَةُ فِيمَا زَادَ عَلَى كَيَوْمَيْنِ وَيُحْبَسُ الْكَرِيُّ وَحْدَهُ، وَمُقْتَضِي مَا فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ مَالِكٍ - ﵁ - أَنَّ الْكَافَ اسْتِقْصَائِيَّةٌ وَمُقْتَضَى مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْهُ إدْخَالٌ زَادَ عَلَيْهِمَا.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وَكُرِهَ رَمْيٌ بِمَرْمِيٍّ بِهِ: كَأَنْ يُقَالَ لِلْإِفَاضَةِ: طَوَافُ الزِّيَادَةِ، أَوْ زُرْنَا قَبْرَهُ - ﷺ -.
وَرُقِيُّ الْبَيْتِ، أَوْ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى مِنْبَرِهِ - ﵊ - بِنَعْلٍ، بِخِلَافِ الطَّوَافِ وَالْحَجَرِ.
_________________
(١) [منح الجليل] (وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (رَمْيٌ بِ) حَصَى (مَرْمِيٍّ بِهِ) مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فِي يَوْمِهِ أَوْ قَبْلَهُ فِي مِثْلِ مَا رَمَى فِيهِ أَوَّلًا كَحَجٍّ وَحَجَّ مُفْرِدًا فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا وَقَارِنًا فِي الْآخَرِ، ظَاهِرُهُ الْكَرَاهَةُ وَلَوْ فِي حَصَاةٍ وَاحِدَةٍ. التُّونُسِيُّ وَيُعِيدُ نَدْبًا مَا لَمْ تَمْضِ أَيَّامُ الرَّمْيِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَخَفَّفَ مَالِكٌ - ﵁ - الْحَصَاةَ الْوَاحِدَةَ وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ فِي ثَانِي عَامٍ وَالْمُعْتَمَدُ الْإِطْلَاقُ كَظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ سَقَطَتْ مِنِّي حَصَاةٌ فَلَمْ أَعْرِفْهَا فَرَمَيْت بِحَصَاةٍ مِنْ حَصَى الْجَمْرَةِ فَقَالَ لِي مَالِكٌ - ﵁ - إنَّهُ لَمَكْرُوهٌ وَمَا أَرَى عَلَيْك شَيْئًا. وَشَبَّهَ فِي الْكَرَاهَةِ فَقَالَ (كَأَنْ يُقَالَ لِلْإِفَاضَةِ طَوَافُ الزِّيَارَةِ) فَتُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ الْمَذْكُورَةُ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ وَهُوَ رُكْنٌ لَا تَخْيِيرَ فِيهِ وَلَا يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ فَكَأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَذِبٍ (أَوْ زُرْنَا قَبْرَهُ - ﵊ -) وَكَذَا لَوْ سَقَطَ لَفْظُ قَبْرٍ قَالَهُ سَنَدٌ وَإِنَّمَا يُقَالُ قَصَدْنَاهُ أَوْ حَجَجْنَا إلَى قَبْرِهِ - ﷺ - وَعُلِّلَتْ الْكَرَاهَةُ بِأَنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْقُرْبِ فَلَا تَخْيِيرَ فِيهَا أَوْ؛ لِأَنَّ لِلزَّائِرِ فَضْلًا وَرَدَّ عِيَاضٌ الثَّانِيَ بِحَدِيثِ زِيَارَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِرَبِّهِمْ، وَبِحَدِيثِ «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» لَكِنْ لَا دَلِيلَ فِيهِ لِجَوَازِ إطْلَاقِ لَفْظِ الزِّيَارَةِ مِنْ غَيْرِهِ. (وَ) كُرِهَ (رُقِيُّ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ فَشَدِّ الْيَاءِ أَيْ: دُخُولِ (الْبَيْتِ) الْحَرَامِ لَا رُقِيُّ دَرَجَةٍ فَقَطْ، وَسُمِّيَ دُخُولُهُ رُقِّيَا لِارْتِفَاعِ بَابِهِ (أَوْ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى ظَهْرِهِ (أَوْ عَلَى مِنْبَرِهِ) أَيْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَوْ الْمَوْجُودَ الْآنَ (بِنَعْلٍ) مُحَقَّقِ الطَّهَارَةِ وَهُوَ رَاجِعٌ لِلْمَسَائِلِ الثَّلَاثَةِ وَمِثْلُهُ الْخُفُّ، وَيَحْرُمُ وَضْعُ الْمُصْحَفِ عَلَى أَحَدِهِمَا لِعَظَمِ حُرْمَةِ الْقُرْآنِ. الْمَوَّاقُ وَيُكْرَهُ جَعْلُ نَعْلِهِ بِالْبَيْتِ إذَا دَخَلَهُ لِلدُّعَاءِ وَلْيَجْعَلْهُ فِي حُجْرَتِهِ (بِخِلَافِ الطَّوَافِ) بِالْبَيْتِ (وَ) دُخُولُ (الْحِجْرِ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ بِنَعْلٍ مُحَقَّقِ الطَّهَارَةِ فَلَا يُكْرَهُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ مَشْي بِهِ فِي السِّتَّةِ
[ ٢ / ٢٩٩ ]
وَإِنْ قَصَدَ بِطَوَافِهِ نَفْسَهُ مَعَ مَحْمُولِهِ، لَمْ يُجْزِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَجْزَأَ السَّعْيُ عَنْهُمَا: كَمَحْمُولَيْنِ فِيهِمَا.
_________________
(١) [منح الجليل] أَذْرُعٍ مِنْ الْحِجْرِ الَّتِي مِنْ الْبَيْتِ لِعَدَمِ تَوَاتُرٍ عَلَى رَأْيٍ. (وَإِنْ) طَافَ حَامِلُ شَخْصٍ طَوَافًا وَاحِدًا وَ(قَصَدَ بِطَوَافِهِ نَفْسَهُ مَعَ مَحْمُولِهِ) صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ مَرِيضٌ وَاحِدًا وَمُتَعَدِّدٌ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ وَالْحَامِلُ عَنْ نَفْسِهِ (لَمْ يَجُزْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ صَلَاةٌ وَهِيَ لَا تَكُونُ عَنْ اثْنَيْنِ، كَذَا قَرَّرَهُ سَالِمٌ وَانْظُرْ إدْخَالَهُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ نِيَّةَ الْمَرِيضِ عَنْ نَفْسِهِ، وَالْحَامِلِ عَنْ نَفْسِهِ فَقَطْ، وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مَعَ مَحْمُولِهِ صِحَّتُهُ فِي هَذِهِ عَنْ الْحَامِلِ فَقَطْ وَهُوَ الْقِيَاسُ اهـ عب. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَبِعَ فِيهِ تَشْهِيرَ ابْنِ الْحَاجِبِ مَعَ قَوْلِهِ فِي التَّوْضِيحِ لَمْ أَرَ مَنْ شَهَّرَهُ. قَالَ الْحَطّ ظَاهِرُ الطِّرَازِ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِالْإِجْزَاءِ عَنْهُمَا، وَنَسَبَ الْمَوَّاقُ وَالتَّوْضِيحُ الْإِجْزَاءَ عَنْ الصَّبِيِّ لِابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَوْلُهُ وَانْظُرْ إدْخَالَ إلَخْ تَبِعَ فِيهِ الْحَطّ وَنَصُّهُ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَحْمُولِ صَغِيرًا نَوَى الْحَامِلَ عَنْهُ وَعَنْ نَفْسِهِ أَوْ كَبِيرًا يَنْوِي هُوَ لِنَفْسِهِ، وَيَنْوِي الْحَامِلُ لِنَفْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرَهُ عب. (وَأَجْزَأَ السَّعْيُ) الَّذِي نَوَى بِهِ الْحَامِلُ نَفْسَهُ مَعَ مَحْمُولِهِ (عَنْهُمَا) أَيْ الْحَامِلِ وَمَحْمُولِهِ لِحِفَّتِهِ؛ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ طَهَارَةٌ وَشَبَّهَ فِي الْإِجْزَاءِ فَقَالَ (كَمَحْمُولَيْنِ) فَأَكْثَرَ لِشَخْصٍ طَافَ أَوْ سَعَى بِهِمَا وَنَوَى بِطَوَافِهِ أَوْ سَعْيِهِ عَنْهُمَا فَيُجْزِئُ (فِيهِمَا) أَيْ: الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ نِيَّتِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ مَحْمُولِهِ وَبَيْنَ نِيَّتِهِ عَنْ مَحْمُولَيْهِ أَنَّ الْمَحْمُولَيْنِ صَارَا بِمَنْزِلَةِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَفُهِمَ مِنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا قَصَدَ بِالطَّوَافِ الْمَحْمُولَ فَقَطْ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَالْمُعْتَبَرُ طَهَارَةُ الْحَامِلِ وَكَذَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ كَمَحْمُولَيْنِ إنْ كَانَ الْمَحْمُولُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ غَيْرَ مُمَيِّزٍ فَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا فَالْمُعْتَبَرُ طَهَارَةُ الْمَحْمُولِ لَا الْحَامِلِ
[ ٢ / ٣٠٠ ]
[فصل في محرمات الإحرام]
(فَصْلٌ) حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ عَلَى الْمَرْأَةِ: لُبْسُ قُفَّازٍ، وَسَتْرُ وَجْهٍ: إلَّا لِسَتْرٍ
_________________
(١) [منح الجليل] [فَصْلٌ فِي محرمات الْإِحْرَام] (فَصْلٌ) فِي مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ (حَرُمَ بِ) سَبَبِ (الْإِحْرَامِ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ فِيهِ أَوْ مَعَهُ وَالْأَوَّلُ وَالْأَخِيرُ يُفِيدَانِ أَنَّ مَبْدَأَ الْحُرْمَةِ مُجَرَّدُ الْإِحْرَامِ، بِخِلَافِ الْوَسَطِ إذْ قَدْ يَكُونُ الظَّرْفُ أَوْسَعَ مِنْ مَظْرُوفِهِ (عَلَى الْمَرْأَةِ) وَلَوْ أَمَةً أَوْ صَغِيرَةً وَتَتَعَلَّقُ الْحُرْمَةُ بِوَلِيِّهَا، وَمُحَرَّمَاتُ الْإِحْرَامِ: ضَرْبَانِ ضَرْبٌ غَيْرُ مُفْسِدٍ وَفِيهِ الْفِدْيَةُ كَاللُّبْسِ وَالتَّطَيُّبِ، وَضَرْبٌ مُفْسِدٌ وَفِيهِ الْهَدْيُ كَالْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ. وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ حَرُمَ عَلَى الْمَرْأَةِ (لُبْسُ) مُحِيطٍ بِيَدِهَا إحَاطَةً خَاصَّةً كَ (قُفَّازٍ) بِضَمِّ الْقَافِ وَشَدِّ الْفَاءِ آخِرُهُ زَايٌ شَيْءٌ يُصْنَعُ بِهَيْئَةِ الْأَصَابِعِ وَالْكَفِّ، خَصَّهُ لِلْخِلَافِ فِيهِ وَإِلَّا فَغَيْرُهُ مِمَّا يُحِيطُ بِالْيَدِ إحَاطَةً خَاصَّةً بِنَسْجٍ أَوْ خِيَاطَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَذَلِكَ، وَكَذَا الْمُحِيطُ بِأُصْبُعٍ. وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا سَتْرُ يَدِهَا بِغَيْرِ مُحِيطٍ كَخِمَارٍ وَمِنْدِيلٍ أَوْ بِمُحِيطٍ إحَاطَةً عَامَّةً كَإِدْخَالِ يَدِهَا فِي قَمِيصِهَا وَلُبْسُ بِضَمِّ اللَّامِ مَصْدَرُ لَبِسَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ فِي الْمَاضِي وَفَتْحِهَا فِي الْمُضَارِعِ، وَأَمَّا مَفْتُوحُ اللَّامِ فَمَعْنَاهُ الْخَلْطُ. وَفِعْلُهُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] . (وَ) حَرُمَ عَلَى الْمَرْأَةِ (سَتْرُ وَجْهٍ) بِأَيِّ سَائِرِ مُحِيطٍ إحَاطَةً خَاصَّةً أَوْ لَا وَكَذَا بَعْضُهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْآتِيَيْنِ فِي سَتْرِ بَعْضِ وَجْهِ الرَّجُلِ إلَّا مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ سَتْرُ رَأْسِهَا وَمَقَاصِيصِهَا الْوَاجِبُ (إلَّا لِ) قَصْدِ (سَتْرٍ) لِوَجْهِهَا عَنْ أَعْيُنِ الرِّجَالِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا وَلَوْ الْتَصَقَ السَّاتِرُ بِوَجْهِهَا، وَإِنْ عَلِمَتْ أَوْ ظَنَّتْ الِافْتِتَانَ بِكَشْفِ وَجْهِهَا وَجَبَ عَلَيْهَا سَتْرُهُ لِصَيْرُورَتِهِ عَوْرَةً حِينَئِذٍ، فَلَا يُقَالُ كَيْفَ تَتْرُكُ الْوَاجِبَ وَهُوَ كَشْفُ وَجْهِهَا وَتَفْعَلُ الْمُحَرَّمَ وَهُوَ سَتْرُهُ لِأَجْلِ أَمْرٍ لَا يُطْلَبُ مِنْهَا إذْ وَجْهُهَا لَيْسَ عَوْرَةً عَلَى أَنَّهَا مَتَى قَصَدَتْ السَّتْرَ عَنْ الرِّجَالِ فَلَا يَحْرُمُ وَلَا يَجِبُ الْكَشْفُ كَمَا يُفِيدُهُ الِاسْتِثْنَاءُ وَنَصُّهَا وَوَسَّعَ لَهَا مَالِكٌ " - ﵁ - "
[ ٢ / ٣٠١ ]
بِلَا غَرْزٍ وَرَبْطٍ، وَإِلَّا فَفِدْيَةٌ.
وَعَلَى الرَّجُلِ مُحِيطٌ بِعُضْوٍ، وَإِنْ بِنَسْجٍ أَوْ زَرٍّ أَوْ عَقْدٍ: كَخَاتَمٍ وَقَبَاءٍ
_________________
(١) [منح الجليل] أَنْ تَسْدُلَ رِدَاءَهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا إذَا أَرَادَتْ سَتْرًا، فَإِنْ لَمْ تُرِدْ سَتْرًا فَلَا تَسْدُلُ اهـ فَلَا يَرِدُ السُّؤَالُ أَصْلًا. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْأَمْرَدِ سَتْرُ وَجْهِهِ وَإِنْ كَانَ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ بِقَصْدِ التَّلَذُّذِ وَإِذَا لَمْ يَجِبْ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ فَفِي الْإِحْرَامِ أَوْلَى. وَشَرْطُ جَوَازِ سَتْرِ وَجْهِ الْمَرْأَةِ لِقَصْدِ السَّتْرِ كَوْنُهُ (بِلَا غَرْزٍ) بِنَحْوِ إبْرَةٍ (وَ) بِ (لَا رَبْطٍ) لِطَرَفَيْ السَّاتِرِ عَلَى رَأْسِهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَبِسَتْ قُفَّازًا أَوْ سَتَرَتْ وَجْهَهَا لِغَيْرِ قَصْدِ سَتْرٍ عَنْ الرِّجَالِ أَوْ غَرَزَتْ مَا سَتَرَتْهُ بِهِ أَوْ رَبَطَتْهُ (فَ) عَلَيْهَا (فِدْيَةٌ) إنْ انْتَفَعَتْ بِهِ أَوْ بِرَدٍّ أَوْ طَالَ. (وَ) حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ (عَلَى الرَّجُلِ) أَيْ: الذَّكَرِ وَلَوْ رَقِيقًا أَوْ صَبِيًّا وَتَتَعَلَّقُ الْحُرْمَةُ بِوَلِيِّهِ (مُحِيطٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بِالْبَدَنِ كَقَمِيصٍ أَوْ (بِعُضْوٍ) كَالتَّاسُومَةِ وَالْقَبْقَابِ عَرِيضِ السَّيْرِ لَا الْمَدَاسِ رَقِيقِ السَّيْرِ وَإِنْ كَانَ مُحِيطًا لِلضَّرُورَةِ إنْ كَانَتْ إحَاطَتُهُ بِخِيَاطَةٍ بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ إحَاطَتُهُ (بِ) سَبَبِ (نَسْجٍ) عَلَى صُورَةِ الْمَخِيطِ كَدِرْعِ حَدِيدٍ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّيهِ مَنْسُوجًا. وَشَرَابٌ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْمَنْسُوجُ بِالْإِبْرَةِ عَلَى هَيْئَةِ الرِّجْلِ وَالسَّاقِ أَوْ لَصْقِ لَبَدٍ عَلَى صُورَتِهِ أَوْ سَلْخِ جِلْدِ حَيَوَانٍ بِلَا شَقٍّ كَالْقِرْبَةِ وَلُبْسِهِ مُحِيطًا بِبَدَنَةِ أَوْ بَعْضِ أَعْضَائِهِ. (أَوْ) كَانَتْ إحَاطَتُهُ بِسَبَبِ (زَرٍّ) بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ: إدْخَالُ زِرٍّ بِكَسْرِ الزَّايِ فِي عُرْوَتِهِ كَاَلَّذِي يَجْعَلُهُ الْعَسْكَرِيُّ عَلَى سَاقِهِ وَيُزَرِّرُهُ (أَوْ) بِسَبَبِ (عَقْدٍ) يُرْبَطُ أَوْ تَخْلِيلٍ يَعُودُ كَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ سَتْرُ بَدَنِهِ بِمَخِيطٍ غَيْرِ مُحِيطٍ كَإِزَارٍ مُرَقَّعٍ بِرِقَاعٍ وَبُرْدَةٍ مُلَفَّقَةٍ مِنْ شُقَّتَيْنِ، وَكَارْتِدَاءٍ أَوْ ائْتِزَارٍ بِنَحْوِ قَمِيصٍ. وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ وَوُجُوبِ الْفِدْيَةِ فَقَالَ (كَخَاتَمٍ) فَيَحْرُمُ لُبْسُهُ عَلَى الرَّجُلِ وَلَوْ فِضَّةً زِنَةَ دِرْهَمَيْنِ وَفِيهِ الْفِدْيَةُ إنْ طَالَ (وَقَبَاءٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا مُشْتَقٌّ مِنْ الْقُبُورِ وَهُوَ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ سُمِّيَ بِهِ لِانْضِمَامِ أَطْرَافِهِ، وَأَوَّلُ مَنْ لَبِسَهُ نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ - ﵊ -
[ ٢ / ٣٠٢ ]
وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ كُمًّا، وَسَتْرُ وَجْهٍ
_________________
(١) [منح الجليل] إنْ أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ بَلْ (وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ كُمًّا) بِضَمِّ الْكَافِ وَشَدِّ الْمِيمِ فِي يَدٍ بِشَرْطِ إدْخَالِ مَنْكِبَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي مَحَلِّهِ الْخَاصِّ الْمُحِيطِ بِهِ، فَإِنْ جَعَلَ أَسْفَلَهُ عَلَى كَتِفَيْهِ وَلَمْ يُدْخِلْ رِجْلَيْهِ فِي كُمَّيْهِ وَلَا إحْدَاهُمَا فَلَا يَحْرُمُ لِعَدَمِ إحَاطَتِهِ حِينَئِذٍ وَفِي عِبَارَةِ الْمَتْنِ قَلْبٌ وَالْأَصْلُ وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ كُمًّا أَوْ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وَكُمًّا يَنْزِع الْخَافِضَ أَيْ: يَدَهُ فِي كُمٍّ. (وَ) حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ عَلَى الرَّجُلِ (سَتْرُ وَجْهٍ) جَمِيعِهِ وَأَمَّا بَعْضِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ حُمِلَتْ الْمُدَوَّنَةُ عَلَيْهِمَا أَحَدُهُمَا وُجُوبُ الْفِدْيَةِ فِيهِ، وَالثَّانِي عَدَمُ وُجُوبِهَا قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: الْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ لِقَرْنِهِ بِالرَّأْسِ الْوَاجِبِ فِي تَغْطِيَةِ بَعْضِهِ الْفِدْيَةُ وَنَصُّ حَجِّهَا الثَّالِثُ وَإِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ وَالْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَالذَّقَنُ مِنْهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ لَا بَأْسَ بِتَغْطِيَتِهِ لَهُمَا وَإِنْ غَطَّى الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ أَوْ وَجْهَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا، فَإِنْ نَزَعَهُ مِنْ مَكَانِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى انْتَفَعَ بِهِ افْتَدَى اهـ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْحَجِّ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ يُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُغَطِّيَ مَا فَوْقَ الذَّقَنِ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ " - ﵁ - "، وَفِي الثَّالِثِ مِنْهَا لَا بَأْسَ بِتَغْطِيَةِ الذَّقَنِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَفِيهِ أَيْضًا وَلَوْ نَامَ فَغَطَّى رَجُلٌ وَجْهَهُ أَوْ رَأْسَهُ أَوْ طَيَّبَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ ثُمَّ انْتَبَهَ فَلْيَنْزِعْ ذَلِكَ وَلْيَغْسِلْ الطِّيبَ عَنْهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالْفِدْيَةُ عَلَى مَنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ فَانْظُرْ كَيْفَ أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ بِالنَّائِمِ إذَا غَطَّى وَجْهَهُ وَأَسْقَطَهَا عَنْ الذَّقَنِ وَعَمًّا فَوْقَ الذَّقَنِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ عُثْمَانَ " - ﵁ - ". فَمِنْ الشُّيُوخِ مَنْ حَمَلَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ مَا فَوْقَ الذَّقَنِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ تَغْطِيَةَ جَمِيعِ الْوَجْهِ بَلْ مَا حَوَالِي الذَّقَنِ وَأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ فِي مَنْعِ تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ وَأَنَّ الْفِدْيَةَ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْرَبُ إلَى لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ اهـ. فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ التَّأْوِيلَيْنِ فِي كَلَامِهَا الْعَامِّ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَتَأَمَّلْهُ. وَنُقِلَ فِي تَوْضِيحِهِ كَلَامُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَقَرَّهُ قَالَهُ الرَّمَاصِيُّ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ سَتْرُ وَجْهٍ إنْ سَتَرَ مَا أُسْدِلَ مِنْ لِحْيَتِهِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ. وَبِهِ صَرَّحَ سَنَدٌ.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
أَوْ رَأْسٍ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا: كَطِينٍ، وَلَا فِدْيَةَ فِي سَيْفٍ، وَإِنْ بِلَا عُذْرٍ وَاحْتِزَامٍ، أَوْ اسْتِثْفَارٍ لِعَمَلٍ فَقَطْ.
وَجَازَ خُفٌّ قُطِعَ أَسْفَلَ مِنْ كَعْبٍ
_________________
(١) [منح الجليل] وَ) أَيْ: حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ عَلَى الرَّجُلِ سَتْرُ (رَأْسٍ) وَصِلَةُ سَتْرُ (بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا) عُرْفًا وَلُغَةً بِقَرِينَةٍ قَوْلُهُ (كَطِينٍ)؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ الْحَرَّ فَأَوْلَى غَيْرُهُ مِنْ عِمَامَةٍ وَخِرْقَةٍ وَقَلَنْسُوَةٍ وَالْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَاتِرًا عُرْفًا أَوْ لِلتَّمْثِيلِ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاتِرًا فِي هَذَا الْبَابِ. (وَلَا فِدْيَةَ) عَلَيْهِ (فِي) تَقْلِيدِ (سَيْفٍ) بِعُنُقِهِ عَرَبِيٍّ أَوْ رُومِيٍّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ وَالْأَوْلَى قَصْرُهُ عَلَى الْأَوَّلِ إذْ عَلَّاقَةُ الرُّومِيِّ عَرِيضَةٌ وَمُتَعَدِّدَةٌ فَهُوَ حَرَامٌ إنْ تَقَلَّدَ بِهِ لِعُذْرٍ بَلْ (وَإِنْ) تَقَلَّدَهُ (بِلَا عُذْرٍ) وَحَرُمَ وَوَجَبَ نَزْعُهُ فَوْرًا إنْ تَقَلَّدَهُ بِلَا عُذْرٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ. أَحْمَدُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ السِّكِّينَ لَيْسَتْ كَالسَّيْفِ قَصْرًا لِلرُّخْصَةِ عَلَى مَوْرِدِهَا. (وَ) لَا فِدْيَةَ فِي (احْتِزَامٍ) بِثَوْبِهِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ خِلَافًا لتت. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ بِثَوْبِهِ أَوْ غَيْرِهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ قَوْلِهَا الْمُحْرِمُ لَا يَحْتَزِمُ بِحَبْلٍ أَوْ خَيْطٍ إذَا لَمْ يُرِدْ الْعَمَلَ فَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى، وَإِنْ أَرَادَ الْعَمَلَ فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَحْتَزِمَ وَعَلَى ظَاهِرِهَا حَمَلَهَا أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَفِي الْجَوَاهِرِ وَافْتَدَى إنْ احْتَزَمَ بِحَبْلٍ أَوْ خَيْطٍ لِغَيْرِ عَمَلٍ فَإِنْ كَانَ لِعَمَلٍ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَقَيَّدَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ الِاحْتِزَامَ بِكَوْنِهِ بِلَا عَقْدٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْحَطّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ شَاسٍ وَلَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا الْمُوَضِّحُ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ. (وَ) لَا فِدْيَةَ فِي (اسْتِثْفَارٍ) أَيْ لَيُّ طَرَفَيْ الْمِئْزَرِ بَيْنَ فَخِذَيْهِ وَغَرْزِهِمَا فِي وَسَطِهِ فَيَصِيرُ الْإِزَارُ كَالسَّرَاوِيلِ بِلَا عَقْدٍ، فَإِنْ عَقَدَهُمَا فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ (لِعَمَلٍ فَقَطْ) قَيَّدَ فِي الِاحْتِزَامِ وَالِاسْتِثْفَارِ، فَإِنْ كَانَا لِغَيْرِ عَمَلٍ فَفِيهِمَا الْفِدْيَةُ. . (وَجَازَ) لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (خُفٌّ) أَيْ: لُبْسُهُ وَمِثْلُهُ جُرْمُوقٌ وَجَوْرَبٌ (قُطِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَوْ ثَنَى فِيمَا يَظْهَرُ (أَسْفَلَ مِنْ كَعْبٍ) لِلرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ قَطَعَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ اشْتَرَاهُ كَذَلِكَ وَمِثْلُهُ فِي أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ، وَنَقَلَ ابْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا، وَالْآخَرُ أَنَّهُ إنَّمَا يُغْتَفَرُ لِمَنْ قَطَعَهُ لَا لِمَنْ اشْتَرَاهُ كَذَلِكَ. وَحَكَى الشَّاذِلِيُّ الثَّانِي يُقْبَلُ
[ ٢ / ٣٠٤ ]
لِفَقْدِ نَعْلٍ أَوْ غُلُوِّهِ فَاحِشًا، وَاتِّقَاءُ شَمْسٍ أَوْ رِيحٍ بِيَدٍ، أَوْ مَطَرٍ بِمُرْتَفِعٍ وَتَقْلِيمُ ظُفْرٍ انْكَسَرَ، وَارْتِدَاءٌ بِقَمِيصٍ، وَفِي كُرْهِ السَّرَاوِيلِ رِوَايَتَانِ
_________________
(١) [منح الجليل] وَالظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ، وَشَرْطُ التَّرْخِيصِ فِي لُبْسِ الْخُفِّ الْمَقْطُوعِ أَسْفَلَ مِنْ كَعْبٍ كَوْنُ لُبْسِهِ (لِفَقْدِ) أَيْ: عَدَمِ وُجُودِ (نَعْلٍ) بِالْكُلِّيَّةِ (أَوْ) لِ (غُلُوِّهِ) أَيْ: النَّعْلِ غُلُوًّا (فَاحِشًا) بِأَنْ يَزِيدَ ثَمَنُهُ عَلَى قِيمَتِهِ الْمُعْتَادَةِ فَوْقَ ثُلُثِهَا فَلَوْ لَبِسَهُ لِغَيْرِ مَا ذُكِرَ، وَقَدْ قُطِعَ أَسْفَلَ مِنْ كَعْبٍ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَلَوْ لِضَرُورَةٍ كَشُقُوقٍ بِرِجْلَيْهِ. وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ اعْتِبَارُ الْفَقْدِ أَوْ الْغُلُوِّ حِينَ الْإِحْرَامِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعْدَادُهُ قَبْلَهُ إذَا عَلِمَ فَقْدَهُ عِنْدَهُ، وَقَالَ سَنَدٌ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ إنْ وَجَدَ ثَمَنَهُ. (وَ) جَازَ لَهُ (اتِّقَاءُ شَمْسٍ) عَنْ وَجْهِهِ (أَوْ رِيحٍ بِيَدٍ)؛ لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ سَاتِرًا عُرْفًا وَأَوْلَى بِبِنَاءٍ أَوْ خِبَاءٍ أَوْ مَحَارَةٍ كَمَا يَأْتِي (أَوْ مَطَرٍ) وَمِثْلُهُ الْبَرْدُ عِنْدَ مَالِكٍ لَا ابْنِ الْقَاسِمِ " - ﵁ - " (بِ) شَيْءٍ (مُرْتَفِعٍ) عَنْ رَأْسِهِ مِنْ نَحْوِ ثَوْبٍ. وَأَمَّا الْخَيْمَةُ فَيَجُوزُ الدُّخُولُ تَحْتَهَا بِلَا عُذْرٍ وَلَا يَلْصَقُ الْمُظَلِّلَ بِرَأْسِهِ وَاتِّقَاءٌ بِالْيَدِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَلَا يَلْصَقُهَا بِرَأْسِهِ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ إنْ طَالَ قَالَهُ عب. الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْيَدُ يَجُوزُ الِاتِّقَاءُ بِهَا مُرْتَفِعَةً وَمُتَّصِلَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ سَاتِرًا عُرْفًا فَلَا فِدْيَةَ فِيهَا بِحَالٍ قَالَهُ ابْنُ عَاشِرٍ. سَنَدٌ لَا بَأْسَ أَنْ يَسُدَّ أَنْفَهُ مِنْ جِيفَةٍ وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا مَرَّ بِطِيبٍ. (وَ) جَازَ (تَقْلِيمُ ظُفْرٍ انْكَسَرَ) نَحْوَهُ فِيهَا أَبُو إِسْحَاقَ وَاثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَالْجَوَازُ مُقَيَّدٌ بِتَأَذِّيه مِنْ كَسْرِهِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ قَلْمُهُ، وَإِنْ قَلَّمَهُ جَرَى فِيهِ قَوْلُهُ الْآتِي وَفِي الظُّفْرِ الْوَاحِدِ إلَخْ، وَبِالِاقْتِصَارِ فِي تَقْلِيمِهِ عَلَى قَلْمِ مَا يَزُولُ بِقَلْمِهِ الضَّرَرُ كَقَطْعِ الْمُنْكَسِرِ وَمُسَاوَاتِهِ حَتَّى لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا يَمُرُّ عَلَيْهِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى هَذَا ضَمِنَ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ انْكَسَرَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْكَسِرْ فَإِنْ كَانَ قَلَّمَهُ لِإِمَاطَةِ الْأَذَى فَفِيهِ الْفِدْيَةُ وَإِلَّا فَحَفْنَةٌ كَمَا يَأْتِي هَذَا فِي الْوَاحِدِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ مُطْلَقًا (وَ) جَازَ (ارْتِدَاءٌ) وَائْتِزَارٌ (بِقَمِيصٍ) لِعَدَمِ إحَاطَتِهِ (وَفِي كُرْهِ) ارْتِدَاءِ (السَّرَاوِيلِ) لِقُبْحِ هَيْئَتِهِ وَجَوَازِهِ (رِوَايَتَانِ) وَمُقْتَضَى تَعْلِيلِ الْكُرْهِ الْمُتَقَدِّمِ
[ ٢ / ٣٠٥ ]
وَتَظَلُّلٌ بِبِنَاءٍ وَخِبَاءٍ
_________________
(١) [منح الجليل] جَرَيَانُهُمَا فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ أَيْضًا وَلَا يَجُوزُ لُبْسُهُ لِمُحْرِمٍ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا. وَبَحَثَ ابْنُ غَازِيٍّ فِي الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ كَلَامَهُ فِي مَنَاسِكِهِ وَنَحْوِهِ لِلْبَاجِيِّ يُفِيدُ أَنَّ الْجَوَازَ قَوْلٌ لِغَيْرِ الْإِمَامِ لَا رِوَايَةٌ عَنْهُ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ مَنْ لَمْ يَجِدْ مِئْزَرًا فَلَا يَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ وَلَوْ افْتَدَى، وَفِيهِ جَاءَ النَّهْيُ وَنَحْوُهُ فِي النَّوَادِرِ. وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَلْبَسُهُ وَيَفْتَدِي نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ. وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " - ﵄ - قَالَ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ يَخْطُبُ وَيَقُولُ السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْإِزَارَ، وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ» . وَقَالَ مَالِكٌ " - ﵁ - " فِي الْمُوَطَّإِ فِي السَّرَاوِيلِ لَمْ يَبْلُغْنِي هَذَا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي نَصَّ الْإِمَامُ " - ﵁ - " عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْهُ إذَا قَالَ أَهْلُ الصِّنَاعَةِ إنَّهَا صَحَّتْ فَيَجِبُ عَلَى مُقَلِّدِي الْإِمَامِ " - ﵁ - " الْعَمَلُ بِهَا كَهَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ أَذِنَ الْإِمَامُ لِأَهْلِ الْعَوَالِي إذَا وَافَقَ الْعِيدُ الْجُمُعَةَ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ وَابْنَ غَازِيٍّ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلَ الْإِمَامِ مَالِكٍ " - ﵁ - " فِي رِوَايَةِ رَبِيبَةِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى قَالَ سَمِعْت مَالِكًا " - ﵁ - " يَقُولُ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُخْطِئُ وَأُصِيبُ، فَانْظُرُوا فِي رَأْيِي فَمَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَخُذُوا بِهِ، وَمَا لَمْ يُوَافِقْ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ مِنْ ذَلِكَ فَاتْرُكُوهُ اهـ. ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَانَ مَعْنٌ أَشَدَّ النَّاسِ مُلَازَمَةً لِمَالِكٍ " - ﵁ - ". وَقَالَ الرَّازِيّ أَوْثَقُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَثْبَتُهُمْ مَعْنٌ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ ابْنِ نَافِعٍ وَابْنِ وَهْبٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ " - ﵁ - " قَالَ الْحَمِيدِيُّ حَدَّثَنِي مَنْ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهُ وَهُوَ مَعْنٌ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَالْحُمَيْدِيُّ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَغَيْرُهُمْ وَأَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. (وَ) جَازَ (تَظَلُّلٌ بِبِنَاءٍ) كَحَائِطٍ وَسَقْفٍ (وَخِبَاءٍ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَمْدُودًا أَيْ خَيْمَةٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَثْبُتُ إلَّا زَمَنَ وُقُوفِ عَرَفَةَ فَيُكْرَهُ التَّظَلُّلُ مِنْ الشَّمْسِ قَالَهُ فِي الشَّامِلِ، وَلَعَلَّهُ لِتَكْثِيرِ الثَّوَابِ كَاسْتِحْبَابِ الْقِيَامِ بِهِ إلَّا لِتَعِبٍ. الْبُنَانِيُّ مِثْلُهُ فِي الْمَنَاسِكِ وَنَقَلَهُ الْحَطّ عَنْ النَّوَادِرِ وَانْظُرْهُ مَعَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ الْمَنْعُ لَا الْكَرَاهَةُ؛ وَنَصُّهُ مِنْ النَّوَادِرِ وَلَا يَسْتَظِلُّ فِي الْبَحْرِ وَلَا يَوْمَ عَرَفَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا فَيَفْتَدِي. الْمَازِرِيُّ
[ ٢ / ٣٠٦ ]
وَمَحَارَةٍ لَا فِيهَا:
_________________
(١) [منح الجليل] وَابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ الرِّيَاشِيِّ قُلْت لِابْنِ الْمُعَدَّلِ ضَاحِيًا فِي شِدَّةِ حَرٍّ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا فَلَوْ أَخَذْت بِالتَّوْسِعَةِ فَقَالَ: ضَحَّيْت لَهُ كَيْ أَسْتَظِلَّ بِظِلِّهِ إذْ الظِّلُّ أَضْحَى فِي الْقِيَامَةِ قَالِصَا فَيَا أَسَفَا إنْ كَانَ سَعْيُك بَاطِلًا وَيَا حَسَرَتَا إنْ كَانَ حَجُّك نَاقِصَا (وَ) بِ (مَحَارَةٍ) فِي الْقَامُوسِ الْمَحَارَةُ شِبْهُ الْهَوْدَجِ قَالَ وَالْهَوْدَجُ مَرْكَبٌ لِلنِّسَاءِ. عب وَهِيَ الشِّقَّةُ وَمِثْلُهَا الْمُوهِيَةُ تت يَجُوزُ تَظَلُّلُهُ بِالشِّقَّةِ عَلَى الْأَرْضِ وَكَذَا سَائِرَةٌ عب وَكَذَا يَجُوزُ تَحْتَهَا بِأَنْ يَكُونَ دَاخِلَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَارْتَضَاهُ شَيْخُنَا الْبَنَوْفَرِيُّ وَالْقَرَافِيُّ، وَإِنْ قَالَ الْحَطّ إنَّهُ خِلَافُ مَا لِلَّخْمِيِّ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ أَيْضًا يَجُوزُ التَّظَلُّلُ بِالبَلَالِيجِ وَالدُّخُولُ فِيهَا وَهِيَ بُيُوتٌ تُجْعَلُ فِي الْمَرْكَبِ الْكَبِيرِ وَبِشِرَاعِهَا يُوزَنُ كِتَابٌ أَيْ: قَلْعُهَا اهـ. وَيَجُوزُ دُخُولُ الْمُحْرِمِ فِي الْمِحَفَّةِ قِيَاسًا عَلَى الْبَلَالِيجِ وَلَوْ لَمْ يَرْفَعْ الْجُوخَ الَّذِي عَلَيْهَا وَعَلَى مَا لِلَّخْمِيِّ إنْ لَمْ يَكْشِفْ الْمَحَارَةَ افْتَدَى. وَظَاهِرُ كَلَامِهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كَشْفِ جَمِيعِهَا وَفَهِمَهُ بَعْضُهُمْ. وَقَالَ آخَرُ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا فَوْقَهَا دُونَ كَشْفِ جَوَانِبِهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ الِاسْتِظْلَالِ بِجَانِبِ الْمَحَلِّ وَهُوَ جَائِزٌ. فَقَوْلُهُ (لَا فِيهَا) مَعْنَاهُ عَلَى مَا لِابْنِ فَرْحُونٍ لَا يَجُوزُ التَّظَلُّلُ بِشَيْءٍ زَائِدٍ حَالَ كَوْنِهِ فِيهَا أَيْ: الْمَحَارَةِ وَلَوْ مِنْ مَطَرٍ فِيمَا يَظْهَرُ، وَذَلِكَ كَالسَّاتِرِ غَيْرِ الْمُسَمَّرِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْحِمْلِ الْمُغَطَّى. وَأَمَّا مَا سُمِّرَ أَوْ خِيطَ فَيَجُوزُ التَّظَلُّلُ فِيهَا وَهُوَ عَلَيْهَا وَلَا يُطْلَبُ بِنَزْعِهِ إذْ هُوَ أَوْلَى مِنْ الْخَيْمَةِ. وَنَصُّ ابْنِ فَرْحُونٍ إنَّمَا يَضُرُّ مَا غُطِّيَتْ بِهِ، وَأَمَّا مَا عَلَيْهَا مِنْ لَبَدٍ فَلَا يَضُرُّ، وَيَجُوزُ الرُّكُوبُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا كَالْبَيْتِ وَالْخَيْمَةِ انْتَهَى، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ دُخُولِ الْمِحَفَّةِ. وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ الْجُوخَ عَنْهَا وَبَيْنَ الشِّقَّةِ إنْ لَمْ يَرْفَعْ عَنْهَا غَيْرَ الْمُسَمَّرِ أَنَّ الشُّقَّةَ تَقِي الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَالْمَطَرَ بِمُجَرَّدِ مَا سُمِّرَ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الْمِحَفَّةِ فَإِنَّهَا لَا تَقِيهِمَا بِغَيْرِ جَعْلِ الْجُوخِ عَلَيْهَا فَكَأَنَّهُ مُسَمَّرٌ عَلَيْهَا انْتَهَى عب.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
كَثَوْبٍ بِعَصَا، فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ خِلَافٌ.
وَحَمْلٌ لِحَاجَةٍ أَوْ فَقْرٍ بِلَا تَجْرٍ، وَإِبْدَالُ ثَوْبِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَهِيَ الشِّقَّةُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ إحْدَى شِقَّتِي الْمَحْمَلِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْمَحْمَلُ شُقَّتَانِ عَلَى الْبَعِيرِ يُحْمَلُ فِيهِمَا الْعَدِيلَانِ. قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ نَصُّهُ بَعْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي الِاسْتِظْلَالِ بِشَيْءٍ عَلَى الْمَحْمَلِ وَهُوَ فِيهِ بِأَعْوَادٍ قَوْلَانِ، احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ بِأَعْوَادٍ مِمَّا لَوْ كَانَ الْمَحْمَلُ مَقْبِيًّا كَالْمَحَارَةِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْبِنَاءِ وَالْأَخْبِيَةِ، فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ الْحَطّ عَقِبَهُ وَلَهُ وَجْهٌ وَلَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ. وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ فَقَالَ (كَثَوْبٍ) يُرْفَعُ (بِعَصًا) أَيْ: عَلَيْهَا أَوْ عَلَى أَعْوَادٍ فَلَا يَجُوزُ سَاتِرًا اتِّفَاقًا وَلَا نَازِلًا عِنْدَ مَالِكٍ " - ﵁ - "؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ وَالْخِبَاءِ. الْحَطّ هَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا رَبَطَ الثَّوْبَ بِأَوْتَادٍ وَحِبَالٍ حَتَّى صَارَ كَالْخِبَاءِ الثَّابِتِ فَالِاسْتِظْلَالُ بِهِ جَائِزٌ. (فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ) فِي التَّظَلُّلِ فِي الْمَحَارَةِ أَوْ بِثَوْبٍ بِعَصًا وَنَدْبِهَا (خِلَافٌ) تَعَقَّبَهُ الْبِسَاطِيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يُرَ مِنْ شَهْرٍ الْقَوْلَيْنِ تَفْرِيعًا عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ. قُلْت ذَكَرَ فِي مَنَاسِكِهِ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ وُجُوبُهَا. وَنُقِلَ عَنْ مَنَاسِكِ ابْنِ الْحَاجِّ أَنَّ الْأَصَحَّ اسْتِحْبَابُهَا، فَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ هَذَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ لَا فِي الْوُجُوبِ وَالسُّقُوطِ كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ. (وَ) جَازَ لِمُحْرِمٍ (حَمْلٌ) لِخُرْجِهِ أَوْ جِرَابِهِ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ وِقْرِهِ الَّذِي فِيهِ مَتَاعُهُ عَلَى ظَهْرِهِ مَشْدُودًا حَبْلُهُ عَلَى صَدْرِهِ بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمَحْمَلُ (لِحَاجَةٍ) أَيْ احْتِيَاجٍ لِلْحَمْلِ وَلَوْ غَنِيًّا حَيْثُ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ، أَوْ وَجَدَهُ وَلَمْ يَجِدْ أُجْرَةً (أَوْ فَقْرٍ) يَحْمِلُ لِنَفْسِهِ بِسَبَبِهِ حُزْمَةَ حَطَبٍ مَثَلًا يَتَمَعَّشُ بِثَمَنِهَا أَوْ لِغَيْرِهِ بِأُجْرَةٍ لِعَيْشِهِ (بِلَا تَجْرٍ) وَلَا يَجُوزُ لِحَمْلِهِ لِغَيْرِهِ لِغَيْرِ عَيْشِهِ وَلَوْ تَطَوُّعًا وَلَا غَنِيٌّ لِنَفْسِهِ بُخْلًا بِأُجْرَتِهِ، فَإِنْ حَمَلَ افْتَدَى. أَشْهَبُ مَا لَمْ يَكُنْ تَجْرُهُ لِعَيْشِهِ كَالْعَطَّارِ الْمُصَنِّفِ فِي مَنْسَكِهِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَقْيِيدٌ وَكَلَامُ ابْنِ بَشِيرٍ يُفِيدُ أَنَّهُ خِلَافٌ. (وَ) جَازَ (إبْدَالُ) جِنْسِ (ثَوْبِهِ) أَيْ الْمُحْرِمِ الَّذِي أَحْرَمَ فِيهِ مِنْ إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَلَوْ تَعَدَّدَ أَوْ نَوَى بِذَلِكَ طَرْحَ الدَّوَابِّ الَّتِي فِيهِ إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شُعُوثَةُ لِبَاسِهِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ
[ ٢ / ٣٠٨ ]
أَوْ بَيْعُهُ، بِخِلَافِ غَسْلِهِ، إلَّا لِنَجَسٍ فَبِالْمَاءِ فَقَطْ، وَبَطُّ جُرْحِهِ، وَحَكُّ مَا خَفِيَ
_________________
(١) [منح الجليل] مَالِكًا " - ﵁ - " رَأَى نَزْعَ ثَوْبِهِ بِقَمْلِهِ بِمَثَابَةِ مَنْ ارْتَحَلَ مِنْ بَيْتٍ وَأَبْقَاهُ بِبَقِّهِ حَتَّى مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ. وَأَمَّا نَقْلُ الدَّوَابِّ إلَى الثَّوْبِ الَّذِي يُرِيدُ طَرْحَهُ مِنْ جَسَدِهِ أَوْ ثَوْبِهِ الَّذِي عَلَيْهِ فَهُوَ كَطَرْحِهَا (أَوْ بَيْعُهُ) أَيْ ثَوْبِ الْمُحْرِمِ وَلَوْ لِإِذَايَةِ قَمْلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. وَقَالَ سَحْنُونٌ إنَّهُ كَطَرْدِ الصَّيْدِ مِنْ الْمُحْرِمِ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ طَرْدَ الصَّيْدِ إخْرَاجٌ لِغَيْرِ مَأْمَنٍ، وَالْقَمْلُ يَجُوزُ قَتْلُهُ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَبَعْدَهُ. مَالِكٌ " - ﵁ - " لَا بَأْسَ أَنْ يَنْقُلَ الْقَمْلَةَ مِنْ مَكَان مِنْ بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ إلَى مَكَان آخَرَ مِنْهُ وَإِنْ سَقَطَتْ مِنْ رَأْسِهِ قَمْلَةٌ فَلْيَدَعْهَا وَلَا يَرُدَّهَا فِي مَكَانِهَا. وَسُئِلَ مَالِكٌ " - ﵁ - " عَنْ الْمُحْرِمِ يَجِدُ عَلَيْهِ الْبَقَّةَ وَمَا أَشْبَهَهَا فَيَأْخُذُهَا فَتَمُوتُ قَالَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي هَذَا. (بِخِلَافِ غَسْلِهِ) أَيْ: ثَوْبِ الْمُحْرِمِ لِغَيْرِ نَجَاسَةٍ بَلْ لِتَرَفُّهٍ أَوْ وَسَخٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَيُكْرَهُ عَلَى ظَاهِرِهَا حَيْثُ شَكَّ فِي قَمْلِهِ، قَالَ قَتَلَ شَيْئًا أَخْرَجَ مَا فِيهِ فَإِنْ تَحَقَّقَ قَمْلُهُ مُنِعَ غَسْلَهُ لِمَا ذُكِرَ فَإِنْ غَسَلَهُ وَقَتَلَ شَيْئًا أَخْرَجَ مَا فِيهِ (إلَّا) غَسْلَهُ (لِنَجَسٍ) أَصَابَهُ (فَ) يَجُوزُ (بِالْمَاءِ فَقَطْ) لَا بِنَحْوِ صَابُونٍ. وَلَوْ شَكَّ فِي قَمْلِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ حِينَئِذٍ كَمَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ. وَفِي الطِّرَازِ يُنْدَبُ إطْعَامُهُ وَلَا يَجُوزُ بِنَحْوِ صَابُونٍ فَإِنْ غَسَلَهُ بِهِ وَقَتَلَ شَيْئًا أَخْرَجَ وَاجِبَهُ. فَإِنْ تَحَقَّقَ نَفْيُ قَمْلِهِ جَازَ مُطْلَقًا وَلَوْ بِنَحْوِ صَابُونٍ لِغَيْرِ نَجَاسَةٍ. الْبُنَانِيُّ صَرَّحَتْ الْمُدَوَّنَةُ بِكَرَاهَةِ غَسْلِهِ لِغَيْرِ نَجَاسَةٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ: إنَّهَا عَلَى بَابِهَا وَتَعَقَّبَا بِذَلِكَ ظَاهِرَ ابْنِ الْحَاجِبِ الَّذِي هُوَ كَظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ. الْحَطّ ظَاهِرُ الطِّرَازِ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْكَرَاهَةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَلَيْهِ فَيَسْقُطُ تَعَقُّبُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَ) جَازَ ب (بَطُّ جُرْحِهِ) أَيْ: فَتْحُهُ وَإِخْرَاجُ مَا فِيهِ بِعَصْرٍ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا وَضْعُ لَزْقَةٍ عَلَيْهِ وَمِثْلُهُ الدُّمَّلُ وَنَحْوُهُ لِحَاجَتِهِ لَهُ (وَ) جَازَ (حَكُّ مَا خَفِيَ) عَلَيْهِ مِنْ جَسَدِهِ كَرَأْسِهِ
[ ٢ / ٣٠٩ ]
بِرِفْقٍ، وَفَصْدٌ إنْ لَمْ يَعْصِبْهُ، وَشَدُّ مِنْطَقَةٍ لِنَفَقَتِهِ عَلَى جِلْدِهِ، وَإِضَافَةُ نَفَقَةِ غَيْرِهِ، وَإِلَّا فَفِدْيَةٌ: كَعَصْبِ جُرْحِهِ أَوْ رَأْسِهِ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَظَهْرِهِ (بِرِفْقٍ) يَأْمَنُ مَعَهُ قَتْلَ الدَّوَابِّ وَطَرْحَهَا وَكُرِهَ بِشِدَّةٍ وَأَمَّا مَا يَرَاهُ فَلَهُ حَكُّهُ وَإِنْ أَدْمَاهُ (وَ) جَازَ (فَصْدٌ) لِحَاجَةٍ كَمَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالْمُدَوَّنَةِ وَإِلَّا كُرِهَ (إنْ لَمْ يَعْصِبْهُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ فَإِنْ عَصَبَهُ وَلَوْ لِضَرُورَةٍ افْتَدَى. (وَ) جَازَ (شَدُّ مِنْطَقَةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الطَّاءِ ابْنُ فَرْحُونٍ أَيْ: هِمْيَانٍ مِثْلِ الْكِيسِ تُجْعَلُ الدَّرَاهِمُ فِيهِ وَشَدُّهَا جَعْلُ سُيُورِهَا فِي ثُقْبِهَا أَوْ فِيمَا يُقَالُ لَهُ إبْزِيمٌ، رَوَى الْبَاجِيَّ مُسَاوَاةَ كَوْنِهَا مِنْ جِلْدٍ أَوْ خُرْقٍ فَإِنْ عَقَدَهَا افْتَدَى وَشَرْطُ جَوَازِ شَدِّهَا كَوْنُهُ (لِنَفَقَتِهِ عَلَى جِلْدِهِ) أَيْ الْمُحْرِمِ تَحْتَ إزَارِهِ، وَالْهِمْيَانُ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ. ابْنُ حَجَرٍ يُشْبِهُ تِكَّةَ السَّرَاوِيلِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لَا بَأْسَ بِرَبْطِ مِنْطَقَتِهِ تَحْتَ إزَارِهِ وَجَعْلِ سُيُورِهَا فِي ثُقْبِهَا. (وَ) جَازَ (إضَافَةُ نَفَقَةِ غَيْرِهِ) لِنَفَقَتِهِ الَّتِي فِي مِنْطَقَتِهِ الَّتِي شَدَّهَا عَلَى جِلْدِهِ، بِأَنْ يُودِعَهُ رَجُلٌ نَفَقَتَهُ بَعْدَ شَدِّهَا لِنَفَقَةِ نَفْسِهِ فَيَجْعَلُهَا مَعَهَا بِلَا مُوَاطَأَةٍ عَلَى الْإِضَافَةِ قَبْلَ شَدِّهَا وَرُبَّمَا يَدُلُّ لَهُ كَلَامُهَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْمُوَاطَأَةَ عَلَى الْمَمْنُوعِ مَمْنُوعَةٌ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَشُدَّهَا لِنَفَقَتِهِ بِأَنْ شَدَّهَا فَارِغَةً أَوْ لِمَالِ تِجَارَةٍ أَوْ لَهُ وَلِنَفَقَتِهِ أَوْ فَوْقَ إزَارِهِ أَوْ لِنَفَقَةِ غَيْرِهِ أَوْ تَجْرِ غَيْرِهِ، أَوْ لِنَفَقَتِهِ وَإِضَافَةُ تَجْرِ غَيْرِهِ أَوْ شَدُّهَا لِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ غَيْرِهِ مَعًا ابْتِدَاءً، أَوْ شَدُّهَا مُجَرَّدَةً عَنْ قَصْدِهِ (فَفِدْيَةٌ) فِي هَذِهِ الصُّوَرِ وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ أُمُورًا جَائِزَةً فَقَالَ (كَعَصْبِ جُرْحِهِ أَوْ رَأْسِهِ) لَعَلَّهُ بِخِرْقَةٍ وَلَوْ صَغِيرَةً؛ لِأَنَّ الْعَصْبَ مَظِنَّةُ الْكِبَرِ. وَفَصَلَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي الْعَصْبِ بَيْنَ الْخِرَقِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ كَمَا فِي اللَّصْقِ. وَفَرَّقَ التُّونُسِيُّ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْعَصْبَ وَالرَّبْطَ أَشَدُّ مِنْ اللَّصْقِ إذْ لَا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ حُصُولِ شَيْءٍ عَلَى الْجِسْمِ الصَّحِيحِ بِخِلَافِ اللَّصْقِ، وَلِذَا صَرَّحَ فِيهَا بِأَنَّ صَغِيرَ خِرَقِ الْعَصْبِ وَالرَّبْطِ كَكَبِيرِهَا.
[ ٢ / ٣١٠ ]
أَوْ لَصْقِ خِرْقَةٍ: كَدِرْهَمٍ أَوْ لَفِّهَا عَلَى ذَكَرٍ، أَوْ قُطْنَةٍ بِأُذُنَيْهِ، أَوْ قِرْطَاسٍ بِصُدْغَيْهِ، أَوْ تَرْكِ ذِي نَفَقَةٍ ذَهَبَ؛ أَوْ رَدِّهَا لَهُ.
وَلِمَرْأَةٍ خَزٌّ وَحُلِيٌّ وَكُرِهَ شَدُّ نَفَقَتِهِ بِعَضُدِهِ أَوْ فَخِذِهِ،
_________________
(١) [منح الجليل] أَوْ لَصْقِ خِرْقَةٍ) عَلَى جُرْحِهِ أَوْ رَأْسِهِ (كَدِرْهَمٍ) بِغَلْيٍ بِمَوْضِعٍ أَوْ مَوَاضِعَ لَوْ جُمِعَتْ كَانَتْ قَدْرَهُ. وَظَاهِرُ التَّوْضِيحِ وَابْنِ الْحَاجِبِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي جَمْعِهِ مِنْ مَوَاضِعَ وَلَا فِدْيَةَ فِي لَصْقِ خِرْقَةٍ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ. ابْنُ عَاشِرٍ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ خَاصٌّ بِجِرَاحِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُمَا اللَّذَانِ يَجِبُ كَشْفُهُمَا كَمَا عَلَّلَ بِهِ التُّونُسِيُّ (أَوْ لَفِّهَا) أَيْ: الْخِرْقَةِ (عَلَى ذَكَرٍ) لِمَنْعِ مَنِيٍّ أَوْ مَذْيٍ أَوْ وَدْيٍ أَوْ بَوْلٍ مِنْ وُصُولِهِ لِثَوْبٍ، بِخِلَافِ جَعْلِ ذَكَرِهِ فِيهَا عِنْدَ نَوْمِهِ بِلَا لَفٍّ فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ، فَإِنْ جَعَلَهُ فِي كِيسٍ فَالْفِدْيَةُ بِالْأَوْلَى. (أَوْ) جَعْلِ (قُطْنَةٍ) وَلَوْ بِلَا طِيبٍ أَوْ صَغِيرَةً (بِأُذُنَيْهِ) أَوْ إحْدَاهُمَا، وَعُورِضَ هَذَا بِعَدَمِ الْفِدْيَةِ بِلَصْقِ خِرْقَةٍ دُونَ دِرْهَمٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا لِعِظَمِ النَّفْعِ بِهِ أُعْطِيَ حُكْمَ الْكَبِيرِ (أَوْ قِرْطَاسٍ بِصُدْغَيْهِ) أَوْ بِوَاحِدٍ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ، وَلَعَلَّ نُكْتَةَ ذِكْرِهِ كَوْنُ حُكْمِهِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْكِبَرِ لِعِظَمِ نَفْعِهِ (أَوْ تَرْكِ ذِي) أَيْ: صَاحِبِ (نَفَقَةٍ) مُضَافَةٍ لِنَفَقَتِهِ فِي مِنْطَقَتِهِ الْمَشْدُودَةِ عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى (ذَهَبَ) بَعْدَ فَرَاغِ نَفَقَتِهِ وَلَمْ يَرُدَّهَا لَهُ عَالِمًا بِإِرَادَتِهِ الذَّهَابَ وَأَبْقَى الْمِنْطَقَةَ مَشْدُودَةً عَلَى جِلْدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَهَابِهِ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ هُنَا أَنَّ عَدَمَ إضَافَتِهَا لِنَفَقَتِهِ مَالًا كَعَدَمِ إضَافَتِهَا لَهَا ابْتِدَاءً (أَوْ) تَرْكِ (رَدِّهَا) أَيْ: نَفَقَةِ الْغَيْرِ (لَهُ) وَإِبْقَائِهَا عَلَى جِلْدِهِ بَعْدَ فَرَاغِ نَفَقَتِهِ وَهُوَ حَاضِرٌ مَعَهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. (وَ) جَازَ (لِلْمَرْأَةِ خَزٌّ) أَيْ لُبْسُهُ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ وَكَذَا حَرِيرٌ فَحُكْمُهَا فِي اللِّبَاسِ حُكْمُهَا حَلَالًا إلَّا فِي وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا عَلَى مَا سَبَقَ (وَحُلِيٌّ) يَشْمَلُ الْخَوَاتِمَ فَلَهَا لُبْسُهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ وَإِنْ سَتَرَتْ بَعْضَ أَصَابِعِهَا نَقَلَهُ الْحَطّ ضِدُّ قَوْلِهِ كَخَاتَمٍ خِلَافًا لِابْنِ عَاشِرٍ. (وَكُرِهَ) وَبِضَمٍّ فَكَسْرٍ (شَدُّ نَفَقَتِهِ) الَّتِي فِي مِنْطَقَتِهِ (بِعَضُدِهِ أَوْ فَخِذِهِ) أَوْ سَاقِهِ
[ ٢ / ٣١١ ]
وَكَبُّ رَأْسٍ عَلَى وِسَادَةٍ، وَمَصْبُوغٌ لِمُقْتَدًى بِهِ، وَشَمٌّ كَرَيْحَانٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَلَا فِدْيَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (وَ) كُرِهَ (كَبُّ رَأْسٍ عَلَى وِسَادَةٍ)؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ التَّرَفُّهِ وَصَوَابُهُ إبْدَالُ رَأْسٍ بِوَجْهٍ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ اسْمَ الرَّأْسِ يُطْلَقُ عَلَى الْعُضْوِ بِتَمَامِهِ فَهِيَ مِنْ تَسْمِيَةِ الْجُزْءِ الَّذِي هُوَ الْوَجْهُ بِاسْمِ كُلِّهِ، وَلَا يَخْتَصُّ الْكُرْهُ بِالْمُحْرِمِ لِقَوْلِ الْجُزُولِيِّ النَّوْمُ عَلَى الْوَجْهِ نَوْمُ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ النَّارِ وَالشَّيْطَانِ، وَلَا بَأْسَ بِوَضْعِ خَدِّ الْمُحْرِمِ عَلَيْهَا وَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ شَاسٍ بِتَوَسُّدِهِ جَائِزٌ. (وَ) كُرِهَ (مَصْبُوغٌ) بِعُصْفُرٍ وَنَحْوَهُ مِمَّا لَا طِيبَ فِيهِ، وَيُشْبِهُ لَوْنُهُ لَوْنَ الْمَصْبُوغِ بِالطِّيبِ كَالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ (لِ) مُحْرِمٍ (مُقْتَدًى بِهِ) مِنْ إمَامٍ وَعَالِمٍ وَحَاكِمٍ غَيْرِ مُقَدَّمٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، فَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا وَهُوَ الَّذِي صُبِغَ بِالْعُصْفُرِ مِرَارًا حَتَّى صَارَ ثَخِينًا قَوِيًّا شَدِيدَ الْحُمْرَةِ فَيَحْرُمُ لُبْسُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَفِيهِ الْفِدْيَةُ كَالْمُطَيَّبِ. وَكُرِهَ الْمَصْبُوغُ بِقَيْدِهِ لِلْمُقْتَدَى بِهِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ الْجَاهِلُ بِفِعْلِهِ إلَى لُبْسِ الْمُطَيَّبِ تَأَسِّيًا بِالْمُقْتَدَى بِهِ لِظَنِّهِ أَنَّ مَلْبُوسَهُ مُطَيَّبٌ وَأَنَّهُ جَائِزٌ، وَالتَّقْيِيدُ بِمَا يُشْبِهُ لَوْنُهُ لَوْنَ الْمَصْبُوغِ بِالطِّيبِ لِإِخْرَاجِ مَا لَا يُشْبِهُ لَوْنُهُ لَوْنَ الطِّيبِ كَالْأَسْوَدِ وَالْأَخْضَرِ فَيَجُوزُ لُبْسُهُ لِلْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ مُقْتَدًى بِهِ، خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ التِّلِمْسَانِيِّ وَالْقَرَافِيِّ مِنْ كَرَاهَةِ مَا سِوَى الْأَبْيَضِ لِمُقْتَدًى بِهِ. وَتَقْيِيدُنَا الْكَرَاهَةَ بِالْإِحْرَامِ لِإِخْرَاجِ غَيْرِ الْمُحْرِمِ فَيَجُوزُ لَهُ لُبْسُ الْمُزَعْفَرِ وَالْمُورِسِ وَالْمُعَصْفَرِ غَيْرِ الْمُقَدَّمِ. وَأَمَّا الْمُقَدَّمُ فَصَرَّحَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - ﵁ - " بِكَرَاهَتِهِ لِلرِّجَالِ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَخَبَرُ نَهْيٍ عَنْ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ حَمَلَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ " - ﵁ - " عَلَى تَلْطِيخِ الْجَسَدِ بِزَعْفَرَانٍ. اللَّخْمِيُّ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ كُلَّهَا وَالْعِمَامَةَ بِالزَّعْفَرَانِ. (وَ) كُرِهَ (شَمٌّ كَرَيْحَانٍ) مِنْ كُلِّ طِيبٍ مُذَكَّرٍ وَهُوَ مَا لَهُ رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ وَلَا يَتَعَلَّقُ أَثَرُهُ بِمَاسِّهِ كَيَاسَمِينٍ وَوَرْدٍ، وَكَذَا شَمُّ مُؤَنَّثِهِ بِلَا مَسٍّ بِالْأَوْلَى وَهُوَ مَا لَهُ رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ وَيَتَعَلَّقُ أَثَرُهُ بِمَاسِّهِ تَعَلَّقَا شَدِيدًا كَالزَّبَدِ وَالْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ.
[ ٢ / ٣١٢ ]
وَمُكْثٌ بِمَكَانٍ بِهِ طِيبٌ، وَاسْتِصْحَابُهُ
_________________
(١) [منح الجليل] (وَ) كُرِهَ (مُكْثٌ بِمَكَانٍ بِهِ طِيبٌ) مُؤَنَّثٌ (وَ) كَذَا يُكْرَهُ (اسْتِصْحَابُهُ) أَيْ: الطِّيبُ الْمُؤَنَّثُ وَسَيَذْكُرُ حُرْمَةَ مَسِّهِ بِقَوْلِهِ وَتَطَيُّبٌ بِكَوْرَسٍ، وَلَا يُكْرَهُ مُكْثٌ بِمَكَانٍ بِهِ طِيبٌ مُذَكَّرٌ بِحَيْثُ لَا يَشُمُّهُ وَلَا يُكْرَهُ اسْتِصْحَابُهُ وَلَا مَسُّهُ بِغَيْرِ شَمٍّ، وَهَذِهِ مَفْهُومُهُ مِنْ قَوْلِهِ شَمٌّ، فَأَقْسَامُ الْمُؤَنَّثِ أَرْبَعَةٌ ثَلَاثَةٌ مَكْرُوهَةٌ وَهِيَ شَمُّهُ بِلَا مَسٍّ وَاسْتِصْحَابُهُ وَالْمُكْثُ بِمَكَانِهِ وَوَاحِدٌ مُحَرَّمٌ وَهُوَ مَسُّهُ. وَأَقْسَامُ الْمُذَكَّرِ أَرْبَعَةٌ ثَلَاثَةٌ جَائِزَةٌ وَهِيَ الْمُكْثُ بِمَكَانِهِ وَاسْتِصْحَابُهُ وَمَسُّهُ بِلَا شَمٍّ، وَوَاحِدٌ مَكْرُوهٌ وَهُوَ شَمُّهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَمُكْثٌ بِمَكَانٍ بِهِ طِيبٌ الْبَيْتُ الشَّرِيفُ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَ مِنْهُ قُرْبَةٌ وَمَا تَقَدَّمَ فِي تَعْرِيفِ الطِّيبِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ قَالَهُ تت هُنَا. وَذَكَرَ فِي كِفَايَةِ الطَّالِبِ عِنْدَ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَتَجْتَنِبُ أَيْ: الْمُعْتَدَّةُ الطِّيبَ كُلَّهُ مُذَكَّرَهُ وَهُوَ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَتْ رَائِحَتُهُ كَالْوَرْدِ، وَمُؤَنَّثَهُ وَهُوَ مَا خَفِيَ لَوْنُهُ وَظَهَرَتْ رَائِحَته كَالْمِسْكِ انْتَهَى، وَهُوَ أَقْرَبُ مِمَّا لتت. وَقَوْلُهُ فِي الْمُذَكَّرِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ أَيْ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْهُ ذَلِكَ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْوَرْدَ لَهُ رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ. قَوْلُهُ فِي الْمُؤَنَّثِ مَا خَفِيَ لَوْنُهُ أَيْ: الْغَالِبُ خَفَاءُ لَوْنِهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ كَالزَّعْفَرَانِ. وَقَوْلُهُ وَظَهَرَتْ رَائِحَتُهُ أَيْ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْهُ ظُهُورُهَا كَالْمِسْكِ أَفَادَهُ عبق. الْبُنَانِيُّ كَوْنُ شَمِّ الْمُؤَنَّثِ مَكْرُوهًا كَشَمِّ الْمُذَكَّرِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، لَكِنَّ اقْتِصَارَ الْمُصَنِّفِ عَلَى كَرَاهَةِ شَمِّ الْمُذَكَّرِ بِمَا يَقْتَضِي حُرْمَةَ شَمِّ الْمُؤَنَّثِ، وَعَزَاهُ الْبَاجِيَّ لِلْمَذْهَبِ. الْقَلْشَانِيُّ اُخْتُلِفَ فِي شَمِّ الْمُؤَنَّثِ كَالْمِسْكِ دُونَ مَسٍّ هَلْ هُوَ مَمْنُوعٌ أَوْ مَكْرُوهٌ، وَعَنْ الْبَاجِيَّ الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَابْنُ الْقَصَّارِ قَالَ بِالثَّانِي وَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَنَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَوْنِ شَمِّهِ أَيْ الْمُؤَنَّثِ دُونَ مَسِّهِ مَمْنُوعًا أَوْ مَكْرُوهًا نَقْلًا الْبَاجِيَّ عَنْ الْمُذَهَّبِ وَابْنِ الْقَصَّارِ. قُلْت هَذَا نَصُّهَا قَوْلُهُ وَلَا مَسُّهُ بِغَيْرِ شَمٍّ إلَخْ يَعْنِي لَا كَرَاهَةَ فِي مَسِّ الْمُذَكَّرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَشَمِّهِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِكَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِهِ كَمَا فِي الْحَطّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، بَلْ يُقَيَّدُ بِغَيْرِ الْحِنَّاءِ لِمَا يَأْتِي فِيهَا. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْمُذَكَّرُ قِسْمَانِ قِسْمٌ مَكْرُوهٌ وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ كَرَيْحَانٍ، وَقِسْمٌ مُحَرَّمٌ وَفِيهِ فِدْيَةٌ وَهُوَ الْحِنَّاءُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
[ ٢ / ٣١٣ ]
وَحِجَامَةٌ بِلَا عُذْرٍ، وَغَمْسُ رَأْسٍ
_________________
(١) [منح الجليل] قَوْلُهُ وَمَا تَقَدَّمَ فِي تَعْرِيفِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ قَالَهُ تت، هَذَا هُوَ الَّذِي فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ وَغَيْرِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ كِفَايَةِ الطَّالِبِ هُوَ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى اللُّغَةِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ ذُكُورَةُ الطِّيبِ مَا لَيْسَ لَهُ رَدْغٌ أَيْ: مَا لَيْسَ لَهُ أَثَرٌ، وَقَالَ فِيهِ الرَّدْغُ أَثَرُ الطِّيبِ فِي الْجَسَدِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُؤَنَّثَ مَا لَهُ رَدْغٌ أَيْ: أَثَرٌ إلَّا أَنَّ جَعْلَهُمْ الْحِنَّاءَ مِنْ الْمُذَكَّرِ مَعَ أَنَّ لَهَا رَدْغًا فِي الْجَسَدِ يُخَالِفُ اللُّغَةَ. هَذَا وَفِي الْحَدِيثِ عَنْهُ - ﷺ - «أَنَّ خَيْرَ طِيبِ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَخَيْرَ طِيبِ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ»، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. وَفَسَّرَ ابْنُ حَجَرٍ طِيبَ الرِّجَالِ بِالْمِسْكِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ قَالَ ابْنُ وَحْشِيٍّ فِي شَرْحِ الشِّهَابِ طِيبُ الرِّجَالِ كَالْمِسْكِ يَشْتَرِكُ فِي مَنْفَعَتِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ إلَّا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى النِّسَاءِ عِنْدَ الْخُرُوجِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَطِيبُ النِّسَاءِ هُوَ الَّذِي تَتَزَيَّنُ بِهِ الْمَرْأَةُ لِلزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ مِثْلُ الْكُحْلِ لِلْعَيْنِ وَحُمْرَةِ الْعُصْفُرِ لِلْوَجْهِ وَالسَّوَادِ لِلْحَاجِبَيْنِ، وَهُوَ أَمْرٌ تَنْفَرِدُ بِهِ النِّسَاءُ اهـ. وَفِيهِ إضَافَةُ الْمُؤَنَّثِ لِلرِّجَالِ وَالْمُذَكَّرِ لِلنِّسَاءِ وَالْمُتَّجَهُ أَنَّ مَا لِلْفُقَهَاءِ اصْطِلَاحٌ خَاصٌّ بِبَابِ الْحَجِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَ) كُرِهَ (حِجَامَةٌ بِلَا عُذْرٍ) خِيفَةَ قَتْلِ الدَّوَابِّ فَإِنْ تَحَقَّقَ نَفْيُهَا فَلَا تُكْرَهُ بِلَا عُذْرٍ وَتَقَيُّدُ الْكَرَاهَةِ أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ يَزُلْ بِسَبَبِهَا شَعْرٌ وَإِلَّا حُرِّمَتْ بِلَا عُذْرٍ وَافْتَدَى كَانَتْ لِعُذْرٍ أَمْ لَا انْتَهَى عب. الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ وَاَلَّذِي فِي الْحَطّ أَنَّ الْحِجَامَةَ بِلَا عُذْرٍ تُكْرَهُ مُطْلَقًا خَشِيَ قَتْلَ الدَّوَابِّ أَمْ لَا زَالَ بِسَبَبِهَا شَعْرٌ أَمْ لَا. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَمَّا لِعُذْرٍ فَتَجُوزُ مُطْلَقًا هَذَا هُوَ الْحُكْمُ ابْتِدَاءً. وَأَمَّا الْفِدْيَةُ فَتَجِبُ إنْ أَزَالَ شَعْرًا أَوْ قَتَلَ قَمْلًا كَثِيرًا وَالْقَلِيلُ فِيهِ الْإِطْعَامُ، وَسَوَاءٌ احْتَجَمَ لِعُذْرٍ أَمْ لَا إلَّا أَنَّ لُزُومَ الْفِدْيَةِ إذَا احْتَجَمَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَزَالَ الشَّعْرُ، فَالْكَرَاهَةُ حِينَئِذٍ مُشْكِلَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَ) كُرِهَ (غَمْسُ رَأْسٍ) فِي الْمَاءِ خِيفَةَ قَتْلِ الدَّوَابِّ فَإِنْ فَعَلَ أَطْعَمَ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَاعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ إسْقَاطَهُ لِكَلَامِهَا وَمِثْلُهُ عَلَى الْمُصَنِّفِ
[ ٢ / ٣١٤ ]
أَوْ تَجْفِيفُهُ، بِشِدَّةٍ، وَنَظَرٌ بِمِرْآةٍ، وَلُبْسُ امْرَأَةٍ قَبَاءً مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِمَا دُهْنُ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ وَإِنْ صَلَعًا وَإِبَانَةُ ظُفْرٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ
_________________
(١) [منح الجليل] وَانْظُرْ هَلْ الْإِطْعَامُ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ مَكْرُوهٌ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْإِطْعَامَ فِي الْحِجَامَةِ وَلَا فِي تَجْفِيفِ الرَّأْسِ بِشِدَّةٍ، مَعَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِمَا خِيفَةُ قَتْلِ الدَّوَابِّ، وَقَيَّدَ اللَّخْمِيُّ الْكَرَاهَةَ بِمَا إذَا كَانَتْ لَهُ وَفْرَةٌ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ. وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ وَغَمْسُ بِأَنَّ صَبَّ الْمَاءِ عَلَيْهِ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى. عب قَوْلُهَا فَإِنْ فَعَلَ أَطْعَمَ إلَخْ اسْتَدَلَّ بِهِ طفي عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهَا لِلتَّحْرِيمِ، قَالَ إذْ لَا إطْعَامَ فِي كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَقَوْلَ صَاحِبِ الطِّرَازِ بِالِاسْتِحْبَابِ خِلَافُهَا انْتَهَى الْبُنَانِيُّ. قُلْت لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ حَمَلَ الْإِطْعَامَ فِيهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ تَبَعًا لِلطِّرَازِ وَحِينَئِذٍ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى التَّحْرِيمِ. قَوْلُهُ وَانْظُرْ هَلْ الْإِطْعَامُ إلَخْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ سَنَدًا حَمَلَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ (أَوْ تَجْفِيفُهُ) أَيْ: الرَّأْسِ بِخِرْقَةٍ بَعْدَ غَمْسِهِ فِي الْمَاءِ (بِشِدَّةٍ) خِيفَةَ قَتْلِ الدَّوَابِّ، قَالَ مَالِكٌ " - ﵁ - " وَلَكِنْ يُحَرِّكُهُ بِيَدِهِ. (وَ) كُرِهَ (نَظَرٌ بِمِرْآةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ مَمْدُودًا أَيْ: الْآلَةُ الَّتِي يُرَى بِهَا الْوَجْهُ خِيفَةَ أَنْ يَرَى شَعَثًا فَيُزِيلُهُ (وَ) كُرِهَ (لُبْسُ امْرَأَةٍ قَبَاءً مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهَا مُحْرِمَةً أَوْ حُرَّةً مَظِنَّةَ أَنْ يَصِفَ عَوْرَتَهَا. (وَ) حَرُمَ (عَلَيْهِمَا) أَيْ: الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ (دَهْنُ اللِّحْيَةِ وَ) شَعْرِ (الرَّأْسِ) أَيْ تَسْرِيحُهُمَا بِالدُّهْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ الزِّينَةِ إنْ كَانَ الرَّأْسُ تَامَّ الشَّعْرِ بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الرَّأْسُ (صَلَعًا) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ أَيْ ذَا صَلَعٍ أَيْ: خُلُوُّ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ مِنْ الشَّعْرِ أَوْ بِسُكُونِ اللَّامِ مَمْدُودًا، وَصَحَّ الْإِخْبَارُ بِهِ وَهُوَ مُؤَنَّثٌ عَنْ الرَّأْسِ وَهُوَ مُذَكَّرٌ بِتَأْوِيلِهِ بِالْهَامَةِ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ. (وَ) حَرُمَ عَلَيْهِمَا (إبَانَةُ) أَيْ إزَالَةُ (ظُفْرٍ) لِغَيْرِ عُذْرٍ فَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ آنِفًا انْكَسَرَ (أَوْ) إزَالَةُ (شَعْرٍ) وَلَوْ قَلَّ بِنَتْفٍ أَوْ حَلْقٍ أَوْ نَوْرَةٍ أَوْ قَرْضٍ بِأَسْنَانٍ (أَوْ)
[ ٢ / ٣١٥ ]
وَسَخٍ إلَّا غَسْلَ يَدَيْهِ بِمُزِيلِهِ، وَتَسَاقُطُ شَعْرٍ لِوُضُوءٍ أَوْ رُكُوبٍ، وَدَهْنُ الْجَسَدِ كَكَفٍّ وَرِجْلٍ بِمُطَيِّبٍ أَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، وَلَهَا قَوْلَانِ، اُخْتُصِرَتْ عَلَيْهِمَا،
_________________
(١) [منح الجليل] إزَالَةُ (وَسَخٍ) إلَّا مَا تَحْتَ الظُّفْرِ وَلَا فِدْيَةَ رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - (إلَّا غَسْلَ يَدَيْهِ) مِنْ وَسَخٍ (بِمُزِيلِهِ) أَيْ: الْوَسَخِ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا مِنْ صَابُونِ غَيْرِهِ مُطَيَّبٍ أَوْ طَفْلٍ أَوْ خِطْمِيٍّ أَيْ: بِزْرِ خُبَّيْزَى أَوْ حُرُضِيٍّ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ أَوْ سُكُونِهَا وَإِعْجَامِ الضَّادِ أَيْ: إشْنَانٌ بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِهِ لُغَةً، وَقَالَ سَنَدٌ الْحُرُضُ هُوَ الْغَاسُولُ. (وَ) إلَّا (تَسَاقَطَ شَعْرٌ) وَلَوْ كَثُرَ مِنْ رَأْسِهِ أَوْ مِنْ لِحْيَتِهِ أَوْ أَنْفِهِ (لِوُضُوءٍ) أَوْ غُسْلٍ وَاجِبَيْنِ أَوْ مَنْدُوبَيْنِ أَوْ غُسْلٍ مَسْنُونٍ وَلَا شَيْءَ فِيمَا قَتَلَهُ فِي وَاجِبٍ، وَكَذَا فِي مَسْنُونٍ أَوْ مَنْدُوبٍ عَلَى الظَّاهِرِ وَلَوْ كَثُرَ، وَيَجُوزُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ لِتَبَرُّدٍ وَلَوْ تَسَاقَطَ فِيهِ شَعْرٌ، فَإِنْ قَتَلَ فِيهِ كَثِيرًا افْتَدَى وَإِنْ قَلَّ فَفِيهِ قَبْصَةٌ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَهُوَ الْأَخْذُ بِأَطْرَافِ الْأَنَامِلِ مِنْ طَعَامٍ (أَوْ) تَسَاقَطَ شَعْرٌ مِنْ سَاقِهِ ل (رُكُوبٍ) فَحَلَفَهُ الْإِكَافُ أَوْ السَّرْجُ. (وَ) حَرُمَ عَلَيْهِمَا (دَهْنُ الْجَسَدِ) أَيْ: مَا عَدَا بَطْنِ الْكَفِّ وَالرِّجْلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مُشَبِّهًا فِي الْمَنْعِ (كَ) دَهْنِ بَطْنِ (كَفٍّ وَرِجْلٍ) وَظَاهِرُهُمَا دَخَلَ فِي الْجَسَدِ، وَنَصَّ عَلَيْهِمَا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّرْخِيصِ فِي دَهْنِهِمَا (بِطِيبٍ) رَاجِعٌ لِلْجَسَدِ وَمَا بَعْدَهُ، وَمُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ وَافْتَدَى فِي دَهْنِهِمَا (بِمُطَيِّبٍ) رَاجِعٌ لِلْجَسَدِ وَمَا بَعْدَهُ، وَمُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: وَافْتَدَى فِي دَهْنِهِمَا بِمُطَيِّبٍ مُطْلَقًا عَنْ التَّقْيِيدِ بِعَدَمِ الْعُذْرِ (أَوْ) بِغَيْرِ مُطَيِّبٍ (لِغَيْرِ عِلَّةٍ) بَلْ لِلتَّزَيُّنِ فِي الْجَسَدِ وَبَطْنِ الْكَفِّ وَالْقَدَمِ (وَ) فِي دَهْنِ الْجَسَدِ بِغَيْرِ مُطَيِّبٍ (لَهَا) أَيْ: الْعِلَّةِ وَالضَّرُورَةِ مِنْ شُقُوقٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ قُوَّةِ عَمَلٍ (قَوْلَانِ) بِالْفِدْيَةِ وَعَدَمِهَا لَمْ يَطَّلِعْ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ أَحَدِهِمَا (اُخْتُصِرَتْ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ وَسُكُونِ تَاءِ التَّأْنِيثِ الْمُدَوَّنَةُ (عَلَيْهِمَا) أَيْ: الْقَوْلَيْنِ. قَالَ فِي التَّهْذِيبِ: وَإِنْ دَهَنَ قَدَمَيْهِ وَعَقِبَيْهِ مِنْ شُقُوقٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَهَنَهُمَا لِغَيْرِ عِلَّةٍ أَوْ دَهَنَ ذِرَاعَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ لِيُحَسِّنَهُمَا لَا لِعِلَّةٍ افْتَدَى فَأَفَادَ بِقَوْلِهِ لَا لِعِلَّةٍ إنْ دَهَنَ الذِّرَاعَيْنِ
[ ٢ / ٣١٦ ]
وَتَطَيُّبٌ بِكَوْرَسٍ وَإِنْ ذَهَبَ رِيحُهُ، أَوْ لِضَرُورَةٍ كُحْلٍ وَلَوْ فِي طَعَامٍ
_________________
(١) [منح الجليل] وَالسَّاقَيْنِ لِعِلَّةٍ لَا فِدْيَةَ فِيهِ، وَاخْتَصَرَهَا ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ عَلَى الْوُجُوبِ مُطْلَقًا فِي الذِّرَاعَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ فَقَالَ لِيُحَسِّنَهُمَا أَوْ مِنْ عِلَّةٍ افْتَدَى، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ الذِّرَاعَانِ وَالسَّاقَانِ وَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الْجَسَدِ سِوَى بَطْنِ الْكَفِّ وَالرِّجْلِ، وَأَمَّا دَهْنُ بَطْنِ الْكَفِّ وَالرِّجْلِ بِغَيْرِ مُطَيِّبٍ لِعِلَّةٍ فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ اتِّفَاقًا، فَتَحَصَّلَ أَنَّ الدَّهْنَ بِمُطَيِّبٍ فِيهِ الْفِدْيَةُ كَانَ لِعِلَّةٍ أَمْ لَا بِالْجَسَدِ أَوْ بَطْنِ كَفٍّ أَوْ رِجْلٍ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ، وَأَنَّ الدَّهْنَ بِغَيْرِ مُطَيِّبٍ لِغَيْرِ عِلَّةٍ فِيهِ الْفِدْيَةُ فِي الْجَسَدِ أَوْ بَطْنِ كَفٍّ أَوْ رِجْلٍ، وَلِعِلَّةٍ لَا شَيْءَ فِيهِ بِبَطْنِ كَفٍّ أَوْ رِجْلٍ، وَفِي الْجَسَدِ فِيهِ قَوْلَانِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ أُخْرَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَفِي الْمَنَاسِكِ يُفِيدُ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ اخْتِصَارِ الْبَرَادِعِيِّ وَابْنِ أَبِي زَمَنِينَ فِي دَهْنِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ بِغَيْرِ مُطَيِّبٍ لِعِلَّةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي دَهْنِ السَّاقَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ لَا فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إذْ لَفْظُ الْأُمِّ فِي ذَلِكَ صَرِيحٌ لَا يَقْبَلُ الِاخْتِلَافَ اُنْظُرْهُ فِي الْحَطّ. (وَ) حَرُمَ عَلَيْهِمَا (تَطَيُّبٌ بِكَوْرَسٍ) مِنْ كُلِّ طِيبٍ مُؤَنَّثٍ وَهُوَ مَا يَظْهَرُ رِيحُهُ وَيَتَعَلَّقُ أَثَرُهُ بِمَاسِّهِ وَالْوَرْسُ نَبْتٌ كَالسِّمْسِمِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ صَبْغُهُ بَيْنَ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ يَبْقَى نَبْتُهُ فِي الْأَرْضِ عِشْرِينَ سَنَةً، وَدَخَلَ بِالْكَافِ زَعْفَرَانٌ وَمِسْكٌ وَكَافُورٌ وَعَنْبَرٌ وَعُودٌ. وَمَعْنَى تَطَيُّبِهِ بِهِ إلْصَاقُهُ بِالْبَدَنِ عُضْوًا أَوْ بَعْضَهُ أَوْ بِالثَّوْبِ، فَلَوْ عَبَقَ الرِّيحُ دُونَ الْعَيْنِ عَلَى جَالِسٍ بِحَانُوتِ عَطَّارٍ أَوْ بَيْتٍ تَطَيَّبَ أَهْلُهُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. وَيُكْرَهُ تَمَادِيهِ عَلَى ذَلِكَ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ. وَبَالَغَ عَلَى الْحُرْمَةِ بِدُونِ فِدْيَةٍ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ ذَهَبَ رِيحُهُ) وَعَلَى هَذَا قُلْنَا شَيْءٌ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ وَهُوَ الطِّيبُ الْمُؤَنَّثُ ذَاهِبُ الرِّيحِ وَافْتَدَى إنْ تَطَيَّبَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ (أَوْ) تَطَيَّبَ (لِضَرُورَةِ كُحْلٍ) فَفِيهِ الْفِدْيَةُ بِلَا إثْمٍ، هَذَا مُرَادُهُ بِهَاتَيْنِ الْمُبَالَغَتَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ وَتَطَيَّبَ بِكَوْرَسٍ تَضَمَّنَ حُكْمَيْنِ الْحُرْمَةَ وَوُجُوبَ الْفِدْيَةِ فَالْمُبَالَغَةُ الْأُولَى نَاظِرَةٌ لِلْأَوَّلِ وَالثَّانِيَةُ نَاظِرَةٌ لِلثَّانِي (أَوْ) وُضِعَ (فِي طَعَامٍ) أَوْ شَرَابٍ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ
[ ٢ / ٣١٧ ]
أَوْ لَمْ يَعْلَقْ؛ إلَّا قَارُورَةً سُدَّتْ، وَمَطْبُوخًا، وَبَاقِيًا مِمَّا قَبْلَ إحْرَامِهِ،
_________________
(١) [منح الجليل] أَوْ) مَسَّهُ وَ(لَمْ يَعْلَقْ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ: يَتَعَلَّقُ أَثَرُهُ بِهِ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ (إلَّا) مَنْ مَسَّ أَوْ حَمَلَ (قَارُورَةً) أَوْ خَرِيطَةً أَوْ خُرْجًا بِهَا طِيبٌ (سُدَّتْ) عَلَيْهِ سَدًّا وَثِيقًا مُحْكَمًا بِحَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا رِيحُهُ فَلَا فِدْيَةَ. ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا فِدْيَةَ فِي حَمْلِ قَارُورَةٍ مُصْمَتَةِ الرَّأْسِ وَنَحْوِهَا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَعَلَّ مُرَادَهُ بِنَحْوِ الْقَارُورَةِ فَارَةُ الْمِسْكِ غَيْرُ مَشْقُوقَةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْفَأْرَةَ طِيبٌ. الْحَطّ فَالْأَحْسَنُ أَنَّ مُرَادَهُ بِنَحْوِهَا الْخَرِيطَةُ وَالْخُرْجُ وَشَبَهُهُمَا كَمَا فِي الطِّرَازِ. (وَ) إلَّا طِيبًا (مَطْبُوخًا) فِي طَعَامٍ بِنَارٍ أَمَاتَهُ الطَّبْخُ فَلَا فِدْيَةَ فِي أَكْلِهِ وَلَوْ صَبَغَ الْفَمَ عَلَى الْمَذْهَبِ فَإِنْ لَمْ يُمِتْهُ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ قَالَهُ الْحَطّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِإِمَاتَتِهِ اسْتِهْلَاكُهُ فِي الطَّعَامِ وَذَهَابُ عَيْنِهِ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ غَيْرُ رِيحِهِ كَمِسْكٍ أَوْ وَلَوْنُهُ كَزَعْفَرَانٍ بَارِزٍ اهـ. الْبُنَانِيُّ، هَذَا التَّفْصِيلُ لِلْبِسَاطِيِّ وَاعْتَمَدَهُ الْحَطّ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ. ابْنُ بَشِيرٍ الْمَذْهَبُ نَفْيُ الْفِدْيَةِ أَيْ: فِي الْمَطْبُوخِ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُوَطَّإِ وَالْمُخْتَصَرِ الْجَوَازَ فِي الْمَطْبُوخِ وَإِبْقَاءَ الْأَبْهَرِيِّ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَيَّدَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بِغَلَبَةِ الْمُمَازِحِ وَابْنِ حَبِيبٍ بِغَلَبَتِهِ وَأَنْ لَا يَعْلَقَ بِالْيَدِ وَلَا بِالْفَمِ مِنْهُ شَيْءٌ. ابْنُ عَرَفَةَ وَمَا مَسَّهُ نَارٌ فِي إبَاحَتِهِ مُطْلَقًا أَوْ إنْ اسْتَهْلَكَ ثَالِثَهَا وَلَمْ يَبْقَ أَثَرُ صَبْغِهِ بِيَدٍ وَلَا فَمٍ الْأَوَّلُ لِلْبَاجِيِّ عَنْ الْأَبْهَرِيِّ، وَالثَّانِي لِلْقَاضِي، وَالثَّالِثُ لِلشَّيْخِ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ. فَقَوْلُ الْأَبْهَرِيِّ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ مُطْلَقًا اسْتَهْلَكَ أَمْ لَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ ابْنِ بَشِيرٍ، وَبِهِ اعْتَرَضَ طفى عَلَى الْحَطّ. (وَ) إلَّا طِيبًا يَسِيرًا (بَاقِيًا) أَثَرُهُ أَوْ رِيحُهُ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ (مِمَّا) تَطَيَّبَ بِهِ (قَبْلَ إحْرَامِهِ) فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ لَيْسَ كَالِابْتِدَاءِ اهـ عب. الْبُنَانِيُّ الْمُرَادُ بِالْأَثَرِ اللَّوْنُ مَعَ ذَهَابِ الْجُرْمِ، وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ سَنَدٍ إذَا قُلْنَا لَا فِدْيَةَ فِي الْبَاقِي مَعَ كَرَاهَتِهِ فَيُؤْمَرُ بِغُسْلِهِ، فَإِنْ ذَهَبَ بِصَبِّ الْمَاءِ فَحَسَنٌ، وَإِنْ لَمْ يَزُلْ بِهِ غَسَلَهُ
[ ٢ / ٣١٨ ]
وَمُصِيبًا مِنْ إلْقَاءِ رِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ خَلُوقِ كَعْبَةٍ، وَخُيِّرَ فِي نَزْعِ يَسِيرِهِ وَإِلَّا افْتَدَى إنْ تَرَاخَى:
_________________
(١) [منح الجليل] بِيَدِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِفِعْلِهِ مَا أُمِرَ بِهِ اهـ. فَأُمِرَ بِغَسْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ مِمَّا يُغْسَلُ، لَكِنْ لَمَّا شَمَلَ كَلَامُهُ الْجُرْمَ أَخْرَجَهُ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَبْقَى بَعْدَهُ مَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِإِتْلَافِهِ فَتَجِبُ بِذَلِكَ الْفِدْيَةُ وَهُوَ بَيِّنٌ اهـ. إذْ الَّذِي تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِإِتْلَافِهِ هُوَ جُرْمُهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ. وَنَقَلَ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ مَالِكٍ " - ﵁ - " سُقُوطَ الْفِدْيَةِ فِي بَقَاءِ لَوْنِهِ وَرَائِحَتِهِ، قَالَ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ تَجِبُ وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيَّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَرَفَةَ، أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ إلَّا فِي بَقَاءِ الرَّائِحَةِ دُونَ الْأَثَرِ، وَنَصُّ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا يَتَطَيَّبُ قَبْلَهُ بِمَا تَبْقَى بَعْدَهُ رَائِحَتُهُ طفي. الْبَاجِيَّ إنْ تَطَيَّبَ لِإِحْرَامِهِ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ بِإِتْلَافِ الطِّيبِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَهَذَا أَتْلَفَهُ قَبْلَهُ وَإِنَّمَا يَبْقَى مِنْهُ بَعْدَهُ الرَّائِحَةُ، ثُمَّ قَالَ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِإِتْلَافِ الطِّيبِ أَوْ لَمْسِهِ. وَأَمَّا الِانْتِفَاعُ بِرِيحِهِ فَلَا تَجِبُ فِيهِ فِدْيَةٌ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ. وَلَا يَتَطَيَّبُ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِمَا يَبْقَى رِيحُهُ بَعْدَهُ. الْبَاجِيَّ إنْ فَعَلَ فَلَا فِدْيَةَ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ بِإِتْلَافِهِ بَعْدَهُ إلَّا أَنْ يَكْثُرَ بِحَيْثُ يَبْقَى بَعْدَهُ مَا يُوجِبُهَا. وَقَوْلُ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ مَا يَبْقَى بَعْدَهُ رِيحُهُ كَفِعْلِهِ بَعْدَهُ إنْ أَرَادَ فِي الْمَنْعِ فَقَطْ فَصَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادَ فِي الْفِدْيَةِ فَلَا. (وَ) إلَّا (مُصِيبًا مِنْ إلْقَاءِ رِيحٍ أَوْ) شَخْصٍ (غَيْرِهِ) أَيْ: الْمُحْرِمِ عَلَى ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ نَائِمًا أَوْ يَقْظَانَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ (أَوْ) مُصِيبًا مِنْ (خَلُوقٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ طِيبِ (كَعْبَةٍ) فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَثُرَ لِطَلَبِ الْقُرْبِ مِنْهَا. (وَخُيِّرَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ مُثَقَّلَةً (فِي نَزْعِ يَسِيرِهِ) أَيْ الْخَلُوقِ وَالْبَاقِي مِمَّا قَبْلَ إحْرَامِهِ فَقَطْ، وَأَمَّا الْمُصِيبُ مِنْ إلْقَاءِ رِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَجِبُ نَزْعُ يَسِيرِهِ فَوْرًا كَكَثِيرِهِ فَإِنْ تَرَاخَى افْتَدَى فَلَا يَدْخُلَانِ تَحْتَ قَوْلِهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ الْخَلُوقُ وَالْبَاقِي مِمَّا قَبْلَ إحْرَامِهِ يَسِيرًا (افْتَدَى إنْ تَرَاخَى) فِي نَزْعِ خَلُوقِ الْكَعْبَةِ فَقَطْ، وَأَمَّا الْبَاقِي مِمَّا قَبْلَ إحْرَامِهِ فَيَفْتَدِي فِي كَثِيرِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَرَاخَ فِي نَزْعِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي عج وَالْحَطّ، فَيَخُصُّ قَوْلُهُ فِي نَزْعِ
[ ٢ / ٣١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] يَسِيرِهِ بِشَيْئَيْنِ وَيَخُصُّ التَّرَاخِي بِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَتَرَاخَ فَلَا فِدْيَةَ مَعَ وُجُوبِ نَزْعِهِ فَوْرًا لِلْكَثِيرِ قَالَهُ عبق. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ أَيْ الْخَلُوقِ وَالْبَاقِي إلَخْ تَبِعَ فِيهِ عج وَأَحْمَدُ وَجَعَلَهُ سَالِمٌ رَاجِعًا لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ بَاقِيًا مِمَّا قَبْلَ إحْرَامِهِ وَمَا بَعْدَهُ وَتَبِعَهُ الْخَرَشِيُّ، وَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْخَلُوقِ كَمَا قَالَ الْحَطّ وتت وَارْتَضَاهُ ابْنُ عَاشِرٍ وطفى؛ لِأَنَّ الْمُصِيبَ مِنْ إلْقَاءِ الرِّيحِ أَوْ الْغَيْرِ يَجِبُ نَزْعُهُ فَوْرًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَإِنْ تَرَاخَى افْتَدَى كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ وَصَرَّحَ بِهِ الْحَطّ، وَالْبَاقِي مِمَّا قَبْلَ الْإِحْرَامِ إنْ كَانَ لَوْنًا أَوْ رَائِحَةً لَمْ يَتَأَتَّ نَزْعُهُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِإِتْلَافِهِ وَهُوَ جُرْمُ الطِّيبِ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ مُطْلَقًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ تَرَاخَى فِي نَزْعِهِ أَوْ لَا كَمَا أُخِذَ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيَّ وَغَيْرِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَوْلُهُ وَإِلَّا افْتَدَى إنْ تَرَاخَى هَذَا أَيْضًا خَاصٌّ بِالْخَلُوقِ كَمَا فِي الْحَطّ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْبَاقِي مِنْ جُرْمِ الطِّيبِ مِمَّا قَبْلَ الْإِحْرَامِ يَجِبُ نَزْعُهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ تَرَاخَى فِي نَزْعِهِ أَمْ لَا، نَعَمْ تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ إلْقَاءِ الرِّيحِ أَوْ الْغَيْرِ أَنَّهُ إنْ تَرَاخَى فِي نَزْعِهِ افْتَدَى وَإِنْ قَلَّ، وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَرْجِعَ قَوْلُهُ وَإِلَّا افْتَدَى لَهُمَا كَانَ حَسَنًا لَكِنْ يَأْبَاهُ كَلَامُهُ، وَقَدْ تَكَلَّفَ ابْنُ عَاشِرٍ رُجُوعَهُ لَهُمَا وَهُوَ بَعِيدٌ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ لُزُومِ الْفِدْيَةِ إنْ تَرَاخَى فِي نَزْعِ كَثِيرِ الْخَلُوقِ قَدْ تَعَقَّبَهُ عَلَيْهِ طفي بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ لِغَيْرِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَفِي التَّوْضِيحِ قَالَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا لَصَقَ بِهِ مِنْ خَلُوقِ الْكَعْبَةِ إذْ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ. وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَلْيَغْسِلْ مَا أَصَابَهُ مِنْ خَلُوقِ الْكَعْبَةِ بِيَدِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَهُ تَرْكُهُ إنْ كَانَ يَسِيرًا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اجْتَمَعَ مِمَّا فِيهَا وَكِتَابُ مُحَمَّدٍ إنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِيمَا أَصَابَهُ مِنْ خَلُوقِ الْكَعْبَةِ، وَزَادَ مُحَمَّدٌ غَسَلَ الْكَثِيرَ وَصَرَّحَ بَعْدَهُ بِأَنَّ الْغَسْلَ عَلَى وَجْهِ الْأَحْبِيَةِ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا وَلَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ الْفِدْيَةَ فِي الْكَثِيرِ، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ فَقَطْ، وَلَا قَائِلَ بِالْفِدْيَةِ إلَّا مَا يُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ وَهْبٍ، وَكَذَا لَمْ يَذْكُرْهَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ، ثُمَّ قَالَ وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ فَهِمَ وُجُوبَهَا مِنْ الْأَمْرِ بِالْغَسْلِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَتَأَمَّلْهُ.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
كَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ نَائِمًا.
وَلَا تُخْلَقُ أَيَّامَ الْحَجِّ، وَيُقَامُ الْعَطَّارُونَ فِيهَا مِنْ الْمَسْعَى، وَافْتَدَى الْمُلْقِي الْحِلُّ إنْ لَمْ تَلْزَمْهُ بِلَا صَوْمٍ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَفْتَدِ الْمُحْرِمُ كَأَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ، وَرَجَعَ بِالْأَقَلِّ.
_________________
(١) [منح الجليل] وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ مَعَ التَّرَاخِي فَقَالَ (كَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ) أَيْ: الْمُحْرِمِ بِفِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ (نَائِمًا) فَإِنْ تَرَاخَى فِي نَزْعِهِ بَعْدَ انْتِبَاهِهِ افْتَدَى، وَإِنْ نَزَعَهُ عَاجِلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ فِعْلَ غَيْرِهِ وَنَزَعَهُ عَاجِلًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَلْزَمُ الْمُغَطَّى. (وَلَا تُخْلَقُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامُ مُثَقَّلَةً أَيْ: لَا تُطَيَّبُ (الْكَعْبَةُ أَيَّامَ الْحَجِّ) أَيْ: يُكْرَهُ فِيمَا يَظْهَرُ لِئَلَّا يُصِيبَ الطَّائِفِينَ (وَيُقَامُ) أَيْ: يُؤْمَرُ بِالْقِيَامِ نَدْبًا (الْعَطَّارُونَ) أَيْ: الَّذِينَ يَبِيعُونَ الطِّيبَ الْمُؤَنَّثَ (فِيهَا) أَيْ: أَيَّامِ الْحَجِّ (مِنْ الْمَسْعَى وَافْتَدَى) أَيْ: أَخْرَجَ الْفِدْيَةَ وُجُوبًا نِيَابَةً عَنْ الْمُحْرِمِ (الْمُلْقِي) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْقَافِ (الْحِلُّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَشَدِّ اللَّامِ أَيْ: غَيْرُ الْمُحْرِمِ طِيبًا مُؤَنَّثًا عَلَى مُحْرِمٍ نَائِمٍ أَوْ ثَوْبًا عَلَى رَأْسِهِ (إنْ لَمْ تَلْزَمْهُ) أَيْ الْفِدْيَةُ الْمُحْرِمَ الْمُلْقَى عَلَيْهِ لِنَزْعِهِ عَقِبَ انْتِبَاهِهِ وَصِلَةُ افْتَدَى (بِلَا صَوْمٍ)؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ لَا تَكُونُ عَنْ الْغَيْرِ فَيُطْعِمُ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أَوْ يَذْبَحُ شَاةً فَأَعْلَى. (وَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمُلْقِي مَا يَفْتَدِي بِهِ (فَلْيَفْتَدِ الْمُحْرِمُ) الْمُلْقَى عَلَيْهِ بِصَوْمٍ أَوْ إطْعَامٍ أَوْ نُسُكٍ؛ لِأَنَّهَا عَنْ نَفْسِهِ. وَشَبَّهَ فِي الْفِدْيَةِ عَلَى الْفَاعِلِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ فَقَالَ (كَأَنْ حَلَقَ) الْحِلُّ (رَأْسَهُ) أَيْ: الْمُحْرِمِ النَّائِمِ فَالْفِدْيَةُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَالِقِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَفْتَدِ الْمُحْرِمُ (وَرَجَعَ) الْمُحْرِمُ الْمُفْتَدِي إنْ شَاءَ عَلَى الْفَاعِلِ (بِالْأَقَلِّ) مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ أَوْ مِثْلِ كَيْلِ الطَّعَامِ إنْ أَخْرَجَهُ مِنْ عِنْدَهُ أَوْ ثَمَنِهِ إنْ اشْتَرَاهُ.
[ ٢ / ٣٢١ ]
إنْ لَمْ يَفْتَدِ بِصَوْمٍ وَعَلَى الْمُحْرِمِ الْمُلْتَقِي فِدْيَتَانِ عَلَى الْأَرْجَحِ.
وَإِنْ حَلَقَ حِلٌّ مُحْرِمًا بِإِذْنٍ فَعَلَى الْمُحْرِمِ؛ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ، وَإِنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ حِلٍّ أَطْعَمَ، وَهَلْ حَفْنَةٌ أَوْ فِدْيَةٌ
_________________
(١) [منح الجليل] وَذَكَرَ شَرْطَ الرُّجُوعِ فَقَالَ (إنْ لَمْ يَفْتَدِ) الْمُحْرِمُ (بِصَوْمٍ) بِأَنْ افْتَدَى بِإِطْعَامٍ أَوْ نُسُكٍ بِشَاةٍ فَإِنْ افْتَدَى بِصَوْمٍ فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِشَيْءٍ (وَعَلَى الْمُحْرِمِ) بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ (الْمُلْقِي) طِيبًا عَلَى مُحْرِمٍ نَائِمٍ وَنَزَعَهُ عَقِبَ انْتِبَاهِهِ (فِدْيَتَانِ) فِدْيَةٌ لِمَسِّهِ الطِّيبَ وَفِدْيَةٌ لِتَطْيِيبِهِ النَّائِمَ، فَإِنْ تَرَاخَى النَّائِمُ بَعْدَ انْتِبَاهِهِ فِي نَزْعِهِ فَفِدْيَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَمَسَّ الْمُلْقِي الطِّيبَ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِإِلْقَائِهِ إنْ بَادَرَ الْمُلْقَى عَلَيْهِ، فَإِنْ تَرَاخَى فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُلْقِي (عَلَى الْأَرْجَحِ) هَذَا قَوْلُ الْقَابِسِيِّ وَصَوَّبَهُ ابْنُ يُونُسَ وَسَنَدٌ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ. (وَإِنْ حَلَقَ حِلٌّ مُحْرِمًا) أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ أَوْ طَيَّبَهُ (بِإِذْنٍ) مِنْ الْمُحْرِمِ فِي الْحَلْقِ أَوْ التَّقْلِيمِ أَوْ التَّطْيِيبِ وَلَوْ حُكْمًا كَرِضَاهُ بِفِعْلِهِ (فَعَلَى الْمُحْرِمِ) الْفِدْيَةُ وَلَوْ أَعْسَرَ وَلَا تَلْزَمُ الْحِلَّ، وَقَدْ يُقَالُ تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحَلْقُ بِإِذْنِهِ وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْمُحْرِمِ إنْ أَيْسَرَ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُحْرِمُ بِأَنْ كَانَ نَائِمًا أَوْ مُكْرَهًا (فَ) الْفِدْيَةُ (عَلَيْهِ) أَيْ: الْحِلِّ، وَهَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ كَأَنْ حَلَقَ حِلٌّ رَأْسَهُ أَعَادَهُ هُنَا لِلتَّصْرِيحِ بِمَفْهُومٍ بِإِذْنٍ وَدَفَعَهُ الْحَطّ بِأَنَّ مَا هُنَا بَيَانٌ لِمَوْضِعِ لُزُومِهَا لِلْحِلِّ وَمَا مَرَّ بَيَانٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَالِقِ إذَا لَزِمَتْهُ حُكْمُ الْمُلْقِي طِيبًا. ابْنُ عَاشِرٍ هَذِهِ مُحَاوَلَةٌ لَا تَتِمُّ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِ التَّشْبِيهِ تَامًّا حَتَّى يُسْتَفَادَ مِنْهُ الْمَعْنَى الْمُفَادُ هُنَا. (وَإِنْ حَلَقَ) شَخْصٌ (مُحْرِمٌ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (رَأْسَ) شَخْصٍ (حِلٍّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَشَدِّ اللَّامِ أَيْ: غَيْرِ مُحْرِمٍ (أَطْعَمَ) الْمُحْرِمُ وُجُوبًا لِاحْتِمَالِ قَتْلِهِ دَوَابَّ، فَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمُهَا فَلَا يُطْعِمُ. (وَهَلْ) إطْعَامُهُ (حَفْنَةٌ) أَيْ: مِلْءُ يَدٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طَعَامٍ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مُتَوَسِّطَةٍ لَا مَقْبُوضَةٍ وَلَا مَبْسُوطَةٍ (أَوْ) إطْعَامُهُ (فِدْيَةٌ) أَيْ: صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ
[ ٢ / ٣٢٢ ]
تَأْوِيلَانِ، فِي الظُّفْرِ الْوَاحِدِ، لَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى حَفْنَةٌ:
_________________
(١) [منح الجليل] مَسَاكِينَ أَوْ نُسُكٌ بِشَاةٍ فِيهِ (تَأْوِيلَانِ) فِي قَوْلِ الْإِمَامِ يَفْتَدِي، وَقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ طَعَامٍ " - ﵄ - "، فَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي بِالْخِلَافِ لِلْبَاجِيِّ وَاللَّخْمِيِّ، وَالْأَوَّلُ بِالْوِفَاقِ لِغَيْرِهِمَا. وَتَرَدَّدَ ابْنُ يُونُسَ فِيهِمَا فَلَوْ قَالَ افْتَدَى وَهَلْ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْ حَفْنَةٌ لَكَانَ أَوْلَى. سَنَدٌ إذَا حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَ حَلَالٍ فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ شَيْئًا مِنْ الدَّوَابِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمُذَهَّبِ، وَإِنْ قَتَلَ يَسِيرًا أَطْعَمَ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ وَكَثِيرًا أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ وَلَمْ يُدْرَ مَأْثَمٌ فَقَالَ مَالِكٌ " - ﵁ - " يَفْتَدِي، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُطْعِمُ اهـ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَعْلِيلِ الْفِدْيَةِ بِقَتْلِ الْقَمْلِ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَسَنَدٍ وَاللَّخْمِيِّ. وَعَلَّلَهَا الْبَغْدَادِيُّونَ بِالْحَلْقِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ رُشْدٍ، وَعَلَيْهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَ قَمْلًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا أَوْ يَتَحَقَّقَ نَفْيُهُ. وَعَلَى الْإِطْلَاقِ حَمَلَ سَالِمٌ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِنَاءً عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْحَلْقِ وَصَوَّبَهُ طفي. الْبُنَانِيُّ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَالصَّوَابُ حَمْلُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ لِتَعْلِيلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِقَتْلِ الْقَمْلِ كَمَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ، وَلِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ نَفْيُ الْقَمْلِ. وَلِقَوْلِ سَنَدٍ إنَّهُ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَلِقَوْلِهِمْ فِي تَقْلِيمِ الْمُحْرِمِ ظُفْرَ حَلَالٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَهُوَ يُرَجِّحُ أَنَّ الْفِدْيَةَ لِلْقَمْلِ لَا لِلْحَلْقِ إذْ لَوْ كَانَتْ لِلْحَلْقِ لَوَجَبَتْ الْفِدْيَةُ هُنَا اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ. (وَفِي) قَلْمِ (الظُّفْرِ الْوَاحِدِ لَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى) وَلَا لِانْكِسَارِهِ بِأَنْ قَلَّمَ الْمُحْرِمُ ظُفْرَ نَفْسِهِ عَبَثًا وَتَرَفُّهًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَطّ (حَفْنَةٌ) أَيْ: مِلْءُ يَدٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طَعَامٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَا مَقْبُوضَةٍ وَلَا مَبْسُوطَةٍ وَالْقَبْضَةُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مِلْؤُهَا مَقْبُوضَةً فَهِيَ دُونَ الْحَفْنَةِ، وَالْقَبْصَةُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْأَخْذُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ فَهِيَ، دُونَ الْقَبْضَةِ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَعَلَى هَذَا يُسْتَثْنَى مَا هُنَا مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي وَالْفِدْيَةُ فِيمَا يُتَرَفَّهُ بِهِ، وَمَفْهُومُ الْوَاحِدِ أَنَّ فِي قَصِّ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ فِدْيَةً سَوَاءٌ كَانَ لِإِمَاطَةِ الْأَذَى أَمْ لَا إنْ أَبَانَهُمَا فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ أَوْ أَبَانَ الثَّانِي قَبْلَ الْإِخْرَاجِ لِلْأَوَّلِ وَإِلَّا فَفِي كُلٍّ حَفْنَةٌ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَلْمِ ظُفْرِ الْحَلَالِ أَوْ الْمُحْرِمِ بِإِذْنِهِ وَالْحَفْنَةُ أَوْ الْفِدْيَةُ عَلَى الْمَقْلُومِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالذَّخِيرَةِ، وَإِنْ أَكْرَهَهُ أَوْ قَلَّمَهُ وَهُوَ نَائِمٌ فَعَلَى الْقَالِمِ الْمُحْرِمِ أَوْ الْحَلَالِ.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
كَشَعْرَةٍ أَوْ شَعَرَاتٍ، أَوْ قَمْلَةٍ أَوْ قَمَلَاتٍ، وَطَرْحِهَا كَحَلْقِ مُحْرِمٍ لِمِثْلِهِ مَوْضِعَ الْحِجَامَةِ؛ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ نَفْيُ الْقَمْلِ، وَتَقْرِيدِ بَعِيرِهِ، لَا كَطَرْحِ عَلَقَةٍ أَوْ بُرْغُوثٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَشَبَّهَ فِي الْحَفْنَةِ فَقَالَ (كَ) إزَالَةِ (شَعْرَةٍ) وَاحِدَةٍ مِنْ جَسَدِهِ فَفِيهَا حَفْنَةٌ (أَوْ) إزَالَةِ (شَعَرَاتٍ) عَشْرَةٍ لِغَيْرِ إمَاطَةِ أَذًى فَفِيهَا حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ وَلِإِمَاطَتِهِ فِيهَا فِدْيَةٌ كَإِزَالَةِ الْكَثِيرِ الزَّائِدِ عَلَى عَشَرَةٍ فَالتَّشْبِيهُ تَامٌّ. (وَ) قَتْلِ (قَمْلَةٍ) وَاحِدَةٍ فِيهَا حَفْنَةٌ (وَقَمَلَاتٍ) عَشْرَةٍ فِيهَا حَفْنَةٌ وَلَوْ لِإِمَاطَتِهِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَمْ نَعْلَمْ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلًا بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ فِي قَمْلَةٍ أَوْ قَمَلَاتٍ (وَطَرْحِهَا) أَيْ: الْقَمْلَةِ أَوْ الْقَمَلَاتِ بِالْأَرْضِ فِيهِ حَفْنَةٌ كَقَتْلِهَا بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى قَتْلِ الْمُقَدَّرِ قَبْلَ قَمْلَةٍ، أَوْ بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: كَقَتْلِهَا فِي إيجَابِ الْحَفْنَةِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ قَطْعِ الْعَطْفِ، إنْ أُمِنَ اللُّبْسُ كَمَا قَالَ الرَّضِيُّ لِتَأْدِيَتِهِ لِمَوْتِهَا لِخَلْقِهَا مِنْ جَسَدِ الْآدَمِيِّ. وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ الْحَفْنَةِ أَيْضًا فَقَالَ (كَحَلْقِ) شَخْصٍ (مُحْرِمٍ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (لَ) شَخْصٍ (مِثْلِهِ) فِي كَوْنِهِ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بِإِذْنِهِ (مَوْضِعَ الْحِجَامَةِ) فَيَلْزَمُ الْحَالِقَ حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ (إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ) الْحَالِقُ (نَفْيَ الْقَمْلِ) عَنْ مَوْضِعِ الْحَلْقِ فَلَا حَفْنَةَ عَلَى الْحَالِقِ وَعَلَى الْمَحْلُوقِ شَعْرُهُ فِي الْحَالَيْنِ الْفِدْيَةُ. (وَ) كَ (تَقْرِيدِ) أَيْ إزَالَةِ الْقُرَادِ عَنْ (بَعِيرِهِ) أَيْ: الْمُحْرِمِ فِيهِ حَفْنَةٌ إنْ لَمْ يَقْتُلْهُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ قَتَلَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ. وَقَدْ نَقَلَ الْحَطّ وَالْمَوَّاقُ عَنْهَا أَنَّهُ يُطْعِمُ فِي طَرْحِهِ، وَلَمَّا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي تَقْرِيدِ بَعِيرِهِ يُطْعِمُ عَلَى الْمَشْهُورِ تَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ بِأَنَّ الَّذِي حَكَاهُ غَيْرُهُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إنَّمَا هُمَا إذَا قَتَلَ الْقُرَادَ (لَا) شَيْءَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي (كَطَرْحِ عَلَقَةٍ) عَنْهُ أَوْ عَنْ بَعِيرِهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْأَرْضِ، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ النَّمْلَ وَالدُّودَ وَالذُّبَابَ وَالسُّوسَ وَغَيْرَهَا سِوَى الْقَمْلَةِ وَالْبُرْغُوثِ فَلَا شَيْءَ فِي طَرْحِهَا. (أَوْ) طَرْحِ (بُرْغُوثٍ) بِتَثْلِيثِ الْبَاءِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ دَوَابِّ الْأَرْضِ فِي الشَّامِلِ وَلَهُ طَرْحُ
[ ٢ / ٣٢٤ ]
وَالْفِدْيَةُ فِيمَا يُتَرَفَّهُ بِهِ أَوْ يُزِيلُ أَذًى: كَقَصِّ الشَّارِبِ أَوْ ظُفْرٍ وَقَتْلِ قَمْلٍ كَثُرَ، وَخَضْبٍ بِكَحِنَّاءٍ، وَإِنْ رُقْعَةً إنْ كَبُرَتْ وَمُجَرَّدُ
_________________
(١) [منح الجليل] بُرْغُوثٍ. وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ وَقِيلَ يُطْعِمُ (وَالْفِدْيَةُ) وَاجِبَةٌ (فِيمَا) أَيْ: الْفِعْلِ الَّذِي (يُتَرَفَّهُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَالرَّاءُ وَالْفَاءُ مُشَدَّدَةٌ أَيْ: يَتَنَعَّمُ (بِهِ أَوْ) فِيمَا يُزِيلُ بِهِ (أَذَى) الْحَطّ لَمْ يُبَيِّنْ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا هِيَ إمَاطَةُ الْأَذَى، وَجَعَلَهَا الْبَاجِيَّ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَقْلَقَ مِنْ طُولِ ظُفْرِهِ فَيُقَلِّمُهُ وَهَذَا أَذًى مُعْتَادٌ، وَالثَّانِي أَنْ يُرِيدَ مُدَاوَاةَ جُرْحٍ بِأُصْبُعِهِ وَلَا يَتَمَكَّنُ إلَّا بِهِ (كَقَصِّ الشَّارِبِ) جَعَلَهُ ابْنُ شَاسٍ مِثَالًا لِمَا يُزَالُ بِهِ أَذًى وتت مِثَالًا لِمَا يُتَرَفَّهُ بِهِ وَهُوَ صَالِحٌ لَهُمَا. (أَوْ) قَصِّ (ظُفْرٍ) وَاحِدٍ لِإِمَاطَةِ أَذًى فَهُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ آنِفًا لَا لِإِمَاطَةِ أَذًى أَوْ مُتَعَدِّدٍ لِإِمَاطَةِ أَذًى أَوْ لَا، فَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ لِقَلْمِ الظُّفْرِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ قَلَّمَهُ مُنْكَسِرًا لَا شَيْءَ فِيهِ قَلَّمَهُ لَا لِإِمَاطَةِ أَذًى فِيهِ حَفْنَةٌ قَلَّمَهُ لِإِمَاطَةِ أَذًى فِيهِ فِدْيَةٌ، وَأَدْخَلَ بِالْكَافِ حَلْقَ الْعَانَةِ وَنَتْفَ الْإِبْطِ وَالْأَنْفِ. (وَقَتْلِ قَمْلٍ كَثُرَ) بِأَنْ زَادَ عَلَى اثْنَيْ عَشْرَ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ " - ﵁ - " قَالَ فِي الْبَيَانِ رَآهُ مِنْ إمَاطَةِ الْأَذَى، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُطْعِمُ كِسْرَةً اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ وَمِثْلُ قَتْلِهِ طَرْحُهُ (وَخَضْبٍ) لِرَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا (بِكَحِنَّاءٍ) بِالْمَدِّ وَالصَّرْفِ مِثَالٌ صَالِحٌ لِلْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُطَيِّبُ الرَّأْسَ وَيُفَوِّحُهُ وَيَقْتُلُ دَوَابَّهُ وَيُرَجِّلُ شَعْرَهُ وَيُزَيِّنُهُ، وَبِدُونِ هَذَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ قَالَهُ سَنَدٌ، وَدَخَلَ بِالْكَافِ الْوَسِمَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِهَا لُغَةً نَبْتُ شَجَرَةٍ كَالْكُزْبَرَةِ يُدَقُّ وَيُخْلَطُ مَعَ الْحِنَّاءِ مِنْ الْوَسَامَةِ أَيْ: الْحُسْنِ؛ لِأَنَّهَا تُحَسِّنُ الشَّعْرَ قَالَهُ فِي تَوْضِيحِهِ وَفِيهِ الْفِدْيَةُ. وَلَوْ نَزَعَهُ مَكَانَهُ إنْ عَمَّ رَأْسَهُ مَثَلًا بِالْخَضْبِ بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الْمَخْضُوبُ (رُقْعَةً إنْ كَبُرَتْ) بِأَنْ كَانَتْ قَدْرَ الدِّرْهَمِ فَإِنْ صَغَرَتْ فَلَا فِدْيَةَ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ خَضْبٍ أَنَّهُ إنْ جَعَلَهَا فِي فَمِ جُرْحٍ أَوْ حَشَى بِهَا شُقُوقًا أَوْ شَرِبَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ (وَمُجَرَّدُ) بِضَمِّ الْمِيمِ
[ ٢ / ٣٢٥ ]
حَمَّامٍ عَلَى الْمُخْتَارِ.
وَاتَّحَدَتْ إنْ ظَنَّ الْإِبَاحَةَ، أَوْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهَا بِفَوْرٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَفَتْحِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ مُشَدَّدَةً صَبُّ مَاءٍ حَارٍّ عَلَى جَسَدِهِ فِي (حَمَّامٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَشَدِّ الْمِيمِ عَنْ تَدَلُّكٍ وَإِزَالَةِ وَسَخٍ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ (عَلَى الْمُخْتَارِ) وَلَوْ لِرَفْعِ جَنَابَةٍ وَأَسْقَطَ مِنْ كَلَامِهِ تَقْيِيدَهُ بِجُلُوسٍ فِيهِ حَتَّى يَعْرَقَ وَأَوْلَى إنْ دَلَّكَ أَوْ أَزَالَ وَسَخًا، وَأَمَّا صَبُّ الْمَاءِ الْبَارِدِ فِيهِ فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ وَدُخُولُهُ التَّدَفِّي بِلَا غُسْلٍ جَائِزٌ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى دَاخِلِهِ إلَّا إذَا تَدَلَّكَ وَأَنْقَى الْوَسَخَ وَاقْتَصَرَ عَلَى مُخْتَارِ اللَّخْمِيِّ لِاخْتِيَارِهِ الْأَشْيَاخَ لَا مَا فِيهَا قَالَهُ الشَّارِحُ. (وَاتَّحَدَتْ) الْفِدْيَةُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ وَتَتَعَدَّدُ فِي غَيْرِهَا بِتَعَدُّدِ سَبَبِهَا وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا فَتَتَّحِدُ مَعَ تَعَدُّدِ سَبَبِهَا (إنْ ظَنَّ) الشَّخْصُ (الْإِبَاحَةَ) لِأَسْبَابِ الْفِدْيَةِ كَمَنْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ وَسَعَى وَتَحَلَّلَ وَفَعَلَ أَسْبَابًا لِلْفِدْيَةِ مِنْ لُبْسِ مُحِيطٍ وَتَطَيُّبٍ وَإِزَالَةِ شَعْرٍ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ فَسَادُ طَوَافِهِ أَوْ سَعْيِهِ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِتِلْكَ الْأَسْبَابِ. وَكَمَنْ رَفَضَ إحْرَامَهُ وَظَنَّ خُرُوجَهُ مِنْهُ وَإِبَاحَةَ مَمْنُوعَاتِهِ بِرَفْضِهِ وَفِعْلَ أَسْبَابِهَا كَذَلِكَ فَفِيهَا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ وَكَمَنْ وَطِئَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَظَنَّ خُرُوجَهُ مِنْهُ وَإِبَاحَةَ مَمْنُوعَاتِهِ فَفَعَلَ أَشْيَاءَ مِنْ مُوجِبَاتِهَا فَفِيهَا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ. وَأَمَّا مَنْ ظَنَّ إبَاحَةَ مَمْنُوعَاتِ الْإِحْرَامِ وَلَمْ يَسْتَنِدْ فِي ظَنِّهِ لِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ وَفَعَلَ أَسْبَابًا فِي أَوْقَاتٍ مُتَبَاعِدَةٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ سَبَبٍ فِدْيَةٌ، وَكَذَا مَنْ ظَنَّ أَنَّهَا لَا تَتَعَدَّدُ لِتَعَدُّدِ أَسْبَابِهَا وَفَعَلَ أَسْبَابًا كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ إنْ ظَنَّ الْإِبَاحَةَ أَيْ: فِي صُوَرٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ الْمُتَقَدِّمَةُ. (أَوْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهَا) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ: سَبَبُ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ كَلُبْسٍ وَتَطَيُّبٍ وَحَلْقٍ وَقَلْمٍ وَإِزَالَةِ وَسَخٍ (بِفَوْرٍ) وَاحِدٍ فَفِيهَا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِصَيْرُورَتِهَا كَشَيْءٍ وَاحِدٍ إنْ لَمْ يُخْرِجْ لِلْأَوَّلِ قَبْلَ فِعْلِ الثَّانِي وَإِلَّا فَتَتَعَدَّدُ وَالْفَوْرُ هُنَا عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ اتِّصَالُ الْأَسْبَابِ وَفِعْلُهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، كَذَا يُفِيدُهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَأَقَرَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ خِلَافًا لِمَا اقْتَضَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ تت مِنْ أَنَّ الْيَوْمَ فَوْرٌ وَأَنَّ التَّرَاخِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لَا أَقَلُّ.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
أَوْ نَوَى التَّكْرَارَ، أَوْ قَدَّمَ الثَّوْبَ عَلَى السَّرَاوِيلِ وَشَرْطُهَا فِي اللُّبْسِ انْتِفَاعٌ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، لَا إنْ نَزَعَ مَكَانَهُ، وَفِي صَلَاةٍ قَوْلَانِ.
_________________
(١) [منح الجليل] أَوْ) تَرَاخَى مَا بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ (وَنَوَى) عِنْدَ فِعْلِ الْأَوَّلِ (التَّكْرَارَ) لِأَسْبَابِ الْفِدْيَةِ وَلَوْ طَالَ مَا بَيْنَ السَّبَبَيْنِ أَوْ اخْتَلَفَا كَاللُّبْسِ وَالتَّطَيُّبِ إذَا لَمْ يُخْرِجْ لِلْأَوَّلِ قَبْلَ الثَّانِي وَإِلَّا تَعَدَّدَتْ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ نِيَّةَ فِعْلِ جَمِيعِ مُوجِبَاتِ الْفِدْيَةِ وَفِعْلَهَا كُلَّهَا أَوْ مُتَعَدِّدًا مِنْهَا. وَنِيَّةُ فِعْلِ كُلِّ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْهَا، وَفَعَلَ مُتَعَدِّدًا مِنْهَا، وَنِيَّةُ فِعْلِ مُعَيَّنِهِ وَفَعَلَهَا كُلَّهَا أَوْ مُتَعَدِّدًا مِنْهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ النِّيَّةُ عِنْدَ فِعْلِ أَوَّلِ مُوجِبٍ أَوْ عِنْدَ إرَادَةِ فِعْلِهِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ. (أَوْ قَدَّمَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا مَا نَفْعُهُ عَامٌّ عَلَى مَا نَفْعُهُ خَاصٌّ كَأَنْ قَدَّمَ فِي لُبْسِهِ (الثَّوْبَ) الطَّوِيلَ إلَى أَسْفَلَ مِنْ الرُّكْبَةِ أَوْ الْقَلَنْسُوَةَ (عَلَى السَّرَاوِيلِ) أَوْ الْعِمَامَةَ أَوْ الْجُبَّةَ فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْعَامِّ نَفْعُهُ، وَلَا فِدْيَةَ لِلْخَاصِّ إلَّا أَنْ يَنْتَفِعَ بِالسَّرَاوِيلِ زِيَادَةً عَنْ انْتِفَاعِهِ بِالثَّوْبِ لِطُولِهِ طُولًا لَهُ بَالٌ أَوْ لِدَفْعِهِ حَرًّا أَوْ بَرْدًا فَتَلْزَمُ بِلُبْسِهِ فِدْيَةٌ أُخْرَى لِانْتِفَاعِهِ ثَانِيًا بِغَيْرِ مَا انْتَفَعَ بِهِ أَوَّلًا مُحَمَّدٌ مَنْ ائْتَزَرَ بِمِئْزَرٍ فَوْقَ مِئْزَرٍ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ إلَّا أَنْ يَبْسُطَهُمَا وَيَأْتَزِرُ بِهِمَا كَرِدَاءٍ فَوْقَ رِدَاءٍ. ابْنِ عَرَفَةَ الشَّيْخُ إنْ احْتَزَمَ فَوْقَ إزَارِهِ وَلَوْ بِحَبْلٍ أَوْ بِمِئْزَرٍ فَوْقَ آخَرَ افْتَدَى إلَّا أَنْ يَبْسُطَهُمَا فَيَأْتَزِرَ بِهِمَا. وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ قَائِلًا لَا بَأْسَ بِرِدَاءٍ فَوْقَ رِدَاءٍ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الرِّدَاءَ فَوْقَ الرِّدَاءِ لَيْسَ احْتِرَامًا بِخِلَافِ الِائْتِزَارِ فَوْقَ الْإِزَارِ حَيْثُ لَمْ يَبْسُطْهُمَا قَبْلَهُ فَهُوَ كَالِاحْتِزَامِ عَلَى الْمِئْزَرِ. (وَشَرْطُ) وُجُوبِ (هَا) أَيْ: الْفِدْيَةِ (فِي اللُّبْسِ) لِمُحِيطٍ مَمْنُوعٍ لُبْسُهُ بِالْإِحْرَامِ (انْتِفَاعٌ) بِالْمَلْبُوسِ (مِنْ) دَفْعِ (حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ) أَيْ شَأْنًا، وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالْفِعْلِ فَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا شَفَّافًا لَا يَقِي حَرًّا وَلَا بَرْدًا وَتَرَاخَى زَمَنًا طَوِيلًا فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. فَفِي الْجَوَاهِرِ الْفِدْيَةُ إذَا انْتَفَعَ بِاللُّبْسِ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ دَامَ عَلَيْهِ كَالْيَوْمِ (لَا) فِدْيَةَ عَلَيْهِ (إنْ) لَبِسَ مُحِيطًا مَمْنُوعًا وَ(نَزَعَ) هـ (مَكَانَهُ) أَيْ: فَوْرًا وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ مِنْ حَرٍّ وَلَا بَرْدٍ (وَفِي) الْفِدْيَةِ بِانْتِفَاعِهِ بِالْمَلْبُوسِ فِي (صَلَاةٍ) وَلَوْ رَبَاعِيَةً طَوَّلَ فِيهَا وَعَدَمُهَا (قَوْلَانِ) لَمْ يَطَّلِعْ
[ ٢ / ٣٢٧ ]
وَلَمْ يَأْثَمْ إنْ فَعَلَ لِعُذْرٍ، وَهِيَ نُسُكٌ بِشَاةٍ فَأَعْلَى، أَوْ إطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلٍّ مُدَّانِ: كَالْكَفَّارَةِ
_________________
(١) [منح الجليل] الْمُصَنِّفُ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ أَحَدِهِمَا. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تُعَدُّ طُولًا أَمْ لَا، وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّارِحِينَ. وَفِي الْحَطّ عَنْ سَنَدٍ بَعْدَ ذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ " - ﵄ - " قَالَ فَمَرَّةً نَظَرَ إلَى حُصُولِ الْمَنْفَعَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَظَرَ مَرَّةً إلَى التَّرَفُّهِ وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالطُّولِ. الْحَطّ هَذَا هُوَ التَّوْجِيهُ الظَّاهِرُ لَا مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِطُولٍ لِمَا عَلِمْت مِمَّا تَقَدَّمَ اهـ. وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ أَنَّ الطُّولَ كَالْيَوْمِ كَمَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ وَغَيْرِهِمَا وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ سَوَاءٌ طُولٌ فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا خِلَافًا لِمَا فِي عب عَنْ الشَّارِحِ. . (وَلَمْ يَأْثَمْ) الْمُحْرِمُ (إنْ فَعَلَ) مُوجِبَ الْفِدْيَةِ (لِعُذْرٍ) حَاصِلٍ أَوْ خِيفَ حُصُولُهُ هَذَا قَوْلُ التَّاجُورِيِّ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ عب، وَأَقَرَّهُ الْبُنَانِيُّ. وَظَاهِرُ نَقْلِ الْمَوَّاقِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُصُولِهِ وَمَفْهُومٌ لِعُذْرِ إثْمِهِ إنْ فَعَلَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَا تَرْفَعُ الْفِدْيَةُ إثْمَهُ كَمَا أَنَّ الْعُذْرَ لَا يَرْفَعُ الْفِدْيَةَ (وَهِيَ) أَيْ: الْفِدْيَةُ (نُسُكٌ) بِضَمِّ النُّونِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: عِبَادَةٌ مُضَافٌ أَوْ مُنَوَّنٌ مُبْدَلٌ مِنْهُ (شَاةٍ) بِالْجَرِّ عَلَى الْأَوَّلِ وَالرَّفْعِ عَلَى الثَّانِي، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِشَاةٍ الْبَدْرِ يُشْتَرَطُ فِيهَا سِنٌّ وَسَلَامَةُ الْأُضْحِيَّةِ كَمَا تُفِيدُهُ الْمُدَوَّنَةُ وَالظَّاهِرُ اشْتِرَاطُ ذَبْحِهَا وَأَنَّهُ لَا يُجْزِي إعْطَاؤُهَا لِلْمَسَاكِينِ حَيَّةً (فَأَعْلَى) أَيْ: أَفْضَلُ مِنْ الشَّاةِ وَهِيَ الْبَقَرَةُ، وَأَعْلَى مِنْ الْبَقَرَةِ الْبَدَنَةُ قَالَهُ الْبَاجِيَّ وَالْآبِيُّ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَارْتَضَى أَبُو الْحَسَنِ فِي مَنْسَكِهِ أَنَّ الشَّاةَ أَفْضَلُ فَالْبَقَرَةُ فَالْبَدَنَةُ، فَعَلَى هَذَا مَعْنَى أَعْلَى أَكْثَرُ لَحْمًا وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا. (أَوْ إطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ) أَيْ: لَا يَمْلِكُونَ قُوتَ عَامٍ فَشَمِلَ الْفُقَرَاءَ (لِكُلٍّ) مِنْهُمْ (مُدَّانِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَشَدِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مُثَنَّى مُدٍّ نَبَوِيٍّ مِلْءُ جِفَانٍ مُتَوَسِّطٍ لَا مَقْبُوضٍ وَلَا مَبْسُوطٍ فَهِيَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ (كَالْكَفَّارَةِ) لِلْيَمِينِ فِي كَوْنِهَا مِنْ غَالِبِ قُوتِ أَهْلِ الْبَلَدِ لَا غَالِبِ قُوتِهِ، وَكَوْنُهَا بِمُدِّهِ - ﵊ - إذْ بِهِ تُؤَدَّى جَمِيعُ الْكَفَّارَاتِ سِوَى كَفَّارَةِ الظِّهَارِ الْبَدْرُ الظَّاهِرُ، أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَيَأْتِي حُكْمُهَا فِي بَابِ الْيَمِينِ فِي قَوْلِهِ فَلَا تُجْزِئُ
[ ٢ / ٣٢٨ ]
أَوْ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ أَيَّامَ مِنًى، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَان؛ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالذَّبْحِ الْهَدْيَ فَكَحُكْمِهِ، وَلَا يُجْزِئُ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ إنْ لَمْ يَبْلُغْ مُدَّيْنِ.
وَالْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ وَأَفْسَدَ مُطْلَقًا:
_________________
(١) [منح الجليل] مُلَفَّقَةٌ وَلَا مُكَرَّرٌ لِمِسْكِينٍ وَنَاقِصٌ كَعِشْرِينَ لِكُلٍّ نِصْفٌ لَا الصَّوْمُ وَلَا الظِّهَارُ؛ لِأَنَّهَا مُرَتَّبَةٌ. (أَوْ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) إنْ كَانَتْ غَيْرَ أَيَّامِ مِنًى بَلْ (وَلَوْ) كَانَتْ (أَيَّامَ مِنًى) الثَّلَاثَةَ الَّتِي بَعْدَ يَوْمِ الْعِيدِ (وَلَمْ يَخْتَصَّ) النُّسُكُ ذَبْحًا أَوْ نَحْرًا أَوْ إطْعَامًا أَوْ صِيَامًا (بِزَمَانٍ أَوْ مَكَان) قَالَهُ تت، وَمُقْتَضَاهُ إطْلَاقُ النُّسُكِ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَمُقْتَضَى الْمُصَنِّفِ وَالْآيَةِ اخْتِصَاصُهُ بِالشَّاةِ فَأَعْلَى (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ) الْمُفْتَدِي (بِالذِّبْحِ) بِكَسْرِ الذَّالِ أَيْ الْمَذْبُوحُ وَمِثْلُهُ الْمَنْحُورُ (الْهَدْيَ) أَوْ يُقَلِّدَ وَيُشْعِرَ مَا يُقَلِّدُ وَيُشْعِرُ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الْهَدْيَ كَمَا يُفِيدُهُ الْمَوَّاقُ (فَ) يَصِيرُ حُكْمُهُ (كَحُكْمِهِ) أَيْ: الْهَدْيِ فِي أَنَّ مَحَلَّهُ مِنًى إنْ وَقَفَ بِهِ فِي عَرَفَةَ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَسَاقَهُ فِي حَجٍّ وَبَقِيَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ وَإِلَّا فَعَلَهُ فِي مَكَّةَ، وَشُرِطَ جَمْعُهُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ (طفى) نِيَّةُ الْهَدْيِ كَافِيَةٌ فِي كَوْنِ حُكْمِهِ كَالْهَدْيِ كَمَا يُفِيدُهُ الْبَاجِيَّ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ، وَالتَّقْلِيدُ وَالْإِشْعَارُ بِمَنْزِلَةِ النِّيَّةِ كَمَا يُفِيدُهُ نَقْلُ الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْفَاكِهَانِيُّ وَلَا يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ فَكَحُكْمِهِ الْأَكْلُ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا بَعْدَ الْمَحَلِّ وَلَوْ جُعِلَتْ هَدْيًا. (وَلَا يُجْزِئُ) عَنْ إطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينِ لِكُلٍّ مُدَّانِ (غَدَاءً وَعَشَاءً) بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا وَإِهْمَالِ الدَّالِ وَلَا غَدَاءَانِ وَلَا عَشَاءَانِ (إنْ لَمْ يَبْلُغْ) مَا ذَكَرَ (مُدَّيْنِ) لِكُلِّ مِسْكِينٍ فَإِنْ بَلَغَهُمَا أَجْزَأَ وَالْأَفْضَلُ الْأَمْدَادُ كَمَا يُفِيدُهُ فِي الظِّهَارِ وَلَا أُحِبُّ الْغَدَاءَ وَالْعَشَاءَ كَفِدْيَةِ الْأَذَى. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفِدْيَةِ وَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنَّهَا مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ وَهُوَ الْغَالِبُ فِي أَكْلِ شَخْصٍ فِي يَوْمِ الْفِدْيَةِ لِكُلٍّ مُدَّانِ فَهُمَا قَدْرُ أَكْلِهِ فِي يَوْمَيْنِ. (وَ) حَرُمَ عَلَيْهِمَا (الْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ) وَلَوْ عُلِمَتْ السَّلَامَةُ (وَأَفْسَدَ) الْجِمَاعُ الْإِحْرَامَ حَالَ كَوْنِهِ (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا أَوْ إكْرَاهًا فِي قُبُلٍ
[ ٢ / ٣٢٩ ]
كَاسْتِدْعَاءِ مَنِيٍّ، وَإِنْ بِنَظَرٍ، وَإِنْ وَقَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ مُطْلَقًا، أَوْ بَعْدَهُ إنْ وَقَعَ قَبْلَ إفَاضَةٍ وَعَقَبَةٍ: يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ، وَإِلَّا فَهَدْيٌ: كَإِنْزَالٍ ابْتِدَاءً
_________________
(١) [منح الجليل] أَوْ دُبُرٍ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ بَعْدَ فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ مِنْ بَالِغٍ وَمُوجِبًا لِلْغُسْلِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ. وَيُفْسِدُ الْحَجَّ مَغِيبُ الْحَشَفَةِ كَمَا مَرَّ فِي الْغُسْلِ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْجِمَاعُ وَالْمَنِيُّ فِي الْإِفْسَادِ عَلَى نَحْوٍ مُوجِبٍ الْكَفَّارَةَ فِي رَمَضَانَ التَّوْضِيحُ كَأَنَّ الْمُصَنِّفَ يُشِيرُ إلَى أَنَّ مَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فِي رَمَضَانَ يُوجِبُ الْفَسَادَ هُنَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مُوجِبَ الْكَفَّارَةِ فِي الصَّوْمِ هُوَ الْجِمَاعُ الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ. وَشَبَّهَ فِي الْإِفْسَادِ فَقَالَ (كَاسْتِدْعَاءِ مَنِيٍّ) بِقُبْلَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ بَلْ (وَإِنْ) اسْتَدْعَاهُ فَخَرَجَ (بِنَظَرٍ) أَيْ: إدَامَتِهِ وَكَذَا بِإِدَامَةِ فِكْرٍ فَإِنْ لَمْ يَدُمْ فَلَا يَفْسُدُ وَيُنْدَبُ الْهَدْيُ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ عَنْ الْأَبْهَرِيِّ وَفِي الْحَطّ مَا يُفِيدُ أَنَّ هَذَا مُقَابِلُ الرَّاجِحِ مِنْ وُجُوبٍ لِهَدْيٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَقَيَّدَ الْإِفْسَادَ بِقَوْلِهِ (إنْ وَقَعَ) الْجِمَاعُ (قَبْلَ الْوُقُوفِ) بِعَرَفَةَ فَيُفْسِدُهُ (مُطْلَقًا) أَيْ: فَعَلَا شَيْئًا كَطَوَافِ الْقُدُومِ وَالسَّعْيِ أَمْ لَا. الْحَطّ بَعْدَمَا فَسَّرَ الْإِطْلَاقَ بِمَا ذَكَرَ لَمَّا كَانَ طَوَافُ الْقُدُومِ وَالسَّعْيُ شَبِيهَيْنِ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ وَاجِبًا وَرُكْنًا. وَفَصَّلَ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ حَسُنَتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ بِالْإِطْلَاقِ. (أَوْ) وَقَعَ الْجِمَاعُ (بَعْدَهُ) أَيْ الْوُقُوفِ فَيَفْسُدُ (إنْ وَقَعَ) الْجِمَاعُ (قَبْلَ) طَوَافِ (إفَاضَةٍ وَ) رَمْيِ جَمْرَةِ (عَقَبَةٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ) لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ. الْحَطّ لَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصَاصُ الْفَسَادِ بِيَوْمِ النَّحْرِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقَعْ قَبْلَهُمَا يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ بِأَنْ وَقَعَ قَبْلَهُمَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَ أَحَدِهِمَا يَوْمَ النَّحْرِ (فَهَدْيٌ) وَاجِبٌ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثَةِ مِنْ غَيْرِ إفْسَادٍ، وَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا مَا وَقَعَ بَعْدَهُمَا يَوْمَ النَّحْرِ لِقَوْلِهِ سَابِقًا وَحُلَّ بِهِ مَا بَقِيَ. وَشَبَّهَ فِي الْهَدْيِ فَقَالَ (كَإِنْزَالِ) الْمَنِيِّ (ابْتِدَاءً) أَيْ بِمُجَرَّدِ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ وَلَوْ
[ ٢ / ٣٣٠ ]
وَإِمْذَائِهِ، وَقُبْلَتِهِ، وَوُقُوعِهِ بَعْدَ سَعْيٍ فِي عُمْرَتِهِ، وَإِلَّا فَسَدَتْ.
وَوَجَبَ إتْمَامُ الْمُفْسَدِ، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَحْرَمَ،
_________________
(١) [منح الجليل] قَصَدَ بِهِمَا لَذَّةً، فَإِنْ خَرَجَ بِلَا لَذَّةٍ أَوْ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ (وَإِمْذَائِهِ) فِيهِ الْهَدْيُ سَوَاءٌ خَرَجَ ابْتِدَاءً أَوْ بِإِدَامَةِ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ أَوْ قُبْلَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (وَقُبْلَتِهِ) بِدُونِ مَنِيٍّ وَمَذْيٍ فِيهَا هَدْيٌ إذَا كَانَتْ عَلَى الْفَمِ لِغَيْرِ وَدَاعٍ وَرَحْمَةٍ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَخْرُجَ بِهَا مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ فَحُكْمُهُ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْجَسَدِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُلَامَسَةِ إنْ خَرَجَ بِهَا مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ أَوْ كَثُرَتْ فَهَدْيٌ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ فِيهَا وَلَوْ قَصَدَ اللَّذَّةَ أَوْ وَجَدَهَا. (وَوُقُوعِهِ) أَيْ: الْجِمَاعِ مِنْ مُعْتَمِرٍ (بَعْدَ) فَرَاغِ (سَعْيٍ فِي عُمْرَتِهِ) قَبْلَ تَحَلُّلِهِ مِنْهَا فَلَا يُفْسِدُهَا لِتَمَامِ أَرْكَانِهَا وَفِيهِ هَدْيٌ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقَعْ بَعْدَ سَعْيٍ فِيهَا بِأَنْ وَقَعَ فِي السَّعْيِ أَوْ قَبْلَهُ (فَسَدَتْ) عُمْرَتُهُ فَاَلَّذِي يُفْسِدُ الْحَجَّ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ وَيُوجِبُ الْهَدْيَ فِي بَعْضٍ آخَرَ وَهُوَ الْجِمَاعُ، وَالْإِنْزَالُ يُفْسِدُ الْعُمْرَةَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَيُوجِبُ الْهَدْيَ فِي بَعْضٍ آخَرَ. وَأَمَّا مَا لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ وَيُوجِبُ الْهَدْيَ فَقَطْ فَلَا يُوجِبُهُ فِي الْعُمْرَةِ إذْ هِيَ أَخَفُّ، هَذَا ظَاهِرُ الشَّارِحِ وَغَيْرِهِ، وَاسْتَظْهَرَ س إيجَابَ الْهَدْيِ فِيهَا. أَيْضًا الْبُنَانِيُّ وَهُوَ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ عُمُومُ كَلَامِ الْبَاجِيَّ الَّذِي فِي الْحَطّ وَالتَّوْضِيحِ. (وَوَجَبَ) عَلَى الْمُكَلَّفِ (إتْمَامُ) النُّسُكِ (الْمُفْسَدِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ السِّينِ مِنْ عُمْرَةٍ أَوْ حَجٍّ أَدْرَكَ وُقُوفَهُ وَإِنْ كَانَ الْفَسَادُ قَبْلَهُ فَيُتِمُّهُ بِالْوُقُوفِ وَنُزُولِ مُزْدَلِفَةَ وَمَبِيتِهَا وَوُقُوفِ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ عَقِبَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ قَدَّمَهُ، وَمَبِيتِ مِنًى وَرَمْيِهَا وَالتَّحْصِيبِ فَإِنْ فَاتَهُ وُقُوفُهُ وَجَبَ تَحَلُّلُهُ مِنْهُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبَقَاءُ عَلَى إحْرَامِهِ الْفَاسِدِ لِعَامٍ قَابِلٍ فَإِنَّهُ تَمَادَى عَلَى فَاسِدٍ يُمْكِنُ التَّحَلُّلُ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَإِنْ أَفْسَدَ ثُمَّ فَاتَ أَوْ بِالْعَكْسِ وَإِنْ بِعُمْرَةِ التَّحَلُّلِ تَحَلَّلَ وَقَضَاهُ دُونَهَا فَهُوَ تَقْيِيدٌ لِمَا هُنَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُتِمَّهُ سَوَاءٌ ظَنَّ إبَاحَةَ قَطْعِهِ أَمْ لَا (فَهُوَ) أَيْ: الْإِحْرَامُ الْفَاسِدُ بَاقٍ (عَلَيْهِ) إنْ لَمْ يُحْرِمْ بِالْقَضَاءِ بَلْ. (وَإِنْ أَحْرَمَ) بِغَيْرِهِ فَهُوَ لَغْوٌ وَلَوْ قَصَدَ بِهِ قَضَاءَ الْمُفْسَدِ فَلَا يَكُونُ مَا أَحْرَمَ بِهِ قَضَاءً
[ ٢ / ٣٣١ ]
وَلَمْ يَقَعْ قَضَاؤُهُ إلَّا فِي ثَالِثِهِ، وَفَوْرِيَّةُ الْقَضَاءِ وَإِنْ تَطَوُّعًا، وَقَضَاءُ الْقَضَاءِ، وَنَحْرُ هَدْيٍ فِي الْقَضَاءِ
_________________
(١) [منح الجليل] عَنْهُ عِنْدَ إمَامِنَا مَالِكٍ " - ﵁ - "، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِمَا أَحْرَمَ بِهِ وَإِتْمَامُهُ إتْمَامٌ لِلْمُفْسَدِ (وَلَمْ) الْأَوْلَى وَلَا (يَقَعْ قَضَاؤُهُ) أَيْ: الْمُفْسَدَ (إلَّا فِي) سَنَةٍ (ثَالِثَةٍ) إنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ فَوَاتِ وُقُوفِ الثَّانِي وَإِلَّا أُمِرَ بِالتَّحَلُّلِ مِنْ الْفَاسِدِ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ وَلَوْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَقْضِيهِ فِي الْعَامِ الثَّانِي. وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنْ لَمْ يُتِمَّهُ ثُمَّ أَحْرَمَ لِلْقَضَاءِ فِي سَنَةٍ أُخْرَى فَهُوَ عَلَى مَا أَفْسَدَ وَلَمْ يَقَعْ قَضَاؤُهُ إلَّا فِي ثَالِثَةٍ. (وَ) وَجَبَ (فَوْرِيَّةُ الْقَضَاءِ) لِمَا أَفْسَدَهُ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ فَاسِدِهِمَا وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِتَرَاخِي الْحَجِّ وَلَمْ يَخَفْ فَوَاتَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ إنْ كَانَ مَا أَفْسَدَهُ فَرْضًا بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (تَطَوُّعًا)؛ لِأَنَّ تَطَوُّعَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنْ النَّفْلِ الَّذِي يَجِبُ تَكْمِيلُهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ وَالْقَضَاءُ مِنْ جُمْلَةِ التَّكْمِيلِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّوْضِيحِ تَقْدِيمُ قَضَاءِ التَّطَوُّعِ عَلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. (وَ) وَجَبَ (قَضَاءُ الْقَضَاءِ) مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ إنْ أَفْسَدَهُ فَيَأْتِي بِحَجَّتَيْنِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إحْدَاهُمَا قَضَاءٌ عَنْ الْحَجَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ قَضَاءٌ عَنْ قَضَائِهَا الَّذِي أَفْسَدَهُ، وَيُهْدِي مَعَ كُلِّ حَجَّةٍ هَدْيًا. وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ كَثُرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي قَضَاءِ الْقَضَاءِ الْمُفْسَدِ مَعَ الْأَوَّلِ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدٍ وَالْمَشْهُورُ أَنْ لَا قَضَاءَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ. قَالَ التَّوْضِيحُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ وَالْمَشْهُورُ أَنْ لَا قَضَاءَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ هُنَا الْقَضَاءُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَجَّ لَمَّا كَانَتْ كُلْفَتُهُ شَدِيدَةً شَدَّدَ فِيهِ بِقَضَاءِ الْقَضَاءِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يُتَهَاوَنَ بِهِ، وَفَرْقٌ آخَرُ أَنَّ الْقَضَاءَ فِي الْحَجِّ عَلَى الْفَوْرِ وَإِذَا كَانَ عَلَى الْفَوْرِ صَارَتْ حَجَّةُ الْقَضَاءِ كَأَنَّهَا حَجَّةٌ مُعَيَّنَةٌ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ، فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ إنْ أَفْسَدَهَا كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا زَمَانُ قَضَاءِ الصَّوْمِ فَلَيْسَ بِمُعَيَّنٍ. (وَ) وَجَبَ (نَحْرُ هَدْيٍ فِي) زَمَنِ (الْقَضَاءِ) حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَلَا يُقَدِّمُهُ زَمَنَ إتْمَامِ الْمُفْسَدِ فَيُؤَخِّرُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِيَجْتَمِعَ الْجَابِرُ وَالنُّسُكِيُّ وَالْمَالِيُّ وَالْوُجُوبُ مُنْصَبٌّ عَلَى الْهَدْيِ
[ ٢ / ٣٣٢ ]
وَاتَّحَدَ، وَإِنْ تَكَرَّرَ لِنِسَاءٍ، بِخِلَافِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ، وَأَجْزَأَ إنْ عَجَّلَ، وَثَلَاثَةٌ إنْ أَفْسَدَ قَارِنًا ثُمَّ فَاتَهُ وَقَضَى، وَعُمْرَةٌ إنْ وَقَعَ قَبْلَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَعَلَى كَوْنِ نَحْرِهِ فِي الْقَضَاءِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ شَرْطٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَأَجْزَأَ إنْ عَجَّلَ. وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ وُجُوبُهُ لِلْقَضَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لِلْفَسَادِ. فَلَوْ قَالَ: وَنَحَرَ هَدْيَهُ فِيهِ وَيَكُونُ ضَمِيرُ هَدْيِهِ لِلْفَسَادِ وَفِيهِ لِلْقَضَاءِ لَكَانَ أَحْسَنَ (وَاتَّحَدَ) هَدْيُ الْفَسَادِ إنْ اتَّحَدَ مُوجِبُ الْفَسَادِ بَلْ (وَإِنْ تَكَرَّرَ) مُوجِبُهُ بِوَطْءٍ (لِنِسَاءٍ) أَيْ: فِيهِنَّ (بِخِلَافِ صَيْدٍ) فَيَتَعَدَّدُ جَزَاؤُهُ بِتَعَدُّدِهِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْهُ وَالْعِوَضُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمُعَوَّضِ (وَ) بِخِلَافِ (فِدْيَةٍ) فَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ سَبَبِهَا إلَّا فِي الْمَوَاضِعِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي قَوْلِهِ وَاتَّحَدَتْ إنْ ظَنَّ الْإِبَاحَةَ إلَخْ. (وَأَجْزَأَ) هَدْيُ الْفَسَادِ (إنْ عُجِّلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا مَعَ إتْمَامِ الْمُفْسَدِ (وَ) وَجَبَ هَدَايَا (ثَلَاثَةٌ إنْ أَفْسَدَ) الْحَجَّ حَالَ كَوْنِهِ (قَارِنًا) أَوْ مُتَمَتِّعًا (ثُمَّ) بَعْدَ أَخْذِهِ فِي إتْمَامِهِ (فَاتَهُ) وُقُوفُهُ أَوْ فَاتَهُ وُقُوفُهُ ثُمَّ أَفْسَدَهُ (وَقَضَى) قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا بِهَدْيٍ لِلْإِفْسَادِ وَهَدْيٍ لِلْفَوَاتِ وَهَدْيٍ لِلْقُرْآنِ أَوْ التَّمَتُّعِ الصَّحِيحِ الَّذِي جَعَلَهُ قَضَاءً، وَسَقَطَ هَدْيُ الْقُرْآنِ أَوْ التَّمَتُّعِ الَّذِي فَسَدَ وَفَاتَ لِانْقِلَابِهِ عُمْرَةً فَلَمْ يَحُجَّ الْقَارِنُ بِإِحْرَامِهِ وَلَا الْمُتَمَتِّعُ مِنْ عَامِهِ، وَسَيُفِيدُ هَذَا بِقَوْلِهِ لَا دَمَ قِرَانٍ وَمُتْعَةٍ لِلْفَائِتِ. فَإِنْ قُلْت: قَوْلُهُ وَقَضَى صَادِقٌ بِقَضَائِهِ قَارِنًا وَبِقَضَائِهِ مُفْرِدًا فَمِنْ أَيْنَ عُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ الْأَوَّلُ. قُلْت مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي لَا قِرَانَ عَنْ إفْرَادٍ إلَخْ (وَعُمْرَةٌ) عَطْفٌ عَلَى هَدْيٌ مِنْ قَوْلِهِ وَإِلَّا فَهَدْيٌ فَلَوْ وَصَلَهُ بِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ إذْ ذِكْرُهُ هُنَا يُوهِمُ اتِّصَالَهُ بِمَا قَبْلَهُ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ، أَيْ: حَيْثُ قُلْنَا بِعَدَمِ الْفَسَادِ فَهَدْيٌ وَيَجِبُ مَعَهُ عُمْرَةٌ يَأْتِي بِهَا بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى (إنْ وَقَعَ) الْوَطْءُ غَيْرُ الْمُفْسِدِ لِلْحَجِّ (قَبْلَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ) لِلْإِفَاضَةِ صَادِقٌ بِهِ بِوُقُوعِهِ قَبْلَ الطَّوَافِ وَبِوُقُوعِهِ بَعْدَهُ وَقَبْلَ رَكْعَتَيْهِ، وَكَذَا إنْ وَقَعَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَقَبْلَ السَّعْيِ لِمَنْ لَمْ يَسْعَ
[ ٢ / ٣٣٣ ]
وَإِحْجَاجُ مُكْرَهَةٍ وَإِنْ نَكَحَتْ غَيْرَهُ،
_________________
(١) [منح الجليل] عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ، فَفِي مَفْهُومِ قَبْلَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ تَفْصِيلٌ لِيَأْتِيَ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ لَا خَلَلَ فِيهِمَا. فَإِنْ وَقَعَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ لِمَنْ قَدَّمَ السَّعْيَ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ بَعْدَ السَّعْيِ لِمَنْ لَمْ يُقَدِّمْهُ قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَلَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ لِسَلَامَةِ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ مِنْ الْخَلَلِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ إذَا لَمْ نَقُلْ بِالْإِفْسَادِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ عَلَيْهِ هَدْيًا. وَاخْتُلِفَ فِي الْعُمْرَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ. أَنَّ عَلَيْهِ عُمْرَةً كَانَ وَطْؤُهُ قَبْلَ الطَّوَافِ أَوْ بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ. الثَّالِثُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَانَ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ أَوْ بَعْدَهَا بِأَنْ نَسِيَ شَوْطًا مِنْهَا أَوْ قَبْلَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فَعَلَيْهِ الْعُمْرَةُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ وَتَضْعِيفُهُ إسْمَاعِيلَ بِأَنَّ عُمْرَتَهُ تُوجِبُ طَوَافَهَا فَلَا يَصِحُّ لَهَا. وَلِلْإِفَاضَةِ مَعًا يُرَدُّ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إتْيَانُهُ بِطَوَافٍ فِي إحْرَامٍ لَا ثَلَمَ فِيهِ لَا يُقَيِّدُ أَنَّهُ إفَاضَةٌ. وَرَدَّهُ أَيْضًا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ سَبَبُ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ جَبْرَ الْأَوَّلِ فَلَا نُسَلِّمُ إيجَابَهَا طَوَافًا غَيْرَ الْأَوَّلِ. (وَ) وَجَبَ عَلَى مَنْ أَكْرَهَ امْرَأَةً عَلَى جِمَاعِهِ إيَّاهَا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً أَذِنَ لَهَا فِي الْإِحْرَامِ أَمْ لَا (إحْجَاجُ مُكْرَهَةٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ وَهَدْيٌ عَنْهَا مِنْ مَالِهِ، وَمَفْهُومُ وَمُكْرَهَةٍ أَنَّ الطَّائِعَةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إحْجَاجُهَا وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ وَالْهَدْيُ مِنْ مَالِهَا، وَطَوْعُ أَمَتِهِ إكْرَاهٌ إلَّا أَنْ تَطْلُبَهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، أَيْ: أَوْ تَتَزَيَّنَ لَهُ إنْ كَانَتْ الْمُكْرَهَةُ بَاقِيَةً فِي عِصْمَتِهِ أَوْ مِلْكِهِ. بَلْ (وَإِنْ) طَلَّقَهَا وَ(نَكَحَتْ) الزَّوْجَةُ الْمُكْرَهَةُ (غَيْرَهُ) أَيْ: الْمُكْرِهِ وَيُجْبَرُ الزَّوْجُ الثَّانِي عَلَى إذْنِهِ لَهَا فِي قَضَاءِ الْمُفْسَدِ أَوْ بَاعَ الْأَمَةَ الَّتِي أَكْرَهَهَا وَبَيْعُهَا جَائِزٌ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَيَجِبُ بَيَانُ وُجُوبِ قَضَاءِ الْمُفْسَدِ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهَا بِهِ. ابْنُ يُونُسَ فَإِنْ فَلِسَ الزَّوْجُ الْمُكْرَهُ حَاصَّتْ زَوْجَتُهُ الْمُكْرَهَةُ غُرَمَاءَهُ بِمُؤْنَةِ حَجِّهَا وَهَدْيِهَا وَوَقْفِ
[ ٢ / ٣٣٤ ]
وَعَلَيْهَا إنْ أَعْدَمَ وَرَجَعَتْ عَلَيْهِ: كَالْمُتَقَدِّمِ وَفَارَقَ مَنْ أَفْسَدَ مَعَهُ
_________________
(١) [منح الجليل] مَا يَصِيرُ لَهَا حَتَّى تَحُجَّ بِهِ وَتُهْدِيَ مِنْهُ، فَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ رَجَعَ مَا نَابَهَا لِمُؤْنَةِ الْحَجِّ لِغُرَمَائِهِ وَنَفَذَ الْهَدْيُ، وَإِنْ أَكْرَهَ رَجُلًا عَلَى وَطْءِ امْرَأَةٍ مُكْرَهَةً فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُكْرِهِ بِالْكَسْرِ إلَّا الْإِثْمُ وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ، وَعَلَى الرَّجُلِ الْمُكْرَهِ بِالْفَتْحِ إحْجَاجُهَا؛ لِأَنَّ انْتِشَارَهُ دَلِيلٌ اخْتِيَارِهِ قَرَّرَهُ عج الْبُنَانِيُّ يُمْكِنُ إدْخَالُ هَذِهِ الصُّورَةِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مُكْرَهَةٍ بِأَنْ يُقَالَ مُكْرَهَةٌ لَهُ سَوَاءٌ أَكْرَهَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ، وَفِي قَوْلِهِ وَعَلَى الْمُكْرَهِ بِالْفَتْحِ إحْجَاجُهَا إلَخْ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ اهـ. (وَ) يَجِبُ الْحَجُّ وَالْهَدْيُ (عَلَيْهَا) أَيْ الْمُكْرَهَةِ بِالْفَتْحِ مِنْ مَالِهَا (إنْ أَعْدَمَ) مُكْرِهُهَا بِالْكَسْرِ (وَرَجَعَتْ) الْمُكْرَهَةُ بِالْفَتْحِ بِعِوَضِ مَا أَنْفَقَتْهُ مِنْ مَالِهَا فِي حَجِّهَا وَهَدْيِهَا عَلَى الْمُكْرِهِ بِالْكَسْرِ إنْ أَيْسَرَ (كَ) الرُّجُوعِ (الْمُتَقَدِّمِ) فِي رُجُوعِ مَنْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ طِيبٌ أَوْ عَلَى رَأْسِهِ سَاتِرٌ وَهُوَ نَائِمٌ وَلَمْ يَجِدْ الْمُلْقِي شَيْئًا يَفْتَدِي بِهِ عَنْهُ فَافْتَدَى الْمُحْرِمُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ ثُمَّ أَيْسَرَ الْمُلْقِي فِي كَوْنِهِ بِالْأَقَلِّ فَتَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ كِرَاءِ الْمِثْلِ وَمَا اكْتَرَتْ بِهِ إنْ اكْتَرَتْ، وَبِالْأَقَلِّ مِمَّا أَنْفَقَتْهُ، وَمِنْ نَفَقَةِ مِثْلِهَا فِي السَّفَرِ بِلَا إسْرَافٍ وَفِي الْهَدْيِ بِالْأَقَلِّ مِنْ ثَمَنِهِ وَقِيمَتِهِ إنْ كَانَتْ اشْتَرَتْهُ وَبِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِهَا. وَفِي الْفِدْيَةِ بِالْأَقَلِّ مِنْ مِثْلِ كَيْلِ الطَّعَامِ وَقِيمَةِ الشَّاةِ إنْ كَانَ الطَّعَامُ مِنْ عِنْدِهَا أَوْ ثَمَنِهِ إنْ اشْتَرَتْهُ هَذَا إنْ افْتَدَتْ بِطَعَامٍ، وَإِنْ افْتَدَتْ بِشَاةٍ مِنْ عِنْدِهَا فَبِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ الطَّعَامِ، وَإِنْ كَانَتْ اشْتَرَتْهَا فَبِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ الطَّعَامِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْأَقَلِّيَّةِ يَوْمُ الرُّجُوعِ لَا يَوْمُ الْإِخْرَاجِ فِي التَّوْضِيحِ التُّونُسِيُّ لَوْ كَانَ النُّسُكُ بِالشَّاةِ أَرْفَقَ لَهَا حِينَ نَسَكَتْ وَهُوَ مُعْسِرٌ ثُمَّ أَيْسَرَ وَقَدْ غَلَا النُّسُكُ وَرَخُصَ الطَّعَامُ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ الطَّعَامُ إذْ هُوَ الْآنَ أَقَلُّ قِيمَةً مِنْ قِيمَةِ النُّسُكِ الَّذِي نَسَكَتْ بِهِ. (وَفَارَقَ) وُجُوبًا وَقِيلَ نَدْبًا (مَنْ) أَيْ الْمَرْأَةَ الَّتِي (أَفْسَدَ) الْوَاطِئُ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ (مَعَهُ) أَيْ: الْمَرْأَةِ الْمَوْطُوءَةِ، وَذَكَرَ ضَمِيرَهَا مُرَاعَاةً لِلَفْظِ مَنْ، وَأَجْرَى الصِّلَةَ عَلَى
[ ٢ / ٣٣٥ ]
مِنْ إحْرَامِهِ لِتَحَلُّلِهِ، وَلَا يُرَاعَى زَمَنُ إحْرَامِهِ، بِخِلَافِ مِيقَاتٍ إنْ شُرِعَ، وَإِنْ تَعَدَّاهُ؛ فَدَمٌ.
_________________
(١) [منح الجليل] غَيْرِ مَا هِيَ لَهُ وَلَمْ يُبْرِزْ لَا مِنْ اللَّبْسِ، وَصِلَةُ فَارَقَ (مِنْ) حِينِ (إحْرَامِهِ) بِالْقَضَاءِ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً (لِتَحَلُّلِهِ) مِنْهُ بِتَمَامِ الْإِفَاضَةِ وَرَكْعَتَيْهِ وَالسَّعْيِ إنْ لَمْ يَسْعَ عَقِبَ الْقُدُومِ وَحَلْقِهِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِئَلَّا يَعُودَ إلَى مِثْلِ مَا كَانَ مِنْهُ وَأَشْعَرَ إتْيَانُهُ بِالْمَبْدَأِ وَالْغَايَةِ بِأَنَّهَا فِي الْقَضَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا إتْمَامُ الْمُفْسَدِ فَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَتُفِيدُهُ عِلَّتُهَا فِي الْقَضَاءِ بَلْ تُفِيدُ أَنَّهَا فِي الْإِتْمَامِ أَوْلَى لِمَظِنَّةِ التَّسَاهُلِ فِيهِ. وَظَاهِرُ الطِّرَازِ خِلَافُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ الْفَسَادُ حَصَلَ فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِرَاسِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ وُجُوبُ الْإِتْمَامِ يُوجِبُ كَوْنَهُ بِصُورَةٍ لَيْسَ فِيهَا إفْسَادٌ آخَرُ، وَمَفْهُومُ مَنْ أَفْسَدَ مَعَهُ عَدَمُ وُجُوبِ مُفَارَقَةِ غَيْرِهَا وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا زَرُّوقٌ. (وَلَا يُرَاعَى) بِفَتْحِ الْعَيْنِ إحْرَامُهُ بِقَضَاءِ الْمُفْسَدِ (زَمَنَ إحْرَامِهِ) بِالْمُفْسَدِ أَيْ: لَا يَلْزَمُهُ إنْ تَحَرَّمَ بِقَضَاءِ الْمُفْسَدِ مِنْ مِثْلِ الزَّمَنِ الَّذِي كَانَ أَحْرَمَ فِيهِ بِالْمُفْسَدِ فَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِهِ فِي مِثْلِهِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَوْ أَحْرَمَ فِي شَوَّالٍ وَأَفْسَدَهُ فَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِقَضَائِهِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ الْحِجَّةِ. (بِخِلَافِ مِيقَاتٍ) مَكَانِيٍّ أَحْرَمَ مِنْهُ بِالْمُفْسَدِ (إنْ شُرِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ طُلِبَ الْإِحْرَامُ مِنْهُ شَرْعًا كَالْحُلَيْفَةِ لِمَدَنِيٍّ وَالْحُجْفَةِ لِمِصْرِيٍّ، فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِحْرَامُ بِالْقَضَاءِ مِنْهُ. وَلَوْ أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ إتْمَامِ الْمُفْسَدِ لِلْقَابِلِ فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهَا لَزِمَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ (وَإِنْ تَعَدَّاهُ) أَيْ: الْمُحْرِمُ بِقَضَاءٍ لِمُفْسَدِ الْمِيقَاتِ الَّذِي كَانَ أَحْرَمَ مِنْهُ بِالْمُفْسَدِ وَأَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ بَعْدَهُ (فَ) عَلَيْهِ (دَمٌ) وَلَوْ تَعَدَّاهُ بِوَجْهٍ جَائِزٍ كَإِقَامَتِهِ بِمَكَّةَ لِقَابِلٍ، وَهَذَا يُخَصِّصُ قَوْلَهُ فِيمَا مَرَّ وَمَكَانُهُ لَهُ أَيْ: لِمَنْ بِمَكَّةَ مَكَّةُ. وَنُدِبَ بِالْمَسْجِدِ كَخُرُوجِ ذِي النَّفْسِ لِمِيقَاتِهِ. وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ شُرِعَ مِنْ إحْرَامِهِ بِالْمُفْسَدِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ كَمِصْرِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ بِقَضَائِهِ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ كَالْجُحْفَةِ وَمِنْ تَعَدِّيهِ بِإِحْرَامِ الْمُفْسَدِ وَالْإِحْرَامِ بِهِ بَعْدَهُ فَلَا يَتَعَدَّاهُ فِي الْقَضَاءِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِهِ مِنْ مِيقَاتِهِ الشَّرْعِيِّ. وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ " - ﵁ - "
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وَأَجْزَأَ تَمَتُّعٌ عَنْ إفْرَادٍ وَعَكْسِهِ، وَلَا قِرَانَ عَنْ إفْرَادٍ أَوْ تَمَتُّعٍ وَعَكْسِهِمَا. وَلَمْ يَنُبْ قَضَاءُ
_________________
(١) [منح الجليل] أَنَّهُ يُحْرِمُ بِقَضَاءِ الْمُفْسَدِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ بِالْمُفْسَدِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمِيقَاتَ الشَّرْعِيَّ أَوْ بَعْدَهُ وَتَأَوَّلَهُ اللَّخْمِيُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَحْرَمَ مِنْهُ بِوَجْهٍ جَائِزٍ كَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ لِعَدَمِ إرَادَتِهِ مَكَّةَ حِينَ مُرُورِهِ بِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ دُخُولُهَا. وَأَمَّا مَنْ تَعَدَّاهُ أَوَّلًا لِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَا يَتَعَدَّاهُ ثَانِيًا إلَّا مُحْرِمًا وَنَحْوَهُ لِلْبَاجِيِّ وَالتُّونُسِيِّ، وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ إنْ شُرِعَ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِالْعُذْرِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا يُحْرِمُ مُفْسِدُ عُمْرَتِهِ أَوْ حَجِّهِ لِلْقَضَاءِ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ أَوَّلًا إلَّا إنْ كَانَ أَحْرَمَ أَوَّلًا قَبْلَ الْمِيقَاتِ فَمِنْهُ فَإِنْ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ فِي الْقَضَاءِ فَدَمٌ. التُّونُسِيُّ إنْ أَحْرَمَ أَوَّلًا قَبْلَ مِيقَاتِهِ جَهْلًا فَيَكُونُ قَضَاؤُهُ مِنْهُ صَوَابًا وَإِنْ كَانَ تَقَرُّبًا فَالصَّوَابُ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ أَوَّلًا. اللَّخْمِيُّ مَحْمَلُ قَوْلِ مَالِكٍ يُحْرِمُ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ أَوَّلًا عَلَى أَنَّهُ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ أَوَّلًا غَيْرَ مُتَعَدٍّ، وَظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ شَاسٍ الْقَضَاءُ مِنْ الْمِيقَاتِ مُطْلَقًا. (وَأَجْزَأَ تَمَتُّعٌ) قَضَاءً (عَنْ إفْرَادِ) مُفْسَدٍ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ إفْرَادٌ وَزِيَادَةٌ (وَ) أَجْزَأَ (عَكْسُهُ) أَيْضًا وَهُوَ إفْرَادُ قَضَاءٍ عَنْ تَمَتُّعِ مُفْسِدٍ إذْ الْمُفْسَدُ إنَّمَا هُوَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ قَدْ تَمَّتْ قَبْلَهُ صَحِيحَةً، وَمِثْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ النَّوَادِرِ وَالْعُتْبِيَّةِ، وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ يُونُسَ قَالَ وَهُوَ الظَّاهِرُ، خِلَافُ مَا لِابْنِ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ بَشِيرٍ مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ (لَا) يُجْزِئُ (قِرَانٌ) قَضَاءً (عَنْ إفْرَادٍ) مُفْسَدٍ لِنَقْصِ الْقِرَانِ عَنْ الْإِفْرَادِ فِي الْفَضْلِ. (أَوْ) أَيْ: وَلَا يُجْزِئُ قِرَانٌ قَضَاءً عَنْ (تَمَتُّعٍ) مُفْسَدٍ؛ لِأَنَّ الْقِرَانَ عَمَلٌ وَاحِدٌ وَالتَّمَتُّعَ عَمَلَانِ (وَ) لَا يُجْزِئُ (عَكْسُهُمَا) أَيْ الصُّورَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ وَهُوَ إفْرَادٌ عَنْ قِرَانٍ وَتَمَتُّعٌ عَنْ قِرَانٍ، فَالصُّوَرُ الْمَذْكُورَةُ سِتٌّ الْإِجْزَاءُ فِي اثْنَتَيْنِ وَعَدَمُهُ فِي أَرْبَعٍ وَأَصْلُهَا تِسْعٌ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ الْإِفْرَادُ وَالْقِرَانُ وَالتَّمَتُّعُ فِي مِثْلِهَا أَسْقَطَ مِنْهَا ثَلَاثَةَ صُوَرٍ الْمَائِلَةَ لِظُهُورِهَا وَتَعْبِيرُهُ بِأَجْزَأَ مُشْعِرٌ بِعَدَمِ الْجَوَازِ ابْتِدَاءً وَنَحْوَهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ. (وَلَمْ يَنُبْ) بِفَتْحٍ فَضَمٍّ لِمَنْ أَحْرَمَ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ قَبْلَ حَجَّةِ الْفَرْضِ وَأَفْسَدَهُ وَقَضَاهُ (قَضَاءُ)
[ ٢ / ٣٣٧ ]
تَطَوُّعٍ عَنْ وَاجِبٍ، وَكُرِهَ حَمْلُهَا لِلْمَحْمَلِ، وَلِذَلِكَ اُتُّخِذَتْ السَّلَالِمُ، وَرُؤْيَةُ ذِرَاعَيْهَا لَا شَعْرِهَا، وَالْفَتْوَى فِي أُمُورِهِنَّ
_________________
(١) [منح الجليل] حَجِّ (تَطَوُّعٍ) مُفْسَدٍ (عَنْ) حَجِّ (وَاجِبٍ) عَلَيْهِ أَصَالَةً وَهِيَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ أَوْ بِالنَّذْرِ بِدَلِيلِ تَعْبِيرِهِ بِوَاجِبٍ دُونَ فَرْضٍ، سَوَاءٌ نَوَى عِنْدَ إحْرَامِ الْقَضَاءِ الْقَضَاءَ وَالْوَاجِبَ أَوْ الْقَضَاءَ فَقَطْ وَنَوَى نِيَابَتَهُ عَنْ الْوَاجِبِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ فِي الصُّورَتَيْنِ قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ وَهُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ عَنْ وَاجِبٍ، وَنَظَرَ فِيهِ تت، وَاسْتَظْهَرَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْقَضَاءِ أَيْضًا. وَيُؤَيِّدُ الْبِسَاطِيَّ قَوْلُهُ وَإِنْ حَجَّ نَاوِيًا نَذْرَهُ وَفَرْضَهُ أَجْزَأَ عَنْ النَّذْرِ فَقَطْ، فَإِنْ نَوَى الْوَاجِبَ فَقَطْ أَجْزَأَ عَنْهُ وَبَقِيَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مُفْسَدِ التَّطَوُّعِ وَمَفْهُومُ تَطَوُّعٍ أَنَّ مَنْ نَذَرَ حَجًّا وَأَفْسَدَهُ وَقَضَاهُ يَنُوبُ لَهُ عَنْ الْوَاجِبِ إذَا نَوَاهُمَا مَعًا، وَلَكِنَّ تَعْلِيلَ الشَّارِحِ ظَاهِرٌ فِي خِلَافِهِ، وَصَرَّحَ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ عَنْ الْوَاجِبِ أَصَالَةً وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ وَإِنْ حَجَّ نَاوِيًا نَذْرَهُ إلَخْ، وَأَنَّ قَضَاءَ النَّذْرِ مُسَاوٍ لِقَضَاءِ التَّطَوُّعِ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ أَصَالَةً. (وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الزَّوْجُ الْمُحْرِمُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (حَمْلُهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ مُحْرِمَةً أَمْ لَا (لِلْمَحْمِلِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا مَحْرَمُهَا كَأَبِيهَا فَلَا يُكْرَهُ لَهُ حَمْلُهَا كَمَا يَظْهَرُ مِنْ نَقْلِ الْمَوَّاقِ عَنْ الْجَوَاهِرِ مِنْ اخْتِصَاصِ الْكَرَاهَةِ بِالزَّوْجِ وَظَاهِرٌ وَلَوْ مِنْ صِهْرٍ أَوْ رَضَاعٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ يُكْرَهُ لَهُ كَالزَّوْجِ وَالْأَجْنَبِيِّ حَمْلُهُ لَهَا مَمْنُوعٌ حَلَالًا أَكَانَ أَوْ مُحْرِمًا (وَلِذَلِكَ) أَيْ: كُرِهَ حَمْلُ الْمَرْأَةِ لِلْمَحْمِلِ (اُتُّخِذَتْ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (السَّلَالِمُ) الَّتِي تَرْقَى النِّسَاءُ عَلَيْهَا لِلْمَحَامِلِ فِي الْأَسْفَارِ (وَ) كُرِهَ لَهُ (رُؤْيَةُ ذِرَاعَيْهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا وَالظَّاهِرُ حُرْمَةُ مَسِّهِمَا؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى فِي مَظِنَّةِ اللَّذَّةِ مِنْ رُؤْيَتِهِمَا (لَا) يُكْرَهُ رُؤْيَةُ (شَعْرِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ وَالظَّاهِرُ كَرَاهَةُ مَسِّهِ. (وَ) لَا يُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (الْفَتْوَى فِي أُمُورِهِنَّ) وَلَوْ الْمُتَعَلِّقَةَ بِفُرُوجِهِنَّ كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ هَذَا ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ الصَّوَابُ لِقَوْلِ الْجَوَاهِرِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَحْمِلَهَا لِلْمَحْمِلِ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يُفْتِيَ الْمُفْتِي فِي أُمُورِ النِّسَاءِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ. طفى الْمُرَادُ بِلَا
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وَحَرُمَ بِهِ وَبِالْحَرَمِ مِنْ نَحْوِ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ أَوْ خَمْسَةٌ لِلتَّنْعِيمِ، وَمِنْ الْعِرَاقِ ثَمَانِيَةٌ لِلْمَقْطَعِ، وَمِنْ عَرَفَةَ تِسْعَةٌ، وَمِنْ جُدَّةَ
_________________
(١) [منح الجليل] بَأْسَ الْإِبَاحَةُ بِدَلِيلِ مُقَابَلَةِ الْأَئِمَّةِ بِالْمَكْرُوهِ، وَمَا فِي الْجَوَاهِرِ هـ هُوَ لَفْظُ الْمَوَّازِيَّةِ كَمَا فِي مَنَاسِكِ الْمُصَنِّفِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ النَّوَادِرِ. (وَحَرُمَ بِ) سَبَبِ (هـ) أَيْ: الْإِحْرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ صَحِيحًا كَانَ أَوْ فَاسِدًا عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْحَرَمِ أَوْ خَارِجَهُ (وَبِالْحَرَمِ) أَيْ: فِيهِ وَلَوْ لِغَيْرِ مُحْرِمٍ وَفَاعِلُ حَرُمَ تَعَرُّضُ الْآتِي، وَلَمَّا كَانَ لِلْحَرَمِ حُدُودٌ حَدَّدَهَا سَيِّدُنَا إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُرَيْشٌ بَعْدَ قَلْعِهَا، ثُمَّ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ " - ﵁ - " ثُمَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَفِي بَعْضِهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْمُعْتَمَدِ مِنْهُ مُحَدِّدًا لَهَا بِالْمَوَاضِعِ وَالْأَمْيَالِ فَقَالَ وَحَدُّهُ (مِنْ نَحْوِ) أَيْ جِهَةِ (الْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ بِأَنْوَارِ النَّبِيِّ - ﷺ - (أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ أَوْ خَمْسَةٌ) مِنْ الْأَمْيَالِ وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ (لِ) مَبْدَأِ (التَّنْعِيمِ) مِنْ جِهَةِ مَكَّةَ الْمُسَمَّى بِمَسْجِدِ عَائِشَةَ الْآنَ، فَمَا بَيْنَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَالتَّنْعِيمِ حَرَمٌ. وَاخْتُلِفَ فِي مِسَاحَتِهِ فَقِيلَ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ، وَقِيلَ خَمْسَةٌ فَأَوْ لِحِكَايَةِ الْخِلَافِ وَالتَّنْعِيمِ مِنْ الْحِلِّ بِدَلِيلِ مَا مَرَّ أَنَّ مَنْ بِمَكَّةَ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ وَالْقِرَانِ مِنْهُ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ الْخِلَافُ فِي قَدْرِ الْمِيلِ وَفِي الذِّرَاعِ هَلْ هُوَ ذِرَاعُ الْآدَمِيِّ أَوْ الْبَزِّ الْمِصْرِيِّ. (وَ) حَدُّهُ (مِنْ) نَحْوِ (الْعِرَاقِ ثَمَانِيَةٌ) مِنْ الْأَمْيَالِ (لِلْمَقْطَعِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالطَّاءِ بَيْنَهُمَا قَافٌ سَاكِنَةٌ وَبِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَالطَّاءُ مُشَدَّدَةٌ أَيْ: ثَنِيَّةُ جَبَلٍ بِمَكَانٍ يُسَمَّى الْمَقْطَعُ. (وَ) حَدُّهُ مِنْ نَحْوِ (عَرَفَةَ تِسْعَةٌ) مِنْ الْأَمْيَالِ لِطَرْفِ نَمِرَةَ مِنْ جِهَةِ مَكَّةَ وَتُسَمَّى عُرَنَةَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَبِالنُّونِ وَادٍ بَيْنَ الْحَرَمِ وَعَرَفَةَ بِالْفَاءِ. وَحَدُّهُ مِنْ جِهَةِ الْجِعْرَانَةِ تِسْعَةُ أَمْيَالٍ إلَى شِعْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ. وَحَدُّهُ مِنْ جِهَةِ الْيَمَنِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ إلَى أَضَاةَ بِوَزْنِ نَوَاةٍ. (وَ) مِنْ نَحْوِ (جُدَّةَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَشَدِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ قَرْيَةٌ بِسَاحِلٍ الْبَحْرِ غَرْبِيِّ مَكَّةَ
[ ٢ / ٣٣٩ ]
عَشْرَةٌ لِآخِرِ الْحُدَيْبِيَةِ وَيَقِفُ سَيْلُ الْحِلِّ دُونَهُ تَعَرُّضُ بَرِّيٍّ، وَإِنْ تَأَنَّسَ أَوْ لَمْ يُؤْكَلْ، أَوْ طَيْرَ مَاءٍ.
وَجُزْأَهُ وَبَيْضَهُ،
_________________
(١) [منح الجليل] بَيْنَهُمَا مَرْحَلَتَانِ (عَشَرَةٌ) مِنْ الْأَمْيَالِ (لِآخِرِ الْحُدَيْبِيَةِ) بِشَدِّ التَّحْتِيَّةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ " - ﵁ - " بِالتَّخْفِيفِ، وَالْمُرَادُ لِآخِرِهَا مِنْ جِهَةِ الْحِلِّ، فَهِيَ مِنْ الْحَرَمِ قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ " - ﵁ - " وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَةٌ وَاحِدَةٌ. (وَ) أَشَارَ لِسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ تَحْدِيدُ الْحَرَمِ بِأَنَّهُ (يَقِفُ سَيْلُ الْحِلِّ دُونَهُ) أَيْ السَّيْلِ الْجَارِي مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ لَا يَدْخُلُهُ وَأَمَّا السَّيْلُ الْجَارِي مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ فَيَخْرُجُ إلَيْهِ وَهَذَا أَغْلَبِيٌّ فَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْأَزْرَقِيِّ يَدْخُلُهُ مِنْ جِهَةِ التَّنْعِيمِ، وَكَذَا قَوْلُ الْفَاكِهِيِّ مِنْ جِهَاتٍ أُخَرَ وَفَاعِلُ حَرُمَ (تَعَرُّضُ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ آخِرُهُ ضَادٌ مُعْجَمَةٌ حَيَوَانٍ (بَرِّيٍّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: مَنْسُوبٍ لِلْبَرِّ اُحْتُرِزَ بِهِ مِنْ الْبَحْرِيِّ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ التَّعَرُّضُ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] وَفِيهِ حُذِفَ النَّعْتُ أَيْ: وَحْشِيٍّ بِدَلِيلِ الْمُبَالَغَةِ إنْ اسْتَمَرَّ وَحْشِيًّا. بَلْ (وَإِنْ تَأَنَّسَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ: تَطَبَّعَ بِطِبَاعِ الْإِنْسِيِّ وَشَمِلَ الْبَرِّيُّ الْجَرَادَ وَالضُّفْدَعَ الْبَرِّيَّ وَالسُّلَحْفَاةَ الْبَرِّيَّةَ الَّتِي مَقَرُّهَا فِي الْبَرِّ، وَإِنْ عَاشَتْ فِي الْمَاءِ بِخِلَافِ الْبَحْرِ يَأْتِ الَّتِي مَقَرُّهَا الْبَحْرُ، وَإِنْ عَاشَتْ فِي الْبَرِّ قَالَهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا تَفْسِيرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ " - ﵁ - " وَلَيْسَ مِنْ الصَّيْدِ الْكَلْبُ الْبَرِّيُّ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَسَوَاءٌ أُكِلَ لَحْمُ الْبَرِّيِّ (أَوْ لَمْ يُؤْكَلْ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الْكَافِ كَخِنْزِيرٍ وَقِرْدٍ وَسَوَاءٌ كَانَ مَمْلُوكًا أَوْ مُبَاحًا (أَوْ) كَانَ الْبَرِّيُّ (طَيْرَ مَاءٍ) أَيْ طَيْرًا بَرِّيًّا يُلَازِمُ الْمَاءَ لِأَكْلِهِ السَّمَكَ الصَّغِيرَ، وَلِذَا أُضِيفَ لِلْمَاءِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَطِيرُ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ لِإِبَاحَتِهِ لِلْمُحْرِمِ. (وَ) حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ وَفِي الْحَرَمِ تَعَرُّضُ (بَيْضِهِ) أَيْ: الْبَرِّيِّ الْوَحْشِيِّ. (وَ) حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ وَفِي الْحَرَمِ (جُزْؤُهُ) أَيْ: الْبَرْيِ الْوَحْشِيِّ بِالزَّايِ، أَيْ: يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِبَعْضِهِ أَيْضًا، وَضَبَطَهُ ابْن غَازِيٍّ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ، غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ وَبَيْضَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَرُمَ التَّعَرُّضُ لِبَيْضِهِ فَأَوْلَى لِجَرْوِهِ وَلِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ بَرِّيٍّ.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
وَلِيُرْسِلْهُ بِيَدِهِ أَوْ رُفْقَتِهِ، وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ
_________________
(١) [منح الجليل] وَلِأَنَّهُ سَيَنُصُّ عَلَى الْجَرْوِ فِي قَوْلِهِ وَالصَّغِيرُ كَغَيْرِهِ وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ شُرْبُ لَبَنِ صَيْدٍ وَحْدَهُ مَحْلُوبًا وَلَا يَجُوزُ لَهُ حَلْبُهُ إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ إمْسَاكُهُ، فَإِنْ حَلَبَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. (وَ) إنْ مَلَكَ حِلٌّ صَيْدًا فِي الْحِلِّ بِاصْطِيَادِهِ أَوْ شِرَائِهِ أَوْ قَبُولِ عَطِيَّتِهِ مِنْ صَائِدِهِ الْحِلِّ فِي الْحِلِّ ثُمَّ أَحْرَمَ أَوْ دَخَلَ بِهِ الْحَرَمَ فَ (لْيُرْسِلْهُ) أَيْ: يُطْلِقْ الْمَالِكُ الصَّيْدَ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ إنْ كَانَ (بِيَدِهِ) حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ كَانَ بِقَفَصٍ أَوْ قَيْدٍ أَوْ نَحْوِهِمَا (أَوْ) كَانَ مَعَ (رُفْقَتِهِ) فِي قَفَصٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ وَتَلِفَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ (وَزَالَ مِلْكُهُ) أَيْ: مَنْ أَحْرَمَ أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ وَالصَّيْدُ بِيَدِهِ أَوْ رُفْقَتِهِ (عَنْهُ) أَيْ لِلصَّيْدِ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ فَلَوْ أَرْسَلَهُ أَحَدٌ فَلَا يَضْمَنُهُ أَوْ أَطْلَقَهُ الْمُحْرِمُ فَأَخَذَهُ حَلَالٌ فِي الْحِلِّ قَبْلَ لُحُوقِهِ بِالْوَحْشِ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَ. فَإِذَا تَحَلَّلَ الْمُحْرِمُ مِنْ إحْرَامِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ، وَإِنْ أَبْقَاهُ الْمُحْرِمُ بِيَدِهِ وَرُفْقَتِهِ حَتَّى تَحَلَّلَ وَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ. فَإِنْ ذَبَحَهُ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ فَهُوَ مَيْتَةٌ وَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ. وَأَمَّا مَنْ اصْطَادَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ أَوْ الْحَرَمُ فَلَمْ يَمْلِكْهُ حَتَّى يُقَالَ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ. وَأَمَّا الْحَلَالُ إذَا اصْطَادَ صَيْدًا فِي الْحِلِّ وَدَخَلَ بِهِ الْحَرَمَ حَيًّا، فَإِنْ كَانَ آفَاقِيًّا زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ الْحَرَمَ، وَلَوْ كَانَ أَقَامَ بِمَكَّةَ إقَامَةً قَاطِعَةً حُكْمَ السَّفَرِ قَبْلَ اصْطِيَادِهِ. فَإِنْ ذَبَحَهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ فِي الْحِلِّ فَمَيْتَةٌ وَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ. وَإِنْ كَانَ مِنْ سَاكِنِي الْحَرَمِ فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ وَلَهُ ذَبْحُهُ فِي الْحَرَمِ وَأَكْلُهُ، وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَلَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ آفَاقِيٌّ حَلَالٌ فِي الْحِلِّ وَسَيَأْتِي هَذَا فِي قَوْلِهِ وَذَبْحُهُ بِحَرَمٍ مَا صِيدَ بِحِلٍّ. وَفِي تت أَنَّ مَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ زَمَنًا طَوِيلًا صَارَ كَأَهْلِهَا فِي هَذَا وَصَرَّحَ بِمَفْهُومِ بِيَدِهِ أَوْ رُفْقَتِهِ فَقَالَ
[ ٢ / ٣٤١ ]
لَا بِبَيْتِهِ، وَهَلْ وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهُ؟ تَأْوِيلَانِ، فَلَا يَسْتَجِدُّ مِلْكَهُ وَلَا يَسْتَوْدِعُهُ،
_________________
(١) [منح الجليل] لَا) يَزُولُ مِلْكُ مَنْ أَحْرَمَ بَعْدَ اصْطِيَادِهِ صَيْدًا أَوْ شِرَائِهِ أَوْ قَبُولِ عَطِيَّتِهِ حَلَّ فِي حِلٍّ عَنْ الصَّيْدِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ إنْ كَانَ الصَّيْدُ (بِبَيْتِهِ) أَيْ الْمُحْرِمِ. (وَهَلْ) عَدَمُ وُجُوبِ إرْسَالِهِ وَعَدَمُ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ مُطْلَقٌ إنْ أَحْرَمَ مِنْ غَيْرِهِ بَلْ (وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهُ) أَيْ: الْبَيْتِ كَأَهْلِ الْمِيقَاتِ وَمَنْ مَنْزِلُهُ بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ أَوْ مُقَيَّدٌ بِإِحْرَامِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهُ زَالَ مِلْكُهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ فِيهِ (تَأْوِيلَانِ) أَيْ: فَهْمَانِ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ أَحْرَمَ وَفِي بَيْتِهِ صَيْدٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا يُرْسِلُهُ، الْأَوَّلُ لِلتُّونُسِيِّ وَابْنِ يُونُسَ، وَالثَّانِي نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ. وَالْفَرْقُ عَلَى الْأَوَّلِ بَيْنَ مَا بِيَدِهِ أَوْ رُفْقَتِهِ وَبَيْنَ مَا بِبَيْتِهِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ أَنَّ الْبَيْتَ يُرْتَحَلُ عَنْهُ وَلَا يُصَاحِبُهُ وَغَيْرَهُ مُنْتَقِلٌ بِانْتِقَالِهِ وَمُصَاحِبٌ لَهُ (فَلَا يَسْتَجِدُّ) الْمُحْرِمُ أَوْ الْآفَاقِيُّ فِي الْحَرَمِ (مِلْكَهُ) أَيْ: الصَّيْدِ بِشِرَاءٍ أَوْ قَبُولِ عَطِيَّةٍ أَوْ إقَالَةٍ، فَإِنْ وَرِثَهُ أَوْ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ زَالَ مِلْكُهُ وَأَرْسَلَهُ إذَا كَانَ الصَّيْدُ حَاضِرًا، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ وَقَبُولُ عَطِيَّتِهِ. (وَلَا يَسْتَوْدِعُهُ) أَيْ: الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الدَّالِ، أَيْ: لَا يَقْبَلُهُ مِنْ غَيْرِهِ وَدِيعَةً لَا مِنْ مُحْرِمٍ وَلَا مِنْ حَلَالٍ، قَالَ فِي الطِّرَازِ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْخُذَ صَيْدًا وَدِيعَةً فَإِنْ فَعَلَ رَدَّهُ إلَى رَبِّهِ، فَإِنْ غَابَ فَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَلَيْهِ أَنْ يُطْلِقَهُ وَيَضْمَنَ قِيمَتَهُ لِرَبِّهِ. وَمَعْنَاهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مِنْ يُودِعُهُ عِنْدَهُ فَإِنْ وَجَدَهُ فَلَا يُرْسِلُهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَكَسْرِ الدَّالِ، أَيْ: لَا يَجْعَلُهُ وَدِيعَةً عِنْدَ غَيْرِهِ حَتَّى يَتَحَلَّلَ مِنْ إحْرَامِهِ.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
وَرُدَّ إنْ وَجَدَ مُودِعَهُ وَإِلَّا بَقِيَ، وَفِي صِحَّةِ شِرَائِهِ قَوْلَانِ؛ إلَّا الْفَأْرَةَ وَالْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ مُطْلَقًا، وَغُرَابًا، وَحِدَأَةً،
_________________
(١) [منح الجليل] وَ) مَنْ أَحْرَمَ وَبِيَدِهِ صَيْدٌ وَدِيعَةً مِنْ حَلَالٍ فِي الْحِلِّ (رَدَّهُ) لِمُودِعِهِ وُجُوبًا (إنْ وَجَدَ مُودِعَهُ) بِكَسْرِ الدَّالِ الْحَلَالَ أَوْ الَّذِي أَحْرَمَ بَعْدَ الْإِيدَاعِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهِ حِلًّا أَوْ مُحْرِمًا وَلَمْ يَجِدْ حَاكِمًا يُجْبِرُهُ عَلَى قَبُولِهِ أَرْسَلَهُ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ وَلَا يَضْمَنُهُ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُودِعَهُ وَلَا حَلَالًا يُودِعُهُ عِنْدَهُ (بُقِّيَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ: الصَّيْدُ بِيَدِ مُودَعِهِ بِالْفَتْحِ، وَلَا يُرْسِلُهُ لِقَبُولِهِ بِوَجْهٍ جَائِزٍ، فَإِنْ مَاتَ عِنْدَهُ ضَمِنَ جَزَاءَهُ لَا قِيمَتَهُ قَالَهُ عج. فَإِنْ قَبِلَهُ مُحْرِمٌ مِنْ حَلَالٍ وَلَمْ يَجِدْهُ وَجَبَ إيدَاعُهُ عِنْدَ حَلَالٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ أَرْسَلَهُ وَضَمِنَ قِيمَتَهُ لِمُودِعِهِ الْحَلَالِ وَلَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ إيدَاعِهِ وَمُفَارَقَتِهِ الْمُودَعَ بِالْفَتْحِ. وَإِنْ قَبِلَهُ مُحْرِمٌ مِنْ مُحْرِمٍ أَرْسَلَهُ وَلَوْ حَضَرَ الْمُودِعُ وَلَا يَرُدُّهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ وَصُوَرُهَا تِسْعٌ ذَكَرَهَا عج؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُودِعَهُ حَلَالٌ عِنْدَ حَلَالٍ ثُمَّ يُحْرِمُ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ، أَوْ حَلَالٌ عِنْدَ مُحْرِمٍ أَوْ مُحْرِمٌ عِنْدَ مُحْرِمٍ وَفِي كُلٍّ مِنْهَا إمَّا أَنْ يَجِدَ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ رَبَّ الصَّيْدِ أَوْ حَلَالًا يُودِعُهُ عِنْدَهُ أَوْ لَا يَجِدُ أَحَدَهُمَا. (وَفِي صِحَّةِ اشْتِرَائِهِ) أَيْ: الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ مِنْ حَلَالِ الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ مِنْ سَاكِنِهِ الصَّائِدِ فِي الْحِلِّ وَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ رَدُّهُ لِبَائِعِهِ فَإِنْ رَدَّهُ لَهُ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَفَسَادُهُ عَلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ لِبَائِعِهِ إنْ لَمْ يَفُتْ (قَوْلَانِ) الْأَوَّلُ لِابْنِ حَبِيبٍ، وَالثَّانِي فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَعَلَى الصِّحَّةِ لِلْبَائِعِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي وَضْعِ يَدِ الْمُحْرِمِ عَلَيْهِ وَإِرْسَالِهِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ فِي عَيْنِهِ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِي مَالِيَّتِهِ فَيَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ قَالَهُ سَنَدٌ فَيُلْغِزُ بِهِ بَيْعٌ صَحِيحٌ مَضَى بِالْقِيمَةِ وَاسْتَظْهَرَ الْحَطّ رُجُوعَهُ بِثَمَنِهِ. وَاسْتَثْنَى مِنْ الْبَرِّيِّ فَقَالَ (إلَّا الْفَأْرَةَ وَالْحَيَّةَ) تَاؤُهُمَا لِلْوَحْدَةِ (وَالْعَقْرَبَ مُطْلَقًا) صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً (وَغُرَابًا) أَسْوَدَ أَوْ أَبْقَعَ (وَحِدَأَةً) كَعِنَبَةٍ فَيَجُوزُ قَتْلُ هَذِهِ الْخَمْسَةِ لَا بِنِيَّةِ ذَكَاتِهَا، فَإِنْ نَوَى ذَكَاتَهَا فَلَا يَجُوزُ نَقَلَهُ سَنَدٌ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَفِيهَا الْجَزَاءُ. تت وَأَلْحَقَ بِالْفَأْرِ بِنْتَ عُرْسٍ وَمَا يَقْرِضُ الثِّيَابَ مِنْ الدَّوَابِّ، وَدَخَلَ فِيهِ الْحَيَّةُ الْأَفْعَى وَأَلْحَقَ
[ ٢ / ٣٤٣ ]
وَفِي صَغِيرِهِمَا خِلَافٌ: كَعَادِي سَبُعٍ كَذِئْبٍ إنْ كَبُرَ: كَطَيْرٍ خِيفَ؛ إلَّا بِقَتْلِهِ، وَوَزَغًا لِحِلٍّ بِحَرَمٍ: كَأَنْ عَمَّ الْجَرَادُ وَاجْتَهَدَ،
_________________
(١) [منح الجليل] بِالْعَقْرَبِ الرُّتَيْلَى دَابَّةً صَغِيرَةً سَوْدَاءَ وَالزُّنْبُورَ. وَفِي جَوَازِ قَتْلِ (صَغِيرِهِمَا) أَيْ: الْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ وَهُوَ مَا لَمْ يَصِلْ لِحَدِّ الْإِيذَاءِ نَظَرًا لِلَفْظِ غُرَابٍ وَحِدَأَةٍ، وَمَنَعَهُ نَظَرًا لِلْمَعْنَى وَهُوَ انْتِفَاءُ الْإِيذَاءِ. وَعَلَى هَذَا الْإِجْزَاءُ مُرَاعَاةً لِلْأَوَّلِ (خِلَافٌ) وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ فَقَالَ (كَعَادِي سَبُعٍ) كَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَفَهْدٍ وَبِهِ فَسَّرَ حَدِيثَ «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِك فَعَدَا عَلَيْهِ السَّبُعُ فَقَتَلَهُ وَهُوَ عُتَيْبَةُ بْنُ أَبِي لَهَبٍ» (كَذِئْبٍ) مِثَالٌ لِعَادِي السَّبُعِ فَيَجُوزُ قَتْلُهُ لَا تَذْكِيَتُهُ (إنْ كَبِرَ) بِكَسْرِ الْبَاءِ شَرْطٌ فِي جَوَازِ قَتْلِ كُلِّ عَادٍ وَلَا يُقَالُ قَاعِدَتُهُ إرْجَاعُ الشَّرْطِ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ؛ لِأَنَّهَا فِي كَافِ التَّشْبِيهِ لِإِفَادَةِ حُكْمٍ فِي غَيْرِ جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ لَا فِي كَافِ التَّمْثِيلِ بِبَعْضِ الْأَفْرَادِ، فَإِنْ صَغُرَ كُرِهَ قَتْلُهُ وَلَا جَزَاءَ فِيهِ. وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ أَيْضًا فَقَالَ (كَطَيْرٍ) غَيْرِ غُرَابٍ وَحِدَأَةٍ (خِيفَ) مِنْهُ عَلَى نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ مَالٍ لَهُ بَالٌ وَلَا يَنْدَفِعُ وَلَا يُؤْمَنُ مِنْهُ (إلَّا بِقَتْلِهِ) فَيَجُوزُ قَتْلُهُ وَلَا جَزَاءَ فِيهِ (وَ) إلَّا (وَزَغَا) فَيَجُوزُ قَتْلُهُ (لِحِلٍّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: غَيْرِ مُحْرِمٍ (بِحَرَمٍ) أَيْ: فِيهِ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُ الْإِيذَاءُ، وَيُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ مُطْلَقًا وَيُطْعِمُ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ مَعَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ مَا جَازَ قَتْلُهُ فِي الْحَرَمِ جَازَ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَأَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا الْحَلَالُ فِي الْحَرَمِ لَكَثُرَتْ فِي الْبُيُوتِ وَحَصَلَ مِنْهَا الْإِضْرَارُ بِإِفْسَادِ مَا تَصِلُ إلَيْهِ، وَمُدَّةُ الْإِحْرَامِ قَصِيرَةٌ قَالَهُ فِي مَنْسَكِهِ. وَفِي الشَّارِحِ يُمْنَعُ قَتْلَهَا الْمُحْرِمُ وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْكَرَاهَةِ عَلَى التَّحْرِيمِ. وَصَرَّحَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ بِالْمَنْعِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ بِالْكَرَاهَةِ. طفى الْمُرَادُ بِهَا التَّحْرِيمُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَإِذَا قَتَلَهَا الْمُحْرِمُ أَطْعَمَ كَسَائِرِ الْهَوَامِّ وَالْمَذْهَبُ كُلُّهُ عَلَى الْإِطْعَامِ. وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْجَزَاءِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ (كَأَنْ عَمَّ الْجَرَادُ) أَيْ: كَثُرَ بِحَيْثُ لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ فِعْلًا جَزَاءً وَلَا حُرْمَةَ فِي قَتْلِهِ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ (وَاجْتَهَدَ) الْمُحْرِمُ فِي
[ ٢ / ٣٤٤ ]
وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ.
أَصَابَ جَرَادَةً فَعَلَيْهِ قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ وَفِي الْوَاحِدَةِ حَفْنَةٌ، وَإِنْ فِي نَوْمٍ: كَدُودٍ.
وَالْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] التَّحَفُّظِ مِنْ قَتْلِهِ وَاوُهُ لِلْحَالِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ أَوْ لَمْ يَجْتَهِدْ وَقَتَلَهُ مُفَرِّطًا (فَقِيمَتُهُ) أَيْ الْجَرَادِ طَعَامًا تَلْزَمُ قَاتِلَهُ مُحْرِمًا أَوْ فِي الْحَرَمِ ظَاهِرُهُ كَالْمُدَوَّنَةِ وَالْجَلَّابِ بِلَا حُكُومَةٍ. وَلِابْنِ الْقَاسِمِ بِحُكُومَةٍ وَلَا مَانِعَ مِنْ عَوْدِ قَوْلِهِ وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ لِلْوَزَغِ أَيْضًا إذَا قَتَلَهُ مُحْرِمٌ لِقَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَطْعِمْ كَسَائِرِ الْهَوَامِّ. وَعَلَى ظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ الْمُرَادُ قِيمَتُهُ بِنَظَرِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَعَلَى مَا لِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ أَخْرَجَ بِلَا حُكُومَةٍ فَلَا يُجْزِئُ. (وَفِي) الْجَرَادَةِ (الْوَاحِدَةِ حَفْنَةٌ) أَيْ: مِلْءُ يَدٍ وَاحِدَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَا مَقْبُوضَةٍ وَلَا مَبْسُوطَةٍ، وَمَفْهُومُ الْوَاحِدَةِ أَنَّ فِي الزَّائِدِ عَلَيْهَا قِيمَتَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْجَلَّابِ، وَفِي الْمَوَّاقِ مَا يُفِيدُ أَنَّ فِي الْعَشَرَةِ فَمَا دُونَهَا إلَى الْوَاحِدَةِ حَفْنَةً، وَأَنَّ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا قِيمَتَهُ. وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ تَعَيُّنُ الْحَفْنَةِ وَالْقِيمَةِ مِنْ الطَّعَامِ. وَقَالَ الْبَاجِيَّ فِي شَرْحِ قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمُوَطَّإِ مَنْ أَصَابَ جَرَادَةً فَعَلَيْهِ قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَوْ شَاءَ الصِّيَامَ لَحُكِمَ عَلَيْهِ بِصَوْمِ يَوْمٍ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ هَذَا إجْمَاعٌ، وَإِنَّمَا تَسَارُعُ الْفُقَهَاءِ إلَى إيجَابِ قَبْضَةٍ مِنْ طَعَامٍ لَعَلَّهُ؛ لِأَنَّهَا أَسْهَلُ عَلَى مَنْ أَصَابَ الْجَرَادَةَ مِنْ صِيَامِ يَوْمٍ فَاسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ الْإِعْلَانِ بِالتَّخْيِيرِ وَالْقَبْضَةُ دُونَ الْحَفْنَةِ، لَكِنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ وَالْخَطْبُ سَهْلٌ. وَمِثْلُ مَا فِي الْمُوَطَّإِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لِحُكْمِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَحَيْثُ كَانَتْ الْقَبْضَةُ هِيَ الْحَفْنَةُ أَوْ قُرْبُهَا سَقَطَ اعْتِرَاضُ عج عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ كَدُودٍ بِأَنَّ الَّذِي فِيهِ قَبْضَةٌ لَا حَفْنَةٌ إنْ قَتَلَهَا يَقَظَةً عَمْدًا بَلْ (وَإِنْ) قَتَلَهَا (فِي نَوْمٍ) أَوْ نِسْيَانٍ. وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ الْحَفْنَةِ فَقَالَ (كَدُودٍ) وَذَكَرٍ وَنَمْلٍ وَذُبَابٍ فَفِي قَتْلِهَا حَفْنَةٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَغَيْرِهَا، وَتَعْبِيرُهُ بِاسْمِ الْجِنْسِ. يُوهِمُ أَنَّ الْوَاحِدَةَ لَا شَيْءَ فِيهَا مَعَ أَنَّ فِيهَا مَا فِي الْكَثِيرِ وَلَوْ جِدًّا مِنْ الْحَفْنَةِ، ثُمَّ ظَاهِرُهُ أَوْ صَرِيحُهُ أَنَّهُ تَشْبِيهٌ فِي الْحَفْنَةِ، مَعَ أَنَّ الَّذِي فِي الْمَوَّازِيَّةِ قَبْضَةٌ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ دُونَ الْحَفْنَةِ كَمَا مَرَّ وَلَكِنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ وَالْخَطْبُ سَهْلٌ وَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْجَرَادَ وَالدُّودَ لَيْسَا كَالْقَمْلَةِ وَالْقَمَلَاتِ. (وَالْجَزَاءُ) وَاجِبٌ (بِقَتْلِهِ) أَيْ: الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ الْوَحْشِيِّ إنْ قَتَلَهُ لِغَيْرِ مَخْمَصَةٍ بَلْ
[ ٢ / ٣٤٥ ]
وَإِنْ لِمَخْمَصَةٍ وَجَهْلٍ وَنِسْيَانٍ، وَتَكَرَّرَ كَسَهْمٍ مَرَّ بِالْحَرَمِ، وَكَلْبٍ تَعَيَّنَ طَرِيقُهُ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَإِنْ) قَتَلَهُ (لِمَخْمَصَةٍ) أَيْ شِدَّةِ جُوعٍ عَامَّةً أَوْ خَاصَّةً تُبِيحُ الْمَيْتَةَ وَتُقَدَّمُ الْمَيْتَةُ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي، قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْقَاضِي. وَهَلْ يَجُوزُ الِاصْطِيَادُ حِينَئِذٍ أَوْ لَا قَوْلَانِ. (وَ) يَجِبُ الْجَزَاءُ وَيَنْتَفِي الْإِثْمُ لِأَجْلِ (جَهْلٍ) لِعَيْنِ الصَّيْدِ أَوْ حُكْمِ قَتْلِهِ لِحَدَاثَةِ إسْلَامٍ (وَنِسْيَانٍ) وَسَوَاءٌ كَانَ لِاتِّحَادِ قَتْلِ الصَّيْدِ أ (وَتَكَرَّرَ) فَيَتَكَرَّرُ الْجَزَاءُ بِتَكَرُّرِ قَتْلِهِ، وَلَوْ نَوَى التَّكَرُّرَ أَوْ كَانَ فِي فَوْرٍ أَوْ ظَنَّ الْإِبَاحَةَ فَلَيْسَ كَالْفِدْيَةِ فَفِيهَا وَمَنْ قَتَلَ صُيُودًا فَعَلَيْهِ بِعَدَدِهَا كَفَّارَاتٌ. وَشَبَّهَ فِي لُزُومِ الْجَزَاءِ فَقَالَ (كَسَهْمٍ) رَمَاهُ فِي حِلٍّ عَلَى صَيْدٍ فِي حِلٍّ وَالْحَرَمُ بَيْنَهُمَا فَ (مَرَّ) السَّهْمُ (بِالْحَرَمِ) وَأَصَابَ الصَّيْدَ فِي الْحِلِّ فَقَتَلَهُ فَمَيْتَةٌ وَفِيهِ الْجَزَاءُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَخَالَفَهُ أَشْهَبُ (وَكَلْبٍ) أَرْسَلَهُ حِلٌّ فِي حِلٍّ عَلَى صَيْدٍ فِي حِلٍّ وَمَرَّ الْكَلْبُ بِالْحَرَمِ وَقَتَلَ الصَّيْدَ فِي الْحِلِّ فَمَيْتَةٌ وَفِيهِ الْجَزَاءُ إنْ (تَعَيَّنَ طَرِيقُهُ) أَيْ: الْكَلْبِ إلَى الصَّيْدِ مِنْ الْحَرَمِ
[ ٢ / ٣٤٦ ]
أَوْ قَصَّرَ فِي رَبْطِهِ، أَوْ أَرْسَلَ بِقُرْبِهِ فَقَتَلَ خَارِجَهُ،
_________________
(١) [منح الجليل] فَطَرِيقُهُ بِالرَّفْعِ فَاعِلٌ وَمَفْهُومُ تَعَيَّنَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ طَرِيقُهُ مِنْ الْحَرَمِ يُؤْكَلُ، وَلَا جَزَاءَ فِيهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي ابْنِ الْحَاجِبِ. ابْنُ غَازِيٍّ سَوَّى اللَّخْمِيُّ مَسْأَلَتَيْ السَّهْمِ وَالْكَلْبِ فِي الْخِلَافِ وَاخْتَارَ فِيهِمَا جَوَازَ الْأَكْلِ وَعَدَمَ الْجَزَاءِ وَالتَّقْيِيدُ فِي الْكَلْبِ تَبِعَ فِيهِ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ. (أَوْ قَصَّرَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ: فَرَّطَ الْمُحْرِمُ أَوْ مَنْ فِي الْحَرَمِ (فِي رَبْطِهِ) أَيْ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُصَادُ بِهِ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ فَانْفَلَتَ وَقَتَلَ صَيْدًا فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَلَا يُؤْكَلُ فَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (أَوْ أَرْسَلَ) الصَّائِدُ كَلْبَهُ أَوْ بَازَهُ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ (بِقُرْبِهِ) أَيْ الْحَرَمِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ إنَّمَا يُدْرِكُهُ فِي الْحَرَمِ (فَقَتَلَ) الْجَارِحُ الصَّيْدَ (خَارِجَهُ) أَيْ الْحَرَمِ بَعْدَ إدْخَالِهِ فِيهِ فَمَيْتَةٌ لَا يُؤْكَلُ وَفِيهِ الْجَزَاءُ وَأَوْلَى إنْ قَتَلَهُ فِيهِ، فَإِنْ قَتَلَهُ خَارِجَهُ وَلَمْ يُدْخِلْهُ فِيهِ فَلَا جَزَاءَ فِيهِ، وَيُؤْكَلُ حَيْثُ كَانَ الصَّائِدُ حَلَالًا. وَمَفْهُومُ بِقُرْبِهِ أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَهُ فِي بَعِيدٍ مِنْ الْحَرَمِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ إدْرَاكُهُ قَبْلَ دُخُولِ الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ فِيهِ أَوْ خَارِجَهُ بَعْدَ إدْخَالِهِ فِيهِ فَلَا جَزَاءَ فِيهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ فِي الْوَجْهَيْنِ. أَبُو إبْرَاهِيمَ لَوْ أَجْرَى الشَّخْصُ أَوْ الْكَلْبُ الصَّيْدَ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ وَتَرَكَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْرِجَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ فِي الْحِلِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْكَلَ كَعَصِيرٍ تَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ. وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ الِاصْطِيَادِ قُرْبَ الْحَرَمِ فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّهُ مُبَاحٌ إذَا سَلِمَ مِنْ قَتْلِهِ فِي الْحَرَمِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إمَّا مَنْعًا أَوْ كَرَاهَةً بِحَسَبِ قَوْلِهِ - ﷺ - «كَالرَّاتِعِ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» . الْحَطَّابُ الظَّاهِرُ الْكَرَاهَةُ، ثُمَّ إنْ قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ بَعْدَ إخْرَاجِهِ مِنْهُ فَفِيهِ الْجَزَاءُ، وَإِنْ قَتَلَهُ بِقُرْبِهِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ فِيهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. التُّونُسِيُّ وَيُؤْكَلُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ حَبِيبٍ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ الْمُصَنِّفِ الصُّورَةُ الْأَخِيرَةُ لَكِنْ لِضَعْفِ الْقَوْلِ بِالْجَزَاءِ فِيهَا تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى الثَّانِيَةِ.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
وَطَرْدِهِ مِنْ حَرَمٍ، وَرَمْيٍ مِنْهُ أَوْلَهُ، وَتَعْرِيضِهِ لِلتَّلَفِ، وَجَرْحِهِ وَلَمْ تَتَحَقَّقْ سَلَامَتُهُ، وَلَوْ بِنَقْصٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] (وَ) يَلْزَمُ الْجَزَاءُ بِ (طَرْدِهِ) أَيْ: الصَّيْدِ (مِنْ حَرَمٍ) إلَى حِلٍّ فَصَادَهُ صَائِدٌ فِيهِ أَوْ هَلَكَ قَبْلَ عَوْدِهِ لِلْحَرَمِ أَوْ شَكَّ فِي اصْطِيَادِهِ أَوْ هَلَاكِهِ، وَقَيَّدَ ابْنُ يُونُسَ هَذَا بِمَا إذَا كَانَ الصَّيْدُ لَا يَنْجُو بِنَفْسِهِ وَإِلَّا فَلَا جَزَاءَ عَلَى طَارِدِهِ. وَلَوْ تَلِفَ أَوْ صِيدَ؛ لِأَنَّ طَرْدَهُ حِينَئِذٍ لَا أَثَرَ لَهُ، وَمَفْهُومُ مِنْ حَرَمٍ أَنَّ طَرْدَهُ عَنْ الرَّحْلِ وَالطَّعَامِ لَا بَأْسَ بِهِ إلَّا أَنَّهُ إنْ هَلَكَ بِسَبَبِهِ فَفِيهِ الْجَزَاءُ. (وَ) فِي (رَمْيٍ مِنْهُ) أَيْ: الْحَرَمِ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَقَتَلَهُ فَفِيهِ الْجَزَاءُ، وَلَا يُؤْكَلُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ نَظَرًا لِابْتِدَاءِ الرَّمْيَةِ. وَقَالَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ يُؤْكَلُ وَلَا جَزَاءَ فِيهِ نَظَرًا لِانْتِهَائِهَا (أَوْ) رَمْيٍ مِنْ الْحِلِّ (لَهُ) أَيْ: الْحَرَمِ عَلَى صَيْدٍ فِيهِ فَقَتَلَهُ فَلَا يُؤْكَلُ وَفِيهِ الْجَزَاءُ اتِّفَاقًا، وَمِثْلُ الرَّمْيِ فِي الْحَالَيْنِ إرْسَالُ الْكَلْبِ، وَيُفْهَمُ مِنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ بِالْحَرَمِ إذَا أَرَادَ صَيْدًا بِالْحِلِّ فَذَهَبَ لَهُ عَازِمًا عَلَى اصْطِيَادِهِ فَرَآهُ فِي الْحَرَمِ وَلَمْ يَرْمِهِ وَلَمْ يُرْسِلْ لَهُ كَلْبَهُ وَنَحْوَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ فَصَادَهُ فِي الْحِلِّ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ. وَفِي كَلَامِ سَنَدٍ مَا يُفِيدُهُ اُنْظُرْ الْحَطّ. وَعَطَفَ عَلَى قَتْلِهِ مِنْ قَوْلِهِ وَالْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ أَيْضًا فَقَالَ (وَتَعْرِيضِهِ) أَيْ: الصَّيْدِ (لِلتَّلَفِ) كَنَتْفِ رِيشِهِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الطَّيَرَانِ بِدُونِهِ وَإِلَّا فَلَا جَزَاءَ، كَذَا وَقَعَ التَّقْيِيدُ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ نَتَفَ رِيشَهُ وَأَمْسَكَهُ عِنْدَهُ حَتَّى نَبَتَ رِيشُهُ الَّذِي يَطِيرُ بِهِ وَأَطْلَقَهُ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مِنْ تَعْرِيضِهِ لِلتَّلَفِ أَخْذُهُ مِنْ مَكَّةَ وَإِرْسَالُهُ بِالْأَنْدَلُسِ حَيْثُ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُهُ وَإِرْسَالُهُ أَيْ: إطْلَاقُهُ وَتَخْلِيَةُ سَبِيلِهِ. (وَ) يَجِبُ الْجَزَاءُ فِي (جَرْحِهِ) أَيْ الصَّيْدِ جُرْحًا لَمْ يَنْفُذْ مَقْتَلَهُ وَغَابَ مَجْرُوحًا (وَلَمْ تَتَحَقَّقْ سَلَامَتُهُ) قَيَّدَ فِي تَعْرِيضِهِ وَجَرْحِهِ فَإِنْ تَحَقَّقَتْ سَلَامَتُهُ أَوْ غَلَبَتْ عَلَى الظَّنِّ بِلَا نَقْصٍ بَلْ (وَلَوْ بِنَقْصٍ) فَلَا جَزَاءَ فِيهِ فَهِيَ مُبَالَغَةٌ فِي مَفْهُومٍ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ سَلَامَتُهُ، وَأَشَارَ بِوَلَوْ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ إنْ سَلِمَ نَاقِصًا لَزِمَهُ مَا بَيْنَ قِيمَتَيْهِ مَثَلًا قِيمَتُهُ سَالِمًا ثَلَاثَةُ أَمْدَادٍ، وَمَعِيبًا مُدَّانِ فَيَلْزَمُهُ مُدٌّ وَهَذَا ضَعِيفٌ.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
وَكَرَّرَ إنْ أَخْرَجَ لِشَكٍّ ثُمَّ تَحَقَّقَ مَوْتُهُ: كَكُلٍّ مِنْ الْمُشْتَرِكِينَ، وَبِإِرْسَالٍ لِسَبُعٍ، أَوْ نَصْبِ شَرَكٍ لَهُ.
وَبِقَتْلِ غُلَامٍ أُمِرَ بِإِفْلَاتِهِ فَظَنَّ الْقَتْلَ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَكَرَّرَ) الْجَزَاءَ (إنْ أَخْرَجَ) الْجَزَاءَ (لِشَكٍّ) أَيْ: مُطْلَقٍ تَرَدَّدَ فِي سَلَامَةِ الصَّيْدِ فِي صُورَتَيْ تَعْرِيضِهِ لِلتَّلَفِ وَجَرْحِهِ كَمَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ (ثُمَّ) بَعْدَ إخْرَاجِهِ (تَحَقَّقَ) أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ (مَوْتَهُ) أَيْ: الصَّيْدِ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ. التِّلِمْسَانِيُّ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ قَبْلَ الْوُجُوبِ أَيْ: فِي الْوَاقِعِ، وَمَفْهُومُ تَحَقَّقَ مَوْتَهُ أَنَّهُ إنْ بَقِيَ عَلَى شَكِّهِ لَا يُكَرِّرْهُ وَأَوْلَى إنْ تَحَقَّقَ مَوْتَهُ قَبْلَهُ أَوْ ظَنَّهُ. وَشَبَّهَ فِي تَكَرُّرِ الْجَزَاءِ فَقَالَ (كَكُلٍّ مِنْ الْمُشْتَرَكِينَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا فِي قَتْلٍ صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ سَوَاءٌ كَانُوا مُحْرِمِينَ أَمْ لَا أَوْ فِي الْحِلِّ وَهُمْ مُحْرِمُونَ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ كَامِلٌ، وَمَفْهُومُ الْمُشْتَرَكِينَ أَنَّهُ لَوْ تَمَالَأَ جَمَاعَةٌ عَلَى قَتْلِ صَيْدٍ وَقَتَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَعَلَيْهِ وَحْدَهُ جَزَاؤُهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ فِي الْمُشْتَرَكِينَ فِي قَتْلِهِ لِمَنْ فِعْلُهُ أَقْوَى فِي تَسَبُّبِ الْمَوْتِ عَنْهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ أَوْ أَمْسَكَهُ فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ إلَخْ. وَأَمَّا لَوْ تَمَيَّزَتْ جِنَايَاتُهُمْ وَعُلِمَ مَوْتُهُ مِنْ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَزَاءَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ لِاسْتِقْلَالِهِ بِقَتْلِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ ضَرْبَةُ غَيْرِهِ هِيَ الَّتِي عَاقَتْهُ عَنْ النَّجَاةِ، وَلَوْ اشْتَرَكَ حِلٌّ وَمُحْرِمٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَجَزَاؤُهُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَحْدَهُ. (وَ) الْجَزَاءُ (بِإِرْسَالٍ) مِنْ مُحْرِمٍ مُطْلَقًا أَوْ مِنْ حِلٍّ فِي الْحَرَمِ لِكَلْبٍ أَوْ بَازٍ (لِسَبُعٍ) أَيْ: عَلَيْهِ فِي ظَنِّ الصَّائِدِ وَقَتَلَهُ الْكَلْبُ أَوْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ بَقَرُ وَحْشٍ مَثَلًا (أَوْ نَصْبِ شَرَكٍ لَهُ) أَيْ: السَّبُعِ الَّذِي يَفْتَرِسُ غَنَمَهُ أَوْ طَيْرَهُ أَوْ نَفْسَهُ فَعَطِبَ فِيهِ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ فَالْجَزَاءُ كَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا لِسَبُعٍ فَوَقَعَ فِيهَا غَيْرُهُ فَيَضْمَنُ دِيَتَهُ أَوْ قِيمَتَهُ. (وَ) يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى سَيِّدٍ مُحْرِمٍ (بِقَتْلِ غُلَامٍ) أَيْ رَقِيقٍ الصَّيْدَ الَّذِي (أُمِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْغُلَامُ مِنْ سَيِّدِهِ (بِإِفْلَاتِهِ) أَيْ إطْلَاقِ الصَّيْدِ (فَظَنَّ) الْغُلَامُ أَنَّ (الْقَتْلَ) هُوَ
[ ٢ / ٣٤٩ ]
وَهَلْ إنْ تَسَبَّبَ السَّيِّدُ فِيهِ أَوْ لَا؟ تَأْوِيلَانِ، وَبِسَبَبٍ وَلَوْ اتَّفَقَ: كَفَزَعِهِ فَمَاتَ وَالْأَظْهَرُ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ: كَفُسْطَاطِهِ وَبِئْرٍ لِمَاءٍ
_________________
(١) [منح الجليل] الَّذِي أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِهِ وَعَلَى الْعَبْدِ جَزَاءٌ أَيْضًا إنْ كَانَ مُحْرِمًا أَوْ فِي الْحَرَمِ وَلَا يَنْفَعُهُ خَطَأُ ظَنِّهِ أَوْ وَلِيٌّ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِقَتْلِهِ فَقَتَلَهُ وَعَلَى الْعَبْدِ جَزَاءٌ أَيْضًا إنْ قَتَلَهُ طَائِعًا، فَإِنْ أَكْرَهَهُ فَقَالَ أَبُو عُمَرَ إنَّ عَلَى السَّيِّدِ الْجَزَاءَيْنِ قَالَ سَالِمٌ اُنْظُرْهُ مَعَ قَوْلِهِمْ طَوْعُ الرَّقِيقِ إكْرَاهٌ. وَمِثْلُ الْأَمْرِ بِالذَّبْحِ الْأَمْرُ بِالِاصْطِيَادِ وَمِثْلُ الْغُلَامِ الْوَلَدُ الصَّغِيرُ وَمَفْهُومُ ظَنَّ الْقَتْلَ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ لَكَانَ الْجَزَاءُ عَلَى الْعَبْدِ فَقَطْ، وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ اللَّخْمِيِّ. (وَهَلْ) لُزُومُ الْجَزَاءِ لِلسَّيِّدِ بِقَتْلِ غُلَامِهِ (إنْ تَسَبَّبَ السَّيِّدُ فِيهِ) أَيْ: الصَّيْدِ بِأَنْ أَذِنَ لَهُ فِي اصْطِيَادِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَسَبَّبْ السَّيِّدُ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ؛ إذْ لَمْ يَفْعَلْ خَيْرًا (أَوْ لَا) يُقَيَّدُ بِذَلِكَ وَالْجَزَاءُ عَلَى السَّيِّدِ مُطْلَقًا فِيهِ (تَأْوِيلَانِ) الْأَوَّلُ لِابْنِ الْكَاتِبِ، وَالثَّانِي لِابْنِ مُحْرِزٍ فَقَوْلُهُ أَوْ لَا بِسُكُونِ الْوَاوِ نَفْيٌ لِقَوْلِهِ إنْ تَسَبَّبَ أَيْ: أَوْ لَا يُشْتَرَطُ تَسَبُّبُ السَّيِّدِ. وَجَوَّزَ ابْنُ غَازِيٍّ شَدَّ الْوَاوِ وَالتَّنْوِينِ فَهُوَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَسَبَّبَ، وَعَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ التَّأْوِيلُ الثَّانِي وَهُوَ الْمَذْهَبُ. (وَ) يَجِبُ الْجَزَاءُ (بِسَبَبٍ) أَيْ: فِي قَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ مُطْلَقًا أَوْ فِي الْحِلِّ مِنْ مُحْرِمٍ إنْ قَصَدَ السَّبَبَ بَلْ (وَلَوْ اتَّفَقَ) كَوْنُهُ سَبَبًا بِلَا قَصْدٍ (كَفَزَعِهِ) أَيْ الصَّيْدِ مِنْ رُؤْيَةِ مُحْرِمٍ مُطْلَقًا أَوْ حِلٍّ فِي الْحَرَمِ (فَمَاتَ) الصَّيْدُ فَالْجَزَاءُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ (وَالْأَظْهَرُ) عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفِ لَا ابْنُ رُشْدٍ كَمَا أَوْهَمَهُ كَلَامُهُ (وَالْأَصَحُّ) عِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ وَالتُّونُسِيِّ (خِلَافُهُ) أَيْ قَوْلِ أَشْهَبَ بِعَدَمِ لُزُومِ الْجَزَاءِ وَهُوَ مَيْتَةٌ. وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْجَزَاءِ فَقَالَ (كَفُسْطَاطِهِ) أَيْ: خَيْمَةِ الْمُحْرِمِ أَوْ مَنْ فِي الْحَرَمِ إذَا تَعَلَّقَ الصَّيْدُ بِهَا بَاطِنًا فَمَاتَ فَلَا جَزَاءَ فِيهِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَلِلْجَلَّابِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهِ كَجَوَازِهِ عَلَى رُمْحِهِ الْمَرْكُوزِ فَعَطِبَ بِهِ قَالَ فِي تَوْضِيحِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ. (وَ) حَفْرِ (بِئْرٍ لِمَاءٍ) فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ فَلَا جَزَاءَ فِيهِ، وَافَقَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى عَدَمِ
[ ٢ / ٣٥٠ ]
وَدَلَالَةِ مُحْرِمٍ أَوْ حِلٍّ، وَرَمْيِهِ عَلَى فَرْعٍ أَصْلُهُ بِالْحَرَمِ، أَوْ بِحِلٍّ وَتَحَامَلَ فَمَاتَ بِهِ إنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ، وَكَذَا إنْ حَلَّ لَمْ يَنْفُذْ عَلَى الْمُخْتَارِ، أَوْ أَمْسَكَهُ لِيُرْسِلَهُ فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ،
_________________
(١) [منح الجليل] الْجَزَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ، وَقَالَ بِالْجَزَاءِ فِي فَزَعِهِ فَمَاتَ قِيلَ وَهُوَ تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ. وَحَكَى بَعْضُهُمْ قَوْلًا بِوُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي الْبِئْرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَطْفٌ عَلَى فُسْطَاطٍ فَقَالَ (وَدَلَالَةِ مُحْرِمٍ أَوْ حِلٍّ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ وَفَاعِلُهُ الْمَحْذُوفُ مُحْرِمٌ أَيْ: دَلَّ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ فَلَا جَزَاءَ عَلَى الدَّالِّ وَقَدْ أَثِمَ وَمِثْلُهَا الْإِعَانَةُ. (وَ) لَا جَزَاءَ فِي (رَمْيِهِ) أَيْ الصَّيْدِ حَالَ كَوْنِهِ مُسْتَقِرًّا (عَلَى فَرْعٍ) مُمْتَدٍّ فِي هَوَاءِ الْحِلِّ وَ(أَصْلُهُ) أَيْ: الْفَرْعِ نَابِتٌ (بِالْحَرَمِ) وَالْفَرْعُ خَارِجٌ عَنْ حَدِّ الْحَرَمِ وَيُؤْكَلُ فَإِنْ كَانَ مُسَامِتًا لِحَدِّ الْحَرَمِ فَفِيهِ الْجَزَاءُ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ أَكْلِ الصَّيْدِ الَّذِي عَلَى فَرْعٍ فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ بِالْحَرَمِ وَعَدَمُ الْجَزَاءِ فِيهِ جَوَازُ قَطْعِ ذَلِكَ الْفَرْعِ، فَإِنَّ ابْنَ عَرَفَةَ صَرَّحَ بِعَدَمِ جَوَازِهِ قَالَ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الشَّجَرِ أَصْلُهُ وَفِي الصَّيْدِ مَحَلُّهُ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الشَّجَرَ الْمَغْرُوسَ فِي الْحِلِّ يَجُوزُ قَطْعُ فَرْعِهِ الَّذِي فِي الْحَرَمِ وَاَلَّذِي غُرِسَ فِي الْحَرَمِ يَحْرُمُ قَطْعُ فَرْعِهِ الَّذِي فِي الْحِلِّ (أَوْ) رَمَى الْحَلَالُ صَيْدًا (بِحِلٍّ) فَأَصَابَهُ السَّهْمُ فِي الْحِلِّ (وَتَحَامَلَ) الصَّيْدُ بِنَفْسِهِ وَدَخَلَ الْحَرَمَ (فَمَاتَ) الصَّيْدُ (بِهِ) أَيْ: فِي الْحَرَمِ فَلَا جَزَاءَ فِيهِ عَلَى الرَّامِي (إنْ) كَانَ (أَنْفَذَ السَّهْمُ مَقْتَلَهُ) أَيْ: الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ وَيُؤْكَلُ. (وَكَذَا) أَيْ: الصَّيْدُ الَّذِي أَنْفَذَ السَّهْمُ مَقْتَلَهُ فِي الْحِلِّ فِي الْأَكْلِ وَعَدَمُ الْجَزَاءِ الصَّيْدُ الْمُصَابُ بِسَهْمٍ فِي الْحِلِّ الْمُتَحَامِلُ لِلْحَرَمِ الْمَيِّتُ بِهِ (وَإِنْ لَمْ يُنْفِذْ) السَّهْمُ مَقْتَلَهُ (عَلَى الْمُخْتَارِ) اعْتِبَارًا بِأَصْلِ الرَّمْيِ لَا بِوَقْتِ الْمَوْتِ وَاخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ مِنْ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهَا لِلتُّونُسِيِّ بِالْجَزَاءِ وَعَدَمِ الْأَكْلِ، وَقَوْلُ أَصْبَغَ بِعَدَمِ الْجَزَاءِ وَلَا يُؤْكَلُ، وَقَوْلُ أَشْهَبَ بِعَدَمِ الْجَزَاءِ وَيُؤْكَلُ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ. (أَوْ أَمْسَكَهُ) أَيْ: الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ (لِيُرْسِلَهُ) أَيْ: الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ (فَقَتَلَهُ) أَيْ: الصَّيْدَ وَهُوَ فِي يَدِ الْمُحْرِمِ (مُحْرِمٌ) آخَرُ مُطْلَقًا أَوْ حِلٌّ فِي الْحَرَمِ فَلَا جَزَاءَ فِيهِ عَلَى مُمْسِكِهِ وَجَزَاؤُهُ عَلَى
[ ٢ / ٣٥١ ]
وَإِلَّا فَعَلَيْهِ وَغَرِمَ الْحِلُّ لَهُ الْأَقَلَّ، وَلِلْقَتْلِ شَرِيكَانِ، وَمَا صَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ صِيدَ لَهُ مَيْتَةٌ:
_________________
(١) [منح الجليل] قَاتِلِهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْهُ مُحْرِمٌ وَقَتَلَهُ حِلٌّ فِي الْحِلِّ (فَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُمْسِكِ الْجَزَاءُ (وَغَرِمَ الْحِلُّ) الْقَاتِلُ (لَهُ) أَيْ الْمُمْسِكُ (الْأَقَلَّ) مِنْ قِيمَةِ الصَّيْدِ وَجَزَائِهِ لِتَسَبُّبِهِ بِقَتْلِهِ فِي وُجُوبِ جَزَائِهِ عَلَى مُمْسِكِهِ لِإِرْسَالِهِ (وَ) إنْ أَمْسَكَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ حِلٌّ فِي الْحَرَمِ (لِلْقَتْلِ) فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ مُطْلَقًا أَوْ حِلٌّ فِي الْحَرَمِ فَهُمَا (شَرِيكَانِ) فِي قَتْلِ الصَّيْدِ فَعَلَى وَاحِدٍ جَزَاءٌ كَامِلٌ. فِي التَّوْضِيحِ إذَا أَمْسَكَ الْهَرِمُ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَإِمَّا أَنْ يُمْسِكَهُ لِيُرْسِلَهُ أَوْ لِيَقْتُلَهُ وَالْأَوَّلُ إنْ قَتَلَهُ حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا فِي الْحَرَمِ وَجَبَ الْجَزَاءُ فِيهِ عَلَى الْقَاتِلِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْمُمْسِكَ لَمْ يُمْسِكْهُ لِلْقَتْلِ وَإِنَّمَا فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ. (وَمَا) أَيْ: الْبَرِّيُّ الَّذِي (صَادَهُ) شَخْصٌ (مُحْرِمٌ) مُطْلَقًا أَوْ حِلٌّ فِي الْحَرَمِ وَمَاتَ أَوْ نَفَذَ مَقْتَلَهُ بِاصْطِيَادِهِ أَوْ ذَكَّى بَعْدَهُ أَوْ حِلٌّ فِي الْحِلِّ بِأَمْرِ الْمُحْرِمِ، أَوْ إعَانَتِهِ، أَوْ دَلَالَتِهِ، أَوْ إشَارَتِهِ، أَوْ مُنَاوَلَتِهِ نَحْوَ سَوْطٍ وَمَاتَ بِاصْطِيَادِهِ أَوْ ذَكَّى بَعْدَهُ، أَوْ حِلٌّ فِي الْحِلِّ بِدُونِ مَدْخَلِيَّةِ الْمُحْرِمِ ثُمَّ ذَكَّاهُ الْمُحْرِمُ، أَوْ أَمَرَ بِهَا (أَوْ صِيدَ لَهُ) أَيْ الْمُحْرِمِ مُعِينًا أَوْ لَا بِلَا أَمْرِهِ لِيُبَاعَ، أَوْ يُهْدِيَ لَهُ، أَوْ يُضَيِّفَ بِهِ وَمَاتَ بِاصْطِيَادِهِ أَوْ بِذَكَاةٍ بَعْدَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَخَبَرُ مَا صَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ صِيدَ لَهُ (مَيْتَةٌ) لِكُلِّ أَحَدٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَلَا يَأْكُلُهُ مُحْرِمٌ وَلَا حَلَالٌ، فَإِنْ صِيدَ لَهُ وَذَكَّى بَعْدَ تَحَلُّلِهِ كُرِهَ أَكْلُهُ قَالَهُ الْحَطّ وَنَحْوَهُ فِي الذَّخِيرَةِ. وَأَمَّا مَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ فَمَيْتَةٌ وَلَوْ ذَكَّى بَعْدَ تَحَلُّلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ وَلَمْ يُرْسِلْهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُذَكَّى حَالَ إحْرَامِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَنُوقِضَ الْمَشْهُورُ بِهِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ إرَاقَةِ خَمْرٍ خَلَّلَهَا مَنْ أُمِرَ بِإِرَاقَتِهَا أَوْ حَبْسِهَا حَتَّى تَخَلَّلَتْ، وَيُجَابُ بِأَنَّ حُكْمَ التَّخْلِيلِ حُرْمَةُ الْإِرَاقَةِ فَرَفَعَتْ وُجُوبَهَا لِمُنَاقَضَةِ مُتَعَلِّقِهَا مُتَعَلِّقَهُ ضَرُورَةَ مُنَاقَضَةِ عَدَمِ الشَّيْءِ وُجُودَهُ، وَحُكْمُ التَّحَلُّلِ جَوَازُ الْإِمْسَاكِ وَالْإِرْسَالِ فَلَمْ يَرْفَعْ وُجُوبَ الْإِرْسَالِ لِعَدَمِ مُنَافَاةِ مُتَعَلِّقِهِ مُتَعَلِّقَهُ، وَلِذَا قِيلَ الْجَوَازُ جُزْءُ الْوُجُوبِ وَإِذَا نُسِخَ بَقِيَ الْجَوَازُ وَأَوْرَدَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الدَّوَامُ كَالْإِنْشَاءِ فَلَا يُرْسِلُهُ بَعْدَ إحْلَالِهِ
[ ٢ / ٣٥٢ ]
كَبَيْضِهِ وَفِيهِ الْجَزَاءُ، إنْ عَلِمَ وَأَكَلَ،
_________________
(١) [منح الجليل] كَإِنْشَاءِ صَيْدٍ حِينَئِذٍ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ إرْسَالُ مَا صِيدَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ. وَيُجَابُ بِمَا مَرَّ مَعَ الْتِزَامِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ إنْشَاءِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ وُجُوبُ إرْسَالِهِ وَلِلْحَلَالِ جَوَازُ إمْسَاكِهِ وَإِرْسَالِهِ فَلَا يُرْفَعُ وُجُوبُهُ كَمَا مَرَّ. الْبُنَانِيُّ جَوَابُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ إرْسَالَ مَا صِيدَ وَقْتَ الْإِحْلَالِ جَائِزٌ لَا مَمْنُوعٌ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ بِصَيْدِهِ صَارَ مَالًا، وَفِي إرْسَالِهِ إضَاعَتُهُ اهـ. قُلْت الْإِضَاعَةُ الْمُحَرَّمَةُ الْإِتْلَافُ بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ بِإِحْرَاقٍ أَوْ كَسْرٍ أَوْ إغْرَاقٍ فِي عَمِيقِ بَحْرٍ وَالْإِرْسَالُ لَيْسَ إتْلَافًا لِإِمْكَانِ اصْطِيَادِهِ بَعْدَهُ. وَشَبَّهَ فِي التَّحْرِيمِ فَقَالَ (كَبَيْضِهِ) أَيْ: الصَّيْدِ وَهُوَ جَمِيعُ الطَّيْرِ إلَّا الْإِوَزَّ وَالدَّجَاجَ إذَا كَسَرَهُ أَوْ شَوَاهُ مُحْرِمٌ مُطْلَقًا أَوْ حِلٌّ فِي الْحَرَمِ أَوْ حِلٌّ فِي الْحِلِّ الْمُحَرَّمِ فَمَيْتَةٌ لَا يَأْكُلُهُ حِلٌّ وَلَا مُحْرِمٌ، وَظَاهِرُهُ نَجَاسَتُهُ لَهُمَا هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقَالَ سَنَدٌ أَمَّا مَنْعُ الْمُحْرِمِ مِنْهُ فَبَيِّنٌ، وَأَمَّا مَنْعُ غَيْرِ الْمُحْرِمِ مِنْهُ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْضَ لَا يَفْتَقِرُ لِذَكَاةٍ حَتَّى يَكُونَ بِفِعْلِ الْمُحْرِمِ مَيْتَةً عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يَزِيدُ فِعْلُ الْمُحْرِمِ فِيهِ عَلَى فِعْلِ الْمَجُوسِيِّ فِيهِ، وَالْمَجُوسِيُّ إذَا شَوَى بَيْضَ الصَّيْدِ أَوْ كَسَرَهُ فَلَا يَحْرُمُ بِذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِ بِخِلَافِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ لِذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَالْمَجُوسِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. الْحَطّ وَهُوَ بَيِّنٌ. وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ بِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْبَيْضَ بِمَنْزِلَةِ الْجَنِينِ؛ لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهُ، وَبِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ جَنِينٌ. وَيُرَشِّحُ هَذَا أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ وَكْرَ طَيْرٍ فِيهِ فِرَاخٌ وَبَيْضٌ فَعَلَيْهِ فِي الْبَيْضِ الدِّيَةُ وَقِشْرُهُ طَاهِرٌ عَلَى بَحْثِ سَنَدٍ وَنَجِسٌ عَلَى الْمَشْهُورِ أَفَادَهُ عب. الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ إذْ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ لَا يُفِيدُ إلَّا مَنْعًا مِنْ الْأَكْلِ مُطْلَقًا وَلَا يُفِيدُ أَنَّهُ مَيْتَةٌ، وَنَصُّهَا عَلَى نَقْلِ ابْنِ عَرَفَةَ إنْ شَوَى بَيْضَ نَعَامٍ فَأَخْرَجَ جَزَاءَهُ لَمْ يَصْلُحْ أَكْلُهُ وَلَا لِحَلَالٍ. اهـ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ إذْ كَوْنُهُ مَيْتَةً بَعِيدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَفِيهِ) أَيْ: مَا صَادَهُ حَلَالٌ لِمُحْرِمٍ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِهِ (الْجَزَاءُ) عَلَى الْمُحْرِمِ الْآكِلِ مِنْهُ (إنْ عَلِمَ) الْمُحْرِمُ بِأَنَّهُ صِيدَ لِمُحْرِمٍ هُوَ الْآكِلُ أَوْ غَيْرُهُ (وَأَكَلَ) الْمُحْرِمُ مِنْهُ فَالْجَزَاءُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ أَكْلُهُ عَالِمًا لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَيْتَةً. الْبَاجِيَّ اخْتَلَفَ عَنْ الْإِمَامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
لَا فِي أَكْلِهَا.
وَجَازَ مَصِيدُ حِلٍّ لِحِلٍّ، وَإِنْ سَيُحْرِمُ)، وَذَبْحُهُ بِحَرَمٍ مَا صِيدَ بِحِلٍّ،
_________________
(١) [منح الجليل] هَلْ يُجْزِي كُلُّ الصَّيْدِ أَوْ قَدْرُ مَا أَكَلَ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ الْأَوَّلُ وَأَمَّا مَا صَادَهُ مُحْرِمٌ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ سَوَاءٌ أَكَلَ مِنْهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهُ وَلَا جَزَاءَ عَلَى غَيْرِهِ الْآكِلِ وَلَوْ مُحْرِمًا عَالِمًا بِأَنَّهُ صَيْدٌ مُحَرَّمٌ وَأَفَادَ هَذَا بِقَوْلِهِ (لَا) جَزَاءَ (فِي أَكْلِهَا) أَيْ: مَيْتَةِ الصَّيْدِ فَهُوَ رَاجِعٌ لِأَكْلِ الْمُحْرِمِ مَا صَادَهُ مُحْرِمٌ غَيْرُهُ وتَرَتَّبَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ إذْ لَا يَتَعَدَّدُ وَيَرْجِعُ أَيْضًا لِلْمُحْرِمِ الصَّائِدِ نَفْسِهِ إذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ بِاصْطِيَادِهِ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ بِأَكْلِهِ مِنْهُ إذْ لَا يَتَعَدَّدُ، وَيَرْجِعُ أَيْضًا لِمَفْهُومِ إنْ عَلِمَ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ بِأَكْلِهِ مِنْهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ. وَافْتَرَقَ صَيْدُ الْمُحْرِمِ مِمَّا صِيدَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَجَبَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ بِاصْطِيَادِهِ وَمَا صِيدَ لَهُ لَمْ يَجِبْ جَزَاؤُهُ عَلَى صَائِدِ الْحَلَالِ. (وَجَازَ مَصِيدُ) شَخْصٍ وَمَكَانٍ (حِلٍّ لِ) أَجْلِ شَخْصٍ (حِلٍّ) سَوَاءٌ كَانَ الصَّائِدَ أَوْ غَيْرَهُ أَيْ: أَكْلُهُ لِمُحْرِمٍ إنْ كَانَ الْحِلُّ الصَّائِدُ وَالْحِلُّ الْمَصِيدُ لَهُ لَيْسَا نَاوِيَيْنِ الْإِحْرَامَ بَعْدَ ذَلِكَ بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الْحِلُّ الصَّائِدُ أَوْ الْحِلُّ الْمَصِيدُ لَهُ أَوْ هُمَا مَعًا (سَيُحْرِمُ) مَنْ ذَكَرَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ إنْ تَمَّتْ ذَكَاتُهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَإِلَّا فَمَيْتَةٌ لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِإِحْرَامِهِ وَوُجُوبِ إرْسَالِهِ وَدُخُولِهِ فِي عُمُومِ مَا ذُبِحَ لِمُحْرِمٍ، فَهَذَا مَفْهُومُ صَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ صِيدَ لَهُ. (وَ) جَازَ لِحَلَالٍ سَاكِنٍ بِالْحَرَمِ (ذَبْحُهُ بِحَرَمٍ) أَيْ: فِيهِ (مَا) أَيْ: بَرِّيًّا وَحْشِيًّا (صِيدَ بِحِلٍّ) أَيْ: فِيهِ صَادَهُ حِلٌّ لِحِلٍّ كَانَ الصَّائِدَ أَوْ غَيْرَهُ، وَأَمَّا الْآفَاقِيُّ الْحِلُّ إذَا اصْطَادَ صَيْدًا فِي الْحِلِّ حَيًّا غَيْرَ مَنْفُوذٍ مَقْتَلُهُ وَدَخَلَ بِهِ الْحَرَمَ فَإِنَّهُ يَزُولُ مَالِكُهُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ بِهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ وَإِنْ ذَكَّاهُ فَهُوَ مَيْتَةٌ وَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ. وَلَوْ أَقَامَ قَبْلَ ذَلِكَ بِالْحَرَمِ إقَامَةً قَطَعَتْ حُكْمَ السَّفَرِ فَجَوَازُ ذَبْحِ الصَّيْدِ بِالْحَرَمِ رُخْصَةٌ لِخُصُوصِ أَهْلِهِ السَّاكِنِينَ بِهِ، وَالرُّخْصَةُ لَا يُقَاسَ عَلَيْهَا نَعَمْ أُلْحِقَ بِالسُّكْنَى طُولُ الْإِقَامَةِ وَمَفْهُومُ بِحِلٍّ أَنَّ مَا صِيدَ بِحَرَمٍ لَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ بِهِ وَلَا يَحِلُّ وَيَجِبُ إرْسَالُهُ وَإِلَّا فَهُوَ مَيْتَةٌ وَفِيهِ الْجَزَاءُ، وَكَذَا مَا صَادَهُ مُحْرِمٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
وَلَيْسَ الْإِوَزُّ وَالدَّجَاجُ بِصَيْدٍ، بِخِلَافِ الْحَمَامِ.
وَحَرُمَ بِهِ قَطْعُ مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ، إلَّا الْإِذْخِرَ وَالسَّنَا:
_________________
(١) [منح الجليل] وَلَيْسَ الْإِوَزُّ) الْإِنْسِيُّ الَّذِي لَا يَطِيرُ (وَالدَّجَاجُ) الَّذِي لَا يَطِيرُ وَإِلَّا فَهُوَ صَيْدٌ قَالَهُ سَنَدٌ (بِصَيْدٍ) فَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ وَالْحَلَالِ بِالْحَرَمِ ذَبْحُهُ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْإِنْسِيِّ وَالْغَنَمِ، وَأَمَّا الْإِوَزُّ الْعِرَاقِيُّ فَصَيْدٌ كَالْبَقَرِ الْوَحْشِيِّ (بِخِلَافِ الْحَمَامِ) الْإِنْسِيِّ وَالْوَحْشِيِّ وَلَوْ رُومِيًّا مُتَّخَذًا لِلْفِرَاخِ فَهُوَ صَيْدٌ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُحْرِمِ مُطْلَقًا وَالْحَلَالِ فِي الْحَرَمِ التَّعَرُّضُ لَهُ وَلِبَيْضِهِ. (وَحَرُمَ) عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ (بِهِ) أَيْ: فِي الْحَرَمِ (قَطْعُ مَا) أَيْ: الَّذِي (يَنْبُتُ) جِنْسُهُ (بِنَفْسِهِ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ مِنْ آدَمِيٍّ كَالْبَقْلِ الْبَرِّيِّ وَالطَّرْفَاءِ وَأُمِّ غِيلَانٍ وَلَوْ زَرَعَهُ شَخْصٌ نَظَرًا لِجِنْسِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَخْضَرِهِ وَيُسَمَّى عُشْبًا وَخَلَى بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورًا، وَيَابِسُهُ وَيُسَمَّى كَلَأً بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ مَهْمُوزًا مَقْصُورًا. وَيَحْرُمُ قَطْعُ مَا ذَكَرَ وَلَوْ لِاحْتِشَاشِ الْبَهَائِمِ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْكَافِي وَابْنِ رُشْدٍ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَوْلَهَا يُكْرَهُ الِاحْتِشَاشُ، وَحَمَلَهَا سَنَدٌ عَلَى ظَاهِرِهَا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ. (إلَّا الْإِذْخِرَ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ نَبْتٌ كَالْحَلْفَاءِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ وَاحِدُهُ إذْخِرَةٌ وَجَمْعُهُ أَذَاخِرُ بِفَتْحِ الْهَمْزِ فَيَجُوزُ قَطْعُهُ وَهُوَ مِمَّا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَثْنَاهُ لَمَّا قَالَ لَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَّا الْإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ - ﷺ - إلَّا الْإِذْخِرَ (وَ) إلَّا (السَّنَا) بِالْقَصْرِ نَبْتٌ مُسَهِّلٌ يُتَدَاوَى بِهِ قَاسَهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ عَلَى الْإِذْخِرِ فِي جَوَازِ قَطْعِهِ، وَهُوَ مِمَّا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ وَرَأَوْهُ مِنْ، قِيَاسِ الْأَوْلَى بِالْحُكْمِ لِكَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ فِي الْأَدْوِيَةِ. وَفِي الْقَامُوسِ السَّنَا ضَوْءُ الْبَرْقِ وَنَبْتٌ مُسَهِّلٌ لِلصَّفْرَاءِ وَالْبَلْغَمِ وَالسَّوْدَاءِ وَيَمُدُّ. اهـ. وَهُوَ أَحَدُ الْمُلْحَقَاتِ بِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ اسْتِثْنَاؤُهُ وَهُوَ الْإِذْخِرُ فَقَطْ وَهِيَ السَّنَا وَالْهَشُّ أَيْ: قَطْعُ وَرَقِ الشَّجَرِ بِالْمِحْجَنِ بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ عَصًا مُعْوَجَّ الرَّأْسِ كَالْخُطَّافِ، فَيُجْعَلُ عَلَى الْغُصْنِ وَيُسْحَبُ فَيَسْقُطُ وَرَقُهُ، فَهَذَا جَائِزٌ.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
كَمَا يُسْتَنْبَتُ، وَإِنْ لَمْ يُعَالَجْ، وَلَا جَزَاءَ كَصَيْدِ الْمَدِينَةِ
_________________
(١) [منح الجليل] وَأَمَّا ضَرْبُهُ بِالْعَصَا لِذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ، وَالْعَصَا وَالسِّوَاكُ وَقَطْعُ الشَّجَرِ لِلْبِنَاءِ وَالسُّكْنَى بِمَوْضِعِهِ. وَسَادِسُهَا قَطْعُهُ لِاصْطِلَاحِ الْحَوَائِطِ وَالْبَسَاتِينِ فَجُمْلَةُ الْمُسْتَثْنَيَاتِ سَبْعَةٌ. وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى السَّنَا لِشِدَّةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اسْتَثْنَى الْإِذْخِرَ فِي الْحَدِيثِ وَزَادَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ السَّنَا لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَرَأَوْهُ مِنْ قِيَاسِ الْأَحْرَى؛ لِأَنَّ حَاجَةَ النَّاسِ إلَيْهِ فِي الْأَوْدِيَةِ لِكُثْرٍ وَأَشَدُّ مِنْ حَاجَةِ أَهْلِ مَكَّةَ إلَى الْإِذْخِرِ وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ إجَازَةِ بَعْضِهِمْ اجْتِنَاءَ الْكُمَاةِ. وَإِجَازَةِ الشَّافِعِيِّ قَطْعَ الْمَسَاوِيكِ. زَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَجَائِزٌ الرَّعْيُ فِي حَرَمِ مَكَّةَ وَحَرَمِ الْمَدِينَةِ فِي الْحَشِيشِ وَالشَّجَرِ وَأَكْرَهُ أَنْ يَحْتَشَّ فِي الْحَرَمِ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ خِيفَةَ قَتْلِ الدَّوَابِّ، وَكَذَلِكَ الْحَرَامُ فِي الْحِلِّ إلَّا أَنْ يَسْلَمَا مِنْ قَتْلِ الدَّوَابِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَأَكْرَهُ لَهُمْ ذَلِكَ وَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ الْخَبْطِ وَقَالَ هُشُّوا وَارْعَوْا، قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْهَشُّ، تَحْرِيكُ الشَّجَرِ بِالْمِجَنِّ لِيَقَعَ وَرَقُهُ وَلَا يُخْبَطُ وَلَا يُعْضَدُ وَالْعَضْدُ الْكَسْرُ اهـ. وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ الْمُفَادِ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ (كَمَا) أَيْ: الَّذِي (يُسْتَنْبَتُ) جِنْسُهُ كَخَسٍّ وَبَقْلٍ وَسَلْقٍ وَكُرَّاثٍ وَحِنْطَةٍ وَبِطِّيخٍ وَقِثَّاءٍ وَفَقُّوسٍ وَكَخَوْخٍ وَعُنَّابٍ وَعِنَبٍ وَنَخْلٍ فَيَجُوزُ قَطْعُهُ إنْ اسْتُنِبْتَ بَلْ (وَإِنْ لَمْ يُعَالَجْ) بِأَنْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ اعْتِبَارًا بِأَصْلِهِ بِمَثَابَةِ مَا تَوَحَّشَ مِنْ الْإِنْسِيِّ (وَلَا جَزَاءَ) عَلَى قَاطِعِ مَا حَرُمَ قَطْعُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى التَّحْرِيمِ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الِاسْتِغْفَارُ. وَشَبَّهَ فِي الْحُرْمَةِ وَعَدَمِ الْجَزَاءِ فَقَالَ (كَصَيْدِ) حَرَمِ (الْمَدِينَةِ) الشَّرِيفَةِ الْمُنَوَّرَة بِأَنْوَارِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ - ﷺ - عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، فَيَحْرُمُ. وَلَا جَزَاءَ فِيهِ كَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ الْمَاضِيَةِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرِّمَ لِحَرَمِ الْمَدِينَةِ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ - ﵊ - وَالْمُحْرِمُ لِحَرَمٍ مَكَّةَ سَيِّدُنَا إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ - ﷺ - وَنَبِيُّنَا أَعْظَمُ مِنْهُ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ، أَفَادَهُ فِي التَّوْضِيحِ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْحَجِّ مِنْ سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ، مَا نَصُّهُ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَا بَيْنَ
[ ٢ / ٣٥٦ ]
بَيْنَ الْحِرَارِ، وَشَجَرِهَا بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ.
_________________
(١) [منح الجليل] لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ، قَالَ - ﵊ - «اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمُ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي أُحَرِّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا» . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ صَادَ فِيهَا صَيْدًا فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ الْجَزَاءَ كَحَرَمِ مَكَّةَ سَوَاءٌ وَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَبْدِ الْوَهَّابِ. وَذَهَبَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَى أَنَّ الصَّيْدَ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ أَخَفُّ مِنْ الصَّيْدِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ. فَلَمْ يَرَ عَلَى مَنْ صَادَ فِيهِ إلَّا الِاسْتِغْفَارَ وَالزَّجْرَ مِنْ الْإِمَامِ قِيلَ لَهُ فَهَلْ يُؤْكَلُ الصَّيْدُ الَّذِي يُصَادُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ مَا هُوَ مِثْلُ مَا يُصَادُ فِي حَرَمِ مَكَّةَ وَإِنِّي لَأَكْرَهَهُ، فَرُوجِعَ فِيهِ فَقَالَ لَا أَدْرِي وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ. وَحَرَّمَهَا بِالنِّسْبَةِ لِلصَّيْدِ مَا (بَيْنَ الْحِرَارِ) الْمُحِيطَةِ بِهَا جَمْعُ حَرَّةٍ أَيْ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ نَخِرَةٍ كَأَنَّهَا أُحْرِقَتْ بِنَارٍ فَالْمَدِينَةُ دَاخِلَةٌ فِي حَرَمِ الصَّيْدِ وَالْجَمْعُ لِمَا فَوْقَ الْوَاحِدِ إذْ لَيْسَ ثَمَّ إلَّا حَرَّتَانِ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ لِكُلِّ حَرَّةٍ طَرَفَيْنِ وَهُمَا الْمُرَادُ بِلَابَتَيْهَا (وَ) كَقَطْعِ (شَجَرِهَا) أَيْ الْمَدِينَةِ (بَرِيدًا) طُولًا مِنْ طَرَفِ بُيُوتِهَا (فِي بَرِيدٍ) أَيْ مَعَ بَرِيدٍ آخَرَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ مِنْ طَرَفِ الْبُيُوتِ أَيْضًا. قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ مَسَافَةُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ يُرِيدُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ مِنْهَا مِنْ طَرَفِ دُورِهَا فَفِي بِمَعْنَى مَعَ عَلَى حَدِّ قَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨]، أَيْ: مَعَ أُمَمٍ فَالْمَدِينَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّجَرِ لَيْسَتْ مِنْ الْحَرَمِ وَهُوَ مُحِيطٌ بِهَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ يُرِيدُ وَالْمُعْتَبَرُ الْبُيُوتُ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَنِهِ - ﷺ - وَسُوَرُهَا الْآنَ الدَّاخِلُ هُوَ طَرَفُهَا فِي زَمَنِهِ - ﵊ -، فَمَا بَيْنَ سُورَيْهَا مِنْ حَرَمِ الشَّجَرِ أَيْضًا. وَالْمُرَادُ بِالشَّجَرِ مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ، وَيُسْتَثْنَى مَا اسْتَثْنَى مِنْ شَجَرِ حَرَمِ مَكَّةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ اتِّكَالًا عَلَى الْقِيَاسِ بِالْأَوْلَى. ابْنُ حَبِيبٍ تَحْرِيمُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الصَّيْدِ، وَأَمَّا فِي قَطْعِ الشَّجَرِ فَبَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ، وَحَكَاهُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَفِي الْمُنْتَقَى قَالَ ابْنُ نَافِعٍ مَا بَيْنَ هَذِهِ الْحِرَارِ مِنْ الدُّورِ كُلُّهُ مُحَرَّمٌ أَنْ يُصَادَ فِيهِ صَيْدٌ، وَحَرُمَ قَطْعُ الشَّجَرِ مِنْهَا يُرِيدُ مِنْ كُلِّ شِقٍّ حَوْلَهَا كُلِّهَا اهـ. وَفِي مُخْتَصَرِهَا لِأَبِي مُحَمَّدٍ وَحَرَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ وَهُمَا حَرَّتَانِ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُصَادُ
[ ٢ / ٣٥٧ ]
وَالْجَزَاءُ بِحُكْمِ عَدْلَيْنِ
_________________
(١) [منح الجليل] الْجَرَادُ بِهَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يُطْرَدَ عَنْ النَّخْلِ. وَقِيلَ إنَّ حَرَّمَهَا بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ مِنْ جَانِبِهَا كُلِّهَا. وَفِي الْإِكْمَالِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ تَحْرِيمُ النَّبِيِّ - ﷺ - مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الصَّيْدِ خَاصَّةً، وَأَمَّا فِي قَطْعِ الشَّجَرِ فَبَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ مِنْ دُورِ الْمَدِينَةِ كُلِّهَا أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنِ وَهْبٍ وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ «إنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا» . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «وَجَعَلَ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حَوْلَ الْمَدِينَةِ حِمًى»، وَهَذَا تَفْسِيرُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَرَوَاهُ مُطَرِّفٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. (وَالْجَزَاءُ) سَوَاءٌ كَانَ مِثْلًا مِنْ النَّعَمِ بِكَسْرِ الْمِيمِ أَوْ طَعَامًا أَوْ صِيَامًا مَشْرُوطٌ (بِحُكْمِ) رَجُلَيْنِ (عَدْلَيْنِ) عَدَالَةَ شَهَادَةٍ فَتَتَضَمَّنُ الْحُرِّيَّةَ وَالْبُلُوغَ وَالْعِلْمَ بِالْمَحْكُومِ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الصَّيْدُ مُحَرَّمًا كَخِنْزِيرٍ. وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ طَعَامًا عَلَى تَقْدِيرِ جَوَازِ بَيْعِهِ، فَإِنْ أَخْرَجَ الْجَزَاءَ بِلَا حُكْمٍ أَعَادَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ وَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ وَلَا تَكْفِي الْفَتْوَى وَلَا الْإِشَارَةُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إنْشَاءٌ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اللَّفْظِ. وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إذْنُ الْإِمَامِ. وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِمَا غَيْرَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَفَادَهُ عب. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ مِثْلًا بِكَسْرِ الْمِيمِ إلَخْ هَذَا التَّعْمِيمُ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. الْحَطّ مَا عَلِمْت خِلَافًا فِي اشْتِرَاطِ الْحُكْمِ فِي الْأَوَّلَيْنِ وَأَمَّا الصَّوْمُ فَصَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِاشْتِرَاطِهِ فِيهِ. وَذَكَرَ سَنَدٌ فِيهِ خِلَافًا بَعْدَ أَنْ قَالَ لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي نَدْبِهِ قَالَ قَالَ الْبَاجِيَّ الْأَظْهَرُ عِنْدِي اسْتِئْنَافُ الْحُكْمِ فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْأَيَّامِ بِالْأَمْدَادِ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ فَقَدْ خَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ فَقَالَ صَوْمُ يَوْمٍ يَعْدِلُ مُدَّيْنِ، وَبِالْحُكْمِ يُتَخَلَّصُ مِنْ الْخِلَافِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحُكْمُ. الرَّمَاصِيُّ أَطْلَقَ الْخِلَافَ فَظَاهِرُهُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مَحَلِّهِ الْفَاكِهَانِيُّ إنْ أَرَادَ ابْتِدَاءَ أَنْ يَصُومَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْكُمَا عَلَيْهِ فَيَنْظُرَا لَقِيمَةِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ قَدْرُ الصَّوْمِ إلَّا بِمَعْرِفَةِ قَدْرِ الطَّعَامِ، وَلَا يَكُونُ الطَّعَامُ إلَّا بِحُكْمٍ.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
فَقِيهَيْنِ بِذَلِكَ
_________________
(١) [منح الجليل] وَأَمَّا إنْ أَرَادَ الطَّعَامَ فَلَمَّا حَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ أَرَادَ الصِّيَامَ، فَهَا هُنَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَحْتَاجُ إلَى حُكْمِهِمَا بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الطَّعَامِ لَا مِنْ الصَّيْدِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، وَكَأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالطَّعَامِ بِتَقْدِيرِ الشَّرْعِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْحُكْمِ. اهـ. فَيَنْزِلُ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ عَلَى الْأَوَّلِ وَنَحْوِهِمَا قَوْلُهَا وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَنْ يَحْكُمَا عَلَيْهِ بِجَزَاءِ مَا أَصَابَ مِنْ النَّعَمِ أَوْ بِالصِّيَامِ أَوْ بِالطَّعَامِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ أَمَرَهُمَا بِالْحُكْمِ فَالْجَزَاءُ مِنْ النَّعَمِ، فَحَكَمَا بِهِ وَأَصَابَا فَأَرَادَ بَعْدَ حُكْمِهِمَا أَنْ يَرْجِعَ إلَى الصِّيَامِ أَوْ الطَّعَامِ يَحْكُمَانِ عَلَيْهِ بِهِ هُمَا أَوْ غَيْرُهُمَا فَلِذَلِكَ لَهُ اهـ. وَكَلَامُ سَنَدٍ وَالْبَاجِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ عَلَى الثَّانِي، وَظَاهِرُ قَوْلِهَا وَإِنْ أَصَابَ الْمُحْرِمُ الْيَرْبُوعَ وَالضَّبَّ وَالْأَرْنَبَ وَشَبَهُهُ حُكِمَ فِيهِ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا، وَخُيِّرَ الْمُحْرِمُ فَإِمَّا أَطْعَمَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا أَوْ صَامَ لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمًا عَدَمُ احْتِيَاجِ الصَّوْمِ لِلْحُكْمِ فِي الثَّانِي. قَوْلُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ عِبَارَةُ الْخَرَشِيِّ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ وَالْأَمْرِ بِالْجَزَاءِ، وَمِثْلُهَا فِي الْحَطّ عَنْ سَنَدٍ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَالْأَمْرِ بِالْجَزَاءِ أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ يَأْمُرُهُمَا بِالْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْجَزَاءِ، أَيْ: بِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ لَا بِخُصُوصِ لَفْظِ الْجَزَاءِ. وَاَلَّذِي فِي تت قَالَ فِي الشَّامِلِ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ وَالْجَزَاءِ. طفي هَكَذَا فِي نُسْخَةٍ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا، وَعِبَارَةُ الشَّامِلِ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ وَالْأَمْرِ بِالْجَزَاءِ، وَهَكَذَا عِبَارَةُ سَنَدٍ الَّتِي نَقَلَهَا الْحَطّ وعج، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ إذْ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَلَفَّظَا بِالْجَزَاءِ بَلْ الْحُكْمِ، فَفِي الْمُوَطَّإِ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِرَجُلٍ بِجَنْبِهِ تَعَالَ أَحْكُمُ أَنَا وَأَنْتَ، فَحَكَمَا عَلَيْهِ وَفِيهِ أَيْضًا فَقَالَ عُمَرُ لِكَعْبٍ تَعَالَ نَحْكُمْ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَالْأَمْرِ بِالْجَزَاءِ أَنْ يَأْمُرَهُمَا الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ عَلَيْهِ لَا بِخُصُوصِ لَفْظِ الْجَزَاءِ فَفِيهَا فَإِنْ أَمَرَهُمَا بِالْحُكْمِ بِالْجَزَاءِ مِنْ النَّعَمِ فَحَكَمَا بِهِ وَأَصَابَا إلَخْ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ قَالَ عُمَرُ لِعُثْمَانَ وَنَافِعِ بْنِ الْحَارِثِ اُحْكُمَا فَحَكَمَا عَلَيْهِ. (فَقِيهَيْنِ) أَيْ: عَالِمَيْنِ (بِذَلِكَ) أَيْ حُكْمِ جَزَاءِ الصَّيْدِ لَا بِجَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَخَبَرُ
[ ٢ / ٣٥٩ ]
مِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ أَوْ إطْعَامٌ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ يَوْمَ التَّلَفِ بِمَحَلِّهِ. وَإِلَّا فَبِقُرْبِهِ.
وَلَا يُجْزِئُ بِغَيْرِهِ، وَلَا زَائِدَ عَلَى مُدٍّ لِمِسْكِينٍ؛ إلَّا أَنْ يُسَاوِيَ سِعْرَهُ فَتَأْوِيلَانِ،
_________________
(١) [منح الجليل] الْجَزَاءِ (مِثْلُهُ) أَيْ مُقَارِبُ الصَّيْدِ فِي الْقَدْرِ وَالصُّورَةِ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا كَفَى مُقَارِبُهُ فِي الْقَدْرِ وَبَيَّنَ الْمِثْلَ فَقَالَ (مِنْ النَّعَمِ) أَيْ: الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (أَوْ إطْعَامٌ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ) نَفْسِهِ حَيًّا كَبِيرًا وَلَا يُقَوِّمُ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا، لَكِنْ إنْ فَعَلَ أَجْزَأَ، وَلَا يُقَوِّمُ مِثْلَهُ مِنْ النَّعَمِ بَلْ يُقَوِّمُ نَفْسَ، الصَّيْدِ وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ (يَوْمَ التَّلَفِ) لَا يَوْمَ تَقْوِيمِ الْحَكَمَيْنِ وَلَا يَوْمَ التَّعَدِّي وَلَا يَوْمَ الْأَكْثَرِ مِنْ طَعَامِ جُلِّ عَيْشِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ، وَيُعْتَبَرُ كُلٌّ مِنْ الْإِطْعَامِ وَالتَّقْوِيمِ (بِمَحَلِّهِ) أَيْ التَّلَفِ إنْ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ فِيهِ وَوَجَدَ بِهِ مَسَاكِينَ. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ بِمَحَلِّهِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَسَاكِينُ (فَ) يُقَوِّمُ أَوْ يُطْعِمُ (بِقُرْبِهِ) أَيْ: مَحَلِّ التَّلَفِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنَا بِقُرْبِهِ أَيْضًا فَإِذَا رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ حَكَّمَ اثْنَيْنِ وَوَصَفَ لَهُمَا الصَّيْدَ وَذَكَرَ لَهُمَا سِعْرَ الطَّعَامِ بِمَحَلِّ التَّلَفِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمَا تَقْوِيمُهُ بِطَعَامٍ قَوَّمَاهُ بِدَرَاهِمَ وَاشْتَرَى بِهَا طَعَامًا وَبَعَثَهُ إلَى مَحَلِّ التَّلَفِ أَوْ قُرْبِهِ. (وَلَا يُجْزِئُ) الْإِطْعَامُ (بِغَيْرِهِ) أَيْ: مَحَلِّ التَّلَفِ أَوْ قُرْبِهِ مَعَ الْإِمْكَانِ بِهِ. سَنَدٌ جُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ أَخْرَجَ الْجَزَاءَ هَدْيًا اخْتَصَّ بِالْحَرَمِ أَوْ صِيَامًا فَحَيْثُ شَاءَ أَوْ طَعَامًا اخْتَصَرَ بِمَحَلِّ التَّقْوِيمِ (وَلَا) يُجْزِئُ (زَائِدٌ عَلَى مُدٍّ) مِنْ الطَّعَامِ الْمُقَوَّمِ بِهِ الصَّيْدُ أَيْ: دَفْعُهُ (لِمِسْكِينٍ) وَلَهُ نَزْعُهُ إنْ بَقِيَ، وَبَيْنَ وَلَا يُجْزِئُ نَاقِصٌ عَنْ مُدٍّ إلَّا أَنْ يُكْمِلَ، وَهَلْ إنْ بَقِيَ تَأْوِيلَانِ. وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يُجْزِي بِغَيْرِهِ فَقَالَ (إلَّا أَنْ يُسَاوِيَ سِعْرَهُ) أَيْ: الطَّعَامِ فِي مَحَلِّ الْإِطْعَامِ سِعْرَهُ فِي مَحَلِّ التَّلَفِ (فَتَأْوِيلَانِ) بِالْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ تَحْصِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُطْلَبُ ابْتِدَاءً أَنْ يُخْرِجَ الطَّعَامَ بِمَحَلِّ التَّقْوِيمِ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ فِي غَيْرِهِ فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ أَصَابَ صَيْدًا بِمِصْرَ وَأَطْعَمَ بِالْمَدِينَةِ
[ ٢ / ٣٦٠ ]
أَوْ لِكُلِّ مُدٍّ صَوْمُ يَوْمٍ وَكَمَّلَ لِكَسْرِهِ فَالنَّعَامَةُ بَدَنَةٌ، وَالْفِيلُ بِذَاتِ سِنَامَيْنِ،
_________________
(١) [منح الجليل] أَجْزَأَ؛ لِأَنَّ سِعْرَهَا أَغْلَى، وَإِنْ أَصَابَهُ بِالْمَدِينَةِ وَأَطْعَمَ بِمِصْرَ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ سِعْرَاهُمَا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ تَفْسِيرًا لَهَا وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ خِلَافًا لَهَا وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ وَفِي مَكَانِهِ أَيْ: الْإِطْعَامُ ثَلَاثَةٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ وَمُحَمَّدٍ، حَيْثُ يُقَوَّمُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقٌّ، وَيُجْزِئُ حَيْثُ شَاءَ إنْ أَخْرَجَ عَلَى سِعْرِهِ، وَيُجْزِئُ إنْ تَسَاوَى السِّعْرَانِ. وَفِي الْمُوَطَّإِ يُطْعِمُ حَيْثُ أَحَبَّ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْفَرْقُ بَيْنَ كَلَامِ مُحَمَّدٍ وَأَصْبَغَ أَنَّ الَّذِي شَرَطَهُ مُحَمَّدٌ هُوَ تَسَاوِي السِّعْرَيْنِ وَاَلَّذِي شَرَطَهُ أَصْبَغُ اعْتِبَارُ سِعْرِ بَلَدِ التَّقْوِيمِ لَا بَلَدِ الْإِخْرَاجِ سَوَاءٌ اتَّفَقَ سِعْرُهُمَا أَوْ اخْتَلَفَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُحَمَّدًا شَرَطَ مُسَاوَاةَ السِّعْرَيْنِ وَأَنَّ أَصْبَغَ لَمْ يَنْظُرْ إلَّا إلَى قِيمَةِ الصَّيْدِ، فَإِنْ اشْتَرَى بِهِمَا طَعَامًا عَلَى سِعْرِ بَلَدِ الْإِخْرَاجِ أَجْزَأَ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ وَهْبٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إنْ اخْتَلَفَ السِّعْرَانِ أَخْرَجَ قِيمَةَ الطَّعَامِ الَّذِي حُكِمَ عَلَيْهِ بِهِ عَيْنًا حَيْثُ أَصَابَ الصَّيْدَ فَيَشْتَرِي بِمِثْلِ تِلْكَ الْقِيمَةِ طَعَامًا حَيْثُ أُحِبُّ أَنْ يُخْرِجَهُ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ غَلَا بِتِلْكَ الْبَلْدَةِ أَوْ رَخُصَ فَاعْتَبَرَ قِيمَةَ الطَّعَامِ، وَاعْتَبَرَ أَصْبَغُ قِيمَةَ الصَّيْدِ وَيَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا فِي بَلَدِ الْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى مُسَاوَاةِ الطَّعَامَيْنِ اهـ. (أَوْ) صِيَامُ أَيَّامٍ بِعَدَدِ الْأَمْدَادِ (لِكُلِّ مُدٍّ صَوْمُ يَوْمٍ) وَإِنْ جَاوَزَ ذَلِكَ شَهْرَيْنِ وَثَلَاثَةً قَالَهُ فِيهَا (وَكَمَّلَ) بِشَدِّ الْمِيمِ الْيَوْمَ أَوْ الْمُدَّ (لِكَسْرِهِ) أَيْ الْمُدِّ وُجُوبًا فِي الصَّوْمِ وَنَدْبًا فِي الْمُدِّ قَالَهُ الْبَاجِيَّ (فَالنَّعَامَةُ) جَزَاؤُهَا (بَدَنَةٌ) لِمُقَارَبَتِهَا لَهَا فِي الْقَدْرِ وَالصُّورَةِ (وَالْفِيلُ) جَزَاؤُهُ بَدَنَةٌ (بِذَاتِ سَنَامَيْنِ) لِقُرْبِهَا مِنْهُ. ابْنُ الْحَاجِبِ لَا نَصَّ فِي الْفِيلِ. ابْنُ مُيَسِّرٍ بَدَنَةٌ خُرَاسَانِيَّةٌ ذَاتُ سَنَامَيْنِ، وَقَالَ الْقَرَوِيُّونَ الْقِيمَةُ. وَقِيلَ قَدْرُ وَزْنِهِ لِغَلَاءِ عَظْمِهِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَصِفَةُ وَزْنِهِ أَنْ يَجْعَلَ فِي مَرْكَبٍ وَيَنْظُرَ إلَى حَيْثُ يَنْزِلُ فِي الْمَاءِ ثُمَّ يُزَالُ مِنْهُ وَيُجْعَلُ
[ ٢ / ٣٦١ ]
وَحِمَارُ الْوَحْشِ، وَبَقَرُهُ بَقَرَةٌ، وَالضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ: شَاةٌ
_________________
(١) [منح الجليل] فِيهِ طَعَامٌ حَتَّى يَنْزِلَ ذَلِكَ فِي الْمَاءِ. ابْنُ رَاشِدٍ وَيَتَوَصَّلُ إلَى وَزْنِهِ بِالْقَبَّانِ قِيلَ الْأَوْلَى حَذْفُ الْبَاءِ أَوْ ذَاتِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَاتَ صِفَةُ مَحْذُوفٍ أَيْ بِبَدَنَةٍ ذَاتِ الْبَدْرِ قَوْلُهُ فَالنَّعَامَةُ بَدَنَةٌ إلَخْ أَيْ إنْ أَرَادَ إخْرَاجَ الْمِثْلِ إذْ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ أَوْ يَصُومَ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ عج فِيهِ نَظَرٌ إذْ الَّذِي يُفِيدُهُ النَّقْلُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِي النَّعَامَةِ وَمَا بَعْدَهَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَقَوْلُهُ مِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ إلَخْ، فِيمَا يَرِدُ فِيهِ النَّصُّ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَتَبِعَهُ عب. طفي مَا قَالَهُ عج خَطَأٌ فَاحِشٌ خَرَجَ بِهِ عَنْ أَقْوَالِ الْمَالِكِيَّةِ كُلِّهِمْ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ بِمَا تَمُجُّهُ الْأَسْمَاعُ وَتَنْفِرُ عَنْهُ الطِّبَاعُ، وَمَا أَدْرِي أَيْنَ هَذَا النَّقْلُ الَّذِي يُفِيدُ مَا زَعَمَهُ. وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُهُ الْبَدْرُ إذْ كُتُبُ الْمَالِكِيَّةِ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ الْبَدَنَةَ الَّتِي فِي النَّعَامَةِ وَالْبَقَرَةَ الَّتِي فِي حِمَارِ الْوَحْشِ وَالْعَنْزَ الَّذِي فِي الظَّبْيِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا حَكَمَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بَيَانٌ لِلْمِثْلِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الْمُخَيَّرِ فِيهَا، وَلَوْلَا الْإِطَالَةُ لَجَلَبْنَا مِنْ كَلَامِهِمْ مَا يُثْلِجُ لَهُ الصَّدْرَ وَلَمَّا ذَكَرَ الْبَاجِيَّ مَا فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ عُمَرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - حَكَمَا عَلَى رَجُلٍ أَصَابَ ظَبْيًا بِعَنْزٍ، قَالَ يُرِيدُ أَنَّهُ اخْتَارَ الْمِثْلَ وَلِذَا حَكَمَا عَلَيْهِ بِعَنْزٍ، وَمَنْ تَصَفَّحَ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ ظَهَرَ لَهُ مَا قُلْنَاهُ ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٨٤] . (وَحِمَارُ الْوَحْشِ) وَيُقَالُ لَهُ الْعَيْرُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَلِأُنْثَاهُ حِمَارَةٌ وَأَتَانٌ (وَبَقَرُهُ) أَيْ: الْوَحْشِ وَالْإِيَّلِ بِكَسْرِ الْهَمْزِ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ قَرِيبٌ مِنْ الْبَقَرِ طَوِيلُ الْعُنُقِ جَزَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا (بَقَرَةٌ) بِتَاءِ الْوَحْدَةِ لَا التَّأْنِيثِ فَتَشْمَلُ الذَّكَرَ أَيْضًا وَجَمْعُهُمَا بَقَرٌ وَبُقْرَانٌ وَبُقُرٌ بِضَمَّتَيْنِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَالضَّبُعُ) الْجَوْهَرِيُّ الضَّبُعُ مَعْرُوفَةٌ وَلَا يُقَالُ ضَبِعَةٌ؛ لِأَنَّ الذَّكَرَ ضَبُعَانُ (وَالثَّعْلَبُ) مَعْرُوفٌ. الْكِسَائِيُّ الْأُنْثَى ثَعْلَبَةٌ وَالذَّكَرُ ثُعْلُبَانُ فِي كُلٍّ (شَاةٌ) أَيْ: وَاحِدَةٌ مِنْ غَنَمٍ فَذَكَرٌ وَتُؤَنَّثُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ خِيفَ مِنْهُمَا وَلَا يَنْدَفِعَانِ إلَّا بِقَتْلِهِمَا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الطَّيْرِ الْمَخُوفِ مِنْهُ إلَّا بِقَتْلِهِ. وَفَرَّقَ بِسُهُولَةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُمَا بِصُعُودِ نَخْلَةٍ مَثَلًا بِخِلَافِ الطَّيْرِ. الْبُنَانِيُّ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ
[ ٢ / ٣٦٢ ]
كَحَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامِهَا بِلَا حُكْمٍ،
_________________
(١) [منح الجليل] كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى غَيْرِ الْمَخُوفِ مِنْهَا إلَّا بِقَتْلِهِمَا وَإِلَّا فَلَا جَزَاءَ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي التَّلْقِينِ. وَشَبَّهَ فِي الشَّاةِ فَقَالَ (كَحَمَامِ مَكَّةَ) أَيْ: الْمَصِيدِ فِيهَا وَإِنْ كَانَ طَارِئًا عَلَيْهَا مِنْ الْحِلِّ (وَالْحَرَمِ) عَطْفٌ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ إلْحَاقًا لِغَيْرِهَا مِنْهُ بِهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْبَغَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهِ حُكُومَةٌ كَحَمَامِ الْحِلِّ الَّذِي صَادَهُ مُحْرِمٌ (وَيَمَامِهَا) أَيْ الْمَصِيدِ فِي الْحَرَمِ وَمِنْهُ مَكَّةُ وَإِنْ لَمْ يُولَدْ بِهِ، وَالدُّبْسِيُّ وَالْفَاخِتُ وَالْقُمَرِيُّ بِضَمِّ الْقَافِ وَذَاتُ الْأَطْوَاقِ كُلُّهَا حَمَامٌ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَفِيهَا أَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِهِ وَتَجِبُ الشَّاةُ فِي حَمَامٍ وَيَمَامٍ الْحَرَمِ (بِلَا حُكْمٍ) كَالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ قَوْلِهِ وَالْجَزَاءُ بِحُكْمِ عَدْلَيْنِ فَكَأَنَّهُ قَالَ إلَّا حَمَامَ مَكَّةَ فَشَاةٌ بِلَا حُكْمٍ لِخُرُوجِهِ عَنْ الِاجْتِهَادِ لِتَقَرُّرِهِ بِالدَّلِيلِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا جَارٍ فِي النَّعَامَةِ إلَخْ، فَلَوْ فَرَّقَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ الْجَزَاءِ وَالصَّيْدِ بَوْنٌ عَظِيمٌ فِي الْقَدْرِ وَالصُّورَةِ لَمْ يُنْظَرْ إلَى تَفَاوُتِ أَفْرَادِ الصَّيْدِ وَبِأَنَّ تَفَاوُتَ أَفْرَادِ الْحَمَامِ يَسِيرٌ فَلَمْ يُعْتَبَرْ لَكَانَ حَسَنًا، وَقَدْ خَالَفَ حَمَامُ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامُهُمَا سَائِرَ الصَّيْدِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مِثْلٌ، وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِحُكْمٍ، وَأَنَّهُ لَا إطْعَامَ فِيهِ خِلَافًا لِأَصْبَغَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الشَّاةِ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَكَانَ فِيهِ شَاةٌ؛ لِأَنَّهُ يَأْلَفُ النَّاسَ فَشَدَّدَ فِيهِ لِئَلَّا يَتَسَارَعَ النَّاسُ إلَى قَتْلِهِ، فَإِنْ اصْطَادَهُ حِلٌّ فِي الْحِلِّ وَمَاتَ بِاصْطِيَادِهِ أَوْ ذَكَّاهُ بَعْدَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ فِي الْحِلِّ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ طَعَامًا أَفَادَهُ عبق. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الدِّيَاتِ الَّتِي تَقَرَّرَتْ بِالدَّلِيلِ أَيْ لِتَعَيُّنِهَا وَعَدَمِ التَّخْيِيرِ فِيهَا وَالْحُكْمُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا فِيهِ تَخْيِيرٌ، وَهَذَا التَّوْجِيهُ ذَكَرَهُ الْجُزُولِيُّ، وَقَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ جَارٍ فِي النَّعَامَةِ وَنَحْوِهَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهَا فِيهَا التَّخْيِيرُ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ فِيهَا شَيْءٌ. وَقَوْلُهُ فَلَوْ فَرَّقَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ هُوَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ، قَالَ لَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ فِي كُلِّ جَزَاءٍ حَتَّى جَزَاءِ الْجَرَادِ إلَّا حَمَامَ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ مَا اُتُّفِقَ
[ ٢ / ٣٦٣ ]
وَلِلْحِلِّ وَضَبٍّ وَأَرْنَبٍ وَيَرْبُوعٍ وَجَمِيعِ الطَّيْرِ الْقِيمَةُ طَعَامًا، وَالصَّغِيرُ وَالْمَرِيضُ وَالْجَمِيلُ كَغَيْرِهِ،
_________________
(١) [منح الجليل] عَلَيْهِ مِنْ الشَّاةِ فِيهِ لَيْسَ بِمِثْلٍ وَالْحُكْمُ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَحْقِيقِ الْمِثْلِ. قَوْلُهُ فَإِنْ اصْطَادَهُ حِلٌّ فِي حِلٍّ إلَخْ أَيْ: فَيَجُوزُ اصْطِيَادُهُ أَبُو الْحَسَنِ. ظَاهِرُ الْكِتَابِ جَوَازُ اصْطِيَادِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ فِرَاخٌ فِي الْحَرَمِ. ابْنُ نَاجِي إنْ كَانَ لَهُ فِرَاخٌ فِي الْحَرَمِ فَالصَّوَابُ تَحْرِيمُ صَيْدِهِ لِتَعْذِيبِ فِرَاخِهِ حَتَّى يَمُوتُوا. (وَ) فِي الْحَمَامِ (لِلْحِلِّ) أَيْ الْمَصِيدِ فِيهِ وَإِنْ وُلِدَ بِالْحَرَمِ فَاللَّامُ بِمَعْنَى فِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] . وَقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] . (وَ) فِي (ضَبٍّ وَأَرْنَبٍ وَيَرْبُوعٍ وَجَمِيعِ الطَّيْرِ) الْمَصِيدِ فِي حِلٍّ لِمُحْرِمٍ أَوْ حَرُمَ مُطْلَقًا وَلَوْ بِمَكَّةَ غَيْرَ حَمَامِ الْحَرَمِ وَيَمَامِهِ وَغَيْرَ مَا أَلْحَقَ بِهِمَا، وَلَوْ قَالَ وَبَاقِي كَانَ أَحْسَنَ (الْقِيمَةُ) مُعْتَبَرَةٌ يَوْمَ الْإِتْلَافِ (طَعَامًا) أَوْ عَدْلُهَا صِيَامًا، فَإِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الصَّيْدَ الَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ لِصِغَرِهِ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ، وَمَا لَهُ مِثْلٌ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْمِثْلِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ وَلَمْ يَفْصِلْ فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ بَيْنَ الطَّيْرِ وَغَيْرِهِ، قَالَهُ فِيهَا لَا بَأْسَ بِصَيْدِ حَمَامِ مَكَّةَ فِي الْحِلِّ لِلْحَلَالِ. ابْنُ يُونُسَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ صَادَهُ الْمُحْرِمُ فِي الْحِلِّ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَتُهُ طَعَامًا أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا، وَإِنَّمَا تَكُونُ فِيهِ الشَّاةُ إذَا صَادَهُ فِي الْحَرَمِ. (وَالصَّغِيرُ) مِنْ الصَّيْدِ فِيمَا وَجَبَ مِنْ مِثْلٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ صِيَامٍ بَدَلًا عَنْ الْأَمْدَادِ قِلَّةً وَكَثْرَةً (وَالْمَرِيضُ) مِنْهُ (وَالْجَمِيلُ) فِي صُورَتِهِ وَالْأُنْثَى وَالْمُعَلَّمُ وَلَوْ مَنْفَعَةً شَرْعِيَّةً (كَغَيْرِهِ) مِنْ كَبِيرٍ وَسَلِيمٍ وَقَبِيحٍ، وَذَكَرُوا مَا لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَتَسَاوِي الْمَذْكُورَاتِ مُقَابِلَاتُهَا فِي الْوَاجِبِ كَالدِّيَاتِ وَلَمْ يَقُلْ وَالْقَبِيحُ مَعَ أَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِمَا قَبْلَهُ لِاقْتِضَائِهِ خِلَافَ الْمَنْصُوصِ مِنْ أَنَّ الْجَمِيلَ يُقَوَّمُ عَلَى أَنَّهُ قَبِيحٌ لَا الْعَكْسُ. الْقَرَافِيُّ الْفَرَاهَةُ وَالْجَمَالُ لَا يُعْتَدُّ بِهِمَا فِي تَقْوِيمِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِأَكْلِهِ وَإِنَّمَا يُؤْكَلُ اللَّحْمُ فَالْمَعِيبُ عَيْبًا لَا يُؤَثِّرُ فِي اللَّحْمِ كَالسَّلِيمِ فَيُقَوِّمُ ذَاتَ الصَّيْدِ
[ ٢ / ٣٦٤ ]
وَقُوِّمَ لِرَبِّهِ بِذَلِكَ مَعَهَا، وَاجْتَهَدَ، وَإِنْ رُوِيَ فِيهِ فَبِهِ.
_________________
(١) [منح الجليل] بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذُكُورَتِهِ وَأُنُوثَتِهِ، وَلَا تُقَوَّمُ الْأُنْثَى عَلَى أَنَّهَا ذَكَرٌ وَلَا الذَّكَرُ عَلَى أَنَّهُ أُنْثَى. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ أَهْلُ الْمَذْهَبِ تِلْكَ الصِّفَاتِ فِي الْجَزَاءِ إذَا كَانَ هَدْيًا فَلَمَّا لَمْ يَعْتَبِرُوهَا فِي أَحَدِ أَنْوَاعِ الْجَزَاءِ إذَا كَانَ مِثْلًا مِنْ النَّعَمِ أَلْحَقُوا بِهِ بَقِيَّةَ أَنْوَاعِهِ هَذَا فِي الْقِيمَةِ الْوَاجِبَةِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. (وَ) لَوْ كَانَ الصَّيْدُ الْمَوْصُوفُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَ مَمْلُوكًا لِشَخْصٍ بِأَنْ كَانَ مُعَلَّمًا مَنْفَعَةً شَرْعِيَّةً أَوْ صَغِيرًا أَوْ جَمِيلًا أَوْ مَرِيضًا قُوِّمَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مُعْتَبَرٍ وَصْفُهُ وَ(قُوِّمَ لِرَبِّهِ بِ) اعْتِبَارِ (ذَلِكَ) الْوَصْفِ الْقَائِمِ بِهِ مِنْ التَّعَلُّمِ أَوْ الصِّغَرِ أَوْ الْجَمَالِ أَوْ الْمَرَضِ أَوْ ضِدِّهَا (مَعَهَا) أَيْ: الْقِيمَةِ الْوَاجِبَةِ لَحِقَ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: مَعَ إخْرَاجِهَا فَيُعْطِي رَبُّهُ قِيمَتَهُ عَلَى أَنَّهُ مُعَلَّمٌ مَثَلًا وَيُخْرِجُ قِيمَتَهُ أَيْ: جَزَاءَهُ لِلْفُقَرَاءِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّمٍ فَتَلْزَمُهُ قِيمَتَانِ قِيمَةٌ مُجَرَّدَةٌ عَنْ الْمَنْفَعَةِ وَقِيمَةٌ مَعَ اعْتِبَارِهَا. (وَاجْتَهَدَا) أَيْ: الْحَكَمَانِ وُجُوبًا (وَإِنْ رُوِيَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (فِيهِ) أَيْ: الصَّيْدِ شَيْءٌ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِخُصُوصِهِ كَبَدَنَةٍ فِي نَعَامَةٍ وَذَاتِ سَنَامَيْنِ فِي فِيلٍ وَصِلَةٍ اجْتَهَدَا (فِيهِ) أَيْ الْجَزَاءِ الَّذِي يَحْكُمَانِ بِهِ إنْ لَمْ يُرْوَ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ الصَّحَابَةِ، بَلْ وَإِنْ رُوِيَ فِيهِ شَيْءٌ عَنْهُمْ فَفِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ غَيْرُ مُرَتَّبٍ وَلَوْ حُذِفَ أَحَدُهُمَا كَانَ أَحْسَنَ وَكَانَ مِنْ التَّنَازُعِ. وَمَعْنَى اجْتِهَادِهِمَا فِي الْمَرْوِيِّ فِيهِ شَيْءٌ اجْتِهَادُهُمَا فِي السِّمَنِ وَالْهُزَالِ وَالسِّنِّ، فَمَصَبُّ الرِّوَايَةِ النَّوْعُ وَمَصَبُّ الِاجْتِهَادِ الصِّفَاتُ كَالسِّمَنِ وَالسِّنِّ بِأَنْ يَرَيَا أَنَّ فِي هَذِهِ النَّعَامَةِ بَدَنَةً سَمِينَةً أَوْ هَزِيلَةً مَثَلًا لِسِمَنِ النَّعَامَةِ أَوْ هُزَالِهَا وَكَأَنْ يَرَيَا أَنَّ فِي هَذِهِ النَّعَامَةِ نَاقَةً سِنُّهَا خَمْسُ سِنِينَ لِصِغَرِهَا، وَفِي هَذِهِ النَّعَامَةِ نَاقَةً سِنُّهَا سَبْعُ سِنِينَ لِكِبَرِهَا. عَبْدِ الْوَهَّابِ لَمْ يَكْتَفِ بِحُكْمِ الصَّحَابَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] أَفَادَهُ عب. الرَّمَاصِيُّ قَوْلُهُ وَاجْتَهَدَا إلَخْ أَمْرٌ لِلْحَكَمَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ إنْ كَانَا مِنْ أَهْلِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَزَمَانُهُ زَمَنُ اجْتِهَادٍ، قَالَ فِيهَا وَلَا يَكْتَفِيَانِ فِي الْجَزَاءِ بِمَا رُوِيَ وَلِيَبْتَدِئَا الِاجْتِهَادَ وَلَا يَخْرُجَا بِاجْتِهَادِهِمَا عَنْ آثَارِ مَنْ مَضَى. اهـ. أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
[ ٢ / ٣٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [منح الجليل] قَضَى فِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ وَهِيَ دُونَ الْعَنَاقِ وَخَالَفَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مُحْتَجًّا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُخْرِجَ مَا لَيْسَ بِهَدْيٍ لِصِغَرِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِنْ رُوِيَ فِيهِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ فَيَحْكُمَانِ عَلَيْهِ بِاجْتِهَادِهِمَا لَا بِمَا رَوَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، أَيْ: عَنْ السَّلَفِ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ فَلَا يَصِحُّ الْعُدُولُ عَنْهُ كَمَا فِي الضَّبُعِ أَنَّهُ قَضَى فِيهِ بِكَبْشٍ. فَإِنْ قُلْت تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ فَلِمَ لَا يَكْتَفِي الْحَكَمَانِ بِمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا الْبَابِ. قُلْت لَمْ يَخْرُجْ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ أَصْلِهِ إذْ مَعْنَى قَوْلِهِ فَيَحْكُمَانِ عَلَيْهِ بِاجْتِهَادِهِمَا لَا بِمَا رُوِيَ إذَا وَقَعَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ أَوْ مَنْ بَعْدَهُمْ خِلَافٌ. وَأَمَّا إذَا اتَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ فَلَا يَحِلُّ الْعُدُولُ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهَا وَلَا يَكْتَفِيَانِ فِي الْجَزَاءِ بِمَا رُوِيَ وَلِيَبْتَدِئَا الِاجْتِهَادَ وَلَا يَخْرُجَانِ عَنْ أَثَرِ مَنْ مَضَى، وَكَذَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ لَا يَكْتَفِي فِي الْجَرَادِ وَلَا فِي غَيْرِهِ أَوْ النَّعَامَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ فَمَا دُونَهَا بِاَلَّذِي جَاءَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَأْتَنِفَا الْحُكْمَ فِيهِ وَلَا يَخْرُجَا عَمَّا مَضَى اهـ. كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ اجْتِهَادَهُمَا فِي الْوَاجِبِ لَا فِي سِمَنِهِ وَهُزَالِهِ كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ إذْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُمَا لَا يَتَعَرَّضَانِ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِمَا أَنْ يَأْتِيَا بِمَا يُجْزِئُ ضَحِيَّةً، وَهُنَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا: الْحُكْمُ لَا بُدَّ مِنْهُ حَتَّى فِي الْمَرْوِيِّ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَوْ الَّذِي اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَأَتَى بِالْمُضَارِعِ الدَّالِّ عَلَى الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، وَوَقَعَ فِي الْآيَةِ جَوَابُ الشَّرْطِ فَخَلَّصَهُ لِلِاسْتِقْبَالِ. ثَانِيهِمَا: إذَا حَكَمَا لَا بُدَّ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي مَحَلِّهِ، فَقَدْ قَالَ الْبَاجِيَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمُوَطَّإِ لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ فِي النَّعَامَةِ إذَا قَتَلَهَا الْمُحْرِمُ بَدَنَةٌ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ شَائِعٌ قَدِيمٌ تَكَرَّرَ حُكْمُ الْأَئِمَّةِ بِهِ وَفَتْوَى الْعُلَمَاءِ بِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا إلَّا بَعْدَ الْحُكْمِ
[ ٢ / ٣٦٦ ]
وَلَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ؛ إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ: فَتَأْوِيلَانِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا اُبْتُدِئَ، وَالْأَوْلَى كَوْنُهُمَا بِمَجْلِسٍ، وَنُقِضَ إنْ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ، وَفِي الْجَنِينِ وَالْبَيْضِ: عُشْرُ دِيَةِ الْأُمِّ وَلَوْ تَحَرَّكَ،
_________________
(١) [منح الجليل] بِهَا وَتَكَرَّرَ الِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ. أَقُولُ حَيْثُ كَانَ الِاجْتِهَادُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الْخُرُوجِ عَمَّا رُوِيَ عَنْ السَّلَفِ لَمْ يَبْقَ مُتَعَلِّقٌ إلَّا الصِّفَاتِ مِنْ السِّنِّ وَالسِّمَنِ وَالْهُزَالِ كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيُؤَيِّدُهُ مُخَالَفَةُ مَالِكٍ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الْعَنَاقِ وَالْجَفْرَةِ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ. (وَلَهُ) أَيْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِجَزَاءِ صَيْدٍ (أَنْ يَنْتَقِلَ) عَمَّا حَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ بِأَنْ يُرِيدَ حُكْمًا آخَرَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ لَهُ الِانْتِقَالَ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ) مَا حَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ (فَتَأْوِيلَانِ) فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ عَنْهُ وَعَدَمِهِ الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا الْأَوَّلُ، وَمَحَلُّهُمَا إذَا عَرَفَ مَا حَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ وَالْتَزَمَهُ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ لَا إنْ الْتَزَمَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ، وَالتَّأْوِيلُ بِعَدَمِ الِانْتِقَالِ لِابْنِ الْكَاتِبِ وَابْنِ مُحْرِزٍ وَالتَّأْوِيلُ بِالِانْتِقَالِ لِلْأَكْثَرِ. (وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الْحَكَمَانِ فِي قَدْرِ مَا حَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ أَوْ نَوْعِهِ أَوْ أَصْلِ الْحُكْمِ (اُبْتُدِئَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ الْحُكْمُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا مَعَ غَيْرِ صَاحِبِهِ (وَالْأَوْلَى) بِفَتْحِ الْهَمْزِ (كَوْنُهُمَا) أَيْ: الْحَكَمَيْنِ حِينَ الْحُكْمِ (بِمَجْلِسٍ) وَاحِدٍ لِيَطَّلِعَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى رَأْيِ الْآخَرِ (وَنُقِضَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ حُكْمُهُمَا مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا (إنْ تَبَيَّنَ الْخَطَأَ) تَبَيُّنًا وَاضِحًا كَحُكْمٍ بِشَاةٍ فِيمَا فِيهِ بَقَرَةٌ أَوْ بَدَنَةٌ أَوْ بِبَقَرَةٍ أَوْ بَعِيرٍ فِيمَا فِيهِ شَاةٌ أَوْ إطْعَامٌ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ رَضِيَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. (وَفِي) التَّسَبُّبِ فِي إسْقَاطِ (الْجَنِينِ) مَيِّتًا وَأُمُّهُ حَيَّةٌ مِنْ مُحْرِمٍ مُطْلَقًا أَوْ حِلٍّ فِي الْحَرَمِ أَيْ: كُلُّ جَنِينٍ لِوَحْشِيَّةٍ (وَ) فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ (الْبَيْضِ) لِغَيْرِ إوَزٍّ وَدَجَاجٍ غَيْرَ الْمَذَرِ إذَا كَسَرَهَا مُحْرِمٌ مُطْلَقًا أَوْ حِلٌّ فِي الْحَرَمِ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ فَرْخٌ وَخَرَجَ مَيِّتًا بَعْدَ كَسْرِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَرْخٌ (عُشْرُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ (دِيَةِ) أَيْ: جَزَاءُ (الْأُمِّ) لِلْجَنِينِ أَوْ الْبَيْضِ إنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ الْجَنِينُ أَوْ الْفَرْخُ بَلْ (وَلَوْ تَحَرَّكَ) الْجَنِينُ أَوْ الْفَرْخُ عَقِبَ انْفِصَالِهِ حَرَكَةً ضَعِيفَةً لَا
[ ٢ / ٣٦٧ ]
وَدِيَتُهَا إنْ اسْتَهَلَّ.
وَغَيْرُ الْفِدْيَةِ وَالصَّيْدِ مُرَتَّبٌ
_________________
(١) [منح الجليل] تَدُلُّ عَلَى اسْتِقْرَارِ حَيَاتِهِ، فَإِنْ تَحَقَّقَ مَوْتُ الْجَنِينِ أَوْ الْفَرْخِ قَبْلَ التَّسَبُّبِ فِي إسْقَاطِهِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ. (وَ) فِي الْجَنِينِ وَالْبَيْضِ (دِيَتُهَا) أَيْ: جَزَاءُ الْأُمِّ (إنْ) مَاتَ بَعْدَ أَنْ (اسْتَهَلَّ) الْجَنِينُ أَوْ الْفَرْخُ صَارِخًا عَقِبَ انْفِصَالِهِ عَنْ أُمِّهِ حَيَّةً أَوْ عَنْ بَيْضَتِهِ أَيْ: جَزَاءٌ كَجَزَاءِ أُمِّهِ فِي كَوْنِهِ يُجْزِئُ ضَحِيَّةً لِقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ وَالصَّغِيرُ كَغَيْرِهِ، وَلِذَا قَالَ: دِيَتُهَا وَلَمْ يَقُلْ دِيَتُهُ، وَلِمُنَاسَبَتِهِ لِقَوْلِهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ اسْتِهْلَالِهِ سَائِرُ مَا تَتَحَقَّقُ حَيَاتُهُ بِهِ كَكَثْرَةِ رَضَاعٍ فِيمَا يُرْضَعُ، فَإِنْ اسْتَهَلَّ وَمَاتَ وَمَاتَتْ فَجَزَاءَانِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ وَمَاتَتْ انْدَرَجَ فِي جَزَائِهَا فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَسْتَهِلَّ أَوْ لَا، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْهَا حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً فَإِنْ اسْتَهَلَّ وَمَاتَا فَدِيَتَانِ، وَإِنْ اسْتَهَلَّ وَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَدِيَتُهُ فَقَطْ كَمَا إذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ وَمَاتَتْ الْأُمُّ، فَإِنْ لَمْ تَمُتْ فَفِيهِ الْعُشْرُ وَلَا شَيْءَ فِي الْمَذَرِ. وَكَذَا الْمَمْرُوقُ الَّذِي اخْتَلَطَ صَفَارُهُ بِبَيَاضِهِ أَوْ مَا وُجِدَ فِيهِ نُقْطَةُ دَمٍ عَلَى الظَّاهِرِ إذْ لَا يَتَخَلَّقُ مِنْهُمَا فَرْخٌ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَالْبَيْضُ وَلَوْ أَتْلَفَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فِي فَوْرٍ وَلَوْ وَصَلَ لِعَشْرٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عِمْرَانَ، لَوْ كَسَرَ عَشْرَ بَيْضَاتٍ لَكَانَ فِي كُلِّ بَيْضَةٍ عُشْرٌ لَا شَاةٌ عَنْ مَجْمُوعِهَا؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ لَا يَتَبَعَّضُ كَمَنْ قَتَلَ مِنْ الْيَرَابِيعِ مَا يَبْلُغُ قَدْرَ شَاةٍ فَلَا تُجْمَعُ فِيهَا، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْبَيْضِ خِلَافَهُ وَأَنَّهُ يُؤَدِّي فِي الْعَشْرِ بَيْضَاتٍ شَاةٌ. وَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْيَرَابِيعِ بِأَنَّ الْعَشْرَ بَيْضَاتٍ أَجْزَاءُ كُلٍّ بِخِلَافِ الْيَرَابِيعِ، فَإِنَّهَا جُزْئِيَّاتٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا. وَكَذَا يُقَالُ فِي الْأَجِنَّةِ، وَيُخَيَّرُ فِي الْجَنِينِ أَوْ الْبَيْضِ بَيْنَ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ مِنْ الطَّعَامِ وَعُدَّ لَهُ صِيَامًا يَوْمًا مَكَانَ مُدٍّ أَوْ كَسْرِهِ إلَّا بَيْضَ حَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ الشَّاةِ طَعَامًا فَإِنْ تَعَذَّرَ صَامَ يَوْمًا، وَلَمَّا كَانَتْ دِمَاءُ الْحَجِّ ثَلَاثَةً فِدْيَةٌ وَجَزَاءٌ وَهَدْيٌ، وَقَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الْفِدْيَةِ وَالْجَزَاءِ. شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْهَدْيِ فَقَالَ (وَغَيْرُ الْفِدْيَةِ) الْوَاجِبَةِ فِيمَا يُتَرَفَّهُ أَوْ يُزِيلُ أَذًى (وَ) غَيْرُ جَزَاءِ (الصَّيْدِ) وَهُوَ مَا يَجِبُ لِقِرَانٍ أَوْ تَمَتُّعٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (مُرَتَّبٌ) مَرْتَبَتَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا لَا يَنْتَقِلُ عَنْ أُولَاهُمَا إلَّا بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْهَا دَمٌ ثُمَّ
[ ٢ / ٣٦٨ ]
هَدْيٌ، وَنُدِبَ إبِلٌ فَبَقَرٌ، ثُمَّ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ إحْرَامِهِ، وَصَامَ أَيَّامَ مِنًى
_________________
(١) [منح الجليل] صِيَامُ عَشْرَةِ أَيَّامٍ وَيُقَالُ لَهُ (هَدْيٌ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَنْوَاعِ النَّعَمِ (إبِلٌ) فَهُوَ أَفْضَلُ الْهَدَايَا (فَبَقَرٌ) يَلِي الْإِبِلَ فِي الْفَضْلِ فَضَأْنٌ فَمَعْزٌ فَحَذَفَ مَرْتَبَةً لَهَا نَوْعَانِ أَوَّلُهُمَا مُقَدَّمٌ نَدْبًا؛ لِأَنَّهَا لَا أَفْضَلِيَّةَ لَهَا؛ إذْ لَا مَرْتَبَةَ بَعْدَهَا. (ثُمَّ) إنْ عَجَزَ عَنْ الدَّمِ (صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) أَوَّلَ وَقْتِهَا (مِنْ إحْرَامِهِ) بِالْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْعِيدِ (وَ) إنْ فَاتَهُ صَوْمُهَا فِيمَا بَيْنَهُمَا (صَامَ أَيَّامَ مِنًى) الثَّلَاثَةَ الَّتِي تَلِي يَوْمَ الْعِيدِ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَيْهَا إلَّا لِعُذْرٍ، وَلَعَلَّ هَذَا حُكْمُهُ قَوْلُهُ وَصَامَ إلَخْ وَلَمْ يَقُلْ وَلَوْ أَيَّامَ مِنًى كَمَا قَالَهُ سَابِقًا. وَتَرَدَّدَ ابْنُ الْمُعَلَّى وَابْنُ فَرْحُونٍ فِي صَوْمِهَا أَيَّامَ مِنًى هَلْ هُوَ أَدَاءٌ أَوْ قَضَاءٌ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَنْعِ تَأْخِيرِهِ إلَيْهَا وَكَوْنِهِ أَدَّاهُ، إذْ هُوَ كَالصَّلَاةِ فِي الضَّرُورِيِّ قَالَ فِيهِ وَأَثِمَ إلَّا لِعُذْرٍ وَالْكُلُّ أَدَاءٌ أَفَادَهُ عب. طفي وَهُوَ قُصُورٌ مِنْهُمَا وَمِمَّنْ نَقَلَهُ عَنْهُمَا فَفِي الْمُنْتَقَى، قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إنَّ صِيَامَ أَيَّامِ مِنًى عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ، وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ قَبْلَهَا أَفْضَلَ كَوَقْتِ الصَّلَاةِ الَّذِي فِيهِ سَعَةٌ لِلْأَدَاءِ، وَإِنْ كَانَ أَوَّلُهُ أَفْضَلُ مِنْ آخِرِهِ وَنَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ وَإِنْ أَيِسَ مِنْ وُجُودِ الْهَدْيِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ بِثَلَاثَةٍ لَا يَنْبَغِي تَأْخِيرُ صَوْمِهِ عَنْهَا، فَقَوْلُ عب وعج يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ لِأَيَّامِ مِنًى لِغَيْرِ عُذْرٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَإِنْ نَسَبَاهُ لِبَعْضِ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ وَلَمْ يَعْزُهُ لِأَحَدٍ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الِاسْتِحْبَابُ كَمَالُ صَوْمِهَا قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَهُ أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ أَفْطَرَ يَوْمَ النَّحْرِ وَصَامَ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي بَعْدَهُ. اهـ. فَلَوْ كَانَ صَوْمُهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَاجِبًا وَيَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ مَا قَالَتْ وَلَهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَالٌ قَالَ الْبَاجِيَّ إنَّ صِيَامَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ مُفَضَّلٌ لَا
[ ٢ / ٣٦٩ ]
بِنَقْضٍ بِحَجٍّ
_________________
(١) [منح الجليل] وَاجِبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاغْتُفِرَ صَوْمُهَا مَعَ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ. ابْنُ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةٍ فِي الْحَجِّ هَلْ هُوَ الْقَارِنُ وَالْمُتَمَتِّعُ فَقَطْ أَوْ هُمَا، وَمَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ أَوْ فَاتَهُ أَوْ هُمْ، وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْ حَجِّهِ مِنْ يَوْمِ إحْرَامِهِ إلَى حِينِ وُقُوفِهِ رَابِعَهَا أَوْ لِتَرْكِ ذَلِكَ وَلَوْ بَعْدَ وُقُوفِهِ. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ وُجُوبُ صَوْمِ مَنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ أَيَّامَ مِنًى وَمَنَعَهُ. اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ وَأَقَرَّاهُ. (بِنَقْصٍ بِحَجٍّ) تَنَازَعَ فِيهِ صِيَامٌ وَصَامَ فَأَعْمَلَ الثَّانِي فِي اللَّفْظِ لِقُرْبِهِ وَالْأَوَّلَ فِي ضَمِيرِهِ وَحَذَفَهُ؛ لِأَنَّهُ فَضْلَةٌ فَمُرَادُهُ أَنَّ كَوْنَ النَّقْصِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ شَرْطٌ فِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كَوْنُ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ مِنْ إحْرَامِهِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ. وَالثَّانِي: كَوْنُهُ إنْ فَاتَهُ ذَلِكَ صَامَ أَيَّامَ مِنًى وَيُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهُ بِصَامَ فَقَطْ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ وَصِيَامُ ثَلَاثَةٍ مِنْ إحْرَامِهِ فَبَيَّنَ بِهِ الْمَبْدَأَ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ فَأَيْنَ الْغَايَةُ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ وَصَامَ أَيَّامَ مِنًى بِنَقْصٍ بِحَجٍّ إنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْوُقُوفِ. وَيُرَجِّحُ هَذَا أَنَّ مَنْ نَقَصَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ أَوْ مَا بَعْدَهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَصُومَ لَهُ قَبْلَهُ فَلَا يَحْتَاجُ لِذِكْرِهِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ بِحَجٍّ يَكُونُ فِيهِ عَلَى هَذَا قَلَقٌ. وَاحْتُرِزَ بِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَمَا أَبَيْنَ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَإِنْ كَانَ عَنْ نَقْصٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَى الْوُقُوفِ كَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالْفَسَادِ وَالْفَوَاتِ وَتَعَدَّى الْمِيقَاتَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِهِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهَا إلَيْهِ فَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ ثُمَّ قَالَ وَإِنْ كَانَ عَنْ نَقْصٍ بَعْدَ الْوُقُوفِ كَتَرْكِ مُزْدَلِفَةَ أَوْ رَمْيٍ أَوْ حَلْقٍ أَوْ مَبِيتِ مِنًى أَوْ وَطِئَ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ أَوْ
[ ٢ / ٣٧٠ ]
إنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْوُقُوفِ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى وَلَمْ تَجُزْ إنْ قُدِّمَتْ عَلَى وُقُوفِهِ:
_________________
(١) [منح الجليل] الْحَلْقِ صَامَ مَتَى شَاءَ، وَكَذَلِكَ صِيَامُ وَهَدْيُ الْعُمْرَةِ كَذَلِكَ مَنْ مَشَى فِي نَذْرٍ إلَى مَكَّةَ فَعَجَزَ، وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ ابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلَهُ فِيهَا وَإِنَّمَا يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ كَمَا ذَكَرْنَا الْمُتَمَتِّعَ وَالْقَارِنَ مَنْ تَعَدَّى مِيقَاتَهُ أَوْ أَفْسَدَ حَجَّهُ أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ. وَأَمَّا مَنْ لَزِمَهُ ذَلِكَ لِتَرْكِ جَمْرَةٍ أَوْ لِتَرْكِ النُّزُولِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَلْيَصُمْ مَتَى شَاءَ. وَكَذَلِكَ الَّذِي وَطِئَ أَهْلَهُ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَقَبْلَ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصُومُ إذَا اعْتَمَرَ بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى. وَمَنْ مَشَى فِي نَذْرٍ إلَى مَكَّةَ فَعَجَزَ فَلْيَصُمْ مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي فِي غَيْرِ حَجٍّ فَكَيْفَ لَا يَصُومُ فِي غَيْرِ حَجٍّ. أَبُو الْحَسَنِ أَيْ: يَقْضِي مَشْيَهُ أَمَاكِنِ رُكُوبِهِ فِي غَيْرِ إحْرَامٍ قَبْلَ الْمِيقَاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ يَقْضِي مَشْيَهُ فِي عُمْرَةٍ إذَا أَبْهَمَ يَمِينَهُ أَوْ نَذْرَهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ النَّذْرِ. اهـ. وَمَا سَلَكَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ إحْدَى طُرُقٍ ثَلَاثَةٍ وَقَدْ حَصَّلَهَا فِي التَّوْضِيحِ فَتَأَمَّلْهَا فِيهِ لَعَلَّك تَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى مَا عَقَدَهُ هُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ. (إنْ تَقَدَّمَ) النَّقْصُ عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ كَتَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ وَتَعَدِّي مِيقَاتٍ وَتَرْكِ طَوَافِ قُدُومٍ (وَسَبْعَةٍ) مِنْ الْأَيَّامِ مَجْرُورٌ عَطْفٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيْ: عَلَى الْعَاجِزِ عَنْ الدَّمِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ (إذَا رَجَعَ) وَلَوْ أَخَّرَ صَوْمَهَا عَنْ رُجُوعِهِ (مِنْ مِنًى) لَمْ يَقُلْ لِمَكَّةَ مَعَ أَنَّهُ الْمُرَادُ، وَلَوْ لَمْ يَقُمْ بِهَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ شُمُولُهُ لِرُجُوعِهِ لَهَا يَوْمَ النَّحْرِ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَأَنَّهُ يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى الثَّلَاثَةَ مِنْ جُمْلَةِ السَّبْعَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصُومُهَا إنْ كَانَ قَدْ صَامَ الثَّلَاثَةَ قَبْلَ أَيَّامِ مِنًى، وَالْمُرَادُ بِالرُّجُوعِ مِنْ مِنًى الْفَرَاغُ مِنْ الرَّمْيِ لِيَشْمَلَ أَهْلَ مِنًى وَمَنْ أَقَامَ بِهَا. وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّ النَّقْصَ إنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْوُقُوفِ كَتَرْكِ النُّزُولِ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَوْ تَرْكِ رَمْيٍ أَوْ حَلْقٍ أَوْ كَانَ وَقْتُهُ كَهَدْيِ الْمَارِّ بِعَرَفَةَ النَّاوِي بِهِ الْوُقُوفَ، وَكَإِنْزَالٍ ابْتِدَاءً وَإِمْذَائِهِ حِينَ وُقُوفِهِ أَوْ أَخَّرَ الثَّلَاثَةَ حَتَّى فَاتَتْ أَيَّامُ مِنًى فَإِنَّهُ يَصُومُهَا مَعَ السَّبْعَةِ مَتَى شَاءَ. (وَلَمْ تُجْزِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ لَا تَكْفِي السَّبْعَةُ (إنْ قُدِّمَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ: السَّبْعَةُ أَوْ شَيْءٌ مِنْهَا (عَلَى وُقُوفِهِ) وَكَذَا الْمُقَدَّمُ مِنْهَا عَلَى رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى قَالَهُ سَنَدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
[ ٢ / ٣٧١ ]
كَصَوْمٍ أَيْسَرَ قَبْلَهُ، أَوْ وَجَدَ مُسَلِّفًا لِمَالٍ بِبَلَدِهِ، وَنُدِبَ الرُّجُوعُ لَهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ.
_________________
(١) [منح الجليل] ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَلَا يُحْتَسَبُ مِنْ السَّبْعَةِ الَّتِي صَامَهَا قَبْلَ وُقُوفِهِ بِثَلَاثَةٍ قَالَهُ تت مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ. وَقَالَ عج فِيهِ خِلَافٌ فَإِنْ صَامَ الْعَشَرَةَ كُلَّهَا قَبْلَ وُقُوفِهِ فَقَالَ الْحَطّ الظَّاهِرُ اكْتِفَاؤُهُ بِثَلَاثَةٍ مِنْهَا، وَلَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ تت لِاخْتِلَافِ مَوْضُوعِهِمَا وَيُنْدَبُ تَأْخِيرُ صَوْمِ السَّبْعَةِ إلَى أَنْ يَرْجِعَ إلَى وَطَنِهِ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] هَلْ الْمَعْنَى لِلْأَهْلِ قَالَهُ غَيْرُ مَالِكٍ، أَوْ لِمَكَّةَ قَالَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. فَإِنْ اسْتَوْطَنَ مَكَّةَ صَامَ بِهَا اتِّفَاقًا. وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْإِجْزَاءِ فَقَالَ (كَصَوْمٍ أَيْسَرَ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ شُرُوعِهِ فِيهِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ كَمَالِ يَوْمٍ فَلَا يُجْزِئُهُ فَيَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ لِلدَّمِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ وَاجِدَهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَكْمِيلُ صَوْمِ الْيَوْمِ الَّذِي أَيْسَرَ فِيهِ (أَوْ وَجَدَ) مَنْ عَلَيْهِ الْهَدْيُ (مُسَلِّفًا لِمَالٍ) يَهْدِي بِهِ وَيُنْظِرُهُ بِالْقَضَاءِ مِنْ مَالٍ لَهُ (بِبَلَدِهِ)؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُوسِرًا حُكْمًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ كَذَلِكَ فَيَصُومُ وَلَا يُؤَخِّرُ حَتَّى يَرْجِعَ لِبَلَدِهِ وَلَا لِمَالٍ يَرْجُوهُ بَعْدَ خُرُوجِ أَيَّامِ مِنًى؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالصَّوْمِ فِي الْحَجِّ (وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (الرُّجُوعُ) مِنْ الصَّوْمِ (لَهُ) أَيْ: الدَّمِ إنْ أَيْسَرَ بِهِ (بَعْدَ) صَوْمِ (يَوْمَيْنِ) بِأَنْ أَيْسَرَ فِي لَيْلَةِ الثَّالِثِ، وَكَذَا إنْ أَيْسَرَ فِيهِ، وَكَذَا فِي لَيْلَةِ الثَّانِي أَوْ فِيهِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُهُ مِنْ وُجُوبِ الرُّجُوعِ فِيهِمَا، فَاَلَّذِي يَجِبُ رُجُوعُهُ وَلَا يَكْفِيهِ صَوْمُهُ هُوَ الَّذِي أَيْسَرَ قَبْلَ إكْمَالِ يَوْمٍ، فَتَحَصَّلَ أَنَّهُ يُنْدَبُ الرُّجُوعُ بَعْدَ إكْمَالِ يَوْمٍ وَقَبْلَ إكْمَالِ الثَّالِثِ، فَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَ إكْمَالِهِ فَلَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ قَسِيمَةُ السَّبْعَةِ فَكَأَنَّهَا نِصْفُ الْعَشَرَةِ أَفَادَهُ تت. وَهُوَ يَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِ الرُّجُوعِ لِلدَّمِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ. وَفِي الْحَطّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ لَوْ وَجَدَ الْهَدْيَ بَعْدَ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اهـ عب. طفي قَوْلُهُ وَنُدِبَ الرُّجُوعُ لَهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَلِابْنِ شَاسٍ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِمَنْ وَجَدَ الْهَدْيَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ، قَالَ وَهَذَا يَحْسُنُ فِيمَنْ قَدَّمَ الصَّوْمَ عَلَى
[ ٢ / ٣٧٢ ]
وَوُقُوفُهُ بِهِ الْمَوَاقِفَ كُلِّهَا، وَالنَّحْرُ بِمِنًى
_________________
(١) [منح الجليل] الْوَقْتِ الْمُضَيَّقِ اهـ. وَانْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهَا فِي كِتَابِ الظِّهَارِ وَإِنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ثُمَّ وَجَدَ ثَمَنَ الْهَدْيِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَلْيَمْضِ عَلَى صَوْمِهِ، وَإِنْ وَجَدَ ثَمَنَهُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ فَإِنْ شَاءَ أَهْدَى أَوْ تَمَادَى عَلَى صَوْمِهِ فَأَمَرَهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ بِالتَّمَادِي وَخَيَّرَهُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ، وَكُلُّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا هُنَا اهـ الْبُنَانِيُّ. قَدْ يُقَالُ يَصِحُّ حَمْلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمَتْبُوعَاهُ عَلَى مَا فِيهَا بِأَنْ يُرَادَ بِاسْتِحْبَابِ الرُّجُوعِ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَيْ: وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الثَّالِثِ كَمَا نَقَلَهُ تت عَنْ ابْنِ نَاجِي خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ، وَالْمُرَادُ بِالتَّخْيِيرِ الَّذِي فِيهَا عَدَمُ اللُّزُومِ فَلَا يُنَافِي الِاسْتِحْبَابَ وَبِمَا ذَكَرَ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ ز بِوُجُوبِ الرُّجُوعِ لِلْهَدْيِ قَبْلَ كَمَالِ الْيَوْمِ غَيْرُ صَحِيحٍ. (وَ) نُدِبَ (وُقُوفُهُ) أَيْ: الْمُهْدَى (بِهِ) أَيْ: الْهَدْيِ (الْمَوَاقِفَ) كُلَّهَا فَالنَّدْبُ مُنْصَبٌّ عَلَى الْمَجْمُوعِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ إيقَافَهُ بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ شَرْطٌ، وَهَذَا فِيمَا يُنْحَرُ بِمِنًى. وَأَمَّا مَا يُنْحَرُ بِمَكَّةَ فَشَرْطُهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَيَكْفِي وُقُوفُهُ بِهِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ الْحِلِّ فِي أَيِّ وَقْتٍ. وَأَرَادَ بِالْمَوَاقِفِ عَرَفَةَ وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَمِنًى، وَعُدَّتْ مَوْقِفًا لِوُقُوفِهِ بِهَا عَقِبَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَمُزْدَلِفَةَ مَبِيتٌ لَا مَوْقِفٌ قَالَهُ عب. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ مُنْصَبٌّ عَلَى الْمَجْمُوعِ نَحْوُهُ فِي الْحَطّ وتت، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَاشِرٍ وطفي بِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ لَا يَحْتَاجُ لِتَأْوِيلٍ وَهُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَوْقِفٍ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ وُقُوفَهُ بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ اللَّيْلِ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِنَحْرِهِ بِمِنًى وَلَيْسَ شَرْطًا فِي نَفْسِ الْهَدْيِ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ بَطَلَ كَوْنُهُ هَدْيًا وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ نَدْبِ إيقَافِهِ بِعَرَفَةَ وَكَوْنِهِ شَرْطًا فِي نَحْرِهِ بِمِنًى، وَالنَّحْرُ بِمِنًى غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ إنْ شَاءَ وَقَفَ بِهِ بِعَرَفَةَ وَنَحَرَهُ بِمِنًى، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقِفْ بِهِ بِعَرَفَةَ وَنَحَرَهُ بِمَكَّةَ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. (وَ) نُدِبَ (النَّحْرُ) لِلْهَدْيِ وَمِنْهُ جَزَاءُ الصَّيْدِ (بِمِنًى) مَعَ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ الْآتِيَةِ وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ نَهَارًا فَلَا يُجْزِئُ لَيْلًا، وَالْفِدْيَةُ لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ. وَلَوْ عَبَّرَ بِذَكَاةٍ كَانَ أَشْمَلَ وَمَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ نَدْبِهِ مَعَ الشُّرُوطِ نَحْوُهُ فِي الْحَطّ، فَإِنْ ذَكَّى بِمَكَّةَ مَعَهَا أَجْزَأَ وَخَالَفَ الْمَنْدُوبَ، قَالَ وَهُوَ الْآتِي عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَشَهَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَنْسَكِهِ اهـ
[ ٢ / ٣٧٣ ]
إنْ كَانَ فِي حَجٍّ، وَوَقَفَ بِهِ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ: كَهُوَ بِأَيَّامِهَا، وَإِلَّا فَمَكَّةُ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَجَعَلَهُ تت مَعَهَا وَاجِبًا وَنَحْوَهُ لِلشَّارِحِ أَيْضًا وَعَزَيَا عَنْ عِيَاضٍ الْوُجُوبَ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى إجْزَائِهِ بِمَكَّةَ مَعَهَا أَفَادَهُ عب. وَصَوَّبَ الرَّمَاصِيُّ الْوُجُوبَ لِتَصْرِيحِ عِيَاضٍ فِي إكْمَالِهِ بِهِ. وَمَا قَالَهُ الْحَطّ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِي قَوْلِهَا وَمَنْ وَقَفَ بِهَدْيٍ جَزَاءَ صَيْدٍ أَوْ مُتْعَةٍ أَوْ غَيْرِهِ بِعَرَفَةَ ثُمَّ قَدِمَ بِهِ مَكَّةَ فَنَحَرَهُ بِهَا جَاهِلًا أَوْ تَرَكَ مِنًى مُتَعَمِّدًا أَجْزَأَهُ. اهـ.؛ لِأَنَّ الْإِجْزَاءَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ. وَذَكَرَ شُرُوطَ نَحْرِهِ بِمِنًى فَقَالَ (إنْ كَانَ) الْهَدْيُ سَبَقَ (فِي) إحْرَامِ (حَجٍّ) فَرْضٍ أَوْ مَنْذُورٍ أَوْ تَطَوُّعٍ، وَشَمِلَ الْمَسْبُوقُ بِحَجٍّ مَا كَانَ عَنْ نَقْصٍ فِي عُمْرَةٍ (وَوَقَفَ بِهِ) أَيْ: الْهَدْيِ (هُوَ) أَيْ: الْمُهْدِي، فَصَلَ بِهِ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي وَقَفَ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ [البقرة: ٣٥] (أَوْ نَائِبُهُ) أَيْ: الْمُهْدِي كَنَاحِرِهِ وَهُوَ ضَالٌّ مِنْ مُهْدِيهِ وُقُوفًا (كَهُوَ) أَيْ: كَوُقُوفِهِ الرُّكْنِيِّ فِي كَوْنِهِ بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ، فَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ أَوْ نَائِبُهُ عَنْ وُقُوفِ التُّجَّارِ بِنَعَمِهِمْ بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ، فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي مَنْ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ بِمِنًى؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنُوبُوا عَنْهُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُمْ بِعَرَفَةَ وَيَتْرُكَهُ عِنْدَهُمْ حَتَّى يَأْتُوا بِهِ مِنًى، وَبِقَوْلِهِ كَهُوَ عَنْ وَقَوْفِهِ بِهِ بِهَا نَهَارًا فَقَطْ وَنَحَرَ (بِأَيَّامِهَا) أَيْ: مِنًى هَذَا ظَاهِرُ سِيَاقِهِ وَقَرَّرَهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ وتت. وَقَالَ عج وَأَحْمَدُ الْمُعْتَمَدُ بِأَيَّامِ النَّحْرِ فَقَطْ إذْ الْيَوْمُ الرَّابِعُ لَيْسَ وَقْتًا لِنَحْرٍ وَلَا ذَبْحٍ فَتَجَوَّزَ فِي التَّعْبِيرِ، وَلَوْ قَالَ بِأَيَّامِ النَّحْرِ لَكَانَ أَوْلَى. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ بِأَنْ انْتَفَتْ كُلُّهَا بِأَنْ سَاقَهُ فِي عُمْرَةٍ نَذْرًا أَوْ جَزَاءَ صَيْدٍ أَوْ تَطَوُّعًا أَوْ لِنَقْصٍ فِي حَجٍّ سَبَقَ أَوْ عُمْرَةٍ كَذَلِكَ أَوْ سَاقَهُ لَا فِي إحْرَامٍ كَذَلِكَ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا بِأَنْ فَاتَهُ وُقُوفُ عَرَفَةَ أَوْ خَرَجَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ (فَمَكَّةُ) مَحَلُّهُ وُجُوبًا وَلَا يُجْزِئُ بِمِنًى وَلَا بِغَيْرِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] . ابْنُ عَطِيَّةَ ذُكِرَتْ الْكَعْبَةُ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ الْحَرَمِ وَأُسُّهُ.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
وَأَجْزَأَ إنْ أُخْرِجَ لِحِلٍّ: كَأَنْ وَقَفَ بِهِ فَضَلَّ مُقَلَّدًا، وَنُحِرَ وَفِي الْعُمْرَةِ بِمَكَّةَ
_________________
(١) [منح الجليل] وَلَمَّا كَانَ شَرْطُ كُلِّ هَدْيٍ الْجَمْعُ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَكَانَ مَا يُذَكَّى بِمِنًى مَجْمُوعًا فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ إذْ شَرْطُهُ وُقُوفُهُ بِعَرَفَةَ وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ فِي الْمُذَكَّى بِمَكَّةَ الَّذِي مِنْ صُوَرِهِ مَا فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَقَالَ (وَأَجْزَأَ) كُلُّ هَدْيٍ يُذَكَّى بِمَكَّةَ (إنْ أُخْرِجَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الرَّاءِ (لِحِلٍّ) مِنْ أَيِّ جِهَةٍ وَلَوْ بِشِرَائِهِ مِنْهُ وَاسْتِصْحَابِهِ لِمَكَّةَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُخْرِجُ لَهُ حِلًّا أَوْ مُحْرِمًا، وَسَوَاءٌ أَخْرَجَهُ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ حِلًّا أَوْ مُحْرِمًا. قَالَ سَنَدٌ: وَالْأَحْسَنُ إذَا كَانَ الْهَدْيُ مِمَّا يُقَلَّدُ وَيُشْعَرُ أَنْ يُؤَخَّرَ إلَى الْحِلِّ فَإِنْ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ بِالْحَرَمِ وَأَخْرَجَهُ أَجْزَأَهُ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُبَاشِرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَأَنْ يُحْرِمَ إذَا دَخَلَهُ، قَالَ فِيهَا: فَإِنْ دَخَلَ بِهِ حَلَالًا أَوْ أَرْسَلَهُ مَعَ حَلَالٍ أَجْزَأَهُ. وَشَبَّهَ فِي الْإِجْزَاءِ فَقَالَ (كَأَنْ وَقَفَ) رَبُّ الْهَدْيِ (بِهِ) أَيْ: الْهَدْيِ بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ (فَضَلَّ) الْهَدْيُ مِنْ رَبِّهِ بَعْدَ وُقُوفِهِ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ (مُقَلَّدًا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ مُشَدَّدَةً (وَنُحِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْهَدْيُ، أَيْ نَحَرَهُ مَنْ وَجَدَهُ بِمِنًى فِي أَيَّامِ النَّحْرِ ثُمَّ وَجَدَهُ رَبُّهُ مَنْحُورًا فَقَدْ أَجْزَأَ رَبَّهُ. ابْنُ غَازِيٍّ أَشَارَ بِهَذَا لِقَوْلِهِ فِيهَا وَمَنْ أَوْقَفَ هَدْيَهُ. بِعَرَفَةَ ثُمَّ ضَلَّ مِنْهُ فَوَجَدَهُ رَجُلٌ فَنَحَرَهُ بِمِنًى؛ لِأَنَّهُ رَآهُ هَدْيًا فَوَجَدَهُ رَبُّهُ مَنْحُورًا أَجْزَأَهُ. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ وَقَفَ بِهِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقِفْ بِهِ بِعَرَفَةَ وَضَلَّ مُقَلَّدًا ثُمَّ وَجَدَهُ مُذَكًّى بِمِنًى لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَقِفَ بِهِ مَنْ وَجَدَهُ بِعَرَفَةَ، كَمَا إذَا ضَلَّ قَبْلَ الْجَمْعِ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَوَجَدَهُ مُذَكًّى بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ فَإِنْ لَمْ يَقِفْ بِهِ بِعَرَفَةَ وَضَلَّ مُقَلَّدًا بَعْدَ جَمْعِهِ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ثُمَّ وَجَدَهُ مُذَكًّى بِمَكَّةَ فَيُجْزِئُ فِيهَا مَنْ قَلَّدَ هَدْيَهُ وَأَشْعَرَهُ ثُمَّ ضَلَّ مِنْهُ فَأَصَابَ رَجُلٌ فَأَوْقَفَهُ بِعَرَفَةَ ثُمَّ وَجَدَهُ رَبُّهُ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ التَّوْقِيفُ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ هَدْيًا. اهـ. وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ. (وَ) الْهَدْيُ الْمَسُوقُ (فِي) إحْرَامِ (الْعُمْرَةِ) لِنَقْصٍ فِيهَا كَتَعَدِّي مِيقَاتٍ وَتَرْكِ تَلْبِيَةٍ أَوْ إصَابَةِ صَيْدٍ أَوْ فِي حَجٍّ سَابِقٍ أَوْ فِي عُمْرَةٍ سَابِقَةٍ أَوْ لِنَذْرٍ يُذَكِّي (بِمَكَّةَ) وَصَرَّحَ بِهَذَا مَعَ
[ ٢ / ٣٧٥ ]
بَعْدَ سَعْيِهَا ثُمَّ حَلَقَ.
إنْ أَخَّرَ إحْرَامَهُ حَتَّى يُتِمَّهَا لِقُرْبٍ وَقْتَ الْوُقُوفِ فَصَارَ قَارِنًا وَإِنْ أَرْدَفَ لِخَوْفِ فَوَاتِ أَوْ لِحَيْضٍ؛ أَجْزَأَ التَّطَوُّعُ لِقِرَانِهِ:
_________________
(١) [منح الجليل] دُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ سَابِقًا وَإِلَّا فَمَكَّةُ لِقَوْلِهِ (بَعْدَ سَعْيِهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ فَلَا تُجْزِئُ تَذْكِيَتُهُ قَبْلَهُ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْوُقُوفِ فِي هَدْيِ الْحَجِّ فِي أَنَّهُ لَا يُذَكِّي إلَّا بَعْدَهُ. (ثُمَّ حَلَقَ) الْمُعْتَمِرُ رَأْسَهُ أَوْ قَصَّرَ وَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ. الْأَبْهَرِيُّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَ نَحْرَهُ أَيْ: عَنْ الْحَلْقِ فَأَتَى بِثُمَّ الْمُرَتِّبَةِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْحَلْقَ فِي الْعُمْرَةِ بَعْدَ تَذْكِيَةِ الْهَدْيِ كَالْحَجِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَكَذَا قَوْلُ الْأَبْهَرِيِّ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَ نَحْرَهُ فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ تَقْدِيمَ النَّحْرِ عَلَى الْحَلْقِ مَنْدُوبٌ. (وَإِنْ) أَحْرَمَ شَخْصٌ بِعُمْرَةٍ وَسَاقَ هَدْيًا تَطَوُّعًا وَقَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ ثُمَّ (أَرْدَفَ) حَجًّا عَلَيْهَا (لِخَوْفِ فَوَاتِ) لِلْحَجِّ إنْ أَخَّرَ إحْرَامَهُ حَتَّى يُتِمَّهَا لِقُرْبِ وَقْتِ الْوُقُوفِ فَصَارَ قَارِنًا (أَوْ) أَرْدَفَتْ امْرَأَةٌ مُحْرِمَةٌ بِعُمْرَةِ الْحَجِّ عَلَيْهَا وَمَعَهَا هَدْيُ تَطَوُّعٍ (لِحَيْضٍ) أَوْ نِفَاسٍ نَزَلَ بِهَا فَمَنَعَهَا مِنْ إتْمَامِ عُمْرَتِهَا وَخَافَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ إنْ أَخَّرَتْ إحْرَامَهُ إلَى إتْمَامِهَا بَعْدَ طُهْرِهَا لِقُرْبِ وَقْتِ وُقُوفِهِ فَصَارَتْ قَارِنَةً (أَجْزَأَ) الْهَدْيُ (التَّطَوُّعُ) أَيْ: الَّذِي لَمْ يُسَقْ لِشَيْءٍ وَجَبَ أَوْ يَجِبُ فِي الصُّورَتَيْنِ (لِقِرَانِهِ) أَيْ: الْمُرْدِفِ مِنْ الشَّخْصَيْنِ. ابْنُ غَازِيٍّ أَشَارَ بِمَسْأَلَةِ الْحَيْضِ لِقَوْلِهِ فِيهَا قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي امْرَأَةٍ دَخَلَتْ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ وَمَعَهَا هَدْيٌ فَحَاضَتْ بَعْدَ دُخُولِهَا مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ أَنَّهُ لَا يُنْحَرُ هَدْيُهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَطُوفَ وَتَسْعَى وَتَنْحَرَهُ وَتُقَصِّرَ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ وَخَافَتْ الْفَوَاتَ وَلَمْ تَسْتَطِعْ الطَّوَافَ بِحَيْضِهَا أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ وَسَاقَتْ هَدْيَهَا وَأَوْقَفَتْهُ بِعَرَفَةَ وَلَا تَنْحَرُهُ إلَّا بِمِنًى وَأَجْزَأَهَا لِقِرَانِهَا وَسَبِيلُهَا سَبِيلُ مَنْ قَرَنَ اهـ. قَالَ فِي الْمَعُونَةِ يُسْتَحَبُّ لِلْمُرْدِفَةِ لِحَيْضٍ أَنْ تَعْتَمِرَ بَعْدَ فَرَاغِهَا مِنْ الْقِرَانِ كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - بِأَمْرِهِ - ﵊ -، وَمَفْهُومُ لِخَوْفِ فَوَاتٍ أَوْ لِحَيْضٍ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ فَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَسَاقَ الْهَدْيَ تَطَوَّعَ ثُمَّ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَيْهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ أَجْزَأَهُ
[ ٢ / ٣٧٦ ]
كَأَنْ سَاقَهُ فِيهَا، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا بِمَا إذَا سِيقَ لِلتَّمَتُّعِ، وَالْمَنْدُوبُ بِمَكَّةَ الْمَرْوَةُ،
_________________
(١) [منح الجليل] هَدْيُ التَّطَوُّعِ لِقِرَانِهِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ لِلْعُمْرَةِ قَبْلَ الْإِرْدَافِ وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِهِمْ أَيْضًا خِلَافًا لِقَوْلِ الْبِسَاطِيِّ الْإِجْزَاءُ ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يُقَلِّدْ وَيُشْعِرْ لِلْعُمْرَةِ. وَشَبَّهَ فِي الْإِجْزَاءِ فَقَالَ (كَأَنْ) أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَ(سَاقَهُ) أَيْ: الْهَدْيَ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ تَطَوُّعًا (فِي) إحْرَامٍ (فِيهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ وَأَتَمَّهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَتَحَلَّلَ مِنْهَا وَلَمْ يُذَكِّ الْهَدْيَ الَّذِي سَاقَهُ فِيهَا (ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ) وَصَارَ مُتَمَتِّعًا فَيُجْزِئُهُ الْهَدْيُ الَّذِي سَاقَهُ فِي الْعُمْرَةِ لِتَمَتُّعِهِ سَوَاءٌ سَاقَهُ لَهُ أَوْ لَا (وَتُؤُوِّلَتْ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَالْهَمْزِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مُشَدَّدَةً أَيْ فُهِمَتْ الْمُدَوَّنَةَ (أَيْضًا) أَيْ: كَمَا تُؤُوِّلَتْ بِإِجْزَائِهِ مُطْلَقًا سِيقَ لِلتَّمَتُّعِ أَمْ لَا (بِمَا إذَا سِيقَ) الْهَدْيُ فِي الْعُمْرَةِ (لِلتَّمَتُّعِ) أَيْ: لِيَجْعَلَهُ هَدْيًا عَنْ تَمَتُّعِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا سَاقَهُ وَقَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ سَمَّاهُ تَطَوُّعًا لِذَلِكَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ حُكْمًا، فَلِذَا أَجْزَأَهُ تَمَتُّعُهُ، فَإِنْ لَمْ يَسُقْهُ لَهُ فَلَا يُجْزِئُهُ لَهُ. وَالْمَذْهَبُ تَأْوِيلُ الْإِطْلَاقِ كَمَا هُوَ فِي اصْطِلَاحِهِ فِي قَوْلِهِ وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا، فَسَقَطَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لَوْ قَالَ وَهَلْ يُجْزِئُ إنْ سَاقَهُ فِيهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْ لَا إلَّا إذَا سِيقَ لِلتَّمَتُّعِ تَأْوِيلَانِ، كَأَنْ أَجْرَى عَلَى غَالِبِ عَادَتِهِ فِي ذِكْرِ التَّأْوِيلَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ لِمَ أَجْزَأَ التَّطَوُّعُ الْمَحْضُ عَنْ الْقِرَانِ وَلَمْ يُجْزِ عَنْ التَّمَتُّعِ عَلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي إذَا لَمْ يُسَقْ لَهُ. قُلْت الْقِرَانُ تَنْدَرِجُ الْعُمْرَةُ فِيهِ فِي الْحَجِّ فَتَعَلُّقُهَا بِهِ قَوِيٌّ صَارَ الْمَسُوقُ فِيهَا كَالْمَسُوقِ فِيهِ وَالتَّمَتُّعُ لَا تَنْدَرِجُ الْعُمْرَةُ فِيهِ فِي الْحَجِّ فَضَعُفَ تَعَلُّقُهَا بِهِ فَلَمْ يَكُنْ الْمَسُوقُ فِيهَا كَالْمَسُوقِ فِيهِ (وَالْمَنْدُوبُ) فِيمَا يُنْحَرُ بِمِنًى الثَّابِتُ بِالسُّنَّةِ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ وَلَا يُجْزِئُ النَّحْرُ بَعْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِمَّا يَلِي مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مِنًى وَفِيمَا يُنْحَرُ (بِمَكَّةَ الْمَرْوَةُ) لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ بِمِنًى هَذَا الْمَنْحَرُ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَفِي الْعُمْرَةِ عِنْدَ الْمَرْوَةِ هَذَا الْمَنْحَرُ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ وَطُرُقِهَا مَنْحَرٌ» . وَالْمُرَادُ الْقَرْيَةُ نَفْسُهَا فَلَا يَجُوزُ النَّحْرُ فِي طُوَى بَلْ يَدْخُلُ دُورَ مَكَّةَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَدَلَّ قَوْلُهُ وَكُلُّ فِجَاجِ إلَخْ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا الْمَنْحَرُ أَيْ: الْمَنْدُوبُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ
[ ٢ / ٣٧٧ ]
وَكُرِهَ نَحْرُ غَيْرِهِ كَالْأُضْحِيَّةِ.
وَإِنْ مَاتَ مُتَمَتِّعٌ فَالْهَدْيُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ؛ إنْ رَمَى الْعَقَبَةَ.
_________________
(١) [منح الجليل] (وَكُرِهَ) بِضَمِّ الْكَافِ لِمَنْ لَهُ هَدْيٌ (نَحْرُ غَيْرِهِ) أَيْ: اسْتِنَابَةُ غَيْرِهِ فِي نَحْرِ هَدْيِهِ إنْ كَانَ مِمَّا يُنْحَرُ أَوْ ذَبْحِهِ إنْ كَانَ مِمَّا يُذْبَحُ إنْ كَانَ النَّائِبُ مُسْلِمًا وَإِلَّا لَمْ يُجْزِهِ، وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ قَالَهُ فِيهَا، فَإِنْ ذَكَّاهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ اسْتِنَابَةٍ فَلَا تَتَعَلَّقُ الْكَرَاهَةُ بِرَبِّهِ. وَشَبَّهَ فِي الْكَرَاهَةِ فَقَالَ (كَالْأُضْحِيَّةِ) فَتُكْرَهُ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى ذَكَاتِهَا فَالسُّنَّةُ تَوَلِّيهَا بِنَفْسِهِ تَوَاضُعًا فِي الْعِبَادَةِ وَاقْتِدَاءً بِسَيِّدِ الْعَالَمِينَ - ﷺ -. (وَإِنْ مَاتَ) شَخْصٌ (مُتَمَتِّعٌ) عَنْ غَيْرِ هَدْيٍ أَوْ عَنْ هَدْيٍ غَيْرِ مُقَلَّدٍ (فَالْهَدْيُ) لِتَمَتُّعِهِ وَاجِبٌ عَلَى وَارِثِهِ إخْرَاجُهُ (مِنْ رَأْسِ) أَيْ: جُمْلَةِ (مَالِهِ) أَيْ الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي مَاتَ عَنْهُ وَلَوْ اسْتَغْرَقَهُ أَوْ لَمْ يُوصِ بِهِ كَزَكَاةِ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ الَّتِي مَاتَ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ زَكَاةِ الْعَيْنِ لِاحْتِمَالِ إخْرَاجِهَا سِرًّا وَالْهَدْيُ يُقَلَّدُ وَيُشْعَرُ وَيُسَاقُ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ فَلَا يَخْفَى، لَكِنَّهُ مُؤَخَّرٌ عَنْ الدَّيْنِ لِآدَمِيٍّ (إنْ) مَاتَ الْمُتَمَتِّعُ بَعْدَ أَنْ (رَمَى الْعَقَبَةَ) يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ فَاتَ وَقْتُ أَدَاءِ رَمْيِهَا بِغُرُوبٍ يَوْمَ الْعِيدِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، أَوْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَبْلَ رَمْيِهَا ثُمَّ مَاتَ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ رَمْيِهَا فَالْهَدْيُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ لِحُصُولِ مُعْظَمِ الْأَرْكَانِ مَعَ حُصُولِ أَحَدِ التَّحَلُّلَيْنِ، فَقَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْفَرَاغِ. وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ شَيْءٌ، فَإِنْ كَانَ قَلَّدَ هَدْيًا تَعَيَّنَتْ تَذْكِيَتُهُ وَلَوْ مَاتَ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ. فَإِنْ انْتَفَتْ الثَّلَاثَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ رَأْسِ مَالٍ وَلَا مِنْ ثُلُثٍ، وَلَا يُعَارِضُ مَا هُنَا قَوْلُهُ الْمُتَقَدِّمُ وَدَمُ التَّمَتُّعِ يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْوُجُوبُ الْمُوَسَّعُ الْمُعَرِّضُ لِلسُّقُوطِ، وَإِنَّمَا يَتَحَتَّمُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ كَمَا قَالَ هُنَا. وَنَظِيرُهُ مَا يَأْتِي فِي الظِّهَارِ مِنْ وُجُوبِ كَفَّارَتِهِ بِالْعَوْدِ وَتَحَتُّمِهَا بِالْوَطْءِ. وَمَفْهُومُ مُتَمَتِّعٌ أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَارِنٌ فَالْهَدْيُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ حَيْثُ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ إرْدَافًا صَحِيحًا ثُمَّ مَاتَ تَقْرِيرُ. اهـ. عب وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ شَرْطَ دَمِ الْقِرَانِ الْحَجُّ بِإِحْرَامِهِ وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ الْوُقُوفِ لَمْ يَحُجَّ بِإِحْرَامِهِ، وَأَيْضًا لَمْ يَكْتَفُوا فِي تَحَتُّمِ هَدْيِ التَّمَتُّعِ بِالْوُقُوفِ
[ ٢ / ٣٧٨ ]
وَسِنُّ الْجَمِيعِ وَعَيْبُهُ: كَالضَّحِيَّةِ وَالْمُعْتَبَرِ حِينَ وُجُوبِهِ وَتَقْلِيدِهِ، فَلَا يُجْزِئُ مُقَلَّدٌ بِعَيْبٍ وَلَوْ سَلِمَ، بِخِلَافِ عَكْسِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] فَكَيْفَ يُكْتَفَى فِي تَحَتُّمِ دَمِ الْقِرَانِ بِمُجَرَّدِ الْإِرْدَافِ، مَعَ أَنَّهُ مَقِيسٌ عَلَى دَمِ التَّمَتُّعِ وَأَيْضًا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ لَا دَمَ قِرَانٍ وَمُتْعَةٍ لِلْفَائِتِ. (وَسِنُّ) بِكَسْرِ السِّينِ وَشَدِّ النُّونِ أَيْ: عُمْرُ (الْجَمِيعِ) أَيْ: جَمِيعِ دِمَاءِ الْحَجِّ مِنْ هَدْيٍ وَجَزَاءٍ وَفِدْيَةٍ (وَعَيْبُهُ) أَيْ: الْجَمِيعِ الْمَانِعُ مِنْ إجْزَائِهِ أَوْ كَمَالِهِ (كَ) سِنِّ وَعَيْبِ (الضَّحِيَّةِ وَ) الْوَقْتُ (الْمُعْتَبَرُ) فِيهِ السِّنُّ وَالسَّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ الْمَانِعَةِ مِنْ الْإِجْزَاءِ أَوْ الْكَمَالِ (حِينَ وُجُوبِهِ) أَيْ: تَعْيِينُ النَّعَمِ وَتَمْيِيزُهُ عَنْ غَيْرِهِ لِلْإِهْدَاءِ بِهِ إنْ كَانَ لَا يُقَلَّدُ كَالْغَنَمِ (وَ) حِينَ (تَقْلِيدِهِ) إنْ كَانَ مِمَّا يُقَلَّدُ كَبَدَنَةٍ وَبَقَرَةٍ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِوُجُوبِهِ كَوْنَهُ وَاجِبًا، وَكَلَامُهُ فِي مَنَاسِكِهِ يُفِيدُ أَنَّ التَّعْيِينَ وَالتَّمْيِيزَ لِلْإِهْدَاءِ كَافٍ فِيمَا يُقَلَّدُ أَيْضًا. الْبُنَانِيُّ مَا فِي الْمَنَاسِكِ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا لِقَوْلِهِ فِي التَّوْضِيحِ عَقِبَ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ الَّتِي هِيَ كَعِبَارَتِهِ هُنَا مَا نَصُّهُ الْمُرَادُ بِالتَّقْلِيدِ هُنَا تَهْيِئَةُ الْهَدْيِ وَإِخْرَاجُهُ إلَى مَكَّةَ. وَقَالَ سَنَدٌ الْهَدْيُ يَتَعَيَّنُ بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ وَبِسَوْقِهِ وَبِنَذْرِهِ وَإِنْ تَأَخَّرَ ذَبْحُهُ. وَفَرَّعَ عَلَى قَوْلِهِ وَالْمُعْتَبَرُ إلَخْ فَقَالَ (فَلَا يُجْزِئُ) هَدْيٌ وَاجِبٌ لِقِرَانٍ أَوْ تَمَتُّعٍ أَوْ لِغَيْرِهِمَا أَوْ لِوَفَاءِ نَذْرٍ مَضْمُونٍ (مُقَلَّدٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامُ مُشَدَّدَةٌ حَالَ كَوْنِهِ مُتَلَبِّسًا (بِعَيْبٍ) مَانِعٍ مِنْ الْإِجْزَاءِ كَشِدَّةِ عَرَجٍ أَوْ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ الْإِجْزَاءِ إنْ اسْتَمَرَّ مَعِيبًا أَوْ صَغِيرًا إلَى حِينِ تَذْكِيَتِهِ بَلْ (وَلَوْ سَلِمَ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ: بَرِئَ مِنْ الْعَيْبِ أَوْ بَلَغَ السِّنَّ الْمُجْزِئَ قَبْلَ تَذْكِيَتِهِ بِخِلَافِ عَيْبٍ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ كَخَفِيفِ مَرَضٍ، فَيُجْزِئُ مَعَهُ أَوْ يَمْنَعُهُ فِي مُتَطَوَّعٍ بِهِ أَوْ مَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ وَيَجِبُ إنْقَاذُ مَا قَلَّدَهُ مَعِيبًا أَوْ صَغِيرًا لِوُجُوبِهِ بِالتَّقْلِيدِ؛ وَإِنْ لَمْ يُجْزِ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَ عَيْبُهُ مَانِعًا أَوْ لَا. (بِخِلَافِ عَكْسِهِ) أَيْ: مُقَلَّدٍ بِعَيْبٍ سَلِمَ وَهُوَ مُقَلَّدٌ سَلِيمًا تَعَيَّبَ فَيُجْزِئُ إنْ لَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُفَرِّطْ فِيهِ، وَإِلَّا ضَمِنَهُ قَالَهُ سَنَدٌ وَلَمْ يَمْنَعْ التَّعَيُّبُ بُلُوغَ الْمَحَلِّ فَلَوْ مَنَعَهُ كَمَوْتِهِ أَوْ سَرِقَتِهِ ضَمِنَ بَدَلَهُ فِي الْوَاجِبِ وَالنَّذْرِ الْمَضْمُونِ.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
إنْ تَطَوَّعَ، وَأَرْشُهُ وَثَمَنُهُ فِي هَدْيٍ إنْ بَلَغَ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ، وَفِي الْفَرْضِ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي غَيْرٍ.
وَسُنَّ إشْعَارُ
_________________
(١) [منح الجليل] إنْ تَطَوَّعَ بِهِ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ إجْزَاؤُهُ فِي الْوَاجِبِ أَيْضًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَاتِبَ حَذَفَ وَاوًا قَبْلَ إنْ وَأَبْدَلَ فَاءً بِوَاوٍ فِي قَوْلِهِ وَأَرْشُهُ، وَالصَّوَابُ وَإِنْ تَطَوَّعَ بِهِ فَأَرْشُهُ إلَخْ، فَهُوَ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ لَا شَرْطٌ فِي قَوْلِهِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ وَبِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ تَطَوَّعَ بِهِ قَدَّمَهُ الْكَاتِبُ عَنْ مَحَلِّهِ وَمَحَلُّهُ عَقِبَ قَوْلِهِ تَصَدَّقَ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى إجْزَاءِ التَّطَوُّعِ. قِيلَ مَعْنَاهُ صِحَّتُهُ وَسُقُوطُ تَعَلُّقِ النَّدْبِ بِهِ (وَأَرْشُهُ) أَيْ عِوَضُ عَيْبِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ وَلَوْ مُنِعَ الْإِجْزَاءُ (وَثَمَنُهُ) إذَا اُسْتُحِقَّ الَّذِي يَرْجِعُ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِ الْهَدْيِ يُجْعَلُ (فِي هَدْيٍ) آخَرَ بِهَدْيٍ بِهِ عِوَضًا عَنْ الْمَعِيبِ وَالْمُسْتَحَقِّ (إنْ بَلَغَ) الْأَرْشُ أَوْ الثَّمَنُ عَنْ هَدْيٍ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْأَرْشُ أَوْ الثَّمَنُ ثَمَنَ هَدْيٍ آخَرَ (تَصَدَّقَ بِهِ) أَيْ: الْأَرْشِ أَوْ الثَّمَنِ وُجُوبًا. وَاسْتَشْكَلَ وُجُوبُ التَّصَدُّقِ بِأَرْشٍ، أَوْ ثَمَنِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ بِأَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِمُعَيَّنٍ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ، وَبِأَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا وَوَهَبَهُ فَاسْتُحِقَّ فَثَمَنُهُ لِوَاهِبِهِ. وَأَجَابَ اللَّخْمِيُّ بِأَنَّهُ هُنَا نَذَرَ الثَّمَنَ أَوْ تَطَوَّعَ بِهِ ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ هَدْيًا وَلَوْ كَانَ تَطَوَّعَ بِالْهَدْيِ فَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهُ. الْغِرْيَانِيُّ هَذَا ظَاهِرٌ فِقْهًا بَعِيدٌ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ. (وَ) أَرْشُهُ وَثَمَنُهُ الْمَأْخُوذُ (فِي) عَيْبِ أَوْ عَيْنِ الْهَدْيِ (الْفَرْضِ) الْأَصْلِيِّ أَوْ الْمَنْذُورِ الْمَضْمُونِ (يَسْتَعِينُ بِهِ فِي) هَدْيِ (غَيْرٍ) إنْ كَانَ الْعَيْبُ مَانِعًا الْإِجْزَاءَ، وَإِلَّا فَيَجْعَلُهُ فِي هَدْيٍ إنْ بَلَغَ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ، وَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَرْبَعُ صُوَرٍ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ إمَّا تَطَوُّعٌ وَمِثْلُهُ الْمَنْذُورُ الْمُعَيَّنُ، وَإِمَّا فَرْضٌ وَمِثْلُهُ الْمَنْذُورُ الْمَضْمُونُ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَمْنَعَ الْعَيْبُ الْإِجْزَاءَ أَوْ لَا، وَمَحَلُّ التَّفْصِيلِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْعَيْبِ الْمَانِعِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى التَّقْلِيدِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي غَيْرٍ كَالْمُدَوَّنَةِ وُجُوبُهَا. وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ يَسْتَعِينُ فِي الْهَدْيِ إنْ شَاءَ. (وَسُنَّ) بِضَمِّ السِّينِ فِي الْبَدَنِ بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ بَعْدُ لِمَنْ يَصِحُّ نَحْرُهُ (إشْعَارُ)
[ ٢ / ٣٨٠ ]
سَنَمِهَا مِنْ الْأَيْسَرِ لِلرَّقَبَةِ.
_________________
(١) [منح الجليل] أَيْ: شَقُّ (سَنَمَهَا) بِضَمِّ السِّينِ وَالنُّونِ جَمْعُ سَنَامٍ بِفَتْحِ السِّينِ إنْ كَانَ لَهَا سَنَامٌ، وَكَذَا مَا لَا سَنَامَ لَهَا كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ لَا تُشْعَرُ وَشَهَّرَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ شَدِيدٌ وَخَفِيفٌ فِي السَّنَامِ فَإِنْ أَشْعَرَ مَنْ لَا يَصِحُّ نَحْرُهُ لَمْ تَحْصُلْ السُّنَّةُ. وَهَلْ يُعَادُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ شَدِيدٌ وَمَا لَهَا سَنَامَانِ تُشْعَرُ فِي أَحَدِهِمَا فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَفَادَهُ عب. ابْنُ عَرَفَةَ الْإِشْعَارُ شَقٌّ يُسِيلُ دِمَاءً وَالسُّنُمُ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ سَنَامٍ كَقَذَالٍ وَقُذُلٍ فَلَا يَتَعَدَّى الْإِشْعَارُ السَّنَامَ مِنْ الْعَجْزِ لِجِهَةِ الرَّقَبَةِ وَذَلِكَ هُوَ الْعَرْضُ (مِنْ) الْجَنْبِ (الْأَيْسَرِ) . الْحَطّ الظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ بِمَعْنَى فِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] وقَوْله تَعَالَى ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠] . وَقَوْلِ ابْنِ غَازِيٍّ لِلْبَيَانِ بَعِيدٌ وَعَلَى أَنَّهَا لِلْبَيَانِ فَالْمَعْنَى سَنَمُهَا الَّذِي هُوَ أَيْسَرُ وَوَجْهُ بُعْدِهِ أَنَّ الْبَيَانَ بَعْضُ الْمَبِينِ بِالْفَتْحِ قَالَهُ عب (لِلرَّقَبَةِ) اللَّامُ بِمَعْنَى مِنْ عَلَى الْمُعْتَمَدُ هُنَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَشُقُّ فِي السَّنَامِ مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْسَرِ مُبْتَدِئًا مِنْ نَاحِيَةِ الرَّقَبَةِ إلَى جِهَةِ الْمُؤَخَّرِ فَلَا يَبْدَأُ مِنْ الْمُؤَخَّرِ إلَى الْمُقَدَّمِ وَلَا مِنْ الْمُقَدَّمِ إلَى جِهَةِ رُكْبَتَيْ الْبَعِيرِ، وَلَا بُدَّ فِي النَّدْبِ أَنْ يَسِيلَ مِنْهُ الدَّمُ وَلَوْ شَقَّ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ، كَمَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَنَحْوُهُ فِي مَنْسَكِ الْمُصَنِّفِ وَذَكَرَ بَعْدَهُ مَا نَصُّهُ، وَقُبِلَ قَدْرُ أُنْمُلَتَيْنِ، وَأَقْصَرَ تت عَلَيْهِ وَابْن الْحَطّ فِي مَنَاسِكِهِ. قَالَ الْبَدْرُ وَانْظُرْهُ مَعَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ حَكَاهُ بِقِيلَ وَصَدَّرَ بِالْقَوْلِ بِالِاكْتِفَاءِ بِمُجَرَّدِ الْإِسَالَةِ اهـ. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَنَحْوُهُ فِي مَنْسَكِ الْمُصَنِّفِ وَذَكَرَ بَعْدَهُ إلَخْ تَحْرِيفٌ لِكَلَامِ الْمَنَاسِكِ وَلَفْظِهَا وَالْإِشْعَارُ أَنْ يَشُقَّ مِنْ سَنَمِهَا الْأَيْسَرِ، وَقِيلَ الْأَيْمَنِ مِنْ نَحْوِ الرَّقَبَةِ إلَى الْمُؤَخَّرِ، وَقِيلَ طُولًا قَدْرَ أُنْمُلَتَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ اهـ، فَلَيْسَ فِيهَا قَدْرُ أُنْمُلَةٍ وَلَيْسَ فِيهَا قَدْرُ أُنْمُلَتَيْنِ مُقَابِلًا لِمَا قَبْلَهُ كَمَا زَعَمَهُ ز فِيهِمَا، وَإِنَّمَا قَوْلُهُ وَقِيلَ دَاخِلٌ عَلَى قَوْلِهِ طُولًا مُقَابِلًا لِقَوْلِهِ إلَى الْمُؤَخَّرِ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْبَدْرِ قُصُورٌ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالصَّوَابُ مَا لابن الْحَطّ وتت. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي أَوْلَوِيَّتِهِ أَيْ الْإِشْعَارِ فِي الشِّقِّ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ. ثَالِثُهَا: أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْأَيْسَرِ. وَرَابِعُهَا: هُمَا سَوَاءٌ وَفِي النُّكَتِ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ إنَّمَا كَانَ الْإِشْعَارُ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ؛ لِأَنَّهُ
[ ٢ / ٣٨١ ]
مُسَمِّيًا.
وَتَقْلِيدٌ،
_________________
(١) [منح الجليل] يَجِبُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهَا الْقِبْلَةَ ثُمَّ يُشْعِرَهَا، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ وَجْهُهُ مَتَى أَشْعَرَهَا فِي شِقِّهَا الْأَيْسَرِ إلَى الْقِبْلَةِ، وَإِذَا أَشْعَرَهَا فِي الْأَيْمَنِ لَمْ يَكُنْ وَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ اهـ. وَلَعَلَّ ابْنَ عَرَفَةَ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ إذْ عَزَاهُ لِمَنْ دُونَ الْأَبْهَرِيِّ فَقَالَ وَجَّهَ الْبَاجِيَّ كَوْنَهُ فِي الْأَيْسَرِ بِأَنَّهَا تُوَجَّهُ لِلْقِبْلَةِ وَمَشْعَرَهَا كَذَلِكَ فَلَا يَلِيهِ مِنْهَا إلَّا الْأَيْسَرُ. وَابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ السُّنَّةَ كَوْنُ الْمُشْعِرِ مُسْتَقْبِلًا يُشْعِرُ بِيَمِينِهِ وَخِطَامُهَا بِشِمَالِهِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَقَعَ فِي الْأَيْسَرِ، وَلَا يَكُونُ فِي الْأَيْمَنِ إلَّا أَنْ يَسْتَدِيرَ الْقِبْلَةَ أَوْ يُشْعِرَ بِشِمَالِهِ أَوْ يَمْسِكَ لَهُ غَيْرُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ إنَّمَا يَصِحُّ مَا قَالَا إنْ أَرَادَا تَوَجُّهَهَا لِلْقِبْلَةِ كَالذَّبْحِ لَا رَأْسِهَا لِلْقِبْلَةِ. اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ آخِذًا زِمَامَهَا بِيَدِهِ الْيُسْرَى. (مُسَمِّيًا) نَدْبًا كَذَا بِطُرَّةٍ عَنْ سَيِّدِي أَحْمَدَ بَابَا عَازِيًا لَهُ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَيْ: قَائِلًا بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. اللَّخْمِيُّ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَرْضًا وَابْنُ حَبِيبٍ طُولًا. ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ أَجِدْ لُغَوِيًّا إلَّا فَسَّرَ الطُّولَ بِضِدِّ الْعَرْضِ وَلَا الْعَرْضَ إلَّا بِضِدِّ الطُّولِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَلَامِيِّ الطُّولُ الْبَعْضُ الْمَفْرُوضُ أَوَّلًا قِيلَ أَطْوَلُ الِامْتِدَادَيْنِ الْمُتَقَاطِعَيْنِ فِي السَّطْحِ وَالْأَخْذُ مِنْ رَأْسِ الْإِنْسَانِ لِقَدَمِهِ وَمِنْ ظَهْرِ ذَاتِ الْأَرْبَعِ لِأَسْفَلِهَا، وَالْعَرْضُ الْمَفْرُوضُ ثَانِيًا، وَالِامْتِدَادُ الْأَقْصَرُ، وَالْأَخْذُ مِنْ يَمِينِ الْإِنْسَانِ لِيَسَارِهِ، وَمِنْ رَأْسِ الْحَيَوَانِ لِذَنَبِهِ، وَالطُّولُ وَالْعَرْضُ كَمِّيَّتَانِ مَأْخُوذَتَانِ مَعَ إضَافَتَيْنِ. ابْنُ عَرَفَةَ فَلَعَلَّ الْعَرْضَ عِنْدَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَنَقْلِ الْبَيْضَاوِيِّ وَهُوَ الطُّولُ عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ فَيَتَّفِقَانِ. (وَ) سُنَّ (تَقْلِيدٌ) أَيْ: جَعْلُ قِلَادَةٍ فِي رَقَبَةِ الْهَدْيِ وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ فِي الذِّكْرِ عَلَى الْإِشْعَارِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ فِي الْفِعْلِ خَوْفًا مِنْ نِفَارِهَا بِالْإِشْعَارِ لِإِيلَامِهَا فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَقْلِيدِهَا. وَلَعَلَّهُ اتَّكَلَ عَلَى قَوْلِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَتَقْلِيدِ هَدْيٍ ثُمَّ إشْعَارِهِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِمَا تَقَدَّمَ لِإِجْمَالِهِ وَزَمَنُهُمَا عِنْدَ الْإِحْرَامِ إنْ سَبَقَ الْهَدْيُ عِنْدَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ عِيَاضٌ وَابْنُ رُشْدٍ يُسْتَحَبُّ لِسَائِقِهِ فِعْلُهُمَا مِنْ مِيقَاتِهِ وَلِبَاعِثِهِ مِنْ حَيْثُ بَعْثُهُ، وَفِي كَرَاهَةِ فِعْلِهِمَا بِذِي الْحُلَيْفَةِ مُؤَخَّرًا
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وَنُدِبَ نَعْلَانِ بِنَبَاتِ الْأَرْضِ، وَتَجْلِيلُهَا وَشَقُّهَا إنْ لَمْ تَرْتَفِعْ وَقُلِّدَتْ الْبَقَرُ فَقَطْ؛ إلَّا
_________________
(١) [منح الجليل] إحْرَامُهُ لِلْجُحْفَةِ نَقْلًا لِلْبَاجِيِّ سَمَاعَ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ، وَرِوَايَةُ دَاوُد بْنِ سَعِيدٍ لَا بَأْسَ بِهِ وَفِعْلُهُمَا بِمَكَانٍ وَاحِدٍ أَحَبُّ إلَيَّ. (وَنُدِبَ) فِي الْمُقَلَّدِ بِهِ (نَعْلَانِ) وَيَكْفِي وَاحِدٌ (بِنَبَاتِ الْأَرْضِ) فَلَا يُجْعَلُ مِنْ وَتَرٍ وَلَا شَعْرٍ وَنَحْوِهِمَا مَخَافَةَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِغُصْنٍ أَوْ جَبَلٍ فَيَخْنُقُهَا، وَنَبَاتُ الْأَرْضِ يَسْهُلُ قُطْعُهُ. وَحِكْمَةُ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ إعْلَامُ الْمَسَاكِينِ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَتَّبِعُونَهُ وَوَاجِدُهُ ضَالًّا فَيَرُدُّهُ وَلَمْ يَكْتَفِ بِالتَّقْلِيدِ؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ الزَّوَالِ. (وَ) نُدِبَ (تَجْلِيلُهَا) أَيْ: الْبُدْنِ فَقَطْ قَالَهُ تت وَالْحَطّ بِأَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الثِّيَابِ وَأَفْضَلُهَا الْأَبْيَضُ وَنَحْوُ مَا لِلْمُصَنِّفِ فِي الْبَيَانِ، وَفِيهَا تُجَلِّلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ (وَ) نُدِبَ (شَقُّهَا) أَيْ: الْجِلَالِ عَنْ الْأَسْنِمَةِ لِيَظْهَرَ الْإِشْعَارُ وَتُمْسَكُ بِالسَّنَامِ فَلَا تَسْقُطُ (إنْ لَمْ تَرْتَفِعْ) قِيمَتُهَا بِأَنْ كَانَتْ دِرْهَمَيْنِ، فَإِنْ ارْتَفَعَتْ بِأَنْ زَادَتْ عَلَيْهِمَا اُسْتُحِبَّ عَدَمُ شَقِّهَا؛ لِأَنَّهُ نَقَصَ عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي الْبَيَانِ، وَيُؤَخَّرُ تَجْلِيلُهَا حِينَئِذٍ إلَى حِينِ الْغُدُوِّ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ. قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ أَمَرَ النَّاسِ أَنْ يُشَقَّ الْجِلَالُ عَنْ أَسْنِمَتِهَا وَذَلِكَ يَحْبِسُهُ عَنْ أَنْ يَسْقُطَ، وَمَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا كَانَ يَدَعُ ذَلِكَ إلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - ﵄ -، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَشُقُّ وَلَمْ يَكُنْ يُجَلِّلُ حَتَّى يَغْدُوَ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَاتٍ فَيُجَلِّلُهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُجَلِّلُ الْجِلَالَ الْمُرْتَفِعَةَ وَالْأَنْمَاطَ الْمُرْتَفِعَةَ، قَبْلُ أَوْ إنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ اسْتِبْقَاءً لِلثِّيَابِ، قَالَ: نَعَمْ فَأَحَبُّ إلَيَّ إذَا كَانَتْ الْجِلَالُ مُرْتَفِعَةً أَنْ لَا يَشُقَّ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِنْ كَانَتْ ثِيَابًا دُونًا فَشَقُّهَا أَحَبُّ إلَيَّ. ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَحَبُّ إلَيْنَا شَقُّ الْجِلَالِ عَنْ الْأَسْنِمَةِ إنْ كَانَتْ قَلِيلَةَ الثَّمَنِ كَدِرْهَمَيْنِ وَأَنْ لَا يَشُقَّ الْمُرْتَفِعَةَ اسْتِبْقَاءً لَهَا. (وَقُلِّدَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (الْبَقَرُ فَقَطْ) أَيْ: بِدُونِ إشْعَارٍ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا)
[ ٢ / ٣٨٣ ]
بِأَسْنِمَةٍ لَا الْغَنَمُ.
وَلَمْ يُؤْكَلْ مِنْ نَذْرِ مَسَاكِينَ عُيِّنَ مُطْلَقًا عَكْسُ الْجَمِيعِ فَلَهُ إطْعَامُ الْغَنِيِّ وَالْقَرِيبِ وَكُرِهَ لِذِمِّيٍّ
_________________
(١) [منح الجليل] حَالَ كَوْنِهَا (بِأَسْنِمَةٍ) فَتُشْعَرُ أَيْضًا وَفِيهَا تُقَلَّدُ الْبَقَرُ وَلَا تُشْعَرُ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهَا أَسْنِمَةٌ فَتُشْعَرُ. وَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهَا لَا تُجَلِّلُ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ تُجَلِّلُ فَهُمَا قَوْلَانِ (لَا) تُقَلَّدُ وَلَا تُشْعَرُ (الْغَنَمُ) وَإِشْعَارُهَا حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ بِالتَّرْخِيصِ، وَتَقْلِيدَهَا مَكْرُوهٌ. (وَلَمْ يُؤْكَلْ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الْكَافِ أَيْ: يَحْرُمُ عَلَى الْمُهْدِي أَنْ يَأْكُلَ (مِنْ نَذَرَ) أَيْ: مَنْذُورٍ لِ (مَسَاكِينِ عُيِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا لَهُمْ بِاللَّفْظِ كَهَذَا نَذْرٌ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ بِالنِّيَّةِ كَهَذَا نَذْرٌ نَاوِيًا لِلْمَسَاكِينِ فَيُمْنَعُ الْأَكْلُ مِنْهُ (مُطْلَقًا) بَلَغَ مَحَلَّهُ وَهُوَ مِنًى بِشُرُوطِهَا أَوْ مَكَّةَ عِنْدَ انْتِفَائِهَا أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ مُعَيَّنِينَ أَمْ لَا. أَمَّا عَدَمُ أَكْلِهِ مِنْهُ قَبْلَ الْمَحَلِّ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ فَيُتَّهَمُ بِتَعْطِيبِهِ لِيَأْكُلَ مِنْهُ، وَأَمَّا بَعْدَ الْمَحَلِّ فَلِأَنَّهُ قَدْ عَيَّنَ أَكْلَهُ وَهُمْ الْمَسَاكِينُ (عَكْسُ) أَيْ: خِلَافُ حُكْمِ (الْجَمِيعِ) أَيْ: جَمِيعِ الْهَدَايَا مُتَطَوِّعًا بِهَا أَوْ وَاجِبَةً مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ وَاجِبٍ لِنَقْصٍ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ فَوَاتٍ أَوْ تَعَدِّي مِيقَاتٍ أَوْ تَرْكِ وُقُوفٍ بِعَرَفَةَ نَهَارًا أَوْ نُزُولٍ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلًا أَوْ مَبِيتٍ بِمِنًى أَوْ رَمْيِ جِمَارٍ أَوْ طَوَافِ قُدُومٍ أَوْ تَأْخِيرِ حَلْقٍ، وَكَهَدْيِ فَسَادٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمَا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ كَنَذْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لَمْ يَجْعَلْهُ لِلْمَسَاكِينِ فَلَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا مُطْلَقًا بَلَغَتْ مَحَلَّهَا أَمْ لَا، وَيَتَزَوَّدُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الْقَانِعَ بِالسَّائِلِ لِعَطْفِ الْمُعْتَرِّ عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْ يُعَرِّضُ بِالسُّؤَالِ وَلَا يَسْأَلُ. وَإِذَا جَازَ لَهُ الْأَكْلُ فِي الْجَمِيعِ (فَلَهُ) أَيْ: الْمُهْدِي (إطْعَامُ الْغَنِيِّ وَالْقَرِيبِ) وَإِنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ وَلَهُ التَّصَدُّقُ بِالْكُلِّ وَالْبَعْضِ بِلَا حَدٍّ عَلَى الْمَذْهَبِ قَالَهُ سَنَدٌ (وَكَرِهَ) لَهُ الْإِطْعَامُ مِنْهَا (لِذِمِّيٍّ) أَوْ التَّصَدُّقُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَاسْتَثْنَى مِنْ الْجَمِيعِ مَا يُؤْكَلُ فِي حَالٍ دُونَ آخَرَ وَتَحْتَهُ نَوْعَانِ مَا يُؤْكَلُ مِنْهُ قَبْلَ الْمَحَلِّ لَا بَعْدَهُ وَعَكْسُهُ.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
إلَّا نَذْرًا لَمْ يُعَيَّنْ، وَالْفِدْيَةَ وَالْجَزَاءَ بَعْدَ الْمَحَلِّ، وَهَدْيَ تَطَوُّعٍ إنْ عَطِبَ قَبْلَ مَحَلِّهِ فَتُلْقَى قِلَادَتُهُ بِدَمِهِ وَيُخَلَّى لِلنَّاسِ:
_________________
(١) [منح الجليل] وَأَشَارَ لِأَوَّلِهِمَا بِقَوْلِهِ (إلَّا نَذْرًا) لِلْمَسَاكِينِ (لَمْ يُعَيَّنْ) كَ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ لِلْمَسَاكِينِ، أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ أَوْ بَدَنَةٌ نَاوِيًا لِلْمَسَاكِينِ، فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ لَهُمْ بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ فَيَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ مُطْلَقًا قَبْلَ الْمَحَلِّ وَبَعْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) إلَّا (الْفِدْيَةَ) الَّتِي جُعِلَتْ هَدْيًا وَإِلَّا فَيُمْنَعُ الْأَكْلَ مِنْهَا مُطْلَقًا (وَ) إلَّا (الْجَزَاءَ) لِصَيْدٍ فَلَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ (بَعْدَ) بُلُوغِ (الْمَحَلِّ) وَهِيَ مِنًى مَعَ الشُّرُوطِ وَمَكَّةُ مَعَ عَدَمِهَا. وَامْتَنَعَ الْأَكْلُ مِنْ نَذْرِ الْمَسَاكِينِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ لِوُصُولِهِ لَهُمْ، وَمِنْ الْفِدْيَةِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ التَّرَفُّهِ أَوْ إزَالَةِ الْأَذَى، وَمِنْ الْجَزَاءِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ الصَّيْدِ وَمَفْهُومُ بَعْدَ الْمَحَلِّ جَوَازُ الْأَكْلِ مِنْهَا إذَا عَطِبَتْ قَبْلَ مَحَلِّهَا لِوُجُوبِ بَدَلِهَا عَلَيْهِ وَبَعْثِهِ إلَى الْمَحَلِّ، فَلَا يَلْزَمُ الْأَكْلُ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ. وَأَشَارَ لِثَانِيهِمَا بِقَوْلِهِ (وَ) إلَّا (هَدْيَ تَطَوُّعٍ) لَمْ يَجِبْ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَجْعَلْهُ لِلْمَسَاكِينِ بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ (إنْ عَطِبَ قَبْلَ مَحَلِّهِ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ عِوَضُهُ إلَّا أَنْ يُمْكِنَهُ تَذْكِيَتُهُ وَيَتْرُكَهَا حَتَّى مَاتَ فَيَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا وَمُؤْتَمَنٌ عَلَيْهِ قَالَهُ سَنَدٌ. وَمَنَعَ أَكْلَهُ مِنْهُ قَبْلَهُ لِإِتْهَامِهِ عَلَى تَعْطِيبِهِ. وَقِيلَ الْمَنْعُ تَعَبُّدٌ فَإِنْ سَمَّاهُ أَوْ نَوَاهُ لِلْمَسَاكِينِ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ (فَتُلْقَى) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الْقَافِ أَيْ: تُطْرَحُ (قِلَادَتُهُ بِدَمِهِ) بَعْدَ نَحْرِهِ عَلَامَةُ كَوْنِهِ هَدْيًا فَلَا يُؤْكَلُ وَلَا يُبَاعُ (وَيُخَلَّى) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا أَيْ: يُتْرَكُ (لِلنَّاسِ) مُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ فَقِيرِهِمْ وَغَنِيِّهِمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ وَنَحْوِهَا. قَوْلُهَا وَيُخَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُوَضَّحُ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ سَنَدٌ مِنْ أَنَّ هَدْيَ التَّطَوُّعِ مُخْتَصٌّ بِالْفَقِيرِ، وَنَقَلَهُ بِالْفَقِيرِ، وَنَقَلَهُ الْحَطّ، وَأَفَادَ قَوْلُهُ وَيُخَلَّى لِلنَّاسِ أَمْرَيْنِ إجْزَاءَهُ مَعَ تَوَهُّمِ طَلَبٍ بِبَدَلِهِ وَمَنْعَ أَكْلِهِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ كَالْمُبَالَغَةِ فِي أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنْهُ. وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ جَوَازُ أَكْلِهِ مِنْهُ بَعْدَهُ. وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ الْهَدَايَا ثَمَانِيَةٌ وَهِيَ أَقْسَامُ النَّذْرِ الْأَرْبَعَةِ الْمُعَيَّنِ وَالْمَضْمُونِ وَكُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يُجْعَلَ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ لَا، وَهَدْيُ النَّقْصِ وَالْفِدْيَةِ وَالْجَزَاءِ وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ
[ ٢ / ٣٨٥ ]
كَرَسُولِهِ، وَضَمِنَ فِي غَيْرِ الرَّسُولِ بِأَمْرِهِ، بِأَخْذِ شَيْءٍ: كَأَكْلِهِ مِنْ مَمْنُوعٍ بَدَلَهُ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَهِيَ بِاعْتِبَارِ الْأَكْلِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: مَا يُمْنَعُ أَكْلُهُ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَمَا يَجُوزُ أَكْلُهُ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَمَا يُمْنَعُ أَكْلُهُ مِنْهُ بَعْدَ مَحَلِّهِ وَيَجُوزُ قَبْلَهُ وَعَكْسُهُ كَمَا أَفَادَهَا الْمُصَنِّفُ، وَنَظَمَهَا ابْنُ غَازِيٍّ بِإِحْكَامِهَا فِي نَظَائِرِ الرِّسَالَةِ فَقَالَ: كُلُّ هَدْيٍ نَقْصٌ وَاَلَّذِي ضَمِنْتَا إنْ لَمْ تَكُنْ سَمَّيْت أَوْ قَصَدْتَا وَدَعْ مُعَيَّنًا إذَا فَعَلْتَا وَقَبْلَ كُلِّ جَزَاءِ صَيْدٍ نِلْتَا وَهَدْيِ فِدْيَةِ الْأَذَى إنْ شِئْتَا وَمَا ضَمِنْت قَصْدًا وَصَرَّحْتَا وَبَعْدَ كُلٍّ طَوْعًا وَمَا عَيَّنْتَا إنْ لَمْ تَكُنْ سَمَّيْت أَوْ أَضْمَرْتَا وَشَبَّهَ فِي تَذْكِيَةِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَإِلْقَاءِ قِلَادَتِهِ بِدَمِهِ وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ (كَرَسُولِهِ) أَيْ: رَبِّ الْهَدْيِ الَّذِي أَرْسَلَهُ بِهَدْيِ تَطَوُّعٍ فَعَطِبَ مِنْهُ قَبْلَ مَحَلِّهِ فَيُذَكِّيهِ وَيُلْقِي قِلَادَتَهُ بِدَمِهِ وَيُخَلِّيهِ لِلنَّاسِ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ. قَالَهُ الشَّيْخُ سَالِمٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَشْبِيهٌ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَالْأَفْعَالِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ فِيهَا وَالْمَبْعُوثُ مَعَهُ الْهَدْيُ يَأْكُلُ مِنْهُ إلَّا مِنْ الْجَزَاءِ أَوْ الْفِدْيَةِ أَوْ نَذْرِ الْمَسَاكِينِ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مِسْكَيْنَا فَجَائِزٌ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ. وَقَالَ فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَإِنْ بَعَثَ بِهِمَا مَعَ رَجُلٍ فَعَطِبَتْ فَسَبِيلُ الرَّسُولِ سَبِيلُ صَاحِبِهَا لَوْ كَانَ مَعَهَا وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا الرَّسُولُ. (وَضَمِنَ) رَبُّ الْهَدْيِ (فِي غَيْرِ) مَسْأَلَةِ (الرَّسُولِ بِ) سَبَبِ (أَمْرِهِ) أَيْ: رَبِّ الْهَدْيِ شَخْصًا (بِأَخْذِ شَيْءٍ) مِنْ هَدْيٍ مَمْنُوعٍ أَكْلُهُ مِنْهُ. وَشَبَّهَ فِي الضَّمَانِ فَقَالَ (كَأَكْلِهِ) أَيْ: رَبِّهِ (مِنْ) هَدْيٍ (مَمْنُوعٍ) أَكْلُهُ مِنْهُ وَمَفْعُولُ ضَمِنَ قَوْلُهُ (بَدَلَهُ) أَيْ الْهَدْيِ هَدْيًا كَامِلًا لَا قَدْرَ أَكْلِهِ أَوْ مَا أَخَذَهُ مَأْمُورُهُ فَقَطْ، سَوَاءٌ أَمَرَ مُسْتَحِقًّا أَوْ غَيْرَهُ إنْ كَانَ الْهَدْيُ تَطَوُّعًا كَغَيْرِهِ إنْ أَمَرَ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الرَّسُولُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُهْدِي إنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ تَعَدَّى، وَلَا عَلَى الرَّسُولِ إنْ أَكَلَ أَوْ أَمَرَ مَنْ يَأْكُلُ أَوْ يَأْخُذُ شَيْئًا إنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا وَمَأْمُورُهُ مُسْتَحِقٌّ، وَإِلَّا ضَمِنَ قَدْرَ أَكْلِهِ وَقَدْرَ مَأْخُوذِهِ.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
وَهَلْ إلَّا نَذْرَ مَسَاكِينَ عُيِّنَ، فَقَدْ أَكَلَهُ؟ خِلَافٌ، وَالْخِطَامُ وَالْجَلَالُ: كَاللَّحْمِ.
وَإِنْ سُرِقَ بَعْدَ ذَبْحِهِ؛ أَجْزَأَ؛
_________________
(١) [منح الجليل] وَإِنْ أَبْدَلَهُ رَبُّ الْهَدْيِ صَارَ كَحُكْمِ مُبْدَلِهِ فِي مَنْعِ الْأَكْلِ مِنْهُ وَضَمَانِ الْبَدَلِ إنْ أَكَلَ مِنْهُ. (وَهَلْ) عَلَى رَبِّهِ الْبَدَلُ كَامِلًا فِي كُلِّ مَمْنُوعٍ كَالْأَرْبَعِ السَّابِقَةِ وَغَيْرِهَا. وَشَهَّرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي أَوْ (إلَّا نَذْرَ مَسَاكِينَ عُيِّنَ فَقَدْرُ أَكْلِهِ) لَحْمًا إنْ عَرَفَ وَزْنَهُ وَقِيمَتَهُ إنْ لَمْ يَعْرِفْهُ؛ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْغَاصِبِ وَشَهَّرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (خِلَافٌ) فِي التَّشْهِيرِ وَالثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا. وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ قَدْرَ أَكْلِهِ أَنَّ الْخِلَافَ غَيْرُ جَارٍ فِيمَا أَمَرَ بِأَخْذِهِ مِنْ نَذْرِ الْمَسَاكِينِ الْمُعَيَّنِ فَلَا يَضْمَنُ هَدْيًا كَامِلًا بِاتِّفَاقٍ قَالَهُ عج. قَالَ الْبُنَانِيُّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَضْمَنُ هَدْيًا كَامِلًا لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ مَا قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ ز هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْفِقْهِ (وَالْخِطَامُ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: الزِّمَامُ لِلْهَدَايَا سُمِّيَ بِهِ لِوُقُوعِهِ عَلَى مِخْطَمِهِ أَيْ: أَنْفِهِ (وَالْجِلَالُ) بِكَسْرِ الْجِيمِ جَمْعُ جُلٍّ بِضَمِّهَا (كَاللَّحْمِ) فِي الْمَنْعِ وَالْإِبَاحَةِ وَهُوَ تَشْبِيهٌ غَيْرُ تَامٍّ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَخَذَ قِطْعَةً مِنْ هَذَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ أَمَرَ بِأَخْذِهَا وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنَّمَا ضَمِنَ قِيمَةَ مَا أَخَذَ فَقَطْ لِلْفُقَرَاءِ إنْ فَاتَتْ وَإِلَّا رَدَّهُ. فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَطْلُوبُ أَنْ لَا يُعْطِيَ الْهَدْيَ إلَّا بَعْدَ نَحْرِهِ فَإِنْ دَفَعَهُ حَيًّا لِلْمَسَاكِينِ وَنَحَرُوهُ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ وَلَوْ تَطَوُّعًا. أَمَّا الْوَاجِبُ فَظَاهِرٌ لِعَدَمِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْهُ، وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَقَدْ أَفْسَدَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ. (وَإِنْ سُرِقَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْهَدْيُ الْوَاجِبُ كَجَزَاءِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ وَنَذْرٍ مَضْمُونٍ لِمَسَاكِين وَمَا وَجَبَ لِقِرَانٍ وَنَحْوَهُ مِنْ صَاحِبِهِ (بَعْدَ ذَبْحِهِ) أَوْ نَحْرِهِ (أَجْزَأَ) فَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ مَحَلَّهُ وَوَقَعَ التَّعَدِّي عَلَى مَحْضِ حَقِّ الْمَسَاكِينِ، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِقِيمَتِهِ
[ ٢ / ٣٨٧ ]
لَا قَبْلَهُ، وَحُمِلَ الْوَلَدُ عَلَى غَيْرٍ ثُمَّ عَلَيْهَا وَإِلَّا
_________________
(١) [منح الجليل] وَصَرْفُهَا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَحْتَ يَدِهِ فِيمَا لَيْسَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ كَالثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَأَمَّا مَا لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا وَيَفْعَلُ بِهَا مَا يَشَاءُ قَالَهُ سَنَدٌ. (لَا) يُجْزِئُهُ إنْ سُرِقَ (قَبْلَهُ) أَيْ: الذَّبْحِ، وَأَمَّا التَّطَوُّعُ وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنُ فَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إذَا سُرِقَ قَبْلَهُ. الْبِسَاطِيُّ لَفْظُ أَجْزَأَ يَدُلُّ عَلَى كَلَامِهِ فِي الْوَاجِبِ وَمِثْلُ السَّرِقَةِ الضَّلَالُ وَالْمَوْتُ قَبْلَ نَحْرِهِ كَمَا فِيهَا، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يُجْزِ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ مَنْذُورًا مُعَيَّنًا أَجْزَأَ. (وَحُمِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (الْوَلَدُ) الْحَاصِلُ بَعْدَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ لِلْهَدْيِ وُجُوبًا إلَى مَكَّةَ وَحَمَلَهُ (عَلَى غَيْرٍ) أَيْ: غَيْرِ أُمِّهِ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ إنْ لَمْ يُمْكِنْ سَوْقُهُ كَمَا يُحْمَلُ رَحْلُهُ أَفْضَلُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَيْهَا، فَلَا يُخَالِفُ قَوْلُهُ وَنُدِبَ عَدَمُ رُكُوبِهَا بِلَا عُذْرٍ وَأَمَّا الْمَوْلُودُ قَبْلَ التَّقْلِيدِ فَيُنْدَبُ ذَبْحُهُ وَلَا يَجِبُ حَمْلُهُ، وَهَلْ يُنْدَبُ وَيَكُونُ عَلَى غَيْرِ الْأُمِّ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَنَصُّهَا قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَنْحَرَهُ مَعَهَا إنْ نَوَى ذَلِكَ، قَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي نَوَى بِأُمِّهِ الْهَدْيَ (ثُمَّ) حَمَلَ (عَلَيْهَا) أَيْ الْأُمِّ إنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا وَلَهَا قُوَّةٌ عَلَى حَمْلِهِ وَإِنْ نَحَرَهُ دُونَ الْبَيْتِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَبْلِيغِهِ بِوَجْهٍ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ هَدْيٌ كَبِيرٌ تَامٌّ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَى أُمِّهِ لِضَعْفِهَا أَوْ خَوْفِ هَلَاكِهَا وَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِهَا بِأُجْرَةٍ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ لِيَشْتَدَّ فَكَالتَّطَوُّعِ.
وَلَا يَشْرَبُ مِنْ اللَّبَنِ وَإِنْ فَضَلَ
_________________
(١) [منح الجليل] فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ) لِكَوْنِهِ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ لَيْسَ بِهَا ثِقَةٌ عِنْدَ ثِقَةٍ (لِيَشْتَدَّ) ثُمَّ يُرْسَلَ إلَى مَحَلِّهِ (فَكَ) هَدْيِ (التَّطَوُّعِ) الَّذِي عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ، فَإِنْ كَانَ فِي مُسْتَعْتَبٍ أَيْ: أَمِنَ نَحْرَهُ بِمَحَلِّهِ وَخَلَّاهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَأْكُلُ شَيْئًا مِنْهُ كَانَتْ أُمُّهُ مُتَطَوَّعًا بِهَا أَوْ عَنْ وَاجِبٍ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ، وَكَذَا إنْ أَمَرَ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فِي مَحَلٍّ غَيْرِ مُسْتَعْتَبٍ كَطَرِيقٍ فَيُبَدِّلُهُ بِهَدْيٍ كَبِيرٍ وَلَا يُجْزِيهِ بَقَرَةٌ فِي نِتَاجِ بَدَنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ بَدَلُهُ ذَكَّاهُ وَتَرَكَهُ قَالَهُ عب. الْبُنَانِيُّ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ هَذَا التَّفْصِيلَ وَلَا مَعْنَى لَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي التَّطَوُّعِ الَّذِي عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ أَنَّهُ يُنْحَرُ وَيُخَلَّى لِلنَّاسِ وَلَمْ يُفَصِّلُوا فِيهِ هَذَا التَّفْصِيلَ. (وَلَا يُشْرِبُ) الْمُهْدِي بَعْدَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ لِهَدْيٍ يُمْنَعُ الْأَكْلَ مِنْهُ (مِنْ اللَّبَنِ) إنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ رَيِّ فَصِيلِهَا بَلْ (وَإِنْ فَضَلَ) اللَّبَنُ عَنْ رَيِّ فَصِيلِهَا أَيْ يُكْرَهُ إنْ فَضَلَ عَنْ رَيِّ فَصِيلِهَا وَلَمْ يَضُرَّ شُرْبُهُ الْأُمَّ أَوْ الْوَلَدَ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ، وَلْيَتَصَدَّقْ بِالْفَاضِلِ
[ ٢ / ٣٨٩ ]
وَغَرِمَ إنْ أَضَرَّ بِشُرْبِهِ الْأُمَّ أَوْ الْوَلَدَ مُوجِبَ فِعْلِهِ وَنُدِبَ عَدَمُ رُكُوبِهَا بِلَا عُذْرٍ، وَلَا يَلْزَمُ النُّزُولُ بَعْدَ الرَّاحَةِ وَنَحْرِهَا قَائِمَةً أَوْ مَعْقُولَةً.
_________________
(١) [منح الجليل] عَنْ فَصِيلِهَا فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ أَوْ أَضَرَّ أَحَدَهُمَا مُنِعَ. وَأَمَّا الْجَائِزُ أَكْلُهُ فَيَجُوزُ شُرْبُ لَبَنِهِ أَفَادَهُ أَحْمَدُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُكْرَهُ أَيْضًا أَفَادَهُ عب. الْبُنَانِيُّ هَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُوَافِقُ لِإِطْلَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةُ وَغَيْرُهَا، وَتَعْلِيلُهُمْ النَّهْيَ بِخُرُوجِ الْهَدْيِ عَنْ مِلْكِهِ بِتَقْلِيدِهِ وَإِشْعَارِهِ وَبِخُرُوجِهِ خَرَجَتْ مَنَافِعُهُ فَشُرْبُهُ نَوْعٌ مِنْ الْعَوْدِ فِي الصَّدَقَةِ وَلِأَنَّهُ يُضْعِفُهَا وَيُضْعِفُ وَلَدَهَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ قَالَهُ طفي. (وَ) لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الشُّرْبِ الْمَمْنُوعِ أَوْ الْمَكْرُوهِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ ضَرَرٌ، فَإِنْ حَصَلَ (غَرِمَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ (إنْ أَضَرَّ بِشُرْبِهِ) أَوْ حَلْبِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرَبْهُ أَوْ بَقَائِهِ بِضَرْعِهَا (الْأُمَّ أَوْ الْوَلَدَ) وَمَفْعُولُ غَرِمَ قَوْلُهُ (مُوجَبَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ: مُسَبَّبِ بِفَتْحِ الْبَاءِ (فِعْلِهِ) أَيْ شُرْبِهِ أَوْ حَلْبِهِ أَوْ إبْقَائِهِ مِنْ نَقْصٍ فَيَغْرَمُ الْأَرْشَ أَوْ تَلِفَ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ (وَنُدِبَ عَدَمُ رُكُوبِهَا) أَيْ: الْبَدَنَةِ وَعَدَمُ الْحَمْلِ عَلَيْهَا (بِلَا عُذْرٍ) فَيُكْرَهُ كَمَا فِي النَّقْلِ وَإِنْ احْتَمَلَ كَلَامُهُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلَا يُكْرَهُ وَإِنْ رَكِبَهَا لِعُذْرٍ (فَلَا يَلْزَمُ النُّزُولُ بَعْدَ الرَّاحَةِ) وَيُنْدَبُ وَإِنْ نَزَلَ فَلَا يَرْكَبُهَا ثَانِيًا إلَّا لِعُذْرٍ كَالْأَوَّلِ وَإِنْ رَكِبَهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ وَتَلِفَتْ ضَمِنَهَا. وَإِنْ رَكِبَهَا لِعُذْرٍ وَتَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا إلَّا إنْ تَعَدَّى فِي هَيْئَةِ رُكُوبِهَا قَالَهُ عب. الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِ سَنَدٍ هَذَا مُقَيَّدٌ بِسَلَامَتِهَا، فَإِنْ تَلِفَتْ بِرُكُوبِهِ ضَمِنَهَا. (وَ) نُدِبَ (نَحْرُهَا) أَيْ الْبَدَنَةِ حَالَ كَوْنِهَا (قَائِمَةً) عَلَى قَوَائِمِهَا الْأَرْبَعِ مُقَيَّدَةً أَيْ مَقْرُونَةَ الْيَدَيْنِ بِقَيْدٍ بِلَا عَقْلٍ (أَوْ) قَائِمَةً (مَعْقُولَةً) أَيْ: مَثْنِيَّةً ذِرَاعُهَا الْيُسْرَى إلَى عَضُدِهَا فَتَبْقَى قَائِمَةً عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ، وَظَاهِرُهُ التَّخْيِيرُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ. وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ النَّصَّ نَحْرُهَا قَائِمَةً مُقَيَّدَةً إلَّا أَنْ يَخَافَ ضَعْفَهُ عَنْهَا وَعَدَمَ صَبْرِهَا فَيَعْقِلُهَا، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَيُفِيدُ الثَّانِي بِالْعُذْرِ. وَالْأَصْلُ فِي الصِّفَتَيْنِ الْقِرَاءَتَانِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]
[ ٢ / ٣٩٠ ]
وَأَجْزَأَ إنْ ذَبَحَ غَيْرُهُ مُقَلَّدًا، وَلَوْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ إنْ غَلِطَ، وَلَا يَشْتَرِكُ فِي هَدْيٍ، وَإِنْ وُجِدَ بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ نُحِرَ، إنْ قُلِّدَ وَقَبْلَ نَحْرِهِ نُحِرَ مَعًا، وَإِنْ قُلِّدَ وَإِلَّا بِيعَ وَاحِدٌ.
_________________
(١) [منح الجليل] الْحَجَّ، وَقُرِئَ صَوَافِنْ. ابْنُ حَبِيبٍ مَعْنَى صَوَافَّ صَفُّ يَدَيْهَا بِقَيْدٍ حِينَ نَحْرِهَا. ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - صَوَافِنْ مَعْقُولَةٌ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ يَدٌ وَاحِدَةٌ فَتَقِفُ عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ. سَنَدٌ تُنْحَرُ الْبَقَرُ قَائِمَةً أَيْضًا. (وَأَجْزَأَ) الْهَدْيُ الْمُقَلَّدُ أَوْ الْمُشْعَرُ (إنْ ذَبَحَ) شَخْصٌ مُسْلِمٌ (غَيْرُهُ) أَيْ: الْمُهْدَى (عَنْهُ) أَيْ الْمُهْدِي صِلَةً أَجْزَأَ لَا كَافِرٌ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقُرَبِ وَعَلَى صَاحِبِهِ بَدَلُهُ، وَقَوْلُهُ أَجْزَأَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ وَمَفْعُولُ ذَبَحَ قَوْلُهُ (مُقَلَّدًا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ مُثَقَّلًا أَنَابَهُ أَمْ لَا إنْ نَوَى الذَّابِحُ عَنْ رَبِّهِ بَلْ (وَلَوْ نَوَى) الذَّابِحُ الْهَدْيَ (عَنْ نَفْسِهِ إنْ غَلِطَ) الذَّابِحُ فِي هَدْيِ غَيْرِهِ وَظَنَّهُ هَدْيَهُ، فَإِنْ تَعَمَّدَ لَمْ يُجْزِ عَنْ الْمَالِكِ أَنَابَهُ أَمْ لَا وَلَا عَنْ الذَّابِحِ أَيْضًا وَلِرَبِّهِ أَخْذُ قِيمَتِهِ مِنْهُ قَالَهُ سَنَدٌ بِخِلَافِ الضَّحِيَّةِ فَتُجْزِئُ عَنْ رَبِّهَا وَلَوْ ذَبَحَهَا النَّائِبُ عَنْ نَفْسِهِ عَمْدًا بِشَرْطِ إنَابَةِ رَبِّهَا لَهُ فَتُخَالِفُ الْهَدْيَ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ. (وَلَا يُشْتَرَكُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ (فِي هَدْيِ) تَطَوُّعٍ أَوْ وَاجِبٍ وَأَهْلُ الْبَيْتِ وَالْأَجَانِبُ سَوَاءٌ كَمَا فِيهَا. وَلَوْ قَالَ دَمٌ لَشَمِلَ الْفِدْيَةَ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي أَجْرِهِ كَظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْجَوَاهِرِ فَهُوَ مُخَالِفٌ فِي هَذَا أَيْضًا لِلضَّحِيَّةِ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي هَدْيٍ لَمْ يُجْزِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. (وَإِنْ) ضَلَّ أَوْ سُرِقَ هَدْيٌ وَأُبْدِلَ ثُمَّ (وُجِدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْهَدْيُ الضَّالُّ أَوْ الْمَسْرُوقُ (بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ نُحِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْهَدْيُ الَّذِي وُجِدَ بَعْدَ ضَلَالِهِ أَوْ سَرِقَتِهِ (إنْ) كَانَ (قُلِّدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا لِتَعَيُّنِهِ هَدْيًا بِتَقْلِيدِهِ (وَ) إنْ وُجِدَ (قَبْلَ نَحْرِهِ) أَيْ: الْبَدَلِ (نُحِرَا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْهَدْيَانِ الْأَصْلُ وَالْبَدَلُ مَعًا (إنْ) كَانَا (قُلِّدَا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا لِتَعَيُّنِهِمَا لِلْهَدْيِ بِتَقْلِيدِهِمَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُقَلَّدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِيعَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (وَاحِدٌ مِنْهُمَا) أَيْ: الْهَدْيَيْنِ غَيْرِ الْمُقَلَّدَيْنِ الَّذِي وُجِدَ أَوْ بَدَلُهُ إنْ شَاءَ الْمُهْدِي، وَإِنْ
[ ٢ / ٣٩١ ]
[فصل في موانع الحج والعمرة]
(فَصْلٌ)
وَإِنْ مَنَعَهُ: عَدُوٌّ، أَوْ فِتْنَةٌ أَوْ حَبْسٌ: لَا بِحَقٍّ: بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ؛
_________________
(١) [منح الجليل] شَاءَ نَحَرَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ أَحَدَهُمَا وَأَبْقَى الْآخَرَ، وَإِنْ شَاءَ نَحَرَ غَيْرَهُمَا وَأَبْقَاهُمَا وَإِنْ قُلِّدَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ نَحْرُهُ لِتَعَيُّنِهِ لِلْهَدْيِ بِتَقْلِيدِهِ. [فَصْلٌ فِي مَوَانِع الْحَجّ وَالْعُمْرَة] (فَصْلٌ) فِي مَوَانِعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الطَّارِئَةِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَيُقَال لِلْمَمْنُوعِ مُحْصَرٌ وَالْحَصْرُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: حَصْرٌ عَنْ الْبَيْتِ وَعَرَفَةَ مَعًا، وَحَصْرٌ عَنْ الْبَيْتِ فَقَطْ، وَحَصْرٌ عَنْ عَرَفَةَ فَقَطْ وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ (وَإِنْ مَنَعَهُ) أَيْ الْمُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (عَدُوٌّ) أَيْ: كَافِرٌ (أَوْ فِتْنَةٌ) بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ (أَوْ حَبْسٌ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ مَصْدَرٌ عُطِفَ عَلَى عَدُوٍّ أَوْ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مَاضٍ مَجْهُولٍ عُطِفَ عَلَى مَنَعَهُ نَائِبُهُ ضَمِيرُ الْمُحْرِمِ (لَا بِحَقٍّ) بَلْ ظُلْمًا كَحَبْسِ مَدِينٍ ثَابِتِ الْعُسْرِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ حُبِسَ بِحَقٍّ لَا يَتَحَلَّلُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى تَخْلِيصِ نَفْسِهِ بِدَفْعِ الْحَقِّ وَالْخُرُوجِ لِتَكْمِيلِ حَجِّهِ أَوْ عُمْرَتِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي كَوْنِ الْحَبْسِ بِحَقٍّ ظَاهِرُ الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَتَّى إنَّهُ إنْ حُبِسَ بِتُهْمَةٍ ظَاهِرَةٍ فَلَا يَتَحَلَّلُ بِالنِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ عَلِمَ بَرَاءَةَ نَفْسِهِ وَهَذَا ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُحَالَ الْمَرْءُ عَلَى مَا عَلِمَهُ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْإِحْلَالَ وَالْإِحْرَامَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ. وَظَاهِرُ الطِّرَازِ يُوَافِقُهُ وَتَنَازَعَ مَنَعَ وَحَبَسَ (بِحَجٍّ) أَيْ: فِيهِ عَنْ الْبَيْتِ وَعَرَفَةَ مَعًا (أَوْ عُمْرَةٍ) أَيْ: فِيهَا عَنْ الْبَيْتِ. وَجَوَابُ إنْ مَنَعَهُ عَدُوٌّ أَوْ فِتْنَةٌ أَوْ حَبْسٌ لَا بِحَقٍّ (فَلَهُ) أَيْ: الْمَمْنُوعُ بِمَا تَقَدَّمَ (التَّحَلُّلُ) بَلْ هُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ مِنْ بَقَائِهِ عَلَى إحْرَامِهِ وَلَوْ دَخَلَ مَكَّةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِهِمْ
[ ٢ / ٣٩٢ ]
إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَأَيِسَ مِنْ زَوَالِهِ قَبْلَ فَوْتِهِ، وَلَا دَم
_________________
(١) [منح الجليل] وَأَفَادَ شَرْطَ التَّحَلُّلِ فَقَالَ (إنْ لَمْ يَعْلَمْ) الْمُحْرِمُ حِينَ أَنْشَأَ إحْرَامَهُ (بِهِ) أَيْ الْمَانِعِ مِنْ عَدُوٍّ وَفِتْنَةٍ أَوْ حُبِسَ ظُلْمًا وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَلِمَهُ حِينَهُ فَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ إلَّا أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ فَمَنَعَهُ فَلَهُ التَّحَلُّلُ كَمَا وَقَعَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ «أَحْرَمَ عَالِمًا بِالْعَدُوِّ بِمَكَّةَ ظَانًّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ فَمَنَعَهُ فَلَمَّا مَنَعَهُ تَحَلَّلَ» فَفِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ. وَعَطَفَ عَلَى لَمْ يَعْلَمْ فَقَالَ (وَأَيِسَ) الْمَمْنُوعُ حِينَ الْمَنْعِ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا قَوِيًّا (مِنْ زَوَالِهِ) أَيْ: الْمَنْعِ (قَبْلَ فَوْتِهِ) أَيْ: الْحَجِّ. وَأَشْعَرَ كَلَامُهُ بِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِوَقْتٍ يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ لَوْلَا الْمَانِعُ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِوَقْتٍ لَا يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ فَلَا يَتَحَلَّلُ لِدُخُولِهِ عَلَى بَقَائِهِ عَلَى إحْرَامِهِ لِلْعَامِ الْقَابِلِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ قَبْلَ فَوْتِهِ بِالتَّحَلُّلِ رَدًّا لِقَوْلِ أَشْهَبَ إنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بَعْدَ فَوْتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَحْتَمِلُ تَعَلُّقَهُ بِزَوَالِهِ وَعَلَيْهِمَا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ إذَا أَيِسَ مِنْ زَوَالِهِ قَبْلَ فَوْتِهِ وَلَوْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا لَوْ زَالَ الْمَانِعُ أَدْرَكَ الْحَجَّ. وَهُوَ ظَاهِرُ أَوَّلِ كَلَامِهَا وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ يُونُسَ وَسَنَدٌ مَا فِي آخِرِ كَلَامِهَا وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ حَتَّى يَبْقَى زَمَنٌ يَخْشَى فِيهِ فَوَاتَ الْحَجِّ، وَقَالَا إنَّ كَلَامَهَا الثَّانِيَ يُفَسِّرُ الْأَوَّلَ. الْحَطَّابُ إذَا عَلِمَ أَنَّ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ فَيَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ، فَمَعْنَى وَأَيِسَ مِنْ زَوَالِهِ إلَخْ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَيْلَةِ النَّحْرِ زَمَانُ يُمَكِّنُهُ السَّيْرُ فِيهِ إلَى عَرَفَةَ لَوْ زَالَ الْمَانِعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَأَيِسَ مِنْ زَوَالِهِ إلَخْ خَاصٌّ بِالْحَجِّ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَيْسَ لِلْعُمْرَةِ حَدٌّ وَإِنْ لَمْ يُخْشَ الْفَوْتُ لِقَضِيَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُقِيمُ مَا رَجَا إدْرَاكَهَا مَا لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ. (وَ) إنْ تَحَلَّلَ فَ (لَا دَمَ) عَلَيْهِ لِفَوَاتِ الْحَجِّ بِحَصْرِ الْعَدُوِّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَأَوْجَبَهُ عَلَيْهِ أَشْهَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَتَأَوَّلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى الْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ وَرَدَّهُ اللَّخْمِيُّ بِنُزُولِ الْآيَةِ فِي قَضِيَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ حَصْرُهَا بِعَدُوٍّ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ عَدُوٍّ
[ ٢ / ٣٩٣ ]
بِنَحْرِ هَدْيِهِ وَحَلْقِهِ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَأَجَابَ التُّونُسِيُّ وَابْنُ يُونُسَ بِأَنَّ الْهَدْيَ فِيهَا لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْحَصْرِ وَإِنَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ سَاقَهُ تَطَوُّعًا فَأُمِرُوا بِتَذْكِيَتِهِ وَاسْتُضْعِفَ قَوْلُ أَشْهَبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَالْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ يَحْلِقُ أَيْنَ كَانَ كَذَا قَالُوا، وَلَا يَخْفَى عَدَمُ الرَّدِّ بِالْآيَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى أَشْهَبَ أَفَادَهُ عب. الْبُنَانِيُّ حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ أَشْهَبَ اسْتَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْهَدْيِ بِآيَةِ (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) . وَأُجِيبَ عَنْ اسْتِدْلَالِهِ بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا لِلتُّونُسِيِّ وَابْنِ يُونُسَ أَنَّ الْهَدْيَ فِي الْآيَةِ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْحَصْرِ إنَّمَا سَاقَهُ بَعْضُهُمْ تَطَوُّعًا فَلَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى الْوُجُوبِ. الثَّانِي أَنَّ الْإِحْصَارَ فِي الْآيَةِ بِالْمَرَضِ لَا بِالْعَدُوِّ وَهَذَا لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَزَاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ لِعَلْقَمَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ أُحْصِرَ بِالْمَرَضِ وَحُصِرَ بِالْعَدُوِّ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] قَالَ عَلْقَمَةُ وَغَيْرُهُ الْمَعْنَى فَإِذَا بَرِئْتُمْ مِنْ مَرَضِكُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا إذَا أَمِنْتُمْ مِنْ خَوْفِكُمْ مِنْ الْعَدُوِّ. اهـ. وَكَوْنُ الْآيَةِ نَزَلَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ لَا يَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ، بَلْ يَقْوَى تَأْوِيلُ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] . وَقَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى عَدَمُ الرَّدِّ بِالْآيَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى أَشْهَبَ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الرَّدُّ بِهَا عَلَيْهِ قَوِيٌّ ظَاهِرٌ. وَالتَّحَلُّلُ يَكُونُ (بِنَحْرِ هَدْيِهِ) إنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ سَاقَهُ عَنْ سَبَبٍ مَضَى أَوْ تَطَوُّعًا حَيْثُ كَانَ إنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ إرْسَالُهُ لِمَكَّةَ غَيْرَ مَضْمُونٍ فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا جَرَى عَلَى حُكْمِهِ فَإِنْ قُلْنَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا يَسْقُطُ الْهَدْيُ أَيْضًا (وَحَلْقِهِ) رَأْسَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّحَلُّلِ بَلْ هِيَ كَافِيَةٌ، فَفِي الشَّامِلِ وَكَفَتْ نِيَّةُ التَّحَلُّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ فَلَوْ نَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَنْوِ التَّحَلُّلَ فَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ يَنْحَرُ إلَخْ بِمَعْنَى مَعَ، فَيُفِيدُ كَلَامُهُ أَنَّ التَّحَلُّلَ بِالنِّيَّةِ مَعَ الْأَمْرَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الأكملية لَا الشَّرْطِيَّةِ، وَبِهَذَا صَرَّحَ فِي الطِّرَازِ أَيْضًا وَمِثْلُ مَنْ حُصِرَ عَنْهُمَا مَنْ حُصِرَ عَنْ عَرَفَةَ وَهُوَ فِي مَحَلٍّ بَعِيدٍ فِي التَّحَلُّلِ بِالنِّيَّةِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ. ابْنُ عَرَفَةَ إنْ حُصِرَ عَنْ عَرَفَةَ فَقَطْ وَبَعُدَ عَنْ مَكَّةَ فَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ حَلَّ مَكَانَهُ صَوَابٌ
[ ٢ / ٣٩٤ ]
وَلَا دَمَ إنْ أَخَّرَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ طَرِيقٌ مَخُوفٌ وَكُرِهَ إبْقَاءُ، إحْرَامِهِ، وَإِنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا.
وَلَا يَتَحَلَّلُ، إنْ دَخَلَ وَقْتُهُ،
_________________
(١) [منح الجليل] وَلَا دَمَ) عَلَى الْمُحْصَرِ عَنْهُمَا (إنْ أَخَّرَهُ) أَيْ التَّحَلُّلَ أَوْ الْحَلْقَ لِبَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ فِي غَيْرِ زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ لَمْ يَكُنْ نُسُكًا بَلْ تَحَلُّلٌ فَقَطْ (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ: الْمُحْصَرَ مُطْلَقًا (طَرِيقٌ مَخُوفٌ) عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ كَثِيرٍ أَوْ يَسِيرٍ يَمْكُثُ آخِذُهُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْحَجَّ لَوْلَا الْمَخُوفُ فَلَيْسَ خَاصًّا بِالْمُحْصَرِ عَنْهُمَا مَعًا الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ، وَمَفْهُومُ مَخُوفٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ سُلُوكُ طَرِيقٍ مَأْمُونٍ وَإِنْ بَعُدَ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِإِدْرَاكِ الْحَجِّ وَلَمْ تَعْظُمْ مَشَقَّتُهَا، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ أَيْضًا. قَوْلُهُ لَا يَلْزَمُهُ أَيْ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ شَيْءٌ آخَرُ، وَيَنْبَغِي الْحُرْمَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . وَقَوْلُهُ مَخُوفٌ كَذَا فِي نُسَخٍ أَيْ: طَرِيقٌ يَحْصُلُ فِيهِ الْخَوْفُ، وَأَمَّا الَّذِي يُخِيفُ مِنْ نَظَرِهِ فَيُقَالُ لَهُ مُخِيفٌ فِيمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ مُخِيفٍ يَصِحُّ بِارْتِكَابِ مَجَازٍ فِي الْإِسْنَادِ مِنْ إسْنَادِ مَا لِلْحَالِّ لِلْمَحَلِّ. (وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ لِمَنْ يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ وَهُوَ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ وَفَاتَهُ الْوُقُوفُ بِأَمْرٍ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعَدُوِّ وَالْفِتْنَةِ وَحَبَسَهُ ظُلْمًا وَنَائِبُ فَاعِلِ كُرِهَ (إبْقَاءُ إحْرَامِهِ) بِالْحَجِّ لِعَامٍ قَابِلٍ بِلَا تَحَلُّلٍ بِعُمْرَةٍ حَتَّى يُتِمَّ حَجَّهُ فِيهِ (إنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا)؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مُقَارَبَةِ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ فَتَحَلُّلُهُ أَسْلَمُ فَالْمُنَاسِبُ تَأْخِيرُ هَذَا عَنْ قَوْلِهِ أَوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِغَيْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ خَطَأِ عَدَدٍ أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ لَمْ يَحِلَّ إلَّا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ. وَأَمَّا مَنْ يَتَحَلَّلُ بِالنِّيَّةِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ وَهُوَ الْمُحْصَرُ عَنْهُمَا الَّذِي كَلَامُهُ الْآنَ فِيهِ فَتَحَلُّلُهُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا وَلَوْ بَعُدَ عَنْ مَكَّةَ. ابْنُ غَازِيٍّ زَادَ أَوْ دَخَلَهَا وَإِنْ كَانَ أَحْرَى لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ تَحْرِيمُ إبْقَائِهِ إنْ دَخَلَهَا. (وَلَا يَتَحَلَّلُ) مَنْ حُصِرَ عَنْ عَرَفَةَ وَتَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ بِعُمْرَةٍ (إنْ) بَقِيَ مُحْرِمًا حَتَّى (دَخَلَ وَقْتُهُ) أَيْ الْحَجِّ مِنْ الْعَامِ الثَّانِي لِيَسَارِهِ الْبَاقِي مِنْ الزَّمَانِ أَيْ: يُكْرَهُ تَحَلُّلُهُ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْقَوْلِ الَّذِي اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ مِنْ مُضِيِّ تَحَلُّلِهِ وَصَيْرُورَتِهِ مُتَمَتِّعًا، وَلِلْقَوْلِ بِمُضِيِّهِ وَلَا يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا وَالْمُنَاسِبُ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ مُضِيِّ تَحَلُّلِهِ مَنْعُهُ فَهَذَا أَيْضًا فِيمَنْ يَتَحَلَّلُ
[ ٢ / ٣٩٥ ]
وَإِلَّا فَثَالِثُهَا يَمْضِي وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ.
وَلَمْ يَفْسُدْ بِوَطْءٍ، إنْ لَمْ يَنْوِ الْبَقَاءَ.
_________________
(١) [منح الجليل] بِعُمْرَةٍ وَهُوَ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ وَفَاتَهُ الْوُقُوفُ بِغَيْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعَدُوِّ وَالْفِتْنَةِ وَحَبْسِهِ ظُلْمًا. وَأَمَّا مَنْ يَتَحَلَّلُ بِالنِّيَّةِ فَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ لَهُ التَّحَلُّلَ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِحَبْسِهِ ظُلْمًا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ خَالَفَ وَتَحَلَّلَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ بِعُمْرَةٍ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ (فَ) ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَحَدُهَا: يَمْضِي تَحَلُّلُهُ وَلَا يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ مَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، وَهَذَا تَمَتَّعَ مِنْ حَجٍّ إلَى حَجٍّ؛ لِأَنَّ عُمْرَتَهُ كَلَا عُمْرَةٍ لِعَدَمِ إنْشَائِهِ إحْرَامَهَا، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ لَيْسَ كَالِابْتِدَاءِ، ثَانِيهَا: لَا يُمْضِي تَحَلُّلَهُ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ كَالِابْتِدَاءِ. (ثَالِثُهَا) أَيْ: الْأَقْوَالِ (يَمْضِي) تَحَلُّلُهُ (وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ) فَعَلَيْهِ دَمٌ لِلتَّمَتُّعِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِيهَا ثَلَاثًا فِي مَسْأَلَةٍ إلَّا فِي هَذِهِ (وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ) أَيْ: الْمَمْنُوعِ مِنْ الْبَيْتِ وَعَرَفَةَ مَعًا الَّذِي يَتَحَلَّلُ بِالنِّيَّةِ وَالْهَدْيِ وَالْحَلْقِ، وَكَذَا الْمَمْنُوعُ مِنْ عَرَفَةَ فَقَطْ وَتَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ (الْفَرْضُ) الْمُتَعَلِّقُ بِذِمَّتِهِ مِنْ حِجَّةِ إسْلَامٍ أَوْ نَذْرٍ مَضْمُونٍ وَلَا عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وَأَمَّا التَّطَوُّعُ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ وَمِثْلُهُ النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لِفَوَاتِ وَقْتِهِ، وَسُمِّيَتْ عُمْرَتُهُ - ﷺ - الَّتِي بَعْدَ عُمْرَةِ الصَّدِّ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَاضَى قُرَيْشًا فِيهَا لَا أَنَّهَا قَضَاءٌ عَنْ عُمْرَةِ الْحَصْرِ الْمَاضِيَةِ. قَالَ بَعْضٌ وَلَوْ قُلْنَا بِهِ لَا يَلْزَمُنَا مَحْظُورٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ دَلَّ فِعْلُهُ - ﷺ - عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ لَا عَلَى وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ صُدُّوا مَعَهُ - ﷺ - كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَلَمْ يَعْتَمِرْ مَعَهُ إلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَمَرَ الْبَاقِينَ بِالْقَضَاءِ، وَلَوْ وَجَبَ لَبَيَّنَهُ لَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِهِ قَالَهُ سَنَدٌ. (وَ) مَنْ جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ بِالنِّيَّةِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ لِصَدِّهِ عَنْ الْبَيْتِ وَعَرَفَةَ مَعًا (لَمْ يَفْسُدْ) حَجُّهُ (بِوَطْءٍ) قَبْلَ تَحَلُّلِهِ (إنْ لَمْ يَنْوِ الْبَقَاءَ) عَلَى إحْرَامِهِ لِعَامٍ قَابِلٍ بِأَنْ نَوَى التَّحَلُّلَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا هَذَا ظَاهِرُهُ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَمَنْ نَوَى الْبَقَاءَ عَلَى إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ فَالْمُنَاسِبُ إنْ نَوَى التَّحَلُّلَ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ نَوَى الْبَقَاءَ فَسَدَ حَجُّهُ
[ ٢ / ٣٩٦ ]
وَإِنْ وَقَفَ وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ، فَحَجُّهُ تَمَّ وَلَا يَحِلُّ إلَّا بِالْإِفَاضَةِ.
وَعَلَيْهِ لِلرَّمْيِ وَمَبِيتُ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ: هَدْيٌ: كَنِسْيَانِ الْجَمِيعِ
_________________
(١) [منح الجليل] وَإِنْ وَقَفَ) بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ (وَحُصِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (عَنْ الْبَيْتِ) بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوٍّ أَوْ فِتْنَةٍ أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ (فَحَجُّهُ تَمَّ) أَيْ: أَمِنَ مِنْ فَوَاتِهِ لِإِدْرَاكِهِ الرُّكْنَ الَّذِي يُدْرَكُ بِهِ فَلَيْسَ مُرَادُهُ حَقِيقَةَ التَّمَامِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ وَقَوْلُهُ (وَلَا يَحِلُّ) مِنْ إحْرَامِهِ التَّحَلُّلُ الْأَكْبَرُ الَّذِي تَحِلُّ بِهِ النِّسَاءُ وَالصَّيْدُ وَالطِّيبُ (إلَّا بِ) طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ) فَيَبْقَى مُحْرِمًا وَلَوْ أَخَّرَهُ سِنِينَ. قَالَ أَحْمَدُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهَا فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ فَرْضِ الْحَجِّ، وَيُؤَيِّدُهُ نَقْلُ الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَيُجْزِئُهُ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ. (وَعَلَيْهِ) أَيْ: الْمُحْصَرِ عَنْ الْبَيْتِ بَعْدَ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ (لِ) تَرْكٍ ا (لِرَمْيٍ) لِلْجَمَرَاتِ الْمُحْصَرُ عَنْهُ (وَ) لِتَرْكِ (مَبِيتِ) لَيَالِيِ (مِنًى وَ) نُزُولِ (مُزْدَلِفَةَ هَدْيٌ) وَاحِدٌ. وَشَبَّهَ فِي اتِّحَادِ الْهَدْيِ فَقَالَ (كَنِسْيَانِ الْجَمِيعِ) مِمَّا تَقَدَّمَ وَكَذَا لَا يَتَعَدَّدُ إنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ الْجَمِيعِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا أَنَّ هَذَا إثْمٌ. وَأَوْرَدَ أَنَّ قَوْلَهُ وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ يُفِيدُ أَنَّهُ لَمْ يُحْصَرْ عَمَّا بَعْدَهُ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ لِلرَّمْيِ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حُصِرَ عَمَّا بَعْدَهُ أَيْضًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ مُرَادُهُ بِهِ سَوَاءٌ حُصِرَ عَمَّا قَبْلَهُ أَيْضًا مِمَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ كَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ لَا، وَقَوْلُهُ لِلرَّمْيِ إلَخْ مَعْنَاهُ حَيْثُ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا. ابْنُ غَازِيٍّ كَنِسْيَانِ الْجَمِيعِ كَذَا اخْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْمُدَوَّنَةَ وَسَلَّمَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَقَلَ عَقِبَهُ قَوْلَ ابْنِ رَاشِدٍ، وَلَوْ قِيلَ: إذَا أُنْسِيَ الرَّمْيَ وَالنُّزُولَ بِمُزْدَلِفَةَ بِالتَّعَدُّدِ مَا بَعُدَ لِتَعَدُّدِ الْمُوجِبَاتِ كَمَا فِي الْعَمْدِ وَكَأَنَّهُمْ لَاحَظُوا أَنَّ الْمُوجِبَ وَاحِدٌ لَا سِيَّمَا وَهُوَ مَعْذُورٌ وَاخْتَصَرَهَا أَبُو سَعِيدٍ كَمَنْ تَرَكَ رَمْيَ الْجِمَارِ كُلِّهَا نَاسِيًا حَتَّى زَالَتْ أَيَّامُ مِنًى، وَاخْتَصَرَهَا ابْنُ يُونُسَ وَعَلَيْهِ لِجَمِيعِ مَا فَاتَهُ مِنْ رَمْيِ الْجِمَارِ وَالْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَمِنًى هَدْيٌ كَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ نَاسِيًا حَتَّى زَالَتْ أَيَّامُ مِنًى
[ ٢ / ٣٩٧ ]
وَإِنْ حُصِرَ عَنْ الْإِفَاضَةِ، أَوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِغَيْرٍ: كَعَرْضٍ أَوْ خَطَأِ عَدَدٍ، أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ لَمْ يَحِلَّ إلَّا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ بِلَا إحْرَامٍ وَلَا يَكْفِي قُدُومُهُ.
وَحُبِسَ هَدْيُهُ مَعَهُ، إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُجْزِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] وَإِنْ) تَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ وَ(حُصِرَ) بِمَا سَبَقَ مِنْ أَحَدِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ (عَنْ الْإِفَاضَةِ) أَيْ: عَرَفَةَ وَسَمَّاهَا إفَاضَةً قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] قَالَهُ تت أَيْ: فَلَمَّا كَانَتْ مَبْدَأَ الْإِفَاضَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا بَعْدَ عَرَفَةَ سُمِّيَتْ عَرَفَةُ إفَاضَةً مَجَازًا مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ تَسَبَّبَ عَنْ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ (أَوْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ) بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ (بِغَيْرٍ) أَيْ غَيْرِ عَدُوٍّ وَفِتْنَةٍ وَحَبْسٍ لَا بِحَقٍّ (كَمَرَضٍ أَوْ خَطَأِ عَدَدٍ) وَلَوْ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَوْسِمِ بِعَاشِرٍ أَوْ خَفَاءِ هِلَالٍ لِغَيْرِ الْجَمِّ بِعَاشِرٍ (أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ) وَمِنْهُ حَبْسُ مَدِينٍ لَمْ يَثْبُتْ عُسْرُهُ (لَمْ يَحِلَّ) فِي ذَلِكَ كُلُّهُ إنْ شَاءَ التَّحَلُّلَ (إلَّا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ بِلَا إحْرَامٍ) بِالْكَيْفِيَّةِ السَّابِقَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّحَلُّلِ بِهَا، وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَأْتِيَ هُنَا بِقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ وَكُرِهَ إبْقَاءُ إحْرَامِهِ إنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا فَإِنَّ هَذَا مَحَلُّهُ. (وَلَا يَكْفِي قُدُومُهُ) وَسَعْيُهُ عَقِبَهُ الَّذِي فَعَلَهُ يَوْمَ دُخُولِهِ مَكَّةَ عَنْ طَوَافِهِ الْعُمْرَةَ وَسَعْيَهَا الْمَطْلُوبَيْنِ لِلتَّحِلَّةِ بَعْدَ الْفَوَاتِ، وَلَعَلَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ إحْرَامَهُ لَا يَنْقَلِبُ عُمْرَةً مِنْ أَصْلِهِ بَلْ مِنْ وَقْتِ نِيَّةِ فِعْلِ الْعُمْرَةِ، وَفِي هَذَا خِلَافٌ. (وَحُبِسَ) الْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ (هَدْيُهُ مَعَهُ إنْ لَمْ يَخَفْ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ: الْهَدْيِ الْعَطَبَ، وَأَمَّا الْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ فَإِنْ أَمْكَنَهُ إرْسَالَهُ أَرْسَلَهُ وَإِلَّا ذَكَّاهُ بِأَيِّ مَحَلٍّ كَانَ، وَمَفْهُومُ إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ خَافَ عَلَيْهِ أَرْسَلَهُ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا ذَكَّاهُ بِمَوْضِعِهِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: حَبْسُ الْوَاجِبِ مَعَهُ وَاجِبٌ وَالتَّطَوُّعُ مَنْدُوبٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ حَبْسُ التَّطَوُّعِ وَاجِبٌ أَيْضًا (وَلَمْ يُجْزِهِ) أَيْ: هَذَا الْهَدْيَ الْمُحْصَرَ الَّذِي قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ قَبْلَ
[ ٢ / ٣٩٨ ]
عَنْ فَوَاتٍ.
وَخَرَجَ لِلْحِلِّ إنْ أَحْرَمَ بِحَرَمٍ، أَوْ أَرْدَفَ، وَأَخَّرَ دَمَ الْفَوَاتِ لِلْقَضَاءِ، وَأَجْزَأَ إنْ قَدِمَ.
وَإِنْ أَفْسَدَ ثُمَّ فَاتَ أَوْ بِالْعَكْسِ،
_________________
(١) [منح الجليل] الْفَوَاتِ سَوَاءٌ حَبَسَهُ مَعَهُ أَوْ أَرْسَلَهُ عَنْ هَدْيٍ تَرَتَّبَ (عَنْ فَوَاتٍ) لِلْحَجِّ؛ لِأَنَّ هَذَا أَوْجَبَ بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارُ لِغَيْرِ الْفَوَاتِ فَيَلْزَمُهُ هَدْيُ الْفَوَاتِ مَعَ حِجَّةِ الْقَضَاءِ. فَإِنْ قُلْت تَقَدَّمَ وَإِنْ أَرْدَفَ لِخَوْفِ فَوَاتٍ أَوْ لِحَيْضٍ أَجْزَأَ التَّطَوُّعُ لِقِرَانِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ قَبْلَ أَرْدَافِهِ وَتَقَدَّمَ أَيْضًا كَأَنْ سَاقَهُ فِيهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ قَبْلَ إحْرَامِ الْحَجِّ. أُجِيبَ بِأَنَّ إحْرَامَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَمَّا كَانَا مُنْدَرِجَيْنِ تَحْتَ مُطْلَقِ الْإِحْرَامِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُخَالَفَةٌ كَاَلَّتِي بَيْنَ الْحَجِّ وَفَوَاتِهِ، وَبِأَنَّ مَا سَبَقَ فِي الْحَجِّ الْفَائِتِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يُسَقْ فِي نُسُكٍ، بِخِلَافِ الْمَسُوقِ فِي عُمْرَةٍ. (وَخَرَجَ) وُجُوبًا مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَتَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ وَلَزِمَهُ هَدْيٌ لِلْفَوَاتِ وَأَرَادَ التَّحَلُّلَ بِعُمْرَةٍ (لِلْحِلِّ) لِيَجْمَعَ فِي عُمْرَةِ التَّحَلُّلِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَيُلَبِّي مِنْهُ مِنْ غَيْرِ إنْشَاءِ إحْرَامٍ بِالصِّفَةِ السَّابِقَةِ (إنْ) كَانَ (أَحْرَمَ) بِالْحَجِّ الَّذِي فَاتَ (يُحْرِمُ) أَيْ: فِيهِ لِإِقَامَتِهِ بِهِ (أَوْ) كَانَ (أَرْدَفَ) الْحَجَّ فِي الْحَرَمِ عَلَى عُمْرَةٍ أَحْرَمَ بِهَا فِي الْحِلِّ وَيَقْضِي الْحَجَّ الَّذِي فَاتَ فِي عَامِ قَابِلٍ وَيُهْدِي لِلْفَوَاتِ. (وَأَخَّرَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا (دَمَ الْفَوَاتِ) أَيْ: الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ لِأَجْلِهِ (لِ) عَامِ ا (لْقَضَاءِ) لِيَقْتَرِنَ الْجَابِرُ النُّسُكِيُّ وَالْجَابِرُ الْمَالِيُّ وَلَا يُقَدِّمُهُ عَامَ الْفَوَاتِ وَلَوْ خَافَ الْمَوْتَ وَفُهِمَ مِنْهُ وُجُوبُ قَضَاءِ الْفَائِتِ فَرْضًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا وَهُوَ كَذَلِكَ فِي نَصِّ النَّوَادِرِ وَالْجَلَّابِ وَغَيْرِهِمَا لِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ ﵎ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وَجَاءَتْ السُّنَّةُ أَنْ لَا قَضَاءَ لِلنَّفْلِ فِي حَصْرِ الْعَدُوِّ وَبَقِيَ عَلَى عُمُومِ الْآيَةِ (وَأَجْزَأَ) هَدْيُ الْفَوَاتِ (إنْ قُدِّمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا مَعَ عُمْرَةِ التَّحَلُّلِ عَامَ الْفَوَاتِ مَعَ الْإِثْمِ. (وَإِنْ أَفْسَدَ) الْحَجَّ وَتَمَادَى عَلَيْهِ لِإِتْمَامِهِ (ثُمَّ فَاتَ) الْحَجُّ الْمُفْسَدُ بِفَوَاتِ وُقُوفِهِ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ وُجُوبًا وَقَضَاهُ (أَوْ) اجْتَمَعَ الْفَوَاتُ وَالْإِفْسَادُ (بِالْعَكْسِ) لِلتَّرْتِيبِ الْمُتَقَدِّمِ بِأَنْ فَاتَهُ
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وَإِنْ بِعُمْرَةِ التَّحَلُّلِ تَحَلَّلَ وَقَضَاهُ دُونَهَا، وَعَلَيْهِ هَدْيَانِ، لَا دَمُ قِرَانٍ وَمُتْعَةٍ لِلْفَائِتِ.
وَلَا يُفِيدُ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ: نِيَّةُ التَّحَلُّلِ بِحُصُولِهِ.
وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ مَالٍ
_________________
(١) [منح الجليل] الْحَجُّ ثُمَّ أَفْسَدَهُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي عُمْرَةِ التَّحَلُّلِ بَلْ (وَإِنْ) أَفْسَدَهُ (بِعُمْرَةِ التَّحَلُّلِ) أَيْ: فِيهَا (تَحَلَّلَ) وُجُوبًا فِي الصُّورَتَيْنِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبَقَاءُ عَلَى إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّهُ تَمَادَى عَلَى فَاسِدٍ، وَالْمُرَادُ بَقِيَ عَلَى تَحَلُّلِهِ بِالْعُمْرَةِ الصَّحِيحَةِ وَاَلَّتِي فَسَدَتْ بِوَطْئِهِ فِيهَا فَلَا يَبْتَدِئُهَا وَيُتِمُّ طَوَافَهَا وَسَعْيَهَا وَكَفَتْ فِي التَّحَلُّلِ (وَقَضَاهُ) أَيْ: الْحَجَّ الَّذِي فَسَدَ وَفَاتَ (دُونَهَا) أَيْ عُمْرَةِ التَّحَلُّلِ فَلَا يَقْضِيهَا؛ لِأَنَّهَا تَحَلُّلٌ فِي الْحَقِيقَةِ لَا عُمْرَةٌ (وَعَلَيْهِ هَدْيَانِ) هَدْيٌ لِلْفَسَادِ وَهَدْيٌ لِلْفَوَاتِ إنْ قَضَاهُ مُفْرَدًا سَوَاءٌ كَانَ مَا أَفْسَدَهُ مُفْرَدًا أَوْ تَمَتُّعًا وَأَمَّا إنْ أَحْرَمَ مُتَمَتِّعًا وَأَفْسَدَهُ وَفَاتَهُ وَقَضَاهُ مُتَمَتِّعًا أَوْ كَانَ أَحْرَمَ قَارِنًا وَأَفْسَدَهُ وَفَاتَهُ وَقَضَاهُ قَارِنًا أَوْ كَانَ أَحْرَمَ مُفْرِدًا وَأَفْسَدَهُ وَفَاتَهُ وَقَضَى مُتَمَتِّعًا فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ هَدَايَا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثَةِ هَدْيٌ لِلْفَسَادِ وَهَدْيٌ لِلْفَوَاتِ وَهَدْيٌ لِلْقِرَانِ أَوْ التَّمَتُّعِ الْقَضَاءِ. (لَا) يَلْزَمُهُ (دَمُ قِرَانٍ وَ) دَمُ (مُتْعَةٍ لِلْفَائِتِ) أَيْ: لِلْقِرَانِ أَوْ التَّمَتُّعِ الَّذِي فَاتَ؛ لِأَنَّهُ آلَ أَمْرُهُ إلَى عُمْرَةٍ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَفِي هَذَا تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ سَابِقًا وَثَلَاثَةٌ إنْ أَفْسَدَ قَارِنًا ثُمَّ فَاتَهُ وَقَضَى. (وَلَا يُفِيدُ لِمَرَضٍ) حَاصِلٍ أَوْ مُتَرَقَّبٍ صِلَةُ التَّحَلُّلِ (أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ: الْمَرَضِ مِنْ الْمَوَانِعِ كَحَيْضٍ أَوْ حَصْرِ عَدُوٍّ أَوْ فِتْنَةٍ وَفَاعِلُ لَا يُفِيدُ (نِيَّةُ التَّحَلُّلِ) مِنْ الْإِحْرَامِ (بِ) مُجَرَّدِ (حُصُولِهِ) أَيْ: الْمَانِعِ يَعْنِي إذَا نَوَى حِينَ إحْرَامِهِ أَنَّهُ إنْ حَصَلَ لَهُ مَانِعٌ مِنْ إتْمَامِهِ يَصِيرُ مُتَحَلِّلًا مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ تَحَلُّلٍ بَعْدَ حُصُولِ الْمَانِعِ بِالْوَجْهِ السَّابِقِ لَمْ تَنْفَعْهُ نِيَّتُهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَحَلُّلِهِ بَعْدَ الْمَانِعِ بِمَا سَبَقَ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ الْإِحْرَامِ، وَكَذَا شَرْطُهُ بِاللَّفْظِ قَبْلَ وُجُودِهِ بِالْفِعْلِ فَهُوَ عِنْدَ وُجُودِهِ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يُحْدِثَ نِيَّةَ التَّحَلُّلِ وَلَا تَكْفِيهِ النِّيَّةُ السَّابِقَةُ. (وَلَا يَجُوزُ) أَيْ: يَحْرُمُ عِنْدَ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَيُكْرَهُ عِنْدَ سَنَدٍ (دَفْعُ مَالٍ)
[ ٢ / ٤٠٠ ]
لِحَاصِرٍ إنْ كَفَرَ.
وَفِي جَوَازِ الْقِتَالِ مُطْلَقًا: تَرَدُّدٌ
_________________
(١) [منح الجليل] قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ (لَحَاصِرٍ) طَلَبَهُ لِأَجْلِ تَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ (إنْ كَفَرَ) أَيْ: كَانَ الْحَاصِرُ كَافِرًا كِتَابِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا؛ لِأَنَّهُ ذِلَّةٌ وَوَهْنٌ لِلْإِسْلَامِ وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَرَفَةَ جَوَازَ دَفْعِهِ لَهُ قَائِلًا وَهْنُ الرُّجُوعِ بِصَدِّهِ أَشَدُّ مِنْ وَهْنِ إعْطَائِهِ الْحَطّ لَا يُسَلَّمُ لَهُ بَحْثُهُ. عج بَلْ الظَّاهِرُ مَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ ضَرَرٌ إنْ قَدَّمَ أَخَفَّهُمَا وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ إذْ أَخَفُّهُمَا هُنَا الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ فَالرُّجُوعُ لَا يُوهِنُ الدِّينَ وَدَفْعُ الْمَالِ رِضًا بِالذُّلِّ وَتَقْوِيَةٌ لِلْكَافِرِ وَتَسْلِيطٌ لَهُ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ «رَجَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَلَمْ يَدْفَعْ مَالًا» وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ عَدَمُ امْتِنَاعِ دَفْعِ مَالٍ لِحَاصِرٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ كَذَلِكَ ثُمَّ إنْ قَلَّ الْمَالُ وَلَا يَنْكُثُ وَجَبَ وَإِلَّا جَازَ. (وَفِي جَوَازِ الْقِتَالِ) لِلْحَاصِرِ غَيْرِ الْبَادِي (مُطْلَقًا) كَافِرًا كَانَ أَوْ مُسْلِمًا بِمَكَّةَ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ الْحَرَمِ وَلَوْ أَهْلَ مَكَّةَ إذَا بَغَوْا عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ وَلَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُمْ إلَّا بِقِتَالِهِمْ. ابْنُ فَرْحُونٍ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ قِتَالَ الْبُغَاةِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحِفْظُ حَقِّهِ فِي حَرَمِهِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُضَاعَ وَمَنَعَهُ، وَهُوَ نَقْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ (تَرَدُّدٌ) لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ. ابْنُ عَرَفَةَ قِتَالُ الْحَاصِرِ الْبَادِيَ بِهِ جِهَادٌ وَلَوْ مُسْلِمًا وَفِي قِتَالِهِ غَيْرَ بَادٍ نَقْلَا سَنَدٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ مَعَ ابْنِ شَاسٍ عَنْ الْمَذْهَبِ، وَالْأَوَّلُ الصَّوَابُ إنْ كَانَ الْحَاصِرُ بِغَيْرِ مَكَّةَ. وَإِنْ كَانَ بِهَا فَالْأَظْهَرُ نَقْلُ ابْنِ شَاسٍ لِحَدِيثِ «إنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» وَقَوْلُ ابْنِ هَارُونَ الصَّوَابُ جَوَازُ قِتَالِ الْحَاصِرِ وَأَظُنُّنِي رَأَيْته لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا نَصًّا، وَقَدْ قَاتَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ الْحَجَّاجَ، وَقَاتَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عُقْبَةَ يُرَدُّ بِأَنَّ الْحَجَّاجَ وَعُقْبَةَ بَدَآ بِهِ وَكَانُوا يَطْلُبُونَ النَّفْسَ، وَنَقْلُهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا لَا أَعْرِفُهُ إلَّا قَوْلَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ إنْ ثَارَ أَحَدٌ فِيهَا وَاعْتَدَى عَلَى اللَّهِ قُوتِلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] . وَفِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أُلْجِئَ الْمُحْرِمُ لِتَقْلِيدِ السَّيْفِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَحَمَلَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَحَادِيثَ النَّهْيِ عَنْ الْقِتَالِ بِمَكَّةَ عَلَى الْقِتَالِ بِمَا يَعُمُّ كَالْمَنْجَنِيقِ إذَا أَمْكَنَ إصْلَاحُ الْحَالِ بِدُونِهِ، وَإِلَّا جَازَ. وَفِي الْإِكْمَالِ وَخَبَرُ «لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ السِّلَاحَ بِمَكَّةَ» مَحْمُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى حَمْلِهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا حَاجَةٍ وَإِلَّا جَازَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ
[ ٢ / ٤٠١ ]
وَلِلْوَلِيِّ مَنْعُ سَفِيهٍ: كَزَوْجٍ فِي تَطَوُّعٍ.
وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فَلَهُ التَّحَلُّلُ، وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ:
_________________
(١) [منح الجليل] وَغَيْرِهِمَا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَيَجُوزُ دُخُولُهَا بَعْدَهُ - ﷺ - لِحَرْبٍ فِي قِتَالِ جَائِزٍ وَبِغَيْرِ إحْرَامٍ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ فِي الْخَبَرِ «أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» أَيْ: أُحِلَّ الْقِتَالُ فِيهَا لَا الصَّيْدُ وَالسَّاعَةُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ كَمَا فِي ابْنِ حَجَرٍ. (وَلِلْوَلِيِّ) أَيْ: الْأَبِ أَوْ وَصِيِّهِ أَوْ مُقَدَّمِ الْقَاضِي أَوْ نَفْسِ الْقَاضِي (مَنْعُ) شَخْصٍ (سَفِيهٍ) أَيْ: بَالِغٍ عَاقِلٍ غَيْرِ مُحْسِنٍ لِلتَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ مِنْ حَجٍّ وَلَوْ فَرْضًا. وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ فَقَالَ (كَزَوْجٍ) لَهُ مَنْعُ زَوْجَتِهِ (فِي تَطَوُّعٍ) مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لَا فِي فَرْضٍ وَلَوْ عَلَى أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي كَأَدَائِهَا الصَّلَاةَ أَوَّلَ وَقْتِهَا وَقَضَاءِ رَمَضَانَ إذَا كَانَتْ رَشِيدَةً وَإِلَّا فَلَهُ مَنْعُهَا فِي الْفَرْضِ أَيْضًا، فَقَوْلُهُ فِي تَطَوُّعٍ رَاجِعٌ لِلزَّوْجِ فَقَطْ، وَأَمَّا وَلِيُّ السَّفِيهِ فَلَهُ مَنْعُهُ حَتَّى فِي الْفَرْضِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَاتِهِمْ. لِلْبُنَانِيِّ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْفَرْعَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ سَنَدٍ وَنَصُّهُ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَا يَحُجُّ السَّفِيهُ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ إنْ رَأَى وَلِيُّهُ ذَلِكَ نَظَرًا أَذِنَ لَهُ وَإِلَّا فَلَا. ابْنُ عَاشِرٍ هَذَا مُشْكِلٌ إذَا لَمْ يَذْكُرُوا مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِهِ. الرُّشْدَ وَكَيْفَ يَصِحُّ مَنْعُ الْوَلِيِّ مِنْهُ إذَا تَوَفَّرَتْ شُرُوطُهُ وَأَسْبَابُهُ وَانْتَفَتْ مَوَانِعُهُ. ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ اتَّفَقَتْ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عَلَى أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ كَغَيْرِهِ فِي وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ لَا يَدْفَعُ لَهُ الْمَالَ، اُنْظُرْهُ قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَتْ سَفِيهَةً فَلَهُ الْمَنْعُ فِي الْفَرْضِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ السَّفِيهَةَ يَمْنَعُهَا وَلِيُّهَا لَا زَوْجُهَا نَعَمْ إنْ كَانَ وَلِيُّهَا زَوَّجَهَا فَلَهُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْوِلَايَةُ لَا مِنْ حَيْثُ الزَّوْجِيَّةُ. (وَإِنْ) أَحْرَمَ السَّفِيهُ أَوْ الزَّوْجَةُ وَ(لَمْ يَأْذَنْ الْوَلِيُّ) لِلسَّفِيهِ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ الزَّوْجُ لِلزَّوْجَةِ فِيهِ (فَلَهُ) أَيْ الْوَلِيِّ أَوْ الزَّوْجِ (التَّحَلُّلُ) أَيْ: التَّحْلِيلُ لَهُمَا مِمَّا أَحْرَمَا بِهِ كَتَحْلِيلِ الْمُحْصَرِ بِالنِّيَّةِ وَالْحَلْقِ لِلسَّفِيهِ وَالتَّقْصِيرُ لِلزَّوْجَةِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ وَلَا يَدْفَعُ لَهُ الْمَالَ بَلْ يَصْحَبُهُ لِيُنْفِقَ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يَصْحَبَ لَهُ مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ السَّفِيهِ قَالَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ الشَّافِعِيُّ فِي مَنْسَكِهِ (وَ) إنْ حَلَّلَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ فَ (عَلَيْهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ (الْقَضَاءُ)
[ ٢ / ٤٠٢ ]
كَعَبْدٍ، وَأَثِمَ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ، وَلَهُ مُبَاشَرَتُهَا كَفَرِيضَةٍ قَبْلَ الْمِيقَاتِ،
_________________
(١) [منح الجليل] لِمَا حَلَّلَهَا مِنْهُ إذَا أَذِنَ لَهَا أَوْ تَأَيَّمَتْ بِخِلَافِ السَّفِيهِ وَالصَّغِيرِ إذَا حَلَّلَهَا وَلِيُّهُمَا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمَا كَمَا قَدَّمَهُ أَوَّلَ الْبَابِ، وَمِثْلُ التَّطَوُّعِ النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ فَتَقْتَضِيهِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالْمَضْمُونُ أَوْلَى. وَشَبَّهَ فِي التَّحْلِيلِ وَالْقَضَاءِ فَقَالَ (كَالْعَبْدِ) وَلَوْ بِشَائِبَةٍ أَوْ مُكَاتَبًا إنْ أَضَرَّ إحْرَامُهُ بِنُجُومِ كِتَابَتِهِ إنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَلَهُ تَحْلِيلُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ إنْ أَذِنَ لَهُ أَوْ أُعْتِقَ. قَالَ فِي التَّقْرِيبِ عَلَى التَّهْذِيبِ لَا يَكُونُ التَّحْلِيلُ بِإِلْبَاسِهِ الْمِخْيَطَ لَكِنْ بِالْإِشْهَادِ عَلَى أَنَّهُ حَلَّلَهُ مِنْ هَذَا الْإِحْرَامِ فَيَتَحَلَّلُ بِنِيَّتِهِ وَبِحِلَاقِ رَأْسِهِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّ التَّحْلِيلَ إنَّمَا يَكُونُ بِهَذَيْنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِشْهَادَ كَافٍ سَوَاءٌ امْتَنَعَ الْعَبْدُ مِنْ التَّحَلُّلِ أَمْ لَا كَمَا أَنَّ تَحْلِيلَهُ بِالنِّيَّةِ وَالْحِلَاقِ كَافٍ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ وَالظَّاهِرُ جَرَيَانُ مَا ذَكَرَ فِي تَحْلِيلِ الْمَرْأَةِ وَالسَّفِيهِ وَيَقُومُ التَّقْصِيرُ فِي حَقِّهَا مَقَامَ الْحَلْقِ فِي حَقِّ الذَّكَرِ (وَأَثِمَ) بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ: عَصَى (مَنْ لَمْ يَقْبَلْ) مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ التَّحَلُّلِ مِنْ سَفِيهٍ وَزَوْجَةٍ وَعَبْدٍ (وَلَهُ) أَيْ: الزَّوْجِ (مُبَاشَرَتُهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ إذَا امْتَنَعَتْ مِنْ التَّحَلُّلِ وَإِفْسَادُهُ عَلَيْهَا وَالْإِثْمُ عَلَيْهَا دُونَهُ لِتَعَدِّيهَا عَلَى حَقِّهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ نَوَى بِذَلِكَ تَحْلِيلَهَا كَانَ كَافِيًا وَإِلَّا فَسَدَ أَفَادَهُ عب. الْبُنَانِيُّ مِثْلُهُ فِي الْخَرَشِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا لَا تَكْفِي وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْمُحْرِمِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ كَغَيْرِهِ وَأَثِمَ مَنْ لَمْ تُقْبَلْ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْ: إنْ لَمْ تَقْبَلْ مَا أَمَرَهَا بِهِ مِنْ التَّحَلُّلِ أَثِمَتْ لِمَنْعِهَا حَقَّهُ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّحَلُّلَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْمُحْرِمِ لَا مِنْ غَيْرِهِ. وَشَبَّهَ فِي، جَوَازِ تَحْلِيلِهَا فَقَالَ (كَ) إحْرَامِهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا بِ (فَرِيضَةٍ قَبْلَ الْمِيقَاتِ) الزَّمَانِيِّ أَوْ الْمَكَانِيِّ بِبُعْدٍ وَاحْتَاجَ إلَيْهَا وَلَمْ يُحْرِمْ وَإِلَّا لَمْ يُحَلِّلْهُمَا ثُمَّ إنْ حَلَّلَهَا بِالشَّرْطَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَلَا يَلْزَمُهَا غَيْرُ حِجَّةِ الْفَرْضِ، وَأَمَّا إنْ أَفْسَدَهُ فَإِنَّهَا تَتَمَادَى عَلَيْهِ وَتَقْضِيهِ أَوْ تَحُجُّ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ أَفَادَهُ عب. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَتَقْضِيهِ وَتَحُجُّ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ يَقْتَضِي أَنَّ عَلَيْهَا حِجَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: قَضَاءٌ وَالْأُخْرَى حِجَّةُ الْإِسْلَامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ، عَلَيْهَا أَنْ تَقْتَضِيَ غَيْرَ حِجَّةِ
[ ٢ / ٤٠٣ ]
وَإِلَّا فَلَا: إنْ دَخَلَ.
وَلِلْمُشْتَرِي إنْ لَمْ يَعْلَمْ: رَدُّهُ لَا تَحْلِيلُهُ.
وَإِنْ أَذِنَ فَأَفْسَدَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ إذْنٌ لِلْقَضَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمَا لَزِمَهُ عَنْ خَطَإٍ أَوْ ضَرُورَةٍ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي الْإِخْرَاجِ،
_________________
(١) [منح الجليل] الْإِسْلَامِ، صَرَّحَ بِهِ اللَّخْمِيُّ، وَنَقَلَهُ الْمَوَّاقُ وَنَحْوُهُ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ (وَإِلَّا) بِأَنْ أَذِنَ الْوَلِيُّ لِلسَّفِيهِ وَالسَّيِّدُ لِلْعَبْدِ وَالزَّوْجُ لِلزَّوْجَةِ فِي التَّطَوُّعِ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ (فَلَا) مَنْعَ لَهُ (إنْ دَخَلَ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ فِي النَّذْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ. (وَ) مَنْ بَاعَ رَقِيقًا مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ لِلْمُشْتَرِي فَ (لِلْمُشْتَرِي إنْ لَمْ يَعْلَمْ) حِينَ شِرَائِهِ بِإِحْرَامِهِ (رَدُّهُ)؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ كَتَمَهُ الْبَائِعُ، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَقْرُبْ زَمَنُ الْإِحْلَالِ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقُرْبَ مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْمُشْتَرِي (لَا) يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي (تَحْلِيلُهُ) أَيْ: الرَّقِيقِ مِنْ الْإِحْرَامِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى شِرَائِهِ. وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ لِلْمُشْتَرِي أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ لَكِنْ إنْ تَحَلَّلَ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ إحْرَامُ الرَّقِيقِ بِإِذْنِ الْبَائِعِ أَمْ لَا، وَإِنْ رَدَّهُ فَلِلْبَائِعِ تَحْلِيلُهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ قَبْلَ بَيْعِهِ وَلَوْ قَرُبَ زَمَنُ إحْلَالِهِ لِوُقُوعِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. (وَإِنْ أَذِنَ) السَّيِّدُ لِرَقِيقِهِ فِي الْإِحْرَامِ وَأَحْرَمَ (فَأَفْسَدَ) الْعَبْدُ مَا أَحْرَمَ بِهِ بِنَحْوِ جِمَاعٍ (لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ: السَّيِّدَ (إذْنٌ) ثَانٍ (لِلْقَضَاءِ) عِنْدَ أَشْهَبَ خِلَافًا لِأَصْبَغَ قَائِلًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ آثَارِ إذْنِهِ (عَلَى الْأَصَحِّ) عِنْدَ مُحَمَّدٍ مِنْ قَوْلَيْهِمَا، قَالَ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ وَظَاهِرُ الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ الْفَوَاتَ كَالْإِفْسَادِ سَنَدٌ وَإِنْ أَرَادَ لِمَا فَاتَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ لِيَحِلَّ وَأَرَادَ سَيِّدُهُ مَنْعَهُ وَإِحْلَالَهُ مَكَانَهُ، فَقَالَ أَشْهَبُ إنْ كَانَ قَرِيبًا فَلَا يَمْنَعُهُ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَلَهُ مَنْعُهُ. فَإِمَّا أَنْ يُبْقِيَهُ عَلَى إحْرَامِهِ وَإِمَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي فَسْخِهِ فِي عُمْرَةٍ (وَمَا لَزِمَهُ) أَيْ: الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ (عَنْ خَطَأٍ) صَدَرَ مِنْهُ كَأَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ لِخَطَأِ عَدَدٍ أَوْ هِلَالٍ أَوْ طَرِيقٍ أَوْ فِي قَتْلِ صَيْدٍ (أَوْ) عَنْ (ضَرُورَةٍ) كَلُبْسٍ أَوْ تَطَيُّبٍ لِتَدَاوٍ (فَإِنْ أَذِنَ لَهُ السَّيِّدُ فِي الْإِخْرَاجِ) لِمَا لَزِمَهُ مِنْ
[ ٢ / ٤٠٤ ]
وَإِلَّا صَامَ بِلَا مَنْعٍ، وَإِنْ تَعَمَّدَ: فَلَهُ مَنْعُهُ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ فِي عَمَلِهِ
_________________
(١) [منح الجليل] هَدْيٍ أَوْ فِدْيَةٍ فَعَلَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ أَوْ مِنْ مَالِهِ فَقَدْ أَفَادَ أَبُو الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ يَحْتَاجُ فِي الْإِخْرَاجِ لِإِذْنِ سَيِّدِهِ خِلَافًا لِظَاهِرِ قَوْلِهَا لَا يَحْتَاجُ فِي مَالِهِ لِإِذْنٍ مِنْ سَيِّدِهِ فِي الْإِخْرَاجِ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ فِي الْإِخْرَاجِ (صَامَ بِلَا مَنْعٍ) مِنْ السَّيِّدِ أَيْ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ الصِّيَامِ وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ فِي عَمَلِهِ (وَإِنْ تَعَمَّدَ) الرَّقِيقُ مُوجِبَ الْهَدْيِ أَوْ الْفِدْيَةِ (فَلَهُ) أَيْ: السَّيِّدِ (مَنْعُهُ) مِنْ الْإِخْرَاجِ وَالصَّوْمِ (إنْ أَضَرَّ) الصَّوْمُ (بِهِ) أَيْ: السَّيِّدِ (فِي عَمَلِهِ) أَيْ: الرَّقِيقِ لِسَيِّدِهِ لِإِدْخَالِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَبَقِيَ مِنْ مَوَانِعِ الْحَجِّ الدَّيْنُ الْحَالُّ أَوْ الَّذِي يَحِلُّ فِي غَيْبَتِهِ وَهُوَ مُوسِرٌ فَيُمْنَعُ مِنْ الْخُرُوجِ لِلْحَجِّ إلَّا أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْضِيهِ عِنْدَ حُلُولِهِ فَإِنْ اتَّهَمَهُ بِعَدَمِ عَوْدِهِ حَلَّفَهُ وَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ إنْ أَحْرَمَ وَلَا لَهُ هُوَ التَّحَلُّلُ وَالْأُبُوَّةُ فَلِلْأَبَوَيْنِ الْمَنْعُ مِنْ التَّطَوُّعِ وَمِنْ الْفَرْضِ عَلَى إحْدَى رِوَايَتَيْنِ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ، وَلَكِنْ سَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ كَوَالِدَيْنِ فِي فَرْضِ كِفَايَةٍ وَهُوَ يُفِيدُ الْمَنْعَ مِنْ التَّطَوُّعِ لَا مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ
[ ٢ / ٤٠٥ ]