ش (بَابُ الْوَكَالَةِ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: نِيَابَةُ ذِي حَقٍّ غَيْرِ ذِي إمْرَةٍ وَلَا عِبَادَةٍ لِغَيْرِهِ فِيهِ غَيْرُ مَشْرُوطٍ بِمَوْتِهِ فَتَخْرُجُ نِيَابَةُ إمَامِ الطَّاعَةِ أَمِيرًا أَوْ قَاضِيًا وَصَاحِبِ صَلَاةٍ وَالْوَصِيَّةِ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ نِيَابَةُ ذِي حَقٍّ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى فَاعِلِهِ وَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ النُّسْخَةِ الْمَنْقُولِ مِنْهَا بَعْدَ قَوْلِهِ لِغَيْرِهِ فِيهِ إمَّا لَهُ أَوْ التَّصَرُّفُ كَمَالِهِ كَمَا يَظْهَرُ هَذَا بِتَأَمُّلِ الْكَلَامِ الْآتِي مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إثْرَ مَا تَقَدَّمَ وَلَا يُقَالُ إنَّ النِّيَابَةَ فِي حَقِّ ذِي إمْرَةٍ وَكَالَةٌ لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّ إقَامَتَهُ مُجَرَّدُ فِعْلٍ لَا إمْرَةَ فِيهِ هَذَا ظَاهِرُ اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ وَجَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ وِلَايَةَ الْأُمَرَاءِ وَكَالَةً وَنَحْوُهُ قَوْلُ عِيَاضٍ اُسْتُعْمِلَ لَفْظُ الْوَكَالَةِ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ فِي النِّيَابَةِ خِلَافَ ذَلِكَ وَمَنْ تَأَمَّلَ وَأَنْصَفَ عَلِمَ صِحَّةَ مَا قُلْنَاهُ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ لِلذِّهْنِ عُرْفًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ النِّيَابَةُ مُسَاوِيَةٌ لِلْوَكَالَةِ فِي الْمَعْرِفَةِ فَتَعْرِيفُهَا بِهَا دَوْرٌ، فَيُقَالُ هِيَ جَعْلُ ذِي أَمْرٍ غَيْرَ إمْرَةِ التَّصَرُّفِ فِيهِ لِغَيْرِ الْمُوجِبِ لُحُوقَ حُكْمِهِ لِجَاعِلِهِ كَأَنَّهُ فَعَلَهُ فَتَخْرُجُ نِيَابَةُ إمَامِ الطَّاعَةِ أَمِيرًا أَوْ قَاضِيًا أَوْ إمَامِ صَلَاةٍ لِعَدَمِ لُحُوقِ فِعْلِ النَّائِبِ فِي الصَّلَاةِ الْجَاعِلَ وَالْوَصِيَّةِ لِلُحُوقِ حُكْمِ فَاعِلِهَا غَيْرَ الْجَاعِلِ انْتَهَى، ثُمَّ قَالَ وَحُكْمُهَا لِذَاتِهَا الْجَوَازُ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «أَرَدْت الْخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَسَلَّمْت عَلَيْهِ وَقُلْت أَرَدْت الْخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ فَقَالَ إذَا أَتَيْت وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا فَإِنْ ابْتَغَى مِنْك آيَةً فَضَعْ يَدَك عَلَى تَرْقُوَتِهِ» وَصَحَّحَهُ عَبْدُ الْحَقِّ بِسُكُوتِهِ عَلَيْهِ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: فِيهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ رَمَاهُ مَالِكٌ بِالْكَذِبِ وَقَالَ نَحْنُ نَفَيْنَاهُ مِنْ الْمَدِينَةِ وَيَعْرِضُ لَهَا سَائِرُ الْأَحْكَامِ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهَا كَقَضَاءِ دَيْنٍ تَعَيَّنَ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بِهَا وَالصَّدَقَةِ وَالْبَيْعِ الْمَكْرُوهِ وَالْحَرَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ انْتَهَى.
ص (فِي قَابِلِ النِّيَابَةِ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي أَعْمَالِ الْأَبْدَانِ الْمَحْضَةِ كَالصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ وَالْحَجِّ إلَّا أَنَّهُ تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ بِهِ وَيُنْقَضُ قَوْلُهُ فِي أَعْمَالِ الْأَبْدَانِ الْمَحْضَةِ بِقَوْلِهَا مَعَ غَيْرِهَا فِي الْعَاجِزِ عَنْ الرَّمْيِ لِمَرَضِهِ فِي الْحَجِّ يَرْمِي عَنْهُ انْتَهَى.
ص (وَحَوَالَةٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ
[ ٥ / ١٨١ ]
يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُحِيلُ غَرِيمَهُ عَلَى مَدِينِهِ ابْنِ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَتَجُوزُ فِي الْكَفَالَةِ كَالْحَوَالَةِ وَالْبَيْعِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ فِي حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ (قُلْت): فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ إنَّمَا تُطْلَقُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِيمَا يَصِحُّ لِلْمُوَكِّلِ مُبَاشَرَتُهُ، وَكَفَالَةُ الْإِنْسَانِ عَنْ نَفْسِهِ مُمْتَنِعَةٌ فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ: هُوَ أَنْ يُوَكِّلَهُ عَلَى أَنْ يَتَكَفَّلَ لِفُلَانٍ بِمَا عَلَى فُلَانٍ، وَهَذَا أَقْرَبُ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ هُنَا يَصِحُّ مِنْهُ الْفِعْلُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ فِيهِ: كَأَنْ الْتَزَمَ لِرَبِّ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ أَنْ يَأْتِيَهُ بِكَفِيلٍ بِهِ عَنْهُ بِحَيْثُ يَكُونُ الْإِتْيَانُ بِالْكَفِيلِ حَقًّا عَلَى الْمُوَكِّلِ الْمَذْكُورِ انْتَهَى.
ص (وَإِبْرَاءٍ وَإِنْ جَهِلَهُ الثَّلَاثُ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَتَبِعَ ابْنُ الْحَاجِبِ ابْنَ شَاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَالتَّوْكِيلُ بِالْإِبْرَاءِ لَا يَسْتَدْعِي عِلْمَ الْمُوَكِّلِ بِمَبْلَغِ الدَّيْنِ الْمُبَرَّإِ مِنْهُ وَلَا عِلْمَ الْوَكِيلِ وَلَا عِلْمَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ.
(قُلْت): وَهَذَا كَضَرُورِيٍّ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ تَرْكٍ وَالتَّرْكُ لَا مَانِعِيَّةَ لِلْغَرَرِ فِيهِ وَلِذَا قَالَ الْغَيْرُ فِي إرْخَاءِ السُّتُورِ: لِأَنَّهُ يُرْسِلُ مِنْ يَدِهِ بِالْغَرَرِ وَلَا يَأْخُذُ بِهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ أَوَاخِرَ رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ بِالْوَصَايَا.
ص (أَوْ وَاحِدٌ فِي خُصُومَةٍ)
ش: قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: فِي تَبْصِرَتِهِ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ عَلَى الدَّعْوَى: وَلَيْسَ لِرَجُلٍ وَلَا لِامْرَأَةٍ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخِصَامِ أَكْثَرَ مِنْ وَكِيلٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ وَكِيلَيْنِ، وَيَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَيْهِ وَكِيلُهُ كَانَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ إذَا كَانَ فِي نَصِّ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَلَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ وَلَا لِامْرَأَةٍ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخِصَامِ أَكْثَرَ مِنْ وَكِيلٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ وَكِيلَيْنِ.
[تَنْبِيهَاتٌ الْخَصْمَيْنِ إذَا فَرَغَا مِنْ الْخُصُومَةِ وَاتَّفَقَا عَلَى أَمْرٍ وَأَرَادَا أَنْ يُثْبِتَاهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ]
(تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ): هُنَا مَسْأَلَةٌ وَاقِعَةٌ عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى وَهِيَ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ إذَا فَرَغَا مِنْ الْخُصُومَةِ وَاتَّفَقَا عَلَى أَمْرٍ وَأَرَادَا أَنْ يُثْبِتَاهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ الرَّوَاحِ إلَى مَجْلِسِ الْحَاكِمِ تَكَبُّرًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْتَنِعُ لِعُذْرٍ فَيَشْهَدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُ وَكَّلَ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الدَّعْوَى وَالْإِعْذَارِ وَالثُّبُوتِ وَطَلَبِ الْحُكْمِ فَيَأْتِي الشُّهُودُ عَلَى الْوَكَالَةِ إلَى رَجُلٍ مِنْ النَّاسِ وَيَشْهَدُونَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ وَكِيلُ فُلَانٍ وَشَخْصٌ آخَرُ أَنَّهُ وَكِيلُ فُلَانٍ الْآخَرِ وَيُكْمِلُونَ أَمْرَهُمْ فَهَلْ هَذَا التَّوْكِيلُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُرِيدَ الْمُوَكِّلُ بِقَوْلِهِ وَكَّلْت كُلَّ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي إثْبَاتِ كَذَا إلَى آخِرِهِ أَنَّهُ يُوَكِّلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا بِعَيْنِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ فَلَا مِرْيَةَ فِي عَدَمِ صِحَّةِ هَذَا الْوَجْهِ لِلْجَهْلِ بِعَيْنِ الْوَكِيلِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ الرُّكْنِ السَّادِسِ مِنْ الْبَابِ الْخَامِسِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ أَقْسَامِ الْكِتَابِ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى أَحْكَامٍ يَتَوَقَّفُ سَمَاعُ الدَّعْوَى بِهَا عَلَى إثْبَاتِ فُصُولِ مَسْأَلَةٍ مِنْ الْوَكَالَةِ: لَا يَسْمَعُ الْقَاضِي مِنْ أَحَدٍ دَعْوَى الْوَكَالَةِ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ ذَلِكَ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِ الْمُوَكِّلِ وَيَثْبُتُ عِنْدَهُ أَيْضًا عَيْنُ الْوَكِيلِ إمَّا بِالشَّاهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَوْ بِغَيْرِهِمَا وَإِذَا حَضَرَ الْوَكِيلُ وَالْخَصْمُ وَتَقَارَرَا عَلَى صِحَّةِ الْوَكَالَةِ، فَلَا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِغَيْرِهِمَا يُتَّهَمَانِ عَلَى التَّوَاطُؤِ وَلَوْ صَدَّقَ الْخَصْمُ الْوَكِيلَ فِي الدَّعْوَى، وَاعْتَرَفَ بِالْمُدَّعَى بِهِ لَمْ يُجْبِرْهُ الْحَاكِمُ عَلَى دَفْعِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ صِحَّةُ الْوَكَالَةِ انْتَهَى.
وَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وُكَلَاءُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ فَيُمْكِنُ هُنَا الشَّهَادَةُ عَلَى عَيْنِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ وَكِيلُهُ لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّ تَوْكِيلَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ عَلَى الْخِصَامِ لَا يَجُوزُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ وَكَالَةٌ فِي دَعْوَى وَإِنْكَارٍ وَإِثْبَاتٍ وَبَحَثَ سَيِّدِي الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْغَفَّارِ فِي كَوْنِ ذَلِكَ وَكَالَةً فِي خُصُومَةٍ فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ مِنْ النَّوَادِرِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ شَرَطَ فِي ذِكْرِ حَقِّهِ وَمَنْ قَامَ بِهِ فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ فَلَا يَجُوزُ هَذَا وَلَا يُقْضَى لَهُ إلَّا بِوَكَالَةٍ انْتَهَى.
[ ٥ / ١٨٢ ]
وَمَا قَالَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ مِنْ عَدَمِ جَبْرِهِ الْحَاكِمُ عَلَى الدَّفْعِ فِيمَا إذَا صَدَرَ، وَالْخَصْمُ الْوَكِيلُ عَلَى الدَّعْوَى فَاعْتَرَفَ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْمَعُونَةِ وَتَبْصِرَةِ اللَّخْمِيِّ وَمُخَالِفٌ لِمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ مِنْ تَبْصِرَتِهِ وَنَصُّهُ مَسْأَلَةٌ فِي الْمَطْلُوبِ يُوَافِقُ عَلَى صِحَّةِ الْوَكَالَةِ قَبْلَ ثُبُوتِهَا وَإِذَا قَامَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ فِي مَهْرِ امْرَأَتِهِ أَوْ دَيْنِ رَجُلٍ وَادَّعَى وَكَالَةَ صَاحِبِ ذَلِكَ الْحَقِّ فَأَقَرَّ الْمَطْلُوبُ بِالدَّيْنِ أَوْ الْمَهْرِ وَاعْتَرَفَ بِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دَفْعُ ذَلِكَ إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى الْمَطْلُوبِ يَطْلُبُهُ بِذَلِكَ قَضَى لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي عَلَيْهِ أَوَّلًا بِإِقْرَارِهِ، وَالْمُصِيبَةُ مِنْهُ انْتَهَى.
وَلَهُ فِي الْبَابِ السَّبْعِينَ فِي الْقَضَاءِ بِالْأَمَارَاتِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ مَا يُوَافِقُ مَا لَهُ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ وَعَزَاهُ لِلْمُتَيْطِيَّةِ وَنَصُّهُ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ حَكَى عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ سَحْنُونٍ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ مَا قَالَهُ لِرَجُلٍ وَكَّلَنِي فُلَانٌ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ مِنْك وَعَدَدُهُ كَذَا فَصَدَّقَهُ فِي الْوَكَالَةِ وَأَقَرَّ بِالدَّيْنِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الدَّفْعُ إلَيْهِ فَإِنْ قَدِمَ فُلَانٌ وَأَنْكَرَ التَّوْكِيلَ غَرِمَ الْمُقِرُّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ كَانَ بِإِقْرَارِهِ انْتَهَى. وَفِيهِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ هَذَا، وَيُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْفَصْلِ الْخَامِسِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ إنْ ادَّعَى شَرِيكَانِ عَلَى رَجُلٍ حَقًّا فَقَالَا لِلْقَاضِي مَنْ حَضَرَ مِنَّا خَاصِمْهُ فَلَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ لِقَوْلِ مَالِكٍ مَنْ قَاعَدَ خَصْمَهُ عِنْدَ الْقَاضِي، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ إلَّا مِنْ عِلَّةٍ وَقَالَ فِي وَرَثَةٍ ادَّعَوْا مَنْزِلًا فِي يَدِ رَجُلٍ لَا يُخَاصِمُهُ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ نَفْسِهِ بَلْ يُقَدِّمُونَ رَجُلًا يُخَاصِمُهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا كَمَا لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ يُوَكِّلُ وَكِيلَيْنِ يُخَاصِمَانِ عَنْهُ إنْ غَابَ أَحَدُهُمَا خَاصَمَ لَهُ الْآخَرُ وَكَذَا لَمْ يَجُزْ لِمَنْ قَاعَدَ خَصْمَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ إلَّا لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ إسَاءَةِ خَصْمِهِ لَهُ، فَحَلَفَ لَا خَاصَمَهُ أَوْ يَظْهَرُ مِنْ وَكِيلِهِ مَيْلٌ لِخَصْمِهِ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا انْتَهَى هَذَا السَّمَاعُ فِي كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ): قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِمَعْرِفَةِ الْوَكَالَةِ وَلَمْ يُبَيِّنَا فِي شَهَادَتِهِمَا أَنَّ الْمُوَكِّلَ أَشْهَدَهُمَا بِهَا فَشَهَادَتُهُمَا سَاقِطَةٌ وَلَا يُعْمَلُ بِهَا انْتَهَى.
(الرَّابِعُ): قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ فِي الدَّعْوَى: مَسْأَلَةٌ وَإِذَا وَكَّلَهُ عَلَى الْخِصَامِ فِي قَضِيَّةٍ فَخَاصَمَ عَنْهُ وَانْقَضَتْ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ وَأَرَادَ الْوَكِيلُ أَنْ يُخَاصِمَ عَنْهُ فِي غَيْرِهَا فَإِنْ كَانَ بِقُرْبِ الْخِصَامِ الْأَوَّلِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْوَكَالَةُ مُبْهَمَةً لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا أَنَّهُ وَكَّلَهُ عَلَى مُخَاصَمَةِ فُلَانٍ أَوْ فِي أَمْرِ كَذَا وَكَذَا إنْ اتَّصَلَ بَعْضُ ذَلِكَ بِبَعْضٍ أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَيَّامٌ وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ بِسِنِينَ وَالْمُوَكِّلُ غَائِبٌ لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَجْدِيدِ التَّوْكِيلِ إذَا لَمْ يُقْصِرْهُ عَلَى مَطْلَبٍ سَمَّاهُ كَمَا قَدَّمْنَا فَأَمَّا إذَا قَصَرَهُ عَلَى مَطْلَبٍ مُعَيَّنٍ، وَكَانَ بَيْنَ الْمَطْلَبَيْنِ الْأَشْهَرُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ عَنْهُ إلَّا فِيمَا وَكَّلَهُ فِيهِ وَيُسْتَحْسَنُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُجَدِّدَ لَهُ التَّوْكِيلَ، ثُمَّ يَتَكَلَّمُ عَنْهُ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ): قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ قَبْلَ كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ: مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَسُئِلَ سَحْنُونٌ عَمَّنْ وَكَّلَ رَجُلًا عَلَى مُخَاصَمَةِ رَجُلٍ فَلَمْ يَقُمْ الْوَكِيلُ بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ سِنِينَ وَقَدْ أُنْشِبَتْ الْخُصُومَةُ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَى بِالْبَيِّنَةِ أَوْ لَمْ يُنْشِبْ الْخُصُومَةَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ فِي شَيْءٍ حَتَّى مَرَّتْ السَّنَتَانِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُمَا: يَطْلُبُ بِتِلْكَ الْوَكَالَةِ الْقَدِيمَةِ أَلَهُ ذَلِكَ أَمْ يُجَدِّدُ الْوَكَالَةَ؟ قَالَ سَحْنُونٌ: يَبْعَثُ الْحَاكِمُ إلَى الْمُوَكِّلِ لِيَسْأَلَهُ أَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ أَوْ خَلَعَهُ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: رَأَيْت بَعْضَ شُيُوخِنَا يَسْتَكْثِرُ إمْسَاكَهُ الْوَكَالَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَوْ نَحْوَهَا وَيَرَى تَجْدِيدَ الْوَكَالَةِ إنْ أَرَادَ الْخُصُومَةَ قَالَ ابْنُ الْمُنَاصَفِ: أَمَّا إذَا خَاصَمَ وَاتَّصَلَ خِصَامُهُ، وَطَالَ سِنِينَ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتْهُ الْأُولَى انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي الِانْعِزَالِ بِطُولِ مُدَّةِ التَّوْكِيلِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَبَقَائِهِ قَوْلُ ابْنِ سَهْلٍ رَأَيْت بَعْضَ شُيُوخِنَا يَسْتَكْثِرُ إمْسَاكَ الْوَكِيلِ عَلَى الْخُصُومَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَنَحْوَهَا، وَيَرَى تَجْدِيدَ
[ ٥ / ١٨٣ ]
التَّوْكِيلِ مَعَ قَوْلِ الْمُتَيْطِيِّ فِي الْوَكَالَةِ عَلَى الْإِنْكَاحِ إنْ سَقَطَ مِنْ رَسْمِهِ لَفْظُ دَائِمَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ وَطَالَ أَمْرُ التَّوْكِيلِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ سَقَطَتْ إلَّا بِتَوْكِيلٍ ثَانٍ.
وَنَقَلَ ابْنُ سَهْلٍ عَنْ سَحْنُونٍ مَنْ قَامَ بِتَوْكِيلٍ عَلَى خُصُومَةٍ بَعْدَ سِنِينَ وَقَدْ أَنْشَبَ الْخُصُومَةَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُنْشِبْهَا بَعْدَ مُضِيِّ سِنِينَ سَأَلَ الْحَاكِمُ مُوَكِّلَهُ عَلَى بَقَاءِ تَوْكِيلِهِ أَوْ عَزَلَهُ فَإِنْ كَانَ غَائِبًا، فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ ابْنُ فَتُّوحٍ إنْ خَاصَمَ وَاتَّصَلَ خِصَامُهُ سِنِينَ لَمْ يَحْتَجْ لِتَجْدِيدِ تَوْكِيلٍ انْتَهَى. وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ سَهْلٍ قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْوَكِيلِ تَمَّ لَهُ سَنَتَانِ لَمْ يُنْشِبْ خُصُومَةً، ثُمَّ يَقُومُ بِهَا فَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا سُئِلَ أَهْوَ عَلَى وَكَالَتِهِ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ قَالَ الْقَاضِي يَعْنِي نَفْسَهُ وَرَأَيْت بَعْضَ شُيُوخِنَا يَسْتَكْثِرُ إمْسَاكَهُ عَنْ الْخُصُومَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَوْ نَحْوَهَا، وَيَرَى تَجْدِيدَ الْوَكَالَةِ إنْ أَرَادَ الْخُصُومَةَ انْتَهَى وَلَعَلَّ بَعْضَ شُيُوخِهِ هُوَ الْغَرْنَاطِيُّ فَإِنَّ الْبُرْزُلِيَّ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَلَمْ يَنْقُلْ كَلَامَ سَحْنُونٍ وَلَا غَيْرَهُ وَنَصُّهُ قَالَ يَعْنِي الْغَرْنَاطِيَّ: وَإِذَا مَضَى لِتَارِيخِ الْخِصَامِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ مُتَكَلِّمٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ اتَّصَلَ خِصَامُهُ مَعَهُ وَلَوْ طَالَتْ سَنِيُّهُ (قُلْت): أَوْ فِي قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَلَا تَنْقَضِي إلَّا بِتَمَامِهَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُوَثَّقِينَ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ كَرِهَ خَصْمُهُ)
ش: قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَيَجُوزُ التَّوْكِيلُ بِالْخُصُومَةِ فِي الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارُ بِرِضَا الْخَصْمِ وَبِغَيْرِ رِضَاهُ فِي حُضُورِ الْمُسْتَحِقِّ وَفِي غَيْبَتِهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ): قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: أَيْضًا، وَكَمَا لَا يُفْتَقَرُ إلَى حُضُورِ الْخَصْمِ فِي عَقْدِ الْوَكَالَةِ لَا يُفْتَقَرُ إلَى حُضُورِهِ فِي إثْبَاتِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ انْتَهَى. بَلْ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَلَوْ قَالَ وَكَّلْتُكَ لِمُخَاصَمَةِ خَصْمٍ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُخَاصَمَةَ لَا تُعْلَمُ غَايَتُهَا فَاعْتُبِرَ جِنْسُهَا خَاصَّةً انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: فِي تَبْصِرَتِهِ مَسْأَلَةً وَلَيْسَ فِي التَّوْكِيلِ أَعْذَارٌ وَلَا آجَالٌ وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ فِيمَنْ طَلَبَ أَنْ يُعْذَرَ إلَيْهِ فِي تَوْكِيلِ خَصْمِهِ قَالَ: لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنْ الْقُضَاةِ وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ السَّلَاطِينِ ضَرَبَ لِأَحَدِهِمْ أَجَلًا فِي تَوْكِيلٍ وَإِنَّمَا السِّيرَةُ عِنْدَ الْقُضَاةِ أَنْ يَثْبُتَ التَّوْكِيلُ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ يَسْمَعَ مِنْ الطَّالِبِ، وَيَنْظُرَ فِيمَا جَاءَ بِهِ، فَأَمَّا إذَا دَعَا إلَى أَنْ يُؤَجَّلَ فِي الدَّفْعِ أَجَّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوَهَا انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ فِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ فِيمَنْ طَلَبَ أَنْ يُعْذَرَ إلَيْهِ فِي تَوْكِيلِ خَصْمِهِ السِّيرَةُ أَنْ يُثْبِتَ الْوَكَالَةَ، ثُمَّ يَنْظُرَ فِي الْمَطْلَبِ انْتَهَى
[فَرْعٌ الْإِعْذَارُ إلَى الْمُوَكِّلِ]
(فَرْعٌ): قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: إثْرَ كَلَامِ ابْنِ زِيَادٍ الْمُتَقَدِّمِ وَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيُّ: فِي وَثَائِقِهِ وَالْإِعْذَارُ إلَى الْمُوَكِّلِ مِنْ تَمَامِ الْوَكَالَةِ وَإِنْ لَمْ يُعْذِرْ إلَيْهِ جَازَ قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ: كَانَ الْإِعْذَارُ بِالشَّأْنِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ تُرِكَ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ الْقَاضِي وَإِنَّمَا تَرَكَ الْإِعْذَارَ مَنْ تَرَكَهُ فِي الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُعْذَرَ إلَيْهِ عِنْدَ إرَادَةِ الْحُكْمِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ فَاسْتَغْنَى عَنْهُ أَوَّلًا قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَهَذِهِ نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ انْتَهَى. وَإِنَّمَا أَوْجَبُوا الْإِعْذَارَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ عَلَيْهِ بِالتَّوْكِيلِ، وَإِذَا ثَبَتَتْ الْوَكَالَةُ ثَبَتَ لِلْوَكِيلِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْمُوَكِّلِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا قَبْلَ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَنَصُّهُ الْمُتَيْطِيُّ عَنْ ابْنِ الْهِنْدِيِّ وَالْإِعْذَارُ إلَى الْمُوَكِّلِ مِنْ تَمَامِ التَّوْكِيلِ وَإِنْ لَمْ يُعْذِرْ إلَيْهِ جَازَ ابْنُ عَتَّابٍ كَانَ الشَّأْنُ فِي الْقَدِيمِ الْإِعْذَارُ، ثُمَّ تُرِكَ قَالَ وَيُعْذِرُ أَيْضًا فِي الْمَوْتِ وَالْوِرَاثَةِ ابْنُ مَالِكٍ وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعْذَارِ لِلْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يُقِرُّ عَلَى مُوَكِّلِهِ وَيَلْزَمُهُ ابْنُ بَشِيرٍ إنَّمَا تُرِكَ الْإِعْذَارُ فِي الْمَوْتِ وَالْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُعْذِرَ إلَيْهِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ قَالَ أَبُو الْأَصْبَغِ هَذِهِ نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ إذْ لَا بُدَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لِلْخَصْمَيْنِ أَبَقِيَتْ لَكُمَا حُجَّةٌ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي كِتَابِ الْمُقْنِعِ وَيُوَكِّلُ عَلَى الْخِصَامِ عِنْدَ الْقَاضِي إنْ شَاءَ وَحَيْثُمَا وَكَّلَ، فَهُوَ جَائِزٌ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَقَالَ حُسَيْنُ بْنُ عَاصِمٍ: عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الشُّهُودِ عَلَى الْوَكَالَةِ لَا يَكُونُونَ إلَّا عُدُولًا، وَيُحْتَاطُ فِيهِمْ بِمَا يُحْتَاطُ فِي الشُّهُودِ عَلَى غَيْرِ الْوَكَالَةِ، وَمَا سَمِعْت أَحَدًا أَرْخَصَ فِي ذَلِكَ انْتَهَى. وَأَمَّا وَكَالَةُ الْفَاسِقِ فَتَصِحُّ كَمَا يُؤْخَذُ
[ ٥ / ١٨٤ ]
ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ يَحْصُلُ الْإِبْرَاءُ بِالدَّفْعِ لِلْوَكِيلِ الْفَاسِقِ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ قَالَ غَيْرُ الْمُفَوَّضِ: قَبَضْت (فَرْعٌ): قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: قَالَ ابْنُ زَرْبٍ: إذَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ عِنْدَ حَاكِمٍ، وَصَرَّحَ الْمُوَكِّلُ فِي التَّوْكِيلِ بِاسْمِ الْحَاكِمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّكَلُّمُ عِنْدَ حَاكِمٍ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ التَّوْكِيلُ مُجْمَلًا، فَلَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ حَيْثُ شَاءَ انْتَهَى.
[فَرْعٌ عَزْل الْوَكِيل]
(فَرْعٌ): قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: وَمَنْ عَزَلَ وَكِيلَهُ فَأَرَادَ الْوَكِيلُ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِخَصْمِهِ فَأَبَى الْأَوَّلُ لِمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ عَوْرَاتِهِ وَوُجُوهِ خُصُومَاتِهِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ قَوْلُهُ، وَيَتَوَكَّلُ لَهُ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ انْتَهَى. زَادَ فِي شَرْحِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُمَكَّنَ مِنْ الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَعَدُوِّهِ وَلَا يُوَكَّلُ عَدُوٌّ عَلَى عَدُوِّهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ): قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: وَلَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ عَلَى الْمُتَّهَمِ يَدَّعِي الْبَاطِلَ وَلَا الْمُجَادَلَةَ عَنْهُ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] إنَّ النِّيَابَةَ عَنْ الْمُبْطِلِ الْمُتَّهَمِ فِي الْخُصُومَةِ لَا تَجُوزُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦] انْتَهَى. وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَيَنْبَغِي لِلْوَكِيلِ عَلَى الْخُصُومَةِ أَنْ يَتَحَفَّظَ بِدِينِهِ وَأَنْ لَا يَتَوَكَّلَ إلَّا فِي مَطْلَبٍ يَقْبَلُ فِيهِ يَقِينُهُ أَنَّ مُوَكِّلَهُ فِيهِ عَلَى حَقٍّ فَقَدْ جَاءَ فِي جَامِعِ السُّنَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ وَمَنْ تَوَكَّلَ فِي خُصُومَةٍ لَا عِلْمَ لَهُ بِهَا لَمْ يَزَلْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - أَنَّهُ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عَلَى الْخُصُومَةِ وَقَالَ إنَّ لِلْخُصُومَةِ قَحْمًا يَعْنِي اقْتِحَامَ الْمَهَالِكِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِمَا لَا يَصْلُحُ عِنْدَ شِدَّةِ الْخِصَامِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ الْخُصُومَاتِ لِذِي الْهَيْئَاتِ]
(فَرْعٌ): قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَكَرِهَ مَالِكٌ لِذِي الْهَيْئَاتِ الْخُصُومَاتِ قَالَ مَالِكٌ: كَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ الْخُصُومَةَ وَيَتَنَزَّهُ عَنْهَا وَكَانَ إذَا نَازَعَهُ أَحَدٌ فِي شَيْءٍ قَالَ لَهُ: إنْ كَانَ هَذَا الشَّيْءُ لِي فَهُوَ لَكَ وَإِنْ كَانَ لَك فَلَا تَحْمَدْنِي عَلَيْهِ قَالَ: وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ شَيْءٌ لَمْ يُخَاصِمْهُ وَكَانَ يَقُولُ الْمَوْعِدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ عَلِمَ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحَاسَبُ فِيهِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَيَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ يُوَفَّوْنَ حُقُوقَهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ ﷿ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلْيَطِبْ بِذَلِكَ نَفْسًا فَإِنَّ الْأَمْرَ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا بَيْنَك وَبَيْنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إلَّا خُرُوجَ رُوحِكَ حَتَّى تَنْسَى ذَلِكَ كُلَّهُ حَتَّى كَأَنَّك مَا كُنْتَ فِيهِ وَلَا عَرَفْتُهُ قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: وَقَالَ مَالِكٌ: الْمُخَاصِمُ رَجُلُ سُوءٍ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَفَى بِك ظَالِمًا أَنْ لَا تَزَالَ مُخَاصِمًا وَقَالَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَبْغَضُ الرِّجَالِ إلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ» انْتَهَى.
(فَرْعٌ): قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: قَالَ فِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ: وَلَا يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَكِّلَ أَبَاهُ لِيَطْلُبَ لَهُ حَقَّهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِهَانَةٌ بِالْأَبِ
ص (لَا إنْ قَاعَدَ خَصْمَهُ كَثَلَاثٍ إلَّا لِعُذْرٍ وَحِلْفٍ فِي كَسَفَرٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَإِذَا خَاصَمَ الرَّجُلَ عَنْ نَفْسِهِ وَقَاعَدَ خَصْمَهُ أَيْضًا ثَلَاثَ مَجَالِسَ وَانْعَقَدَتْ الْمَقَالَاتُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُوَكِّلَ خَصْمًا يَتَوَكَّلُ عَنْهُ إذَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَمْرَضَ أَوْ يُسَافِرَ سَفَرًا وَيَعْرِفَ ذَلِكَ، وَلَا يُمْنَعُ الْخَصْمَانِ مِنْ السَّفَرِ، وَلَا مَنْ أَرَادَهُ مِنْهُمَا، وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عِنْدَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: وَتَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا اسْتَعْمَلَ السَّفَرَ لِيُوَكِّلَ غَيْرَهُ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يُبَحْ لَهُ تَوْكِيلُ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ خَصْمُهُ ذَلِكَ وَقَالَ ابْن الْفَخَّارِ: لَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ لَهُ أَيْضًا أَنْ يُوَكِّلَ إذَا شَاتَمَهُ خَصْمُهُ، وَأَحْرَجَهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يُخَاصِمَهُ بِنَفْسِهِ قَالَ ابْن الْفَخَّار: فَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُخَاصِمَهُ دُونَ عُذْرٍ يُوجِبُ الْيَمِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ انْتَهَى كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ، وَهُوَ حَاوٍ لِمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فِي مَسْأَلَةِ التَّوْكِيلِ لِلسَّفَرِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ.
قُلْت الْأَظْهَرُ أَنَّهَا كَأَيْمَانِ التُّهَمِ وَقَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ: قُلْت فِي عَطْفِ شَاتَمَهُ عَلَى أَحْرَجَهُ بِالْوَاوِ أَوْ بِأَوْ اخْتِلَافُ نُسَخٍ
[ ٥ / ١٨٥ ]
انْتَهَى. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَثَلَاثٍ يَعْنِي فَأَكْثَرُ وَانْظُرْ قَوْلَهُ فِي كَسَفَرٍ مَا مِثْلُ السَّفَرِ (فَرْعٌ): قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: مَنْ وَكَّلَ ابْتِدَاءً ضَرَرًا لِخَصْمِهِ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى.
(فَرْعٌ): قَالَ فِيهَا أَيْضًا: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ لُبَابَةَ: كُلُّ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ عِنْدَ الْقَاضِي لَدَدٌ وَتَشْغِيبٌ فِي خُصُومَةٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ فِي وَكَالَةٍ وَلَا يَحِلُّ إدْخَالُ اللَّدَدِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ النَّاسُ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ قَبُولُ الْوُكَلَاءِ إلَّا مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ تَشْغِيبٌ وَلَدَدٌ فَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إبْعَادُهُ وَأَنْ لَا يَقْبَلَ لَهُ وَكَالَةً عَلَى أَحَدٍ انْتَهَى.
(فَرْعٌ): قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْوَكَالَةُ عَلَى الْخِصَامِ لِمَرَضِ الْمُوَكِّلِ أَوْ سَفَرِهِ أَوْ كَوْنِهِ امْرَأَةً لَا يَخْرُجُ مِثْلُهَا جَائِزَةٌ اتِّفَاقًا الْمُتَيْطِيُّ وَكَذَا الْعُذْرُ يَشْغَلُ الْأَمِيرَ أَوْ خُطَّةٌ لَا يَسْتَطِيعُ مُفَارَقَتَهَا كَالْحِجَابَةِ وَغَيْرِهَا وَفِي جَوَازِهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ ثَالِثُهَا لِلطَّالِبِ لَا لِلْمَطْلُوبِ لِلْمَعْرُوفِ مَعَ قَوْلِ الْمُتَيْطِيِّ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَنَقَلَهُ عَنْ سَحْنُونٍ فِي رِسَالَتِهِ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَاضِي قُرْطُبَةَ وَفَعَلَهُ وَعَلَى الْمَعْرُوفِ فِي جَوَازِهَا مُطْلَقًا أَوْ بَعْدَ أَنْ يَنْعَقِدَ بَيْنَهُمَا مَا يَكُونُ مِنْ دَعْوَى إقْرَارٍ نَقْلًا ابْنِ سَهْلٍ قَائِلًا وَذَكَرَ ابْنُ الْعَطَّارِ: أَنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ قَبْلَ الْمُجَاوَبَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ حَاضِرًا وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنْ لَا يُمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّدَدَ فِيهِ ظَاهِرٌ وَمُرَادُهُ أَنْ يُحَدِّثَ عَنْهُ مَا فِيهِ تَشْغِيبٌ انْتَهَى. وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ سَهْلٍ وَمِنْ الْمُحَاضِرِ لِابْنِ حَارِثٍ وَإِنْ أَرَادَ الْخَصْمَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا فِي أَوَّلِ مَجْلِسٍ جَلَسَا فِيهِ التَّوْكِيلَ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ لَهُمَا أَوْ لَأَحَدِهِمَا وَمِثْلُهُ لِابْنِ الْعَطَّارِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَنْعَقِدَ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا يَكُونُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، ثُمَّ يُوَكِّلُ بَعْدُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ انْتَهَى: وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: مَسْأَلَةٌ وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ عَلَى خَصْمِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَهَلْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يُوَكِّلَ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ عَنْ تِلْكَ الدَّعْوَى بِإِقْرَارٍ أَوْ إنْكَارٍ؟ فَقِيلَ إنَّهُ لَا يُمَكَّن مِنْ التَّوْكِيلِ حَتَّى يُجِيبَ فَإِنْ لَمْ يُجِبْ حَمَلَهُ الْحَاكِمُ عَلَى جَوَابٍ بِالْأَدَبِ قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُجِيزَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يُوَكِّلَ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنْ لَا يُمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّدَدَ فِيهِ ظَاهِرٌ وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ قَبْلَ الْمُجَاوَبَةِ إذَا كَانَ الْوَكِيلُ بِالْحَضْرَةِ فَيُجَاوِبُ عَنْهُ فَإِنْ لَمْ يُوَكِّلْ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ بَعْدَ الْأَدَبِ قُلْ الْآنَ مَا كُنْتَ تَأْمُرُ بِهِ وَكِيلَكَ أَنْ يُقِرَّ لَهُ عَنْكَ فَإِنْ أَبَى عَلِمَ أَنَّهُ مُلِدٌّ انْتَهَى.
وَكَلَامُ الْمُتَيْطِيَّةِ أَتَمُّ وَنَصُّهُ وَإِذَا سَأَلَ الْخَصْمَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا الْقَاضِيَ فِي أَوَّلِ مَجْلِسٍ تَقَدَّمَا إلَيْهِ أَنْ يُوَكِّلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْ يَتَكَلَّمُ عَنْهُ فِي الدَّعْوَى وَالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ فَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ فِي مُحَاضَرَةٍ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ مِنْ رَأْيِ الْفُقَهَاءِ وَعَمَلِ الْقُضَاةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى ذَلِكَ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَاهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَنْعَقِدَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ مَا يَكُونُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الدَّعْوَى وَالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، ثُمَّ يُوَكِّلُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا.
قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: وَاَلَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ فِي مَجْلِسِهِ إذَا كَانَ مَا وَقَفَ عَلَيْهِ قَرِيبَ الْمَعْنَى يَتَبَادَرُ فَهْمُهُ فِي وَقْتِهِ، ثُمَّ يُوَكِّلُ فَإِنْ أَبَى أَنْ يَتَكَلَّمَ حَمَلَ عَلَيْهِ الْقَاضِي الْأَدَبَ حَتَّى يَتَكَلَّمَ قَالَ: وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ قَبْلَ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ أَصَحُّ أَنَّهُ قَدْ أُجِيزَ لِلْحَاضِرِ التَّوْكِيلُ، فَإِذَا أُجِيزَ لِلْحَاضِرِ التَّوْكِيلُ فَخَصْمُهُ مَكَانَهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْأَصْبَغِ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنْ لَا يُمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّدَدَ فِيهِ ظَاهِرٌ وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يُحْدِثَ كَلَامًا يَكُونُ فِيهِ تَشْغِيبٌ عَلَى صَاحِبِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ الْعَطَّارِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي آخِرِ كَلَامِهِ، ثُمَّ قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِهَذَا إذَا لَمْ يُوَكِّلَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حَتَّى حَضَرَا عِنْدَ الْقَاضِي أَمَّا لَوْ وَكَّلَا أَوَّلًا، فَلَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّ مُرَادَهُمْ مَا لَمْ يَجْلِسَا ثَلَاثَةَ مَجَالِسَ عِنْدَ الْحَاكِمِ انْتَهَى.
ص (وَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ عَزْلُهُ)
ش: يَعْنِي لَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ وَكِيلِهِ بَعْدَ
[ ٥ / ١٨٦ ]
مُنَاشَبَتِهِ لِلْخِصَامِ وَمُقَاعَدَةِ خَصْمِهِ ثَلَاثًا وَمَفْهُومُ ذَلِكَ أَنَّ لَهُ عَزْلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ إذَا أَعْلَنَ بِعَزْلِهِ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ فِي تَأْخِيرِ إعْلَامِ الْوَكِيلِ بِذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ عَزَلَهُ سِرًّا فَلَا يَجُوزُ عَزْلُهُ، وَيَلْزَمُهُ مَا فَعَلَهُ الْوَكِيلُ وَمَا أَقَرَّ بِهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ جَعَلَ لَهُ الْإِقْرَارَ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ الْحَاجِّ فِي نَوَازِلِهِمَا وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ فِي أَحْكَامِ الْوَكَالَةِ سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ الْوَكِيلِ إذَا قُيِّدَتْ عَلَيْهِ مَقَالَةٌ بِإِقْرَارِهِ عَلَى وَكِيلِهِ الَّذِي وَكَّلَهُ فَلَمَّا طَلَبَ ذَلِكَ الْإِقْرَارَ اسْتَظْهَرَ مُوَكِّلُهُ بِعُزْلَةِ عَزْلِهِ إيَّاهَا قَبْلَ الْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ دُونَ أَنْ يَعْلَمَ الْوَكِيلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ هَلْ يَسْقُطُ الْإِقْرَارُ الْمَذْكُورُ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ مَا يُقَيَّدُ عَلَى الْوَكِيلِ لَازِمٌ لِمُوَكِّلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَزَلَهُ قَبْلَ مُنَاشَبَةِ الْخِصَامِ عَزْلًا أَعْلَنَ بِهِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ فِي تَأْخِيرِ إعْلَامِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ مُنَاشَبَةِ الْخِصَامِ أَوْ قَبْلَهُ سِرًّا فَلَا يَجُوزُ عَزْلُهُ انْتَهَى.
فَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَشْهَدَ فِي السِّرِّ بِعَزْلِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ مَعَ إشْهَادِهِ سِرًّا، وَأَمَّا لَوْ لَمْ يَشْهَدْ، وَإِنَّمَا كَانَ قَوْلُهُ فَقَطْ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَبَقِيَّةُ الْجَوَابِ فِي نَوَازِلِهِ مَا نَصُّهُ: إذْ لَا يَجُوزُ لِمَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا عَلَى الْخِصَامِ أَنْ يَعْزِلَهُ بَعْدَ أَنْ نَاشَبَ خَصْمَهُ فِي الْخِصَامِ وَقَاعَدَهُ فِيهِ وَلَا قَبْلَ ذَلِكَ سِرًّا إذْ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَشَأْ أَحَدٌ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا عَنْ الْمُخَاصَمَةِ عَنْهُ وَيُشْهِدُ فِي السِّرِّ عَلَى عَزْلِهِ إلَّا فَعَلَ ذَلِكَ فَإِنْ قَضَى لَهُ سَكَتَ وَإِنْ قَضَى عَلَيْهِ قَالَ: قَدْ كُنْتُ عَزَلْتُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: هَذَا الَّذِي أَقُولُ بِهِ وَلَا يَصِحُّ سِوَاهُ عَلَى أُصُولِهِمْ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ مِنْ خِلَافٍ انْتَهَى. وَقَالَ قَبْلَهُ لَا يَلْزَمُ الْيَتِيمَ إقْرَارُ وَكِيلِ وَصِيِّهِ عَلَيْهِ إلَّا بِمَا يَلْزَمُهُ فِيهِ إقْرَارُ الْوَصِيِّ مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ ابْتِدَاءً فَإِنْ وَكَّلَهُ عَلَى الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ وَمَا يُقَيَّدُ عَلَى وَكِيلِ الْخِصَامِ مِنْ الْمَقَالَاتِ لَازِمٌ لِمَنْ وَكَّلَهُ مَا لَمْ يَعْزِلْهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ الَّذِي وَكَّلَهُ عِنْدَهُ عَلَى الْخِصَامِ انْتَهَى.
وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِّ إذَا وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي عَلَى أَنْ يَبِيعَ عَلَيْهِ وَيُفَاصِلَ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَذَهَبَ الْوَكِيلُ بِالتَّوْكِيلِ إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ فَفَاصَلَ وَبَاعَ، ثُمَّ إنَّ الْمُوَكِّلَ اسْتَظْهَرَ بِأَنْ عَزَلَهُ بَعْدَ أَنْ وَكَّلَهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى هَذِهِ الْعُزْلَةِ، وَيَنْفُذُ عَلَيْهِ مَا عَمِلَهُ الْوَكِيلُ إلَّا أَنْ يُعْلِنَ بِعُزْلَتِهِ أَوْ بِعَزْلِهِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي فَلَا يَمْضِي عَلَيْهِ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّ عَزْلَهُ فِي السِّرَّ مِنْ الْخُدْعَةِ وَالْقَصْدِ إلَى الْغِشِّ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ انْتَهَى. مِنْ ابْنِ سَلْمُونٍ وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى أَحَدِ الْمَشْهُورِينَ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِعَزْلِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِهِ وَإِنَّمَا يَنْعَزِلُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْعَزْلِ فَلَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ انْعِزَالِهِ بِعَزْلِهِ سِرًّا وَيُبَيِّنُ هَذَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَهْمَا شَرَعَ فِي الْخُصُومَةِ فَلَا يَنْعَزِلُ وَلَوْ بِحُضُورِهِمَا قَالَ لَمَّا ذَكَرَ الْعَزْلَ وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ لِلْمُوَكِّلِ الْعَزْلَ بَيَّنَ هُنَا أَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِالْوَكَالَةِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ انْتَهَى.
وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ أَوْ أَصْرَحُ مِنْهُ وَفِي كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الذَّخِيرَةِ عَنْ الْجَلَّابِ إذَا وَكَّلْت وَكِيلًا فِي بَيْعِ رَهْنٍ لَيْسَ لَكَ عَزْلُ الْوَكِيلِ إلَّا بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْوَكَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقٌّ لِلْغَيْرِ، وَفِي الْمَبْسُوطِ لَكَ الْعَزْلُ كَسَائِرِ الْوَكَالَاتِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمُنْتَقَى فَإِذَا أَرَادَ الرَّاهِنُ فَسْخَ وَكَالَةِ الْوَكِيلِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ فَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ لَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: لَهُ ذَلِكَ اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَرْعٌ: وَاخْتُلِفَ إذَا وَكَّلَهُ عَلَى بَيْعِ سِلْعَةٍ أَوْ اشْتِرَائِهَا أَوْ سَمَّى لَهُ شَخْصًا مُعَيَّنًا هَلْ لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ؟ كَمَا لَوْ أَطْلَقَ أَوْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ الْمَازِرِيُّ وَعَدَّهَا الْأَشْيَاخُ مِنْ الْمُشْكِلَاتِ وَالْأَصَحُّ عِنْدِي فِي ذَلِكَ إنْ عَيَّنَ لَهُ الْمُشْتَرِيَ وَسَمَّى لَهُ الثَّمَنَ وَقَالَ لَهُ: شَاوِرْنِي أَنَّ لَهُ عَزْلَهُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لَهُ الثَّمَنَ وَلَا قَالَ لَهُ: شَاوِرْنِي فَهَذَا مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ وَالِاضْطِرَابِ وَاخْتُلِفَ إذَا وَكَّلَهُ أَنْ يُمَلِّكَ زَوْجَتَهُ أَمْرَهَا فَهَلْ لَهُ
[ ٥ / ١٨٧ ]
أَنْ يَعْزِلَهُ؟ فَرَأَى اللَّخْمِيُّ وَعَبْدُ الْحَمِيدُ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَالُوا: بِخِلَافِ أَنْ يُوَكِّلَهُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ فَإِنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ وَرَأَى غَيْرُهُمْ أَنَّهُ يُخْتَلَفُ فِيهِ كَالطَّلَاقِ وَاسْتَشْكَلَ الْمَازِرِيُّ الطَّرِيقَةَ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِلْمُوَكِّلِ فِي هَذِهِ الْوَكَالَةِ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ عَزْلُهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا جَعَلَ لَهُ تَمْلِيكَ زَوْجَتِهِ صَارَ كَالْمُلْتَزِمِ لِذَلِكَ الْتِزَامًا لَا يَصِحُّ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ أَنَّهُ إذَا وَكَّلَهُ عَلَى الْخِصَامِ لَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ بَعْدَ مُنَاشَبَةِ الْخِصَامِ وَمُقَاعَدَةِ خَصْمِهِ ثَلَاثًا هُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ الْخَمْسَةِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ شُيُوخِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ فَفِي مَنْعِ الْعَزْلِ بِمُجَرَّدِ انْتِشَاب الْخِصَامِ أَوْ بِمُقَاعَدَتِهِ ثَلَاثًا ثَالِثُهَا بَعْدَ مُقَاعَدَتِهِ مُقَاعَدَةً يَثْبُتُ فِيهَا الْحُكْمُ وَرَابِعُهَا مَا لَمْ يُشْرِفْ عَلَى تَمَامِ الْحُكْمِ وَخَامِسُهَا عَلَى الْحُكْمِ لِابْنِ رُشْدٍ مَعَ اللَّخْمِيِّ وَالْمُتَيْطِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ وَلَهُ عَنْ أَحَدِ قَوْلَيْ أَصْبَغَ وَثَانِيهمَا مُحَمَّدٍ انْتَهَى (تَنَبُّهَات الْأَوَّلُ): مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنْ لَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ بَعْدَ مُنَاشَبَةِ الْخِصَامِ وَمُقَاعَدَةِ خَصْمِهِ ثَلَاثًا إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ غِشٌّ أَوْ تَدْخِيلٌ فِي الْخُصُومَةِ وَمَيْلٌ مَعَ الْمُخَاصِمِ لَهُ، وَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ ذَلِكَ، فَلَهُ عَزْلُهُ وَلَوْ بَعْدَ مُنَاشَبَتِهِ لِلْخِصَامِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: لِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ الْوَكِيلِ مَا لَمْ يُنَاشِبْ الْخُصُومَةَ فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ قَدْ نَاشَبَ خَصْمَهُ وَجَالَسَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْلُهُ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ غِشٌّ أَوْ تَدْخِيلٌ فِي خُصُومَتِهِ وَمَيْلٌ مَعَ الْمُخَاصَمِ لَهُ، فَلَهُ عَزْلُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَكَّلَهُ بِأَمْرٍ فَظَهَرَ غِشُّهُ كَانَ عَيْبًا، وَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْوَكَالَةَ انْتَهَى. وَنَحْوُهُ فِي شَرْحِهِ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَإِنْ ظَهَرَ مِنْ الْوَكِيلِ تَفْرِيطٌ أَوْ مَيْلٌ مَعَ الْخَصْمِ أَوْ مَرِضَ فَلِمُوَكِّلِهِ عَزْلُهُ انْتَهَى (الثَّانِي): مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْوَكَالَةَ لَوْ كَانَتْ فِي غَيْرِ الْخِصَامِ لَكَانَ لِلْمُوَكِّلِ عَزْلُهُ وَلِلْوَكِيلِ عَزْلُ نَفْسِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلِابْنِ رُشْدٍ لِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ وَكِيلِهِ وَلِلْوَكِيلِ أَنْ يَنْخَلَّ عَنْ الْوَكَالَةِ مَتَى شَاءَ أَحَدُهُمَا اتِّفَاقًا إلَّا فِي وَكَالَةِ الْخِصَامِ، فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ إنْ انْتَشَبَ الْخِصَامُ وَالْمُفَوَّضُ إلَيْهِ وَالْمَخْصُوصُ سَوَاءً انْتَهَى
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ: وَإِنْ كَانَتْ الْوَكَالَةُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَهِيَ مَعْرُوفٌ مِنْ الْوَكِيلِ يَلْزَمُهُ إذَا قَبِلَ، وَلِلْمُوَكِّلِ عَزْلُهُ مَتَى شَاءَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْوَكَالَةُ فِي الْخِصَامِ، وَيَجُوزُ لِلْوَكِيلِ فِي غَيْرِ الْخِصَامِ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ مَتَى شَاءَ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ رِضَا مُوَكِّلِهِ إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِأَحَدٍ، وَيَكُونُ فِي عَزْلِهِ نَفْسَهُ إبْطَالٌ لِذَلِكَ الْحَقِّ فَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَرَّعَ بِمَنَافِعِهِ انْتَهَى. وَقَالَ قَبْلَهُ وَإِنْ كَانَتْ بِعِوَضٍ فَهِيَ إجَارَةٌ تَلْزَمُهُمَا بِالْعَقْدِ وَلَا يَكُونُ لِوَاحِدٍ التَّخَلِّي وَتَكُونُ بِعِوَضٍ مُسَمًّى وَإِلَى أَجَلٍ مَضْرُوبٍ وَفِي عَمَلٍ مَعْرُوفٍ انْتَهَى. وَأَصْلُهُ لِابْنِ رُشْدٍ وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْمَفْهُومِ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ بِقَوْلِهِ وَهَلْ لَا تَلْزَمُ أَوْ إنْ وَقَعَتْ بِإِجَارَةٍ أَوْ جُعْلٍ، فَلَهُمَا وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْ، تَرَدُّدٌ وَانْظُرْ التَّوْضِيحَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْوَكَالَةُ بِأُجْرَةٍ لَازِمَةٌ كَالْإِجَارَةِ، فَإِنَّهُ أَشْبَعَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ (الثَّالِثُ): قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ دِينَارٌ وَخَمْسَةُ دَرَاهِمَ فَآجَرَ رَجُلًا فِي تَقَاضِيهِ الْخَمْسَةَ الدَّرَاهِمَ، وَقَالَ لَهُ فَإِذَا قَبَضْت ذَلِكَ فَتَصَدَّقْ بِالدِّينَارِ فَلَمَّا قَدِمَ كَلَّمَهُ فَدَفَعَ إلَيْهِ بِلَا مُؤْنَةٍ وَلَا خُصُومَةٍ قَالَ: يَتَصَدَّقُ بِالدِّينَارِ وَيُرْسِلُ بِالْخَمْسَةِ دَرَاهِمَ إلَى رَبِّهَا انْتَهَى.
ص (وَلَا الْإِقْرَارُ إنْ لَمْ يُفَوِّضْ لَهُ أَوْ يَجْعَلْ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ الْإِقْرَارُ عَلَى مُوَكِّلِهِ وَلَوْ وَكَّلَهُ عَلَى الْخِصَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مُفَوِّضًا إلَيْهِ أَوْ يَكُونَ قَدْ جَعَلَ لَهُ مُوَكِّلَهُ أَنْ يُقِرَّ عَنْهُ وَنَصَّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوَكَالَةَ عَلَى الْخِصَامِ لَا تَسْتَلْزِمُ الْوَكَالَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ إذَا لَمْ يَجْعَلْهُ إلَيْهِ وَلَوْ أَقَرَّ لَمْ يَلْزَمْهُ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ
[ ٥ / ١٨٨ ]
وَفِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ: أَنَّ الْوَكَالَةَ عَلَى الْخِصَامِ فَقَطْ لَا تَشْمَلُ صُلْحًا وَلَا إقْرَارًا وَلَا يَصِحُّ مِنْ الْوَكِيلِ أَحَدُهُمَا إلَّا بِنَصٍّ مِنْ مُوَكِّلِهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنُ رُشْدٍ خِلَافًا انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْكَافِي: وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُفَوَّضِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا عَنْ الْكَافِي وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ: وَلَك أَنْ تُوَكِّلَ مَنْ يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ حَضَرْت أَوْ غِبْت وَلَا يَلْزَمُكَ تَسْلِيمُ الْوَكِيلِ إلَّا أَنْ تُفَوِّضَ إلَيْهِ فِي الْأَخْذِ وَالتَّرْكِ وَلَوْ أَقَرَّ الْوَكِيلُ أَنَّكَ سَلَّمْتَهَا، فَهُوَ كَشَاهِدٍ يَحْلِفُ مَعَهُ الْمُبْتَاعُ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفْت أَنْتَ وَأَخَذْت فَإِنْ أَقَامَ الْوَكِيلُ بَيِّنَةً أَنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ وَكَّلَهُ عَلَى طَلَبِ شُفْعَتِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ مُكِّنَ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى. وَفِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ مِنْ النَّوَادِرِ وَإِذَا وَكَّلْتُهُ عَلَى طَلَبِ شُفْعَةٍ فَسَلَّمَ الْوَكِيلُ فَإِنَّ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ بِذَلِكَ يُلْزِمُكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفَوَّضًا لَمْ يُلْزِمْك قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ قَالَا: وَإِنْ أَقَرَّ بِتَسْلِيمِكَ فَهُوَ شَاهِدٌ يَحْلِفُ مَعَهُ الْمُبْتَاعُ، وَيَلْزَمُكَ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفْت أَنْتَ وَبَرِئْت قِيلَ لِأَشْهَبَ فَيَطْلُبُ لِي شُفْعَتِي وَقَدْ شَهِدَ عَلَيَّ بِالتَّسْلِيمِ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلْوَكِيلِ أَنْ يَطْلُبَ لَكَ شُفْعَةً يَزْعُمُ أَنَّ طَلَبَهَا لَا يَجُوزُ فَإِنْ تَمَادَى فَلْيَسْمَعْ مِنْهُ الْإِمَامُ وَيَقْضِي بِهِ (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ): ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْكَافِي أَنَّهُ قَالَ فِيهِ عَنْ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ قَالَ مَا أَقَرَّ بِهِ فُلَانٌ عَلَيَّ فَهُوَ لَازِمٌ لِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَبْلَهُ ابْنُ عَاتٍ وَقَالَ قَبْلَهُ وَفِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ تَصِحُّ الْوَكَالَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ نَصًّا وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ فِيهِ خِلَافًا، ثُمَّ قَالَ: وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إثْرَ نَقْلِهِ قَوْلَ أَصْبَغَ هَذَا مَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ إلَى آخِرِ كَلَامِ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ الْمُتَقَدِّمِ إنَّهُ خِلَافٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِخِلَافٍ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ أَصْبَغَ نَصَّ فِيهَا عَلَى تَوْكِيلِهِ عَلَى الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَلْزُومٌ لَجَعْلِهِ قَوْلَهُ وَمَسْأَلَةَ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ إنَّمَا صَدَرَ مِنْهُ أَنَّ مَا أَقَرَّ بِهِ فَهُوَ لَازِمٌ فَصَارَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَى فُلَانٍ حَقٌّ، وَهَذَا لَا يَلْزَمُهُ حَسْبَمَا يَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) إنَّمَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ إقْرَارُ الْوَكِيلِ فِيمَا كَانَ مِنْ مَعْنَى الْخُصُومَةِ الَّتِي وَكَّلَهُ عَلَيْهَا عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عَنْ الْمُتَيْطِيِّ قَالَ فُقَهَاءُ طُلَيْطِلَة: مَنْ وَكَّلَ عَلَى طَلَبِ حُقُوقِهِ وَالْمُخَاصِمَةِ عَنْهُ وَالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ فَإِقْرَارُ مُوَكِّلِهِ بِأَنَّهُ وَهَبَ دَارِهِ لِزَيْدٍ أَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَى مُوَكِّلِهِ مِائَةُ دِينَارٍ أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِمُوَكِّلِهِ وَأَنْكَرَهُ ابْنُ عَتَّابٍ وَغَيْرُهُ وَقَالَ: إنَّمَا يَلْزَمُ إقْرَارُهُ فِيمَا كَانَ مِنْ مَعْنَى الْمُخَاصَمَةِ الَّتِي وَكَّلَ عَلَيْهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْأَصْبَغِ بْنُ سَهْلٍ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ مَنْ وَكَّلَ عَلَى قَبْضِ شُفْعَتِهِ فَأَقَرَّ الْوَكِيلُ أَنَّ مُوَكِّلَهُ سَلَّمَهَا فَهُوَ شَاهِدٌ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مُضَعِّفًا لِاسْتِدْلَالِهِ بِمَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْ لَغْوِ إقْرَارِ الْوَكِيلِ عَلَى الشُّفْعَةِ لَغْوُ إقْرَارِ مَنْ جُعِلَ لَهُ الْإِقْرَارُ لِعَدَمِ صِدْقِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ عَلَى إقْرَارِهِ بِإِسْقَاطِهَا وَصِدْقِ مُطْلَقِ الْإِقْرَارِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْهِبَةِ انْتَهَى.
(قُلْت): لَا شَكَّ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ عَتَّابٍ هُوَ الظَّاهِرُ وَأَنَّ أَخْذَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ ضَعِيفٌ لَكِنْ يُؤْخَذُ مِمَّا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الْوَكَالَةَ تَتَخَصَّصُ وَتَتَقَيَّدُ بِالْعُرْفِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعُرْفَ قَاضٍ بِأَنَّ مَنْ وَكَّلَ عَلَى الْمُخَاصَمَةِ وَجَعَلَ لِوَكِيلِهِ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْكَارَ إنَّمَا أَرَادَ الْإِقْرَارَ فِيمَا هُوَ مِنْ مَعْنَى الْخُصُومَةِ الَّتِي وَكَّلَ فِيهَا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ قَالَ أَقَرَّ عَنِّي بِأَلْفٍ فَإِقْرَارٌ)
ش: هَكَذَا نَقَلَ ابْنُ شَاسٍ عَنْ الْمَازِرِيِّ وَكَلَامُ الْمَازِرِيِّ لَيْسَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ وَنَصُّهُ عَلَى مَا نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ لَوْ قَالَ لِلْوَكِيلِ: أَقِرَّ عَنِّي لِفُلَانٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَفِي كَوْنِهِ إقْرَارًا مِنْ الْآمِرِ وَجْهَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا نَطَقَ بِهِ الْوَكِيلُ كَالنُّطْقِ مِنْ الْمُوَكِّلِ لِقَوْلِهِ أَقِرَّ عَنِّي فَأَضَافَ قَوْلَ الْوَكِيلِ لِنَفْسِهِ وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ: مَنْ وَكَّلَ رَجُلًا وَجَعَلَهُ فِي الْإِقْرَارِ عَنْهُ كَنَفْسِهِ فَمَا أَقَرَّ بِهِ الْوَكِيلُ يَلْزَمُ بِهِ مُوَكِّلُهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقُولُ كَذَلِكَ فِي أَقِرَّ عَنِّي.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَيْسَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِ أَصْبَغَ كَبِيرُ شَاهِدٍ يَرُدُّ بِأَنَّهُ
[ ٥ / ١٨٩ ]
مَحْضُ دَعْوَى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فِي مُقَابَلَةِ مُسْتَدِلٍّ عَلَيْهِ وَاسْتِشْهَادُ الْمَازِرِيِّ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَمْرِ الْمُوَكِّلِ وَكِيلَهُ بِفِعْلِ شَيْءٍ وَبَيْنَ جَعْلِهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ بِيَدِهِ كَقَوْلِهِ بِعْ هَذَا الثَّوْبَ أَوْ جَعَلْت بَيْعَهُ بِيَدِكَ هَذَا إنْ حَمَلْنَا قَوْلَ الْمَازِرِيِّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْوَكِيلِ ذَلِكَ كَقَوْلِ الْمُوَكِّلِ فَيَكُونُ حَاصِلُهُ لُزُومَ إقْرَارِ الْوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ مَا وَكَّلَهُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ عَنْهُ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا نَطَقَ بِهِ الْوَكِيلُ كَالنُّطْقِ مِنْ الْمُوَكِّلِ لِقَوْلِهِ أَقِرَّ عَنِّي وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى مَا فَهِمَهُ ابْنُ شَاسٍ مِنْهُ إنَّ قَوْلَهُ أَقِرَّ عَنِّي بِكَذَا إقْرَارٌ مِنْهُ بِذَلِكَ صَحَّ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ. وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ كَبِيرُ شَاهِدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمَعْصِيَةٌ)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْوَكَالَةُ نِيَابَةٌ فِيمَا لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمُبَاشَرَةُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَبْطَلَهُ ابْنُ هَارُونَ بِالنِّيَابَةِ فِي الْمَعَاصِي كَالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ وَقَتْلِ الْعُدْوَانِ وَغَرَّهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ: وَلَا تَصِحُّ فِي الْمَعَاصِي كَالسَّرِقَةِ وَقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ وَيُرَدُّ بِمَنْعِ صِدْقِيَّةِ النِّيَابَةِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ وَالِاسْتِعْمَالَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَرْطَ النِّيَابَةِ اسْتِحْقَاقُ جَاعِلِهَا فِعْلَ مَا وَقَعَتْ النِّيَابَةُ فِيهِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ إنَّ الْوَكَالَةَ تَعْرِضُ لَهَا الْحُرْمَةُ، وَمَثَّلَهُ بِالْبَيْعِ الْحَرَامِ فَتَأَمَّلْهُ.
ص (بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا)
ش: اعْلَمْ أَنَّ أَرْكَانَ الْوَكَالَةِ أَرْبَعَةٌ: الْمُوَكِّلُ وَالْوَكِيلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى شُرُوطِهِمَا فِي بَابِ الشَّرِكَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ وَالثَّالِثُ مَا فِيهِ التَّوْكِيلُ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ فِي قَابِلِ النِّيَابَةِ وَالرَّابِعُ الصِّيغَةُ وَأَشَارَ إلَيْهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَوَّلَ الْبَابِ صَحَّتْ الْوَكَالَةُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْوَكَالَةَ تَصِحُّ وَتَنْعَقِدُ بِكُلِّ مَا دَلَّ عَلَيْهَا فِي الْعُرْفِ وَلَا يُشْتَرَطُ لِانْعِقَادِهَا لَفْظٌ مَخْصُوصٌ قَالَ فِي اللُّبَابِ: مِنْ أَرْكَانِ الْوَكَالَةِ الصِّيغَةُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى التَّوْكِيلِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُعْتَبَرُ الصِّيغَةُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي صِحَّةِ الْوَكَالَةِ الصِّيغَةُ كَقَوْلِهِ وَكَّلْتُكَ أَوْ أَنْتَ وَكِيلِي أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ كَقَوْلِهِ تَصَرَّفْ عَنِّي فِي هَذَا أَوْ كَإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى.
(قُلْت)، وَهَذَا مِنْ جَانِبِ الْمُوَكِّلِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مِنْ جَانِبِ الْوَكِيلِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَبُولِ وَيُطْلَبُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ قَالَ فِي اللُّبَابِ: إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ التَّوْكِيلِ فَإِنْ تَرَاخَى قَبُولُهُ بِالتَّوْكِيلِ الطَّوِيلِ فَيُخَرَّجُ فِيهِ قَوْلَانِ مِنْ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمُمَلَّكَةِ وَالْمُخَيَّرَةِ فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ انْتَهَى. وَأَصْلُهُ لِلْمَازِرِيِّ وَنَقَلَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَزَادَ فِيهِ عَنْ الْجَوَاهِرِ عَنْ الْمَازِرِيِّ قَالَ وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا يَرْجِعُ إلَى الْعَادَةِ هَلْ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ جَوَابُهُ
[ ٥ / ١٩٠ ]
عَلَى الْفَوْرِ أَمْ لَا؟ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَلَا بُدَّ فِي الصِّيغَةِ مِنْ الْقَبُولِ فَإِنْ وَقَعَ بِالْفَوْرِ فَوَاضِحٌ وَإِنْ تَأَخَّرَ فَفِي لَغْوِهِ قَوْلَانِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي لَغْوِ التَّخْيِيرِ بِانْقِضَاءِ الْمَجْلِسِ الْمَازِرِيُّ التَّحْقِيقُ الرُّجُوعُ لِاعْتِبَارِ الْمَقْصُودِ وَالْعَادَةُ هَلْ الْمُرَادُ مِنْ اللَّفْظِ اسْتِدْعَاءُ الْجَوَابِ عَاجِلًا؟ أَوْ وَلَوْ كَانَ مُتَأَخِّرًا؟ انْتَهَى وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُوَ الظَّاهِرُ وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ الْبِسَاطِيُّ وَحَمَلَهُ الشَّارِحُ عَلَى مَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ فِيهِ مَعْلُومًا بِالْعُرْفِ، وَهَذَا مُسْتَغْنًى بِقَوْلِهِ حَتَّى يُفَوِّضَ، ثُمَّ قَوْلُهُ أَوْ يُعَيِّنَ بِنَصٍّ أَوْ قَرِينَةٍ وَتُخَصَّصُ وَتُقَيَّدُ بِالْعُرْفِ قَالَ الْبِسَاطِيُّ: وَأَلْجَأَ الشَّارِحُ إلَى ذَلِكَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لَا بِمُجَرَّدِ وَكَّلْتُكَ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِيمَا قَالَ وَيُمْكِنُ حَمْلُ هَذَا عَلَى مَعْنَاهُ مَعَ حَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ وَالتَّقْدِيرُ، وَصَحَّتْ الْوَكَالَةُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عُرْفًا وَلَيْسَ مُطْلَقُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا كَافِيًا فِي ذَلِكَ إذْ قَدْ يَصْدُقُ الْمُطْلَقُ مَعَ التَّفْوِيضِ وَالتَّعْيِينِ وَالْأَعَمُّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْأَخَصِّ انْتَهَى. بَعْضُهُ بِالْمَعْنَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا أَيْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْوَكَالَةِ وَعَلَى الْمُوَكِّلِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالرُّكْنِ الثَّالِثِ أَعْنِي الْمُوَكَّلَ فِيهِ كَمَا فَعَلَهُ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَصَاحِبُ الذَّخِيرَةِ وَيَصِحُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالرُّكْنِ الرَّابِعِ الَّذِي هُوَ الصِّيغَةُ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى وَتَصِحُّ الْوَكَالَةُ بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا عَلَى الْوَكَالَةِ وَعَلَى الشَّيْءِ الْمُوَكَّلِ فِيهِ، وَلِهَذَا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ لَا بِمُجَرَّدِ وَكَّلْتُكَ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ): قَالَ الْبِسَاطِيُّ فِي شَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: يَعْنِي لَيْسَ لِلْوَكَالَةِ صِيغَةٌ خَاصَّةٌ بَلْ كُلُّ مَا دَلَّ لُغَةً أَوْ عُرْفًا، فَإِنَّهَا تَنْعَقِدُ بِهِ فَإِنْ خَالَفَ الْعُرْفُ اللُّغَةَ فَالْمُعْتَبَرُ الْعُرْفُ انْتَهَى. وَهُوَ رَاجِعٌ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْعُرْفُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) مِنْ الْعُرْفِ فِي الْوَكَالَةِ الْوَكَالَةُ بِالْعَادَةِ كَمَا إذَا كَانَ رُبْعٌ بَيْنَ أَخٍ وَأُخْتٍ وَكَانَ الْأَخُ يَتَوَلَّى كِرَاءَهُ وَقَبْضَهُ سِنِينَ مُتَطَاوِلَةً، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إنَّهُ دَفَعَهُ لِأُخْتِهِ قَالَ ابْنُ نَاجِي عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ: لِأَنَّهُ وَكِيلٌ بِالْعَادَةِ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ بِرُمَّتِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَصَدَقَ فِي الرَّدِّ كَالْمُودَعِ وَتَصَرُّفُ الرَّجُلِ فِي مَالِ امْرَأَتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَكَالَةِ حَتَّى يَثْبُتَ التَّعَدِّي قَالَهُ مَالِكٌ فِي رَسْمِ حَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ وَرَسْمِ الْبَزِّ مِنْ سَمَاعِهِ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ.
(الثَّالِثُ): عَدَّ بَعْضُهُمْ أَرْكَانَ الْوَكَالَةِ ثَلَاثَةً، وَجَعَلَ الْوَكِيلَ وَالْمُوَكِّلَ رُكْنًا وَاحِدًا مِنْهُمْ الْمَشَذَّالِيُّ وَنَصُّهُ وَأَرْكَانُ الْوَكَالَةِ ثَلَاثَةٌ: الْعَاقِدَانِ وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَالصِّيغَةُ فَالْعَاقِدَانِ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ، وَشَرْطُ الْمُوَكِّلِ: جَوَازُ تَصَرُّفِهِ فِيمَا وَكَّلَ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ مِنْ الرَّشِيدِ مُطْلَقًا وَمِنْ الْمَحْجُورِ فِي الْخُصُومَةِ انْتَهَى.
(الرَّابِعُ): تَقَدَّمَ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ أَنَّ وَكَالَةَ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ جَائِزَةٌ، وَفِي تَوْكِيلِ الْأَجْنَبِيِّ غَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ طَرِيقَانِ.
(فَرْعٌ): قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ الرَّابِعِ فِي تَرْجَمَةِ عِتْقِ عَبْدِهِ عَلَى مَالٍ: وَإِذَا وَكَّلَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ لَزِمَتْهُ الْوَكَالَةُ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ انْتَهَى.
ص (بَلْ حَتَّى يُفَوِّضَ فَيُمْضِيَ النَّظَرَ إلَّا أَنْ يَقُولَ: وَغَيْرُ نَظَرٍ إلَّا الطَّلَاقَ وَإِنْكَاحَ بِكْرِهِ وَبَيْعُ دَارِ سُكْنَاهُ وَعَبْدِهِ)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْمُوَكَّلُ فِيهِ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِالنَّصِّ أَوْ بِالْقَرِينَةِ أَوْ بِالْعَادَةِ، فَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ لَمْ يُفِدْ حَتَّى يُقَيَّدَ بِالتَّفْوِيضِ أَوْ بِأَمْرٍ فَلَوْ قَالَ: بِمَا لِي مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ مَضَى فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ إذَا كَانَ نَظَرًا إلَّا أَنْ يَقُولَ: وَغَيْرُ نَظَرٍ قَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ إطْلَاقَ التَّوْكِيلِ لَا يُفِيدُ حَتَّى يُقَيَّدَ بِالتَّفْوِيضِ أَوْ بِأَمْرٍ، وَهَذَا الْفَرْعُ مِثَالٌ لِلتَّفْوِيضِ وَشَرَطَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهُ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ إلَّا أَنْ يَزِيدَ فِي التَّعْمِيمِ فَيَقُولَ أَوْ غَيْرَ نَظَرٍ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي لِلْإِبَاحَةِ وَبِهَا يَتِمُّ تَعْمِيمُ الْوَكَالَةِ وَقَدْ جَرَى عَمَلُ النَّاسِ عِنْدَنَا فِي هَذِهِ الْجِهَاتِ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ الْوَكِيلُ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَعَ وُجُودِ هَذَا الْقَيْدِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ إلَّا فِي بَيْعِ دَارِ سُكْنَى مُوَكِّلِهِ وَطَلَاقِ زَوْجَتِهِ انْتَهَى وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ
[ ٥ / ١٩١ ]
قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إلَّا الطَّلَاقَ وَمَا بَعْدَهُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ: وَغَيْرَ نَظَرٍ وَجَعَلَهَا ابْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ رَاشِدٍ وَغَيْرِهِ مُسْتَثْنَاةً مِنْ مُطْلَقِ الْوَكَالَةِ الْمُفَوَّضَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهَا إذَا اُسْتُثْنِيَتْ مِنْهَا مَعَ وُجُوبِ هَذَا الْقَيْدِ فِيهَا، فَأَحْرَى أَنْ تُسْتَثْنَى مَعَ عَدَمِهِ لَكِنْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّا إذَا جَعَلْنَاهَا مُسْتَثْنَاةً مِنْ قَوْلِهِ فَيَمْضِي النَّظَرُ اقْتَضَى قَوْلُهُ بَعْدَهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ وَغَيْرُ نَظَرٍ أَنَّهُ إذَا ذُكِرَ هَذَا الْقَيْدُ لَا تَكُونُ مُسْتَثْنَاةٌ وَإِنَّمَا تَمْضِي وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَتَأَمَّلْهُ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ): اعْتَرَضَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ نَظَرًا أَوْ غَيْرَ نَظَرٍ فَقَالَ: شَرَطَ الْمُصَنِّفُ فِي تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ أَنْ يَكُونَ نَظَرًا؛ لِأَنَّهُ مَعْزُولٌ عَنْ غَيْرِهِ بِالْعَادَةِ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ لَهُ بِذَلِكَ فَيَقُولَ نَظَرًا وَغَيْرَ نَظَرٍ خَلِيلٍ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا يَأْذَنُ الشَّرْعُ فِي السَّفَهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ الْوَكِيلُ إذْ لَا يَحِلُّ لَهُمَا ذَلِكَ انْتَهَى. وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ تَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنَ بَشِيرٍ وابْنَ شَاسٍ، ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: مُقْتَضَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ مَنْعُ التَّوْكِيلِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ فَسَادٌ وَفِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ تَقْيِيدُ بَيْعِ التَّمْرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فَسَادًا، وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ الْمَذْهَبِ مَنْعَ تَوْكِيلِ السَّفِيهِ انْتَهَى. وَفَهِمَ ابْنُ فَرْحُونٍ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى خِلَافِ مَا فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ عَرَفَةَ فَقَالَ إثْرَهُ هَذَا مِثَالٌ لِوَكَالَةِ التَّفْوِيضِ، وَلَفْظُ مَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ فَلَوْ قَالَ وَكَّلْتُكَ بِمَا إلَيَّ تَعَاطِيهِ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَقَلِيلِ الْأَشْيَاءِ وَكَثِيرِهَا جَازَ فِعْلُ الْوَكِيلِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، وَعَكْسُهُ هُوَ مَعْزُولٌ عَنْهُ بِالْعَادَةِ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ افْعَلْ مَا رَأَيْت كَانَ نَظَرًا عِنْدَ أَهْلِ الْبَصَرِ وَالْمَعْرِفَةِ أَوْ غَيْرَ نَظَرٍ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ افْعَلْ مَا شِئْت وَإِنْ كَانَ سَفَهًا كَمَا فَهِمَهُ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ انْتَهَى.
(قُلْت): هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى الْقَوْلِ بِمَنْعِ تَوْكِيلِ السَّفِيهِ، وَهُوَ أَحَدُ الطَّرِيقَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الشَّرِكَةِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ ذَلِكَ، فَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى مَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَالْحَقُّ أَنَّ النَّظَرَ هَهُنَا فِي مَقَامَيْنِ أَحَدُهُمَا جَوَازُ التَّوْكِيلِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَالثَّانِي: مُضِيُّ أَفْعَالِ الْوَكِيلِ وَعَدَمُ تَضْمِينِهِ، فَأَمَّا جَوَازُ التَّوْكِيلِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْإِذْنُ بِمَا هُوَ سَفَهٌ عِنْدَ الْوَكِيلِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْإِذْنُ فِيمَا يَرَاهُ الْوَكِيلُ صَوَابًا وَإِنْ كَانَ عِنْدَ النَّاسِ سَفَهًا فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ مَعْلُومَ السَّفَهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ جَازَ، وَأَمَّا مُضِيُّ أَفْعَالِ الْوَكِيلِ، وَعَدَمُ تَضْمِينِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَفْعَالَهُ مَاضِيَةٌ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّل أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ قَالُوا فِي كِتَابِ الْجِرَاحِ فِيمَنْ أَذِنَ لِإِنْسَانٍ فِي قَطْعِ يَدِهِ فَقَطَعَهَا أَنَّهُ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ لَإِذْنِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَالْمَالُ أَحْرَى، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ بَلْ هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِهِمْ مَضَى أَيْ وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً، فَتَأَمَّلْهُ نَعَمْ هُنَا وَجْهٌ يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ مَعَهُ كَلَامُهُمْ عَلَى الْجَوَازِ ابْتِدَاءً، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الشَّرِكَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَا صَنَعَهُ مُفَوَّضٍ إلَيْهِ مِنْ شَرِيكٍ أَوْ وَكِيلٍ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ لَمْ يَلْزَمْ، وَلَكِنْ يَلْزَمُ الشَّرِيكَ فِي حِصَّتِهِ وَيُرَدُّ صَنِيعُ الْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يَهْلِكَ مَا صَنَعَ الْوَكِيلُ، فَيَضْمَنُهُ الْمُوَكِّلُ انْتَهَى.
فَإِذَا كَانَ الْوَكِيلُ مَمْنُوعًا مِنْ التَّبَرُّعَاتِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ يُمْضِي النَّظَرَ أَيْ مَا فِيهِ مُصْلَحَةٌ تَعُودُ بِتَنْمِيَةِ الْمَالِ لَا التَّبَرُّعَاتِ كَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ إلَّا أَنْ يَقُولَ وَكَّلْتُكَ وَكَالَةً مُفَوَّضَةً وَأَذِنْت لَكَ أَنْ تَفْعَلَ جَمِيعَ مَا تَرَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ نَظَرٍ أَيْ لَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةً تَعُودُ بِتَنْمِيَةِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَتَمْضِي التَّبَرُّعَاتُ وَلَا يُقْضَى فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَنَّهَا سَفَهٌ أَوْ فَسَادٌ إلَّا مَا تَفَاحَشَ مِنْ ذَلِكَ وَخَرَجَ عَنْ الْحَدِّ وَلَمْ يَكُنْ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ الْيَقِينِ وَالتَّوَكُّلِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي): عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ الْوَكِيلَ الْمُفَوَّضَ مَمْنُوعٌ
[ ٥ / ١٩٢ ]
مِنْ التَّبَرُّعِ فَأَحْرَى غَيْرُهُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كَافِيهِ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا الْوَكِيلُ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ، وَأَنْ يُؤَخِّرَ وَأَنْ يَهْضِمَ الشَّيْءَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ، وَيَنْفُذُ فِعْلُهُ فِي الْمَعْرُوفِ وَالصَّدَقَةِ إذَا كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ وَفِعْلُهُ كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّظَرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُ ذَلِكَ، فَإِذَا بَانَ تَعَدِّيهِ أَوْ فَسَادُهُ ضَمِنَ وَمَا خَالَفَ فِيهِ الْوَكِيلَ الْمُفَوَّضَ إلَيْهِ وَغَيْرُهُ مَا أُمِرَ بِهِ فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَلِمُوَكِّلِهِ تَضْمِينُهُ إنْ شَاءَ ذَلِكَ انْتَهَى.
(قُلْت): يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ وَيَنْفُذُ فِعْلُهُ فِي الْمَعْرُوفِ وَالصَّدَقَةِ إذَا كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ إذَا كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ يَعُودُ بِتَنْمِيَةِ الْمَالِ كَمَا قَالُوا فِي الشَّرِيكِ إنَّ ذَلِكَ يَمْضِي إذَا قُصِدَ بِهِ الِاسْتِئْلَافُ وَإِلَّا كَانَ كَلَامُ الْكَافِي مُخَالِفًا لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْكَافِي أَنَّ فِعْلَ الْوَكِيلِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّظَرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ وَكَلَامُهُ فِي التَّوْضِيحِ لَا يُنَافِيه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ): قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: إثْرَ كَلَامِهِ السَّابِقِ: ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ الْوَكَالَةِ الْمُفَوَّضَةِ بَيْعُ دَارِ السُّكْنَى وَطَلَاقُ الزَّوْجَةِ وَبَيْعُ الْعَبْدِ الْقَائِمِ بِأُمُورِ الْوَكِيلِ وَزَوَاجُ الْبِكْرِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ قَاضٍ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِ الْوَكَالَةِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ الْمُوَكِّلُ بِإِذْنٍ خَاصٍّ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي اللُّبَابِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ: أَنَّهُ إنْ وَكَّلَهُ عَلَى الطَّلَاقِ مُعَيَّنًا لَزِمَهُ قَالَ وَإِنْ فَوَّضَ إلَيْهِ جَمِيعَ أُمُورِهِ وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ فَظَاهِرُ مَا فِي الْجَوَاهِرِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَاَلَّذِي حَكَاهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ مَعْزُولٌ عُرْفًا عَنْ طَلَاقِ الزَّوْجَةِ وَبَيْعِ دَارِ السُّكْنَى وَتَزْوِيجِ الْبِنْتِ وَعِتْقِ الْعَبْدِ انْتَهَى (الْخَامِسُ) قَالَ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَزَوَّجَ أُخْتَهُ الْبِكْرَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْأَبِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَجَازَهُ الْأَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ابْنًا فَوَّضَ إلَيْهِ جَمِيعَ أَمْرِهِ وَجَمِيعَ شَأْنِهِ، فَيَجُوزُ بِإِجَازَةِ الْأَبِ، وَكَذَلِكَ فِي أَمَةِ الْأَبِ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَخِ وَالْجَدِّ يُقِيمُهُ هَذَا الْمَقَامَ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ النِّكَاحِ: وَإِنْ أَجَازَ مُجْبَرٌ فِي ابْنٍ وَأَخٍ وَجَدٍّ فَوَّضَ لَهُ أُمُورَهُ بِبَيِّنَةٍ جَازَ انْتَهَى فَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ هَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُمْ هُنَا أَنَّ الْوَكَالَةَ الْمُفَوَّضَةَ لَا تَشْمَلُ تَزْوِيجَ الْبِكْرِ بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى مَا هُنَا أَنَّهُ لَا يَمْضِي بَلْ يُوقَفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُوَكِّلِ وَإِنْ اتَّفَقَا نَعَمْ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ إثْرَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمَذْكُورِ: قَوْلُهُ فَوَّضَ لَهُ يَعْنِي بِالْعَادَةِ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ بِالصِّيغَةِ لَكَانَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إجَازَةِ الْأَبِ لِأَنَّ الْوَكِيلِ لَهُ أَنْ يُنْكِحَ وَيُطَلِّقَ وَيُقِرَّ عَلَى مُوَكِّلِهِ انْتَهَى فَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَالُوهُ هُنَا إنَّ الْوَكَالَةَ الْمُفَوَّضَةَ لَا تَشْمَلُ تَزْوِيجًا وَلَا طَلَاقَ الزَّوْجَةِ، وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ اللُّبَابِ فِي التَّنْبِيهِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، وَأَمَّا إقْرَارُهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ، فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا تَوْكِيلُ الْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنُصَّ لَهُ عَلَى ذَلِكَ مُوَكِّلُهُ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ (السَّادِسُ): إذَا اُبْتُدِئَتْ الْوَكَالَةُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ قَالَ فِي تَوْكِيلِهِ إنَّهُ وَكَّلَهُ وَكَالَةً مُفَوَّضَةً أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ وَأَنْزَلَهُ مَنْزِلَتَهُ، وَجَعَلَ لَهُ النَّظَرَ بِمَا يَرَاهُ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ التَّفْوِيضُ لِمَا سَمَّاهُ وَلَا يَتَعَدَّى الْوَكِيلُ مَا سَمَّى لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا سَمَّاهُ، وَيُعَادُ إلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا قَالَ وَكَّلْته وَكَالَةً مُفَوَّضَةً، فَهَذَا تَوْكِيلٌ تَامٌّ فِي جَمِيعِ أُمُورِ الْوَكَالَةِ، وَيَجُوزُ فِعْلُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ صُلْحٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَاتِ قَالَ: وَإِنْ قَالَ: وَكَالَةٌ مُفَوَّضَةٌ جَامِعَةٌ لِجَمِيعِ وُجُوهِ التَّوْكِيلِ وَمَعَانِيهِ كَانَ أَبْيَنَ فِي التَّفْوِيضِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: إذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَكَالَةً مُطْلَقَةً، وَلَمْ يَخُصَّهُ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، فَهُوَ وَكِيلٌ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَإِنْ سَمَّى بَيْعًا أَوْ ابْتِيَاعًا أَوْ خِصَامًا أَوْ شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ، فَلَا يَكُونُ وَكِيلًا إلَّا فِيمَا سَمَّى وَإِنَّمَا قَالَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ: وَكَالَةً مُفَوَّضَةً لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَرْجِعُ لِمَا سَمَّى خَاصَّةً، وَهَذَا قَوْلُهُمْ فِي الْوَكَالَةِ إذَا طَالَتْ قَصُرَتْ، وَإِذَا قَصُرَتْ طَالَتْ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ: قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: قَالَ ابْنُ عَاتٍ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ، وَأَفْتَى بِهِ الشُّيُوخُ أَنَّهُ
[ ٥ / ١٩٣ ]
مَتَى انْعَقَدَ فِي وَثِيقَةِ التَّوْكِيلِ تَسْمِيَةُ شَيْءٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ التَّفْوِيضَ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ لِمَا سَمَّى وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا وَذَكَرَ التَّفْوِيضَ التَّامَّ، فَهُوَ تَفْوِيضٌ تَامٌّ فِي جَمِيعِ أُمُورِ الْوَكَالَةِ وَكُلَّمَا فُعِلَ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ وَعَلَيْهِ تَدُلُّ رِوَايَةُ مُطَرِّفٍ وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى مِنْ مَسَائِلِ الْوَكَالَاتِ.
ص (وَتَعَيَّنَ بِنَصٍّ أَوْ قَرِينَةٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْوَكَالَةَ إمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّفْوِيضِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ أَوْ يُعَيِّنُ الْمُوَكِّلُ فِيهِ فَيَتَعَيَّنُ فَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَتَعَدَّاهُ.
(فَرْعٌ): قَالَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ وَكَّلْت رَجُلًا يَقْبِضُ مَا لَكَ عَلَى فُلَانٍ فَجَحَدَهُ فَحَلَّفَهُ الْوَكِيلُ، ثُمَّ لَقِيتَهُ أَنْتَ لَمْ يَكُنْ لَكَ أَنْ تُحَلِّفَهُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ يَمِينَهُ لِوَكِيلِكَ يَمِينٌ لَكَ، وَقَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ عَلَى خِصَامٍ أَوْ فَوَّضَ إلَيْهِ الْوَكَالَةَ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُوَكَّلًا عَلَى الْقَبْضِ مُجَرَّدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ لِرَبِّ الْمَالِ بَعْدَ خِصَامِهِ وَتَحْلِيفِهِ انْتَهَى. وَهَذَا ظَاهِرٌ، فَفُهِمَ مِنْهُ إذَا وَكَّلَهُ عَلَى الْخِصَامِ، فَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ): قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ: وَمَنْ وَكَّلَ رَجُلًا عَلَى الْقِيَامِ بِعَيْبٍ فِي سِلْعَةٍ اشْتَرَاهَا مِنْ رَجُلٍ وَالْمُوَكِّلُ غَائِبٌ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ بَاعَ مِنْ مُوَكِّلِهِ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ لِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ، فَرَدَّهَا عَلَى الْغَائِبِ فَاَلَّذِي أَرَاهُ إذَا لَمْ يُسَمِّ الْمُقَدَّمَ عَلَيْهِ مَنْ بَاعَ مِنْهُ السِّلْعَةَ أَوْ سَمَّى رَجُلًا غَائِبًا بُعَيْدَ الْغَيْبَةِ، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ لَدَدُهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ حَمِيلٌ بِالثَّمَنِ إلَى أَنْ يَكْتُبَ لِلْمُوَكِّلِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَيَحْلِفُ وَسَوَاءٌ كَانَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ أَوْ بَعِيدَهَا، وَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ الَّذِي فِي وَكِيلِ الْغَائِبِ عَلَى قَبْضِ الدَّيْنِ يُقِرُّ بِهِ الْغَرِيمُ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ قَضَاهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مُقِرٌّ لِلْغَائِبِ بِشَيْءٍ، وَأَمَّا أَخْذُ الثَّمَنِ مِنْهُ أَوْ إيقَافُهُ، فَلَا أَرَاهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ بَعْدَ شَيْءٍ انْتَهَى.
ص (وَتَخَصَّصَ وَتَقَيَّدَ بِالْعُرْفِ)
ش: فَاعِلُ تَخَصَّصَ وَتَقَيَّدَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الشَّيْءِ الْمُوَكَّلِ فِيهِ أَوْ عَلَى لَفْظِ الْمُوَكِّلِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ إذَا كَانَ لَفْظُ الْوَكِيلِ عَامًّا، فَإِنَّهُ يَتَخَصَّصُ بِالْعُرْفِ كَمَا إذَا قَالَ: وَكَّلْتُكَ عَلَى بَيْعِ دَوَابِّي وَكَانَ الْعُرْفُ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الدَّوَابِّ، فَإِنَّهُ يَتَخَصَّصُ بِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: لَهُ وَكَّلْتُكَ عَلَى بَيْعِ هَذِهِ السِّلْعَةِ، فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ عَامٌّ فِي بَيْعِهَا فِي كُلِّ مَكَان وَزَمَانٍ، فَإِذَا كَانَ الْعُرْفُ أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ إنَّمَا تُبَاعُ فِي سُوقٍ مَخْصُوصٍ أَوْ فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ، فَإِنَّ الْعُرْفَ يُخَصِّصُ ذَلِكَ الْعُمُومَ، وَكَذَا إذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمُوَكَّلُ فِيهِ مُطْلَقًا أَوْ لَفْظُ الْمُوَكَّلِ، فَإِنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِالْعُرْفِ كَمَا لَوْ قَالَ اشْتَرِ لِي عَبْدِي، فَإِنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ. وَالْعَامُّ هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ الصَّالِحُ لَهُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ، وَالْمُطْلَقُ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ.
ص (إلَّا عَلَى بَيْعٍ فَلَهُ طَلَبُ الثَّمَنِ وَقَبْضُهُ)
ش: هُوَ نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَيَمْلِكُ الْوَكِيلُ الْمُطَالَبَةَ بِالثَّمَنِ وَقَبْضَهُ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَعْنِي أَنَّ التَّوْكِيلَ عَلَى الْبَيْعِ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ لِلْوَكِيلِ الْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ وَقَبْضُهُ لِذَلِكَ لَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ، وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ ضَمِنَهُ انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ): قَوْلُهُ: فَلَهُ طَلَبُ الثَّمَنِ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ تَرْكَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَلِذَلِكَ، لَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ ضَمِنَهُ (الثَّانِي): قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: هَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْعَادَةُ التَّرْكَ فَقَدْ نَصَّ أَبُو عِمْرَانَ عَلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ فِي الرِّبَاعِ أَنَّ وَكِيلَ الْبَيْعِ لَا يَقْبِضُ الثَّمَنَ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَهُ قَبْضُ مَا وُكِّلَ فِي بَيْعِهِ إلَّا لِعَادَةٍ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى لَهُمْ: مَسْأَلَةٌ وَالْوَكِيلُ عَلَى بَيْعِ الدَّارِ وَالْعَقَارِ إذَا أَرَادَ قَبْضَ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ وَكِيلٌ عَلَى الْبَيْعِ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ وَالْعَادَةَ أَنَّ وَكِيلَ الْبَيْعِ فِي الدَّارِ وَالْعَقَارِ لَا يَقْبِضُ الثَّمَنَ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِتَوْكِيلٍ خَاصٍّ عَلَى قَبْضِ الثَّمَنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَهْلُ بَلَدٍ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِأَنَّ مُتَوَلِّيَ الْبَيْعِ يَتَوَلَّى قَبْضَ الثَّمَنِ فَيُجْزِئُهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ عَلَى الْبَيْعِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ عَلَى بَيْعِ السِّلَعِ فَإِنَّ لَهُ قَبْضَ الثَّمَنِ وَالْمُطَالَبَةَ بِهِ انْتَهَى
[ ٥ / ١٩٤ ]
(الثَّالِثُ) لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: فَلَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ لَا غِنَى عَنْ قَوْلِهِ فَلَهُ طَلَبُ الثَّمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ اشْتِرَاءٍ فَلَهُ قَبْضُ الْمَبِيعِ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَالْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ يَمْلِكُ قَبْضَ الْمَبِيعِ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ وَفِي قَبُولِهِ مُطْلَقًا نَظَرٌ، وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ عِنْدَ التَّفْصِيلِ، فَحَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُ الثَّمَنِ يَجِبُ لَهُ قَبْضُ الْمَبِيعِ، وَحَيْثُ لَا يَجِبُ لَا يَجِبُ لِلنُّكْتَةِ الَّتِي فَرَّقُوا بِهَا بَيْنَ وُجُوبِ قَبْضِ الْوَكِيلِ ثَمَنَ مَا بَاعَهُ، وَعَدَمِ صِحَّةِ قَبْضِ وَلِيِّ الْبِنْتِ نَقْدَ وَلِيَّتِهِ دُونَ تَوْكِيلٍ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ فِي الْبَيْعِ هُوَ مُسَلِّمُ الْمَبِيعِ لِمُبْتَاعِهِ وَلَيْسَ الْوَلِيُّ كَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ، وَسَيَذْكُرُ الْمُصَنِّفُ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْوَكِيلِ فِيهِ قَبْضُ الثَّمَنِ.
ص (وَرَدُّ الْمَعِيبِ إنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ مُوَكِّلُهُ) ش إذَا عَيَّنَ الْمُوَكِّلُ السِّلْعَةَ الْمُشْتَرَاةَ، فَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ اتِّفَاقًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُوَكِّلُ عَلِمَ بِالْعَيْبِ أَوْ يَغْتَفِرُهُ عِنْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ لِغَرَضِهِ فِيهِ، وَاخْتُلِفَ إذَا لَمْ يُعَيِّنْهَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلْوَكِيلِ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ بِمُخَالَفَةِ الصِّفَةِ وَقَالَ أَشْهَبُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ، وَإِنْ رَدَّ، فَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ لَا يُجِيزَ الرَّدَّ وَيُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا إنْ فَاتَتْ قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: وَإِذَا كَانَ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ بِإِمْسَاكِهِ السِّلْعَةَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيَرُدُّهُ لَهَا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فَالْحِيلَةُ فِي التَّخَلُّصِ مِنْهُ أَنْ يَرْفَعَ لِلْحَاكِمِ فَيَحْكُمَ لَهُ بِأَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَانُ.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَيَّدَ اللَّخْمِيُّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِمَا إذَا كَانَ الْعَيْبُ ظَاهِرًا قَالَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْعَيْبُ مِمَّا يَخْفَى، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَكِيلِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ انْتَهَى، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا التَّقْيِيدَ وَلَا صَاحِبُ الشَّامِلِ.
ص (إلَّا الْمُفَوِّضَ)
ش: كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَعَلَيْهَا شَرْحُ الشَّارِحِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا لِأَشْتَرِيَ مِنْك)
ش: أَيْ فَالثَّمَنُ عَلَى الْوَكِيلِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْمُوَكِّلُ فَلْيَتْبَعْ أَيَّهمَا شَاءَ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ زَادَ ابْنُ عَرَفَةَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْآمِرُ أَنَّهُ دَفَعَ الثَّمَنَ لِلْمَأْمُورِ فَيَحْلِفَ وَيَبْرَأَ وَيَتْبَعَ الْمَأْمُورَ.
ص (وَبِالْعُهْدَةِ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (مَسْأَلَةٌ): قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إذَا أَقْرَرَتْ أَنَّ وَكِيلًا لَك بَاعَ عَبْدَك مِنْ فُلَانٍ بِمِائَةٍ وَفُلَانٌ مُصَدِّقٌ وَالْوَكِيلُ مُنْكِرٌ، فَالْعَبْدُ يَلْزَمُ فُلَانًا بِمِائَةٍ وَالْعُهْدَةُ عَلَى بَائِعِهِ وَلَا عُهْدَةَ عَلَى الْوَكِيلِ، وَلَا يَلْزَمُ الْوَكِيلَ قَوْلُ سَيِّدِ الْعَبْدِ انْتَهَى.
ص (وَتَعَيَّنَ فِي الْمُطْلَقِ نَقْدُ الْبَلَدِ إلَى آخِرِهِ)
ش: هَذَا
[ ٥ / ١٩٥ ]
كُلُّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ وَتَخَصَّصَ وَتَقَيَّدَ بِالْعُرْفِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِيُبَيِّنَ الْحُكْمَ بَعْدَ الْوُقُوعِ بِقَوْلِهِ وَالْأَخِيرُ.
ص (وَثَمَنُ الْمِثْلِ)
ش: أَيْ وَتَعَيَّنَ أَيْضًا ثَمَنُ الْمِثْلِ إذَا أَطْلَقَ لَهُ، وَلَمْ يُسَمِّ لَهُ الثَّمَنَ، وَأَمَّا إنْ سَمَّى لَهُ ثَمَنًا، فَيَتَعَيَّنُ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَفِي كَوْنِ التَّسْمِيَةِ لِلثَّمَنِ مُسْقِطَةً عَنْ الْوَكِيلِ النِّدَاءَ وَالشُّهْرَةَ وَالْمُبَالَغَةَ فِي الِاجْتِهَادِ أَمْ لَا ابْنُ بَشِيرٍ لَوْ أَمَرَهُ بِبَيْعِ سِلْعَةٍ بِثَمَنٍ سَمَّاهُ، فَبَاعَهَا بِهِ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: إمْضَاؤُهُ وَالثَّانِي: رَدُّهُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ عَدَمُ نَقْصِ الثَّمَنِ وَطَلَبِ الزِّيَادَةِ، وَلَوْ ثَبَتَ أَحَدُ الْقَصْدَيْنِ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ انْتَهَى.
ص (أَوْ بَيْعُهُ بِأَقَلَّ أَوْ اشْتِرَاؤُهُ بِأَكْثَرَ كَثِيرًا)
ش: أَيْ، وَكَذَا يُخَيَّرُ الْمُوَكِّلُ إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ الشَّيْءَ الْمُوَكَّلَ عَلَى بَيْعِهِ بِأَقَلَّ مِمَّا سَمَّى لَهُ أَوْ اشْتَرَى مَا وُكِّلَ عَلَى شِرَائِهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَمَّى لَهُ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا أَنَّهُ يُخَيَّرُ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ مُقَيَّدٌ بِأَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ وَإِلَى بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ كَمَا سَيَقُولُهُ الْمُصَنِّفُ أَعْنِي قَوْلَهُ وَالرِّضَا بِمُخَالَفَتِهِ فِي سَلَمٍ، وَيُقَيَّدُ كَلَامُهُ هُنَا أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ يَلْتَزِمْ الْوَكِيلُ الزَّائِدَ كَمَا سَيَقُولُهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا
(فَرْعٌ): قَالَ فِي النَّوَادِرِ: عَنْ أَشْهَبَ إذَا وَضَعَ الْوَكِيلُ مِنْ الثَّمَنِ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَالْآمِرُ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يُجِيزَ أَوْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْوَكِيلِ قَالَ: وَلَوْ تَحَاكَمَا لِبَعْضِ قُضَاةِ الْمَشْرِقِ فَحَكَمَ بِالْوَضِيعَةِ عَلَى الْوَكِيلِ لَأَنْفَذْت ذَلِكَ وَلَمْ أَرَ عَلَى الْمُبْتَاعِ شَيْئًا وَنَزَلْت بِأَشْهَبَ وَهُوَ الْمُبْتَاعُ فَحُكِمَ لَهُ بِالْوَضِيعَةِ عَلَى الْوَكِيلِ فَصَالَحَ أَشْهَبُ الْبَائِعَ عَلَى نِصْفِ الْوَضِيعَةِ وَصَارَ لَهُ انْتَهَى وَالْمَسْأَلَةُ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَاتِ.
ص (إلَّا كَدِينَارَيْنِ فِي أَرْبَعِينَ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا خَالَفَ فِي الِاشْتِرَاءِ فَإِنَّهُ يُخَيِّرُ
[ ٥ / ١٩٦ ]
الْمُوَكِّلَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمُخَالَفَةُ بِزِيَادَةٍ فِي الثَّمَنِ زِيَادَةً يَسِيرَةً كَالدِّينَارَيْنِ فِي الْأَرْبَعِينَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا كَدِينَارَيْنِ بِلَا النَّافِيَةِ بَدَلَ إلَّا الِاسْتِثْنَائِيَّة وَهِيَ أَحْسَنُ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ وَتَخْصِيصُهُ اغْتِفَارَ الْمُخَالَفَةِ بِالْيَسِيرِ بِالِاشْتِرَاءِ هُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ يُونُسَ وَاللَّخْمِيُّ وَالْمُتَيْطِيُّ وَصَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَذَكَرَ صَاحِبُ النَّظَائِرِ اغْتِفَارَ الْمُخَالَفَةِ بِالْيَسِيرِ فِي الْبَيْعِ أَيْضًا، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَمْ يَنُصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى اغْتِفَارِ الْيَسِيرِ إلَّا فِي الشِّرَاءِ وَمِثْلُهُ كَالثَّلَاثَةِ فِي الْمِائَةِ، وَكَالِاثْنَيْنِ فِي الْأَرْبَعِينَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ اغْتِفَارِ الْيَسِيرِ فِي الشِّرَاءِ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَتْ السِّلْعَةُ مُعَيَّنَةً أَمْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: وَخَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الْمُذَاكِرِينَ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ: وَالْيَسِيرُ فِي الْمِائَةِ الدِّينَارَانِ وَالثَّلَاثَةُ التُّونُسِيُّ لَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي قَلِيلِ الثَّمَنِ مَقْصُورَةً عَلَى هَذَا الْحِسَابِ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى مَا زَادَ فِي مِثْلِهِ عَادَةً، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَكِيلِ أَنْ يَزِيدَهُ عَلَى ذَلِكَ إنَّمَا هَذَا إذَا زَادَهُ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ، وَلَوْ اشْتَرَى السِّلْعَةَ لِنَفْسِهِ لَمَّا لَمْ يَبِعْهَا رَبُّهَا بِالْمُسَمَّى كَانَتْ لَهُ إذَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُسَلِّفَ مَنْ وَكَّلَهُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِيَدِ الْمَأْمُورِ لِلْآمِرِ مَا يَدْفَعُ مِنْهُ الزِّيَادَةَ لَزِمَهُ الشِّرَاءُ بِهَا فَلَا يَتِمُّ لَهُ شِرَاؤُهَا لِنَفْسِهِ، وَكَذَا إنْ كَانَ الْمَأْمُورُ مَالِكًا لِقَدْرِ الزِّيَادَةِ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ قَبُولَهُ التَّوْكِيلَ عَلَى شِرَائِهَا الْتِزَامٌ مِنْهُ لِلَوَازِمِ شِرَائِهَا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَصْبَغَ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مَنْ أَمَرَ بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَاشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ بِسِتَّةَ عَشَرَ، وَقَالَ أَبَى الْبَائِعُ بَيْعَهَا بِخَمْسَةَ عَشَرَ فَاشْتَرَيْتُهَا لِنَفْسِي بِسِتَّةَ عَشَرَ قُبِلَ قَوْلُهُ وَكَانَتْ لَهُ قَالَ أَصْبَغُ أَرَى أَنْ يَحْلِفَ وَأَسْتَحْسِنُ أَنَّ الْأَمْرَ فِي أَخْذِهَا بِالْخِيَارِ. ابْنُ رُشْدٍ اسْتِحْسَانُهُ بَعِيدٌ إذْ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُسَلِّفَهُ الزِّيَادَةَ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَحَيْثُ خَالَفَ فِي اشْتِرَائِهِ لَزِمَهُ إنْ لَمْ يَرْضَهُ مُوَكِّلُهُ)
ش: تَضَمَّنَ هَذَا الْكَلَامُ مَسْأَلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّ الْمُوَكِّلَ مُخَيَّرٌ فِي الرِّضَا بِالشَّيْءِ الْمُشْتَرَى، وَعَدَمِ الرِّضَا بِهِ، وَهَذِهِ تَقَدَّمَتْ وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ الْمُوَكِّلُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْوَكِيلَ، وَهَذِهِ مِنْ هُنَا اُسْتُفِيدَتْ وَأَتَى الْمُؤَلِّفُ بِهَذَا الْكَلَامِ لِأَجْلِهَا.
(مَسْأَلَةٌ): مَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ فَاشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ فَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ مَعَ يَمِينِهِ إنْ اُتُّهِمَ وَإِنْ دَفَعَ لَهُ الْآمِرُ الثَّمَنَ، وَهُوَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الشَّيْبَانِيِّ عَنْ مَالِكٍ وَالثَّانِي السِّلْعَةُ لِلْآمِرِ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ الثَّمَنَ، وَهُوَ رِوَايَةُ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَوْلُ أَصْبَغَ وَرِوَايَتُهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَسَوَاءٌ أَشْهَدَ الْمَأْمُورُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا لِنَفْسِهِ أَمْ لَمْ يُشْهِدْ حَتَّى يَرْجِعَ الْأَمْرُ إلَى الْآمِرِ فَيَبْرَأُ مِنْ وَعْدِهِ بِالشِّرَاءِ وَالثَّالِثُ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ أَمْ لَا وَالرَّابِعُ أَنَّهَا لِلْآمِرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ أَشْهَدَ أَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِيهَا لِنَفْسِهِ انْتَهَى. مُخْتَصَرًا مِنْ أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ.
وَكَرَّرَ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْهُ.
ص (كَذِي عَيْبٍ إلَّا أَنْ يَقِلَّ وَهُوَ فُرْصَةٌ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَشِرَاؤُهُ مَعِيبًا تَعَمُّدًا عَدَاءٌ إلَّا مَا يُغْتَفَرُ عُرْفًا فِيهَا إنْ أَمَرْتَهُ بِشِرَاءِ سِلْعَةٍ فَابْتَاعَهَا مَعِيبَةً فَإِنْ كَانَ عَيْبًا خَفِيفًا يُغْتَفَرُ مِثْلُهُ، وَقَدْ يَكُونُ شِرَاؤُهَا بِهِ فُرْصَةً لَزِمَتْكَ وَإِنْ كَانَ عَيْبًا مُفْسِدًا لَمْ تَلْزَمْكَ إلَّا أَنْ تَشَاءَ وَهِيَ لَازِمَةٌ لِلْمَأْمُورِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْت: لَوْ كَانَ الْعَيْبُ مُغْتَفَرًا بِعُمُومِ النَّاسِ وَحَالُ الْآمِرِ لَا يَقْتَضِي اغْتِفَارَهُ هَلْ يَلْزَمُ الْآمِرَ أَمْ لَا وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْغَصْبِ فِي أَثَرِ الْعَدَاءِ إذَا كَانَ يَسِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ النَّاسِ، وَغَيْرُ يَسِيرٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَالِ الْمُتَعَدَّى عَلَيْهِ هَلْ يُحْكَمُ فِيهِ بِحُكْمِ الْيَسِيرِ أَوْ الْكَثِيرِ؟ وَعَبَّرَ عَنْ هَذَا ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ فَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ كَانَ لَهُ وَلَا رَدَّ إلَّا فِي الْيَسِيرِ.
(قُلْت): اسْتِثْنَاؤُهُ إلَّا فِي الْيَسِيرِ يَسْتَحِيلُ رَدُّهُ لِمَنْطُوقِ مَا قَبْلَهُ، وَلَهُمَا يَسْتَقِيمُ رَدُّهُ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ، وَلَا يَلْزَمُ الْآمِرَ، وَمِثْلُ هَذَا الْحَذْفِ لَا يَنْبَغِي فِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ مَعَ يُسْرِ الْعِبَارَةِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ لَزِمَهُ لَا الْآمِرُ إلَّا فِي الْيَسِيرِ انْتَهَى.
(قُلْت): وَاقْتَصَرَ
[ ٥ / ١٩٧ ]
الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ التَّعَدِّي عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْكَثِيرِ.
ص (أَوْ فِي بَيْعٍ فَيُخَيَّرُ مُوَكِّلُهُ)
ش: هَذَا مُسْتَفَادٌ مِمَّا تَقَدَّمَ لَكِنَّهُ أَعَادَهُ لِيُكْمِلَهُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ رِبَوِيًّا، وَبِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ الْوَكِيلُ الزَّائِدَ، فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الْمُخَالَفَةِ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَغَيْرُهُ وَالْمَعْنَى، وَحَيْثُ خَالَفَ فِي بَيْعٍ فَيُخَيَّرُ مُوَكِّلُهُ فِي إجَازَةِ الْبَيْعِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ الَّذِي بِيعَتْ بِهِ وَرَدِّهِ وَأَخْذِهِ سِلْعَتَهُ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً، وَهَذَا بَعْدَ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ السِّلْعَةَ مِلْكُ الْمُوَكِّلِ، وَيَحْلِفُ عَلَى التَّعَدِّي كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي اخْتِلَافِ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَا بَيْعَ بِعَرَضٍ وَلَا نَسِيئَةٍ.
(تَنْبِيهٌ): وَلَا يُعَدُّ الْوَكِيلُ بِتَعَدِّيهِ مُلْتَزِمًا لِمَا سَمَّى لَهُ الْمُوَكِّلُ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَوْ رِبَوِيًّا يُمَثِّلُهُ)
ش: هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِتَعَدِّي الْوَكِيلِ، وَأَمَّا إنْ عَلِمَ بِذَلِكَ فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ قَالَهُ الْمَازِرِيُّ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
ص (إنْ لَمْ يَلْتَزِمْ الْوَكِيلُ الزَّائِدَ عَلَى الْأَحْسَنِ)
ش: هَذَا رَاجِعٌ إلَى مَسْأَلَةِ الْمُخَالَفَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنَّ مَعْنَاهُ مُخْتَلِفٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَسْأَلَتَيْنِ فَمَعْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الشِّرَاءِ الزَّائِدُ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي سَمَّى لَهُ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ الزَّائِدُ عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ.
ص (أَوْ اشْتَرِ بِهَا فَاشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَنَقَدَهَا وَعَكْسُهُ)
ش: هَكَذَا قَالَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَخَرَّجَ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْوَفَاءِ بِشَرْطٍ مَا لَا يُفِيدُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُوَكِّلِ الْخِيَارُ أَمَّا إنْ ظَهَرَ لِاشْتِرَاطِ الْمُوَكِّلِ فَائِدَةٌ، فَإِنَّهُ يَعْمَلُ عَلَى قَوْلِهِ بِلَا إشْكَالٍ، وَقَدْ نَصَّ الْمَازِرِيُّ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَهَكَذَا نَقَلَ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ لِلشَّافِعِيَّةِ فِيهَا كَلَامًا، ثُمَّ قَالَ النُّكْتَةُ عِنْدِي غَرَضُ الْمُوَكِّلِ إنْ ظَهَرَ فِيمَا رَسَمَ غَرَضٌ فَمُخَالَفَتُهُ عَدَاءٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَرَضُهُ إلَّا تَحْصِيلَ السِّلْعَةِ فَلَيْسَ بِعَدَاءٍ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَوْ دَفَعَ لَهُ الدَّنَانِيرَ وَدِيعَةً فَدَفَعَهَا الْوَكِيلُ فِي الثَّمَنِ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا إذَا قِيلَ بِتَعْيِينِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ إذْ قَدْ يَتَعَلَّقُ لِلْآمِرِ بِعَيْنِهَا غَرَضٌ صَحِيحٌ إمَّا لِشُبْهَةٍ فِيهَا، فَلَا يَجِبُ فَوْتُهَا بِالشِّرَاءِ بِهَا حَتَّى يَنْظُرَ فِي إصْلَاحِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ أَوْ لِتَحْقِيقِ طِيبِ كَسْبِهَا فَيَجِبُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا لِقُوتِهِ لَا لِتِجَارَةٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْصِدُهُ النَّاسُ ابْنُ عَرَفَةَ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِحُكْمِ التَّعَدِّي بِقَيْدِ كَوْنِ
[ ٥ / ١٩٨ ]
الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا، فَمُسْلَمٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ التَّعَدِّي مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ رُدَّ بِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ بِالتَّعَدِّي؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بِتَعَدِّيهِ غُرْمُ مِثْلِ دَنَانِيرِ الْآمِرِ وَيَجِبُ عَلَى الْآمِرِ غُرْمُ مِثْلِهَا، وَهَذَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ انْتَهَى.
ص (وَالْأَخِيرُ فِي الثَّانِيَةِ)
ش: يَعْنِي وَإِنْ أَمْكَنَ إفْرَادُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ فَتَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا وَيُخَيَّرُ فِي الثَّانِيَةِ بَيْنَ أَنْ يَقْبَلَهَا أَوْ يَرُدَّهَا، وَيَأْخُذَ مَا يَنُوبُهَا مِنْ الثَّمَنِ هَذَا إنْ اشْتَرَاهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَإِنْ اشْتَرَاهُمَا فِي عَقْدَيْنِ فَالْأَوْلَى لِلْمُوَكِّلِ وَيُخَيَّرُ فِي الثَّانِيَةِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ خُيِّرَ فِي الثَّانِيَةِ شَامِلٌ لِلصُّورَتَيْنِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ.
ص (وَفِي ذَهَبٍ فِي بِدَرَاهِمَ وَعَكْسِهِ قَوْلَانِ)
ش: قَالَ فِي تَصْحِيحِ ابْنِ الْحَاجِبِ: الْقَوْلُ بِالْإِمْضَاءِ اخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ وَتَأَوُّلُ الْمُدَوَّنَةُ عَلَيْهِ وَأَشَارَ فِي الشَّامِلِ لِتَصْحِيحِهِ بِذَلِكَ انْتَهَى. وَنَصُّ الشَّامِلِ وَمَضَى فِي بَيْعِهِ بِذَهَبٍ فَبَاعَ بِوَرِقٍ وَعَكْسِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَالْمُؤَوَّلِ
ص (وَحَنِثَ بِفِعْلِهِ فِي لَا أَفْعَلُهُ إلَّا بِنِيَّةٍ)
ش: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَيَدُ الْوَكِيلِ كَيَدِ مُوَكِّلِهِ فِيمَا وَكَّلَهُ عَلَيْهِ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ فِعْلًا، فَوَكَّلَ غَيْرَهُ عَلَى فِعْلِهِ حَنِثَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ لَا يَفْعَلَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَلَفَ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا فَوَكَّلَ غَيْرَهُ عَلَى فِعْلِهِ، فَقَدْ بَرِئَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ يَلِيَ هُوَ الْفِعْلَ بِنَفْسِهِ انْتَهَى. وَنَقَلَهُ الْمُتَيْطِيُّ وَفِي مَسَائِلِ الطَّلَاقِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يُدْخِلَ دَارِهِ سِلْعَةَ كَذَا فَأَدْخَلَهَا أَخُوهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَالِفِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إخْرَاجِهَا انْتَهَى.
ص (وَمُنِعَ ذِمِّيٌّ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ تَقَاضٍ)
ش: كَذَا فِي السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ بِلَفْظِ لَا يَجُوزُ قَالَ: كَذَلِكَ عَبْدُك النَّصْرَانِيُّ ابْنُ يُونُسَ لَا تَأْمُرُهُ بِبَيْعٍ وَلَا شِرَاءٍ وَلَا اقْتِضَاءٍ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ): مُنَاقَشَةُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ لِابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ فِيهَا لَا يُوَكَّلُ الذِّمِّيُّ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ إنَّمَا هُوَ فِي عَزْوِهِ لِلْمُدَوَّنَةِ بِلَفْظِ عَلَى مُسْلِمٍ لَا فِي تَقْيِيدِ الْمَسْأَلَةِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ.
(فَرْعٌ): قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمَازِرِيُّ لَوْ وَقَعَ تَفَاوُضُ الذِّمِّيِّ بِوَكَالَتِهِ فِي خَمْرٍ تَصَدَّقَ الْمُوَكِّلُ بِجَمِيعِ ثَمَنِهِ، وَفِي الرِّبَا بِالزِّيَادَةِ فَقَطْ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَهُوَ يَعْلَمُ حُرْمَتَهُ وَعَدَمَ إرَادَةِ الْمُسْلِمِ ذَلِكَ غَرِمَ لَهُ مَا أَتْلَفَ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ انْتَهَى وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا عَمِلَ
[ ٥ / ١٩٩ ]
فِي الْخَمْرِ يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِالْجَمِيعِ، وَإِذَا عَمِلَ بِالرِّبَا يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِالزَّائِدِ، وَيَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الشَّرِكَةِ يَعْنِي إذَا شَارَكَ الذِّمِّيُّ وَتَحَقَّقَ أَنَّهُ عَمِلَ بِالرِّبَا أَوْ فِي الْخَمْرِ، وَأَمَّا إنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ فَقَالَ اللَّخْمِيُّ: يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّصَدُّقُ قَالَهُ فِي الشَّرِكَةِ، وَيَأْتِي مِثْلُهُ فِي الْوَكَالَةِ وَقَالَ فِي الشَّرِكَةِ: وَأَمَّا لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِالرِّبَا وَلَا فِي الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَيَأْتِي مِثْلُهُ هُنَا أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَدُوٌّ عَلَى عَدُوِّهِ)
ش: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَا يُبَاحُ لِأَحَدٍ تَوْكِيلُ عَدُوِّ خَصْمِهِ عَلَى الْخِصَامِ وَلَا عَدُوِّ الْمُخَاصِمِ عَلَى خَصْمِهِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي الْوَجْهَيْنِ بَيِّنٌ اهـ. وَقَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ فِيمَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا عَلَى الْخِصَامِ فَوَكَّلَ وَكِيلُهُ وَكِيلًا آخَرَ وَبَيْنَ أَحَدِ الْمُوَكِّلَيْنِ وَاَلَّذِي وَكَّلَ الْآخَرُ عَدَاوَةٌ هَلْ يَمْنَعُ مِنْ تَوْكِيلِهِ فَقَالَ: الَّذِي أَرَاهُ فِي هَذَا أَنْ لَا يُبَاحَ لِأَحَدٍ تَوْكِيلُ عَدُوِّ خَصْمِهِ عَلَى الْخِصَامِ وَلَا عَدُوِّ الْمُخَاصِمِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي الْوَجْهَيْنِ بَيِّنٌ انْتَهَى. وَذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ وَزَادَ عَلَى مَا ذَكَرْت أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ دَعْوَاهُ الْبَاطِلَ لِأَجْلِ عَدَاوَتِهِ لِخَصْمِهِ ابْنُ الْحَاجِّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُخَاصِمَ عَنْ نَفْسِهِ عَدُوَّهُ بِخِلَافِ تَوْكِيلِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ إلَّا أَنْ يُسْرِعَ لِأَذَاهُ فَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيُقَالُ لَهُ وَكِّلْ غَيْرَك بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْيَهُودِيِّ مُخَاصَمَةُ الْمُسْلِمِ فِي حَقِّهِ وَهُوَ أَشَدُّ عَدَاوَةً انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ): اُنْظُرْ هَلْ الْمَنْعُ مِنْ تَوْكِيلِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ لِأَجْلِ حَقِّهِ فَإِذَا رَضِيَ الْعَدُوُّ بِذَلِكَ جَازَ لَهُ، وَبِهِ صَرَّحَ مُصَنِّفُ الْإِرْشَادِ فِي شَرْحِ الْمُعْتَمَدِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ الْبُحَيْرِيُّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَالْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ وَلَوْ رَضِيَ بِهِ الْعَدُوُّ؛ لِأَنَّ مَنْ أَذِنَ لِشَخْصٍ فِي أَذَاهُ، فَلَا يَجُوزُ وَنَصُّ كَلَامِ الشَّيْخِ سُلَيْمَانَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ قَالَ مُصَنِّفُهُ فِي
[ ٥ / ٢٠٠ ]
شَرْحِ الْمُعْتَمَدِ إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا فِي مُخَاصَمَةٍ جَازَ ذَلِكَ كَانَ خَصْمُهُ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا رَضِيَ أَوْ لَمْ يَرْضَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْخَصْمِ وَالْوَكِيلِ عَدَاوَةٌ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ لَمْ يَجُزْ تَوْكِيلُهُ عَنْهُ إلَّا بِرِضَاهُ انْتَهَى. فَصَرِيحُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ تَوْكِيلِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ حَقِّهِ، فَإِذَا رَضِيَ الْعَدُوُّ بِذَلِكَ جَازَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَجُوزُ وَلَوْ رَضِيَ بِهِ الْعَدُوُّ؛ لِأَنَّ مَنْ أَذِنَ لِشَخْصٍ فِي إذَايَةٍ لَا يَجُوزُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِي ذَلِكَ غَيْرِ مَا لِصَاحِبِ الْإِرْشَاد فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَتَوْكِيلُهُ إلَّا أَنْ لَا يَلِيقَ بِهِ أَوْ يُكْثِرَ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَوْكِيلُ الْوَكِيلِ إلَّا إذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمُوَكَّلُ فِيهِ لَا يَلِيقُ بِالْوَكِيلِ تَعَاطِيهِ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَتَعَاطَاهُ أَوْ يَكُونَ الْمُوَكَّلُ فِيهِ كَثِيرًا يَعْلَمُ بِقَرِينَةِ الْعَادَةِ أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَا يَسْتَقِلُّ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُعِينُهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهَذِهِ الْقَرِينَةُ تُسَوِّغُ لَهُ الِاسْتِعَانَةَ بِوَكِيلٍ وَلَا تُسَوِّغُ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ وَكِيلًا أَوْ وُكَلَاءَ يَنْظُرُونَ فِيمَا كَانَ يَنْظُرُ فِيهِ وَالْقَرِينَةُ الْأُولَى تُسَوِّغُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَيَكُونُ لِلْوَكِيلِ الْأَعْلَى النَّظَرُ عَلَى مَنْ تَحْتَهُ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا فِي الْوَكِيلِ الْمَخْصُوصِ أَمَّا الْمُفَوَّضُ فَلَهُ التَّوْكِيلُ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْوَكِيلُ بِالتَّعْيِينِ لَا يُوَكِّلُ إلَّا فِيمَا لَا يَلِيقُ بِهِ وَلَا يَسْتَقِلُّ لِكَثْرَتِهِ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: اُحْتُرِزَ بِالتَّعْيِينِ مِنْ الْمُفَوَّضِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَحَكَى فِي الْبَيَانِ قَوْلًا إنَّهُ لَا يُوَكِّلُ قَالَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ أَحَلَّهُ مَحَلَّ نَفْسِهِ فَكَانَ كَالْوَصِيِّ انْتَهَى. وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ فِي نَوَازِلِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَةِ وَنَصُّهُ: لَا اخْتِلَافَ أَحْفَظُهُ فِي أَنَّ الْوَكِيلَ عَلَى شَيْءٍ مَخْصُوصٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الْوَكِيلُ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، فَلَا أَحْفَظُ فِي أَنَّهُ هَلْ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ أَوْ لَا؟ قَوْلًا مَنْصُوصًا لِأَحَدِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَكَانَ الشُّيُوخُ الْمُتَأَخِّرُونَ يَخْتَلِفُونَ فِيهَا.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ قَالُوا لِلْوَصِيِّ أَنْ يُوصِيَ بِلَا خِلَافٍ، وَيُوَكِّلَ، الْوَكِيلُ الْمَخْصُوصُ وَمُقَدِّمُ الْقَاضِي لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يُوَكِّلَا بِلَا خِلَافٍ وَالْوَكِيلُ الْمُفَوَّضُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فَذَكَرَ كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ، وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ لَا يَلِيقَ بِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَا شَكَّ فِيهِ زَادَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الشُّيُوخِ إذَا عَلِمَ الْمُوَكِّلُ بِجَلَالَةِ الْوَكِيلِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَقَطَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَا الْتِفَاتَ إلَى عِلْمِهِ وَقَالَ التُّونُسِيُّ: اُنْظُرْ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ رَبُّ الْمَالِ فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ مَشْهُورًا بِأَنَّهُ لَا يَلِي مِثْلَ ذَلِكَ فَالْأَشْبَهُ أَنْ لَا يَضْمَنَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَشْهُورٍ فَرِضَاهُ بِالْوَكَالَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُتَوَلِّي حَتَّى يَعْلَمَ رَبُّ الْمَالِ أَنَّهُ لَا يَتَوَلَّى، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عَلَى مَا وُكِّلَ عَلَيْهِ وَلَا أَنْ يُوصِيَ بِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ إلَيْهِ الْمُوَكِّلُ فَإِنْ فَعَلَ وَتَلِفَ الْمَالُ ضَمِنَهُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَلِي مِثْلَ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُوَكِّلُ وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ.
وَقَالَ أَشْهَبُ إذَا كَانَ مِثْلَهُ فِي الْكِفَايَةِ فَلَا ضَمَانَ انْتَهَى. وَمَشَى فِي الْبَيَانِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ التُّونُسِيِّ وَنَصُّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ وَاخْتُلِفَ إنْ فَعَلَ هَلْ يَضْمَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يَلِي مِثْلَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَلِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِالْوَكَالَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْمُتَوَلِّي حَتَّى يَعْلَمَ رَبُّ الْمَالِ أَنَّهُ لَا يَتَوَلَّى وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ، وَأَمَّا الْمَشْهُورُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ
[ ٥ / ٢٠١ ]
عَلِمَ وَلَا يُصَدَّقُ فِي أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ انْتَهَى.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْوَكِيلَ الْمُفَوَّضَ يَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيلُ عَلَى مَا رَجَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا الْوَكِيلُ غَيْرُ الْمُفَوَّضِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَلِي مَا وُكِّلَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَلِيَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَإِنْ عَلِمَ الْمُوَكِّلُ بِأَنَّهُ لَا يَلِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا قَدْ عُرِفَ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَلِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ وَيُحْمَلُ الْوَكِيلُ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ بِذَلِكَ وَلَا يُصَدَّقُ فِي أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِذَلِكَ فَرِضَاهُ بِالْوَكَالَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْمُتَوَلِّي حَتَّى يَعْلَمَ رَبُّ الْمَالِ أَنَّهُ لَا يَتَوَلَّى، وَهَذَا مُتَعَدٍّ بِالْوَكَالَةِ وَضَامِنٌ لِلْمَالِ وَرَبُّ الْمَالِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ تَعَدَّى الْوَكِيلُ وَوَكَّلَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ فَإِنْ عَلِمَ وَكِيلُهُ بِالتَّعَدِّي، فَهُوَ ضَامِنٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ فِي آخِرِ مَسَائِلِ الْبَيْعِ وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِيمَا إذَا قَالَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ ضَعْ الرَّهْنَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِ غَيْرِ عَدْلٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْغَيْرِ وَانْظُرْ الْبُرْزُلِيَّ فِي مَسَائِلِ الْوَكَالَةِ.
(تَنْبِيهٌ): حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ التَّوْكِيلُ فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ: لَا يُوَكِّلُ إلَّا أَمِينًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (فَلَا يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ الثَّانِي بِعَزْلِ الْأَوَّلِ)
ش: يَعْنِي فَإِذَا أَجَزْنَا لَهُ التَّوْكِيلَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَلَا يَنْعَزِلُ الثَّانِي بِعَزْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْوَكِيلِ عَنْ الْأَصْلِ إذْ أَنَّا لَا نُجِيزُ لَهُ الْوَكَالَةَ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ بِحَسَبِ الْعَادَةِ وَنَحْوُهُ لِلْمَازِرِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِمَا لَكِنَّهُمْ إنَّمَا قَالُوا فَلَا يَنْعَزِلُ الثَّانِي بِمَوْتِ الْأَوَّلِ وَكَانَ الْمُصَنِّفُ - ﵀ - رَأَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ عَزْلِهِ وَمَوْتِهِ وَرَآهُ مَنْصُوصًا وَلَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْوَكِيلَ الثَّانِيَ لَا يَنْعَزِلُ إذَا عَزَلَهُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا يَتَخَرَّجُ فِي هَذَا الْفَرْعِ خِلَافٌ مِنْ وَكِيلِ الْقَاضِي عَلَى النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا هَلْ هُوَ نَائِبٌ عَنْ الْقَاضِي أَوْ عَنْ وَالِدِ الْمَيِّتِ؟ وَتَقْدِيمُ الْقَاضِي إنَّمَا هُوَ جُبْرَانٌ لِمَا أَهْمَلَهُ الْمَيِّتُ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقَاضِيَ الَّذِي قَدَّمَ نَاظِرًا عَلَى الْمَيِّتِ لَوْ مَاتَ لَمْ يَكُنْ مَوْتُهُ عَزْلًا لِذَلِكَ النَّاظِرِ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ نَقْلِهِ لِهَذَا الْكَلَامِ: (قُلْت): فِي هَذَا الْكَلَامِ تَنَافٍ بَيَانُهُ أَنَّهُ نَقَلَ أَوَّلًا الْقَوْلَ بِأَنَّ نَاظِرَ الْيَتِيمِ نَائِبٌ عَنْ الْقَاضِي لَا عَنْ الْأَبِ وَلَازِمُ هَذَا انْعِزَالُ النَّاظِرِ بِمَوْتِ الْقَاضِي، ثُمَّ قَالَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ: بِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْقَاضِي لَمْ يَنْعَزِلْ النَّاظِرُ وَظَاهِرُهُ اتِّفَاقًا، وَهُوَ خِلَافٌ لَازِمٌ، كَوْنُهُ نَائِبًا عَنْ الْقَاضِي، وَالْقَوْلُ بِانْعِزَالِ نَاظِرِ الْيَتِيمِ بِمَوْتِ الْقَاضِي ثَابِتٌ فِي الْمَذْهَبِ حَسْبَمَا يُذْكَرُ فِي الْأَقْضِيَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبَعْدَ الْإِعْرَاضِ عَنْ هَذَا التَّنَافِي، فَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِهِ فَرْقٌ مَانِعٌ مِنْ التَّخْرِيجِ كَمَا زَعَمَ هُوَ أَنَّ نَاظِرَ الْقَاضِي نَائِبٌ عَنْهُ فِي قَوْلٍ وَوَكِيلُ الْوَكِيلِ نَائِبٌ عَنْ الْمُوَكِّلِ لَا عَنْ الْوَكِيلِ، وَهَذَا يُرَدُّ بِمَنْعِ انْحِصَارِ نِيَابَةِ وَكِيلِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَهُ عَزْلُ وَكِيلِهِ وَاسْتِقْلَالُهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ اتِّفَاقًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نَائِبًا عَنْهُ لَمَا صَحَّ عَزْلُهُ إيَّاهُ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ نِيَابَةَ الْقَاضِي عَنْ الْأَبِ إنَّمَا هِيَ بِأَمْرٍ عَامٍّ، وَهُوَ وِلَايَتُهُ الصَّالِحَةُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَدَلَالَةِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَنِيَابَةُ الْوَكِيلِ عَنْ الْمُوَكِّلِ إنَّمَا هِيَ بِتَوْلِيَتِهِ إيَّاهُ بِعَيْنِهِ، فَهِيَ كَدَلَالَةِ الْخَاصِّ عَلَى نَفْسِ مَدْلُولِهِ، وَهِيَ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ الْعَامِّ اتِّفَاقًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَقْصِ أَثَرِ الْأَضْعَفِ نَقْصُ أَثَرِ الْأَقْوَى اهـ. فَاسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ فَرْعٌ: وَهُوَ أَنَّ لِلْوَكِيلِ عَزْلَ وَكِيلِهِ اتِّفَاقًا وَنَقَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي أَلْغَازِهِ فَرْعًا آخَرَ وَنَصُّهُ: (فَإِنْ قُلْت): رَجُلٌ غَيْرُ الْحَاكِمِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ وَكِيلَ رَجُلٍ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُوَكِّلُ فِي عَزْلِهِ، وَلَا عَلَّقَ عَزْلَهُ عَلَى شَيْءٍ.
(قُلْت): إذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ وَكِيلًا وَجَعَلَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فَوَكَّلَ الْوَكِيلُ رَجُلًا فَلِلْمُوَكِّلِ الْأَوَّلِ عَزْلُ وَكِيلِ وَكِيلِهِ اهـ. وَهَذَا الْفَرْعُ وَفَرْعُ ابْنِ عَرَفَةَ فَرْعَانِ عَزِيزَانِ (فَرْعٌ): قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: وَلَا يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ الثَّانِي بِمَوْتِ الَّذِي وَكَّلَهُ، وَيَنْعَزِلَانِ مَعًا بِمَوْتِ الْمُوَكِّلِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ قَبَضَ وَكِيلُ الْوَكِيلِ مِنْ مَالِ مُوَكِّلِ مُوَكِّلِهِ]
(فَرْعٌ): قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ: مَا قَبَضَ وَكِيلُ الْوَكِيلِ
[ ٥ / ٢٠٢ ]
مِنْ مَالِ مُوَكِّلِ مُوَكِّلِهِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى مَنْ أَرَادَ قَبْضَهُ مِنْهُ مِنْ مُوَكِّلِهِ وَمِنْ صَاحِبِ الْمَالِ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَالَ لَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارٍ مِنْ الْوَكِيلِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إلَى مَنْ دَفَعَ إلَيْهِ مِنْهُمَا، يُبَيِّنُ هَذِهِ مَسْأَلَةُ كِتَابِ السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَهِيَ مَنْ وَكَّلَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يُسْلِمَ لَهُ فِي طَعَامٍ، فَفَعَلَ، ثُمَّ أَتَى الْآمِرُ، وَأَرَادَ قَبْضَ السَّلَمِ انْتَهَى. وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَذْكُورَةُ سَيَقُولُ الْمُصَنِّفُ فِيهَا: وَلَك قَبْضُ سَلَمِهِ لَكَ إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي رِضَاهُ إنْ تَعَدَّى بِهِ تَأْوِيلَانِ)
ش: أَيْ، وَفِي جَوَازِ رِضَا الْمُوَكِّلِ يُرِيدُ بِفِعْلِ الْوَكِيلِ الثَّانِي إنْ كَانَ الْوَكِيلُ الْأَوَّلُ مُتَعَدِّيًا بِتَوْكِيلِهِ تَأْوِيلَانِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ فِي السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ وَكَّلَ رَجُلًا يُسْلِمُ لَهُ فِي طَعَامٍ فَوَكَّلَ الْوَكِيلُ غَيْرَهُ لَمْ يَجُزْ، ثُمَّ قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ لَمْ يَجُزْ فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ لِلْآمِرِ فَسْخَهُ وَإِجَازَتَهُ، وَحَمَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى لَمْ يَجُزْ رِضَا الْآمِرِ بِمَا يَعْمَلُ وَكِيلُ وَكِيلِهِ، إذْ بِتَعَدِّيهِ صَارَ الثَّمَنُ عَلَيْهِ دَيْنًا لِلْآمِرِ فَلَا يَفْسَخُهُ فِي سَلَمِ الْوَكِيلِ الثَّانِي إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَلَّ وَقَبَضَهُ لِسَلَامَتِهِ مِنْ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ انْتَهَى فَيُقَيِّدُ ذَلِكَ بِالسَّلَمِ كَمَا قَيَّدَهُ ابْنُ غَازِيٍّ
ص (كَرِضَاهُ بِمُخَالَفَتِهِ فِي سَلَمٍ إنْ دَفَعَ الثَّمَنَ بِمُسَمَّاهُ)
ش: الْبَاءُ فِي بِمُسَمَّاهُ بِمَعْنَى فِي، أَيْ وَمَنَعَ رِضَاهُ فِي السَّلَمِ بِمُخَالَفَتِهِ فِي الثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ، فَالْمُخَالَفَةُ هُنَا فِي الْمُسَمَّى، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي النَّوْعِ أَوْ الْجِنْسِ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَقَالَ فِي السَّلَمِ الثَّانِي وَإِنْ وَقَعَتْ إلَيْهِ دَرَاهِمُ لِيُسْلِمَهَا لَكَ فِي ثَوْبٍ هَرَوِيٍّ فَأَسْلَمَهَا فِي بِسَاطِ شَعْرٍ أَوْ لِيَشْتَرِيَ لَك بِهَا ثَوْبًا فَأَسْلَمَهَا لَكَ فِي طَعَامٍ أَوْ فِي غَيْرِ مَا أَمَرْتَهُ بِهِ أَوْ زَادَ فِي الثَّمَنِ مَا لَا يُزَادُ عَلَى مِثْلِهِ، فَلَيْسَ لَك أَنْ تُجِيزَ فِعْلَهُ وَتُطَالِبَ بِمَا أَسْلَمَ فِيهِ مِنْ عَرَضٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ تَرْفَعَ إلَيْهِ مَا زَادَ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ لَمَّا تَعَدَّى عَلَيْهَا الْمَأْمُورُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ دَيْنًا فَفَسَخَتْهَا فِيمَا لَا تَتَعَجَّلُهُ، وَذَلِكَ دَيْنٌ بِدَيْنٍ، وَيَدْخُلُ فِي أَخْذِك لِلطَّعَامِ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ أَيْضًا مَعَ مَا ذَكَرْنَا بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ قَدْ وَجَبَ لِلْمَأْمُورِ بِالتَّعَدِّي، فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَسَلَمُ الْمَأْمُورِ لَازِمٌ لَهُ، وَلَا لَهُ وَلَا لَك فَسْخُهُ، وَلَا شَيْءَ لَكَ أَنْتَ عَلَى الْبَائِعِ، وَإِنَّمَا لَكَ عَلَى الْمَأْمُورِ مَا دَفَعْت إلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ وَلَوْ لَمْ تَدْفَعْ إلَيْهِ الثَّمَنَ وَأَمَرْتَهُ أَنْ يُسْلِمَ لَكَ مِنْ عِنْدِهِ فِي قَمْحٍ أَوْ فِي جَارِيَةٍ أَوْ فِي ثَوْبٍ وَلَمْ تَصِفْهَا لَهُ فَإِنْ أَسْلَمَ فِي غَيْرِ مَا أَمَرْتَهُ بِهِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ فِيمَا لَا يُشْتَرَى لِمِثْلِك مِنْ جَارِيَةٍ أَوْ ثَوْبٍ، فَلَكَ أَنْ تَتْرُكَهُ وَلَا يَلْزَمُك الثَّمَنُ أَوْ تَرْضَى بِهِ وَيَدْفَعُ إلَيْكَ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّكَ لَمْ يَجِبْ لَكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَفَسَخْتَهُ وَكَأَنَّهُ وَلَّاك، وَلَا يَجُوزُ هَهُنَا أَنْ يُؤَخِّرَكَ بِالثَّمَنِ وَإِنْ تَرَاضَيْتُمَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْزَمْكَ مَا أَسْلَمَ فِيهِ إلَّا بِرِضَاكَ، فَكَأَنَّهُ بَيْعٌ مُؤْتَنَفٌ لِدَيْنٍ لَهُ وَتَوْلِيَةٍ فَتَأْخِيرُ الثَّمَنِ فِيهِ دَيْنٌ بِدَيْنٍ انْتَهَى، وَتَفْرِيقُ الْمُصَنِّفِ لِذَلِكَ مُشَوَّشٌ، فَلَوْ جَمَعَهُمَا كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَاسْتَغْنَى بِقَوْلِهِ أَوَّلًا وَالرِّضَا بِمُخَالَفَتِهِ فِي سَلَمٍ إلَى آخِرِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ تَشْمَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ بِدَيْنٍ إنْ فَاتَ) ش هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِمُخَالَفَتِهِ، وَيَصِحُّ أَنْ يُعْطَفَ عَلَى قَوْلِهِ بِمُسَمَّاهُ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ وَكَّلَ رَجُلًا عَلَى بَيْعِ سِلْعَةٍ بِالنَّقْدِ أَوْ لَمْ يُسَمِّ لَهُ نَقْدًا وَلَا مُؤَجَّلًا فَبَاعَهَا بِدَيْنٍ فَإِنَّ الْوَكِيلَ مُتَعَدٍّ فِي بَيْعِهِ بِالدَّيْنِ وَسَوَاءٌ سَمَّى لَهُ الْمُوَكِّلُ قَدْرَ رَأْسِ الثَّمَنِ أَمْ لَا، ثُمَّ لَا يَخْلُو الْحَالُ مِنْ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ فَوَاتِ السِّلْعَةِ أَوْ قَبْلَ فَوَاتِهَا، فَإِنْ فَاتَتْ السِّلْعَةُ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَرْضَى بِالثَّمَنِ
[ ٥ / ٢٠٣ ]
الْمُؤَجَّلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ لَهُ عَلَى الْوَكِيلِ التَّسْمِيَةُ إنْ كَانَ سَمَّى لَهُ ثَمَنًا أَوْ الْقِيمَةُ إنْ كَانَ لَمْ يُسَمِّ فَرِضَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَوْ التَّسْمِيَةُ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ، وَهُوَ الْغَالِبُ لَزِمَ مِنْهُ بَيْعُ قَلِيلٍ بِأَكْثَرَ مِنْهُ إلَى أَجَلٍ وَهُوَ عَيْنُ الرِّبَا، وَقِيلَ يَجُوزُ لَهُ الرِّضَا بِالْمُؤَجَّلِ، وَقِيلَ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يُلْزِمَ الْوَكِيلَ الْقِيمَةَ إنْ لَمْ يُسَمِّ أَوْ التَّسْمِيَةَ إنْ سَمَّى، وَيَبْقَى الثَّمَنُ الْمُؤَجَّلُ لِأَجَلِهِ وَالْمَشْهُورُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ إنْ فَاتَ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَفُتْ السِّلْعَةُ لَمْ يَمْتَنِعْ رِضَاهُ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ حِينَئِذٍ كَإِنْشَاءِ عُقْدَةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا خَالَفَ الْوَكِيلُ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ الْمُوَكِّلُ فِي رَدِّ الْبَيْعِ وَفِي إجَازَتِهِ، فَكَذَلِكَ هُنَا يُخَيَّرُ الْمُوَكِّلُ فِي إجَازَةِ الْبَيْعِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ، وَفِي رَدِّ الْمَبِيعِ وَأَخْذِ سِلْعَتِهِ وَسَوَاءٌ سَمَّى لَهُ الثَّمَنَ الْوَكِيلُ أَمْ لَا وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي التَّوْضِيحِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْوَكِيلَ لَمَّا بَاعَ بِالدَّيْنِ مُتَعَدِّيًا، فَإِذَا كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً، فَالْمُوَكِّلُ مُخَيَّرٌ كَمَا تَقَدَّمَ، فَجَازَ لَهُ الرِّضَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَإِنْشَاءِ عُقْدَةٍ.
ص (وَبَيْعٌ فَإِنْ وَفَّى بِالْقِيمَةِ أَوْ التَّسْمِيَةِ وَإِلَّا غَرِمَ)
ش: لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ رِضَا الْمُوَكِّلِ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ نَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ الْوَكِيلَ الْقِيمَةَ أَوْ التَّسْمِيَةَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى دَفْعِ قَلِيلٍ فِي كَثِيرٍ، وَأَنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ أَنْ يُبَاعَ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ، فَإِذَا بِيعَ فَإِنْ وَفَّى بِقِيمَةِ السِّلْعَةِ إنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ لَمْ يُسَمِّ لَهُ ثَمَنًا أَوْ بِالتَّسْمِيَةِ إنْ كَانَ سَمَّى لَهَا ثَمَنًا فَلَا كَلَامَ وَقَوْلُهُ، وَإِلَّا غَرِمَ أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوفِ مَا بِيعَ بِهِ الدَّيْنُ بِالْقِيمَةِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى أَوْ بِالتَّسْمِيَةِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ الْوَكِيلَ يَغْرَمُ لِلْمُوَكِّلِ مَا نَقَصَ فَإِنْ بِيعَ بِأَكْثَرَ أَخَذَ الْمُوَكِّلُ الْجَمِيعَ إذْ لَا رِبْحَ لِلْمُتَعَدِّي
ص (وَإِنْ سَأَلَ غُرْمَ التَّسْمِيَةِ وَيَصْبِرَ لِيَقْبِضَهَا أَوْ يَدْفَعُ الْبَاقِي جَازَ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَهَا فَأَقَلَّ)
ش: يَعْنِي فَلَوْ قَالَ الْوَكِيلُ أَنَا أَغْرَمُ جَمِيعَ التَّسْمِيَةِ يُرِيدُ إذَا كَانَ الْمُوَكِّلُ سَمَّى لَهَا ثَمَنًا، وَمِثْلُهُ إذَا قَالَ أَغْرَمُ جَمِيعَ الْقِيمَةِ فِيمَا إذَا لَمْ يُسَمِّ وَأَصْبَرَ فِي الصُّورَتَيْنِ حَتَّى يَحِلَّ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ، فَآخُذَ مِنْهُ التَّسْمِيَةَ أَوْ الْقِيمَةَ الَّتِي دَفَعْتُهَا وَمَا زَادَ عَلَى مَا دَفَعْتَهُ أَعْطِهِ لِلْمُوَكِّلِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الدَّيْنِ إذَا بِيعَ الْآنَ مِثْلَ التَّسْمِيَةِ، فَأَقَلَّ إذَا لَمْ يُسَمِّ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لِلْمُوَكِّلِ إذَا بِيعَ بِالدَّيْنِ مَا بِيعَ بِهِ إنْ وَفَّى بِالْقِيمَةِ أَوْ التَّسْمِيَةِ أَوْ تَكْمِلَةُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُوَفِّ، فَإِذَا طَاعَ الْوَكِيلُ بِدَفْعِ ذَلِكَ الْآنَ مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ بِدَفْعِ مَا كَانَ مِنْ الدَّيْنِ مِنْ زِيَادَةٍ، فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِثْلَهَا، فَأَقَلَّ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّيْنِ الْآنَ أَكْثَرَ مِنْ التَّسْمِيَةِ إنْ كَانَ سَمَّى أَوْ الْقِيمَةِ إنْ كَانَ لَمْ يُسَمِّ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ قِيمَةَ الدَّيْنِ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ مِنْ التَّسْمِيَةِ أَوْ الْقِيمَةِ، فَكَأَنَّهُ فَسَخَ الزَّائِدَ فِي بَقِيَّةِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ كَمَا لَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ اثْنَيْ عَشَرَ وَالتَّسْمِيَةُ أَوْ قِيمَةُ السِّلْعَةِ عَشْرَةً وَالدَّيْنُ الَّذِي بِيعَتْ بِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَسَأَلَ الْوَكِيلُ أَنْ يَدْفَعَ الْعَشَرَةَ الَّتِي هِيَ التَّسْمِيَةُ أَوْ الْقِيمَةُ، وَيَصْبِرَ حَتَّى يَحِلَّ الدِّينُ الْمُؤَجَّلُ الَّذِي هُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَيَأْخُذَ مِنْهُ الْعَشَرَةَ الَّتِي دَفَعَهَا، وَيَدْفَعَ الْبَاقِيَ لِلْمُوَكِّلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْآنَ قِيمَةَ الدَّيْنِ الَّتِي هِيَ اثْنَا عَشَرَ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَ الدِّينَارَيْنِ؛ لِيَأْخُذَ عَنْهُمَا خَمْسَةً، وَقِيمَةُ الدَّيْنِ تَكُونُ أَقَلَّ مِنْهُ غَالِبًا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّيْنِ أَقَلَّ مِنْ التَّسْمِيَةِ أَوْ الْقِيمَةِ، وَسَأَلَ الْوَكِيلُ غَرِمَ أَحَدُهُمَا، وَيَصْبِرَ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَمَنَعَهُ أَشْهَبُ وَمَشَى الْمُصَنِّفُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ: إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَيْ الدَّيْنُ مِثْلَهَا أَيْ مِثْلَ التَّسْمِيَةِ، فَأَقَلَّ، وَقَوْلُهُ وَيَصْبِرَ لِيَقْبِضَهَا مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٌ بَعْدَ الْوَاوِ وَالْعَاطِفَةِ عَلَى اسْمٍ خَالِصٍ مِنْ التَّقْدِيرِ بِالْفِعْلِ وَيَقْبِضَهَا بِكَسْرِ الْبَاءِ فِي الْمُضَارِعِ وَتُفْتَحُ فِي الْمَاضِي وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ لِيَقْبِضَهَا رَاجِعٌ لِلتَّسْمِيَةِ الَّتِي عَرَفَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ
[ ٥ / ٢٠٤ ]
أَمَرَ بِبَيْعِ سِلْعَةٍ وَأَسْلَمَهَا فِي طَعَامٍ أُغْرِمَ التَّسْمِيَةَ أَوْ الْقِيمَةَ وَاسْتُؤْنِيَ فِي الطَّعَامِ لِأَجْلِهِ وَغَرِمَ النَّقْصَ وَالزِّيَادَةُ لَكَ)
ش: يُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ أَمَرْتَهُ أَنْ يَبِيعَ سِلْعَةً فَأَسْلَمَهَا فِي طَعَامٍ أَغْرَمْتُهُ الْآنَ التَّسْمِيَةَ أَوْ الْقِيمَةَ إنْ لَمْ تُسَمِّ، ثُمَّ اُسْتُؤْنِيَ بِالطَّعَامِ فَإِذَا حَلَّ أَجَلُهُ اسْتَوْفَى، ثُمَّ بِيعَ فَكَانَتْ الزِّيَادَةُ لَكَ وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: لِأَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ.
وَانْظُرْ مَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْمَأْمُورِ أَنْ يَبِيعَ مِنْ الطَّعَامِ مِقْدَارَ الْقِيمَةِ أَوْ التَّسْمِيَةِ الَّتِي لَزِمَتْهُ وَالزَّائِدُ لَيْسَ عَلَيْهِ بَيْعُهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ؛ لِأَنَّ بَقِيَّةَ الطَّعَامِ لِلْآمِرِ انْتَهَى. فَيُفْهَمُ مِمَّا حَكَاهُ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ الَّذِي يَتَوَلَّى الْبَيْعَ هُوَ الْوَكِيلُ، وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَبْلَ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ، وَإِنْ أَمَرْتَهُ بِبَيْعِ سِلْعَةٍ فَأَسْلَمَهَا فِي عَرَضٍ مُؤَجَّلٍ أَوْ بَاعَهَا بِدَنَانِيرَ مُؤَجَّلَةٍ فَإِنْ أَدْرَكَ الْبَيْعَ فُسِخَ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ بِيعَ الْعَرَضِ بِعَيْنٍ نَقْدًا أَوْ بِيعَتْ الدَّنَانِيرُ بِعَرَضٍ نَقْدًا، ثُمَّ بِيعَ الْعَرَضُ بِعَيْنٍ نَقْدًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِثْلَ الْقِيمَةِ أَوْ التَّسْمِيَةِ، فَأَكْثَرَ كَانَ ذَلِكَ لَكَ، وَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ ضَمِنَهُ الْمَأْمُورُ، وَلَوْ أَسْلَمَهَا فِي طَعَامٍ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ هَذَا لَفْظُ الْمُدَوَّنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَضَمِنَ إنْ أَقْبَضَ الدَّيْنَ، وَلَمْ يُشْهِدْ)
ش: يَقَعُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِحَذْفِ مَفْعُولِ أَقْبَضَ، فَيَعُمُّ الدَّيْنَ وَالْمَبِيعَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ، وَهَذِهِ إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الرَّجْرَاجِيِّ قَالَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَاتِ: فَإِنْ جَحَدَهُ الثَّمَنَ جُمْلَةً هَلْ يُصَدَّقُ أَمْ لَا؟ فَالْمَذْهَبُ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ وَيَضْمَنُ لِتَفْرِيطِهِ فِي تَرْكِ الْإِشْهَادِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْكِتَابِ، وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ وَالثَّانِي أَنَّهُ يُصَدَّقُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي الْوَكِيلِ فِي الْمَبْعُوثِ مَعَهُ الْمَالُ لِيَدْفَعَهُ إلَى رَجُلٍ فَأَنْكَرَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ أَنْ يَكُونَ دَفَعَ إلَيْهِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ الْيَوْمَ تَرْكُ الْإِشْهَادِ عَلَى مِثْلِ هَذَا وَابْنُ الْقَاسِمِ يُضَمِّنُهَا فِي الْجَمِيعِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ، وَلَمْ يُشْهِدْ فَجَحَدَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ ضَمِنَ، وَلَوْ أَقْبَضَ الدَّيْنَ، فَكَذَلِكَ وَقِيلَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ التَّرْكَ انْتَهَى. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ وَقِيلَ إلَخْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: هُوَ قَوْلٌ ثَانٍ ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ انْتَهَى.
وَالطَّرِيقَةُ الْأُخْرَى أَنَّهُ لَا يُخْتَلَفُ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِالْأَمْرَيْنِ أَوْ لَمْ تَكُنْ عَادَةً، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ تُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ طَرِيقَةَ اللَّخْمِيِّ وَالشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يُخْتَلَفُ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ إنْ كَانَتْ الْعَادَةُ تَرْكَ الْإِشْهَادِ وَإِنَّمَا يُخْتَلَفُ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ بِالْأَمْرَيْنِ مَعًا الْإِشْهَادَ وَعَدَمَهُ أَوْ لَمْ تَكُنْ عَادَةً انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنَّ الْوَكِيلَ ضَامِنٌ وَلَوْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ عَلَى الدَّفْعِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِحَضْرَتِهِ فَفِي كِتَابِ الْقِرَاضِ مِنْهَا، وَإِذَا دَفَعَ الْعَامِلُ ثَمَنَ سِلْعَةٍ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَجَحَدَهُ الْبَائِعُ، وَحَبَسَ السِّلْعَةَ فَالْعَامِلُ ضَامِنٌ، وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ عَلَى شِرَاءِ سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهَا يَدْفَعُ الثَّمَنَ، فَجَحَدَهُ الْبَائِعُ، فَهُوَ ضَامِنٌ وَلِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَغْرَمَهَا وَإِنْ عَلِمَ رَبُّ الْمَالِ بِقَبْضِ الْبَائِعِ الثَّمَنَ بِإِقْرَارِهِ عِنْدَهُ، ثُمَّ جَحَدَهُ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَيَطِيبُ لَهُ مَا يُقْضَى لَهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ الْوَكِيلُ الثَّمَنَ بِحَضْرَةِ رَبِّ الْمَالِ فَلَا يَضْمَنُ انْتَهَى.
وَقَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ عَلَى مَا فِي نُسَخِ التَّوْضِيحِ وَنَقَلَهُ هُنَا فِي التَّوْضِيحِ وَتَقَدَّمَ فِي الْحَمَالَةِ عَنْ الْبَيَانِ نَحْوُهُ.
ص (أَوْ بَاعَ بِكَطَعَامٍ نَقْدًا مَا لَا يُبَاعُ بِهِ وَادَّعَى الْإِذْنَ فَنُوزِعَ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا بَاعَ السِّلْعَةَ الَّتِي وُكِّلَ عَلَى بَيْعِهَا بِطَعَامٍ أَوْ عَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ وَكَانَتْ السِّلْعَةُ مِمَّا لَا تُبَاعُ بِذَلِكَ وَادَّعَى أَنَّ الْمُوَكِّلَ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ
[ ٥ / ٢٠٥ ]
وَنَازَعَهُ الْمُوَكِّلُ فِي ذَلِكَ وَأَنْكَرَ الْإِذْنَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَلَمْ يُبَيِّنْ - ﵀ - مَا الَّذِي يَضْمَنُهُ وَهَلْ ذَلِكَ مَعَ قِيَامِ السِّلْعَةِ أَوْ مَعَ فَوَاتِهَا؟ وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً خُيِّرَ الْمُوَكِّلُ فِي إجَازَةِ الْبَيْعِ وَأَخَذَ مَا بِيعَتْ بِهِ أَوْ نُقِضَ الْبَيْعُ وَأَخَذَ سِلْعَتَهُ وَإِنْ فَاتَتْ خُيِّرَ فِي أَخْذِ مَا بِيعَتْ بِهِ أَوْ تَضْمِينِ الْوَكِيلِ قِيمَتَهَا قَالَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ بَاعَ الْمَأْمُورُ سِلْعَةً بِطَعَامٍ أَوْ عَرَضٍ نَقْدًا، وَقَالَ بِذَلِكَ أَمَرْتَنِي وَأَنْكَرَ الْآمِرُ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُبَاعُ بِذَلِكَ ضَمِنَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً لَمْ يَضْمَنْ الْمَأْمُورُ وَخُيِّرَ الْآمِرُ فِي إجَازَةِ الْبَيْعِ وَأَخْذِ مَا بِيعَتْ بِهِ مِنْ عَرَضٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ يَضْمَنُ الْوَكِيلُ قِيمَتَهَا وَيُسْلِمُ ذَلِكَ إلَيْهِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ ضَمِنَ ظَاهِرُهُ فَاتَتْ السِّلْعَةُ أَمْ لَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ ضَمِنَ إذَا فَاتَتْ السِّلْعَةُ فَقَوْلُ الْغَيْرِ وِفَاقٌ قَالَهُ فِي التَّنْبِيهَاتِ انْتَهَى.
فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ ضَمِنَ أَيْ ضَمِنَ قِيمَةَ السِّلْعَةِ يُرِيدُ مَعَ فَوَاتِهَا، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ قَائِمَةً. فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي إجَازَةِ الْبَيْعِ، وَرَدِّهِ وَذَلِكَ بَعْدَ يَمِينِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ عِيَاضٍ الْآتِي هُنَا وَقَوْلِ الْمُصَنِّفِ نَقْدًا اُحْتُرِزَ بِهِ مِمَّا إذَا بَاعَ بِذَلِكَ إلَى أَجَلٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الرِّضَا بِهِ، وَلَا أَخْذُ الْقِيمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَانْظُرْ إذَا كَانَ الْمَأْمُورُ لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا لِغَيْرِهِ وَاحْتَاجَ إلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ وَالْخِصَامُ فِيهِ هَلْ هُوَ فَوْتٌ؟ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ فَوْتٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ ثَبَتَ وَلَزِمَتْهُ الْيَمِينُ وَإِنَّمَا الَّذِي لَا إشْكَالَ فِيهِ إذَا أَعْلَمَ الْمَأْمُورُ الْمُشْتَرِيَ بِتَعَدِّيهِ انْتَهَى، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، وَادَّعَى الْإِذْنَ فَنُوزِعَ فَأَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ مُنَازَعَتَهُ فِي الْإِذْنِ وَمُخَاصَمَتَهُ فِي ذَلِكَ وَتَوْجِيهُ الْيَمِينِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَوْتٌ يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ هَلْ السِّلْعَةُ قَائِمَةٌ أَوْ فَاتَتْ وَلَوْ لَمْ يُرِدْ التَّنْبِيهَ عَلَى هَذَا لَمَا كَانَ لِذِكْرِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَائِدَةٌ فَإِنَّهَا: مُسْتَفَادَةٌ مِمَّا تَقَدَّمَ.
(فَرْعٌ): قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: لِلْمُوَكِّلِ رَدُّ الْبَيْعِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ، وَيَضْمَنُ الْوَكِيلُ الْقِيمَةَ إنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ انْتَهَى. مِنْ الْجَزِيرِيِّ انْتَهَى.
وَفِي الذَّخِيرَةِ فَرْعٌ: قَالَ عَلِيٌّ الْبَصْرِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ بِهِ النَّاسُ رَدَّ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ لِعَزْلِهِ عَنْ ذَلِكَ عَادَةً وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَيْعِ يَتَنَاوَلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ، وَجَوَابُهُ عُمُومُهُ مُقَيَّدٌ بِالْعَادَةِ، كَذَلِكَ مَنَعَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بَيْعَهُ بِالدَّيْنِ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ الْإِطْلَاقِ وَجَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ انْتَهَى. .
ص (وَإِنْ أَنْكَرَ الْقَبْضَ فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ فَشَهِدَتْ بِالتَّلَفِ كَالْمِدْيَانِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْوَكِيلَ إذَا أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ قَبَضَ مَا وُكِّلَ عَلَيْهِ أَوْ قَبَضَ ثَمَنَ مَا وُكِّلَ عَلَى بَيْعِهِ، فَلَمَّا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ قَالَ: تَلِفَ أَوْ رَدَدْتُهُ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِذَلِكَ لَمْ تُسْمَعْ الْبَيِّنَةُ كَالْمِدْيَانِ يُنْكِرُ الدَّيْنَ فَلَمَّا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ ادَّعَى قَضَاءَ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِحَقٍّ فَأَنْكَرَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ، وَادَّعَى الْقَضَاءَ هُوَ بِمَثَابَةِ مَنْ أَنْكَرَ حَقًّا فَقَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَادَّعَى الْقَضَاءَ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ سَوَاءٌ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ فِي هَذَا: الْأَصْلُ إنَّ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ هُنَا أَعْنِي فِي بَابِ الْوَكَالَةِ مَسَائِلَ وَجَزَمَ فِيهَا بِأَنَّهَا لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ هَذَا الْأَصْلَ وَذَكَرَ فِيهِ خِلَافًا وَذَكَرَ ابْنُ زَرْقُونٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ بَيِّنَتَهُ تَنْفَعُهُ وَلَكِنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَعْتَمِدْ تَشْهِيرَهُ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ وَفِي بَابِ الْقِرَاضِ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَا الْخِلَافَ فِيمَنْ أَنْكَرَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ مِنْ قِرَاضٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَمَّا إنْ أَنْكَرَ شَيْئًا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ أَوْ أَنْكَرَ الدَّعْوَى فِي الرَّبْعِ أَوْ فِيمَا يُفْضِي إلَى الْحُدُودِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إنْكَارِهِ لِأَمْرٍ ادَّعَاهُ أَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ فَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ لِابْنِ نَافِع يُقْبَلُ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الثَّانِي لِغَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ.
الثَّالِثُ: لِابْنِ الْمَوَّازِ يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا الرَّابِعُ: يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الْحُدُودِ وَالْأَمْوَالِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ فِي الْحُقُوقِ مِنْ الدُّيُونِ وَشِبْهِهَا مِنْ الْمُتَمَوِّلَاتِ وَهُوَ قَوْلُ
[ ٥ / ٢٠٦ ]
ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى مِنْ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ الْقِرَاضِ.
وَنَصُّهُ أَمَّا إنْ أَنْكَرَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ رُبَعٍ أَوْ مَا يُفْضِي إلَى حَدٍّ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ إنْكَارِهِ لِأَمْرٍ ادَّعَاهُ وَأَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً فَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ يَنْفَعُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَالثَّانِي مُقَابِلُهُ قَالَهُ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْحُدُودِ الَّتِي تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، فَأَحْرَى غَيْرُهَا، الثَّالِثُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَلِابْنِ كِنَانَةَ لَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ إلَّا فِي الرُّبَعِ وَالْحُدُودِ.
الرَّابِعُ: لِابْنِ الْمَوَّازِ لَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ إلَّا فِي الْحُدُودِ ا. هـ. وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ نَقَلَهُ عَنْهُ فِي النَّوَادِرِ مِنْ الْمَجْمُوعَةِ وَنَصُّهُ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِيمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلٌ مَالًا فَجَحَدَهُ، ثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ رَدَّهُ إلَيْهِ قَالَ: لَا تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِوَجْهٍ لَهُ فِيهِ عُذْرٌ قَالَ: وَمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَرْضًا فِي يَدَيْهِ قَدْ حَازَهَا عَشْرَ سِنِينَ، فَأَنْكَرَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهَا لَهُ فَأَثْبَتَ الْمُدَّعِي بِبَيِّنَةٍ أَنَّهَا لَهُ، فَجَاءَ هَذَا بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ ابْتَاعَهَا مِنْهُ أَوْ مِنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَلِكَ يُقْبَلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ رَجَوْت أَنَّ حِيَازَتِي تَكْفِينِي، وَلَيْسَ هَذَا كَالدَّيْنِ انْتَهَى.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ فِي رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْقِرَاضِ وَفِي رَسْمِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ وَفِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ كِتَابِ الشَّرِكَةِ وَفِي رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَنَصُّ كَلَامِهِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ: قِيلَ إنَّ الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ مِنْهُ بَعْدَ الْإِنْكَارِ وَقِيلَ إنَّمَا تُقْبَلُ مِنْهُ فِي الْأُصُولِ وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ فِي الْحُقُوقِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَا وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى أَرْضًا فِي يَدِ رَجُلٍ فَقَالَ: مَا لَكَ عِنْدِي أَرْضٌ، وَمَا عَلِمْت لَك أَرْضًا قَطُّ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أَرْضُهُ وَأَثْبَتَهَا، ثُمَّ أَقَرَّ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ فَقَالَ: نَعَمْ هِيَ وَاَللَّهِ أَرْضُكَ وَلَكِنْ قَدْ اشْتَرَيْتُهَا مِنْك وَأَقَامَ بِشِرَائِهِ بَيِّنَةً فَإِنَّ اشْتِرَاءَهُ لِذَلِكَ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَتَكُونُ لَهُ الْأَرْضُ وَلَا يَضُرُّهُ إنْكَارُهُ أَوْ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ كَانَ وَاَللَّهِ حَوْزِي يَنْفَعُنِي أَصْنَعُ بِالْأَرْضِ مَا شِئْت فَأَبَيْت أَنْ أُقِرَّ أَنَّهَا لَهُ فَيَكُونُ عَلَيَّ الْعَمَلُ فَكَرِهْت أَنْ أُعَنَّتَ فِي ذَلِكَ فَإِذْ قَدْ احْتَجْت إلَى شِرَائِي بَعْدَ أَنْ أَثْبَتهَا فَهَذَا شِرَائِي قَالَا فَذَلِكَ لَهُ، وَلَيْسَ مِثْلَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ الْحَقَّ، فَجَحَدَهُ وَأَدْخَلَ ذَلِكَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ.
وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ: وَسَوَاءٌ أَقَامَ بَيِّنَةً بِشِرَاءٍ مِنْ الْمُدَّعِي أَوْ مِنْ أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ رَجَوْت أَنَّ حِيَازَتِي تَكْفِينِي، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَ الْمَدِينِ، وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا فِي اللِّعَانِ إنْ ادَّعَى رُؤْيَةً بَعْدَ إنْكَارِهِ الْقَذْفَ، وَأَرَادَ أَنْ يُلَاعِنَ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ اللِّعَانَ مِنْ الْحُدُودِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي اللِّعَانِ وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ فَتَحَصَّلَ فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا:
أَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ الْجُحُودِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا فِي اللِّعَانِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ذَلِكَ فِي اللِّعَانِ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَقْبَلَهُ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الدُّيُونِ وَالْأُصُولِ وَالثَّانِي: أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ الْجُحُودِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ وَالثَّالِثُ: مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُدُودِ، وَمَا سِوَاهَا مِنْ الْأَشْيَاءِ وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ فِي الْأُصُولِ أَوْ الْحُدُودِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ فِي الْحُقُوقِ مِنْ الدُّيُونِ وَشِبْهِهَا، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ لِابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قُبِلَ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ الْجُحُودِ فِي الْأَمْوَالِ، فَأَحْرَى أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ذَلِكَ فِي الْحُدُودِ انْتَهَى.
وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ، وَأَمَّا فِي بَابِ الْوَكَالَةِ، فَاقْتَصَرَ عَلَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَقَالَ تَمَامُهَا فِي الْوَدِيعَةِ وَذَكَرَ فِي بَابِ الْقِرَاضِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَقَالَ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ الشَّيْخُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَالْأَخَوَيْنِ مَنْ أَوْدَعَ وَدِيعَةً بِبَيِّنَةٍ، ثُمَّ جَحَدَهَا، ثُمَّ أَقَامَ بِرَدِّهَا بَيِّنَةً أَنَّهُ ضَامِنٌ؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَ بَيِّنَتَهُ بِجَحْدِهَا يُرِيدُ إنْ قَالَ مَا أَوْدَعْتَنِي شَيْئًا وَلَوْ قَالَ مَا لَك عِنْدِي مِنْ هَذِهِ الْوَدِيعَةِ شَيْءٌ نَفَعَتْهُ بَيِّنَتُهُ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ عَنْ
[ ٥ / ٢٠٧ ]
اللَّخْمِيِّ وَإِنْ قَالَ أَوْدَعْتنِي مِائَةَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ لَمْ أَقْبِضْهَا لَمْ يُصَدَّقْ وَلَوْ قَالَ اشْتَرَيْت مِنْك ثَوْبًا، ثُمَّ قَالَ: لَمْ أَقْبِضْهُ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ أَوْدَعْتَنِي يَدُلُّ عَلَى الْقَبْضِ وَالشِّرَاءُ يَقَعُ عَلَى الْعَقْدِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ): مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الشَّيْخِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ مَا أَوْدَعْتَنِي شَيْئًا، فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ مَا لَك عِنْدِي مِنْ هَذِهِ الْوَدِيعَةِ شَيْءٌ فَتُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ ظَاهِرٌ، وَهُوَ جَارٍ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْبَابِ السَّادِسِ وَالْخَمْسِينَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ تَبْصِرَتِهِ مَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا مِنْ سَلَفٍ أَوْ قِرَاضٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ بِضَاعَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ حَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ فَجَحَدَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا خَافَ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَقَرَّ، وَادَّعَى فِيهِ وَجْهًا مِنْ الْوُجُوهِ يُرِيدُ إسْقَاطَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ وَإِنْ قَامَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَا زَعَمَ أَخِيرًا؛ لِأَنَّ جُحُودَهُ أَوَّلًا أَكْذَبَ الْبَيِّنَةَ فَلَا تُسْمَعُ وَإِنْ كَانُوا عُدُولًا.
(تَنْبِيهٌ): وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ لَمْ يُقِرَّ وَلَكِنْ قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ فَأَقَامَ هُوَ بَيِّنَةً أَيْضًا عَلَى رَدِّ السَّلَفِ أَوْ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْقِرَاضِ أَوْ الْبِضَاعَةِ أَوْ الرِّسَالَةِ أَوْ عَلَى هَلَاكِ ذَلِكَ فَلَا يَنْفَعُهُ؛ لِأَنَّهُ بِإِنْكَارِهِ مُكَذِّبٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ هَذَا قَوْلُ الرُّوَاةِ أَجْمَعِينَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَابْنِ وَهْبٍ وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ. (فَرْعٌ): وَأَمَّا إنْ قَالَ: مَا لَكَ عَلَيَّ سَلَفٌ وَلَا ثَمَنُ سِلْعَةٍ وَلَا لَك عِنْدِي وَدِيعَةٌ وَلَا قِرَاضٌ وَلَا بِضَاعَةٌ فَلَمَّا ثَبَتَ ذَلِكَ قَبْلَهُ بِالْبَيِّنَةِ أَقَرَّ بِذَلِكَ وَزَعَمَ أَنَّ الْوَدِيعَةَ وَالسِّلْعَةَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ ادَّعَى هَلَاكَهُ، وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً، فَهَهُنَا تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا لَكَ شَيْءٌ يُرِيد فِي وَقْتِي هَذَا، وَأَمَّا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى إذَا قَالَ: مَا أَسْلَفْتَنِي وَلَا أَوْدَعْتَنِي فَلَيْسَ مِثْلَ قَوْلِهِ هُنَا مَا لَكَ عَلَيَّ سَلَفٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عِنْدَ الرُّوَاةِ إلَّا أَنِّي رَأَيْتُ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ السَّمَاعِ شَيْئًا يُخَالِفُ هَذَا وَأَظُنُّ لَهُ وَجْهًا يُصَحِّحُ مَعْنَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ بُعِثَ مَعَهُ رَجُلٌ بِعِشْرِينَ دِينَارًا يُبْلِغُهَا إلَى الْجَارِ وَالْجَارُ مَوْضِعٌ وَكَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ عِنْدَ دَفْعِهِ إلَيْهِ فَحَمَلَ الْكِتَابَ وَبَلَّغَهُ إلَى مَنْ أَرْسَلَ إلَيْهِ فَلَمَّا قَرَأَهُ سَأَلَهُ عَنْ الذَّهَبِ، فَجَحَدَهُ إيَّاهُ، ثُمَّ إنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَسَأَلَهُ الَّذِي أَرْسَلَ مَعَهُ الذَّهَبَ، وَقَالَ لَهُ إنِّي أَشْهَدْت عَلَيْكَ فَقَالَ لَهُ: إنْ كُنْتَ دَفَعْت إلَيَّ شَيْئًا فَقَدْ ضَاعَ فَقَالَ مَالِكٌ مَا أَرَى عَلَيْهِ إلَّا يَمِينَهُ وَأَرَى هَذَا مِنْ مَالِكٍ إنَّمَا هُوَ فِي الْجَاهِلِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ أَنَّ الْإِنْكَارَ يَضُرُّهُ، وَأَمَّا الْعَالِمُ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ يَضُرُّهُ، ثُمَّ يَنْدَمُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يُعْذَرُ مِنْ كِتَابِ الرُّعَيْنِيِّ انْتَهَى كَلَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ كَلَامُ الرُّعَيْنِيِّ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ غَيْرَ أَنَّ الرُّعَيْنِيَّ زَادَ بَعْدَهُ وَرَأَيْت لِابْنِ مُزَيْنٍ لَفْظَةَ أَنَّهُ قَبِلَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى الْقَضَاءِ وَإِنْ جَحَدَهُ وَقَالَ مَا أَسْلَفْتَنِي قَطُّ شَيْئًا وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَفِي مَسَائِلِ الْعُيُوبِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ فِيمَنْ قُيِّمَ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ، فَأَنْكَرَ الْبَيْعَ فَلَمَّا ثَبَتَ عَلَيْهِ زَعَمَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ اعْتَمَرَ، وَعَرَضَ لِلْبَيْعِ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْعَيْبِ فَقَالَ هَاشِمُ بْنُ مُحَمَّدٌ هَذَا تَنَاقُضٌ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَ بَيِّنَتَهُ قُلْت: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَجْرِي عَلَى مَسْأَلَةِ مَنْ طُولِبَ بِشَيْءٍ فَأَنْكَرَهُ، وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَأَتَى بِحُجَّةٍ تُوجِبُ قَبُولَ قَوْلِهِ وَفِيهَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ مَسْأَلَةِ اللِّعَانِ وَالتَّخْيِيرِ الْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ انْتَهَى.
(قُلْت): فَيَتَحَصَّلُ مِمَّا تَقَدَّمَ جَمِيعُهُ أَنَّهُ إذَا أَنْكَرَ أَصْلَ الْمُعَامَلَةِ، ثُمَّ أَقَرَّ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَادَّعَى مَا يُسْقِطُ ذَلِكَ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ وَلَوْ كَانَتْ بَيِّنَةً عَادِلَةً بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ مَا لَكَ عَلَيَّ سَلَفٌ وَلَا وَدِيعَةٌ أَوْ لَا قِرَاضٌ أَوْ قَالَ مَا لَكَ عِنْدِي حَقٌّ، ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، فَادَّعَى مَا يُسْقِطُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ أَوْ بَيِّنَتُهُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ، فَقَالَ وَإِنْ أَنْكَرَ مَطْلُوبٌ الْمُعَامَلَةَ فَالْبَيِّنَةُ، ثُمَّ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ بِالْقَضَاءِ بِخِلَافِ لَا حَقَّ لَكَ عَلَيَّ انْتَهَى. وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ ذَلِكَ أَيْضًا بِمَا قَالَهُ الرُّعَيْنِيُّ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَعْرِفُ أَنَّ الْإِنْكَارَ
[ ٥ / ٢٠٨ ]
يَضُرُّهُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ يَجْهَلُ ذَلِكَ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ قَوْلِهِ مَا أَسْلَفْتَنِي وَمَا أَوْدَعْتَنِي وَبَيْنَ قَوْلِهِ مَا لَكَ عِنْدِي سَلَفٌ وَلَا وَدِيعَةٌ فَيُعْذَرُ بِالْجَهْلِ إلَّا إذَا حُقِّقَ عَلَيْهِ، وَقُدِّرَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ لَهُ أَنْتَ تُنْكِرُ هَذَا أَصْلًا، فَإِذَا قَامَتْ عَلَيْكَ الْبَيِّنَةُ فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُك فَإِذَا اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ الْحُدُودِ وَالْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ كِنَانَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ صَاحِبِ التَّوْضِيحِ وَابْنِ رُشْدٍ وَصَاحِبِ النَّوَادِرِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الرُّعَيْنِيُّ عَنْ ابْنِ مُزَيْنٍ فَهُوَ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمُرْسَلِ مَعَهُ إلَى الْجَارِ هُوَ فِي سَمَاعِ عِيسَى وَجَعَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ خِلَافًا وَمَا قَالَهُ الرُّعَيْنِيُّ ظَاهِرٌ فَتَأَمَّلْهُ وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ بَطَّالٍ فِي الْمُقْنِعِ فِي بَابِ ابْتِدَاءِ الْقَضَاءِ بِالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، فَقَدْ ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَوْ قَالَ غَيْرُ الْمُفَوَّضِ قَبَضْت وَتَلِفَ بَرِئَ وَلَمْ يَبْرَأْ الْغَرِيمُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ)
ش: كَرَّرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَلَا يُعَارِضُهَا مَا فِي كِتَابِ الْوَكَالَاتِ وَلَا مَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي بَابِ كِتَابِ الزَّكَاةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى خُرُوجِ السَّاعِي: يَحْصُلُ الْإِبْرَاءُ بِالدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ الْفَاسِقِ وَإِنْ لَمْ يُوَصِّلْ الْحَقَّ لِمُسْتَحِقِّهِ انْتَهَى.
وَمُرَادُهُ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ مَا وُكِّلَ فِيهِ أَوْ كَانَ وَكِيلًا مُفَوَّضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ): قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْبَرَاءَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْعَارِيَّةِ: اُخْتُلِفَ فِيمَنْ ادَّعَى وَكَالَةَ رَجُلٍ فَقَبَضَ لَهُ مَالَهُ وَادَّعَى تَلَفَهُ، فَقِيلَ يُصَدَّقُ فِيمَا ادَّعَى مِنْ الْوَكَالَةِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْغَرِيمَ الدَّافِعَ إلَيْهِ قَدْ صَدَّقَهُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَانُ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الْمَالِ بِهِ عَلَى الْغَرِيمِ بَعْدَ يَمِينِهِ إنْ كَانَ لِلْغَرِيمِ بَيِّنَةٌ عَلَى مُعَايَنَةِ الدَّفْعِ، وَهَذَا يَأْتِي عَلَى رِوَايَةِ عِيسَى هَذِهِ، وَلَا يَرْجِعُ الْغَرِيمُ عَلَى الْوَكِيلِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ الْوَكَالَةِ بِيَمِينِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ أَقَرَّ بِهَا صَاحِبُ الْمَالِ عَلَى مَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَرَّطَ فِي دَفْعِ الْمَالِ لِلْمُوَكِّلِ حَتَّى تَلِفَ عِنْدَهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَحَمَلَهُ مُطَرِّفٌ عَلَى التَّفْرِيطِ، فَأَوْجَبَ لِلْغَرِيمِ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ لَا يَصْدُقُ وَهُوَ ضَامِنٌ يَحْلِفُ صَاحِبُ الْمَالِ مَا وَكَّلَهُ وَيَرْجِعُ بِمَالِهِ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْغَرِيمِ رَجَعَ الْغَرِيمُ عَلَى الْوَكِيلِ، وَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى أَحَدٍ، وَهُوَ يَأْتِي عَلَى مَا فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَعَلَى مَا فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْوَكِيلَ يُصَدَّقُ فِيمَا ادَّعَاهُ يَحْلِفُ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَانُ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْوَكَالَةِ، فَيَلْزَمُ الْغَرِيمَ بَعْدَ يَمِينِ صَاحِبِ الْمَالِ أَنَّهُ مَا وَكَّلَهُ، وَاخْتُلِفَ إنْ كَانَ عَبْدًا هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي رَقَبَتِهِ أَمْ لَا؟
عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي رَقَبَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ قَدْ صَدَّقَهُ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْوَكَالَةِ، وَدَفَعَ إلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ؛ لِأَنَّهُ قَبِلَهُ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ وَالثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي ذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْغَرِيمَ قَدْ صَدَّقَهُ فِيمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْوَكَالَةِ وَدَفَعَ إلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ، وَالثَّالِثُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي رَقَبَتِهِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِالْعَدَاءِ انْتَهَى
ص (وَصُدِّقَ فِي الرَّدِّ كَالْمُودَعِ
[ ٥ / ٢٠٩ ]
فَلَا يُؤَخَّرُ لِلْإِشْهَادِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ الرَّدَّ مِنْ وَكِيلٍ أَوْ مُودَعٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الدَّفْعَ إذَا طُولِبَ بِدَفْعِ مَا عِنْدَهُ، وَيَعْتَذِرَ بِالْإِشْهَادِ؛ لِأَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي دَعْوَاهُ الرَّدَّ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ صُدِّقَ فِي الرَّدِّ أَيْ مَعَ يَمِينِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ بِقُرْبِ ذَلِكَ بِالْأَيَّامِ الْيَسِيرَةِ أَوْ طَالَ سَوَاءٌ كَانَ مُفَوَّضًا إلَيْهِ أَمْ لَا هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي رَسْمِ حَلَفَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْوَكَالَاتِ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَكَالَاتِ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِي الْوَكِيلِ يَدَّعِي أَنَّهُ دَفَعَ إلَى مُوَكِّلِهِ مَا قَبَضَ لَهُ مِنْ الْغُرَمَاءِ أَوْ مَا بَاعَ بِهِ مَتَاعَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَفِي رَسْمِ الْبِزِي مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الْمِدْيَانِ وَالتَّفْلِيسِ وَفِي آخِرِ الْوَكَالَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَالثَّانِي أَنَّهُ إنْ كَانَ بِقُرْبِ ذَلِكَ بِالْأَيَّامِ الْيَسِيرَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ أَنَّهُ مَا قَبَضَ شَيْئًا، وَعَلَى الْوَكِيلِ الْبَيِّنَةُ وَإِنْ تَبَاعَدَ الْأَمْرُ كَالشَّهْرِ وَنَحْوِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ طَالَ الْأَمْرُ جِدًّا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْوَكِيلِ بَيِّنَةٌ فَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ.
وَالثَّالِثُ: إنْ كَانَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ فِي الْأَيَّامِ الْيَسِيرَةِ صُدِّقَ الْوَكِيلُ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ طَالَ الْأَمْرُ جِدًّا صُدِّقَ دُونَ يَمِينٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالرَّابِعُ: تَفْرِقَةُ أَصْبَغَ بَيْنَ الْوَكِيلِ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ غَارِمٍ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ، وَإِنْ طَالَ الْأَمْرُ وَالْوَكِيلُ الْمُفَوَّضُ يَصْدُقُ فِي الْقُرْبِ مَعَ يَمِينِهِ وَفِي الْبُعْدِ دُونَ يَمِينٍ انْتَهَى.
وَعَلَى هَذَا فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لَكَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ لَفْظَ صُدِّقَ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا يُصَدَّقُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَمَنْ قَالَ رَدَدْت إلَيْكَ مَا وَكَّلْتَنِي عَلَيْهِ هَذَا؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ وَالْمُودَعَ وَالرَّسُولَ مُؤْتَمَنُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُوَكِّلِ وَالْمُودَعِ وَالْمُرْسَلِ فَإِذَا ذَكَرُوا أَنَّهُمْ رَدُّوا مَا دَفَعَ إلَيْهِمْ إلَى أَرْبَابِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ قَدْ ائْتَمَنُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَكَانَ قَوْلُهُمْ مَقْبُولًا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ، وَكَذَلِكَ الْعَامِلُ فِي الْقِرَاضِ مُؤْتَمَنٌ فِي رَدِّ الْقِرَاضِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَالِكِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَخَذَ الْمَالَ بِبَيِّنَةٍ فَلَا تُبْرِئُهُ دَعْوَى رَدِّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ حِينَئِذٍ لَمْ يَأْتَمِنْهُ لَمَّا اسْتَوْثَقَ مِنْهُ بِالْبَيِّنَةِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ عَنْهُ الزَّنَاتِيُّ وَهُوَ نَصُّ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إلَّا الْوَكِيلَ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَيْضًا الْفَاكِهَانِيُّ وَالْمَشَذَّالِيُّ، وَأَمَّا الْعَارِيَّةُ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: إنَّ لَهُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الْمُعِيرِ فِي رَدِّ الْعَارِيَّةِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ دَفَعَهَا إلَيْهِ بِلَا إشْهَادٍ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ تُضْمَنُ، الْوَدِيعَةُ لَا تُضْمَنُ اهـ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ): قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَالْمُودَعِ يُشِيرُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَى أَنَّ الْوَكِيلَ إنَّمَا يُصَدَّقُ فِي رَدِّ مَا وُكِّلَ عَلَيْهِ إلَى رَبِّهِ إذَا قَبَضَهُ بِغَيْرِ إشْهَادٍ، وَأَمَّا مَا قَبَضَهُ بِإِشْهَادٍ فَلَا يُصَدَّقُ فِي رَدِّهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْفَاكِهَانِيُّ وَالزَّنَاتِيُّ وَغَيْرُهُمْ (الثَّانِي): يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ مُطْلَقًا طَالَ الزَّمَانُ أَوْ لَمْ يَطُلْ، وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ الْيَمِينَ تَسْقُطُ مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ (الثَّالِثُ): الْوَكِيلُ مُصَدَّقٌ فِي الرَّدِّ إلَى مُوَكِّلِهِ وَلَوْ ادَّعَى ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ مُوَكِّلِهِمْ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَفِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوِكَالَاتِ.
وَكَمَا يُصَرِّحُ بِهِ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْوِكَالَاتِ، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. لَيْسَ خَاصًّا بِالْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا كَانَ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ الرَّدَّ وَكِيلٌ أَوْ مُودِعٌ إذَا ادَّعَى إيصَالَ ذَلِكَ إلَى الْيَدِ الَّتِي دَفَعَتْ إلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ الدَّافِعُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا وَاضِحٌ وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعَصْرِ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ حَتَّى أَطْلَعْتُهُ عَلَى النَّصِّ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ): قَالَ ابْنُ نَاجِي فِي قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَك بِغَيْرِ أَمْرَك
[ ٥ / ٢١٠ ]
فَإِمَّا وَلَدُك أَوْ بَعْضُ عِيَالِك فَمَنْ فَعَلَهُ لِيَكْفِيَك مُؤْنَتَهَا فَذَلِكَ مُجْزِئٌ يَقُومُ مِنْهَا إذَا كَانَ رَبْعٌ بَيْنَ أَخٍ وَأُخْتٍ وَكَانَ الْأَخُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى عَقْدَ كِرَائِهِ وَقَبَضَهُ سِنِينَ مُتَطَاوِلَةً فَجَاءَتْ أُخْتُهُ تُطَالِبُ بِمَنَابِهَا مِنْ الْكِرَاءِ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَزَعَمَتْ أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْ شَيْئًا، وَادَّعَى هُوَ دَفْعَهُ لَهَا أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إذْ هُوَ وَكِيلُهَا بِالْعَادَةِ، وَوَقَعَتْ بِالْمَدِينَةِ الْمُهْدِيَةِ، وَأَفْتَى فِيهَا بَعْضُ شُيُوخِنَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ دُونَ اسْتِنَادٍ لِدَلِيلٍ أَوْ تَأَخَّرَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا حَتَّى مَاتَ يَعْنِي الْمُفْتِي، وَهُوَ ابْنُ عَرَفَةَ فَأَفْتَى فِيهَا شَيْخُنَا أَبُو مَهْدِيٍّ بِعَكْسِهِ وَجِيءَ لِقَاضِيهَا بِالْفَتْوَتَيْنِ فَتَوَقَّفَ حَتَّى وَصَلَ تُونُسَ فَنَاوَلَ شَيْخَنَا أَبَا مَهْدِيٍّ مَا أَفْتَى بِهِ فَقَالَ: نَعَمْ هَذَا خَطِّي، ثُمَّ نَاوَلَهُ مَا أَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ الْمَذْكُورُ فَكَتَبَ تَحْتَهُ رَأَى - ﵀ - أَنَّهُ وَكِيلٌ بِالْعَادَةِ فَقُبِلَ قَوْلُهُ وَبِهِ أَقُولُ وَقَطَعَ مَا أَفْتَى بِهِ وَأَرَاهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَفْتَى الشَّيْخُ الْمَذْكُورُ وَكَانَ يَقُولُ - ﵀ - مَا خَالَفْتَهُ فِي حَيَاتِهِ وَلَا أُخَالِفُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ نَاجِي وَبَعْضِ شُيُوخِهِ هُوَ ابْنُ عَرَفَةَ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ.
ص (وَلِأَحَدِ الْوَكِيلَيْنِ الِاسْتِبْدَادُ إلَّا لِشَرْطٍ)
ش: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ غَازِيٍّ هُنَا كَافٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِكَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَنَحْوِ عِبَارَتِهِ لِصَاحِبِ الْإِرْشَادِ فِي إرْشَادِهِ وَفِي مُعْتَمَدِهِ وَشَرْحِهِ وَاعْتَرَضَهُ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بِمَا اعْتَرَضَ بِهِ الْمُصَنِّفُ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ بِعْتَ وَبَاعَ فَالْأَوَّلُ إلَّا لِقَبْضٍ) ش قَالَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ): إنَّمَا يَكُونُ الثَّانِي أَحَقَّ إذَا قَبَضَ السِّلْعَةَ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِبَيْعِ الْأَوَّلِ لَا هُوَ وَلَا الَّذِي بَاعَهُ أَمَّا إنْ بَاعَ الثَّانِي مِنْهُمَا، وَهُوَ عَالِمٌ بِبَيْعِ الْأَوَّلِ، وَقَبَضَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي السِّلْعَةَ، وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ فِي وَقْتِ قَبْضِهِ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى قَالَهُ فِي رَسْمِ نَذْرِ سَنَةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ.
(الثَّانِي): إذَا أَكْرَى الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ، فَهِيَ لِلْأَوَّلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ مَنْ قَبَضَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَكَ قَبْضُ سَلَمِهِ لَك إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ) ش قَالَ فِي كِتَابِ السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَكَ قَبْضُ مَا أَسْلَمَ لَكَ فِيهِ وَكِيلُك بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ وَيَبْرَأُ إذَا دَفَعَهُ إلَيْكَ إنْ كَانَتْ لَكَ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَسْلَمَهُ لَك وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَفَعَ إلَيْكَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ فَالْمَأْمُورُ أَوْلَى بِقَبْضِهِ مِنْك قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حُكِيَ عَنْ الْقَابِسِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَلَوْ أَقَرَّ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ بِأَنَّ الْمَأْمُورَ أَقَرَّ عِنْدَهُ أَنَّ الطَّعَامَ لِلْمُقِرِّ لَهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِهَا، وَلَا يَكُونُ شَاهِدًا؛ لِأَنَّ فِي شَهَادَتِهِ مَنْفَعَةً لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُفْرِغَ ذِمَّتَهُ.
قَالَ: وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالدَّفْعِ إلَى الْمَقَرِّ لَهُ فَإِنْ جَاءَ الْمَأْمُورُ فَصَدَّقَهُ بَرِئَ وَإِلَّا غَرِمَ لَهُ ثَانِيَةً وَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: إنَّ مَا قَالَهُ الْقَابِسِيُّ مِنْ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ لَا يَكُونُ شَاهِدًا نَحْوُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: شَهَادَتُهُ فِي هَذَا جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَدْلًا وَيَحْلِفُ الْمُقِرُّ مَعَهُ: وَيَسْتَحِقُّ وَلَا تُهْمَةَ فِي ذَلِكَ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ انْتَهَى. فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْقَضَاءِ فَهَلْ يَكُونُ شَاهِدًا؟
قَوْلَانِ قَالَ فِي الشَّامِلِ وَفِي جَبْرِ مُسْلِمٍ إلَيْهِ عَلَى الدَّفْعِ لِمَنْ أَقَرَّ لَهُ الْمُسْلِمُ الْغَائِبُ قَوْلَانِ وَفِي كَوْنِهِ كَشَاهِدٍ إنْ كَانَ عَدْلًا يَحْلِفُ مَعَهُ الْمُسْتَحِقُّ، وَيَأْخُذُ ذَلِكَ قَوْلَانِ أَمَّا إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَلَهُ قَبْضُهُ اتِّفَاقًا انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْقَابِسِيِّ مِنْ عَدَمِ جَبْرِهِ عَلَى الدَّفْعِ هُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمَعُونَةِ فَقَالَ: إذَا وَكَّلَهُ عَلَى قَبْضِ دَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَوْ وَدِيعَةٍ عِنْدَهُ فَصَدَّقَ الْغَرِيمُ الْوَكِيلَ وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ بَيِّنَةٌ، فَلَا يُجْبَرُ الْغَرِيمُ عَلَى دَفْعِ الشَّيْءِ لِلْوَكِيلِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ
[ ٥ / ٢١١ ]
لَا يَلْزَمُ الْغَرِيمَ أَنْ يَدْفَعَ إلَّا مَا يَبْرَأُ بِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ بِبَيِّنَةٍ، فَطَالَبَ صَاحِبُهُ بِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ حَتَّى يُحْضِرَ الْوَثِيقَةَ، وَتَسْقُطَ شَهَادَةُ الشُّهُودِ وَالدَّفْعُ بِالْإِقْرَارِ لَا يَبْرَأُ بِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ إنْ جَحَدَ الْوَكَالَةَ لَزِمَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ ثَانِيَةً وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّفْعُ وَتَحْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ كُلُّ مَنْ لَا يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ كَالْأَجْنَبِيِّ؛ وَلِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى غَيْرِهِ بِالتَّوْكِيلِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ عِلْمُ ذَلِكَ الْإِقْرَارِ بِتَسْلِيمِ مَا فِي يَدِهِ إلَى الْوَكِيلِ انْتَهَى.
، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ الرُّكْنِ السَّادِسِ مِنْ الْبَابِ الْخَامِسِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ أَقْسَامِ الْكِتَابِ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى أَحْكَامٍ تَتَوَقَّفُ سَمَاعُ الدَّعْوَى بِهَا عَلَى إثْبَاتِ فُصُولٍ إنَّهُ الْمَشْهُورُ وَنَصُّهُ، وَلَوْ صَدَّقَ الْخَصْمُ الْوَكِيلَ فِي الدَّعْوَى، وَاعْتَرَفَ بِالْمُدَّعَى بِهِ لَمْ يُجْبِرْهُ الْحَاكِمُ عَلَى دَفْعِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ صِحَّةُ الْوَكَالَةِ انْتَهَى.
وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَوَاحِدٌ فِي خُصُومَةٍ وَقَالَ فِي آخِرِ الْفَصْلِ السَّادِسِ فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ عَلَى الدَّعْوَى: إنَّهُ إذَا صَدَّقَهُ عَلَى الْوَكَالَةِ، وَأَقَرَّ بِالدَّيْنِ أُلْزِمَ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ، وَنَصُّهُ مَسْأَلَةٌ فِي الْمَطْلُوبِ يُوَافِقُ عَلَى صِحَّةِ الْوَكَالَةِ قَبْلَ ثُبُوتِهَا وَإِذَا قَامَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ فِي مَهْرِ امْرَأَتِهِ أَوْ دَيْنِ رَجُلٍ وَادَّعَى وَكَالَةَ صَاحِبِ ذَلِكَ فَأَقَرَّ الْمَطْلُوبُ بِالدَّيْنِ أَوْ بِالْمَهْرِ وَاعْتَرَفَ بِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دَفْعُ ذَلِكَ إلَيْهِ، فَإِنْ قَامَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى الْمَطْلُوبِ يَطْلُبُهُ بِذَلِكَ قَضَى لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقْضَى عَلَيْهِ أَوَّلًا بِإِقْرَارِهِ وَالْمُصِيبَةُ مِنْهُ انْتَهَى.
وَلَهُ فِي الْبَابِ السَّبْعِينَ فِي الْقَضَاءِ بِالْأَمَارَاتِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ وَعَزَاهُ لِلْمُتَيْطِيَّةِ وَنَصُّهُ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ سَحْنُونٍ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ وَكَّلَنِي فُلَانٌ عَلَى قَبْضِ دَيْنِهِ مِنْك وَعَدَدُهُ كَذَا فَصَدَّقَهُ فِي الْوَكَالَةِ وَأَقَرَّ بِالدَّيْنِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ إلَيْهِ. فَإِنْ قَدِمَ فُلَانٌ وَأَنْكَرَ التَّوْكِيلَ غَرِمَ الْمُقِرُّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ كَانَ بِإِقْرَارِهِ انْتَهَى.
وَفِيهِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا يُخَالِفُ هَذَا وَيُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْفَصْلِ الْخَامِسِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ لُزُومِ الدَّفْعِ جَارٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الْقَابِسِيِّ أَرْجَحُ، وَيَكْفِي فِي تَرْجِيحِهِ اقْتِصَارُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَاللَّخْمِيِّ عَلَيْهِ وَتَشْهِيرُ ابْنِ فَرْحُونٍ لَهُ وَالظَّاهِرُ عِنْدِي مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي شَهَادَتِهِ عَدَمُ قَبُولِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ مَسْأَلَةِ السَّلَمِ الثَّانِي الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ هُنَا وَهُوَ مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ إنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ بِأَنَّ مَفْهُومَهُ لَوْ ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ لَمْ يَأْخُذْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِبَيِّنَةٍ.
(تَنْبِيهٌ): قَالَ فِي الْمَعُونَةِ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ فَصْلٌ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الدَّفْعِ، فَمَتَى دَفَعَ إلَى مَنْ يَعْتَرِفُ لَهُ بِأَنَّهُ وَكِيلٌ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ عَلَى الْوَكَالَةِ، فَإِنْ اعْتَرَفَ لَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ، فَقَدْ بَرِئَ وَإِنْ أَنْكَرَ الْوَكَالَةَ، وَأَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ الْحَقَّ بَرِئَ الْغَرِيمُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْوَكَالَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْإِبْرَاءِ كَمَا لَوْ بَعَثَ بِهِ الْغَرِيمُ عَلَى يَدِ رَسُولٍ ابْتِدَاءً، وَاعْتَرَفَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِقَبْضِهِ لَبَرِئَ الْغَرِيمُ فَإِنْ أَقَرَّ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِالْوَكَالَةِ وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْغَرِيمُ دَفَعَ الْحَقَّ إلَى الْوَكِيلِ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى إقْرَارِ الْوَكِيلِ بِالْقَبْضِ أَوْ إنْكَارِهِ وَلَزِمَ الْغَرِيمَ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِالدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ غَرِمَ ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ الْغَرِيمَ هُوَ الَّذِي أَتْلَفَ مَالَهُ حِينَ دَفَعَ إلَى مَنْ لَا يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْوَكَالَةُ بِبَيِّنَةٍ، فَدَفَعَ الْغَرِيمُ إلَى الْوَكِيلِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْحَقِّ فَإِنَّ الْغَرِيمَ يَغْرَمُ الْمَالَ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْوَكِيلِ بِالْقَبْضِ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ أَمِينٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُوَكِّلِهِ لَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْغَرِيمَ يَغْرَمُ الْمَالَ ثَانِيَةً وَلَهُ إحْلَافُ صَاحِبِ الْحَقِّ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِدَفْعِهِ الْحَقَّ إلَى وَكِيلِهِ، ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِنْ ادَّعَى الْوَكِيلُ أَنَّهُ دَفَعَ الْمَالَ إلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ وَأَقَامَهَا فَإِنَّ الْغَرِيمَ يَبْرَأُ بِذَلِكَ.
وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ بَيِّنَةٍ عَلَى الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَدْ شَهِدَتْ بِقَبْضِ صَاحِبِ الْحَقِّ لِحَقِّهِ، وَإِنْ ادَّعَى الدَّفْعَ إلَى صَاحِبِ الْحَقِّ بِغَيْرِ
[ ٥ / ٢١٢ ]
بَيِّنَةٍ، فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ صَاحِبَ الْحَقِّ عَلَى مَا بَيَّنَّا انْتَهَى. بِلَفْظِهِ.
ص (وَالْقَوْلُ لَكَ إنْ ادَّعَى الْإِذْنَ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِيهَا إنْ بَاعَ الْوَكِيلُ السِّلْعَةَ وَقَالَ بِذَلِكَ أَمَرْتَنِي وَقَالَ رَبُّهَا: بَلْ أَمَرْتُكَ أَنْ تَرْهَنَهَا صُدِّقَ رَبُّهَا وَلَوْ فَاتَتْ يُرِيدُ وَيَحْلِفُ وَيَأْخُذُهَا إنْ كَانَتْ قَائِمَةً؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْآمِرَ ثَابِتٌ مِلْكُهُ لَهَا، وَحَقُّ الْمُشْتَرِي إنَّمَا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِدَعْوَى الْوَكَالَةِ انْتَهَى اُنْظُرْ تَمَامَهَا.
(فَرْعٌ): وَإِذَا اشْتَرَى لِفُلَانٍ فَأَنْكَرَ فُلَانٌ، فَالشِّرَاءُ لَازِمٌ لِلْوَكِيلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ الْفُضُولِيِّ.
ص (إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ، فَزَعَمْت أَنَّك أَمَرْتَهُ بِغَيْرِهِ وَحَلَفَ)
ش: هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فَإِنْ نَكَلَ الْمَأْمُورُ عَنْ الْيَمِينِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ يَمِينِهِ، وَهَذَا إذَا فَاتَ الثَّمَنُ أَمَّا إذَا كَانَ بَاقِيًا بِيَدِ الْبَائِعِ، وَكَانَ الْوَكِيلُ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِي لِفُلَانٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ اتِّفَاقًا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَنَحْوُهُ فِي الرَّجْرَاجِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَقَوْلِهِ أَمَرْتُ بِبَيْعِهِ بِعَشْرَةٍ وَأَشْبَهَتْ وَقُلْت بِأَكْثَرَ وَفَاتَ الْمَبِيعُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ)
ش: أَيْ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا قَالَ لِمُوَكِّلِهِ أَمَرْتَنِي بِبَيْعِ الشَّيْءِ الْمُوَكِّلِ عَلَى بَيْعِهِ بِعَشَرَةٍ، وَكَانَتْ الْعَشَرَةُ تُشْبِهُ قِيمَتَهُ وَقُلْت أَنْتَ بِأَكْثَرَ وَفَاتَ الْمَبِيعُ بِزَوَالِ عَيْنِهِ، فَإِنْ نَكَلَ الْوَكِيلُ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَ الْمُوَكِّلُ وَلَزِمَ الْوَكِيلَ غُرْمُ مَا قَالَهُ الْمُوَكِّلُ، فَإِنْ نَكَلَ الْمُوَكِّلُ أَيْضًا فَلَا شَيْءَ لَهُ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ السَّلَمِ الثَّانِي، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُوَكِّلِ بَيِّنَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ لَزِمَ الْوَكِيلَ الْغُرْمُ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ.
وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ، وَأَشْبَهَتْ مِمَّا إذَا ادَّعَى مَا لَا يُشْبِهُ، فَلَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ بَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ الْآمِرِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ وَفَاتَ الْمَبِيعُ مِمَّا إذَا لَمْ يَفُتْ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ مَعَ يَمِينِهِ وَيَأْخُذُ سِلْعَتَهُ، وَلَهُ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ، وَيَأْخُذَ الْعَشَرَةَ وَاخْتُلِفَ هَلْ لَهُ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ وَيُلْزِمَ الْوَكِيلَ الزَّائِدَ أَوْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؟ قَوْلَانِ ذَكَرَهُمَا الرَّجْرَاجِيُّ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: وَاخْتُلِفَ إذَا اعْتَرَفَ الْوَكِيلُ بِالتَّعَدِّي هَلْ يَسْقُطُ ذَلِكَ الْيَمِينُ عَنْ الْمُوَكِّلِ أَوْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ يُسْقِطُ عَنْهُ الْيَمِينَ، وَقِيلَ لَا يُسْقِطُهَا لِحَقِّ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِتَصْدِيقِهِ إبْطَالَ حَقِّ الْمُشْتَرِي انْتَهَى بِالْمَعْنَى (قُلْت): وَالثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ.
(فَرْعٌ): فَإِنْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَهَا بِمَا قَالَ الْمُوَكِّلُ فَهَلْ يُجْبَرُ الْمُوَكِّلُ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فَإِنْ نَكَلَ الْمُوَكِّلُ عَنْ الْيَمِينِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ وَيُمْضِي الْبَيْعَ بِالْعَشْرَةِ قَالَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا نَكَلَ
[ ٥ / ٢١٣ ]
الْمُوَكِّلُ كَانَتْ لَهُ بِالْعَشْرَةِ بِغَيْرِ يَمِينٍ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: إنْ أَرَادَ دُونَ يَمِينِ الْوَكِيلِ كَانَ خِلَافَ الْمَذْهَبِ، وَإِلَى مَا قَالَهُ ابْنُ بَشِيرٍ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ أَوْ لَمْ يَفُتْ وَلَمْ يَحْلِفْ فَإِنْ نَكَلَ الْوَكِيلُ بَعْدَ نُكُولِ الْمُوَكِّلِ لَزِمَ غُرْمُ مَا قَالَ الْمُوَكِّلُ نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ يُونُسَ.
ص (فَإِنْ لَمْ تَفُتْ خُيِّرْت فِي أَخْذِهَا بِمَا قَالَ)
ش: نَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: يُرِيدُ بَعْدَ يَمِينِ الْمَأْمُورِ لَقَدْ اشْتَرَاهَا بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَهَلْ إنْ قُبِضَتْ تَأْوِيلَانِ)
ش: قَيَّدَ الرَّجْرَاجِيُّ الْخِلَافَ بِغَيْرِ الْمُفَوَّضِ قَالَ: لِأَنَّهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِمَّا وَكَّلَ مَعْزُولٌ قَالَ: وَأَمَّا الْمُفَوَّضُ، فَلَا خِلَافَ أَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا قَبْلَهُ مَقْبُولٌ وَيَلْزَمُ الْآمِرَ الْبَدَلُ (تَكْمِيلٌ): قَالَ عِيَاضٌ ثُمَّ إذَا أَبْدَلَهَا الْآمِرُ فَلَا يَمِينَ عَلَى الْمَأْمُورِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْآمِرُ أَنَّهُ أَبْدَلَهَا، فَيُتَصَوَّرُ فِيهِ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمُودَعِ وَحَكَى أَشْهَبُ أَنَّهُ يُبْدِلُهَا بَعْدَ يَمِينِ الْبَائِعِ أَنَّهَا هِيَ؛ لِأَنَّهَا قَدْ خَرَجَتْ مِنْ يَدِ أَمِينِهِ وَغَابَتْ عَنْهُ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَلَعَلَّ قَوْلَ أَشْهَبَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَلَى يَمِينِهِ انْتَهَى. وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ: وَهَلْ ذَلِكَ لَازِمٌ بَعْدَ يَمِينِ الْبَائِعِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ غَابَ عَلَيْهَا، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْآمِرُ أَنَّهُ قَدْ أَبْدَلَهَا انْتَهَى.
ص (وَفِي الْمَبْدَإِ تَأْوِيلَانِ)
ش: ذَكَرَ الرَّجْرَاجِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ تَبْدِئَةُ الْآمِرِ وَتَبْدِئَةُ الْمَأْمُورِ وَتَخْيِيرُ الْبَائِعِ قَالَ: وَتُؤُوِّلَتْ الْمُدَوَّنَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَقْوَالِ وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا التَّأْوِيلَيْنِ الْأَوَّلِينَ بِتَبْدِئَةِ الْمَأْمُورِ، وَهُوَ الَّذِي فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَتَأَوَّلَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُدَوَّنَةِ عَلَيْهِ، وَاخْتَصَرَهَا عَلَيْهِ، وَتَبْدِئَةُ الْآمِرِ، وَلَمْ يُعْزِهِ الرَّجْرَاجِيُّ لِأَحَدٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ.
وَقَالَ: تُؤُوِّلَتْ الْمُدَوَّنَةُ عَلَيْهِ وَالثَّالِثُ تَأْوِيلُ ابْنِ يُونُسَ (تَكْمِيلٌ): فَإِنْ بُدِئَ بِالْآمِرِ فَنَكَلَ حَلَفَ الْبَائِعُ وَغَرِمَ الْآمِرُ، ثُمَّ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمَأْمُورِ إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ بِبَدَلِهَا، فَيُحَلِّفُهُ وَإِنْ نَكَلَ الْبَائِعُ هُنَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الْمَأْمُورَ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ عَنْ يَمِينِ الْآمِرِ نُكُولٌ عَنْ يَمِينِ الْمَأْمُورِ وَإِنْ بُدِئَ بِالْمَأْمُورِ، وَنَكَلَ حَلَفَ الْبَائِعُ وَأَبْدَلَهَا الْمَأْمُورُ، ثُمَّ هَلْ لَهُ تَحْلِيفُ الْآمِرِ قَوْلَانِ قَالَهُ الرَّجْرَاجِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ.
ص (وَانْعَزَلَ بِمَوْتِ مُوَكِّلِهِ إنْ عَلِمَ وَإِلَّا فَتَأْوِيلَانِ)
ش: جَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْخِلَافَ فِي الْمَوْتِ وَالْعَزْلِ سَوَاءً
[ ٥ / ٢١٤ ]
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْعَزْلِ قَبْلَ بُلُوغِ الْعِلْمِ فِي الْعَزْلِ وَالْمَوْتِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَهَذَا إذَا أَعْلَنَ بِالْعَزْلِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ فِي تَأْخِيرِ إعْلَامِهِ بِذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ عَزَلَهُ سِرًّا، فَإِنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ بِذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ عَزْلُهُ، وَهَذَا أَيْضًا إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْوَكَالَةِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ، فَلَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ عَزْلُهُ كَمَا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ هُنَا فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَهْمَا شَرَعَ فِي الْخُصُومَةِ، فَلَا يَنْعَزِلُ وَقَالَهُ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الذَّخِيرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَهَلْ لَا تَلْزَمُ أَوْ إنْ وَقَعَتْ بِأُجْرَةٍ أَوْ جُعِلَ فَكَّهُمَا وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْ تَرَدُّدٌ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ
[ ٥ / ٢١٥ ]
فَرْعٌ): إذَا وَكَّلَ عَبْدًا عَلَى عَمَلٍ وَطَلَبَ سَيِّدُهُ الْأُجْرَةَ فَقَالَ فِي كِتَابِ السَّلَمِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ وَكَّلَ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ يُسْلِمُ لَهُ فِي طَعَامٍ فَفَعَلَ فَذَلِكَ جَائِزٌ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ أَمَّا الْمَأْذُونُ لَهُ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ عَلَى مَنْ وَكَّلَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ الْخَفِيفِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يُودَعُ فَيَحْفَظُ الْوَدِيعَةَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْذُونِ لَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ الْأُجْرَةُ يَدْفَعُهَا مَنْ وَكَّلَهُ إلَى سَيِّدِهِ الشَّيْخِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ ذَلِكَ لَا خَطْبَ لَهُ لِكَوْنِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ أَتَى إلَى مَنْزِلِ هَذَا الْعَبْدِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أُجْرَةٌ كَمَا قَالَ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ كَمُنَاوَلَةِ الْقَدَحِ وَالنَّعْلِ انْتَهَى. وَفِي شَرْحِ الْمَازِرِيِّ عَلَى التَّلْقِينِ فِي آخِرِ السُّؤَالِ الثَّالِثِ مِنْ فَصْلِ الْوَكَالَةِ، وَقَدْ أَجَازَ فِي الْكِتَابِ وَكَالَةَ الْعَبْدِ لَكِنْ لَوْ وَكَّلَ عَبْدًا أَجْنَبِيٌّ وَالْعَبْدُ الْوَكِيلُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لَكَانَ لِسَيِّدِهِ طَلَبُ إجَارَتِهِ فِيمَا تَوَلَّى مِنْ سَعْيٍ فِي الْعَقْدِ لِكَوْنِ سَعْيِهِ وَمَنَافِعِهِ يَمْلِكُهَا عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا، وَلَا أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا دُونَ سَيِّدِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَالسَّعْيِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَالنِّيَابَةُ فِيهِ مِنْ مَصَالِحِ تِجَارَتِهِ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا تَضَمَّنَهُ إذْنُ السَّيِّدِ لَهُ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا أُجْرَةَ عَلَى مَنْ وَكَّلَهُ انْتَهَى وَنَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ.