ش: ضَبَطَهَا فِي التَّوْضِيحِ بِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَكَذَا الشَّارِحُ، وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: قَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا إلَّا كَسْرُ الشِّينِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَخَالَفَهُ بَعْضُهُمْ انْتَهَى وَضَبَطَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَصَدَّرَ الْجَلَالُ الْأَسْيُوطِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ بِالثَّانِي، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالشَّرِكَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَقَدْ تُحْذَفُ الْهَاءُ، وَقَدْ يُحْذَفُ أَوَّلُهُ مَعَ ذَلِكَ فَتِلْكَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ وَهِيَ مَا يَحْدُثُ بِالِاخْتِيَارِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ الِاخْتِلَاطِ لِتَحْصِيلِ الرِّبْحِ، وَقَدْ يَحْصُلُ بِغَيْرِ قَصْدٍ كَالْإِرْثِ انْتَهَى.
ص (إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا مَعَ أَنْفُسِهِمَا) ش يَعْنِي أَنَّ الشَّرِكَةَ هِيَ إذْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَشَارِكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، أَوْ بِبَدَنِهِ لَهُمَا أَيْ لَهُ وَلِشَرِيكِهِ أَيْ أَنْ يَتَصَرَّفَ لَهُ وَلِشَرِيكِهِ مَعَ أَنْفُسِهِمَا أَيْ مَعَ تَصَرُّفِهِمَا أَنْفُسِهِمَا أَيْضًا فَمَعْنَى الْحَدِّ أَنَّ الشَّرِكَةَ هِيَ إذْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَشَارِكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ، أَوْ بِبَدَنِهِ لَهُ وَلِصَاحِبِهِ مَعَ تَصَرُّفِهِمَا أَنْفُسِهِمَا أَيْضًا فَقَوْلُهُ: إذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ يَشْمَلُ الْوَكَالَةَ وَالْقِرَاضَ وَقَوْلُهُ: لَهُمَا فَصْلٌ يَخْرُجُ بِهِ الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَ فِيهَا إذْنٌ مِنْ الْمُوَكِّلِ لِلْوَكِيلِ فِي أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الشَّيْءِ الْمُوَكَّلِ فِيهِ لِلْمُوَكِّلِ وَحْدَهُ، وَقَوْلُ الشَّارِحَيْنِ إنَّ الْوَكَالَةَ خَرَجَتْ بِقَوْلِ الْمُؤَلِّفِ مَعَ أَنْفُسِهِمَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَبِهَذَا يَخْرُجُ أَيْضًا قَوْلُ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا لِغَيْرِهِ: أَذِنْت لَك فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ مَعِي وَقَوْلُ الْآخَرِ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَمْ يَأْذَنْ لِصَاحِبِهِ فِي أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ لَهُ وَلِصَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ لِمَالِكِهِ نِيَابَةً عَنْهُ فَبَطَلَ بِهَذَا اعْتِرَاضُ ابْنِ عَرَفَةَ عَلَى هَذَا الْحَدِّ بِقَوْلِهِ: وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ أَذِنَ لَهُمَا فِي التَّصَرُّفِ مَعَ أَنْفُسِهِمَا قَبِلُوهُ فَيَبْطُلُ طَرْدُهُ بِقَوْلِ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا لِغَيْرِهِ: أَذِنْت لَك فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ مَعِي وَقَوْلِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِشَرِكَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ هَلَكَ مِلْكُ أَحَدِهِمَا لَمْ يَضْمَنْهُ الْآخَرُ وَهُوَ لَازِمُ الشَّرِكَةِ وَنَفْيُ اللَّازِمِ يَنْفِي الْمَلْزُومَ انْتَهَى. وَلَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ: أَذِنْت لَك فِي التَّصَرُّفِ فِي هَذَا الشَّيْءِ لِي وَلَك لَكَانَتْ شَرِكَةً ثُمَّ تَجْرِي عَلَى أَحْكَامِ الشَّرِكَةِ فِيمَا يَصِحُّ مِنْهَا وَمَا يَفْسُدُ بِسَبَبِ الْخَلْطِ وَعَدَمِهِ وَمَا يَثْبُتُ بِهِ الضَّمَانُ وَمَا لَا يَثْبُتُ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَقَوْلُهُ: مَعَ أَنْفُسِهِمَا فَصْلٌ ثَانٍ خَرَجَ بِهِ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ تَصَرَّفْ فِي هَذِهِ الْمِائَةِ وَنَحْوِهَا: أَنْتَ وَحْدَك عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ لِي وَلَك بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَصَرَّفَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَالِ نَفْسِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَرِكَةٍ فَقَوْلُهُ: لَهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِالتَّصَرُّفِ وَقَوْلُهُ: مَعَ أَنْفُسِهِمَا حَالٌ مِنْ الْإِذْنِ أَيْ حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ الْإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ مَعَ تَصَرُّفِهِمَا بِأَنْفُسِهِمَا. وَعَلَّقَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلَهُ لَهُمَا بِالْإِذْنِ فَأَوْرَدَ مَا، أَوْرَدَهُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَبْطُلُ عَكْسُهُ بِخُرُوجِ شَرِكَةِ الْجَبْرِ كَالْوَرَثَةِ، وَشَرِكَةِ الْمُتَبَايِعَيْنِ بَيْنَهُمْ شَيْئًا، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ إذْ لَا إذْنَ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا، وَلِذَا اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِ تَصَرُّفِ أَحَدِهِمَا كَغَاصِبٍ أَمْ لَا ثُمَّ اُسْتُبْدِلَ بِمَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي ضَرْبِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الْعَبْدَ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ وَنَظَائِرَ ذَلِكَ فَقَالَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَيْسَ لِأَحَدِ مَالِكَيْ عَبْدٍ ضَرْبُهُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، وَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهُ إلَّا فِي ضَرْبٍ لَا يَعِيبُ مِثْلَهُ، أَوْ ضَرْبِ أَدَبٍ قَالَ سَحْنُونٌ نُضَمِّنُهُ مُطْلَقًا وَلَوْ ضَرْبَةً وَاحِدَةً كَأَجْنَبِيٍّ ابْنُ رُشْدٍ رَأَى مَالِكٌ شَرِكَتَهُ شُبْهَةً تُسْقِطُ الضَّمَانَ فِي ضَرْبِ الْأَدَبِ وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ سَحْنُونٍ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ ضَرْبَهُ أَدَبًا يُفْسِدُهُ، وَعَلَيْهِ زَرْعُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ وَبِنَاؤُهُ فِي أَرْضٍ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فِي كَوْنِهِ كَغَاصِبٍ يُقْلَعُ بِنَاؤُهُ، أَوْ زَرْعُهُ، أَوْ لَا لِشُبْهَةِ الشَّرِكَةِ فَيَكُونُ لَهُ الزَّرْعُ، وَإِنْ لَمْ يَفُتْ الْإِبَّانُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ الْكِرَاءُ فِي نِصْفِ شَرِيكِهِ وَيَكُونَ لَهُ قِيمَةُ بِنَائِهِ قَائِمًا، وَعَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي إيلَادِ الْعَبْدِ أَمَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُرٍّ نِصْفُ قِيمَتِهَا جِنَايَةٌ فِي رَقَبَتِهِ. وَقَوْلُ سَحْنُونٍ: هَذَا دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِمَا نَقَصَ نِصْفَ
[ ٥ / ١١٧ ]
ثَمَنِهَا عَنْ نِصْفِ قِيمَتِهَا انْتَهَى وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ (قُلْت) وَيُجَابُ عَنْ خُرُوجِ مَا ذُكِرَ بِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ إنَّمَا هُوَ حَدُّ شَرِكَةٍ فِي التَّجْرِ إنَّهَا هِيَ الْمَعْقُودُ لَهَا التَّرْجَمَةُ، وَإِنْ ذَكَرَ غَيْرَهَا مَعَهَا فَبِطَرِيقِ التَّبَعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الشَّرِكَةُ الْأَعَمِّيَّةُ تَقَرُّرُ مُتَمَوِّلٍ بَيْنَ مَالِكَيْنِ فَأَكْثَرَ مِلْكًا وَالْأَخَصِّيَّةُ بَيْعُ مِلْكِ كُلٍّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كُلُّ الْآخَرِ مُوجِبٌ صِحَّةَ تَصَرُّفِهِمَا فِي الْجَمِيعِ فَيَدْخُلُ فِي الْأَوَّلِ شَرِكَةُ الْإِرْثِ، وَالْغَنِيمَةِ لَا شَرِكَةُ التَّجْرِ يُرِيدُ أَنَّهَا تَخْرُجُ بِقَوْلِهِ مِلْكًا فَقَطْ؛ لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةَ التَّصَرُّفِ قَالَ: وَهُمَا فِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْعَكْسِ، وَشَرِكَةُ الْأَبْدَانِ وَالْحَرْثِ بِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ فِي الثَّانِيَةِ وَفِي عِوَضِهِ فِي الْأُولَى، وَقَدْ يَتَبَايَنَانِ فِي الْحُكْمِ شَرِكَةُ الشَّرِيكِ فَالْأُولَى جَائِزَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَمْنُوعَةٌ فِيهَا لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُفَاوِضَ شَرِيكًا دُونَ إذْنِ شَرِيكِهِ وَلَهُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا دُونَ إذْنِهِ انْتَهَى. وَانْظُرْ مَا مَعْنَى تَسْمِيَةِ الْأُولَى أَعَمِّيَّةٌ مَعَ خُرُوجِ بَعْضِ أَنْوَاعِ الشَّرِكَةِ مِنْهَا كَمَا ذُكِرَ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ عَاقِدَيْ الشَّرِكَةِ أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ هَكَذَا قَالَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ وَكُلُّهُمْ تَبِعُوا الْوَجِيزَ وَيُرَدُّ بِوُجُوبِ زِيَادَةِ وَأَهْلِيَّةِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَائِعٌ لِصَاحِبِهِ نِصْفَ مَالِهِ وَلَا يَسْتَلْزِمُهَا أَهْلِيَّةُ الْوَكَالَةِ لِجَوَازِ تَوْكِيلِ الْأَعْمَى اتِّفَاقًا وَتَوَكُّلِهِ وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي صِحَّةِ كَوْنِهِ بَائِعًا انْتَهَى وَذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ كَالْمُنَكِّتِ بِهِ عَلَى الْمُصَنِّفِ (قُلْت): وَلَا يَحْتَاجُ الْمُصَنِّفُ إلَى زِيَادَةِ أَهْلِيَّةِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْأَعْمَى جَائِزٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْمُصَنِّفُ إنَّمَا يُفَرِّعُ عَلَيْهِ نَعَمْ لَوْ اقْتَصَرُوا عَلَى أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ فَقَالُوا: مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ، أَوْ قَالُوا: مِنْ أَهْلِ الْوَكَالَةِ لَكَانَ أَنْسَبَ بِالِاخْتِصَارِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ: مَنْ جَازَ أَنْ يَتَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ وَأَنْ يَتَوَكَّلَ إلَّا لِمَانِعٍ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ: وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ مَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ جَازَ كَوْنُهُ وَكِيلًا إلَّا لِمَانِعٍ، وَمَسَائِلُ الْمَذْهَبِ وَاضِحَةٌ بِهِ انْتَهَى.
(فَإِنْ قُلْت): قَدْ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يُوَكِّلَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ كَالذِّمِّيِّ يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَكَّلَ عَلَى مُسْلِمٍ وَكَالْعَدُوِّ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ عَلَى عَدُوِّهِ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ بِقَوْلِهِمَا: إلَّا لِمَانِعٍ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ إخْرَاجَ ذَلِكَ مِنْ الشَّرِكَةِ أَيْضًا (قُلْت): أَمَّا أَوَّلًا فَعَلَى تَسْلِيمِهِ فَكَانَ يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَقْتَصِرُوا عَلَى قَوْلِهِمْ مِنْ أَهْلِ التَّوَكُّلِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ عَلَى مَا قَرَرْتُمْ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الذِّمِّيَّ وَالْعَدُوَّ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّوَكُّلِ؛ لِأَنَّ تَوْكِيلَهُمَا إنَّمَا يَمْتَنِعُ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ الْأَشْخَاصِ فَقَطْ، وَأَيْضًا فَلَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِي هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ فِي مُشَارَكَةِ الْعَدُوِّ أَنَّهَا جَائِزَةٌ وَأَمَّا مُشَارَكَةُ الذِّمِّيِّ فَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَصِحُّ ابْتِدَاءً قَالَ فِيهَا فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ: وَلَا يَصِحُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُشَارِكَ ذِمِّيًّا إلَّا أَنْ لَا يَغِيبَ الذِّمِّيُّ عَلَى بَيْعٍ، وَلَا شِرَاءٍ، وَلَا قَضَاءٍ، وَلَا اقْتِضَاءٍ إلَّا بِحَضْرَةِ الْمُسْلِمِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ اللَّخْمِيُّ: فَإِنْ وَقَعَ اُسْتُحِبَّ صَدَقَتُهُ بِرِبْحِهِ إنْ شَكَّ فِي عَمَلِهِ بِالرِّبَا وَبِجَمِيعِ مَالِهِ إنْ شَكَّ فِي عَمَلِهِ بِهِ فِي خَمْرٍ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ انْتَهَى.
قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَيْ وَإِنْ عَلِمَ سَلَامَتَهُ مِنْ عَمَلِ الرِّبَا، وَتَجْرِ الْخَمْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَذَا قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ مُشَارَكَةِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا يُحَافِظُ عَلَى دِينِهِ فِي التَّصْدِيقِ بِالرِّبْحِ كَذَلِكَ، وَانْظُرْ إذَا تَحَقَّقَ عَمَلَهُ بِالرِّبَا، أَوْ فِي الْخَمْرِ مَا الْحُكْمُ هَلْ يَجِبُ التَّصَدُّقُ أَوْ يُسْتَحَبُّ أَيْضًا؟ وَالظَّاهِرُ الْوُجُوبُ لِمَا سَيَأْتِي فِي الْوَكَالَةِ عَنْ الْمَازِرِيِّ فَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الشَّرِكَةَ صَحِيحَةٌ بَلْ وَجَائِزَةٌ إذَا لَمْ يَغِبْ الذِّمِّيُّ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الشَّامِلِ فَقَالَ: وَكَرِهْت مُشَارَكَةَ ذِمِّيٍّ وَمُتَّهَمٍ فِي دِينِهِ إنْ تَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَإِلَّا جَازَ، وَعَلَى مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ تَكُونُ مُشَارَكَةُ الذِّمِّيِّ غَيْرَ
[ ٥ / ١١٨ ]
صَحِيحَةٍ، وَكَذَلِكَ مُشَارَكَةُ الْعَدُوِّ وَهُوَ خِلَافُ الْمَفْهُومِ مِمَّا تَقَدَّمَ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالُوا إنَّ الذِّمِّيَّ لَا يُوَكَّلُ عَلَى مُسْلِمٍ فَهَلْ يَأْتِي هُنَا أَيْ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ أَنَّهُ لَا يُشَارِكُهُ؟ قِيلَ: لَا يَبْعُدُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَنْبَغِي لِلْحَافِظِ لِدِينِهِ أَنْ يُشَارِكَ إلَّا أَهْلَ الدِّينِ، وَالْأَمَانَةِ، وَالتَّوَقِّي لِلْخِيَانَةِ، وَالرِّبَا، وَالتَّخْلِيطِ فِي التِّجَارَةِ، وَلَا يُشَارِكُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا مُسْلِمًا فَاجِرًا إلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ، وَإِنَّمَا لِلْآخَرِ فِيهِ الْبَطْشُ وَالْعَمَلُ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ (قُلْت): وَكَأَنَّهُمَا لَمْ يَقِفَا عَلَى كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ: وَيُسْتَشْكَلُ بِأَنَّ الشَّرِكَةَ مَلْزُومَةٌ لِلْبَيْعِ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي بَيْعِ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ شَيْئًا أَنْ لَا يَبِيعَهُ الذِّمِّيَّ إلَّا بِحَضْرَةِ الْمُسْلِمِ قَالَ: وَيُجَابُ بِأَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الشَّرِكَةِ مِنْ عَدَمِ غَيْبَتِهِ عَلَى الْبَيْعِ مُعْتَبَرٌ وُقُوعُهُ لَا أَنَّهُ شَرْطٌ، وَإِنْ سُلِّمَ اشْتِرَاطُهُ فَإِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ وَكِيلًا لَا لِكَوْنِهِ مُبْتَاعًا انْتَهَى.
بِالْمَعْنَى (الثَّانِي) قَالَ بَعْضُهُمْ كَيْفَ أَجَازَ مَالِكٌ شَرِكَةَ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَغِيبَ الذِّمِّيُّ عَلَى بَيْعٍ وَلَا شِرَاءٍ وَمَنَعَ الشَّرِكَةَ إذَا شَرَطَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُمْسِكَ رَأْسَ الْمَالِ؟ فَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الشَّرْطَ فِي مَسْأَلَةِ الذِّمِّيِّ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَهَذَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الذِّمِّيِّ لَمْ يَخْرُجْ الْمَالُ مِنْ يَدِهِ بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى (الثَّالِثُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ: إلَّا لِمَانِعٍ أَيْ مِنْ الْمَوَانِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْحَجْرِ انْتَهَى.
وَلَيْسَ هَذَا مُرَادُهُ؛ لِأَنَّ مَوَانِعَ الْحَجْرِ قَدْ دَخَلَتْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ: مَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ جَازَ أَنْ يُوَكِّلَ، أَوْ يَتَوَكَّلَ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ الْمَانِعُ الْمُخْتَصُّ بِهَذَا الْبَابِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ إثْرَهُ مِنْ كَوْنِ الْوَكِيلِ ذِمِّيًّا، وَمِنْ كَوْنِهِ عَدُوًّا لِلْمُوَكَّلِ عَلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَمَّا مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ فَرُبَّمَا يُوهِمُ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْحَجْرِ مُسْتَثْنًى مِنْ الْمَانِعِ فِي الْوَكَالَةِ فَتَأَمَّلْهُ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ إثْرَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ: وَفِيهَا لَا يُوَكَّلُ الذِّمِّيُّ إلَى آخِرِهِ لَمَّا اسْتَثْنَى الْمُؤَلِّفُ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ فَقَالَ إلَّا: لِمَانِعٍ احْتَاجَ أَنْ يُبَيِّنَ الْمَانِعَ مَا هُوَ؟ إلَخْ كَلَامِهِ وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ كَلَامُ الذَّخِيرَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: الرُّكْنُ الْأَوَّلُ الْمُوَكِّلُ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: مَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ جَازَ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ نَحْوَ الْخَمْسَةِ أَسْطُرٍ ثُمَّ قَالَ: الرُّكْنُ الثَّانِي الْوَكِيلُ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: مَنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَنُوبَ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ قَابِلًا لِلِاسْتِنَابَةِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ فَقَدْ مَنَعَ فِي الْكِتَابِ تَوْكِيلَ الذِّمِّيِّ إلَى آخِرِهِ.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِيهَا: وَتَجُوزُ الشَّرِكَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ، وَبَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الرِّجَالِ قَالَ اللَّخْمِيُّ يُرِيدُ: إنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً، أَوْ شَابَّةً وَلَا تُبَاشِرُهُ فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ مُحَادَثَةِ الشَّابَّةِ لِلرَّجُلِ يُتَّقَى مِنْهَا الْفِتْنَةُ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ فَلَا بَأْسَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: يُرِيدُ وَاسِطَةً مَأْمُونَةً الْمُتَيْطِيُّ عَنْ ابْنِ الْهِنْدِيِّ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إذَا كَانَا صَالِحَيْنِ مَشْهُورَيْنِ بِالْخَيْرِ وَالدِّينِ وَالْفَضْلِ وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: أَوْ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) قَالَ فِيهَا: وَتَجُوزُ شَرِكَةُ الْعَبِيدِ إذَا أَذِنَ لَهُمْ فِي التِّجَارَةِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ إنْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ وَوُلِّيَ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ لَمْ يَضْمَنْ الْحُرُّ وَضِيعَةَ الْمَالِ وَلَا تَلَفَهُ، وَكَذَا إنْ وُلِّيَا مَعًا الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ وَوَزَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنَابَهُ، وَأَغْلَقَا عَلَيْهِمَا، وَلَمْ يَنْفَرِدْ الْحُرُّ بِهَا، وَإِنْ انْفَرَدَ الْحُرُّ بِتَوَلِّي ذَلِكَ ضَمِنَ رَأْسَ الْمَالِ إنْ هَلَكَ وَخَسِرَ انْتَهَى.
فَإِنْ كَانَ عَبْدَيْنِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ تَوَلَّى ذَلِكَ مِنْهُمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَا ضَمَانَ عَلَى الْعَبْدِ فِي ضَيَاعِ مَالِ الْحُرِّ، وَانْظُرْ لَوْ غَرَّهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جِنَايَةٌ فِي رَقَبَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) اقْتَضَى كَلَامُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ تَوْكِيلَ الْمَحْجُورِ وَتَوَكُّلَهُ غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَفِي ذَلِكَ اضْطِرَابٌ، فَإِنَّهُمْ أَجَازُوا لَهُ التَّوْكِيلَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ بَلْ أُخِذَ بِجَوَازِ تَوْكِيلِهِ مُطْلَقًا كَمَا سَيَأْتِي وَفِي تَوْكِيلِهِ خِلَافٌ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ جَوَازُهُ
[ ٥ / ١١٩ ]
كَمَا سَيَأْتِي قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ: وَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ لِلْمَحْجُورِ عَلَيْهَا أَنْ تُوَكِّلَ فِي لَوَازِمِ عِصْمَتِهَا انْتَهَى.
بَلْ لَيْسَ لِوَلِيِّهَا قِيَامٌ فِي ذَلِكَ إلَّا بِتَوْكِيلٍ مِنْهَا قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ: وَلَيْسَ لِلْأَبِ وَلَا لِلْوَصِيِّ الْقِيَامُ عَمَّنْ فِي نَظَرِهِمَا مِنْ ابْنَةٍ، أَوْ يَتِيمَةٍ إذَا أَضَرَّ بِهَا زَوْجُهَا فِي نَفْسِهَا إلَّا بِتَوْكِيلِهَا ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا أَقَامَتْ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ أَرَادَ أَبُوهَا أَنْ يُطَالِبَ زَوْجَهَا بِالْكَالِئِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ حُقُوقِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِتَوْكِيلِهَا إلَّا أَنْ يَتَّصِلَ سَفَهُهَا انْتَهَى.
وَفِي هَذَا الْأَخِيرِ خِلَافٌ اُنْظُرْهُ فِي بَابِ الصَّدَاقِ، وَقَالَ فِي اللُّبَابِ وَيَصِحُّ التَّوْكِيلُ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَى الْخُصُومَةِ، وَلِلْوَصِيِّ أَنْ يُوَكِّلَ فِي حَقِّ مَحْجُورِهِ مَنْ يَطْلُبُ حُقُوقَهُ وَلَا يَجْعَلُ لَهُ الْإِقْرَارَ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَكِيلِ أَنْ يَكُونَ رَشِيدًا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ فِي بَابِ الْوَصَايَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا: مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ لِلْمَحْجُورِ طَلَبُ حُقُوقِهِ عِنْدَ قَاضٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فِي حُضُورِ وَصِيِّهِ، أَوْ غَيْبَتِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عَلَى ذَلِكَ لِيَعْلَمَ مَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ شَاسٍ وَهُوَ قَوْلُهُ: مَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ جَازَ تَوْكِيلُهُ، وَمَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ جَازَ كَوْنُهُ وَكِيلًا إلَّا لِمَانِعٍ وَمَسَائِلُ الْمَذْهَبِ وَاضِحَةٌ بِهِ وَبِامْتِنَاعِ تَوْكِيلِ مَنْ لَيْسَ جَائِزَ الْأَمْرِ فِي سَمَاعِ يَحْيَى فِي تَوْكِيلِ بِكْرٍ مَنْ يُخَاصِمُ لَهَا، تَوْكِيلُهَا غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَلِي مِثْلَ هَذَا مِنْ أَمْرِهَا إنَّمَا يَلِيهِ وَصِيُّهَا، أَوْ مَنْ يُوَكِّلُهُ السُّلْطَانُ وَوَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يُوهِمُ صِحَّةَ وَكَالَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فَفِي عِتْقِهَا الثَّانِي إنْ دَفَعَ الْعَبْدُ مَالًا لِرَجُلٍ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَهُ وَيُعْتِقَهُ فَفَعَلَ فَالْبَيْعُ لَازِمٌ، فَإِنْ اسْتَثْنَى مَالَهُ لَمْ يَغْرَمْ الثَّمَنَ ثَانِيًا وَإِلَّا غَرِمَهُ وَيَعْتِقُ الْعَبْدَ، وَلَا يُتْبَعُ بِشَيْءٍ وَفِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ الْعِتْقِ مَا هُوَ كَالنَّصِّ فِي ذَلِكَ قَالَ فِيهِ: إنْ دَفَعَ عَبْدٌ إلَى رَجُلٍ مِائَةَ دِينَارٍ، وَقَالَ لَهُ اشْتَرِنِي لِنَفْسِي فَاشْتَرَاهُ لِنَفْسِ الْعَبْدِ وَاسْتَثْنَى مَالَهُ كَانَ حُرًّا، وَلَا رُجُوعَ لِبَائِعِهِ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ وَوَلَاؤُهُ لِبَائِعِهِ ابْنُ رُشْدٍ.
مَرَّضَ الْأَصِيلِيُّ هَذَا الشِّرَاءَ بِأَنَّ وَكَالَةَ الْعَبْدِ لَا تَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ السَّيِّدُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِلْعَبْدِ كَانَ لَهُ رَدُّ ذَلِكَ، وَإِنْ عَلِمَ فَلَا كَلَامَ لَهُ (قُلْت): كَانَ يَجْرِي لَنَا الْجَوَابُ عَنْ تَعَقُّبِ الْأَصِيلِيِّ بِأَنَّ حَجْرَ الْعَبْدِ إنَّمَا هُوَ مَا دَامَ فِي مِلْكِ سَيِّدِهِ وَهُوَ بِبَيْعِهِ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ، وَصَحَّ تَوْكِيلُهُ، وَلَزِمَ عِتْقُهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً كَقَوْلِهَا فِيمَنْ بَاعَ عَبْدَهُ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ: مَضَى نِكَاحُهُ وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ فَسْخُهُ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ لِمِلْكِهِ بِرَدِّهِ مُبْتَاعَهُ بِعَيْبٍ فِي نِكَاحِهِ انْتَهَى وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ سَمَاعِ يَحْيَى فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ لَمْ أَجِدْهَا فِيهِ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي سَمَاعِ عِيسَى وَمَسْأَلَةُ وَكَالَةِ الْبِكْرِ فِي الْخُصُومَةِ فِي كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْبِكْرَ لَا تَلِي ذَلِكَ يَعْنِي الْمُخَاصَمَةَ قَبِلَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ مُعِينِ الْحُكَّامِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ فِي جَوَابِ الْأَصِيلِيِّ وَهُوَ بِبَيْعِهِ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ وَصَحَّ تَوْكِيلُهُ وَلَزِمَ عِتْقُهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بَاطِلٌ عَلَى مَا يَقُولُ الْأَصِيلِيُّ قَبْلَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ، فَلَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ بِالشِّرَاءِ الْوَاقِعِ بِهِ، وَأَمَّا إذَا صَحَّ الْبَيْعُ وَخَرَجَ عَنْ مِلْكِ السَّيِّدِ فَلَا حَاجَةَ إذًا إلَى تَصْحِيحِ التَّوْكِيلِ، أَوْ عَدَمِ تَصْحِيحِهِ وَفِي قِيَاسِهِ، أَوْ تَشْبِيهِهِ بِمَسْأَلَةِ نِكَاحِ الْعَبْدِ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَذَلِكَ بَيِّنٌ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَمَّا قَالَ الْأَصِيلِيُّ بِأَنْ يُقَالَ: سَلَّمْنَا أَنَّ تَوْكِيلَهُ لَا يَجُوزُ غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ شِرَاءُ فُضُولِيٍّ وَهُوَ جَائِزٌ صَحِيحٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِذَا أَمْضَاهُ الْعَبْدُ بَعْدَ ذَلِكَ وَرَضِيَهُ مَضَى وَصَحَّ الْعِتْقُ وَفَاعِلُ اسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: وَاسْتَثْنَى مَالَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْمُشْتَرِي الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ الْعَبْدُ الْمِائَةَ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَأَمَّا مَنْعُ كَوْنِ الْوَكِيلِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَقَالَ اللَّخْمِيُّ: لَا يَجُوزُ تَوْكِيلُهُ؛ لِأَنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلْمَالِ (قُلْت): وَعَلَيْهِ عَمِلَ أَهْلُ بَلَدِنَا، وَظَاهِرُ كِتَابِ الْمِدْيَانِ جَوَازُهُ فِيهَا مِنْهُ مَا نَصُّهُ قُلْت: إنْ دَفَعَ إلَى عَبْدٍ أَجْنَبِيٍّ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ مَالًا يَتَّجِرُ بِهِ، أَوْ لِيَتِيمٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ ثُمَّ
[ ٥ / ١٢٠ ]
لَحِقَهُمَا دَيْنٌ أَيَكُونُ فِي ذِمَّتِهِمَا قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ فِي الْمَالِ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِمَا وَمَا زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ سَاقِطٌ لَا يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِمَا (قُلْت): ظَاهِرُهُ جَوَازُ تَوْكِيلِهِمَا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَهُوَ الْأَكْثَرُ مِنْ أَخْذِ الْمَشَايِخِ مِنْ مَفْهُومَاتِ الْمُدَوَّنَةِ الْأَحْكَامَ وَيُؤَيِّدُهُ سَمَاعُ أَصْبَغَ فِي الْعِتْقِ أَنَّ مَنْ قَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنَّ مَا أَعْتَقَ ابْنِي، أَوْ أَحْدَثَ رَقِيقِي فَأَمْرُهُ جَائِزٌ وَابْنُهُ سَفِيهٌ ثُمَّ بَاعَ ابْنُهُ مِنْ رَقِيقِ أَبِيهِ عَشَرَةً جَازَ بَيْعُهُ عَلَى أَبِيهِ، وَإِنْ كُرِهَ إلَّا أَنْ يَبِيعَ بِمَا لَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ مِنْ مُحَابَاةٍ بَيِّنَةٍ وَوَكَالَةُ السَّفِيهِ كَغَيْرِهِ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَا إشْكَالَ، وَالتَّوْكِيلُ فِي الْحَيَاةِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ بِمَالِ وَلَدِهِ لَا تَجُوزُ لِسَفِيهٍ بِخِلَافِ وَصِيَّةٍ بِتَنْفِيذِ ثُلُثِهِ إلَى سَفِيهٍ، أَوْ غَيْرِ عَدْلٍ ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ ثُلُثَهُ لَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ جَوَازُ تَوْكِيلِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ مَنْ وَكَّلَ عَلَى قَبْضِ دُيُونٍ لَهُ صَبِيًّا قَبْلَ بُلُوغِهِ فَقَبْضُهُ بَرَاءَةٌ لِلْغَرِيمِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْحَقِّ رَضِيَهُ وَأَنْزَلَهُ مَنْزِلَتَهُ انْتَهَى.
وَلَفْظُ التَّهْذِيبِ فِي مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْمِدْيَانِ الْمُتَقَدِّمَةِ: فَمَا لَحِقَهُمَا مِنْ دَيْنٍ فِيهِ كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَالِ خَاصَّةً، وَلَا يَلْزَمُ ذِمَّتَهُمَا، وَلَا ذِمَّةَ الدَّافِعِ شَيْءٌ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ فِي الْعِتْقِ إنَّمَا رَأَيْته فِي رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ، وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ الْمَذْكُورُ فِيهِ وَفِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ هَذَا بَيِّنٌ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَا إشْكَالَ؛ لِأَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَكِّلَ عَلَى نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ مَنْ رَضِيَ تَوْكِيلَهُ مِنْ رَشِيدٍ، أَوْ سَفِيهٍ، فَيَلْزَمُهُ مِنْ فِعْلِ السَّفِيهِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ فِعْلِ الرَّشِيدِ ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ سَلْمُونٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ: مَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ جَازَ تَوْكِيلُهُ لِنَفْسِهِ فَإِنْ قُلْت: يَرِدُ عَلَيْهِ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ وَكَّلَ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ لِيُسْلِمَ لَهُ فِي طَعَامٍ فَفَعَلَ فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَأْذُونِ لَهُ بِاتِّفَاقٍ انْتَهَى.
وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ، أَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ عَوَّضَ قَوْلَ التَّوْضِيحِ، أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ، وَأَجَابَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِقَوْلِهِ لَا شَكَّ أَنَّ مَعْنَى مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِإِذْنِ سَيِّدِ الْعَبْدِ فَلَا إشْكَالَ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ وَأَنْ يُوَكِّلَ عَلَى السَّلَمِ بِإِذْنِهِ انْتَهَى.
وَعِبَارَتُهُ، أَوْضَحُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ؛ فَلِذَلِكَ ذَكَرْتهَا وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ فِي السَّلَمِ الثَّانِي وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُؤَلِّفُ مِنْ الْجَوَابِ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِمَّنْ رَأَيْت مِنْ شُرَّاحِ الْمُدَوَّنَةِ بَلْ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ وَنَصُّهُ قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: أَمَّا الْمَأْذُونُ لَهُ فَلَا أَجْرَ عَلَى مَنْ وَكَّلَهُ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ الْخَفِيفِ مِنْ الْعَمَلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يُودَعُ فَيَحْفَظُ الْوَدِيعَةَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْذُونِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لَهُ أُجْرَةٌ يَدْفَعُهَا مَنْ وَكَّلَهُ إلَى سَيِّدِهِ الشَّيْخِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ ذَلِكَ لَا خَطْبَ لَهُ لِكَوْنِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ أَتَى إلَى مَنْزِلِ الْعَبْدِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أُجْرَةٌ كَمَا قَالَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ فِي مُنَاوَلَةِ الْقَدَحِ وَالنَّعْلِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الْمَشَذَّالِيِّ قَالَ: قَوْلُهُ " أَوْ مَحْجُورٌ " لَمْ يَتَكَلَّمْ هُنَا هَلْ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُطَالِبَ الْمُوَكِّلَ بِقِيمَةِ عَمَلِهِ، وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ إنْ كَانَ عَمَلٌ لَهُ بَالٌ فَلَهُ قِيمَةُ عَمَلِهِ إنْ كَانَ مَحْجُورًا، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا فَلَا انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّخْمِيُّ مَنْ وَكَّلَ عَبْدًا فَأَسْلَمَ لَهُ فِي طَعَامٍ مَضَى وَالسَّلَمُ لِلْآمِرِ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مَحْجُورًا كَانَ لِسَيِّدِهِ إجَارَتُهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا وَفَعَلَ ذَلِكَ لِيُصْلِحَ بِهِ وَجْهَهُ فِي تِجَارَتِهِ لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي إجَارَتِهِ ذَلِكَ يَسِيرَةٌ انْتَهَى.
مِنْ السَّلَمِ الثَّالِثِ مِنْ تَبْصِرَتِهِ، فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذِهِ النُّقُولِ أَنَّ تَوْكِيلَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي الْخِصَامِ فِي تَخْلِيصِ مَالِهِ، وَطَلَبِ حُقُوقِهِ لَا يَجُوزُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَيَصِحُّ عَلَى مَا قَالَهُ فِي اللُّبَابِ وَنَقَلَهُ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقَالُ إنَّ غَيْرَهُ خَالَفَهُ فِيهِ، وَأَمَّا تَوْكِيلُهُ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي مَالِهِ
[ ٥ / ١٢١ ]
فَلَا يَجُوزُ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ خِلَافًا بَعْدَ الْبَحْثِ إلَّا مَا يُؤْخَذُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ الَّتِي فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالْعُتْبِيَّةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمَا.
وَأَمَّا تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا فِي لَوَازِمِ عِصْمَتِهَا فَيَجُوزُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ بَلْ لَيْسَ لِوَلِيِّهَا الْقِيَامُ فِي ذَلِكَ إلَّا بِتَوْكِيلٍ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا كَوْنُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَكِيلًا فَيَجُوزُ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِهَا مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشَيْدٍ فِي اللُّبَابِ وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ الْحَاجِّ، وَيُؤْخَذُ مِنْ مَسْأَلَةِ السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمِنْ مَسْأَلَةِ كِتَابِ الْمِدْيَانِ مِنْهَا، وَلَا يَجُوزُ عَلَى مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ بَلَدِنَا وَمَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ، وَتَابِعِيهِ كَالْقَرَافِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَغَيْرُهُمْ فَتَحَصَّلَ فِي ذَلِكَ. طَرِيقَانِ، وَإِنَّمَا أَطَلْت الْكَلَامَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ فِي الْوَكَالَةِ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ هُنَا الْمَنْعُ مِنْ تَوْكِيلِهِ وَتَوَكُّلِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الطَّرِيقَيْنِ كَمَا عَلِمْت لَكِنْ يُقَيَّدُ ذَلِكَ بِمَا عَدَا تَوْكِيلَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا فِي لَوَازِمِ الْعِصْمَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَزِمَتْ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا)
ش: يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ الشَّرِكَةِ ابْتِدَاءً الْجَوَازُ، فَإِذَا انْعَقَدَتْ لَزِمَتْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَحُكْمُهَا الْجَوَازُ كَجُزْأَيْهَا الْبَيْعِ، وَالْوَكَالَةِ وَعُرُوضُ مَا يُوجِبُهَا بَعِيدٌ بِخِلَافِ مُوجِبِ حُرْمَتِهَا، وَكَرَاهَتِهَا، وَدَلِيلُهَا الْإِجْمَاعُ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُد بِسَنَدِهِ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْت مِنْ بَيْنِهِمَا» ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَصَحَّحَهُ بِسُكُوتِهِ عَنْهُ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ انْتَهَى.
وَفِي التَّوْضِيحِ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ وَاللَّخْمِيُّ وَشُرَّاحُ الْمُدَوَّنَةِ آيَاتٍ، وَأَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى الْأَصْلِ فِي الشَّرِكَةِ كَآيَةِ الْمَوَارِيثِ وَقَوْلِهِ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الزمر: ٢٩] وَقَوْلِهِ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨] وَحَدِيثِ «أَيُّمَا دَارٍ قُسِمَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» وَحَدِيثِ «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ» وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ [الكهف: ١٩]، وَالْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ، وَحَدِيثُ السَّفِينَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ - ﵊ - «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْمُدْهِنِ فِيهَا كَمِثْلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا يَصْعَدُونَ فَيَسْتَقُونَ الْمَاءَ فَيُضَيِّقُونَ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا فَقَالَ الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا لَا نَدَعُكُمْ تَصْعَدُونَ فَتُؤْذُونَنَا فَقَالَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا فَإِنَّنَا نَنْقُبُهَا مِنْ أَسْفَلِهَا فَنَسْتَقِي فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ فَمَنَعُوهُمْ نَجَوْا جَمِيعًا، وَإِنْ تَرَكُوهُمْ غَرِقُوا جَمِيعًا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ انْتَهَى. وَالْعَجَبُ مِنْ عَزْوِهِ الْحَدِيثَ لِلتِّرْمِذِيِّ مَعَ أَنَّهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَكَأَنَّهُ تَبِعَ فِي ذَلِكَ عَبْدَ الْحَقِّ فِي أَحْكَامِهِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا لُزُومُهَا بَعْدَ الْعَقْدِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرِكَةِ الْأَمْوَالِ: الْمَذْهَبُ لُزُومُهَا بِالْعَقْدِ دُونَ الشُّرُوعِ، وَاخْتُلِفَ فِي شَرِكَةِ الْحَرْثِ هَلْ هِيَ كَشَرِكَةِ الْأَمْوَالِ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ، أَوْ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْعَمَلِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّ الْمَذْهَبَ لُزُومُ الشَّرِكَةِ بِالْعَقْدِ دُونَ الشُّرُوعِ هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ يَجُوزُ التَّبَرُّعُ بَعْدَ الْعَقْدِ بِخِلَافِ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنَّهَا مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ وَهُوَ مُقْتَضَى مَفْهُومِ السَّمَاعِ أَنَّهُ إنْ شَرَطَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ لَا يَجُوزُ، وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ هِيَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ شَرِيكِهِ مَتَى شَاءَ، وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَمْ تَجُزْ إلَّا عَلَى التَّكَافُؤِ وَالِاعْتِدَالِ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَضَّلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِيمَا يُخْرِجُهُ فَإِنَّمَا يَسْمَحُ فِي ذَلِكَ رَجَاءَ بَقَائِهِ مَعَهُ عَلَى الشَّرِكَةِ فَصَارَ غَرَرًا انْتَهَى.
وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: هِيَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَنْفَصِلَ مَتَى شَاءَ إلَّا الشَّرِكَةَ فِي الزَّرْعِ فَفِي لُزُومِهَا خِلَافٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ
[ ٥ / ١٢٢ ]
اللَّخْمِيُّ وَخَرَّجَ قَوْلًا بِعَدَمِ لُزُومِهَا لِأَوَّلٍ نَصُّهُ مِنْ الشَّاذِّ فِي كِرَاءِ الْمُشَاهَرَةِ قَالَ: وَأَمَّا إنْ أَخْرَجَا شَيْئًا لِيَشْتَرِيَا بِهِ شَيْئًا مُعَيَّنًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ إنْ لَمْ يُمْكِنْ كُلَّ وَاحِدٍ اشْتِرَاؤُهُ بِانْفِرَادِهِ، أَوْ أَمْكَنَهُ وَلَكِنَّ اشْتِرَائَهُمَا أَرْخَصُ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ وَهُمَا عَلَى الْخِلَافِ فِي شَرْطِ مَا لَا يُفِيدُ وَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ الشَّرِكَةُ تَنْعَقِدُ بِالْقَوْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ يُونُسَ إنَّهَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ كَالْبَيْعِ، وَلَا رُجُوعَ لِأَحَدِهِمَا فِيهَا كَالْبَيْعِ بِخِلَافِ الْجُعْلِ وَالْقِرَاضِ وَلِعِيَاضٍ نَحْوُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُمْ وَمُرَادُ ابْنِ يُونُسَ وَنَحْوُهُ أَنَّهَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ بِاعْتِبَارِ الضَّمَانِ أَيْ إذَا هَلَكَ شَيْءٌ بَعْدَ الْعَقْدِ يَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْهُمَا خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ إنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِالْخَلْطِ انْتَهَى.
(قُلْت): بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ وَعِيَاضٍ وَصَاحِبِ الْمُعِينِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ يَجُوزُ التَّبَرُّعُ بَعْدَ الْعَقْدِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّهَا تَفْسُدُ إذَا عَقَدَاهَا عَلَى التَّفَاوُتِ فِي الرِّبْحِ، أَوْ الْعَمَلِ، أَوْ التَّسَاوِي فِي ذَلِكَ مَعَ التَّفَاضُلِ فِي رُءُوسِ الْأَمْوَالِ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ صَحَّ عَقْدُ الْمُتَفَاضِلَيْنِ فِي الْمَالِ ثُمَّ تَطَوَّعَ الَّذِي لَهُ الْأَقَلُّ فَعَمِلَ فِي الْجَمِيعِ جَازَ، وَلَا أَجْرَ لَهُ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الشَّرِكَةَ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْ بِالْعَقْدِ لَمَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَطَوَّعَ رَجَاءَ الْبَقَاءِ مَعَهُ وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ فَصَارَ ذَلِكَ غَرَرًا الشَّيْخُ، كَأَنَّهُ نَوْعُ رِشْوَةٍ وَيَقُومُ مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسَلِّفَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ انْتَهَى.
فَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ مِنْ جَوَازِ التَّبَرُّعِ بَعْدَ الْعَقْدِ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَمُقْتَضَاهُ لُزُومُ الْعَقْدِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ قَوْلُهُ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا أَيْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى إذْنِ كُلِّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ عُرْفًا، وَسَوَاءٌ كَانَ لَفْظًا، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فَمِنْ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الشَّرِكَةِ قَوْلُهُمَا اشْتَرَكْنَا إذَا فُهِمَ مِنْهُ مَقْصُودُهُمَا عُرْفًا قَالَ فِي اللُّبَابِ الصِّيغَةُ لَفْظٌ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ يَدُلُّ عَلَى إذْنِ كُلِّ وَاحِدٍ فِي التَّصَرُّفِ لِصَاحِبِهِ، وَيَكْفِي قَوْلُهُمَا: اشْتَرَكْنَا إذَا فُهِمَ الْمَقْصُودُ عُرْفًا انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَمِثْلُ الْفِعْلِ الدَّالِّ لَوْ خَلَطَا مَالَيْهِمَا وَبَاعَا انْتَهَى.
وَاعْتِرَاضُ الْبِسَاطِيِّ عَلَى الْمُؤَلِّفِ كَوْنَهُ لَمْ يَقُلْ لُغَةً، أَوْ عُرْفًا غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (بِذَهَبَيْنِ)
ش: أَرْكَانُ الشَّرِكَةِ أَرْبَعَةٌ الْعَاقِدَانِ وَالصِّيغَةُ وَالْمَحَلُّ فَلَمَّا ذَكَرَ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ أَتْبَعَهَا بِالرَّابِعِ وَهُوَ الْمَحَلُّ وَهُوَ الْمَالُ، أَوْ الْعَمَلُ فَبَدَأَ بِالْمَالِ فَقَالَ: بِذَهَبَيْنِ، أَوْ وَرِقَيْنِ.
ص (اتَّفَقَ صَرْفُهُمَا)
ش: يُرِيدُ وَوَزْنَهُمَا وَيُغْتَفَرُ التَّفَاوُتُ الْيَسِيرُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا قَصْرُ اعْتِبَارِ التَّسَاوِي بَيْنَ النَّقْدَيْنِ فِي الْوَزْنِ، وَالْقِيمَةِ لَا السِّكَّةِ وَيَسِيرُ اخْتِلَافِهِمَا فِي الصَّرْفِ لَغْوٌ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا دَنَانِيرَ هَاشِمِيَّةً وَأَخْرَجَ الْآخَرُ مِثْلَ وَزْنِهَا دَنَانِيرَ دِمَشْقِيَّةً، أَوْ أَخْرَجَ هَذَا دَرَاهِمَ يَزِيدِيَّةً وَالْآخَرُ وَزْنَهَا مُحَمَّدِيَّةً وَصَرْفُهُمَا مُخْتَلِفٌ لَمْ يَجُزْ إلَّا فِي الِاخْتِلَافِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا بَالَ لَهُ فَيَجُوزُ وَهُمَا فِيمَا كَثُرَ كَتَفَاضُلِ الْمَالَيْنِ، وَلَوْ جَعَلَا الرِّبْحَ وَالْعَمَلَ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ فَضْلِ مَا بَيْنَ السِّكَّتَيْنِ لَمْ يَجُزْ إذَا صَرَفَاهُمَا إلَى الْقِيَمِ وَحُكْمُهُمَا الْوَزْنُ فِي الْبَيْعِ وَالشَّرِكَةِ انْتَهَى.
فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَ الصَّرْفُ لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ، وَلَوْ جَعَلَا الرِّبْحَ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ صَرْفِ كُلِّ دِينَارٍ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَصُورَةُ قَدْرِ الْقِيمَةِ أَنْ يُقَالَ: مَا قِيمَةُ الْمُحَمَّدِيَّةِ فَيُقَالُ: عَشَرَةٌ وَمَا قِيمَةُ الْيَزِيدِيَّةِ فَيُقَالُ: خَمْسَةٌ فَيَشْتَرِكَانِ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ فَيُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فَإِنْ نَزَلَ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِثْلَ رَأْسِ مَالِهِ بِعَيْنِهِ فِي سِكَّتِهِ، وَكَانَ الرِّبْحُ بِقَدْرِ وَزْنِ رَأْسِ مَالِهِ لَا عَلَى فَضْلِ مَا بَيْنَ السِّكَّتَيْنِ، وَقَالَهُ مَالِكٌ قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ لَعَلَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ إذَا لَمْ يَخْتَلِفْ سُوقُ السِّكَّتَيْنِ مِنْ يَوْمِ الشَّرِكَةِ إلَى يَوْمِ الْقِسْمَةِ وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَ فَيَظْلِمُ الَّذِي زَادَ سُوقُ سِكَّتِهِ صَاحِبَهُ إذَا أَعْطَاهُ مِثْلَ رَأْسِ مَالِهِ، وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِمَّا دَفَعَ انْتَهَى.
، وَانْظُرْ سَمَاعَ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الشَّرِكَةِ
[ ٥ / ١٢٣ ]
فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَانَتْ السِّكَّتَانِ مُتَّفِقَتَيْ الصَّرْفِ يَوْمَ الشَّرِكَةِ جَازَ فَإِنْ افْتَرَقَا، وَقَدْ حَالَ الصَّرْفُ لَمْ يُنْظَرْ إلَى ذَلِكَ وَيَقْتَسِمَانِ مَا بِأَيْدِيهِمَا عَرْضًا كَانَ، أَوْ طَعَامًا، أَوْ عَيْنًا انْتَهَى.
ص (وَبِعَيْنٍ وَبِعَرْضٍ)
ش: يُرِيدُ: وَلَوْ كَانَ الْعَرْضُ طَعَامًا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَتَجُوزُ الشَّرِكَةُ بِطَعَامٍ وَدَرَاهِمَ، أَوْ بِعَيْنٍ وَعَرْضٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْقِيَمِ، وَبِقَدْرِ ذَلِكَ يَكُونُ الرِّبْحُ وَالْعَمَلُ انْتَهَى.
ص (وَكُلٌّ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ أَحْضَرَ لَا فَاتَ) ش هُوَ رَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ الْعَرْضَيْنِ، وَإِلَى مَسْأَلَةِ الْعَيْنِ، وَالْعَرْضِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَالْمَعْنَى وَكُلُّ مَنْ أَخْرَجَ عَرْضًا فَهُوَ شَرِيكٌ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ أَحْضَرَ، وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ هَذِهِ الْعِبَارَةُ تُوهِمُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْفَاسِدَةِ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْفَوْتِ وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ أَبْيَنُ مِنْهَا إذْ قَالَ فَلَوْ وَقَعَتْ فَاسِدَةً فَرَأْسُ مَالِهِ مَا بِيعَ بِهِ عَرْضُهُ، وَقَالَ الصَّقَلِّيَّانِ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ يُونُس: فَإِنْ لَمْ يَعْرِفَا مَا بِيعَتْ بِهِ سِلْعَتُهُمَا
[ ٥ / ١٢٤ ]
فَلِكُلِّ وَاحِدٍ قِيمَةُ عَرْضِهِ يَوْمَ الْبَيْعِ وَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا بَعِيدٌ انْتَهَى.
وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ خَلَطَا الطَّعَامَيْنِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ بِالطَّعَامِ فَاسِدَةً فَرَأْسُ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مَا بِيعَ بِهِ طَعَامُهُ إذْ هُوَ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يَبِيعَ، وَلَوْ خَلَطَاهُ قَبْلَ الْبَيْعِ جَعَلْتُ رَأْسَ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ قِيمَةَ طَعَامِ كُلِّ وَاحِدٍ يَوْمَ خَلَطَاهُ انْتَهَى.
ص (إنْ خَلَطَا)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْخَلْطَ شَرْطٌ فِي حُصُولِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الرِّبْحِ، وَإِلَى الْخَسَارَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي الضَّمَانِ قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّ الْخَلْطَ شَرْطٌ فِي الِانْعِقَادِ فِي التَّوَى أَيْ الْهَلَاكِ لَا فِي النَّمَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: مَا اشْتَرَاهُ أَحَدُهُمَا بِمَالِهِ قَبْلَ الْخَلْطِ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَمَا ضَاعَ فَهُوَ مِنْ صَاحِبِهِ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي شَرْطِ ثُبُوتِ لَازِمِهَا وَهُوَ ضَمَانُ الْمُشْتَرَكِ مِنْهُمَا بِالْخَلْطِ الْحُكْمِيِّ فَضْلًا عَنْ الْحِسِّيِّ، أَوْ بِالْحِسِّيِّ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ فِيهَا وَالْحُكْمِيُّ كَوْنُ الْمَالَيْنِ فِي حَوْزِ وَاحِدٍ، وَلَوْ عِنْدَ أَحَدِهِمَا انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَهَلْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِالتَّلَفِ فَلَهُ وَعَلَيْهِ، أَوْ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْأَخْذَ لَهُ تَرَدُّدٌ)
ش: الْأَلْيَقُ بِاصْطِلَاحِهِ أَنْ يَقُولَ
[ ٥ / ١٢٥ ]
تَأْوِيلَانِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِمَا عَلَى مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فَإِنْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ بَقِيَتْ كُلُّ صُرَّةٍ بِيَدِ رَبِّهَا حَتَّى ابْتَاعَ بِهَا أَمَةً عَلَى الشَّرِكَةِ وَتَلِفَتْ الصُّرَّةُ الْأُخْرَى وَالْمَالَانِ مُتَّفِقَانِ فَالْأَمَةُ بَيْنَهُمَا وَالصُّرَّةُ مِنْ رَبِّهَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُهُ فَالْأَمَةُ بَيْنَهُمَا يُرِيدُ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ ثَمَنِهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهَا عَلَى الشَّرِكَةِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنْ اشْتَرَى الْأَمَةَ بَعْدَ التَّلَفِ عَالِمًا بِهِ فَشَرِيكُهُ مُخَيَّرٌ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهَا، أَوْ يَدَعَهَا إلَّا أَنْ يَقُولَ إنَّمَا اشْتَرَيْتهَا لِنَفْسِي فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّلَفِ حَتَّى اشْتَرَى فَالْأَمَةُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثُمَّ تَلِفَتْ صُرَّةُ الْأَخِيرِ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَلِابْنِ رُشْدٍ عَكْسُ هَذَا قَالَ إنْ اشْتَرَى بَعْدَ التَّلَفِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُلْزِمَهُ مَا اشْتَرَاهُ، أَوْ يَنْفَرِدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ عَلِمْت تَلَفَهُ لَمْ أَشْتَرِ إلَّا لِنَفْسِي، وَمَا اشْتَرَى بَعْدَ أَنْ عَلِمَ بِتَلَفِ مَا أَخْرَجَهُ صَاحِبُهُ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً اهـ. فَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَهَلْ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِالتَّلَفِ فَلَهُ وَعَلَيْهِ وَاَلَّذِي يُنَاسِبُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى بِالسَّالِمِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَحِلُّهُ مَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّالِفِ، وَأَمَّا إذَا عَلِمَ بِالتَّالِفِ فَهِيَ لَهُ خَاصَّةً إلَّا أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّلَفِ فَالسِّلْعَةُ بَيْنَهُمَا، وَلَا خِيَارَ لِأَحَدِهِمَا وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَعْدَ هَذَا: إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْأَخْذَ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ قُلْت: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ اشْتَرَى لِلشَّرِكَةِ وَلَمْ يَدَّعِ الْأَخْذَ لِنَفْسِهِ فَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ، وَأَنَّهُ بَيْنَهُمَا فَتَأَمَّلْهُ وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، أَوْ مُطْلَقًا هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ إلَّا أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ بَيْنَهُمَا، وَلَا خِيَارَ لِأَحَدِهِمَا سَوَاءٌ اشْتَرَى بَعْدَ الْعِلْمِ بِالتَّلَفِ، أَوْ قَبْلَهُ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى بَعْدَ عِلْمِهِ بِالتَّلَفِ يُخَيِّرُ الشَّرِيكَ الَّذِي تَلِفَتْ صُرَّتُهُ فِي أَنَّهُ يُشَارِكُهُ، أَوْ يَدَعُهَا لَهُ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا يُفْسِدُهَا انْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِشَيْءٍ)
ش: قَالَ الْبِسَاطِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ شَرِكَةَ الْمُفَاوَضَةِ لَا يُفْسِدُهَا أَنْ يُعَيِّنَ كُلٌّ صِنْفًا لِلْآخَرِ يَعْمَلُ فِيهِ، وَيَشْتَرِكَانِ فِي غَيْرِهِمَا فِي الْعَمَلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ إنْ عَمِلَ كُلٌّ فِي مَالٍ لِنَفْسِهِ لَا يُفْسِدُهَا إذَا اسْتَوَيَا فِي عَمَلِ الشَّرِكَةِ، وَالثَّانِي هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَلَا يَبْعُدُ الْأَوَّلُ إذَا كَانَ الْمُنْفَرِدَانِ قَرِيبَيْنِ فَإِنْ قُلْت: ظَاهِرُ قَوْلِهِ أَحَدُهُمَا غَيْرُ الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ قُلْت: يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ كُلًّا انْفَرَدَ لِيُوَافِقَ النَّقْلَ انْتَهَى.
فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ انْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ بِشَيْءٍ وَأَنَّ النَّقْلَ كَذَلِكَ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، أَوْ نَصُّهَا قَالَ فِيهَا: وَيَكُونَانِ مُتَفَاوِضَيْنِ، وَلِأَحَدِهِمَا عَيْنٌ، أَوْ عَرْضٌ دُونَ صَاحِبِهِ، وَلَا يُفْسِدُ ذَلِكَ الْمُعَاوَضَةَ بَيْنَهُمَا انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَا يُفْسِدُهَا عِنْدَنَا وُجُودُ مَالٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَى حِدَتِهِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ انْتَهَى.
فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ إنْ اسْتَأْلَفَ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَخَّرَ أَحَدُهُمَا غَرِيمًا بِدَيْنٍ، أَوْ وَضَعَ لَهُ مِنْهُ نَظَرًا، أَوْ اسْتِئْلَافًا فِي التِّجَارَةِ لِيَشْتَرِيَ مِنْهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ جَازَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ عَلَى الْبَيْعِ إذَا كَانَ مُفَوَّضًا إلَيْهِ وَمَا صَنَعَهُ مُفَوَّضًا إلَيْهِ مِنْ شَرِيكٍ، أَوْ وَكِيلٍ لَمْ يَلْزَمْ وَلَكِنْ يَلْزَمُ الشَّرِيكَ فِي حِصَّتِهِ وَيَرُدُّهُ صَنِيعُ الْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَهْلِكَ مَا صَنَعَ الْوَكِيلُ مِنْ ذَلِكَ، فَيَضْمَنُهُ انْتَهَى.
، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: تَأْخِيرُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ لَا يَجُوزُ وَلِشَرِيكِهِ أَنْ يَرُدَّ التَّأْخِيرَ فِي نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ، وَأَمَّا نَصِيبُ صَاحِبِهِ فَإِنْ كَانَ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِمَا فِي قِسْمَةِ الدَّيْنِ حِينَئِذٍ مَضَى التَّأْخِيرُ فِي نَصِيبِ مَنْ أَخَّرَ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ، وَقَالَ مَنْ أَخَّرَ: لَمْ أَظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ عَلَيَّ شَيْئًا مِنْ الشَّرِكَةِ رَدَّ جَمِيعَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِتَأْخِيرِهِ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَنْ أَخَّرَ فِي ذَلِكَ مَقَالٌ فَإِنْ أَعْسَرَ الْغَرِيمُ بَعْدَ التَّأْخِيرِ ضَمِنَ الشَّرِيكُ لِشَرِيكِهِ نَصِيبَهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ تَأْخِيرُهُ إرَادَةَ الِاسْتِئْلَافِ جَازَ ذَلِكَ عَلَى
[ ٥ / ١٢٦ ]
شَرِيكِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ أَخَّرَ إذَا أَعْسَرَ الْغَرِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَرِيمُ مِمَّنْ يُخْشَى عَدَمُهُ وَالْعَجْزُ عَنْ الْأَدَاءِ فَيَرُدُّ التَّأْخِيرَ وَيُعَجِّلُ جَمِيعَ الْحَقِّ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ حَتَّى أَعْسَرَ ضَمِنَ الشَّرِيكُ إذَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ عَقِبَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ قِيلَ: لَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ لِإِرَادَةِ الِاسْتِئْلَافِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ سَلَفٍ بِزِيَادَةٍ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَلَيْسَ هَذَا دَاخِلًا فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي النَّهْيِ وَلِأَنَّ هَذَا إنَّمَا يَرْجُو بِهِ حُسْنَ الْمُعَامَلَةِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ، وَقَدْ يُعَامِلُهُ هَذَا الْغَرِيمُ، أَوْ لَا يُعَامِلُهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ نَحْوَهُ عَنْ ابْنِ يُونُسَ، وَهَذَا الْكَلَامُ يَشْهَدُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِيمَا قَالَهُ فِي الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا أَخَّرَهُ اسْتِئْلَافًا وَنَصُّهُ: وَمَنَعَ سَحْنُونٌ مِنْ التَّأْخِيرِ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ لِمَنْفَعَةِ الِاسْتِئْلَافِ فَهُوَ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً وَأُجِيبَ بِاخْتِيَارِ الْقِسْمِ الثَّانِي، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهَا مَنْفَعَةٌ غَيْرُ مُحَقَّقَةِ الْحُصُولِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مَنْقُوضٌ بِالْحُرِّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ بِالْأَثْمَانِ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ مَحْمَدَةِ الثَّنَاءِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ رَدُّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى سَحْنُونٍ يُرَدُّ بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِنَفْيِ تَحَقُّقِ الْمَنْفَعَةِ نَفْيَ ظَنِّهَا مُنِعَ، وَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ عِلْمِهَا لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّ الظَّنَّ كَافٍ وَقَوْلُهُ بِجَوَازِهِ فِي الْحُرِّ طَلَبًا لِلثَّنَاءِ مَمْنُوعٌ انْتَهَى.
فَقَوْلُهُ إنَّ الظَّنَّ كَافٍ فِي الْمَنْعِ يَرُدُّهُ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَقَوْلُهُ إنَّهُ فِي الْحُرِّ مَمْنُوعٌ لِطَلَبِ الثَّنَاءِ يَرُدُّهُ أَيْضًا قَوْلُ اللَّخْمِيِّ يَرْجُو بِهِ حُسْنَ الْمُعَامَلَةِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَإِنْ وَضَعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ كَانَ الْجَوَابُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي التَّأْخِيرِ فَلَا يَجُوزُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ ثُمَّ يُنْظَرُ هَلْ يُمْضِي نَصِيبَ الَّذِي وَضَعَ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ يَجُوزُ إنْ أَرَادَ الِاسْتِئْلَافَ إلَّا أَنْ يَكْثُرَ فِيهَا حَطٌّ فَيَرِدُ الزَّائِدَ عَلَى مَا يُرَادُ بِهِ الِاسْتِئْلَافُ انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ مِقْدَارَ التَّبَرُّعِ لِأَجْلِ الِاسْتِئْلَافِ يُرْجَعُ فِيهِ لِلْعَادَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ خَفَّ كَإِعَارَةِ آلَةٍ، أَوْ دَفْعِ كِسْرَةٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَيْسَ لِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنْ يُعِيرَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ إلَّا أَنْ يُوَسِّعَ لَهُ فِي ذَلِكَ شَرِيكُهُ، أَوْ يَكُونَ شَيْئًا خَفِيفًا كَعَارِيَّةِ غُلَامٍ لِيَسْقِيَ دَابَّةً، وَنَحْوَهُ فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِذَلِكَ بَأْسٌ وَالْعَارِيَّةُ مِنْ الْمَعْرُوفِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَفْعَلَهُ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ اسْتِئْلَافَ التِّجَارَةِ، وَإِنْ وَهَبَ أَحَدُهُمَا، أَوْ أَعَانَ عَلَى الْمَعْرُوفِ ضَمِنَ حِصَّةَ شَرِيكِهِ إلَّا أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِلِاسْتِئْلَافِ فَلَا يَضْمَنُ انْتَهَى.
ص (وَيُبْضِعُ وَيُقَارِضُ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلِأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ أَنْ يُبْضِعَ وَيُقَارِضَ دُونَ إذْنِ الْآخَرِ انْتَهَى.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: هَذَا إذَا كَانَ الْمَالُ وَاسِعًا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ عَنْهُمَا لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ نَظَرِهِ إلَّا بِرِضَا شَرِيكِهِ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ بَارَ عَلَيْهِمَا، وَبَلَغَهُ عَنْ بَلَدٍ نَفَاقٌ، وَلَا يَجِدُ إلَى السَّفَرِ بِهِ سَبِيلًا، أَوْ يَبْلُغُهُ عَنْ سِلَعٍ نَفَاقٌ بِبَلَدٍ فَيَبْعَثُ مَا يُشْبِهُ أَنْ يُبْعَثَ بِهِ مِنْ مِثْلِ مَا بِأَيْدِيهِمَا وَمِثْلُ هَذَا يُعْرَفُ عِنْدَ النُّزُولِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ وِفَاقٌ لِلْمُدَوَّنَةِ.
(تَفْرِيعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَبْضَعَ أَحَدُهُمَا مَعَ رَجُلٍ دَنَانِيرَ مِنْ الشَّرِكَةِ ثُمَّ عَلِمَ الرَّجُلُ بِمَوْتِ الَّذِي أَبْضَعَهَا مَعَهُ، أَوْ بِمَوْتِ شَرِيكِهِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا مِنْ الشَّرِكَةِ فَلَا يَشْتَرِي بِهَا شَيْئًا وَلْيَرُدَّهَا عَلَى الْبَاقِي، وَإِنْ بَلَغَهُ افْتِرَاقُهُمَا فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَهُمَا بَعْدُ وَفِي الْمَوْتِ يَقَعُ بَعْضُهُ لِلْوَرَثَةِ وَهُمْ لَمْ يَأْمُرُوهُ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ، وَلَا يَشْتَرِي بِنَصِيبِ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ مُشَاعٌ فِي جَمِيعِ الْمَالِ وَلَيْسَ لِلْمُبْضَعِ مَعَهُ أَنْ يُقَسِّمَ ذَلِكَ انْتَهَى.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَإِنْ عَلِمَ فِي الْمَوْتِ أَنَّ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ الْمُفَاوَضَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ إنْ مَاتَ الْمُبْضِعُ، وَإِنْ مَاتَ مَنْ لَمْ يُبْضِعْ كَانَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ الْمَالَ مِنْ الْمُفَاوَضَةِ، أَوْ مِمَّا يَخُصُّهُ لَمْ يَشْتَرِ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْكَشْفِ بَعْدَ الْوُصُولِ فَقَدْ يَكُونُ مِنْ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ هَذَا الْأَخِيرَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَاللَّخْمِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ هَلْ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ]
(فَرْعٌ) يَجُوزُ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَنُوبُ
[ ٥ / ١٢٧ ]
عَنْهُ قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ: فَصْلٌ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَخْرَجَ مِائَتَيْ دِينَارٍ يُشَارِكُ بِهَا رَجُلًا لَهُ مِائَةُ دِينَارٍ وَكَانَ صَاحِبُ الْمِائَتَيْنِ ضَمَّ غُلَامَيْنِ لَهُ يَعْمَلَانِ عَنْهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا نُقْصَانٌ: إنَّ النَّقْصَ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ، وَلَا يَكُونُ لِلشَّرِيكِ فِي ذَلِكَ أُجْرَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ اعْتَدَلُوا فِي الْأَبْدَانِ قَدْ أَقَامَ صَاحِبُ الْمِائَتَيْنِ رَجُلَيْنِ مَقَامَهُ قَالَ، وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ إذَا كَانَ الْغُلَامَانِ يُحْسِنَانِ الْإِجَارَةَ، وَإِنْ كَانَا يَخْدُمَانِ كَانَ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِي الْمِائَتَيْنِ، وَعَلَى إجَارَةِ الْغُلَامَيْنِ فِيمَا يَنُوبُهُ مِنْ خِدْمَتِهِمَا انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ جَوَازُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْعُتْبِيَّةِ أَيْضًا، وَنَصُّهَا فِي رَسْمِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ مِنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ قِيلَ لِأَشْهَبَ: إنْ اسْتَأْجَرَ رَجُلَانِ أَجِيرَيْنِ فَاشْتَرَكَا فِيمَا يَكْسِبَانِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَأْجِرٌ لِأَجِيرِهِ عَلَى حِدَةٍ قَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ الْأَجِيرَانِ يَعْمَلَانِ جَمِيعًا عَمَلًا وَاحِدًا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَيَدِ مُسْتَأْجِرٍ فَإِذَا تَعَاوَنَ أُجَرَاؤُهُمَا فِي الْعَمَلِ كَانَ كَتَعَاوُنِهِمَا أَنْفُسِهِمَا فِيهِ، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
بِلَفْظِهِ وَإِذَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الْأُجْرَةَ لِشَرِيكِهِ عَلَى أَنْ يَتَوَلَّى الْعَمَلَ جَمِيعَهُ؟ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَيُودِعُ لِعُذْرٍ وَإِلَّا ضَمِنَ)
ش: قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُودِعَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ إلَّا لِعُذْرٍ، وَكَذَلِكَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ الْوَدِيعَةَ اخْتِيَارًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَإِنْ مَاتَ الْمُودِعُ وَلَمْ تُوجَدْ الْوَدِيعَةُ كَانَتْ فِي ذِمَّتِهِ كَانَ شَرِيكًا، أَوْ مُفَاوِضًا انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَأَمَّا إيدَاعُهُ فَإِنْ كَانَ لِوَجْهِ عُذْرٍ لِنُزُولِهِ بَلَدًا يَرَى أَنْ يُودِعَ إذْ مَنْزِلُهُ الْفَنَادِقُ، فَذَلِكَ لَهُ وَأَمَّا إنْ، أَوْدَعَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ ضَمِنَهُ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ فَذَلِكَ لَهُ أَيْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لَهُ لِيَرْفَعَ إيهَامَ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمُسْتَعِيرُ دَابَّةٍ بِلَا إذْنٍ، وَإِنْ لِلشَّرِكَةِ)
ش: يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا اسْتَعَارَ أَحَدُهُمَا مَا حَمَلَ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِمَالِ الشَّرِكَةِ فَتَلِفَ فَضَمَانُهُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ شَرِيكَهُ يَقُولُ كُنْتَ اسْتَأْجَرْتَ لَأَنْ لَا أَضْمَنَ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَضْمَنُ الدَّابَّةَ فِي الْعَارِيَّةِ إلَّا بِالتَّعَدِّي قَالَ أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُ هَذَا أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ تَكَلَّمَ فِي الدَّابَّةِ، وَهَذَا خِلَافُ أَصْلِهِ فِيمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ
[ ٥ / ١٢٨ ]
أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ فِي الْعَارِيَّةِ إلَّا بِالتَّعَدِّي فَذَهَبَ حَمْدِيسٌ إلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إلَّا كَافٍ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ بَعْدَ أَنْ يَتَبَيَّنَ كَوْنُهُ فِي الْحَيَوَانِ فَقَوْلُ الْغَيْرِ تَفْسِيرٌ وَذَكَرَ عَنْ الْقَابِسِيِّ أَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُ إذَا قَضَى بِهِ قَاضٍ يَرَى ذَلِكَ وَهُوَ رَأْيُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَكَانَ الْقَاضِي بِمِصْرَ يَوْمَئِذٍ مِمَّنْ يَرَى ذَلِكَ انْتَهَى.
فَحَاصِلُهُ أَنَّ مَعْنَى اسْتِبْدَادِهِ بِالْخُسْرِ هُنَا أَنَّ الضَّمَانَ عَلَيْهِ، وَالضَّمَانُ إنَّمَا يَكُونُ بِالتَّعَدِّي، أَوْ بِأَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ، أَوْ يَحْكُمَ بِهِ حَاكِمٌ يَرَى ذَلِكَ، وَأَمَّا اسْتِبْدَادُهُ بِالرِّبْحِ هُنَا فَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ، وَانْظُرْ هَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُطَالِبُ شَرِيكَهُ بِمَا يَنُوبُهُ مِنْ كِرَائِهَا، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ فِي ذَلِكَ، فَتَأَمَّلْهُ.
[اسْتَعَارَ أَحَد الشَّرِيكَيْنِ مَا يَحْمِل عَلَيْهِ طَعَام فَحَمَلَ عَلَيْهِ شَرِيكه]
(فَرْعٌ) قَالَ فِيهَا: وَإِنْ اسْتَعَارَهَا أَحَدُهُمَا لِحَمْلِ طَعَامٍ مِنْ الشَّرِكَةِ فَحَمَلَهُ شَرِيكُهُ الْآخَرُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ أَمْرِ شَرِيكِهِ لَمْ يَضْمَنْ إنْ فَعَلَ بِهَا مَا اُسْتُعِيرَتْ لَهُ، وَشَرِيكُهُ كَوَكِيلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إلَّا أَنْ يَعْلَمَ شَرِيكُهُ بِتَعَدِّيهِ فِي الْوَدِيعَةِ)
ش: اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْعِلْمِ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ عَلِمَ شَرِيكُهُ بِالْعَدَاءِ وَرَضِيَ بِالتِّجَارَةِ بِهَا بَيْنَهُمَا فَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا وَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الرِّضَا أَخُصُّ مِنْ الْعِلْمِ، فَتَأَمَّلْهُ.
ص (وَكُلٌّ وَكِيلٌ)
ش: أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ وَكِيلٌ عَنْ الْآخَرِ فَلِذَلِكَ لَا شُفْعَةَ لِأَحَدِهِمَا فِيمَا بَاعَهُ الْآخَرُ قَالَهُ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا بِمَا قِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ فَلَيْسَ لَهُ تَغْلِيظُ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَجِبُ لِكُلٍّ نِصْفُ ذَلِكَ، وَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِمَا بِرُبْعِ دِينَارٍ فَتُغَلَّظُ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ نِصْفُ الْحَقِّ وَهُوَ كَفِيلٌ بِنِصْفِ الَّذِي عَلَى صَاحِبِهِ قَالَهُ فِي كِتَابِ الدَّعَاوَى مِنْ الذَّخِيرَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَيَأْتِي فِي الشُّفْعَةِ فِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَشَفَعَ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِيَتِيمٍ آخَرَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَهُ التَّبَرُّعُ وَالسَّلَفُ وَالْهِبَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ
[ ٥ / ١٢٩ ]
وَابْنِ غَازِيٍّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِجَوَازِ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّهُمَا إذَا عَقَدَاهَا عَلَى شَرْطِ التَّفَاوُتِ تَفْسُدُ مَا نَصُّهُ وَلَوْ صَحَّ عَقْدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ فِي الْمَالِ ثُمَّ تَطَوَّعَ الَّذِي لَهُ الْأَقَلُّ فَعَمِلَ فِي الْجَمِيعِ جَازَ، وَلَا أَجْرَ لَهُ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: وَلَزِمَتْ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا.
ص (وَلِمُقِيمِ بَيِّنَةٍ بِأَخْذِ مِائَةٍ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ إنْ شَهِدَ بِهَا عِنْدَ الْأَخْذِ، أَوْ قَصُرَتْ الْمُدَّةُ) ش يَعْنِي أَنَّ الْقَوْلَ لِمَنْ أَقَامَ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ بَيِّنَةً بِأَنَّ صَاحِبَهُ أَخَذَ مِائَةً أَنَّ الْمِائَةَ بَاقِيَةٌ إنْ شَهِدَ
[ ٥ / ١٣٠ ]
بِهَا عِنْدَ أَخْذِهِ لَهَا سَوَاءٌ طَالَتْ الْمُدَّةُ، أَوْ قَصُرَتْ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهَا عِنْدَ الْأَخْذِ إنْ قَصُرَتْ الْمُدَّةُ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِ، وَالْمَسْأَلَةُ فِي آخِرِ كِتَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فَأَقَامَ صَاحِبُهُ بَيِّنَةً أَنَّ مِائَةَ دِينَارٍ مِنْ الشَّرِكَةِ كَانَتْ عِنْدَ الْمَيِّتِ فَلَمْ تُوجَدْ، وَلَا عَلِمَ مُسْقِطَهَا فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ قَرِيبًا مِنْ أَخْذِهَا فِيمَا يَظُنُّ أَنَّ مِثْلَهُ لَمْ يُشَغِّلْهَا فِي تِجَارَةٍ فَهِيَ فِي حِصَّتِهِ وَمَا تَطَاوَلَ وَقْتُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ أَرَأَيْت لَوْ قَالَتْ الْبَيِّنَةُ: إنَّهُ قَبَضَهَا مُنْذُ سَنَةٍ وَهُمَا يَتَّجِرَانِ أَيَلْزَمُهُ أَيْ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ نَحْوَ هَذَا، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمَوَّازِ قَيَّدَهُ بِمَا نَصَّهُ مُحَمَّدٌ إنْ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَخْذِ الْمِائَةِ شَاهِدَيْنِ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ رَدَّهَا، وَإِنْ طَالَ ذَلِكَ وَأَمَّا إقْرَارُهُ بِغَيْرِ تَعَمُّدِ إشْهَادٍ، وَلَا كِتَابٍ فَكَمَا قَالَ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَسْأَلَةَ الْمُدَوَّنَةِ: وَتَقْيِيدُ مُحَمَّدٍ اُنْظُرْ قَوْلَهُ، وَلَا كِتَابٍ ظَاهِرُهُ إنْ كَانَ بِكِتَابٍ لَمْ يَبْنِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إذَا أَخَذَهَا فَقَدْ وَثَّقَ أَخْذَهَا فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِدَلِيلٍ عَلَى الْبَرَاءَةِ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ: وَتَقْيِيدُ مُحَمَّدٍ وَحَاصِلُهُ أَنَّ كَلَامَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يُشْهِدْ وَأَمَّا إذَا أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَخْذِ الْمِائَةِ فَلَا يَبْرَأُ مِنْهَا إلَّا بِإِشْهَادٍ أَنَّهُ رَدَّهَا طَالَ ذَلِكَ، أَوْ قَصُرَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ مُحَمَّدٍ بِقَوْلِهِ أَشْهَدَ أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ قُصِدَ بِهَا التَّوَثُّقُ كَمَا قَالُوا فِي الْبَيِّنَةِ الَّتِي لَا تُقْبَلُ دَعْوَى الْمُودِعِ مَعَهَا الرَّدَّ هُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِشُهُودٍ يُشْهِدُهُمْ عَلَى دَفْعِ الْوَدِيعَةِ لِلْمُودِعِ وَأَمَّا لَوْ دَفَعَ بِحَضْرَةِ قَوْمٍ وَلَمْ يَقْصِدْ التَّوَثُّقَ بِشَهَادَتِهِمْ فَلَا وَلِأَنَّهُ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَأَمَّا إنْ كَانَ إقْرَارُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إشْهَادٍ فَكَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ انْتَهَى.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنْ أَشْهَدَ بِهَمْزَةٍ فِي أَوَّلِهِ عَلَى أَنَّهُ رُبَاعِيٌّ أَيْ أَشْهَدَ بِهَا قَاصِدًا لِلتَّوَثُّقِ كَمَسْأَلَةِ الْمُودِعِ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ غَازِيٍّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ هُوَ الْإِشْهَادُ بِأَخْذِهَا بِقَصْدِ التَّوَثُّقِ، وَأَنَّ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَوْنُ الْإِشْهَادِ بِكِتَابٍ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَإِذَا حَصَلَ الْإِشْهَادُ الْمَقْصُودُ بِهِ التَّوَثُّقُ فَلَا يَسْقُطُ بِطُولِ الزَّمَانِ، وَلَوْ زَادَ عَلَى عِشْرِينَ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ فَإِنَّهُ سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ إلَّا كَعَشْرٍ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَتْ بِغَيْرِ إشْهَادٍ مَقْصُودٌ بِهِ التَّوَثُّقُ وَأَمَّا مَعَ الْإِشْهَادِ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِدَفْعِهَا فَإِذَا مَاتَ الشَّرِيكُ وَلَمْ يُوصِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَشْهَدَ أَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ وَلَمْ يُوجَدْ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ بِغَيْرِ إشْهَادٍ، أَوْ إشْهَادٍ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّوَثُّقَ فَيَكْفِي فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ بِهَا مُضِيُّ سَنَةٍ وَنَحْوِهَا بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ الشَّرِيكَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ رَدَّهَا بِخِلَافِ الْمُودِعِ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ هَذَا إنَّمَا يُفِيدُ حَيْثُ يَكُونُ الْمَالُ الَّذِي لِلشَّرِكَةِ تَحْتَ يَدِهِ، وَهُوَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ رَدَّ الْبَعْضَ الَّذِي أَخَذَهُ، وَأَمَّا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى ذَلِكَ فَلَا يُفِيدُ، وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مِائَةٍ، أَوْ جَمِيعِ مَالِ الشَّرِكَةِ أَعْنِي إذَا أَشْهَدَ بِأَنَّهُ حَبَسَهُ تَحْتَ يَدِهِ فَإِنْ كَانَ الْإِشْهَادُ مَقْصُودًا مِنْهُ التَّوَثُّقُ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ إلَّا بِإِشْهَادٍ وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ اشْتَرَى جَارِيَةً لِنَفْسِهِ فَلِلْآخَرِ رَدُّهَا)
ش: ذَكَرَ - ﵀ - لِشِرَاءِ الْجَارِيَةِ ثَلَاثَةَ، أَوْجُهٍ كَمَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْأَوَّلُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ لِلْوَطْءِ، أَوْ لِلْخِدْمَةِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فَلِلْآخَرِ رَدُّهَا يَعْنِي أَنَّ لِلشَّرِيكِ الْآخَرِ أَنْ يَرُدَّهَا لِلشَّرِكَةِ وَلَهُ أَنْ يُمْضِيَهَا لَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ، وَقَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَطَأْهَا الْمُشْتَرِي فَإِنْ وَطِئَهَا فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَنْ وَطِئَ أَمَةَ الشَّرِكَةِ وَسَيَأْتِي.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ: فَإِنْ قَالَ لَهُ اشْتَرِ سِلْعَةَ كَذَا لِلشَّرِكَةِ فَفَعَلَ، ثُمَّ جَحَدَ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ خَالِصًا مِنْ مَالِهِ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَمَرَهُ قَالَ: أَرَاهُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا أَمَرَهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ جَحَدَهُ
[ ٥ / ١٣١ ]
دَلِيلٌ هُوَ كَالنَّصِّ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَقَالَ لَمْ أُرِدْ أَنْ أَشْتَرِيَ لَكَ شَيْئًا فَاشْتَرَيْتُهُ لِنَفْسِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَكَانَ مَعَهُ شَرِيكًا شَاءَ، أَوْ أَبَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ: فَإِنْ قَالَ: إنِّي أَشْرَكْتُكَ فِيهِ فُلَانًا وَفُلَانًا عِنْدَ الِاشْتِرَاءِ، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ قَالَ: أَرَى ذَلِكَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا أَمَرَهُ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي قَوْلِهِ إنَّهُ أَشْرَكَ فِيهِ " فُلَانًا وَفُلَانًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَدْخُلُ فِيهِ اللَّذَانِ يَزْعُمُ أَنَّهُ أَشْرَكَهُمَا بِذَلِكَ عَلَى اللَّذَيْنِ أَقَرَّ لَهُمَا إنْ كَانَ أَقَرَّ لَهُمَا بِالنِّصْفِ كَانَ لَهُمَا نِصْفُ مَا فِي يَدَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ فَلَهُمَا الثُّلُثُ مِمَّا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ، أَوْ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَكْثَرُ فَعَلَى هَذَا يَحْسِبُ، وَلَا يُؤْخَذُ مَا فِي يَدَيْهِ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُمَا بِهَذَا الَّذِي فِي يَدَيْهِ، وَاَلَّذِي صَارَ لِصَاحِبِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ: وَلَا يُصَدَّقُ فِي قَوْلِهِ إنَّهُ أَشْرَكَ فِيهِ فُلَانًا وَفُلَانًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَشْرَكَهُمَا فِي ذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَا أَحَقَّ بِالنِّصْفِ وَفِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ قِيلَ: إنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُمَا إلَّا نِصْفُ النِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَشْرَكَهُمَا فِي مَالِهِ، وَمَالِ غَيْرِهِ فَهُوَ يَقُولُ لَهُمَا إنِّي أَشْرَكْتُكُمَا فِي حَقِّي وَحَقِّ غَيْرِي فَلَيْسَ لَكُمَا إلَّا نِصْفُ مَا بِيَدِي وَالثَّانِي أَنَّهُ يَكُونُ لَهُمَا جَمِيعًا النِّصْفُ؛ لِأَنَّهُمَا يَقُولَانِ لَهُ اشْتَرَكْنَا فِي نِصْفِ ذَلِكَ وَلَك نِصْفُهُ وَأَسْلِمْهُ إلَيْنَا، وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي مُخَرَّجٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْحَانُوتِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ بَاعَ أَحَدُهُمَا نِصْفَهُ عَلَى الْإِشَاعَةِ انْتَهَى.
مُخْتَصَرًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إلَّا لِلْوَطْءِ بِإِذْنِهِ)
ش: هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الثَّانِي أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِلْوَطْءِ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّ شَرِيكَهُ أَسْلَفَهُ نِصْفَ ثَمَنِهَا وَأَنَّ رِبْحَهَا لَهُ وَعَلَيْهِ نَقْصُهَا انْتَهَى.
(قُلْتُ:) وَقَوْلُهُ: يَشْتَرِيَهَا لِلْوَطْءِ فِيهِ إجْمَالٌ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ لِلْوَطْءِ، أَوْ غَيْرِهِ وَهَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَأَبُو الْحَسَنِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ عَلَى أَنْ يَضْمَنَهَا إنْ هَلَكَتْ فَلَهُ رِبْحُهَا وَعَلَيْهِ خَسَارَتُهَا، وَهَذَا قَدْ أَسْلَفَ شَرِيكَهُ نِصْفَ ثَمَنِهَا فَلَهُ النَّمَاءُ، وَعَلَيْهِ النُّقْصَانُ انْتَهَى.
وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَاهَا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ لِيَطَأَهَا وَعَلَى أَنَّهَا لِلشَّرِكَةِ بِمَعْنَى أَنَّ الرِّبْحَ وَالْخَسَارَةَ عَلَى الْمَالِ فَنَصَّ اللَّخْمِيُّ عَلَى أَنَّهَا كَالْمُحَلَّلَةِ فَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا رُدَّتْ لِلشَّرِكَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ حَتَّى وَطِئَهَا لَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا مِنْ غَيْرِ خِيَارٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَهَذَا الْوَجْهُ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ اشْتَرَكَا فِي أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ، وَافْتَرَقَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ اشْتَرَاهَا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ وَالثَّانِيَ اشْتَرَاهَا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: إنَّ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا لِوَطْءٍ، أَوْ بِإِذْنِهِ بِجَرِّ اللَّفْظَيْنِ بِالْبَاءِ وَعَطْفِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِأَوْ قَبْلَ قَوْلِهِ: إلَّا لِلْوَطْءِ أَتَمُّ فَائِدَةً حَسْبَمَا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ النُّسْخَةَ تُفِيدُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ لَكِنْ فِي الْأَوَّلِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ وَفِي الثَّانِي بِإِذْنِهِ، وَيُفِيدُ أَنَّ التَّخْيِيرَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَطَأْ.
ص (وَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةً لِلشَّرِكَةِ بِإِذْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَحَمَلَتْ قُوِّمَتْ)
ش: هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الْجَارِيَةَ لِلشَّرِكَةِ ثُمَّ يَطَؤُهَا، وَهَذَا الْوَجْهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ يَطَأَهَا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ فَهَذِهِ مُحَلَّلَةٌ يَلْزَمُ الْوَاطِئَ قِيمَتُهَا حَمَلَتْ، أَوْ لَمْ تَحْمِلْ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ بِإِذْنِهِ، وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ أَيْ قُوِّمَتْ سَوَاءٌ حَمَلَتْ، أَوْ لَمْ تَحْمِلْ وَمِثْلُهُ مَا إذَا اشْتَرَاهَا لِيَطَأَهَا عَلَى أَنَّ رِبْحَهَا وَخُسْرَهَا عَلَى الْمَالِ وَوَطِئَهَا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ اللَّخْمِيِّ، وَالثَّانِي أَنْ يَطَأَ جَارِيَةَ الشَّرِكَةِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، وَتَحْمِلُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَحَمَلَتْ قُوِّمَتْ فَقَوْلُهُ وَحَمَلَتْ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ قَيْدٌ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي.
(تَنْبِيهٌ) هَذَانِ الْوَجْهَانِ، وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي وُجُوبِ الْقِيمَةِ فَهُمَا مُخْتَلِفَانِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَعْدَمَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَحَمَلَتْ الْأَمَةُ لَمْ تُبَعْ وَأُتْبِعَ بِالْقِيمَةِ فِي ذِمَّتِهِ وَأَمَّا إذَا لَمْ تَحْمِلْ فَتُبَاعُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْقِيمَةِ قَالَهُ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْأَمَةِ الْمُحَلَّلَةِ، وَأَمَّا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي فَاَلَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ الشَّرِيكَ مُخَيَّرٌ فَإِنْ شَاءَ تَمَسَّكَ بِنَصِيبِهِ وَأَتْبَعَهُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِنِصْفِ قِيمَتِهَا يَوْمَ حَمَلَتْ وَيُبَاعُ ذَلِكَ النِّصْفُ عَلَى
[ ٥ / ١٣٢ ]
الْوَاطِئِ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ فِيمَا لَزِمَهُ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهَا فَيَأْخُذُهُ الشَّرِيكُ إنْ كَانَ كَفَافًا بِمَا لَزِمَ مِنْ نِصْفِ نَصِيبِ الْوَاطِئِ، وَتَبِعَهُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ دَيْنًا، وَإِنْ نَقَصَتْ مَا بِيعَتْ بِهِ عَنْ نِصْفِ قِيمَتِهَا يَوْمَ حَمَلَتْ أَتْبَعَهُ بِالنُّقْصَانِ مَعَ نِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ، وَلَوْ مَاتَتْ قَبْلَ الْحُكْمِ كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهَا مَعَ نِصْفِ قِيمَةِ وَلَدِهِ قَالَهُ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ، وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ.
ص (وَإِلَّا خُيِّرَ الْآخَرُ فِي إبْقَائِهَا وَتَقْوِيمِهَا)
ش: أَيْ، وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ، وَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ الْوَجْهِ الثَّالِثِ وَهُوَ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةَ الشَّرِكَةِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ وَلَمْ تَحْمِلْ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَقْوَالٍ الْمَشْهُورُ مِنْهَا أَنَّ الشَّرِيكَ الَّذِي لَمْ يَطَأْ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يُقَوِّمَهَا عَلَى الْوَاطِئِ، أَوْ يَتَمَاسَكَ بِحِصَّتِهِ مِنْهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَفِي كِتَابِ الْقَذْفِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِبْرَاءِ: هَذَا قَوْلٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ انْتَهَى.
، وَقَالَ عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ فِي كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ: وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ فَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُفَسَّرُ فِيهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ أَنَّ سَيِّدَهَا بِالْخِيَارِ فِي التَّقْوِيمِ، وَالتَّمَاسُكِ، وَقَدْ جَاءَ لَفْظَانِ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ ظَاهِرُهُمَا خِلَافُ هَذَا انْتَهَى.
وَصَدَّرَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِهَذَا الْقَوْلِ فَعَزَاهُ فِي التَّوْضِيحِ لِغَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَاعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ بِأَنَّ مُقْتَضَى الْمُدَوَّنَةِ إنَّمَا هُوَ التَّخْيِيرُ فِي إبْقَائِهَا عَلَى الشَّرِكَةِ، أَوْ إمْضَائِهَا بِالثَّمَنِ لَا بِالْقِيمَةِ وَكَأَنَّهُ - ﵀ - اعْتَمَدَ مَا حَكَى فِي تَوْضِيحِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ عُلَمَائِنَا أَنَّ الْأَمَةَ الْمُشْتَرَاةَ لِلتِّجَارَةِ ثُمَّ يَطَؤُهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِلتِّجَارَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ وَطْءٍ، ثُمَّ يَطَأَهَا، وَالثَّانِي أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِيَطَأَهَا وَعَلَى أَنَّ الرِّبْحَ وَالْخَسَارَةَ فِيهَا عَلَى الْمَالِ وَهَذِهِ الثَّانِيَةُ هِيَ الَّتِي ذَكَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيهَا الْخِلَافُ وَأَمَّا الْأُولَى فَيُخَيَّرُ شَرِيكُهُ بَيْنَ مُطَالَبَتِهِ بِالْقِيمَةِ، أَوْ تَرْكِهَا بَيْنَهُمَا إنْ لَمْ تَحْمِلْ انْتَهَى.
فَكَأَنَّهُ حَمَلَ مَا فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْقَذْفِ عَلَى الْأُولَى وَمَا فِي الشَّرِكَةِ عَلَى الثَّانِيَةِ وَاَلَّذِي فِي التَّنْبِيهَاتِ وَالْبَيَانِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فِيهِمَا التَّخْيِيرُ بَيْنَ أَنْ يَتَمَاسَكَ بِنَصِيبِهِ، أَوْ يُقَوِّمَهَا عَلَيْهِ، فَتَأَمَّلْهُ وَمَشَى - ﵀ - فِي هَذَا الْكِتَابِ عَلَى الْمَشْهُورِ الْمَعْرُوفِ مِنْ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَعَلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ قَوْلِهِ فِي إبْقَائِهَا، وَتَقْوِيمِهَا بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ مِنْ الْقِيمَةِ، وَيَقَعُ فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ وَمُقَاوَمَتِهَا بِصِيغَةِ الْمُفَاعِلَةِ، وَيَرْجِعُ إلَى الْأَوَّلِ بِتَكَلُّفٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مُقَاوَاتُهَا، وَالْمُقَاوَاةُ الْمُزَايَدَةُ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَا فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ لِمَالِكٍ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِلشَّرِكَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ وَطْءٍ ثُمَّ يَطَأَهَا، أَوْ يَشْتَرِيَهَا لِلْوَطْءِ، وَعَلَى أَنَّ الرِّبْحَ وَالْخَسَارَةَ لِلْمَالِ، وَمِثْلُهُ أَيْضًا مَا إذَا اشْتَرَى الْأَمَةَ لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، وَوَطِئَهَا.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْبَيَانِ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَإِذَا تَمَسَّكَ الشَّرِيكُ بِنَصِيبِهِ وَلَمْ يُقَوِّمْهَا عَلَى شَرِيكِهِ مُنِعَ الشَّرِيكُ مِنْ الْغَيْبَةِ عَلَيْهَا لِئَلَّا يَعُودَ إلَى وَطْئِهَا وَيُعَاقَبَ عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا لَمْ يُعْذَرْ بِجَهْلِهِ إلَّا أَنَّ عُقُوبَتَهُ أَخَفُّ مِنْ عُقُوبَةِ الْعَالِمِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ انْتَهَى.
(قُلْتُ:) هُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ: وَإِذَا وَطِئَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَمَةً بَيْنَهُمَا وَهُوَ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ لَمْ يُحَدَّ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ وَعَلَيْهِ الْأَدَبُ إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ انْتَهَى.
وَفِي كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مِنْ التَّوْضِيحِ: وَيُؤَدَّبُ إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهَالَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ.
ص (وَإِنْ اشْتَرَطَا نَفْيَ الِاسْتِبْدَادِ فَعِنَانٌ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ عِيَاضٌ عِنَانٌ ضَبَطْنَاهُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ وَفِي بَعْضِ كُتُبِ اللُّغَةِ فَتْحُهَا وَلَمْ أَرَهُ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مِنْهُمْ مَنْ يَضْبُطُهَا بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ
[ ٥ / ١٣٣ ]
يَضْبُطُهَا بِالْكَسْرِ انْتَهَى.
وَهِيَ جَائِزَةٌ وَيَلْزَمُ الشَّرْطُ قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَنَصُّ ابْنِ الْحَاجِبِ: فَإِنْ شَرَطَا نَفْيَ الِاسْتِبْدَادِ لَزِمَ، وَتُسَمَّى شَرِكَةُ الْعِنَانِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَعْنِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِ الشَّرِكَةِ فِي حَضْرَةِ صَاحِبِهِ وَمَعَ غَيْبَتِهِ، فَلَوْ شَرَطَ أَنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ، وَمُوَافَقَتِهِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مَعْنَى نَفْيِ الِاسْتِبْدَادِ لَزِمَ الشَّرْطُ وَتُسَمَّى شَرِكَةُ عِنَانٍ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي تَسْمِيَتِهَا بِهَذَا الِاسْمِ حُصُولُ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي نَوْعٍ مِنْ الْمَتَاجِرِ، أَوْ لَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ الشَّرِكَةُ فِي نَوْعٍ مَخْصُوصٍ سَوَاءٌ حَصَلَ ذَلِكَ الشَّرْطُ، أَوْ لَمْ يَحْصُلْ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ الشَّرِكَةُ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ يَعْنِي كَثَوْبٍ وَاحِدٍ، أَوْ دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ وَاخْتُلِفَ فِي الِاشْتِقَاقِ مِمَّاذَا هُوَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَمَّا شَرِكَةُ عِنَانٍ فَلَا نَعْرِفُهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَلَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ يَعْرِفُهُ (قِيلَ) إنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ اسْتِعْمَالُ هَذَا اللَّفْظِ بِبَلَدِهِمْ (قُلْتُ:) وَقَدْ عَلَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْحُكْمَ عَلَى شَرِكَةِ الْعِنَانِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ لَكِنَّهُ لَمْ يُفَسِّرْهَا اهـ.
ص (وَجَازَ لِذِي طَيْرٍ وَذِي طَيْرَةٍ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الشَّرِكَةِ فِي الْفِرَاخِ)
ش: قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: وَسُئِلَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشُّورَى عَنْ الرَّجُلِ يَجْعَلُ دِيكًا، وَيَجْعَلُ الْآخَرُ دَجَاجَةً، وَيَشْتَرِكَانِ فِي الْفَلَالِيسِ فَقَالَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَعَاوَنَانِ عَلَى الْحَضَانَةِ قَالَ فَإِنْ جَعَلَ أَحَدُهُمَا حَمَامَةً أُنْثَى وَالْآخَرُ ذَكَرًا جَازَتْ الشَّرِكَةُ؛ لِأَنَّهُمَا يَتَعَاوَنَانِ عَلَى الْحَضَانَةِ انْتَهَى.
، وَانْظُرْ الْبُرْزُلِيَّ فِي الشَّرِكَةِ.
ص (إنْ لَمْ يَقُلْ وَأَنَا أَبِيعُهَا لَك)
ش: فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ وَعُثِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ النَّقْدِ أُمِرَ كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يَنْقُدَ حِصَّتَهُ وَيَتَوَلَّى بَيْعَهَا، وَإِنْ عُثِرَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ النَّقْدِ أُمِرَ الْمَنْقُودُ عَنْهُ أَنْ يَدْفَعَ مَا نَقَدَهُ عَنْهُ مُعَجَّلًا، وَلَوْ شَرَطَ تَأْجِيلَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ بَيْعُ حَظِّ الْمُسَلِّفِ إلَّا أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِئْجَارًا صَحِيحًا فَإِنْ كَانَ قَدْ بَاعَ فَلَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ.
ص (وَإِنْ أَسْلَفَ غَيْرَ الْمُشْتَرِي جَازَ إلَّا لِكَبَصِيرَةِ الْمُشْتَرِي)
ش: أَيْ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ سَلَفًا بِمَنْفَعَةٍ قَالَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ الْبَيَانِ: مَسْأَلَةٌ قَالَ سَحْنُونٌ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ دَعَا أَخًا لَهُ إلَى أَنْ يُسَلِّفَهُ ذَهَبًا وَيُخْرِجَ مِثْلَهَا وَيُشَارِكَهُ فِيهَا وَيَتَّجِرَانِ جَمِيعًا بِهَا فِي مَوْضِعِهِمَا، أَوْ يُسَافِرَانِ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ، وَالْمَعْرُوفِ مِنْهُ إلَى أَخِيهِ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي شَيْءٍ إلَّا الرِّفْقَ بِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَأَمَّا إنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي بَصَرٍ فِي الْبَيْعِ وَالِاشْتِرَاءِ، أَوْ إنْفَاذِهِ فِي التِّجَارَةِ وَلِعَمَلِهِ وَنَحْوِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ بَعْدَ ذَلِكَ: لَا خَيْرَ فِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَتَفْسِيرُهُ الْأَوَّلُ هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ: إذَا كَانَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ، وَالْمَعْرُوفِ مِنْهُ إلَيْهِ، وَلَا حَاجَةَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الرِّفْقَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لِارْتِفَاقِهِ بِمُشَارَكَتِهِ إيَّاهُ فِي وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ كَانَ سَلَفًا جَرَّ مَنْفَعَةً، وَقَدْ نَهَى - ﷺ - عَنْ سَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا، وَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إذَا قَصَدَ بِهِ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا
[ ٥ / ١٣٤ ]
الْخِلَافُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ فَمَرَّةً رَأَى مَالِكٌ النِّيَّةَ فِي ذَلِكَ مُحْتَمَلَةً فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَصَدَّقَهُ فِيهَا وَمَرَّةً رَآهَا بَعِيدَةً، وَالْأَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ قَصَدَ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ بِدَلِيلِ سُؤَالِهِ إيَّاهُ الشَّرِكَةَ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ الشَّرِيكُ هُوَ الَّذِي سَأَلَهُ أَنْ يُسَلِّفَهُ وَيُشَارِكَهُ لَوَجَبَ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ نِيَّتِهِ فِي ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا يُؤْمَرُ بِهِ ابْتِدَاءً، وَيُنْهَى عَنْهُ، وَأَمَّا إذَا وَقَعَ ذَلِكَ، وَادَّعَى أَنَّهُ قَصَدَ بِسَلَفِهِ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ لِيَأْخُذَ سَلَفَهُ مُعَجَّلًا إنْ كَانَ ضَرَبَ لَهُ أَجَلًا، أَوْ قِيمَتَهُ إنْ كَانَ عَرْضًا وَفَاتَ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُسْأَلُ عَنْ نِيَّتِهِ ابْتِدَاءً لَا يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَنْ نِيَّتِهِ ابْتِدَاءً، وَيُنْهَى عَنْ الْفِعْلِ يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَأْخُذُ سَلَفَهُ مُعَجَّلًا انْتَهَى.
فَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ حَتَّى فَاتَتْ الشَّرِكَةُ، وَعَمِلَا فَلِلْمُقْرِضِ رِبْحُ الْمِائَةِ الْقَرْضِ، وَإِنْ كَانَ الْمُقْتَرِضُ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ الِانْفِرَادَ فِي الْعَمَلِ فَلَهُ رِبْحُ الْمِائَةِ الْقَرْضِ، وَلَهُ أُجْرَةُ عَمَلِهِ فِي مِائَةِ صَاحِبِهِ هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْفِقْهُ.
فَتَأَمَّلْهُ، وَقَالَ إثْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي مَالٍ لَهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ فِيهِ لِأَحَدِهِمَا مِائَةٌ، وَلِلْآخَرِ خَمْسُونَ ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْمِائَةِ دَعَا صَاحِبَ الْخَمْسِينَ إلَى أَنْ يُسَلِّفَهُ نِصْفَ الْخَمْسِينَ الَّتِي يَفْضُلُهُ بِهَا حَتَّى يَسْتَوِيَا فِي الشَّرِكَةِ قَالَ: إذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ شَرْطِ الْمُشَارَكَةِ، وَلَا لِحَاجَةٍ مِنْ الْمُسَلِّفِ الَّذِي أَسْلَفَهُ فِي بَصَرٍ، وَلَا عَلَى شَيْءٍ إلَّا الرِّفْقَ بِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي أَصْلِ الشَّرِكَةِ فَلَا يَجُوزُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي أَصْلِهَا وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ لِي مِائَةُ دِينَارٍ فَأَنَا أُسْلِفُك مِنْهَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ عَلَى أَنْ تُشَارِكَنِي بِأَنْ أُخْرِجُ أَنَا بِالْخَمْسَةِ وَالسَّبْعِينَ الْبَاقِيَةِ لِي وَتُخْرِجُ أَنْتَ مِثْلَهَا بِالْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي أَسْلَفْتُك فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُسَلِّفَ قَصَدَ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ فَكَانَ ذَلِكَ سَلَفًا جَرَّ مَنْفَعَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ عَقَدَ الشَّرِكَةَ مَعَهُ عَلَى أَنْ يُخْرِجَ هَذَا مِائَةً، وَهَذَا خَمْسِينَ يَشْتَرِكَانِ فِيهَا عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ لَمَا جَازَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ الَّتِي لَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ أَنْ يَقُولَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ، أَوْ بَعْدَهُ إذَا قَالَهُ عَلَى وَجْهِ غَيْرِ الشَّرْطِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ تَعَالَ أُسْلِفُكَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ فَتُضِيفُهَا إلَى الْخَمْسِينَ الَّتِي لَك فَأُخْرِجُ أَنَا خَمْسَةً وَسَبْعِينَ مِثْلَهَا فَنَشْتَرِكُ فِيهَا، أَوْ يَقُولَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ عَقَدَ الشَّرِكَةَ مَعَهُ عَلَى أَنْ يُخْرِجَ هُوَ مِائَتَهُ، وَهَذَا خَمْسِينُهُ فَيَشْتَرِكَانِ فِيهَا عَلَى الثُّلُثِ، وَالثُّلُثَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ ابْتِدَاءً كَانَ الْأَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ قَصَدَ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ فَصُدِّقَ فِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ إنْ ادَّعَاهُ حَسْبَمَا مَضَى فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا، وَإِذَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ إذْ قَدْ رَضِيَ بِشَرِكَتِهِ فَأَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِكُ هُوَ الَّذِي سَأَلَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ عَقَدَ الشَّرِكَةَ، وَاشْتَرَيَا بِهَا عُرُوضًا لِلتِّجَارَةِ عَلَى الثُّلُثِ، وَالثُّلُثَيْنِ مَبْلَغُ رُءُوسِ أَمْوَالِهِمَا لَكَانَ ذَلِكَ بَيْعًا جَائِزًا، أَوْ إنْ سَمَّيَاهُ سَلَفًا؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مِنْهُ سُدُسَ الْعُرُوضِ بِالْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّيَاهُ سَلَفًا انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَغَيْرُهُ حَاضِرٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ مِنْ تُجَّارِهِ) ش يُرِيدُ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِيهِ لِنَفْسِهِ
[ ٥ / ١٣٥ ]
فَقَطْ.
فَإِنْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ حَضَرَهُ دُخُولٌ مَعَهُ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ (قُلْتُ:) وَالْمُرَادُ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ لِتُجَّارِ تِلْكَ السِّلْعَةِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ مُشَارَكَتَهُ كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّهُمْ يُشَارِكُونَهُ قَالَ مَا نَصُّهُ مَا لَمْ يُبَيِّنْ مُتَوَلِّي الشِّرَاءِ أَنَّهُ لَا يُشَارِكُ مِنْهُمْ أَحَدًا وَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ زَادَ، فَإِذَا بَيَّنَ لَهُمْ هَكَذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ حَضَرَ دُخُولٌ مَعَهُ انْتَهَى. وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ.
ص (وَهَلْ وَفِي الزُّقَاقِ لَا كَبَيْتِهِ قَوْلَانِ)
ش: صَدَّرَ فِي الشَّامِلِ بِأَنَّهُمْ لَا يُشَارِكُونَهُ إذَا اشْتَرَى فِي الزُّقَاقِ وَعَطَفَ الْقَوْلَ بِالشَّرِكَةِ فِيهِ بِقِيلِ.
ص (إنْ اتَّحَدَا، أَوْ تَلَازَمَا)
ش: يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالتَّلَازُمِ أَنْ يَكُونَ صَنْعَةُ أَحَدِهِمَا لَا تُنْفَقُ إلَّا بِنَفَاقِ الْأُخْرَى
[ ٥ / ١٣٦ ]
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي النُّكَتِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ إنَّمَا لَا تَجُوزُ شَرِكَةُ ذَوِي صَنْعَتَيْنِ مَتَى كَانَا يَعْمَلَانِ بِأَيْدِيهِمَا، فَأَمَّا إنْ كَانَا يَتَّجِرَانِ فِي صَنْعَتَيْنِ بِأَمْوَالِهِمَا فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ رَأَيْت لِأَشْهَبَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُخْرِجَا مَالًا مُتَسَاوِيًا عَلَى أَنْ يَقْعُدَ هَذَا بَزَّازًا، وَهَذَا قَطَّانًا انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي جَوَازِ إخْرَاجِ كُلٍّ آلَةً وَاسْتِئْجَارِهِ مِنْ الْآخَرِ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ مِلْكٍ، أَوْ كِرَاءٍ تَأْوِيلَانِ)
ش: ذَكَرَ - ﵀ - مَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى مِنْهُمَا هَلْ يَكْفِي فِي الشَّرِكَةِ أَنْ يُخْرِجَ كُلٌّ مِنْهُمَا آلَةً مُسَاوِيَةً لِآلَةِ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَتُؤَوَّلُ الْمُدَوَّنَةُ عَلَيْهِ، أَوْ لَا بُدَّ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الْآلَةِ بِمِلْكٍ، أَوْ كِرَاءٍ، وَلَوْ بِأَنْ يَكْتَرِيَ مِنْ شَرِيكِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ بَلْ صَرِيحُهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ الرَّحَى وَالْبَيْتِ، وَالدَّابَّةِ لَكِنَّهُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ وَقَعَ مَضَى، وَصَحَّتْ الشَّرِكَةُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ كَذِي رَحًى وَذِي بَيْتٍ وَذِي دَابَّةٍ وَعَلَى كِلَا التَّأْوِيلَيْنِ فَذَلِكَ لَا يُفْسِدُ الشَّرِكَةَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ الثَّانِيَةُ هَلْ يَكْفِي فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الْآلَةِ أَنْ تَكُونَ لِأَحَدِهِمَا، وَيَسْتَأْجِرُ الْآخَرُ مِنْهُ نِصْفَهَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: هُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ التَّسَاوِي فِي الْمِلْكِ وَالْكِرَاءِ مِنْ غَيْرِهِمَا وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ (قُلْتُ:) كَلَامُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ تَطَوُّعِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بِكَثِيرِ الْآلَةِ وَفِي مَسْأَلَةِ صَاحِبِ الْبَيْتِ، وَالرَّحَى صَرِيحٌ فِي الْأَوَّلِ، وَسَيَأْتِيَانِ فَفِي تَسْوِيَةِ الْمُصَنِّفِ بَيْنَ التَّأْوِيلَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا فِيمَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْآلَةِ الَّتِي لَهَا قِيمَةٌ وَأَمَّا مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى الْآلَةِ، أَوْ يَحْتَاجُ إلَى آلَةٍ لَا قَدْرَ لَهَا كَالْخِيَاطَةِ فَلَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ اُنْظُرْ التَّوْضِيحِ.
ص (وَصَائِدَيْنِ فِي الْبَازَيْنِ وَهَلْ، وَإِنْ افْتَرَقَا رُوِيَتْ عَلَيْهِمَا)
ش: مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي شَرِكَةِ
[ ٥ / ١٣٧ ]
الصَّائِدَيْنِ مِنْ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْبَازَيْنِ ثُمَّ هَلْ تَجُوزُ، وَإِنْ افْتَرَقَا، أَوْ لَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا؟ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ رُوِيَتْ الْمُدَوَّنَةُ عَلَيْهِمَا، وَقَدْ يَتَبَادَرُ هَذَا إلَى الْفَهْمِ مِنْ كَلَامِهِ فِي التَّنْبِيهَاتِ لَكِنْ إذَا تَأَمَّلْتَهُ وَجَدْتَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُدَوَّنَةِ رُوِيَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الْبَازَيْنِ، وَأَنْ لَا يَفْتَرِقَا بَلْ يَكُونُ طَلَبُهُمَا وَاحِدًا، وَالثَّانِي أَنَّ الشَّرْطَ أَحَدُ شَيْئَيْنِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الْبَازَيْنِ فَتَجُوزُ الشَّرِكَةُ، وَإِنْ افْتَرَقَا، أَوْ يَجْتَمِعَا فِي الطَّلَبِ فَتَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِكَا فِي رِقَابِ الْبَازَيْنِ وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَا عَلَى أَنْ يَصِيدَا بِبَازَيْهِمَا، أَوْ كَلْبَيْهِمَا إلَّا أَنْ يَمْلِكَا رِقَابَهُمَا، أَوْ يَكُونَ الْبَازَانِ، أَوْ الْكَلْبَانِ طَلَبُهُمَا وَاحِدٌ لَا يَفْتَرِقَانِ قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: كَذَا فِي رِوَايَتِي عَنْ شُيُوخِي يَعْنِي بِأَوْ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَيَكُونُ الْبَازَانِ فَعَلَى هَذَا لَا يَفْتَرِقُ الصَّائِدَانِ، وَإِنْ اشْتَرَكَا فِيهِمَا كَالصَّانِعَيْنِ وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ، أَوْ فَاسْتَدَلَّ مِنْهُ الْأَشْيَاخُ عَلَى الِاشْتِرَاكِ إذَا حَصَلَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَلْزَمْ اجْتِمَاعُهُمَا، وَجَازَ الِافْتِرَاقُ، وَيُسْتَدَلُّ مِنْهُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ التَّسَاوِي فِي الْآلَةِ يَجُوزُ مَعَ الِاشْتِرَاكِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِكَا فِيهَا انْتَهَى.
بِالْمَعْنَى، فَآخِرُ كَلَامِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ كَافٍ، فَتَأَمَّلْهُ وَنَصَّ اللَّخْمِيُّ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ كَافٍ فَقَالَ: إنْ كَانَتْ الْبُزَاةُ، أَوْ الْكِلَابُ مُشْتَرَكَةً جَازَ، وَإِنْ افْتَرَقَا فِي الِاصْطِيَادِ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا فِي الْبُزَاةِ وَالْكِلَابِ جَازَتْ الشَّرِكَةُ إذَا كَانَ الصَّيْدُ بِهِمَا مَعًا يَتَعَاوَنَانِ، وَلَا يَفْتَرِقَانِ فَيَكُونُ مَضْمُونُ الشَّرِكَةِ عَمَلًا بِعَمَلٍ، وَلَا يَجُوزُ إذَا افْتَرَقَا انْتَهَى.
فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَصَائِدَيْنِ وَهَلْ، وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي الْبَازَيْنِ: وَلَمْ يَفْتَرِقَا، أَوْ أَحَدُهُمَا كَافٍ رُوِيَتْ عَلَيْهِمَا لَكَانَ مُوَفِّيًا بِالرِّوَايَتَيْنِ، وَعَلَى رِوَايَةِ أَوْ اخْتَصَرَهَا ابْنُ يُونُسَ وَأَبُو سَعِيدٍ وَغَيْرُهُمَا ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَوْلًا كَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ التُّونُسِيُّ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَازٍ وَلِلْآخَرِ كَلْبٌ وَكَانَا يَتَعَاوَنَانِ فِي الصَّيْدِ لَجَازَ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَمْ يَسْتَحِقَّ وَارِثُهُ بَقِيَّتَهُ، وَأَقْطَعَهُ الْإِمَامُ وَقُيِّدَ بِمَا لَمْ يَبْدُ)
ش: قَوْلُهُ بَقِيَّتُهُ أَيْ بَقِيَّةُ الْمَعْدِنِ، وَقَوْلُهُ: وَقُيِّدَ بِمَا لَمْ يَبْدُ أَيْ وَقُيِّدَ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا فِيمَا لَمْ يَبْدُ مِنْ النَّيْلِ، وَأَمَّا مَا بَدَا فَلِوَرَثَتِهِ، وَالْمُقَيِّدُ بِذَلِكَ الْقَابِسِيُّ وَلَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى اخْتِصَارِ ابْنِ يُونُسَ: وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا بَعْدَ إدْرَاكِهِ النَّيْلَ لَمْ يُوَرَّثْ حَظُّهُ مِنْ الْمَعْدِنِ وَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يَقْطَعَهُ لِمَنْ رَأَى، وَيَنْظُرَ فِي ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.
قَالَ فِي النُّكَتِ: ذَكَرَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ عَنْ الشَّيْخِ الْقَابِسِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَدْرَكَا نَيْلًا أَنَّهُمَا أَخْرَجَاهُ وَاقْتَسَمَاهُ، فَلَيْسَ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ التَّمَادِي عَلَى الْعَمَلِ فِي الْمَعْدِنِ عَلَى سَبِيلِ الْمَعْدِنِ إلَّا بِقَطِيعَةٍ مِنْ الْإِمَامِ يَقْطَعُهُ لَهُمْ، أَوْ لِغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يُخْرِجَا شَيْئًا انْتَهَى.
فَمَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَمْ يَسْتَحِقَّ وَارِثُهُ بَقِيَّتَهُ يُرِيدُ بِهِ الْأَنْيَالَ الَّتِي لَمْ تَبْدُ وَأَمَّا النَّيْلُ الَّذِي بَدَا، أَوْ عَمِلَ فِيهِ وَقَارَبَ أَنْ يَبْدُوَ فَلِوَرَثَتِهِ، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَزِمَهُ مَا يَقْبَلُهُ صَاحِبُهُ وَضَمَانُهُ، وَإِنْ تَفَاصَلَا)
ش: يَعْنِي أَنَّ أَحَدَ شَرِيكَيْ الْعَمَلِ إذَا قَبِلَا شَيْئًا لِيَعْمَلَا فِيهِ لَزِمَ شَرِيكَهُ الْآخَرَ أَنْ يَعْمَلَهُ مَعَهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْقِدَا مَعًا، وَيَلْزَمُ أَحَدَهُمَا الضَّمَانُ فِيمَا أَخَذَهُ صَاحِبُهُ، وَلَوْ افْتَرَقَا كَمَا لَوْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا شَيْئًا لِيَعْمَلَا فِيهِ فَتَلِفَ ثُمَّ تَفَرَّقَا فَجَاءَ صَاحِبُهُ يَطْلُبُ بِهِ الَّذِي دَفَعَهُ لَهُ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا مَعًا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَا يَقْبَلُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلصَّنْعَةِ لَزِمَ الْآخَرَ عَمَلُهُ، وَضَمَانُهُ يُؤْخَذُ بِذَلِكَ، وَإِنْ افْتَرَقَا.
ص (وَأُلْغِيَ مَرَضٌ كَيَوْمَيْنِ وَغَيْبَتُهُمَا لَا إنْ كَثُرَ)
ش: يَعْنِي أَنَّ شَرِيكَيْ الْعَمَلِ إذَا مَرِضَ أَحَدُهُمَا يَوْمًا، أَوْ يَوْمَيْنِ، أَوْ غَابَ يَوْمًا، أَوْ يَوْمَيْنِ وَعَمِلَ صَاحِبُهُ فِي الْيَوْمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَالْعَمَلُ بَيْنَهُمَا وَيُلْغَى مَرَضُ الْيَوْمَيْنِ وَغَيْبَتُهُمَا، وَأَمَّا مَا كَثُرَ فَلَا يُلْغَى وَهُوَ يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا مَرِضَ أَحَدُ شَرِيكَيْ الصَّنْعَةِ، أَوْ غَابَ يَوْمًا، أَوْ يَوْمَيْنِ، فَعَمِلَ صَاحِبُهُ فَالْعَمَلُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ جَائِزٌ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ إلَّا
[ ٥ / ١٣٨ ]
مَا تَفَاحَشَ مِنْ ذَلِكَ وَطَالَ فَإِنَّ لِلْعَامِلِ إنْ أَحَبَّ أَنْ يُعْطِيَ لِصَاحِبِهِ نِصْفَ مَا عَمِلَ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَعْقِدَا فِي أَصْلِ الشَّرِكَةِ أَنَّ مَنْ مَرِضَ مِنْهُمَا، أَوْ غَابَ غَيْبَةً بَعِيدَةً فَمَا عَمَل الْآخَرُ بَيْنَهُمَا انْتَهَى.
فَاخْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ مُطَابِقٌ لِلْمُدَوَّنَةِ إلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَنْبِيهَاتٍ (الْأَوَّلُ) أَنَّ الْمُؤَلِّفَ قَالَ: كَيَوْمَيْنِ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مَا قَارَبَ الْيَوْمَيْنِ لَهُ حُكْمُهُمَا، وَاقْتَصَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى ذِكْرِ الْيَوْمَيْنِ وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ اعْتَمَدَ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ فِي الشِّقِّ الثَّانِي إلَّا مَا تَفَاحَشَ مِنْ ذَلِكَ وَطَالَ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ وَكَأَنَّهُ أَحَالَ عَلَى الْعُرْفِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّدِّ عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مَا بَاعَهُ صَاحِبُهُ فِي غَيْبَةِ الْبَائِعِ أَنَّهُ يُفَرَّقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، وَأَنَّ الْقُرْبَ الْيَوْمَانِ، وَالثَّلَاثَةُ وَالْبُعْدَ الْعَشَرَةُ قَالَ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْوَسَائِطِ يُرَدُّ مَا قَارَبَ الْقُرْبَ إلَى الْقُرْبِ وَمَا قَارَبَ الْبُعْدَ إلَى الْبُعْدِ انْتَهَى.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مَا شَابَهُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ الْأَبْوَابِ (الثَّانِي) الضَّمِيرُ فِي غَيْبَتِهِمَا رَاجِعٌ إلَى الْيَوْمَيْنِ وَتَحَيَّرَ الشَّارِحُ فِي ذَلِكَ فِي الْكَبِيرِ وَرَدَّهُ إلَى الشَّرِيكَيْنِ، وَتَكَلَّفَ لَهُ بِأَنَّ فِيهِ تَجَوُّزًا وَأَنَّ الْمُرَادَ غَيْبَةُ أَحَدِهِمَا، وَإِنَّمَا قَالَ غَيْبَتُهُمَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْغَيْبَةَ لَوْ حَصَلَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا ثُمَّ حَصَلَتْ مِنْ الْآخَرِ لَمْ تُغْتَفَرْ فَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ اُغْتُفِرَ ذَلِكَ مَعَ غَيْبَتِهِمَا فَلَأَنْ يُغْتَفَرَ مَعَ غَيْبَةِ أَحَدِهِمَا مِنْ بَابِ، أَوْلَى وَالصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ شَامِلٌ لِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) لَمْ يُفْهَمْ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا إنْ كَثُرَ كَيْفَ يُعْمَلُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُلْغَى، وَاقْتَصَرَ الْبِسَاطِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَكَلَامُ الشَّارِحِ يُوهِمُ أَنَّ الْعَامِلَ يَخْتَصُّ بِأُجْرَةِ ذَلِكَ قَالَ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: أَيْ فَإِنْ كَثُرَ اخْتَصَّ بِهِ الْعَامِلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ كَلَامُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ اللَّخْمِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأُجْرَةَ بَيْنَهُمَا وَلِلْعَامِلِ عَلَى الْمَرِيضِ أَجْرُ عَمَلِهِ قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ وَإِذَا عَقَدَ الشَّرِيكَانِ الْإِجَارَةَ عَلَى عَمَلٍ ثُمَّ مَرِضَ أَحَدُهُمَا، أَوْ غَابَ، أَوْ مَاتَ كَانَ عَلَى الْآخَرِ أَنْ يُوفِيَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الشَّرِكَةُ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ مَضْمُونٌ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ عَلَى أَعْيَانِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا عَلَى ذَلِكَ يَشْتَرِكَانِ، وَعَلَيْهِ يَدْخُلُ الَّذِي يَسْتَأْجِرُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مُتَفَاوِضَانِ فَلَزِمَ أَحَدَهُمَا مَا لَزِمَ الْآخَرَ، وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِي الصِّحَّةِ ثُمَّ مَرِضَ أَحَدُهُمَا مَرَضًا خَفِيفًا، أَوْ طَوِيلًا، أَوْ غَابَ أَحَدُهُمَا إلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ، أَوْ بَعِيدٍ كَانَ عَلَى الصَّحِيحِ الْحَاضِرِ الْقِيَامُ بِجَمِيعِ الْعَمَلِ، وَكَذَلِكَ إذَا عَقَدَ الْإِجَارَةَ عَلَى شَيْءٍ فِي أَوَّلِ الْمَرَضِ ثُمَّ بَرِئَ عَنْ قُرْبٍ، أَوْ بُعْدٍ، أَوْ فِي سَفَرِ أَحَدِهِمَا إلَى قُرْبٍ مِنْ الْمَكَانِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ قُرْبٍ، أَوْ بُعْدٍ إنْ بَعُدَ فَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ فَإِنَّ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْحَاضِرِ الْقِيَامَ بِجَمِيعِ الْعَمَلِ هَذَا فِي حَقِّ الَّذِي لَهُ الْعَمَلُ، وَكَذَلِكَ فِي الْمُسَمَّى الَّذِي عَقَدَا عَلَيْهِ هُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَيَفْتَرِقُ الْجَوَابُ فِي رُجُوعِ الَّذِي عَمِلَ عَلَى صَاحِبِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ الْخَفِيفُ، وَالسَّفَرُ الْقَرِيبُ لَمْ يَرْجِعْ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ الْعَفْوُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، وَلَوْلَا الْعَادَةُ لَرَجَعَ، فَإِنْ طَالَ الْمَرَضُ، أَوْ السَّفَرُ رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِإِجَارَةِ الْمِثْلِ انْتَهَى.
وَيَكُونُ رِبْحُ الْعَمَلِ بَيْنَهُمَا، وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ فِي ذَخِيرَتِهِ وَقَبِلَهُ، وَكَذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ، وَنَحْوُهُ لِلرَّجْرَاجِيِّ وَنَصُّهُ: وَأَمَّا الْبَدَنِيَّةُ فَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ يَسِيرًا مِمَّا الْغَالِبُ فِيهِ التَّسَامُحُ فَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا، وَلَا شَيْءَ لِلْمُعَافَى عَلَى الْمَئُوفِ فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَهَلْ يَكُونُ الْمُعَافَى مُتَطَوِّعًا أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ لَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَالثَّانِي لَا يَكُونُ مُتَطَوِّعًا لَهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَعَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا، وَيُطَالِبُهُ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ انْتَهَى.
وَأَطْلَقَ الرِّبْحَ عَلَى الْأُجْرَةِ، وَيَعْنِي بِالْمَئُوفِ الْمَرِيضَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) اُنْظُرْ هَلْ يُلْغَى مِنْ الْكَثْرَةِ يَوْمَانِ قَالَ الْبِسَاطِيُّ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُلْغَى مِنْهُ شَيْءٌ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَيَأْتِي الْخِلَافُ فِيهِ فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا (الْخَامِسُ) عُلِمَ مِنْ قَوْلِ اللَّخْمِيِّ فِي كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ حَيْثُ قَالَ: ثُمَّ مَرِضَ أَحَدُهُمَا، أَوْ مَاتَ، أَوْ غَابَ أَنَّ
[ ٥ / ١٣٩ ]
الْمَوْتَ كَالْغَيْبَةِ وَالْمَرَضِ، وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ عَمِلَ بَعْدَ مَوْتِهِ يَوْمًا، أَوْ يَوْمَيْنِ أُلْغِيَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَثُرَ لَمْ يُلْغَ كَمَا تَقَدَّمَ (السَّادِسُ) عُلِمَ أَيْضًا مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا أَخَذَا الشَّيْءَ الَّذِي يَعْمَلَانِ فِيهِ فِي الصِّحَّةِ، أَوْ بَعْدَ مَرَضِ أَحَدِهِمَا، أَوْ سَفَرِهِ وَهُوَ جَارٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَا أَخَذَ أَحَدُهُمَا لَزِمَ شَرِيكَهُ عَمَلُهُ، وَضَمَانُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّابِعُ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ: هَذَا فِي شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ، وَأَمَّا فِي الشَّرِكَةِ بِالْمَالِ فَلِلَّذِي عَمِلَ نِصْفُ أُجْرَتِهِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَالْفَضْلُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَالَ أَجْرُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ قَبْلَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَإِذَا مَرِضَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فَإِنْ كَانَتْ مَالِيَّةً فَالرِّبْحُ بَيْنَ الْمُعَافَى وَالْمَئُوفِ، وَلَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ سَبَبُ الرِّبْحِ وَأَمَّا الْبَدَنِيَّةُ وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّامِنُ قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَلَوْ عَقَدَ أَحَدُهُمَا إجَارَةً بَعْدَ طُولِ الْمَرَضِ، أَوْ بَعْدَ السَّفَرِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ حِينَئِذٍ قَدْ انْقَطَعَتْ، وَكَذَلِكَ ضَمَانُ مَا هَلَكَ إذَا كَانَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ لَمْ تَنْقَطِعْ الشَّرِكَةُ كَانَتْ الْقِيمَةُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ أَنْ انْقَطَعَتْ كَانَتْ عَلَيْهِ وَحْدَهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ صَدْرَ هَذَا الْكَلَامِ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَأَقَرَّهُ (التَّاسِعُ) عُلِمَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ قَبْلَ طُولِ الْغَيْبَةِ وَطُولِ الْمَرَضِ يَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْهُمَا وَهُوَ جَارٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(الْعَاشِرُ) الْفَرْقُ بَيْنَ شَرِيكَيْ الْعَمَلِ وَبَيْنَ الْأَجِيرَيْنِ إذَا اسْتَأْجَرَهُمَا أَحَدٌ عَلَى عَمَلٍ فَمَرِضَ أَحَدُهُمَا فَعَمِلَ الْآخَرُ جَمِيعَ الْعَمَلِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لِلْمَرِيضِ نَصِيبُهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَصَاحِبُهُ مُتَطَوِّعٌ، وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: إنَّ الشَّرِيكَيْنِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَمِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ ضَامِنٌ عَنْهُ مَا يَقْبَلَاهُ إذَا كَانَ الْمَتَاعُ مِمَّا يُضْمَنُ فَلِهَذَا لَمْ يَصِرْ الصَّحِيحُ مُتَطَوِّعًا وَأَمَّا الْأَجِيرَانِ فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا ضَمِينًا، وَلَا حَمِيلًا فَلِهَذَا صَارَ الْحَافِرُ مُتَطَوِّعًا انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَجِيرَيْنِ لَا يَجْرِي عَلَى الْقَوْلِ بِالرُّجُوعِ بِالْقِيَامِ بِالْوَاجِبِ بَلْ الْجَارِي عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَرِيضَ إنْ كَانَ يُمْكِنُهُ عَمَلُ ذَلِكَ بِأَجِيرِهِ، أَوْ بِنَفْسِهِ إذَا صَحَّ فَصَاحِبُهُ مُتَطَوِّعٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْمَلُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ فَالْعَامِلُ لَهُ أَجْرُهُ، وَرَاجِعْ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفَسَدَتْ بِاشْتِرَاطِهِ كَكَثِيرِ الْآلَةِ وَهَلْ يُلْغَى الْيَوْمَانِ كَالصَّحِيحَةِ تَرَدُّدٌ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الشَّرِكَةَ تَفْسُدُ إذَا شُرِطَ فِيهَا أَنَّ مَرَضَ أَحَدِهِمَا الْكَثِيرَ وَغَيْبَتَهُ مُغْتَفِرَانِ لِلْغَرَرِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إثْرَ قَوْلِهِ السَّابِقِ فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ إنْ لَمْ يَعْقِدَا فِي أَصْلِ الشَّرِكَةِ أَنَّ مَنْ مَرِضَ مِنْهُمَا، أَوْ غَابَ غَيْبَةً بَعِيدَةً فَمَا عَمِلَ الْآخَرُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ عَقَدَا عَلَى هَذَا لَمْ تَجُزْ الشَّرِكَةُ فَإِنْ نَزَلَ ذَلِكَ كَانَ مَا اجْتَمَعَا فِيهِ مِنْ الْعَمَلِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِمَا وَمَا انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمَا لَهُ خَاصَّةً انْتَهَى.
زَادَ الْقَرَافِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ لَمْ تَجُزْ الشَّرِكَةُ لِلْغَرَرِ: قَالَ ابْنُ يُونُسَ إثْرَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمَذْكُورِ يُرِيدُ قَلَّ، أَوْ كَثُرَ ثُمَّ قَالَ: قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا الْقَرَوِيِّينَ، وَإِنْ لَمْ يَعْقِدَا عَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَدْرُ الَّذِي لَوْ صَحَّ هَذَا كَانَ بَيْنَهُمَا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا وَيَكُونَ الزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ لِلْعَامِلِ وَحْدَهُ، وَيُسْمَحُ فِي الشَّرِكَةِ الصَّحِيحَةِ عَنْ التَّفَاضُلِ الْيَسِيرِ، وَأَمَّا إذَا فَسَدَتْ الشَّرِكَةُ لَمْ يُسْمَحْ بِذَلِكَ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَقَالَ بَعْدَهُ: وَخَالَفَهُ اللَّخْمِيُّ، وَقَالَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ الْقَدْرُ لَهُ، وَهَذَا نَقْلٌ بِالْمَعْنَى الشَّيْخُ، وَالْخِلَافُ يُبْنَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى الْجُزْءِ مِنْ الْجُمْلَةِ هَلْ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ أَمْ لَا كَمَنْ يَسْجُدُ عَلَى أَنْفِهِ بَدَلًا مِنْ الْإِيمَاءِ انْتَهَى.
، وَهَذَا هُوَ الْخِلَافُ الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي التَّنْبِيهِ الرَّابِعِ مِنْ الْقَوْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ فِي لَغْوِ الْيَوْمَيْنِ مِنْ
[ ٥ / ١٤٠ ]
الْمُدَّةِ الْكَثِيرَةِ فِي الشَّرِكَةِ الصَّحِيحَةِ وَعَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ يَنْبَغِي أَنْ يُلْغَى ذَلِكَ وَعَلَى مَا نَسَبَهُ أَبُو الْحَسَنِ لِلَّخْمِيِّ لَا يُلْغَى أَيْضًا وَلَيْسَ كَلَامُ اللَّخْمِيِّ صَرِيحًا فِي الْمُخَالَفَةِ لِمَا قَالَهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ، وَلِهَذَا قَالَ: - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -، وَهَذَا نَقْلٌ بِالْمَعْنَى وَجَعَلَ الشَّارِحَانِ هَذَا الْكَلَامَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَهَلْ يُلْغَى الْيَوْمَانِ كَالصَّحِيحَةِ تَرَدُّدٌ قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ: ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّ ذَلِكَ يُلْغَى، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا زَادَ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ لَا يُلْغَى، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا أَشَارَ بِالتَّرَدُّدِ وَنَحْوُهُ فِي الصَّغِيرِ، وَقَالَ فِي الشَّامِلِ فَإِنْ شَرَطَ عَدَمَهُ فِي الْعَقْدِ، أَوْ كَثِيرَ آلَةٍ فَسَدَتْ، وَلَا يُلْغَى الْيَوْمَانِ فِيهَا عَلَى الْأَظْهَرِ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّ الْفَاسِدَةَ لَا يُسَامَحُ فِيهَا، وَإِنَّمَا يُسَامَحُ بِالْيَسِيرِ فِي الصَّحِيحَةِ، فَكَلَامُ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ اللَّخْمِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ: وَلَوْ اشْتَرَكَا عَلَى الْعَفْوِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ كَانَتْ شَرِكَةً فَاسِدَةً، وَلَوْ فَسَدَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ لَكَانَ التَّرَاجُعُ بَيْنَهُمَا فِي قَرِيبِ ذَلِكَ وَبَعِيدِهِ انْتَهَى.
وَلَمْ أَقِفْ عَلَى الْقَوْلِ بِلَغْوِ الْيَوْمَيْنِ فِي الْفَاسِدَةِ بَعْدَ مُرَاجَعَةِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ يُونُسَ وَأَبِي الْحَسَنِ وَالرَّجْرَاجِيِّ وَالذَّخِيرَةِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: وَهَلْ يُلْغَى الْيَوْمَانِ كَالْقَصِيرَةِ تَرَدُّدٌ، وَيَكُونُ مُرَادُهُ وَهَلْ يُلْغَى الْيَوْمَانِ مِنْ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ كَمَا يُلْغَيَانِ فِي الْمُدَّةِ الْقَصِيرَةِ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ، أَوْ لَا يُلْغَيَانِ وَهُوَ الَّذِي نَسَبَهُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ لِلَّخْمِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ كَكَثِيرِ الْآلَةِ فَيُشِيرُ بِهِ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ كَمَا تَفْسُدُ بِشَرْطِ إلْغَاءِ الْمُدَّةِ الْكَثِيرَةِ فَكَذَلِكَ تَفْسُدُ الشَّرِكَةُ إذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْآلَةَ الْكَثِيرَةَ مِنْ عِنْدِهِ يُرِيدُ: وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَاحْتَرَزَ بِذَلِكَ مِنْ يَسِيرِ الْآلَةِ فَإِنَّهُ إذَا تَفَضَّلَ بِهِ أَحَدُهُمَا لَا تَفْسُدُ الشَّرِكَةُ وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ فَسَادِ الشَّرِكَةِ بِالْآلَةِ الْكَثِيرَةِ، وَلَوْ كَانَ بِلَا شَرْطٍ هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَبِهِ فَسَّرَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ وَقَيَّدَهُ الْبِسَاطِيُّ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَإِنْ تَطَاوَلَ أَحَدُ الْقَصَّارِينَ عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ تَافِهٍ مِنْ الْمَاعُونِ لَا قَدْرَ لَهُ فِي الْكِرَاءِ كَالْقَصْرِيَّةِ وَالْمِدَقَّةِ جَازَ ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ تَطَاوَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِأَدَاةٍ لَا يُلْغَى مِثْلُهَا لِكَثْرَتِهَا لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَشْتَرِكَا فِي مِلْكِهَا وَيَكْتَرِيَ مِنْ الْآخَرِ نِصْفَهُ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَانْظُرْ إذَا تَطَوَّعَ بِهَا أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْعَقْدِ فَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالْقَصْرِيَّةُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ هِيَ الصَّحْفَةُ الَّتِي يُغْسَلُ فِيهَا الثِّيَابُ وَالْمِدَقَّةُ قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَالدَّالِ وَبِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَهِيَ الْإِرْزَبَّةُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ الَّتِي يُكْمَدُ بِهَا الثِّيَابُ انْتَهَى. وَيُقَال فِيهَا مِرْزَبَةٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالتَّخْفِيفِ وَتُشَدَّدُ مَعَ الْهَمْزَةِ وَالْأَدَاةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ الْآلَةُ قَالَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِاشْتِرَاكِهِمَا بِالذِّمَمِ أَنْ يَشْتَرِيَا بِلَا مَالٍ وَهُوَ بَيْنَهُمَا)
ش: أَيْ وَفَسَدَتْ الشَّرِكَةُ بِسَبَبِ اشْتِرَاكِ الْمُتَشَارِكَيْنِ بِالذِّمَمِ، وَتُسَمَّى شَرِكَةَ الْوُجُوهِ ثُمَّ فَسَّرَهَا بِأَنْ يَشْتَرِيَا بِلَا مَالٍ يَعْنِي أَنْ يَدْخُلَا عَلَى أَنْ يَبِيعَا وَيَشْتَرِيَا عَلَى ذِمَّتِهِمَا فَمَا اشْتَرَاهُ أَحَدُهُمَا كَانَ فِي ذِمَّتِهِمَا مَعًا، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ اشْتِرَاكُهُمَا فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ وَأَمَّا الِاشْتِرَاكُ فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ فَهُوَ جَائِزٌ قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ إلَّا بِالْأَمْوَالِ وَعَلَى عَمَلِ الْأَبْدَانِ إذَا كَانَتْ صَنْعَةً وَاحِدَةً فَأَمَّا بِالذِّمَمِ بِغَيْرِ مَالٍ عَلَى أَنْ يَضْمَنَا مَا ابْتَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا يَجُوزُ كَانَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، أَوْ بَلَدَيْنِ يُجْهِزُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ تَفَاوُضًا كَذَلِكَ فِي تِجَارَةِ الرَّقِيقِ، وَفِي جَمِيعِ التِّجَارَاتِ، أَوْ بَعْضِهَا، وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَكَا بِمَالٍ قَلِيلٍ عَلَى أَنْ يَتَدَايَنَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: تَحَمَّلْ عَنِّي بِنِصْفِ مَا اشْتَرَيْت عَلَى أَنْ أَتَحَمَّلَ عَنْك بِنِصْفِ مَا اشْتَرَيْت إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا فِي شِرَاءِ سِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ حَاضِرَةٍ، أَوْ غَائِبَةٍ فَيَبْتَاعَاهَا بِدَيْنٍ فَيَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَا حَاضِرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعُقْدَةَ وَقَعَتْ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ ضَمِنَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَذَلِكَ
[ ٥ / ١٤١ ]
جَائِزٌ انْتَهَى.
، وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى هَذَا فِي بَابِ الضَّمَانِ حَيْثُ قَالَ: إلَّا فِي اشْتِرَاءِ شَيْءٍ بَيْنَهُمَا وَقَوْلُهُ: فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَكَا بِمَالٍ قَلِيلٍ إلَخْ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ قَالَ فِيمَا يَأْتِي وَأَكْرَهُ أَنْ يُخْرِجَا مَالًا عَلَى أَنْ يَتَّجِرَا بِهِ وَبِالدَّيْنِ مُفَاوَضَةً فَإِنْ فَعَلَا فَمَا اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَبَيْنَهُمَا، وَإِنْ جَاوَزَ رَأْسَ مَالِهِمَا انْتَهَى.
وَالْمُرَادُ بِالْكَرَاهَةِ الْمَنْعُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَهُوَ بَيْنَهُمَا بَيَانٌ لِلْحُكْمِ بَعْدَ الْوُقُوعِ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَلَوْ بَاعَ وَاشْتَرَى بِنَسِيئَةٍ إلَخْ بَعْدً ذِكْرِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ أَصْبَغُ وَإِذَا وَقَعَتْ بِالذِّمَمِ فَمَا اشْتَرَيَا بَيْنَهُمَا عَلَى مَا عَقَدَا، وَتُفْسَخُ الشَّرِكَةُ مِنْ الْآنَ أَبُو الْحَسَنِ، وَالْفَسْخُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَرَاهَةِ الْمَنْعُ انْتَهَى.
فَمَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ بَيْنَهُمَا أَيْ وَمَا اشْتَرَيَاهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا دَخَلَا عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ الشَّرِيك يَقُولُ لِصَاحِبِهِ اُقْعُدْ فِي هَذَا الْحَانُوتِ تَبِيعُ فِيهِ وَأَنَا آخُذُ الْمَتَاعَ بِوَجْهِي وَالضَّمَانُ عَلَيَّ وَعَلَيْك]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: اُقْعُدْ فِي هَذَا الْحَانُوتِ تَبِيعُ فِيهِ وَأَنَا آخُذُ الْمَتَاعَ بِوَجْهِي، وَالضَّمَانُ عَلَيَّ، وَعَلَيْك قَالَ: الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا تَعَامَلَا عَلَيْهِ، وَيَأْخُذُ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ أُجْرَةَ مَا يَفْضُلُهُ بِهِ فِي الْعَمَلِ ابْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ تَابِعٌ لِلضَّمَانِ إذَا عَمِلَا بِمَا تَدَايَنَا بِهِ كَمَا هُوَ تَابِعٌ لِلْمَالِ بِمَا أَخْرَجَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْمَالِ (فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ أَقْعَدْت صَانِعًا فِي حَانُوتٍ عَلَى أَنْ تَنْقُلَ عَنْهُ الْمَتَاعَ، وَيَعْمَلَ هُوَ فَمَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَكُمَا نِصْفَيْنِ لَمْ يَجُزْ انْتَهَى.
قَالَ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ قَبْلَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ اُقْعُدْ فِي حَانُوتٍ وَأَنَا آخُذُ لَك مَتَاعًا تَبِيعُهُ وَلَك نِصْفُ مَا رَبِحْت، أَوْ ثُلُثَهُ: لَمْ يَصْلُحْ ذَلِكَ فَإِنْ عَمِلَا عَلَيْهِ كَانَ لِلَّذِي فِي الْحَانُوتِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَيَكُونُ الرِّبْحُ كُلُّهُ لِلَّذِي أَجْلَسَهُ فِي الْحَانُوتِ ابْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرِّبْحَ تَابِعٌ لِلضَّمَانِ فَإِذَا كَانَ ضَمَانُ السِّلَعِ مِنْ الَّذِي أَجْلَسَهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ جَمِيعُ الرِّبْحِ وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ انْتَهَى.
ص (وَكَبَيْعِ وَجِيهٍ مَالَ خَامِلٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ)
ش: هَذَا تَفْسِيرٌ ثَانٍ لِشَرِكَةِ الذِّمَمِ.
ص (وَكَذِي رَحًى وَذِي بَيْتٍ وَذِي دَابَّةٍ لِيَعْمَلُوا إنْ لَمْ يَتَسَاوَى الْكِرَاءُ وَتَسَاوَوْا فِي الْغَلَّةِ وَتَرَادُّوا الْأَكْرِيَةَ)
ش: أَيْ، وَمِمَّا يُشْبِهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَسَادِ أَنْ يَشْتَرِكَ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهُمْ صَاحِبُ رَحًى، وَالْآخَرُ صَاحِبُ بَيْتٍ، وَالْآخَرُ صَاحِبُ دَابَّةٍ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا وَكِرَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّحَى، وَالْبَيْتِ، وَالدَّابَّةِ غَيْرُ مُتَسَاوٍ، وَشَرَطُوا أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي الْغَلَّةِ، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَالْحُكْمُ أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي الْغَلَّةِ؛ لِأَنَّ رَأْسَ مَالِهِمْ عَمَلُ أَيْدِيهِمْ، وَقَدْ تَكَافَئُوا فِيهِ، وَيَتَرَادُّونَ فِي الْأَكْرِيَةِ فَمَنْ لَهُ فَضْلٌ رَجَعَ بِهِ عَلَى صَاحِبِهِ وَأَشَارَ بِهَذَا إلَى مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهَا وَإِنْ اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهُمْ بِرَحًى وَالْآخَرُ بِدَابَّةٍ وَالْآخَرُ بِبَيْتٍ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا بِأَيْدِيهِمْ وَالْكَسْبُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا فَعَمِلُوا عَلَى ذَلِكَ وَجَهِلُوا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَإِنَّ مَا أَصَابُوهُ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا إنْ كَانَ كِرَاءُ الْبَيْتِ، وَالرَّحَى وَالدَّابَّةِ مُعْتَدِلًا وَتَصِحُّ الشَّرِكَةُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ أَكْرَى مَتَاعَهُ بِمَتَاعِ صَاحِبِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّحَى وَالْبَيْتَ وَالدَّابَّةَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لِأَحَدِهِمْ فَأَكْرَى ثُلُثَيْ ذَلِكَ مِنْ صَاحِبَيْهِ وَعَمِلُوا جَازَتْ الشَّرِكَةُ، وَإِنْ كَانَ كِرَاءُ مَا أَخْرَجُوهُ مُخْتَلِفًا قُسِّمَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّ رُءُوسَ أَمْوَالِهِمْ عَمَلُ أَيْدِيهِمْ، وَقَدْ تَكَافَئُوا فِيهِ وَيَرْجِعُ مَنْ لَهُ فَضْلُ كِرَاءٍ عَلَى صَاحِبِهِ فَيَتَرَادُّونَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا شَيْئًا؛ لِأَنَّ مَا أَخْرَجُوهُ مِمَّا يُكْرَى قَدْ أُكْرِيَ كِرَاءً فَاسِدًا وَلَمْ يَتَرَاجَعُوا فِي عَمَلِ أَيْدِيهِمْ لِتَسَاوِيهِمْ فِيهِ انْتَهَى.
فَظَاهِرُهَا أَنَّ الشَّرِكَةَ لَا تَجُوزُ ابْتِدَاءً حَتَّى يُكْرِيَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ لَكِنَّهَا إنْ وَقَعَتْ صَحَّتْ إذَا تَسَاوَتْ الْأَكْرِيَةُ وَعَلَيْهِ حَمَلَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ وَتَأَوَّلَ سَحْنُونٌ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّهَا إنَّمَا تَمْتَنِعُ إذَا كَانَ كِرَاءُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُخْتَلِفًا وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ وَتَصِحُّ الشَّرِكَةُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ أَكْرَى مَتَاعَهُ بِمَتَاعِ صَاحِبِهِ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَعْنَى قَوْلِهِ: تَصِحُّ أَنَّهَا تَئُولُ إلَى الصِّحَّةِ لَا أَنَّهَا تَجُوزُ ابْتِدَاءً وَعَلَى تَأْوِيلِ
[ ٥ / ١٤٢ ]
سَحْنُونٍ مَشَى الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ أَعْنِي قَوْلَهُ إنْ لَمْ يَتَسَاوَ الْكِرَاءُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا تَسَاوَى الْكِرَاءُ جَازَتْ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَتَسَاوَوْا فِي الْغَلَّةِ قَابِلٌ لَأَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِفَرْضِ الْمَسْأَلَةِ، أَوْ تَقْرِيرًا لِحُكْمِهَا بَعْدَ الْوُقُوعِ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ وَصِفَةُ التَّرَادِّ ذَكَرَهَا ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَنَقَلَهَا أَبُو الْحَسَنِ وَنَقَلَهَا الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ.
ص (وَإِنْ شُرِطَ عَمَلُ رَبِّ الدَّابَّةِ فَالْغَلَّةُ لَهُ وَعَلَيْهِ كِرَاؤُهَا)
ش: هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّهُ فَرَضَهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ كَذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْعَامِلُ صَاحِبَ الرَّحَى فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَكُونُ لَهُ مَا أَصَابَ وَعَلَيْهِ إجَارَةُ الْمِثْلِ لِلْآخَرَيْنِ وَلَيْسَ هَذَا بِالْبَيِّنِ وَأَرَى أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا أُصِيبَ مَفْضُوضًا عَلَى قَدْرِ إجَارَةِ الرَّحَى وَالدَّابَّةِ فَمَا نَابَ الرَّحَى مِنْ الْعَمَلِ رَجَعَ عَلَيْهِ الْعَامِلُ فِيهِ بِإِجَارَةِ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الرَّحَى لَمْ يَبِعْ مَنَافِعَهُمَا مِنْ الْعَامِلِ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ آجِرُهَا وَلَك أَجْرُ مَا تُؤَاجِرُهَا بِهِ فَإِنَّمَا يُؤَاجِرُهَا عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا ثُمَّ يَغْرَمَانِ جَمِيعًا أُجْرَةَ الْبَيْتِ انْتَهَى.
، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْعَامِلُ رَبَّ الْبَيْتِ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْغَلَّةَ تَابِعَةٌ لِلْعَمَلِ فِي هَذَا الْبَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَقُضِيَ عَلَى شَرِيكٍ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ أَنْ يُعْمَرَ، أَوْ يُبَاعَ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ وَابْنِ غَازِيٍّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْعَيْنُ، أَوْ الْبِئْرُ تَكُونُ مُشْتَرَكَةً قَدْ قُسِّمَتْ
[ ٥ / ١٤٣ ]
أَرَاضِيهَا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا زَرْعٌ، وَلَا شَجَرٌ مُثْمِرٌ يُخَافُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْآبِيَ مِنْ الْعَمَلِ لَا يُلْزَمُ بِهِ وَيُقَالُ لِصَاحِبِهِ: اعْمَلْ وَلَك الْمَاءُ كُلُّهُ وَمَا زَادَ بِعَمَلِك إلَى أَنْ يَأْتِيَك صَاحِبُك الْآبِي بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ النَّفَقَةِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ السَّدَادِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ ظَاهِرُ كَلَامِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ، أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يَعْمَلُ، وَإِنْ كَانَ مَقْسُومًا انْتَهَى.
بِالْمَعْنَى وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ الِاتِّفَاقِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَيْهَا زَرْعٌ، أَوْ شَجَرٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ كَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا شَيْءٌ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَالْمَخْزُومِيُّ إنَّ الشَّرِيكَ فِي الْعَيْنِ، أَوْ الْبِئْرِ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَعْمُرَ مَعَهُ، أَوْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ مِمَّنْ يَعْمُرُ كَالْعُلُوِّ يَكُونُ لِرَجُلٍ وَالسُّفْلُ لِآخَرَ فَيَنْهَدِمُ وَهُوَ تَنْظِيرٌ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لَا يَقْدِرُ صَاحِبُ الْعُلُوِّ أَنْ يَبْنِيَ عُلُوَّهُ حَتَّى يَبْنِيَ صَاحِبُ السُّفْلِ سُفْلَهُ وَيَقْدِرُ الَّذِي يُرِيدُ السَّقْيَ بِمَاءِ الْبِئْرِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُمَا إذَا انْهَدَمَتْ أَنْ يَصِلَ إلَى مَا يُرِيدُ مِنْ السَّقْيِ بِأَنْ يُصْلِحَ الْبِئْرَ فَيَكُونُ أَحَقَّ بِجَمِيعِ الْمَاءِ إلَى أَنْ يَأْتِيَهُ صَاحِبُهُ بِمَا يَنُوبُهُ مِنْ النَّفَقَةِ فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَصَحُّ مِنْ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ وَالْمَخْزُومِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
، وَقَدْ نَصَّ فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ عَمَّرَ أَحَقُّ بِالْمَاءِ وَنَصُّهَا: وَإِذَا كَانَتْ بِئْرٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَانْهَارَتْ، أَوْ عَيْنٌ فَانْقَطَعَتْ فَعَمِلَهَا أَحَدُهُمَا وَأَبَى الْآخَرُ أَنْ يَعْمَلَ لَمْ يَكُنْ لِلَّذِي لَمْ يَعْمَلْ مِنْ الْمَاءِ قَلِيلٌ، وَلَا كَثِيرٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ إلَّا أَنْ يُعْطِيَ شَرِيكَهُ نِصْفَ مَا أَنْفَقَ، وَإِذَا احْتَاجَتْ بِئْرٌ، أَوْ قَنَاةٌ بَيْنَ شُرَكَاءَ لِسَقْيِ أَرْضِهِمْ إلَى الْكَنْسِ لِقِلَّةِ مَائِهَا فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ الْكَنْسَ وَأَبَى الْآخَرُونَ وَفِي تَرْكِ الْكَنْسِ ضَرَرٌ عَلَى الْمَاءِ وَانْتِقَاصٌ وَالْمَاءُ يَكْفِي أَوْ لَا يَكْفِي إلَّا الَّذِينَ شَاءُوا الْكَنْسَ خَاصَّةً فَلِلَّذِينَ شَاءُوا الْكَنْسَ أَنْ يَكْنِسُوا ثُمَّ يَكُونُوا، أَوْلَى بِاَلَّذِي زَادَ فِي الْمَاءِ كَنْسُهُمْ دُونَ مَنْ لَمْ يَكْنِسْ حَتَّى يُؤَدُّوا حِصَّتَهُمْ مِنْ النَّفَقَةِ فَيَرْجِعُوا إلَى أَخْذِ حِصَّتِهِمْ مِنْ جَمِيعِ الْمَاءِ، وَكَذَلِكَ بِئْرُ الْمَاشِيَةِ إذَا قَلَّ مَاؤُهَا فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ الْكَنْسَ وَأَبَى الْآخَرُ فَهِيَ كَبِئْرِ الزَّرْعِ، فَإِنْ كَنَسَهُ بَعْضُهُمْ كَانَ جَمِيعُهُمْ فِيمَا كَانَ مِنْ الْمَاءِ قَبْلَ الْكَنْسِ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ فِيهِ ثُمَّ يَكُونُ الَّذِينَ كَنَسُوا أَحَقَّ بِمَا زَادَ الْمَاءُ بِكَنْسِهِمْ فَإِذَا رَوَوْا كَانَ النَّاسُ وَأُبَاةُ الْكَنْسِ فِي الْفَضْلِ سَوَاءً حَتَّى يُؤَدُّوا حِصَصَهُمْ مِنْ النَّفَقَةِ، فَإِذَا أَرَادُوا كَانَ جَمِيعُ الْمَاءِ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مَا كَانَ لَهُمْ ثُمَّ النَّاسُ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ انْتَهَى.
فَعُلِمَ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ عَدَمُ الْجَبْرِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ، أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يَعْمَلُ وَبِهَذَا فَارَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةَ الرَّحَى الْآتِيَةَ فَإِنَّ الْآبِيَ مِنْ الْعَمَلِ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَعْمُرَ، أَوْ يَبِيعَ مِمَّنْ يَعْمُرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فُرُوعٌ إذَا كَانَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ غَائِبًا]
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) إذَا كَانَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ غَائِبًا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيْعِ إنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مِنْ مَالِهِ مَا يَعْمُرُ بِهِ نَصِيبَهُ نَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَائِلِ الْقِسْمِ (الثَّانِي) إذَا كَانَ الْمُشْتَرَكُ لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ كَالْفُرْنِ ثُمَّ إنَّهُ خَرِبَ حَتَّى صَارَ أَرْضًا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي الْقِسْمَةِ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة: إذَا صَارَتْ الْأَرْضُ بَرَاحًا كَمَا كَانَتْ قَبْلَ بِنَائِهَا فُرْنًا صَارَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْأَرْضِ بِحَيْثُ لَوْ طَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ شَرِيكِهِ بِنَاءَهَا فُرْنًا لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ لِدُعَائِهِ إلَى بِنَاءِ عَرْصَةٍ تُقَسَّمُ فَإِذَا قُسِّمَتْ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ فِي نَصِيبِهِ مَا أَحَبَّ فَإِذَا رُفِعَ الْأَمْرُ لِلْقَاضِي بِسَبَبِ الْقِسْمَةِ عَلَى الْغَائِبِ فَهُوَ الْوَاجِبُ فَإِنْ لَمْ يَنْقَسِمْ فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِالْبَيْعِ عَلَى الْغَائِبِ إنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ مَالِهِ مَا يَعْمُرُ بِهِ نَصِيبَهُ ثُمَّ ذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ كَلَامًا فِي الْقِسْمَةِ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَحْصُلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ عَلَى حَدِّ مَا كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ، أَوْ لَا؟ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَمَحَلُّهُ كِتَابُ الْقِسْمَةِ.
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ سَهْلٍ فِي أَحْكَامِهِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الدَّعَاوَى فِي دَارٍ بَيْنَ وَرَثَةٍ لِيَسْكُنَهَا بَعْضُهُمْ وَبَاقِيهِمْ يَسْأَلُ إخْلَاءَهَا لِبَيْعِهَا وَدَعَا سَاكِنِيهَا إلَى غُرْمِ كِرَائِهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ لِلتَّسْوِيقِ فَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ إذَا لَمْ تَحْصُلْ الْقِسْمَةُ فَإِنَّهَا تُخْلَى مِنْ جَمِيعِهِمْ لِتُسَوَّقَ خَالِيَةً إلَّا أَنْ يُوجَدَ مَنْ يَكْتَرِيهَا مِنْ غَيْرِ الْوَرَثَةِ عَلَى شَرْطِ التَّسْوِيقِ فَتُكْرَى مِنْهُ إذَا أُمِنَ مِنْهُ الْمَيْلُ إلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ نَاحِيَةِ أَحَدِهِمْ، وَلَا مِنْ سَبَبِهِمْ وَأَجَابَ ابْنُ الْقَطَّانِ: بَقَاءُ الدَّارِ هَكَذَا ضَرَرٌ عَلَى
[ ٥ / ١٤٤ ]
مَنْ يَذْهَبُ إلَى الِارْتِفَاقِ بِنَصِيبِهِ إنْ كَانَتْ دَارًا يُكْرَى مِثْلُهَا فَوَجْهُ الْعَمَلِ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: إنْ اتَّفَقْتُمْ الْآنَ عَلَى التَّقَاوُمِ فِي الْكِرَاءِ إلَى أَنْ يَنْفُذَ الْبَيْعُ فِيهَا فَتَقَاوَمُوهَا ثُمَّ يَسْكُنُهَا مَنْ أَرَادَ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ أُخْلِيَتْ مِنْكُمْ ثُمَّ شُيِّدَتْ لِلْكِرَاءِ كَمَا تُشَيَّدُ لِلْبَيْعِ فَإِذَا بَلَغَ كِرَاؤُهَا ثَمَنًا مَا كَانَ لِمَنْ أَرَادَ السُّكْنَى أَنْ يَضُمَّ حِصَصَ أَصْحَابِهِ بِمَا بَلَغَتْ، وَيَسْكُنَ إلَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ مَنْ يُشْرِكُهُ فَالزَّائِدُ أَحَقُّ وَالْإِشَادَةُ لِلْكِرَاءِ عَلَى شَرْطِ التَّسْوِيقِ لِلْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ مِنْ السَّاكِنِ فِيهَا مِنْ الْوَرَثَةِ يُخِلُّ بِالْبَيْعِ فَإِنْ أَثْبَتَ أُكْرِيَتْ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ أَثْبَتَ أَنَّ التَّسْوِيقَ لِلْبَيْعِ خَالِيَةً أَفْضَلُ وَأَوْفَرُ لِلثَّمَنِ أُخْلِيَتْ وَأَجَابَ ابْنُ مَالِكٍ: إنْ كَانَتْ الدَّارُ لَا تَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ فَلَا أَجِدُ فِيمَا أَظْهَرَ اللَّهُ لِي مِنْ الْعِلْمِ عَلَى مَذْهَبِنَا إلَّا مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ أَعْرِفُ أَنَّهُ الْحَاصِلُ مِنْ مَذْهَبِنَا كَمَا يَعْرِفُ النَّاسُ أَبْنَاءَهُمْ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: كَانَ جَوَابُ ابْنِ عَتَّابٍ مُقْنِعًا لَوْ كَانَ إنْصَافٌ وَائْتِلَافٌ وَلَمْ يَكُنْ تَنَافُرٌ، وَلَا اخْتِلَافٌ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ مَا أَطَالَ فِيهِ ابْنُ الْقَطَّانِ الْكَلَامَ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَيْ إبَاحَةِ نَظَرِهَا لِمَنْ يُرِيدُ شِرَاءَهَا وَفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يُرِيدُوا بَيْعَهَا لَكَانَ الْحُكْمُ أَنْ يَتَقَاوَمُوا كِرَاءَهَا، فَتَأَمَّلْهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَبْسًا فَقَالَ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ: وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ وَاسِعَةً فَقَالَ الْأَغْنِيَاءُ نَحْنُ لَا نَحْتَاجُ لِلسُّكْنَى، وَلَكِنْ يُنْظَرُ إلَى قَدْرِ مَا يَصِيرُ لَنَا مِنْ السُّكْنَى فَنُسْكِنُهُ مَنْ أَحْبَبْنَا، أَوْ نَكْرِيهِ لَهُمْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى وَلَمْ تَسَعْهُمْ السُّكْنَى أَكُرِيَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقُسِّمَ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمْ شَرْعًا سَوَاءٌ إلَّا أَنْ يَرْضَى أَحَدُهُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَا يَصِيرُ لِأَصْحَابِهِ مِنْ الْكِرَاءِ وَيَسْكُنُ فِيهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي أَوَائِلِ كِرَاءِ الدُّورِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ شَرِكَةً فَأَكْرَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ وَدَعَا إلَى الْبَيْعِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ إذَا كَانَتْ لَا تَنْقَسِمُ، وَإِنْ لَمْ يَدْعُ إلَى الْبَيْعِ وَرَضِيَ بِبَقَاءِ الشَّرِكَةِ وَطَلَبَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ، وَكَانَ الْكِرَاءُ فِي نِصْفٍ شَائِعٍ فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ مَرَّةً: لَا شُفْعَةَ فِيهِ وَمَرَّةً قَالَ: فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الدَّارُ تَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَأَرَادَ الشَّرِيكُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ لِيَسْكُنَ، وَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ لِيُكْرِيَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَأْخُذُ الشُّفْعَةَ لِيَبِيعَ، وَكَذَلِكَ الْحَانُوتُ يَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ فَيَكْرِي أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ شَائِعًا فَلَا شُفْعَةَ لِلْآخَرِ إذَا كَانَ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَكَانَ يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ لِيُكْرِيَ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ لِيَجْلِسَ فِيهِ لِلْبَيْعِ جَازَ فَإِنْ كَانَ يُكْرِيهِ مِمَّنْ يَجْلِسُ فِيهِ مَعَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الرَّوَاحِلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى كِرَاءِ السُّفُنِ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ: قَالَ سَحْنُونٌ فِي رَجُلَيْنِ لَهُمَا سَفِينَةٌ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَحْمِلَ فِي نَصِيبِهِ مَتَاعًا وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ شَيْءٌ يَحْمِلُهُ فَقَالَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ لِلْآخَرِ لَا أَدَعُك تَحْمِلُ فِيهَا شَيْئًا إلَّا بِكِرَاءٍ، وَقَالَ الْآخَرُ إنَّمَا أَحْمِلُ فِي نَصِيبِي قَالَ: فَلَهُ أَنْ يَحْمِلَ فِي نَصِيبِهِ، وَلَا يُقْضَى لِشَرِيكِهِ عَلَيْهِ بِكِرَاءٍ فَإِمَّا أَنْ يَحْمِلَ مِثْلَ مَا حَمَلَ صَاحِبُهُ مِنْ الشَّحْنَةِ وَالْمَتَاعِ وَإِلَّا بِيعَ الْمَرْكَبُ عَلَيْهِمَا انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَزَادَ بَعْدَهُ، وَلَوْ، أَوْسَقَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَجِدْ الْآخَرُ مَا يُوسِقُ لَكَانَ لِهَذَا أَنْ يُسَافِرَ بِالْمَرْكَبِ، وَلَا مَقَالَ لِشَرِيكِهِ عَلَيْهِ فِي كِرَاءٍ، وَلَا بَيْعٍ؛ لِأَنَّ وَسْقَهُ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ وَذَلِكَ رِضًا بِتَسْفِيرِهِ تِلْكَ الطَّرِيقَ، وَلَوْ كَانَ غَائِبًا حِينَ، أَوْسَقَ فَلَمَّا قَدِمَ أَنْكَرَ، وَلَمْ يَجِدْ كِرَاءً لَكَانَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَهُ إلَى الْبَيْعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُوسِقُ فِيهِ فَإِنْ صَارَ لِمَنْ، أَوْسَقَهُ أَقَرَّ وَسْقَهُ إنْ شَاءَ، وَإِنْ صَارَ لِلْغَائِبِ، أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ أُمِرَ أَنْ يَحُطَّ وَسْقَهُ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَوْا عَلَى كِرَاءٍ فَيُتْرَكُ، وَهَذَا إذَا كَانَ يُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ حَالِ الْمَرْكَبِ تَحْتَ الْمَاءِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِكَمَالِهِ فِي كِرَاءِ السُّفُنِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي مَسَائِلِ الشَّرِكَةِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ مَرْكَبٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ أَحَدُهُمَا فِي حِصَّتِهِ إلَى الْعُدْوَةِ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ مَا يَحْمِلُ فِي نِصْفِهِ، وَلَا وَجَدَ مَنْ يُكْرِيهِ فَهَلْ لَهُ نِصْفُ مَا حَمَلَ شَرِيكُهُ مِنْ الْكِرَاءِ فَأَجَابَ: لِلَّذِي لَمْ يَجِدْ مَا يَحْمِلُهُ فِي نَصِيبِهِ
[ ٥ / ١٤٥ ]
أَنْ يَأْخُذَ شَرِيكَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْكِرَاءِ، وَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ حَتَّى يُعَامِلَهُ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ يَنْفَصِلَا مِنْ الْمَرْكَبِ بِبَيْعِهِ وَقِسْمَةِ ثَمَنِهِ وَذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَثْنَاءِ مَسَائِلِ الْمُزَارَعَةِ، وَقَالَ بَعْدَهُ: قُلْت: وَالدَّوَابُّ وَالْعَبِيدُ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَرْكَبِ وَذَكَرَ عَنْ أَبِي حَفْصٍ مِثْلَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ فِي أَوَاخِرِ مَسَائِلِ الْإِجَارَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَبَيْنَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ وَاللَّخْمِيُّ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُقْضَى لِلشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مَا يَحْمِلُهُ بِكِرَاءٍ عَلَى الْآخَرِ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ السَّفَرِ مُطْلَقًا، وَلَا يُقْضَى لِلْآخَرِ بِأَنْ يُسَافِرَ بِهِ مُطْلَقًا بَلْ إمَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى كِرَاءٍ، أَوْ شَيْءٍ وَإِلَّا بِيعَ الْمَرْكَبُ عَلَيْهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْمُزَارَعَةِ مَسْأَلَةَ زَرْعِ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ فِي بَعْضِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ وَذَكَرَهَا فِي الْبَيَانِ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ وَفِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ، وَذَكَرَ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ: إذَا كَانَ الشَّرِيكُ حَاضِرًا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا كَانَ تَرْكُهُ إيَّاهُ رِضًا مِنْهُ بِذَلِكَ وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ
[فَرْعٌ إصْلَاح أَحَد الشَّرِيكَيْنِ الشَّيْء الْمُشْتَرَك إذَا تلف بِدُونِ إِذْن الشَّرِيك]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي كِتَابِ الرَّوَاحِلِ فِي مَرْكَبٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ نِصْفَيْنِ خَرِبَ أَسْفَلُهُ حَتَّى لَا يُنْتَفَعَ بِهِ فَأَصْلَحَهُ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَطَلَبَ مِنْ شَرِيكِهِ نِصْفَ النَّفَقَةِ فَأَبَى قَالَ: لِأَنَّك أَنْفَقْت بِغَيْرِ إذْنِي قَالَ فَالشَّرِيكُ بِالْخِيَارِ إمَّا أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَ مَا أَنْفَقَ وَيَكُونُ الْمَرْكَبُ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَأْخُذَ مِنْ شَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتَهُ خَرَابًا إنْ شَاءَ ذَلِكَ شَرِيكُهُ فَإِنْ أَبَيَا فَالْمَرْكَبُ بَيْنَهُمَا يَكُونُ لِلَّذِي أَنْفَقَ بِقَدْرِ مَا زَادَتْ نَفَقَتُهُ فِيهِ مَعَ حِصَّتِهِ الْأُولَى مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قِيمَتُهُ خَرَابًا مِائَةً وَقِيمَتُهُ مَصْلُوحًا مِائَتَيْنِ فَيَكُونُ لِلَّذِي عَمِلَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَلِشَرِيكِهِ رُبُعُهُ ابْنُ يُونُسَ، وَاَلَّذِي أَرَى أَنْ يَكُونَ شَرِيكُهُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهُ الْأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ مَا أَنْفَقَ وَمِنْ نِصْفِ مَا زَادَتْ نَفَقَتُهُ فِي الْمَرْكَبِ وَيَكُونَا شَرِيكَيْنِ فِيهِ بِقَدْرِ مَا زَادَتْ نَفَقَتُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ بِعْهُ الْآنَ وَخُذْ مَا زَادَتْ نَفَقَتُك فِي الْمَرْكَبِ فَلَمَّا كَانَ لَهُ ذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَ مَا زَادَتْ نَفَقَتُهُ وَيَكُونُ الْمَرْكَبُ بَيْنَهُمَا، وَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ نِصْفَ مَا أَنْفَقَ إذَا كَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ انْتَهَى.
وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ كَلَامَ أَبِي مُحَمَّدٍ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَقَالَ بَعْدَهُ: وَمِثْلُهُ إذَا كَانَتْ دَارًا لَا تَنْقَسِمُ وَأَصْلَحَهَا أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ يَكُونُ شَرِيكًا بِمَا زَادَتْ النَّفَقَةُ، وَلَوْ كَانَتْ تَنْقَسِمُ لَكَانَ الْجَوَابُ عَلَى مَا قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْأَرْضِ يَبْنِيَ فِيهَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ قَبْلَ الْقَسْمِ إنَّهَا تُقَسَّمُ، فَإِنْ وَقَعَ الْبِنَاءُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبْنِ أَعْطَاهُ قِيمَتَهُ مَنْقُوضًا، وَإِنْ وَقَعَ لِمَنْ بَنَاهُ كَانَ لَهُ مُسَلِّمًا انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَعَنْ اللَّخْمِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ يُونُسَ مِنْ نَفْسِهِ وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ طَلَب أَحَد الشركين الْبَيْع فِي الْأَشْيَاء الَّتِي لَا تنقسم]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي آخِرِ بَابِ الْقِسْمَةِ مِنْ الْفَصْلِ التَّاسِعِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ: وَالْأَشْيَاءُ الَّتِي لَا تَنْقَسِمُ، أَوْ فِي قَسْمِهَا ضَرَرٌ يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ مَنْ أَبَاهُ إذَا طَلَبَ الْبَيْعَ أَحَدُهُمَا، وَإِنَّمَا جُبِرَ عَلَى الْبَيْعِ مَنْ أَبَاهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ اللَّاحِقِ لِلطَّالِبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَاعَ نَصِيبَهُ مُفْرَدًا نَقَصَ ثَمَنُهُ، وَإِذَا قُلْنَا يُجْبَرُ مَنْ أَبَى الْبَيْعَ فَإِنَّهُ إذَا وَقَفَ الْمَبِيعُ عَلَى ثَمَنٍ وَأَرَادَ طَالِبُ الْبَيْعِ أَخْذَهُ بِمَا وَقَفَ عَلَيْهِ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ يَتَحَايَلُونَ بِطَلَبِ الْبَيْعِ إلَى إخْرَاجِ النَّاسِ عَنْ أَمْلَاكِهِمْ، وَأَمَّا إنْ طُلِبَ الشِّرَاءُ مَنْ آبَى الْبَيْعَ فَلَهُ ذَلِكَ انْتَهَى.
، وَانْظُرْ هَلْ يَجْرِي ذَلِكَ هُنَا فِيمَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْعِمَارَةِ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ وَقُلْنَا إنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ جَمِيعِ مَا يَخُصُّهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ أَرَادَ الْعِمَارَةَ أَنْ يَشْتَرِيَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْ يُفَرَّقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَنْ يُفْهَمُ مِنْهُ إرَادَةُ ذَلِكَ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَذِي سُفْلٍ إنْ وَهِيَ وَعَلَيْهِ التَّعْلِيقُ وَالسَّقْفُ)
ش: قَالَ فِي رَسْمِ صَلَّى نَهَارًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْأَقْضِيَةِ فِي الْمَنْزِلِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ
[ ٥ / ١٤٦ ]
لِأَحَدِهِمَا الْعُلُوُّ وَلِلْآخَرِ السُّفْلُ فَيَنْكَسِرُ سَقْفُ الْبَيْتِ الْأَسْفَلِ: إنَّ عَلَيْهِ إصْلَاحَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ انْهَدَمَ جِدَارُهُ الْأَسْفَلُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْنِيَهُ حَتَّى يَسْقُفَهُ ابْنُ رُشْدٍ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا اخْتِلَافَ أَعْلَمُهُ فِيهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣] فَلَمَّا أَضَافَ السَّقْفَ إلَى الْبَيْتِ وَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ بِالسَّقْفِ لِصَاحِبِ الْبَيْتِ إذَا اخْتَلَفَ فِيهِ مَعَ صَاحِبِ الْأَعْلَى فَادَّعَاهُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَهُ فَيَلْزَمُ بِنَاؤُهُ إذَا بَنَاهُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَهُ فَيَلْزَمُ بِنَاؤُهُ إذَا نَفَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ نَفْسِهِ، وَادَّعَى أَنَّهُ لِصَاحِبِهِ لِيُوجِبَ عَلَيْهِ بُنْيَانَهُ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) إذَا كَانَ سَبَبُ الِانْهِدَامِ وَهَاءَ الْعُلُوِّ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ السُّفْلِ حَاضِرًا عَالِمًا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ لَمْ يَضْمَنْ صَاحِبُ الْعُلُوِّ وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ صَاحِبُ السُّفْلِ غَائِبًا فَإِنْ كَانَ وَهَاءُ الْعُلُوِّ مِمَّا لَا يُخَافُ سُقُوطُهُ هَلْ يَضْمَنُ، أَوْ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْهِ اللَّخْمِيُّ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ، وَإِنْ تَقَدَّمَ إلَيْهِ، وَلَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ سَبَبُ الِانْهِدَامِ وَهَاءَ السُّفْلِ، وَصَاحِبُ الْعُلُوِّ حَاضِرٌ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْهِ، أَوْ كَانَ غَائِبًا انْتَهَى.
مِنْ التَّوْضِيحِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ (تَنْبِيهٌ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَتَعْلِيقُ الْغُرَفِ عَلَيْهِ: الْمُرَادُ بِالتَّعْلِيقِ حَمْلُهُ عَلَى خَشَبٍ وَنَحْوِهَا، وَالْغُرَفُ جَمْعُ غُرْفَةٍ وَهِيَ مَا لَهُ نَفْعٌ مِنْ بُيُوتِ الْمَنْزِلِ وَمَعْنَى وَهِيَ ضَعُفَ ضَعْفًا شَدِيدًا انْتَهَى.
ص (وَبِالدَّابَّةِ لِلرَّاكِبِ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا رَاكِبَانِ وَتَنَازَعَا فِيهَا فَذَكَرَ
[ ٥ / ١٤٧ ]
الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَرَبُّ الدَّابَّةِ، أَوْلَى بِمُقَدَّمِهَا عَنْ الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّهُ يُقْضَى بِهَا لِلْمُقَدَّمِ مِنْ الرَّاكِبَيْنِ وَذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ وَذَكَرَهُ ابْنُ نَاجِي عَلَى كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ نَقَلْت كَلَامَهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: وَرَبُّ الدَّابَّةِ أَوْلَى بِمُقَدَّمِهَا.
ص (وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمْ رَحًا إنْ أَبَيَا فَالْغَلَّةُ لَهُمْ وَيَسْتَوْفِيَ مِنْهَا مَا أَنْفَقَ)
ش: هَذَا خِلَافُ مَا قَدَّمَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَمَا رَجَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ السَّدَادِ وَالْأَنْهَارِ وَنَصُّ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَإِذَا انْهَدَمَتْ الرَّحَى الْمُشْتَرَكَةُ فَأَقَامَهَا أَحَدُهُمْ إذَا أَبَى الْبَاقِي فَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْغَلَّةُ كُلُّهَا لِمُقِيمِهَا وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ نَصِيبِهِمْ خَرَابًا، وَعَنْهُ أَيْضًا يَكُونُ شَرِيكًا فِي الْغَلَّةِ بِمَا زَادَ بِعِمَارَتِهِ فَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا عَشَرَةً، وَبَعْدَ الْعِمَارَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ فَلَهُ ثُلُثُ الْغَلَّةِ بِعِمَارَتِهِ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ ثُمَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ فَلْيَدْفَعْ مَا يَنُوبُهُ مِنْ قِيمَةِ ذَلِكَ يَوْمَ يَدْفَعُهُ وَقِيلَ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمْ، وَيَسْتَوْفِيَ مِنْهَا مَا أَنْفَقَ انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْمَسْأَلَةَ وَمَا فِيهَا مِنْ الْخِلَافِ: فَيَتَحَصَّلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ أَنَّهُ يُحَاصُّ بِالنَّفَقَةِ فِي الْغَلَّةِ كَانَتْ الرَّحَى مَهْدُومَةً، أَوْ انْخَرَقَ سَدُّهَا، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُحَاصُّ بِالنَّفَقَةِ فِي الْغَلَّةِ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَالثَّالِثُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَكُلُّهَا مَرْوِيَّةٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْأَوَّلَانِ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ، وَالثَّالِثُ فِي الْمَبْسُوطَةِ فَإِذَا قُلْت: إنَّهُ لَا يُحَاصُّ بِالنَّفَقَةِ فِي الْغَلَّةِ فَفِي حُكْمِ الْغَلَّةِ ثَلَاثَةٌ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّهَا كُلُّهَا تَكُونُ لِلْعَامِلِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الشَّرِيكُ الدُّخُولَ مَعَهُ فَيَأْتِيهِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ فِي حَظِّ شَرِيكِهِ مِنْ الرَّحَى وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبِئْرِ يَغُورُ مَاؤُهَا، أَوْ يَنْهَدِمُ مِنْهَا نَاحِيَةٌ، فَيُرِيدُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْعَمَلَ، وَيَأْبَى صَاحِبُهُ فَيُقَالُ لِمَنْ أَبَى: اعْمَلْ مَعَهُ، أَوْ بِعْ فَإِنْ أَبَى وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَمَلِ وَحْدَهُ كَانَ الْمَاءُ كُلُّهُ لِلْعَامِلِ حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهِ نَصِيبَهُ مِنْ النَّفَقَةِ فَكَذَلِكَ الرَّحَى وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَوَجْهُ قَوْلِهِ فِي أَنَّهُ لَا كِرَاءَ عَلَيْهِ فِي حَظِّ شَرِيكِهِ مِنْ الرَّحَى أَنَّ الرَّحَى مَهْدُومَةٌ لَا كِرَاءَ لَهَا، وَإِنَّمَا صَارَ لَهَا كِرَاءٌ بِبِنَائِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ فِي حَظِّ شَرِيكِهِ كِرَاءٌ، وَالثَّانِي أَنَّ الْغَلَّةَ تَكُونُ لِلْعَامِلِ أَيْضًا، وَيَكُونُ عَلَيْهِ كِرَاءُ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِنْ الرَّحَى وَهُوَ قَوْلُ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْكِرَاءَ فِيهَا مَوْجُودٌ إذَا أُكْرِيَتْ عَلَى أَنْ تُبْنَى، وَقَدْ بَنَاهَا الْعَامِلُ، وَانْتَفَعَ بِهَا فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ حِصَّةُ شَرِيكِهِ مِنْ الْكِرَاءِ وَهُوَ أَظْهَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَلَيْسَ قَوْلُ عِيسَى بِخِلَافٍ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ لِلَّذِي لَمْ يَبْنِ كِرَاءُ نَصِيبِهِ مِنْ قَاعَةِ الرَّحَى؛ لِأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَا يَرَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كِرَاءً، وَالثَّالِثُ أَنَّ الْغَلَّةَ تَكُونُ بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ لِلَّذِي لَمْ يَعْمَلْ مِنْهُمَا بِقَدْرِ قِيمَةِ حَظِّهِ مِنْ الرَّحَى عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَلِلَّذِي عَمِلَ بِقَدْرِ حَظِّهِ مِنْهَا أَيْضًا، وَبِقَدْرِ عَمَلِهِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الشَّرِيكُ الدُّخُولَ مَعَهُ فَيَأْتِيَهُ بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِيمَا عَمِلَ انْتَهَى.
كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ بِتَقْدِيمٍ، وَتَأْخِيرٍ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ الْعُتْبِيَّةِ وَابْنِ رُشْدٍ بِرُمَّتِهِ، وَقَالَ بَعْدَهُ قُلْت: لَا يَخْفَى مِنْ فَهْمِ هَذَا التَّحْصِيلِ إجْمَالُ نَقْلِ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَنَقَلَ كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ وَاعْتَمَدَ الْمُؤَلِّفُ هُنَا عَلَى مَا قَالَهُ فِي تَوْضِيحِهِ إثْرَ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ نَاقِلًا لَهُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَبِالْقَوْلِ الثَّانِي قَالَ ابْنُ دِينَارٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالثَّالِثُ أَقْوَى الْأَقَاوِيلُ عِنْدِي، وَفِي الثَّانِي إلْزَامُهُمْ الشِّرَاءَ مِنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ، أَوْ يَنْفَرِدُ بِأَكْثَرِ الْغَلَّةِ عَنْهُمْ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ لِاسْتِلْزَامِهِ الْأَوَّلَ الَّذِي حَجَرَ عَلَيْهِمْ مِلْكَهُمْ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ فِيهِ إلَّا أُجْرَةُ الْخَرَابِ (فَإِنْ قِيلَ): وَالثَّالِثُ ضَعِيفٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مُتَوَلِّيَ النَّفَقَةِ أَخْرَجَ مَا أَنْفَقَ مِنْ يَدِهِ دُفْعَةً وَاحِدَةً وَيَأْخُذُهُ مُقَطَّعًا مِنْ الْغَلَّةِ (قِيلَ) هُوَ الَّذِي أَدْخَلَ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ اخْتِيَارًا، وَلَوْ شَاءَ لَرَفَعَهُمْ إلَى الْقَاضِي فَحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِمَا قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ مَالِكٍ إمَّا إنْ يُصْلِحُوا، أَوْ يَبِيعُوا مِمَّنْ يُصْلِحُ انْتَهَى.
ص (وَبِالْإِذْنِ فِي دُخُولِ جَارِهِ
[ ٥ / ١٤٨ ]
لِإِصْلَاحِ جِدَارٍ وَنَحْوِهِ)
ش: يُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ فِي نَحْوِهِ عَلَى الْجِدَارِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى لَهُ الدُّخُولُ لِإِصْلَاحِ الْجِدَارِ وَنَحْوِ الْجِدَارِ كَالْخَشَبِ وَنَحْوِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ فِي الْوَسَطِ وَيُحْتَمَلُ عَوْدُهُ عَلَى إصْلَاحٍ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ لَهُ الدُّخُولَ لِإِصْلَاحِ الْجِدَارِ وَكَنَحْوِ إصْلَاحِ الْجِدَارِ كَمَا إذَا وَقَعَ ثَوْبٌ فِي دَارِ جَارِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الدُّخُولِ لِأَخْذِهِ، أَوْ يُخْرِجَهُ إلَيْهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْبِسَاطِيِّ إلَّا أَنَّ هَذَا لَيْسَ خَاصًّا بِالْجَارِ بَلْ كُلُّ مَنْ وَقَعَ لَهُ شَيْءٌ فِي دَارِ رَجُلٍ حُكْمُهُ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ النَّوَادِرِ: لَوْ قَلَعَتْ الرِّيحُ ثَوْبَ رَجُلٍ فَأَلْقَتْهُ فِي دَارِ آخَرَ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ أَنْ يَدْخُلَ فَيَأْخُذُهُ، أَوْ يُخْرِجُهُ لَهُ انْتَهَى.
وَجَعَلَ الْبِسَاطِيُّ مِثْلَ هَذَا إذَا دَخَلَتْ دَابَّةٌ دَارَ رَجُلٍ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَخْذَهَا إلَّا مَالِكُهَا، وَهُوَ وَاضِحٌ وَعَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى إصْلَاحٍ أَحْسَنُ لِشُمُولِهِ لِمَا ذُكِرَ وَلِلْأَوَّلِ أَيْضًا، فَتَأَمَّلْهُ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: " لِإِصْلَاحٍ " أَنْ لَا يَدْخُلَ إلَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ مَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِصْلَاحِ، وَلَا يَدْخُلُ لِتَفَقُّدِ جِدَارِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ فَتُّوحٍ، وَقَالَ الْمُشَاوِرُ: لَهُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ عَنْ الْمُشَاوِرِ: لِمَنْ لَهُ حَائِطٌ بِدَارِ رَجُلٍ لَهُ الدُّخُولُ إلَيْهِ لِافْتِقَادِهِ كَمَنْ لَهُ شَجَرَةٌ فِي دَارِ رَجُلٍ ابْنُ فَتُّوحٍ مَنْ ذَهَبَ إلَى طُرِّ حَائِطِهِ مِنْ نَاحِيَةِ دَارِ جَارِهِ فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ يَحْتَاجُ إلَى الطُّرِّ كَانَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ كَانَ لِجَارِهِ مَنْعُهُ (قُلْت:) وَهَذَا كَالْمُخَالِفِ لِقَوْلِ الْمُشَاوِرِ لَهُ الدُّخُولُ لِافْتِقَادِهِ انْتَهَى.
وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ يَقْرُبُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ فَتُّوحٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُخَالِفُ كَلَامَ الْمُشَاوِرِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الْجِدَارِ الَّذِي فِي دَارِ الرَّجُلِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ إلَّا مِنْ دَارِ جَارِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ تَشْبِيهُهُ لَهُ بِالشَّجَرَةِ، وَكَلَامُ ابْنِ فَتُّوحٍ أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَطُرَّ جِدَارَهُ مِنْ جِهَةِ جَارِهِ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْجِدَارِ أَنْ يُطَيِّنَهُ مِنْ دَارِ جَارِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ فِي غِلَظِ الْجِدَارِ زَادَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعِيدَهُ أَغْلَظَ مِمَّا كَانَ فِي جِهَةِ الْجَارِ انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي النَّوَادِرِ لِابْنِ سَحْنُونٍ عَنْهُ فِي جَوَابِهِ حَبِيبًا: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُطَيِّنَ حَائِطَهُ مِنْ دَارِ جَارِهِ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ أَنْ يَدْخُلَ دَارِهِ فَيُطَيِّنَ حَائِطَهُ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ فَتُّوحٍ الْمُتَقَدِّمُ ثُمَّ قَالَ إثْرَهُ ابْنُ حَارِثٍ: وَقِيلَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الطُّرَّ يَقَعُ فِي هَوَاءِ جَارِهِ إلَّا أَنْ يَنْحِتَ بِحَائِطِهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطُّرُّ انْتَهَى.
فَكَانَ الرَّاجِحُ عِنْدَ ابْنِ حَارِثٍ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَتُّوحٍ، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعَانِ أَرَادَ أَنْ يُطَيِّنَ دَاخِلَ دَارِهِ وَلِجَارِهِ حَائِطٌ فِيهَا]
(فَرْعَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ حَارِثٍ: وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُطَيِّنَ دَاخِلَ دَارِهِ وَلِجَارِهِ حَائِطٌ فِيهَا فَيَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ نَفْعًا، وَلَا مَضَرَّةَ عَلَى جَارِهِ انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الدُّخُولِ لِإِصْلَاحِ جِدَارِهِ مِنْ جِهَتِهِ يَعْنِي أَنَّ الْجَارَ يُجْبَرُ عَلَى إدْخَالِ جَارِهِ لِدَارِهِ لِإِصْلَاحِ جِدَارِهِ مِنْ جِهَتِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ قَالُوا: وَكَذَا لِإِخْرَاجِ مَا سَقَطَ لَهُ عِنْدَهُ، أَوْ يُخْرِجُهُ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْإِصْلَاحِ الْهَدْمُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ سَحْنُونٍ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ الدُّخُولَ لِيُطَيِّنَ جِدَارَهُ، وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ إدْخَالِهِ الْجَصَّ وَالطِّينَ وَيَفْتَحُ فِي حَائِطِهِ كُوَّةً لِأَخْذِ ذَلِكَ انْتَهَى.
بِلَفْظِهِ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: فَإِنْ أَرَادَ طُرَّ حَائِطِهِ فَذَهَبَ جَارُهُ إلَى أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الدُّخُولِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ الْبَنَّاءَ وَالْأُجَرَاءَ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَيُقَالُ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ صِفْ لَهُمْ مَا تُرِيدُ وَأَمَّا أَنْتَ فَلَا تَتَوَلَّى ذَلِكَ، وَقَدْ يَكْرَهُ جَارُك دُخُولَك دَارِهِ، فَإِنْ مَنَعَ الطِّينُ وَنَحْوُهُ مِنْ الْبَابِ أَمَرَ صَاحِبَهُ بِفَتْحِ مَوْضِعٍ فِي حَائِطِهِ لِيُدْخِلَ مِنْهُ الطِّينَ وَالطُّوبَ وَالصَّخْرَ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْحَائِطُ وَيَعْجِنُ الطِّينَ فِي دَارِهِ وَيُدْخِلُ إلَى دَارِ جَارِهِ فَإِذَا تَمَّ الْعَمَلُ أَغْلَقَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ وَحَصَّنَهُ.
ص (وَبِقِسْمَتِهِ إنْ طُلِبَتْ لَا بِطُولِهِ عَرْضًا)
ش:
[ ٥ / ١٤٩ ]
مَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَافٍ فِي بَيَانِهَا وَمُلَخَّصُ النُّقُولِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ قَسْمُهُ بِالتَّرَاضِي قُسِّمَ عَلَى مَا تَرَاضَوْا عَلَيْهِ مِنْ الطُّولِ، أَوْ الْعَرْضِ، وَإِنْ أُرِيدَ قَسْمُهُ بِالْقُرْعَةِ فَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ يُقَسَّمُ طُولًا وَطُولُهُ هُوَ امْتِدَادُهُ بَيْنَهُمَا، وَعَرْضُهُ هُوَ سُمْكُ طُرِّهِ فَإِذَا كَانَ الْجِدَارُ مَثَلًا طُولُهُ جَارِيًا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ وَعَرْضُهُ جِهَةَ الشِّمَالِ إلَى أَحَدِهِمَا وَجِهَةُ الْجَنُوبِ إلَى الْآخَرِ قُسِّمَ طُولُهُ نِصْفَيْنِ نِصْفٌ يَلِي الْمَشْرِقَ، وَنِصْفٌ يَلِي الْمَغْرِبَ، وَلَا يُقَسَّمُ عَرْضًا بِأَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ عَرْضِ الْجِدَارِ كَمَا إذَا كَانَ عَرْضُهُ مَثَلًا شِبْرَيْنِ فَلَا يَأْخُذُ أَحَدُهُمَا شِبْرًا مَعَ طُولِ الْجِدَارِ، وَيَأْخُذُ الْآخَرُ شِبْرًا مَعَ طُولِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ لِأَحَدِهِمَا الْجِهَةُ الَّتِي تَلِي الْآخَرَ فَيَفُوتُ الْمُرَادُ مِنْ الْقِسْمَةِ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: وَلَا تَصْلُحُ الْقُرْعَةُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقِسْمَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: إلَّا أَنْ يَقْتَسِمَاهُ عَلَى أَنَّ مَنْ صَارَ ذَلِكَ لَهُ يَكُونُ لِلْآخَرِ عَلَيْهِ الْحَمْلُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ صَاحِبُ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ وَإِذَا كَانَ حَائِطٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَانْهَدَمَ، فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا بِنَاءَهُ مَعَ صَاحِبِهِ وَامْتَنَعَ الْآخَرُ مِنْ ذَلِكَ فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ الَّذِي أَبَى مِنْهُمَا عَلَى الْبُنْيَانِ، وَيُقَالُ لِطَالِبِ ذَلِكَ اُسْتُرْ عَلَى نَفْسِك، وَابْنِ إنْ شِئْت وَلَهُ أَنْ يَقْسِمَ مَعَهُ عَرْضَ الْجِدَارِ وَيَبْنِيَ لِنَفْسِهِ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْبُنْيَانِ مَعَ شَرِيكِهِ وَيُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيْنَا انْتَهَى.
مِنْ الْكَافِي انْتَهَى.
كَلَامُ صَاحِبِ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ وَنَقَلَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْجَلَّابِ فِي بَابِ الْبُنْيَانِ وَالْمَرَافِقِ وَنَفَى الضَّرَرِ وَصَدَّرَ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ: إذَا كَانَ حَائِطٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَالٍ مُشْتَرَكٍ وَإِذَا انْهَدَمَ الْحَائِطُ الْمُشْتَرَكُ وَكَانَ سُتْرَةً بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا بِنَاءَهُ وَأَبَى الْآخَرُ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ يُجْبَرُ الَّذِي أَبَى عَلَى بُنْيَانِهِ مَعَ شَرِيكِهِ، وَالْأُخْرَى أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ وَلَكِنْ يَقْسِمَانِ عَرْصَةَ الْحَائِطِ وَنَقْضَهُ ثُمَّ يَبْنِي مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَسْكَرٍ فِي الْعُمْدَةِ، وَلَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ حَائِطًا بَيْنَ دَارَيْنِ، وَلَا بَيِّنَةَ حُكِمَ بِهِ لِمَنْ إلَيْهِ وُجُوهُ الْآجُرِّ وَاللَّبِنِ وَالطَّاقَاتِ وَمَعَاقِدِ الْقُمُطِ فَإِنْ لَمْ تَدُلَّ أَمَارَةٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ وَلَيْسَ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِهَدْمٍ، أَوْ بِنَاءٍ، أَوْ فَتْحِ بَابٍ، أَوْ كُوَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ الشَّرِيكِ فَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرَكُ سُتْرَةٌ بَيْنَهُمَا فَانْهَدَمَ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا إصْلَاحَهُ فَهَلْ يُجْبَرُ الْآخَرُ رِوَايَتَانِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِهِ تُقَسَّمُ الْعَرْصَةُ لِيَبْنِيَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فَلَوْ هَدَمَهُ أَحَدُهُمَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ لَلَزِمَهُ إعَادَتُهُ كَمَا كَانَ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْبِئْرِ الْمُشْتَرَكَةِ تَنْهَارُ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي الْإِرْشَادِ فِي فَصْلِ الِاتِّفَاقِ: وَإِذَا تَدَاعَيَا جِدَارًا، وَلَا بَيِّنَةَ فَهُوَ لِمَنْ إلَيْهِ وُجُوهُ الْآجُرِّ، وَالطَّاقَاتِ فَإِنْ
[ ٥ / ١٥٠ ]
اسْتَوَيَا فَهُوَ مُشْتَرَكٌ فَلَا يَتَصَرَّفُ إلَّا بِإِذْنِ الشَّرِيكِ، فَمَنْ هَدَمَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ لَزِمَهُ إعَادَتُهُ فَإِنْ انْهَدَمَ فَإِنْ أَمْكَنَ قَسْمُ عَرْصَتِهِ وَإِلَّا أُجْبِرَ عَلَى إعَادَتِهِ فَإِنْ بَنَى أَحَدُهُمَا فَلَهُ مَنْعُ الْآخَرِ مِنْ الِانْتِفَاعِ لِيُؤَدِّيَ مَا يَنُوبُهُ انْتَهَى.
فَكَلَامُهُ فِي الْإِرْشَادِ مُخَالِفٌ لِلرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ حَكَاهُمَا فِي الْجَلَّابِ وَالْعُمْدَةِ فَإِنَّ ظَاهِرَ ذَلِكَ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْبِنَاءِ، وَلَا يَقْسِمُ مَعَهُ الْحَائِطَ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْكَافِي أَيْضًا بِخِلَافِ مَا قَالَهُ فِي الْإِرْشَادِ؛ وَلِذَلِكَ اعْتَرَضَهُ شَارِحُهُ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ الْبُحَيْرِيُّ بِأَنَّ الْقَسْمَ إنَّمَا هُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بِعَدَمِ الْجَبْرِ، وَنَصُّهُ إثْرَ كَلَامِ صَاحِبِ الْإِرْشَادِ الْمُتَقَدِّمِ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ لَهُ بِاخْتِصَاصِهِ حُكِمَ فِيهِ بِشَهَادَةِ الْعَوَائِدِ فَإِنَّ الْعَادَةَ أَنَّ تَوْجِيهَ الْجِدَارِ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ، وَكَذَلِكَ مَغَارِزُ الْأَخْشَابِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَالْقُمُطُ هِيَ الْخَشَبُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الْبُنْيَانِ قَالَهُ ابْنُ نَاجِي.
ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَدُلَّ أَمَارَةٌ عَلَى اخْتِصَاصِ أَحَدِهِمَا بِهِ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا قَالَهُ فِي الْعُمْدَةِ، وَقَالَ بَهْرَامُ فِي الشَّامِلِ: وَحَلَفَا عِنْدَ عَدَمِ تَرْجِيحٍ وَاشْتَرَكَا فَلَا يُفْتَحُ فِيهِ بَابًا، وَلَا رَوْزَنَةً، وَلَا يَضَعُ عَلَيْهِ خَشَبَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ ذَلِكَ فَإِنْ انْهَدَمَ الْجِدَارُ بِنَفْسِهِ، أَوْ هَدَمَهُ الشَّرِيكَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا لِمَصْلَحَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُمْكِنَ انْقِسَامُ عَرْصَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، أَوْ لَا فَإِنْ أَمْكَنَ قَسْمُهَا قُسِمَتْ وَإِلَّا بِأَنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْإِصْلَاحَ وَأَبَى الْآخَرُ أُجْبِرَ عَلَى أَنْ يَبْنِيَ مَعَ شَرِيكِهِ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَاَلَّذِي فِي الْجَلَّابِ: وَإِنْ انْهَدَمَ الْحَائِطُ وَذَكَرَ كَلَامَ الْجَلَّابِ الْمُتَقَدِّمَ بِلَفْظِهِ، ثُمَّ قَالَ: فَأَنْتَ تَرَاهُ إنَّمَا جَعَلَ قِسْمَةَ الْعَرْصَةِ مُفَرَّعَةً عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ جَبْرِهِ عَلَى الْبِنَاءِ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْعُمْدَةِ وَشَرْحِهَا وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مُسْتَنَدٍ لِمَا قَالَهُ فِي إرْشَادِهِ فِي كَلَامِهِ، وَلَا فِي كَلَامِ غَيْرِهِ، وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ والتِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ الرِّوَايَةُ الْأُولَى الْقَائِلَةُ بِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْبِنَاءِ مَنْ أَبَاهُ مِنْهُمَا انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ سُلَيْمَانَ الْبُحَيْرِيِّ بِلَفْظِهِ (قُلْتُ:) فَسَّرَ التِّلْمِسَانِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ الرِّوَايَةَ الْأُولَى بِأَنَّهُ إمَّا بَنَى مَعَهُ، أَوْ قَاسَمَ إنْ كَانَ مِثْلُهُ يَنْقَسِمُ، أَوْ يَبِيعُ مِمَّنْ يَبْنِي مَعَ الشَّرِيكِ قَالَ: وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْيَسُ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى صَاحِبِ الْإِرْشَادِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلِابْنِ عَبْدُوسٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ: لَا يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى بِنَائِهِ وَمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا سَتَرَ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُقَالُ لِمَنْ أَبَى إمَّا أَنْ تَبْنِيَ، أَوْ تَبِيعَ، أَوْ تُقَاسِمَ وَلِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ يُجْبَرُ الْآبِي مِنْهُمَا عَلَى الْبِنَاءِ، وَإِنْ طَلَبَ قَسْمَ مَوْضِعِ الْجِدَارِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ انْتَهَى.
فَالْحَاصِلُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ التَّوْضِيحِ وَصَاحِبِ الْإِرْشَادِ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ قَسْمُهُ قُسِمَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ قَسْمُهُ فَإِمَّا بَنَى مَعَهُ، أَوْ بَاعَ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ الَّذِي رَجَّحَهُ صَاحِبُ الْكَافِي وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ والتِّلِمْسَانِيُّ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْإِرْشَادِ، وَهَذَا دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَقَضَى عَلَى شَرِيكٍ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ أَنْ يَعْمُرَ، أَوْ يَبِيعَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلَ التَّتَّائِيُّ كَلَامَ صَاحِبِ الْإِرْشَادِ وَرَدَّ عَلَى مَنْ اعْتَرَضَ، وَنَصُّهُ فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْإِرْشَادِ الْمُتَقَدِّمِ أَيْ، وَإِنْ انْهَدَمَ الْجِدَارُ بِنَفْسِهِ فَإِنْ أَمْكَنَ قَسْمُ عَرْصَةٍ بَيْنَهُمَا قُسِمَتْ وَإِلَّا يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْبِنَاءِ مَعَهُ أَيْ مَعَ الشَّرِيكِ وَالطَّالِبِ لِذَلِكَ، وَمَسْأَلَةُ الْمُصَنِّفِ هَذِهِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِ صَاحِبِ الْمُخْتَصَرِ: وَقَضَى عَلَى شَرِيكٍ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ أَنْ يَعْمُرَ، أَوْ يَبِيعَ وَمَا اعْتَرَضَ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْجَلَّابِ ذَاتُ الرِّوَايَتَيْنِ الْأُولَى الْجَبْرُ عَلَى الْبِنَاءِ مَعَ شَرِيكِهِ وَالْأُخْرَى عَدَمُ الْجَبْرِ لَكِنْ يَقْسِمَانِ عَرْصَةَ الْحَائِطِ وَنَقْضَهُ، ثُمَّ يَبْنِي مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا لِنَفْسِهِ، وَإِنَّ ابْنَ الْجَلَّابِ إنَّمَا جَعَلَ قِسْمَةَ الْعَرْصَةِ مُفَرَّعَةً عَلَى الرِّوَايَةِ بِعَدَمِ الْجَبْرِ عَلَى الْبِنَاءِ سَهْوًا وَلِأَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا ذَكَرَ الْجَبْرَ مَعَ عَدَمِ إمْكَانِ الْقَسْمِ وَابْنَ الْجَلَّابِ مَعَ إمْكَانِهِ وَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ، فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعَانِ تَصْرِف أَحَد الشَّرِيكَيْنِ فِي شيئ بِدُونِ إِذْن شَرِيكه]
(فَرْعَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا مَعَ غَيْرِهَا مَنْعُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ بِمُجَرَّدِ الْمِلْكِ فِي شَيْءٍ تَصَرَّفَ فِيهِ دُونَ إذْنِ شَرِيكِهِ لِمَلْزُومِيَّتِهِ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ
[ ٥ / ١٥١ ]
بِغَيْرِ إذْنِهِ الشَّيْخُ لِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ لَيْسَ لِأَحَدِ مَالِكَيْ جِدَارٍ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ مَا يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ حَمْلِ مِثْلِهِ عَلَيْهِ إنْ احْتَاجَ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْنَعُ صَاحِبَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ مِثْلَ سَقْفِ بَيْتٍ، أَوْ غَرْزِ خَشَبِهِ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلِكُلٍّ الْمَنْعُ فِي الْجِدَارِ الْمُشْتَرَكِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ يَعْنِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ مَنْعُ شَرِيكِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْجِدَارِ الْمُشْتَرَكِ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ شَرِيكُهُ كَسَائِرِ الْمُشْتَرَكَاتِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَفِي الْمَعُونَةِ الْحَائِطُ الْمُشْتَرَكُ لَيْسَ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ، وَلَا أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ شَيْئًا إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي التَّلْقِينِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ جُزَيٍّ فِي الْقَوَانِينَ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ الْجَلَّابِ وَصَاحِبِ الْعُمْدَةِ والتِّلِمْسَانِيُّ نَحْوُ ذَلِكَ فَانْظُرْ مَا حَكَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الشَّيْخِ لِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ مِنْ التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ هَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا عَزَاهُ لِلْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْإِطْلَاقِ، أَوْ مُقَيِّدٌ لَهُ، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي النَّوَادِرِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ مِنْ سُؤَالِ ابْنِ حَبِيبٍ سَحْنُونًا عَنْ الْحَائِطِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ وَهُمَا مُقِرَّانِ بِذَلِكَ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَشَبٌ، وَخَشَبُ أَحَدِهِمَا أَسْفَلُ مِنْ الْآخَرِ فَأَرَادَ رَفْعَهَا إلَى حِذَاءِ خَشَبِ صَاحِبِهِ فَمَنَعَهُ قَالَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ فَإِنْ أَنْكَرَ الَّذِي خَشَبُهُ أَعْلَى أَنْ يَكُونَ لِصَاحِبِ الْخَشَبِ السُّفْلِيِّ مِنْ فَوْقِ خَشَبِهِ شَيْءٌ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ قَالَ؛ لِأَنَّهُ حَائِزٌ لِمَا فَوْقَ خَشَبِ الْأَسْفَلِ، يُرِيدُ وَلَا عَقْدَ فِي ذَلِكَ الزَّائِدِ الْأَسْفَلِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ أَنْكَرَ الَّذِي خَشَبُهُ أَعْلَى إلَى آخَرِهِ مَعْنَاهُ أَنَّ صَاحِبَ الْخَشَبِ الْأَعْلَى ادَّعَى أَنَّ مَا فَوْقَ خَشَبِ الْأَسْفَلِ خَاصٌّ بِهِ وَلَيْسَ ثَمَّ مَا يَشْهَدُ فِي ذَلِكَ الزَّائِدِ الْأَسْفَلِ مِنْ عَقْدِ جِدَارٍ، أَوْ رَبْطٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمُرَادُهُ بِالزَّائِدِ الْأَسْفَلِ مَا تَحْتَ خَشَبِ الْأَعْلَى إلَى خَشَبِ الْأَسْفَلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِهَدْمِ بِنَاءٍ بِطَرِيقٍ، وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ)
ش: ذَكَرَ - ﵀ - فِيمَنْ اقْتَطَعَ سَبِيلًا مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَزَيَّدَهُ وَأَدْخَلَهُ فِي بُنْيَانِهِ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُهْدَمُ عَلَيْهِ مَا يَزِيدُهُ مِنْ الطَّرِيقِ وَأَدْخَلَ فِي بِنَائِهِ، وَلَوْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا جِدًّا لَا يَضُرُّهُ مَا اقْتَطَعَهُ مِنْهُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ إنْ كَانَ مَا اقْتَطَعَهُ يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ هُدِمَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِلَوْ فِي قَوْلِهِ، وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْوُقُوعِ.
وَأَمَّا ابْتِدَاءً فَلَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ بِلَا خِلَافٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ فُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْبِنَاءُ مُضِرًّا بِالطَّرِيقِ لَهُدِمَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ وَهُوَ كَذَلِكَ أَيْضًا كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ فِي كَلَامِهِمْ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي كِتَابِ السُّلْطَانِ فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمُلَقَّبِ بِزُونَانَ وَسَأَلْته عَنْ الرَّجُلِ يَتَزَيَّدُ فِي دَارِهِ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ ذِرَاعًا، أَوْ ذِرَاعَيْنِ فَإِذَا بَنَى جِدَارًا وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ وَجَعَلَهُ بَيْتًا قَامَ عَلَيْهِ جَارُهُ الَّذِي هُوَ مُقَابِلُهُ مِنْ جَانِبِ الطَّرِيقِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ مَا تَزَيَّدَ، وَرَفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ وَأَرَادَ أَنْ يَهْدِمَ مَا تَزَيَّدَ مِنْ الطَّرِيقِ وَزَعَمَ أَنَّ سَعَةَ الطَّرِيقِ كَانَ رِفْقًا بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِنَاءً لَهُ وَمَرْبِطًا لِدَابَّتِهِ وَفِي بَقِيَّةِ الطَّرِيقِ مَمَرٌّ
[ ٥ / ١٥٢ ]
لِلنَّاسِ وَكَانَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ سَعَةِ الطَّرِيقِ ثَمَانِيَةُ أَذْرُعٍ، أَوْ تِسْعَةٌ هَلْ لِذَلِكَ الْجَارِ إلَى هَدْمِ بُنْيَانِ جَارِهِ الَّذِي بَنَى سَبِيلٌ، أَوْ رَفَعَ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ كَانَ يَسْلُكُ تِلْكَ الطَّرِيقَ وَفِي بَقِيَّةِ سَعَتِهِ مَا قَدْ أَعْلَمْتُك فَقَالَ يَهْدِمُ مَا بَنَى، وَإِنْ كَانَ فِي سَعَةِ الطَّرِيقِ ثَمَانِيَةُ أَذْرُعٍ، أَوْ تِسْعَةٌ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ التَّزَيُّدُ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُقَدِّمَ فِي ذَلِكَ إلَى النَّاسِ، وَيَنْهَى إلَيْهِمْ أَنْ لَا يُحْدِثَ أَحَدٌ بُنْيَانًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَذَكَرَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ الْحَكَمِ الْجُذَامِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ حَدَّادًا ابْتَنَى كِيرًا فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ - فَرَآهُ فَقَالَ: لَقَدْ انْتَقَصْتُمْ السُّوقَ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَهَدَمَهُ قَالَ أَشْهَبُ: نَعَمْ يَأْمُرُ السُّلْطَانُ بِهَدْمِهِ رَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ مَنْ كَانَ يَسْلُكُ الطَّرِيقَ، أَوْ رَفَعَ ذَلِكَ جِيرَانُهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ التَّزَيُّدُ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ فِي الطَّرِيقِ سَعَةٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، كَانَ مُضِرًّا مَا تَزَيَّدَ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مُضِرًّا يُؤْمَرُ بِهَدْمِهِ، وَيَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ إلَى النَّاسِ أَنْ لَا يَتَزَيَّدَ أَحَدٌ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: اتَّفَقَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ فِيمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتَطِعَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَيَتَزَيَّدَهُ فِي دَارِهِ وَيُدْخِلَهُ فِي بُنْيَانِهِ، وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا جِدًّا لَا يَضُرُّهُ مَا اقْتَطَعَ مِنْهُ، وَاخْتَلَفُوا إنْ تَزَيَّدَ فِي دَارِهِ مِنْ الطَّرِيقِ الْوَاسِعَةِ جِدًّا مَا لَا يَضُرُّ بِهَا، وَلَا يُضَيِّقُهَا عَلَى الْمَارَّةِ فِيهَا فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ: يُهْدَمُ عَلَيْهِ مَا تَزَيَّدَ مِنْ الطَّرِيقِ وَتُعَادُ إلَى حَالِهَا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْأَبْرِجَةِ يَبْنِيهَا الرَّجُلُ فِي الطَّرِيقِ مُلْصَقَةً بِجِدَارِهِ وَاخْتِيَارُ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى ظَاهِرِ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - فِي الْكِيرِ الَّذِي أُنْشِئَ فِي السُّوقِ فَأَمَرَ بِهِ فَهُدِمَ وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الطَّرِيقَ حَقٌّ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ كَالْحَبْسِ فَوَجَبَ أَنْ يُهْدَمَ عَلَى الرَّجُلِ مَا تَزَيَّدَهُ فِي دَارِهِ مِنْهَا كَمَا يُهْدَمُ عَلَيْهِ مَا تَزَيَّدَ مِنْ أَرْضٍ مُحْبَسَةٍ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ مِلْكِ الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ وَقِيلَ إنَّهُ لَا يُهْدَمُ عَلَيْهِ مَا تَزَيَّدَهُ مِنْ الطَّرِيقِ إذَا كَانَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِهَا لِسَعَتِهَا لِمَا لَهُ مِنْ الْحَقِّ فِيهِ إذْ هُوَ بِنَاؤُهُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَكِرَاؤُهُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا جَاءَ مِنْ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَضَى بِالْأَفْنِيَةِ لِأَرْبَابِ الدُّورِ، وَأَفْنِيَتُهَا مَا أَحَاطَ بِهَا مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهَا فَلَمَّا كَانَ أَحَقَّ بِالِانْتِفَاعِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ إلَّا إذَا اسْتَغْنَى هُوَ عَنْهُ وَجَبَ أَنْ لَا يُهْدَمَ عَلَيْهِ بُنْيَانُهُ فَيَذْهَبُ مَالُهُ هَدْرًا وَهُوَ أَعْظَمُ النَّاسِ حَقًّا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بَلْ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مَعَهُ فِيهِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ فَكَيْفَ إذَا لَمْ يُتَوَصَّلْ إلَى أَخْذِهِ مِنْهُ مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهِ إلَّا بِهَدْمِ بُنْيَانِهِ وَتَلَفِ مَالِهِ، وَهَذَا بَيِّنٌ لَا سِيَّمَا وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يُبِيحُ لَهُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً فِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ سَمْعَانَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالُوا فِي الطَّرِيقِ يُرِيدُ أَهْلُهَا بُنْيَانَ عَرْصَتِهَا أَنَّ الْأَقْرَبِينَ إلَيْهَا يَقْتَطِعُونَهَا عَلَى قَدْرِ مَا شُرِعَ فِيهَا مِنْ رِبَاعِهِمْ بِالْحِصَصِ فَيُعْطَى صَاحِبُ الرُّبُعِ الْوَاسِعِ بِقَدْرِهِ، وَصَاحِبُ الصَّغِيرِ بِقَدْرِهِ وَيَتْرُكُونَ لِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ ثَمَانِيَةَ أَذْرُعٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنَّمَا قَالُوا ثَمَانِيَةَ أَذْرُعٍ احْتِيَاطًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
لِيَسْتَوْفِيَ فِيهَا السَّبْعَةَ الْأَذْرُعَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى زِيَادَةِ الذِّرَاعِ وَنُقْصَانِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَظْهَرُ وَالْقَائِلُونَ بِالْأَوَّلِ أَكْثَرُ وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَقَدْ نَزَلْت بِقُرْطُبَةَ قَدِيمًا وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا فَأَفْتَى ابْنُ لُبَابَةَ وَأَبُو صَالِحٍ أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِأَنَّهُ لَا يُهْدَمُ مَا تَزَيَّدَهُ مِنْ الطَّرِيقِ إذَا كَانَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِهَا وَأَفْتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى وَابْنُهُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأَحْمَدُ بْنُ بَيْطِيرٍ بِأَنْ يُهْدَمَ مَا تَزَيَّدَ مِنْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
وَمَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ لَا يُهْدَمُ عَلَيْهِ مَا تَزَيَّدَ مِنْ الطَّرِيقِ إذَا كَانَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِهَا أَفْتَى بِهِ أَيْضًا فِي نَوَازِلِهِ، وَرَجَّحَهُ فِي سُؤَالٍ كَتَبَ بِهِ إلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ يَسْأَلُهُ عَنْ شَخْصٍ بَنَى حَائِطًا بِجَنَّتِهِ فِي بَطْنِ وَادٍ، وَقَدْ كَانَ حَائِطُهُ دُونَ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ إنْ كَانَ الْحَائِطُ الَّذِي بَنَاهُ يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ، أَوْ بِجَارِهِ
[ ٥ / ١٥٣ ]
فَيُهْدَمُ مَا بَنَاهُ، وَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ لَا يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ، وَلَا بِجَارِهِ لَمْ يُهْدَمْ عَلَيْهِ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ تَزَيَّدَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِهِ مَا لَا يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ لَا يُهْدَمُ بُنْيَانُهُ، وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يُهْدَمُ عَلَيْهِ بُنْيَانُهُ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالطَّرِيقِ لِمَا لَهُ مِنْ الْحَقِّ فِي الْبِنَاءِ وَهُوَ الَّذِي أَقُولُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يُبِيحُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَيْضًا فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ، وَالْحَبْسِ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ: قَالَ أَصْبَغُ: سَأَلْت أَشْهَبَ عَنْ رَجُلٍ يَهْدِمُ دَارِهِ وَلَهُ الْفِنَاءُ الْوَاسِعُ فَيَزِيدُ فِيهَا مِنْ الْفِنَاءِ يُدْخِلُهُ بُنْيَانَهُ، ثُمَّ يَعْلَمُ بِذَلِكَ قَالَ: لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ إذَا كَانَ الْفِنَاءُ وَاسِعًا وَبَرَاحًا لَا يَضُرُّ الطَّرِيقَ، وَقَدْ كَرِهَهُ مَالِكٌ وَأَنَا أَكْرَهُهُ، وَلَا آمُرُ بِهِ، وَلَا أَقْضِيَ عَلَيْهِ بِهَدْمِهِ إذَا كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا وَبَرَاحًا لَا يَضُرُّ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلَا يُقَارِبُهُ الْمَشْيُ قَالَ أَصْبَغُ فِي الرَّجُلِ يَبْنِي دَارًا لَهُ فَيَأْخُذُ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا يَزِيدُهُ فِيهَا كَانَ ذَلِكَ مُضِرًّا بِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لَا يَضُرُّ أَتَرَى ذَلِكَ جَائِزًا وَهَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ مِثْلِ هَذَا قَالَ أَصْبَغُ: إنْ كَانَ اقْتَطَعَهُ اقْتِطَاعًا فَمَا يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَدْخَلَهُ فِي بُنْيَانِهِ وَكَانَ إدْخَالُهُ فِيمَا يُرَى بِمَعْرِفَةٍ لَا بِجَهَالَةٍ، أَوْ وُقِفَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُبَالِ فَلَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُ، وَيُهْدَمُ بُنْيَانُهُ إذَا أَضَرَّ جِدًّا، وَإِنْ كَانَتْ الطَّرِيقُ وَاسِعَةً جِدًّا كَبِيرَةً وَكَانَ الَّذِي أَخَذَ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ جِدًّا الَّذِي لَا يَضُرُّ، وَلَا يَكُونُ فَسَادًا فِي صَغِيرِ مَا أَخَذَ وَسَعَةِ الطَّرِيقِ وَكَثْرَتِهِ فَلَا أَرَى أَنْ يُهْدَمَ بُنْيَانُهُ، وَلَا يُعْرَضَ لَهُ، وَقَدْ سَأَلْت أَشْهَبَ عَنْهَا بِعَيْنِهَا وَنَزَلَتْ عِنْدَنَا فَكَانَ هَذَا رَأْيِي فِيهَا فَسَأَلْته عَنْهَا فَقَالَ لِي مِثْلَهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا مِنْ قَوْلِ أَصْبَغَ وَرِوَايَتِهِ عَنْ أَشْهَبَ خِلَافُ مَا مَضَى قَبْلَ هَذَا فِي سَمَاعِ زُونَانَ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ عَلَى ذَلِكَ هُنَاكَ مُجَوَّدًا مُسْتَوْفًى فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ هُنَا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَيُشِيرُ بِذَلِكَ لِكَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ مُخْتَصِرًا فَقَالَ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا يُبَاحُ لِذِي الْفِنَاءِ أَنْ يُدْخِلَهُ فِي دَارِهِ فَإِنْ فَعَلَ وَهُوَ يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ هُدِمَ عَلَيْهِ وَرُدَّ كَمَا كَانَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ فَفِي هَدْمِهِ قَوْلَانِ لِسَمَاعِ زُونَانَ ابْنُ وَهْبٍ مَعَ أَشْهَبَ وَأَصْبَغُ مَعَ سَمَاعِهِ مِنْ أَشْهَبَ، وَالْقَائِلُونَ بِالْأَوَّلِ أَكْثَرُ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ انْتَهَى.
وَقَدْ اسْتَوْفَى ابْنُ سَهْلٍ فِي أَحْكَامِهِ الْكُبْرَى الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَسَائِلِ الِاحْتِسَابِ فِي تَرْجَمَةِ الِاحْتِسَابِ عَلَى ابْنِ السَّلِيمِ فِيمَا اقْتَطَعَهُ مِنْ الْمَحَجَّةِ وَضَمَّهُ إلَى جَنَّتِهِ وَذَكَرَ النَّازِلَةَ بِقُرْطُبَةَ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَذَكَرَ فَتَاوَى الْمَشَايِخِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرِهِمْ وَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي اسْتِدْلَالِهِ عَنْ مَسْأَلَةِ الْعُتْبِيَّةِ، وَقَدْ نَقَلَ فِي أَثْنَاءِ جَوَابِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَصْبَغَ أَنَّ أَبَاهُ أَصْبَغَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَا يُهْدَمُ مَا لَا يَضُرُّ إلَى أَنَّهُ يُهْدَمُ.
وَنَصُّهُ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ أَنَّ أَبَاهُ أَصْبَغَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ فِيمَنْ اقْتَطَعَ مِنْ أَفْنِيَةِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، وَأَدْخَلَهُ فِي دَارِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ وَاسِعًا رَحْرَاحًا أَنَّهُ لَا يُهْدَمُ فَرَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: وَيُهْدَمُ وَيُرَدُّ إلَى حَالَتِهِ، وَقَالَ: إنَّ الْأَفْنِيَةَ، وَالطَّرِيقَ كَالْأَحْبَاسِ لِلْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْدِثَ فِيهَا حَدَثًا إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ، وَاضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ ابْنِ غَالِبٍ فِي أَثْنَاءِ جَوَابِهِ مَا نَصُّهُ: وَرَأَيْت بَعْضَ أَصْحَابِنَا قَدْ ذَهَبَ إلَى اخْتِيَارِ قَوْلِ أَصْبَغَ: إنَّهُ لَا يُهْدَمُ عَلَى الْمُقْتَطِعِ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ مَا اقْتَطَعَ إذَا كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا رَحْرَاحًا فَاخْتَارَ بِرَأْيِهِ مَا رَآهُ صَوَابًا.
وَاَلَّذِي نَرَاهُ، وَاَللَّهُ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ اتِّبَاعُ قَوْلِ الْمُتَقَدِّمِينَ يَعْنِي الْهَدْمَ وَهُوَ إلَى التَّوْفِيقِ أَقْرَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالْعَجَبُ مِنْ الَّذِي اخْتَارَ قَوْلَ أَصْبَغَ كَيْفَ فَارَقَ قَوْلَ عُمَرَ الْمَعْرُوفَ عَنْهُ وَمَا عَلِمْتَهُ أَرْخَصَ فِيهَا لِأَحَدٍ قَطُّ وَمَا أَظُنُّ بِهِ إلَّا أَنَّهُ اجْتَهَدَ، وَاَللَّهُ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ ثُمَّ قَالَ فِي آخَرِ كَلَامِهِ بَعْدَ ذِكْرِ أَجْوِبَتِهِمْ: وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ - ﵀ - هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِهِ بِأَحْسَنِ مَسَاقٍ وَأَقْرَبِ أَلْفَاظٍ وَأَبْيَنِ مَعَانٍ مِمَّا وَقَعَ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ كُلُّ
[ ٥ / ١٥٤ ]
وَاحِدٍ، وَلَا خَرَجُوا عَمَّا فِي الْعُتْبِيَّةِ فَدَلَّ عَلَى مَغِيبِ مَا فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْهُمْ وَعُزُوبِهِ عَنْ ذِكْرِهِمْ وَرَأَيْت نَقْلَهُ إذْ فِيهِ تَتْمِيمٌ لِمَسْأَلَتِهِمْ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: سَأَلْت مُطَرِّفًا وَابْنَ الْمَاجِشُونِ عَنْ الرَّجُلِ يَبْنِي أَبْرِجَةً فِي الطَّرِيقِ مُلْصَقَةً بِجِدَارِهِ هَلْ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيُؤْمَرُ بِهَدْمِهَا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَالَا لِي: نَعَمْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ فِي الطَّرِيقِ شَيْئًا يَنْتَقِصُهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَا أَبْقَى مِنْ الطَّرِيقِ وَاسِعًا لِمَنْ سَلَكَهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَسَأَلْت أَصْبَغَ بْنَ الْفَرَجِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِي: إنَّ لَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَا وَرَاءَهَا مِنْ الطَّرِيقِ وَاسِعًا قَالَ لِي أَصْبَغُ: وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى بِالْأَفْنِيَةِ لِأَرْبَابِ الدُّورِ.
وَقَالَ لِي: فَالْأَفْنِيَةُ دُونَ الدُّورِ كُلِّهَا مُقْبِلُهَا وَمُدْبِرُهَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا مَا لَمْ تُضَيِّقْ طَرِيقًا، أَوَيُمْنَعُ مَا يَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ فَإِذَا كَانَ لَهُمْ الِاتِّسَاعُ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ حَمَوْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَمَنْ أَدْخَلَ مِنْهُمْ فِي بُنْيَانِهِ مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْمِيَهُ بِبُرْجٍ يَسُدُّ دَارِهِ، أَوْ حَظَرَ حَظِيرَةً وَزَادَهُ فِي دَارِهِ لَمْ يُرَ أَنْ يُعْرَضَ لَهُ، وَلَا يُمْنَعُ إذَا كَانَ الطَّرِيقُ وَرَاءَهُ وَاسِعَةً مُنْبَسِطَةً لَا تُضَرُّ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَلَا تُضَيَّقُ قَالَ: وَأَكْرَهُ لَهُ ابْتِدَاءً أَنْ يَحْظُرَهُ، أَوْ يُدْخِلَهُ فِي بُنْيَانِهِ مَخَافَةَ الْإِثْمِ عَلَيْهِ، وَإِنْ فَعَلَ لَمْ أَعْرِضْ عَلَيْهِ فِيهِ بِحُكْمٍ وَلَمْ أَمْنَعْهُ مِنْهُ وَقَلَّدْته مِنْهُ مَا تَقَلَّدَ.
وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ لَهُ الْبُنْيَانَ، وَأَنَا أَكْرَهُ لَهُ بَدْءًا فَإِذَا فَاتَ عَلَى مَا وَصَفْنَا لَمْ أَرَ أَنْ يُعْرَضَ لَهُ فِيهِ قَالَ أَصْبَغُ: وَقَدْ نَزَلَ مِثْلُ هَذَا عِنْدَنَا، وَاسْتَشَارَنِي فِيهِ السُّلْطَانُ وَسَأَلَنِي النَّظَرَ إلَيْهِ يَوْمَئِذٍ، فَنَظَرْت فَرَأَيْت أَمْرًا وَاسِعًا جِدًّا فَجًّا مِنْ الْفِجَاجِ وَكَانَ لَهُ مُحِيطٌ مَحْظُورٌ عَنْ الطَّرِيقِ يَجْلِسُ فِيهِ الْبَاعَةُ فَكَسَرَهُ، وَأَدْخَلَهُ فِي بُنْيَانِهِ فَرَأَيْت ذَلِكَ وَاسِعًا، وَأَشَرْت بِهِ عَلَى السُّلْطَانِ فَحَكَمَ بِهِ، وَسَأَلْت عَنْهُ أَشْهَبَ يَوْمئِذٍ فَذَهَبَ مَذْهَبِي، وَقَالَ مِثْلَ قَوْلِي قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيهِ أَحَبُّ إلَيَّ وَبِهِ أَقُولُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِصَ الطَّرِيقَ وَالْفِنَاءَ بِبِنَاءٍ يَسُدُّ بِهِ جِدَارَهُ، أَوْ يُدْخِلُهُ فِي دَارِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الطَّرِيقُ وَاسِعَةً صَحْرَاءَ فِي سَعَتِهَا؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْتَقِصَهُ كَمَا لَوْ كَانَ حَقًّا لِرَجُلٍ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا أَنْ يَنْتَقِصَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَرِضَاهُ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ طَوَّقَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» وَإِنَّمَا يُفَسَّرُ قَضَاءُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْأَفْنِيَةِ لِأَرْبَابِ الدُّورِ بِالِانْتِفَاعِ لِلْمَجَالِسِ، وَالْمَرَابِطِ وَالْمَسَاطِبِ وَجُلُوسِ الْبَاعَةِ فِيهِ لِلْبِيَاعَاتِ الْخَفِيفَةِ، وَالْأَفْنِيَةِ وَلَيْسَ بِأَنْ تُحَازَ لِلْبُنْيَانِ، وَالتَّحْظِيرِ، وَكَذَلِكَ سَمِعْت مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ خَبَرَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - فِي هَدْمِ كِيرِ الْحَدَّادِ وَأَثَرًا عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي اقْتِطَاعِ الْأَفْنِيَةِ وَالطُّرُقِ وَالْوَعِيدَ فِي ذَلِكَ فِي الْمَجْمُوعَةِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ سَمْعَانَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالُوا فِي الطَّرِيقِ يُرِيدُ أَهْلُهَا بُنْيَانَ عَرْصَتِهَا أَنَّ الْأَقْرَبِينَ يَقْتَطِعُونَهَا بِالْحِصَصِ عَلَى قَدْرِ مَا شُرِعَ فِيهَا مِنْ رِبَاعِهِمْ فَيُعْطَى صَاحِبُ الرِّبْعَةِ الْوَاسِعَةِ بِقَدْرِ مَا شَرَعَ فِيهَا مِنْ رِبَاعِهِمْ وَصَاحِبُ الصَّغِيرَةِ بِقَدْرِهَا وَيَتْرُكُونَ لِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ الْقَاضِي ابْنُ سَهْلٍ: وَهَذَا أَشَدُّ مَا أَنْكَرَهُ مُنْكِرُهُمْ مِنْ قَوْلِ أَصْبَغَ؛ لِأَنَّ أَصْبَغَ كَرِهَهُ ابْتِدَاءً وَرَأَى أَنَّ تَرْكَهُ لِمَنْ فَعَلَهُ إذَا كَانَ وَاسِعًا رَحْرَاحًا فَجًّا مِنْ الْفِجَاجِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي نَوَادِرِهِ: قَالَ لَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ يَزِيدُ فِي بُنْيَانِهِ مِنْ الْفِنَاءِ الْوَاسِعِ لَا يَضُرُّ فِيهِ بِأَحَدٍ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَلِابْنِ وَهْبٍ عَنْ رَبِيعَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا فِي طَائِفَةٍ مِنْ دَارِهِ فَلَا يَتَزَيَّدُ فِيهِ مِنْ الطَّرِيقِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَسَأَلَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَمَّنْ أَدْخَلَ فِي دَارِهِ مِنْ زُقَاقِ الْمُسْلِمِينَ النَّافِذِ شَيْئًا فَلَمْ يَشْهَدْ بِهِ الْجِيرَانُ إلَّا بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً قَالَ إذَا صَحَّتْ الْبَيِّنَةُ فَلْيَرُدَّ ذَلِكَ إلَى الزُّقَاقِ، وَلَا تُحَازُ الْأَزِقَّةُ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ كَانَ ضَرَرُ ذَلِكَ بَيِّنًا، وَلَا عُذْرَ لِلْبَيِّنَةِ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ فَهِيَ
[ ٥ / ١٥٥ ]
جُرْحَةٌ، وَهَذَا كُلُّهُ لَمْ يَقِفْ الْقَوْمُ عَلَيْهِ، وَلَا بَلَغَهُمْ مُطَالَعَتُهُ، وَلَوْ عَلِمُوهُ لَنَقَلُوهُ وَآثَرُوا ذِكْرَهُ وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ: وَالْعَجَبُ مِنْ الَّذِي اخْتَارَ قَوْلَ أَصْبَغَ كَيْفَ فَارَقَ قَوْلَ عُمَرَ هُوَ أَعْجَبُ مِمَّا تَعَجَّبَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ وَأَنْكَرَ قَبْلَ أَنْ يُفَكِّرَ؛ لِأَنَّ قَوْلَ أَصْبَغَ قَدْ رَوَاهُ عَنْ أَشْهَبَ فَصَارَ ذَلِكَ مُخْتَارًا لِقَوْلِهِمَا وَقَوْلُ أَصْبَغَ وَرِوَايَتُهُ عَنْ أَشْهَبَ يَنْضَافُ إلَيْهَا مَا ذُكِرَ لِابْنِ سَمْعَانَ عَمَّنْ أَدْرَكَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَيُوشِكُ أَنْ يَكُونُوا مِنْ التَّابِعِينَ مَعَ اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْأَصْلِ، وَمَنْ اسْتَظْهَرَ بِهَذَا كُلِّهِ فِي جَوَابِهِ لَا يَتَّسِعُ عَلَيْهِ فِي مُخَالَفَةِ عُمَرَ - ﵁ -؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ لَمْ يُخَالِفُوهُ إلَّا إلَى أَصْلٍ اجْتَمَعُوا عَلَى الْقَوْلِ بِهِ إلَّا عَنْ عِلْمٍ مَعَ أَنَّ حَدِيثَ عُمَرَ وَجَوَابَ أَصْبَغَ وَمَنْ وَافَقَهُ مُخْتَلِفُ الْمَعْنَى فِي الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ فِي طَرِيقِ الْأَسْوَاقِ أَنَّ فِيهَا الضَّيِّقَ فِي سَاحَتِهَا عَلَى أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْهَا وَهِيَ مُجْتَمَعُ النَّاسِ فَهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى حَيْثُ يَجُولُونَ وَيَتَصَرَّفُونَ، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ حِينَ أَمَرَ بِهَدْمِ الْكِيرِ: يُضَيِّقُونَ عَلَى النَّاسِ وَالطَّرِيقُ فِي مَسْأَلَةِ أَصْبَغَ كَانَ وَاسِعًا ظَاهِرَ الِاتِّسَاعِ غَيْرَ مُضِرٍّ بِالْمَارَّةِ، وَكَانَ الِاسْتِحْسَانُ عِنْدَهُ لِمَنْ تَزَيَّدَ مِنْ مِثْلِ هَذَا الطَّرِيقِ أَنْ يُتْرَكَ لِئَلَّا يَفْسُدَ عَلَيْهِ مَا بَنَى وَيَذْهَبَ إنْفَاقُهُ بَاطِلًا وَلَعَلَّهُ كَانَ مُضْطَرًّا إلَى ذَلِكَ لِضِيقِ سَاحَةِ دَارِهِ وَتَقْصِيرِهَا عَمَّا يَقُومُ بِهِ فِي مَسْكَنِهِ، فَالْمُخْتَارُ عَلَى هَذَا غَيْرُ مُخَالِفٍ بَلْ هُوَ مُجْتَهِدٌ فِي النَّظَرِ وَاضِعٌ لِلِاسْتِحْسَانِ فِي مَوْضِعِهِ، وَاَللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ سَهْلٍ بِلَفْظِهِ (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ اتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ ابْتِدَاءً أَنْ يَقْتَطِعَ مِنْ الطَّرِيقِ شَيْئًا وَيُدْخِلَهُ فِي بُنْيَانِهِ، وَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ وَاسِعًا جِدًّا لَا يَضُرُّهُ مَا اقْتَطَعَ مِنْهُ فَإِنْ اقْتَطَعَ مِنْهَا شَيْئًا وَأَدْخَلَهُ فِي بُنْيَانِهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَضُرُّ بِهَا وَيُضَيِّقُهَا عَلَى الْمَارَّةِ هُدِمَ عَلَيْهِ مَا تَزَيَّدَ مِنْهَا وَأُعِيدَتْ إلَى حَالِهَا بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَضُرُّ بِهَا، وَلَا يُضَيِّقُهَا عَلَى الْمَارَّةِ فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنَّهُ يُهْدَمُ عَلَيْهِ مَا تَزَيَّدَ مِنْهَا وَتُعَادُ إلَى حَالِهَا وَهُوَ الَّذِي شَهَرَهُ الْمُصَنِّفُ (الثَّانِي) أَنَّهُ لَا يُهْدَمُ عَلَيْهِ مَا تَزَيَّدَ مِنْهَا إذَا كَانَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِهَا، وَلَا يُضَيِّقُهَا عَلَى الْمَارَّةِ لَسِعَتِهَا، وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ وَرَجَّحَهُ فِي نَوَازِلِهِ وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِلَوْ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) إنْ قِيلَ: قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ اتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِيمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتَطِعَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا إلَى آخَرِ كَلَامِهِ السَّابِقِ يُنَاقِضُهُ قَوْلُهُ فِي آخَرِ كَلَامِهِ فِي الْبَيَانِ بَعْدَ اسْتِظْهَارِهِ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ الْهَدْمِ لَا سِيَّمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يُبِيحُ لَهُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً، وَاسْتِشْهَادُهُ عَلَى الْجَوَازِ ابْتِدَاءً بِمَا فِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ سَمْعَانَ عَمَّنْ أَدْرَكَ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِمَا قَالُوهُ فِي الطَّرِيقِ يُرِيدُ أَهْلُهَا بُنْيَانَ عَرْصَتِهَا إذْ مُقْتَضَى ذَلِكَ وُجُودُ الْخِلَافِ فِي الْبِنَاءِ ابْتِدَاءً، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي نَوَازِلِهِ بَعْدَ تَرْجِيحِهِ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ الْهَدْمِ إذْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يُبِيحُ لَهُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً فَالْجَوَابُ أَنَّ مُرَادَهُ بِأَهْلِ الْعِلْمِ خَارِجُ الْمَذْهَبِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ كَلَامُ ابْنِ سَهْلٍ الْمُتَقَدِّمِ حَيْثُ قَالَ: وَقَوْلُ أَصْبَغَ وَرِوَايَتُهُ عَنْ أَشْهَبَ يَنْضَافُ إلَيْهَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَمْعَانَ عَمَّنْ أَدْرَكَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَيُوشِكُ أَنْ يَكُونُوا مِنْ التَّابِعِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِجُلُوسِ بَاعَةٍ بِأَفْنِيَةِ الدُّورِ لِلْبَيْعِ إنْ خَفَّ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِنَاءُ الدَّارِ هُوَ مَا بَيْنَ يَدَيْ بِنَائِهَا فَاضِلًا عَنْ مَمَرِّ الطَّرِيقِ الْمُعَدِّ لِلْمُرُورِ غَالِبًا كَانَ بَيْنَ يَدَيْ بَابِهَا، أَوْ غَيْرِهِ وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يُشِيرُ لِأَنَّهُ الْكَائِنُ بَيْنَ يَدَيْ بَابِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهَا فِي كِتَابِ الْقَسْمِ: وَإِنْ قَسَمَا دَارًا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ طَائِفَةً فَمَنْ صَارَتْ لَهُ الْأَجْنِحَةُ فِي حَظِّهِ فَهِيَ لَهُ، وَلَا يُعَدُّ مِنْ الْفِنَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي هَوَاءِ الْأَفْنِيَةِ وَفِنَاءِ الدَّارِ لَهُمْ أَجْمَعِينَ الِانْتِفَاعُ بِهَا انْتَهَى.
(قُلْت:) وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي تَفْسِيرِ الْفِنَاءِ إلَّا مَا أَخَذَهُ مِنْ كِتَابِ الْقَسْمِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ فَقَالَ الْأَفْنِيَةُ دُورُ الدُّورِ
[ ٥ / ١٥٦ ]
كُلِّهَا مُقْبِلُهَا وَمُدْبِرُهَا انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْأَفْنِيَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي الطَّرِيقِ يُكْرِيهَا أَهْلُهَا أَذَلِكَ لَهُمْ وَهِيَ طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ قَالَ أَمَّا كُلُّ فِنَاءٍ ضَيِّقٍ إذَا وُضِعَ فِيهِ شَيْءٌ أَضَرَّ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي طَرِيقِهِمْ فَلَا أَرَى أَنْ يُمَكَّنَ أَحَدٌ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَأَنْ يُمْنَعُوا وَأَمَّا كُلُّ فِنَاءٍ إنْ انْتَفَعَ بِهِ أَهْلُهُ لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مَمَرِّهِمْ - لِسِعَتِهِ فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا ابْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ لِأَرْبَابِ الْأَفْنِيَةِ أَنْ يَكْرُوهَا - مِمَّنْ يَصْنَعُ فِيهَا مَا لَا يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ عَلَى الْمَارَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَنْتَفِعُوا بِهَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَكَانُوا أَحَقَّ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَكْرُوهَا؛ لِأَنَّ مَا كَانَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهُ، وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا انْتَهَى.
، وَقَالَ قَبْلَهُ فِي رَسْمِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ فِي السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ لَهُ دَارَانِ وَهُمَا فِي رَحْبَةٍ، وَأَهْلُ الطَّرِيقِ رُبَّمَا ارْتَفَقُوا بِذَلِكَ الْفِنَاءِ إذَا ضَاقَ الطَّرِيقُ عَنْ الْأَحْمَالِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهِ نِجَافًا وَبَابًا حَتَّى تَكُونَ الرَّحْبَةُ لَهُ فِنَاءً، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الرَّحْبَةِ بَابٌ، وَلَا نِجَافٌ قَالَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى الرَّحْبَةِ نِجَافًا وَبَابًا لِيَخْتَصَّ بِمَنْفَعَتِهَا وَيَقْطَعَ مَا لِلنَّاسِ مِنْ الْحَقِّ فِي الِارْتِفَاقِ بِهَا؛ لِأَنَّ الْأَفْنِيَةَ لَا تُحْجَرُ إنَّمَا لِأَرْبَابِهَا الِارْتِفَاقُ بِهَا وَكِرَاؤُهَا فِيمَا لَا يُضَيِّقُهَا عَلَى الْمَارَّةِ فِيهِ مِنْ النَّاسِ، وَلَا يَضُرُّ بِهِمْ فِيهِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي رَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ بَعْدَ هَذَا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ تَحَجَّرَ مِنْ الْفِنَاءِ الْوَاسِعِ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يَضُرُّ تَحْجِيرُهُ بِمَنْ يَمُرُّ فِي الطَّرِيقِ هَلْ يُقَرُّ ذَلِكَ أَمْ يُهْدَمُ عَلَيْهِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي رَسْمِ زُونَانَ وَسَمَاعِ أَصْبَغَ بَعْدَ هَذَا انْتَهَى.
وَيُشِيرُ بِرَسْمِ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ لِكَلَامِهِ الَّذِي فَوْقَ هَذَا وَبِسَمَاعِ زُونَانَ وَسَمَاعِ أَصْبَغَ لِمَا تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَيُهْدَمُ بِنَاءٌ بِطَرِيقٍ، وَلَوْ لَمْ يَضُرَّ، وَالنِّجَافُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ الْعَتَبَةُ وَهِيَ أُسْكُفَّةُ الْبَابِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَالطُّرُقِ إثْرَ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهُ مَا نَصُّهُ (قُلْت:) وَهَذِهِ الْكُلِّيَّةُ غَيْرُ صَادِقَةٍ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَا لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهُ كَجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ وَبَيْتِ الْمَدْرَسَةِ لِلطَّالِبِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى.
وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِنَقْلٍ يَرُدُّهُ لَكِنْ قَالَ قَبْلَهُ بِنَحْوِ السَّبْعَةِ الْأَوْرَاقِ ابْنُ الْحَاجِبِ تَابِعًا لِابْنِ شَاسٍ: وَالْمَحْفُوفَةُ بِالْمِلْكِ لَا تَخْتَصُّ وَلِكُلٍّ الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِهِ وَحَرِيمِهِ (قُلْت:) فِي تَسْوِيَةِ الِانْتِفَاعِ بِحَرِيمِهِ وَمِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ عَطْفِهِ عَلَيْهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مُسَمَّى حَرِيمِهِ الْمُغَايِرَ لِمُسَمَّى مِلْكِهِ لِعَطْفِهِ عَلَيْهِ إنَّمَا يَصْدُقُ عَلَى الْفِنَاءِ وَلَيْسَ انْتِفَاعُهُ بِهِ كَانْتِفَاعِهِ بِمِلْكِهِ لِجَوَازِ كِرَائِهِ مِلْكَهُ مُطْلَقًا وَأَمَّا فِنَاؤُهُ فَسُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَنُقِلَ كَلَامُ الْعُتْبِيَّةِ الْمُتَقَدِّمُ وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَكَلَامُهُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ انْتِفَاعُهُ بِفِنَائِهِ كَانْتِفَاعِهِ بِمِلْكِهِ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ فِي شَرْحِ ثَانِي مَسْأَلَةٍ مِنْ الْأَقْضِيَةِ: أَفَنِيَةُ الدُّورِ الْمُتَّصِلَةِ بِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَتْ بِمِلْكٍ لِأَرْبَابِ الدُّورِ كَالْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ الَّتِي لِأَرْبَابِهَا تَحْجِيرُهَا عَلَى النَّاسِ لِمَا لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الِارْتِفَاقِ بِهَا فِي مُرُورِهِمْ إذَا ضَاقَ الطَّرِيقُ عَنْهُمْ بِالْأَحْمَالِ وَشِبْهِهَا إلَّا أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالِانْتِفَاعِ بِهَا فِيمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الرَّحَى وَغَيْرِهِ، وَسَيَأْتِي فِي الْفَرْعِ الَّذِي فِي آخَرِ الْقَوْلَةِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ أَبِي زَيْدٍ نَحْوُ هَذَا وَرَأَيْت فِي مَسَائِلِ الضَّرَرِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ مَا نَصُّهُ لَا شَكَّ أَنَّهُ أَيْ رَبَّ الْفِنَاءِ مُقَدَّمٌ فِي الِانْتِفَاعِ بِالْفِنَاءِ فِي رَبْطِ دَابَّتِهِ وَإِلْقَاءِ كُنَاسَتِهِ وَحَفْرِ بِئْرِ مِرْحَاضٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالْمَارَّةِ حَتَّى ادَّعَى ابْنُ رُشْدٍ أَنَّ لَهُ كِرَاءَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ جَازَ لَهُ كِرَاؤُهَا وَالصَّوَابُ أَنَّ لَهُ الِانْتِفَاعَ فَقَطْ فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ التَّصَرُّفُ التَّامُّ انْتَهَى.
(قُلْت:) فِي قَوْلِهِ: ادَّعَى ابْنُ رُشْدٍ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ قَالَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَالَ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي حَدِيثِ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ: الْفِنَاءُ مَا يَلِي الْجُدْرَانَ
[ ٥ / ١٥٧ ]
مِنْ الشَّارِعِ الْمُتَّسِعِ النَّافِذِ فَلَا فِنَاءَ لِلشَّارِعِ الضَّيِّقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْضُلُ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ الْمَارَّةِ وَكَذَا لَا فِنَاءَ لِغَيْرِ النَّافِذَةِ؛ وَلِأَنَّ لِلْأَفْنِيَةِ حُكْمَ الطَّرِيقِ وَهِيَ لَا تُمْلَكُ، وَإِنَّمَا لِأَرْبَابِهَا الِانْتِفَاعُ بِهَا وَاخْتُلِفَ هَلْ لَهُمْ أَنْ يَكْرُوهَا انْتَهَى.
وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا كِرَاءَ لَهُمْ خُصُوصًا مِنْ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: وَلِلسَّابِقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ إنْ خَفَّ هُوَ نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَلَا يُمْنَعُ الْبَاعَةُ مِنْهَا فِيمَا خَفَّ، وَلَا غَيْرُهُمْ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ: احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: فِيمَا خَفَّ مِمَّا يُسْتَدَامُ خَلِيلٌ وَعَلَى هَذَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَى مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَغْرِزُونَ الْخَشَبَ فِي الشَّوَارِعِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُمْ غُصَّابٌ لِلطَّرِيقِ، وَقَالَهُ سَيِّدِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ - ﵀ - انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَالطُّرُقِ الشَّيْخُ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْوَاضِحَةِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ «مَنْ اقْتَطَعَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْنِيَتِهِمْ شِبْرًا مِنْ الْأَرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» وَقَضَى عُمَرُ بِالْأَفْنِيَةِ لِأَرْبَابِ الدُّورِ ابْنُ حَبِيبٍ تَفْسِيرُهُ يَعْنِي بِالِانْتِفَاعِ بِالْمَجَالِسِ وَالْمَرَابِطِ وَالْمَسَاطِبِ وَجُلُوسِ الْبَاعَةِ لِلْبَيْعِ الْخَفِيفِ وَمَرَّ عُمَرُ بِكِيرِ حَدَّادٍ فِي الطَّرِيقِ فَأَمَرَ بِهِ فَهُدِمَ، وَقَالَ: يُضَيِّقُونَ عَلَى النَّاسِ السُّوقَ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ: وَالْمَسَاطِبِ لَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ الدِّكَكُ الَّتِي تُبْنَى إلَى جَانِبِ الْأَبْوَابِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ: وَسَأَلَ ابْنُ حَبِيبٍ سَحْنُونًا عَمَّنْ بَنَى عَلَى بَابِ دَارِهِ فِي السِّكَّةِ دُكَّانًا وَهِيَ لَا تَضُرُّ بِالزُّقَاقِ غَيْرَ أَنَّهَا قُبَالَةُ دَارِ رَجُلٍ وَهِيَ تَضُرُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْعُدُ عَلَيْهَا وَيَقْعُدُ نَاسٌ فَقَالَ: يُمْنَعُ مِنْ بِنَائِهَا إذَا كَانَتْ تَضُرُّ بِالْآخَرِ انْتَهَى.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَضُرَّ بِالْآخَرِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ بِنَائِهَا، وَنَقَلَهُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ وَابْنُ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ
[فَرْعٌ لِقَوْمٍ فِنَاءٌ وَغَابُوا عَنْهُ وَاُتُّخِذَ مَقْبَرَةً]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ ثَانِي مَسْأَلَةٍ مِنْ الْأَقْضِيَةِ إثْرَ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ: أَفْنِيَةِ الدُّورِ الْمُتَّصِلَةِ بِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَتْ بِمِلْكٍ لِأَرْبَابِ الدُّورِ كَالْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ فَإِذَا كَانَ لِقَوْمٍ فِنَاءٌ وَغَابُوا عَنْهُ وَاُتُّخِذَ مَقْبَرَةً فَمِنْ حَقِّهِمْ أَنْ يَعُودُوا إلَى الِانْتِفَاعِ بِهَا لِلرَّمْيِ فِيهَا إذَا قَدِمُوا إلَّا أَنَّهُ كَرِهَ لَهُمْ مَالِكٌ دَوْسَهَا إذَا كَانَتْ جَدِيدَةً مُسَنَّمَةً لَمْ تُدَسْ، وَلَا عَفَتْ لِمَا جَاءَ فِي دَوْسِ الْقُبُورِ فَعَنْهُ - ﷺ - «لَأَنْ يَمْشِيَ أَحَدُكُمْ عَلَى الرَّضْفِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى قَبْرِ أَخِيهِ»، وَقَالَ «إنَّ الْمَيِّتَ يُؤْذِيهِ فِي قَبْرِهِ مَا يُؤْذِيهِ فِي بَيْتِهِ»، وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: إنَّمَا كَرِهَ لَهُمْ دَوْسَهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْأَفْنِيَةِ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ الْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -: وَارُوا وَانْتَفَعُوا بِظَهْرِهَا ابْنُ رُشْدٍ لَوْ كَانَتْ مِنْ الْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ وَدُفِنَ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ كَانَ مِنْ حَقِّهِمْ نَبْشُهَا وَتَحْوِيلُهُمْ إلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ بِشُهَدَاءِ أُحُدٍ لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ إجْرَاءَ الْعَيْنِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ اقْتِطَاعُ شَيْءٍ مِنْ الْأَفْنِيَةِ وَالتَّحْوِيزِ عَلَيْهِ بِبِنَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ]
(فَرْعٌ) وَأَمَّا اقْتِطَاعُ شَيْءٍ مِنْ الْأَفْنِيَةِ وَالتَّحْوِيزِ عَلَيْهِ بِبِنَاءٍ، أَوْ غَيْرِهِ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَلَا يُبَاحُ لِذِي الْفِنَاءِ أَنْ يُدْخِلَهُ فِي دَارِهِ فَإِنْ فَعَلَ وَهُوَ يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ هُدِمَ عَلَيْهِ وَيُقَرُّ كَمَا كَانَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ فَفِي هَدْمِهِ قَوْلَانِ لِسَمَاعِ زُونَانَ ابْنَ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ وَأَصْبَغَ مَعَ سَمَاعِهِ، وَالْقَائِلُونَ بِالْأَوَّلِ أَكْثَرُ وَالثَّانِي أَظْهَرُ وَرَجَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَاتِ فِي سُؤَالٍ كَتَبَ بِهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ يَسْأَلُ عَنْ شَخْصٍ بَنَى حَائِطًا بِجَنْبِهِ فِي بَطْنِ وَادٍ، وَقَدْ كَانَ حَائِطُهُ دُونَ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ: إنْ كَانَ الْحَائِطُ الَّذِي بَنَاهُ يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ، أَوْ بِجَارِهِ فَيُهْدَمُ مَا بَنَاهُ، وَإِنْ كَانَ الْحَائِطُ لَا يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ، وَلَا بِجَارِهِ لَا يُهْدَمُ عَلَيْهِ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ تَزَيَّدَ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِهِ مَا لَا يَضُرُّ بِالطَّرِيقِ لَا يُهْدَمُ بُنْيَانُهُ، وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يُهْدَمُ عَلَيْهِ بُنْيَانُهُ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالطَّرِيقِ لِمَا لَهُ مِنْ الْحَقِّ فِي الْبُنْيَانِ، وَإِنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُبِيحُ لَهُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَهُوَ الَّذِي أَقُولُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ انْتَهَى.
ص (وَلِلسَّابِقِ كَمَسْجِدٍ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ غَازِيٍّ قَوْلَيْنِ فِيمَنْ قَامَ مِنْ الْبَاعَة مِنْ الْمَجْلِسِ وَنِيَّتُهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ فِي غَدٍ فَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ
[ ٥ / ١٥٨ ]
عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُتِمَّ غَرَضَهُ وَقِيلَ هُوَ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ فَمَنْ سَبَقَ كَانَ، أَوْلَى بِهِ قَالَ فِي الشَّامِلِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ: وَلِلْبَاعَةِ وَغَيْرِهِمْ الْجُلُوسُ فِيمَا خَفَّ، وَالسَّابِقُ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ كَمَسْجِدٍ، وَيَسْقُطُ حَقُّهُ إنْ قَامَ لَا بِنِيَّةِ عَوْدِهِ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ انْتَهَى.
، وَقَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَذَكَرَ ابْنُ غَازِيٍّ قَوْلَيْنِ فِيمَنْ قَامَ مِنْ الْبَاعَةِ مِنْ الْمَجْلِسِ وَنِيَّتُهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ فِي غَدٍ فَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُتِمَّ غَرَضَهُ وَقِيلَ هُوَ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ فَمَنْ سَبَقَ كَانَ، أَوْلَى بِهِ ثُمَّ قَالَ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ حَيْثُ قَضَى لِلسَّابِقِ لِلْأَفْنِيَةِ بِهَا ثُمَّ شَبَّهَ بِهِ السَّابِقَ لِلْمَسْجِدِ انْتَهَى.
فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ غَازِيٍّ أَنَّ الْمُصَنِّفَ رَجَّحَ الْقَوْلَ الثَّانِيَ وَذَكَرَ ابْنُ غَازِيٍّ عَنْ شَيْخِهِ الْقُورِيِّ عَنْ الْعَوْفِيَّةِ أَنَّ مَنْ وَضَعَ بِمَحَلٍّ مِنْ الْمَسْجِدِ شَيْئًا يَحْجُرُهُ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ إلَيْهِ يَتَخَرَّجُ عَلَى مَسْأَلَةِ هَلْ مِلْكُ التَّحْجِيرِ إحْيَاءٌ انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ هَذَا (قُلْت:) سَيَأْتِي فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ أَنَّ التَّحْجِيرَ لَيْسَ بِإِحْيَاءٍ وَنَصَّ فِي الْمَدْخَلِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ السَّبَقَ فِي الْمَسْجِدِ بِإِرْسَالِ سَجَّادَتِهِ، وَأَنَّهُ غَاصِبٌ لِذَلِكَ الْمَحَلِّ وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي فَصْلِ اللِّبَاسِ فِي ذَمِّ الطَّوْلِ فِي ذَلِكَ، وَالتَّوَسُّعِ فِيهِ بِأَنَّ أَحَدَهُمْ إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ وَضَمَّ ثَوْبَهُ حَصَلَ فِي النَّهْيِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَضُمَّهُ انْفَرَشَ عَلَى الْأَرْضِ وَأَمْسَكَ بِهِ مَكَانًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا مَوْضِعُ قِيَامِهِ وَسُجُودِهِ وَجُلُوسِهِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَإِذَا بَسَطَ شَيْئًا يُصَلِّي عَلَيْهِ احْتَاجَ أَنْ يَبْسُطَ شَيْئًا كَثِيرَ السَّعَةِ لِثَوْبِهِ فَيُمْسِكُ بِذَلِكَ مَوْضِعَ رَجُلَيْنِ، أَوْ نَحْوَهُ فَإِنْ هَابَهُ النَّاسُ لِكُمِّهِ وَثَوْبِهِ وَتَبَاعَدُوا مِنْهُ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُرْبِ فَيُمْسِكُ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ بَعَثَ سَجَّادَةً إلَى الْمَسْجِدِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، أَوْ قَبْلَهُ فَفُرِشَتْ لَهُ هُنَاكَ وَقَعَدَ إلَى أَنْ يَمْتَلِئَ الْمَسْجِدُ بِالنَّاسِ ثُمَّ يَأْتِي يَتَخَطَّى رِقَابَهُمْ، فَيَقَعُ فِي مَحْذُورَاتٍ جُمْلَةٍ مِنْهَا غَصْبُهُ لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي عُمِلَتْ فِيهِ السَّجَّادَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْجُرَهُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ إلَّا مَوْضِعُ صَلَاتِهِ وَمَنْ سَبَقَ كَانَ، أَوْلَى، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَقُولُ إنَّ السَّبَقَ لِلسَّجَّادَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِبَنِي آدَمَ، فَيَقَعُ فِي الْغَصْبِ لِكَوْنِهِ مَنَعَ ذَلِكَ الْمَكَانَ مِمَّنْ سَبَقَهُ، وَمِنْهَا تَخَطِّيهِ لِرِقَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ نَصَّ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ مُؤْذٍ، وَقَدْ وَرَدَ " كُلُّ مُؤْذٍ فِي النَّارِ " انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ فِي سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ السَّبَقَ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ إذَا أَمَرَ إنْسَانٌ إنْسَانًا أَنْ يُبَكِّرَ إلَى الْجَامِعِ فَيَأْخُذَ لَهُ مَكَانًا يَقْعُدُ فِيهِ، فَإِذَا جَاءَ الْآمِرُ يَقُومُ لَهُ الْمَأْمُورُ لَا يُكْرَهُ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يُرْسِلُ غُلَامَهُ إلَى مَجْلِسٍ لَهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَيَجْلِسُ فِيهِ فَإِذَا جَاءَ قَامَ لَهُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: فَرْعٌ وَعَلَى هَذَا مَنْ أَرْسَلَ بِسَاطًا، أَوْ سَجَّادَةً فَتُبْسَطُ لَهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَسْجِدِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرْحُونٍ فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ مُحْتَجًّا بِهِ (قُلْت:) وَتَخْرِيجُهُ إرْسَالَ السَّجَّادَةِ عَلَى إرْسَالِ الْغُلَامِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ فِي الْمَدْخَلِ، وَأَنَّ السَّبَقَ لَا يُسْتَحَقُّ بِهَا، وَهَذَا أَسْلَمُ مِنْ تَخْطِي رِقَابَ النَّاسِ إلَيْهَا وَأَمَّا مَعَ ذَلِكَ فَلَا يُشَكُّ فِي الْمَنْعِ (فَرْعٌ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ إذَا قَعَدَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يُقِيمَهُ حَتَّى يَقْعُدَ مَكَانَهُ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ إذَا قَامَ الْقَاعِدُ فِي مَكَانِ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَقْعُدَ غَيْرُهُ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي قَامَ إلَيْهِ مِثْلَ الْأَوَّلِ فِي سَمَاعِ الْإِمَامِ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتُ حَظِّهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي وَالْعَالِمِ وَالْمُفْتِي اتِّخَاذُ مَوْضِعٍ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَيْهِ مَنْ أَرَادَهُمْ وَبِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَنُقِلَ فِي الْمَدَارِكِ أَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَانَ لَهُ مَوْضِعٌ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ مَكَانُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ -، وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانَ يُوضَعُ فِيهِ فَرْشُ النَّبِيِّ - ﷺ - إذَا اعْتَكَفَ ثُمَّ قَالَ: وَفِي إقْلِيدِ التَّقْلِيدِ لِابْنِ أَبِي جَمْرَةَ أَنَّ اتِّخَاذَ الْعُلَمَاءِ الْمَسَاطِبَ وَالْمَنَابِرَ فِي الْمَسْجِدِ جَائِزٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّذْكِيرِ، وَهُمْ أَحَقُّ بِذَلِكَ وَمَا فِي جَوَامِعِ مِصْرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَهْلُ
[ ٥ / ١٥٩ ]
الْعِلْمِ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ وَأَمَّا مَوْضِعٌ لِطَلَبِ الْأُجْرَةِ كَالْمُعَلِّمِينَ فَلَا يَكُونُونَ أَحَقَّ بِذَلِكَ بَلْ يَنْبَغِي إزَالَتُهَا، وَكَذَلِكَ إنْ وُضِعَ لِلْعَالِمِ فِي مَوْضِعٍ حَصِيرٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، وَإِنْ تَأَخَّرَ حَتَّى سَبَقَهُ غَيْرُهُ وَيُرَاعَى فِي ذَلِكَ حَقُّ مَنْ يَقْصِدُ الْعُلَمَاءَ فَيَجِدُهُمْ فِي مَكَانِهِمْ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبِسَدِّ كَوَّةٍ فُتِحَتْ أُرِيدَ سَدُّهَا خَلْفَهَا)
ش: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَوَّةُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الطَّاقِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الصِّحَاحِ وَعَلَى الْفَتْحِ فَجَمْعُهَا كُوًى بِكَسْرِ الْكَافِ وَالْقَصْرِ وَكِوَاءٌ بِالْمَدِّ وَعَلَى الضَّمِّ فَجَمْعُهَا كُوًى بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ فَتَحَ كَوَّةً عَلَى جَارِهِ فَلَمَّا قَامَ عَلَيْهِ أَرَادَ أَنْ يَسُدَّ خَلْفَهَا بِشَيْءٍ فَإِنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ سَدِّهَا، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ فُتِحَتْ أَنَّهَا مُحْدَثَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ أَمَّا لَوْ كَانَتْ قَدِيمَةً فَإِنَّهُ لَا يُقْضَى بِسَدِّهَا عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَ فِي كِتَابِ تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ فَتَحَ فِي جِدَارِهِ كَوَّةً، أَوْ بَابًا يَضُرُّ بِجَارِهِ فِي الشَّرَفِ عَلَيْهِ مِنْهُ مُنِعَ فَأَمَّا كَوَّةٌ قَدِيمَةٌ، أَوْ بَابٌ قَدِيمٌ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهِ وَفِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَى جَارِهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ، وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ فُقَهَائِنَا يُفْتِي وَيَسْتَحْسِنُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ التَّكَشُّفِ، وَإِنْ كَانَتْ قَدِيمَةً، وَإِنْ رَضِيَا بِذَلِكَ لَمْ يَتْرُكَا؛ لِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِمَا لَا يَحِلُّ لَهُمَا وَهُوَ خِلَافُ النُّصُوصِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُجْبَرَ الْمُحْدِثُ أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ انْتَهَى.
يَعْنِي الْمُحْدِثَ لِلْبُنْيَانِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَالْقِدَمُ الَّذِي أَرَادَ إنَّمَا هُوَ طُولُ الْمُدَّةِ وَلَيْسَ أَنَّهُ أَقْدَمُ مِنْ بِنَاءِ جَارِهِ انْتَهَى.
وَمِنْ حَرِيمِ الْبِئْرِ، وَقَالَ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ: وَالْقِدَمُ إمَّا سُكُوتُ هَذَا الثَّانِي، أَوْ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى بِنَائِهِ وَسُكُوتُهُ مُدَّةَ حِيَازَةِ الضَّرَرِ فَيَكُونُ مَذْهَبُهُ عَلَى هَذَا أَنَّ الضَّرَرَ يُحَازُ انْتَهَى.
، وَقَالَ الْقَلْشَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ سَمِعْت شَيْخَنَا أَبَا مَهْدِيٍّ يَحْكِي عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ أَفْتَى بِأَنَّ الْكَوَّةَ الْقَدِيمَةَ تُسَدُّ قَالَ؛ لِأَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ كَانَ سَيِّئَ الْحَالِ انْتَهَى.
وَلَعَلَّ ابْنَ عَرَفَةَ إنَّمَا أَفْتَى بِذَلِكَ لِكَوْنِ الْجَارِ كَانَ سَيِّئَ الْحَالِ، وَإِلَّا فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِالسَّدِّ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْجَارِ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ وَقَوَّى ابْنُ عَبْدِ النُّورِ فِي الْحَاوِي الْقَوْلَ بِسَدِّهَا.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي وَثَائِقِ ابْنِ الْهِنْدِيِّ إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ كَوَّةٌ قَدِيمَةٌ يُشْرِفُ مِنْهَا عَلَى جَارِهِ فَلَا قِيَامَ لِلْجَارِ فِيهَا وَيَجِبُ فِي التَّحَفُّظِ بِالدِّينِ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِغَلْقِهَا مِنْ جِهَةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَوْرَاتِ وَأَنْ يَكُونَ التَّحَفُّظُ بِالدِّينِ، أَوْكَدَ مِنْ حُكْمِ السُّلْطَانِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ - ﵀ - الْقَضَاءَ بِسَدِّ الْكَوَّةِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ مِنْهَا قَالَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ رَفَعَ بِنَاءَهُ فَفَتَحَ كَوَّةً يُشْرِفُ مِنْهَا عَلَى جَارِهِ مُنِعَ وَكَتَبَ عُمَرُ فِي هَذَا أَنْ يُوقَفَ عَلَى سَرِيرٍ فَإِنْ نَظَرَ إلَى مَا فِي دَارِ جَارِهِ مُنِعَ، وَإِلَّا لَمْ يُمْنَعْ، وَقَالَ مَالِكٌ: يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ ضَرَرٌ وَأَمَّا مَا لَا يَنَالُ مِنْهُ النَّظَرَ إلَيْهِ فَلَا يُمْنَعُ قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ الْمُرَادُ بِالسَّرِيرِ السَّرِيرُ الْمَعْلُومُ وَمِثْلُهُ الْكُرْسِيُّ وَشِبْهُهُ لِمَا قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ السُّلَّمُ؛ لِأَنَّ فِي وَضْعِ السُّلَّمِ إيذَاءً وَالصُّعُودُ عَلَيْهِ تَكَلُّفًا لَا يُفْعَلُ إلَّا لِأَمْرٍ مُهِمٍّ، وَلَيْسَ يَسْهُلُ صُعُودُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ السَّرِيرُ فُرُشُ الْغُرْفَةِ وَكَذَا سَمِعْت بَعْضَ مَشَايِخِنَا يُفَسِّرُهُ وَمَا ذَكَرْنَاهُ، أَوْلَى لِقَوْلِهِ يُوضَعُ وَرَاءَهَا؛ لِأَنَّ الْغُرْفَةَ لَا تُسَمَّى غُرْفَةً إلَّا إذَا كَانَتْ بِفُرُشٍ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فَفَهِمَ عِيَاضٌ أَنَّهُ أَرَادَ أَرْضَ الْغُرْفَةِ، وَهَذَا بَعِيدٌ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْفُرُشَ الْمَعْلُومَ عِنْدَ النَّاسِ، وَانْظُرْ هَلْ يُؤْخَذُ مِنْ فِعْلِ عُمَرَ وَكِتَابِهِ إجَازَةُ رَفْعِ الْبُنْيَانِ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ فَإِنْ نَظَرَ إلَى مَا فِي دَارِ جَارِهِ مُنِعَ مَعْنَاهُ إذَا اطَّلَعَ مِنْ هَذِهِ الْكَوَّةِ وَاسْتَبَانَ مِنْهَا مِنْ دَارِ الْآخَرِ الْوُجُوهُ فَإِنْ لَمْ تَسْتَبِنْ الْوُجُوهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الِاطِّلَاعُ ضَرَرًا انْتَهَى.
، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ قَالَ مَالِكٌ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ ضَرَرٌ يَعْنِي الِاطِّلَاعَ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِسَرِيرٍ، وَلَا غَيْرِهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ فَلَا يَفْعَلُ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ مِنْ فَتْحِ كَوَّةٍ قَرِيبَةٍ
[ ٥ / ١٦٠ ]
يَكْشِفُ جَارَهُ مِنْهَا: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ، وَإِنْ كَانَ يُشْرِفُ مِنْهَا عَلَى بُسْتَانِ جَارِهِ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ وَهُوَ أَحَدُ نَقْلِ ابْنِ الْحَاجِّ فِي نَوَازِلِهِ قَالَ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى الْمَزَارِعَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ لَا خِلَافَ فِي مَنْعِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الدُّورِ وَأَمَّا الْفَدَادِينُ وَالْمَزَارِعُ فَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَةِ الْبِنَاءِ الَّذِي يَطَّلِعُ مِنْهُ عَلَيْهَا وَالْجِنَانُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا أُخْبِرْت بِهِ عَنْ ابْنِ الطَّلَّاعِ وَالْكُرُومُ الْقَرِيبَةُ كَالْجِنَانَاتِ لَا سِيَّمَا عِنْدَنَا لِكَثْرَةِ تَكْرَارِ أَهْلِهَا بِعِيَالِهِمْ إلَيْهَا انْتَهَى.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِيمَا سُدَّ بِالْحُكْمِ أُزِيلَتْ شَوَاهِدُهُ فَلْيَقْلَعْ عَتَبَةَ الْبَابِ؛ لِأَنَّهَا إنْ تُرِكَتْ وَطَالَ الزَّمَانُ وَنُسِيَ الْأَمْرُ كَانَتْ حُجَّةً لِلْمُحْدِثِ وَيَقُولُ: إنَّمَا أَغْلَقْته لِأُعِيدَهُ مَتَى شِئْت، وَقَالَ بَعْدَهُ وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ فِي كَيْفِيَّةِ قَطْعِ ضَرَرِ الِاطِّلَاعِ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا وُجُوبُ الْحُكْمِ بِسَدِّهِ وَإِزَالَةِ أَثَرِهِ خَوْفَ دَعْوَى قِدَمِهِ لِسَمَاعِ أَشْهَبَ (الثَّانِي) عَدَمُ وُجُوبِ سَدِّهِ، وَالِاكْتِفَاءُ بِجَعْلِ أَمَامَ ذَلِكَ مَا يَسْتُرُهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ فِي مَسَائِلِ الضَّرَرِ إنَّ الْبَابَ إذَا حُكِمَ بِسَدِّهِ أُزِيلَتْ أَعْتَابُهُ وَعَضَائِدُهُ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ كَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ
[فَرْعٌ أَحْدَثَ عَلَى غَيْرِهِ ضَرَرًا وَعَلِمَ بِذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ مَنْ أَحْدَثَ عَلَى غَيْرِهِ ضَرَرًا مِنْ اطِّلَاعٍ، أَوْ خُرُوجِ مَاءٍ مِرْحَاضٍ قُرْبَ جِدَارِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْإِحْدَاثَاتِ الْمُضِرَّةِ وَعَلِمَ بِذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَلَا عَارَضَ فِيهِ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ وَنَحْوَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يَمْنَعُهُ مِنْ الْقِيَامِ بِهِ فَلَا قِيَامَ لَهُ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَهُوَ كَالِاسْتِحْقَاقِ، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَهُ ابْنُ الْهِنْدِيِّ وَابْنُ الْعَطَّارِ، وَقَالَ أَصْبَغُ: لَا يَنْقَطِعُ الْقِيَامُ فِي إحْدَاثِ الضَّرَرِ إلَّا بَعْدَ سُكُوتِ عِشْرِينَ سَنَةٍ وَنَحْوِهَا وَبِالْأَوَّلِ الْقَضَاءُ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ فِي آخِرِ نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ: اُخْتُلِفَ فِي حِيَازَةِ الضَّرَرِ الْمُحْدَثِ فَقِيلَ إنَّهُ لَا يُحَازُ أَصْلًا وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقِيلَ إنَّهُ تُحَازُ بِهِ الْأَمْلَاكُ الْعَشَرَةَ الْأَعْوَامِ وَنَحْوَهَا وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا لَا يُحَازُ إلَّا بِالْعِشْرِينَ سَنَةٍ، وَنَحْوِهَا وَكَانَ ابْنُ زَرْبٍ يَسْتَحْسِنُ فِي ذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: إنَّهُ يُحَازُ بِالْأَرْبَعِ سِنِينَ وَالْخَمْسِ؛ لِأَنَّ الْجَارَ قَدْ يَتَغَافَلُ عَنْ جَارِهِ فِيمَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَقِيلَ إنْ كَانَ ضَرَرُهُ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ فَهُوَ الَّذِي يُحَازُ بِالسُّكُوتِ عَلَيْهِ وَمَا كَانَ يَتَزَايَدُ كَالْمَطْمُورَةِ إلَى جَنْبِ الْحَائِطِ وَشِبْهِ ذَلِكَ فَلَا حِيَازَةَ فِيهِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَجَعَلَ كَلَامَهُ مُتَضَمِّنًا لِسِتَّةِ أَقْوَالٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: قُلْت هَذَا يَعْنِي الْقَوْلَ الْأَخِيرَ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ مَا يَتَزَايَدُ وَمَا لَا يَتَزَايَدُ عَزَاهُ ابْنُ سَهْلٍ لِنَقْلِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ عَنْ فَتْوَى يَحْيَى بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُزَيْنٍ وَمَثَّلَ لِمَا لَا يَزِيدُ بِفَتْحِ الْأَبْوَابِ وَالْكُوَى وَمَا يَزِيدُ كَالْكُنُفِ وَسَابِعُهَا أَيْ الْأَقْوَالِ مُطْلَقُ مَا زَادَ عَلَى عَشَرَةٍ وَثَامِنُهَا مُطْلَقُ مَا زَادَ عَلَى عِشْرِينَ لِمَفْهُومِ نَقْلِ ابْنِ سَهْلٍ عَنْ ابْنِ لُبَابَةَ قَوْلَهُ الْعِشْرِينَ قَلِيلٌ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ سَمِعْت بَعْضُ شُيُوخِنَا الْمُفْتِينَ يَقُولُ لَا يَسْتَحِقُّ الضَّرَرَ بِالْعِشْرِينَ سَنَةٍ إلَّا بِمَا زَادَ وَذَكَرَ ابْنُ سَهْلٍ الْفَتْوَى بِالثَّانِي لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى وَابْنِ لُبَابَةَ وَأَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَابْنُ الْوَلِيدِ قَالَ: وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لِأَصْبَغَ فِي آخِرِ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ فِيمَنْ أَحْدَثَ كَوَّةً، أَوْ بَابًا عَلَى دَارِ غَيْرِهِ، أَوْ أَنْدَرًا عَلَى جِنَانِهِ، أَوْ مَيَازِيبَ عَلَى حَائِطِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ، وَلَا يُنْكِرُ لَا يَسْتَحِقُّ هَذَا بِعِشْرِينَ سَنَةٍ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا كَانَ عَنْ رِضًا، وَلَا تَسْلِيمٍ إلَّا أَنْ يَطُولَ بِالدُّهُورِ الْكَثِيرَةِ جِدًّا فَيَسْتَحِقُّهُ (قُلْتُ:) وَالْأَظْهَرُ عِنْدَهُ تَاسِعُهَا انْتَهَى.
[فَرْعٌ أَحْدَثَ مِنْ الْبُنْيَانِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِيهِ بِالضَّرَرِ فَقَامَ جَارُهُ عَلَيْهِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي آخِرِ تَبْصِرَتِهِ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِنَفْيِ الضَّرَرِ إذَا أَحْدَثَ الرَّجُلُ مِنْ الْبُنْيَانِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِيهِ بِالضَّرَرِ فَقَامَ جَارُهُ عَلَيْهِ بِالْقُرْبِ مِنْ الْفَرَاغِ مِنْ الْبُنْيَانِ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّ سُكُوتَهُ حَتَّى كَمُلَ الْبُنْيَانُ لَمْ يَكُنْ عَنْ إسْقَاطِ حَقِّهِ الْوَاجِبِ لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْقِيَامِ بِقَطْعِ الضَّرَرِ انْتَهَى.
فَفُهِمَ مِنْ تَرَتُّبِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ إذَا قَامَ بِقُرْبِ
[ ٥ / ١٦١ ]
الْفَرَاغِ مِنْ الْأَحْدَاثِ تَرَتُّبُهَا مِنْ بَابِ، أَوْلَى إذَا قَامَ بِهِ بَعْدَ طُولٍ وَقُلْنَا: إنَّ لَهُ الْقِيَامَ بِهِ، وَلَوْ طَالَتْ الْمُدَّةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَرْعِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْقِيَامَ بِالضَّرَرِ بَعْدَ الْعِشْرِينَ سَنَةٍ حَتَّى يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا كَانَ سُكُوتُهُ عَنْ رِضًا، وَلَا تَسْلِيمٍ اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْحَلِفِ بِالْقِيَامِ بِالْقُرْبِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي أَثْنَاءِ نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ وَنَصُّهُ فَإِذَا قَامَ بِذَلِكَ بَعْدَ سَنَةٍ، أَوْ سَنَتَيْنِ كَمَا ذَكَرْت فَلَا أَرَى ذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَيْ الضَّرَرَ الْمُحْدَثَ، وَلَا يُوجَبُ عَلَيْهِ بَعْدُ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا كَانَ سُكُوتُهُ بِذَلِكَ رِضًا لِلْأَبَدِ، وَلَا تَسْلِيمًا ثُمَّ يُصْرَفُ عَنْهُ إذَا حَلَفَ إلَّا أَنْ يَطُولَ زَمَانُ ذَلِكَ جِدًّا فَلَا أَرَى لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ دَعْوَى، وَلَا تَبِعَةً انْتَهَى.
[فَرْعٌ أُحْدِثَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي مِلْكِهِ فَبَاعَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ فَهَلْ يَنْتَقِلُ لِلْمُشْتَرِي]
(فَرْعٌ) مَنْ أُحْدِثَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي مِلْكِهِ فَبَاعَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ فَهَلْ يَنْتَقِلُ لِلْمُشْتَرِي مَا كَانَ لِلْبَائِعِ أَمْ لَا، أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَاعَهُ بَعْدَ أَنْ خَاصَمَ فَلِلْمُشْتَرِي الْقِيَامُ وَإِلَّا فَلَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ انْتَهَى.
مِنْ بَهْرَامَ الْكَبِيرِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي النِّكَاحِ وَلِلسَّيِّدِ رَدُّ نِكَاحِ عَبْدِهِ بِطَلْقَةٍ فَقَطْ بَائِنَةٍ إنْ لَمْ يَبِعْهُ وَعَزَاهُ لِابْنِ الْجَلَّابِ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَمَنْ بَاعَ دَارِهِ، وَقَدْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ جَارُهُ مَطْلَعًا، أَوْ مَجْرَى مَاءٍ، أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الضَّرَرِ فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنْ كَانَ الْبَائِعُ لَمْ يَقُمْ فِي ذَلِكَ حِينَ بَاعَهَا فَلَا قِيَامَ لِلْمُشْتَرِي، وَلَوْ كَانَ قَدْ قَامَ يُخَاصِمُ فَلَمْ يَتِمَّ لَهُ الْحُكْمُ حَتَّى بَاعَ فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَقُومَ وَيَحِلَّ مَحَلَّهُ وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ بَطَّالٍ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَاكِمَ قَضَى بِهِ وَأَعْذَرَ وَبَقِيَ التَّسْجِيلُ وَالْإِشْهَادُ، وَلَوْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْمَدَافِعِ وَالْحُجَجِ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا فِيهِ خُصُومَةٌ، وَهَذَا أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ اقْتَصَرَ فِي الشَّامِلِ فَقَالَ: وَحَلَّ مُبْتَاعٌ مَحَلَّ بَائِعٍ خَاصَمَ وَبَاعَ قَبْلَ الْحُكْمِ لَا قَبْلَ قِيَامِهِ انْتَهَى.
، وَقَالَ فِي أَوَاخِرِ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ الَّذِي أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَتَّابٍ أَنَّهُ إذَا بَاعَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ أَيْ بِالْإِحْدَاثِ فَهُوَ رِضًا مِنْهُ، وَلَا كَلَامَ لِلْمُبْتَاعِ، وَلَا لَهُ وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ مَا فِي التَّوْضِيحِ ثُمَّ قَالَ قَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْمُبْتَاعِ الْقِيَامَ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ، وَقَالَ فِي مَسَائِلِ حَبِيبِ بْنِ نَصْرَانَ إنْ كَانَ الْبَائِعُ لَمْ يُبَيِّنْ لِلْمُبْتَاعِ ذَلِكَ فَهُوَ عَيْبٌ يُوجِبُ الرَّدَّ إنْ كَانَ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُوجِبَةِ لِلرَّدِّ وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الْقِيَامُ عَلَى مُحْدِثِ الضَّرَرِ، وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ الْبَائِعُ عَلَى الضَّرَرِ حَتَّى بَاعَ وَرُدَّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ وَجَبَ لِلْبَائِعِ الْقِيَامُ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَيَتَحَصَّلُ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّ بَيْعَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ رِضًا بِتَرْكِ الْقِيَامِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ بِرِضًا وَأَنَّ لِلْمُبْتَاعِ الْقِيَامَ بِمَا كَانَ لِلْبَائِعِ الْقِيَامُ بِهِ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَيْسَ بِرِضًا مِنْ الْبَائِعِ، وَلَا قِيَامَ مِنْ الْمُشْتَرِي إلَّا أَنَّ لَهُ الرَّدَّ عَلَى الْبَائِعِ بِالْعَيْبِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَإِنْ رُدَّ عَلَيْهِ فَلِلْبَائِعِ الْقِيَامُ انْتَهَى.
، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ تَرَكَ أَرْضًا بَرَاحًا فَاقْتَسَمَهَا الْوَرَثَةُ ثُمَّ بَاعُوهَا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَقَامَتْ بِيَدِ الْمُشْتَرِي نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ بَاعَ حَظَّهُ مِنْ شَخْصٍ وَعَلَيْهِ فِي حَظِّهِ مَجْرَى مَاءٍ فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَمْنَعَ مَنْ لَهُ مُرُورُ الْمَاءِ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ أَوْ يَمُرَّ بِهِ عَلَيْهِ فَقَالَ مَالِكٌ أَرَى أَنْ يَدْعُوَهُمْ الْقَاضِي بِأَصْلِ قَسْمِ مَا قَسَمُوا عَلَيْهِ فَإِنْ أَتَوْا بِهِ حَمَلَهُمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا مَا هُمْ عَلَيْهِ أُقِرُّوا عَلَى ذَلِكَ وَمَا أَرَى شَيْئًا الْآنَ أَمْثَلَ مِنْ أَنْ يُقَرُّوا عَلَى حَالِهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ قَسْمُهُمْ مَعْرُوفًا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ أَرَى أَنْ يَدْعُوَهُمْ الْقَاضِي بِأَصْلِ قَسْمِ مَا قَسَمُوا عَلَيْهِ فَإِنْ أَتَوْا بِهِ حَمَلَهُمْ عَلَيْهِ يُرِيدُ إنْ كَانَ فِي أَصْلِ مَا اقْتَسَمُوا عَلَيْهِ مُرُورُ الْمَاءِ عَلَى الْبَائِعِ لَزِمَهُ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ كَلَامٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ فَيَكُونُ عَيْبًا فِيمَا اشْتَرَى إنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ مَا اقْتَسَمُوا عَلَيْهِ أَنْ يَمُرَّ الْمَاءُ عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، وَكَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ فَلَمْ يُرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُرُورُ الْمَاءِ عَلَى الْبَائِعِ فِي أَرْضِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً حِيَازَةً عَلَيْهِ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُحَازُ وَلَمْ يُجْعَلْ بَيْعُهُ لِلْأَرْضِ رِضًا مِنْهُ بِتَرْكِ الْقِيَامِ عَلَى
[ ٥ / ١٦٢ ]
الْمَارِّ بِمَائِهِ فِيهَا وَذَلِكَ خِلَافُ مَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ فِي أَنَّ مَنْ أُحْدِثَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ حَتَّى بَاعَ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ قِيَامٌ وَأَحَلَّ الْمُشْتَرِيَ مَحَلَّ الْبَائِعِ فِي الْقِيَامِ عَلَيْهِ بِمَا كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقُومَ بِهِ عَلَيْهِ إذْ قَالَ: إنَّ الْقَاضِيَ يَنْظُرُ لَهُ بِمَا كَانَ يَنْظُرُ بِهِ لِلْبَائِعِ بِأَنْ يَدْعُوَ بِأَصْلِ الْقَسْمِ فَيَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ.
وَيَدْخُلُ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ بِالْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُجْعَلْ بَيْعُهُ رِضًا بِتَرْكِ الْقِيَامِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إذَا بَاعَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِمَا أُحْدِثَ عَلَيْهِ، أَوْ بَاعَ بَعْدَ أَنْ عَلِمَ فِي حَالِ الْخِصَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى لَهُ، وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يَتَزَوَّجُ عَبْدُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَيَبِيعُهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ، أَوْ يَرُدَّ فَلَا يَكُونُ لَهُ مِنْ الْخِيَارِ فِي التَّفْرِقَةِ مَا كَانَ لِلْبَائِعِ وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ أَنَّهُ إذَا بَاعَ فِي حَالِ الطَّلَبِ، وَالْخِصَامِ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ لَهُ الْقَضَاءُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ، وَيَكُونُ لَهُ مِنْ الطَّلَبِ مَا كَانَ لَهُ فَمَا كَانَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ مُعَارِضٌ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَلِمَا فِي الْوَاضِحَةِ وَيَتَحَصَّلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّ بَيْعَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ الرِّضَا مِنْهُ بِتَرْكِ الْقِيَامِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ بِرِضًا، وَيَقُومُ الْمُشْتَرِي بِمَا كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقُومَ بِهِ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَيْسَ بِرِضًا مِنْ الْبَائِعِ، وَلَا قِيَامَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا لَهُ الرَّدُّ عَلَى الْبَائِعِ بِالْعَيْبِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ كَانَ لِلْبَائِعِ الْقِيَامُ، وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَ السَّيِّدُ الْعَبْدَ الَّذِي تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ بَعْدَ أَنْ عَلِمَ بِتَزَوُّجِهِ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الثَّلَاثَةُ الْأَقْوَالُ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ الْبَاجِيُّ: فَمَنْ بَاعَ دَارِهِ، وَقَدْ أُحْدِثَ عَلَيْهِ مَطْلَعٌ، أَوْ مَجْرَى مَاءٍ، أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الضَّرَرِ فَقَالَ الْأَخَوَانِ وَأَصْبَغُ: إنْ لَمْ يَقُمْ حَتَّى بَاعَ فَلَا شَيْءَ لِلْمُشْتَرِي، وَلَوْ كَانَ خَاصَمَ فِيهِ فَلَمْ يَتِمَّ لَهُ الْحُكْمُ فَبَاعَ فَلِلْمُشْتَرِي الْقِيَامُ وَيَحِلُّ مَحَلَّهُ ابْنُ زَرْقُونٍ فِي أَحْكَامِ ابْنِ بَطَّالٍ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَاكِمَ قَضَى بِهِ، وَأَعْذَرَ وَبَقِيَ التَّسْجِيلُ وَالْإِشْهَادُ، وَلَوْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْمَدَافِعِ وَالْحُجَجِ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا فِيهِ خُصُومَةٌ، وَهَذَا أَصْلٌ فِيهِ تَنَازُعٌ وَفِيهَا مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً غَيْرَ قَاطِعَةٍ فِي أَرْضٍ فَلِمَنْ هِيَ بِيَدِهِ بَيْعُهَا.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: بَيْعُهَا حِينَئِذٍ غَرَرٌ، وَهَذَا إنْ كَانَ الْبَائِعُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى قَامَ عَلَى مُحْدِثِ الضَّرَرِ، وَإِنْ بَاعَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ فَفِي صِحَّةِ قِيَامِ الْمُبْتَاعِ عَلَى الْمُحْدِثِ وَتَنَزُّلِهِ مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ وَيَقُومُ قِيَامَهُ ثَالِثُهَا إنَّمَا لَهُ الرَّدُّ عَلَى الْبَائِعِ لِحَبِيبٍ عَنْ سَحْنُونٍ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْأَخَوَيْنِ وَقَوْلُهَا فِي الْعَبْدِ يَتَزَوَّجُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ ثُمَّ يَبِيعُهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ لِمُشْتَرِيهِ رَدُّهُ بِالْعَيْبِ فَإِنْ رَدَّهُ فَلِبَائِعِهِ الْقِيَامُ بِهِ كَذَا أَخَذْته عَمَّنْ أَرْضَى مِنْ شُيُوخِنَا أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَتَأَمَّلْت قَوْلَ الْأَخَوَيْنِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِإِحْدَاثِ الضَّرَرِ وَلَمْ يَقُمْ بِهِ، وَهَذَا لَا يُخْتَلَفُ فِي سُقُوطِ الْقِيَامِ فِيهِ، فَتَأَمَّلْهُ ابْنُ سَهْلٍ نَزَلَ أَنَّ رَجُلًا فَتَحَ بَابًا فِي زُقَاقٍ غَيْرِ نَافِذٍ وَسَكَتَ عَنْهُ أَهْلُ دُورِهِ نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ وَبَاعُوا دُورَهُمْ فَأَرَادَ مُبْتَاعُوهَا سَدَّ الْبَابِ الْمُحْدَثِ فَأَجَابَ ابْنُ عَتَّابٍ لَا كَلَامَ فِيهِ لِلْمُبْتَاعِ إنَّمَا الْكَلَامُ فِيهِ لِلْبَائِعِينَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا حَتَّى بَاعُوا فَهُوَ رِضًا مِنْهُمْ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ رَشِيقٍ فَقِيهُ الْمُرِّيَّةِ مِثْلَهُ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ لَا قِيَامَ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُونَ بَاعُوا، وَقَدْ خَاصَمُوا فِي ذَلِكَ وَعَلَى أَنَّ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ يَدُلُّ مَا فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ سَهْلٍ يُرِيدُ مَسْأَلَةَ الْعَبْدِ يَتَزَوَّجُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَفِي سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ مِنْ الْأَقْضِيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ وَكَذَا فِي وَثَائِقِ الْمَعْرُوفِ بِالْمُكْوَى لِلْمُبْتَاعِ الْقِيَامُ عَلَى مُحْدِثِ الضَّرَرِ كَوَكِيلِ الْبَائِعِ عَلَى ذَلِكَ (قُلْت): وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ فِيهِ سُكُوتُ ذِي أَرْضٍ عَلَى إحْدَاثِ مُرُورِ مَاءٍ عَلَى أَرْضِهِ أَرْبَعِينَ عَامًا ثُمَّ بَاعَ أَرْضَهُ تِلْكَ لَا يُمْنَعُ الْقِيَامَ عَلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ، وَنَقَلَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمَ ثُمَّ قَالَ قُلْت: وَزَعَمَ ابْنُ زَرْقُونٍ أَنَّ بَيْعَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْإِحْدَاثِ مَعَ عَدَمِ قِيَامِهِ بِهِ يُسْقِطُ الْقِيَامَ اتِّفَاقًا يُرِيدُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ هَذَا أَنْ لَوْ كَانَ ضَرَرُ الْإِحْدَاثِ يُحَازُ بِالْعِلْمِ بِهِ
[ ٥ / ١٦٣ ]
مَعَ السُّكُوتِ عَنْهُ اتِّفَاقًا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لِمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ هُنَا وَفِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ وَالْعَجَبُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ زَرْقُونٍ هَذَا مَعَ كَثْرَةِ اعْتِمَادِهِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ انْتَهَى.
ص (وَأَنْدَرُ قِبَلَ بَيْتٍ)
ش: الْأَنْدَرُ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ كَذَا ضَبَطَهُ فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ قِبَلَ بَيْتٍ لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ، وَكَذَلِكَ إذَا أُحْدِثَ الْأَنْدَرُ إلَى جَنْبِ بَيْتٍ وَأَضَرَّ بِهِ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْهُ، وَكَذَا إذَا أَضَرَّ بِالْجِنَانِ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَغَيْرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمُضِرٌّ بِجِدَارٍ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْبَابِ الثَّالِثَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِنَفْيِ الضَّرَرِ: قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: وَإِنْ قَامَ رَجُلٌ عَلَى جَارِهِ فِي شَيْءٍ يُرِيدُ إحْدَاثَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ ضَرَرٌ وَأَقَامَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ بِأَنَّ الَّذِي يَذْهَبُ إلَى إحْدَاثِهِ يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى جَارِهِ مِنْ اطِّلَاعٍ، وَغَيْرِهِ فَلَيْسَ يُمْنَعُ جَارُهُ مِنْ عَمَلِ مَا يُرِيدُ فَإِذَا تَمَّ عَمَلُهُ وَثَبَتَ الضَّرَرُ هُدِمَ عَلَيْهِ إذَا اخْتَارَ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ مَدْفَعٌ انْتَهَى.
، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِصْطَبْلٌ)
ش: قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ هَمْزَةٌ أَصْلِيَّةُ فَكُلُّ حُرُوفِ الْكَلِمَةِ أَصْلِيَّةٌ وَهُوَ عَجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ وَهُوَ بَيْتُ الْخَيْلِ وَنَحْوِهَا، وَكَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ عَلَيْهِ حَسَنٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَحَانُوتٌ قُبَالَةَ بَابٍ)
ش: قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ هَذَا فِي غَيْرِ النَّافِذَةِ لِقَوْلِهِ فِي مُقَابِلِهِ: وَبَابٌ بِسِكَّةٍ نَافِذَةٍ عَلَى أَنَّ مَا هُنَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ آخِرًا إلَّا بَابًا أَنْ نُكِبَ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ النَّافِذَةِ انْتَهَى.
(قُلْت:) كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْحَانُوتِ وَالْبَابِ وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ السُّلْطَانِ وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَّلِ مَسَائِلِ الضَّرَرِ: وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْحَانُوتِ وَبَابِ الدَّارِ، وَأَنَّ الْخِلَافَ فِيهِمَا وَاحِدٌ وَحَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ السُّلْطَانِ مِنْ الشَّرْحِ وَرَأَيْت فِي التَّعْلِيقَةِ الْمَنْسُوبَةِ لِلْمَازِرِيِّ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ عَنْ السُّيُورِيِّ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّ الْحَانُوتَ أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْ الْبَابِ لِكَثْرَةِ مُلَازَمَةِ الْجُلُوسِ فِيهِ، وَأَنَّهُ يُمْنَعُ بِكُلِّ حَالٍ وَوَقَعَتْ بِتُونُسَ فَأَفْتَى شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ بِالتَّسْوِيَةِ، وَالصَّوَابُ مَا قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ انْتَهَى.
ص (وَإِلَّا فَقَوْلَانِ)
ش: أَيْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الشَّجَرَةُ مُتَجَرِّدَةً فَقَوْلَانِ نَقَلَ
[ ٥ / ١٦٤ ]
ابْنُ عَرَفَةَ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَظْهَرُ قَطْعُ مَا أَضَرَّ مَا طَالَ مِنْ أَغْصَانِهَا يَعْنِي وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الشَّجَرَةُ مُتَجَرِّدَةً قَالَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَنَصُّ كَلَامِهِ: وَسَمِعَ عَبْدُ الْمَلِكِ ابْنَ وَهْبٍ مَنْ شَكَا شَجَرَةً بِدَارٍ جَارِهِ لِإِشْرَافِ مَنْ يَطْلُعُهَا لِاجْتِنَائِهَا عَلَى دَارِهِ وَخَوْفِ أَنْ يَنْظُرُوا إلَيْهِ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَطْعُهَا، وَلَهُ قَطْعُ مَا دَخَلَ مِنْ أَغْصَانِهَا فِي أَرْضِهِ ابْنُ رُشْدٍ لَهُ قَطْعُ مَا طَالَ مِنْ الْحَادِثَةِ فَأَضَرَّ حَائِطَهُ، أَوْ دَخَلَ هَوَاءَ حَقِّهِ وَقَلْعُهَا إنْ أَضَرَّتْ حَائِطَهُ، وَإِنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ قَدِيمَةً قَبْلَ دَارِ الْجَارِ فَلَيْسَ لِلْجَارِ قَلْعُهَا، وَلَوْ أَضَرَّتْ بِجِدَارِهِ، وَفِي قَطْعِهِ مَا أَضَرَّ بِهِ مِمَّا طَالَ مِنْ أَغْصَانِهَا قَوْلَا أَصْبَغَ مَعَ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ؛ لِأَنَّهُ عُلِمَ أَنَّ هَذَا يَكُونُ مِنْ حَالِ الشَّجَرَةِ فَقَدْ حَازَ ذَلِكَ مِنْ حَرِيمِهَا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ انْتَهَى.
ص (لَا مَانِعُ ضَوْءِ شَمْسٍ وَرِيحٍ)
ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الثَّلَاثَةِ وَأَمَّا إحْدَاثُ مَا يُنْقِصُ الْغَلَّةَ فَلَا يُمْنَعُ اتِّفَاقًا كَإِحْدَاثِ فُرْنٍ قُرْبَ فُرْنٍ آخَرَ، أَوْ إحْدَاثِ حَمَّامٍ قُرْبَ حَمَّامٍ آخَرَ قَالَهُ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ وَفِي التَّبْصِرَةِ.
[فَتْح الْبَابَ فِي السِّكَّة النَّافِذَةِ]
ص (وَبَابٌ بِسِكَّةٍ نَفَذَتْ)
ش: يَعْنِي أَنَّ
[ ٥ / ١٦٥ ]
مَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ لِدَارِهِ بَابًا فِي سِكَّةٍ نَافِذَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ بَابِ جَارِهِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ السِّكَّةُ وَاسِعَةً، أَوْ ضَيِّقَةً، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالسِّكَّةُ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الزُّقَاقُ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ وَالنَّافِذَةُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ هِيَ الَّتِي يُخْرَجُ مِنْهَا مِنْ طَرَفَيْهَا وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: نَفَذَتْ عَنْ السِّكَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِنَافِذَةٍ وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ مُنْسَدَّةً مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالطَّرِيقُ الْمُنْسَدَّةُ الْأَسْفَلِ كَالْمِلْكِ لِأَرْبَابِ دُورِهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّمَا جَعَلَ الْجَانِبَ الْمُنْسَدَّ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ أَعْلَاهَا فِي الْمَكَانِ؛ لِأَنَّهُ غَايَةُ تِلْكَ الطَّرِيقِ فَشَبَّهَ أَوَّلَهَا بِالْأَعْلَى وَأَقْصَاهَا بِالْأَسْفَلِ؛ لِأَنَّهَا كَالْوِعَاءِ لِمَنْ دَخَلَ فِيهَا انْتَهَى.
فَإِذَا كَانَتْ السِّكَّةُ غَيْرَ نَافِذَةٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ فِيهَا بَابًا بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِ السِّكَّةِ إلَّا إذَا كَانَ مُنَكِّبًا عَنْ بَابِ جَارِهِ الْمُقَابِلِ لَهُ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي قَوْلِهِ: إلَّا بَابًا إنْ نُكِّبَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ، وَكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْقِسْمَةِ مِنْهَا وَلَيْسَ لَك أَنْ تَفْتَحَ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ بَابًا يُقَابِلُ بَابَ جَارِك، أَوْ يُقَارِبُهُ، وَلَا تُحَوِّلُ بَابًا لَك هُنَالِكَ إذَا مَنَعَك؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تَفْتَحَ فِيهِ بَابَك لِي فِيهِ مِرْفَقٌ أَفْتَحُ فِيهِ بَابِي وَأَنَا فِي سُتْرَةٍ، وَلَا أَدَعُك تَفْتَحُ قُبَالَةَ بَابِي، أَوْ قُرْبَهُ فَتَتَّخِذُ عَلَيَّ فِيهِ الْمَجَالِسَ وَشِبْهَ هَذَا، فَإِذَا كَانَ هَذَا ضَرَرًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُحْدِثَ عَلَى جَارِك مَا يَضُرُّهُ، وَأَمَّا فِي السِّكَّةِ النَّافِذَةِ فَلَكَ أَنْ تَفْتَحَ مَا شِئْت، وَتُحَوِّلَ بَابَك حَيْثُ شِئْت مِنْهَا انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمُلَقَّبِ بِزُونَانَ مِنْ كِتَابِ السُّلْطَانِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ: فَيَتَحَصَّلُ فِي فَتْحِ الْبَابِ وَتَحْوِيلِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ فِي الزُّقَاقِ الَّذِي لَيْسَ بِنَافِذٍ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ إلَّا بِإِذْنِ جَمِيعِ أَهْلِ الزُّقَاقِ وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ زَرْبٍ قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الدَّارِ الْكَبِيرَةِ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ بِقُرْطُبَةَ، وَالثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ لَهُ فِيمَا لَمْ يُقَابِلْ بَابَ جَارِهِ، وَلَا قَرُبَ مِنْهُ، فَقَطَعَ بِهِ مِرْفَقًا عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ هَهُنَا، وَالثَّالِثُ أَنَّ لَهُ تَحْوِيلَ بَابِهِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إذَا سَدَّ الْبَابَ الْأَوَّلَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ فِيهِ بَابًا لَمْ يَكُنْ قَبْلُ بِحَالٍ وَهُوَ دَلِيلُ قَوْلِ أَشْهَبَ هَهُنَا وَيَتَحَصَّلُ فِي فَتْحِ الرَّجُلِ بَابًا، أَوْ حَانُوتًا فِي مُقَابَلَةِ بَابِ جَارِهِ فِي الزُّقَاقِ النَّافِذِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّ ذَلِكَ لَهُ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَوْلُ أَشْهَبَ هَهُنَا، وَالثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ إلَّا أَنْ يُنَكِّبَ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَرَوَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ وَابْنُ حَبِيبٍ، وَالثَّالِثُ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ إذَا كَانَتْ السِّكَّةُ وَاسِعَةً وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ هَهُنَا، وَالسِّكَّةُ الْوَاسِعَةُ مَا كَانَ فِيهَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ فَأَكْثَرُ لِمَا جَاءَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «الطَّرِيقُ الْمِيتَاءُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ» وَقَعَ ذَلِكَ فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَدَّ سَعَةِ الطَّرِيقِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ السَّابِقِ، وَقَالَ فِيهِ: إلَّا بِإِذْنِ جَمِيعِ أَهْلِ الزَّنْقَةِ وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ يَسْتَعْمِلُهَا الْمَغَارِبَةُ بِمَعْنَى الزُّقَاقِ وَلَيْسَتْ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ الزَّنْقَةُ السِّكَّةُ الضَّيِّقَةُ انْتَهَى.
وَالْقَوْلُ الَّذِي عَزَاهُ لِابْنِ زَرْبٍ فِي السِّكَّةِ الْغَيْرِ النَّافِذَةِ عَزَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْبُنْيَانِ لِسَحْنُونٍ وَنَصُّهُ: قَالَ فِي كِتَابِ الْبُنْيَانِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ لَك فِي زُقَاقٍ غَيْرِ نَافِذٍ أَنْ تَفْتَحَ بَابًا، أَوْ تُقَدِّمَهُ ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا تَفْتَحْ فِي غَيْرِ النَّافِذَةِ شَيْئًا بِحَالٍ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْجَمَاعَةُ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) تَقَدَّمَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ الْبَابَ فِي السِّكَّةِ النَّافِذَةِ، وَلَوْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ بَابِ جَارِهٍ وَسَوَاءٌ كَانَتْ السِّكَّةُ وَاسِعَةً، أَوْ ضَيِّقَةً، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ السَّابِقِ وَصَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنَّهُ عَزَا الْقَوْلَ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ الْوَاسِعَةِ وَالضَّيِّقَةِ لِابْنِ وَهْبٍ كَمَا
[ ٥ / ١٦٦ ]
تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ، وَقَالَ قَبْلَهُ: إنَّ قَوْلَ ابْنِ وَهْبٍ يُخَالِفُ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتَهُ عَنْ مَالِكٍ فِي آخِرِ كِتَابِ الْقِسْمَةِ إذْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْمُدَوَّنَةِ سَعَةَ السِّكَّةِ وَعَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ اعْتَمَدَ الْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الشَّامِلِ فَقَالَ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَا يُمْنَعُ مِنْهَا: وَلَا مِنْ بَابٍ بِسِكَّةٍ نَافِذَةٍ، وَإِنْ ضَاقَتْ عَنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَثَالِثُهَا إنْ نَكَّبَ عَنْ بَابِ جَارِهِ، وَإِلَّا فَلَا انْتَهَى.
إلَّا أَنَّهُ قَدْ يَتَبَادَرُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّامِلِ أَنَّ مُقَابِلَ الْأَصَحِّ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ فَتْحِ الْبَابِ فِي السِّكَّةِ النَّافِذَةِ، وَلَوْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَتَأَمَّلْهُ وَأَمَّا الْمُتَيْطِيُّ فَجَعَلَ قَوْلَ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مُقَيِّدًا لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فَقَالَ: وَأَمَّا فَتْحُ الْأَبْوَابِ فِي الْمَحَاجِّ النَّافِذَةِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَوْلًا مُجْمَلًا أَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ لِمَنْ شَاءَ وَيُؤْمَرُ أَنْ يُنَكِّبَ قَلِيلًا عَنْ مُقَابَلَةِ بَابِ دَارِ جَارِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ السِّكَّةُ وَاسِعَةً جِدًّا حَتَّى لَا يَرَى مِنْ الْبَابِ الْمَفْتُوحِ إلَّا مَا يَرَى مَنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ فَلَهُ أَنْ يَفْتَحَهُ كَيْفَ شَاءَ، وَقَالَ قَبْلَهُ مَنْ فَتَحَ بَابًا فِي سِكَّةٍ نَافِذَةٍ فَمَنَعَهُ جَارُهُ وَزَعَمَ أَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَى جَارِهِ وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ الزُّقَاقَ ضَيِّقٌ وَأَنَّ مَنْ فِي أُسْطُوَانِ أَحَدِهِمَا يَنْظُرُ مَنْ فِي أُسْطُوَانِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِغَلْقِ الْبَابِ الْمُحْدَثِ، وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ السَّابِقُ يَقْتَضِي أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ فَتْحِ الْبَابِ فِي الزُّقَاقِ النَّافِذِ، وَلَوْ كَانَ مَنْ فِي أُسْطُوَانِ إحْدَاهُمَا يَنْظُرُ مَنْ فِي أُسْطُوَانِ الْأُخْرَى وَجَوَابُ ابْنِ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ رَاعَى مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي مَسَائِلِ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَاتِ مِنْ نَوَازِلِهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلَيْنِ مُتَجَاوِرَيْنِ بَيْنَهُمَا زُقَاقٌ نَافِذٌ فَأَحْدَثَ أَحَدُهُمَا فِي دَارِهِ بَابًا، أَوْ حَانُوتَيْنِ يُقَابِلُ ذَلِكَ بَابَ جَارِهِ، وَلَا يَكَادُ يَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ دَارِهِ، وَلَا يَخْرُجُ إلَّا عَلَى نَظَرٍ مِنْ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ فِي الْحَانُوتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِعَمَلِ صِنَاعَتِهِمْ وَذَلِكَ ضَرَرٌ بَيِّنٌ لِصَاحِبِ الدَّارِ، وَعِيَالِهِ فَأَجَابَ إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْت فَيُؤْمَرُ أَنْ يُنَكِّبَ بَابَهُ، وَحَانُوتَيْهِ عَنْ مُقَابَلَةِ بَابِ جَارِهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا وَجَدَ إلَيْهِ سَبِيلًا تُرِكَ وَلَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِغَلْقِهَا انْتَهَى.
فَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ سَبِيلًا لِتَنْكِيبِ الْبَابِ، وَالْحَانُوتَيْنِ عَنْ بَابِ جَارِهِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إذَا ثَبَتَ أَنَّ عَلَى جَارِهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا فَيَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى جَارِهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ فَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ الْبَابَ، وَالْحَانُوتَ قُبَالَةَ بَابِ جَارِهِ وَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَى جَارِهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنَهُ التَّنْكِيبُ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ حُكِمَ عَلَيْهِ بِهِ، فَتَأَمَّلْهُ وَالْأُسْطُوَانُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ هُوَ الدِّهْلِيزُ بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَرَأَيْته فِي الْمُتَيْطِيَّةِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ لُغَةٌ فِيهِ (الثَّانِي) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي السِّكَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِنَافِذَةٍ إلَّا بَابًا إنْ نُكِّبَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا كَانَ الْبَابُ الَّذِي يَفْتَحُهُ مُنَكَّبًا عَنْ بَابِ جَارِهِ الَّذِي يُقَابِلُهُ جَازَ فَتْحُهُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِقُرْبِ بَابِ دَارِ جَارِهِ الْمُلَاصِقِ لَهُ بِحَيْثُ إنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَابِهِ وَيَقْطَعُ ارْتِفَاقَهُ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: إلَّا بَابًا إنْ نُكِّبَ، وَلَمْ يَضُرَّ بِجَارٍ مُلَاصِقٍ لَوَفَّى بِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَبِمَا فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ.
(الثَّالِثُ) يَدْخُلُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَنْ لَهُ حَائِطٌ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا بَابٌ وَأَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ فِي حَائِطِهِ بَابًا فَلَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَ مُنَكَّبًا عَنْ بَابِ جَارِهِ الْمُقَابِلِ وَلَمْ يَقْرُبْ مِنْ بَابِ جَارِهِ الْمُلَاصِقِ لَهُ لَكِنْ قَيَّدَ ذَلِكَ فِي الشَّامِلِ بِمَا إذَا كَانَ قَصْدُهُ الِارْتِفَاقَ بِذَلِكَ وَأَمَّا إنْ جَعَلَ ذَلِكَ طَرِيقًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْ بَابِ دَارِهِ، وَيَخْرُجُونَ مِنْ هَذَا الْبَابِ الْمُحْدَثِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ، وَلَكِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمُدَوَّنَةِ الْآتِيَةِ وَنَصُّ مَا فِي الشَّامِلِ: وَغَيْرُ النَّافِذَةِ كَالْمِلْكِ لِجَمِيعِهِمْ فَبِالْإِذْنِ إلَّا بَابًا إنْ نُكِّبَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَثَالِثًا إنْ سَدَّ بَابَهُ الْأَوَّلَ وَنَكَّبَ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا مَنْ فَتَحَ بَابًا آخَرَ بِظَهْرِ دَارِهِ لِيَرْتَفِقَ بِهِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ طَرِيقًا انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ، وَلَا غَيْرُهُ قَدْرَ مَا يُنَكَّبُ الْبَابُ عَنْ بَابِ جَارِهِ فِي السِّكَّةِ الْغَيْرِ النَّافِذَةِ لَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ
[ ٥ / ١٦٧ ]
ابْنِ رُشْدٍ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا فِي السِّكَّةِ النَّافِذَةِ إلَّا أَنْ يُنَكِّبَهُ، وَنَقَلَهُ أَبُو إِسْحَاقَ التُّونُسِيُّ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ ثُمَّ قَالَ: قِيلَ لَهُ: يُنَكِّبُهُ قَدْرَ ذِرَاعٍ، أَوْ ذِرَاعَيْنِ قَالَ: قَدْرَ مَا يَرَى أَنَّهُ يُزَالُ بِهِ الضَّرَرُ عَنْ الَّذِي قُبَالَتُهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ وَابْنُ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ وَمِثْلُهُ يُقَالُ هُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الضَّرَرِ نَاقِلًا عَنْ نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ: إنَّ مَنْ كَانَ لَهُ حَائِطٌ مُصِمَّةٌ فِي سِكَّةٍ فَكَانَ ابْنُ الْعَطَّارِ يَقُولُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُ مَنْ أَرَادَ فَتْحَ بَابٍ فِي السِّكَّةِ حِذَاءَ حَائِطِهِ، وَكَانَ ابْنُ عَتَّابٍ يَقُولُ: لَهُ مَنْعُهُ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ بَابٌ الْبُرْزُلِيُّ قُلْت: هَذَا الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْحَقِّ فِي الْفِنَاءِ هَلْ يَخْتَصُّ بِمَنْفَعَتِهِ، فَيَكُونُ لَهُ حَقٌّ فِي الزُّقَاقِ، أَوْ لَا فَلَا يَكُونُ لَهُ حَقٌّ انْتَهَى.
(قُلْت:) سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَمْنَعَ صَاحِبَهُ مِنْ أَنْ يَفْتَحَ بِقُرْبِ جِدَارِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَفْتَحَ أَيْضًا فِي جِدَارِي فَلَا تَقْرَبْ مِنِّي حَتَّى لَا تُضَيِّقَ عَلَيَّ، فَإِمَّا أَنْ يَفْتَحَا جَمِيعًا، أَوْ يَمْنَعَا جَمِيعًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (السَّادِسُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى السِّكَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِنَافِذَةٍ وَنَقَلَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ السَّابِقَ مَا نَصُّهُ: وَلَمْ يَحْكِ الْمُتَيْطِيُّ إلَّا مَنْعَ إحْدَاثِ الْبَابِ، أَوْ تَحْوِيلِ الْقَدِيمِ لِقُرْبِ بَابِ جِدَارِهِ بِحَيْثُ يَضُرُّهُ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ حَوَّلَهُ عَلَى بُعْدٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ قِيَامٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْهُمْ شَيْئًا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
(قُلْت:) مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ هُوَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ وَكَرَّرَ الْكَلَامَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي بِهِ الْقَضَاءُ ثُمَّ قَالَ: قَالَ الْبَاجِيُّ وَفِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ ثُمَّ كَتَبَ فِي هَامِشِ النُّسْخَةِ وَفِي آخِرِ كِتَابِ الْقِسْمَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ رَاعَى الضَّرَرَ فِي ذَلِكَ وَكُتِبَ عَلَيْهِ أَصْلٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (السَّابِعُ) تَقَدَّمَ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: إلَّا بَابًا إنْ نُكِّبَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ السِّكَّةِ الطَّوِيلَةِ وَالْقَصِيرَةِ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي السِّكَّةِ غَيْرِ النَّافِذَةِ ظَاهِرُهُ طَوِيلَةً كَانَتْ، أَوْ قَصِيرَةً، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ النَّافِذَةِ وَغَيْرِ النَّافِذَةِ إنَّمَا هُوَ بِعُذْرِ كَثْرَةِ الْمُرُورِ فَإِذَا كَانَتْ السِّكَّةُ طَوِيلَةً كَانَتْ كَالنَّافِذَةِ، سُئِلَ الشَّيْخُ يَعْنِي نَفْسَهُ عَمَّنْ لَهُ فِي أَقْصَى هَذِهِ السِّكَّةِ غَيْرِ النَّافِذَةِ قَاعَةٌ هَلْ لَهُ أَنْ يُكْرِيَهَا مِمَّنْ يَبْنِيهَا، أَوْ لِأَهْلِ السِّكَّةِ مَنْعُهُ فَقَالَ لَيْسَ لَهُمْ مَنْعُهُ كَمَا لَهُ هُوَ أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا وَيُسْكِنَ مَعَهُ مَنْ شَاءَ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ لَمْ أَرَ مَنْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا سَيَأْتِي فِي التَّنْبِيهِ الْخَامِسَ عَشَرَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَابْنِ بَطَّالٍ (الثَّامِنُ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ أَيْضًا: قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لِأَنَّهُ يَقُولُ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَفْتَحُ فِيهِ بَابَك لِي فِيهِ مِرْفَقٌ وَأَفْتَحُ فِيهِ بَابِي وَأَنَا فِي سُتْرَةٍ الشَّيْخُ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْبَابَ كَانَ هُنَاكَ مَفْتُوحًا لَا أَنَّهُ أَرَادَ إنْشَاءَ الْبَابَ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ أَحِلُّ فِيهِ بَابِي وَأَنَا فِي سُتْرَةٍ وَأَمَّا لَوْ أَرَادَ الْإِنْشَاءَ لَكَانَ لِلْآخَرِ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا، أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَإِمَّا أَنْ يُمْنَعَا جَمِيعًا، أَوْ يَفْتَحَا جَمِيعًا انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: أَحِلُّ فِيهِ بَابِي هَذَا اللَّفْظُ يَسْتَعْمِلُهُ الْمَغَارِبَةُ بِمَعْنَى أَفْتَحُ بَابِي الْمَغْلُوقَ (التَّاسِعُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ: وَلَمَّا ذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ الْحَدِيثَ السَّابِقَ فِي تَحْدِيدِ الطَّرِيقِ قَالَ: الْمِيتَاءُ الْوَاسِعَةُ انْتَهَى.
(قُلْت:) وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْمُتَيْطِيَّةِ بَلْ رَأَيْت فِي هَامِشِ نُسْخَةٍ مِنْهَا: تَأَمَّلْ الْمِيتَاءَ مَا هِيَ، وَتَفْسِيرُ الْمِيتَاءِ بِالْوَاسِعَةِ قَوْلٌ ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي، وَغَيْرِهِ وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَهْلِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ فِي فَصْلِ الْهَمْزَةِ مِنْ بَابِ الْمُعْتَلِّ: وَالْمِيتَاءُ الطَّرِيقُ الْعَامِرَةُ وَمُجْتَمَعُ الطَّرِيقِ أَيْضًا مِيتَاءُ وَسِيَرَاءُ انْتَهَى. وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ فِي الْمُقَرَّبِ: وَطَرِيقٌ مِيتَاءُ تَأْتِيهِ النَّاسُ كَثِيرًا وَهُوَ مِفْعَالٌ مِنْ الْإِتْيَانِ وَنَظِيرُهُ دَارٌ مِحْلَالٌ الَّتِي تُحَلُّ كَثِيرًا اهـ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ الْمِيمِ مَعَ التَّاءِ وَفِي حَدِيثِ اللُّقَطَةُ مَا وَجَدْت فِي طَرِيقٍ مِيتَاءَ فَعَرِّفْهُ سَنَةً أَيْ طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ وَهُوَ مِفْعَالٌ مِنْ الْإِتْيَانِ وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ وَبَابُهُ الْهَمْزَةُ انْتَهَى. يَعْنِي أَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْمِيمِ تَسْهِيلًا عَلَى الطَّالِبِ عَلَى عَادَتِهِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ فِي بَابِ الْمِيمِ وَفِي الْحَدِيثِ طَرِيقٌ مِيتَاءُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ
[ ٥ / ١٦٨ ]
وَبِالْمَدِّ وَتُسَهَّلُ فَيُقَالُ مِيتَاءُ بِيَاءٍ سَاكِنَةٍ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ مَعْنَاهُ كَثِيرُ السُّلُوكِ عَلَيْهِ مِفْعَالٌ مِنْ الْإِتْيَانِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ الْمِيتَاءُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَ مُثَنَّاةٍ وَمَدٍّ بِوَزْنِ مِفْعَالٌ مِنْ الْإِتْيَانِ، وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ الْمِيتَاءُ أَعْظَمُ الطُّرُقِ وَهِيَ الَّتِي يَكْثُرُ مُرُورُ النَّاسِ بِهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ الطَّرِيقُ الْوَاسِعَةُ وَقِيلَ الْعَامِرَةُ انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّشْدِيدِ سَهْوٌ يَرُدُّهُ
قَوْلُهُ بِوَزْنِ مِفْعَالٌ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ وَرَأَيْته فِي الْبَيَانِ وَالْمُتَيْطِيَّةِ وَمُخْتَصَرِ ابْنِ عَرَفَةَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ قَالَ فِي الصِّحَاحِ فِي فَصْلِ الْمِيمِ مِنْ بَابِ التَّاءِ الْمِيتَاءُ الْأَرْضُ السَّهْلَةُ وَالْجَمْعُ مَيِّتٌ مِثْلَ هَيْفَاءَ وَهِيفٍ انْتَهَى وَنَحْوُهُ فِي الْقَامُوسِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا هُنَا.
(الْعَاشِرُ) قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهِنْدِيُّ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُوَثَّقِينَ: وَإِنَّمَا يَشْهَدُ عَلَى ضِيقِ الطَّرِيقِ مُجْمَلًا دُونَ تَحْدِيدٍ يُذْرَعُ مَا حَدَّهُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ الضِّيقِ وَالسَّعَةِ، وَأَمَّا أَنْ يَشْهَدُوا فِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَهُوَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَا تَعْمَلُ شَهَادَتُهُمْ شَيْئًا، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُقْضَى بِهَا وَرُوِيَ فِي سَعَةِ الطَّرِيقِ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ وَمَا نَقَصَ مِنْهَا فَهِيَ ضَيِّقَةٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «الطَّرِيقُ الْمِيتَاءُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ» قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: وَقَدْ حَضَرَتْ الْفُتْيَا بِذَلِكَ وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: الْوَاسِعَةُ ثَمَانِيَةُ أَشْبَارٍ، وَقِيلَ سَبْعَةٌ انْتَهَى.
، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَالَ ابْنُ أَبِي حَمْرَاءَ فِي وَثَائِقِهِ: الزُّقَاقُ الْوَاسِعَةُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ فَأَكْثَرُ، وَالضَّيِّقُ مَا دُونَ ذَلِكَ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ الْهِنْدِيِّ الْأَخِيرَ أَعْنِي قَوْلَهُ، وَقَدْ: حَضَرْت الْفُتْيَا بِذَلِكَ وَذَكَرَ كَلَامَ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ حَدِيثُ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ إنَّمَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ مِنْ مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَقَالَ: فِي سَنَدِهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَلَمْ يَزِدْ، وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ هُوَ مِنْ أَكْبَرِ عُلَمَاءِ الشِّيعَةِ وَثَّقَهُ شُعْبَةُ وَتَرَكَهُ جَمَاعَةٌ وَرَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ، وَالسُّفْيَانَانِ انْتَهَى. (قُلْت:) قَالَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَقْرِيبِهِ جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْحَارِثِ الْجُعْفِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ ضَعِيفٌ رَافِضِيٌّ مِنْ الْخَامِسَةِ مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَخْرَجَ لَهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ إذَا اخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ وَهِيَ الرَّحْبَةُ تَكُونُ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ ثُمَّ يُرِيدُ أَهْلُهَا الْبُنْيَانَ فَيُتْرَكُ مِنْهَا لِلطَّرِيقِ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي هُوَ مُصَيَّرٌ مِنْهُ يَعْنِي مِنْ الْبُخَارِيِّ إلَى اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِالصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَقَدْ وَافَقَهُ الطَّحَاوِيُّ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: لَمْ نَجِدْ لِهَذَا الْحَدِيثِ مَعْنًى أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الطَّرِيقِ الَّتِي يُرَادُ ابْتِدَاؤُهَا إذَا اخْتَلَفَ مَنْ يُرِيدُ ابْتِدَاءَهَا فِي قَدْرِهَا كَبَلَدٍ يَفْتَحُهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَيْسَ فِيهَا طَرِيقٌ مَسْلُوكٌ، وَكَمَوَاتٍ يَقْطَعُهُ الْإِمَامُ لِمَنْ يُحْيِيهِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ فِيهَا طَرِيقًا لِلْمَارَّةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مُرَادُ الْحَدِيثِ أَنَّ أَهْلَ الطَّرِيقِ إذَا تَرَاضَوْا عَلَى شَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا جُعِلَ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ انْتَهَى.
ثُمَّ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - «قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - إذَا تَشَاجَرُوا فِي الطَّرِيقِ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ» قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي قَوْلُهُ تَشَاجَرُوا تَفَاعَلُوا مِنْ الْمُشَاجَرَةِ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ أَيْ تَنَازَعُوا وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: إذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الطَّرِيقِ وَلِمُسْلِمٍ إذَا اخْتَلَفْتُمْ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ «إذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ» وَزَادَ الْمُسْتَمْلِي فِي رِوَايَتِهِ الْمِيتَاءَ وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ مَحْفُوظَةً فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ فِي التَّرْجَمَةِ مُشِيرًا بِهَا إلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ كَعَادَتِهِ، وَذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - «إذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ فَاجْعَلُوهَا سَبْعَةَ أَذْرُعٍ» وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: " قَضَى
[ ٥ / ١٦٩ ]
رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ " فَذُكِرَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ، وَلِابْنِ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: " قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْأَرْضِ الْمِيتَاءِ الَّتِي تُؤْتَى مِنْ كُلِّ مَكَان " فَذَكَرَهُ وَفِي كُلٍّ مِنْ الْأَسَانِيدِ الثَّلَاثَةِ مَقَالٌ وَقَوْلُهُ: سَبْعَةَ أَذْرُعٍ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّرَاعِ قَدْرُ ذِرَاعِ الْآدَمِيِّ فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِالْمُعْتَدِلِ وَقِيلَ ذِرَاعُ الْبُنْيَانِ الْمُتَعَارَفِ انْتَهَى. وَالْمُسْتَمْلِي أَحَدُ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ
(قُلْت:) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ السَّابَاطِ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الْبَانِيَانِ الْمُتَقَابِلَانِ فِي الْفَحْصِ فِيمَا يُجْعَلُ لِلطَّرِيقِ، أَوْ تَشَاحَّا فَأَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُقَرِّبَ جِدَارَهُ مِنْ جِدَارِ صَاحِبِهِ جَعَلَا الطَّرِيقَ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ بِالذِّرَاعِ الْمَعْرُوفَةِ بِذِرَاعِ الْبُنْيَانِ فَإِذَا بَنَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا بَنَى مِيزَابًا لِلْمَطَرِ عَلَى الطَّرِيقِ لَمْ يُمْنَعْ انْتَهَى.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ إثْبَاتُ التَّاءِ فِي سَبْعَةِ أَذْرُعٍ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ حَذْفُهَا؛ لِأَنَّ الذِّرَاعَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ: ذِرَاعُ الْيَدِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ.
(الثَّانِيَ عَشَرَ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا كَانَتْ دَارٌ لِرَجُلَيْنِ، وَلِأَحَدِهِمَا دَارٌ تُلَاصِقُهَا فَأَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ فِي الْمُشْتَرَكَةِ بَابًا يَدْخُلُ مِنْهُ إلَى دَارِهِ فَلِلشَّرِيكِ مَنْعُهُ لِشَرِكَتِهِ مَعَهُ فِي مَوْضِعِ الْفَتْحِ فَإِنْ قَسَمَا فَقَالَ اجْعَلُوا نَصِيبِي إلَى جَنْبِ دَارِي حَتَّى أَفْتَحَ فِيهَا بَابًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَقُسِّمَتْ الدَّارُ بِالْقِيمَةِ فَحَيْثُ وَقَعَ سَهْمُهُ أَخَذَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، وَإِنْ قَسَّمَا هَذِهِ الدَّارَ فَاشْتَرَى أَحَدَ النَّصِيبَيْنِ رَجُلٌ يُلَاصِقُ دَارِهِ فَفَتَحَ إلَى النَّصِيبِ مِنْ دَارِهِ بَابًا وَجَعَلَ يَمُرُّ مِنْ دَارِهِ إلَى طَرِيقِ هَذَا النَّصِيبِ هُوَ وَمَنْ اكْتَرَى مِنْهُ، أَوْ سَكَنَ مَعَهُ فَذَلِكَ لَهُ إنْ أَرَادَ ارْتِفَاقًا، وَلَا يُمْنَعُ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ كَسِكَّةٍ نَافِذَةٍ لِمَمَرِّ النَّاسِ يَدْخُلُونَ مِنْ بَابِ دَارِهِ وَيَخْرُجُونَ كَالزُّقَاقِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ انْتَهَى.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ فَلِلشَّرِيكِ مَنْعُهُ لِشَرِكَتِهِ مَعَهُ فِي مَوْضِعِ الْفَتْحِ مَفْهُومُهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِيهِ شَرِيكٌ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ قَالَ مُحَمَّدٌ لَوْ فَتَحَ فِي حَائِطِ نَفْسِهِ لِيَدْخُلَ مِنْهُ فِي دَارِ الشَّرِكَةِ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا، وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ أَيْضًا كَلَامَ مُحَمَّدٍ وَقَبِلَهُ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُحْدِثُ عَلَى دَارِ الشَّرِكَةِ بَابًا مِنْ دَارِهِ فَقَدْ يَطُولُ الْأَمْرُ فَيَظُنُّ أَنَّ فَتْحَ الْبَابِ حَقٌّ عَلَى دَارِ الشَّرِكَةِ وَذَلِكَ يَحُطُّ مِنْ ثَمَنِهَا إذَا كَانَ عَلَيْهَا حَقُّ فَتْحِ بَابٍ مِنْ دَارٍ أُخْرَى انْتَهَى.
(قُلْت:) مَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَالظَّاهِرُ إبْقَاءُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا لِشَرِكَتِهِ مَعَهُ فِي مَوْضِعِ الْفَتْحِ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَوْ كَانَ الْجِدَارُ لَهُ، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ وَقُسِّمَتْ الدَّارُ بِالْقِيمَةِ فَحَيْثُ وَقَعَ سَهْمُهُ أَخَذَهُ زَادَ ابْنُ يُونُسَ: فَإِنْ وَقَعَ بِجَنْبِ دَارِهِ فَتَحَ فِيهِ بَابًا إنْ شَاءَ ثُمَّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ فَاشْتَرَى أَحَدَ النَّصِيبَيْنِ رَجُلٌ يُلَاصِقُ دَارِهِ فَذَلِكَ لَهُ إنْ أَرَادَ ارْتِفَاقًا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ مَا لَمْ يُغْلِقْ بَابَ الدَّارِ الْأُخْرَى فَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ انْتَهَى.
(قُلْت:) لَفْظُ أَبِي إِسْحَاقَ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ إذَا أَحْدَثَ بَابًا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَى بَابِ دَارِهِ فَقَدْ خَفَّفَ عَنْ صَاحِبِ النَّصِيبِ الْآخَرِ بَعْضَ الْمُرُورِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ سُكْنَى النَّصِيبِ الَّذِي صَارَ لَهُ بِالْقِسْمَةِ بِأَهْلِهِ ثُمَّ يَمُرُّ مِنْهُ عَلَى نَصِيبِ صَاحِبِهِ فَصَارَ يَمُرُّ عَلَيْهِ تَارَةً وَتَارَةً يَخْرُجُ مِنْ بَابِ دَارِهِ فَذَلِكَ أَخَفُّ عَلَى صَاحِبِهِ وَأَمَّا لَوْ عَطَّلَ الْخُرُوجَ مِنْ بَابِ دَارِهِ وَجَعَلَ عِيَالَهُ وَحَشَمَهُ الَّذِينَ فِي الدَّارَيْنِ جَمِيعًا يَمُرُّونَ مِنْ هَذَا الْبَابِ الَّذِي عَلَى شَرِيكِهِ لَكَانَ لِشَرِيكِهِ فِي ذَلِكَ مُتَكَلَّمٌ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ عِيَالِ دَارٍ وَاحِدَةٍ لَيْسَ مِثْلَ ضَرَرِ دَارَيْنِ إذَا قَطَعَ الْمَمَرَّ مِنْ بَابِ دَارِهِ وَيَصِيرُ شَبِيهًا بِمَا مُنِعَ مِنْهُ مِنْ السِّكَّةِ النَّافِذَةِ انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ.
(الثَّالِثَ عَشَرَ) فِيمَنْ فِي أَرْضِهِ طَرِيقٌ فَأَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَهَا إلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا أَرْفَقُ بِهِ وَبِأَهْلِ الطَّرِيقِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ فِي تَرْجَمَةِ الْقَضَاءِ فِي الطَّرِيقِ يَشُقُّ أَرْضَ رَجُلٍ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ يَكُونُ لَهُ الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ وَالطَّرِيقُ يَشُقُّهَا فَأَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَ الطَّرِيقَ عَنْ مَوْضِعِهِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ أَرْضِهِ هُوَ أَرْفَقُ بِهِ وَبِأَهْلِ الطَّرِيقِ فَقَالَ لَيْسَ
[ ٥ / ١٧٠ ]
ذَلِكَ لَهُ، وَلَا لِأَحَدٍ أَنْ يُحَوِّلَ طَرِيقًا عَنْ مَوْضِعِهَا إلَى مَا هُوَ دُونَهَا، وَلَا إلَى مَا فَوْقَهَا، وَإِنْ كَانَ مِثْلَ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ فِي السُّهُولَةِ وَأَسْهَلَ مِنْهُ، وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ اشْتَرَى، أَوْ وَرِثَ، أَوْ وُهِبَ لَهُ، وَإِنْ رَضِيَ لَهُ بِذَلِكَ مَنْ جَاوَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى إذَا كَانَ ذَلِكَ طَرِيقَ عَامَّةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ إذْنُ بَعْضِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ طَرِيقَ قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَيَأْذَنُونَ لَهُ فَيَجُوزُ ذَلِكَ، وَقَالَ لِي ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَرَى أَنْ يُرْفَعَ أَمْرُ تِلْكَ الطَّرِيقِ إلَى الْإِمَامِ فَيَكْشِفُ عَنْ حَالِهَا فَإِنْ رَأَى تَحْوِيلَهَا عَنْ حَالِهَا مَنْفَعَةً لِلْعَامَّةِ وَلِمَنْ جَاوَرَهَا وَحَوَّلَهَا فِي مِثْلِ سُهُولَتِهَا، أَوْ أَسْهَلَ وَفِي مِثْلِ قُرْبِهَا، أَوْ أَقْرَبَ فَأَرَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ رَأَى فِي ذَلِكَ مَضَرَّةً بِأَحَدٍ مِمَّنْ جَاوَرَهَا، أَوْ بِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ هُوَ فَعَلَ ذَلِكَ فَحَوَّلَ الطَّرِيقَ دُونَ رَأْيِ الْإِمَامِ وَإِذْنِهِ نَظَرَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ صَوَابًا أَمْضَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ رَدَّهُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ النَّاظِرُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مَكَانُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ مِثْلَهُ أَيْضًا، وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ وَبِهِ أَقُولُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ فِي الْمَرَافِقِ وَابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي الْمُنْتَخَبِ وَابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ.
(الرَّابِعَ عَشَرَ) قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي الْمُنْتَخَبِ: قَالَ سَحْنُونٌ: قُلْت لَهُ: فَلَوْ أَنَّ دَارًا فِي جَوْفِ دَارٍ، الدَّاخِلَةُ لِقَوْمٍ وَالْخَارِجَةُ لِغَيْرِهِمْ وَمَمَرُّ الدَّاخِلَةِ عَلَى الْخَارِجَةِ فَأَرَادَ أَهْلُ الْخَارِجَةِ أَنْ يُحَوِّلُوا بَابَ دَارِهِمْ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ فَقَالَ: إنْ كَانُوا أَرَادُوا أَنْ يُحَوِّلُوهُ إلَى جَنْبِ الْبَابِ الْقَدِيمِ، وَلَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى أَهْلِ الدَّارِ الدَّاخِلَةِ، فَمَنَعَهُمْ أَهْلُ الدَّاخِلَةِ رَأَيْت أَنْ لَا يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يُحَوِّلُوهُ فِي غَيْرِ قُرْبِ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ (قُلْت:) فَإِنْ أَرَادَ أَهْلُ الدَّارِ الْخَارِجَةِ أَنْ يُضَيِّقُوا بَابَ الدَّارِ فَقَالَ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ انْتَهَى. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْقِسْمَةِ.
(الْخَامِسَ عَشَرَ) قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ: وَأَمَّا الزُّقَاقُ غَيْرُ النَّافِذِ الَّذِي فِيهِ أَزِقَّةٌ فَكُلُّ زُقَاقٍ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ أَذِنَ أَهْلُ زُقَاقٍ فِي فَتْحِ بَابٍ بِزُقَاقِهِمْ الْمُسْتَقِلِّ بِهِمْ فَلَيْسَ لِلْبَاقِينَ كَلَامٌ بِذَلِكَ أَفْتَى بَعْضُ شُيُوخِنَا فِي الْقَدِيمِ عَلَى مَا بَلَغَنِي مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ وَبِهِ أَقُولُ انْتَهَى.
وَقَاعِدَتُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يُشِيرُ بِهِ إلَى ابْنِ عَرَفَةَ، وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ فِي كِتَابِ ابْنِهِ أَنَّ حَبِيبًا سَأَلَ سَحْنُونًا عَنْ دَرْبٍ كَبِيرٍ غَيْرِ نَافِذٍ فِيهِ زَابِعَةٌ فِي نَاحِيَةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ وَلِرَجُلٍ فِي أَقْصَاهَا بَابٌ فَأَرَادَ أَنْ يُقَدِّمَهُ إلَى طَرَفِ الزَّابِعَةِ فَمَنَعَهُمْ أَهْلُ الدَّرْبِ قَالَ: لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ، وَلَا يُحَرِّكُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ إلَّا بِرِضَا أَهْلِ الدَّرْبِ، وَقَالَ نَحْوَهُ يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى فِي الدَّرْبِ الَّذِي لَا يَنْفُذُ، وَالزَّوَابِعُ وَكُلُّ مُشْتَرَكٍ مَنَافِعُهُ بَيْنَ سَاكِنِيهِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا فِي ظَاهِرِ الزُّقَاقِ، وَلَا بَاطِنِهِ حَدَثًا إلَّا بِاجْتِمَاعِ أَهْلِهِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: هَذَا خِلَافٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَصْوَبُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَابْنِ وَهْبٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ الدَّارِ الْمُشْتَرَكَةِ الْمُشَاعَةِ لَا يَتَمَيَّزُ حَظُّ أَحَدِهِمْ عَنْ صَاحِبِهِ فَمَا يُفْتَحُ بِهِ مُشْتَرَكٌ لَا يَجُوزُ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ وَالدُّورُ فِي الزَّوَابِعِ وَالدُّرُوبِ الْغَيْرِ النَّافِذَةِ مُتَمَيِّزَةٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَصْنَعَ فِي مِلْكِهِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» انْتَهَى.
وَكَأَنَّهُ يَعْنِي بِالزَّابِعَةِ الزُّقَاقَ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي اللُّغَةِ إلَّا أَنَّ كَلَامَ ابْنِ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ يُرْشِدُ لِذَلِكَ وَنَصُّهُ: قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: الدَّرْبُ الْكَبِيرُ غَيْرُ النَّافِذِ مِثْلُ الزَّنْقَةِ غَيْرِ النَّافِذَةِ فَإِنْ كَانَ فِي الدَّرْبِ الْكَبِيرِ زَنْقَةٌ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهُ غَيْرُ نَافِذَةٍ، وَلِرَجُلٍ فِي أَقْصَاهَا بَابٌ فَأَرَادَ أَنْ يُقَدِّمَهُ إلَى طَرَفِ الزَّنْقَةِ قَالَ لِأَهْلِ الدَّرْبِ أَنْ يَمْنَعُوهُ، وَلَا يُحَرِّكُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ إلَّا بِرِضَا جَمِيعِ أَهْلِ الدَّرْبِ فَمَا ذَكَرَهُ سَحْنُونٌ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْمَشْهُورِ فِي مَنْعِ فَتْحِ الْبَابِ إلَّا بِرِضَا جَمِيعِ أَهْلِ السِّكَّةِ لَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الدَّرْبِ لَهُمْ الْمَنْعُ، وَلَوْ رَضِيَ أَهْلُ الزَّنْقَةِ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ ابْنُ نَاجِي، فَتَأَمَّلْهُ وَسَيَأْتِي فِي الْقَوْلَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ عَنْ الْوَقَارِ مَا يُوَافِقُ مَا قَالَهُ ابْنُ نَاجِي عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ.
(السَّادِسَ عَشَرَ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الضَّرَرِ: سِكَّةٌ غَيْرُ نَافِذَةٍ
[ ٥ / ١٧١ ]
لِرَجُلٍ فِيهَا دَارٌ نَقْضُهَا لَهُ وَقَاعَتُهَا لِغَيْرِهِ فَأَرَادَ أَهْلُ السِّكَّةِ أَنْ يُقِيمُوا فِيهَا سِرْبًا فَمَنَعَهُمْ صَاحِبُ النَّقْضِ فَلَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ ذَلِكَ يَعِيبُ الْمَوْضِعَ، وَلِصَاحِبِ الْقَاعَةِ ذَلِكَ أَيْضًا انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّابِعَ عَشَرَ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَسَدُّ كَوَّةٍ فُتِحَتْ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ وَالْمَشَذَّالِيِّ أَنَّهُ إذَا حُكِمَ بِسَدِّ بَابٍ فُتِحَ لِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ أَنْ تُقْلَعَ الْعَتَبَاتُ، وَالْعَضَائِدُ حَتَّى لَا يَبْقَى هُنَاكَ أَثَرُ بَابٍ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ وَنَصُّهُ تَنْبِيهٌ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ قَالَ ابْنُ زَرْبٍ: وَإِذَا سُدَّ بَابٌ لِلضَّرَرِ فَلَا يَكُونُ سَدُّهُ بِغَلْقِهِ، وَتَسْمِيرِهِ وَلَكِنْ يُنْزَعُ الْبَابُ، وَعَضَائِدُهُ وَعَتَبَتُهُ وَتُغَيَّرُ آثَارُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ عَلَى حَالِهِ وَسُدَّ بِالطُّوبِ، وَبَقِيَتْ الْعَضَائِدُ، وَالْعَتَبَةُ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى مَنْ أُحْدِثَ عَلَيْهِ وَبِهَذَا قَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ بِقُرْطُبَةَ، وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا تَقَادَمَ الزَّمَانُ يَكُونُ لَهُ شَاهِدًا وَحُجَّةً وَلَعَلَّهُ يَقُولُ إنَّمَا سَدَدْته لِأَفْتَحَهُ مَتَى شِئْت فَلِذَلِكَ أَلْزَمُوهُ بِتَغَيُّرِ مَعَالِمِهِ وَرُسُومِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَرَوْشَنٌ وَسَابَاطٌ لِمَنْ لَهُ الْجَانِبَانِ بِسِكَّةٍ نَفَذَتْ)
ش: قَوْلُهُ: لِمَنْ لَهُ الْجَانِبَانِ رَاجِعٌ إلَى السَّابَاطِ وَحْدَهُ لَا إلَى الرَّوْشَنِ، وَقَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: يَجُوزُ إخْرَاجُ الْعَسَاكِرِ، وَالرَّوَاشِنِ، وَالْأَجْنِحَةِ عَلَى الْحِيطَانِ إلَى طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ ذَكَرَ مَسَائِلَ السَّابَاطِ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ لَهُ دَارٌ مُجَاوِرَةٌ لِسِكَّةٍ نَافِذَةٍ أَنْ يُخْرِجَ فِي أَعْلَى الْحَائِطِ خَشَبًا وَيُسَقِّفَهَا، وَيَبْنِيَ عَلَيْهَا مَتَى شَاءَ إذَا رَفَعَ ذَلِكَ عَنْ رُءُوسِ الْمَارَّةِ رَفْعًا بَيِّنًا وَهُوَ الَّذِي عَنَى بِالرَّوْشَنِ، وَيَجُوزُ لِمَنْ لَهُ دَارَانِ الطَّرِيقُ الْمَذْكُورَةُ بَيْنَهُمَا أَنْ يُلْقِيَ عَلَى حَائِطِهِ خَشَبًا كَذَلِكَ وَهُوَ الَّذِي عَنَى بِالسَّابَاطِ فَقَوْلُهُ: لِمَنْ لَهُ الْجَانِبَانِ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّابَاطِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ نَفَذَتْ مَفْهُومُهُ أَنَّهَا إنْ لَمْ تَنْفُذْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ الْبَاقِينَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ غَازِيٍّ أَصْلُ التَّفْصِيلِ بَيْنَ النَّافِذَةِ، وَغَيْرِهَا لِأَبِي عُمَرَ فِي كَافِيهِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْمُتَيْطِيُّ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ وَالْمُصَنِّفُ وَأَمَّا ابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ لَا أَعْرِفُهُ لِأَقْدَمَ مِنْ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَظَاهِرُ سَمَاعِ أَصْبَغَ ابْنَ الْقَاسِمِ فِي الْأَقْضِيَةِ خِلَافُهُ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ ابْنُ رُشْدٍ بِالطَّرِيقِ النَّافِذَةِ، فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى.
كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ لَمْ أَجِدْهَا فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ بَلْ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ انْتَهَى.
قُلْت: ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ فِي الْكَلَإِ وَالْآبَارِ وَالْأَوْدِيَةِ فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ إحْدَاثِ الْعَسَاكِرِ وَالرَّوَاشِنِ وَنَصُّهُ: قَالَ يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى فِي الدُّرُوبِ الَّتِي لَيْسَتْ بِنَافِذَةٍ وَالزَّوَابِعِ الَّتِي لَا تَنْفُذُ: ذَلِكَ كُلُّهُ مُشْتَرَكٌ مَنَافِعُهُ بَيْنَ سَاكِنِيهِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا فِي ظَاهِرِ الزُّقَاقِ، وَلَا بَاطِنِهِ حَدَثًا إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ فِي فَتْحِ بَابٍ، أَوْ إخْرَاجِ عَسَاكِرَ، أَوْ حُفْرَةٍ يَحْفِرُهَا وَيَرْدِمُهَا انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى، وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي التَّنْبِيهِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ الْقَوْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ أَيْضًا ابْنُ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ فِي التَّنْبِيهِ الْمَذْكُورِ، وَنَصُّهُ: قَالَ يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى فِي الدُّرُوبِ الَّتِي لَيْسَتْ بِنَافِذَةٍ وَشِبْهِهَا: إنَّ ذَلِكَ مُشْتَرَكٌ مَنَافِعُهُ بَيْنَ سَاكِنِيهِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا فِي ظَاهِرِ الزُّقَاقِ، وَلَا بَاطِنِهِ حَدَثًا إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ فِي فَتْحِ بَابٍ، أَوْ إخْرَاجِ عَسَاكِرَ، أَوْ حُفْرَةٍ يَحْفِرُهَا، أَوْ يُوَارِيهَا انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي مُخْتَصَرِ أَبِي بَكْرٍ الْوَقَارِ وَهُوَ أَقْدَمُ مِنْ أَبِي عُمَرَ فَإِنَّهُ تَفَقَّهَ بِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ وَنَصُّهُ: وَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ فِي زُقَاقٍ غَيْرِ نَافِذٍ وَأَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُشْرِعَ فِي الزُّقَاقِ بَابًا، أَوْ سَقِيفَةً، أَوْ عَسْكَرًا فَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَذِنَ بَعْضُهُمْ، وَأَبَى بَعْضٌ فَإِنْ كَانَ مَنْ أَذِنَ لَهُ هُمْ آخِرُ الزُّقَاقِ وَمَمَرُّهُمْ إلَى مَنَازِلِهِمْ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ مَا يُحْدِثُ، فَإِذْنُهُمْ جَازَ، وَلَا حَقَّ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ مَمَرٌّ فِي شَيْءٍ مِمَّا يُرِيدُ أَنْ يُحْدِثَهُ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ بِطَرِيقٍ مَسْلُوكَةٍ فِي حَظٍّ لِلْمَارَّةِ نَافِذٍ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ بَابٍ يُشْرِعُهُ، وَلَا مِنْ قَنَاةِ كَنِيفٍ يُنْشِئُهَا إذَا كَانَ بِئْرُهَا
[ ٥ / ١٧٢ ]
مُغَيَّبَةً فِي حَائِطِهِ، وَلَا مِنْ سَقِيفَةٍ يُعَلِّيهَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُضِرَّةٍ بِمَا يَمُرُّ تَحْتَهَا مِنْ مَحْمَلٍ عَلَيْهِ قُبَّةٌ وَنَحْوُهَا، وَلَا مِنْ عَسْكَرٍ يُشْرِعُهُ إذَا أَعْلَاهُ وَلَمْ يَنَلْ الْمَارَّةَ مِنْهُ أَذًى، وَإِنْ كَانَ لَهُ جَارٌ مُحَاذِيهِ وَشَاحَّهُ فِي الْعَسْكَرِ قُسِّمَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْهَوَاءِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ صَاحِبِ الْكَافِي نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ الْوَقَارُ وَمَا ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ إلَّا قَوْلَهُ فِي الْبَابِ إذَا أَرَادَ فَتْحَهُ فِي الزُّقَاقِ غَيْرِ النَّافِذِ، فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقَوْلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُنَكَّبًا فَلَيْسَ لَهُمْ مَنْعُهُ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِيمَا إذَا أَذِنَ لَهُ بَعْضُ أَهْلِ الزُّقَاقِ فَيُوَافِقُ مَا قَالَهُ ابْنُ نَاجِي فِي التَّنْبِيهِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ الْقَوْلَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، وَمُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ، فَتَأَمَّلْهُ فَقَدْ وُجِدَ النَّصُّ لِأَقْدَمَ مِنْ أَبِي عُمَرَ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ أَبِي عُمَرَ لِذَلِكَ وَقَبُولَ الْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورِينَ لَهُ كَافٍ فِي الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) لَوْ سَقَطَ الرَّوْشَنُ، أَوْ السَّابَاطُ عَلَى أَحَدٍ فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ بَنَاهُ قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِإِخْرَاجِ الْعَسَاكِرِ، وَالْأَجْنِحَةِ عَلَى الْحِيطَانِ إلَى طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهِيَ تُعْمَلُ بِالْمَدِينَةِ فَلَا يُنْكِرُونَهَا، وَاشْتَرَى مَالِكٌ دَارًا لَهَا عَسْكَرٌ قَالَ مَالِكٌ فِي جَنَاحٍ خَارِجٍ فِي الطَّرِيقِ فَسَقَطَ عَلَى رَجُلٍ فَمَاتَ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ بَنَاهُ قِيلَ فَأَهْلُ الْعِرَاقِ يُضَمِّنُونَهُ قَالُوا: لِأَنَّهُ جَعَلَهُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ فَأَنْكَرَ قَوْلَهُمْ قَالَ: وَمَنْ أَخْرَجَ جَنَاحًا أَسْفَلَ الْجِدَارِ حَيْثُ يَضُرُّ بِأَهْلِ الطَّرِيقِ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي أَوَاخِرِ الْمُنْتَخَبِ فِي أَوَاخِرِ الدِّيَاتِ نَاقِلًا عَنْ الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ مَالِكٌ مَنْ حَفَرَ شَيْئًا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ فِي دَارِهِ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ حَفْرُهُ فَعَطِبَ فِيهِ إنْسَانٌ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (قُلْت:) وَمَا الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَحْفِرُهُ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: مِثْلُ بِئْرِ الْمَطَرِ، وَالْمِرْحَاضِ يَحْفِرُهُ إلَى جَنْبِ حَائِطِهِ هَذَا، وَمَا أَشْبَهُهُ انْتَهَى.
، وَذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي أَوَّلِ بَابِ الْجِرَاحِ، وَفِي الْمُنْتَخَبِ لِابْنِ أَبِي زَمَنَيْنِ فِي بَابِ مَا يُحْدَثُ فِي الطُّرُقِ، وَالْأَفْنِيَةِ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ قُلْت لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ: وَالْكُنُفُ الَّتِي تُتَّخَذُ فِي الطَّرِيقِ يَحْفِرُهَا الرَّجُلُ بِلَصْقِ جِدَارِهِ ثُمَّ يُوَارِيهَا أَلَهُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ لَا إذَا وَارَاهَا وَغَطَّاهَا وَأَتْقَنَ غِطَاءَهَا وَسَوَّاهَا بِالطَّرِيقِ حَتَّى لَا يَضُرَّ مَكَانُهَا بِأَحَدٍ فَلَا أَرَى أَنْ يُمْنَعَ وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ ضَرَرٌ بِأَحَدٍ مُنِعَ مِنْهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُقْنِعِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مَنْ حَفَرَ بِلَصْقِ جِدَارِهِ كَنِيفًا فَلْيُغَطِّهِ وَيُتْقِنْ غِطَاءَهُ وَيُسَوِّهِ بِأَرْضِ الطَّرِيقِ حَتَّى لَا يَضُرَّ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مُنِعَ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْدَهُ: قَالَ سَحْنُونٌ فِيمَا يُحْدِثُ النَّاسُ مِنْ آبَارِ الْكُنُفِ فِي الْأَفْنِيَةِ فِي الطَّرِيقِ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ تَحْتَ الْحِيطَانِ إلَى دَاخِلِ الدَّارِ، وَيُخْرِجُ مِنْهَا إلَى الطَّرِيقِ قَدْرَ مَا يُدْخِلُ فِيهِ الْقُلَّةَ لِلِاسْتِقَاءِ وَيَرَى غَيْرُهُ ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ الْبَيِّنِ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْدَهُ: قَالَ سَحْنُونٌ فِي زَنْقَةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ فِيهَا أَبْوَابٌ لِقَوْمٍ، وَدُبُرُ دَارِ رَجُلٍ إلَيْهَا، وَلَا بَابَ لَهُ فِيهَا وَبِلَصْقِ دَارِهِ فِي الزَّنْقَةِ كَنِيفٌ مَحْفُورٌ قَدِيمٌ مَطْوِيٌّ وَتَخْرُجُ إلَيْهِ مِنْ دَارِهِ قَنَاةٌ مَبْنِيَّةٌ إلَّا أَنَّهَا لَمْ يَجْرِ فِيهَا شَيْءٌ مُنْذُ زَمَانٍ فَأَرَادَ أَنْ يُجْرِيَ فِيهَا الْعَذِرَةَ إلَى هَذَا الْبِئْرِ فَمَنَعَهُ أَهْلُ الزَّنْقَةِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَدَّعُوا فِي رَقَبَةِ الْبِئْرِ فَيَكْشِفُ عَنْ دَعْوَاهُمْ وَإِلَّا فَالْبِئْرُ لِصَاحِبِ الدَّارِ بِهَذِهِ الرُّسُومِ الظَّاهِرَةِ، وَلَوْ أَنَّ هَذَا مُشْتَرًى مِنْ غَيْرِهِ لَكَانَ مِنْ ذَلِكَ لَهُ مَا كَانَ لِبَائِعِهِ انْتَهَى.
(اسْتِطْرَادٌ) سُئِلْت عَنْ رَجُلَيْنِ كَانَتْ بَيْنَهُمَا دَارٌ مُشْتَرَكَةٌ فَاقْتَسَمَاهَا عَلَى أَنْ أَخَذَ أَحَدُهُمَا الْجَانِبَ الْأَيْسَرَ، وَمَخْزَنًا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، وَالدِّهْلِيزَ الَّذِي بَيْنَ الْجَانِبَيْنِ، وَأَخَذَ الْآخَرُ بَقِيَّةَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، وَعُلُوَّ الْمَخْزَنِ الَّذِي فِي الْجَانِبِ الَّذِي أَخَذَهُ صَاحِبُ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ أَرَادَ صَاحِبُ الْأَيْسَرِ أَنْ يُرَكِّبَ عَلَى جِدَارِ الْمَخْزَنِ الَّذِي لَهُ فِي الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ بُسْتَلًّا لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ جِدَارًا، وَالْحَالُ أَنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِبِنَاءِ صَاحِبِ الْعُلُوِّ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا فَأَجَبْت بِمَا صُورَتُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إذَا أَرَادَ صَاحِبُ الْمَخْزَنِ الْأَسْفَلِ أَنْ يُرَكِّبَ عَلَى جِدَارِ مَخْزَنِهِ
[ ٥ / ١٧٣ ]
بُسْتَلًّا لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ جِدَارًا وَكَانَ ذَلِكَ يَضُرُّ بِبِنَاءِ صَاحِبِ الْعُلُوِّ فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ نَصَّ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ الْجِدَارِ سُتْرَةٌ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يَدَّعِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ فِي الْبُنْيَانِ مَا نَصُّهُ فِي جَوَابِ سَحْنُونٍ لِحَبِيبٍ إذَا كَانَ عَقْدُ الْحَائِطِ إلَى أَحَدِهِمَا، وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ حِمْلُ خَشَبِ سَقْفٍ مَعْقُودَةٍ، فَالْحَائِطُ لِمَنْ لَهُ الْعَقْدُ وَلِلْآخَرِ حِمْلُ السُّقُوفِ، وَإِنْ أَرَادَ صَاحِبُ الْعَقْدِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى حَائِطِهِ غُرْفَةً، أَوْ غَيْرَهَا فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِحِمْلِ الْآخَرِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ فَلَهُ أَنْ يَبْنِيَ مَا لَا يَضُرُّهُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ انْتَهَى.
ص (وَإِلَّا فَكَالْمِلْكِ لِجَمِيعِهِمْ إلَّا بَابًا إنْ نُكِّبَ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَبَابٌ بِسِكَّةٍ نَفَذَتْ
[فَرْعٌ غَرَسَ فِي فِنَاءِ رَجُلٍ وَرْدًا وَاسْتَغَلَّهُ فَقَامَ صَاحِبُ الْفِنَاءِ يَطْلُبُ زَوَالَ الْوَرْدِ وَقِيمَةَ مَا اغْتَلَّ]
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَائِلِ مَسَائِلِ الضَّرَرِ سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ غَرَسَ فِي فِنَاءِ رَجُلٍ وَرْدًا، وَاسْتَغَلَّهُ فَقَامَ صَاحِبُ الْفِنَاءِ يَطْلُبُ زَوَالَ الْوَرْدِ وَقِيمَةَ مَا اغْتَلَّ فَأَجَابَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْقَائِمِ عَلَى غَارِسِ الْوَرْدِ فِي الْفِنَاءِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَفْنِيَةَ لَيْسَتْ فِيهَا حَقِّيَّةُ الْأَمْلَاكِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُقَدَّمٌ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا إنْ احْتَاجَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ الْجَارَ إنْ اسْتَغْنَى عَنْهُ وَلَهُ إذَا قَامَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْلَعَ الْوَرْدَ عَنْ الْفِنَاءِ وَيَنْفَرِدَ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ أَضَرَّ الْوَرْدُ بِجِدَارِهِ، أَوْ لَمْ يَضُرَّ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ مَعَهُ عَلَى مَا يَجُوزُ بَيْنَهُمَا انْتَهَى.
ص (وَأَنْذَرَ بِطُلُوعِهِ)
ش: قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ عَنْ مُطَرِّفٍ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعْلِمَهُمْ لِمَوْضِعِ حَقِّ الْجِوَارِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ فَتَاوَى ابْنِ زَرْبٍ انْتَهَى.
ص (وَنُدِبَ إعَارَةُ جِدَارِهِ)
ش: قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الضَّرَرِ: سُئِلَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ
[ ٥ / ١٧٤ ]
عَمَّنْ أَذِنَ لِجَارِهِ بِغَرْزِ خَشَبٍ فِي جِدَارِهِ فَسَقَطَ جِدَارُ الْآذِنِ، وَأَقَامَهُ فَطَلَبَ جَارُهُ أَنْ يَرُدَّ خَشَبَهُ عَلَى مَا كَانَ فِي الْإِذْنِ الْأَوَّلِ فَأَبَى عَلَيْهِ، فَأَجَابَ إنْ كَانَ سُقُوطُ الْجِدَارِ بِتَوَهُّلِهِ لَا بِسَبَبٍ زِيدَ اخْتِيَارًا لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِعَوْدِ الْغَرْزِ وَإِثْبَاتُ كَوْنِهِ لِتَوَهُّلِهِ إنْ تَنَازَعَا عَلَى رَبِّهِ، وَإِلَّا قَضَى عَلَيْهِ بِعَوْدِ الْغَرْزِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُؤَجَّلٍ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ نَحْوَ هَذَا فِي الْوَاضِحَةِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهَلْ لِجَارِ الْمَسْجِدِ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ؟ لِلشُّيُوخِ قَوْلَانِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ ابْنُ سَهْلٍ: أَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ بِجَوَازِ التَّعْلِيقِ مِنْ الْمَسَاجِدِ إنْ اتَّصَلَتْ بِالدُّورِ وَلَمْ يَضُرَّهَا وَجَوَازِ غَرْزِ جَارِهَا خَشَبَهُ بِحَائِطِهَا، وَنَقَلَهُ عَنْ الشُّيُوخِ قَالَ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ لِعَدَمِ اتِّصَالِ الدُّورِ بِهِ، وَلَوْ اتَّصَلَتْ بِهِ جَازَ عِنْدِي وَأَفْتَى ابْنُ الْقَطَّانِ بِمَنْعِ الْغَرْزِ وَابْنُ مَالِكٍ بِمَنْعِهِ وَمَنْعِ التَّعْلِيقِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت: هُوَ الصَّوَابُ الْجَارِي عَلَى حَمْلِهِ عَلَى النَّدْبِ انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا فِي آخِرِ بَابِ الشَّرِكَةِ وَابْنُ سَهْلٍ فِي مَسَائِلِ الْوَقْفِ (فَرْعٌ) فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي مَسَائِلِ الْحَبْسِ يُمْنَعُ مِنْ فَتْحِ بَابٍ فِي الْمَسْجِدِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ)
ش: ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا طَالَ الزَّمَانُ أَمْ لَا قَصَدَ الضَّرَر أَمْ لَا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْعَرْصَةِ الْمُعَارَةِ لِمَنْ يَبْنِي فِيهَا لَكِنْ جَمَعَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ صَلَّى نَهَارًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ وَابْنِ زَرْقُونٍ فِي مَسْأَلَةِ الْجِدَارِ وَالْعَرْصَةِ وَحَكَيَا الْخِلَافَ فِيهِمَا وَتَبِعَهُمَا الْمُصَنِّفُ.
ص (وَفِيهَا إنْ دَفَعَ مَا أَنْفَقَ، أَوْ قِيمَتَهُ) ش إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا أَيْضًا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْعَرْصَةِ الْمُعَارَةِ لِمَنْ يَبْنِي فِيهَا وَلَكِنَّ ابْنَ رُشْدٍ وَابْنَ زَرْقُونٍ جَمَعَا مَسْأَلَةَ الْجِدَارِ وَالْعَرْصَةِ وَحَكَيَا الْخِلَافَ فِيهِمَا جَمِيعًا وَتَبِعَهُمَا الْمُصَنِّفُ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ هُنَا، وَفِي الْعَارِيَّةِ.
ص (وَفِي مُوَافَقَتِهِ، وَمُخَالَفَتِهِ تَرَدُّدٌ)
ش: يَأْتِي هَذَا فِي الْعَارِيَّةِ مُبَيَّنًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٥ / ١٧٥ ]
[فَصْلُ الْمُزَارَعَةِ]
ص (فَصْلُ الْمُزَارَعَةِ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُزَارَعَةُ شَرِكَةٌ فِي الْحَرْثِ وَبِالثَّانِي عَبَّرَ اللَّخْمِيُّ، وَغَيْرُهُ وَعَبَّرَ بِالْأَوَّلِ كَثِيرٌ، سَمِعَ عِيسَى سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا عَلَى مُزَارَعَةٍ وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ زَرَعْت وَلْيَقُلْ حَرَثْت» وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَغْرِسُ الْمُسْلِمُ غَرْسًا، وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إنْسَانٌ، وَلَا دَابَّةٌ، وَلَا شَيْءٌ إلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ» انْتَهَى. قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ زَرَعْت، وَلْيَقُلْ حَرَثْت فَإِنَّ الزَّارِعَ هُوَ اللَّهُ» أَبُو هُرَيْرَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اتِّخَاذَ الْحَرْثِ مِنْ أَعْلَى الْحِرَفِ الْمُتَّخَذَةِ لِلْمَكَاسِبِ وَيَشْتَغِلُ بِهَا الْعُمَّالُ، وَلِهَذَا ضَرَبَ اللَّهُ بِهَا الْمَثَلَ قَالَ: وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - عَنْهُ - ﷺ - قَالَ: «الْتَمِسُوا الرِّزْقَ فِي خَبَايَا الْأَرْضِ» يَعْنِي الزَّرْعَ وَفِي حَدِيثِ مَدْحِ النَّخْلِ مِنْ الرَّاسِخَاتِ فِي الْوَحْلِ وَالْمُطْعِمَاتِ فِي الْمَحْلِ قَالَ: وَالْمُزَارَعَةُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُجْبِرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا مِنْ غَرْسِ الْأَشْجَارِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ لَقِيَ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى مَالٍ أُعَالِجُهُ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
أَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ يَوْمَ لَقِيتُهُ وَقَدْ شَدَّ أَحْلَاسَ الْمَطِيِّ مُشَرِّقَا
تَتَبَّعْ خَبَايَا الْأَرْضِ وَادْعُ مَلِيكَهَا لَعَلَّك يَوْمًا أَنْ تُجَابَ فَتُرْزَقَا.
ص (لِكُلٍّ فَسْخُ الْمُزَارَعَةِ إنْ لَمْ يَبْذُرْ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمُزَارَعَةُ دَائِرَةٌ بَيْنَ الشَّرِكَةِ
[ ٥ / ١٧٦ ]
وَالْإِجَارَةِ فَلِهَذَا اُخْتُلِفَ فِي لُزُومِهَا بِالْعَقْدِ فَقِيلَ تَلْزَمُ بِهِ تَغْلِيبًا لِلْإِجَارَةِ، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَقَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ، وَقِيلَ لَا تَلْزَمُ تَغْلِيبًا لِلشَّرِكَةِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْ صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَبْذُرْ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّ رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَقِيلَ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ فِي الْمَبْسُوطِ وَبِهِ جَرَتْ الْفَتْوَى عِنْدَنَا بِقُرْطُبَةَ وَهُوَ عَلَى قِيَاسِ رِوَايَةِ ابْنِ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْجَاعِلَ يَلْزَمُهُ الْجُعْلُ بِشُرُوعِ الْمَجْعُولِ لَهُ فِي الْعَمَلِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهَا شَرِكَةٌ حَقِيقَةً، إلَّا أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ شَرِكَةِ الْأَمْوَالِ، وَالْأَعْمَالِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي لُزُومِهَا بِالْعَقْدِ، أَوْ الشُّرُوعِ ثَالِثُهَا بِالْبَذْرِ لِابْنِ رُشْدٍ عَنْ سَحْنُونٍ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَابْنِ كِنَانَةَ فِي الْمَبْسُوطِ وَبِهِ جَرَتْ الْفُتْيَا بِقُرْطُبَةَ وَهُوَ عَلَى قِيَاسِ رِوَايَةٍ عَلَى مَا فِي لُزُومِ الْجُعْلِ بِالشُّرُوعِ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا مَعَ سَمَاعِهِ أَصْبَغَ وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ حَارِثٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ غَيْرَ الْأَوَّلِ، وَقَالَ اتَّفَقُوا عَلَى انْعِقَادِهَا بِابْتِدَاءِ الْعَمَلِ انْتَهَى.
ص (وَتَسَاوَيَا)
ش: لَا شَكَّ فِي إغْنَائِهِ عَمَّا تَقَدَّمَ فَشَرْطُهَا شَيْئَانِ كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ لَا تَصِحُّ
[ ٥ / ١٧٧ ]
الشَّرِكَةُ فِي الْمُزَارَعَةِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ أَنْ يَسْلَمَا مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَأَنْ يَعْتَدِلَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ.
ص (وَخَلْطُ بَذْرٍ إنْ كَانَ، وَلَوْ بِإِخْرَاجِهِمَا)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَكْفِي فِي خَلْطِ الْبَذْرِ أَنْ يُخْرِجَاهُ، وَلَوْ زُرِعَ هَذَا فِي نَاحِيَةٍ، وَهَذَا فِي نَاحِيَةٍ وَزَرْعُ أَحَدِهِمَا مُتَمَيِّزٌ عَنْ الْآخَرِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَيْهِ يَتَفَرَّعُ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا: فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ بَذْرُ أَحَدِهِمَا إلَى آخِرِهِ وَأَشَارَ بِلَوْ إلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا يَكْفِي ذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ خَلْطِهِمَا فِي الْمُزَارَعَةِ حَتَّى لَا يَتَمَيَّزَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالْبَذْرُ الْمُشْتَرَكُ شَرْطُهُ الْخَلْطُ كَالْمَالِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَمَّا كَانَ الْخَلْطُ ظَاهِرًا فِي عَدَمِ تَمْيِيزِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ بَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ كَالْمَالِ فَأَشَارَ إلَى مَا قَدَّمَهُ وَهُوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا، أَوْ أَحَدِهِمَا وَهَكَذَا قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَاللَّخْمِيُّ وَاخْتَلَفَ عَنْ سَحْنُونٍ فَقَالَ مَرَّةً بِقَوْلِ مَالِكٍ، وَقَالَ مَرَّةً إنَّمَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ إذَا خَلَطَا الزَّرِيعَةَ، أَوْ جَمَعَاهَا فِي بَيْتٍ، أَوْ حَمَلَاهَا إلَى فَدَّانٍ وَنَصُّ هَذَا الثَّانِي عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَإِذَا صَحَّتْ الشَّرِكَةُ فِي الْمُزَارَعَةِ، وَأَخْرَجَا الْبَذْرَ جَمِيعًا إلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَخْلِطَا فَزَرَعَ هَذَا فِي فَدَّانٍ، أَوْ فِي بَعْضِهِ وَزَرَعَ الْآخَرُ فِي النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى وَلَمْ يَعْمَلَا عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الشَّرِكَةَ لَا تَنْعَقِدُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مَا أَنْبَتَ حَبُّهُ، وَيَتَرَاجَعَانِ فِي فَضْلِ الْأَكْرِيَةِ وَيَتَقَاصَّانِ، وَإِنَّمَا تَتِمُّ الشَّرِكَةُ إذَا خَلَطَا مَا أَخْرَجَاهُ مِنْ الزَّرِيعَةِ، أَوْ جَمَعَاهَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، أَوْ حَمَلَاهَا جَمِيعًا إلَى الْفَدَّانِ وَبَذَرَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي طَرَفِهِ فَزَرَعَا وَاحِدَةً ثُمَّ زَرَعَا الْأُخْرَى فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا لَوْ جَمَعَاهَا فِي بَيْتِ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الشَّرِكَةَ جَائِزَةٌ خَلَطَا أَوْ لَمْ يَخْلِطَا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا سَكَتَ لِاحْتِمَالِهِ جَوَازَ الْإِقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ ابْتِدَاءً، أَوْ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ، أَوْ لَا لَكِنَّهُ إذَا وَقَعَ مَضَى وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَفْرِيعِهِ انْتَهَى.
، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: فَصْلٌ اُخْتُلِفَ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِهِمَا هَلْ مِنْ شَرْطِ الصِّحَّةِ أَنْ يَخْلِطَاهُ مِنْ قَبْلِ الْحَرْثِ فَأَجَازَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ الشَّرِكَةَ إذَا أَخْرَجَا قَمْحًا، أَوْ شَعِيرًا، وَإِنْ لَمْ يَخْلِطَاهُ وَهُوَ أَيْضًا أَصْلُهُمَا فِي الشَّرِكَةِ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَاخْتَلَفَ عَنْ سَحْنُونٍ فَذَكَرَ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ انْتَهَى.
فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْخَلْطَ يَكْفِي فِيهِ إخْرَاجُهُمَا الْبَذْرَ، وَلَوْ لَمْ يَخْلِطَاهَا كَمَا هُوَ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَحَدُ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ وَأَشَارَ إلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ الثَّانِي بِلَوْ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَحَمَلَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّهُ مَشَى عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَلَا يَتَأَتَّى عَلَيْهِ مَا فَرَّعَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ إلَى آخِرِهِ، فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ: وَالْبَذْرُ الْمُشْتَرَكُ شَرْطُهُ الْخَلْطُ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ (تَنْبِيهٌ) بَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ شَرْطٌ آخَرُ فِي الْبَذْرِ وَهُوَ تَمَاثُلُهُمَا جِنْسًا فَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا قَمْحًا، وَالْآخَرُ شَعِيرًا، أَوْ سُلْتًا، أَوْ صِنْفَيْنِ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ فَقَالَ سَحْنُونٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا أَنْبَتَ بَذْرُهُ وَيَتَرَاجَعَانِ فِي الْأَكْرِيَةِ ثُمَّ قَالَ: يَجُوزُ إذَا اعْتَدَلَتْ الْقِيمَةُ اللَّخْمِيُّ يُرِيدُ وَالْمَكِيلَةُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ وَزَادَ بَعْدَهُ قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ مَنْ لَمْ يُجِزْ الشَّرِكَةَ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لَمْ يُجِزْ الْمُزَارَعَةَ بِطَعَامَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَلَوْ اعْتَدَلَتْ قِيمَتُهُمَا لِعَدَمِ حُصُولِ الْمُنَاجَزَةِ لِبَقَاءِ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى طَعَامِهِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مَا أَنْبَتَ طَعَامُهُ، وَلَا يَكُونُ التَّمْكِينُ قَبْضًا كَالشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ بِالْعُرُوضِ لَا يَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ سِلْعَةَ صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِكَانِ بِأَثْمَانِ السِّلَعِ الَّتِي وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ فِيهَا فَاسِدَةً انْتَهَى.
ص (وَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ بَذْرُ أَحَدِهِمَا وَعَلِمَ لَمْ يَحْتَسِبْ بِهِ إنْ غُرَّ إلَخْ)
ش: قَالَ فِي
[ ٥ / ١٧٨ ]
الذَّخِيرَةِ قَالَ فِي الْكِتَابِ: إذَا شُرِطَ فِي الْحَبِّ الزِّرَاعَةُ فَلَمْ يَنْبُتْ وَالْبَائِعُ عَالِمٌ، أَوْ شَاكٌّ رَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ غَرَّهُ وَالشِّرَاءُ فِي أَنَّ الزِّرَاعَةَ بِثَمَنِ مَا يُزْرَعُ كَالشَّرْطِ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ لِلْأَكْلِ فَزَرَعَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يُنْقِصُ مِنْ طَعْمِهِ، أَوْ فِعْلِهِ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ النَّقْصِ لَوْ اشْتَرَاهُ لِلزِّرَاعَةِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: فَإِنْ شَارَكَ بِهَذَا غَيْرَهُ فَنَبَتَتْ زَرِيعَةُ الْغَيْرِ دُونَهُ فَإِنْ دَلَّسَ الْبَائِعُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الْمَكِيلَةِ وَنِصْفِ كِرَاءِ الْأَرْضِ الَّتِي أَبْطَلَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَنِصْفُ قِيمَةِ الْعَيْبِ وَمَا يَنْبُتُ فِي الْوَجْهَيْنِ بَيْنَهُمَا قَالَهُ أَصْبَغُ قَالَ سَحْنُونٌ مِثْلَهُ إلَّا فِي الْكِرَاءِ سَكَتَ عَنْهُ وَزَادَ إنْ دَلَّسَ دَفَعَ نِصْفَ الْمَكِيلَةِ زَرِيعَةً صَحِيحَةً وَدَفَعَ إلَيْهِ شَرِيكُهُ نِصْفَ مَكِيلَةٍ لَا تَنْبُتُ، وَهَذَا إذَا زَالَ الْإِبَّانُ وَإِلَّا أَخْرَجَ زَرِيعَتَهُ صَحِيحَةً انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ سَكَتَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ رُجُوعِ الْمَغْرُورِ عَلَى الْغَارِّ بِقِيمَةِ نِصْفِ الْعَمَلِ فِيمَا لَمْ يَنْبُتْ إنْ كَانَ الْعَمَلُ عَلَى الْمَغْرُورِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ الرُّجُوعُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غُرُورٌ بِالْفِعْلِ قَالَ بَعْدَهُ فِي التَّوْضِيحِ خَلِيلٌ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ كِرَاءِ الْأَرْضِ الَّتِي غُرَّ فِيهَا انْتَهَى.
وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى نَصٍّ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: قُلْت: قَوْلُهُ سَكَتَ فِي الرِّوَايَةِ هُوَ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ هُنَا وَلَكِنْ ذَكَرَ الصَّقَلِّيُّ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ قَالَ مَا نَصُّهُ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَوْ زَرَعَ بِمَا لَا يَنْبُتُ فَنَبَتَ شَعِيرُ صَاحِبِهِ دُونَ شَعِيرِهِ فَإِنْ دَلَّسَ رَجَعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ بِنِصْفِ مَكِيلَتِهِ مِنْ شَعِيرٍ صَحِيحٍ وَبِنِصْفِ كِرَاءِ الْأَرْضِ الَّذِي أَبْطَلَ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ، وَقَالَ سَحْنُونٌ مِثْلَهُ إلَّا الْكِرَاءَ لَمْ يَذْكُرْهُ (قُلْت:) ظَاهِرُ قَوْلِ سَحْنُونٍ سُقُوطُ الْكِرَاءِ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا فِيمَنْ غَرَّ فِي إنْكَاحِ غَيْرِهِ أَمَةً أَنَّهُ يَغْرَمُ لِلزَّوْجِ الصَّدَاقَ، وَلَا يَغْرَمُ لَهُ مَا يَغْرَمُهُ الزَّوْجُ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ وَنَحْوِهِ قَوْلُهُ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ مَنْ بَاعَ عَبْدًا سَارِقًا دَلَّسَ فِيهِ فَسَرَقَ مِنْ الْمُبْتَاعِ فَرَدَّهُ عَلَى سَيِّدِهِ بِالْعَيْبِ فَذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ إنْ عَتَقَ يَوْمًا وَأَظُنُّ فِي نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ مَنْ بَاعَ مَطْمُورَةً دَلَّسَ فِيهَا بِعَيْبِ التَّسْوِيسِ
[ ٥ / ١٧٩ ]
فَخَزَّنَ فِيهَا الْمُبْتَاعُ فَاسْتَاسَ مَا فِيهَا أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا اسْتَاسَ فِيهَا قَالَ، وَلَوْ أَكْرَاهَا مِنْهُ لَرَجَعَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَمَسْأَلَةُ عَدَمِ نَبَاتِ الْبَذْرِ ذَكَرَهَا ابْنُ يُونُسَ فِي الْعُيُوبِ وَالْبَرْزَلِيُّ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
ص (كَإِلْغَاءِ أَرْضٍ وَتَسَاوَيَا غَيْرَهَا)
ش: يُرِيدُ إلَّا أَنْ تَكُونَ تَافِهَةً لَا خَطْبَ لَهَا كَمَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
ص (أَوْ لِأَحَدِهِمَا أَرْضٌ رَخِيصَةٌ وَعَمِلَ عَلَى الْأَصَحِّ)
ش: لَيْسَ مُرَادُهُ - ﵀ - بِهَذَا التَّنْبِيهَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْأَرْضِ التَّافِهَةِ الَّتِي لَا خَطْبَ لَهَا، وَإِنَّمَا أَشَارَ بِهِ لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ وَابْنِ عَبْدُوسٍ وَنَصُّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ جَوَازَ إلْغَاءِ الْأَرْضِ الَّتِي لَا خَطْبَ لَهَا: قَالَ سَحْنُونٌ إذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَالْآخَرُ الْبَذْرَ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرْضًا لَا كِرَاءَ لَهَا، وَقَدْ تَسَاوَيَا فِيمَا سِوَاهَا فَأَخْرَجَ هَذَا الْبَذْرَ، وَهَذَا الْعَمَلَ وَقِيمَةُ ذَلِكَ سَوَاءٌ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَا كِرَاءَ لَهَا وَأَنْكَرَ هَذَا ابْنُ عَبْدُوسٍ،، وَقَالَ إنَّمَا أَجَازَ مَالِكٌ أَنْ تُلْغَى الْأَرْضُ إذَا تَسَاوَيَا فِي إخْرَاجِ الزَّرِيعَةِ وَالْعَمَلِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مُخْرِجُ الْبَذْرِ غَيْرَ مُخْرِجِ الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ لَا كِرَاءَ لَهَا وَيَدْخُلُهُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، أَلَا تَرَى لَوْ أُكْرِيَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ انْتَهَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ كُلٌّ لِكُلٍّ)
ش: يَعْنِي وَكَذَا تَفْسُدُ الشَّرِكَةُ، وَيَكُونُ الزَّرْعُ كُلُّهُ لِلْعَامِلِ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَالْبَذْرِ وَالْعَمَلِ مِنْ عِنْدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ الْأَرْضُ لِوَاحِدٍ وَالْبَذْرُ مِنْ وَاحِدٍ وَالْعَمَلُ عَلَى وَاحِدٍ فَتَكُونُ الْمُزَارَعَةُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَنْفُسٍ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ فَقَطْ مِنْ الْمَالِكِ، أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الزَّرْعُ لِلْعَامِلِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: الزَّرْعُ لِرَبِّ الْبَذْرِ ثُمَّ يَقُومَانِ بِمَا يَلْزَمُهُمَا مِنْ مَكِيلَةِ الْبَذْرِ وَأُجْرَةِ الْأَرْضِ وَالْعَمَلِ دَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهَا تَقَعُ عَلَى وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ الْمَالِكِ لِلْأَرْضِ وَمِنْ الْآخَرِ الْعَمَلُ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَتَكُونُ الْأَرْضُ لِوَاحِدٍ، وَالْبَذْرُ لِآخَرَ، وَالْعَمَلُ لِآخَرَ وَتَكُونُ الشَّرِكَةُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ.
وَلَا إشْكَالَ فِي فَسَادِ الْوَجْهِ الثَّانِي لِمُقَابَلَةِ جُزْءٍ مِنْ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مِنْ الْبَذْرِ وَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَقَدْ يُقَالُ فِيهِ نَظَرٌ وَقَوْلُهُ: فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الزَّرْعُ لِلْعَامِلِ يَعْنِي فِي الْوَجْهَيْنِ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَا لِمَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَنَصُّ مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الزَّرْعَ كُلَّهُ فِي فَسَادِ الشَّرِكَةِ لِمَنْ تَوَلَّى الْقِيَامَ بِهِ كَانَ مُخْرِجُ الْبَذْرِ صَاحِبَ الْأَرْضِ، أَوْ غَيْرَهُ وَعَلَيْهِ إنْ كَانَ هُوَ مُخْرِجَ الْبَذْرِ كِرَاءُ أَرْضِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ مُخْرِجَ الْبَذْرِ عَلَيْهِ لَهُ مِثْلُ بَذْرِهِ وَهَكَذَا نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ هَذَا الْقَوْلَ.
وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ مَا نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لِصَاحِبِ الْعَمَلِ، وَقَالَ لَمْ نَجِدْ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الزَّرْعَ لِلْعَامِلِ دُونَ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ شَيْءٌ، وَقَوْلُهُ: قَالَ سَحْنُونٌ ظَاهِرُهُ أَيْضًا فِي الْوَجْهَيْنِ وَلَمْ أَرَ النَّصَّ عَنْ سَحْنُونٍ إلَّا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْأَرْضِ فَإِنَّ ابْنَ يُونُسَ نَقَلَ عَنْهُ أَنَّ الزَّرْعَ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَذَكَرَ عَنْهُ صُورَةً أُخْرَى فَقَالَ سَحْنُونٌ
[ ٥ / ١٨٠ ]
وَإِذَا اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمْ الْأَرْضَ وَنِصْفَ الْبَذْرِ وَالْآخَرُ نِصْفَ الْبَذْرِ فَقَطْ وَالثَّالِثُ الْعَمَلَ عَلَى أَنَّ الزَّرْعَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا لَمْ يَجُزْ فَإِنْ نَزَلَ فَالزَّرْعُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ بَيْنَ الْعَامِلِ وَرَبِّ الْأَرْضِ وَيَغْرَمَانِ لِمُخْرِجِ نِصْفِ الْبَذْرِ مَكِيلَةَ بَذْرِهِ وَمَذْهَبُ سَحْنُونٍ أَنَّ الزَّرْعَ لِصَاحِبِ الزَّرِيعَةِ وَعَلَيْهِمَا كِرَاءُ الْأَرْضِ وَالْعَمَلُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَدْ أَخْطَئُوا وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الزَّرْعَ لِمَنْ وَلِيَ الْعَمَلَ إذَا أُسْلِمَتْ الْأَرْضُ إلَيْهِ يُؤَدِّي مِثْلَ الْبَذْرِ لِمُخْرِجِهِ وَكِرَاءُ الْأَرْضِ لِرَبِّهَا انْتَهَى