ص (بَابٌ إنْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ إلَخْ)
ش: هَذَا بَابٌ يَذْكُرُ فِيهِ الْمُصَنِّفُ أَحْكَامَ الدِّمَاءِ وَأَحْكَامَ الْقِصَاصِ قَالَ الْبِسَاطِيُّ وَهُوَ بَابٌ مُتَّسِعٌ
[ ٦ / ٢٣٠ ]
مَتْرُوكٌ يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ إلَيْهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ مِنْ الْخَمْسِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فِي كُلِّ مِلَّةٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَقَلَ الْأُصُولِيُّونَ إجْمَاعَ الْمِلَلِ عَلَى حِفْظِ الْأَدْيَانِ وَالنُّفُوسِ وَالْعُقُولِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ الْأَنْسَابَ عِوَضَ الْأَمْوَالِ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَلَا شَكَّ أَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ عَمْدًا عُدْوَانًا كَبِيرَةٌ لَيْسَ بَعْدَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ مِنْهَا وَفِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَإِنْفَاذِ الْوَعِيدِ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَأُخِذَ لِمَالِكٍ الْقَوْلَانِ فَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ: لَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ. عَدَمُ الْقَبُولِ. وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ: لِيُكْثِرَ مِنْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالصَّدَقَةِ وَالْجِهَادِ وَالْحَجِّ. الْقَبُولُ.
وَاخْتُلِفَ فِي تَخْلِيدِهِ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ تَخْلِيدِهِ وَرَدَّ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَخْذَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ التَّوْبَةَ أَمْرٌ بَاطِنِيٌّ وَمُوجِبُ نَصْبِ الْإِمَامَةِ أَمْرٌ ظَاهِرِيٌّ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِ الْإِمَامَةِ عَدَمُ قَبُولِ التَّوْبَةِ. وَنَصُّ كَلَامِهِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَتْلُ الْمُسْلِمِ عَمْدًا عُدْوَانًا كَبِيرَةٌ لَيْسَ بَعْدَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ مِنْهُ وَفِي قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنْهُ وَإِنْفَاذِ وَعِيدِهِ مَذْهَبَا الصَّحَابَةِ.
وَإِلَى إنْفَاذِ وَعِيدِهِ ذَهَبَ مَالِكٌ لِقَوْلِهِ لَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ (قُلْت) لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ قَبُولِ تَوْبَتِهِ لِعَدَمِ رَفْعِ سَابِقِ حُرْمَتِهِ وَقَبُولِ التَّوْبَةِ أَمْرٌ بَاطِنِيٌّ وَمُوجِبُ نَصْبِ الْإِمَامَةِ أَمْرٌ ظَاهِرٌ وَقَالَ فِي سَمَاعِ عِيسَى قَوْلُ مَالِكٍ لِيُكْثِرَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَالصَّدَقَةَ وَالْحَجَّ وَالْجِهَادَ وَيَلْزَمَ الثُّغُورَ مَنْ تَعَذَّرَ مِنْهُ الْقَوَدُ. دَلِيلٌ عَلَى الرَّجَاءِ عِنْدَهُ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ. خِلَافُ قَوْلِهِ لَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ قَالَ وَالْقَوْلُ بِتَخْلِيدِهِ خِلَافُ السُّنَّةِ وَمِنْ تَوْبَتِهِ عَرْضُ نَفْسِهِ عَلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ قَوَدًا وَدِيَةً اهـ.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَيْضًا فِي التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَتِهِ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ التَّوْبَةِ رَدَّ التَّبِعَاتِ. وَرَدُّ الْحَيَاةِ عَلَى الْمَقْتُولِ مُتَعَذِّرٌ إلَّا أَنْ يُحَلِّلَهُ الْمَقْتُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِطِيبِ نَفْسِهِ وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ إذَا سُئِلَ عَنْ تَوْبَتِهِ سَأَلَ هَلْ قَتَلَ أَمْ لَا وَيُطَاوِلُهُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ قَالَ لَا تَوْبَةَ. وَإِلَّا قَالَ لَهُ التَّوْبَةُ وَهُوَ حَسَنٌ فِي الْفَتْوَى انْتَهَى. وَانْظُرْ الْكَلَامَ عَلَى حَدِيثِ أُسَامَةَ وَالْمِقْدَادِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلْأَبِيِّ وَعِيَاضٍ وَالْقُرْطُبِيِّ
[فَرْعٌ قُتِلَ الْقَاتِلُ قِصَاصًا]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فَإِنْ قُتِلَ الْقَاتِلُ قِصَاصًا قِيلَ ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لَهُ لِقَوْلِهِ - ﵊ - «الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا» وَقِيلَ لَيْسَ بِكَفَّارَاتٍ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِي الْقِصَاصِ بَلْ مَنْفَعَتُهُ لِلْأَحْيَاءِ زَجْرًا أَوْ تَشَفِّيًا وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةُ.
(فَائِدَتَانِ الْأُولَى) قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [المائدة: ٣٢] الْآيَةَ. فِيهَا سُؤَالٌ وَهُوَ وَجْهُ تَشْبِيهِ قَتْلِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ بِقَتْلِ جَمِيعِ النَّاسِ وَإِحْيَائِهَا بِإِحْيَاءِ جَمِيعِ النَّاسِ؟ وَالتَّشْبِيهُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُتَقَارِبِينَ جِدًّا وَقَتْلُ جَمِيعِ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ بُعْدًا شَدِيدًا وَكَذَلِكَ إحْيَاؤُهَا قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْجَوَابِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْسِ إمَامٌ مُقْسِطٌ أَوْ حَاكِمٌ عَدْلٌ أَوْ وَلِيٌّ تُرْتَجَى بَرَكَتُهُ
[ ٦ / ٢٣١ ]
الْعَامَّةُ فَلِعُمُومِ مَنْفَعَتِهِ كَأَنَّهُ قَتَلَ مَنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ وَهُمْ الْمُرَادُ بِالنَّاسِ وَإِلَّا فَالتَّشْبِيهُ مُشْكِلٌ وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَمَّا كَانَ قَتْلُ جَمِيعِ النَّاسِ لَا يَزِيدُ فِي الْعُقُوبَةِ عَلَى عُقُوبَةِ قَاتِلِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ شَبَّهَهُ بِهِ. قَالَ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ قَاعِدَةَ الشَّرْعِ تَفَاوُتُ الْعُقُوبَاتِ بِتَفَاوُتِ الْجِنَايَاتِ وَلِذَا تَوَعَّدَ اللَّهُ قَاتِلَ الْوَاحِدِ بِعَذَابٍ عَظِيمٍ وَعِيدُهُ، اعْتَقَدْنَا مُضَاعَفَتَهُ فِي حَقِّ الِاثْنَيْنِ فَكَيْفَ بِجَمِيعِ النَّاسِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى. (الثَّانِيَةُ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] قِيلَ الْخِطَابُ لِلْوَرَثَةِ لِأَنَّهُمْ إذَا اقْتَصُّوا فَقَدْ سَلِمُوا وَحَيُوا بِدَفْعِ شَرِّ هَذَا الْقَاتِلِ عَنْهُمْ الَّذِي صَارَ عَدُوَّهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْخِطَابُ لِلْقَاتِلِينَ لِأَنَّهُ إذَا اُقْتُصَّ مِنْهُمْ فَقَدْ مُحِيَ إثْمُهُ فَحَيِيَ حَيَاةً مَعْنَوِيَّةً. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فَلَا إضْمَارَ وَقِيلَ الْخِطَابُ لِلنَّاسِ. وَالتَّقْدِيرُ وَلَكُمْ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْقِصَاصِ حَيَاةٌ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ يَكُفُّ عَنْ الْقَتْلِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْآيَةِ تَقْدِيرٌ أَيْضًا وَيَكُونَ الْقِصَاصُ نَفْسُهُ فِيهِ الْحَيَاةُ. أَمَّا لِغَيْرِ الْجَانِي فَلِانْكِفَافِهِ وَأَمَّا لِلْجَانِي فَلِسَلَامَتِهِ مِنْ الْإِثْمِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ
[أَرْكَان الْقِصَاص فِي الْقَتْل]
وَالْقِصَاصُ تَارَةً يَتَعَلَّقُ بِالنَّفْسِ وَتَارَةً يَتَعَلَّقُ بِالْأَطْرَافِ.
وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْكَلَامِ عَلَى الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ وَالْقَتْلُ فَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْكَلَامِ عَلَى الْقَاتِلِ فَقَالَ: إنْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ إلَخْ. وَإِنَّمَا قَالَ أَتْلَفَ وَلَمْ يَقُلْ قَتَلَ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ يَشْمَلُ الْمُبَاشَرَةَ وَالتَّسَبُّبَ وَالْقَتْلُ إنَّمَا يَتَبَادَرُ لِلْمُبَاشَرَةِ وَذَكَرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْقَاتِلِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا وَهُوَ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ فَلَا قِصَاصَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَعَمْدُهُمَا كَالْخَطَإِ لِقَوْلِهِ - ﷺ - «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الْغُلَامِ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِرِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ ذَكَرْتهَا فِي حَاشِيَةِ الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَهِرَةِ.
(تَنْبِيهٌ) الْمَرْفُوعُ فِي الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ الْإِثْمُ وَهُوَ مِنْ بَابِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَأَمَّا الضَّمَانُ فَهُوَ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ.
وَخِطَابُ التَّكْلِيفِ هِيَ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ الْوُجُوبُ. وَشَرْطٌ فِيهِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَقُدْرَتُهُ وَخِطَابُ الْوَضْعِ هُوَ الْخِطَابُ بِكَثِيرِ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَلَا قُدْرَتُهُ وَلَا كَوْنُهُ مِنْ كَسْبِهِ فَيَضْمَنُ النَّائِمُ مَا أَتْلَفَهُ فِي حَالِ نَوْمِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ فِي مَالِهِ وَكَذَلِكَ مَا أَتْلَفَهُ مِنْ الدِّمَاءِ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَإِنْ بَلَغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَأَكْثَرَ فَهُوَ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَيْسَ هَذَا بِمُعَارِضٍ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ كَوْنِهِ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ الَّذِي مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ: إذَا وَقَعَ هَذَا فِي الْوُجُودِ فَاعْلَمُوا أَنِّي حَكَمْت بِكَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قَتَلَ الْمَجْنُونُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ اُقْتُصَّ مِنْهُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَيُقْتَصُّ مِنْهُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ فَإِنْ أَيِسَ مِنْ إفَاقَتِهِ كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ يُسْلَمُ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ يَقْتُلُونَهُ إنْ شَاءُوا قَالَ وَلَوْ ارْتَدَّ ثُمَّ جُنَّ لَمْ أَقْتُلْهُ حَتَّى يَصِحَّ لِأَنِّي أَدْرَأُ الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ وَلَا أَقُولُ هَذَا فِي حُقُوقِ النَّاسِ.
وَرَدَّ اللَّخْمِيُّ أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا هَذَا الْمَجْنُونَ وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا أَتْبَعُوهُ بِهَا انْتَهَى. وَقَالَ فِي الشَّامِلِ فَإِنْ أَيِسَ مِنْ إفَاقَتِهِ فَهَلْ يُسْلَمُ لِلْقَتْلِ أَوْ تُؤْخَذُ الدِّيَةُ مِنْ مَالِهِ؟ قَوْلَانِ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ يُخَيَّرُ الْوَلِيُّ فِي أَيِّهِمَا شَاءَ انْتَهَى فَسَاوَوْا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ مَعَ أَنَّ الثَّانِي لِابْنِ الْمَوَّازِ (فَرْعٌ) فَلَوْ أُشْكِلَ عَلَى الْبَيِّنَةِ أَقَتَلَ فِي حَالِ عَقْلِهِ أَوْ جُنُونِهِ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فَقَالَ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَهُوَ الصَّوَابُ وَقَالَهُ شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ مُعَلِّلًا بِأَنَّهُ شَكٌّ فِي الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقَاضِي لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَشْهَدَ عِنْدَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَتَلَ فِي حَالِ كَوْنِهِ فِي عَقْلِهِ. انْتَهَى. وَدَخَلَ فِي كَلَامِهِ السَّكْرَانُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَالرَّقِيقُ وَلِهَذَا بَالَغَ بِهِ فَقَالَ وَإِنْ رَقَّ ثُمَّ أَشَارَ إلَى الشَّرْطِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ غَيْرُ حَرْبِيٍّ يَعْنِي أَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ إذَا قَتَلَ فِي حَالِ حِرَابَتِهِ ثُمَّ أَشَارَ إلَى الشَّرْطِ الثَّالِثِ
[ ٦ / ٢٣٢ ]
بِقَوْلِهِ وَلَا زَائِدَ حُرِّيَّةٍ أَوْ إسْلَامٍ يَعْنِي فَلَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحُرُّ كَافِرًا وَالْعَبْدُ مُسْلِمًا فَيُقْتَلُ الْحُرُّ الْكَافِرُ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَوْلُهُ أَوْ إسْلَامَ أَيْ فَلَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ عَبْدًا وَالْكَافِرُ حُرًّا قَالَ فِي الْبَيَانِ اتِّفَاقًا وَقَوْلُهُ حِينَ الْقَتْلِ يَعْنِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي التَّكَافُؤِ حِينَ الْقَتْلِ فَلَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ كَافِرًا قُتِلَ بِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ بَعْدَ قَتْلِهِ عَبْدًا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي نَصْرَانِيٍّ قَتَلَ نَصْرَانِيًّا عَمْدًا وَلَا وَلِيَّ لَهُ إلَّا الْمُسْلِمُونَ ثُمَّ أَسْلَمَ قَالَ: الْعَفْوُ عَنْهُ أَحَبُّ إلَيَّ إذَا صَارَ الْأَمْرُ لِلْإِمَامِ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ الْآنَ أَعْظَمُ مِنْ الْمَقْتُولِ وَلَوْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ وَلَدًا كَانَ الْقَوَدُ لَهُمْ.
وَقَوْلُهُ إلَّا لِغِيلَةٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْحِرَابَةِ الْغِيلَةُ أَنْ يَخْدَعَ غَيْرَهُ لِيُدْخِلَهُ مَوْضِعًا وَيَأْخُذَ مَالَهُ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَتْلُ الْغِيلَةِ حِرَابَةٌ وَهُوَ قَتْلُ الرَّجُلِ خُفْيَةً لِأَخْذِ مَالِهِ انْتَهَى. وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ قَتْلُ الْغِيلَةِ هُوَ أَنْ يَخْدَعَهُ فَيَذْهَبَ بِهِ إلَى مَوْضِعٍ خُفْيَةً فَإِذَا صَارَ فِيهِ قَتَلَهُ فَهَذَا يُقْتَلُ بِهِ وَلَا عَفْوَ فِيهِ. قَالَ: وَنُقِلَ عَنْ أَصْحَابِنَا وَأَظُنُّهُ الْبَوْنِيَّ أَنَّهُ اشْتَرَطَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ عَلَى مَالٍ. قَالَ: وَأَمَّا لِنَائِرَةٍ بَيْنَهُمَا وَهِيَ الْعَدَاوَةُ فَيَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ. قَالَ ابْنُ نَاجِي: مَا أَظُنُّهُ عَنْ الْبَوْنِيِّ مِثْلُهُ نَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ الْعُتْبِيَّة وَالْمَوَّازِيَّةِ وَذَكَرَ لَفْظَهُ الْمُتَقَدِّمَ قَالَ ابْنُ نَاجِي قَالَ الْبَاجِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ هُوَ الْقَتْلُ عَلَى وَجْهِ الْقَصْدِ الَّذِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ وَقَبِلَهُ ابْنُ زَرْقُونٍ انْتَهَى. وَقَالَ عِيَاضٌ يَعْنِي اغْتَالَهُ لِأَخْذِ مَالِهِ وَلَوْ كَانَ لِنَائِرَةٍ فَفِيهِ الْقِصَاصُ وَالْعَفْوُ فِيهِ جَائِزٌ قَالَهُ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ وَهُوَ صَحِيحٌ جَارٍ عَلَى الْأُصُولِ لِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مُحَارِبٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمُحَارِبِ إذَا أَخَذَ الْمَالَ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْمَالِ اهـ. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ مَرِضَ وَلَهُ أُمُّ وَلَدٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ أَنَّ قَتْلَ الْغِيلَةِ هُوَ الْقَتْلُ عَلَى مَالٍ انْتَهَى.
[فَرْعٌ الْغِيلَةُ فِي الْأَطْرَافِ]
(فَرْعٌ) وَالْغِيلَةُ فِي الْأَطْرَافِ كَالْغِيلَةِ فِي النَّفْسِ قَالَ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ عَلَى وَجْهِ الْغِيلَةِ فَلَا قِصَاصَ لَهُ وَالْحُكْمُ لِلْإِمَامِ إلَّا أَنْ يَتُوبَ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ فِيهِ الْقِصَاصُ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي الْغِيلَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ هُنَا فَرْعٌ اُخْتُلِفَ إذَا قَامَ بِقَتْلِ الْغِيلَةِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ هَلْ فِيهِ قَسَامَةٌ أَمْ لَا اُنْظُرْ أَبَا الْحَسَنِ (فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ قَتَلَ وَلِيَّهُ غِيلَةً فَصَالَحَ فِيهِ عَلَى الدِّيَةِ فَذَلِكَ مَرْدُودٌ وَالْحُكْمُ فِيهِ لِلْإِمَامِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِهِ حَاكِمٌ
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الرُّكْنِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ مَعْصُومًا يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مَعْصُومًا وَظَاهِرُهُ وَسَوَاءٌ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ أَمْ لَا. وَانْظُرْ الْمَسْأَلَةَ فِي سَمَاعِ يَحْيَى وَعِيسَى وَابْنِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ الدِّيَاتِ فَإِنَّ ابْنَ رُشْدٍ ذَكَرَ فِيمَنْ أَجْهَزَ عَلَى مَنْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ شَخْصٌ آخَرُ هَلْ يُقْتَلُ بِهِ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي؟ قَوْلَيْنِ وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَلَوْ أَنْفَذَ وَاحِدٌ مَقَاتِلَهُ وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ ثَانٍ قُتِلَ وَعُوقِبَ الْأَوَّلُ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ.
ص (وَأُدِّبَ كَمُرْتَدٍّ وَزَانٍ أُحْصِنَ)
ش: وَكَذَا الْمُحَارِبُ وَالزِّنْدِيقُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ قَتَلَ زِنْدِيقًا.
اللَّخْمِيُّ وَكَذَا الزَّانِي الْمُحْصَنُ وَالْمُحَارِبُ وَلَا دِيَةَ لَهُمْ إنْ قُتِلُوا خَطَأً وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مَنْ قَطَعَ يَدَ سَارِقٍ خَطَأً فَلَا دِيَةَ لَهُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَهُ دِيَتُهَا فَعَلَيْهِ تَجِبُ الدِّيَةُ فِي هَذَيْنِ إنْ قُتِلَا خَطَأً وَإِنْ قُطِعَ لَهُمَا عُضْوٌ فَلَهَا الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ لِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وَجَبَ فِي النَّفْسِ لَا فِي الْعُضْوِ قَالَ عِيسَى مَنْ اغْتَاظَ مِنْ ذِمِّيٍّ يَشْتُمُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَتَلَهُ فَإِنْ كَانَ شَتْمًا يُوجِبُ قَتْلَهُ وَثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ وَضُرِبَ مِائَةً وَسُجِنَ عَامًا انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصَّ عَلَى نَفْيِ الْقِصَاصِ عَنْ قَاتِلِ الْمُرْتَدِّ وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ نَصْرَانِيًّا اهـ. وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَبُولِهِ فِي الدِّيَاتِ أَنَّ دِيَةَ الْمُرْتَدِّ كَدِيَةِ الْمَجُوسِيِّ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَفَى هُنَا الْقِصَاصَ وَالْكَلَامُ هُنَاكَ فِي
[ ٦ / ٢٣٣ ]
الدِّيَاتِ وَنَفْيُ أَحَدِهِمَا لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْآخَرِ وَأَمَّا الزَّانِي الْمُحْصَنُ فَلَيْسَ فِيهِ دِيَةٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ تَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ فَكَأَنَّ قَاتِلَهُ قَتَلَ كَافِرًا مُحَرَّمَ الْقَتْلِ بِخِلَافِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ فَتَأَمَّلْهُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي مِقْدَارِ أَدَبِهِمْ فَمَنْ طُلِبَ السَّتْرُ عَلَيْهِ كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ تَكُونُ الْجُرْأَةُ عَلَى الْقَاضِي بِقَتْلِهِ أَكْثَرَ وَكُفْرُ الزَّنْدَقَةِ أَشَدُّ مِنْ كُفْرِ الِارْتِدَادِ الظَّاهِرِ انْتَهَى. يَعْنِي فَيَكُونُ الْأَدَبُ فِي كُفْرِ الِارْتِدَادِ أَشَدَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ قَالُوا: وَهَذَا إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يُنْصِفُهُ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ حَقِّهِ قَالَ أَبُو عِمْرَانَ الَّذِي يَقْتُلُ وَلِيَّهُ رَجُلٌ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ حَقِّهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَيَقْتُلُ الْوَلِيُّ قَاتِلَ وَلِيِّهِ غِيلَةً أَوْ بِاحْتِيَالٍ أَنَّهُ لَا أَدَبَ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ السُّلْطَانُ يُنْصِفُهُ فَهُوَ يَأْخُذُ حَقَّهُ بِنَفْسِهِ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا قَالَهُ الْبُرْزُلِيُّ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ فِي أَثْنَاءِ مَسْأَلَةٍ وَهِيَ تَجْرِي عِنْدِي عَلَى قَاعِدَةِ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا لَوْ رُفِعَ إلَى الْقَاضِي لَمْ يَفْعَلْ غَيْرَهُ هَلْ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ رَفَعَ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
ص (فَالْقَوَدُ عَيْنًا)
ش: يَعْنِي إذَا وَقَعَتْ الْجِنَايَةُ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ فَالْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّمَا هُوَ الْقَوَدُ أَيْ الْقِصَاصُ وَلَيْسَ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ أَنْ يَعْفُوا عَلَى الدِّيَةِ وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي الْجِرَاحِ أَنْ يَعْفُوَ عَلَى الدِّيَةِ. وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ فَإِنَّهُ قَالَ الْوَاجِبُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَبَيْنَ الدِّيَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ» وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ بِتَخْيِيرِ الْأَوْلِيَاءِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَبَيْنَ الدِّيَةِ فَإِنْ طَلَبَ الْأَوْلِيَاءُ مِنْهُ الدِّيَةَ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إنْ كَانَ مَلِيًّا قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ مَالِكٌ وَقَاتِلُ الْعَمْدِ يَطْلُبُ مِنْهُ الْأَوْلِيَاءُ الدِّيَةَ فَيَأْبَى إلَّا أَنْ يَقْتُلُوهُ فَلَيْسَ لَهُمْ إلَّا الْقَتْلُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] وَقَالَ أَشْهَبُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْبَى وَيُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ إنْ كَانَ مَلِيًّا لِأَنَّهُ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ لِيَتْرُكَ مَالَهُ لِغَيْرِهِ مَضَارُّ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ جَعَلَ لِلْأَوْلِيَاءِ إنْ أَحَبُّوا أَنْ يَقْتُلُوا فَلِيَقْتُلُوا وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ وَقَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ انْتَهَى. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ جَمَاعَةٌ وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي النَّفْسِ وَأَمَّا جِرَاحُ الْعَمْدِ فَيُوَافِقُ أَشْهَبُ الْمَشْهُورَ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ التَّخْيِيرُ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ كَالنَّفْسِ وَفَرَّقَ الْبَاجِيُّ بَيْنَ الْجُرْحِ وَالنَّفْسِ عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ بِأَنَّ الْجَارِحَ يُرِيدُ اسْتِيفَاءَ الْمَالِ لِنَفْسِهِ وَالْقَاتِلُ إنَّمَا يَتْرُكُ الْمَالَ لِغَيْرِهِ فَهُوَ مَضَارُّ بِامْتِنَاعِهِ مِنْ الدِّيَةِ انْتَهَى. وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ النَّاسِ وَارِثُهُ أَعَزُّ عِنْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
[تَنْبِيه جَرَحَ الْعَبْدُ مِثْلَهُ أَوْ قَتَلَهُ]
(تَنْبِيهٌ) يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا مَا إذَا جَرَحَ الْعَبْدُ عَبْدًا مِثْلَهُ أَوْ قَتَلَهُ فَإِنَّ لِسَيِّدِ الْمَجْرُوحِ أَوْ الْمَقْتُولِ أَنْ يَقْتَصَّ لَهُ وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَخْذَ الْعَبْدِ الْجَانِي فَإِنْ اخْتَارَ الْقِصَاصَ فَلَا إشْكَالَ وَإِنْ اسْتَحْيَا الْعَبْدُ الْجَانِي خُيِّرَ سَيِّدُهُ فِي فِدَائِهِ بِدِيَةِ الْحُرِّ أَوْ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ وَفِي إسْلَامِهِ وَفِي الْجِرَاحِ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَهُ أَوْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِ ذَلِكَ الْجُرْحِ إنْ كَانَ لَهُ أَرْشٌ مُسَمًّى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْشٌ مُسَمًّى فَإِنْ حَصَلَ عَنْهُ عَيْبٌ خُيِّرَ بَيْنَ إسْلَامِهِ وَفِدَائِهِ بِمَا يُوجِبُهُ ذَلِكَ الْعَيْبُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلُ عَيْبٌ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْقِصَاصُ إنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَبْدًا وَإِنْ كَانَ حُرًّا فَلَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا الْأَدَبُ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا نَاقِصًا جَرَحَ كَامِلًا.
(تَنْبِيهٌ) فَإِذَا جَرَحَ عَبْدٌ عَبْدًا وَبَرِيءَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ سَيِّدُهُ فَإِنَّهُ يُدْعَى الْجَارِحُ فَيُقَالُ: صِفْ الْجُرْحَ وَاحْلِفْ عَلَى مَا ذَكَرْت فَإِنْ امْتَنَعَ فَانْظُرْ هَلْ يُقَالُ لِلسَّيِّدِ صِفْ الْجُرْحَ وَاحْلِفْ عَلَيْهِ سَوَاءً أَرَادَ الْقِصَاصَ أَوْ أَرَادَ أَخْذَ الْأَرْشِ أَوْ يُفَصَّلُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَ الْقِصَاصَ قِيلَ لِلْعَبْدِ صِفْ الْجُرْحَ وَاقْتَصَّ وَإِنْ أَرَادَ الْأَرْشَ قِيلَ لِلسَّيِّدِ صِفْ الْجُرْحَ وَاحْلِفْ عَلَيْهِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا إذَا قَامَ لِلْعَبْدِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ بِالْجُرْحِ فَهَلْ يَحْلِفُ السَّيِّدُ مَعَهُ مُطْلَقًا سَوَاءً أَرَادَ الْقِصَاصَ أَوْ الْأَرْشَ قَالَ فِي
[ ٦ / ٢٣٤ ]
الْمُقَدِّمَاتِ فِي كِتَابِ جِنَايَاتِ الْعَبْدِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ أَوْ يُفَصَّلُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَالْمُغِيرَةِ انْتَهَى.
وَسُئِلْت عَنْ ذَلِكَ فِي عَبْدَيْنِ ضَرَبَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِعَصَا عَلَى حَاجِبِ عَيْنِهِ فَشَجَّهُ وَأَسَالَ دَمَهُ بِجُرْحِ الْعَصَا فَضَرَبَهُ الْآخَرُ بِجَنْبَيْهِ تَحْتَ ثَدْيِهِ فَهَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقِصَاصُ مِنْ جَارِحِهِ أَمْ لَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ إلَّا الْأَرْشُ أَمْ يَجِبُ الْأَرْشُ فِي جُرْحِ الْعَصَا وَالْقِصَاصُ فِي جُرْحِ الْآخَرِ؟ وَإِذَا انْدَمَلَ الْجُرْحَانِ قَبْلَ الْقِصَاصِ وَلَمْ يَجِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ سَيِّدِ الْعَبْدَيْنِ بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِمِقْدَارِ عَرْضِ جُرْحِ عَبْدِهِ فَمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؟ وَهَلْ يَجِبُ بِالدَّعْوَى فِي الْجِرَاحَةِ أَنْ يُعَيَّنَ عَرْضُهَا وَقَدْرُهَا أَمْ لَا؟ فَأَجَبْت لِسَيِّدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ جَارِحِ عَبْدِهِ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَبْدَ الْجَارِحَ لِعَبْدِهِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ سَيِّدُهُ بِأَرْشِ ذَلِكَ الْجُرْحِ إنْ كَانَ لَهُ أَرْشٌ مُسَمًّى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْشٌ مُسَمًّى فَإِنْ بَرِيءَ الْجُرْحُ عَلَى شَيْنٍ فَمَا نَقَصَهُ ذَلِكَ الشَّيْنُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْنٌ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الْقِصَاصُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْجُرْحُ بِعَصَا أَوْ بِغَيْرِهَا وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا لَا قِصَاصَ فِي ضَرْبَةِ الْعَصَا إنَّمَا يُرِيدُونَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْهَا جُرْحٌ وَإِذَا انْدَمَلَ الْجُرْحَانِ قَبْلَ الْقِصَاصِ وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَشْهَدْ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْجَارِحِ صِفْ قَدْرَ الْجُرْحِ الَّذِي جَرَحْته وَغَوْرَهُ وَاحْلِفْ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُك غَيْرُهُ فَإِنْ أَبَى لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُنْظَرُ فَإِنْ أَرَادَ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَجْرُوحِ الْأَرْشَ قِيلَ لَهُ صِفْ الْجُرْحَ وَاحْلِفْ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُك غَيْرُهُ وَإِنْ أَرَادَ الْقِصَاصَ فَيُخْتَلَفُ فِيهِ هَلْ يَحْلِفُ هُوَ أَوْ يَحْلِفُ الْعَبْدُ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إذَا قَامَ لِلْعَبْدِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ بِالْجُرْحِ فَإِنْ امْتَنَعَا مِنْ الْحَلِفِ لَمْ يَجِبْ مِنْ الْجِرَاحِ إلَّا مَا لَا يُشَكُّ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْجُرْحِ وَلَمْ تَعْرِفْ قَدْرَهُ أَوْ اسْمَهُ أَوْ كَتَبَتْهُ فِي وَرَقَةٍ وَضَاعَتْ]
(فَرْعٌ) فَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْجُرْحِ وَلَمْ تَعْرِفْ قَدْرَهُ أَوْ اسْمَهُ أَوْ كَتَبْته فِي وَرَقَةٍ وَضَاعَتْ فَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةٍ: مَنْ يَسْتَقِيدُ لِلْمَجْرُوحِ؟ وَكَيْفَ يُقَادُ مِنْ الْجِرَاحِ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ؟ قَالَ أَشْهَبُ وَإِذَا جَرَحَهُ مُوضِحَةً وَعَلَيْهِ بَيِّنَةٌ لَا يُدْرَى كَمْ طُولُهَا فَقَدْ ثَبَتَ لَهُ مُوضِحَةٌ وَلَيْسَ فِي الْعَمْدِ إلَّا الْقَوَدُ فَلْيُوقَفْ الشُّهُودُ عَلَى أَقَلِّ مُوضِحَةٍ فَإِنْ وَقَفُوا عِنْدَهُ لَمْ يُجَاوِزْهُ وَحُلِّفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلَى مَا فَوْقَ ذَلِكَ وَقِيدَ مِنْهُ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ حُلِّفَ الْآخَرُ وَاسْتَقَادَ مَا ادَّعَى. قَالَ سَحْنُونٌ فِيمَنْ جَرَحَ رَجُلًا عَمْدًا وَلَمْ يُؤْخَذْ قِيَاسُ الْجُرْحِ حَتَّى بَرِيءَ فَلِيُدْعَ الْجَارِحُ فَيُوصَفُ قَدْرُ ضَرْبَتِهِ وَأَيْنَ بَلَغَتْ وَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَيُقْتَصُّ مِنْهُ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَصِفْ وَأَبَى قِيلَ لِلْمَجْرُوحِ صِفْ ذَلِكَ وَاحْلِفْ فَيَحْلِفُ وَيُقْتَصُّ لَهُ مِنْهُ وَإِنْ أَبَى نُظِرَ إلَى مَا لَا يُشَكُّ فَاقْتُصَّ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْرُوحِ عَمْدًا يَكْتُبُ قِيَاسَ جُرْحِهِ حَتَّى يَبْرَأَ فَيَذْهَبَ الْكِتَابُ وَلَا تُثْبِتُ الْبَيِّنَةُ طُولَهُ وَغَوْرَهُ وَقَدْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ عَيْبٌ أَوْ شَلَلٌ فَلْيَسْتَنْزِلْ الْبَيِّنَةَ مِنْ مَعْرِفَةِ الْجُرْحِ إلَى مَا لَا يَشُكُّونَ فِيهِ فَإِنْ ثَبَتُوا عَلَى أَمْرٍ اقْتَصَّ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ فَإِنْ عَابَهُ أَوْ أَشَلَّهُ كَالْأَوَّلِ وَإِلَّا عَقَلَ لَهُ الْعَيْبَ وَالشَّلَلَ قِيلَ أَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الَّذِي عَقَلَ جُرْحَهُ وَعَرَفَ طُولَ غَوْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ غَوْرَهُ؟ قَالَ نَعَمْ مَعَ يَمِينِهِ انْتَهَى. وَانْظُرْ كِتَابَ الشَّهَادَاتِ فَفِيهِ بَعْضُ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا
ص (وَلَوْ قَالَ إنْ قَتَلْتَنِي أَبْرَأْتُك)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَوْ قَالَ لِلْقَاتِلِ إنْ قَتَلْتَنِي أَبْرَأْتُك أَوْ قَدْ وَهَبْت
[ ٦ / ٢٣٥ ]
لَك دَمِي فَقَوْلَانِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَحْسَنُهُمَا أَنْ يُقْتَلَ بِخِلَافِ عَفْوِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ فَلَوْ أَذِنَ فِي قَطْعِ يَدِهِ عُوقِبَ وَلَا قِصَاصَ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ هَذَا الَّذِي نَسَبَهُ الْمُؤَلِّفُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَذَكَرَ فِي الْجَوَاهِرِ أَنَّ أَبَا زَيْدٍ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ فِي الْعُتْبِيَّة لِسَحْنُونٍ وَذَكَرَ لَفْظَ الْعُتْبِيَّة ثُمَّ قَالَ وَزَادَ فِي الْبَيَانِ ثَالِثًا فَنَفَى الْقِصَاصَ لِشُبْهَةِ عَفْوِ الْقِصَاصِ مِنْ الْمَقْتُولِ وَتَكُونُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ قَالَ وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ لَفْظَ الْعُتْبِيَّة وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُ لَفْظِ سَحْنُونٍ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الصَّقَلِّيِّ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ سَحْنُونٍ نَفْيَ الْقِصَاصِ خِلَافَ اخْتِيَارِهِ فِي الْعُتْبِيَّة وَنَصَّهُ. قَالَ الصَّقَلِّيُّ فِي كِتَابِ الْجَعْلِ وَالْإِجَارَةِ وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْهُ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ اُقْتُلْنِي وَلَك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَتَلَهُ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَيُضْرَبُ مِائَةً وَيُحْبَسُ عَامًا وَلَا جَعْلَ لَهُ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ: لِلْأَوْلِيَاءِ قَتْلُهُ.
قَالَ وَلَوْ قَالَ اُقْتُلْ عَبْدِي وَلَك كَذَا أَوْ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَقَتَلَهُ ضُرِبَ مِائَةً وَحُبِسَ وَكَذَا السَّيِّدُ يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ. وَاخْتُلِفَ هَلْ تَكُونُ عَلَى الْقَاتِلِ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَمْ لَا؟ فَالصَّوَابُ لَا قِيمَةَ لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ أَحْرِقْ ثَوْبِي فَفَعَلَ فَلَا غُرْمَ. الشَّيْخُ رَوَى ابْنُ عَبْدُوسٍ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ اقْطَعْ يَدِي أَوْ يَدَ عَبْدِي عُوقِبَ الْمَأْمُورُ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ. ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ يَغْرَمُ قِيمَةَ الْعَبْدِ لِحُرْمَةِ الْقَتْلِ كَمَا تَلْزَمُهُ دِيَةُ الْحُرِّ إذَا قَتَلَهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ انْتَهَى. وَفِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْجِنَايَاتِ قِيلَ لِسَحْنُونٍ أَصْبَغُ يَقُولُ يَغْرَمُ قَاتِلُ الْعَبْدِ بِأَمْرِ سَيِّدِهِ قِيمَتَهُ فَقَالَ لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ لَا قِيمَةَ عَلَى الْقَاتِلِ لِأَنَّ صَاحِبَهُ عَرَّضَهُ لِلتَّلَفِ وَالْعَبْدُ مَالٌ مِنْ الْأَمْوَالِ وَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَتْلَفَهَا بِإِذْنِ رَبِّهَا شَيْءٌ وَيُضْرَبُ الْقَاتِلُ مِائَةً وَيُسْجَنُ وَيُؤَدَّبُ الْآمِرُ أَدَبًا مُوجِعًا ابْنُ رُشْدٍ لِأَصْبَغَ فِي الْوَاضِحَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ هُنَا إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا أَغْرَمْته لِحُرْمَتِهِ عَلَى قَوْلِهِ وَقَالَ يُضْرَبُ السَّيِّدُ وَالْقَاتِلُ مِائَةَ سَوْطٍ وَيُسْجَنَانِ عَامًا وَقَوْلُ أَصْبَغَ فِي الْوَاضِحَةِ إنَّمَا أُغَرِّمُهُ الْقِيمَةَ لِحُرْمَتِهِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ إغْرَامَهُ الْقِيمَةَ لِحُرْمَتِهِ لَيْسَ عَلَى قَوْلِهِ إنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْعُقُوبَةِ بِالْأَمْوَالِ وَإِذَا عُوقِبَ الْقَاتِلُ بِغُرْمِ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غُرْمُهُ فَالسَّيِّدُ أَحَقُّ أَنْ لَا يُعْطِيَ الْقِيمَةَ لِحُرْمَتِهِ بِالْأَمْرِ بِقَتْلِ عَبْدِهِ وَلَوْ قَالَ أَصْبَغُ إنَّمَا أُغَرِّمُهُ الْقِيمَةَ لِإِسْقَاطِ سَيِّدِ الْعَبْدِ إيَّاهَا عَنْهُ قَبْلَ وُجُوبِهَا لَهُ عَلَيْهِ إذْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ قَتْلِ الْعَبْدِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ لِأَنَّ لُزُومَ إسْقَاطِ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُوبِهِ أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ انْتَهَى.
ص (وَقَتْلُ الْأَدْنَى بِالْأَعْلَى كَحُرٍّ كِتَابِيٍّ بِعَبْدٍ مُسْلِمٍ)
ش: لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَعْلَى حُرْمَةً وَأَعْظَمُ مِنْ الْحُرِّيَّةِ كَانَ مَنْ انْفَرَدَ بِهِ مِنْ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ هُوَ الْأَعْلَى وَلَمَّا قَدَّمَ الْمُؤَلِّفُ - ﵀ - أَنْ كَوْنَ الْقَاتِلِ زَائِدًا عَلَى الْمَقْتُولِ بِالْحُرِّيَّةِ أَوْ الْإِسْلَامِ مَانِعًا نَبَّهَ عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْقَاتِلِ أَدْنَى مِنْ الْمَقْتُولِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصُ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَدْنَى إذَا قَتَلَ الْأَعْلَى فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ ثُمَّ مَثَّلَ ذَلِكَ بِفَرْعٍ يَتَرَدَّدُ فِيهِ النَّظَرُ وَهُوَ إذَا قَتَلَ الْحُرُّ الْكِتَابِيُّ عَبْدًا مُسْلِمًا فَاخْتُلِفَ هَلْ يُقْتَلُ الْحُرُّ الْكِتَابِيُّ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ لَا يُقْتَلُ بِهِ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِأَنَّهُ كَسِلْعَةٍ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمٍ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي نَصْرَانِيٍّ حُرٍّ قَتَلَ عَبْدًا مُسْلِمًا عَمْدًا قَالَ أَرَى أَنْ يُقْتَلَ بِهِ وَقَالَ سَحْنُونٌ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَهُوَ كَسِلْعَةٍ مِنْ السِّلَعِ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ وَأَرَى أَنْ يُقْتَلَ بِهِ مَعْنَاهُ إنْ أَرَادَ سَيِّدُ الْعَبْدِ أَنْ يَسْتَقِيدَ مِنْ الْكِتَابِيِّ وَأَمَّا إنْ أَرَادَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ عَبْدِهِ وَلَا يَقْتُلَهُ بِهِ فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ بِهِ فَقِيلَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اتِّبَاعِ مَا فِي الْقُرْآنِ وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ لَهُ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى ثُمَّ اسْتَظْهَرَ الْقَوْلَ الثَّانِي وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَبِلَهُ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيُقْتَلُ الْحُرُّ الذِّمِّيُّ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَالْقِيمَةُ هُنَا كَالدِّيَةِ وَنَصُّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ وَالْقِيمَةُ هُنَا كَالدِّيَةِ إلَى أَنَّ سَيِّدَ الْعَبْدِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمَ الذِّمِّيَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ لَجَرَى عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ
[ ٦ / ٢٣٦ ]
وَأَشْهَبَ فِي الدِّيَةِ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ إلَّا قَتْلُ الذِّمِّيِّ أَوْ يَعْفُو وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُ قِيمَةَ الْعَبْدِ وَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ يَكُونُ لِلسَّيِّدِ هُنَا أَنْ يُلْزِمَ الْحُرَّ الْقِيمَةَ انْتَهَى. وَأَصْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّهُ إذَا جَرَحَ عَبْدٌ عَبْدًا أَوْ قَتَلَهُ أَنَّ سَيِّدَ الْمَجْرُوحِ أَوْ الْمَقْتُولِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَسْتَقِيدَ أَوْ يَأْخُذَ الْأَرْشَ كَمَا سَيَأْتِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ الذِّمِّيُّ بَدَلَ الْكِتَابِيِّ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ كَانَ أَحْسَنَ وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ حَيْثُ جَعَلَ الْحُرَّ الْكِتَابِيَّ أَدْنَى مِنْ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ إذَا قَتَلَ الْحُرَّ الْكِتَابِيَّ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَسَيِّدُ الْعَبْدِ مُخَيَّرٌ فِي افْتِكَاكِهِ بِالدِّيَةِ أَوْ إسْلَامِهِ فَيُبَاعُ لِأَوْلِيَائِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ أَنَّهُ يُبَاعُ بِدِيَةِ الْحُرِّ الذِّمِّيِّ وَيُبَاعُ لِأَوْلِيَاءِ الذِّمِّيِّ لِعَدَمِ جَوَازِ مِلْكِ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا بِيعَ يُدْفَعُ جَمِيعُ الثَّمَنِ لِأَوْلِيَاءِ الذِّمِّيِّ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ دِيَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَهُ مَالِكٌ وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ فَضُلَ فَضْلٌ فَلِسَيِّدِهِ أَصْبَغُ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ انْتَهَى مِنْ التَّوْضِيحِ.
ص (وَالْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ)
ش: ابْنُ عَرَفَةَ رَوَى عَلَى قَتْلِ الْيَهُودِيِّ بِالْمَجُوسِيِّ وَنَقْصُ الدِّيَةِ لَغْوٌ كَالرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ انْتَهَى.
ص (كَذَوِي الرِّقِّ)
ش: قَالَ فِي كِتَابِ جِنَايَاتِ الْعَبِيدِ وَالْقِصَاصُ بَيْنَ الْمُلَّاكِ بَيْنَهُمْ كَهَيْئَتِهِ فِي الْأَحْرَارِ بِنَفْسِ الْأَمَةِ بِنَفْسِ الْعَبْدِ وَجُرْحِهَا كَجُرْحِهِ يُخَيَّرُ سَيِّدُ الْمَجْرُوحِ إنْ شَاءَ اسْتَقَادَ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْعَقْلَ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ إلَيْهِ الْجَانِي سَيِّدُهُ وَإِنْ جَرَحَ عَبْدٌ عَبْدًا عَمْدًا. فَقَالَ سَيِّدُ الْمَجْرُوحِ: لَا أَقْتَصُّ وَلَكِنْ آخُذُ الْعَبْدَ الْجَارِحَ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ سَيِّدُهُ بِالْأَرْشِ. وَقَالَ سَيِّدُ الْجَارِحِ: إمَّا أَنْ تَقْتَصَّ أَوْ تَدَعَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ سَيِّدِ الْمَجْرُوحِ وَكَذَلِكَ فِي الْقَتْلِ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ لِأَنَّ نَفْسَ الْقَاتِلِ قَدْ وَجَبَتْ لِسَيِّدِ الْمَقْتُولِ فَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ أَوْ أَحْيَاهُ فَإِنْ أَحْيَاهُ صَارَ عَمْدُهُ كَالْخَطَإِ فَيَرْجِعُ الْخِيَارُ إلَى سَيِّدِهِ بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَهُ أَوْ يَفْدِيَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْحُرِّ يَقْتُلُ حُرًّا فَيُعْفَى عَنْهُ عَلَى الدِّيَةِ فَيَأْبَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعَبْدَ سِلْعَةٌ تُمْلَكُ فَلَمَّا جَازَ قَتْلُهُ وَإِتْلَافُهُ عَلَى سَيِّدِهِ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ وَخُرُوجُهُ عَنْ مِلْكِهِ وَالْحُرُّ لَا يُمْلَكُ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ مَالِهِ إلَّا بِطَوْعِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَقُولُ أُؤَدِّي قِصَاصِي وَأُبْقِي مَالِي لِوَرَثَتِي وَالْعَبْدُ لَا حُكْمَ لَهُ فِي نَفْسِهِ وَلَا حُجَّةَ لِسَيِّدِهِ لِأَنَّ قَتْلَهُ عَلَيْهِ وَأَخْذَهُ سَوَاءٌ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ الْأَرْشَ فَلَا حُجَّةَ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ لِأَنَّهُمْ رَفَعُوا عَنْهُ الْقَوَدَ فَصَارَ فِعْلُهُ كَالْخَطَأِ وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ فِي الْحُرِّ لِأَنَّهُ تَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَهِيَ لَا تَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ فَأَمْرُهُمَا مُفْتَرِقٌ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) إذَا كَانَ السَّيِّدُ عَبْدًا وَقَتَلَ عَبْدَهُ فَفِي الْقِصَاصِ قَوْلَانِ نَقَلَهُمَا ابْنُ سَلْمُونٍ ثُمَّ قَالَ وَفِي الزَّاهِي لِابْنِ شَعْبَانَ وَمَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا انْتَهَى.
ص (وَإِنْ قَتَلَ عَبْدٌ عَمْدًا بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَسَامَةٍ)
ش: احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ قَسَامَةٍ مِنْ إقْرَارِ الْعَبْدِ بِذَلِكَ فَإِنَّ الْحُكْمَ حِينَئِذٍ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصَّهُ. وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ أَنَّهُ قَتَلَ حُرًّا عَمْدًا فَلِوَلِيِّهِ الْقِصَاصُ فَإِنْ عَفَا عَلَى أَنْ يَسْتَحْيِيَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَهُ مُعَاوَدَةُ الْقَتْلِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ انْتَهَى. أَبُو الْحَسَنِ قَالَ أَبُو عِمْرَانَ وَأَمَّا إنْ كَانَ عَالَمًا أَنَّهُ عَفَا إنْ قَتَلَ الْعَبْدَ يَبْطُلُ فَلَا قَتْلَ لَهُ انْتَهَى. وَقَبْلُهُ بِيَسِيرٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَا أَقَرَّ الْعَبْدُ بِهِ مِمَّا يَلْزَمُهُ فِي جَسَدِهِ مِنْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ إقْرَارُهُ. قَالَ ابْنُ زِيَادٍ إذَا أَقَرَّ طَائِعًا غَيْرَ مُسْتَرْهَبٍ وَمَا آلَ إلَى غُرْمٍ عَلَى سَيِّدِهِ فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى فِعْلِهِ مِثْلُ إقْرَارِهِ بِغَصْبِ أَمَةٍ أَوْ حُرَّةٍ نَفْسِهَا وَلَمْ تَكُنْ مُتَعَلِّقَةً بِهِ بِجُرْحٍ أَوْ بِقَتْلٍ أَوْ خَطَإٍ أَوْ بِاخْتِلَاسِ مَالٍ أَوْ اسْتِهْلَاكِهِ أَوْ سَرِقَةٍ لَا قَطْعَ فِيهَا وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ فَلَا يَصَدَّقُ وَلَا يُتْبَعُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذَا عَتَقَ انْتَهَى. وَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ
[ ٦ / ٢٣٧ ]
فِي جَوَابِ دَعْوَى الْقِصَاصِ عَلَى الْعَبْدِ وَدَعْوَى الْأَرْشِ عَلَى السَّيِّدِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ مُخْتَصَرِهِ وَحَاصِلُهُ كَمَا قَالَ فِي الرِّسَالَةِ وَإِقْرَارُ الْعَبْدِ فِيمَا يَلْزَمُهُ فِي بَدَنِهِ مِنْ حَدٍّ أَوْ قَطْعٍ يَلْزَمُهُ وَمَا كَانَ فِي رَقَبَتِهِ فَلَا إقْرَارَ لَهُ يُرِيدُ إلَّا الْمَأْذُونَ فَإِنَّ إقْرَارَهُ فِي مَالِهِ جَائِزٌ اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ أَوَّلُ الْإِقْرَارِ وَالشَّيْخَ أَبَا الْحَسَنِ الصَّغِيرَ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ جَنَى الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. أَبُو الْحَسَنِ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهِ بِالْأَصَالَةِ فَلَا يُقَالُ يَكُونُ لَهُ رَهْنًا بِالْجِنَايَةِ لِأَنَّهُ تَحْصِيلُ حَاصِلٍ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ وَعَلَى أَجْنَبِيٍّ فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ فِي أَنْ يَفْتِكَهُ كُلَّهُ بِدِيَةِ جِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ وَبَيْنَ إسْلَامِهِ كُلِّهِ فِي جِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ وَلَا يُقَاصُّهُ بِجِنَايَتِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ وَقَاسَ عَلَيْهِ أَشْهَبُ عَبْدَ الْمَرْأَةِ ذَاتِ الزَّوْجِ يَضْرِبُ بَطْنَهَا وَهِيَ حَامِلٌ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا. أَنَّ الْمَرْأَةَ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ أَنْ تَدْفَعَ إلَى زَوْجِهَا مَا يُصِيبُهُ مِنْ دِيَةِ الْجَنِينِ وَتَحْبِسُ الْعَبْدَ وَبَيْنَ أَنْ تَدْفَعَ جَمِيعَ الْعَبْدِ.
قَالَ: وَلَا شَيْءَ لَهَا مِنْ الْعَبْدِ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ عَلَى سَيِّدَتِهِ كَجِنَايَتِهِ عَلَى سَيِّدِهِ وَعَلَى أَجْنَبِيٍّ مَعَهُ انْتَهَى.
ص (خُيِّرَ الْوَلِيُّ)
ش: يَعْنِي يُخَيَّرُ الْوَلِيُّ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَ الْعَبْدَ أَوْ يَسْتَحْيِيَهُ فَإِنْ اخْتَارَ الْعَبْدُ الْقَتْلَ فَلَهُ ذَلِكَ وَإِنْ اسْتَحْيَاهُ خُيِّرَ سَيِّدُهُ فِي إسْلَامِهِ أَوْ فِدَائِهِ فَإِنْ اخْتَارَ سَيِّدُهُ فِدَاءَهُ فَإِنَّهُ يَفْدِيه بِدِيَةِ الْحُرِّ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ جِنَايَاتِ الْعَبِيدِ مِنْهَا وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ وَهَذَا الْكَلَامُ لَا إشْكَالَ فِيهِ عَلَى أَصْلِ أَشْهَبَ فِي الْحُرِّ يَقْتُلُ الْحُرَّ أَنَّ لِوُلَاةِ الدَّمِ أَنْ يَقْتُلُوهُ أَوْ يُلْزِمُوهُ الدِّيَةَ وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ الَّذِي يَقُولُ لَيْسَ لَهُمْ عَلَى الْقَاتِلِ إلَّا الْقَتْلُ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُلْزِمُوهُ الدِّيَةَ فَقَدْ يُفَرَّقُ لَهُ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي مَسْأَلَةِ الْحُرِّ هُوَ الْقَاتِلُ لِنَفْسِهِ وَلَهُ فِي التَّمَسُّكِ بِمَالِهِ غَرَضُ إرَادَةِ غِنَى وَرَثَتِهِ بَعْدَهُ وَالْمَطْلُوبُ هُنَا غَيْرُ الْقَاتِلِ وَهُوَ السَّيِّدُ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ يَخْتَارُهُمَا وَلِيُّ الدَّمِ بَلْ لَهُ إنْ اخْتَارَ الْوَلِيُّ الِاسْتِحْيَاءَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِمَّا هُوَ أَخَفُّ إنْ شَاءَ سَلَّمَ الْعَبْد وَإِنَّ شَاءَ دَفَعَ دِيَتَهُ انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَجَعَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ تَخْيِيرَ وَلِيِّ قَتِيلِ الْعَبْدِ فِي قَتْلِهِ وَاسْتِحْيَائِهِ جَارِيًا عَلَى أَصْلِ أَشْهَبَ فِي جَبْرِ الْحُرِّ عَلَى الدِّيَةِ غَيْرَ جَارٍ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهِ وَأَجَابَ بِأَنَّ جَبْرَ الْحُرِّ عَلَى الدِّيَةِ يَضُرُّ بِهِ لِأَنَّ لَهُ وَارِثًا قَدْ يُرَجِّحُ مَصْلَحَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَالْمَطْلُوبُ فِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ غَيْرُ الْقَاتِلِ وَهُوَ السَّيِّدُ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ يَخْتَارُهُمَا الْوَلِيُّ انْتَهَى.
(قُلْت) قَوْلُهُ الْمَطْلُوبُ فِي مَسْأَلَة الْعَبْدِ غَيْرُ صَحِيحٍ ضَرُورَةً إذْ لَا طَلَبَ عَلَيْهِ بِحَالٍ فَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الْحُرَّ يُجْبَرُ عَلَى أَمْرٍ يَتَكَلَّفُهُ وَهُوَ الدِّيَةُ وَالْعَبْدُ لَا يُكَلَّفُ بِشَيْءٍ وَبِأَنَّ لِلْوَلِيِّ حُجَّةٌ فِي الْعَبْدِ وَهُوَ أَنَفَتُهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي دَمِ وَلِيِّهِ دَمَ عَبْدٍ وَهُوَ لَا يُكَافِئُهُ انْتَهَى.
أَمَّا تَفْرِقَةُ ابْنِ عَرَفَةَ الْأُولَى فَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بَعْدَ حَذْفِهِ مِنْهُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى الْقَاتِلُ وَفِي الثَّانِيَةِ غَيْرُ الْقَاتِلِ وَهُوَ السَّيِّدُ وَرُدَّ عَلَى ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي كَلَامِهِ هَذَا إنَّمَا يَصِحُّ إذَا فُهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ (الْمَطْلُوبُ) الْمَطْلُوبُ بِالدَّمِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ لَمْ يُرِدْ هَذَا لِوُضُوحِهِ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ سَقَطَ الْقَوَدُ وَإِنَّمَا عَنَى بِالْمَطْلُوبِ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ الْمَالُ فَهُوَ فِي مَسْأَلَةِ الْحُرِّ الْقَاتِلُ وَفِي مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ السَّيِّدُ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِإِسْلَامِ الْعَبْدِ أَوْ فِدَائِهِ وَهُوَ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ لِأَنَّ إسْلَامَهُ لِوَلِيِّ الدَّمِ مِلْكًا مُسَاوٍ لِقَتْلِهِ وَهُوَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ ابْنِ يُونُسَ عِنْدَ قَوْلِهِ كَذِي الرِّقِّ فَرَاجِعْهُ.
وَتَفْرِقَةُ ابْنِ عَرَفَةَ الثَّانِيَةُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَصِحُّ لَوْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ أَيْ تَخْيِيرُ الْوَلِيِّ خَاصًّا بِمَا إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ حُرًّا وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْحُكْمَ عَامٌ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ قَتْلِ الْعَبْدِ عَمْدًا وَاخْتُلِفَ هَلْ تَكُونُ الدِّيَةُ حَالَّةً أَوْ مُؤَجَّلَةً]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُنَا فِي قَتْلِ الْعَبْدِ عَمْدًا وَاخْتُلِفَ هَلْ تَكُونُ الدِّيَةُ حَالَّةً أَوْ مُؤَجَّلَةً وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَسْأَلَةَ اصْطِدَامِ الْعَبْدِ مَعَ الْحُرِّ تَدُلُّ عَلَى
[ ٦ / ٢٣٨ ]
الْحُلُولِ انْتَهَى. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَوْ اصْطَدَمَ حُرٌّ وَعَبْدٌ فَثَمَنُ الْعَبْدِ فِي مَالِ الْحُرِّ وَدِيَةُ الْحُرِّ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمُرَادُ بِالثَّمَنِ الْقِيمَةُ لَكِنْ تَبِعَ الْمُؤَلِّفُ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ يَعْنِي إنْ مَاتَا فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ كَانَ الزَّائِدُ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ فِي مَالِ الْحُرِّ وَإِنْ كَانَتْ دِيَةُ الْحُرِّ أَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ عَلَى السَّيِّدِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ مُحَمَّدٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ مَالٌ فَيَكُونَ بَقِيَّةُ الْعَقْلِ فِي مَالِهِ وَأَخَذَ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ هُنَا أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ أَنَّهَا عَلَى الْحُلُولِ لِأَنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ فِي مَالِ الْحُرِّ حَالَّةٌ فَلَمَّا قَالَ يَتَقَاصَّانِ وَلَمْ يَقُلْ يَأْخُذُهَا وَيُؤَدِّي السَّيِّدُ الدِّيَةَ الَّتِي جَنَاهَا عَبْدُهُ مُنَجَّمَةً دَلَّ عَلَى أَنَّهَا حَالَّةٌ وَقَالَ أَصْبَغُ بِخِلَافِ هَذَا وَهُوَ أَنَّ سَيِّدَ الْعَبْدِ يُخَيَّرُ فِي جِنَايَتِهِ عَلَى الْحُرِّ خَطَأٌ بَيِّنٌ أَنْ يُسْلِمَهُ أَوْ يَفْدِيَهُ بِهَا مُنَجَّمَةً انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالرَّجْرَاجِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ جَرَحَهُ عَبْدٌ ثُمَّ أَبَقَ فَقَالَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ إمَّا أَنْ تَدْفَعَ الدِّيَة أَوْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْعَبْدَ]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْجِنَايَاتِ وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدٍ جَرَحَ رَجُلًا ثُمَّ أَبَقَ فَقَالَ الْمَجْرُوحُ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ: إمَّا أَنْ تَدْفَعَ إلَيَّ قِيمَةَ جُرْحِي وَإِمَّا أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْعَبْدِ أَطْلُبُهُ فَإِنْ وَجَدْته فَهُوَ لِي. قَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ هَذِهِ مُخَاطَرَةٌ إنْ وَجَدَهُ غَيْرُ صَاحِبِهِ وَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ الْجُرْحِ لَمْ يَدْرِ لَعَلَّ الْعَبْدَ قَدْ مَاتَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ. وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا قَالَهُ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَ لِأَنَّ الْعُذْرَ فِيهِ بَيِّنٌ وَالْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِ أَنْ يُرْجَأَ الْأَمْرُ إلَى أَنْ يُوجَدَ الْعَبْدُ فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَقْتَضِي صِحَّةَ قَوْلِ أَصْبَغَ فِي مَسْأَلَة التَّفْلِيسِ اهـ. وَمَسْأَلَةُ التَّفْلِيسِ تَقَدَّمَتْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة الْعَبْدُ يَقْتُلُ الْحُرَّ عَمْدًا فَيُسْلَمُ إلَى وَلِيِّهِ فَيَسْتَحْيِيه أَيُبَاعُ عَلَيْهِ]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ فِي رَسْمِ الْعُشُورِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْجِنَايَاتِ وَسُئِلَ الْعَبْدُ يَقْتُلُ الْحُرَّ عَمْدًا فَيُسْلَمُ إلَى وَلِيِّهِ فَيَسْتَحْيِيه أَيُبَاعُ عَلَيْهِ قَالَ لَا إلَّا أَنْ يَخَافَ أَنْ يُمَثَّلَ بِهِ إنْ عَفَا عَنْهُ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ (مَسْأَلَةٌ) فَإِنْ قَتَلَ وَلِيُّ الدَّمِ الْعَبْدَ فَلَا إشْكَالَ أَنَّ مَالَهُ لِسَيِّدِهِ إنْ اسْتَحْيَاهُ فَإِنْ فَدَاهُ سَيِّدُهُ فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ وَإِنْ أَسْلَمَهُ فَهَلْ يَتْبَعُهُ مَالُهُ قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ فِيهِ قَوْلَانِ فِي الْعُتْبِيَّة وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا إنْ جَنَى عَلَى الْعَبْدِ بَعْدَ أَنْ جَنَى فَأَرْشُ جِنَايَتِهِ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إنْ أَسْلَمَهُ السَّيِّدُ اُنْظُرْ مَا فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ مِنْ الْبَيَانِ وَأَظُنُّهَا فِي سَمَاعِ يَحْيَى وَأَصْبَغَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة جَنَى الْعَبْدُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَلَزِمَ رَقَبَتَهُ]
(مَسْأَلَةٌ) وَإِذَا جَنَى الْعَبْدُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَلَزِمَ رَقَبَتَهُ فَالْمُخَيَّرُ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْجَانِي بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَهُ بِمَا اسْتَهْلَكَ أَوْ يَفْتِكَهُ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ فَصْلٌ فِي جِنَايَةِ الْعَبِيدِ عَلَى الْأَمْوَالِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُؤْتَمَنُوا عَلَيْهَا أَمْ لَا فَإِنْ ائْتُمِنُوا عَلَيْهَا بِعَارِيَّةٍ أَوْ كِرَاءٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ اسْتِعْمَالٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْتَهْلِكَهُ بِالْفَسَادِ وَالْهَلَاكِ وَالثَّانِي أَنْ يَسْتَهْلِكَهُ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ فَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ بِالْفَسَادِ وَالْهَلَاكِ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ فِي رَقَبَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَالثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَمَّا إنْ اسْتَهْلَكَهُ بِالِانْتِفَاعِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ ثَوْبًا فَيَتَعَدَّى عَلَيْهِ فَيَبِيعَهُ وَيَأْكُلَ ثَمَنَهُ أَوْ طَعَامًا فَيَأْكُلَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهَذَا لَا خِلَافَ أَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ لَا فِي رَقَبَتِهِ.
وَأَمَّا جِنَايَتُهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتَمَنُوا عَلَيْهِ فَذَلِكَ فِي رِقَابِهِمْ كَانَتْ لِحُرٍّ أَوْ لِعَبْدٍ يُخَيَّرُ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْجَانِي بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَهُ بِمَا اسْتَهْلَكَهُ مِنْ الْأَمْوَالِ أَوْ يَفْتِكَهُ بِذَلِكَ كَانَ مَا اسْتَهْلَكَهُ مِنْ الْأَمْوَالِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ إنْ كَانَ حُرًّا مَالِكًا لِنَفْسِهِ أَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ عَبْدًا مَحْجُورًا عَلَيْهِ أَوْ صَبِيًّا مُوَلَّى عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِ الْعَبْدِ أَوْ وَلِيِّ الْيَتِيمِ انْتَهَى. وَقَالَهُ الرَّجْرَاجِيُّ وَغَيْرُهُ وَزَادَ قَالَ ابْنُ حَارِثٍ فِي بَابِ أَحْكَامِ الْعَبْدِ مِنْ كِتَابِ أُصُولِ الْفُتْيَا لَهُ وَمِنْ حُكْمِ الْعَبْدِ فِي جِنَايَتِهِ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَى نَفْسٍ أَوْ عَلَى مَالٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَنْ يُخَيَّرَ السَّيِّدُ بَيْنَ أَنْ يَفْتِكَهُ مِنْ الْجِنَايَةِ وَيَبْقَى كَمَا كَانَ قَبْلَ الْجِنَايَةِ وَقَالَ فِي الْمُنْتَقَى فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ فِي قَضِيَّةِ الْمُزَنِيِّ لَمَّا سَرَقَ عَبِيدُ حَاطِبٍ نَاقَتَهُ وَنَحَرُوهَا وَأَغْرَمَ عُمَرُ - ﵁ - حَاطِبًا قِيمَتَهَا وَأَضْعَفَهَا مَا نَصَّهُ.
(مَسْأَلَةٌ) وَلَوْ كَانَ لِلْعَبِيدِ أَمْوَالٌ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ إنَّمَا يَكُونُ غُرْمُهَا فِي أَمْوَالِ الْعَبِيدِ لَوْ كَانَتْ لَهُمْ أَمْوَالٌ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ وَإِنَّمَا
[ ٦ / ٢٣٩ ]
يَكُونُ فِي رِقَابِهِمْ مَا كَانَ مِنْ سَرِقَةٍ لَا قَطْعَ فِيهَا فَيُخَيَّرُ السَّيِّدُ بَيْنَ إسْلَامِهِمْ أَوْ افْتِكَاكِهِمْ بِقِيمَتِهَا وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يُتْبَعُ فِي السَّرِقَةِ الَّتِي يُقْطَعُ فِيهَا فِي رِقِّهِ وَلَا عِتْقِهِ وَلَا فِيمَا بِيَدِهِ مِنْ مَالِهِ وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ إذَا لَمْ تُوجَدْ بِعَيْنِهَا لِأَنَّ مَالَهُ إنَّمَا صَارَ لَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ انْتَهَى.
ص (إنْ قَصَدَ ضَرْبًا)
ش: يَعْنِي قَصَدَ ضَرْبَ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ ضَرْبُهُ وَسَوَاءٌ قَصَدَ الشَّخْصَ الْمَضْرُوبَ نَفْسَهُ أَوْ قَصَدَ أَنْ يَضْرِبَ شَخْصًا عُدْوَانًا فَأَصَابَ غَيْرَهُ أَمَّا لَوْ قَصَدَ ضَرْبَ مَنْ يَحِلُّ لَهُ ضَرْبُهُ فَأَصَابَ غَيْرَهُ وَهُوَ خَطَأٌ قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ صِفَةِ الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَمَنْ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا يَظُنُّهُ غَيْرَهُ مِمَّنْ لَوْ قَتَلَهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِصَاصٌ فَهُوَ مِنْ الْخَطَإِ لَا قِصَاصَ فِيهِ وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ فِي مُسْلِمٍ قَتَلَهُ مُسْلِمُونَ بِعَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَظُنُّونَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَوَدَاهُ - ﵇ - وَلَمْ يُهْدِرْهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الرَّجْرَاجِيُّ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْقَتْلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ إذَا لَمْ يُعْهَدْ لِلْقَتْلِ وَلَا لِلضَّرْبِ مِثْلُ أَنْ يَرْمِيَ الشَّيْءَ فَيُصِيبَ بِهِ إنْسَانًا فَيَقْتُلَهُ أَوْ يَقْتُلَ الْمُسْلِمَ فِي حَرْبِ الْعَدُوِّ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَافِرٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهَذَا هُوَ قَتْلُ الْخَطَإِ بِإِجْمَاعٍ لَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَإِنَّمَا فِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ إنْ قَصَدَ ضَرْبًا يُرِيدُ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ لَا عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ وَالْأَدَبِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: فَإِنْ قَصَدَ الضَّرْبَ وَلَمْ يَقْصِدْ الْقَتْلَ وَكَانَ الضَّرْبُ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ الْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّ ذَلِكَ عَمْدٌ وَفِيهِ الْقِصَاصُ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَأَمَّا اللَّعِبُ فَفِي الْمُقَدِّمَاتِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَوَّلُهَا أَنَّهُ خَطَأٌ. قَالَ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الشَّامِلِ فَإِنْ كَانَ فِي لَعِبٍ فَخَطَأٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَثَالِثُهَا إنْ تَلَاعَبَا مَعًا فَكَذَلِكَ وَإِنْ ضَرَبَهُ وَلَمْ يُلَاعِبْهُ الْآخَرُ فَالْقَوَدُ انْتَهَى.
ص (قَصْدَ الضَّرَرِ وَهَلَكَ الْمَقْصُودُ وَإِلَّا فَالدِّيَةُ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّنْ تَقَدَّمَ لِقَصْدِ الضَّرَرِ لِمُعَيَّنٍ أَوْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ لِإِهْلَاكِ
[ ٦ / ٢٤٠ ]
سَارِقٍ أَوْ الدَّوَابِّ الَّتِي تَأْكُلُ زَرْعَهُ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إنْ فَعَلَهُ لِمُعَيَّنٍ وَهَلَكَ الْمَقْصُودُ فَفِيهِ الْقِصَاصُ وَقَوْلُهُ وَإِلَّا فَالدِّيَةُ شَامِلٌ لِلصُّورَتَيْنِ الْأُولَى أَنْ يَقْصِدَ ضَرَرَ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ فَيُهْلِكَ غَيْرَهُ. الثَّانِيَةُ لَا يَقْصِدُ شَخْصًا مُعَيَّنًا وَالْحُكْمُ فِي الصُّورَتَيْنِ سَوَاءٌ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَفِي التَّوْضِيحِ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ قَصَدَ الضَّرَرَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْصِدْ ضِرَارًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ قَالَ أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الزَّرْعُ فَتُغِيرُ فِيهِ دَوَابُّ النَّاسِ فَتُفْسِدُهُ فَيُرِيدُ صَاحِبُ الزَّرْعِ أَنْ يَحْفِرَ حَوْلَ زَرْعِهِ حَفِيرًا لِمَكَانِ الدَّوَابِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ إلَى أَصْحَابِهَا وَأَنْذَرَهُمْ فَيَحْفِرُ فَيَقَعُ بَعْضُ تِلْكَ الدَّوَابِّ فِي ذَلِكَ الْحَفِيرِ فَتَمُوتُ أَتَرَى عَلَيْهِ ضَمَانًا قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَوْ لَمْ يُنْذِرْهُمْ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْهِمْ. وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ مِنْ الْحَفِيرِ فِي أَرْضِهِ وَضَعَهُ تَحْصِينًا عَلَى زَرْعِهِ لَا لِإِتْلَافِ دَوَابِّ النَّاسِ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لِإِتْلَافِ دَوَابِّ النَّاسِ لَزِمَهُ الضَّمَانُ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يَصْنَعُ فِي دَارِهِ شَيْئًا لِيُتْلِفَ فِيهِ السَّارِقُ فَتَلِفَ فِيهِ السَّارِقُ أَوْ غَيْرُ السَّارِقِ أَنَّهُ ضَامِنٌ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي آخِرِ كِتَابِ الدِّيَاتِ قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ جَعَلَ فِي حَائِطِهِ حَفِيرًا لِسِبَاعٍ أَوْ حِبَالَةً لَمْ يَضْمَنْ مَا عَطِبَ بِذَلِكَ مِنْ سَارِقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ جَعَلَ فِي بَابِ جِنَانِهِ قَصَبًا يَدْخُلُ فِي رِجْلِ مَنْ يَدْخُلُهُ أَوْ اتَّخَذَ تَحْتَ عَتَبَتِهِ مَسَامِيرَ لِمَنْ يُدْخَلُ أَوْ رَشَّ فِنَاءً يُرِيدُ زَلَقَ مَنْ يَدْخُلُهُ مِنْ دَابَّةٍ أَوْ إنْسَانٍ أَوْ اتَّخَذَ فِيهِ كَلْبًا عَقُورًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا أُصِيبَ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ رَشَّ لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ مَنْ عَطِبَ فِيهِ كَحَافِرِ الْبِئْرِ فِي دَارِهِ لِحَاجَةٍ أَوْ لِإِرْصَادِ سَارِقٍ فَهُوَ مُفْتَرِقٌ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَحْفِرَهَا لِحَاجَتِهِ فَلَا يَضْمَنَ أَوْ يَرْصِدَ بِهَا السَّارِقَ فَيَضْمَنَ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَيُقْتَلُ الْجَمِيعُ بِوَاحِدٍ)
ش: وَلَوْ كَانَ الْمُبَاشِرُ لِلْقَتْلِ وَاحِدًا
[ ٦ / ٢٤١ ]
مِنْهُمْ أَوْ كَانَ عَيْنًا لَهُمْ وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ هَكَذَا نَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْهُ فِي التَّبْصِرَةِ وَانْظُرْ كِتَابَ الْمُحَارِبِينَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَشَرْحِهَا لِأَبِي الْحَسَنِ وَانْظُرْ كَلَامَ الْبَاجِيِّ.
ص (كَمُكْرَهٍ وَمُكْرِهٍ)
ش: يُرِيدُ إلَّا الْأَبَ فَإِنَّهُ لَوْ أَكْرَهَهُ شَخْصٌ عَلَى قَتْلِ ابْنِهِ فَقَتَلَهُ فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَبِ
[ ٦ / ٢٤٢ ]
لِلشُّبْهَةِ وَالْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ بِكَسْرِ الرَّاءِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ عَكْسَ الْمَسْأَلَةِ أُولَى بِعَدَمِ الْقِصَاصِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (عَكْسُ السَّفِينَتَيْنِ)
ش: أَيْ فَإِنَّهُمَا يُحْمَلَانِ عَلَى عَدَمِ الْقَصْدِ إذَا جُهِلَ أَمْرُهُمْ فَإِذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُمْ مُتَعَمِّدُونَ لِإِتْلَافِهِمْ فَهُمْ ضَامِنُونَ. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ أَنَّ سَفِينَةً صَدَمَتْ أُخْرَى فَكَسَرَتْهَا فَغَرِقَ أَهْلُهَا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ رِيحٍ غَلَبَتْهُمْ أَوْ مِنْ شَيْءٍ لَا يَسْتَطِيعُونَ حَبْسَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى أَنْ يَصْرِفُوهَا وَلَمْ يَفْعَلُوا ضَمِنُوا.
ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ فِي أَمْوَالِهِمْ وَقِيلَ الدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: الدِّيَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْعَوَاقِلِ إلَّا أَنْ يُتَعَمَّدَ ذَلِكَ وَيُعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مَهْلَكٌ فَتَكُونُ الدِّيَةُ فِي أَمْوَالِهِمَا انْتَهَى. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْهُ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي إذَا تَعَمَّدَ أَهْلُ السَّفِينَةِ إغْرَاقَ الْأُخْرَى فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إلَّا الدِّيَةُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ فِي ذَلِكَ الْقِصَاصُ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَرَحَ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْعَوْمَ وَبِمَنْزِلَةِ الْمُثَقَّلِ فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: مَسْأَلَةُ السَّفِينَةِ وَالْفَرَسِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الرِّيحِ فِي السَّفِينَةِ وَفِي الْفَرَسِ مِنْ غَيْرِ رَاكِبِهِ فَهَذَا الْإِضْمَانُ عَلَيْهِمْ. أَوْ يُعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سَبَبِ النَّوَاتِيَّةِ فِي السَّفِينَةِ وَمِنْ سَبَبِ الرَّاكِبِ فِي الْفَرَسِ فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُمْ ضَامِنُونَ وَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ حُمِلَ فِي السَّفِينَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الرِّيحِ وَفِي الْفَرَسِ أَنَّهُ مِنْ سَبَبِ رَاكِبِهِ انْتَهَى.
ص (إلَّا لَعَجْزٍ حَقِيقِيٍّ) ش قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ
[ ٦ / ٢٤٣ ]
ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا جَمَحَ فَرَسُهُمَا بِهِمَا وَلَمْ يَقْدِرَا عَلَى صَرْفِهِمَا لَمْ يَضْمَنَا يُرِيدُ لِقَوْلِهَا فِي الدِّيَاتِ إنْ جَمَحَتْ دَابَّةٌ بِرَاكِبِهَا فَوَطِئَتْ إنْسَانًا فَإِنَّهُ يَضْمَن وَبِقَوْلِهَا فِي الرَّوَاحِلِ إنْ كَانَ فِي رَأْسِ الْفَرَسِ اعْتِزَامٌ فَحَمَلَ بِصَاحِبِهِ فَصَدَمَ فَرَاكِبُهُ ضَامِنٌ لِأَنَّ سَبَبَ فِعْلِهِ جَمْحُهُ مِنْ رَاكِبِهِ وَفِعْلُهُ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا نَفَرَ مِنْ شَيْءٍ مَرَّ بِهِ فِي الطَّرِيقِ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ رَاكِبِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ فَعَلَ بِهِ غَيْرُهُ مَا جَمَحَ بِهِ فَذَلِكَ عَلَى الْفَاعِلِ وَالسَّفِينَةِ فِي الرِّيحِ هِيَ الْغَالِبَةُ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
(قُلْت) فَهَذَا كَالنَّصِّ عَلَى أَنَّ مَا تَلِفَ بِسَبَبِ الْجُمُوحِ فَهُوَ مِنْ رَاكِبِهِ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ مِنْ غَيْرٍ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مَا تَلِفَ بِالْجُمُوحِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَرْفِهِ لَا ضَمَانَ فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى. وَهُوَ ظَاهِرٌ.
ص (وَضَمِنَ وَقْتَ الْإِصَابَةِ وَالْمَوْتِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا زَالَ التَّكَافُؤُ بَيْنَ حُصُولِ الْمُوجِبِ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ وَوُصُولِ
[ ٦ / ٢٤٤ ]
الْأَثَرِ أَيْ السَّبَبِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْمُعْتَبَرُ فِي الضَّمَانِ أَيْ ضَمَانِ دِيَةِ الْحُرِّ وَقِيمَةِ الْعَبْدِ حَالَ الْإِصَابَةِ وَحَالَ الْمَوْتِ أَيْ حُصُولِ السَّبَبِ هَذَا لَفْظُ التَّوْضِيحِ وَيُشِيرُ بِقَوْلِهِ حَالَ الْإِصَابَةِ وَالْمَوْتِ إلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَلَوْ زَالَ بَيْنَ حُصُولِ الْمُوجِبِ وَوُصُولِ الْأَثَرِ كَعِتْقِ أَحَدِهِمَا أَوْ إسْلَامِهِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَقَبْلَ الْإِصَابَةِ وَبَعْدَ الْجُرْحِ وَقَبْلَ الْمَوْتِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْمُعْتَبَرُ حَالَ الْإِصَابَةِ وَحَالَ الْمَوْتِ كَمَنْ رَمَى صَيْدًا ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ أَصَابَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ حَالَ الرَّمْيِ ثُمَّ رَجَعَ سَحْنُونٌ انْتَهَى فَفِي الْكَلَامِ لَفٌّ وَنَشْرٌ لِشَيْءٍ مُقَدَّرٍ فَقَوْلُهُ حَالَ الْإِصَابَةِ أَيْ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا زَالَ التَّكَافُؤُ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ وَقَوْلُهُ وَالْمَوْتُ أَيْ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا زَالَ بَيْنَ الْجُرْحِ وَالْمَوْتِ. (تَنْبِيهٌ) .
وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى ضَمَانِ الدِّيَةِ وَالْقِيمَةِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقِصَاصِ فَيُشْتَرَطُ دَوَامُ التَّكَافُؤِ مِنْ حُصُولِ السَّبَبِ إلَى حُصُولِ الْمُسَبَّبِ اتِّفَاقًا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ فَأَمَّا الْقِصَاصُ فَبِالْحَالَيْنِ مَعًا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ أَيْ فَيُشْتَرَطُ دَوَامُ التَّكَافُؤِ مِنْ حُصُولِ السَّبَبِ إلَى حُصُولِ الْمُسَبَّبِ اتِّفَاقًا انْتَهَى.
(قُلْت) وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْقِصَاصَ يُشْتَرَطُ فِيهِ حُصُولُ التَّكَافُؤِ فِي حَالِ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ فَيُشْتَرَطُ فِي الْقِصَاصِ فِي الرَّمْيِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا مِنْ حِينِ الرَّمْيِ إلَى حِينِ الْإِصَابَةِ فَلَوْ كَانَ عَبْدًا حِينَ الرَّمْيِ أَوْ كَانَ كَافِرًا ثُمَّ عَتَقَ أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ فِي سَمَاع عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يُشِيرُ إلَى هَذَا فَتَأَمَّلْهُ.
ص (إلَّا نَاقِصٌ جَرَحَ كَامِلًا)
ش: يَعْنِي أَنَّ النَّاقِصَ إذَا جَرَحَ الْكَامِلَ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْ النَّاقِصِ لِلْكَامِلِ كَمَا إذَا جَرَحَ الْعَبْدُ الْحُرَّ وَالْكَافِرُ الْمُسْلِمَ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الرِّسَالَةِ وَرَوَى ابْنُ الْقَصَّارِ عَنْ مَالِكٍ وُجُوبَ الْقِصَاصِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقِيلَ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَرُوِيَ أَنَّهُ يَجْتَهِدُ السُّلْطَانُ وَرُوِيَ أَنَّهُ يُوقَفُ وَرُوِيَ أَنَّ الْمُسْلِمَ مُخَيَّرٌ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَخَرَّجُوهَا فِي الْعَبْدِ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنْ بَرِئَ الْمَجْرُوحُ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ غَيْرَ الْأَدَبِ إلَّا الْجِرَاحُ الْمُقَدَّرَةُ وَإِنْ بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ فَهُوَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَذِمَّةِ النَّصْرَانِيِّ قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ الْقَوَدِ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ لَهُ أَيْ لِلْمُسْلِمِ إلَّا الدِّيَةُ فِي الْجِرَاحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَافِرِ وَالْعَبْدِ قَالَ مَالِكٌ.
وَإِذَا جَرَحَ الذِّمِّيُّ أَوْ الْعَبْدُ مُسْلِمًا عَمْدًا فَبَرِئَ بِغَيْرِ شَيْنٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْأَدَبِ وَإِنْ بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ مِنْ جُرْحِ الْعَبْدِ فَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ انْتَهَى. يُرِيدُ فِي غَيْرِ الْجِرَاحِ الْمُقَدَّرَةِ فَإِنَّ دِيَتَهَا الْمُقَدَّرَةَ تَكُونُ فِي رَقَبَتِهِ وَقَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ جِنَايَاتِ الْعَبِيدِ مِنْ النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ جَنَى حُرٌّ عَلَى عَبْدٍ فَيُنْظَرُ إلَى مَا نَقَصَ يَوْمَ الْبُرْءِ أَنْ لَوْ كَانَ هَذَا يَوْمَ الْجِنَايَةِ لَا يَوْمَ الْبُرْءِ مَعَ الْأَدَبِ يُرِيدُ فِي الْعَمْدِ وَلَوْ بَرِئَ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ غَيْرُ الْأَدَبِ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ إذْ لَا قِصَاصَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَإِنْ جَنَى عَبْدٌ عَلَى حُرٍّ نُظِرَ إلَى دِيَةِ ذَلِكَ بَعْدَ الْبُرْءِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ فَيَكُونُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَ بِذَلِكَ وَفِي الْعَمْدِ الْأَدَبُ وَإِنْ بَرِيءَ الْحُرُّ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا الْأَدَبَ وَإِنْ بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ فَذَلِكَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ
[ ٦ / ٢٤٥ ]
انْتَهَى.
ص (أَوْضَحَتْ عَظْمَ الرَّأْسِ وَالْجَبْهَةِ) ش اُنْظُرْ أَوَائِلَ كِتَابِ الْجِرَاحِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
ص (بِالْمِسَاحَةِ)
[ ٦ / ٢٤٦ ]
ش: بِكَسْرِ الْمِيمِ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ.
ص (كَلَطْمَةٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي اللَّطْمَةِ بِالْيَدِ وَإِنَّمَا فِيهَا الْأَدَبُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ وَعَمْدِهِ كَالْخَطَإِ إلَّا فِي الْأَدَبِ فَإِنَّهُ يَعُودُ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَبْلَ تَرْجَمَةِ الْغِيلَةِ وَإِنْ قَطَعَ بِضْعَةً مِنْ لَحْمِهِ فَفِيهَا الْقِصَاصُ. مَالِكٌ وَلَا قَوَدَ فِي اللَّطْمَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ لَا تَنْضَبِطُ وَفِيهَا عِنْدَهُ تَفَاوُتٌ كَثِيرٌ وَفِيهَا الْأَدَبُ انْتَهَى. وَكَذَلِكَ الضَّرْبَةُ بِالْعَصَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ ذَلِكَ جُرْحٌ وَإِلَّا فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ ذِكْرُ: مَا لَا قَوَدَ فِيهِ مِنْ اللَّطْمَةِ وَالضَّرْبَةِ وَذَكَرَهُ أَيْضًا فِي آخِرِ التَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَفِي ضَرْبَةِ السَّوْطِ الْقَوَدُ قَالَ سَحْنُونٌ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا قَوَدَ فِيهِ كَاللَّطْمَةِ وَفِيهِ الْأَدَبُ انْتَهَى. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الشَّيْخِ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَا قَوَدَ فِي اللَّطْمَةِ وَلَا فِي الضَّرْبَةِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ جُرْحٌ انْتَهَى.
ص (وَشَفْرُ عَيْنٍ وَحَاجِبٍ وَلِحَيَّةٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْجِرَاحِ وَلَيْسَ فِي جُفُونِ الْعَيْنِ وَأَشْفَارِهَا إلَّا الِاجْتِهَادُ وَفِي حَلْقِ الرَّأْسِ إذَا لَمْ يَنْبُتْ إلَّا الِاجْتِهَادُ وَكَذَلِكَ اللِّحْيَةُ وَلَيْسَ فِي عَمْدِ ذَلِكَ قِصَاصٌ وَكَذَلِكَ الْحَاجِبَانِ إذَا لَمْ يَنْبُتَا إلَّا الِاجْتِهَادُ.
ص (وَعَمْدُهُ كَالْخَطَإِ إلَّا فِي الْأَدَبِ) ش قَالَ فِي كِتَابِ الْجِرَاحِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي كُلِّ عَمْدٍ الْقِصَاصُ مَعَ الْأَدَبِ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: إنْ اُقْتُصَّ مِنْهُ فَأَدَبُهُ دُونَ أَدَبِ مَنْ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ. وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّة فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الَّذِي يُقْتَصُّ مِنْهُ هَلْ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَدْ قِيلَ إنَّهُ لَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ مَعَ الْقِصَاصِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي إيجَابِ الْأَدَبِ مَعَ الْقِصَاصِ وَهُوَ الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ لِيَتَنَاهَى النَّاسُ انْتَهَى. فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ وُجُوبَ الْأَدَبِ مَعَ الْقِصَاصِ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَمَّا الْقَوْلُ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ بِقِيلِ وَقَالَ إنَّهُ الْأَظْهَرُ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ وَكَلَامُهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَذْهَبِ قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَيَجِبُ عَلَى الْجَارِحِ مَعَ الْقِصَاصِ الْأَدَبُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ لِجُرْأَتِهِ وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ الْجُرُوحَ قِصَاصٌ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَضْرِبَهُ وَلَا أَنْ يَسْجُنَهُ وَإِنَّمَا هُوَ الْقِصَاصُ فَعُلِمَ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِي الَّذِي حَكَاهُ بِقِيلِ إنَّمَا هُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (إلَّا أَنْ يَعْظُمَ الْخَطَرُ فِي غَيْرِهَا كَعَظْمِ الصَّدْرِ)
ش: لَمَّا أَنْ أَخْرَجَ الْجِرَاحَ الَّتِي لَا قِصَاصَ فِيهَا لِأَنَّهَا مُتَأَلِّفٌ وَفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا عَدَاهَا مِنْ الْجِرَاحِ فِيهِ الْقِصَاصُ ذَكَرَ أَنَّ شَرْطَ الْقِصَاصِ فِيهَا أَنْ لَا يَعْظُمَ الْخَطَرُ فِي ذَلِكَ الْجُرْحِ وَالْكَسْرِ كَعَظْمِ الصَّدْرِ وَجَزَمَ هُنَا تَبَعًا لِمَنْ تَقَدَّمَهُ كَابْنِ الْحَاجِبِ وَرَدَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَكَذَلِكَ فِي الضِّلَعِ قَالَ فِي كِتَابِ الْجِرَاحِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَالصَّلْبُ إذَا كُسِرَ خَطَأً وَبَرِئَ وَعَادَ لِهَيْئَتِهِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ كَسْرٍ يَعُودُ لِهَيْئَتِهِ لَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَمْدًا يُسْتَطَاعُ فِيهِ الْقِصَاصُ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ عَظْمًا إلَّا فِي الْمَأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَمَا لَا يُسْتَطَاعُ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ فَلَيْسَ فِي عَمْدِ ذَلِكَ إلَّا الدِّيَةُ مَعَ الْأَدَبِ. قَالَ مَالِكٌ وَفِي عِظَامِ الْجَسَدِ الْقَوَدُ مِنْ الْهَاشِمَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا مَا كَانَ مَخُوفًا مِثْلُ الْفَخِذِ وَشِبْهِهِ فَلَا قَوَدَ فِيهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْهَاشِمَةُ فِي الرَّأْسِ فَلَا قَوَدَ فِيهِ لِأَنِّي لَا أَجِدُ هَاشِمَةً فِي الرَّأْسِ إلَّا كَانَتْ مُنَقِّلَةً وَلَا قِصَاصَ فِي الصُّلْبِ وَالْفَخِذِ وَعِظَامِ الْعُنُقِ. وَفِي كَسْرِ أَحَدِ الزَّنْدَيْنِ وَهُمَا قَصَبَتَا الْيَدِ الْقِصَاصُ وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً فَلَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَبْرَأَ عَلَى عَثْمٍ فَيَكُونَ فِيهَا الِاجْتِهَادُ وَفِي كَسْرِ الذِّرَاعَيْنِ وَالْعَضُدَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ وَالْأَصَابِعِ الْقِصَاصُ وَفِي كَسْرِ الضِّلْعِ الِاجْتِهَادُ إذَا بَرِيءَ عَلَى عَثْمٍ وَإِنْ بَرِئَ عَلَى غَيْرِ عَثْمٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ وَإِنْ كُسِرَتْ عَمْدًا فَهِيَ كَعِظَامِ الصَّدْرِ إنْ كَانَ مَخُوفًا كَالْفَخِذِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ مِثْلَ الْيَدِ وَالسَّاقِ فَفِيهِ الْقِصَاصُ وَفِي التَّرْقُوَةِ إذَا كُسِرَتْ
[ ٦ / ٢٤٧ ]
عَمْدًا الْقِصَاصُ لِأَنَّ أَمْرَهَا يَسِيرٌ لَا يُخَافُ مِنْهُ وَإِنْ كُسِرَتْ خَطَأً فَفِيهِ الِاجْتِهَادُ وَإِنْ بَرِئَ عَلَى عَثْمٍ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ فِيهِ وَكَذَلِكَ الْيَدُ وَالرِّجْلُ وَجَمِيعُ عِظَامِ الْجَسَدِ إذَا كُسِرَتْ خَطَأً فَبَرِئَتْ عَلَى غَيْرِ عَثْمٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ انْتَهَى. لَكِنْ بَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَعُدَّ فِي الْجِرَاحِ الَّتِي لَا قِصَاصَ فِيهَا الْجَائِفَةَ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ شَكَّ فِي عِظَامِ الصَّدْرِ وَالضِّلَعِ فَرَدَّ ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ انْتَهَى يَعْنِي بِهِ كَوْنَهُ رَدَّ ذَلِكَ إلَى الِاجْتِهَادِ. وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ مَا يَكُونُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَمَا لَا يَكُونُ فِيهِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ فَفِي التَّرْقُوَةِ وَالضِّلْعِ الْقِصَاصُ. قِيلَ: فَيَسْقُطُ الْقَوَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ كَسْرِ الْعِظَامِ قَالَ أَمَّا فِي مِثْلِ عِظَامِ الصَّدْرِ فَلَا أَرَى فِيهِ الْقِصَاصَ وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ لَا قِصَاصَ فِيهِ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ وَقَالَ أَشْهَبُ يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ وَعَنْ الضِّلْعِ فَإِنْ كَانَا غَيْرَ مَخُوفَيْنِ اُقْتُصَّ فِيهِمَا قَالَ أَشْهَبُ قَالَ مَالِكٌ وَفِي إحْدَى قَصَبَتَيْ الْيَدِ الْقِصَاصُ إنْ اُسْتُطِيعَ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِيهِ الْقِصَاصُ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْكِتَابَيْنِ وَكَذَلِكَ إذَا كُسِرَتَا جَمِيعًا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَاجْتَمَعَا أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي عِظَامِ الْعُنُقِ وَالْفَخِذِ وَالصُّلْبِ وَشِبْهَ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَأَلِّفِ فِي الْعِظَامِ وَفِيهِ الْعَقْلُ بِقَدْرِ الشَّيْنِ إلَّا الصُّلْبُ فَفِيهِ الدِّيَةُ وَلَا شَيْءَ فِي شَيْنِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ انْحَنَى وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَقُومُ فَفِيهِ مِنْ الدِّيَةِ بِحِسَابِ ذَلِكَ وَفِي كَسْرِ الْفَخِذِ حُكُومَةٌ بِقَدْرِ الشَّيْنِ وَقَدْ يَبْلُغُ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَشَلَّ رِجْلَهُ فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَمْشِيَ بِهَا عَلَى الْأَرْضِ فَفِيهِ دِيَةُ الرِّجْلِ كَامِلَةً أَوْ يَشِينَهُ بِمَا يَنْقُصُ مَشْيُهُ فَلَهُ مِنْ الدِّيَةِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْهَا وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَفِي الظُّفْرِ الْقِصَاصُ إنْ اُسْتُطِيعَ مِنْهُ الْقَوَدُ ابْنُ الْمَوَّازِ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَهَذَا أَحَبُّ إلَيْنَا قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الظُّفْرُ كَسِنِّ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ يَنْبُتُ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَوْ بَرِئَ الْعَظْمُ الْخَطِرُ عَلَى غَيْرِ عَثْمٍ فَكَالْخَطَإِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ سِوَى الْأَدَبِ فِي الْعَمْدِ بِخِلَافِ الْعَمْدِ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُقَادُ مِنْهُ وَإِنْ بَرِئَ عَلَى غَيْرِ عَثْمٍ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ يَعْنِي أَنَّ مَا لَا قِصَاصَ فِيهِ لِخَطَرِهِ لَوْ بَرِئَ عَلَى غَيْرِ عَيْبٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ أَمَّا الْقِصَاصُ فَلِأَنَّهَا مَخُوفَةٌ وَأَمَّا الْعِوَضُ فَلِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُسَمِّ، نَعَمْ يُؤَدِّبُ الْقَاضِي الْمُتَعَمِّدَ انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ عِيَاضٌ الْعَثْمُ وَالْعَثَلُ بِالْمِيمِ وَاللَّامِ مَعًا وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ مَفْتُوحَةً مَعَ اللَّامِ وَسَاكِنَةً مَعَ الْمِيمِ وَكِلَاهُمَا بِمَعْنًى وَهُوَ الْأَثَرُ وَالشَّيْنُ انْتَهَى مِنْ التَّنْبِيهَاتِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الضِّلَعُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مَكْسُورَةً وَفَتْحِ اللَّامِ وَالتَّرْقُوَةُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ أَعْلَى الصَّدْرِ الْمُتَّصِلِ بِالْعُنُقِ وَالزَّنْدُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَبِالنُّونِ انْتَهَى. .
ص (وَإِنْ ذَهَبَ كَبَصَرٍ بِجُرْحٍ اُقْتُصَّ مِنْهُ فَإِنْ حَصَلَ أَوْ زَادَ وَإِلَّا فَدِيَةٌ مَا لَمْ يَذْهَبْ)
ش: أَيْ وَإِنْ جَرَحَ شَخْصٌ شَخْصًا جُرْحًا فِيهِ الْقِصَاصُ وَذَهَبَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْجُرْحِ شَيْءٌ آخَرُ كَبَصَرٍ أَوْ سَمْعٍ أَوْ شَمٍّ أَوْ ذَوْقٍ أَوْ عَقْلٍ اُقْتُصَّ مِنْ الْجَانِي لِذَلِكَ الْجُرْحِ فَإِنْ حَصَلَ فِيهِ مِثْلُ مَا حَصَلَ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنْ ذَهَابِ الْعَقْلِ أَوْ السَّمْعِ أَوْ الْبَصَرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ أَوْ زَادَ فَقَدْ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مِثْلُ مَا حَصَلَ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى الْجَانِي دِيَةُ ذَلِكَ وَلَمْ يُبِنْ الْمُصَنِّفُ هَلْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ فَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ وَقَالَ أَشْهَبُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.
ص (وَإِنْ ذَهَبَ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ فَإِنْ اُسْتُطِيعَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَالْعَقْلُ كَأَنْ شُلَّتْ يَدُهُ بِضَرْبَةٍ)
ش: يَعْنِي فَإِنْ اُسْتُطِيعَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ وَعَيْنُهُ قَائِمَةٌ
[ ٦ / ٢٤٨ ]
فُعِلَ. قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ فَإِذَا ضُرِبَتْ الْعَيْنُ فَأُقِيمَتْ وَذَهَبَ بَصَرُهَا وَبَقِيَ جَمَالُهَا فَفِيهَا عَقْلُهَا خَمْسُمِائَةٍ وَلَا قَوَدَ فِيهَا.
وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ مِنْهَا عَمْدًا لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى الْقَوَدِ إلَّا بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْيَدُ إذَا شُلَّتْ وَلَمْ تَبِنْ وَكَذَلِكَ اللِّسَانُ إذَا خَرِسَ وَلَمْ يُقْطَعُ هَذِهِ سَبِيلُ كُلِّ مَا ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ وَلَمْ يُبِنْ عَنْ جُسْمَانِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَبَقِيَ جَمَالُهُ وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَفِيهِ عَقْلُهُ كَامِلًا وَلَا قَوَدَ فِيهِ أَوْ إنْ كَانَ عَمْدًا وَيُؤَدَّبُ الْجَانِي مَعَ أَخْذِ الْعَقْلِ مِنْهُ وَإِذَا ضَرَبَ رَجُلٌ عَيْنَ رَجُلٍ فَأَدْمَعَهَا أَوْ ضَرَبَ سِنَّهُ فَحَرَّكَهَا أَوْ ضَرَبَ يَدَهُ فَأَوْهَنَهَا اُسْتُؤْنِيَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ سَنَةً فَمَا آلَ إلَيْهِ أَمْرُ الْعَيْنِ وَالسِّنِّ وَالْيَدِ بَعْدَ السَّنَةِ حُكِمَ بِذَلِكَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَعْدَ
[ ٦ / ٢٤٩ ]
السَّنَةِ انْتَهَى.
ص (وَالِاسْتِيفَاءُ لِلْعَاصِبِ)
ش: قَالَ اللَّخْمِيُّ إذَا اجْتَمَعَ فِي الْقِيَامِ بِالدَّمِ نَسَبٌ وَوَلَاءٌ كَانَ النَّسَبُ الْمَبْدَأَ فِي الْقِيَامِ وَالْعَفْوِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذُو نَسَبٍ فَالْمَوْلَى الْأَعْلَى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْلًى أَعْلَى فَالسُّلْطَانُ وَلَا شَيْءَ لِلْمَوْلَى الْأَسْفَلِ انْتَهَى. وَقَالَ قَبْلَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا رَجُلٌ مِنْ الْفَخِذِ أَوْ الْقَبِيلِ وَلَا يُعْرَفُ قُعْدُدُهُ مِنْ الْمَيِّتِ وَلَا مَنْ يَكُونُ لَهُ مِيرَاثُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيَامٌ بِالدَّمِ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْلِيَاءٌ فَهَلْ لِلسُّلْطَانِ مَا لِلْأَوْلِيَاءِ مِنْ الْعَفْوِ أَوْ الْقِصَاصِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي مَسَائِلِهِ الَّذِي يَقْتَضِيه الْوَاجِبُ أَنَّهُ لَا نَظَرَ لِلسُّلْطَانِ فِي الْعَفْوِ عَنْهُ وَكَذَلِكَ ظَهَرَ لِابْنِ رُشْدٍ اُنْظُرْهَا فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ الدِّيَاتِ انْتَهَى. وَاَلَّذِي فِي سَمَاعِ يَحْيَى فِي الْمُسْلِمِ يَقْتُلُ الْمُسْلِمَ عَمْدًا وَلَا وَلِيَّ لَهُ إلَّا الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُهْدِرَ دَمَ الْمُسْلِمِ وَلَكِنْ يَسْتَقِيدُ مِنْهُ فَإِنْ قَتَلَ نَصْرَانِيٌّ نَصْرَانِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ وَالْوَلِيُّ لِلْمَقْتُولِ الْمُسْلِمُونَ فَإِنَّ الْعَفْوَ فِي مِثْلِ هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ وَانْظُرْهَا فِي أَوَّلِ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ الدِّيَاتِ وَانْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ عَلَيْهَا وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا عَنْ الْمَجْمُوعَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ حِينَ الْقَتْلِ
[فَرْعٌ أقر رَجُل أَنَّهُ قَتَلَ عَمْدًا وَلَمْ يُعْرَفْ الْمَقْتُولُ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ وَإِذَا أَقَرَّ رَجُلٌ أَنَّهُ قَتَلَ عَمْدًا وَلَمْ يُعْرَفْ الْمَقْتُولُ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أَوْلِيَاءٌ يَقُومُونَ بِدَمِهِ سَجَنَهُ الْحَاكِمُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ فَلَعَلَّ لَهُ وَلِيًّا يَعْفُو عَنْ دَمِهِ انْتَهَى. وَانْظُرْ ابْنَ سَلْمُونٍ.
ص (وَانْتُظِرَ غَائِبٌ لَمْ تَبْعُدْ غِيبَتُهُ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ وَلِيَّانِ أَحَدُهُمَا غَائِبٌ وَالْآخَرُ حَاضِرٌ فَلَيْسَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِالْقَتْلِ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ رَأْيَ الْغَائِبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَائِبُ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ فَإِنَّهُ لَا يُنْتَظَرُ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْغَائِبَ يُنْتَظَرُ وَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ قَالَ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
وَإِذَا كَانَ الْقَتْلُ بِغَيْرِ قَسَامَةٍ وَلِلْمَقْتُولِ وَلِيَّانِ أَحَدُهُمَا حَاضِرٌ وَالْآخَرُ غَائِبٌ فَإِنَّمَا لِلْحَاضِرِ أَنْ يَعْفُوَ فَيَجُوزُ الْعَفْوُ عَلَى الْغَائِبِ وَتَكُونُ لَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ فَحَمَلَهَا ابْنُ رُشْدٍ عَلَى ظَاهِرِهَا كَمَا ذَكَرَهُ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ تَعْلِيقَةِ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ يُنْتَظَرُ وَإِنْ بَعُدَتْ غِيبَتُهُ وَقَيَّدَ ابْنُ يُونُسَ الْمُدَوَّنَةَ بِمَا إذَا لَمْ تَبْعُدْ غَيْبَتُهُ.
قَالَ قَالَ سَحْنُونٌ فِيمَنْ بَعُدَ جِدًّا أَوْ أَيِسَ مِنْهُ كَالْأَسِيرِ وَنَحْوِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُنْتَظَرُ الْغَائِبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ فَلِمَنْ حَضَرَ الْقَتْلُ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ سَحْنُونٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فَحَذَفَ الصَّقَلِّيُّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ قُصُورٌ انْتَهَى. فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَمْ يُقَيِّدْ الْغَيْبَةَ بِالْبُعْدِ جِدًّا، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ كَلَامَ سَحْنُونٍ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ الْغَيْبَةَ بِالْبُعْدِ جِدًّا كَقَوْلِ سَحْنُونٍ وَكَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَمْ
[ ٦ / ٢٥٠ ]
تُرْتَضَ حَمْلُ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَفِيهَا انْتِظَارُ الْغَائِبِ إنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَوْ مُطْلَقًا تَأْوِيلَانِ وَكَتَبَ إلَيْهِ إنْ أَمْكَنَ فَإِنْ أَيِسَ مِنْهُ لَمْ يُنْتَظَرْ كَأَسِيرٍ وَشِبْهِهِ انْتَهَى (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) إذْ قُلْنَا يُنْتَظَرُ فَإِنَّ الْقَاتِلَ يُحْبَسُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إثْرَ الْكَلَامِ السَّابِقِ وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ حَتَّى يَقْدُمَ الْغَائِبُ وَلَا يُكْفَلُ إذْ لَا كَفَالَةَ فِي النَّفْسِ وَلَا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْقِصَاصِ انْتَهَى (الثَّانِي) ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَالْبَرْزَلِيِّ أَنَّ مِثْلَ هَذَا يُحْبَسُ وَيُقَيَّدُ بِالْحَدِيدِ اُنْظُرْ كَلَامَهُمَا (الثَّالِثُ) هَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ لِلْقَاتِلِ مَالٌ يَأْكُلُ مِنْهُ أَوْ أُجْرِيَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يَأْكُلُ مِنْهُ أَوْ الْتَزَمَ ذَلِكَ أَحَدٌ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَانْظُرْ كَيْفَ يُعْمَلُ فِيهِ هَلْ يُطْلَقُ مِنْ السِّجْنِ وَهُوَ الظَّاهِرُ إذْ يَبْعُدُ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ أَنَّهُ يَخْلُدُ فِي السِّجْنِ حَتَّى يَمُوتَ جُوعًا فَتَأَمَّلْهُ (الرَّابِعُ) هَذَا الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي انْتِظَارِ الْغَائِبِ الْبَعِيدِ الْغَيْبَةِ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ تَتَعَدَّدُ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ وَكَانَ بَعْضُهُمْ حَاضِرًا وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ الْأَوْلَى وَاحِدٌ وَهُوَ غَائِبٌ أَوْ غَابَ جَمِيعُ الْأَوْلِيَاءِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يُنْتَظَرُونَ مُطْلَقًا وَلَوْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُمْ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ الْفَرْعُ الْمَنْقُولُ عَنْ مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ لَكِنْ مَعَ وُجُودِ النَّفَقَةِ عَلَى الْقَاتِلِ هَذَا الَّذِي ظَهَرَ لِي وَلَمْ أَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ نَصًّا بَعْدَ الْبَحْثِ عَلَيْهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَبِي الْحَسَنِ وَالرَّجْرَاجِيِّ وَالنَّوَادِرِ وَالْبَيَانِ وَالتَّوْضِيحِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالشَّامِلِ وَبَهْرَامَ الْكَبِيرِ وَالْمُقَدِّمَاتِ وَالذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا مُطْبَقَ وَصَغِيرَ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا إنْ كَانَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ مَجْنُونًا مُطْبَقًا فَلِلْآخِرِ أَنْ يَقْتُلَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّغِيرَ لَا يُنْتَظَرُ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَوْلِيَاءِ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مُبَرْسَمٌ اُنْتُظِرَ إفَاقَتُهُ لِأَنَّ هَذَا مَرَضٌ. ابْنُ رُشْدٍ الْقِيَاسُ قَوْلُ مَنْ قَالَ يُنْتَظَرُ وَأَفْتَى
[ ٦ / ٢٥١ ]
فِيمَنْ لَهُ بَنُونَ صِغَارٌ أَوْ عَصَبَةٌ كِبَارٌ بِانْتِظَارِ الصِّغَارِ قَائِلًا إذْ هُمْ أَحَقُّ بِالْقِيَامِ بِالدَّمِ فَسُئِلَ عَنْ فُتْيَاهُ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ الْمَأْثُورَةِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: خَفِيَ عَنْ السَّائِلِ مَعْنَى ذَلِكَ فَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَسُوغُ لِلْمُفْتِي الْعُدُولُ عَنْ الرِّوَايَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا يَسُوغُ لِلْمُفْتِي تَقْلِيدُ الرِّوَايَةِ إلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ بِصِحَّتِهَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُخَالِفَةٌ لِلْأُصُولِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى مُخَالَفَتِهَا بِمَا حَاصِلُهُ وُجُوبُ اعْتِبَارِ حَقِّ الصَّغِيرِ وَتَأْخِيرِهِ لِبُلُوغِهِ كَحَقٍّ لَهُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَبِأَنَّ لَهُ جَبْرَ الْقَاتِلِ عَلَى الدِّيَةِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَأَحَدِ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَةِ الْأَخَوَيْنِ ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا وَلَا يُعْتَبَرُ هَذَا فِي زَمَانِنَا إنَّمَا سَاغَ ذَلِكَ لِابْنِ رُشْدٍ لِعُلُوِّ طَبَقَتِهِ وَقَالَ بَعْضُ مَنْ عَاصَرَهُ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا إذْ هُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَفِي طُرَّةِ بَعْضِ نَوَازِلِهِ مَا نَصَّهُ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا إذْ هُوَ خِلَافُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةٍ وَلَا حُجَّةٍ، فَإِنْ قُلْت مَا هِيَ الرِّوَايَةُ الْمَأْثُورَةُ فِي ذَلِكَ؟ (قُلْت) فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ فِي قَتِيلٍ لَهُ بَنُونَ صِغَارٌ وَعَصَبَةٌ فَلِلْعَصَبَةِ الْقَتْلُ وَلَا يُنْتَظَرُ بُلُوغُ الصِّغَارِ قَالَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ وَلَهُمْ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ وَتَكُونُ بَيْنَهُمْ قَالَ عَنْهُ أَشْهَبَ وَيَنْظُرُ لِلصِّغَارِ وَلِيُّهُمْ فِي الْقَوَدِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ وَلَهُ أَنْ يَقْسِمَ إنْ وَجَدَ مَعَهُ مِنْ الْعَصَبَةِ مَنْ يَقْسِمُ مَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَرْيَةٍ ثُمَّ يَكُونُ لِهَذَا الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّبِيِّ الْقَتْلُ أَوْ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ انْتَهَى. وَانْظُرْ عَزْوَهُ الرِّوَايَةَ لِلْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَإِذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ عَمْدًا وَلَدٌ صَغِيرٌ وَعَصَبَةٌ فَلِلْعَصَبَةِ أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ وَيَعْفُوا، وَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الصَّغِيرِ وَقَالَ قَبْلَ هَذَا فِي تَرْجَمَةِ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ: وَإِذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَوْلَادٌ صِغَارٌ وَالْقَتْلُ بِقَسَامَةٍ فَلِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ تَعْجِيلُ الْقَتْلِ وَلَا يُنْتَظَرُ أَنْ يَكْبُرَ وَلَدُهُ الصِّغَارُ فَيَبْطُلُ الدَّمُ وَإِنْ عَفَوْا لَمْ يَجُزْ عَفْوُهُمْ إلَّا عَلَى الدِّيَةِ لَا عَلَى أَقَلِّ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ أَوْلَادُ الْمَقْتُولِ كِبَارًا وَصِغَارًا فَإِنْ كَانَ الْكِبَارُ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا فَلَهُمْ أَنْ يَقْسِمُوا وَيَقْتُلُوا وَلَا يُنْتَظَرُ بُلُوغُ الصِّغَارِ وَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ فَلِلْبَاقِينَ الْأَصَاغِرِ حَظُّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا وَلَدٌ كَبِيرٌ وَصَغِيرٌ فَإِنْ وَجَدَ الْكَبِيرُ رَجُلًا مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ حَلَفَ مَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ لَهُ الْعَفْوُ حَلَفَا خَمْسِينَ يَمِينًا ثُمَّ لِلْكَبِيرِ أَنْ يَقْتُلَ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْلِفُ مَعَهُ حَلَفَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا وَاسْتُؤْنِيَ الصَّغِيرُ فَإِذَا بَلَغَ حَلَفَ أَيْضًا خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا ثُمَّ اسْتَحَقَّ الدَّمَ وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ بِغَيْرِ قَسَامَةٍ وَلِلْمَقْتُولِ وَلَدَانِ أَحَدُهُمَا حَاضِرٌ وَالْآخَرُ غَائِبٌ فَإِنَّمَا لِلْحَاضِرِ أَنْ يَعْفُوَ، أَوْ يَجُوزَ عَلَى الْغَائِبِ وَيَكُونَ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ الدِّيَةِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ حَتَّى يَحْضُرَ الْغَائِبُ، وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ حَتَّى يَقْدُمَ الْغَائِبُ وَلَا يُكْفَلُ إذْ لَا كَفَالَةَ فِي النَّفْسِ وَلَا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْقِصَاصِ وَإِنْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَوْلِيَاءٌ كِبَارٌ وَصِغَارٌ فَلِلْكِبَارِ أَنْ يَقْتُلُوا وَلَا يُنْتَظَرُ الصِّغَارُ وَلَيْسَ الصَّغِيرُ كَالْغَائِبِ يُكْتَبُ إلَيْهِ فَيَصْنَعُ فِي نَصِيبِهِ مَا أَحَبَّ وَالصَّغِيرُ يَطُولُ انْتِظَارُهُ فَيَبْطُلُ الدَّمُ وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ مَجْنُونًا مُطْبَقًا فَلِلْآخَرِ أَنْ يَقْتُلَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّغِيرَ لَا يُنْتَظَرُ. قَالَ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مُبَرْسَمًا فَإِنَّهُ يُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ لِأَنَّ هَذَا مَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ اهـ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ أَصْرَحُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَإِذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ عَمْدًا وَلَدٌ صَغِيرٌ وَعَصَبَةٌ فَلِلْعَصَبَةِ أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ وَيَعْفُوا، وَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الصَّغِيرِ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْفُوا عَلَى غَيْرِ مَالٍ انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ فَيَبْطُلُ
[ ٦ / ٢٥٢ ]
الدَّمُ إمَّا بِأَنْ يَمُوتَ الْقَاتِلُ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ يَهْرُبَ مِنْ السِّجْنِ اهـ
ص (وَيَقْتَصُّ مَنْ يَعْرِفُ بِأُجْرَةٍ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَجْرُوحَ إذَا وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ فَإِنَّهُ لَا يَتْرُكُ أَنْ يَقْتَصَّ لِنَفْسِهِ وَلَكِنْ يُدْعَى لَهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْقِصَاصِ فَيَقْتَصُّونَ لَهُ وَتَكُونُ أُجْرَةُ الَّذِي يَقْتَصُّ عَلَى
[ ٦ / ٢٥٣ ]
الْمُسْتَحِقِّ لِلْقِصَاصِ. قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ قَالَ وَيُدْعَى لَهُ أَرْفَقُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ فَيَقْتَصُّ بِأَرْفَقَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُوَلِّيَ الْإِمَامُ عَلَى الْجِرَاحِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ يَنْظُرَانِ ذَلِكَ وَيَقِيسَانِهِ. قَالَ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا وَاحِدًا فَأَرَى ذَلِكَ مُجْزِئًا إنْ كَانَ عَدْلًا فَإِنْ كَانَتْ مُوضِحَةً شَرَطَ فِي رَأْسِهِ مِثْلَهَا وَإِنْ كَانَتْ سِنًّا مَقْلُوعَةً مِنْ أَصْلِهَا نُزِعَتْ مِنْ الْجَانِي بِالْكَلْبَتَيْنِ أَوْ بِأَرْفَقَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَإِنْ كُسِرَ أَشْرَافُهَا أَوْ بَعْضُهَا سَخَلَ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ مِنْهَا قِيلَ لِمَالِكٍ أَتَجْعَلُ الْمُوسَى بِيَدِ الْمَجْرُوحِ ثُمَّ يَشُدُّ الطَّبِيبُ عَلَى يَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ ذَلِكَ قَالَ لَا أَعْرِفُ هَذَا اهـ.
(تَنْبِيهٌ) فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْجِرَاحِ لَا يُطْلَبُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بِمِثْلِ مَا جَرَحَ فَإِذَا شَجَّهُ مُوضِحَةً مَثَلًا بِحَجَرٍ أَوْ عَصًا يُقْتَصُّ مِنْهُ بِالْمُوسَى وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ بِحَجَرٍ أَوْ عَصًا.
ص (وَمَهْمَا أُسْقِطَ الْبَعْضُ فَلِمَنْ بَقِيَ نَصِيبُهُمْ مِنْ دِيَةِ عَمْدٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَسْقَطَ بَعْضُ مَنْ لَهُ الْعَفْوُ حَقَّهُ وَعَفَا عَنْ الْقَاتِلِ فَإِنَّ الْقَوَدَ يَسْقُطُ وَيَتَعَيَّنُ لِلْبَاقِينَ نَصِيبُهُمْ مِنْ دِيَةِ عَمْدٍ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ فَإِذَا عَفَا جَمِيعُ الْأَوْلِيَاءِ فَلَا شَيْءَ لِلْبَنَاتِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الدِّيَاتِ وَإِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالْقَتْلِ عَمْدًا فَلِلْمَقْتُولِ بَنُونَ وَبَنَاتٌ
[ ٦ / ٢٥٤ ]
فَعَفْوُ الْبَنِينَ جَائِزٌ عَلَى الْبَنَاتِ وَلَا أَثَرَ لَهُنَّ مَعَ الْبَنِينَ فِي عَفْوٍ وَلَا قِيَامٍ وَإِنْ عَفَوَا عَلَى الدِّيَةِ دَخَلَ فِيهَا النِّسَاءُ وَكَانَتْ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَضَى مِنْهَا دَيْنَهُ وَإِنْ عَفَا وَاحِدٌ مِنْ الْبَنِينَ سَقَطَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ وَكَانَتْ بَقِيَّتُهَا بَيْنَ حَقِّ مَنْ بَقِيَ عَلَى الْفَرَائِضِ وَتَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الزَّوْجَةُ وَغَيْرُهَا وَكَذَلِكَ إذَا وَجَبَ الدَّمُ بِقَسَامَةٍ وَلَوْ أَنَّهُ عَفَا عَلَى الدِّيَةِ كَانَتْ لَهُ وَلِسَائِرِ الْوَرَثَةِ عَلَى الْمَوَارِيثِ وَإِذَا عَفَا جَمِيعُ الْبَنِينَ فَلَا شَيْءَ لِلنِّسَاءِ مِنْ الدِّيَةِ وَإِنَّمَا لَهُنَّ إذَا عَفَا بَعْضُ الْبَنِينَ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ إذَا اسْتَوَوْا فَهُمْ كَالْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ فِيمَا ذَكَرْنَا اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا عَفَا جَمِيعُ الْبَنِينَ فَلَا شَيْءَ لِلنِّسَاءِ مِنْ الدِّيَةِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا لِمَنْ لَا يُعْتَبَرُ عَفْوُهُ مَعَهُ كَالْبَنَاتِ وَالِابْنِ هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا إنْ عَفَا الذُّكُورُ كُلُّهُمْ فَحَقُّ أَخَوَاتِهِمْ فِي الدِّيَةِ بَاقٍ. ابْنُ الْمَوَّازِ وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ثُمَّ إنَّ الْأَوَّلَ مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَعْفُوَ كُلُّ مَنْ لَهُ الْعَفْوُ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ وَأَمَّا لَوْ عَفَا بَعْضُ مَنْ لَهُ ذَلِكَ ثُمَّ بَلَغَ مَنْ بَقِيَ وَعَفَا فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ مَنْ مَعَهُمَا مِنْ أُخْتٍ وَزَوْجٍ وَزَوْجَةٍ لِأَنَّهُ مَالٌ ثَبَتَ بِعَفْوِ الْأَوَّلِ قَالَهُ مُحَمَّدٌ اهـ.
ص (بِخِلَافِ الْعَمْدِ)
ش: أَيْ فَلَا تَدْخُلُ الْوَصَايَا فِيمَا أَخَذَهُ الْوَرَثَةُ عَنْهُ قَالَ فِي الشَّامِلِ وَلَا مَدْخَلَ لِوَصِيَّةٍ فِي عَمْدٍ وَإِنْ وُرِثَتْ كَمَالِهِ أَوْ غَرِمَ الدَّيْنَ مِنْهُ وَلَوْ قَالَ إنْ قَبِلَ أَوْلَادِي الدِّيَةَ فَوَصِيَّتِي فِيهَا أَوْ أُوصِي بِثُلُثِهَا وَلَا يَدْخُلُ مِنْهَا فِي ثُلُثِهِ شَيْءٌ إلَّا إذَا أُنْفِذَ مَقْتَلُهُ وَقَبِلَ أَوْلَادُهُ الدِّيَةَ وَعَلِمَ بِهَا اهـ (فَرْعٌ) وَلَوْ أَوْصَى أَنْ تُقْبَلَ الدِّيَةُ مِنْ الْقَاتِلِ وَأَوْصَى فِيهَا بِوَصَايَا لَمْ تَدْخُلْ الْوَصَايَا فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَرْضَى الْقَاتِلُ قَالَهُ فِي رَسْمِ الْعَارِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ فَإِنْ رَضِيَ الْقَاتِلُ بِذَلِكَ أَيْضًا كَانَتْ الْوَصَايَا فِي الدِّيَةِ.
(تَنْبِيهُ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِخِلَافِ الْعَمْدِ فَإِنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْوَصِيَّةِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ يُورَثُ كَمَالِهِ وَيَغْرَمُ الدَّيْنَ مِنْهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ فِي سَلْبِ الْمَالِيَّةِ عَنْ عَدَمِ الْعَمْدِ وَعَدَمِ نُفُوذِ الْوَصِيَّةِ مِنْ ثُلُثِ دِيَتِهِ كَوْنُ الدِّيَةِ فِيهِ تُورَثُ كَمَالِهِ وَتَأْخُذُ مِنْهَا الزَّوْجَةُ سَهْمَهَا وَيُؤَدَّى مِنْهَا الدَّيْنُ لِأَنَّهَا دَائِرَةٌ بَيْنَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ عَدَمِ الْمَالِيَّةِ وَبَيْنَ كَوْنِهَا مَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْوَصِيُّ انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَا يَضُرُّ فِي سَلْبِ الْمَالِيَّةِ كَوْنُهُ يُورَثُ عَنْهُ وَيَغْرَمُ مِنْهُ الدَّيْنَ لِأَنَّهَا مَالٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ رَبُّهُ أَوْ لَيْسَتْ بِمَالٍ حَقِيقَةً فَتَأَمَّلْهُ اهـ. وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي كَوْنِهِ يُؤَدَّى مِنْهَا دَيْنُ الْمَيِّتِ إذَا قَبِلَتْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا: وَلَوْ أَوْصَى الْمَقْتُولُ بِمَالٍ فَقَالَ يَخْرُجُ ثُلُثَيْ مِمَّا عَلِمْت مِنْ مَالِي وَمِمَّا لَمْ أَعْلَمْ لَمْ تَدْخُلْ فِي ذَلِكَ الدِّيَةُ الَّتِي أَخَذَهَا الْوَرَثَةُ لِأَنَّهَا مَالٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَإِنَّمَا قَالَ مَا لَمْ أَعْلَمْ وَدِيَتُهُ لَمْ تَكُنْ مِنْ مَالِهِ وَلَكِنْ يُؤَدَّى مِنْهَا دِيَتُهُ وَيَرِثُهَا عَنْهُ وَرَثَتُهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ﷿ لِأَنَّ السُّنَّةَ أَحْكَمَتْ ذَلِكَ فِي الدِّيَةِ وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ بِمَالٍ لِلْمَقْتُولِ الْمَوْرُوثِ قَالَ ابْنُ دَحُونٍ وَهُوَ صَحِيحٌ اهـ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ.
ص (وَإِنْ عَفَا عَنْ جُرْحِهِ أَوْ صَالَحَ فَمَاتَ)
ش: نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ فَعَفَا ثُمَّ مَاتَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ إنْ قَالَ:
[ ٦ / ٢٥٥ ]
عَفَوْت عَنْ الْيَدِ لَا غَيْرُ لَا إشْكَالَ وَإِنْ قَالَ عَنْ الْيَدِ وَمَا تَرَامَى إلَيْهِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا إشْكَالَ وَإِنْ قَالَ عَفَوْت فَقَطْ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَفَا عَمَّا وَجَبَ لَهُ فِي الْحَالِ وَهُوَ قَطْعُ الْيَدِ اهـ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ أَيْضًا وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَانْدَرَجَ طَرَفٌ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْأَطْرَافَ تَنْدَرِجُ فِي النَّفْسِ كَمَا إذَا قَطَعَ يَدَ وَاحِدٍ وَرِجْلَ آخَرَ وَفَقَأَ عَيْنَ آخَرَ وَقَتَلَ آخَرَ وَهُوَ ظَاهِرٌ (فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الدِّيَاتِ وَمَنْ فَقَأَ أَعْيُنَ جَمَاعَةٍ الْيُمْنَى وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ ثُمَّ قَامُوا فَلْتُفْقَأْ عَيْنُهُ لِجَمِيعِهِمْ وَكَذَلِكَ الْيَدُ وَالرِّجْلُ وَلَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمْ وَهُوَ أَوَّلُهُمْ أَوْ آخِرُهُمْ فَلَهُ الْقِصَاصُ وَلَا شَيْءَ لِمَنْ بَقِيَ وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا ثُمَّ قَتَلَ بَعْدَ ذَلِكَ رِجَالًا فَقُتِلَ فَلَا شَيْءَ فِيهِ لَهُمْ عَلَيْهِ انْتَهَى.
[دِيَةُ الْخَطَإِ]
ص (وَدِيَةُ الْخَطَإِ عَلَى الْبَادِئِ مُخَمَّسَةٌ)
ش: شَرَعَ يَتَكَلَّمُ - ﵀ - عَلَى
[ ٦ / ٢٥٦ ]
الدِّيَةِ وَهِيَ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الدِّيَةُ مَالٌ يَجِبُ بِقَتْلِ آدَمِيٍّ حُرٍّ عَنْ دَمِهِ أَوْ بِجُرْحِهِ مُقَدَّرًا شَرْعًا لَا بِاجْتِهَادٍ فَيَخْرُجُ مَا يَجِبُ بِقَتْلِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ مِنْ قِيمَةِ فَرَسٍ وَنَحْوِهِ وَمَا يَجِبُ بِقَتْلِ ذِي رِقٍّ مِنْ قِيمَتِهِ وَالْحُكُومَةُ انْتَهَى.
ص (وَفِي الْجَنِينِ وَلَوْ عَلَقَةً عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ)
ش: شَمِلَ كَلَامُهُ جَنِينَ الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيِّ قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ لَمَّا ذَكَرَ الْمَسَائِلَ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا مَالِكٌ وَلَمْ يَتْبَعْهُ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مَنْ ضَرَبَ بَطْنَ بَهِيمَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَعَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ
[ ٦ / ٢٥٧ ]
اهـ وَهَذَا خِلَافٌ مَا يَقُولُهُ الْمُصَنِّفُ إنَّمَا فِيهِ مَا نَقَصَهَا وَهُوَ الَّذِي يَقُولُهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ.
ص (وَأُورِثَتْ عَلَى الْفَرَائِضِ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (تَنْبِيهٌ) إذَا كَانَ الْجَانِي هُوَ الْأَبُ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْغُرَّةُ وَلَا يَرِثُ مِنْهَا قَالَهُ فِي الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصَّهُ وَلَوْ ضَرَبَ الْأَبُ بَطْنَ امْرَأَتِهِ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَلَا يَرِثُ الْأَبُ مِنْ دِيَةِ الْجَنِينِ شَيْئًا وَلَا يَحْجُبُ وَيَرِثُهَا مَنْ سِوَاهُ اهـ وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَكَذَلِكَ الْأُمُّ إذَا كَانَتْ هِيَ الَّتِي أَسْقَطَتْ مِثْلَ أَنْ تَشْرَبَ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يُسْقَطُ بِهِ الْجَنِينُ فَإِنَّ الْغُرَّةَ تَجِبُ عَلَيْهَا وَلَا تَرِثُهَا وَأَمَّا إنْ شَرِبَتْ دَوَاءً مِمَّا لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُسْقَطُ بِهِ الْجَنِينُ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ سُقُوطِهِ فَلَا غُرَّةَ عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ الطَّبِيبُ إذَا سَقَاهَا وَكَانَتْ الْأَدْوِيَةُ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ يُسْقَطُ بِهِ الْجَنِينُ فَعَلَيْهِ الْغُرَّةُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُسْقَطُ بِهِ فَلَا غُرَّةَ عَلَيْهِ انْتَهَى بِلَفْظِهِ. وَقَالَ فِي رَسْمِ الْعُقُودِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمَرْأَةِ تَشْرَبُ الدَّوَاءَ وَهِيَ حَامِلٌ فَيُسْقَطُ وَلَدُهَا أَتَرَى عَلَيْهَا شَيْئًا؟ قَالَ: مَا أَرَى بِهِ بَأْسًا إذَا كَانَ دَوَاءً يُشْبِهُ السَّلَامَةَ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ قَدْ يَرْكَبُ الْإِنْسَانُ الدَّابَّةَ فَتَصْرَعُهُ وَقَدْ «كَوَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - سَعْدًا فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِئْسَ الْمَيِّتُ يَهُودُ تَقُولُ يُفْتَنُونَ بِهِ وَيَقُولُونَ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ صَاحِبُهُ» قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَهُ وَهُوَ عَلَى قِيَاسٍ مَا تَقَدَّمَ فِي رَسْمِ الْبَزِّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي تَسْقِيهِ أُمُّهُ الدَّوَاءَ فَيَشْرَبُهُ فَيَمُوتُ اهـ وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ فِي الْحَامِلِ تَشْرَبُ دَوَاءً فَتُلْقِي جَنِينَهَا ذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ عَلَيْهَا عِتْقَ رَقَبَةٍ وَقَالَ فَضْلُ بْنُ مَسْلَمَةَ قَدْ قِيلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهَا إذَا كَانَ دَوَاءً مَأْمُونًا وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا اهـ وَذَكَرَهَا ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ تَبْصِرَتِهِ وَقَالَ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ وَإِذَا شَرِبَتْ الْمَرْأَةُ دَوَاءً فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا لَمْ تَكُنْ لِلْغُرَّةِ ضَامِنَةً اهـ يُرِيدُ إذَا كَانَ دَوَاءً مَأْمُونًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَعَلَى الْقَاتِلِ إلَخْ وَانْظُرْ كِتَابَ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابِ مَا أَصَابَ النَّائِمَ وَالنَّائِمَةَ.
ص (وَفِي الْجِرَاحِ حُكُومَةٌ)
ش: قَالَ فِي الرِّسَالَةِ وَمَا بَرِئَ عَلَى غَيْرِ شَيْنٍ مِمَّا دُونَ الْمُوضِحَةِ فَلَا شَيْءَ
[ ٦ / ٢٥٨ ]
فِيهِ قَالَ الْجُزُولِيُّ اُنْظُرْ أُجْرَةَ الطَّبِيبِ وَثَمَنِ الزَّرَارِيعِ قِيلَ عَلَى الْجَانِي وَقِيلَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ ظَاهِرُ الرِّسَالَةِ أَنَّهُ لَا يُعْطَى أُجْرَةَ الْأَدْوِيَةِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ مَالِكٌ وَقِيلَ يُعْطَى مَا أَنْفَقَهُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ قَالَهُ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ قَالَ ابْنُ نَاجِي أَرَادَ الْفَاكِهَانِيُّ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ مَالِكٌ أَيْ لَمْ يَقُلْ بِأَنَّ الْأُجْرَةَ لَهُ بَلْ قَالَ مِثْلَ ظَاهِرِ كَلَامِ الرِّسَالَةِ إذَا قِيلَ لَهُ مَنْ انْكَسَرَ فَخِذُهُ ثُمَّ جُبِرَتْ مُسْتَوِيَةً أَلَهُ مَا أَنْفَقَ فِي عِلَاجِهِ قَالَ مَا عَلِمْته مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَرَأَيْت إنْ بَرِئَ عَلَى شَيْنٍ أَيَكُونُ لَهُ قِيمَةُ الشَّيْنِ وَمَا أَنْفَقَ فِي عِلَاجِهِ اهـ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ أَجْرُ الطَّبِيبِ بِأَمْرٍ مَعْلُومٍ مَعْمُولٍ بِهِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ بَعْدَهُ ابْنِ رُشْدٍ وَقَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ مِنْ جِرَاحِ الْخَطَإِ أَجْرُ الْمُدَاوِي صَحَّ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ هُنَا وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ هَذَا قَالَ مَالِكٌ مَا عَلِمْت أَجْرَ الطَّبِيبِ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ ذَكَرَهُ قَبْلَ الْكَلَامِ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْمُقَرَّرَةِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ بَابِ الْغَصْبِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ.
ص (كَجَنِينِ الْبَهِيمَةِ)
ش: قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ لَمَّا ذَكَرَ الْمَسَائِلَ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا مَالِكٌ وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ: مَنْ ضَرَبَ بَطْنَ بَهِيمَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَعَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ اهـ وَمَا قَالَهُ خِلَافَ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا فِيهِ قِيمَةُ مَا نَقَصَهَا وَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الَّذِي يَقُولُهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ.
ص (وَإِنْ بِشَيْنٍ فِيهِنَّ)
ش: الضَّمِيرُ لِلْجَائِفَةٌ وَالْآمَّةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَالْهَاشِمَةِ وَالْمُوضِحَةِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ بِسَبَبِ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْجِرَاحَاتِ شَيْنٌ فَإِنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى الْمُقَدَّرِ فِيهَا شَيْءٌ لِأَجَلِ الشَّيْنِ وَلَمْ يَذْكُرُوا خِلَافًا فِي انْدِرَاجِ شَيْنِ غَيْرَ الْمُوضِحَةِ وَاخْتُلِفَ فِي انْدِرَاجِ شَيْنِ الْمُوضِحَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ يَنْدَرِجُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا وَعَزَوْهُ فِي التَّوْضِيحِ لِأَشْهَبَ وَهُوَ ظَاهِرٌ إلْحَاقًا لَهَا بِبَقِيَّةِ أَخَوَاتِهَا وَالثَّانِي أَنَّهُ يُزَادُ لِأَجْلِ الشَّيْنِ سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَعَزَوْهُ فِي التَّوْضِيحِ لِابْنِ زَرْقُونٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا وَمُوضِحَةُ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ إذَا بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ؛ زِيدَ فِي عَقْلِهِ بِقَدْرِ الشَّيْنِ اهـ وَالثَّالِثُ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ كَانَ أَمْرًا مُنْكَرًا زِيدَ لَهُ وَإِلَّا فَلَا اهـ مِنْ التَّوْضِيحِ وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي الْمُوضِحَةِ إذَا بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ ثَلَاثَةٌ مَشْهُورُهَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُزَادُ عَلَى دِيَتِهَا بِقَدْرِ الشَّيْنِ انْتَهَى.
ص (وَفِي الْيَدَيْنِ)
ش: قَالَ ابْنُ نَاجِي وَالدِّيَةُ كَامِلَةٌ فِي مَجْمُوعِ الْيَدَيْنِ سَوَاءٌ قُطِعَتْ الْأَصَابِعُ خَاصَّةً أَوْ قُطِعَتْ مَعَ الْكَفِّ أَوْ مَعَ الذِّرَاعِ أَوْ قُطِعَتْ الْيَدَانِ مِنْ الْمَنْكِبَيْنِ وَهُوَ الَّذِي قُلْنَاهُ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَلَوْ قُطِعَ كَفٌّ وَلَيْسَ فِيهَا إلَّا أُصْبُعٌ وَاحِدَةٌ فَلَهُ دِيَةُ الْأُصْبُعِ وَاسْتَحْسَنَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْكَفِّ حُكُومَةً قَالَ أَشْهَبُ لَا شَيْءَ لَهُ فِي الْكَفِّ إذَا مَا بَقِيَ شَيْءٌ لَهُ دِيَةٌ وَاتَّفَقُوا إذَا بَقِيَ الْكَفُّ خَاصَّةً فَفِيهَا حُكُومَةٌ وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يَذْهَبْ لَهُ إلَّا أُصْبُعٌ وَاحِدٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْكَفِّ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَجَعَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْأُصْبُعَ قَلِيلًا كَمَا لَوْ لَمْ يَبْقَ فِيهَا شَيْءٌ وَجَعَلَ أَشْهَبُ وُجُودَهَا مَانِعًا مِنْ أَخْذِ الْحُكُومَةِ وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ سَحْنُونٌ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْأُصْبُعَيْنِ وَجَعَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ الثَّلَاثَةَ مِنْ حَيِّزِ الْقَلِيلِ فَلَهُ فِي الْكَفِّ عِنْدَهُ بِحِسَابِ مَا ذَهَبَ مِنْ الْأَصَابِعِ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ إذَا ذَهَبَ مِنْهَا أُصْبُعَانِ ثُمَّ قُطِعَ الْكَفُّ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ أَخَذَ فِي الْأُصْبُعَيْنِ عَقْلًا أَوْ قَوَدًا فَلَهُ عَقْلُ
[ ٦ / ٢٥٩ ]
ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ وَلَا حُكُومَةَ لَهُ اهـ. وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجِرَاحِ إذَا ذَهَبَتْ أُصْبُعٌ مِنْ الْكَفِّ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَبِجِنَايَةٍ وَقَعَ فِيهَا قِصَاصٌ أَوْ عَقْلٌ ثُمَّ أُصِيبَتْ الْكَفُّ خَطَأً فَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ وَلَوْ ذَهَبَتْ مِنْهَا أُنْمُلَةٌ اُقْتُصَّ مِنْهَا لَقُوصِصَ بِهَا فِي دِيَةِ الْكَفِّ. وَمَنْ قَطَعَ كَفًّا خَطَأً وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَصَابِعِهَا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ بِحِسَابِ مَا بَقِيَ مِنْ الْأَصَابِعِ فِي الْكَفِّ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِي الْكَفِّ إلَّا أُصْبُعٌ وَاحِدَةٌ فَعَلَيْهِ فِي الْأُصْبُعِ دِيَتُهَا وَاسْتُحْسِنَ فِي الْكَفِّ حُكُومَةٌ وَمَنْ قَطَعَ كَفَّ رَجُلٍ عَمْدًا وَقَدْ ذَهَبَ مِنْهَا أُصْبُعَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ ﷿ أَوْ بِجِنَايَةٍ وَقَطْعٍ فِيهَا قِصَاصٌ أَوْ عَقْلٌ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْعَقْلُ فِي مَالِهِ وَلَوْ ذَهَبَ مِنْهَا أُصْبُعٌ وَاحِدَةٌ قُطِعَتْ يَدُهُ قِصَاصًا سَوَاءٌ كَانَتْ الْإِبْهَامُ الْمَقْطُوعَةَ أَوْ غَيْرُهَا انْتَهَى.
ص (وَالْقِيمَةُ لِلْعَبْدِ كَالدِّيَةِ)
ش: قَالَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي مَأْمُومَةِ الْعَبْدِ وَجَائِفَتِهِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ ثُلُثُ قِيمَتِهِ وَفِي مُنَقَّلَتِهِ عُشْرُ قِيمَتِهِ وَنِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ وَفِي
[ ٦ / ٢٦٠ ]
مُوَضِّحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ جِرَاحَاتِهِ مَا نَقَصَهُ بَعْدَ بُرْئِهِ اهـ. فَإِنْ بَرِئَتْ الْجِرَاحَاتُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى شَيْنٍ فَاخْتُلِفَ هَلْ يُزَادُ لِأَجْلِ الشَّيْنِ أَوْ لَا يُزَادُ وَيَكُونُ الْوَاجِبُ فِيهَا حِينَئِذٍ مَا نَقَصَهُ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَانْظُرْ الشَّيْخَ أَبَا الْحَسَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَسِنُّ الصَّغِيرِ لَمْ يُثْغِرْ لِلْإِيَاسِ كَالْقَوَدِ وَإِلَّا اُنْتُظِرَ سَنَةً)
ش: يَعْنِي أَنَّ سِنَّ الصَّغِيرِ إذَا قُلِعَتْ قَبْلَ الْإِثْغَارِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا لَمْ يُعَجَّلْ فِيهَا الْقَوَدُ وَلَا الدِّيَةُ حَتَّى يُؤَيَّسَ مِنْ نَبَاتِهَا. فَقَوْلُهُ كَالْقَوَدِ تَشْبِيهٌ لِإِفَادَةِ الْحُكْمِ وَقَيَّدَ اللَّخْمِيُّ وَقْفَ الْعَقْلِ بِغَيْرِ الْمَأْمُونِ وَأَمَّا الْجَانِي الْمَأْمُونُ فَلَا يُوقَفُ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّهُ يُوقَفُ جَمِيعُ عَقْلِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ وَقَوْلُهُ وَإِلَّا اُنْتُظِرَ سَنَةً. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَإِلَّا اُنْتُظِرَ بِهَا سَنَةً يَعْنِي أَنَّهُ إذَا جَاوَزَ السِّنَّ الَّذِي لَا يَنْبُتُ فِيهِ وَلَمْ تَنْقَضِ سَنَةٌ اُنْتُظِرْت بَقِيَّةُ السَّنَةِ وَوَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ، وَالْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ انْتَهَى. وَانْظُرْ ضَبْطَ يُثْغِرُ وَالْإِثْغَارِ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (وَسَقَطَ إنْ عَادَتْ) ش يَعْنِي أَنَّهُ إذَا عَادَتْ سِنُّ الصَّغِيرِ سَقَطَ الْقَوَدُ وَالْعَقْلُ وَأَمَّا الْكَبِيرُ إذَا قُضِيَ لَهُ بِعَقْلِ
[ ٦ / ٢٦١ ]
سِنِّهِ ثُمَّ عَادَتْ أَوْ أُذُنِهِ ثُمَّ عَادَتْ بَعْدَ الْحُكْمِ فَلَا يَرُدُّ شَيْئًا اتِّفَاقًا وَإِنْ رُدَّتَا مِنْهُ قَبْلَ الْحُكْمِ وَعَادَتَا فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُقْضَى بِالْعَقْلِ فِيهَا وَأَمَّا الْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُقَادُ مِنْهُ وَلَوْ عَادَتْ السِّنُّ أَوْ الْأُذُنُ قَالَ فِي الْبَيَانِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ قَبْلَ الْكَلَامِ عَلَى الْأَحَقِّ بِالدَّمِ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) فَإِنْ قُلِعَتْ سِنُّ الصَّغِيرِ بَعْدَ الْإِثْغَارِ وَنَبَاتِهَا أَخَذَ الدِّيَةَ مُعَجَّلَةً نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ
[ ٦ / ٢٦٢ ]
وَغَيْرُهُ.
ص (بِخِلَافِ الْبَكَارَةِ)
ش: أَيْ فَإِنَّهَا تَنْدَرِجُ تَحْتَ الْمَهْرِ فَإِذَا وَطِئَ بِكْرًا أَوْ افْتَضَّهَا غَصْبًا فَعَلَيْهِ صَدَاقُهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الزِّنَا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ هُنَا وَالزَّوْجُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ وَأَظُنُّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
ص (إلَّا بِأُصْبُعِهِ)
ش: يَعْنِي إلَّا إذَا أَزَالَ الْبَكَارَةَ بِأُصْبُعِهِ فَإِنَّهَا لَا تَنْدَرِجُ فِي الْمَهْرِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ زَوْجَتِهِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ عَلَيْهِ مَا شَانَهَا عِنْدَ الْأَزْوَاجِ مَعَ الْأَدَبِ فَأَمَّا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِزَوْجَتِهِ فَقَالَ هَهُنَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَدَبٌ إلَّا مَا شَانَهَا بِهِ إنْ أَمْسَكَهَا وَلَمْ يُطَلِّقْهَا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ جَمِيعُ صَدَاقِهَا إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا. يُرِيدُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَا شَانَهَا فِعْلُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَزْوَاجِ وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الزَّوْجِ كَالْوَطْءِ يَجِبُ بِهِ جَمِيعُ الصَّدَاقِ. وَقَالَ أَصْبَغُ الْقِيَاسُ أَنَّهُ فِي الْأُصْبُعِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ يُرِيدُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا مَا شَانَهَا بِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَزْوَاجِ لَا فِي وُجُوبِ الْأَدَبِ فَقَوْلُ أَصْبَغَ فِي سَمَاعِهِ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ هُنَا اهـ. وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ لَوْ أَزَالَ بَكَارَةَ زَوْجَتِهِ بِأُصْبُعِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَعَلَيْهِ قَدْرُ مَا شَانَهَا مَعَ نِصْفِ الصَّدَاقِ وَيُنْظَرُ مَا شَانَهَا عِنْدَ الْأَزْوَاجِ فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا اهـ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَوْ أَزَالَ الْبَكَارَةَ بِأُصْبُعِهِ فَحُكُومَةٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فَعَلَى الزَّوْجِ حُكُومَةٌ وَعَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ إنْ طَلَّقَ وَهُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَ أَصْبَغَ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا اهـ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْحُكُومَةَ تَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ وَلَوْ لَمْ يُطَلِّقْ وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فَيُقَيَّدُ كَلَامُ التَّوْضِيحِ بِأَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَكَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ بَعْدَهُ يُقَوِّي الْإِبْهَامَ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَهُ وَالزَّوْجُ وَغَيْرُهُ فِيهِمَا سَوَاءٌ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْ فِي الْإِفْضَاءِ وَالْبَكَارَةِ سَوَاءٌ أَيْ فِي لُزُومِ الدِّيَةِ وَالْحُكُومَةِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْإِفْضَاءِ وَلُزُومِ الْحُكُومَةِ فِي الْبَكَارَةِ انْتَهَى. فَيُقَيَّدُ كَلَامُهُ بِكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَانْظُرْ الْمَسْأَلَةَ أَيْضًا فِي رَسْمِ الرُّطَبِ بِالْيَابِسِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجِنَايَاتِ.
ص (وَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ)
[ ٦ / ٢٦٣ ]
ش قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَهِيَ خَمْسُونَ دِينَارًا عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ وَسِتّمِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ (فَرْعٌ) إذَا أُخِذَتْ دِيَةُ السِّنِّ أَوْ الْأَصَابِعِ وَالْجِرَاحِ مِنْ الْإِبِلِ فَتُؤْخَذُ مُخَمَّسَةً مِنْ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ بَنَاتِ الْمَخَاضِ وَبَنَاتِ اللَّبُونِ وَبَنُو اللَّبُونِ وَالْحِقَّاتِ وَالْجَذَعَاتِ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ.
ص (وَاسْوِدَادٌ)
ش: أَيْ فَإِنْ انْقَلَعَتْ فَفِيهَا دِيَةٌ أُخْرَى قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ فَانْظُرْهُ.
ص (فَإِنْ ثَبَتَتْ لِكَبِيرٍ)
ش: أَيْ فَإِنْ ثَبَتَتْ سِنُّ الْكَبِيرِ بَعْدَ قَلْعِهَا وَقَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ عَقْلَهَا فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْعَقْلَ وَهَذَا إذَا قُلِعَتْ السِّنُّ وَأَمَّا لَوْ اضْطَرَبَتْ جِدًّا ثُمَّ ثَبَتَتْ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهَا كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ
[ ٦ / ٢٦٤ ]
قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَاشْتِدَادُ اضْطِرَابِهَا فِيمَنْ لَا يُرْجَى كَقَلْعِهَا فَإِنَّهُ قَالَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيُسْتَأْنَى بِهَا سَنَةً اهـ.
ص (عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْجَانِي)
ش: مَا ذَكَرَهُ مِنْ دُخُولِ الْجَانِي هُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ لَا يَدْخُلُ ابْنُ عَرَفَةَ وَعَلَيْهِ إنْ لَمْ تَكُنْ عَاقِلَةً تَسْقُطُ الْجِنَايَةُ وَعَلَى الْأَوَّلِ إنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُعِينُهُ فِيهَا عَادَتْ عَلَيْهِ وَقِيلَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْ عَسُرَ تَنَاوُلُهَا كَانَتْ عَلَيْهِ اهـ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْمُفَرَّعَيْنِ عَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْجَارِي عَلَى كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ جِنَايَةَ الْعَبْدِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لِأَنَّهُ إنْ جَنَى عَمْدًا اُقْتُصَّ مِنْهُ وَإِنْ جَنَى خَطَأً فَفِي رَقَبَتِهِ اهـ. وَكَذَا لَا تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ وَكَذَلِكَ الصُّلْحُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَمَّا يَلْزَمُ الْعَاقِلَةُ مِنْ دِيَةِ الْخَطَإِ فَمِنْ حَقِّ الْعَاقِلَةِ أَنْ تَرُدُّهُ إنْ شَاءَتْ وَإِنْ كَانَ عَنْ عَمْدٍ فَلَا يَلْزَمُهَا الْأَصْلُ وَلَا الْفَرْعُ اهـ.
ص (إنْ بَلَغَ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ الْجَانِي)
ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَحَكَى اللَّخْمِيُّ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ إلَّا مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ انْتَهَى. وَفُهِمَ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ أَنَّ الْغُرَّةَ لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مَالِ الْجَانِي قَالَ فِي التَّوْضِيحِ هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَرَوَى أَبُو الْفَرَجِ أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهَا لِأَنَّهَا دِيَةُ شَخْصٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ وَالْأَوَّلُ يُقَيَّدُ بِأَنْ لَا يَكُونَ ثُلُثَ دِيَةِ الْجَانِي فَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ ضَرَبَ
[ ٦ / ٢٦٥ ]
مَجُوسِيٌّ أَوْ مَجُوسِيَّةٌ بَطْنَ مُسْلِمَةٍ خَطَأً فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا حَمَلَهُ عَاقِلَةُ الضَّارِبِ اهـ
[فَرْعٌ جَنَى عَلَيْهِ مَا لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ فَسَرَى إلَى مَا تَحْمِلُهُ]
(فَرْعٌ) لَوْ جَنَى عَلَيْهِ مَا لَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ فَسَرَى إلَى مَا تَحْمِلُهُ حَمَلَتْ الْجَمِيعَ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً خَطَأً فَذَهَبَ سَمْعُهُ وَعَقْلُهُ فَدِيَتَانِ وَنِصْفُ عُشْرٍ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً وَمَأْمُومَةً بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ هُوَ ظَاهِرٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ الَّذِي يَرَى الْعَقْلَ فِي الْقَلْبِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَإِذَا كَانَتْ الْمُوضِحَةُ فِي اللَّحْمِ الْأَعْلَى مِنْ الْوَجْهِ سَقَطَتْ دِيَةُ الْمُوضِحَةِ اهـ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ مَحَلَّ الْعَقْلِ الرَّأْسُ تُسْقِطُ دِيَةَ الْمُوضِحَةِ لِانْدِرَاجِهَا فِي دِيَةِ الْعَقْلِ لِاتِّحَادِ الْمَحَلِّ وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إذْ قَالَ مَا نَصُّهُ هَذَا ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ مَحَلَّ الْعَقْلِ الْقَلْبُ أَمَّا مَنْ يَرَاهُ الدِّمَاغَ فَيَنْظُرُ فِي الْمُوضِحَةِ فَإِنْ كَانَتْ فِي الْفَكِّ الْأَعْلَى مِنْ الْوَجْهِ فَكَذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الدِّمَاغِ فَيُسْتَغْنَى بِدِيَةِ الْعَقْلِ عَنْ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ وَلَيْسَ مُرَادُ الْمُؤَلِّفِ هُنَا تَحْقِيقُ هَذَا الْمَعْنَى وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ الضَّرْبَةَ الْوَاحِدَةَ إذَا كَانَ عَنْهَا جُرْحَانِ أَوْ جِرَاحَاتٌ يَقْصُرُ بَعْضُهَا عَنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ وَكَانَ فِي الْمَجْمُوعِ مَا يَبْلُغُ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَأَكْثَرَ الْعَاقِلَةُ تَحْمِلُهُ وَلِهَذَا عَقَّبَ هَذَا الْكَلَامَ بِقَوْلِهِ وَكَذَا لَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً انْتَهَى. قَالَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجِرَاحِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ شَجَّ رَجُلًا ثَلَاثَ مَأْمُومَاتٍ فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ فَفِيهَا الدِّيَةُ كَامِلَةٌ وَإِنْ شَجَّهُ ثَلَاثَ مُنَقِّلَاتٍ فِي ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ حَمَلَتْهُ الْعَاقِلَةُ لِأَنَّ هَذَا يَبْلُغُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي ثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ كَانَ ضَرْبًا مُتَتَابِعًا لَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ فَهُوَ كَضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ وَإِنْ كَانَ مُفَرَّقًا فِي غَيْرِ فَوْرٍ وَاحِدٍ لَمْ تَحْمِلْهُ الْعَاقِلَةُ انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ خَطَأٌ مِمَّا لَوْ كَانَتْ عَمْدًا فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ لَهُ مِنْ الْمُوضِحَةِ فَإِنْ ذَهَبَ عَقْلُ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ وَسَمْعُهُ فَوَاضِحٌ وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ ذَلِكَ فَدِيَةُ ذَلِكَ فِي مَالِ الْجَانِي وَقَوْلُهُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ احْتِرَازٌ مِنْ ضَرْبَتَيْنِ فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ الْمُوضِحَةَ حِينَئِذٍ لِأَنَّهَا دُونَ الثُّلُثِ انْتَهَى.
ص (وَدِيَةٌ الْحَالِفَيْنِ)
ش: قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ تَكُونُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ وَهُوَ ضَرْبُ الزَّوْجِ وَالْمُؤَدِّبِ وَالْأَبِ فِي وَلَدِهِ وَالْأُمِّ وَالْأَجْدَادِ وَفِعْلِ الطَّبِيبِ وَالْخَاتِنِ وَهُوَ كُلُّ مَنْ جَازَ فِعْلُهُ شَرْعًا وَقِيلَ اللَّطْمَةُ وَالْوَكْزَةُ وَالرَّمْيَةُ بِالْحَجَرِ وَالضَّرْبُ بِعُصَاةٍ مُتَعَمِّدًا فَهَذَا شِبْهُ الْعَمْدِ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَتَكُونُ فِيهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ انْتَهَى.
ص (ثُمَّ بِهَا الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَيَبْدَأُ بِالْفَخْذِ ثُمَّ الْبَطْنِ ثُمَّ الْعِمَارَةِ ثُمَّ الْفَصِيلَةِ ثُمَّ الْقَبِيلَةِ ثُمَّ أَقْرَبِ الْقَبَائِلِ (فَائِدَةٌ) أَسْمَاءُ طَبَقَاتِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ سِتَّةٌ: الشَّعْبُ ثُمَّ الْقَبِيلَةُ ثُمَّ الْعِمَارَةُ ثُمَّ الْفَخِذُ ثُمَّ الْبَطْنُ ثُمَّ الْفَصِيلَةُ وَزَادَ بَعْضُهُمْ الْعَشِيرَةُ فَالشَّعْبُ بِالْفَتْحِ كَمَا قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ وَالْقُرْطُبِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ شَعْبِ الرَّأْسِ بِالْفَتْحِ أَيْضًا وَهُوَ شَأْنُهُ الَّذِي يَضُمُّ قَبَائِلَهُ كَمَا قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ وَالشَّأْنُ وَاحِدُ الشُّئُونِ وَهُوَ تَوَاصُلُ قَبَائِلِ الرَّأْسِ وَمُلْتَقَاهَا وَمِنْهَا تَجِيءُ الدُّمُوعُ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ وَالْقَبِيلَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَبَائِلِ الرَّأْسِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ وَهُوَ الْعِظَامُ الْمُتَشَعِّبُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ يَصِلُ بِهَا الشُّئُونَ وَبِهَا سُمِّيَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ وَالْوَاحِدَةُ قَبِيلَةٌ وَهُمْ بَنُو أَبٍ وَاحِدٍ، وَالْقَبِيلُ الْجَمَاعَةُ تَكُونُ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا مِنْ قَوْمٍ شَتَّى مِثْلِ الرُّومِ وَالزِّنْجِ وَالْعَرَبِ وَالْجَمْعُ قَبِيلٌ وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا﴾ [الأنعام: ١١١] وَقَالَ الْأَخْفَشُ قَبِيلًا قَبِيلًا وَقَالَ الْحَسَنُ عِيَانًا انْتَهَى. وَقَبَائِلُ الرَّأْسِ أَرْبَعُ قِطَعٍ: الشَّعْبُ بِالْفَتْحِ مِنْ الْأَضْدَادِ قَالَهُ
[ ٦ / ٢٦٦ ]
الْقُرْطُبِيُّ وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ وَالشَّعْبُ الصَّدْعُ فِي الشَّيْءِ وَإِصْلَاحِهِ أَيْضًا الشَّعْبُ وَمُصْلِحُهُ الشَّعَّابُ وَالْآلَةُ مِشْعَبٌ انْتَهَى. وَقِيلَ سُمِّيَتْ قَبَائِلُ لِتَقَابُلِ الْأَنْسَابِ فِيهَا وَالْعِمَارَةُ بِالْفَتْحِ وَقَدْ تُكْسَرُ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ عِمَارَةِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ صَدْرُهُ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْقَلْبِ وَهُوَ عِمَارَةُ الْجَسَدِ وَالْبَطْنِ لِأَنَّ بُطُونَ الْإِنْسَانِ تَحْتَ صَدْرِهِ وَالْفَخْذُ كَذَلِكَ وَالْفَصِيلَةُ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَهُوَ مَا تَحْتَ الْفَخْذِ لِأَنَّ بِهِ يُفْصَلُ خَلْقُهُ مِنْ غَيْرِهِ وَيَنْقَطِعُ آخِرُهُ انْتَهَى. فَهَذَا هُوَ التَّرْتِيبُ الْمَعْرُوفُ وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ الشَّعْبُ ثُمَّ الْقَبِيلَةُ ثُمَّ الْفَصِيلَةُ ثُمَّ الْعِمَارَةُ ثُمَّ الْبَطْنُ ثُمَّ الْفَخْذُ فَقَدَّمَ الْفَصِيلَةَ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فَخَالَفَ غَيْرَهُ مَعَ أَنَّهُ قَدَّمَ فِي بَابٍ أَنَّ فَصِيلَةَ الرَّجُلِ رَهْطُهُ الْأَقْرَبُونَ وَالرَّهْطُ قَبِيلَةُ الرَّجُلِ وَقَوْمُهُ الَّتِي تَنْصُرُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١] انْتَهَى. وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ تَكُونُ الْفَصِيلَةُ كَالْعُنُقِ مِنْ الْإِنْسَانِ لِأَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الرَّأْسِ وَالْجَسَدِ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ فَخُزَيْمَةُ شِعْبٌ، وَكِنَانَةُ قَبِيلَةٌ وَقُرَيْشٌ عِمَارَةُ قُصَيٍّ بَطْنُ هَاشِمٍ فَخْذ الْعَبَّاسُ فَصِيلَةٌ الْعَشِيرَةُ الْأُخُوَّةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ
[ ٦ / ٢٦٧ ]
فَقَالَ
اقْصِدْ الشَّعْبَ فَهْوَ أَكْبَرُ حَيٍّ عَدَا فِي الْعِدَا ثُمَّ الْقَبِيلَهْ
ثُمَّ يَتْلُوهَا الْعِمَارَةُ ثُمَّ الْبَطْنُ وَالْفَخْذُ بَعْدَهَا وَالْفَصِيلَهْ
ثُمَّ مِنْ بَعْدِهَا الْعَشِيرَةُ لَكِنْ هِيَ فِي جَنْبِ مَنْ ذَكَرْنَا قَلِيلَهُ
وَقَالَ آخَرُ
قَبِيلَةٌ قَبْلَهَا شَعْبٌ وَبَعْدَهُمَا عِمَارَةٌ ثُمَّ بَطْنٌ وَالْفَخْذُ تَلِيهِمَا
وَلَيْسَ يَأْوِي الْفَتَى إلَّا فَصِيلَتُهُ وَلَا شِدَادَ لَهُ إلَّا عَشْرَتُهُ
وَالشَّعْبُ رُءُوسُ الْقَبَائِلِ مِثْلُ عَدْنَانَ وَقَحْطَانَ وَالْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَالْقَبَائِلُ مَا انْقَسَمَتْ فِيهَا أَنْسَابُ الشَّعْبِ مِثْلُ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ وَالْعِمَارَةُ مَا انْقَسَمَتْ فِيهَا أَنْسَابُ الْقَبِيلَةِ مِثْلُ كِنَانَةَ وَقُرَيْشٍ وَالْبَطْنُ مَا انْقَسَمَتْ فِيهَا أَنْسَابُ الْعِمَارَةِ مِثْلُ عَبْدِ مَنَافٍ وَبَنِي مَخْزُومٍ وَالْفَخِذُ مَا انْقَسَمَتْ فِيهَا أَنْسَابُ الْبَطْنِ مِثْلُ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي أُمَيَّةَ وَالْفَصِيلَةُ مَا انْقَسَمَتْ فِيهَا أَنْسَابُ الْفَخْذِ مِثْلُ بَنِي الْعَبَّاسِ وَبَنِي أَبِي طَالِبٍ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ فَإِذَا تَبَاعَدَتْ الْأَنْسَابُ صَارَتْ الْقَبَائِلُ شُعُوبًا وَالْعَمَائِرُ قَبَائِلَ انْتَهَى. وَالْعَشِيرَةُ مِثْلُ أَوْلَادِ الْعَبَّاسِ وَأَوْلَادِ أَبِي طَالِبٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنْفُسِهِمْ وَقِيلَ: الشُّعُوبُ عَرَبُ الْيَمِينِ مِثْلُ قَحْطَانَ وَالْقَبَائِلُ مِثْلُ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ وَقِيلَ الشُّعُوبُ بُطُونُ الْعَجَمِ وَالْقَبَائِلُ بُطُونُ الْعَرَبِ قَالَ الْقُشَيْرِيُّ وَعَلَى هَذَا فَالشُّعُوبُ مَنْ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ نَسَبٌ كَالسِّنْدِ وَالتُّرْكِ وَالْقَبَائِلِ مِنْ الْعَرَبِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الشُّعُوبُ الْمَوَالِي وَالْقَبَائِلُ الْعَرَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (ثُمَّ بَيْتُ الْمَالِ)
ش: ابْنُ عَرَفَةَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ مَنْ لَا قَوْمَ لَهُ فَالْمُسْلِمُونَ يَعْقِلُونَ عَنْهُ. اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَتْ لَهُ عَاقِلَةٌ قَلِيلَةٌ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَا يَحْمِلُ لِقِلَّتِهِمْ، حُمِلَ عَلَيْهِمْ مَا يَحْمِلُونَ وَالْبَاقِي عَلَى بَيْتِ الْمَالِ انْتَهَى.
(قُلْت) عَزْوُهُ لِلشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَقِف عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ (وَالْمَسْأَلَةُ) فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ وَالْمَوَارِيثِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهَا وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ الذِّمِّيِّينَ فَعَقْلُهُمْ وَحَرَائِرُ أَمْوَالِهِمْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَيَرِثُهُمْ الْمُسْلِمُونَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَرَثَةٌ مُسْلِمُونَ يُعْرَفُونَ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْأَعَاجِمِ وَالْبَرْبَرِ وَالسُّودَانِ وَالْقِبْطِ وَلَا مَوَالِيَ لَهُمْ فَعَقْلُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَمِيرَاثُهُمْ لَهُمْ انْتَهَى. وَفِيهَا أَيْضًا وَإِذَا كَانَ عَبْدٌ مُسْلِمٌ لِقُرَشِيٍّ وَذِمِّيٍّ فَأَعْتَقَاهُ مَعًا فَوَلَاءُ حِصَّةِ الذِّمِّيِّ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ نَصْرَانِيًّا فَأَعْتَقَاهُ مَعًا ثُمَّ جَنَى جِنَايَةً كَانَ نِصْفُهَا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لَا عَلَى الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُهُ وَنِصْفُهَا عَلَى أَهْلِ خَرَاجِ الذِّمِّيِّ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ مَعَهُ الْجِزْيَةَ وَلَوْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ بَعْدَ الْعِتْقِ ثُمَّ جَنَى كَانَتْ حِصَّةُ الذِّمِّيِّ مِنْ جِنَايَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ دُونَهُمْ لِأَنَّهُمْ وَرِثُوا حِصَّتَهُ وَالنِّصْفُ عَلَى قَوْمِ الْقُرَشِيِّ. اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامَ أَبِي الْحَسَنِ عَلَيْهَا وَغَيْرِهِ
ص (وَعَلَى الْقَاتِلِ الْحُرِّ)
ش: قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْفَصْلِ التَّاسِعِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ التَّبْصِرَةِ (فَرْعٌ) لَوْ سَقَتْ وَلَدَهَا دَوَاءً فَشَرِقَ فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَكَذَا لَوْ انْقَلَبَتْ عَلَى وَلَدِهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا غَيْرُ الْكَفَّارَةِ انْتَهَى.
(وَمَسْأَلَةٌ) سَقْيُ الدَّوَاءِ ذَكَرَهَا فِي الْعُتْبِيَّة فِي رَسْمِ الْبَزِّ مِنْ سَمَاع ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ وَمَسْأَلَةُ النَّائِمَةُ تَنْقَلِبُ عَلَى وَلَدِهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ فَيَمُوتُ ذَكَرَهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ فِي بَابِ مَا أَصَابَ النَّائِمَ وَالنَّائِمَةَ وَزَادَ وَدِيَتُهُ عَلَى
[ ٦ / ٢٦٨ ]
عَاقِلَتِهَا وَنَصُّهُ: وَإِذَا نَامَتْ امْرَأَةٌ عَلَى وَلَدِهَا فَقَتَلَتْهُ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهَا وَتُعْتِقُ رَقَبَةً انْتَهَى. وَقَالَ الْمَشَذَّالِيّ فِي حَاشِيَتِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَإِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مُحَلَّةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ وَلَا يُدْرَى مَنْ قَتَلَهُ لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ أَحَدٌ وَيَبْطُلُ دَمُهُ وَلَا يَكُونُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا غَيْرِهِ. مَا نَصُّهُ (سُئِلَ) ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَنْ نَامَ مَعَ زَوْجَتِهِ فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ فَأَصْبَحَ الْوَلَدُ بَيْنَهُمَا مَيِّتًا لَا يُدْرَى أَيُّهُمَا رَقَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَمْ أَرَ فِيهَا نَصًّا وَعِنْدِيّ أَنَّهُ هَدَرٌ.
(قُلْت) لِشَيْخِنَا فَمَا رَأْيُكُمْ فِيهَا؟ قَالَ كَرَأْيِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهَا هُنَا انْتَهَى.
[فَرْعٌ كَانَ لِلَّوْثِ شُهُودٌ غَيْرُ عُدُولٍ أَوْ تُعْرَفُ جُرْحَتُهُمْ أَوْ تُتَوَهَّمُ فِيهِمْ الْجُرْحَةُ]
ص (أَوْ نُكُولُ الْمُدَّعِي عَلَى ذِي اللَّوْثِ وَحَلِفُهُ)
ش: (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ: إذَا كَانَ لِلَّوْثِ شُهُودٌ غَيْرُ عُدُولٍ أَوْ تُعْرَفُ جُرْحَتُهُمْ أَوْ تُتَوَهَّمُ فِيهِمْ الْجُرْحَةُ فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِمْ بِشَهَادَتِهِمْ ضَرْبُ مِائَةِ سَوْطٍ وَسِجْنُ عَامٍ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمْ السِّجْنُ الطَّوِيلُ رَجَاءَ أَنْ يُوجَدَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ وَأَمَّا إنْ كَانُوا مَجْهُولِينَ لَا يُعْرَفُونَ بِجُرْحَةٍ وَلَا عَدَالَةٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّرْبُ وَالسِّجْنُ إنْ عَفَا عَنْهُ قَبْلَ الْقَسَامَةِ أَوْ بَعْدَهَا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْقَسَامَةِ فِي ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ضَرْبُ مِائَةٍ وَسِجْنُ عَامٍ عَلَى الْقَوْلِ بِسُقُوطِ الْقَسَامَةِ مَعَ ذَلِكَ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَمَّا إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ عَدْلٌ فَلَا اخْتِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِي وُجُوبِ الْقَسَامَةِ بِذَلِكَ وَلَا فِي وُجُوبِ ضَرْبِ مِائَةٍ وَسَجْنِهِ عَامًا إنْ عَفَا عَنْهُ الْأَوْلِيَاءُ قَبْلَ الْقَسَامَةِ أَوْ بَعْدَهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضْرَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّمَ بِالتُّهْمَةِ وَإِنَّمَا يُحْبَسُ بِهَا إذَا كَانَ مِمَّنْ يَلِيقُ بِهِ التُّهْمَةُ الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ رَجَاءَ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، وَإِنْ قَوِيَتْ عَلَيْهِ التُّهْمَةُ بِمَا يُشْبِهُ عَلَيْهِ مِمَّا لَمْ يَتَحَقَّقْ تَحْقِيقًا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ حُبِسَ الْحَبْسَ الطَّوِيلَ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ بَرَاءَتُهُ أَوْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ السُّنُونَ الْكَثِيرَةُ قَالَ مَالِكٌ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُحْبَسُ فِي الدَّمِ بِاللَّطْخِ وَالتُّهْمَةِ حَتَّى أَنَّ أَهْلَهُ لَيَتَمَنَّوْنَ لَهُ الْمَوْتَ مِنْ طُولِ السِّجْنِ فَإِنْ لَمْ يُتَّهَمْ وَكَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ حُبِسَ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَإِنْ لَمْ يُتَّهَمْ وَكَانَ مَعْرُوفًا بِالصَّلَاحِ لَمْ يُحْبَسْ وَلَوْ يَوْمًا وَاحِدًا انْتَهَى.
[فَرْعٌ تَقْدِيمِ الضَّرْبِ عَلَى السِّجْنِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي تَقْدِيمِ الضَّرْبِ عَلَى السِّجْنِ وَالتَّخْيِيرِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ لِسَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ أَشْهَبَ وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ غَيْرَ مَا فِي السَّمَاعِ انْتَهَى.
[الْقَسَامَةُ]
ص (وَالْقَسَامَةُ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْقَسَامَةُ حَلْفُ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ جُزْأَهَا عَلَى إثْبَاتِ الدَّمِ. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ: الْقَسَامَةُ تَرْدِيدُ الْأَيْمَانِ بَيْنَ الْحَالِفِينَ. أَشْهَبُ: الْقَسَامَةُ سُنَّةٌ لَا رَأْيَ لِأَحَدٍ فِيهَا وَكَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَقَرَّهَا - ﵊ -
ص (قَتَلَنِي فُلَانٌ وَلَوْ خَطَأً)
ش: قَالَ
[ ٦ / ٢٦٩ ]
الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَأَظُنُّهُ نَاقِلًا عَنْ ابْنِ يُونُسَ لَوْ قِيلَ لِلْمَجْرُوحِ مَنْ ضَرَبَك فَقَالَ لَا أَعْرِفُهُ وَلَا أَدْرِي مَنْ ضَرَبَنِي ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فُلَانٌ فَالتَّدْمِيَةُ بَاطِلَةٌ انْتَهَى.
[فَرْعٌ قَالَ دَمِي عَلَى رَجُل ثُمَّ شَهِدَ شُهُود أَنَّهُ قَالَ دَمِي عَلَى رَجُل آخِر قبله وَقَالَ لَمَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ إنِّي خشيت أَنْ يرجع إِلَيَّ فيتم عَلَيَّ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ
[ ٦ / ٢٧٠ ]
فِي رَجُلٍ دَمِيَ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ شَهِدَ شُهُودٌ أَنَّهُ قَالَ دَمِيَ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ قَبْلَهُ وَقَالَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ إنِّي خَشِيت أَنْ يَرْجِعَ إلَيَّ فَيُتِمَّ عَلَيَّ أَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ التَّدْمِيَةَ لِأَنَّ فِي تَدْمِيَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ أَوَّلًا إبْرَاءٌ لَهُ وَلَا يُصَدَّقُ فِي قَوْلِهِ أَخَافُ أَنَّهُ يُتِمُّ عَلَيَّ لِأَنَّهُ كَمَنْ أَبْرَأَ رَجُلًا مِنْ حَقٍّ ثُمَّ قَامَ يَطْلُبُهُ وَقَالَ: إنَّمَا أَبْرَأْته لِوَجْهِ كَذَا وَلِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ فِي التَّدْمِيَةِ عَلَى بُرْءٍ لَمْ يَحِقَّ عَلَيْهِ لِخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمَّا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ دَمِيَ أَوَّلًا عَلَى بَرِيءٍ اتَّهَمْنَاهُ فِي أَنَّهُ دَمِيَ ثَانِيًا عَلَى بَرِيءٍ وَإِذَا بَطَلَتْ التَّدْمِيَةُ صَارَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي حُكْمِ مَنْ قَوِيَتْ عَلَيْهِ التُّهْمَةُ بِالدَّمِ وَلَمْ يُوجَدْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَوَجَبَ أَنْ يُطَالَ سِجْنُهُ. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُحْبَسُ فِي اللَّطْخِ وَالشُّبْهَةِ حَتَّى أَنَّ أَهْلَهُ لَيَتَمَنَّوْنَ لَهُ الْمَوْتَ مِنْ طُولِ سِجْنِهِ وَإِنْ طَالَ سِجْنُهُ الدَّهْرَ الطَّوِيلَ وَلَمْ يَظْهَرْ بَرَاءَةٌ اُسْتُحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ وَاَللَّهُ سَائِلُهُ وَحَسِيبُهُ انْتَهَى.
[فَرْعٌ دَمِيَ عَلَى رَجُلَيْنِ فَذَكَرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَمْسَكَهُ وَالْآخَرَ قَتَلَهُ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا فِي نَوَازِلِهِ: دَمِيَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ بِجُرْحٍ وَدَمِيَ أَخُو الْمُدْمَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُدْمِي الْأَوَّلِ وَقَرِيبٍ لَهُ بِأَنَّ الْقَرِيبَ أَمْسَكَهُ وَصَارَ يَقُولُ الْآخَرُ: اضْرِبْ اُقْتُلْ. فَمَاتَ الْمُدْمَى الثَّانِي فَأَرَادَ أَخُو الْمُدْمَى عَلَيْهِ أَوَّلًا أَنْ يَقُومَ بِدَمِ أَخِيهِ فَهَلْ يُقْتَلُ الْمُدْمَى عَلَيْهِ مَعَ قَرِيبِهِ بِالْقَسَامَةِ قَبْلَ أَنْ تَبْرَأَ جِرَاحُهُ الَّتِي دَمِي بِهَا أَوْ يُؤَخِّرُ جِرَاحَهُ وَيُسْجَنُ؟ فَأَجَابَ لَا يُقْتَلُ الْمُدْمَى عَلَيْهِ حَتَّى تَبْرَأَ جِرَاحُهُ الَّتِي دَمِيَ بِهَا لِأَنَّ فِي قَتْلِهِ إبْطَالُ مَا وَجَبَ لِأَوْلِيَائِهِ مِنْ الْقَسَامَةِ عَلَى قَاتِلِهِ وَالْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُسْجَنَ الثَّلَاثَةُ الْمُدْمَى عَلَيْهِمْ فَإِنْ صَحَّ الْمُدْمَى الْأَوَّلُ مِنْ جِرَاحِهِ أَقْسَمَ أَخُو الْمَيِّتِ عَلَيْهِ مَعَ أَحَدٍ مِنْ بَنِي عَمِّهِ عَلَى قَرِيبِ الْمُدْمَى الْأَوَّلِ وَقَتَلُوهُ بِقَسَامَتِهِمْ انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ قَتْلِ اثْنَيْنِ بِالْقَسَامَةِ غَرِيبٌ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْبُرْزُلِيُّ وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ وَنَصَّهُ ابْنُ الْحَاجِّ فِيمَنْ دَمِيَ عَلَى رَجُلَيْنِ فَذَكَرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَمْسَكَهُ وَالْآخَرَ قَتَلَهُ فَيَكُونُ بِمَثَابَةِ مَا لَوْ أَدْمَى عَلَى رَجُلَيْنِ فَتَكُونُ الْقَسَامَةُ وَتَدْخُلُ الثَّلَاثَةُ الْأَقْوَالُ أَنْ تَقْسِمَ الْوُلَاةُ عَلَى وَاحِدٍ وَالْقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي رَجُلٍ أَمْسَكَ رَجُلًا وَقَتَلَهُ آخَرُ فَقَالَ «اُقْتُلُوا الْقَاتِلَ وَأَحْيُوا الضَّارِيَ» بِمَعْنَى احْبِسُوا الَّذِي حَبَسَهُ لِلْمَوْتِ حَتَّى يَمُوتَ
[ ٦ / ٢٧١ ]
قُلْت) تَقَدَّمَ لِابْنِ رُشْدٍ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِمَّا يُقْتَلُ فِيهَا اثْنَانِ بِالْقَسَامَةِ الْوَاحِدَةِ وَيُشِيرُ بِذَلِكَ لِلْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ثُمَّ قَالَ وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ وَلَوْ قَالَ الْمَجْرُوحُ جَرَحَنِي فُلَانٌ جُرْحَ كَذَا أَوْ خَنَقَنِي فُلَانٌ أَوْ رَكَضَنِي أَوْ ضَرَبَنِي بِالْعَصَا وَمِنْ فِعْلِهِمْ أَمُوتُ وَلَمْ يُسَمِّ أَيَّهمْ أَبْلَغَ مَقَاتِلَهُ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى مَنْ أَثْخَنَهُ جُرْحَهُ فَيَقْسِمُ عَلَيْهِ الْأَوْلِيَاءُ فَإِنْ كَانُوا اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَقَدْ بَلَغَتْ جِرَاحُهُمْ مَقَاتِلَهُ فَغَيْرُ وَاحِدٍ يَقْسِمُونَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَقْسِمُوا إلَّا عَلَى وَاحِدٍ وَيَقْتُلُوهُ ثُمَّ يُضْرَبُ الْآخَرُونَ مِائَةً مِائَةً وَيُسْجَنُونَ عَامًا.
(قُلْت) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا خِلَافًا لِمَا تَقَدَّمَ لِابْنِ رُشْدٍ فِي الْمَاسِكِ وَالْقَاتِلِ وَيُحْتَمَلُ الْوِفَاقُ لِأَنَّ هُنَا اجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ مُبَاشَرَةً بِخِلَافِ الْمَاسِكِ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِقَتْلِهِ لَا أَنَّهُ ضَرَبَهُ انْتَهَى كَلَامُ الْبُرْزُلِيِّ.
[فَرْعٌ ثَبَتَتْ التَّدْمِيَةُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ لَكِنْ لَمْ يُعَايِنَا الْجُرْحَ الَّذِي فِي الْمُدْمَى وَثَبَتَ بِشَهَادَةِ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ كَانَ مَجْرُوحًا]
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَتْ التَّدْمِيَةُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ لَكِنْ لَمْ يُعَايِنَا الْجُرْحَ الَّذِي فِي الْمُدْمَى وَثَبَتَ بِشَهَادَةِ غَيْرِهِمْ أَنَّهُ كَانَ مَجْرُوحًا جَازَ ذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي أَثْنَاءِ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ فَوْقَهُ (فَرْعٌ) يُفْهَمُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ الْمُدْمَى عَلَيْهِ يُحْبَسُ وَإِنْ كَانَ مَجْرُوحًا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَم.
ص (أَوْ يَرَاهُ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ)
ش: فَاعِلُ يَرَى ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْعَدْلِ وَالْمَعْنَى أَنَّ مِنْ اللَّوْثِ أَنْ يَشْهَدَ الْعَدْلُ عَلَى أَنَّهُ رَأَى الْمَجْرُوحَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَاشْتِرَاطُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ الْعَدْلَ هَذَا ظَاهِرٌ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ انْتَهَى.
(قُلْت) صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمَعُونَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَيْسَ مِنْهُ وُجُودٌ بِقَرْيَةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ)
ش: نَحْوُهُ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَكَالْعَدْلِ يَرَى الْمَقْتُولَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ وَلَيْسَ مَوْتُ الرَّجُلِ عِنْدَنَا فِي الْمُزَاحَمَةِ لَوْثًا يُوجِبُ الْقَسَامَةُ بَلْ هُوَ هَدَرٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ تَجِبُ فِيهِ الْقَسَامَةُ
[ ٦ / ٢٧٢ ]
وَتَجِبُ الدِّيَةُ انْتَهَى.
ص (وَهِيَ خَمْسُونَ يَمِينًا مُتَوَالِيَةً) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي كَيْفِيَّةِ قَسَامَةٍ قَامَ بِهَا الْمَقْتُولُ وَأَخُوهُ بِأَنْ يُقْسِمَا خَمْسِينَ يَمِينًا تُرَدُّ عَلَيْهِمَا يَمِينًا يَمِينًا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ يَقُولُ الْأَبُ فِي يَمِينِهِ بِمُنْقَطِعِ الْحَقِّ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ إثْرَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى مَا مَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ لَقَدْ قَتَلَ هَذَا وَيُشِيرُ إلَى الْقَاتِلِ ابْنَهُ فُلَانًا بِالْجُرْحِ الَّذِي أَصَابَهُ بِهِ وَمَاتَ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْعَمْدِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَكَذَلِكَ يُقْسِمُ الْأَخُ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: لَقَدْ قَتَلَ أَخِي فَإِذَا اسْتَكْمَلَ خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أُسْلِمَ بِرُمَّتِهِ إلَيْهِمَا فَاسْتَقَادَا مِنْهُ بِالسَّيْفِ قَتْلًا مُجْهِزًا عَلَى مَا أَحْكَمَهُ الشَّرْعُ فِي الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ انْتَهَى. قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَسُئِلَ أَصْبَغُ بْنُ مُحَمَّدٍ هَلْ يَزِيدُ وَلِيُّ الدَّمِ فِي يَمِينِهِ وَأَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ مِنْ قَوْلِ الْمُدْمَى حَقٌّ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) لَا يَلْزَمُ وَلِيَّ الدَّمِ أَنْ يَزِيدَ فِي يَمِينِهِ إحْقَاقُ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ مِنْ قَوْلِ الْمُدْمَى وَلَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ قَالَهُ.
ص (بَتًّا)
ش: وَيَعْتَمِدُونَ عَلَى ظَنٍّ قَوِيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ أَعْمَى أَوْ غَائِبًا)
ش: يُرِيدُ أَوْ صَغِيرًا وَيَحْلِفُ إذَا بَلَغَ وَيَأْخُذُ حِصَّتَهُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ.
ص (أَوْ امْرَأَةً)
ش: كَمَا لَوْ خَلَّفَ بِنْتًا وَاحِدَةً قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنْ لَمْ يَدَّعِ إلَّا بِنْتًا بِغَيْرِ عَصَبَةٍ حَلَفَتْ خَمْسِينَ يَمِينًا فَأَخَذَتْ نِصْفَ الدِّيَةِ أَبُو الْحَسَنِ وَسَكَتَ عَنْ النِّصْفِ الْبَاقِي. قَالَ الْبَاجِيُّ: وَيَسْقُطُ الْبَاقِي وَتَقَدَّمَ مِثْلُهُ لِابْنِ رُشْدٍ عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِذَا قَالَ الْمَقْتُولُ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ انْتَهَى. وَنَصُّ الَّذِي تَقَدَّمَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَلَوْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ وَارِثٌ مَعْلُومٌ مَعَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ يَحْلِفُ الْوَارِثُ الْمَعْلُومُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَاسْتَحَقَّ حَقَّهُ مِنْ الدِّيَةِ وَبَطَلَ الْبَاقِي مِنْهُمَا انْتَهَى مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ الثَّانِي. انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ.
وَفِي الذَّخِيرَةِ الْمُقْسِمُ فِي الْخَطَإِ جَمِيعُ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْوَرَثَةِ رِجَالًا أَوْ نِسَاءً يَحْلِفُونَ بِقَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ وَمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ فَلَا قَسَامَةَ لَهُ لِتَعَذُّرِ قَسَمِ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يُقْسِمُ الْأَوَّلُ لِسَبَبٍ أَوْ وَلَاءٍ وَلَا يُقْسِمُ مِنْ الْقَبِيلَةِ إلَّا مَنْ الْتَقَى مَعَهُ إلَى نَسَبٍ ثَابِتٍ وَلَا يُقْسِمُ الْمَوْلَى الْأَسْفَلُ بَلْ تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ نَكَلُوا أَوْ بَعْضُ حَلَفَتْ الْعَاقِلَةُ)
ش: أَيْ فَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينًا وَاحِدَةً وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ حَدَّ الْعَاقِلَةِ سَبْعُمِائَةٍ أَوْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَلْفِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا نَكَلَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ سَقَطَتْ الدِّيَةُ جَمِيعُهَا وَحَلَفَتْ الْعَاقِلَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا نَكَلَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْلِفُ وَيَسْقُطُ حِصَّةُ النَّاكِلِ فَقَطْ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدِّيَاتِ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَصَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ إلَّا بَعْدَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ)
ش: أَيْ فَلَا يَحْلِفُ النِّسَاءُ وَحَكَى ابْن الْفَاكِهَانِيِّ قَوْلًا بِأَنَّ النِّسَاءَ يَحْلِفْنَ قَالَ الْقَلْشَانِيُّ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَأَصْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِي الْقَسَامَةِ فِي الْعَمْدِ انْتَهَى. بِالْمَعْنَى مِنْ
[ ٦ / ٢٧٣ ]
الشَّيْخِ زَرُّوقٍ.
ص (عُصْبَةٌ وَإِلَّا فَمَوَالٍ)
ش: عُصْبَةٌ مِنْ النَّسَبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُصْبَةُ نَسَبٍ فَيَحْلِفُ الْمَوَالِي الْأَعْلَوْنَ لِأَنَّهُمْ عُصْبَةٌ وَلَا يَحْلِفُ الْمَوَالِي الْأَسْفَلُونَ. نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ سَمَاعِ يَحْيَى.
ص (وَلِلْوَلِيِّ الِاسْتِعَانَةُ بِعَاصِبِهِ)
ش: أَيْ وَلِلْوَلِيِّ إذَا كَانَ وَاحِدًا أَنْ يَسْتَعِينَ بِعَاصِبِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ تَعَدَّدَ الْوَلِيُّ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ لَكِنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَاحِدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: إنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى نِصْفِهَا فَتَأَمَّلْهُ. وَالْمُرَادُ عَاصِبُهُ الَّذِي يَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي أَبٍ مَعْرُوفٍ وَلَا يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا أَنَّهُ مِنْ الْقَبِيلَةِ الْفُلَانِيَّةِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ سَمَاعِ يَحْيَى.
ص (بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلَوْ بَعُدُوا)
ش: أَيْ بِخِلَافِ نُكُولِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ فَإِنَّ نُكُولَهُ مُعْتَبَرٌ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا كَانَ وُلَاةُ الدَّمِ فِي التَّعَدُّدِ سَوَاءً كَالْأَوْلَادِ أَوْ الْإِخْوَةِ أَوْ الْأَعْمَامِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ أَقْرَبُ بِحَيْثُ يَكُونُ غَيْرُهُ أَقْرَبَ مُعَيَّنًا فَإِنَّ نُكُولَ أَحَدِهِمْ مُسْقِطٌ لَلْقَوَدِ أَمَّا إذَا كَانُوا أَوْلَادًا وَإِخْوَةً فَبِاتِّفَاقٍ وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِهِمْ كَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ وَمَنْ هُوَ أَبْعَدُ وَالْمَشْهُورُ سُقُوطُ الْقَوَدِ أَيْضًا وَالشَّاذُّ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ كَذَا قَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ فِي التَّوْضِيحِ وَكَلَامُ الشَّارِحُ مُشْكِل فَتَأَمَّلْهُ.
ص (وَلَا اسْتِعَانَةَ) ش قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ إنَّمَا عَزَاهُ
[ ٦ / ٢٧٤ ]
فِي الْمُقَدِّمَاتِ لِمُطَرِّفٍ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ذَكَرَهُ ابْنُ حَارِثٍ رِوَايَةً لِمُطَرِّفٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ قَوْلًا لَهُ وَرِوَايَةً وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ عَزَاهُ لِلْمُدَوَّنَةِ وَاسْتَظْهَرَهُ وَإِلَّا فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ الْأَيْمَانَ تُرَدُّ عَلَيْهِمْ وَيَحْلِفُ مَعَهُمْ الْمُتَّهَمُ وَهُوَ الَّذِي حَمَلَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ الْمُدَوَّنَةِ عَلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّسَالَةِ وَعَلَيْهِ دَرَجَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي التَّوْضِيحِ (قُلْت) كَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَنَصُّهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَحْلِفُ وَحْدَهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِأَحَدٍ مِنْ وُلَاتِهِ. وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ فِي الْوَاضِحَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي رَسْمِ أَوَّلِ عَبْدٍ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ وَهَذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقِيقَةً هُوَ الَّذِي يُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ وَيُطْلَبُ مِنْهُ الْقِصَاصُ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ النُّكُولِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَحْلِفُ وَلِلْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ حَظٌّ وَافِرٌ مِنْ النَّظَرِ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الدِّيَةُ تَقَعُ فِيهَا الْحَمِيَّةُ وَالْعَصَبِيَّةُ صَارَتْ عُصْبَةُ الْمَقْتُولِ هُمْ الطَّالِبُونَ بِدَمِ الْمَقْتُولِ بِحَقِّ التَّعْصِيبِ لَا بِحَقِّ الْوِرَاثَةِ انْتَهَى. فَقَدْ اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَقَالَ إنَّهُ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جُرْحٍ أَوْ قَتْلِ كَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ جَنِينٍ حَلَفَ وَاحِدَةً وَأَخَذَ الدِّيَةَ)
ش: أَجْمَلَ الْمُصَنِّفُ - ﵀ - فِي قَوْلِهِ وَأَخَذَ الدِّيَةَ. أَمَّا مَسْأَلَةُ الْجُرْحِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا قَسَامَةَ فِي الْجِرَاحِ لَكِنْ مَنْ أَقَامَ
[ ٦ / ٢٧٥ ]
شَاهِدًا عَدْلًا عَلَى جُرْحِ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ فَلْيَحْلِفْ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَقْتَصُّ فِي الْعَمْدِ وَيَأْخُذُ الْعَقْلَ فِي الْخَطَإِ قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ لِمَ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ؟ فَقَالَ كَلَّمْت مَالِكًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ لَشَيْءٌ اسْتَحْسَنَّاهُ مَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا. هَذَا لَفْظُهَا عَلَى اخْتِصَارِ ابْنِ عَرَفَةَ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ نَكَلَ مَنْ قَامَ بِالشَّاهِدِ حَلَفَ الْجَارِحُ فَإِنْ نَكَلَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْكَافِرِ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي نَصْرَانِيٍّ قَامَ عَلَى قَتْلِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ مُسْلِمٌ يَحْلِفُ وُلَاتُهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ عَلَى قَاتِلِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ نَصْرَانِيًّا هَذَا لَفْظُهَا أَيْضًا بِاخْتِصَارِ ابْنِ عَرَفَةَ وَانْظُرْ هَلْ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ وُلَاتِهِ يَمِينًا أَوْ تُجْزِئُهُمْ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ؟ وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ وُلَاتِهِ يَمِينًا وَاحِدَةً وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْعَبْدِ فَكَذَلِكَ يَحْلِفُ سَيِّدُهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَأْخُذُ قِيمَةَ عَبْدِهِ سَوَاءً كَانَ قَاتِلُهُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا.
[فَرْعٌ أَقَامَ شَاهِدًا أَنَّ عَبْدَ فُلَانٍ قَتَلَ عَبْدَهُ]
(فَرْعٌ) فَإِنْ أَقَامَ شَاهِدًا أَنَّ عَبْدَ فُلَانٍ قَتَلَ عَبْدَهُ حَلَفَ مَعَهُ وَخُيِّرَ سَيِّدُ الْقَاتِلِ بَيْنَ أَنْ يَغْرَمَ قِيمَةَ الْمَقْتُولِ أَوْ يُسْلِمَ عَبْدَهُ فَإِنْ أَسْلَمَهُ لَمْ يُقْتَلْ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْقَاتِلُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ. قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَانْظُرْ هَلْ يُضْرَبُ الْقَاتِلُ مِائَةً وَيُحْبَسُ عَامًا وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْجَنِينِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ وَرَثَتِهِ يَمِينًا وَاحِدَةً قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصَّهُ. وَفِيهَا إنْ ضُرِبَتْ امْرَأَةٌ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَقَالَتْ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ. فَفِي الْمَرْأَةِ الْقَسَامَةُ وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ثَبَتَتْ كَأَنَّهُ جُرْحٌ مِنْ جِرَاحِهَا وَلَا قَسَامَةَ فِي الْجُرْحِ وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ شَاهِدِ عَدْلٍ فَتَحْلِفُ وُلَاتُهُ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَسْتَحِقُّونَ دِيَتَهُ. الصَّقَلِّيُّ يُرِيدُ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَرِثُ الْغُرَّةَ يَمِينًا أَنَّهُ قَتَلَهُ وَفِيهَا إنْ قَالَتْ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ. فَخَرَجَ جَنِينُهَا حَيًّا فَاسْتَهَلَّ صَارِخًا ثُمَّ مَاتَ فَفِي الْأُمِّ الْقَسَامَةُ وَلَا قَسَامَةَ فِي الْوَلَدِ لِأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ قَتَلَنِي وَقَتَلَ فُلَانًا مَعِي لَمْ يَكُنْ فِي فُلَانٍ قَسَامَةٌ انْتَهَى. بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ مَوْتُهَا وَخُرُوجُ الْوَلَدِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ وَرَثَتَهُ يَحْلِفُونَ مَعَهُ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّونَ الْغُرَّةَ وَإِنْ اسْتَهَلَّ صَارِخًا فَفِيهِ الْقَسَامَةُ لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَوِثَ وَقَوْلُ الْمَرْأَةِ لَيْسَ لَوْثًا فِي حَقِّ وَلَدِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (فَلَوْ قَالَتْ دَمِي وَجَنِينِي) ش لَيْسَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إلَّا قَوْلُ الْمَرْأَةِ فَقَطْ فَلَيْسَتْ بِمُعَارَضَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.