بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ص (بَابٌ) (بَابُ الرَّهْنِ) الرَّهْنُ فِي اللُّغَةِ: مَعْنَاهُ الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ. يُقَالُ مَاءٌ رَاهِنٌ أَيْ: رَاكِدٌ وَنِعْمَةٌ رَاهِنَةٌ أَيْ: دَائِمَةٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ الْحَبْسُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] أَيْ: مَحْبُوسَةٌ بِمَا قَدَّمَتْهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ - ﷺ - «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مَرْهُونَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» فَمَعْنَى مَرْهُونَةٌ: مَحْبُوسَةٌ فِي قَبْرِهَا وَالْمَعْنَى الثَّانِي لَازِمٌ لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْحَبْسَ يَسْتَلْزِمُ الثُّبُوتَ بِالْمَكَانِ، وَعَدَمَ مُفَارَقَتِهِ، أَمَّا فِي الشَّرْعِ: فَهُوَ جَعْلُ عَيْنٍ لَهَا قِيمَةٌ مَالِيَّةٌ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ أَيْ مَا جَازَ بَيْعُهُ فَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ رَهْنُهُ إلَّا مَا سَنَعْرِفُهُ وَأَمَّا دَلِيلُهُ فَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَلِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «رَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ يُقَالُ لَهُ أَبُو الشَّحْمِ عَلَى ثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ لِأَهْلِهِ» .
ص (بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ)
ش: أَيْ مَنْ يَحِقُّ لَهُ بَيْعُ الْعَيْنِ
[ ٥ / ٢ ]
وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرِيضُ إذَا كَانَ مَدِينًا فَإِنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا يَجُوزُ رَهْنُهُ، وَنَقَلَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالرَّجْرَاجِيِّ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَّلِ بَابِ التَّفْلِيسِ لَا بَعْضُهُ - وَرَهْنِهِ وَيَأْتِي أَيْضًا فِي كَلَامِ الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ فَتَأَمَّلْهُ، وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ مَا يُبَاعُ أَوْ غَرَرًا عَلَى أَنَّهُ يَشْتَرِطُ فِي الْمَرْهُونِ مَا يَشْتَرِطُهُ فِي الشَّيْءِ الْمَبِيعِ إلَّا أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهِ الْغَرَرُ فَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ، وَقَوْلُهُ أَوْ غَرَرًا مَعْطُوفٌ عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ مَا يُبَاعُ وَنَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ رَهْنُ الْآبِقِ وَالشَّارِدِ إذَا لَمْ يُقَارِنْ عُقْدَةَ الْبَيْعِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ قَارَنَهَا فَفِيهِ خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ.
ص (وَلَوْ اشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ)
ش: وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ لِلرَّهْنِ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ أَمْ لَا؟ وَقَوْلُهُ: وَثِيقَةٌ بِحَقِّ فَصْلٍ. خَرَجَ بِهِ مَا دُفِعَ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّوَثُّقِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْمِلْكِ كَالْبَيْعِ وَالِانْتِفَاعِ كَالْمُسْتَأْجَرِ وَالْمُعَارِ، وَهُوَ حَالٌ مِنْ مَا، وَالْبَاءُ فِي بِحَقٍّ لِلسَّبَبِيَّةِ وَهَذَا الْحَدُّ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ إعْطَاءُ امْرِئٍ وَثِيقَةً بِحَقٍّ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الرَّهْنَ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ وَالْإِعْطَاءُ مَصْدَرٌ وَهُمَا مُتَبَايِنَانِ اهـ يَعْنِي أَنَّ الرَّهْنَ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرًا وَلَكِنَّ الْأَغْلَبَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ إطْلَاقُهُ عَلَى الشَّيْءِ الْمَرْهُونِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مُعْطَى أَوْ مَا أَشْبَهَهُ. وَحَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ مَالٌ قَبَضَهُ تَوَثُّقًا بِهِ فِي دَيْنٍ قَالَ فَتَخْرُجُ الْوَدِيعَةُ وَالْمَصْنُوعُ فِي يَدِ صَانِعِهِ وَقَبْضُ الْمَجْنِيِّ عَبْدًا جَنَى عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ بِلَفْظِ مَالٍ قُبِضَ تَوَثُّقًا بِهِ فِي دَيْنٍ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الرَّهْنَ كَمَا يُطْلَقُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ عَلَى الشَّيْءِ الْمَرْهُونِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا يُطْلَقُ عَلَى الرَّهْنِ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ كَمَا إذَا قَالُوا يَصِحُّ الرَّهْنُ أَوْ يَبْطُلُ الرَّهْنُ أَوْ يَصِحُّ رَهْنُ كَذَا أَوْ لَا يَصِحُّ رَهْنُ كَذَا فَاسْتِعْمَالُ الرَّهْنِ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ شَائِعٌ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ؛ فَلِذَلِكَ عَرَّفَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْمَعْنَى فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَوَلِيٍّ)
ش: أَبًا كَانَ أَوْ وَصِيًّا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَرْهَنَ مَالَ الْيَتِيمِ رَهْنًا فِيمَا يَبْتَاعُ لَهُ مِنْ كِسْوَةٍ أَوْ طَعَامٍ وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْخُذَ عُرُوضَ الْيَتِيمِ بِمَا أَسْلَفَهُ رَهْنًا. اهـ ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا رَهَنَ الْأَبُ مِنْ مَتَاعِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْوَلَدُ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ مَالِ وَلَدِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ.
ص (وَمُكَاتَبٍ)
ش: قَيَّدَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِمَا إذَا أَصَابَ وَجْهَ الرَّهْنِ وَنَقَلَهُ فِي الْكَبِيرِ ص (وَآبِقٍ)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَرَهْنُ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ إنْ قُبِضَ قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِهِ أَوْ فَلَسِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْ: يَجُوزُ رَهْنُ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ، وَقَوْلُهُ: إنْ قُبِضَ قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِهِ أَوْ فَلَسِهِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ رَهْنَ الْآبِقِ وَالشَّارِدِ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضَا قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِهِمَا وَإِنَّمَا الْقَبْضُ قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِهِمَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الِاخْتِصَاصِ اهـ. وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَالْفَلَسِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الصَّقَلِّيِّ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ كَذَلِكَ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ فِي تَرْجَمَةِ الْعَيْنِ وَمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ وَالْمَعْرُوفُ لِمَالِكٍ أَنَّهُ لَا تُرْهَنُ الْأَجِنَّةُ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُيَسَّرٍ ذَلِكَ جَائِزٌ كَمَا يُرْتَهَنُ الْعَبْدُ الْآبِقُ وَالْبَعِيرُ الشَّارِدُ وَيَصِحُّ ذَلِكَ بِالْقَبْضِ اهـ. وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْجَنِينِ.
[تَنْبِيه رَهْنِ الدَّارِ الْغَائِبَة وَالشَّيْءِ الْغَائِبِ]
(تَنْبِيهٌ) سُئِلَتْ عَنْ رَهْنِ الدَّارِ الْغَائِبَةِ، وَالشَّيْءِ الْغَائِبِ فَأَجَبْتُ أَنَّهُ يَصِحُّ وَيُشْتَرَطُ فِي اخْتِصَاصِ الْمُرْتَهِنِ بِهِ أَنْ يَقْبِضَهُ هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ قَبْلَ مَوْتِ الرَّاهِنِ أَوْ فَلَسِهِ وَهُوَ كَالْآبِقِ وَالشَّارِدِ بَلْ أَحْرَى بِالْجَوَازِ فَإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ أَوْ فَلَّسَ قَبْلَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ وَكِيلِهِ بَطَلَ الرَّهْنُ وَلَوْ جَدَّ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ سَيَقُولُ: وَبِمَوْتِ رَاهِنِهِ أَوْ فَلَسِهِ قَبْلَ حَوْزِهِ وَلَوْ جَدَّ فِيهِ وَأَيْضًا فَقَدْ نَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَنْ وَهَبَ دَارًا غَائِبَةً وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَحُوزَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ بَطَلَتْ الْهِبَةُ وَلَوْ لَمْ يُفَرِّطْ مَعَ أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْهِبَةِ إذَا جَدَّ فِي طَلَبِهَا لَا تَبْطُلُ وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا هُنَا فِي التَّوْضِيحِ: بِأَنَّ الرَّهْنَ لَمَّا كَانَ بَاقِيًا عَلَى
[ ٥ / ٣ ]
مِلْكِ رَاهِنِهِ لَمْ يَكْتَفِ بِالْجَدِّ بِخِلَافِ الْمَوْهُوبِ فَإِنَّهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ وَاهِبِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذُكِرَ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَهْنَ الدَّيْنِ يَصِحُّ وَلَوْ عَلَى غَائِبٍ وَيَكْفِي فِي حَوْزِهِ الْإِشْهَادُ وَالظَّاهِرُ هُنَا الصِّحَّةُ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَخِدْمَةُ مُدَبَّرٍ)
ش: أَيْ، وَجَازَ رَهْنُ خِدْمَةِ مُدَبَّرٍ سَوَاءٌ رَهَنَ مِنْهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً يَجُوزُ بَيْعُهَا أَوْ رَهَنَ جَمِيع خِدْمَتَهُ، أَمَّا إنْ رَهَنَ مِنْهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَبَعْدَهُ، وَأَمَّا إنْ رَهَنَ الْجَمِيعَ فَيَجُوزُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَيَخْتَلِفُ فِيهِ إذَا كَانَ فِي الْعَقْدِ عَلَى الْخِلَافِ فِي رَهْنِ الْغَرَرِ فِي عُقْدَةِ الْبَيْعِ وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ وَاحْتَرَزَ بِالْخِدْمَةِ مِنْ الرَّقَبَةِ وَرَهْنُ الرَّقَبَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَرْتَهِنَ رَقَبَتَهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ الرَّاهِنُ وَلَا مَالَ لَهُ بِيعَ لَهُ الْمُدَبَّرُ فَإِنْ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ يَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي رَهْنِ الْغَرَرِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يَمُوتُ السَّيِّدُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ جَازَ بِلَا خِلَافٍ وَالثَّانِي أَنْ يَرْتَهِنَ الرَّقَبَةَ عَلَى أَنَّهُ تُبَاعُ لَهُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: لَا رَقَبَتَهُ ثُمَّ اُخْتُلِفَ هَلْ يَعُودُ الرَّهْنُ إلَى الْمَنْفَعَةِ أَوْ لَا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَهَلْ يَنْتَقِلُ لِخِدْمَتِهِ قَوْلَانِ وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ التَّوْضِيحِ.
ص (وَمَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ)
ش: يُرِيدُ وَقَدْ خُلِقَتْ الثَّمَرَةُ الْمَازِرِيُّ وَأَمَّا إذَا لَمْ تُخْلَقْ فَذَلِكَ كَرَهْنِ الْجَنِينِ اهـ. مِنْ التَّوْضِيحِ ص (وَانْتَظَرَ لِيُبَاعَ)
ش: أَيْ فَإِنْ حَلَّ أَجَلُ
[ ٥ / ٤ ]
الدَّيْنِ أَوْ مَاتَ رَاهِنُ الثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ انْتَظَرَ بُدُوَّ الصَّلَاحِ لِتُبَاعَ، وَإِنَّمَا انْتَظَرَ بُدُوَّ الصَّلَاحِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهَا. أَمَّا إنْ كَانَ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ حَقَّ رَبِّ الدَّيْنِ فِي ذِمَّةِ الْمِدْيَانِ اهـ مِنْ التَّوْضِيحِ كُلُّهُ بِاللَّفْظِ إلَّا الْقَلِيلَ فَظَهَرَ لَكَ أَنَّ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ فَإِنْ حَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ أَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ وَلَا مَالَ لَهُ انْتَظَرَ لِيُبَاعَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ الْفَلَسِ حُكْمُ الْمَوْتِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْمُسْتَأْجِرُ وَالْمُسَاقِي وَحَوْزُهُمَا الْأَوَّلُ كَافٍ)
ش: هَذَا إذَا كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ وَالْمُسَاقِي هُوَ الْمُرْتَهِنُ.
[فَرْعٌ رَاهِنُ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَاصِبِهِ يَسْقُطُ عَنْهُ ضَمَانُهُ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ: الطُّرْطُوشِيُّ رَاهِنُ الْمَغْصُوبِ مِنْ غَاصِبِهِ يَسْقُطُ عَنْهُ ضَمَانُهُ وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ ضَمَانُ الْغَصْبِ لَنَا الْقِيَاسُ عَلَى مَا إذَا بَاعَهُ مِنْهُ أَوْ وَهَبَهُ مِنْهُ وَالْجَامِعُ الْإِذْنُ فِي الْإِمْسَاكِ.
ص (وَالْمِثْلِيُّ وَلَوْ عَيْنًا إنْ طُبِعَ عَلَيْهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَصِحُّ رَهْنُ الْمِثْلِيِّ وَإِنْ كَانَ عَيْنًا بِشَرْطِ أَنْ يُطْبَعَ عَلَى ذَلِكَ الْمِثْلِيِّ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَلَوْ عَيْنًا أَنَّ الْعَيْنَ فِيهَا خِلَافٌ كَمَا هِيَ قَاعِدَتُهُ وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ إذَا لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ فَأَشْهَبُ يَقُولُ يَصِحُّ رَهْنُهُ وَابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ: لَا يَصِحُّ وَأَمَّا الْعَيْنُ فَاتِّفَاقًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رَهْنُهَا إلَّا مَطْبُوعًا عَلَيْهَا فَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمَازِرِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَأَمَّا الْبَاجِيُّ وَابْنُ يُونُسَ وَابْنُ شَاسٍ فَلَمْ يَنْقُلُوا عَنْ أَشْهَبَ إلَّا أَنَّ الطَّبْعَ فِي النَّقْلِ مُسْتَحَبٌّ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَشْهُورُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْمِثْلِيَّاتِ كُلَّهَا لَا تُرْتَهَنُ إلَّا مَطْبُوعًا عَلَيْهَا قَالَ فِي رُهُونِهَا: وَلَا تُرْهَنُ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ وَالْفُلُوسُ وَمَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ إدَامٍ أَوْ مَا يُكَالُ، أَوْ يُوزَنُ إلَّا أَنْ يُطْبَعَ عَلَى ذَلِكَ لِيُمْنَعَ الْمُرْتَهِنُ مِنْ النَّفْعِ بِهِ وَرَدِّ مِثْلِهِ، وَأَمَّا الْحُلِيُّ فَلَا يُطْبَعُ عَلَيْهِ حَذَرَ اللُّبْسِ كَمَا لَا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِسَائِرِ
[ ٥ / ٥ ]
الْعُرُوضِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ. اهـ
ابْنُ يُونُسَ قَالَ أَشْهَبُ: لَا أُحِبُّ ارْتِهَانُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إلَّا مَطْبُوعَةً لِلتُّهْمَةِ فِي سَلَفِهَا فَإِنْ لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهَا لَمْ يَفْسُدْ الرَّهْنُ وَلَا الْبَيْعُ وَيُسْتَقْبَلُ طَبْعُهَا إنْ عُثِرَ عَلَى ذَلِكَ وَمَا بِيَدِ أَمِينٍ فَلَا يُطْبَعُ عَلَيْهِ وَمَا أَدْرِي ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ وَمَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَجْرِي مَجْرَى الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ مَا يُخَافُ فِي الْعَيْنِ اهـ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالْمِثْلِيُّ إنْ طُبِعَ عَلَيْهِ وَلَوْ غَيْرَ عَيْنٍ لَكَانَ مُشِيرًا لِخِلَافِ أَشْهَبَ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَأَمَّا عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُخْرَى فَالْعَيْنُ وَغَيْرُهَا سَوَاءٌ فَلَا يَتَأَتَّى فِي أَحَدِهِمَا إغْيَاءٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) مَحَلُّ الطَّبْعِ إذَا لَمْ يُوضَعْ ذَلِكَ عَلَى يَدِ أَمِينٍ أَمَّا إذَا وُضِعَ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى طَبْعٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ وَقَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ): قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: وَالْمُرَادُ بِالطَّبْعِ طَبْعٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى فَكِّهِ فِي الْغَالِب، وَأَمَّا الطَّبْعُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى فَكِّهِ أَصْلًا فَلَيْسَ فِي قُدْرَتِهِمَا، وَالطَّبْعُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى فَكِّهِ كُلُّ أَحَدٍ كَلَا طَبْعٍ اهـ.
(الرَّابِعُ): قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ أَيْضًا اُنْظُرْ لَوْ قَامَتْ الْغُرَمَاءُ عَلَى الرَّاهِنِ قَبْلَ أَنْ يُطْبَعَ عَلَى الرَّهْنِ فَفِي بَعْضِ الْحَوَاشِي يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ وَلَيْسَ هَذَا بِبَيِّنٍ؛ لِأَنَّ هَذَا رَهْنٌ يَجُوزُ فَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِهِ اهـ.
ص (وَفَضَلْتَهُ إنْ عَلِمَ الْأَوَّلُ وَرَضِيَ) ش قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ وَإِذَا كَانَ فِي الرَّهْنِ فَضْلٌ عَلَى الْعَدَدِ الْوَاقِعِ فِيهِ فَهُوَ رَهْنٌ مَعَهُ وَجَائِزٌ أَنْ يَزِيدَ دَيْنًا آخَرَ، وَيَكُونُ رَهْنًا بِهَا إلَى أَجَلِ دَيْنِ الرَّهْنِ، وَلَا يَجُوزُ إلَى أَبْعَدَ مِنْهُ وَلَا إلَى دُونِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَ فَضْلَةَ الرَّهْنِ مِنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ وَرِضَاهُ عَلَى الْمَشْهُورِ اهـ وَمَعْنَى الْفَضْلَةِ: أَنَّ الرَّهْنَ قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ الدَّيْنِ فَيَرْهَنُهُ عِنْدَ آخَرَ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ يَسْتَوْفِي مِنْهُ دَيْنَهُ وَفَضْلَةَ ثَمَنِهِ لِلثَّانِي. قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ ارْتَهَنْت ثَوْبًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ فِي خَمْسِينَ، ثُمَّ رَهَنَ رَبُّ الدَّيْنِ فَضْلَته لِغَيْرِكِ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإِذْنِكَ فَيَجُوزُ وَيَكُونُ جَائِزًا لِلثَّانِي فَإِنْ هَلَكَ الثَّوْبُ بِيَدِكَ بَعْدَ مَا ارْتَهَنَ الثَّانِي فَضْلَتَهُ ضَمِنْتَ مِنْ مَبْلَغِ دَيْنِكَ، وَكُنْتَ فِي الثَّانِي أَمِينًا وَيَرْتَجِعُ الْمُرْتَهِنُ الثَّانِي بِدَيْنِهِ؛ لِأَنَّ فَضْلَةَ الرَّهْنِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ): قَالَ فِي التَّوْضِيحِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْأَوَّلِ إذَا كَانَ الرَّهْنُ عَلَى يَدِهِ قَالَ فِي الْبَيَانِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَوْضُوعًا عَلَى يَدِ عَدْلٍ فَالِاعْتِبَارُ إنَّمَا هُوَ بِعِلْمِهِ دُونَ عِلْمِ الْمُرْتَهِنِ اهـ. أَيْ عِلْمِ الْعَدْلِ (الثَّانِي): وَهَذَا إذَا رَهَنَهُ الثَّوْبَ جَمِيعَهُ أَوَّلًا، وَأَمَّا لَوْ رَهَنَ نِصْفَ الْعَبْدِ أَوْ رُبْعَهُ ثُمَّ رَهَنَ النِّصْفَ الثَّانِي لِآخَرَ فَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: ارْتِهَانُ فَضْلَةِ الرَّهْنِ لَا تَخْلُو تِلْكَ الْفَضْلَةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فَضْلَةً فِي عَيْنِ الرَّهْنِ أَوْ تَكُونَ فَضْلَةً فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ وَمَعْنَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنْ يَرْهَنَهُ نِصْفَ الثَّوْبِ فِي عَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ مُرْتَهَنٌ فَقَبَضَ الْمُرْتَهِنُ جَمِيعَ الثَّوْبِ لِيَتِمَّ لَهُ
[ ٥ / ٦ ]
الْحَوْزُ وَمَعْنَى الْوَجْهِ الثَّانِي: أَنْ يَرْهَنَهُ الثَّوْبَ فِي خَمْسَةٍ وَهُوَ يُسَاوِي عَشَرَةً.
وَفَائِدَةُ اخْتِلَافِ الصُّورَتَيْنِ مَعْرِفَةُ مَا يَصِحُّ لِلْمُرْتَهِنِ الثَّانِي وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ إذَا صَحَّ لَهُ الْقَبْضُ وَالْحَوْزُ فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَكُونُ أَحَقَّ بِنِصْفِ الثَّوْبِ مِنْ الْغُرَمَاءِ سَوَاءٌ كَانَ النِّصْفُ الْبَاقِي يَفِي بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ الثَّانِي أَحَقَّ بِمَا نَابَ عَنْ دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ كَفَافَ دَيْنِ الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ دَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِجَمِيعِ الرَّهْنِ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَلَا حَقَّ لِلْمُرْتَهِنِ الثَّانِي إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ عَلَى يَدِهِ أَوْ عَلَى يَدِ عَدْلٍ فَإِنْ كَانَ عَلَى يَدِهِ فَلَا خِلَافَ فِي الْجَوَازِ وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ عَيَّنَ الرَّهْنَ أَوْ صِفَتَهُ، وَهُوَ مِمَّا يَزِيدُ مِنْ قِيمَتِهِ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ الْأَوَّلِ إلَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ رَهْنَ الْقَدْرِ لَا يَجُوزُ فَيَمْنَعُ فِي رَهْنِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَرَرٌ قَدْ يَكُونُ وَقَدْ لَا يَكُونُ فَإِنْ كَانَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ فَيَجْرِي فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا نَذْكُرهُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي إنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَأَمَّا إذَا رَهَنَهُ مِنْ غَيْرِ الْأَوَّلِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ أَوْ عَلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ فَإِنْ كَانَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ فَإِنْ رَضِيَ بِالْحَوْزِ الثَّانِي فَالْمَذْهَبُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ رَضِيَ الْمُرْتَهِنُ الْأَوَّلُ أَوْ سَخِطَ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِرِضَا الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ إذْ لَا فَائِدَةَ لِرِضَاهُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الرَّهْنُ عَلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ فَفِي الْمَذْهَبِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ رَضِيَ الْمُرْتَهِنُ الْأَوَّلُ بِذَلِكَ أَمْ كَرِهَ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا الثَّانِي وَغَيْرِهِ مِنْ كِتَابِ الْمُدَوَّنَةِ وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلَا يَكُونُ حَوْزُهُ حَوْزًا لِلثَّانِي وَإِنْ رَضِيَ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ وَحَوْزَهُ أَوَّلًا إنَّمَا كَانَ لِنَفْسِهِ لَا لِغَيْرِهِ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِهِ، وَرَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْجَلَّابِ أَيْضًا، وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَرْضَى الْمُرْتَهِنُ الْأَوَّلُ بِالْحَوْزِ الثَّانِي فَيَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَلَا يَجُوزُ.
وَهُوَ نَصُّ قَوْلِ مَالِكٍ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ اخْتِلَافُ أَحْوَالٍ وَأَنَّ مَعْنَى الْجَوَازِ عِنْدَهُ إذَا كَانَ أَجَلُ الدَّيْنَيْنِ سَوَاءً أَوْ كَانَ الْأَخِيرُ أَبْعَدَ طُولًا فَلِذَلِكَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَقْرَبَ حُلُولًا وَدَيْنُ الْأَوَّلِ عِوَضٌ مِنْ بَيْعٍ وَدَخَلَ الثَّانِي عَلَى أَنْ يَقْبِضَ حَقَّهُ إذَا حَلَّ أَجَلُهُ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِرِضَا الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَقْدِرُ عَلَى تَقْدِيمِ حَقِّهِ قَبْلَ أَجَلِهِ وَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْأَوَّلِ عَيْنًا أَوْ عَرَضًا مِنْ قَرْضٍ جَازَ إذَا دَخَلَ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَ حَقَّهُ إذَا حَلَّ الدَّيْنُ الْأَوَّلُ اهـ.
(الثَّالِثُ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَرَضِيَ يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ وَعَلِمَ الْأَوَّلُ.
ص (قُسِّمَ إنْ أَمْكَنَ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَسَّمَهُ إنْ انْقَسَمَ لَا أَعْرِفُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا فِي الْجَلَّابِ مِثْلَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلَّفُ وَمَا وَقَعَ الْحُكْمُ بِقَسْمِهِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ إلَّا فِي اسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ الْجَلَّابُ هُوَ فِي آخِرِ بَابِ الرَّهْنِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِنْ حَلَّ أَجَلُ الثَّانِي قُسِّمَ الرَّهْنُ عَلَى الدَّيْنِ إنْ أَمْكَنَ قَسْمُهُ فَيُدْفَعُ لِلْأَوَّلِ قَدْرُ مَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ لَا أَزْيَدُ، وَالْبَاقِي لِلثَّانِي إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ الدَّيْنِ الثَّانِي فَلَا يُدْفَعُ مِنْهُ لِلثَّانِي إلَّا مِقْدَارُهُ، وَتَكُونُ بَقِيَّةُ الرَّهْنِ كُلُّهَا لِلدَّيْنِ الْأَوَّلِ
. ص (وَالْمُسْتَعَارُ لَهُ)
ش: (فَرْعٌ) قَالَ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَوْ هَلَكَتْ السِّلْعَةُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ وَهِيَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهَا لَاتَّبَعَ الْمُعِيرُ الْمُسْتَعِيرَ بِقِيمَتِهَا وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْهَا الْمُسْتَعِيرُ وَلَا الْمُرْتَهِنُ اهـ. زَادَ ابْنُ يُونُسَ بَعْدَ قَوْلِهِ بِقِيمَتِهَا أَوْ قَاصَّ الْمُسْتَعِيرُ الْمُرْتَهِنَ اهـ قَالَ فِي الشَّامِلِ: فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ اتَّبَعَ رَبُّهُ الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ اهـ. وَهَذَا إذَا ضَاعَ الرَّهْنُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ وَلَوْ ضَاعَ بِيَدِ عَدْلٍ جَعَلَهُ عِنْدَهُ رَاهِنُهُ وَرَبُّهُ الْمُعِيرُ لَكَانَ ضَمَانُهُ مِنْ رَبِّهِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
ص (وَضَمِنَ إنْ خَالَفَ)
ش: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالضَّمَانِ هُنَا ضَمَانَ
[ ٥ / ٧ ]
الرِّهَانِ وَالْعَوَارِيِّ بَلْ الْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَصِيرُ فِي ضَمَانِهِ مُطْلَقًا قَامَتْ عَلَى هَلَاكِهِ بَيِّنَةٌ أَمْ لَا كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ أَمْ لَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَبِدَلِيلِ فَرْضِهِمْ ذَلِكَ فِي الْعَبْدِ ص (وَهَلْ مُطْلَقًا إلَى آخِرِهِ)
ش: أَيْ سَوَاءٌ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ الْمُسْتَعِيرُ مِنْ التَّعَدِّي أَمْ لَا وَهُوَ تَأْوِيلُ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ أَوْ إنَّمَا يَضْمَنُ إذَا لَمْ يُقِرَّ الْمُرْتَهِنُ بِالتَّعَدِّي وَلَمْ يَحْلِفْ الْمُعِيرُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ بِالتَّعَدِّي أَوْ حَلَفَ الْمُعِيرُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاهِنِ الْمُسْتَعِيرِ وَيَصِيرُ الرَّهْنُ فِيمَا قَالَهُ الرَّاهِنُ وَهُوَ تَأْوِيلُ ابْنِ يُونُسَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَبَطَلَ بِشَرْطٍ مُنَافٍ كَأَنْ لَا يُقْبَضَ)
ش: مِنْ الشَّرْطِ الْمُنَافِي مَا ذَكَرَهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهُ: " وَمَنْ رَهَنَ رَهْنًا عَلَى أَنَّهُ إنْ مَضَتْ سَنَةٌ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ فَلَا أَعْرِفُ هَذَا مِنْ رُهُونِ النَّاسِ وَلَا يَكُونُ هَذَا رَهْنًا ". ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فَإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ أَوْ فَلَّسَ دَخَلَ فِيهِ الْغُرَمَاءُ اهـ. وَلَيْسَ مِنْهُ مَسْأَلَةُ غَلْقِ الرَّهْنِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَبِاشْتِرَاطِهِ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ ظُنَّ فِيهِ اللُّزُومُ إنَّمَا هِيَ مِنْ بَابِ الرَّهْنِ الْفَاسِدِ، وَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَقْبِضَ حَقَّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْظُرْ الْمَشَذَّالِيَّ فِي مَسْأَلَةِ: غَلِقَ الرَّهْنُ غَلَقًا إذَا اسْتَحَقَّهُ الْمُرْتَهِنُ، وَذَلِكَ إذَا لَمْ يُفْتَكَكْ فِي الْوَقْتِ الْمَشْرُوطِ وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» اهـ. وَفِي مُوَطَّإِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» . قَالَ مَالِكٌ تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِيمَا نَرَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: أَنْ يَرْهَنَ الرَّجُلُ الرَّهْنَ عِنْدَ الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ، وَفِي الرَّهْنِ فَضْلٌ عَمَّا رَهَنَ بِهِ فَيَقُولُ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ: إنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ إلَى أَجَلٍ يُسَمِّيهِ لَهُ وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ بِمَا فِيهِ قَالَ: فَهَذَا لَا يَصِحُّ وَلَا يَحِلُّ وَهَذَا الَّذِي نَهَى وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ بِاَلَّذِي رَهَنَ بِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ فَهُوَ لَهُ، وَأَرَى هَذَا الشَّرْطَ مَفْسُوخًا قَالَ الْبَاجِيُّ غَلْقُ الرَّهْنِ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَا يُفَكُّ يُقَالُ غَلِقَ الرَّهْنُ إذَا لَمْ يُفَكَّ وَمَعْنَى التَّرْجَمَةِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْقَدَ الرَّهْنُ عَلَى وَجْهٍ يَئُولُ إلَى الْمَنْعِ فِي فَكِّهِ، وَقَوْلُهُ - ﷺ - «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
لَا يُمْنَعُ مِنْ فَكِّهِ وَذَلِكَ نَهْيٌ عَنْ عَقْدٍ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ وَعَنْ اسْتِدَامَتِهِ إنْ عُقِدَ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُهُ اهـ. مِنْ الْبَاجِيِّ.
ص (وَبِاشْتِرَاطِهِ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ ظُنَّ فِيهِ اللُّزُومُ)
ش: قَبِلَهُ الشَّيْخُ بَهْرَامُ وَالنُّوَيْرِيُّ فِي تَكْمِلَتِهِ عَلَى الْبِسَاطِيِّ وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ ابْنِ شَاسٍ أَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ رَهْنًا فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ وَظَنَّ لُزُومَ الْوَفَاءِ بِهِ فَرَهَنَهُ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ كَمَا لَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَدَّاهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنْ لَا دَيْنَ فَإِنَّهُ يُسْتَرَدُّ اهـ. وَهُوَ نَصُّ مَا وَقَفْتَ عَلَيْهِ فِي وَجِيزِ الْغَزَالِيِّ وَقَدْ أَصَابَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي إضْرَابِهِ عَنْهُ صَفْحًا، وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ فَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عِنْدَ قَوْلِهِ أَوْ يَعْمَلُ لَهُ، وَأَمَّا ابْنُ عَرَفَةَ فَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ بِقَبُولٍ وَلَا رَدٍّ خِلَافَ الْمَأْلُوفِ مِنْ عَادَتِهِ وَأَنَا مَا أُرَاهُ إلَّا مُخَالِفًا لِلْمَذْهَبِ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ مَا قَبْلُ ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ قَوْلِ اللَّخْمِيِّ إنْ كَانَ الرَّهْنُ بِدِينَارَيْنِ قَضَى أَحَدَهُمَا أَوْ بِثَمَنِ عَبْدَيْنِ اسْتَحَقَّ أَحَدَهُمَا أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ أَوْ بِمِائَةٍ ثَمَنُ عَبْدٍ بِيعَ بَيْعًا فَاسِدًا فَكَانَتْ قِيمَتُهُ خَمْسِينَ فَالرَّهْنُ رَهْنٌ بِمَا بَقِيَ وَتَأَمَّلْهُ أَيْضًا مَعَ قَوْلِ ابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ ابْتَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا عَلَى أَنْ يَرْتَهِنَ بِالثَّمَنِ رَهْنًا صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا فَرَهَنَهُ إيَّاهُ وَقَبَضَهُ: فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ وَقَعَ الْبَيْعُ.
وَكَذَا إنْ كَانَ الرَّهْنُ صَحِيحًا وَالْبَيْعُ فَاسِدًا عَلَى أَنَّ اللَّخْمِيَّ
[ ٥ / ٨ ]
وَابْنَ يُونُسَ لَمْ يَتَنَازَلَا لِظَنِّ اللُّزُومِ اهـ. كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ وَكَلَامُ اللَّخْمِيِّ الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ فِي: بَابِ مَنْ رَهَنَ رَهْنًا بِدِينَارَيْنِ فَقَضَى أَحَدَهُمَا أَوْ بِعَبْدَيْنِ فَاسْتَحَقَّ أَحَدَهُمَا أَوْ كَانَ عَبْدًا وَاحِدًا بِيعَ بِمِائَةٍ بَيْعًا فَاسِدًا فَكَانَتْ قِيمَتُهُ خَمْسِينَ فَقِيلَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الرَّهْنُ رَهْنٌ بِالْبَاقِي وَحَكَى ابْنُ شَعْبَانَ: إذَا كَانَ الرَّهْنُ فِي حُقُوقٍ ثَلَاثَةٍ فَقُضِيَ أَحَدُهَا أَنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ الرَّهْنِ بِقَدْرِهِ. فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مِائَةٌ عَلَى إنْ رَهَنَهُ رَهْنًا بِالْأَوَّلِ وَالثَّانِي قَوْلَانِ فَقِيلَ يَقْبِضُ الرَّهْنَ وَيَسْقُطُ نِصْفُهُ وَهُوَ مَا قَابَلَ الدَّيْنَ الْأَوَّلَ، وَاخْتَارَ مُحَمَّدٌ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ رَهْنًا بِالثَّانِي مِثْلَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَعَلَى هَذَا يُفَضُّ الرَّهْنُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ إذَا اُسْتُحِقَّ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ، وَفِي الطَّلَاقِ إذَا رَهَنَ بِالصَّدَاقِ ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْفَضِّ أَحْسَنُ إلَّا أَنْ تَكُونَ عَادَةً أَنَّهُ يَبْقَى رَهْنًا فِي الْبَاقِي. وَمَنْ أَسْلَمَ دِينَارًا فِي ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا وَأَخَذَ بِهَا رَهْنًا ثُمَّ فَسَخَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الدِّينَارُ وَالدَّرَاهِمُ سَوَاءً كَانَ أَحَقَّ بِهِ حَتَّى يَعُودَ إلَيْهِ دِينَارُهُ وَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الدِّينَارِ أَرْبَعِينَ كَانَ أَحَقَّ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الرَّهْنِ وَالْبَاقِي هُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى أَنْ يَكُونَ رَهْنًا فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ ثُمَّ يُسَلَّمُ وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الدِّينَارِ عِشْرِينَ هَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِجَمِيعِهِ أَوْ بِثُلُثَيْهِ وَيَسْقُطُ مِنْ الرَّهْنِ مَا يَنُوبُ الْعَشَرَةَ الزَّائِدَةَ؛ لِأَنَّهَا كَالْمُسْتَحَقَّةِ اهـ.
وَكَلَامُ ابْنِ يُونُسَ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الرَّهْنِ بِالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وَلْنَذْكُرْ أَوَّلًا كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ ثُمَّ نَذْكُرْ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَالْعَجَبُ مِنْ ابْنِ غَازِيٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ لَمْ يَنْقُلْهُ
قَالَ فِي التَّهْذِيبِ وَمَنْ لَكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ إلَى أَجَلٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ فَرَهَنَك بِهِ رَهْنًا عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَفْتَكَّهُ مِنْكَ إلَى الْأَجَلِ فَالرَّهْنُ لَكَ بِدَيْنِكَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَيَنْقَضِ هَذَا الرَّهْنُ وَلَا يُنْظَرُ بِهِ إلَى الْأَجَلِ وَلَكَ أَنْ تَحْبِسَ الرَّهْنَ حَتَّى تَأْخُذَ حَقَّكَ وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ وَيَصِيرُ السَّلَفُ حَالًّا قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَهَذَا إذَا كَانَ الرَّهْنُ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ أَوْ السَّلَفِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْأَمْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَسَدَ الْبَيْعُ وَالسَّلَفُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَصِحُّ لَهُ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ الثَّمَنُ أَوْ الرَّهْنُ وَكَذَلِكَ فِي السَّلَفِ لَا يَدْرِي هَلْ يَرْجِعُ إلَيْهِ مَا سَلَّفَ أَوْ الرَّهْنُ فَإِنْ عَثَرَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ فَسَخَ الْبَيْعَ إنْ لَمْ تَفُتْ السِّلْعَةُ بِحَوَالَةِ سُوقٍ فَأَعْلَى فَتَكُونُ فِيهَا الْقِيمَةُ حَالَّةً، وَيَصِيرُ السَّلَفُ حَالًّا وَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِالرَّهْنِ مِنْ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَأْخُذَ حَقَّهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ وَقَعَ الْبَيْعُ.
وَلَوْ كَانَ هَذَا الرَّهْنُ بَعْدَ أَنْ صَحَّ الْبَيْعُ أَوْ السَّلَفُ لَمْ يُفْسَخْ إلَّا الرَّهْنُ وَحْدَهُ وَيَأْخُذُهُ رَبُّهُ بِهِ وَيَبْقَى الْبَيْعُ، وَالسَّلَفُ بِلَا رَهْنٍ إلَى أَجَلِهِ وَلَا يَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِهَذَا الرَّهْنِ فِي فَلَسٍ وَلَا مَوْتٍ كَقَوْلِهِمْ فِيمَنْ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ دَيْنٌ إلَى أَجَلٍ فَأَخَذَ مِنْهُ قَبْلَ الْأَجَلِ رَهْنًا عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ سَلَفٌ بِنَفْعٍ قَالَ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا يَكُونُ الرَّهْنُ بِهِ رَهْنًا، وَإِنْ قُبِضَ فِي فَلَسِ الْغَرِيمِ أَوْ مَوْتِهِ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فَحَمَلَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَابْنُ يُونُسَ مَسْأَلَةَ الْكِتَابِ عَلَى أَنَّهُمَا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ وَقَالَ عِيَاضٌ: ظَاهِرُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الرَّهْنَ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ فِي ثَمَنٍ حَالٍّ فَأَخَّرَهُ بِهِ لِأَجَلِ الرَّهْنِ فَاسْتَوَى هُنَا فِيهِ الْبَيْعُ وَالْقَرْضُ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْبَيْعِ إذَا كَانَ بَعْدَ الْعَقْدِ كَانَ تَأْخِيرُهُ عَلَى هَذَا الرَّهْنِ كَالسَّلَفِ عَلَيْهِ وَصَارَ بَيْعًا فَاسِدًا بَاعَ مِنْهُ هَذَا الرَّهْنَ بِهَذَا الدَّيْنِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ بِشَرْطِ إنْ لَمْ يُوفِهِ دَيْنَهُ فَإِنْ وَفَّاهُ فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا فَصَارَ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَالْبَيْعُ وَالسَّلَفُ مَرَّةً بَيْعًا وَمَرَّةً سَلَفًا فَيُرَدُّ وَيُفْسَخُ هَذَا الشَّرْطُ وَلَا يَنْتَظِرُ بِهِ الْأَجَلَ فَيَأْخُذُ صَاحِبُ السَّلَفِ سَلَفَهُ وَالْبَائِعُ ثَمَنَ سِلْعَتِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ صَحَّ وَإِنَّمَا دَخَلَ الْفَسَادُ فِي الرَّهْنِ فِي ثَمَنِهِ وَيَكُونُ هُنَا أَحَقُّ بِرَهْنِهِ حَتَّى يَأْخُذَ حَقَّهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الرَّهْنِ أَخَذَهُ اهـ.
وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ وَعِيَاضٍ فِيمَا إذَا وَقَعَ الرَّهْنُ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ لَا فِي حَمْلِ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ عِيَاضًا إنَّمَا قَالَ: إنَّهُ يَكُونُ أَحَقُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فَرَضَ أَنَّ الثَّمَنَ وَالسَّلَفَ حَالَّانِ
[ ٥ / ٩ ]
وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ بِهِ لِأَجَلِ الرَّهْنِ فَكَأَنَّهُ ابْتَدَأَ حِينَئِذٍ سَلَفًا عَلَى رَهْنٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ السَّلَفَ إذَا وَقَعَ عَلَى رَهْنٍ فَاسِدٍ أَنَّهُ يُفْسَخُ وَيَصِيرُ السَّلَفُ حَالًّا وَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِالرَّهْنِ مِنْ الْغُرَمَاءِ
وَأَمَّا ابْنُ يُونُسَ: فَفَرَضَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ وَالثَّمَنَ مُؤَجَّلَانِ، وَتَطَوَّعَ لَهُ بِالرَّهْنِ بِشَرْطِ أَنَّهُ إنْ مَضَى الْأَجَلُ وَلَمْ يُوفِهِ حَقَّهُ فَالرَّهْنُ لَهُ بِحَقِّهِ فَهَذَا رَهْنٌ فَاسِدٌ وَقَعَ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ فَيُرَدُّ وَلَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ وَكَلَامِ عِيَاضٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ فَتَأَمَّلْهُ وَيُؤْخَذُ هَذَا أَيْضًا مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُعَارِضَهَا عَلَى مَا قَالَ عِيَاضٌ بِمَسْأَلَةِ كِتَابِ التَّفْلِيسِ فِيمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ إلَى أَجَلٍ فَأَخَّرَهُ بِرَهْنٍ إلَى أَبْعَدَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الرَّهْنُ بِهِ رَهْنًا وَهَذِهِ الْمُعَارَضَةُ لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّ عِيَاضًا قَالَ مِنْ ثَمَنٍ حَالٍّ فَأَخَّرَهُ بِهِ لِأَجَلِ الرَّهْنِ الشَّيْخُ وَقَوْلُ عِيَاضٍ أَنَّهُ بَعْدَ الْعَقْدِ يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ فَرَهْنُكَ بِهِ وَالْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ وَمِنْ قَوْلِهِ وَيُنْقَضُ هَذَا الرَّهْنُ وَلَوْ كَانَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ لَقَالَ يُنْقَضُ الْبَيْعُ اهـ. كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَكَلَامُ عِيَاضٍ فِي التَّنْبِيهَاتِ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ وَنَصُّهُ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ إذَا وَقَعَ الرَّهْنُ فَاسِدًا بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي الرَّهْنِ بَيْعًا فَلَا يَكُونُ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْ مِنْ يَدِهِ بِهَذَا الرَّهْنِ شَيْئًا، وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْكِتَابِ: أَوْ قَرْضٍ مِنْ بَيْعٍ وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى مَا فِي الْكِتَابِ عِنْدِي عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ أَخَذَهُ بِثَمَنِ الْمَبِيعِ لِأَجَلِ الرَّهْنِ فَيَكُونُ كَالسَّلَفِ سَوَاءٌ.
وَقَدْ خَرَجَ مِنْ يَدِهِ الِانْتِفَاعُ بِنَقْدِ ثَمَنِهِ وَأَخَذَهُ لِأَجَلِ الرَّهْنِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِيمَنْ أَخَذَ بِدَيْنٍ لَمْ يَحِلَّ إلَى أَبْعَدَ مِنْ أَجَلِهِ عَلَى أَنْ يُعْطَى حَمِيلًا أَوْ رَهْنًا أَنَّهُ تَسْقُطُ الْحَمَالَةُ وَيُرَدُّ الرَّهْنُ إلَى رَبِّهِ إنْ أُدْرِكَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْأَجَلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ إذَا أُدْخِلَ فِي الْأَجَلِ الثَّانِي فَهُوَ كَسَلَفٍ لَمْ يَحِلَّ فِيهِ رَهْنٌ مَقْبُوضٌ فَالرَّهْنُ بِهِ ثَابِتٌ. وَمَعْنَى مَسْأَلَةِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الثَّمَنَ كَانَ مُؤَجَّلًا فَهَاهُنَا إذَا فَسَخْنَا الرَّهْنَ لَزِمَهُ بِحَقِّهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَقَّ بِهِ إذْ لَمْ يُخْرِجْ مِنْ يَدِهِ شَيْئًا لِأَجَلِ الرَّهْنِ وَلَمْ يُفْسَخْ الْأَجَلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعٍ وَلَوْ كَانَ هَذَا الشَّرْطُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ لَكَانَ بَيْعًا فَاسِدًا اهـ. ثُمَّ لَمَّا أَنْ تَمَّمَ ابْنُ يُونُسَ الْكَلَامَ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ هَذِهِ كَمَا سَنَذْكُرُ كَلَامَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ذَكَرَ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَزَادَ بَعْدَهُ تَتِمَّةً لِلْكَلَامِ السَّابِقِ مَا نَصُّهُ: كَمَنْ قَالَ إنْ جِئْتُكَ بِالثَّمَنِ إلَى سَنَةٍ وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ بِالثَّمَنِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالرَّهْنِ. ابْنُ يُونُسَ جَعَلَ هَذَا بَيْعًا صَحِيحًا وَهُوَ لَا يَدْرِي مَا يَصِحُّ لَهُ فِي ثَمَنِ سِلْعَتِهِ الثَّمَنُ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ، أَوْ الرَّهْنُ وَهَذَا بَيْعٌ فَاسِدٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ كَمَا بَيَّنَّا اهـ. وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ.
[فَرْعٌ رَهَنَهُ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ رَهْنًا صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا فَقَبَضَهُ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَإِذَا رَهَنَهُ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ رَهْنًا صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا فَقَبَضَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ لِوُقُوعِ الْبَيْعِ عَلَيْهِ اهـ. وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: إذَا كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ صَحِيحَةً وَالرَّهْنُ فَاسِدًا مِثْلَ أَنْ يَقَعَ الْبَيْعُ أَوْ السَّلَفُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ وَاللُّزُومِ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ رَهَنَهُ بِهِ رَهْنًا عَلَى أَنَّهُ إنْ مَضَتْ السَّنَةُ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ فَهَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِالرَّهْنِ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَالثَّانِي: لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْ بِالرَّهْنِ مِنْ يَدِهِ شَيْئًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَإِذَا كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةً وَالرَّهْنُ صَحِيحًا مِثْلَ أَنْ يَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى نَعْتِ الْفَسَادِ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ فَيَرْهَنُهُ بِالثَّمَنِ رَهْنًا صَحِيحًا إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ فَإِنَّ الْبَيْعَ مَفْسُوخٌ وَتُرَدُّ السِّلْعَةُ مَعَ الْقِيَامِ وَيُرَدُّ الرَّهْنُ إلَى الرَّاهِنِ فَإِنْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ بِمَا يَفُوتُ بِهِ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ أَحَقُّ بِالرَّهْنِ مِنْ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَقْبِضَ الْقِيمَةَ قَوْلًا وَاحِدًا اهـ. فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُؤَلِّفَ - ﵀ - إنَّمَا تَبِعَ ابْنَ شَاسٍ وَأَنَّ كَلَامَهُ مُخَالِفٌ لِلْمُدَوَّنَةِ وَلِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ.
(تَنْبِيهَاتٌ تَتَعَلَّقُ بِكَلَامِ الْمُؤَلَّفِ وَبِكَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمَذْكُورِ الْأَوَّلُ) قَدْ عُلِمَ أَنَّ السَّلَفَ الْفَاسِدَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ (الثَّانِي): إذَا قُلْنَا أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَبْطُلُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَتَارَةً يُفْسَخُ مَعَ قِيَامِ السِّلْعَةِ قَبْلَ فَوَاتِهَا فَهَذَا ظَاهِرٌ، وَتَارَةً يُفْسَخُ فِي الْقِيمَةِ بَعْدَ
[ ٥ / ١٠ ]
فَوَاتِ السِّلْعَةِ وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ مُسَاوِيَةً لِلثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ فَمَعَ التَّسَاوِي الْأَمْرُ ظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ فَهَلْ يَكُونُ الرَّهْنُ جَمِيعُهُ رَهْنًا بِهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ؟ أَوْ لَا قَوْلَانِ: تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة إلَيْهِمَا فِي كَلَام اللخمي وَإِنَّ كَانَتْ الْقِيمَة أَكْثَر كَانَ الرَّهْن رَهْنًا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ مِنْهُمَا فَقَطْ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ): لَا يُقَالُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَبَيْنَ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ النُّقُولِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ الرَّهْنِ مَنْعُ التَّوَثُّقِ بِهِ حَتَّى يَتَّصِلَ بِعَيْنِ شَيْئِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا مَعْنَى لِلرَّهْنِ إلَّا ذَلِكَ وَلَا مَعْنَى لِعَدَمِهِ إلَّا بُطْلَانُ ذَلِكَ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَوَهَّمَهُ بَعْضُ النَّاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[وَقَعَ الرَّهْنُ فَاسِدًا بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْبَيْعِ رَهْنًا]
(الرَّابِعُ): قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِذَا وَقَعَ الرَّهْنُ فَاسِدًا بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْبَيْعِ رَهْنًا فَلَا يَكُونُ أَوْلَى بِالرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْ مِنْ يَدِهِ بِهَذَا الرَّهْنِ شَيْئًا اهـ. وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَبَطَلَ بِشَرْطٍ مُنَافٍ وَيُرِيدُ وَكَذَلِكَ السَّلَفُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حُلُول الْأَجَل]
(الْخَامِسُ): قَالَ ابْنُ يُونُسَ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ مُتَمِّمًا لِكَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَمَّا إنْ حَلَّ الْأَجَلُ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ وَلَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ ثَمَنَهُ أَوْ أَسْلَفَهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ كَأَنَّهُ بَاعَهُ الرَّهْنَ بَيْعًا فَاسِدًا، فَيُفْسَخُ مَا لَمْ يَفُتْ وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَتَسْتَوِي حِينَئِذٍ هَذِهِ وَاَلَّتِي الرَّهْنُ فِيهَا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ قَالَ مَالِكٌ فِيهَا يَعْنِي فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ وَالرَّهْنُ بِيَدِكَ أَوْ بِيَدِ أَمِينٍ فَقَبَضْتَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَرْطُكَ لَمْ يَتِمَّ لَكَ مِلْكُكَ الرَّهْنَ فِيمَا شَرَطْتَ فِيهِ وَلَكِنْ تَرُدُّهُ إلَى رَبِّهِ وَتَأْخُذُ دَيْنَكَ، وَلَكَ أَنْ تَحْبِسَهُ حَتَّى تَأْخُذَ دَيْنَكَ يُرِيدُ أَوْ قِيمَةَ سِلْعَتِكَ الَّتِي بِعْتَ أَوَّلًا إذَا فَاتَتْ قَالَ وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ حَتَّى تَأْخُذَ حَقَّكَ، فَإِنْ فَاتَ الرَّهْنُ بِيَدِكَ بِمَا يَفُوتُ بِهِ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ مِنْ حَوَالَةِ سُوقٍ فَاعِلًا فِي الْحَيَوَانِ وَالسِّلَعِ، وَأَمَّا الدُّورُ وَالْأَرَضُونَ فَلَا يُفِيتُهَا حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ، وَلَا طُولُ الزَّمَانِ وَإِنَّمَا يُفِيتُهَا الْهَدْمُ وَالْبِنَاءُ سَوَاءٌ هَدَمْتَهَا أَنْتَ أَوْ تَهَدَّمَتْ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ فَحِينَئِذٍ لَا تَرُدُّ الرَّهْنَ وَيَلْزَمُكَ قِيمَتُهُ يَوْمَ حَلَّ الْأَجَلُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ وَقَعَ يَوْمَ حَلَّ الْأَجَلُ، وَأَنْتَ لِلسِّلْعَةِ قَابِضٌ يَوْمَئِذٍ وَتَقَاصُّهُ بِدَيْنِكَ وَتَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: وَبِحُلُولِ الْأَجَلِ تَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ. ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ وَقَعَ يَوْمَ الْأَجَلِ وَهُوَ قَابِضٌ لِلسِّلْعَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَضْمَنَهَا وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ.
(السَّادِسُ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَتْ بِيَدِ أَمِينٍ فَقِيلَ يَضْمَنُهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ يَدَ رَبِّهَا ارْتَفَعَتْ عَنْهَا، وَيَدُ الْأَمِينِ كَيَدِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَوَجَبَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ضَمَانُهَا، وَقِيلَ لَا يَضْمَنُهَا الْمُرْتَهِنُ إلَّا بَعْدَ قَبْضِهَا مِنْ عِنْدِ الْأَمِينِ؛ لِأَنَّ الْأَمِينَ كَانَ حَائِزًا لِلْبَائِعِ فَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ الْحَوْزِ اهـ. ابْنُ يُونُسَ وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ بِخِلَافِ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً شِرَاءً فَاسِدًا وَنَقَدَ ثَمَنَهَا وَدَعَا إلَى قَبْضِهَا فَهَلَكَتْ بِيَدِ الْبَائِعِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ضَمَانُهَا مِنْهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْبَائِعَ وَإِنْ قَبَضَ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ لَهُ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ لِفَسَادِ الْبَيْعِ فَكَأَنَّهَا مُبْقَاةٌ عَلَى مِلْكِهِ، وَيَدُهُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ، وَهَاهُنَا السِّلْعَةُ خَرَجَتْ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ إلَى يَدِ وَكِيلٍ لَهُمَا إلَى وَقْتِ حُلُولِ الْأَجَلِ فَيَصِيرُ وَكِيلًا لِلْمُشْتَرِي إذَا لَمْ يَأْتِ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ فَيَدُ وَكِيلِ الْمُشْتَرِي كَيَدِهِ وَهَذَا بَيِّنٌ اهـ.
ص (وَحَلَّفَ الْمُخْطِئُ الرَّاهِنَ أَنَّهُ ظَنَّ لُزُومَ الدِّيَةِ وَرَجَعَ)
ش: وَأَمَّا لَوْ عَلِمَ بِلُزُومِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَرَهَنَ عَلَى ذَلِكَ فَالرَّهْنُ صَحِيحٌ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيَجُوزُ الرَّهْنُ فِي دَمِ الْخَطَإِ إذَا عَلِمَ الرَّاهِنُ أَنَّ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلَوْ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ وَحْدَهُ لَمْ يَجُزْ وَلَهُ رَدُّ الرَّهْنِ، أَبُو الْحَسَنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ لَقَدْ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ اهـ. مِنْ أَوَائِلِ كِتَابِ الرُّهُونِ.
ص (أَوْ فِي قَرْضٍ مَعَ دَيْنٍ قَدِيمٍ)
ش: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي أَثْنَاءِ كِتَابِ التَّفْلِيسِ مِنْهَا وَنَصُّهَا
[ ٥ / ١١ ]
فِيهِ: وَإِنْ أَسْلَفْتَ رَجُلًا مُسْلِمًا بِلَا رَهْنٍ أَوْ بِرَهْنٍ ثُمَّ أَسْلَفْتَهُ سَلَفًا آخَرَ عَلَى أَنْ أَخَذْتَ مِنْهُ رَهْنًا بِالسَّلَفِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَجَهِلْتُمَا أَنَّ الثَّانِيَ فَاسِدٌ فَقَامَتْ الْغُرَمَاءُ عَلَى الرَّاهِنِ فِي فَلَسٍ أَوْ مَوْتٍ فَالرَّهْنُ الْأَوَّلُ فِي السَّلَفِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي فِي الثَّانِي وَلَا يَكُونُ الرَّهْنُ الثَّانِي رَهْنًا فِي شَيْءٍ مِنْ السَّلَفِ الْأَوَّلِ اهـ.
وَقَوْلُهُ مَعَ دَيْنٍ يُرِيدُ سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الدَّيْنُ الْقَدِيمُ مِنْ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ وَانْظُرْ لَوْ كَانَ الثَّانِي غَيْرَ قَرْضٍ بَلْ مِنْ ثَمَنِ بَيْعٍ وَشَرَطَ أَنَّ الْأَوَّلَ دَاخِلٌ فِي رَهْنِ الثَّانِي وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: مُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْجَوَاهِرِ أَنَّا لَوْ اطَّلَعْنَا عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ لَرَدَدْنَا الرَّهْنَ وَلَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ وَكَلَامُهُ - ﵀ - فِي الْمُخْتَصَرِ نَصٌّ فِي صِحَّةِ الرَّهْنِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ لِغَيْرِهِ بَلْ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَانْظُرْ لَوْ عَثَرْنَا عَلَى هَذَا قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ هَلْ يَرُدُّ السَّلَفَ، أَوْ يُقَالُ إذَا أَسْقَطَ مُشْتَرِطُ السَّلَفِ شَرْطَهُ مَضَى اهـ.
(الثَّانِي): قَيَّدَ ابْنُ الْمَوَّازِ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا قَالَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ حَالًّا أَوْ حَلَّ أَجَلُهُ لَصَحَّ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْغَرِيمُ مَلِيًّا؛ لِأَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ قَدْ مَلَكَ أَخْذَهُ فَتَأْخِيرُهُ كَابْتِدَاءِ سَلَفٍ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَكَذَا عِنْدِي لَوْ كَانَ عَدِيمًا وَكَانَ الرَّهْنُ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْمَلِيِّ اهـ. وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ تَقْيِيدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَوْ جَدَّ فِيهِ)
ش: وَكَذَا لَوْ كَانَ مُشْتَرَطًا فِي الْعَقْدِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ حَارِثٍ: اخْتَلَفَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ فِي الْمُشْتَرَطِ فِي الْبَيْعِ بِعَيْنِهِ يَدَعُ الْمُرْتَهِنُ قَبْضَهُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغُرَمَاءُ أَوْ حَتَّى يَبِيعَهُ رَبُّهُ فَأَبْطَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ: يُنْقَضُ بَيْعُهُ وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ مُحَمَّدٌ فَجَعَلَ سَحْنُونٌ قَبْضَهُ لِلِارْتِهَانِ حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَيْهِ اهـ. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَآبِقًا عَنْ التَّوْضِيحِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّهْنِ وَالْهِبَةِ فِي كَوْنِ الْجَدِّ فِي طَلَبِهَا وَتَزْكِيَةِ شُهُودِهَا حِيَازَةً إنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِ رَبِّهِ فَلَمْ يَكْتَفِ فِيهِ بِالْجَدِّ بِخِلَافِهَا وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَارِثٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ نَصُّ قَوْلِهَا وَإِنْ بِعْتَ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَرْهَنَك عَبْدَهُ مَيْمُونًا بِحَقِّك فَفَارَقَك قَبْلَ قَبْضِهِ، لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ وَلَكَ أَخْذُهُ مِنْهُ رَهْنًا مَا لَمْ يَقُمْ الْغُرَمَاءُ فَيَكُونُ أُسْوَتَهُمْ فَإِنْ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهُ مَضَى بَيْعُهُ وَلَيْسَ لَكَ أَخْذُهُ بِرَهْنٍ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ تَرْكَكَ إيَّاهُ حَتَّى بَاعَهُ كَتَسْلِيمِكَ لِذَلِكَ، وَبَيْعُكَ الْأَوَّلُ غَيْرُ مُنْتَقَضٍ اهـ.
ص (وَبِإِذْنِهِ فِي وَطْءٍ أَوْ إسْكَانٍ أَوْ إجَارَةٍ وَلَوْ لَمْ يَسْكُنْ)
ش: يُرِيدُ وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ وَلَوْ لَمْ يُؤَجِّرْ وَلَمْ يَطَأْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ حَرِيمِ الْبِئْرِ: وَلِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُ الرَّاهِنِ أَنْ يَسْقِيَ زَرْعَهُ بِمَا ارْتَهَنَ مِنْهُ مِنْ بِئْرٍ أَوْ قَنَاةٍ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَسْقِيَ بِهَا زَرْعَهُ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ ارْتَهَنَ دَارًا فَأَذِنَ لِرَبِّهَا أَنْ يَسْكُنَ أَوْ يُكْرِيَ فَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ حِينَ أَذِنَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْ وَلَمْ يُكْرِ اهـ. وَقَالَ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْهَا: وَكَذَلِكَ إنْ ارْتَهَنْتَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا بِإِذْنِكَ وَهِيَ فِي يَدِكَ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: يُرِيدُ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ يَدِكَ كَأَمِينٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ زَرَعَهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ وَكَذَلِكَ
[ ٥ / ١٢ ]
مَنْ لَمْ يَزْرَعْ وَلَمْ يَسْكُنْ وَلَمْ يُكْرِ كَمَا قَالَ فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ اهـ. وَكَذَلِكَ الْإِذْنُ فِي الْوَطْءِ يُبْطِلُ الرَّهْنَ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فِي وَطْءٍ بَطَلَ الرَّهْنُ وَكَذَا فِي إسْكَانٍ وَإِجَارَةٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: مُقْتَضَاهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْإِذْنِ كَافٍ فِي الْبُطْلَانِ وَهُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ، وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ وَأَشَارَ بِلَوْ إلَى خِلَافِ أَشْهَبَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا يَبْطُلُ إلَّا بِالسُّكْنَى وَالْكِرَاءِ. وَحَكَى بَعْضُهُمْ ثَالِثًا بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ فَيَبْطُلُ بِالْإِذْنِ أَوْ عَلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَلَا يَبْطُلُ بِالْإِذْنِ لِوُجُودِ صُورَةِ الْحَوْزِ، وَجَعَلَهُ ابْنُ رَاشِدٍ تَفْسِيرًا جَمْعًا بَيْنَ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَهَلْ تَكْفِي بَيِّنَةٌ عَلَى الْحَوْزِ؟ وَمَسْأَلَةُ مَا إذَا حَازَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ وُجِدَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ فَادَّعَى الرَّاهِنُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ وَأَنَّ الْمُرْتَهِنَ افْتَاتَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَوَلَّاهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِهِ)
ش: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ.
[فَرْعٌ تَرَكَ الْمُرْتَهِنُ كِرَاء الدَّارَ الَّتِي لَهَا قَدْرٌ أَوْ الْعَبْدَ الْكَثِيرَ الْخَرَاجِ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُنْتَقَى: إنْ تَرَكَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُكْرِيَ الدَّارَ الَّتِي لَهَا قَدْرٌ أَوْ الْعَبْدَ الْكَثِيرَ الْخَرَاجِ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ ضَمِنَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِتَضْيِيعِهَا عَلَى الرَّاهِنِ وَهُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، أَمَّا الْحَقِيرُ فَلَا قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَالَ أَصْبَغُ: لَا يَضْمَنُ فِي الْوَجْهَيْنِ كَالْوَكِيلِ عَلَى الْكِرَاءِ لَا يَضْمَنُ اهـ. وَذَكَرَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ الْقَوْلَيْنِ وَقَالَ قَالَ: فَضْلٌ وَقَوْلُ أَصْبَغَ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ قَالَ أَصْبَغُ: وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنْ يُكْرِيَهَا وَقَالَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ: إنَّهُ يَضْمَنُ مَا لَمْ يَكُنْ الْمُرْتَهِنُ عَالِمًا بِذَلِكَ. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي مَسْأَلَةِ اشْتِرَاطِ الْمُرْتَهِنِ لِقِلَّةِ الرَّهْنِ: وَإِذَا رَهَنَهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي الْكِرَاءِ وَأَنْ يَقْضِيَهُ مِنْ دَيْنِهِ فَفَرَّطَ حَتَّى حَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ فَإِنْ كَانَ رَبُّ الْمَالِ حَاضِرًا وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُكْرِهَا وَلَمْ يُنْكِرْ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَإِلَّا فَفِي تَغْرِيمِهِ كِرَاءَ الْمِثْلِ قَوْلَانِ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ فَضْلٌ وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَانْظُرْ أَبَا الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ فِي الْغَاصِبِ إذَا لَمْ يُكْرِ الْأَرْضَ.
[فَرْعٌ طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ أُجْرَةً عَلَى تَوَلِّيهِ]
(فَرْعٌ) فَإِنْ طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ أُجْرَةً عَلَى تَوَلِّيهِ لِذَلِكَ فَانْظُرْ ذَلِكَ فِي رَسْمِ طَلْقٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الرُّهُونِ وَنَقَلْتُ كَلَامَهُ فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ.
ص (أَوْ فِي بَيْعٍ وَسَلَمٍ)
ش: أَيْ وَسَلَّمَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ لِلرَّاهِنِ ص (وَإِلَّا حَلَفَ وَبَقِيَ)
ش: أَيْ وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ لِلرَّاهِنِ بَلْ كَانَ بِيَدِهِ أَوْ سَلَّمَهُ لِلْمُبْتَاعِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ إلَى آخِرِهِ قَالَهُ فِي أَوَّلِ رُهُونِ الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِعَارِيَّةٍ أُطْلِقَتْ وَعَلَى الرَّدِّ أَوْ اخْتِيَارٍ لَهُ أَخْذُهُ إلَّا بِفَوْتِهِ بِكَعِتْقٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الرَّهْنَ يَبْطُلُ بِسَبَبِ إعَادَتِهِ لِرَاهِنِهِ عَلَى سَبِيلِ الْعَارِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ أَيْ الَّتِي لَمْ يُشْتَرَطْ رَدُّهَا فِيهِ وَلَا تَبْقَى لَهُ فِيهِ مُطَالَبَةٌ بِرَدِّهِ إلَى الرَّاهِنِ حَصَلَ فِيهِ فَوْتٌ أَمْ لَا، قَامَتْ الْغُرَمَاءُ أَمْ لَا، وَأَمَّا إنْ أَعَارَهُ إيَّاهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّهُ إلَيْهِ أَوْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ أَعَادَ الرَّهْنَ إلَى رَاهِنِهِ بِاخْتِيَارِهِ يَعْنِي بِاخْتِيَارٍ مِنْ الْمُرْتَهِنِ لِلرَّاهِنِ فِيهِ إمَّا بِأَنْ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ أَوْ أَجَّرَهُ مِنْهُ أَوْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَسْتَعِيرَهُ إلَّا أَنْ يَفُوتَ بِتَحْبِيسٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ أَوْ مَوْتِهِ
[ ٥ / ١٣ ]
ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ وَغَيْرُهُ أَوْ يَرْهَنَهُ عِنْدَ غَرِيمٍ آخَرَ نَصَّ عَلَيْهِ الرَّجْرَاجِيُّ فَحَاصِلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْعَارِيَّةَ إذَا كَانَتْ عَلَى الرَّدِّ فَإِنَّ الرَّهْنَ لَا يَبْطُلُ بِهَا وَذَلِكَ شَامِلٌ لِصُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا: أَنْ تَكُونَ مُؤَجَّلَةً، وَالثَّانِيَةُ: أَنْ لَا تَكُونَ مُؤَجَّلَةً وَلَكِنْ إعَارَةً عَلَى رَدِّ الرَّهْنِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: فَإِنْ كَانَتْ الْعَارِيَّةُ مُؤَجَّلَةً ارْتَجَعَهَا إذَا انْقَضَى الْأَجَلُ وَيَخْتَلِفُ إذَا لَمْ يَكُنْ ضَرَبَ أَجَلًا؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا أَمَدَ لَهَا وَقَدْ قِيلَ فِي هَذَا الْأَصْلِ: أَنَّهُ يَبْقَى إلَى مُدَّةٍ يَرَى أَنَّهُ يُعِيرُ لِمِثْلِهَا. خَلِيلٌ وَقَدْ يُقَالُ لَا يَلْزَمُهُ هُنَا التَّأْخِيرُ إلَى مُدَّةٍ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذِهِ الْعَارِيَّةِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ بَقَاءَ الرَّهْنِ بِيَدِ الرَّاهِنِ يُضْعِفُ حِيَازَةَ الْمُرْتَهِنِ اهـ. وَقَوْلُهُ أَوْ اخْتِيَارٍ يَعْنِي: إذَا رَدَّ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ بِاخْتِيَارِهِ يَعْنِي بِغَيْرِ الْعَارِيَّةِ لِتَقَدُّمِ حُكْمِهَا بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْإِجَارَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ اللَّخْمِيُّ: وَإِنَّمَا يَرْجِعُ فِي الْإِجَارَةِ إذَا انْقَضَتْ مُدَّتُهَا فَإِذَا قَامَ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَالَ جَهِلْتُ أَنَّ ذَلِكَ نَقْضٌ لِرَهْنِي، وَأَشْبَهَ مَا قَالَ حَلَفَ وَرَدَّهُ مَا لَمْ تَقُمْ الْغُرَمَاءُ (فَإِنْ قُلْت): كَيْفَ تُتَصَوَّرُ الْإِجَارَةُ وَالْغَلَّاتُ إنَّمَا هِيَ لِلرَّاهِنِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ نَفْسِهِ قِيلَ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُرْتَهِنُ اكْتَرَاهُ ثُمَّ اكْتَرَاهُ لِلرَّاهِنِ اهـ.
[فَرْعٌ كَانَ الرَّهْنُ مُصْحَفًا أَوْ كُتُبًا وَقَرَأَ فِيهَا الرَّاهِنُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ دُونَ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ يَدِهِ]
(فَرْعٌ) إذَا كَانَ الرَّهْنُ مُصْحَفًا أَوْ كُتُبًا وَقَرَأَ فِيهَا الرَّاهِنُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ دُونَ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ يَدِهِ فَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ بِذَلِكَ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ فِيهِ أَمْ لَا إلَّا أَنْ يَكُونَ رَهَنَهُ عَلَى ذَلِكَ اهـ. مِنْ رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الرُّهُونِ.
ص (وَغَصْبًا فَلَهُ أَخْذُهُ مُطْلَقًا)
ش: قَالَ الشَّارِحُ: سَوَاءٌ فَاتَ بِمَا ذُكِرَ أَمْ لَا قَامَ غُرَمَاؤُهُ أَمْ لَا وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فَلَوْ عَادَ اخْتِيَارًا وَانْظُرْ قَوْلَهُمَا فَاتَ بِمَا ذُكِرَ أَمْ لَا كَيْفَ يَأْخُذُهُ إذَا فَاتَ بِعِتْقٍ وَنَحْوِهِ وَكَانَ الرَّاهِنُ مَلِيًّا فَإِنَّ غَايَةَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا عَتَقَ الرَّاهِنُ وَهُوَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ وَسَيَأْتِي إنْ عَتَقَ الْمُدَبَّرُ وَكِتَابَتُهُ تَمْضِي فَكَذَلِكَ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْأَبْقَى)
ش: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَاطِئُ مَلِيًّا بَقِيَ الرَّهْنُ إلَى أَصْلِهِ ثُمَّ بِيعَتْ الْأَمَةُ الرَّهْنُ بَعْدَ الْوَضْعِ وَحُلُولِ الْأَجَلِ فَإِنْ وَفَّى ثَمَنَهَا بِالدَّيْنِ فَلَا إشْكَالَ وَإِنْ نَقَصَ ثَمَنُهَا عَنْ الدَّيْنِ اتَّبَعَ الْمُرْتَهِنُ السَّيِّدَ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ بِيعَ مِنْهَا بِقَدْرِ الدَّيْنِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَعَتَقَ مَا بَقِيَ وَقَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ الْمَذْكُورِ بَعْدَ هَذَا، وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ فِي عِتْقِ مَا بَقِيَ وَإِيقَافُهُ بَعْضَ أُمِّ وَلَدٍ خِلَافًا وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَبْتَاعُ الْبَعْضَ بِيعَتْ كُلُّهَا وَقَضَى الْمُرْتَهِنُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَكَانَ مَا بَقِيَ لِلرَّاهِنِ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي حَبَلِ الْحَبَلَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى يَتَصَدَّقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنٌ أَمْ وَلَدٌ قَالَ وَقَدْ قِيلَ إنَّهَا تُبَاعُ كُلُّهَا وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَبْتَاعُ مِنْهَا بِقَدْرِ الدَّيْنِ مِنْ أَجْلِ الضَّرَرِ الَّذِي عَلَيْهَا فِي تَبْعِيضِ الْعِتْقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) إذَا بِيعَتْ يَكُونُ لَهَا حَضَانَةُ وَلَدِهَا مَا لَمْ يُسَافِرْ بِهَا مُبْتَاعُهَا أَوْ يُرِيدُ أَبُو الْوَلَدِ السَّفَرَ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَضَانَةِ وَهَذِهِ إحْدَى الْمَسَائِلُ الَّتِي تُبَاعُ فِيهَا أُمُّ الْوَلَدِ وَهِيَ سِتٌّ وَيُعَبَّرُ عَنْهَا أَيْضًا بِوَجْهِ آخَرَ فَيُقَالُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ: تَكُونُ الْأَمَةُ حَامِلًا بِحُرٍّ.
(قُلْت) وَيُضَافُ إلَى ذَلِكَ الْأَمَةُ الْمُسْتَحَقَّةُ، وَالْأَمَةُ الْغَارَّةُ وَأَمَةُ الْمُكَاتَبِ إذَا مَاتَ وَفِيهَا وَفَاءٌ بِالْكِتَابَةِ وَلَهُ وَلَدٌ فَإِنَّهُ يَبِيعُ أُمَّهُ وَيُوَفِّي الْكِتَابَةَ، وَذَكَرَ ابْنُ غَازِيٍّ هُنَا الْمَسَائِلَ الَّتِي تُبَاعُ فِيهَا أُمُّ الْوَلَدِ وَذَكَرَ عَكْسَهَا وَذَلِكَ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصُّهُ وَذَلِكَ فِي الْعَبْدِ إذَا وَطِئَ جَارِيَتَهُ وَحَمَلَتْ وَأَعْتَقَهَا وَلَمْ يَعْلَمْ السَّيِّدُ بِعِتْقِهِ لَهَا حَتَّى أَعْتَقَهُ فَإِنَّ عِتْقَ الْعَبْدِ أَمَتَهُ مَاضٍ وَتَكُونُ حُرَّةً، وَالْوَلَدُ الَّذِي فِي بَطْنِهَا رَقِيقٌ؛ لِأَنَّهُ لِلسَّيِّدِ قَالَ فِي الْجَلَّابِ: وَلَوْ أَعْتَقَهَا بَعْدَ عِتْقِهِ لَمْ تُعْتَقْ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: قَبِلَهُ شَيْخُنَا
[ ٥ / ١٤ ]
أَبُو مَهْدِيٍّ قَائِلًا هُوَ الْمَذْهَبُ وَمَحْمَلُهُ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ وَضَعَتْهُ قَبْلَ عِتْقِ السَّيِّدِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ حِينَ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ الْجَنِينَ لَا يُعْتَقُ وَلَوْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ الْعَبْدَ وَأَمَتُهُ حَامِلٌ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ الْجَلَّابِ وَنَصُّهُ وَلَوْ أَعْتَقَهَا الْمَأْذُونُ بَعْدَ أَنْ عَتَقَ لَمْ أُعَجِّلْ لَهَا ذَلِكَ وَكَانَتْ حُدُودُهَا حُدُودَ أَمَةٍ تَضَعُ فَيُرَقَّ الْوَلَدُ لِلسَّيِّدِ الْأَعْلَى وَتُعْتَقُ هِيَ بِالْعِتْقِ الْأَوَّلِ فِيهَا بِغَيْرِ إحْدَاثِ عِتْقٍ اهـ. وَإِذَا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ فِيمَا إذَا أَعْتَقَهَا الْعَبْدُ بَعْدَ عِتْقِهِ فَأَحْرَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَهَا إذَا أَعْتَقَهَا فِي حَالِ رَقِّهِ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ بَعْدَ أَنْ عَتَقَ أَقْوَى مِنْ عِتْقِهِ قَبْلَ أَنْ عَتَقَ وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لَهَا بِالْحُرِّيَّةِ حَتَّى تَضَعَ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ إنَّهَا حُرَّةٌ حَامِلَةٌ بِعَبْدٍ فِيهِ مُسَامَحَةٌ، وَبِهَذَا تُعْلَمُ صِحَّةُ قَوْلِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ لَا تُوجَدُ حُرَّةٌ حَامِلَةٌ بِعَبْدٍ وَسَقَطَ اعْتِرَاضُ ابْنِ نَاجِي عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا مَحْجُورِهِ)
ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَإِنْ وَلَدًا كَبِيرًا وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ نَظَرِهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الِابْنِ وَالْبِنْتِ اهـ. وَنَحْوَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
(فَرْعٌ) وَكَذَا زَوْجَتُهُ مِثْلَ مَحْجُورِهِ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَفِي الشَّامِلِ أَيْضًا وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اكْتَفَى بِذِكْرِ مَحْجُورِهِ عَنْهَا لِدُخُولِهَا فِي الْمَحْجُورِ؛ لِأَنَّهَا مَحْجُورَةٌ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَإِنْ كَانَ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا فِي الِاصْطِلَاحِ.
ص (وَرَقِيقِهِ)
ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَإِنْ مَأْذُونًا لَهُ.
[فَرْعَانِ الْأَوَّلُ حَوْزُ الْقَيِّمِ بِأُمُورِ الرَّهْنِ وَالْمُتَصَرِّفِ فِي مَالِهِ]
(فَرْعَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْمَازِرِيُّ وَأَمَّا حَوْزُ الْقَيِّمِ بِأُمُورِ الرَّهْنِ وَالْمُتَصَرِّفِ فِي مَالِهِ مِنْ شُئُونِهِ فَقَدْ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ أَنَّهُ إنْ حَازَ جَمِيعَ الرَّهْنِ كَدَارٍ؛ رَهَنَ الرَّاهِنُ جَمِيعَهَا فَحَازَهَا الْقَائِمُ بِشُئُونِ الرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ بِإِذْنِهِ. فَذَلِكَ حَوْزٌ لَا يُبْطِلُ الرَّهْنَ؛ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا رَهَنَ الرَّاهِنُ نِصْفَهَا وَأَبْقَى النِّصْفَ الْآخَرَ بِيَدِ الْقَائِمِ بِشُؤُونِهِ فَلَا يَصِحُّ لِكَوْنِ الْجُزْءِ الْآخَرِ الَّذِي لَمْ يُرْتَهَنْ بِحَوْزِهِ هَذَا الْقَائِمِ نِيَابَةً عَنْ الرَّاهِنِ وَهُوَ غَيْرُ مُمَيَّزٍ مِنْ الْجُزْءِ الْمُرْتَهَنِ، فَكَأَنَّ يَدَ الرَّاهِنِ عَلَى جَمِيعِ الرَّهْنِ اهـ. وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَزَادَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَيِّمُ عَبْدًا فَلَا يَحُوزُ يَعْنِي لِمَا رَهَنَ؛ لِأَنَّ حَوْزَ الْعَبْدِ مِنْ حَوْزِ سَيِّدِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ أَمْ لَا انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْضًا عَبْدُ الْمَلِكِ: وَلَوْ كَانَ لِيَتِيمٍ وَلِيَّانِ فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا لِلْيَتِيمِ دَيْنًا وَرَهَنَ فِيهِ رَهْنًا وَوَضَعَ عَلَى يَدِ أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ بِحَوْزٍ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُمَا وَلَا يَحُوزُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ اهـ.
ص (وَإِنْ أَسْلَمَهُ دُونَ إذْنِهِمَا لِلْمُرْتَهِنِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ وَلِلرَّاهِنِ ضَمِنَهَا أَوْ الثَّمَنَ)
ش: اعْلَمْ أَنَّهُ إنْ اطَّلَعَ عَلَى تَسْلِيمِ الرَّهْنِ لِرَاهِنِهِ قَبْلَ هَلَاكِ الرَّهْنِ وَقَبْلَ حُصُولِ مَانِعٍ يَمْنَعُ مِنْ الرَّهْنِ فِي تَفْلِيسِهِ أَوْ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَرُدَّهُ فَإِنْ حَصَلَ، أَوْ هَلَكَ فَهُوَ مَحَلُّ الضَّمَانِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ أَيْضًا مَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُرْتَهِنُ بِذَلِكَ فَيَسْكُتُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ وَقَالَهُ فِي سَمَاعِ عِيسَى وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَلِلرَّاهِنِ ضَمِنَهَا أَوْ الثَّمَنَ كَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْتُهَا وَصَوَابُهُ أَوْ الدَّيْنَ أَيْ، وَإِنْ أَسْلَمَهُ لِلرَّاهِنِ ضَمِنَ لِلْمُرْتَهِنِ قِيمَةَ الرَّهْنِ أَوْ الدَّيْنَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصُّ مَا فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ فَإِنْ دَفَعَهُ إلَى الرَّاهِنِ ضَمِنَهُ لِلْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ
[ ٥ / ١٥ ]
أَقَلَّ ثُمَّ ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ يُرِيدُ أَنَّهُ يَضْمَنُ لَهُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ الدَّيْنَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ فَهُوَ الَّذِي أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ أَقَلَّ لَمْ تَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِغَيْرِهِ اهـ.
[فَرْعٌ مَتَى تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي الرَّهْن]
(فَرْعٌ) مَتَى تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ وَالظَّاهِرُ إنَّهَا يَوْمَ هَلَاكِهِ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي سَمَاعِ عِيسَى فِيمَا إذَا أَسْلَمَ الْعَدْلُ الْأَمَةَ الرَّهْنَ لِلرَّاهِنِ وَوَطِئَهَا الرَّاهِنُ أَنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْوَطْءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفَرْخُ نَخْلٍ)
ش: الْمَعْنَى صَحِيحٌ سَوَاءٌ قُرِئَ بِالْحَاءِ أَوْ بِالْخَاءِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْفَرْخُ وَلَدُ الطَّائِرِ، وَكُلُّ صَغِيرٍ مِنْ الْحَيَوَانِ أَوْ النَّبَاتِ وَالْجَمْعُ أَفْرَاخٌ، وَأَفْرُخٌ، وَفِرَاخٌ، وَفُرُوخٌ وَأَفْرِخَةٌ وَفِرْخَانٌ، وَالزَّرْعُ الْمُتَهَيِّئُ لِلِاشْتِقَاقِ، وَفَرْخُ الزَّرْعِ نَبْتُ أَفْرَاخِهِ اهـ.
ص (وَإِنْ فِي جُعْلٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَصِحُّ الرَّهْنُ فِي الدَّيْنِ اللَّازِمِ أَوْ الْآيِلِ لِلُّزُومِ كَالْجُعْلِ فَإِنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ وَلَكِنَّهُ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ.
ص (لَا فِي مُعَيَّنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْمَرْهُونِ بِهِ أَنْ يَكُونَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ لَازِمًا لَهُ، قَالَ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ اسْتَعَرْت مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْكَ لَمْ تَضْمَنْهَا وَإِنْ رَهَنْتَهُ بِهَا فَمُصِيبَتُهَا مِنْ رَبِّهَا وَالرَّهْنُ فِيهَا لَا يَجُوزُ أَيْ لَا يَنْفُذُ وَلَا يَلْزَمُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: هُوَ رَهْنٌ إنْ أُصِيبَتْ الدَّابَّةُ بِمَا يَضْمَنُهَا بِهِ فَهُوَ رَهْنٌ وَإِنْ كَانَ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ بِغَيْرِ تَعَدٍّ لَمْ يَكُنْ رَهْنًا إذْ لَا يَضْمَنُ ذَلِكَ اهـ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ، ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيَجُوزُ الرَّهْنُ بِالْعَارِيَّةِ الَّتِي يُغَابُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا مَضْمُونَةٌ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: كَأَنَّهُ يَقُولُ لَا أَعِيرُكَ إلَّا أَنْ تُعْطِيَنِي رَهْنًا عَلَى تَقْدِيرِ هَلَاكِ الْعَارِيَّةِ اهـ. ثُمَّ قَالَ فِيهَا: وَمَنْ أَخَذَ رَهْنًا بِقِرَاضٍ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنَّهُ إنْ ضَاعَ ضَمِنَهُ إذْ لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى الْأَمَانَةِ وَفِيهَا أَيْضًا مَنْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا مِنْ رَجُلٍ وَأَعْطَاهُ بِالْإِجَارَةِ رَهْنًا جَازَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: لِأَنَّهُ يَجُوزُ الرَّهْنُ بِثَمَنِ الْمَنَافِعِ كَمَا يَجُوزُ بِثَمَنِ الْأَعْيَانِ اهـ.
ص (وَنَجْمُ كِتَابَةٍ مِنْ أَجْنَبِيٍّ)
ش: فَرَّقَ بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ وَالْمُكَاتَبِ تَبَعًا لِلْمُدَوَّنَةِ.
ص (وَجَازَ شَرْطُ
[ ٥ / ١٦ ]
مَنْفَعَتِهِ إنْ عُيِّنَتْ بِبَيْعٍ لَا قَرْضٍ)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ فِي الثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ إذْ لَا يَدْرِي كَيْفَ يُرْجَعُ إلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَغَيْرِهَا وَلِمَالِكٍ كَقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ وَأَشْهَبُ اهـ. مِنْ التَّوْضِيحِ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مَشَى عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ ذِكْرِهِ مَسْأَلَةَ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الثِّيَابِ وَمَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْهُ.
(تَنْبِيهٌ) اُنْظُرْ إذَا اشْتَرَطَ الْمَنْفَعَةَ فِي الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ وَاسْتَعْمَلَهُ مَا يَلْزَمُهُ.
ص (وَفِي ضَمَانِهِ إذَا تَلِفَ تَرَدُّدٌ) ش ذُكِرَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ قَالَ: الصَّوَابُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ حُكْمُ الرَّاهِنِ اهـ. فَحَقُّهُ أَنْ يَقُولَ: وَضَمَانُهُ كَالرَّهْنِ عَلَى الْأَظْهَرِ.
ص (وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ إنْ شُرِطَ بِبَيْعٍ وَعَيْنٍ وَإِلَّا فَرَهْنُ ثِقَةٍ)
ش: اُنْظُرْ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَشَرْطِ رَهْنٍ، أَوْ حَمِيلٍ فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ.
ص (وَهَلْ تَكْفِي بَيِّنَةٌ عَلَى الْحَوْزِ قَبْلَهُ وَبِهِ عُمِلَ، أَوْ التَّحْوِيزِ، وَفِيهَا دَلِيلُهُمَا)
ش: أَشَارَ بِذَلِكَ لِظَاهِرِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ وَنَصُّهُ: وَلَا يَقْضِي بِالْحِيَازَةِ إلَّا بِمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ لِحَوْزِهِ فِي حَبْسٍ أَوْ رَهْنٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، وَلَوْ أَقَرَّ الْمُعْطِي فِي صِحَّتِهِ أَنَّ الْمُعْطَى قَدْ حَازَ وَقَبَضَ وَشَهِدَتْ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بَيِّنَةٌ، ثُمَّ مَاتَ لَمْ يُقْضَ بِذَلِكَ إنْ أَنْكَرَ وَرَثَتُهُ حَتَّى تُعَايِنَ الْبَيِّنَةُ الْحَوْزَ اهـ. وَوَجْهُ كَوْنِ كَلَامِهَا الْمَذْكُورِ دَالًا عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ يَعْنِي إذَا وُجِدَ بِيَدِ مَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى شَخْصٍ سِلْعَةٌ لِلْمَدِينِ بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ فَلَسِهِ، وَادَّعَى أَنَّهَا رَهْنٌ عِنْدَهُ لَمْ يُصَدَّقْ فِي ذَلِكَ وَلَوْ وَافَقَهُ الْمُرْتَهِنُ خَشْيَةَ أَنْ يَتَقَارَرَا لِإِسْقَاطِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ. عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْمَجْمُوعَةِ: وَلَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ حَازَهُ قَبْلَ الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ. مُحَمَّدٌ صَوَابٌ لَا يَنْفَعُهُ إلَّا مُعَايَنَةُ الْحَوْزِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ لِقَبْضِ الْمُرْتَهِنِ.
وَذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ فِي
[ ٥ / ١٧ ]
كِتَابِ الرَّهْنِ قَوْلَيْنِ أَعْنِي عَلَى يُكْتَفَى بِمُعَايَنَةِ الْحَوْزِ، أَوْ التَّحْوِيزِ، وَاخْتَارَ الْبَاجِيُّ الْحَوْزَ قَالَ: وَلَعَلَّ مَعْنَاهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَلَكِنَّ ظَاهِرَ لَفْظِهِ خِلَافُهُ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ بَعْضِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ أَنَّ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَهُمْ إذَا وُجِدَ الرَّهْنُ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ وَقَدْ حَازَهُ كَانَ رَهْنًا، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا الْحِيَازَةَ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ: بِمُعَايَنَةٍ أَنَّهُ حَازَ يَحْتَمِلَ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْمُعَايَنَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى التَّحْوِيزِ اهـ. فَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الِاحْتِمَالِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ بِمُعَايَنَةٍ أَنَّهُ حَازَ يَأْتِي مِثْلُهُ فِي قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ إلَّا بِمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ لِحَوْزِهِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا صِحَّةُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَفِيهَا دَلِيلُهُمَا، وَسَقَطَ اعْتِرَاضُ الشَّارِحِ وَابْنُ غَازِيٍّ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَأَوَّلُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي: أَنَّ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ مُحْتَمِلٌ لِكُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ، وَآخِرُهُ يَقْتَضِي قَصْرَهُ عَلَى الْحَوْزِ فَقَطْ، وَنَصُّهُ إثْرَ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مُجَرَّدَ مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ لِحُصُولِ الرَّهْنِ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ كَافٍ فِي الْحَوْزِ سَوَاءٌ كَانَ بِتَحْوِيزٍ مِنْ الرَّاهِنِ لَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ عِنْدِي صَحِيحٌ وَهُوَ مُوَافِقٌ فِي الْمَعْنَى لِمَا قَالَهُ الْبَاجِيُّ اهـ. وَذُكِرَ عَنْ الْبَاجِيِّ مِثْلُ مَا نُقِلَ عَنْهُ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّهُ اخْتَارَ الْحَوْزَ فَتَأَمَّلْهُ. وَبَعْضُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ ابْنُ عَاتٍ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ وَكَلَامُهُ الْمَذْكُورُ هُوَ فِي أَوَّلِ الْجُزْءِ الثَّامِنِ فِي تَرْجَمَةِ قَرْضٍ، وَكَلَامُهُ فِيهَا أَتَمُّ مِمَّا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَنَصُّهُ، وَمِنْ الِاسْتِغْنَاءِ إنْ كَانَتْ الْحِيَازَةُ بِالْمُعَايَنَةِ جَازَ وَيَخْرُجُ مِنْ إرَادَتِهِ إلَى إرَادَةِ الْمُرْتَهِنِ وَمِلْكِهِ، وَالْعَمَلُ عَلَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَ بِيَدِهِ وَقَدْ حَازَهُ كَانَ رَهْنًا وَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا الْحِيَازَةَ وَلَا عَايَنُوهَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَقْبُوضًا وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ اهـ. فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَبِهِ عُمِلَ أَشَارَ بِهِ لِكَلَامِ صَاحِبِ الطُّرَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَانْظُرْ رَسْمَ الرُّهُونِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الرُّهُونِ وَكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ هُنَاكَ فَإِنَّ فِيهِ شَيْئًا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
[مَسْأَلَةٌ اخْتِلَاف الْمُفْلِس مَعَ غُرَمَائِهِ]
(مَسْأَلَةٌ) سُئِلَ ابْنَ رُشْدٍ عَنْ مُفْلِسٍ وَجَدَ بِيَدِ بَعْضِ غُرَمَائِهِ مَتَاعٌ زَعَمَ أَنَّهُ رَهْنٌ عِنْدَهُ وَصَدَّقَهُ الْمُفْلِسُ وَنَازَعَهُ الْغُرَمَاءُ فَسَأَلَهُمْ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ هُوَ عِنْدِي فَقَالُوا: لَا يَلْزَمُنَا، وَلَا نَدْرِي وَكَيْفَ إنْ ادَّعَى عَلَيْهِمْ عِلْمَ الرَّهْنِ، وَفِيهِمْ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْعِلْمُ وَكَيْفَ إنْ خَاصَمَهُ بَعْضُهُمْ فِي الرَّهْنِ فَقَالَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا (فَأَجَابَ) لَا يُصَدَّقُ الْمُفْلِسُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ فِي تَصْدِيقِهِ لِلَّذِي عِنْدَهُ الْمَتَاعُ فِي أَنَّهُ عِنْدَهُ رَهْنٌ رَهَنَهُ إيَّاهُ قَبْلَ التَّفْلِيسِ، وَيَتَحَاصُّ فِيهِ الْغُرَمَاءُ وَإِنْ قَالُوا لَا نَدْرِي مَا يَدَّعِي مِنْ أَنَّهُ رَهْنٌ رَهَنَهُ إيَّاهُ قَبْلَ التَّفْلِيسِ إلَّا أَنْ تَقُومَ عَلَى ارْتِهَانِهِ إيَّاهُ قَبْلَ التَّفْلِيسِ بَيِّنَةٌ، وَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِمْ الْيَمِينُ، وَلَا يَجْتَزِئُ بَعْضُهُمْ بِيَمِينِ بَعْضٍ، وَمَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ أَخَذَ مَا وَجَبَ لَهُ بِالْمُحَاصَّةِ وَمَنْ نَكَلَ مِنْهُمْ رَجَعَ حَظُّهُ فِيهِ إلَيْهِ بَعْدَ يَمِينِهِ اهـ.
مِنْ نَوَازِلِهِ، وَمِنْ النَّوَازِلِ الْمَذْكُورَةِ وَسَأَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ابْنَ رُشْدٍ عَنْ مُفْلِسٍ قَامَ بَعْضُ غُرَمَائِهِ بِعَقْدٍ يَتَضَمَّنُ رَهْنَهُ لِدَارِ سُكْنَاهُ قَبْلَ تَفْلِيسِهِ وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِتَحْوِيزِ الْمِدْيَانِ الرَّاهِنِ لِلْغَرِيمِ، وَقَالَ سَائِرُ الْغُرَمَاءِ: لَمْ يَزَلْ الرَّاهِنُ عِنْدَهُ وَلَا فَارَقَهَا وَإِنَّهُ الْآنَ سَاكِنٌ فِيهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ تَحَيُّلٌ لِإِبْطَالِ حَقِّهِمْ وَشَهِدَ لَهُمْ جَمَاعَةُ الْجِيرَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْمِدْيَانَ الْمَذْكُورَ لَمْ يُفَارِقْ الدَّارَ الْمَذْكُورَةَ إلَّا حِينَ تَفْلِيسِهِ، وَكَشَفَ الْقَاضِي عَنْ الدَّارِ فَوَجَدَهَا مَشْغُولَةً بِأَهْلِ الرَّاهِنِ، وَأَثَاثِهِ فَوَقَفَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا وَأَنَا حُزْتُ رَهْنِي بِحَضْرَةِ بَيِّنَتِي، وَأَخَذْتُ الْمِفْتَاحَ وَأَكْرَيْتهَا مِنْ مُكْتَرٍ وَأَثْبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي الْكِرَاءَ الْمَذْكُورَ، وَإِنْ كَانَ الْمِدْيَانُ قَدْ رَجَعَ إلَيْهَا فَقَدْ افْتَاتَ عَلَيَّ، وَلَمْ أَعْلَمْ بِهِ وَجَهَالَتُهُ بِذَلِكَ تَبْعُدُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَصُورَةُ الْحَالِ وَشَهَادَةُ بَعْضِ الْجِيرَانِ بِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ عَالِمٌ بِكَوْنِ الْمِدْيَانِ فِي الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ قَوْلِهِ: وَاجْتِمَاعِهِ بِهِ فِيهَا فَهَلْ يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي الْحِيَازَةِ (فَأَجَابَ) مَا ذَكَرْتُهُ فِيهِ مُوهِنٌ لِلْحِيَازَةِ قَادِحٌ فِيهَا وَمُؤَثِّرٌ فِي
[ ٥ / ١٨ ]
صِحَّتِهَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْفُذَ الرَّهْنُ إلَّا بِالْحِيَازَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي لَا عِلَّةَ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ: إنَّ رَهْنَ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهٍ لَا يَجُوزُ وَمُرَاعَاةُ الْخِلَافِ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ مَالِكٍ فَإِذَا حَكَمْتُ بِإِبْطَالِ هَذِهِ الدَّارِ وَقَضَيْتُ بِمُحَاصَّةِ جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ فِيهَا كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ بِالثِّقَةِ، وَلَمْ تَحْكُمْ بِالشَّكِّ وَوَافَقْتَ الْحَقَّ اهـ. مِنْ مَسَائِلِ الْحَجْرِ وَالتَّفْلِيسِ، وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي رَسْمٍ: بِعْ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْكَ، مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الرُّهُونِ مَسْأَلَةُ إذَا عَادَ الرَّهْنُ لِرَاهِنِهِ فَلَا يَبْطُلُ إلَّا إذَا عَلِمَ الْمُرْتَهِنُ بِذَلِكَ، وَفِيهَا مَسَائِلُ، وَفَوَائِدُ فَانْظُرْهَا هُنَاكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمَضَى بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ إنْ فَرَّطَ مُرْتَهِنُهُ وَإِلَّا فَتَأْوِيلَانِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الرَّاهِنَ إذَا بَاعَ الرَّهْنَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ فَإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ مَضَى الْبَيْعُ يُرِيدُ، وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ بِرَهْنٍ آخَرَ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَقَلَهُ عَنْهَا الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ مَضَى يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يُفَرِّطْ وَإِنَّمَا بَادَرَ الرَّاهِنُ إلَى الْبَيْعِ فَقَالَ الْمُصَنِّفُ: فِيهِ تَأْوِيلَانِ: يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى مَا ذَكَرَهُ فِي تَوْضِيحِهِ وَذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ تَأْوِيلِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَتَأْوِيلِ ابْنِ الْقَصَّارِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: تَأَوَّلَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَغَيْرُهُ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَهِنَ فَرَّطَ فِي قَبْضِ الرَّهْنِ لِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ تَرْكَكَ إيَّاهُ إلَخْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُرْتَهِنِ تَفْرِيطٌ وَلَا تَوَانٍ لَكَانَ لَهُ مَقَالٌ فِي رَدِّ الْبَيْعِ فَإِنْ فَاتَ بِيَدِ مُشْتَرِيهِ كَانَ الثَّمَنُ رَهْنًا وَتَأَوَّلَهَا الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَلَى أَنَّهُ تَرَاخَى فِي الْقَبْضِ، وَإِنْ لَمْ يَتَرَاخَ فَبَادَرَ الرَّاهِنُ لِلْبَيْعِ لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ وَمَضَى الْبَيْعُ وَكَانَ الثَّمَنُ رَهْنًا اهـ. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَبُو الْحَسَنِ تَأْوِيلَ غَيْرَ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ بِلَفْظٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يُعْتَقُ غَيْرَ أَبِي مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ هُنَا بَيْعُهُ، وَيُرَدُّ وَيَبْقَى رَهْنًا فَإِنْ فَاتَ بِبَيْعِ مُشْتَرِيهِ كَانَ الثَّمَنُ رَهْنًا اهـ. فَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ فَفِي إمْضَاءِ الْبَيْعِ كَمَا فِي التَّفْرِيطِ وَعَدَمِ إمْضَائِهِ تَأْوِيلَانِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ عِيَاضٌ فِي تَأْوِيلِ أَبِي مُحَمَّدٍ: هُوَ الَّذِي يُلَائِمُ مَا قَالَ فِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ مَوْصُوفًا بِالدَّيْنِ وَبَاعَ الْوَرَثَةُ مَتَاعَ الْمَيِّتِ مُبَادَرَةً لِلْغُرَمَاءِ فَلَهُمْ أَخْذُ عُرُوضِهِ، وَنَقْضُ الْبَيْعِ اهـ.
وَلْنَذْكُرْ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ لِيَظْهَرَ لَكَ التَّأْوِيلَانِ قَالَ: وَإِنْ بِعْتَ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَرْهَنَكَ عَبْدَهُ مَيْمُونًا بِحَقِّكَ فَفَارَقَكَ قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ، وَلَكَ أَخْذُهُ مِنْهُ رَهْنًا مَا لَمْ تَقُمْ الْغُرَمَاءُ فَتَكُونُ أُسْوَتَهُمْ، فَإِنْ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهُ مِنْهُ مَضَى الْبَيْعُ وَلَيْسَ لَكَ أَخْذُهُ بِرَهْنٍ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ تَرْكَكَ إيَّاهُ حَتَّى بَاعَهُ كَتَسْلِيمِكَ لِذَلِكَ وَبَيْعُكَ الْأَوَّلُ غَيْرُ مُنْتَقَضٍ اهـ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ رَدُّ الْبَيْعِ وَإِنَّمَا لَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ الرَّهْنِ بِعَيْنِهِ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي رَسْمِ الرُّهُونِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الرُّهُونِ، وَلْنَذْكُرْ كَلَامَ السَّمَاعِ وَكَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ عَلَيْهِ قَالَ فِي السَّمَاعِ: وَكُلُّ رَهْنٍ لَمْ يُقْبَضْ مِنْ الرَّاهِنِ وَيُحَازُ عَنْهُ فَأَمْرُ الرَّاهِنِ فِيهِ جَائِزٌ إنْ أَعْتَقَ، أَوْ وَطِئَ، أَوْ بَاعَ، أَوْ وَهَبَ، أَوْ نَحَلَ، أَوْ تَصَدَّقَ إذَا كَانَ مُوسِرًا وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ وَيُعْطَى صَاحِبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوسِرًا لَمْ يَجُزْ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَطَأَ الْأَمَةَ فَتَحْمِلَ، أَوْ شَيْئًا يَبِيعُهُ فَيَنْفُذُ بَيْعُهُ فَأَمَّا عِتْقٌ، أَوْ هِبَةٌ، أَوْ صَدَقَةٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ فَلَيْسَ هُوَ بِرَهْنٍ، وَأَمَّا إنْ فَلَّسَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُرْتَهِنُ كَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ قَالَ
[ ٥ / ١٩ ]
ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ لَا إشْكَالَ فِيهَا وَلَا اخْتِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْ وُجُوهِهَا.
، ثُمَّ قَالَ وَهَذَا إذَا طَاعَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ بِالرَّهْنِ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ، أَوْ بَعْدَ عَقْدِ السَّلَفِ، وَأَمَّا إذَا بَاعَهُ بَيْعًا أَوْ أَسْلَفَهُ سَلَفًا عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ عَبْدًا سَمَّاهُ فَبَاعَهُ، أَوْ أَعْتَقَهُ فَلَا حَقَّ لِلْمُرْتَهِنِ فِيهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الرَّاهِنِ الْمُبْتَاعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ رَهْنَهُ بِتَفْرِيطِهِ فِي قَبْضِهِ، وَإِنْ كَانَ أَعْتَقَهُ، أَوْ بَاعَهُ بِفَوْرِ رَهْنِهِ إيَّاهُ دُونَ أَنْ يَطُولَ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُرْتَهِنِ تَفْرِيطٌ فِي قَبْضِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ وَكَانَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا بَاعَهُ عَلَى ذَلِكَ الرَّهْنِ بِعَيْنِهِ فَلَمَّا فَوَّتَهُ عَلَيْهِ كَانَ أَحَقَّ بِسِلْعَتِهِ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً أَوْ قِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ فَائِتَةً هَذَا مَعْنَى مَا فِي كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ الثَّمَنَ يُوضَعُ لَهُ رَهْنًا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَشْهَبَ فِي الرَّاهِنِ يُكَاتِبُ الْعَبْدَ الرَّهْنَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ يُوضَعُ لَهُ رَهْنًا مَكَانَهُ، وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ هَذَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ فَلَمْ يُجِبْهُ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُرْتَهِنُ قَدْ دَفَعَ السِّلْعَةَ، أَوْ السَّلَفَ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ سِلْعَتُهُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ وَلَا سَلَّفَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِسِلْعَتِهِ وَسَلَفِهِ سَوَاءٌ فَرَّطَ فِي الْقَبْضِ أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ اهـ. كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَقَوْلُهُ: وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الرَّاهِنِ الْمُبْتَاعِ يَعْنِي الَّذِي ابْتَاعَ السِّلْعَةَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُ الْعَبْدَ الْمُسَمَّى فَبَاعَهُ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ هُوَ أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ غَيْرُهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اُسْتُحِقَّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ الْقَصَّارِ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيهَاتٌ إذَا تَتَطَوَّع بِالرَّهْنِ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَقَدِّمَ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ الرَّهْنُ مُشْتَرَطًا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ أَوْ السَّلَفِ، وَأَمَّا إذَا طَاعَ بِهِ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ أَوْ السَّلَفِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ بَيْعِ الْهِبَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا، وَنُقِلَ ذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ، وَنَصَّهُ عِيَاضٌ وَأَشَارَ بَعْضُ شُيُوخِنَا إلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ فِيمَا إذَا كَانَ الرَّهْنُ مُشْتَرَطًا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا مَا تُطُوِّعَ بِهِ مِنْ الرَّهْنِ بَعْدَ الْعَقْدِ فَحُكْمُهُ فِي بَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ حُكْمُ بَيْعِ الْهِبَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَيَّدَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَغَيْرُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إمْضَاءِ بَيْعِ الرَّهْنِ وَلَا طَلَبَ لَهُ بِرَهْنٍ آخَرَ بِمَا إذَا أَسْلَمَ الْبَائِعُ السِّلْعَةَ وَلَوْ بَقِيَتْ بِيَدِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُهَا فَرَّطَ أَمْ لَا حَتَّى يَأْتِيَهُ بِرَهْنٍ اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ عِيَاضٍ بِلَفْظِ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِلَفْظِ وَأَشَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَنَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[هَلْ لِلْمُرْتَهِنِ رَدُّ الْبَيْعِ إنْ لَمْ يَفُتْ وَأَخْذُ الرَّهْنِ]
(الثَّالِثُ) عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ شُيُوخَ الْمُدَوَّنَةِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إذَا لَمْ يُفَرِّطْ لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ لَهُ رَدُّ الْبَيْعِ إنْ لَمْ يَفُتْ وَأَخَذَ الرَّهْنِ، وَإِنْ فَاتَ كَانَ الثَّمَنُ رَهْنًا، أَوْ لَيْسَ لَهُ رَدُّ الْبَيْعِ فَاتَ أَوْ لَمْ يَفُتْ وَيَكُونُ الثَّمَنُ رَهْنًا، وَعَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ لَيْسَ لَهُ رَدُّ الْبَيْعِ الصَّادِرِ مِنْ الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ وَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَيْسَ لَهُ رَدُّ الْبَيْعِ وَيُوضَعُ لَهُ رَهْنٌ مَكَانَهُ اهـ.
[إذَا اُسْتُحِقَّ الرَّاهِن الرَّهْنُ الْمُعَيَّنُ قَبْلَ الْقَبْضِ]
(الرَّابِعُ) إنْ قِيلَ مَا الْفَرْقُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بَيْنَ مَا إذَا بَاعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ الْمُعَيَّنَ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَمْ يُفَرِّطْ الْمُرْتَهِنُ فَاخْتُلِفَ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا إذَا اُسْتُحِقَّ الرَّهْنُ الْمُعَيَّنُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَيْضًا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُخَيَّرُ الْبَائِعُ فِي رَدِّ الْبَيْعِ وَإِمْضَائِهِ وَلَوْ أَتَاهُ الرَّاهِنُ بِرَهْنٍ آخَرَ قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الرَّهْنَ الْمُشْتَرَطَ قَدْ ذَهَبَ بِالْكُلِّيَّةِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، وَلَمْ يُؤْخَذْ لَهُ عِوَضٌ فَلَا يَلْزَمُ الْمُرْتَهِنَ أَخْذُ رَهْنٍ آخَرَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ وُجِدَ شَيْءٌ نَاشِئٌ عَنْهُ مُعَوَّضٌ بِهِ فَكَأَنَّهُ بَاقٍ وَفِيهِ نَظَرٌ.
[بَاعَهُ عَلَى رَهْنٍ مَضْمُونٍ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ سَمَّى لَهُ رَهْنًا ثُمَّ بَاعَهُ]
(الْخَامِسُ) قَدْ عُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الرَّهْنِ الْمُعَيَّنِ، وَأَمَّا لَوْ بَاعَهُ عَلَى رَهْنٍ مَضْمُونٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ سَمَّى لَهُ رَهْنًا، ثُمَّ بَاعَهُ فَلَا كَلَامَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِبَدَلِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى رَهْنٍ مَضْمُونٍ وَكَمَا لَوْ اُسْتُحِقَّ فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ عَنْ اللَّخْمِيِّ فِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ كَشَرْطِ رَهْنٍ، أَوْ حَمِيلٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِبَدَلِهِ وَكَلَامُهُمْ هُنَا إنَّمَا يَفْرِضُونَهُ فِي رَهْنٍ مُعَيَّنٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمَضَى عِتْقُ الْمُوسِرِ وَكِتَابَتُهُ وَعُجِّلَ)
[ ٥ / ٢٠ ]
ش أَفَادَ بِقَوْلِهِ مَضَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً وَكَذَلِكَ تَدْبِيرُهُ كَمَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ نَاقِلًا عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْحُكْمَ كَمَا ذُكِرَ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْحَوْزِ أَوْ بَعْدَهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَهُوَ فِي سَمَاعِ عِيسَى قَوْلُهُ: وَعُجِّلَ ظَاهِرُهُ يُعَجَّلُ جَمِيعُ الدَّيْنِ وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَهُوَ ظَاهِرُ تَأْوِيلِ ابْنِ يُونُسَ.
ص (وَالْمُعْسِرُ يَبْقَى)
ش: يَعْنِي أَنَّ عَبْدَ الرَّاهِنِ الْمُعْسِرَ يَبْقَى إلَى الْأَجَلِ وَظَاهِرُهُ فِي الْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ فَأَمَّا الْعِتْقُ فَظَاهِرٌ كَمَا صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالْكِتَابَةُ كَذَلِكَ. قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: وَأَمَّا الْكِتَابَةُ وَالتَّدْبِيرُ فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ مُعْسِرًا فَإِنَّهُ يَبْقَى رَهْنًا إلَى أَجَلِ الدَّيْنِ مُكَاتَبًا كَانَ أَوْ مُدَبَّرًا، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْكِتَابَةِ تَعَجُّلٌ كَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ يَبْقَى فَيُحَازُ رَهْنًا قَالَ فِي الشَّامِلِ: فَإِنْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ وَلَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ مَضَى، وَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ كَبَيْعِ كُلِّهِ اهـ. وَظَاهِرُهُ فِي الْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَحُدَّ مُرْتَهِنٌ وَطِئَ إلَّا بِإِذْنٍ، وَتُقَوَّمُ بِلَا وَلَدٍ حَمَلَتْ أَمْ لَا)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ وَطِئَهَا يَعْنِي الْأَمَةَ الرَّهْنَ الْمُرْتَهِنُ فَوَلَدَتْ مِنْهُ حُدَّ، وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ وَكَانَ مَعَ الْأَمَةِ رَهْنًا وَعَلَيْهِ لِلرَّاهِنِ مَا نَقَصَهَا الْوَطْءُ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا إذَا أَكْرَهَهَا إنْ طَاوَعَتْهُ وَهِيَ بِكْرٌ، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَلَا شَيْءَ وَالْمُرْتَهِنُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ اهـ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَالصَّوَابُ أَنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا، وَإِنْ طَاوَعَتْهُ بِكْرًا كَانَتْ، أَوْ ثَيِّبًا وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ مَعَ الْإِكْرَاهِ زَانِيَةً، وَفِي الطَّوْعِ هِيَ زَانِيَةٌ فَقَدْ أَدْخَلَ عَلَى سَيِّدِهَا عَيْبًا فَوَجَبَ عَلَيْهِ غُرْمُ قِيمَتِهِ، وَنَحْوُ هَذَا فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ أَنَّ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ مَا نَقَصَهَا بِكُلِّ حَالٍ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ طَاوَعَتْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِمَّا نَقَصَهَا بِكْرًا كَانَتْ، أَوْ ثَيِّبًا وَهُوَ مَا فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
(وَالثَّالِثُ) الْفَرْقُ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الرُّهُونِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَأَمَّا إذَا غَصَبَهَا فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا بِكْرًا كَانَتْ، أَوْ ثَيِّبًا، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً مِثْلَهَا يُخْدَعُ فَهِيَ فِي حُكْمِ الْمُغْتَصَبَةِ انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي وَطْءِ الْغَالِطِ فِي النِّكَاحِ، وَذَكَرَهَا فِي الشَّامِلِ هُنَا فَقَالَ: وَيَغْرَمُ مَا نَقَصَهَا إنْ أَكْرَهَهَا وَإِلَّا فَثَالِثُهَا الْأَصَحُّ إنْ كَانَتْ بِكْرًا انْتَهَى وَكَذَا ذَكَرَهَا فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ هُنَا فَيَتَحَصَّلُ عَلَيْهِ أَنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا
[ ٥ / ٢١ ]
فِي الْإِكْرَاهِ مُطْلَقًا وَفِي الطَّوْعِ إنْ كَانَتْ بِكْرًا عَلَى الرَّاجِحِ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَرَجَّحَ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا أَيْضًا وَذَكَرَ فِي الشَّامِلِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَوَلَدَتْ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: يُرِيدُ وَكَذَا إنْ لَمْ تَلِدْ يَعْنِي عَلَيْهِ الْحَدُّ سَوَاءٌ حَمَلَتْ أَمْ لَا، ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ اشْتَرَى الْمُرْتَهِنُ هَذِهِ الْأَمَةَ وَوَلَدَهَا لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ وَلَدُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَفْسَهُ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَنُوقِضَ قَوْلُهَا لَا يُعْتَقُ الْوَلَدُ بِقَوْلِهَا آخِرَ كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَلَوْ كَانَ الْوَلَدُ جَارِيَةً لَمْ تَحِلَّ لَهُ أَبَدًا وَرُبَّمَا أَخَذَ مِنْ عَدَمِ عِتْقِهِ إبَاحَةَ وَطْئِهَا كَقَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: وَجَوَابُ بَعْضِ الْمُوَثَّقِينَ بِأَنَّهُ حُكْمٌ بَيْنَ حُكْمَيْنِ لَا يَخْفَى سُقُوطُهُ عَلَى مُنْصِفٍ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ تَأْثِيرَ مَانِعِ احْتِمَالِ الْبُنُوَّةِ فِي حِلْيَةِ الْوَطْءِ أَخَفُّ مِنْ تَأْثِيرِهِ فِي رَفْعِ الْمِلْكِ بِالْوَطْءِ وَقَوْلُهُ: إلَّا بِإِذْنٍ وَتُقَوَّمُ بِلَا وَلَدٍ حَمَلَتْ أَمْ لَا أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى قَوْلِهِ: فِي الْجَلَّابِ، وَمَنْ ارْتَهَنَ أَمَةً فَوَطِئَهَا الْمُرْتَهِنُ فَهُوَ زَانٍ وَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَا يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَوَلَدُهَا رَهْنٌ مَعَهَا يُبَاعُ بِبَيْعِهَا، وَإِنْ وَطِئَهَا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ وَإِحْلَالِهَا لَهُ، وَلَمْ تَحْمِلْ لَزِمَ الْمُرْتَهِنَ قِيمَتُهَا وَقَاصَّهُ الْمُرْتَهِنُ بِهَا مِنْ حَقِّهِ الَّذِي لَهُ، وَإِنْ حَمَلَتْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا دُونَ قِيمَةِ وَلَدِهَا، وَيُقَاصَّ بِقِيمَتِهَا مِنْ حَقِّهِ الَّذِي عَلَيْهِ اهـ. وَهَذَا الْحُكْمُ حُكْمُ كُلِّ أَمَةٍ مُحَلَّلَةٍ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الْوَاطِئِ عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَتُقَوَّمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الزِّنَا وَالْوَلَدُ لَاحِقٌ بِهِ وَهِيَ بِهِ أُمُّ وَلَدٍ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ هَذَا الْمَحَلَّ، وَأَمَّا كَوْنُ الْأُمِّ تُقَوَّمُ بِدُونِ وَلَدِهَا فَلِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ قِيمَةِ وَلَدِهَا سَوَاءٌ كَانَ مُوسِرًا، أَوْ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ لَاحِقٍ بِهِ اهـ. فَقَوْلُهُ: غَيْرُ لَاحِقٍ بِهِ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَصَوَابُهُ وَهُوَ لَاحِقٌ بِهِ كَمَا عَلِمْت وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَالْمُرْتَهِنِ بَعْدَهُ)
ش: يَعْنِي يَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُ الرَّهْنِ إذَا أَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فِي بَيْعِهِ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى عَقْدِ الرَّهْنِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ: بِإِذْنٍ فِي عَقْدِهِ وَهَكَذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا يَسْتَقِلُّ الْمُرْتَهِنُ بِالْبَيْعِ إلَّا بِإِذْنٍ بَعْدَ الْأَجَلِ اعْتَرَضَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إلَّا بِإِذْنٍ بَعْدَ الْأَجَلِ بِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ بَعْدَ عَقْدِ الرَّهْنِ وَقَبْلَ الْأَجَلِ جَازَ لَهُ بِذَلِكَ الْبَيْعُ كَبَعْدِ الْأَجَلِ قَالَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَابْنُ زَرْقُونٍ لَكِنْ نَقَلَ الْمُتَيْطِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمُوَثِّقِينَ مَنْعَهُ؛ لِأَنَّهُ هَدِيَّةُ مِدْيَانٍ اهـ.
قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ بَعْدَ أَنَّ نَقَلَ كَلَامَ التَّوْضِيحِ وَاَلَّذِي لِابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ شَكٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الرُّهُونِ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهَا وَكَالَةُ اضْطِرَارٍ لِحَاجَتِهِ إلَى ابْتِيَاعِ مَا اشْتَرَى، أَوْ اسْتِقْرَاضِ مَا اسْتَقْرَضَ قَالَ، وَأَمَّا لَوْ طَاعَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْدَ الْعَقْدِ بِأَنْ يَرْهَنَهُ رَهْنًا وَيُوَكِّلَهُ عَلَى بَيْعِهِ عِنْدَ أَجَلِ الدَّيْنِ لَجَازَ بِاتِّفَاقٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ مِنْ الرَّاهِنِ إلَى الْمُرْتَهِنِ فِي الرَّهْنِ وَالتَّوْكِيلِ عَلَى الْبَيْعِ انْتَهَى الْقَصْدُ مِنْهُ فَقِفْ عَلَيْهِ كُلَّهُ فِي أَصْلِهِ اهـ. كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ.
وَاَلَّذِي قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الرَّهْنِ، وَنَصُّهُ
: وَاخْتُلِفَ إنْ شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ أَنَّهُ مُوَكَّلٌ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَبِيعَكَهُ بِكَذَا بِأَصْلِ كَذَا عَلَى أَنْ تَرْهَنَنِي كَذَا، وَأَنَا مُوَكَّلٌ عَلَى بَيْعِهِ دُونَ مُؤَامَرَةِ سُلْطَانٍ. عَلَى قَوْلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ عَنْ بَيْعِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَقِّ وَهُوَ إسْقَاطُ الْعَنَاءِ عَنْهُ فِي الرَّفْعِ إلَى السُّلْطَانِ إنْ أَلَدَّ بِهِ، وَإِسْقَاطُ الْإِثْبَاتِ عَنْهُ إنْ أَنْكَرَ، أَوْ كَانَ غَائِبًا وَهُوَ قَوْلُ إسْمَاعِيلَ الْقَاضِي وَابْنِ الْقَصَّارِ وَأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
(وَالثَّانِي) أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً وَلَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ وَاخْتُلِفَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إنْ بَاعَ قَبْلَ أَنْ يَعْزِلَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَذَكَرهَا، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهَا: وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي تَوْكِيلِ الرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ مِنْ غَيْرِ مُؤَامَرَةِ سُلْطَانٍ؛ لِأَنَّهَا وَكَالَةُ اضْطِرَارٍ لِحَاجَتِهِ إلَى ابْتِيَاعِ مَا اشْتَرَى أَوْ اسْتَقْرَضَ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يُبَاعُ عَلَى الرَّاهِنِ إلَّا إنْ أَلَدَّ فِي بَيْعِهِ أَوْ بَعْدَ غَيْبَتِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ يَقْضِي مِنْهُ
[ ٥ / ٢٢ ]
الدَّيْنَ فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ قُرْبِ غَيْبَتِهِ مِنْ بُعْدِهَا وَذِكْرِ مَا لَا يَفْعَلُهُ إلَّا الْقَاضِي فَأَشْبَهَ ذَلِكَ حُكْمَهُ عَلَى الْغَائِبِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ غَازِيٍّ.
ص (وَإِلَّا مَضَى فِيهِمَا)
ش: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فِيهِمَا رَاجِعٌ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ كَالْمُرْتَهِنِ بَعْدَهُ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ إذَا كَانَ الْإِذْنُ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ فَإِنْ بَاعَهُ مَضَى وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي رَسْمِ شَكٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ: إنْ لَمْ آتِ فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ إنْ لَمْ آتِ لَمْ يَكُنْ لِلْأَمِينِ وَلَا لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَبِيعَهُ فَإِنْ بَاعَهُ مَضَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
[تَعَدَّى الْمُرْتَهِنُ فَبَاعَ الرَّهْنَ أَوْ وَهَبَهُ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا تَعَدَّى الْمُرْتَهِنُ فَبَاعَ الرَّهْنَ، أَوْ وَهَبَهُ فَلِرَبِّهِ رَدُّهُ حَيْثُ وَجَدَهُ فَيَأْخُذُهُ وَيَدْفَعُ مَا عَلَيْهِ فِيهِ وَيَتْبَعُ الْمُبْتَاعُ بَائِعَهُ فَيَلْزَمُهُ بِحَقِّهِ. اللَّخْمِيُّ يُرِيدُ إذَا بِيعَ بَعْدَ الْأَجَلِ فَيَدْفَعُ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ مَا عَلَيْهِ وَيَأْخُذُ رَهْنَهُ وَيَتْبَعُ الْمُشْتَرِي الْمُرْتَهِنَ بِالثَّمَنِ.
وَإِنْ كَانَ وَهَبَهُ دَفَعَ الدَّيْنَ لِلْمُرْتَهِنِ وَأَخَذَهُ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَا شَيْءَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى الْوَاهِبِ، وَإِنْ غَابَ الْمُرْتَهِنُ وَاخْتَلَفَ الدَّيْنُ وَالثَّمَنُ فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ أَكْثَرَ دَفَعَ إلَى الْمُشْتَرِي ثَمَنَهُ وَوَقَفَ السُّلْطَانُ الْفَضْلَ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ أَكْثَرَ أَخَذَ الدَّيْنَ وَاتُّبِعَ الْبَائِعُ بِالْفَضْلِ، وَإِنْ بَاعَهُ بِعَرْضٍ، أَوْ مَكِيلٍ، أَوْ مَوْزُونٍ، ثُمَّ غَابَ فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَقْبِضُ الدَّيْنَ مِنْ الرَّاهِنِ وَيَدْفَعُ إلَيْهِ الرَّهْنَ وَيَشْتَرِي مِنْ الدَّيْنِ مِثْلَ مَا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَإِنْ فَضَلَ لِلْغَائِبِ شَيْءٌ وُقِفَ لَهُ، وَإِنْ فَضَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ اُتُّبِعَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بَاعَهُ بِعَرَضٍ دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَتَهُ اهـ. وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ أَيْضًا يُرِيدُ أَنَّهُ بَاعَهُ بَعْدَ الْأَجَلِ، وَأَمَّا إنْ بَاعَهُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَيُخَيَّرُ الرَّاهِنُ فِي إجَازَةِ الْبَيْعِ، وَقَبْضِ الثَّمَنِ وَلَا يَرُدُّهُ لِلْمُرْتَهِنِ، وَيَجْعَلُهُ بِيَدِ عَدْلٍ رَهْنًا إلَى أَجَلِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِرَهْنِ ثِقَةٍ فَلَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ وَيُوقَفُ لَهُ الرَّهْنُ، وَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ الْبَيْعَ فَإِنَّ الرَّهْنَ يُوقَفُ بِيَدِ عَدْلٍ لِئَلَّا يَبِيعَهُ ثَانِيَةً اهـ. بِالْمَعْنَى وَانْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ الْمُتَقَدِّمِ: أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إذَا غَابَ وَكَانَ الرَّهْنُ مَوْجُودًا وَحَلَّ الْأَجَلُ فَيَقْبِضُ السُّلْطَانُ الدَّيْنَ مِنْ الرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ وَيَدْفَعُ الرَّهْنَ لِلرَّاهِنِ وَهُوَ بَيِّنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا يُعْزَلُ الْأَمِينُ)
ش: إذَا وَكَّلَ الرَّاهِنُ عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ فَهَلْ لَهُ فَسْخُ الْوَكَالَةِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ عَنْ الْبَاجِيِّ وَالْقَرَافِيِّ فَرَاجِعْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبَاعَ الْحَاكِمُ إنْ امْتَنَعَ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إذَا رَفَعَ الْمُرْتَهِنُ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ أَمَرَهُ بِالْوَفَاءِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: أَوْ أَلَدَّ، أَوْ غَابَ بَاعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ الرَّهْنَ بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ الدَّيْنُ وَالرَّهْنُ قَالَ فِي الْبَيَانِ: اُخْتُلِفَ هَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ مِلْكَ الرَّاهِنِ لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ يَتَخَرَّجَانِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَذَلِكَ عِنْدِي إذَا أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ لَهُ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُشْبِهْ كَرَهْنِ الرَّجُلِ حُلِيًّا أَوْ ثَوْبًا لَا يُشْبِهُ لِبَاسَهُ، وَكَرَهْنِ الْمَرْأَةِ سِلَاحًا فَلَا يَبِيعُهُ إلَّا السُّلْطَانُ بَعْدَ إثْبَاتِ الْمِلْكِ اهـ. كَلَامُ التَّوْضِيحِ.
وَمَا نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ هُوَ فِي رَسْمِ شَكٍّ فِي طَوَافِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ قَالَ ابْنُ عَاتٍ: أَفْتَيْت فِي الرَّهْنِ يَسْأَلُ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَهُ يَأْمُرُ الْقَاضِي بِبَيْعِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى إثْبَاتِ مِلْكِ الرَّاهِنِ وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ وَأَفْتَى أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِبَيْعِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُثْبِتَ الرَّاهِنُ مِلْكَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ وَشَنَّعَهُ فَقُلْت لَهُ: فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ دَارًا فَقَالَ: الْأُصُولُ مُخَالِفَةٌ لِغَيْرِهَا وَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ مِلْكِ الرَّاهِنِ قَبْلَ أَمْرِهِ بِبَيْعِهَا اهـ.
وَفِي
[ ٥ / ٢٣ ]
سَمَاعِ أَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ مَسْأَلَةٌ وَسُئِلَ أَشْهَبُ عَنْ رَجُلٍ أَتَى بِمَكَّةَ إلَى زَمْزَمَ فَوَجَدَ رَجُلًا مَعَهُ قَدَحٌ فَقَالَ نَاوِلْنِي قَدَحَك هَذَا فَقَالَ: إنِّي أَخَافُ عَلَيْهِ فَقَالَ: هَذَا كِسَائِي عِنْدَكَ حَتَّى أَعُودَ إلَيْكَ بِهِ فَوَضَعَ الْكِسَاءَ وَأَخْرَجَ الْقَدَحَ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يَجِدْ الرَّجُلَ قَالَ لَوْ أَتَى السُّلْطَانَ حَتَّى يَأْمُرَهُ إنْ كَانَ صَادِقًا أَنْ يَبِيعَ الْقَدَحَ، وَيَقْبِضَ ثَمَنَهُ مِنْ الثَّوْبِ قِيلَ لَهُ: هُوَ صَادِقٌ وَهَذَا صَحِيحٌ وَلَا يَقْبِضُهُ لِنَفْسِهِ دُونَ السُّلْطَانِ قِيلَ لَهُ وَيَأْمُرُهُ السُّلْطَانُ قَالَ: نَعَمْ يَأْمُرُهُ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ عَلَى الْغَائِبِ وَيَقُولُ لَهُ: إنْ كُنْتَ صَادِقًا فَافْعَلْ فَإِنْ جَاءَ الرَّجُلُ كَانَ عَلَى خُصُومَتِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَقَعَتْ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ عَلَى أُصُولِهِمْ وَعَلَى مَعْنَى مَا فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَعَلَى مَا قَالَ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ الْمِدْيَانِ وَالتَّفْلِيسِ فَإِنْ بَاعَ الْقَدَحَ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ وَقَضَى ثَمَنَهُ مِنْ ثَمَنِ كِسَائِهِ أَيْ مِنْ قِيمَتِهِ فَقَدِمَ صَاحِبُ الْقَدَحِ بِالْكِسَاءِ، وَأَقَرَّ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ لِلْقَدَحِ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مَا بَاعَ بِهِ الْقَدَحَ لِبَيْعِهِ إيَّاهُ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ وَلَوْ بَاعَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَكَانَتْ لَهُ قِيمَتُهُ، وَإِنْ ادَّعَى الْقَدَحَ وَأَنْكَرَ الْكِسَاءَ حَلَفَ فِي الْكِسَاءِ وَأَخَذَ قِيمَةَ قَدَحِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالْكِسَاءِ وَادَّعَى الْقَدَحَ وَأَنْكَرَ الرَّهْنَ فِيهِ حَلَفَ عَلَى إنْكَارِ الرَّهْنِ فِيهِ وَرَدَّ الْكِسَاءَ وَأَخَذَ قِيمَةَ قَدَحِهِ أَيْضًا، وَهَذَا خِلَافُ مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ مِنْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ لِلْمُرْتَهِنِ بِبَيْعِ الرَّهْنِ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ الرَّهْنُ وَالدَّيْنُ وَمِلْكُ الرَّاهِنِ لَهُ وَيُحَلِّفُهُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ مَا وَهَبَ دَيْنَهُ وَلَا قَبَضَهُ وَلَا أَحَالَ بِهِ وَإِنَّهُ لِبَاقٍ عَلَيْهِ إلَى حِينِ قِيَامِهِ وَاَلَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ مِنْ هَذَا هُوَ أَصْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي مَسْأَلَةِ طَلَاقِ السُّنَّةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي أَشَرْنَا إلَيْهَا اهـ.
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَيَثْبُتُ اسْتِمْرَارُ مِلْكِ الرَّاهِنِ إلَى حِينِ حَوْزِ الْمُرْتَهِنِ لَهُ وَصِحَّةِ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَازَهُ بِمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ نَقَلَهُ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ مِنْ شَرْحِ وَالِدِهِ وَنَقَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَى أَحْكَامٍ تَتَوَقَّفُ سَمَاعُ الدَّعْوَى عَلَيْهَا آخِرَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ أَنَّ الْقَاضِيَ إلَى قَوْلِهِ حِينَ قِيَامِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَتَحْصُلُ فِي إثْبَاتِ مِلْكِ الرَّهْنِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: (الْأَوَّلُ) أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ حَكَاهُمَا ابْنُ رُشْدٍ وَذَكَرَ أَنَّهُ جَرَى بِهِ الْعَمَلُ وَفَتْوَى بَعْضِ أَصْحَابِ ابْنِ عَاتٍ (وَالْقَوْلُ الثَّانِي) لَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ مِلْكِهِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، (وَالثَّالِثُ) اخْتِيَارُ ابْنِ رُشْدٍ (وَالرَّابِعُ): فَتْوَى ابْنِ عَتَّابٍ وَكَذَا حَصَّلَهَا ابْنُ عَرَفَةَ.
[فُرُوعٌ هَلْ يَتَوَقَّفُ بَيْعُ الْحَاكِمِ عَلَى إثْبَاتِ أَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي سَوَّمَهُ قِيمَةُ مِثْلِهِ]
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) هَلْ يَتَوَقَّفُ بَيْعُ الْحَاكِمِ عَلَى إثْبَاتِ أَنَّ الثَّمَنَ الَّذِي سَوَّمَهُ قِيمَةُ مِثْلِهِ، اخْتِيَارُ ابْنِ عَرَفَةَ عَدَمُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ اخْتَارَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ أَوْلَى مَا يُبَاعُ عَلَيْهِ وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ النَّصَّ عَنْ ابْنِ يُونُسَ بِخِلَافِهِ وَذَكَرَ أَنَّهُ إنَّمَا اخْتَارَ مَا ذُكِرَ لِأَخْذِهِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الَّذِي ذَكَرَهُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ وَعَلَى مُوَافَقَةِ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ فَرَاجِعْهُ.
(الثَّانِي) اُنْظُرْ هَلْ يُبَاعُ الرَّهْنُ جَمِيعُهُ، أَوْ يُبَاعُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا يُوَفِّي الدَّيْنَ لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا صَرِيحًا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ بَيْعُ بَعْضِهِ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ فِي الْبَاقِي فَإِنَّهُ يُبَاعُ بَعْضُهُ وَإِلَّا فَيُبَاعُ جَمِيعُهُ، وَقَدْ ذَكَرُوا فِي مَسْأَلَةِ رَهْنِ فَضْلَةِ الرَّهْنِ أَنَّهُ إذَا حَلَّ الثَّانِي أَوَّلًا أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ قَسْمُهُ قُسِمَ، وَإِلَّا بِيعَ جَمِيعُهُ وَفِي مَسْأَلَةِ الرَّجُلَيْنِ يَرْهَنَانِ مِنْ رَجُلٍ رَهْنًا فَيُؤَخِّرُهُ أَحَدُهُمَا سَنَةً، وَيَقُومُ الْآخَرُ بِبَيْعِ الرَّهْنِ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَنْقَسِمُ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ الْآخَرِ الَّذِي قَامَ بِحَقِّهِ بِيعَ لَهُ نِصْفُ الرَّهْنِ فَإِنْ خِيفَ أَنْ يَنْقُصَ بِيعَ كُلُّهُ وَأَعْطَى حَقَّهُ مِنْ ذَلِكَ ذَكَرَهَا فِي الْمُوَطَّإِ وَاللَّخْمِيِّ فِي آخِرِ الرُّهُونِ وَالْبَاجِيُّ وَالْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَفِي الْمُنْتَقَى: وَإِذَا أَمَرَ الْإِمَامُ بِبَيْعِ الرَّهْنِ فَبِيعَ بِغَيْرِ الْعَيْنِ مِنْ عَرْضٍ، أَوْ طَعَامٍ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ أَشْهَبُ: إنْ بَاعَهُ بِمِثْلِ مَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ
[ ٥ / ٢٤ ]
فِيهِ فَضْلٌ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ تِلْكَ الْفَضْلَةِ وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِيمَا بَقِيَ إنْ شَاءَ تَمَسَّكَ، أَوْ يَرُدَّ لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّرِكَةِ، وَإِنْ بَاعَهُ بِغَيْرِ مَا عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ اهـ. وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَإِنْ بَاعَ الْمَأْمُورُ الرَّهْنَ بِحِنْطَةٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ عَرْضٍ لَمْ يَجُزْ، ثُمَّ إنْ ضَاعَ مَا قَبَضَ مِنْهُ ضَمِنَهُ الْمَأْمُورُ بِتَعَدِّيهِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مَا بَاعَهُ بِهِ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ ابْنُ يُونُسَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ إنْ بَاعَهُ بِمِثْلِ مَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ثَمَنِهِ فَضْلٌ فَذَلِكَ جَائِزٌ الشَّيْخُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا وَيُحْتَمَلُ الْخِلَافُ اهـ. فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْمُرْتَهِنَ إذَا بَاعَ الرَّهْنَ ثُمَّ أَثْبَتَ الرَّاهِنُ أَنَّهُ قَضَاهُ]
(الثَّالِثُ) ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ فِيمَنْ أَثْبَتَ دَيْنًا عَلَى غَائِبٍ وَبِيعَتْ فِيهِ دَارُهُ، ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ فَأَثْبَتَ أَنَّهُ قَضَاهُ. عَنْ اللَّخْمِيِّ فِي كِتَابِ التَّخْيِيرِ إنَّ الْبَيْعَ نَافِذٌ، وَذَكَرَ ابْنُ فَتْحُونٍ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إذَا بَاعَ الرَّهْنَ، ثُمَّ أَثْبَتَ الرَّاهِنُ أَنَّهُ قَضَاهُ أَنَّ الْبَيْعَ يُنْتَقَضُ وَذَكَرَهُ أَيْضًا فِي مَسَائِلِ الدُّيُونِ وَالتَّفْلِيسِ فَانْظُرْ كَلَامَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَبِيعُ الرَّهْنَ إلَّا بِجُعْلٍ]
(الرَّابِعُ) قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي ذَخِيرَتِهِ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: إذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَبِيعُ الرَّهْنَ إلَّا بِجُعْلٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْجُعْلُ عَلَى طَالِبِ الْبَيْعِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْحَاجَةِ وَالرَّاهِنُ يَرْجُو دَفْعَ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ الرَّهْنِ، وَقَالَ عِيسَى: عَلَى الرَّاهِنِ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ اهـ.
ص (فَفِي افْتِقَارِ الرَّهْنِ لِلَفْظٍ مُصَرَّحٍ بِهِ تَأْوِيلَانِ)
ش: اُنْظُرْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ فِي رَسْمِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَثْنَاءِ الْمَسْأَلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْهُ مِنْ كِتَابِ الرُّهُونِ.
ص (وَضَمِنَهُ مُرْتَهِنٌ إنْ كَانَ بِيَدِهِ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَلَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةٌ
[ ٥ / ٢٥ ]
بِكَحَرْقِهِ)
ش: قَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى إذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَامَتْ بَيِّنَةٌ بِهَلَاكِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الرُّهُونِ مِنْ غَيْرِ تَضْيِيعٍ مِنْ الْمُرْتَهِنِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَضْمَنُ، وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ رَهْنًا فِي الْبَحْرِ فِي الْمَرْكَبِ فَيَغْرَقُ الْمَرْكَبُ، أَوْ يَحْتَرِقُ مَنْزِلُهُ، أَوْ يَأْخُذُهُ مِنْهُ لُصُوصٌ بِمُعَايَنَةِ ذَلِكَ كُلِّهِ انْتَهَى.
ص (وَإِلَّا فَلَا)
ش: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالْحَيَوَانِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ مَأْكُولًا، أَوْ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِيهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ وَأُخِذَ مِمَّا رَوَاهُ أَبُو الْفَرَجِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ ارْتَهَنَ نِصْفَ عَبْدٍ وَقَبَضَهُ كُلَّهُ، ثُمَّ تَلِفَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا نِصْفُهُ ضَمَانَ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَأَرَى أَنْ يَضْمَنَ مَا يُسْتَخَفُّ ذَبْحُهُ وَأَكْلُهُ وَحَكَى ابْنُ بَزِيزَةَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا: إنْ كَانَ مِمَّا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْأَكْلُ كَالْغَنَمِ انْتَهَى. وَدَخَلَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِلَّا فَلَا إذَا كَانَ الرَّهْنُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ بِأَنْ كَانَ بِيَدِ عَدْلٍ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْعَدْلِ وَلَا عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَدَخَلَ فِيهِ أَيْضًا مَا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِحَرْقِهِ، أَوْ تَلَفِهِ أَوْ ضَيَاعِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ الْمُرْتَهِن كَمَا إذَا
[ ٥ / ٢٦ ]
ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ فِي مَخْزَنِهِ، أَوْ بَيْتِهِ وَثَبَتَ أَنَّ بَيْتَهُ احْتَرَقَ، أَوْ مَخْزَنَهُ أَوْ أَنَّهُ كَانَ الِارْتِهَانُ فِي الْبَحْرِ وَغَرَقَ الْمَرْكَبُ، أَوْ انْتَهَبَتْ اللُّصُوصُ جَمِيعَ الْحَوَائِجِ، أَوْ لَمْ تَشْهَدْ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ وَلَكِنْ عَلِمَ احْتِرَاقَ مَحَلِّهِ وَجَاءَ بِبَعْضِهِ مُحْرَقًا
[فُرُوعٌ يُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ فِي دَعْوَى الْإِبَاقِ]
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ فِي دَعْوَى الْإِبَاقِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمُنْكَرٍ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ مُطْلَقًا فِي الْحَيَوَانِ انْتَهَى.
(الثَّانِي) إذَا سَافَرَ الْمُرْتَهِنُ بِغَيْرِ إذْنِ الرَّاهِنِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ضَامِنٌ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ ارْتَهَنَ عَبْدًا فَأَعَارَهُ لِرَجُلٍ بِغَيْرِ أَمْرِ الرَّاهِنِ فَهَلَكَ عِنْدَ الْمُعَارِ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ لَمْ يَضْمَنْ هُوَ وَلَا الْمُسْتَعِيرُ وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَوْدَعَهُ رَجُلًا إلَّا أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ الْمُودَعُ، أَوْ الْمُسْتَعِيرُ عَمَلًا أَوْ يَبْعَثَهُ مَبْعَثًا يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَيَضْمَنُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ مَا نَصُّهُ: " فَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أَنَّكَ تَسَبَّبْت فِي هَلَاكِهِ فَتَضْمَنُ " انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ سَحْنُونٌ: الْمُرْتَهِنُ ضَامِنٌ لِتَعَدِّيهِ ابْنُ يُونُسَ وَقِيلَ: الْأَشْبَهُ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ أَنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَ الرَّقَبَةَ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعْمَالِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ كَتَعَدِّيهِ عَلَى الدَّابَّةِ الْمِيلَ وَنَحْوَهُ فَعَطِبَتْ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَضْمَنُ مَعَ عِلْمِنَا أَنَّ الْمِيلَ لَا تَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَإِنْ قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذَا فِي الْبُعْدِ لَيْسَ نَقْلُ رَقَبَةٍ؛ لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُسَيِّرَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُؤْذِنْ لَهُ فِي اسْتِخْدَامِهِ فَصَارَ إنَّمَا يَضْمَنُ لِلِاسْتِعْمَالِ، قِيلَ نَقْلُهُ إلَى دَارِ غَيْرِهِ يَسْتَعْمِلُهُ تَعَدٍّ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُؤْذِنْ لَهُ فِي اسْتِخْدَامِهِ فَصَارَ الْمُرْتَهِنُ إلَى نَقْلِ رَقَبَتِهِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبْعَثَهُ فِي حَاجَةٍ خَفِيفَةٍ فَأَمَّا بَعْثُهُ فِي حَاجَةٍ لِيَسْتَعْمِلَهُ فَذَلِكَ تَعَدٍّ وَالْمُتَعَدِّي عَلَى الْمَنَافِعِ إنْ كَانَ لَا يُوصَلُ إلَيْهَا إلَّا بِنَقْلِ الرِّقَابِ يَضْمَنُ كَمَا قُلْنَا فِي الَّذِي تَعَدَّى عَلَى الْمَنْفَعَةِ الْمِيلَ وَنَحْوَهُ فَهَلَكَ أَنَّهُ يَضْمَنُ انْتَهَى، وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَفِي كِتَابِ الرُّهُونِ فِي تَرْجَمَةِ تَعَدِّي الْمُرْتَهِنِ: وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِذَا تَعَدَّى الْمُرْتَهِنُ فَأَوْدَعَ الْعَبْدَ الرَّهْنَ، أَوْ أَعَارَهُ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ هَلَكَ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَمَنْ ارْتَهَنَ عَبْدًا فَأَوْدَعَهُ غَيْرَهُ فَمَاتَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي آخِرِ الِاسْتِحْقَاقِ فِي تَرْجَمَةِ مَسْأَلَةِ الْمِنْدِيلِ: أَنَّهُ إذَا سَافَرَ الْمُرْتَهِنُ وَتَرَكَ الرَّهْنَ فِي بَيْتِهِ مُهْمَلًا، وَلَمْ يُودِعْهُ أَنَّهُ ضَامِنٌ، وَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ عِنْدَ سَفَرِهِ أَنْ يَضَعَهُ عِنْدَ أَمِينٍ فَلِذَلِكَ ضَمِنَهُ.
[تَنْبِيهٌ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْعَبْدَ الرَّهْنَ]
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ وَكَلَامِ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْعَبْدَ الرَّهْنَ فِيمَا خَفَّ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَمِثْلُهُ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ، وَالدِّيَاتِ، وَالْإِجَارَةِ فِي الْعَبْدِ الْمُودَعِ وَالْمُسْتَأْجَرِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) مَنْ ارْتَهَنَ رَهْنًا وَشَرَطَ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، ثُمَّ زَعَمَ الْمُرْتَهِنُ أَنَّ الرَّهْنَ ضَاعَ عِنْدَ الَّذِي وَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ وَضَعَهُ إلَّا قَوْلُهُ، وَقَوْلُ الْعَدْلِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ كَانَ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ وَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ عَدْلًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَيَرْجِعُ بِجَمِيعِ حَقِّهِ عَلَى الرَّاهِنِ قَالَهُ فِي رَسْمٍ أَوْصَى مَنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الرُّهُونِ وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ ضَامِنٌ قَالَ: إنْ وَضَعَهُ عَلَى يَدِ غَيْرِ عَدْلٍ ضَمِنَهُ، وَإِنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى تَلَفِهِ فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ وَإِنَّمَا دَفَعَهُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَدْلٌ صُدِّقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْلِنًا بِالْفِسْقِ مَشْهُورًا بِهِ، وَمِثْلُهُ مَنْ دُفِعَ لَهُ شَيْءٌ لِيَدْفَعَهُ إلَى ثِقَةٍ قَالَ: وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُودَعِ عَلَى يَدَيْهِ كَانَ عَدْلًا، أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ انْتَهَى. وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ سَهْلٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحُدُودِ فِي غُلَامٍ ادَّعَى يَهُودِيٌّ أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ وَالْغُلَامُ يَزْعُمُ أَنَّهُ حُرٌّ وَإِنَّهُ يُكْرَهُ عَلَى التَّهَوُّدِ فَوَضَعَهُ الْقَاضِي عِنْدَ أَمِينِ حَتَّى يَكْشِفَ عَنْ أَمْرِهِ، وَيَأْخُذَ رَأْيَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ فَقَالَ الْأَمِينُ: أَبَقَ مِنِّي الْغُلَامُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فِي الِاحْتِرَاسِ، وَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إنَّهُ كَانَ سَبَبُ الْإِبَاقِ أَنَّ الْأَمِينَ خَرَجَ بِهِ مَعَ نَفْسِهِ إلَى ضَيْعَتِهِ وَطَلَبَ إغْرَامَ الْأَمِينِ قِيمَةَ الْغُلَامِ وَسَأَلَ الْقَاضِي وَفَّقَهُ اللَّهُ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْأَمِينِ قِيمَةُ الْغُلَامِ.
فَأَجَابَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ وَلِيدٍ تَوْقِيفُ الْقَاضِي الْغُلَامَ لِاسْتِبْرَاءِ أَمْرِهِ حَزْمٌ مِنْ النَّظَرِ وَصَوَابٌ فِي الْفِعْلِ وَاَلَّذِي يَطْلُبُهُ الْيَهُودِيُّ مِنْ إغْرَامِ الْأَمِينِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ
[ ٥ / ٢٧ ]
رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى أَمِينٍ غُرْمٌ»، وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى وَلَوْ ثَبَتَ خُرُوجُ الْأَمِينِ بِالْغُلَامِ، ثُمَّ ثَبَتَ رُجُوعُهُ بِهِ وَأَبَقَ لَمْ يَضْمَنْ أَيْضًا، وَقَالَ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَقَالَ مِثْلَهُ: ابْنُ لُبَابَةَ أَيْضًا، وَقَالَ: لَوْ أَبَقَ لَهُ مِنْ الْبَادِيَةِ وَثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ فَحِينَئِذٍ كَانَ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِإِخْرَاجِهِ عَنْ مَوْضِعِ أَمَانَتِهِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ: خُرُوجُ الْغُلَامِ مَعَ الْأَمِينِ مُحْتَرَسًا عَلَيْهِ لَا يُوجِبُ ضَمَانًا حَتَّى يَثْبُتَ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ أَنَّهُ خَرَجَ بِهِ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ فَيَكُونُ مُتَعَدِّيًا فَيَضْمَنُ، وَإِنْ رَجَعَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ أَصْلًا فِي كُلِّ حَالٍ، وَقَالَ: يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ مِثْلَهُ انْتَهَى فَهَذَا قَوْلُنَا: فِيمَا سُئِلْنَا: عَنْهُ قَالَهُ ابْنُ وَلِيدٍ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ سَهْلٍ
[بَاعَ الْمُرْتَهِنُ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَى الرَّاهِنِ فَسَأَلَهُ الْمُشْتَرِي دَفْعَ الرَّهْنِ إلَيْهِ]
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي التَّرْجَمَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا: وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِذَا بَاعَ الْمُرْتَهِنُ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَى الرَّاهِنِ فَسَأَلَهُ الْمُشْتَرِي دَفْعَ الرَّهْنِ إلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ انْتَهَى. فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَطْلُبَ الرَّهْنَ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ وَلَكِنْ لَا يَدْفَعُ لَهُ الرَّهْنَ إلَّا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ فَإِنْ دَفَعَهُ لَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ ضَمِنَ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ادَّعَيْت دَيْنًا فَأَعْطَاهُ بِهِ رَهْنًا يُغَابُ عَلَيْهِ فَضَاعَ عِنْدَك ثُمَّ تَصَادَقْتُمَا عَلَى بُطْلَانِ دَعْوَاه]
(الْخَامِسُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ ادَّعَيْت دَيْنًا فَأَعْطَاكَ بِهِ رَهْنًا يُغَابُ عَلَيْهِ فَضَاعَ عِنْدَكَ، ثُمَّ تَصَادَقْتُمَا عَلَى بُطْلَانِ دَعْوَاكَ، وَأَنَّهُ قَضَاكَ ضَمِنْت الرَّهْنَ؛ لِأَنَّكَ لَمْ تَأْخُذْهُ عَلَى الْأَمَانَةِ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَنَقَلَ بَعْدَهُ بِأَرْبَعَةِ أَوْرَاقٍ، وَنَحْوِهَا فَرْعًا آخَرَ، وَنَصُّهُ: " قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ أَشْهَبُ: إذَا اعْتَرَفَ الْمُرْتَهِنُ بِبُطْلَانِ دَعْوَاهُ الَّتِي قَضَى لَهُ بِهَا عَلَيْكَ وَالرَّهْنُ حَيَوَانٌ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عُدْوَانًا وَلَوْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِبُطْلَانِهَا لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى الْعُدْوَانِ بِخِلَافِ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ يَجْحَدُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ فَتَقُومُ الْبَيِّنَةُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ " انْتَهَى.
[إذَا ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ رَدَّ الرَّهْنَ إلَى الرَّاهِنِ وَقَبَضَ الدَّيْنَ وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ]
(السَّادِسُ) إذَا ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ رَدَّ الرَّهْنَ إلَى الرَّاهِنِ وَقَبَضَ الدَّيْنَ وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ الرَّدَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ إنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الرُّهُونِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الرُّهُونِ وَفِي أَوَّلِ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الرَّوَاحِلِ وَالدَّوَابِّ وَفِي آخِرِ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ وَفِي كِتَابِ الرُّهُونِ وَسَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ الْمُشَارُ إلَيْهِ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ وَهَبَ)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ لَهُ عَلَى شَخْصٍ دَيْنٌ بِرَهْنٍ، ثُمَّ إنَّ رَبَّ الدَّيْنِ وَهَبَ الدَّيْنَ لِلْمَدِينِ، ثُمَّ ضَاعَ الرَّهْنُ فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ ضَامِنٌ لَهُ قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ، وَقَالَهُ: ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ قَالَ:
[ ٥ / ٢٨ ]
أَشْهَبُ وَتَرْجِعُ أَنْتَ فِيمَا وَضَعْتَهُ مِنْ حَقِّكَ؛ لِأَنَّكَ لَمْ تَضَعْ لِتَتْبَعَ بِقِيمَةِ الثَّوْبِ فَتَقَاصُّهُ بِقِيمَتِهِ فَإِنْ كَانَ عِنْدَكَ فَضْلٌ وَدِيَتُهُ فَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ أَكْثَرَ فَلَا شَيْءَ لَكَ فِيهِ انْتَهَى. وَانْظُرْ هَلْ يُوَافِقُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَشْهَبَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ النَّوَادِرِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ، أَوْ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ فَلْيُنْظَرْ فِيهِ، وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَسْأَلَةَ مَا إذَا تَلِفَ الرَّهْنُ وَوَجَبَتْ لِصَاحِبِهِ الْقِيمَةُ فَهَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِالدَّيْنِ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ مِنْ غُرَمَاءِ الْمُرْتَهِنِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ الْقِيمَةَ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ أَمْ لَا ذُكِرَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَقَّ بِالْقِيمَةِ وَعَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا.
ص (وَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي نَفْيَ الرَّهْنِيَّةِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا كَانَ لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ وَكَانَ تَحْتَ يَدِ صَاحِبِ الدَّيْنِ شَيْءٌ لِلْمِدْيَانِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ رَهْنٌ فِي الدَّيْنِ، وَقَالَ الْآخَرُ: لَيْسَ بِرَهْنٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى نَفْيَ الرَّهْنِيَّةِ (فَإِنْ قُلْت) لِمَ حَمَلْت كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا، وَلَمْ تَحْمِلْهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى صَاحِبُ الدَّيْنِ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي تَحْتَ يَدِهِ رَهْنٌ وَأَنْكَرَ الْمِدْيَانُ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الرَّهْنِيَّةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ، وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ، وَأَمَّا كَوْنُ الْمِدْيَانِ يَدَّعِي الرَّهْنِيَّةَ وَرَبُّ الدَّيْنِ يُنْكِرُهَا فَهَذَا لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّنْبِيهِ وَلَا إلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الدَّيْنِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى رَدِّهِ لِرَبِّهِ.
(قُلْت) يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِيمَا إذَا هَلَكَ الرَّهْنُ وَكَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ فَادَّعَى الْمِدْيَانُ أَنَّ الْمَتَاعَ كَانَ رَهْنًا لِيَضْمَنَ الْمُرْتَهِنُ الْقِيمَةَ وَأَنْكَرَ رَبُّ الدَّيْنِ الرَّهْنِيَّةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَقَدْ نُصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَإِذَا كَانَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ عَبْدَانِ فَادَّعَى أَنَّهُمَا رَهْنٌ بِأَلْفٍ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: رَهَنْتُكَ أَحَدَهُمَا بِأَلْفٍ وَأَوْدَعْتُكَ الْآخَرَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ مَنْ ادَّعَى فِي سِلْعَةٍ بِيَدِهِ، أَوْ عَبْدٍ أَنَّ ذَلِكَ رَهْنٌ، وَقَالَ: رَبُّهُ بَلْ عَارِيَّةٌ أَوْ وَدِيعَةٌ صُدِّقَ رَبُّهُ ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ فِيهَا: وَلَوْ كَانَ نَمَطًا وَجُبَّةً فَهَلَكَ النَّمَطُ فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: أَوْدَعَنِي النَّمَطَ وَالْجُبَّةَ رَهْنًا، وَقَالَ الرَّاهِنُ: النَّمَطُ رَهْنٌ، وَالْجُبَّةُ هِيَ الْوَدِيعَةُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مُدَّعٍ عَلَى صَاحِبِهِ فَلَا يُصَدَّقُ الرَّاهِنُ فِي تَضْمِينِ الْمُرْتَهِنِ لِمَا هَلَكَ، وَلَا يُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ أَنَّ الْجُبَّةَ رَهْنٌ وَيَأْخُذُهَا رَبُّهَا اهـ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ وَيَحْلِفَانِ وَلِهَذَا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَقَالَ: وَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي نَفْيَ الرَّهْنِيَّةِ وَأَيْضًا فَفِي عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ مُسَامَحَةٌ أُخْرَى مُرِيبَةٌ وَهِيَ قَوْلُهُ: الرَّاهِنُ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ رَاهِنٌ، وَلِهَذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَوْلُهُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ يُرِيدُ عَلَى دَعْوَى خَصْمِهِ وَإِلَّا فَالْفَرْضُ أَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَثْبُتْ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي نَفْيَ الرَّهْنِيَّةِ مَعَ يَمِينِهِ (الثَّانِي) عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الشَّيْءِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مُتَّحِدًا، أَوْ مُتَعَدِّدًا وَسَلَّمَ الرَّاهِنُ كَوْنَ الرَّهْنِيَّةِ فِي بَعْضِهِ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ وَلِهَذَا قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَصُدِّقَ نَافِي الرَّهْنِيَّةِ كَبَعْضٍ مُتَعَدِّدٍ، وَسَيَأْتِي فِي التَّنْبِيهِ الثَّالِثِ نَقْلُ ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ الْعَطَّارِ التَّفْصِيلَ بَيْنَ الْمُتَّحِدِ وَالْمُتَعَدِّدِ.
(الثَّالِثُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَيَّدَ اللَّخْمِيُّ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا لَمْ تُصَدِّقُ الْعَادَةُ الْمُرْتَهِنَ فَإِنْ صَدَّقَتْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ كَبَيَّاعِ الْخُبْزِ وَشِبْهِهِ يُدْفَعُ لَهُ الْخَاتَمُ وَنَحْوُهُ وَيَدَّعِي الرَّهْنِيَّةَ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ صَاحِبِهِ: أَنَّهُ وَدِيعَةٌ خَلِيلٍ وَهُوَ كَلَامٌ ظَاهِرٌ اهـ. وَاعْتَمَدَ التَّقْيِيدَ فِي الشَّامِلِ فَقَالَ: وَقِيلَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرْتَهِنُ كَخَبَّازٍ يَتْرُكُ عِنْدَهُ الْخَاتَمَ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ اهـ. وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ خِلَافٌ، وَنَقَلَ عَنْ ابْنِ الْعَطَّارِ قَوْلًا ثَالِثًا وَنَصُّهُ: " وَلَوْ ادَّعَى حَائِزُ شَيْءٍ ارْتِهَانَهُ وَرَبُّهُ إيدَاعَهُ
[ ٥ / ٢٩ ]
الْمَذْهَبُ تَصْدِيقُهُ " اللَّخْمِيُّ إنْ شَهِدَ عُرْفٌ لِحَائِزِهِ صُدِّقَ كَالْبَقْلِ فِي الْخَاتَمِ وَنَحْوِهِ ابْنُ الْعَطَّارِ وَلَوْ ادَّعَى حَائِزُ عَبْدَيْنِ أَنَّهُمَا رَهْنٌ، وَقَالَ: رَبُّهُمَا بَلْ أَحَدُهُمَا صُدِّقَ وَلَوْ ادَّعَى حَائِزُ عَبْدٍ رَهْنَ جَمِيعِهِ، وَقَالَ رَبُّهُ: بَلْ نِصْفُهُ صُدِّقَ حَائِزُهُ اهـ.
[فَرْعٌ ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ أَوْ ثَمَرَةَ النَّخْلِ رَهْنٌ وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّ مَالَ الْعَبْدِ، أَوْ ثَمَرَةَ النَّخْلِ رَهْنٌ وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَيْضًا اهـ.
ص (كَالشَّاهِدِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ)
ش: يَعْنِي إذَا اتَّفَقَا عَلَى الرَّهْنِيَّةِ وَاخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الدَّيْنِ الْمَرْهُونِ فِيهِ إلَى مَبْلَغِ قِيمَتِهِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ ادَّعَى أَنَّ الدَّيْنَ الْمَرْهُونَ فِيهِ قَدْرُ قِيمَةِ الرَّهْنِ وَمَا جَاوَزَ قَدْرَ قِيمَةِ الرَّهْنِ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الرَّاهِنِ وَسَوَاءٌ أَنْكَرَ الرَّاهِنُ بِالْكُلِّيَّةِ، أَوْ أَقَرَّ بِهِ وَادَّعَى أَنَّ الرَّهْنَ فِي دُونِهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: ارْتَهَنْتُهُ فِي مِائَةِ دِينَارٍ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: الْمِائَةُ لَكَ عَلَيَّ، وَلَمْ أَرْهَنْك إلَّا بِخَمْسِينَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ إلَى مَبْلَغِ قِيمَةِ الرَّهْنِ فَإِنْ لَمْ يُسَاوِ إلَّا خَمْسِينَ فَعَجَّلَ الرَّاهِنُ خَمْسِينَ قَبْلَ الْأَجَلِ لِيَأْخُذَ رَهْنَهُ.
وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: لَا أُسَلِّمُهُ حَتَّى آخُذَ الْمِائَةَ فَلِلرَّاهِنِ أَخْذُهُ إذَا عَجَّلَ الْخَمْسِينَ قَبْلَ أَجَلِهَا وَتَبْقَى الْخَمْسُونَ بِغَيْرِ رَهْنٍ كَمَا أَنْكَرَهَا لَا يَلْزَمُهُ فَكَذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ بَقَاءُ رَهْنِهِ فِي الْخَمْسِينَ اهـ. وَلِأَشْهَبَ خِلَافُ ذَلِكَ، وَانْظُرْ ابْنَ يُونُسَ.
ص (لَا الْعَكْسِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَكُونُ شَاهِدًا عَلَى الرَّهْنِ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ قَدْرِ الرَّهْنِ مَثَلًا بَعْدَ هَلَاكِهِ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: إنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ وَلَوْ ادَّعَى صِفَةً دُونَ مِقْدَارِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَالْغَارِمُ مُصَدَّقٌ. ابْنُ الْمَوَّازِ إلَّا فِي قَوْلَةٍ شَاذَّةٍ لِأَشْهَبَ فَقَالَ: إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبَ الْمُرْتَهِنِ لِقِلَّةِ مَا ذُكِرَ جِدًّا فَيَصِيرُ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاهِنِ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ أَشْهَبَ: إنَّمَا أَعْرِفُ يَنْحُو
[ ٥ / ٣٠ ]
إلَى هَذَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ حَمَلَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْوَسَطِ وَزَادَ فِي الْكَبِيرِ صُورَةً أُخْرَى ذَكَرَهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَنَصُّهُ: " وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ أَيْضًا لَوْ لَمْ يَدَّعِ الْمُرْتَهِنُ هَلَاكَ الرَّهْنِ وَلَكُنَّ، ٠٠ أَتَى بِرَهْنٍ يُسَاوِي عُشْرَ الدَّيْنِ مَثَلًا، وَقَالَ: " هُوَ الَّذِي ارْتَهَنْت مِنْك بِذَلِكَ الدَّيْنِ هَلْ يَكُونُ الدَّيْنُ شَاهِدًا لِلرَّاهِنِ عَلَى قَوْلَيْنِ الْمَشْهُورُ هُنَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ الدَّيْنُ شَاهِدًا " اهـ. كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَنَقَلَهُ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ الدَّيْنَ لَيْسَ بِشَاهِدٍ، وَلَمْ يُفْهَمُ مِنْهُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الرُّهُونِ قَوْلَيْنِ فِي كَوْنِ الْقَوْلِ لِلرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا أَشْبَهَ قَوْلَهُ، أَوْ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ وَذَكَرَهُمَا أَيْضًا فِي رَسْمِ الرُّهُونِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ فِي النَّوَادِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (فَإِنْ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ لِلْمُرْتَهِنِ)
ش:؛ لِأَنَّهُ الْغَارِمُ فَيَسْأَلُ الرَّاهِنَ عَنْ قِيمَةِ سِلْعَتِهِ لِيَعْلَمَ مَا عِنْدَهُ، أَوْ مَا يَدَّعِيهِ. ثُمَّ يُوقَفُ عَلَيْهِ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَ مُنْتَهَى دَعْوَى الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ تِلْكَ فِي قَدْرِهَا وَجِنْسِهَا فَيَصِحُّ تَوْقِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ يُنْكِرُ.
ص (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مَقْبُوضٍ فَقَالَ الرَّاهِنُ: عَنْ دَيْنِ الرَّهْنِ وُزِّعَ بَعْدَ حَلِفِهِمَا كَالْحَمَالَةِ)
ش: قَالَ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ مِائَتَانِ فَرَهَنَك بِمِائَةٍ مِنْهَا رَهْنًا، ثُمَّ قَضَاك مِائَةً، وَقَالَ: هِيَ الَّتِي فِيهَا الرَّهْنُ وَقُلْت لَهُ أَنْتَ هِيَ الَّتِي لَا رَهْنَ فِيهَا وَقَامَ الْغُرَمَاءُ، أَوْ لَمْ يَقُومُوا فَإِنَّ الْمِائَةَ يَكُونُ نِصْفُهَا بِمِائَةِ الرَّهْنِ وَنِصْفُهَا لِلْمِائَةِ الْأُخْرَى ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ بَعْدَ أَنْ يَتَحَالَفَا إنْ ادَّعَيَا الْبَيَانَ، وَقَالَ أَشْهَبُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقْتَضِي ظَاهِرُهُ: أَنَّ التَّحَالُفَ إنَّمَا هُوَ مَعَ الْبَيَانِ وَبِهِ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَمَالَةِ، وَنَصُّهَا فِي الْحَمَالَةِ مِنْهَا، وَمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ قَرْضٍ وَأَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ كَفَالَةٍ فَقَضَاهُ أَلْفًا، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا الْقَرْضُ، وَقَالَ: الْمُقْتَضِي بَلْ هِيَ الْكَفَالَةُ قَضَى بِنِصْفِهَا عَنْ الْقَرْضِ وَنِصْفِهَا عَنْ الْكَفَالَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقْتَضِي مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ مُدَّعَى عَلَيْهِ وَوَرَثَةُ الدَّافِعِ فِي قَوْلِهِمَا كَالدَّافِعِ اهـ، وَقَالَ مَالِكٌ: مِثْلَهُ فِي حَقَّيْنِ أَحَدُهُمَا بِحَمَالَةٍ، وَالْآخَرُ بِغَيْرِ حَمَالَةٍ وَكَذَلِكَ حَقٌّ بِيَمِينٍ وَحَقٌّ بِلَا يَمِينٍ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: مَعْنَاهُ لَيَقْضِيَنَّهُ مَالَهُ انْتَهَى. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فِي رَسْمِ كُتِبَ عَلَيْهِ ذِكْرُ حَقٍّ مِنْ سَمَاعِ الرُّهُونِ فَإِنْ حَلَفَا جَمِيعًا، أَوْ نَكَلَا جَمِيعًا قُسِّمَ مَا اقْتَضَى بَيْنَ الْمَالَيْنِ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْحَالِفِ، وَقَالَ أَيْضًا فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الرُّهُونِ: فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ الْأَوَّلُ سِتِّينَ وَالثَّانِي ثَلَاثِينَ وَاقْتَضَى ثَلَاثِينَ كَانَ لِلْحَقِّ الْأَوَّلِ عِشْرُونَ وَلِلثَّانِي عَشَرَةٌ، وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَزِّعْ. وَانْظُرْ كَلَامَ الرَّجْرَاجِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْحَمَالَةِ.
[تَنْبِيه اخْتَلَفَا أَيْ الرَّاهِن وَالْمُرْتَهِن عِنْدَ الْقَاضِي فِي أَيِّ الْحَقَّيْنِ يَبْدَأُ بِالْقَضَاءِ]
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَكَذَا: لَوْ اخْتَلَفَا عِنْدَ الْقَاضِي فِي أَيِّ الْحَقَّيْنِ يَبْدَأُ بِالْقَضَاءِ يَجْرِي الْأَمْرُ فِيهِ عِنْدِي عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَمِينَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ فَرَّقَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَالتَّفْلِيسِ بَيْنَ اخْتِلَافِهِمَا عِنْدَ الْقَضَاءِ وَبَعْدَ الْقَضَاءِ عَلَى اخْتِلَافٍ وَقَعَ فِي ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ فَانْظُرْ ذَلِكَ وَأَمْعِنْ النَّظَرَ فِيهِ اهـ. وَمَا عَزَاهُ لِسَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ لَيْسَ هُوَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ فِي آخِرِ كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فُرُوعٌ إذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَضَاهُ مِنْ كَذَا وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ قَبَضَتْهُ مُبْهَمًا]
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ:) إذَا
[ ٥ / ٣١ ]
ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَضَاهُ مِنْ كَذَا، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ قَبَضْته مُبْهَمًا فَقَالَ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ فِي آخِرِ الْمِدْيَانِ وَالتَّفْلِيسِ: إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مُبْهَمٌ مَعَ يَمِينِهِ وَيُفْضِ عَلَى الْمَالَيْنِ أَوْ الْأَمْوَالِ فَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِبْهَامِ فَيُفْضِ ذَلِكَ عَلَى الْمَالَيْنِ مِنْ بَابِ أَوْلَى اهـ. بِالْمَعْنَى (الثَّانِي) قَالَ فِي نَوَازِلِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَالتَّفْلِيسِ: وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ دَنَانِيرُ، أَوْ دَرَاهِمُ أَوْ شَيْءٌ مِمَّا يُكَالُ، أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ لَمْ يُعْرَفْ بِعَيْنِهِ عَلَى رَجُلٍ وَعَلَى ابْنِهِ فَدَفَعَ الْأَبُ مَا عَلَيْهِ إلَى ابْنِهِ لِيَدْفَعَهُ إلَى الْغَرِيمِ فَقَالَ لَهُ: هَذَا مَا لَكَ عَلَى أَبِي، ثُمَّ ادَّعَى الْغَرِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا قَبَضَهُ مِنْ الِابْنِ قَضَاءً عَنْهُ، وَأَنَّهُ مَا قَالَ الِابْنُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَرِيمِ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الِابْنُ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: هَذَا الْحَقُّ عَنْ أَبِي (قُلْت): فَإِنْ أَتَى بِالْبَيِّنَةِ عَلَى أَمْرِ أَبِيهِ أَنَّهُ يَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْهُ؟ قَالَ: لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الدَّفْعِ كَانَ عَلَى الْأَمْرِ بَيِّنَةٌ، أَوْ لَمْ تَكُنْ قَالَ عِيسَى: إلَّا أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي قُضِيَ شَيْءُ أَبِيهِ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَهُ لِأَنَّ الِابْنَ مُدَّعٍ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ قَضَاهُ الْحَقَّ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى أَبِيهِ، وَقَدْ حَكَمَتْ السُّنَّةُ أَنَّ «الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» اهـ.
[كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ عَشَرَةٌ وَلِرَجُلٍ آخَرَ عَلَيْهِ عَشَرَةٌ وَوَكَّلَا مَنْ يَقْضِي مِنْهُ الْعِشْرِينَ فَاقْتَضَى عَشَرَةً]
(الثَّالِثُ) حَكَى ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْعَارِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ فِيمَا إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ عَشَرَةٌ، وَلِرَجُلٍ آخَرَ عَلَيْهِ عَشَرَةٌ وَوَكَّلَا مَنْ يَقْضِي مِنْهُ الْعِشْرِينَ فَاقْتَضَى عَشَرَةً، ثُمَّ فَلَّسَ، وَقَالَ الْوَكِيلُ: هِيَ لِفُلَانٍ، وَقَالَ الْغَرِيمُ: لِلْآخَرِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: قَبُولُ قَوْلِ الْوَكِيلِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَشَرَةَ بَيْنَهُمَا وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الْوَكِيلِ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.