(الْهِبَةُ تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ وَلِثَوَابِ الْآخِرَةِ صَدَقَةٌ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْهِبَةُ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْعَطِيَّةِ وَهِيَ أَيْ الْعَطِيَّةُ تَمْلِيكُ مُتَمَوَّلٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ إنْشَاءً فَيَخْرُجُ الْإِنْكَاحُ وَالْحُكْمُ بِاسْتِحْقَاقِ وَارِثٍ إرْثَهُ وَتَدْخُلُ الْعَارِيَّةُ وَالْحَبْسُ وَالْعُمْرَى وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ ثُمَّ، قَالَ: وَالْهِبَةُ لَا لِثَوَابِ تَمْلِيكِ ذِي مَنْفَعَةٍ لِوَجْهِ الْمُعْطَى بِغَيْرِ عِوَضٍ وَالصَّدَقَةُ كَذَلِكَ لِوَجْهِ اللَّهِ بَدَلٌ لِوَجْهِ الْمُعْطَيْ وَفِي الْهِبَةِ لِكَوْنِهَا كَذَلِكَ مَعَ إرَادَةِ الثَّوَابِ مِنْ اللَّهِ صَدَقَةٌ أَوْ لَا. قَوْلَا الْأَكْثَرِ وَمُطَرَّفٍ حَسْبَمَا يَأْتِي ذَكَرَهُ فِي الِاعْتِصَارِ وَتَخْرُجُ الْعَارِيَّةُ وَالْبَيْعُ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْهِبَةُ تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ يُرِيدُ: وَلَمْ تَتَمَحَّضْ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لِوَجْهِ الْمُعْطَى فَقَطْ أَوْ لِذَلِكَ مَعَ قَصْدِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ فَإِنْ تَمَحَّضَتْ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ فَهِيَ الصَّدَقَةُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَلِثَوَابِ الْآخِرَةِ صَدَقَةٌ (فَائِدَةٌ) وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ» سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ فَأَجَابَ: بِأَنِّي لَسْت أَجِدُهُ فِي نَصٍّ مِنْ الْمُصَنَّفَاتِ الصَّحِيحَةِ وَلَوْ صَحَّ
[ ٦ / ٤٩ ]
فَمَعْنَاهُ الْحَثُّ عَلَى عِيَادَةِ الْمَرْضَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَعْرُوفِ وَكُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ فَيَحْصُلُ لَهُ السُّرُورُ وَالدُّعَاءُ لَهُ وَلَا شَكَّ فِي رَجَاءِ الْإِجَابَةِ لَهُ وَالشِّفَاءِ فَيَنْفَعُهُ فِي الدَّوَاءِ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَحَمَلَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّهُ إذَا تَصَدَّقَ عَنْهُ وَيَطْلُبُ لَهُ الدُّعَاءَ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، وَيُرْجَى لَهُ الشِّفَاءُ. ذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ فِي آخِرِ مَسَائِلِ الْوَصَايَا وَالْمَحْجُورِ وَهُوَ فِي النَّوَازِلِ فِي بَابِ الْجَامِعِ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي تَخْرِيجِ الْإِحْيَاءِ: حَدِيثُ الصَّدَقَةُ تَسُدُّ سَبْعِينَ بَابًا مِنْ السُّوءِ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الْبِرِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ: «إنَّ اللَّهَ لَيَدْرَأُ بِالصَّدَقَةِ سَبْعِينَ بَابًا مِنْ مَيْتَةِ السُّوءِ»، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَة عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ]
(فَرْعٌ)، قَالَ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَةً عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَفِيهًا أَوْ صَغِيرًا فَيُشْتَرَطُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي وِلَايَةٍ فَيَجُوزُ وَإِنْ شُرِطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِ الْوِلَايَةِ لَمْ يَجُزْ كَانَ وَلَدًا لِلْوَاهِبِ أَوْ أَجْنَبِيًّا. الْمَشَذَّالِيُّ، قَالَ الْقَابِسِيُّ عَنْ ابْنِ عِمْرَانَ اُنْظُرْ مَا مَعْنَى سَفِيهًا أَوْ صَغِيرًا؟ وَهُمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا؛ شَرَطَهُ أَمْ لَا. أَبُو عِمْرَانَ لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا تُبَاعَ عَلَيْهِ إذَا احْتَاجَ إلَى النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّ لِوَلِيِّهِ بَيْعَ عُرُوضِهِ فِي النَّفَقَةِ فَشَرَطَ أَنْ لَا تُبَاعَ وَيُبَاعُ غَيْرُهَا إنْ وُجِدَ، قَالَ الْقَابِسِيُّ: الْهِبَةُ جَائِزَةٌ وَهِيَ كَالْحَبْسِ الْمُعَيَّنِ لَوْ وَهَبَ لِسَفِيهٍ أَوْ يَتِيمٍ أَوْ شَرَطَ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ مُطْلَقَةً عَلَيْهَا وَأَنَّهُ لَا نَظَرَ لِوَصِيِّهِ فِيهَا نَفَذَ ذَلِكَ الشَّرْطُ انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ حَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهَا فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى خَمْسَةَ أَقْوَالٍ (الْأَوَّلُ) أَنَّ الصَّدَقَةَ وَالْهِبَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَاهِبُ أَنْ يُبْطِلَ الشَّرْطَ فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَطَلَتْ. وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَمِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ سَحْنُونٍ (الثَّانِي) أَنَّ الْوَاهِبَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ شَرْطَهُ أَوْ يَسْتَرِدَّ هِبَتَهُ وَرَثَتْهُ بَعْدَهُ مَا لَمْ يَنْتَقِضْ أَمْرُهُ بِمَوْتِ الْمَوْهُوبِ وَهَذَا الْقَوْلُ يَأْتِي عَلَى مَا فِي مَسْأَلَةِ الْفَرَسِ (الثَّالِثُ) أَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ وَالْهِبَةَ جَائِزَةٌ وَهَذَا يَأْتِي عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ تَحْبِيسِ الدَّارِ وَاشْتُرِطَ تَرْمِيمُهَا عَلَى الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ (الرَّابِعُ) أَنَّ الشَّرْطَ عَامِلٌ وَالْهِبَةَ مَاضِيَةٌ لَازِمَةٌ فَتَكُونُ الصَّدَقَةُ بَيْنَ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ كَالْحَبْسِ لَا يَبِيعُ وَلَا يَهَبُ حَتَّى يَمُوتَ فَإِذَا مَاتَ وُرِثَ عَنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ. وَهُوَ قَوْلُ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ فِي الْوَاضِحَةِ، وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِي مِلْكِهِ مَا شَاءَ (الْخَامِسُ) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَبْسًا فَإِذَا مَاتَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ رَجَعَ إلَى الْمُتَصَدِّقِ أَوْ وَرَثَتِهِ أَوْ أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبِسِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ انْتَهَى. وَالْأَقْوَالُ مَبْسُوطَةٌ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَرَاجِعْهَا فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ مِنْ السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ أَحِجُّوا فُلَانًا وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي]
(فَرْعٌ)، قَالَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ: أَحِجُّوا فُلَانًا وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي أُعْطِيَ مِنْ الثُّلُثِ بِقَدْرِ مَا يَحُجُّ بِهِ فَإِنْ أَبَى الْحَجَّ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ أَخَذَ شَيْئًا رَدَّهُ إلَّا أَنْ يَحُجَّ بِهِ، قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: كَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ مِنْ هُنَا أَنَّ مَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمَالٍ لِيَتَزَوَّجَ بِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ أَنَّهُ يَرْجِعُ مِيرَاثًا وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى مَا يُفْهَمُ بِالْقَرَائِنِ عَنْ الْمُوصِي إنْ أَرَادَ الْإِرْفَاقَ وَالتَّوْسِعَةَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ وَإِنْ أَرَادَ خُصُوصِيَّةَ النِّكَاحِ رَجَعَ مِيرَاثًا وَإِنْ جَهِلَ الْأَمْرَ فَالْأَصْلُ عَدَمُ تَجَاوُزِ النِّكَاحِ فَإِنْ انْعَدَمَ رَجَعَ مِيرَاثًا (قُلْتُ) الظَّاهِرُ أَنَّهَا تَجْرِي عَلَى مَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ فِيمَنْ أَخَذَ مَالًا لِيَغْزُوَ بِهِ فَلَمْ يَغْزُ أَنَّهُ يَرُدُّ وَكَذَا ابْنُ السَّبِيلِ إذَا دُفِعَ لَهُ مَالٌ لِيَتَحَمَّلَ بِهِ فَلَمْ يُسَافِرْ أَنَّهُ يَرُدُّهُ، وَمَنْ دُفِعَ لَهُ مَالٌ لِيَقْرَأَ فَلَمْ يَفْعَلْ أَنَّهُ يَرُدُّهُ وَحُكِيَ أَنَّ الْفَقِيهَ التَّادَلِيَّ وَقَعَتْ لَهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ؛ دَفَعَ لَهُ أَبُوهُ مَالًا لِيَقْرَأَ عَلَيْهِ فَرَأَى أَنَّ غَرَضَ أَبِيهِ لَمْ يَحْصُلْ فَرَدَّ لَهُ الْمَالَ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مِنْ الْقِرَاءَةِ غَرَضَهُ فَأَتَى أَبُوهُ إلَى بَعْضِ الصَّالِحِينَ فَشَكَا لَهُ أَمْرَهُ فَدَعَا لَهُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لَهُ الْمُدَوَّنَةَ كَمَا فَتَحْتَهَا لِسَحْنُونٍ
[ ٦ / ٥٠ ]
الْمَشَذَّالِيِّ، وَالصَّالِحُ الَّذِي دَعَا لَهُ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ الشَّيْخُ أَبُو يَعْزَى - ﵀ -، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ الْوَكَالَاتِ: وَإِذَا صَالَحَ الْوَكِيلُ عَنْ الْغَرِيمِ مِنْ مَالِهِ فَلَمْ يُجِزْ الْمُوَكِّلُ الصُّلْحَ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا دَفَعَ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَهُ عَلَى أَنْ يَحُطَّ عَنْ الْغَرِيمِ مَا صَالَحَ عَلَى حَطِّهِ فَإِذَا لَمْ يَحُطَّ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ وَلَهَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَسْأَلَةُ الْمُكَاتَبِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي قَوْمٍ أَعَانُوا مُكَاتَبًا لِيَفُكُّوهُ فَلَمْ يَكُنْ فِيمَا أَعَانُوهُ كَفَافًا أَنَّ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِيهِ إلَّا أَنْ يَجْعَلُوا الْمُكَاتَبَ فِي حِلٍّ.
وَمِنْ ذَلِكَ صُلْحُ مَنْ قَتَلَ رَجُلَيْنِ أَوْلِيَاءُ أَحَدِهِمَا وَيَأْبَى أَوْلِيَاءُ الْآخَرِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا صَالَحَ عَلَى النَّجَاةِ، قَالَهُ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ الدَّعْوَى، انْتَهَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَصَايَا: يَقُومُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ أُعْطِيَ مَالًا لِاشْتِغَالِهِ بِطَلَبِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ مَنْ تُوُهِّمَ فِيهِ صَلَاحٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ وُجُوهِ الْخَيْرِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ وَانْظُرْ مَسْأَلَةَ الْحَافِظِ التَّادَلِيِّ وَيُشِيرُ لِمَا حَكَاهُ الْمَشَذَّالِيُّ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ: وَمَنْ أُعْطِيَ نَفَقَةً فَقِيلَ لَهُ تَقَوَّ بِهَا فِي السَّبِيلِ فَلْيَشْتَرِ مِنْ ذَلِكَ الْقَمْحَ وَالزَّيْتَ وَالْخَلَّ وَكُلَّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي السَّبِيلِ وَلَا يَشْتَرِي بِهِ الدَّجَاجَ وَنَحْوَهُ وَمَا فَضَلَ فَرَّقَهُ فِي السَّبِيلِ أَوْ رَدَّهُ إلَى رَبِّهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: اصْنَعْ بِهِ مَا شِئْت هِيَ لَكَ فَهَذَا إذَا بَلَغَ فِي غَزْوِهِ صَنَعَ بِهِ مَا يَصْنَعُ فِي مَالِهِ وَأَمَّا إنْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ الْوَصِيُّ فَلَا يَجُوزُ مَا قَالَهُ الْوَصِيُّ أَنْ يُفَرِّقَهُ فِي غَيْرِ السَّبِيلِ إلَّا أَنْ يُوصِيَ إلَيْهِ بِمِثْلِ هَذَا، انْتَهَى.
[مَسْأَلَة قَالَ تَصَدَّقَتْ بِمِيرَاثِي وَهُوَ كَذَا وَكَذَا إلَّا كَذَا وَفِي تَرِكَتِهِ جِنَانٌ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ]
(مَسْأَلَةٌ) إذَا قَالَ: تَصَدَّقْت بِجَمِيعِ مِيرَاثِي أَوْ بِمِيرَاثِي عَلَى فُلَانٍ وَهُوَ كَذَا وَكَذَا فِي الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالرَّمَكِ وَالثِّيَابِ وَالدُّورِ وَالْأَرْضِينَ إلَّا الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ فَإِنَّهَا لِي وَفِي تَرِكَتِهِ جِنَانٌ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ، قَالَ أَصْبَغُ: لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ إذَا كَانَ يَعْرِفُهُ وَأَرَى الْجِنَانَ إنْ كَانَ يَعْرِفُهُ دَاخِلًا فِي الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَثْنَى الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْجِنَانَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ هِيَ الْجِنَانُ عِنْدَ النَّاسِ، قَالَهُ فِي رَسْمِ الْقَضَاءِ الْمَحْضِ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مِيرَاثِهِ إلَّا الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ كَمَا قَالَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْجِنَانُ دَاخِلًا فِي الصَّدَقَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ كَمَا قَالَ، انْتَهَى.
ص (مِمَّنْ لَهُ تَبَرُّعٌ بِهَا)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، قَالَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ: الْوَاهِبُ مَنْ لَهُ التَّبَرُّعُ قُلْت لَيْسَ التَّبَرُّعُ بِأَعْرَفَ مِنْ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْعَامِّيَّ يَعْرِفُهَا دُونَهُ وَالْأَوْلَى هُوَ مَنْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ، انْتَهَى. قَوْلُهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ يُرِيدُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَصِحُّ لَهُ مِنْهُ الْهِبَةُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ وَتَصِحُّ مِنْ الْمَرِيضِ فِي ثُلُثِهِ إذْ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ وهبه شَيْئًا وَلَمْ يخرجه مِنْ يَده حتي مَاتَ]
(فَرْعٌ)، قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّدَقَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَكُلُّ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ عَطِيَّةٍ بَتَلَهَا مَرِيضٌ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ حَتَّى مَاتَ فَذَلِكَ نَافِذٌ فِي ثُلُثِهِ كَوَصَايَاهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ حُكْمُ مَا أَعْتَقَ الْإِيقَافُ لِيَصِحَّ الْمَرِيضُ فَيُتِمَّ ذَلِكَ أَوْ يَمُوتَ فَيَكُونَ فِي الثُّلُثِ وَلَا يَتِمُّ فِيهِ لِقَابِضٍ فِي الْمَرَضِ قَبْضٌ وَلَوْ قَبَضَهُ كَانَ لِلْوَرَثَةِ إيقَافُهُ وَلَيْسَ لِمَنْ قَبَضَهُ أَكْلُ غَلَّتِهِ إنْ كَانَتْ لَهُ غَلَّةٌ وَلَا أَكْلُهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ وَلَا رُجُوعَ لِلْمَرِيضِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بَتْلٌ خِلَافُ الْوَصِيَّةِ وَلَا يَتَعَجَّلُ قَبْضُهُ إلَّا عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ فِي الْمَرِيضِ لَهُ مَالٌ مَأْمُونٌ فَيَنْفُذُ مَا بَتَلَ مِنْ عِتْقٍ وَغَيْرِهِ، انْتَهَى.
ص (وَإِنْ مَجْهُولًا)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَالْغَرَرُ فِي الْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ يَجُوزُ إلَّا فِي الْبَيْعِ وَمَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ مَوْرُوثَهُ مِنْ فُلَانٍ وَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ هُوَ سُدُسٌ أَوْ رُبْعٌ أَوْ وَهَبَهُ نَصِيبَهُ مِنْ دَارٍ أَوْ جِدَارٍ وَهُوَ لَا يَدْرِي كَمْ ذَلِكَ فَذَلِكَ جَائِزٌ، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ.
وَقَالَ قَبْلَهُ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَأَعْرِفُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ هِبَةَ الْمَجْهُولِ جَائِزَةٌ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: تَجُوزُ هِبَةُ الْمَجْهُولِ وَلَوْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهَا كَثِيرَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِبَيْتٍ مِنْ دَارِهِ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ مِرْفَقًا]
(فَرْعٌ)، قَالَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِبَيْتٍ
[ ٦ / ٥١ ]
مِنْ دَارِهِ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ مِرْفَقًا فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ مَدْخَلٍ وَمَخْرَجٍ وَمِرْفَقِ بِئْرٍ وَمِرْحَاضٍ إنْ لَمْ يُسَمِّهِ فِي الصَّدَقَةِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ افْتَحْ بَابًا حَيْثُ شِئْتَ وَكَذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّة مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ وُهِبَ لَهُ حَائِطٌ وَلَهُ ثَمَرٌ وَزَعَمَ أَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَهُ الْأَصْلَ دُونَ الثَّمَرَةِ]
(فَرْعٌ)، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا وُهِبَ لَهُ حَائِطٌ وَلَهُ ثَمَرٌ وَزَعَمَ أَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَهُ الْأَصْلَ دُونَ الثَّمَرَةِ فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُؤَبَّرْ فَهِيَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَبَّرَةٌ فَهِيَ لِلْوَاهِبِ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، انْتَهَى. قَالَهُ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْبَرْزَلِيِّ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ فَإِنَّهُمَا أَطَالَا فِي ذَلِكَ وَذَكَرَا فُرُوعًا مُنَاسِبَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَهُوَ إبْرَاءٌ إنْ وُهِبَ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ وَهَبَكَ دَيْنًا لَهُ عَلَيْك فَقَوْلُكَ قَدْ قَبِلْت قَبْضٌ وَإِذَا قَبِلْت سَقَطَ وَإِنْ قُلْت لَا أَقْبَلُ بَقِيَ الدَّيْنُ بِحَالِهِ أَبُو الْحَسَنِ وَإِنْ سَكَتَ فَقَوْلَانِ وَيُؤْخَذُ الْقَوْلَانِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْأَرْضِ الَّتِي بَعْدَ هَذَا إذَا افْتَرَقَا وَلَمْ يَقُلْ قَبِلْت فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْهِبَةُ سَاقِطَةٌ وَقَالَ أَشْهَبُ: الدَّيْنُ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَإِنْ وُهِبَ الدَّيْنُ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ الْوَدِيعَةُ لِمَنْ هِيَ تَحْتَ يَدِهِ فَقَبِلَ مَضَى وَإِنْ لَمْ يَقُلْ قَبِلْت حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ بَطَلَتْ الْهِبَةُ عَلَى الْأَصَحِّ كَأَنْ قَالَ: لَا أَقْبَلُ، انْتَهَى. وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الصَّدَقَةِ: وَسُئِلَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَمَّنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَتَرَكَهُ صَاحِبٌ لَهُ وَلَمْ يَقُلْ الَّذِي عَلَيْهِ قَبِلْت إلَّا أَنَّهُ سَمِعَهُ ثُمَّ قَامَ صَاحِبُ الدَّيْنِ يَطْلُبُهُ وَقَالَ: إذَا لَمْ يَقُلْ قَبِلْت فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ فَأَجَابَ إذَا، قَالَ الْمَطْلُوبُ إنَّمَا سَكَتَ قَبُولًا لِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: قُلْت جَعَلَ السُّكُوتَ هُنَا قَبُولًا وَيَتَعَارَضُ فِيهَا مَفْهُومَا الْمُدَوَّنَةِ وَنَقْلِ كَلَامِهَا الْمُتَقَدِّمِ.
[فَرْعٌ دَعْوَى الْمَدِينِ هِبَةَ رَبِّ الدَّيْنِ دَيْنَهُ]
(فَرْعٌ)، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ نَاقِلًا لَهُ عَنْ الْبَاجِيِّ: دَعْوَى الْمَدِينِ هِبَةَ رَبِّ الدَّيْنِ دَيْنَهُ يُوجِبُ يَمِينَهُ اتِّفَاقًا (قُلْتُ) وَكَذَا مَنْ ادَّعَى هِبَةَ مَا بِيَدِهِ مِنْ مُعَيَّنٍ، انْتَهَى. وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ بِرُمَّتِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
ص (وَإِلَّا فَكَالرَّهْنِ)
ش: أَحَالَ عَلَى الرَّهْنِ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي بَابِ الرَّهْنِ: وَقَبْضُ الدَّيْنِ بِالْإِشْهَادِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْغَرِيمَيْنِ إنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ هُنَا فِي بَابِ الْهِبَةِ: وَتَصِحُّ هِبَةُ الدَّيْنِ وَقَبْضُهُ فِي الرَّهْنِ كَقَبْضِهِ مَعَ إعْلَامِ الْمَدِينِ بِالْهِبَةِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ هُنَا قَوْلُهُ مَعَ إعْلَامِ إلَى آخِرِهِ زِيَادَةُ بَيَانٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ كَقَبْضِ الرَّهْنِ يُغْنِي عَنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ: وَقَبْضُ الدَّيْنِ إلَى آخِرِهِ ثُمَّ إنَّ إعْلَامَ الْمَدِينِ إنَّمَا هُوَ مَعَ حُضُورِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ غَائِبًا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يَصِحُّ الْقَبْضُ إذَا أَشْهَدَ لَكَ وَقَبَضْت ذِكْرَ الْحَقِّ وَهَكَذَا تُقْبَضُ الدُّيُونُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ لِقَبْضِ الْوَثِيقَةِ، قَالَ فِي الْهِبَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ عَلَى غَيْرِك فَوَهَبَهُ لَكَ فَإِنْ أَشْهَدَ لَكَ وَجَمَعَ بَيْنَك وَبَيْنَ غَرِيمِهِ وَدَفَعَ لَكَ ذِكْرَ الْحَقِّ إنْ كَانَ عِنْدَهُ فَهَذَا قَبْضٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَتَبَ عَلَيْهِ ذِكْرَ حَقٍّ وَأَشْهَدَ لَكَ وَأَحَالَك كَانَ ذَلِكَ قَبْضًا وَحَمَلَهُ صَاحِبُ النُّكَتِ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَدْفَعْ ذِكْرَ الْحَقِّ لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ بِمَوْتِ الْوَاهِبِ كَالدَّارِ الْمُغْلَقَةِ إذَا لَمْ يُعْطِهِ مَفَاتِيحَهَا حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِلْمُوهَبِ شَيْءٌ وَإِنْ أَشْهَدَ لَهُ وَجَعَلَ دَفْعَ الْوَثِيقَةِ فِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ مِنْ شُرُوطِ الْكَمَالِ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَعَ إعْلَامِ الْمَدِينِ وَقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَجَمَعَ بَيْنَك وَبَيْنَ غَرِيمِهِ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ وَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ شَرْطُ كَمَالٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَكَى فِي الْبَيَانِ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ الصَّدَقَاتِ الِاتِّفَاقَ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فَقَالَ: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ حَائِزٌ لِمَنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا فَقَبِلَ، انْتَهَى كَلَامُ التَّوْضِيحِ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ كَلَامِهِ هُنَا، وَقَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي آخِرِ كَلَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا كَذَا هُوَ فِي التَّوْضِيحِ وَاَلَّذِي فِي الْبَيَانِ إنْ كَانَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا فَقَبِلَ ذَكَرَهُ فِي رَسْمِ الْعُشُورِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى فَقِفْ عَلَيْهِ
[فَرْعٌ دَفَعَ الدَّيْنَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالصَّدَقَةِ لِلْمُتَصَدِّقِ]
(فَرْعٌ) فَإِنْ دَفَعَ الدَّيْنَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالصَّدَقَةِ
[ ٦ / ٥٢ ]
لِلْمُتَصَدِّقِ غَرِمَهُ لَلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ بِهِ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَرَجَعَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ، قَالَهُ فِي رَسْمِ الْعُشُورِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ.
[فَرْعٌ وَهَبَ دَيْنًا وَلَهُ عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ]
(فَرْعٌ) فَإِنْ وَهَبَ دَيْنًا وَلَهُ عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَهَلْ يَحْلِفُ رَبُّ الدَّيْنِ أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ، قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ فِي الشُّفْعَةِ لَوْ وَهَبَ لَهُ دَيْنًا وَلَهُ بِهِ شَاهِدٌ حَلَفَ الْمَوْهُوبُ لَهُ مَعَ شَاهِدِ الْوَاهِبِ وَاسْتَحَقَّ الدَّيْنَ وَتَقَدَّمَ فِي السَّلَمِ الثَّالِثِ مَسْأَلَةُ، الْمَرْأَةِ تَهَبُ كَالِئَهَا بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهَا مَعَ مَا يُنَاسِبُهَا، انْتَهَى.
وَيُشِيرُ لِمَا قَالَهُ فِي كِتَابِ السَّلَمِ الثَّالِثِ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ ابْتَعْت طَعَامًا فَلَمْ تَقْبِضْهُ حَتَّى أَسْلَفْته وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا مَا قَالُوهُ فِيمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ أَنْكَرَ الْبَائِعُ وَلَمْ يَجِدْ الْمُشْتَرِي عَلَى الشِّرَاءِ إلَّا شَاهِدًا وَاحِدًا وَكَانَ قَدْ تَصَدَّقَ بِمَا اشْتَرَاهُ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَا أَحْلِفُ وَيَأْخُذُ غَيْرِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ وَذَلِكَ خِلَافُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الطِّرَازِ عَنْ الْأَبْهَرِيِّ فِي امْرَأَةٍ تَصَدَّقَتْ بِكَالِئٍ صَدَاقِهَا وَقَدْ أَثْبَتَتْهُ عَلَى زَوْجِهَا الْمَيِّتِ، قَالَ: لَا يَقْبِضُهُ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ يَمِينِ الْمَرْأَةِ أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْهُ وَلَا وَهَبَتْهُ وَلَا أَحَالَتْ بِهِ وَلَا تَصَدَّقَتْ بِهِ خَوْفًا أَنْ تَكُونَ إنَّمَا فَعَلَتْ لِتَدْفَعَ الْيَمِينَ عَنْهَا وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ: رَأَيْت مُعَلِّقًا عَلَى فَتْوَى ابْنِ رُشْدٍ فِي الْهِبَةِ يَحْلِفُ الْوَاهِبُ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَاتٍ إذَا وَهَبَ الدَّيْنَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ مِنْ الْحَلِفِ، انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ هُوَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً فِي دَارٍ أَنَّهَا لِأَبِيهِ وَقَدْ تَرَكَ أَبُوهُ وَرَثَةً سِوَاهُ، الشَّيْخُ. نَزَلَتْ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شَيْئًا وَلَمْ يُقِمْ عَلَى الشِّرَاءِ إلَّا شَاهِدًا وَاحِدًا وَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ الشَّيْءِ ثُمَّ قَامَ الْبَائِعُ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْيَمِينَ هُنَا عَلَى الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَقُولُ لَا أَحْلِفُ وَيَنْتَفِعُ غَيْرِي وَهَذَا يَظْهَرُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْغُرَمَاءِ، انْتَهَى. وَانْظُرْ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي بَاعَهُ ثُمَّ قَامَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّانِي فَهَلْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَانْظُرْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ رَضِيَ مُرْتَهِنُهُ)
ش: يُرِيدُ قَبْضَهُ فَأَحْرَى إنْ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِلَّا قُضِيَ عَلَيْهِ بِفَكِّهِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ يُعَجَّلُ)
ش: أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْمُرْتَهِنُ بِإِمْضَاءِ الْهِبَةِ بَعْدَ قَبْضِ الرَّهْنِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِفَكِّهِ إلَى آخِرِهِ وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْوَاهِبُ يَجْهَلُ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِتَعْجِيلِ الدَّيْنِ أَمْ لَا وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: نَصَّ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ شَاسٍ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى تَعْجِيلِ الدَّيْنِ اتِّفَاقًا، انْتَهَى.
ص (بِصِيغَةٍ أَوْ مُفْهِمِهَا)
[ ٦ / ٥٣ ]
ش: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: الرُّكْنُ الرَّابِعُ السَّبَبُ النَّاقِلُ وَفِي الْجَوَاهِرِ هُوَ صِيغَةُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّمْلِيكِ بِغَيْرِ عِوَضٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، انْتَهَى. وَفِي جَعْلِهِ الرُّكْنَ سَبَبًا تَأَمُّلٌ، ثُمَّ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: (تَنْبِيهٌ) مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْقَبُولُ فَوْرًا عَلَى الْفَوْرِ وَظَاهِرُ مَذْهَبِنَا يَجُوزُ عَلَى التَّرَاخِي لِمَا يَأْتِي بَعْدُ مِنْ إرْسَالِ الْهِبَةِ لِلْمَوْهُوبِ قَبْلَ الْقَبُولِ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ لَا بُدَّ مِنْ تَوْكِيلِ الرَّسُولِ فِي أَنْ يَهَبَ عَنْهُ وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ مَالِكٌ وَقَدْ وَقَعَ لِأَصْحَابِنَا أَنَّ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ التَّرَوِّي فِي الْقَبُولِ، انْتَهَى. وَانْظُرْ التَّوْضِيحَ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ هِبَةِ الْوَدِيعَةِ لِلْمُودَعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[تَنْبِيه إِذْن السَّيِّد فِي قَبُول الْهِبَة وَالصَّدَقَة]
(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَجْرِ وَيَأْتِي فِي الْوَصَايَا أَنَّ الرَّقِيقَ لَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ سَيِّدِهِ فِي الْقَبُولِ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ قَالَ: لَوْ قِيلَ بِمَنْعِهِ مِنْ الْقَبُولِ لِلْمِنَّةِ الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَى السَّيِّدِ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَا بَعُدَ.
وَانْظُرْ عَلَى هَذَا إذَا وَهَبَ لِلصَّغِيرِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ أَوْصَى لَهُ هَلْ لِوَلِيِّهِ رَدُّ ذَلِكَ أَمْ لَا لَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ لِلْأَبِ وَالْوَصِيِّ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَالَ قَدْ يَكُونُ حَرَامًا وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ مِنَّةٌ عَلَى الْوَالِدِ أَوْ وَلَدِهِ وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ وَلَا كَلَامَ أَنَّ لَهُ الرَّدَّ إذَا كَانَ يَطْلُبُ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ ثُمَّ رَأَيْت فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لِرَجُلٍ طَعَامًا فَدَخَلَ ابْنُ الْحَالِفِ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَأَعْطَاهُ خُبْزًا فَخَرَجَ الصَّبِيُّ بِالْخُبْزِ لِأَبِيهِ فَأَكَلَ مِنْهُ الْأَبُ وَلَمْ يَعْلَمْ حَنِثَ.
قَالَ سَحْنُونٌ: أَمَّا أَنَا فَتَبَيَّنَ عِنْدِي لَا حِنْثَ؛ لِأَنَّ الِابْنَ قَدْ مَلَكَ الطَّعَامَ مِنْ الْأَبِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ لَمْ يَجْعَلْ مِلْكَ ابْنِهِ تَقَرُّرًا عَلَى مَا أَعْطَاهُ فَيَصِيرُ الْأَبُ قَدْ أَكَلَ مَالَ ابْنِهِ لَا مَالَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ لِلْأَبِ رَدُّهُ فَلَمَّا كَانَ لَهُ رَدُّهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ لِلِابْنِ عَلَيْهِ مِلْكٌ إلَّا بِرِضَا الْأَبِ فَلِهَذَا حَنِثَ الْأَبُ وَأَمَّا لَوْ وَهَبَهُ هِبَةً كَثِيرَةً لَهَا بَالٌ لَا يَقْدِرُ الْأَبُ عَلَى رَدِّهَا فَأَكَلَ مِنْهَا الْأَبُ لَا نَبْغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَا يَقْدِرُ الْأَبُ عَلَى رَدِّهِ عَلَى الْوَاهِبِ وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنْ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا حَتَّى يَكُونَ لَهُ رَدُّ مَا وُهِبَ لِابْنِهِ مِنْ طَعَامٍ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ إلَّا بِأَكْلِهِ فِي الْوَقْتِ كَالْكِسْرَةِ وَالتَّمْرَةِ وَشَبَهِ هَذَا مِمَّا يُنَاوِلُهُ الْإِنْسَانُ لِمَنْ يَدْخُلُ؛ لِأَنَّ الْأَبَ يَقُولُ نَفَقَةُ ابْنِي عَلَيَّ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَ عَنِّي مِنْهَا شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِي فَهَذَا إذَا أَكَلَ مِمَّا أَعْطَاهُ الصَّبِيُّ حَنِثَ وَيَعُدُّ ذَلِكَ قَبُولًا مِنْهُ الْخُبْزَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مُعْدَمًا حَتَّى لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ وَلَدِهِ وَكَانَ عَيْشُ الِابْنِ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الْأَبِ مِنْ الصَّدَقَاتِ وَنَحْوِهَا فَأَعْطَاهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ هَذَا فَأَكَلَ مِنْهُ الْأَبُ لَمْ يَحْنَثْ، قَالَ: وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: وَعَبْدُهُ وَابْنُهُ فِي هَذَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ لَهُ رَدُّ مَا وُهِبَ لِعَبْدِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّ مَا وُهِبَ لَهُ مِنْ مَالٍ، انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا ذَكَرَهُ فِي النُّكَتِ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ وَنَقَلَ ذَلِكَ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الْخَامِسِ وَالثَّلَاثِينَ: الْأَسْبَابُ الْفِعْلِيَّةُ تَصِحُّ مِنْ الْمَحْجُورِ دُونَ الْقَوْلِيَّةِ فَلَوْ صَادَ مَلَكَ الصَّيْدَ أَوْ احْتَشَّ مَلَكَ الْحَشِيشَ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى أَوْ قَبِلَ الْهِبَةَ أَوْ الصَّدَقَةَ أَوْ قَارَضَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْقَوْلِيَّةِ لَا يَتَرَتَّبُ لَهُ عَلَيْهَا مِلْكٌ، انْتَهَى.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الرُّكْنَ الرَّابِعَ وَهُوَ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَشَرْطُهُ قَبُولُ الْمِلْكِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَحِيزَ وَإِنْ بِلَا إذْنٍ وَأُجْبِرَ وَلِيُّهُ عَلَيْهِ)
ش: وَالْحَائِزُ هُوَ الْمَوْهُوبُ لَهُ إنْ كَانَ رَشِيدًا فَإِنْ كَانَ سَفِيهًا فَوَلِيُّهُ وَفِي صِحَّةِ حَوْزِ السَّفِيهِ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ. وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَالْمُخْتَصَرِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْقَوْلِ بِصِحَّةِ حَوْزِهِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي بَابِ الْوَقْفِ وَلَوْ سَفِيهًا وَقَوْلُهُ وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ، أَيْ: عَلَى أَنْ يَحُوزَهُ وَهَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَعْرُوفُ لُزُومُ الْعَطِيَّةِ بِعَقْدِهَا ابْنُ زَرْقُونٍ.
، قَالَ الْمَازِرِيُّ: لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ قَبْلَ حَوْزِهَا عِنْدَ جَمَاعَةٍ وَفِي قَوْلَةٍ
[ ٦ / ٥٤ ]
شَاذَّةٍ عِنْدَنَا وَحَكَاهَا الطَّحَاوِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَحَكَاهَا ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ عَنْ مَالِكٍ (قُلْتُ) تَقَدَّمَ فِي الْحَبْسِ نَقْلُ ابْنُ رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ وَهِيَ لِمُعَيَّنٍ دُونَ يَمِينٍ وَلَا تَعْلِيقٍ يَقْضِي بِهَا ابْنُ رُشْدٍ اتِّفَاقًا، قَالَ: وَعَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَذَلِكَ فِيهَا لَا يَقْضِي بِهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي الْقَضَاءِ بِهَا قَوْلَانِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الرِّوَايَةِ فِيهَا وَعَلَى مُعَيَّنٍ فِي يَمِينٍ أَوْ تَعْلِيقٍ فِيهَا لَا يَقْضِي بِهَا ابْنُ رُشْدٍ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَلِمُحَمَّدِ بْنِ دِينَارٍ مَنْ تَسَرَّى عَلَى امْرَأَتِهِ وَقَدْ شَرَطَ لَهَا أَنَّهُ إنْ تَسَرَّى عَلَيْهَا فَالسُّرِّيَّةُ لَهَا صَدَقَةٌ تَامَّةٌ وَإِنْ أَعْتَقَهَا بَطَلَ عِتْقُهُ وَكَانَتْ لَهَا وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَقَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ مَنْ شَرَطَ لِمُبْتَاعٍ سِلْعَةً إنْ خَاصَمَهُ فَهِيَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ فَخَاصَمَهُ لَزِمَتْهُ الصَّدَقَةُ إنْ حَمَلَ اللُّزُومَ عَلَى الْقَضَاءِ بِهَا فَهُوَ مِثْلُهُ ابْنُ زَرْقُونٍ لِابْنِ نَافِعٍ مَنْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْكِ فَأَمَتِي صَدَقَةٌ عَلَيْكِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَقَالَهُ ابْنُ دِينَارٍ (قُلْتُ) هَذَا خِلَافُ عَزْوِ ابْنِ رُشْدٍ مَسْأَلَةَ الْأَمَةِ لِابْنِ دِينَارٍ وَمَسْأَلَةَ السِّلْعَةِ لِابْنِ نَافِعٍ، وَجَزْمُهُ بِهِ خِلَافٌ جَعَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ مُحْتَمَلًا وَفِي الْقَضَاءِ بِالْمُعَلَّقِ بِالْيَمِينِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ نَقَلَ ابْنُ زَرْقُونٍ عَنْ أَصْبَغَ: وَالْمَعْرُوفُ فِي إيجَابِ دَعْوَى هِبَةِ مُعَيَّنٍ يَمِينُ الْوَاهِبِ قَوْلَا الْجَلَّابِ وَنَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ قَائِلًا دَعْوَى الْمَدِينِ هِبَةَ رَبِّ الدَّيْنِ دِينَهُ يُوجِبُ يَمِينَهُ اتِّفَاقًا (قُلْتُ) وَكَذَا مَنْ ادَّعَى هِبَةَ مَا بِيَدِهِ مِنْ مُعَيَّنٍ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْهِبَةِ، قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى: الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَبْسُ مَتَى كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ لِمُعَيَّنٍ أَمْ لَا، لَا يُقْضَى بِهَا اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْبِرَّ بَلْ اللَّجَاجَ وَدَفْعُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِ الْيَمِينِ يُقْضَى بِهَا، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ أَشْهَبُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مُعَيَّنٍ فَإِنَّ الْحَقَّ لَهُ حَتَّى يَطْلُبَهُ، انْتَهَى. وَانْظُرْ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ النَّذْرِ
وَأَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي سُؤَالٍ سَأَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْهُ وَنَصُّ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ: رَجُلٌ أَخْرَجَ مَالًا بِصَدَقَةٍ فَعَزَلَ مِنْهُ شَيْئًا سَمَّاهُ بِلِسَانِهِ وَمَيَّزَهُ لِمِسْكِينٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بَدَا لَهُ فَصَرَفَهُ لِمِسْكِينٍ آخَرَ فَهَلْ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ لَتَمْيِيزِهِ إيَّاهُ لِمِسْكِينٍ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ مَنْ أَخْرَجَ لِمِسْكِينٍ كِسْرَةً فَلَمْ يَجِدْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُعْطِهَا لِلْمِسْكِينِ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ وَفِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ أَعْطَاهَا بِالْقَوْلِ وَوَجَبَ طَلَبُهَا لِلْمِسْكِينِ وَتَمَيَّزَتْ لَهُ عِنْدَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ صَرْفُهَا إلَى غَيْرِهِ وَهَلْ صَارَ قَوْلُهُ هَذَا لِفُلَانٍ وَقَدْ أَخْرَجَ الْمَالَ مَخْرَجَ الصَّدَقَةِ كَقَوْلِهِ تَصَدَّقْت بِهَذَا عَلَى فُلَانٍ وَهَلْ يَسْتَوِي فِي هَذَا مَا أَخْرَجَ الْإِنْسَانُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ مَالِهِ وَمَا مَيَّزَهُ لِمُعَيَّنٍ مِمَّا يَجْرِي مِنْ صَدَقَةِ غَيْرِهِ عَلَى يَدَيْهِ إذْ ظَهَرَ لِي بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ فَرْقٌ كَمَا ظَهَرَ لِي بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ مِنْ مَعْنَى الصَّدَقَةِ وَالْعَطِيَّةِ وَهِيَ مَخْصُوصَةٌ بِمَا يَمْلِكُ. الْجَوَابُ تَصَفَّحْت السُّؤَالَ فَإِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي عَزَلَ مِنْ الْمَالِ الَّذِي أَخْرَجَهُ لِلصَّدَقَةِ شَيْئًا سَمَّاهُ لِمِسْكِينٍ بِعَيْنِهِ سَمَّاهُ لَهُ وَنَوَى أَنْ يُعْطِيَهُ لَهُ وَلَمْ يَبْتِلْهُ لَهُ بِقَوْلٍ وَلَا نِيَّةٍ فَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ بَتَلَهُ لَهُ بِقَوْلٍ أَوْ نِيَّةٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى غَيْرِهِ وَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ إنْ فَعَلَ وَكَذَلِكَ مَا جُعِلَ إلَيْهِ تَنْفِيذُهُ مِمَّا أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ لِلصَّدَقَةِ سَوَاءٌ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي يَأْمُرُ لِلسَّائِلِ بِشَيْءٍ أَوْ يَخْرُجُ بِهِ إلَيْهِ فَلَا يَجِدُهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى مَالِهِ وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ إنَّمَا نَوَى أَنْ يُعْطِيَهُ لَهُ وَلَمْ يَبْتِلْهُ لَهُ بِقَوْلٍ وَلَا نِيَّةٍ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى مِنْ الْأَجْوِبَةِ مِنْ بَابِ الصَّدَقَاتِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِيمَا إذَا بَتَلَهُ لَهُ بِالنِّيَّةِ يَأْتِي عَلَى أَحَدِ الْمَشْهُورِينَ فِي لُزُومِ الطَّلَاقِ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّبْتِيلِ بِالنِّيَّةِ وَنِيَّةِ الْإِعْطَاءِ أَنَّهُ لَوْ عَبَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ أَعْطَيْته لِفُلَانٍ وَلَوْ عَبَّرَ عَنْ الثَّانِي عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ أُعْطِي أَوْ نِيَّتِي أُعْطِي وَنَحْوِهِ فِي آخِرِ مَسَائِلِ الْهِبَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ.
[فَرْعٌ خَرَجَتْ لِلسَّائِلِ بِالْكِسْرَةِ أَوْ بِالدِّرْهَمِ فَلَمْ تَجِدْهُ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي بَابِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ، قَالَ مَالِكٌ: إذَا خَرَجَتْ لَلسَّائِلِ بِالْكِسْرَةِ أَوْ بِالدِّرْهَمِ فَلَمْ تَجِدْهُ أَرَى أَنْ يُعْطَى لِغَيْرِهِ تَكْمِيلًا لِلْمَعْرُوفِ وَإِنْ وَجَدْته وَلَمْ يَقْبَلْ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْأَوَّلِ لِتَأَكُّدِ الْعَزْمِ بِالدَّفْعِ وَاخْتُلِفَ هَلْ
[ ٦ / ٥٥ ]
لَهُ أَكْلُهَا أَمْ لَا فَقِيلَ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهَا وَقِيلَ لَا وَقِيلَ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا أَكَلَهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَمْ يَأْكُلْهَا، انْتَهَى. وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا: (فَرْعٌ) قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ بِشِرَاءِ كِسَرِ السَّائِلِ لِقَوْلِهِ - ﵊ - لِبَرِيرَةَ «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ»، انْتَهَى.
[فَرْعٌ قَالَ لَهُ بِعْ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي رَسْمِ الْوَصَايَا وَالْحَجِّ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ: إذَا قَالَ لَهُ بِعْ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ بِعْ وَالنُّقْصَانُ عَلَيَّ فَهُوَ أَمْرٌ قَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَالْمَعْرُوفُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ لَازِمٌ لِمَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَمُتْ أَوْ يُفْلِسْ، وَسَوَاءٌ قَالَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ انْتَقَدَ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِدَ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ الْقَضَاء بِالْحِيَازَةِ]
(فَرْعٌ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ الرَّهْنِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَهَلْ تَكْفِي نِيَّةٌ عَلَى الْحَوْزِ أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُقْضَى بِالْحِيَازَةِ إلَّا بِمُعَايَنَةٍ بَيِّنَةٍ لِحَوْزِهِ فِي حَبْسٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَلَوْ أَقَرَّ الْمُعْطِي فِي صِحَّتِهِ أَنَّ الْمُعْطَى قَدْ حَازَ وَقَبَضَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بَيِّنَةٌ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يُقْضَ بِذَلِكَ إنْ أَنْكَرَ وَرَثَتُهُ حَتَّى تُعَايِنَ الْبَيِّنَةُ الْحَوْزَ اهـ
[فَرْعٌ قَالَ لِوَلَدِهِ أَصْلِحْ نَفْسك وَتَعَلَّم الْقُرْآنَ وَلَك قَرْيَتِي ثُمَّ مَاتَ الْأَب وَالْقَرْيَة بِيَدِهِ]
(فَرْعٌ) إذَا قَالَ لِوَلَدِهِ: أَصْلِحْ نَفْسَك وَتَعَلَّمْ الْقُرْآنَ وَلَك قَرْيَتِي فُلَانَةُ فَفَعَلَ الْوَلَدُ ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ قَبْلُ وَالْقَرْيَةُ بِيَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْوَلَدُ الْحَوْزَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ الْكِرَاءِ وَالْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ: لَا تَكُونُ لَهُ الْقَرْيَةُ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ بِإِشْهَادِ الْأَبِ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَكَ قَرْيَتِي لَيْسَ بِنَصٍّ فِي تَمْلِيكِهِ إيَّاهَا بَلْ الظَّاهِرُ مِنْهُ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ تَسْكُنُهَا أَوْ تَرْتَفِقُ بِهَا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَكُونُ أَرَادَ التَّحْرِيضَ وَلَمْ يَجْعَلْ مَا أَوْجَبَ لَهُ الْقَرْيَةَ بِهِ مِنْ إصْلَاحِهِ نَفْسَهُ وَتَعَلُّمِهِ عِوَضًا لَهَا فَتَمْضِي دُونَ حِيَازَةٍ، فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ فَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَعْطَى امْرَأَتَهُ النَّصْرَانِيَّةَ دَارًا سَاكِنًا بِهَا عَلَى أَنْ تُسْلِمَ فَأَسْلَمَتْ فَلَا أَرَاهَا مِنْ الْعَطِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنُ إسْلَامِهَا وَالْإِشْهَادُ يُجْزِئُهَا عَنْ الْحِيَازَةِ وَإِنْ مَاتَ بِهَا وَبِهِ أَقُولُ وَقَالَ أَصْبَغُ: لَا أَرَاهَا إلَّا عَطِيَّةً وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ أَبِي حَازِمٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى مِثْلُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَاخْتِيَارِ ابْنِ حَبِيبٍ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ فِي رَجُلٍ، قَالَ لِابْنِهِ: إنْ تَزَوَّجْت فَلَكَ جَارِيَتِي هِيَ لَهُ إذَا تَزَوَّجَ وَإِنْ مَاتَ الْأَبُ أَخَذَهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ دَيْنٌ حَاصَّ بِهَا الْغُرَمَاءَ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هِيَ لَهُ دُونَ الْغُرَمَاءِ إنْ فَلَسَ وَإِنْ مَاتَ أَخَذَهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الدَّيْنِ فِيهَا شَيْءٌ وَلَوْ قَالَ بَدَلَ الْجَارِيَةِ: مِائَةُ دِينَارٍ كَانَتْ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فِي الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ، ابْنُ رُشْدٍ. وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الصَّحِيحُ لَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ وَمَعْنَاهُ إذَا وَجَبَتْ لَهُ الْهِبَةُ بِالتَّزْوِيجِ قَبْلَ أَنْ يَتَدَايَنَ الْأَبُ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
ص (وَبَطَلَتْ إنْ تَأَخَّرَ لِدَيْنٍ مُحِيطٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْهِبَةَ تَبْطُلُ إذَا تَأَخَّرَ الْحَوْزُ حَتَّى أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِ الْوَاهِبِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ حَادِثًا بَعْدَ الْهِبَةِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ.
[تَنْبِيه بَعَثَ مَالًا يُشْتَرَى بِهِ ثَوْبًا لِزَوْجَتِهِ]
ص (أَوْ أَرْسَلَهَا)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (تَنْبِيهٌ) مَنْ
[ ٦ / ٥٦ ]
بَعَثَ مَالًا يَشْتَرِي بِهِ ثَوْبًا لِزَوْجَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَبْتِلْهُ لَهَا بِالْبَيِّنَةِ أَوْ يُشْهِدْ لَهَا فَهِيَ عِدَةٌ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الزَّكَاةِ الْأَوَّلِ.
[مَسْأَلَةٌ مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بَاقِيَ الصَّدَقَةِ مِنْ الْوَكِيلِ]
(مَسْأَلَةٌ) مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا لِوَكِيلِهِ لِيَدْفَعَهَا إلَيْهِ فَقَدِمَ عَلَى الْوَكِيلِ بِالْكِتَابِ وَدَفَعَ إلَيْهِ مِنْهَا خَمْسِينَ وَقَالَ: اذْهَبْ سَأَدْفَعُ إلَيْكَ الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ الْيَوْمَ أَوْ غَدًا فَمَاتَ الْمُتَصَدِّقُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ مِنْ الْوَكِيلِ، قَالَ: لَا شَيْءَ لَهُ مِنْهَا إذَا لَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ وَلَيْسَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ الْخَمْسِينَ الَّذِي قَبَضَ؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِمَنْزِلَتِهِ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ؛ لِأَنَّ يَدَ الْوَكِيلِ كَيَدِ مُوَكِّلِهِ.
ص (أَوْ بَاعَ وَاهِبٌ قَبْلَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ)
[ ٦ / ٥٧ ]
ش: صَوَابُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ لَا إنْ بَاعَ وَاهِبٌ حَتَّى يُوَافِقَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَحُكْمُ الصَّدَقَةِ كَالْهِبَةِ فَإِذَا بَاعَ الْمُتَصَدِّقُ مَا تَصَدَّقَ بِهِ قَبْلَ عِلْمِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ الصَّدَقَةُ وَيُخَيَّرُ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فِي نَقْضِ الْبَيْعِ وَإِجَازَتِهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فُضُولِيٌّ كَمَا أَنَّ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إذَا بَاعَ الْوَاهِبُ مَا وَهَبَهُ قَبْلَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَمْ تَبْطُلْ الْهِبَةُ وَيُخَيَّرُ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي رَدِّهِ وَإِجَازَتِهِ وَأَمَّا إنْ بَاعَ الْوَاهِبُ أَوْ الْمُتَصَدِّقُ بَعْدَ عِلْمِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ فَالْبَيْعُ مَاضٍ وَالثَّمَنُ لِلْمُعْطَى، رُوِيَتْ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَإِلَّا فَالثَّمَنُ لِلْمُعْطَى رُوِيَتْ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الصَّدَقَةِ وَفَرَضَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْهِبَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
[تَنْبِيه عَلِمَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْهِبَةِ وَلَمْ يُفَرِّطْ حَتَّى عَاجَلَهُ الْوَاهِبُ بِالْبَيْعِ]
(تَنْبِيهٌ) إذَا عَلِمَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْهِبَةِ وَلَمْ يُفَرِّطْ حَتَّى عَاجَلَهُ الْوَاهِبُ بِالْبَيْعِ فَلَهُ رَدُّهُ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ.
ص (وَلَا إنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَهُ إلَخْ)
ش:
[ ٦ / ٥٨ ]
يَعْنِي أَنَّ الرَّقَبَةَ الْمَوْهُوبَةَ إذَا رَجَعَتْ إلَى الْوَاهِبِ بَعْدَ أَنْ حَازَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَكَانَ رُجُوعُهَا إلَى الْوَاهِبِ عَنْ قُرْبٍ وَرُجُوعُهَا إلَى الْوَاهِبِ بِأَنْ يَكُونَ أَجَّرَهَا مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَيْ: اسْتَأْجَرَهَا مِنْهُ أَوْ بِأَنْ يَكُونَ الْوَاهِبُ أَرْفَقَ بِهَا، أَيْ: أَرْفَقَ الْمَوْهُوبَ الْوَاهِبُ بِالرَّقَبَةِ الْمَوْهُوبَةِ بَرِيدًا وَأَعْمَرَهُ إيَّاهَا فَإِنَّ ذَلِكَ كُلُّهُ يُبْطِلُ الْهِبَةَ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بِاتِّفَاقٍ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ إنَّ ذَلِكَ تَحْمِيلُ إسْقَاطِ الْحِيَازَةِ وَهَكَذَا صَرَّحَ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ بِالِاتِّفَاقِ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ سَنَةٍ يَعْنِي أَنَّ رُجُوعَ الرَّقَبَةِ الْمَوْهُوبَةِ إلَى الْوَاهِبِ بَعْدَ أَنْ حَازَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ سَنَةً لَا تَبْطُلُ الْهِبَةُ؛ لِأَنَّ السَّنَةَ طُولٌ وَقِيلَ الطُّولُ سَنَتَانِ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ مِنْ أَنَّهَا إذَا عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ الطُّولِ الَّذِي جَعَلَهُ سَنَةً لَا يُبْطِلُ الْهِبَةَ هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لَكِنْ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: إنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ، قَالَ: وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، انْتَهَى.
[تَنْبِيهٌ عَمَرَ الْوَاهِبُ الدَّارَ الْمَوْهُوبَةَ ثُمَّ أَرَادَ إبْطَالَ الْعُمْرَى وَقَبْضَ الدَّارِ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ سَهْلٍ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ: سَأَلَ ابْنُ دَحُونٍ الْقَاضِيَ ابْنَ زَرْبٍ عَمَّنْ وُهِبَتْ لَهُ دَارٌ ثُمَّ أَعْمَرَهَا الْوَاهِبُ بَعْدَ أَشْهُرٍ يَسِيرَةٍ لَا يَكُونُ مِثْلُهَا حِيَازَةً ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُبْطِلُ هِبَتَهُ فَأَرَادَ إبْطَالَ الْعُمْرَى وَقَبْضَ الدَّارِ فَأَطْرَقَ الْقَاضِي فِيهَا حِينًا ثُمَّ قَالَ: إنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ مِمَّنْ يُرَى أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْعُمْرَى إبْطَالُ الْهِبَةِ فَقَدْ لَزِمَهُ مَا صَنَعَ وَبَطَلَتْ هِبَتُهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُرَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْعُمْرَى إبْطَالٌ لِلْهِبَةِ فِي ذَلِكَ انْفَسَخَتْ الْعُمْرَى وَرَجَعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ إلَى الدَّارِ وَقَبَضَهَا مِنْ الْوَاهِبِ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مَحَلُّهُ مَا إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ يَحُوزُ لِنَفْسِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ آجَرَهَا أَوْ أَرْفَقَ بِهَا، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَأَمَّا إنْ كَانَ صَغِيرًا فَحَازَ عَلَيْهِ الْأَبُ أَوْ غَيْرُهُ ثُمَّ رَجَعَ الْأَبُ إلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَكْبُرَ وَيَحُوزَ لِنَفْسِهِ سَنَةً فَهِيَ بَاطِلَةٌ مُحَمَّدٌ. لَا يَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ أَنَّ الْكَبِيرَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ مَنْعُ الْأَبِ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ فَلَا يُعَدُّ رُجُوعُهُ رُجُوعًا فِي الْهِبَةِ، وَالصَّغِيرَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَيُعَدُّ رُجُوعُهُ رُجُوعًا فِي الْهِبَةِ، انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى بُطْلَانِهَا إذَا رَجَعَ إلَيْهَا الْوَاهِبُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَذَلِكَ إذَا سَكَنَهَا الْأَبُ وَحْدَهُ وَأَمَّا إنْ سَكَنَ فِيهَا مَعَ الْوَلَدِ فَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ أَيْضًا الْبُطْلَانُ وَحَكَى أَبُو مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِ الِاخْتِلَافِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَكَنَ بِحَضَانَةٍ لَهُمْ، انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) قَوْلُهُ أَوْ أَرْفَقَ بِهَا هُوَ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَهِبَةُ زَوْجَةٍ دَارَ سُكْنَاهَا لِزَوْجِهَا لَا الْعَكْسُ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ سَهْلٍ: خَاضَ أَهْلُ
[ ٦ / ٥٩ ]
مَجْلِسِ ابْنِ زَرْبٍ فِي صِحَّةِ حَوْزِ الزَّوْجَةِ دَارًا تَصَدَّقَ بِهَا زَوْجُهَا عَلَيْهَا لِسُكْنَاهَا مَعَهُ، قَالَ جُلُّهُمْ: حَوْزٌ وَأَنْكَرَهُ ابْنُ زَرْبٍ لِسُكْنَى الزَّوْجِ قَالُوا فَمَا تَقُولُ، قَالَ: هِيَ مُشْتَبِهَةٌ وَتَوَقَّفَ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: فِيهِ دَلِيلُ عَدَمِ الِاجْتِهَادِ لِعُزُوبِ هَذِهِ عِنْدَهُمْ مَعَ نَصِّهَا فِي سَمَاعِ عِيسَى فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُغْفَلَ عَنْ دَرْسِ الْمَسَائِلِ فَآفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عُمَرَ الْإِشْبِيلِيِّ أَنَّهُ لَا يَبْقَى مَعَ الْحَافِظِ آخِرَ عُمْرِهِ إلَّا مَعْرِفَةُ مَوْضِعِ الْمَسَائِلِ وَمَا هِيَ بِمَنْزِلَةٍ كَبِيرَةٍ لِمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ فِي الْعِلْمِ وَلَمْ يَكُنْ كَمَا ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ مَنْ اتَّسَمَ بِالْفُتْيَا أَنَّهُ طَلَبَ بَابَ الْحَضَانَةِ فِي بَابِ طَلَاقِ السُّنَّةِ فَلَمْ يَجِدْهُ فَرَمَى بِالْكِتَابِ فِي مِحْرَابِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي وَقْتِنَا، انْتَهَى. وَقَالَ قَبْلَهُ عَنْ ابْنِ سَهْلٍ: لَوْ تَرَكْت الدَّرْسَ عَامَيْنِ لَنَسِيت مَا هُوَ أَظْهَرُ مِنْ هَذَا يُشِيرُ إلَى مَسْأَلَةٍ ذَكَرَهَا، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ اُبْتُلِيَ بِالْفَتْوَى أَنْ لَا يَتْرُكَ خَتْمَ التَّهْذِيبِ مَرَّةً فِي الْعَامِ وَكَذَا كُنْتُ أَفْهَمُ مِمَّا ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا وَذَكَرَ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ فِي تَرْجَمَةِ الْوَانُّوغِيِّ عَنْ الْوَانُّوغِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ كَانَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَقُولُ مَنْ لَا يَخْتِمُ الْمُدَوَّنَةَ فِي كُلِّ سَنَةٍ لَا يَحِلُّ لَهُ الْفَتْوَى مِنْهَا، انْتَهَى.
ص (إلَّا مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَلَوْ خَتَمَ)
ش: هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَةُ الْمِصْرِيِّينَ عَنْهُ، قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَبِهِ الْحُكْمُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ فِي الْإِرْشَادِ وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: إنَّهُ الْأَصَحُّ وَقَالَ الشَّيْخُ دَاوُد فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ ذَكَرَهُ فِي نَوَازِلِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْهِبَاتِ وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي: إنَّهُ الْأَظْهَرُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْأَجْوِبَةِ فِي مَسَائِلِ الْهِبَاتِ وَالصَّدَقَةِ بِالْعَيْنِ عَلَى الصَّغِيرِ: لَا تَصِحُّ إلَّا أَنْ يُخْرِجَهَا الْمُتَصَدِّقُ مِنْ مَالِهِ وَيَضَعَهَا عَلَى يَدِ مَنْ يَحُوزُهَا لَهُ بِمُعَايَنَةِ الشُّهُودِ لِذَلِكَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا إقْرَارُ الْأَبِ أَنَّ الْأُمَّ تَصَدَّقَتْ عَلَى ابْنَتِهَا بِمِائَةِ
[ ٦ / ٦٠ ]
دِينَارٍ وَتَسَلَّفَهَا الْأَبُ مِنْهَا وَتَصْدِيقُ الْأُمِّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ اُتُّهِمَ الْأَبُ فِي أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ يُولِجَ إلَيْهَا ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا بِمُعَايَنَةِ الشُّهُودِ عَلَى الصَّدَقَةِ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى الْأَبِ لِيَحُوزَهُ لِلِابْنَةِ عَنْ الْأُمِّ، انْتَهَى. وَأَمَّا لَوْ دَفَعَتْهَا لِغَيْرِ الْأَبِ فَإِنَّهُ يَكُونُ شَاهِدًا.
ص (وَجَازَتْ الْعُمْرَى كَأَعْمَرْتُك)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْعُمْرَى تَمْلِيكُ مَنْفَعَةِ حَيَاةِ الْمُعْطَى بِغَيْرِ عِوَضٍ إنْشَاءً فَيَخْرُجُ الْحُكْمُ بِاسْتِحْقَاقِهَا وَيَصْدُقُ عَلَيْهَا قَبْلَ حَوْزِهَا؛ لِأَنَّهُ قَبِلَهُ عُمْرَى وَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَنْوَاعِ وَحُكْمُهَا النَّدْبُ لِذَاتِهَا وَيَتَعَذَّرُ وُجُوبُ عُرُوضِهَا لَا كَرَاهَتِهَا أَوْ تَحْرِيمِهَا الصِّيغَةُ الْبَاجِيُّ مَا دَلَّ عَلَى هِبَةِ الْمَنْفَعَةِ دُونَ الرَّقَبَةِ كَأَسْكَنْتُك هَذِهِ الدَّارَ عُمْرَك أَوْ وَهَبْتُك سُكْنَاهَا عُمْرَك، انْتَهَى. قَالَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْهِبَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ قَدْ أَعْمَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ حَيَاتَك أَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّابَّةُ أَوْ هَذَا الْعَبْدُ جَازَ ذَلِكَ وَتَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ قَالَ دَارِي هَذِهِ لَكَ صَدَقَةُ سُكْنَى فَإِنَّمَا لَهُ السُّكْنَى دُونَ رَقَبَتِهَا وَإِنْ قَالَ لَهُ: قَدْ أَسْكَنْتُك هَذِهِ الدَّارَ وَعَقِبَك مِنْ بَعْدَك أَوْ قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ لَكَ وَلِعَقِبِك سُكْنَى فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ مِلْكًا بَعْدَ انْقِرَاضِهِمْ فَإِنْ مَاتَ فَإِلَى أَوْلَى النَّاسِ بِهِ يَوْمَ مَاتَ أَوْ إلَى وَرَثَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ هُمْ وَرَثَتُهُ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: مَنْ قِيلَ لَهُ هِيَ لَكَ صَدَقَةُ سُكْنَى فَلَيْسَ لَهُ إلَّا سُكْنَاهَا دُونَ رَقَبَتِهَا، مُحَمَّدٌ. حَيَاتَهُ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) إذَا قَالَ: أَعْمَرْتُكَ وَلَمْ يَقُلْ حَيَاتَك أَوْ حَيَاتِي وَلَمْ يَضْرِبْ لَهَا أَجَلًا فَهِيَ عُمْرَى وَكَذَلِكَ أَسْكَنْتُك، قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي أَوَاخِرِ الْعَارِيَّةِ، فَصْلُ، وَقَدْ أَتَتْ هِبَاتٌ مُتَقَارِبَةُ اللَّفْظِ مُخْتَلِفَةُ الْأَحْكَامِ حُمِلَ بَعْضُهَا عَلَى هِبَةِ الرِّقَابِ وَبَعْضُهَا عَلَى هِبَةِ الْمَنَافِعِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ كَسَوْتُك هَذَا الثَّوْبَ وَأَخْدَمْتُك هَذَا الْعَبْدَ وَحَمَلْتُك عَلَى هَذَا الْبَعِيرِ وَأَسْكَنْتُك هَذِهِ الدَّارَ وَأَعْمَرْتُكَ فَحُمِلَ قَوْلُهُ أَعْمَرْتُكَ وَأَسْكَنْتُك وَأَخْدَمْتُك عَلَى أَنَّهَا هِبَةُ مَنَافِعِ حَيَاةِ الْمُخْدَمِ وَالْمُسْكَنِ وَالْمُعَمَّرِ وَقَوْلُهُ كَسَوْتُك هَذَا
[ ٦ / ٦١ ]
الثَّوْبَ أَوْ حَمَلْتُك عَلَى هَذَا الْبَعِيرِ أَوْ الْفَرَسِ عَلَى هِبَةِ الرِّقَابِ ثُمَّ قَالَ: وَالْعُمْرَى ثَلَاثَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِأَجَلٍ أَوْ حَيَاةِ الْمُعَمَّرِ وَمُطْلَقَةٌ وَمُعْقَبَةٌ فَإِنْ كَانَتْ مُقَيَّدَةٌ بِأَجَلٍ فَقَالَ: أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ سَنَةً أَوْ عَشْرًا أَوْ حَيَاتِي أَوْ حَيَاتَك كَانَتْ عَلَى مَا أَعْطَى وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يُقَيِّدْ كَانَ مَحْمَلُهُ عَلَى عُمُرِ الْمُعْطِي حَتَّى يَقُولَ عُمُرِي أَوْ حَيَاتِي وَإِنْ عَقَّبَهَا فَقَالَ: أَعْمَرْتُكَهَا أَنْتَ وَعَقِبَك لَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْقَرِضَ الْعَقِبُ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي الْقَوَانِينَ: الْعُمْرَى جَائِزَةٌ إجْمَاعًا وَهِيَ أَنْ يَقُولَ أَعْمَرْتُكَ دَارِي وَضَيْعَتِي أَوْ أَسْكَنْتُك أَوْ وَهَبْت لَكَ سُكْنَاهَا أَوْ اسْتِغْلَالَهَا فَهُوَ قَدْ وَهَبَ لَهُ مَنْفَعَتَهَا فَيَنْتَفِعُ بِهَا حَيَاتَهُ فَإِذَا مَاتَ رَجَعَتْ إلَى رَبِّهَا وَإِنْ قَالَ: لَك وَلِعَقِبِك فَإِذَا انْقَرَضَ عَقِبُهُ رَجَعَتْ إلَى رَبِّهَا أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ، انْتَهَى. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ قَبْلَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَإِنْ قَالَ أَذِنْت لَكَ أَنْ تَسْكُنَ دَارِي أَوْ تَزْرَعَ أَرْضِي أَوْ تَرْكَبَ دَابَّتِي أَوْ تَلْبِسَ ثَوْبِي كَانَ عَارِيَّةً وَتَجْرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْعَارِيَّةِ إذَا ضَرَبَ لَهَا أَجَلًا أَوْ لَمْ يَضْرِبْ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ: الْمُخْدِمُ ذُو رِقٍّ وَهَبَ مَالِكٌ خِدْمَتِهِ إيَّاهَا لِغَيْرِهِ فَيَدْخُلُ الْمُدَبَّرُ وَالْجُزْءُ مِنْ الْعَبْدِ لَا الْمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَهُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْعَارِيَّةِ إنْ لَمْ يُخْرِجْ رَبُّهُ عَنْ مِلْكِ رَقَبَتِهِ بِعِتْقٍ أَوْ مِلْكٍ ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى نَفَقَتِهِ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْخِدْمَةِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ وَهَبَ خِدْمَةَ عَبْدِهِ لِرَجُلٍ وَلَمْ يُوَقِّتْ فَأَمَّا فِي الْوَصِيَّةِ فَلَهُ خِدْمَةُ الْعَبْدِ حَيَاةَ الْمُخْدَمِ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِخِدْمَتِهِ وَلَمْ يَتْرُكْهَا لِوَرَثَتِهِ وَأَمَّا فِي الصِّحَّةِ فَأَسْأَلُهُ وَأُصَدِّقُهُ فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَلَا شَيْءَ لِلْمُخْدَمِ فِيهِ، قَالَ أَصْبَغُ: لَهُ خِدْمَتُهُ حَيَاةَ الْمُخْدَمِ، قَالَ مُحَمَّدٌ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ بِخِلَافِ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: وَهَبْت لَكَ خِدْمَةَ عَبْدِي أَوْ أَخْدَمْتُكَ عَبْدِي وَمَسْأَلَتُك إنَّمَا هِيَ أَخْدِمُ فُلَانًا، انْتَهَى.
[فَرْعٌ أَعْمَرَتْ أَبَوَيْهَا دَارًا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَقَامَتْ الْمُعَمِّرَةُ تَطْلُبُ نِصْفَ الدَّارِ]
(فَرْعٌ) سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَمَّنْ أَعْمَرَتْ أَبَوَيْهَا دَارًا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَقَامَتْ الْمُعَمِّرَةُ تَطْلُبُ نِصْفَ الدَّارِ وَهَلْ الْأَبَوَانِ وَالْأَجْنَبِيَّانِ سَوَاءٌ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ إذَا كَانَتْ الْمُعَمِّرَةُ حَيَّةٌ فَهِيَ مُصَدَّقَةٌ فِيمَا تَزْعُمُ مِنْ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهَا حَظُّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا لَا إلَى صَاحِبِهِ وَإِنْ ادَّعَى الْبَاقِي مِنْهُمَا أَنَّهَا نَصَّتْ عَلَى أَنَّ الدَّارَ تَبْقَى لِلْآخَرِ مِنْهُمَا لَزِمَتْهَا الْيَمِينُ وَلَوْ مَاتَتْ وَلَمْ يَدْرِ مَا أَرَادَتْ لِتُخْرِجَ ذَلِكَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الَّذِي يُحْبَسُ عَلَى مُعَيَّنِينَ فَيَمُوتُ بَعْضُهُمْ هَلْ يَرْجِعُ إلَى الْمُحْبَسِ أَوْ إلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ حَتَّى يَمُوتُوا كُلُّهُمْ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، انْتَهَى.
مِنْ مَسَائِلِ الْعُمْرَى وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي أَحْكَامِهِ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ فِيمَنْ حَبَسَ دَارًا أَوْ حَائِطًا عَلَى قَوْمٍ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ فَإِنَّ مَا كَانَ لِلْمَيِّتِ مِنْ ذَلِكَ يَرْجِعُ عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَحْبَاسِ مِنْ غَلَّةٍ أَوْ سُكْنَى أَوْ خِدْمَةٍ أَوْ دَنَانِيرَ مُحْبَسَةٍ كَانَ مَرْجِعُ ذَلِكَ الْحَبْسِ إلَى صَاحِبِ ذَلِكَ الْأَصْلِ أَوْ إلَى غَيْرِهِ أَوْ إلَى السَّبِيلِ أَوْ إلَى الْحُرِّيَّةِ وَهَذَا إذَا كَانَ مُشَاعًا فَأَمَّا إنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَوْمٌ عَلَى حِدَةٍ أَوْ كَيْلٌ مُسَمًّى أَوْ سُكْنَى مَعْرُوفٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَيَّامٍ بِعَيْنِهَا أَوْ سُكْنَى بِعَيْنِهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَمَّاهُ فَهَذَا مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ يَرْجِعُ نَصِيبُهُ إلَى صَاحِبِ الْحَبْسِ إنْ جُعِلَ مَرْجِعُ الْحَبْسِ إلَيْهِ أَوْ إلَى مَنْ جُعِلَ مَرْجِعُهُ إلَيْهِ، قَالَهُ كُلُّهُ مَالِكٌ وَقَدْ قَالَ أَيْضًا خِلَافَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ حَبْسًا عَلَيْهِمْ مُشَاعًا اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِيمَنْ نَحَلَ ابْنَهُ عِنْدَ عَقْدِ نِكَاحِهِ ثُلُثَ مُسْتَغَلِّ أَمْلَاكِهِ حَيْثُمَا كَانَتْ وَلَمْ يَذْكُرْ حَيَاةَ النَّاحِلِ وَلَا الْمَنْحُولِ لَهُ ثُمَّ تُوُفِّيَ النَّاحِلُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَعْوَامٍ وَكَانَ الْمَنْحُولُ لَهُ يَسْتَغِلُّهَا فَقَامَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ وَقَالُوا لَيْسَ لَكَ بَعْدَ حَيَاةِ أَبِيكَ شَيْءٌ وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لِي حَيَاتِي فَأَجَابَ: الَّذِي أَقُولُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لِلْمَنْحُولِ ثُلُثَ غَلَّةِ الْأَمْلَاكِ مَا بَقِيَتْ وَكَانَ لَهَا غَلَّتُهُ طُولَ حَيَاتِهِ وَلِوَرَثَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ فِيمَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ خِدْمَةَ عَبْدِهِ وَلَمْ يَقُلْ حَيَاةَ الْمُخْدَمِ وَلَا حَيَاةَ الْعَبْدِ أَنَّ لِوَرَثَةِ الْمُخْدَمِ خِدْمَةَ هَذَا الْعَبْدِ مَا بَقِيَ إلَّا أَنْ يُسْتَدَلَّ مِنْ مَقَالِهِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ حَيَاةَ الْمُخْدَمِ وَيَأْتِي عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ
[ ٦ / ٦٢ ]
أَنَّهُ إنَّمَا لِلْمُخْدَمِ خِدْمَةُ الْعَبْدِ حَيَاةَ الْمُخْدَمِ لَا حَيَاةَ الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ لِلْمَنْحُولِ فِي مَسْأَلَتِك ثُلُثُ غَلَّةِ الْأَمْلَاكِ مَا دَامَ حَيًّا وَأَمَّا أَنْ يَسْقُطَ حَقُّهُ بِمَوْتِ النَّاحِلِ فَذَلِكَ مَا لَا يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ قَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى. مِنْ بَابِ النِّحْلَةِ وَالسِّيَاقَةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ.
ص (وَلِلْأَبِ اعْتِصَارُهَا مِنْ وَلَدِهِ)
ش: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَى الِاعْتِصَارِ الْحَبْسُ وَالْمَنْعُ وَقِيلَ الِارْتِجَاعُ، قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَكِلَاهُمَا فِي ارْتِجَاعِ الْهِبَةِ صَحِيحٌ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالِاعْتِصَارُ ارْتِجَاعُ الْمُعْطِي عَطِيَّتَهُ دُونَ عِوَضٍ لَا بِطَوْعِ الْمُعْطَى الصِّيغَةُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظًا وَفِي لَغْوِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ الْتِزَامًا نَقْلًا ابْنُ عَاتٍ عَنْ بَعْض فُقَهَاءِ الشُّورَى وَابْنِ وَرْدٍ، قَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشُّورَى: مَنْ شَرَطَ فِي هِبَةِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ الِاعْتِصَارَ ثُمَّ بَاعَهَا بِاسْمِ نَفْسِهِ وَمَاتَ فَقِيمَتُهَا لِابْنِهِ فِي مَالِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ اعْتِصَارًا إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَ بَيْعِهِ أَوْ قَبْلَهُ أَنَّ بَيْعَهُ اعْتِصَارٌ وَلَا يَجُوزُ اعْتِصَارُهَا بَعْدَ بَيْعِهَا وَلَا يَكُونُ اعْتِصَارُهَا إلَّا بِالْإِشْهَادِ وَفِي الِاسْتِغْنَاءِ رَأَيْت لِابْنِ وَرْدٍ مَا ظَاهِرُهُ خِلَافُ هَذَا.
قَالَ: إنْ بَاعَ الْأَبُ مَالَ ابْنِهِ وَنَسَبَهُ لِنَفْسِهِ وَأَفْصَحَ بِذَلِكَ وَالْمَبِيعُ لَمْ يَصِرْ لِلِابْنِ إلَّا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ بِهِبَةٍ يَجُوزُ اعْتِصَارُهَا فَيُخْتَلَفُ فِي ذَلِكَ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ بَيْعُ عَدَاءٍ يَتَعَقَّبُهُ حُكْمُ الِاسْتِحْقَاقِ (قُلْتُ) بِالْأَوَّلِ أَفْتَى ابْنُ الْحَاجِّ فِي نَوَازِلِهِ، انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي اللُّبَابِ الصِّيغَةُ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ نَحْوُ اعْتَصَرْت وَرَدَدْت ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنَّ بَيْعَهُ لَا يَكُونُ اعْتِصَارًا، قَالَ: وَلَا يَجُوزُ اعْتِصَارُهَا بَعْدَ الْبَيْعِ وَالثَّمَنُ لِلْوَلَدِ وَلَا يَكُونُ اعْتِصَارُ الْأَبَوَيْنِ إلَّا بِالْإِشْهَادِ، انْتَهَى.
اُنْظُرْ الْبُرْزُلِيَّ فِي مَسَائِلِ الْهِبَةِ فَقَدْ أَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) تَكَلَّمَ فِي أَوَائِلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ عَلَى حُكْمِ مَا إذَا بَاعَ الْأَبُ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى وَلَدِهِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ مِنْهُ: فَإِذَا وَهَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ اقْتَضَاهُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ كَمَا قَالَ بِمَنْزِلَةِ الْعَرْضِ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِ ثُمَّ يَبِيعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الثَّمَنَ يَكُونُ لِلِابْنِ فِي مَالِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ؛ لِأَنَّ تَنْصِيصَ الْعَرْضِ الْمُتَصَدَّقِ بِهِ بِالْبَيْعِ كَقَبْضِ الدَّيْنِ وَسَوَاءٌ بَاعَ الْعَرْضَ لِابْنِهِ بِاسْمِهِ أَوْ جَهِلَ ذَلِكَ فَلَمْ يُعْلَمْ إنْ كَانَ بَاعَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِابْنِهِ.
وَأَمَّا إنْ بَاعَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ نَصًّا عَلَى سَبِيلِ الرُّجُوعِ فِيهَا وَإِلَّا كُلٌّ لَهَا فَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ وَالصَّدَقَةُ جَائِزَةٌ وَيَتْبَعُ الْمُشْتَرِي الْأَبَ بِالثَّمَنِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ وَجَدَهُ أَوْ لَمْ يَجِدْهُ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ كَانَتْ حِيزَتْ لِلِابْنِ وَلَوْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ دَارًا يَسْكُنُهَا الْأَبُ فَبَاعَهَا قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ عَنْهَا لِنَفْسِهِ اسْتِرْجَاعًا لِصَدَقَتِهِ وَاسْتِخْلَاصًا لِنَفْسِهِ بَطَلَ الْبَيْعُ إنْ عَثَرَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَمَضَتْ الصَّدَقَةُ لِلِابْنِ وَإِنْ لَمْ يَعْثُرْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ الْأَبُ بَطَلَتْ الصَّدَقَةُ وَلَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ فِيهَا حَقٌّ وَلَا فِي الثَّمَنِ وَصَحَّ الْبَيْعُ لِلْمُشْتَرِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى. وَانْظُرْ الْمُتَيْطِيَّةَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ وَقَالَ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ: وَمَنْ وَهَبَ عَبْدًا لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبُو الْوَلَدِ مُوسِرًا فَيُعْطِي الْوَلَدَ قِيمَةَ الْعَبْدِ وَيَنْفُذُ الْعِتْقُ وَإِلَّا فَلَا وَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ رُجُوعٌ فِيمَا وَهَبَ مِنْ الْعَبْدِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَهَذَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ فِيهِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ.
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: وَإِذَا تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ بِعَبْدٍ فَأَعْتَقَهُ وَعَوَّضَهُ غَيْرُهُ مِثْلَهُ أَوْ أَدْنَى جَازَ إنْ كَانَ فِي وِلَايَتِهِ لِشُبْهَةِ الْوَلَاءِ وَشُبْهَتِهِ فِي مَالِهِ فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا امْتَنَعَ وَيَمْتَنِعُ ذَلِكَ مِنْ الْوَصِيِّ لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ بِالْمَالِ، انْتَهَى.
وَسُئِلْت عَنْ رَجُلٍ مَلَّكَ وَلَدَهُ بِئْرًا أَوْ أَرْضًا ثُمَّ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ أَوْقَفَ جَمِيعَ أَمْلَاكِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَدْخَلَ فِي ذَلِكَ الْأَرْضَ وَالْبِئْرَ الَّتِي أَوْقَفَهَا عَلَى وَلَدِهِ أَوَّلًا فَأَجَبْت بِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْوَلَدُ كَبِيرًا وَحَازَ مَا مَلَّكَهُ أَبُوهُ أَوْ صَغِيرًا وَأَشْهَدَ أَبُوهُ أَنَّهُ حَازَ لَهُ فَالتَّمْلِيكُ صَحِيحٌ وَلَا يُبْطِلُهُ الْوَقْفُ الَّذِي بَعْدَهُ إلَّا أَنْ يُشْهِدَ الْأَبُ أَنَّهُ رَجَعَ فِيمَا مَلَّكَهُ لِوَلَدِهِ قَبْلَ الْوَقْفِيَّةِ إنْ كَانَ الْوَلَدُ كَبِيرًا وَلَمْ يَحُزْ أَوْ صَغِيرًا وَلَمْ يَحُزْ الْأَبُ لَهُ حَتَّى أَوْقَفَهُ فَالْوَقْفُ صَحِيحٌ وَالتَّمْلِيكُ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِهِ حَاكِمٌ لَا
[ ٦ / ٦٣ ]
يَشْتَرِطُ الْحِيَازَةَ وَهُوَ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ أَنَّ الِاعْتِصَارَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْقَوْلِ وَلَا يَكُونُ بِالْعِتْقِ وَبِذَلِكَ أَفْتَى الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ الْمَالِكِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَأُمٍّ وَهَبَتْ ذَا أَبٍ) ش يَعْنِي أَنَّ الْأُمَّ إذَا وَهَبَتْ لِوَلَدِهَا فَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ فَلَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ فَلَا تَعْتَصِرُ مِنْهُ وَهَذَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا وَأَمَّا إنْ كَانَ كَبِيرًا فَلَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ مِنْهُ كَانَ لَهُ أَبٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلِلْأُمِّ أَنْ تَعْتَصِرَ مَا وَهَبَتْ أَوْ نَحَلَتْ لِوَلَدِهَا الصَّغِيرِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ أَوْ وَلَدِهَا الْكَبِيرِ إلَّا أَنْ يَنْكِحَا أَوْ يَتَدَايَنَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّغِيرِ أَبٌ حِينَ وَهَبَتْهُ أَوْ نَحَلَتْهُ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ؛ لِأَنَّهُ يَتِيمٌ وَلَا يُعْتَصَرُ مِنْ الْيَتِيمِ وَيُعَدُّ كَالصَّدَقَةِ.
وَإِنْ وَهَبَتْهُمْ وَهُمْ صِغَارٌ لَا أَبَ لَهُمْ ثُمَّ بَلَغُوا وَلَمْ يُحْدِثُوا فِي الْهِبَةِ شَيْئًا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَعْتَصِرَ؛ لِأَنَّهَا وَهَبَتْ فِي حَالِ الْيُتْمِ وَإِنْ وَهَبَتْهُمْ وَهُمْ صِغَارٌ وَالْأَبُ مَجْنُونٌ جُنُونًا مُطْبِقًا فَهُوَ كَالصَّحِيحِ فِي وُجُوبِ الِاعْتِصَارِ لَهَا، انْتَهَى. وَإِلَى هَذَا الْأَخِيرِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ مَجْنُونًا
ص (إنْ لَمْ يَفُتْ بِحَوَالَةِ سُوقٍ)
[ ٦ / ٦٤ ]
ش، قَالَ الشَّارِحُ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْهِبَةَ يَفُوتُ اعْتِصَارُهَا بِحَوَالَةِ السُّوقِ وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْبَاجِيُّ عَنْ مُطَرِّفٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَأَصْبَغَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُفِيتٍ ابْنُ رَاشِدٍ وَلَا خِلَافَ فِيهِ، انْتَهَى. (قُلْتُ) حَكَى فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ قَوْلَيْنِ فِي فَوَاتِ الِاعْتِصَارِ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُصَنِّفُ اعْتَمَدَ الْقَوْلَ بِالْإِفَاتَةِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَكُرِهَ تَمْلِيكُ صَدَقَةٍ بِغَيْرِ مِيرَاثٍ)
ش: يُرِيدُ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّمْلِيكِ إلَّا بِإِرْثٍ وَإِنْ تَدَاوَلَتْهَا الْأَمْلَاكُ وَلَا يَشْتَرِيهَا مِنْ فَقِيرٍ، وَاحْتُرِزَ بِالصَّدَقَةِ مِنْ الْهِبَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (وَلَا يَرْكَبُهَا أَوْ يَأْكُلُ غَلَّتَهَا)
ش: اُنْظُرْ هَلْ النَّهْيُ عَلَى الْمَنْعِ أَوْ الْكَرَاهَةِ، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ، قَالَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ: وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ بِصَدَقَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرَتِهَا وَلَا يَرْكَبَهَا إنْ كَانَتْ دَابَّةً وَلَا يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنْهَا، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَلَا يَأْكُلُ مِنْ ثَمَرَتِهَا وَلَا يَرْكَبُهَا يَعْنِي إذَا تَصَدَّقَ بِحَائِطٍ فَلَا يَأْكُلُ ثَمَرَتَهُ وَإِذَا تَصَدَّقَ بِدَابَّةٍ فَلَا يَنْتَفِعُ بِرُكُوبِهَا وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ أَشْهَرُهُمَا الْجَوَازُ لِحَدِيثِ الْعَرَايَا وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ خَلِيلٌ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) إنْ حُمِلَ الْجَوَازُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُبَاحُ فَهُوَ مُشْكِلٌ كَمَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ لَا أَقَلَّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَلَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ الْعَرَايَا؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ شِرَاءِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ لِلضَّرُورَةِ وَإِنْ أُرِيدَ بِالْجَوَازِ مَا يَعُمُّ الْمَكْرُوهَ فَلَا إشْكَالَ وَكَانَ مُقَابِلُهُ أَعْنِي قَوْلَ عَبْدِ الْمَلِكِ يَقُولُ بِالْمَنْعِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ لَفْظِهِ (تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ وَلَا يَأْكُلُ مِنْ ثَمَرَتِهَا ظَاهِرُهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا مُطْلَقًا وَفِي الرِّسَالَةِ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ
[ ٦ / ٦٥ ]
لَبَنِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُهُ خِلَافُ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْمَعُونَةِ إلَّا أَنْ يَشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ يَسِيرًا أَوْ يَرْكَبَ الْفَرَسَ الَّذِي جَعَلَهُ فِي السَّبِيلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَقِلُّ خَطَرُهُ وَقِيلَ مَعْنَى مَا فِي الرِّسَالَةِ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا ثَمَنَ لَهُ وَقِيلَ مَحْمَلُ مَا فِي الرِّسَالَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَقَدْ تَقَدَّمَ، انْتَهَى.
يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ غَنَمٍ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى ابْنِهِ وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا وَيَكْتَسِيَ فِي صُوفِهَا إذَا رَضِيَ الْوَلَدُ وَكَذَلِكَ الْأُمُّ مُحَمَّدٌ. وَهَذَا فِي الْوَلَدِ الْكَبِيرِ وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَلَا يَفْعَلُ، قَالَهُ مَالِكٌ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَهَلْ إلَّا أَنْ يَرْضَى الِابْنُ الْكَبِيرُ بِشُرْبِ اللَّبَنِ تَأْوِيلَانِ إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَخْصِيصُهُ بِاللَّبَنِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ غَيْرُ خَاصٍ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَجَازَ شَرْطُ الثَّوَابِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْهِبَةَ تَجُوزُ بِشَرْطِ الثَّوَابِ وَسَوَاءٌ عَيَّنَّ الْوَاهِبُ الثَّوَابَ الَّذِي يُرِيدُ أَمْ لَا أَمَّا إذَا عَيَّنَّهُ فَقَالُوا إنَّهَا جَائِزَةٌ وَهِيَ حِينَئِذٍ مِنْ الْبُيُوعِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: كَمَا لَوْ قَالَ: أَهَبُهَا لَكَ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَيَشْتَرِطُ فِي ذَلِكَ شُرُوطَ الْبَيْعِ، انْتَهَى. وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَأَمَّا إنْ شَرَطَ الْوَاهِبُ الثَّوَابَ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ فَأَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَهُ أَصْبَغُ وَمَنَعَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ؛ لِأَنَّهُ كَبَيْعِ سِلْعَةٍ بِقِيمَتِهَا الْبَاجِيُّ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَهِبَةُ الثَّوَابِ عَطِيَّةٌ قُصِدَ بِهَا عِوَضٌ مَالِيٌّ وَفِي شَرْطِهَا بِغَيْرِ لَفْظِ الْبَيْعِ قَوْلَانِ ذُكِرَا فِي فَصْلِ شَرْطِ الْعِوَضِ فِيهَا، انْتَهَى.
(قُلْتُ) كَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْتُهَا قَوْلَانِ ذُكِرَا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ حَقَّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ قَوْلَانِ يُذْكَرَانِ فَإِنَّ فَصْلَ الْعِوَضِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ كَلَامِهِ هَذَا وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي كَلَامِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهُ فِي مَظَانِّهِ مِنْ الْبُيُوعِ وَغَيْرِهَا قَوْلَهُ فِي فَصْلِ شَرْطِ الْعِوَضِ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْهِبَةِ وَفِي تَرْجَمَةِ بَيْعِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُنْتَقَى لَوْ قَالَ: بِعْتُك السِّلْعَةَ بِمَا شِئْت ثُمَّ سَخَطَ مَا أَعْطَاهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ لَزِمَهُ مُحَمَّدٌ. مَعْنَاهُ إنْ فَاتَتْ فَحَمَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى الْمُكَارَمَةِ كَهِبَةِ الثَّوَابِ وَاعْتَبَرَ مُحَمَّدٌ لَفْظَ الْبَيْعِ، انْتَهَى.
ص (وَلَزِمَ بِتَعْيِينِهِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ
[ ٦ / ٦٦ ]
إذَا عَيَّنَ الثَّوَابَ لَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ لِلْوَاهِبِ وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَلَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ الْوَاهِبُ، قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِتَعْيِينِهِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ شَاسٍ وَقَالَ بَعْدَهُ: هَذَا ضَرُورِيُّ كَتَبَ عَقْدَ الْخِيَارِ، انْتَهَى.
ص (فِي غَيْرِ الْمَسْكُوكِ)
ش: أَيْ: فَلَا ثَوَابَ فِيهِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ رَأَى أَنَّهُ وَهَبَهُ لِلثَّوَابِ إلَّا بِشَرْطٍ وَثَوَابُهُ عَرْضٌ أَوْ طَعَامٌ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَمِثْلُ الْمَسْكُوكِ السَّبَائِكُ وَالْحُلِيُّ وَالْمُكَسَّرُ عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِ الْحُلِيِّ عَلَى الْأَصَحِّ.
ص (وَهِبَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ)
ش: وَكَذَا الْأَبُ وَوَلَدُهُ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إلَّا أَنْ يَظْهَرَ ابْتِغَاءُ الثَّوَابِ بَيْنَهُمْ، انْتَهَى. فَمَسْأَلَةُ الزَّوْجَيْنِ وَالْأَقَارِبِ لَيْسَتْ كَمَسْأَلَةِ الْمَسْكُوكِ وَمَسْأَلَةِ السَّبَائِكِ وَالْحُلِيِّ فَإِنَّهُ لَا ثَوَابَ فِيهِمَا وَلَوْ فُهِمَ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الزَّوْجَيْنِ فَإِنَّهُ إذَا دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى إرَادَةِ الثَّوَابِ حُكِمَ بِهِ فَهِيَ إنَّمَا تُخَالِفُ هِبَةَ الثَّوَابِ بَيْنَ الْأَجَانِبِ فِي كَوْنِهَا لَا يُحْكَمُ فِيهَا بِالثَّوَابِ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَهِبَةُ الْأَجَانِبِ يُحْكَمُ فِيهَا بِالثَّوَابِ إلَّا إذَا قَامَتْ الْقَرِينَةُ عَلَى عَدَمِ الثَّوَابِ.
ص (وَلِقَادِمٍ)
ش: أَطْلَقَ فِيهِ - ﵀ - وَهُوَ مُقَيَّدٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا بِمَا يُهْدَى لَهُ مِنْ الطَّعَامِ وَالْفَاكِهَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مسالة هِبَةِ الطَّعَامِ لِلثَّوَابِ]
(مَسْأَلَةٌ) فِي حُكْمِ هِبَةِ الطَّعَامِ لِلثَّوَابِ، قَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي آخِرِ فَصْلِ آدَابِ الْأَكْلِ: وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ هَذِهِ الْعَادَةِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي أُحْدِثَتْ وَهِيَ أَنْ يَهْدِيَ أَحَدُ الْأَقَارِبِ أَوْ الْجِيرَانِ طَعَامًا فَلَا يُمْكِنُ الْمُهْدَى إلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْوِعَاءَ فَارِغًا حَتَّى يَرُدَّهُ بِطَعَامٍ وَكَذَلِكَ الْمُهْدِي إنْ رَجَعَ إلَيْهِ الْوِعَاءُ فَارِغًا وَجَدَ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ وَكَانَ سَبَبًا لِتَرْكِ الْمُهَادَاةِ بَيْنَهُمَا وَلِسَانُ الْعِلْمِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ غَيْرَ يَدٍ لِيَدٍ وَيَدْخُلُهُ أَيْضًا بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مُتَفَاضِلًا وَيَدْخُلُهُ الْجَهَالَةُ (فَإِنْ قِيلَ) لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْبِيَاعَاتِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْهَدَايَا وَقَدْ سُومِحَ فِيهَا (فَالْجَوَابُ) هُوَ مُسَلَّمٌ لَوْ مَشَوْا فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى الْهَدَايَا الشَّرْعِيَّةِ لَكِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ضِدَّ ذَلِكَ لِطَلَبِهِمْ الْعِوَضَ فَإِنَّ الدَّافِعَ يَتَشَوَّقُ لَهُ وَالْمَدْفُوعُ إلَيْهِ يَحْرِصُ عَلَى الْمُكَافَأَةِ فَخَرَجَ بِالْمُشَاحَّةِ مِنْ بَابِ الْهَدَايَا إلَى بَابِ الْبِيَاعَاتِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، انْتَهَى. وَانْظُرْ الْأَبِيَّ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَزِمَ وَاهِبَهَا لَا الْمَوْهُوبَ لَهُ الْقِيمَةُ إلَّا لِفَوْتٍ بِزَيْدٍ أَوْ نَقْصٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ
[ ٦ / ٦٧ ]
الْوَاهِبَ يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْقِيمَةِ إذَا دَفَعَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ وَلَا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ دَفْعُ الْقِيمَةِ إلَّا أَنْ تَفُوتَ الْهِبَةُ عِنْدَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ (تَنْبِيهٌ) لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ بِمَا يَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُ الْقِيمَةِ هَلْ بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ أَوْ الْقَبْضِ بَلْ قَدْ يَتَبَادَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْقِيمَةِ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْهِبَةِ وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِقَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهَا، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
[فَرْعٌ أَثَابَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي هِبَة الثَّوَاب أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ وَامْتَنَعَ الْوَاهِبُ أَنْ يَقْبَلَ إلَّا الْقِيمَةَ]
(فَرْعٌ) إذَا أَثَابَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ وَامْتَنَعَ الْوَاهِبُ أَنْ يَقْبَلَ إلَّا الْقِيمَةَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ مَا أَعْطَاهُ الْمَوْهُوبُ اُنْظُرْ الْمَشَذَّالِيَّ فِي آخِرِ كِتَابِ الْهِبَاتِ (فَائِدَةٌ) قَالَ فِي آخِرِ مَسَائِلِ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ مِنْ الْبُرْزُلِيَّ قَبْلَ آخِرِهَا بِنَحْوِ الْخَمْسِ وَرَقَاتٍ ابْنُ عَاتٍ عَنْ الِاسْتِغْنَاءِ: لَيْسَ عَلَى الْفُقَهَاءِ أَنْ يُشْهِدُوا بَيْنَ النَّاسِ وَلَا أَنْ يُضَيِّفُوا أَحَدًا وَلَا أَنْ يُكَافِئُوا عَنْ الْهَدَايَا وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَكَذَا السُّلْطَانُ لَا يُكَافِئُ وَلَا يُكَافَأُ وَقَدْ ذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ هَذَا عَنْ سَعْدٍ الْمَعَافِرِيِّ عَنْ مَالِكٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْفَقِيهِ مِنْ مُكَافَأَةٍ وَلَا ضِيَافَةِ أَحَدٍ وَلَا شَهَادَةٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الدِّيبَاجِ الْمُذَهَّبِ فِيمَنْ اسْمُهُ سَعِيدٌ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الْمَعَافِرِيُّ أَبُو عُمَرَ وَقِيلَ: أَبُو مُحَمَّدٍ وَقِيلَ أَبُو عُثْمَانَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ سَمِعَ مِنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُمْ وَبِهِ تَفَقَّهَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ ثِقَةٌ فَاضِلٌ مَأْمُونٌ تُوُفِّيَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ
[مَسْأَلَة لَيْسَ عَلَى الْفَقِيهِ ضِيَافَةٌ وَلَا مُكَافَأَةٌ]
(مَسْأَلَةٌ) ذَكَرَ سَعْدٌ هَذَا عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: لَيْسَ عَلَى الْفَقِيهِ ضِيَافَةٌ وَلَا مُكَافَأَةٌ يُرِيدُ عَنْ هَدِيَّةٍ وَلَا شَهَادَةٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ، انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذِكْرَهُ فِيمَنْ اسْمُهُ سَعِيدٌ سَهْوٌ فَإِنَّ كَلَامَ الْمُتَيْطِيِّ الْمُتَقَدِّمَ وَكَلَامَ أَبِي الْحَسَنِ وَكَلَامَ الْمَدَارِكِ أَنَّهُ سَعْدٌ بَلْ فِي آخِرِ كَلَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ الْمَذْكُورُ أَنَّهُ سَعْدٌ حَيْثُ، قَالَ: مَسْأَلَةٌ: ذَكَرَ سَعْدٌ وَنَصُّ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ الثَّانِي فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أَعْتَقَ جَنِينًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ مَالِكٍ أَنَّهَا تُبَاعُ فِي الدَّيْنِ سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ قَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ بَعْدَهُ مَا نَصُّهُ وَخَالَفَ سَعْدٌ الْمَعَافِرِيُّ شَيْخَهُ، فَقَالَ: لَا تُبَاعُ حَتَّى تَضَعَ إذَا كَانَ الدَّيْنُ لَاحِقًا، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمَدَارِكِ فِي تَرْجَمَتِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقِيلَ أَبُو عُثْمَانَ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعَافِرِيُّ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِ مَالِكٍ سَمِعَ مِنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ بُكَيْرٍ وَهُوَ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ الْمِصْرِيِّينَ، وَقَالَ فِي آخِرِ تَرْجَمَتِهِ، قَالَ سَعْدٌ عَنْ مَالِكٍ: لَيْسَ عَلَى الْفَقِيهِ ضِيَافَةٌ وَلَا مُكَافَأَةٌ يُرِيدُ عَنْ هَدِيَّةٍ وَلَا شَهَادَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ، انْتَهَى. وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَدَارِكِ إسْقَاطُ الْمَعَافِرِيِّ وَاسْتُفِيدَ مِنْ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ مَعَافِرِيٌّ وَالْمَعَافِرِيُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ نِسْبَةً إلَى الْمُعَافِر بْن يَعْفُرِ بْن مَالِكٌ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِ الْأَنْسَابِ: يُنْسَبُ إلَيْهِ أَكْثَرُ عَامَّتِهِمْ بِمِصْرَ، انْتَهَى. وَقَدْ أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ غَازِيٍّ عَنْ شَيْخِهِ الْإِمَامِ الْقُدْوَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ الْقُورِيِّ أَنَّهُ أَنْشَدَهُ لَمَّا تَكَلَّمَ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا نَصُّهُ:
لَيْسَ عَلَى الْفَقِيهِ مِنْ ضِيَافَهْ وَلَا شَهَادَةٍ وَلَا مُكَافَهْ
ذَكَرَ ذَا نَصًّا عَنْ الْمَدَارِكِ، عَنْ سَعْدٍ الْمَعَافِرِيِّ عَنْ مَالِكٍ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (فَائِدَةٌ) قَالَ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْأَحْيَاءِ: حَدِيثُ «مَنْ أُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ فَهُمْ شُرَكَاؤُهُ فِيهَا» الْعُقَيْلِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْمَتْنِ حَدِيثٌ
ص (وَإِنْ مَعِيبًا)
ش: هُوَ مِنْ الْعَيْبِ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ
[ ٦ / ٦٨ ]
وَعَكْسُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا، قَالَ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ مِنْهَا: وَإِذَا وَجَدَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْهِبَةِ عَيْبًا فَلَهُ رَدُّهُ وَأَخْذُ الْعِوَضِ ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ وَجَدَ الْوَاهِبُ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَانْظُرْ أَبَا الْحَسَنِ الصَّغِيرِ وَانْظُرْ الْمُنْتَقَى فِي الْكَلَامِ عَلَى الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ حُكْمَ مَا إذَا اطَّلَعَ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ عَلَى عَيْبٍ هَلْ يَرُدُّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.