(مَوَاتُ الْأَرْضِ مَا سَلِمَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ بِعِمَارَةٍ وَلَوْ انْدَرَسَتْ)
ش: هَذَا بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَالْمَوَاتُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيُقَالُ مَوَتَانُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ الْأَرْضُ الَّتِي لَيْسَ لَهَا مَالِكٌ وَلَا بِهَا مَاءٌ وَلَا عِمَارَةٌ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا إلَّا أَنْ يَجْرِيَ إلَيْهَا مَاءٌ أَوْ تُسْتَنْبَطَ فِيهَا عَيْنٌ أَوْ يُحْفَرَ فِيهَا بِئْرٌ وَيُقَالُ لَهَا مَيْتَةً وَالْمُوَاتُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَيُقَالُ الْمَوْتَانُ بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْضًا الْمَوْتُ الذَّرِيعُ وَبَدَأَ الْمُؤَلِّفُ - ﵀ - بِتَعْرِيفِ الْمَوَاتِ إمَّا لِأَنَّهُ السَّابِقُ فِي الْوُجُودِ فَلِتَقَدُّمِهِ طَبْعًا قَدَّمَهُ وَضْعًا وَإِمَّا لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَوَاتِ مُتَّحِدَةٌ وَالْإِحْيَاءُ يَكُونُ بِأُمُورٍ كُلٌّ مِنْهَا مُضَادٌّ لِلْمَوَاتِ فَاحْتَاجَ إلَى ذِكْرِهِ أَوَّلًا لِيَذْكُرَ أَضْدَادَهُ وَالتَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ تَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ ابْنَ الْحَاجِبِ وَهُوَ تَبِعَ ابْنَ شَاسٍ وَهُوَ تَبِعَ الْغَزَالِيَّ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي مَعْنَاهُ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إحْيَاءُ الْمَوَاتِ لَقَبٌ لِتَعْمِيرِ دَاثِرِ الْأَرْضِ بِمَا يَقْتَضِي عَدَمَ انْصِرَافِ الْمُعَمِّرِ عَنْ انْتِفَاعِهِ بِهَا وَمَوَاتُ الْأَرْضِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الدُّورِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى بْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ رَوَى ابْنُ غَانِمٍ مَوَاتُ الْأَرْضِ هِيَ الَّتِي لَا نَبَاتَ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل: ٦٥] فَلَا يَصِحُّ الْإِحْيَاءُ إلَّا فِي الْبَوَارِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ فَتَبِعَ مَعَ ابْنِ شَاسٍ الْغَزَالِيُّ وَتَرَكَا رِوَايَةَ ابْنِ غَانِمٍ وَهِيَ أَجْلَى لِعَدَمِ تَوَقُّفِ تَصَوُّرِ مَدْلُولِهَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ وَمُوجَبِهِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي اللُّبَابِ حَقِيقَةُ الْإِحْيَاءِ الْعِمَارَةُ وَالْمَوَاتُ مَا لَمْ يُعَمَّرْ مِنْ الْأَفْنِيَةِ وَحُكْمُهُ الْجَوَازُ وَهِيَ سَبَبٌ فِي الْمِلْكِ
[ ٦ / ٢ ]
وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ الرِّفْقُ وَالْحَثُّ عَلَى الْعِمَارَةِ انْتَهَى.
ص (إلَّا لِإِحْيَاءٍ)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ الثَّانِي أَحَقَّ إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ بَعْدَ عَوْدِهِ إلَى حَالَتِهِ الْأُولَى وَأَمَّا إنْ أَحْيَاهُ الثَّانِي بِحِدْثَانِ عَوْدِهِ إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى فَإِنْ كَانَ عَنْ جَهْلٍ مِنْهُ بِالْأَوَّلِ فَلَهُ قِيمَةُ عِمَارَتِهِ قَائِمَةً لِلشُّبْهَةِ وَإِنْ كَانَ عَنْ مَعْرِفَةٍ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا قِيمَةُ عِمَارَتِهِ مَنْقُوضَةً بَعْدَ يَمِينِ الْأَوَّلِ إنْ تَرَكَهُ إيَّاهُ لَمْ يَكُنْ إسْلَامًا لَهُ وَأَنَّهُ عَلَى نِيَّةِ إعَادَتِهِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِأَنْ لَا يَكُونَ الْأَوَّلُ عَلِمَ بِعِمَارَةِ الثَّانِي وَسَكَتَ عَنْهُ وَإِلَّا كَانَ سُكُوتُهُ دَلِيلًا عَلَى تَسْلِيمِهِ إيَّاهُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَمَا لَا يَضِيقُ عَلَى وَارِدٍ وَلَا يَضُرُّ بِمَاءِ بِئْرٍ)
ش: قَالَ الشَّارِحُ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ حَرِيمُ الْبِئْرِ الْعَادِيَّةِ خَمْسُونَ وَاَلَّتِي اُبْتُدِئَ عَمَلُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ انْتَهَى.
وَالْعَادِيَّةُ بِالتَّشْدِيدِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ شَجَرَةٌ عَادِيَّةٌ أَيْ قَدِيمَةٌ كَأَنَّهَا تُنْسَبُ إلَى عَادٍ وَهُمْ قَوْمُ هُودٍ - ﵇ - وَكُلُّ قَدِيمٍ يَنْسُبُونَهُ إلَى عَادٍ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُمْ انْتَهَى.
فَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْعَادِيَّةَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَفِي الصِّحَاحِ: وَشَيْءٌ عَادِيٌّ أَيْ قَدِيمٌ كَأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى عَادٍ.
ص (وَلَا يَقْطَعُ مَعْمُورَ الْعَنْوَةِ)
ش: قَالَ فِي كِتَابِ التِّجَارَةِ لِأَرْضِ الْحَرْبِ مِنْ التَّنْبِيهَاتِ وَأَرْضُ الْعَنْوَةِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الَّتِي غُلِبَ عَلَيْهَا قَهْرًا انْتَهَى.
ص (وَبِحِمَى إمَامٍ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ قَلَّ مِنْ بَلَدٍ عَفَا لِكَغَزْوٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْوَجْهَ الرَّابِعَ مِنْ أَوْجُهِ الِاخْتِصَاصِ الَّتِي تَمْنَعُ إحْيَاءَ الْمَوَاتِ الْحِمَى يُحْمَى لِلضُّعَفَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِتَرْعَاهُ مَوَاشِيهِمْ وَيُمْنَعُ مِنْهُ الْأَغْنِيَاءُ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ
[ ٦ / ٣ ]
وَالْحِمَى بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَالْقَصْرِ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يُمْنَعُ رَعْيُهُ لِيَتَوَفَّرَ فِيهِ الْكَلَأُ فَتَرْعَاهُ مَوَاشٍ مَخْصُوصَةٌ وَيُمْنَعُ غَيْرُهَا مِنْ رَعْيِهِ وَالْكَلَأُ بِالْهَمْزِ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ هُوَ الْمَرْعَى - رَطْبًا كَانَ أَوْ يَابِسًا - وَالْخَلَا بِالْقَصْرِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ النَّبَاتُ الرَّطْبُ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ وَضَبَطَهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ وَالْعُذْرِيُّ بِالْمَدِّ وَهُوَ خَطَأٌ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَمَنْ مَدَّهُ فَقَدْ أَخْطَأَ.
وَالْحَشِيشُ هُوَ الْعُشْبُ الْيَابِسُ وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْقَامُوسِ أَنَّ الْحِمَى يَجُوزُ فِيهِ الْمَدُّ وَلَمْ يَحْكِ فِي الْمُشَارَكِ فِيهِ إلَّا الْقَصْرَ وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ فَالْحِمَى بِمَعْنَى الْمَحْمِيِّ فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ خِلَافُ الْمُبَاحِ وَتَثْنِيَتُهُ حِمَيَانِ وَحَكَى الْكِسَائِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ فِي تَثْنِيَتِهِ حِمَوَانِ بِالْوَاوِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ يَأْتِي وَأَصْلُ الْحِمَى عِنْدَ الْعَرَبِ أَنَّ الرَّئِيسَ مِنْهُمْ كَانَ إذَا نَزَلَ مَنْزِلًا مُخَصَّبًا اسْتَعْوَى كَلْبًا عَلَى مَكَان عَالٍ فَحَيْثُ انْتَهَى صَوْتُهُ حَمَاهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَلَا يَرْعَى فِيهِ غَيْرُهُ وَيَرْعَى هُوَ مَعَ غَيْرِهِ فِيمَا سِوَاهُ وَأَمَّا الْحِمَى الشَّرْعِيُّ فَهُوَ أَنْ يَحْمِيَ الْإِمَامُ مَوْضِعًا لَا يَقَعُ بِهِ التَّضْيِيقُ عَلَى النَّاسِ لِلْحَاجَةِ الْعَامَّةِ إلَى ذَلِكَ إمَّا لِلْخَيْلِ الَّتِي يَحْمِلُ عَلَيْهَا النَّاسَ لِلْغَزْوِ أَوْ لِمَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا فَإِنَّهُ ذَكَرَ لِلْحِمَى شُرُوطًا أَرْبَعَةً الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْحَامِي هُوَ الْإِمَامُ يُرِيدُ أَوْ نَائِبُهُ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ حِمَى إمَامٍ فَلَيْسَ لِآحَادِ النَّاسِ أَنْ يَحْمِيَ وَالشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْحِمَى مُحْتَاجًا إلَيْهِ أَيْ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ إمَّا لِخَيْلِ الْمُجَاهِدِينَ وَالْإِبِلِ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا لِلْغَزْوِ أَوْ لِمَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ لِلضُّعَفَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِتَرْعَاهُ مَوَاشِيهِمْ وَيَمْنَعُ مِنْهُ الْأَغْنِيَاءَ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ لِلْمُسْلِمِينَ وَيَمْنَعَ مِنْهُ أَهْلَ الذِّمَّةِ وَلَا يَجُوزُ الْعَكْسُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
(قُلْت) وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا جَارٍ عَلَى مَذْهَبِنَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَدِيثِ الْمُوَطَّإِ الْآتِي وَقَوْلُهُ أَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لِكَغَزْوٍ فَقَوْله لِكَغَزْوٍ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَهُوَ مِنْ تَتِمَّةِ الشَّرْطِ الثَّانِي وَأَتَى بِالْكَافِ فِي قَوْلِهِ لِكَغَزْوٍ لِيُدْخِلَ مَاشِيَةَ الصَّدَقَةِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ بَعْدَ هَذَا فَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ لِنَفْسِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ - ﷺ - أَعْنِي أَنْ يَحْمِيَ لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْخَصَائِصِ قَالُوا وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مِنْهُ - ﷺ - قَالَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّاءُ وَلَوْ وَقَعَ لَكَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ مَا كَانَ مَصْلَحَةً لَهُ - ﷺ - فَهُوَ مَصْلَحَةٌ لَهُمْ وَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَلِيلًا لَا يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ بَلْ يَكُونُ فَاضِلًا عَنْ مَنَافِعِ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ قَلَّ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى مَا فِي نُسْخَةِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ سَحْنُونٍ الْآتِي فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحِمَى كَثِيرًا يَضُرُّ بِالنَّاسِ وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ. الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا عِمَارَةَ فِيهَا بِغَرْسٍ وَلَا بِنَاءٍ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ مِنْ بَلَدٍ عَفَا؛ أَيْ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ أَثَرُ بِنَاءٍ وَلَا غَرْسٍ وَالْمُرَادُ بِالْبَلَدِ الْأَرْضُ وَأَعَادَ الضَّمِيرَ عَلَيْهَا مُذَكَّرًا اعْتِبَارًا بِلَفْظِ الْبَلَدِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحِمَى فِي الْمَوَاضِعِ الْمَعْمُورَةِ بِالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ - ﵀ - بِمَا ذَكَرَهُ فِي هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ إلَى مَا قَالَهُ سَحْنُونٌ وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي النَّوَادِرِ وَغَيْرِهَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ سَحْنُونٌ الْأَحْمِيَةُ إنَّمَا تَكُونُ فِي بِلَادِ الْأَعْرَابِ الْعَفَاءُ الَّتِي لَا عِمَارَةَ فِيهَا بِغَرْسٍ وَلَا بِنَاءٍ وَإِنَّمَا تَكُونُ الْأَحْمِيَةُ فِيهَا فِي الْأَطْرَافِ حَتَّى لَا تُضَيِّقَ عَلَى سَاكِنٍ وَكَذَلِكَ الْأَوْدِيَةُ الْعَفَاءُ الَّتِي لَا مَسَاكِنَ بِهَا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ مَنَافِعِ أَهْلِهَا مِنْ الْمَسَارِحِ وَالْمَرْعَى انْتَهَى.
وَجَعَلَ الشَّارِحُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ قَلَّ مِنْ بَلَدٍ عَفَا؛ شَرْطًا وَاحِدًا وَجَعَلَ قَوْلَهُ لِكَغَزْوٍ؛ شَرْطًا مُسْتَقِلًّا وَهُوَ نَحْوُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ وَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ شَرْطًا وَاحِدًا كَمَا قَالَ الشَّارِحُ فَتَكُونُ الشُّرُوطُ ثَلَاثَةً.
[تَنْبِيهٌ لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) الْأَصْلُ فِي الْحِمَى مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الشِّرْبِ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُرَادُ بِالشِّرْبِ الْحُكْمُ فِي قِسْمَةِ الْمَاءِ
[ ٦ / ٤ ]
وَضَبَطَهُ الْأَصِيلِيُّ بِالضَّمِّ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى قَالَ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ - ﵁ - قَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» قَالَ وَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - حَمَى النَّقِيعَ وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى الشَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ.
وَأَخْرَجَ مِنْهُ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ فِي بَابِ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيِّتُونَ الْمَوْصُولَ مِنْهُ عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَيْضًا أَعْنِي قَوْلَهُ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» وَقَوْلُهُ وَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - حَمَى النَّقِيعَ هَكَذَا وَقَعَ لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَإِنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بَلَغَنَا فَاغْتَرَّ بِذَلِكَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَظَنَّ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ وَأَنَّهُ مِنْ تَعْلِيقَاتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا الْقَائِلُ بَلَغَنَا هُوَ ابْنُ شِهَابٍ فَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إلَيْهِ لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ شِهَابٍ وَهَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد فَقَالَ عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - حَمَى وَقَالَ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَبَلَغَنِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - حَمَى النَّقِيعَ» ثُمَّ ذَكَرَ أَبُو دَاوُد رِوَايَةً أُخْرَى بَعْدَهَا عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - حَمَى النَّقِيعَ وَقَالَ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ» وَلَمْ يَقُلْ وَلِرَسُولِهِ وَذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجِرَاحِ مِنْ سُنَنِهِ وَاقْتَصَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَلَى ذِكْرِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مِنْ رِوَايَتَيْ أَبِي دَاوُد وَلَمْ يَذْكُرْ الثَّانِيَةَ وَذَكَرَهَا فِي تَخْرِيجِهِ لِأَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ وَعَزَاهَا لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالْحَاكِمِ وَقَالَ إنَّهَا مُدْرَجَةٌ يَعْنِي حَمَى النَّقِيعَ. وَذَكَرَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَهِمَ مَنْ أَدْرَجَهَا وَقَالَ أَيْضًا فِي تَخْرِيجِهِ لِأَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ أَغْرَبَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْجَمْعِ فَجَعَلَ قَوْلَهُ وَبَلَغَنَا مِنْ تَعْلِيقَاتِ الْبُخَارِيِّ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الرِّفْعَةِ قَالَ وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمَا أَنَّ أَبَا دَاوُد صَرَّحَ بِأَنَّهُ مِنْ مَرَاسِيلِ الزُّهْرِيِّ يَعْنِي فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَابْنَ حِبَّانَ أَخْرَجَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حَمَى النَّقِيعَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ» وَالصَّعْبُ ضِدُّ السَّهْلِ وَعَلَى وَزْنِهِ وَجَثَّامَةُ بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ مُشَدَّدَةٍ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ. (الثَّانِي) اقْتَصَرَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْأَحْكَامِ عَلَى عَزْوِ الْحَدِيثِ لِأَبِي دَاوُد وَاقْتَصَرَ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ رِوَايَتَيْهِ وَزَادَ فِيهَا لَفْظَ وَلِرَسُولِهِ؛ فَقَالَ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حَمَى النَّقِيعَ وَقَالَ: لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْمُنْتَخَبِ حَمَى النَّقِيعَ لِخَيْلِ الْمُسْلِمِينَ تَرْعَى فِيهِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَيْنِ آخَرَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَأَصَحُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ وَهُوَ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ انْتَهَى.
تَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ فِي كِتَابِ الْحِمَى وَفِي كِتَابِ السِّيَرِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الْمَوْصُولَ مِنْهُ أَعْنِي قَوْلَهُ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» وَعَزَا جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ حَدِيثَ «أَنَّهُ - ﷺ - حَمَى النَّقِيعَ» لِابْنِ حِبَّانَ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فَعَزْوُهُ لَهُ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا لِأَنَّ مَرَاسِيلَ الْبُخَارِيِّ كُلَّهَا صَحِيحَةٌ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ اعْتَضَدَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) وَقَعَ لِلْحَاكِمِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا اتَّفَقَا عَلَى إخْرَاجِ حَدِيثِ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ فِي الْإِلْمَامِ وَابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِهِ لِأَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ وَقَدْ وَهِمَ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ. (الرَّابِعُ) اقْتَصَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ عَلَى عَزْوِ الْحَدِيثِ لِلْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَلَمْ يَذْكُرْ النَّسَائِيُّ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ رَوَاهُ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ سُنَنِهِ.
(الْخَامِسُ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَعْنِي قَوْلَهُ صَلَّى
[ ٦ / ٥ ]
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ» أَنَّهُ - ﷺ - نَهَى عَمَّا كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ وَأَضَافَ الْحِمَى لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ أَيْ إلَّا مَا يَحْمِي لِلْخَيْلِ الَّتِي تُرْصَدُ لِلْجِهَادِ وَالْإِبِلِ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَ تَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَى إلَّا كَمَا حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِخَيْلِ الْمُجَاهِدِينَ وَشِبْهِ ذَلِكَ مِثْلُ مَا فَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ حَمَوْا لِإِبِلِ الْغُزَاةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ قَوْلُهُ لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدَهُمَا لَا حِمَى إلَّا مَا حَمَاهُ - ﷺ - وَالثَّانِي لَا حِمَى إلَّا مِثْلُ مَا حَمَاهُ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْوُلَاةِ أَنْ يَحْمِيَ بَعْدَهُ وَعَلَى الثَّانِي يَخْتَصُّ بِمَنْ قَامَ مَقَامَهُ فَهُوَ الْخَلِيفَةُ دُونَ سَائِرِ نُوَّابِهِ انْتَهَى.
وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ يَتَّفِقُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِنُوَّابِ الْإِمَامِ أَنْ يَحْمُوا وَقَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَالْأَرْجَحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْحِمَى يَخْتَصُّ بِالْخَلِيفَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَ بِهِ وُلَاةَ الْأَقَالِيمِ وَمَحَلُّ الْجَوَازِ أَنْ لَا يَضُرَّ بِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْحِمَى لَا يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ بَلْ لِوُلَاتِهِ أَنْ يَحْمُوا وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَرِيفٍ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ بِالشُّرُوطِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا عَلَى نُوَّابِهِ وَلَكِنْ مُقْتَضَى كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ عُمُومِ الْوِلَايَةِ وَخُصُوصِهَا فَإِذَا عَمَّ الْإِمَامُ الْوِلَايَةَ عَلَى بَلَدٍ لِأَمِيرٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْمِيَ وَأُخْرَى إذَا فُوِّضَ إلَيْهِ النَّظَرُ فِي أَمْرِ الْحِمَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ عَبْدِ الْحَقِّ الْمُتَقَدِّمَ لَفْظُ النَّقِيعِ وَجَدْته فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ الْبَاجِيِّ وَمِنْ أَحْكَامِ عَبْدِ الْحَقِّ بِالنُّونِ قَبْلَ الْقَافِ وَذَكَرَهُ الْبَكْرِيُّ بِالْبَاءِ قَبْلَ الْقَافِ وَكَذَا وَجَدْته فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ النَّوَادِرِ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ اللُّغَوِيِّينَ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي حَرْفِ الْبَاءِ وَالْبَقِيعِ مَوْضِعٌ فِيهِ أُرُومُ الشَّجَرِ مِنْ ضُرُوبٍ شَتَّى وَبِهِ سُمِّيَ بَقِيعُ الْغَرْقَدِ وَهُوَ مَقْبَرَةُ الْمَدِينَةِ وَنَحْوُهُ فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ وَمِثْلُهُ لِابْنِ سِيدَهْ وَزَادَ وَالْغَرْقَدُ شَجَرٌ لَهُ شَوْكٌ كَانَ يَنْبُتُ هُنَاكَ فَذَهَبَ وَبَقِيَ الِاسْمُ لَازِمًا لِلْمَوْضِعِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ النَّقِيعَ بِالنُّونِ قَبْلَ الْقَافِ أَنَّهُ اسْمُ مَوْضِعٍ مَعَ كَثْرَةِ مَا جَلَبَ فِيهِ ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ وَقَالَ الْبَاجِيُّ فِي آخِرِ الْمُوَطَّإِ فِي تَرْجَمَةِ مَا يُتَّقَى مِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ وَفِيهِ ذَكَرَ الْحِمَى فَقَالَ الْبَاجِيُّ وَهَذَا الْحِمَى هُوَ النَّقِيعُ بِالنُّونِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عِيَاضٌ فِي مَشَارِقِهِ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ لِعَدَمِ وُقُوعِهَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالصَّحِيحَيْنِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَكَأَنَّهُ - ﵀ - لَمْ يَقِفْ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ فِي آخِرِ حَرْفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ لَمَّا ذَكَرَ أَسْمَاءَ الْمَوَاضِعِ وَنَصُّهُ بَقِيعُ الْغَرْقَدِ الَّذِي فِيهِ مَقْبَرَةُ الْمَدِينَةِ بِبَاءٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِشَجَرَاتِ غَرْقَدٍ وَهُوَ الْعَوْسَجُ كَانَتْ فِيهِ وَكَذَلِكَ بَقِيعُ بَطْحَانَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ بِالْبَاءِ أَيْضًا قَالَ الْخَلِيلُ الْبَقِيعُ كُلُّ مَوْضِعٍ مِنْ الْأَرْضِ فِيهِ شَجَرٌ شَتَّى وَأَمَّا الْحِمَى الَّذِي حَمَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - ثُمَّ عُمَرُ بَعْدَهُ وَهُوَ الَّذِي يُضَافُ إلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ غَرَزُ النَّقِيعِ وَفِي الْآخَرِ بِقَدَحِ لَبَنٍ مِنْ النَّقِيعِ وَحَمَى النَّقِيعَ وَهُوَ عَلَى عِشْرِينَ فَرْسَخًا مِنْ الْمَدِينَةِ وَهُوَ صَدْرُ وَادِي الْعَقِيقِ وَهُوَ أَخْصَبُ مَوْضِعٍ هُنَالِكَ وَهُوَ مِيلٌ فِي بَرِيدٍ وَفِيهِ شَجَرٌ وَيَسْتَجِمُّ حَتَّى يَغِيبَ فِيهِ الرَّاكِبُ فَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ وَأَهْلُ الْمَعْرِفَةِ فِي ضَبْطِهِ فَوَقَعَ عِنْدَ أَكْثَرِ رُوَاةِ الْبُخَارِيُّ بِالنُّونِ وَكَذَا قَيَّدَهُ النَّسَفِيُّ وَأَبُو ذَرٍّ وَالْقَابِسِيُّ وَسَمِعْنَاهُ فِي مُسْلِمٍ مِنْ أَبِي بَحْرٍ بِالْبَاءِ وَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَاهَانَ وَسَمِعْنَاهُ مِنْ الْقَاضِي الشَّهِيدِ وَغَيْرِهِ بِالنُّونِ وَبِالنُّونِ ذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ صَحَّفَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَيَرْوُونَهُ بِالْبَاءِ وَإِنَّمَا الَّذِي بِالْبَاءِ بَقِيعُ الْمَدِينَةِ مَوْضِعُ قُبُورِهَا وَأَمَّا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَكْرِيُّ فَقَالَ إنَّمَا هُوَ بِالْبَاءِ مِثْلُ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ قَالَ وَمَتَى ذُكِرَ الْبَقِيعُ بِالْبَاءِ دُونَ إضَافَةٍ فَهُوَ هَذَا وَوَقَعَ فِيهِ فِي كِتَابِ الْأَصِيلِيِّ
[ ٦ / ٦ ]
فِي مَوْضِعٍ بِالنُّونِ وَالْبَاءِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ قَبِيحٌ وَالْأَشْهَرُ فِي هَذَا النُّونُ وَالْقَافُ وَالنَّقِيعُ بِالنُّونِ كُلُّ مَوْضِعٍ يَسْتَنْقِعُ الْمَاءُ فِيهِ وَبِهِ سُمِّيَ هَذَا انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ بَقِيعُ بَطْحَانَ هُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ هَكَذَا يَرْوِيه الْمُحَقِّقُونَ وَكَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ الْمَشَايِخِ وَهُوَ الَّذِي يَحْكِي أَهْلُ اللُّغَةِ فِيهِ فَتْحَ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرَ الطَّاءِ وَكَذَا قَيَّدَهُ اللَّقَانِيُّ فِي الْبَارِعِ وَأَبُو حَاتِمٍ وَالْبَكْرِيُّ فِي الْمُعْجَمِ وَقَالَ الْبَكْرِيُّ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ وَهُوَ وَادٍ فِي الْمَدِينَةِ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ غَرَزُ النَّقِيعِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ وَبَعْدَهَا زَاي قَالَ فِي الْمَشَارِقِ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ وَحَكَى فِيهِ صَاحِبُ الْعَيْنِ السُّكُونَ قَالَ وَوَاحِدُهُ غَرْزَةٌ مِثْلُ تَمْرَةٍ وَتَمْرٍ وَبِالْوَجْهَيْنِ وَجَدْته فِي أَصْلِ الْجَيَّانِيُّ فِي كِتَابِ الْخَطَّابِيُّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ نَبَاتٌ ذُو أَغْصَانٍ رِقَاقٍ حَدِيدُ الْأَطْرَافِ يُسَمَّى الْأَسَلَ وَتُسَمَّى بِهِ الرِّمَاحُ وَتُشَبَّهُ بِهِ وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ هُوَ نَوْعٌ مِنْ الثِّمَارِ
اهـ وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ صَاحِبِ الْمَشَارِقِ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ عَبْدِ الْحَقِّ هَكَذَا رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ مِنْ الْأَحْكَامِ مَنْسُوبَةً إلَى الصِّحَّةِ بِالنُّونِ وَالْقَافِ وَذَكَرَهُ الْبَكْرِيُّ بِالْبَاءِ وَالْقَافِ قَالَ وَهُوَ صَدْرُ وَادِي الْعَقِيقِ وَقَالَ وَهُوَ مُنْتَدًى لِلنَّاسِ وَمُتَصَيَّدٌ وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى الصُّبْحَ فِي الْمَسْجِدِ بِأَعْلَى عَسِيبٍ» وَهُوَ جَبَلٌ بِأَعْلَى قَاعِ الْعَقِيقِ ثُمَّ أَمَرَ رَجُلًا صَيِّتًا فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ فَكَانَ مَدَى صَوْتِهِ بَرِيدًا وَهُوَ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ فَجَعَلَ ذَلِكَ حِمًى طُولُهُ وَعَرْضُهُ مِيلٌ وَفِي بَعْضِهِ أَقَلُّ مِنْ مِيلٍ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ مُنْتَدًى بِمَعْنَى النَّادِي وَهُوَ الْمَجْلِسُ الَّذِي يُتَحَدَّثُ فِيهِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ بَعْضَ كَلَامِ الْمَشَارِقِ وَلَكِنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ غَيْرُ الْبَكْرِيِّ وَكَلَامُ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي الْمَشَارِقِ يَقْتَضِي أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ هُوَ الْبَكْرِيُّ وَكَذَا رَأَيْته فِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ ابْنُ حَجَرٍ فِي مُقَدَّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ عَنْ الْبَكْرِيِّ أَنَّهُ حَكَى فِيهِ وَجْهَيْنِ وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ عَنْ الْبَكْرِيِّ إنَّمَا هُوَ وَجْهٌ وَاحِدٌ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ النَّقِيعُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ هُوَ صَدْرُ وَادِي الْعَقِيقِ عَلَى نَحْوِ عِشْرِينَ مِيلًا مِنْ الْمَدِينَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَهُوَ بَلَدٌ لَيْسَ بِالْوَاسِعِ الَّذِي يُضَيَّقُ عَلَى مَنْ حَوْلَهُ إذَا حُمِيَ وَيَعْنِي بِالْبَلَدِ الْأَرْضَ قَالَ صَاحِبُ مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ مِسَاحَتُهُ مِيلٌ فِي بَرِيدٍ وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَشَارِقِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى عِشْرِينَ مِيلًا مِنْ الْمَدِينَةِ خِلَافُ مَا قَالَ فِي الْمَشَارِقِ وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ عَلَى عِشْرِينَ فَرْسَخًا كَمَا قَالَ فِي الْمَشَارِقِ وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّ قَدْرَ النَّقِيعِ مِيلٌ فِي ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ قَالَ ثُمَّ زَادَ فِيهِ الْوُلَاةُ بَعْدُ وَهَكَذَا ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَنْ مُوَطَّإِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ مِيلٌ فِي ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ وَهُوَ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ هُوَ فِي مُقَدَّمَةِ فَتْحِ الْبَارِي وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَشَارِقِ وَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ مِنْ أَنَّهُ مِيلٌ فِي بَرِيدٍ فَإِنَّ الْبَرِيدَ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا.
(السَّابِعُ) تَقَدَّمَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - حَمَى الشَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَهُوَ مِنْ بَلَاغِ الزُّهْرِيِّ وَالشَّرَفُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا فَاءٌ فِي الْمَشْهُورِ وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ قَالَ وَفِي مُوَطَّإِ ابْنِ وَهْبٍ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ قَالَ كَذَا رَوَاهُ بَعْضُ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ أَوْ أَصْلَحَهُ وَهُوَ الصَّوَابُ وَأَمَّا سَرِفُ فَهُوَ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ مَكَّةَ وَلَا يَدْخُلُهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي مُقَدَّمَتِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ هُوَ مَاءٌ لِبَنِي بَاهِلَةَ أَوْ لِبَنِي كِلَابٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ هُوَ مِنْ عَمَلِ الْمَدِينَةِ وَأَمَّا سَرِفُ فَمِنْ عَمَلِ مَكَّةَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ وَقِيلَ سَبْعَةٌ وَقِيلَ تِسْعَةٌ وَقِيلَ اثْنَا عَشَرَ انْتَهَى.
وَأَمَّا الرَّبَذَةُ فَهِيَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَهَا ذَالٌ مُعْجَمَةٌ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ
[ ٦ / ٧ ]
بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ حَاشِيَةِ الْبُخَارِيِّ مَوْضِعٌ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ مِنْ الْمَدِينَةِ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَالِكِيُّ قَالَ الْبَكْرِيُّ الرَّبَذَةُ هِيَ الَّتِي جَعَلَهَا عُمَرُ حِمًى لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَكَانَ حِمَاهُ الَّذِي حَمَاهُ بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ قَالَ ثُمَّ تَزَيَّدَتْ الْوُلَاةُ فِي الْحِمَى أَضْعَافًا ثُمَّ أُبِيحَتْ الْأَحْمِيَةُ فِي أَيَّامِ الْمَهْدِيِّ فَلَمْ يَحْمِهَا أَحَدٌ وَحَمَى عُمَرُ - ﵁ - صَرَفَةَ وَزَادَ فِيهِ عُثْمَانُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَحَمَى أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - الرَّبَذَةَ لِمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نَحْوُ خَمْسَةِ أَمْيَالٍ فِي مِثْلِهَا وَحَمَى ذَلِكَ عُمَرُ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَحَمَى أَيْضًا الشَّرَفَ انْتَهَى.
(الثَّامِنُ) ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ الْحَدِيثَ السَّابِقَ بِلَفْظِ «أَنَّهُ - ﷺ - حَمَى النَّقِيعَ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ» قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ مُدْرَجٌ لَيْسَ فِي أَصْلِ الْخَبَرِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّاسِعُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ اُنْظُرْ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ حَمَى النَّقِيعَ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ وَذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ رُبَاعِيًّا فَقَالَ أَحْمَيْت الْمَكَانَ جَعَلْته حِمًى انْتَهَى.
(قُلْت) لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ مِنْهُ إلَّا الرُّبَاعِيُّ وَنَصُّهُ حَمَيْته أَيْ دَفَعْت عَنْهُ وَهَذَا شَيْءٌ حِمًى عَلَى فَعْلٍ أَيْ مَحْظُورٍ لَا يُقْرَبُ وَأَحْمَيْت الْمَكَانَ جَعَلْته حِمًى انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ حَمَى الشَّيْءَ يَحْمِيه حَمْيًا وَحِمَايَةً بِالْكَسْرِ وَمَحْمِيَّةٌ مَنَعَهُ وَكَلَأٌ حِمًى كَرِضًا مَحْمِيٌّ ثُمَّ قَالَ وَأَحْمَى الْمَكَانَ جَعَلَهُ حِمًى لَا يُقْرَبُ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ الْحِمَى بِكَسْرِ الْحَاءِ مَقْصُورٌ الْمَمْنُوعُ مِنْ الرَّعْيِ تَقُولُ حَمَيْت الْحِمَى فَإِذَا اُمْتُنِعَ مِنْهُ قُلْت أَحْمَيْته وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ حَمَيْت الْمَاءَ الْقَوْمَ أَيْ مَنَعْتهمْ انْتَهَى. فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمَشَارِقِ أَنَّهُ يُقَالُ حَمَيْته بِالْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ وَأَنَّهُ لَا يُقَالُ أَحْمَيْته بِالرُّبَاعِيِّ إلَّا بَعْدَ امْتِنَاعِ النَّاسِ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْعَاشِرُ) قَوْلُهُ لَا حِمَى بِلَا تَنْوِينٍ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِالتَّنْوِينِ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ فَتَكُونُ - حِينَئِذٍ - لَا بِمَعْنَى لَيْسَ أَيْ فَتَكُونُ لِلِاسْتِغْرَاقِ عَلَى الْأَوَّلِ بِخِلَافِ الثَّانِي.
(الْحَادِيَ عَشَرَ) قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَيَنْبَغِي لِلْوَالِي إذَا حَمَى أَنْ يَجْعَلَ لِلْحِمَى حَافِظًا يَمْنَعُ أَهْلَ الْقُوَّةِ مِنْ الرَّعْيِ فِيهِ وَيَأْذَنُ لِلضَّعِيفِ وَالْعَاجِزِ فَإِنْ دَخَلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقُوَّةِ وَرَعَى مُنِعَ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَلَا تَعْزِيرَ انْتَهَى.
(قُلْت) وَهُوَ ظَاهِرٌ وَكَلَامُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ يَقْتَضِيهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ لِهُنَيٍّ حِينَ وَلَّاهُ عَلَى الْحِمَى أَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَفَّانَ اهـ. إلَّا أَنَّ قَوْلَهُمْ لَا تَعْزِيرَ عَلَيْهِ فِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ بَلَغَهُ النَّهْيُ وَتَعَدَّى بَعْدَ ذَلِكَ وَرَعَى فِي الْحِمَى فَلِلْإِمَامِ أَنْ يُعَزِّرَهُ بِالزَّجْرِ أَوْ التَّهْدِيدِ فَإِنْ تَكَرَّرَتْ الْمُخَالَفَةُ فَيُعَزِّرُهُ بِالضَّرْبِ وَقَوْلُهُمْ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ عُمَرَ - ﵁ - هُوَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ - ﵁ - فِي آخِرِ جَامِعِ الْمُوَطَّإِ فِي بَابِ مَا يُتَّقَى مِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا عَلَى الْحِمَى فَقَالَ يَا هُنَيُّ اُضْمُمْ جَنَاحَك عَنْ النَّاسِ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُجَابَةٌ وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَفَّانَ فَإِنَّهُمَا إنْ تَهْلِكْ مَوَاشِيهِمَا يَرْجِعَانِ إلَى الْمَدِينَةِ إلَى زَرْعٍ وَنَخِيلٍ وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ إنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُ يَأْتِ بِبَنِيهِ فَيَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا - لَا أَبَا لَك - فَالْمَاءُ وَالْكَلَأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَأَيْمُ اللَّهِ إنَّهُمْ لَا يُرَوْنَ أَنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ إنَّهَا لَبِلَادُهُمْ وَمِيَاهُهُمْ قَاتَلُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَسْلَمُوا عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْت عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا انْتَهَى.
(الثَّانِي عَشَرَ) هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ عَنْ إسْمَاعِيلَ يَعْنِي ابْنَ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَهَذَا الْحَدِيثُ
[ ٦ / ٨ ]
لَيْسَ فِي الْمُوَطَّإِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ انْتَهَى.
(قُلْت) وَهَذَا مِنْ الْأَمْرِ الْعَجِيبِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمُوَطَّإِ وَشُرُوحِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثَ عَشَرَ) قَوْلُهُ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا هُوَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ هَكَذَا ضَبَطَهُ ابْنُ مَاكُولَا وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْإِتْقَانِ وَكَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَالْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ وَرَأَيْت بِخَطِّ مَنْ لَا تَحْقِيقَ لَهُ أَنَّهُ يُقَالُ أَيْضًا بِالْهَمْزِ وَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ نَبَّهْت عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ رُوِيَ هُنَيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَمُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵃ - انْتَهَى.
وَقَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي قَوْلُهُ يُدْعَى هُنَيًّا بِالنُّونِ مُصَغَّرًا مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ وَقَدْ يُهْمَزُ وَهَذَا الْمَوْلَى لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ مَعَ إدْرَاكِهِ. وَقَوْلُهُ عَلَى الْحِمَى قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي بَيَّنَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ عَلَى حِمَى الرَّبَذَةِ وَقَوْلُهُ اُضْمُمْ جَنَاحَك عَنْ النَّاسِ أَيْ اُكْفُفْ يَدَك عَنْ ظُلْمِهِمْ فِي الْمَالِ وَالْبَدَنِ وَالْجَنَاحُ الْيَدُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢] وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ اُضْمُمْ جَنَاحَك عَنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَفِي رِوَايَةِ مَعْنٍ عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْغَرَائِبِ اُضْمُمْ جَنَاحَك لِلنَّاسِ وَعَلَى هَذَا اُسْتُرْهُمْ بِجَنَاحِك وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اُضْمُمْ جَنَاحَك لِلنَّاسِ لَعَلَّهُ عَلَى النَّاسِ فَإِنِّي رَأَيْته كَذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ اُضْمُمْ جَنَاحَك يَقُولُ لَا تَسْتَطِلْ عَلَى أَحَدٍ لِمَكَانِك مِنِّي وَقَوْلُهُ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ كِنَايَةٌ لَطِيفَةٌ عَنْ النَّهْيِ عَنْ الظُّلْمِ وَهَكَذَا رَأَيْته فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ وَذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي بِلَفْظِ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَالَ وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَأَبِي نُعَيْمٍ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَقَوْلُهُ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُجَابَةٌ هَكَذَا فِي نُسَخِ الْمُوَطَّإِ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَقَوْلُهُ وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ أَدْخِلْ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَمُتَعَلِّقُ الْإِدْخَالِ مَحْذُوفٌ وَالْمُرَادُ الْمَرْعَى وَالصُّرَيْمَةُ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرُ الصِّرْمَةِ بِكَسْرِ الصَّادِ وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ الْإِبِلِ نَحْوُ الثَّلَاثِينَ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ فِي كِتَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إلَى الثَّلَاثِينَ مِنْ الْإِبِلِ خَاصَّةً وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إلَى الثَّلَاثِينَ أَوْ إلَى الْخَمْسِينَ أَوْ الْأَرْبَعِينَ أَوْ مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إلَى الْأَرْبَعِينَ أَوْ مَا بَيْنَ عَشَرَةٍ إلَى بِضْعِ عَشَرَةٍ وَالْغُنَيْمَةُ عَلَى وَزْنِ الصُّرَيْمَةِ مُصَغَّرٌ أَيْضًا هِيَ مَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ إلَى الْمِائَتَيْنِ قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ أَيْضًا وَقَوْلُهُ وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَفَّانَ فِيهِ تَحْذِيرُ الْمُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ وَهُوَ شَاذٌّ لَا يُقَاسَ عَلَيْهِ عِنْدَ جُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَقَدْ وَقَعَ لِلرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ بِالْكَافِ وَالْوَارِدُ فِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ بِالْيَاءِ وَابْنُ عَوْفٍ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنُ عَفَّانَ هُوَ عُثْمَانُ - ﵄ - وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ عَلَى طَرِيقِ الْمِثَالِ لِكَثْرَةِ نَعَمِهِمَا لِأَنَّهُمَا مِنْ مَيَاسِيرِ الصَّحَابَةِ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَلَمْ يُرِدْ مَنْعَهُمَا أَلْبَتَّةَ وَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسَعْ الْمَرْعَى إلَّا نَعَمَ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ فَنَعَمُ الْمُقِلِّينَ أَوْلَى فَنَهَاهُ عَنْ إيثَارِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا أَوْ تَقْدِيمِهِمَا قَبْلَ غَيْرِهِمَا وَقَدْ بَيَّنَ حِكْمَةَ ذَلِكَ انْتَهَى.
(قُلْت) ظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّهُ أَرَادَ مَنْعَ نَعَمِهِمَا لِيَتَوَفَّرَ الْمَرْعَى لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ فَتَأَمَّلْهُ وَقَوْلُهُ يَأْتِنِي بِبَنِيهِ كَذَا فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمُوَطَّإِ يَأْتِنِي بِحَذْفِ الْيَاءِ لِلْجَزْمِ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ وَهُوَ الرَّاجِحُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَأْتِينِي بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَوْلُهُ بِبِنْيَتِهِ كَذَا فِي نُسَخِ الْمُوَطَّإِ بِالنُّونِ قَبْلَ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ جَمْعُ ابْنٍ وَهِيَ رِوَايَةُ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي الْبُخَارِيِّ وَوَقَعَ عِنْدَ أَكْثَرِ رُوَاةِ الْبُخَارِيُّ بِبَيْتِهِ بِالتَّاءِ التَّحْتِيَّةِ ثُمَّ الْفَوْقِيَّةِ بِلَفْظِ الْبَيْتِ وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ وَقَوْلُهُ فَيَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَقُولُ الْقَوْلِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي لَفْظٍ مَخْصُوصٍ نَحْوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا فَقِيرٌ أَنَا مُحْتَاجٌ إلَى كَذَا وَقَوْلُهُ أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا اسْتِفْهَامٌ إنْكَارِيٌّ أَيْ لَا أَتْرُكُهُمْ مُحْتَاجِينَ وَقَوْلُهُ لَا أَبَا لَك بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَالْجُمْهُورِ
[ ٦ / ٩ ]
أَنَّهُ مُضَافٌ وَاللَّامُ زَائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنَى الْإِضَافَةِ وَهِيَ مُعْتَدٌّ بِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ اسْمَ لَا لَا يُضَافُ لِمَعْرِفَةٍ فَاللَّامُ لِصُورَةِ الْإِضَافَةِ وَغَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ مَا قَبْلَهَا مَنْصُوبٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَإِنَّمَا يُنْصَبُ بِهَا إذَا كَانَ مُضَافًا وَيَشْكُلُ عَلَيْهِمْ لَا أَبَا لِي بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَإِنَّهُ لَا يُنْصَبُ بِالْأَلِفِ إذَا أُضِيفَ لِلْيَاءِ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْمُضَافِ وَيَشْكُلُ عَلَى قَوْلِهِمَا حَذْفُ التَّنْوِينِ وَسُمِعَ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا أَبَاك بِدُونِ لَامٍ وَهُوَ مُشْكِلٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ لَا أَبَا لَك وَلَوْ سُمِعَ لَأَمْكَنَ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْمُضَافِ وَالْخَبَرُ عَلَى هَذِهِ الْأَوْجُهِ مَحْذُوفٌ وَسُمِعَ مِنْ كَلَامِهِمْ لَا أَبَا لَك بِالْبِنَاءِ عَلَى الْفَتْحِ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَقَوْلُهُ لَك هُوَ الْخَبَرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَوْ قَالَ لَا أَبٌ لَك بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ صَحَّ وَهَذَا اللَّفْظُ ظَاهِرُهُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ؛ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَهُوَ عَلَى الْمَجَازِ لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَقَوْلُهُ إنَّهُمْ لَيُرَوْنَ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ أَوَّلَهُ بِمَعْنَى الظَّنِّ وَبِفَتْحِهَا بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ قَوْلُهُ أَنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ قَالَ ابْنُ التِّينِ يُرِيدُ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي الْكَثِيرَةِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ أَرَادَ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي الْقَلِيلَةِ لِأَنَّهُمْ الْأَكْثَرُ وَهُمْ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ مِنْ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ إنَّهَا لَبِلَادُهُمْ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ أَنَّ عُمَرَ - ﵁ - أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِلَادُنَا قَاتَلْنَا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَسْلَمْنَا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ تُحْمَى عَلَيْنَا فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْفُخُ وَيَفْتِلُ شَارِبَهُ وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ نَحْوَهُ وَزَادَ فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلُ ذَلِكَ أَلَحَّ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ قَالَ - ﵁ - الْمَالُ مَالُ اللَّهِ وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ وَالْأَرْضُ أَرْضُ اللَّهِ مَا أَنَا بِفَاعِلٍ انْتَهَى.
(قُلْت) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي يُرَوْنَ يَعُودُ إلَى أَصْحَابِ الْمَوَاشِي الْمَمْنُوعِينَ سَوَاءٌ كَانَتْ مَوَاشِيهِمْ كَثِيرَةً أَوْ قَلِيلَةً ثُمَّ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي وَقَالَ ابْنُ الْمُنَيِّرِ لَمْ يَدْخُلْ ابْنُ عَفَّانَ وَلَا ابْنُ عَوْفٍ فِي قَوْلِهِ قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَالْكَلَامُ عَائِدٌ عَلَى عُمُومِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا عَلَيْهَا انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ وَقَالَ عُمَرُ - ﵁ - لِرَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ عَاتَبَهُ فِي الْحِمَى بِلَادُ اللَّهِ حُمِيَتْ لِمَالِ اللَّهِ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي أَيْ مِنْ الْإِبِلِ الَّتِي كَانَ يَحْمِلُ عَلَيْهَا مَنْ لَا يَجِدُ مَرْكَبًا وَجَاءَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عِدَّةَ مَا كَانَ فِي الْحِمَى فِي عَهْدِ عُمَرَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ إبِلٍ وَخَيْلٍ بَيَّنَهَا انْتَهَى وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ قَوْلُهُ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ أَيْ الْخَيْلُ الَّتِي أَعْدَدْتهَا لِأَحْمِلَ عَلَيْهَا مَنْ لَا مَرْكُوبَ لَهُ قَالَ مَالِكٌ - ﵁ - وَكَانَتْ عِدَّتُهَا أَرْبَعِينَ أَلْفًا انْتَهَى. وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي.
(الرَّابِعَ عَشَرَ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ أَبُو عُمَرَ فِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ عُمَرُ فِيهِ مِنْ التُّقَى وَأَنَّهُ لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُدَاهِنْ عُثْمَانَ وَلَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَآثَرَ الْمَسَاكِينَ وَالضُّعَفَاءَ وَبَيَّنَ وَجْهَ ذَلِكَ وَامْتَثَلَ قَوْلَهُ - ﷺ - لَا حِمَى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ يَعْنِي إبِلَ الصَّدَقَةِ اهـ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَمَّا ذَكَرَ عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ يَحْمِي لِمَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ قُلْت يَقُومُ مِنْهُ طُولُ تَأْخِيرِ صَرْفِ الزَّكَاةِ إذَا كَانَ لِتَأْخِيرِ مَصْرِفِهَا انْتَهَى.
(الْخَامِسَ عَشَرَ) قَالَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ مَا حَمَاهُ الرَّسُولُ - ﷺ - لَا يُنْقَضُ فَلَا يُنْقَضُ حِمَى النَّقِيعِ وَأَمَّا مَا حَمَاهُ غَيْرُهُ مِنْ الْوُلَاةِ فَيَجُوزُ نَقْضُهُ لِمَصْلَحَةٍ وَسَوَاءٌ كَانَ النَّاقِضُ هُوَ الَّذِي حَمَاهُ أَوْ غَيْرُهُ (قُلْت) هَذَا ظَاهِرٌ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ - ﷺ - لَمَّا حَمَى النَّقِيعَ أَمَرَ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ حِمًى لِلْمُسْلِمِينَ دَائِمًا وَأَمَّا إذَا حَمَاهُ فِي سَنَةٍ مِنْ السِّنِينَ وَلَمْ يُفْهَمْ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مُسْتَمِرٌّ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ اسْتِمْرَارُهُ وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَاسْتَمَرَّ عَمَلُ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ عَلَى حِمَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصِّدِّيقَ - ﵁ - حَمَى الرَّبَذَةَ وَكَذَلِكَ عُمَرُ - ﵁ - فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ مُسْلِمًا إنْ قَرُبَ) ش ظَاهِرُهُ أَنَّ الذِّمِّيَّ يُحْمَى فِي الْقَرِيبِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَهَذَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ لِلْمُتَقَدِّمِينَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَكِنْ رَكَنَ إلَيْهِ الْبَاجِيُّ وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ
[ ٦ / ١٠ ]
ثَانٍ لِابْنِ الْقَصَّارِ قَالَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْمَوَاتِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَرِيبٍ وَلَا بَعِيدٍ وَفِيهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلْمُتَقَدِّمِينَ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ إنَّ حُكْمَهُمْ فِي الْبَعِيدِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ وَالْقَرِيبُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْمُوهُ وَلَوْ أَذِنَ الْإِمَامُ وَالْقَرِيبُ هُوَ حَرِيمُ الْعِمَارَةِ مِمَّا يُلْحِقُونَهُ غُدُوًّا وَرَوَاحًا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَنَصُّهُ وَأَمَّا الْبَعِيدُ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ فِيهِ وَهُوَ مَا كَانَ خَارِجًا عَمَّا يَحْتَاجُهُ أَهْلُ الْعُمْرَانِ مِنْ مُحْتَطَبٍ وَمَرْعًى مِمَّا الْعَادَةُ أَنَّ الرِّعَاءَ يَصِلُونَ إلَيْهِ ثُمَّ يَعُودُونَ إلَى مَنَازِلِهِمْ فَيَبِيتُونَ بِهَا وَيَحْتَطِبُ الْمُحْتَطِبُ ثُمَّ يَعُودُ إلَى مَنْزِلِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الدُّورِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى فِي كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ وَحَدُّ الْبَعِيدِ مِنْ الْعُمْرَانِ الَّذِي يَكُونُ لِمَنْ أَحْيَاهُ دُونَ إذْنِ الْإِمَامِ مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَيْهِ مَسْرَحُ الْعُمْرَانِ وَاحْتِطَابُ الْمُحْتَطِبِينَ إذَا رَجَعُوا إلَى الْمَبِيتِ فِي مَوَاضِعِهِمْ مِنْ الْعُمْرَانِ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) يُعْتَرَضُ عَلَى الْمُؤَلِّفِ بِمَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ لِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ قَدْ قَدَّمَ أَنَّ الْقُرْبَ مِنْ وُجُوهِ الِاخْتِصَاصِ فَلَا يَكُونُ الْقَرِيبُ مَوَاتًا إذْ الْمَوَاتُ مَا انْفَكَّ عَنْ الِاخْتِصَاصِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي الْقَرِيبِ إحْيَاءٌ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَوَاتِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ حَرِيمَ الْعِمَارَةِ مَانِعٌ مِنْ الْإِحْيَاءِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ ثُمَّ يُنْظَرُ فِيهِ أَيْ فِي حَرِيمِ الْعِمَارَةِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ وَلَا يُبِيحُهُ الْإِمَامُ وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَيَكُونُ الْمَوَاتُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الدُّورِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ.
وَنَصُّهُ: الْمَوَاتُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ النَّاسُ بِالْإِحْيَاءِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ - ﵀ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ غَانِمٍ عَنْهُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل: ٦٥] فَلَا يَصِحُّ الْإِحْيَاءُ إلَّا فِي الْبَوَارِ ثُمَّ قَالَ وَحُكْمُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَوَاضِعِهِ وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ بَعِيدٌ مِنْ الْعُمْرَانِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ لَا ضَرَرَ عَلَى أَحَدٍ فِي إحْيَائِهِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي إحْيَائِهِ ضَرَرٌ عَلَى مَنْ يَخْتَصُّ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ. فَأَمَّا الْبَعِيدُ مِنْ الْعُمْرَانِ فَلَا يُحْتَاجُ فِي إحْيَائِهِ إلَى اسْتِئْذَانِ الْإِمَامِ إلَّا عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ عَلَى مَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَمَّا الْقَرِيبُ مِنْهُ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِي إحْيَائِهِ عَلَى أَحَدٍ فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ وَقِيلَ إنَّ اسْتِئْذَانَ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَاخْتُلِفَ إنْ وَقَعَ بِإِذْنِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِهِ قِيلَ يَمْضِي مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ وَهُوَ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ وَأَصْبَغَ وَأَشْهَبَ وَقِيلَ إنَّهُ يُخْرَجُ مِنْهُ وَيَكُونُ لَهُ قِيمَةُ بُنْيَانِهِ مَنْقُوضًا وَهُوَ الْقِيَاسُ وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ يَكُونُ لَهُ قِيمَتُهُ قَائِمًا لِلشُّبْهَةِ فِي ذَلِكَ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ. وَأَمَّا الْقَرِيبُ مِنْهُ الَّذِي فِي إحْيَائِهِ ضَرَرٌ كَالْأَفْنِيَةِ الَّتِي يَكُونُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا ضَرَرًا بِالطَّرِيقِ وَشِبْهِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ بِحَالٍ وَلَا يُبِيحُهُ الْإِمَامُ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ وَقَالَ فِي الرَّسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ مَا نَصُّهُ عَلَى مَا اخْتَصَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الشَّعَارِي الْمُجَاوِرَةُ لِلْقُرَى وَالْمُتَوَسِّطَةُ بَيْنَهَا لَا يَقْطَعُ الْإِمَامُ مِنْهَا شَيْئًا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالْعَفَاءِ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا هِيَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ كَالسَّاحَةِ لِلدُّورِ وَإِنَّمَا الْعَفَاءُ مَا بَعُدَ وَتَعَقَّبَ الْفَضْلُ قَوْلَهُ فَقَالَ وَأَيْنَ يُقْطِعُ الْإِمَامُ إلَّا فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ وَهُوَ لَا يَلْزَمُ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الشَّعَارِي الْقَرِيبَةَ مِنْ الْقُرَى جِدًّا لِأَنَّ إقْطَاعَهَا ضَرَرٌ بِهِمْ فِي قَطْعِ مَرَافِقِهِمْ مِنْهَا الَّتِي كَانُوا يَخْتَصُّونَ بِهَا لِقُرْبِهِمْ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي رَسْمِ الدُّورِ انْتَهَى. وَاَلَّذِي فِي رَسْمِ الدُّورِ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ وَالشَّعَارِي هِيَ الشَّجَرُ الْمُخْتَلِطُ أَوْ الْأَرْضُ ذَاتُ الشَّجَرِ كَذَا فَسَّرَهَا أَهْلُ اللُّغَةِ فَعَلَى هَذَا إنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنْ إحْيَاءِ الْقَرِيبِ الَّذِي فِي إحْيَائِهِ ضَرَرٌ وَأَمَّا مَا لَا ضَرَرَ فِي إحْيَائِهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إحْيَاؤُهُ
[ ٦ / ١١ ]
إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمَدْخَلِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْبِنَاءُ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ لِلسُّكْنَى وَلَا لِغَيْرِهَا إلَّا الْقَنَاطِرَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهَا انْتَهَى.
ص (وَافْتَقَرَ لِإِذْنٍ)
ش: أَيْ وَافْتَقَرَ إحْيَاءُ الْمَوَاتِ لِإِذْنِ الْإِمَامِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يَقْطَعَ شَيْئًا مِنْ الْمَوَاتِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ انْتَهَى
ص (أَوْ جَعْلَهُ مُتَعَدِّيًا)
ش: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ أَنَّ الْقَرِيبَ الَّذِي لَا ضَرَرَ فِيهِ يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ فَإِذَا أَحْيَاهُ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ تَعَقَّبَ الْإِمَامُ مَا فَعَلَهُ هَذَا فَإِنْ رَأَى إمْضَاءَهُ أَمْضَاهُ وَإِنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ أَخَذَهُ مِنْهُ وَأَعْطَاهُ قِيمَةَ مَا صَنَعَهُ مَنْقُوضًا إنْ رَدَّهُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَإِنْ شَاءَ كَلَّفَهُ بِهَدْمِهِ وَإِنْ شَاءَ أَقْطَعَهُ لِغَيْرِهِ فَكَانَ لِذَلِكَ الَّذِي أَقْطَعَهُ إيَّاهُ الْإِمَامُ أَنْ يَأْمُرَ هَذَا بِمَا كَانَ الْإِمَامُ يَأْمُرُهُ بِهِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَجْمَلَهُ الْمُؤَلِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ أَوْ جَعَلَهُ مُتَعَدِّيًا انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَمِثْلُهُ يُقَالُ عَلَى كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْمَشْهُورُ مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لِلْإِمَامِ إمْضَاءَهُ أَوْ جَعْلَهُ مُتَعَدِّيًا فَيُعْطِي قِيمَةَ بِنَائِهِ مَقْلُوعًا وَرَأَى اللَّخْمِيُّ أَنَّهُ يُعْطِي قِيمَتَهُ قَائِمًا لِلشُّبْهَةِ اللَّخْمِيُّ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ إنْ رَأَى أَنْ يُقِرَّهُ لَهُ أَوْ لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهُ مَنْقُوضًا أَوْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ أَوْ يُقْطِعَهُ لِغَيْرِهِ وَيَكُونَ لِلْأَوَّلِ قِيمَتُهُ مَنْقُوضًا ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ التَّوْضِيحِ أَنَّ كَلَامَ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَكَمَا يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَابْنِ الْحَاجِبِ أَوْ جَعْلَهُ مُتَعَدِّيًا أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْغَلَّةِ بَلْ ظَاهِرُ نُصُوصِهِمْ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْغَلَّةِ بَلْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ أَنَّ اللَّخْمِيَّ رَأَى أَنْ تَكُونَ لَهُ قِيمَةُ الْبِنَاءِ قَائِمًا لِلشُّبْهَةِ وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ قِيمَتُهُ مَنْقُوضًا قَالَ وَلَوْ قِيلَ قَائِمًا لِلشُّبْهَةِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ انْتَهَى.
ص (وَقَضَاءُ دَيْنٍ)
ش:
[ ٦ / ١٢ ]
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ قَضَاءُ الدَّيْنِ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ فِي كِتَابِ الْبِدَعِ أَرَادَ بِالْقَضَاءِ الْمُعْتَادَ الَّذِي فِيهِ يَسِيرُ الْعَمَلِ وَقَلِيلُ الْعَيْنِ وَأَمَّا لَوْ كَانَ قَضَاءً بِمَالٍ جَسِيمٍ يَحْتَاجُ الْمُؤْنَةَ وَالْوَزْنَ وَالِانْتِقَادَ وَيَكْثُرُ فِيهِ الْعَمَلُ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْجَامِعِ مِنْ الذَّخِيرَةِ قَالَ مَالِكٌ وَيُنْهَى السُّؤَالُ عَنْ السُّؤَالِ فِي الْمَسْجِدِ وَالصَّدَقَةُ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَيُكْرَهُ الْعَمَلُ فِي الْمَسَاجِدِ إلَى آخِرِهِ يَنْبَغِي أَنْ تُنَزَّهَ الْمَسَاجِدُ عَنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَاسْتَخَفَّ فِي الْبَيَانِ قَضَاءَ الدَّيْنِ وَكَتْبَ الْحَقِّ فِيهِ مَا لَمْ يَطُلْ وَإِنْشَادَ الضَّالَّةِ وَعَمَلَ الصِّنَاعَةِ وَالسُّؤَالَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي النَّوَادِرِ مَنْ سَأَلَ فَلَا يُعْطَى وَأَمَرَ بِحِرْمَانِهِمْ وَرَدِّهِمْ خَائِبِينَ قَالَ التَّادَلِيُّ كَانَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ يُغَلِّظُ عَلَيْهِمْ فِي النَّهْيِ وَرُبَّمَا أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ إلَى السِّجْنِ وَكَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْهُ فَيَرْفُقُ بِهِمْ وَيَسْأَلُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ وَيَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ فَالْأَوَّلُ تَصَرَّفَ بِالشَّرْعِ وَالثَّانِي بِعَيْنِ الْحَقِيقَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى قَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ» قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا إنَّمَا يُمْنَعُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ عَمَلِ الصِّنَاعَاتِ مَا يَخْتَصُّ بِمَنْفَعَةِ آحَادِ النَّاسِ مِمَّا يُتَكَسَّبُ بِهِ فَلَا يُتَّخَذُ الْمَسْجِدُ مَتْجَرًا فَأَمَّا إنْ كَانَتْ لِمَا يَشْمَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ مِثْلُ الْمُثَاقَفَةِ وَإِصْلَاحُ آلَاتِ الْجِهَادِ مِمَّا لَا مِهْنَةَ فِي عَمَلِهِ لِلْمَسْجِدِ فَلَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَيُجْعَلُ الْمَاءُ الْعَذْبُ فِي الْمَسَاجِدِ وَكَانَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - انْتَهَى.
ص (وَإِنَاءٌ لِبَوْلٍ إنْ خَافَ سَبُعًا)
ش: قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَكَذَلِكَ الْغَرِيبُ إذَا لَمْ يَجِدْ أَيْنَ يُدْخِلُ دَابَّتَهُ فَإِنَّهُ يُدْخِلُهَا فِي الْمَسْجِدِ إذَا خَافَ عَلَيْهَا مِنْ اللُّصُوصِ انْتَهَى.
ص (وَمُنِعَ عَكْسُهُ)
ش: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَسُكْنَى فَوْقَهُ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ نَذْرِ سُنَّةٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْجَامِعِ لَا خِلَافَ أَنَّ لِظَاهِرِ الْمَسْجِدِ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لِلْمَسْجِدِ وَلَا يُورَثُ الْمَسْجِدُ وَلَا الْبُنْيَانُ الَّذِي فَوْقَهُ وَيُورَثُ الْبُنْيَانُ الَّذِي تَحْتَهُ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِ هَلْ تُكْرَهُ ابْتِدَاءً وَتَصِحُّ إنْ فُعِلَتْ أَوْ لَا تَصِحُّ وَيُعِيدُ أَبَدًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَإِخْرَاجِ رِيحٍ)
ش: عَدَّهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَتِهِ فِي بَابِ تَطْيِيبِ الْمَسَاجِدِ فِي شَرْحِ قَوْلِ عَائِشَةَ «أَمَرَ - ﵊ - بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ» وَنَظَافَتُهَا أَنْ لَا تَبْقَى فِيهَا قُمَامَةٌ مِنْ الْخِرَقِ وَالْقَذَى وَالْعِيدَانِ وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ الْحَدَثُ يَكُونُ فِيهِ مِنْ رِيحٍ أَوْ صَوْتٍ وَلَا يُنَاقِضُ تَنْظِيفَهُ تَعْلِيقُ قِنْوٍ فِيهِ مِنْ ثَمَرٍ يَأْكُلُهُ الْمَسَاكِينُ وَلَا أَكْلُ مَا فِيهِ إذَا وَضَعَ لُقَاطَةً أَوْ سُقَاطَةَ مَا يَأْكُلُ فِي حِجْرِهِ أَوْ كُمِّهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي بَابِ الْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِيهِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ - ﷺ - «لَا تَزَالُ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ» قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ مَا الْحَدَثُ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إرْسَالِهِمَا فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُرْسِلُهُ فِي بَيْتِهِ إذَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ وَأَنَّ الْمَسْجِدَ إنَّمَا يُنَزَّهُ عَنْ نَجَاسَةٍ عَيْنِيَّةٍ انْتَهَى.
ص (وَمُكْثٌ بِنَجِسٍ)
ش: هَذَا الَّذِي صَدَّرَ بِهِ ابْنُ شَعْبَانَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي
[ ٦ / ١٣ ]
مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَيَجِبُ عَلَى مَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ دَمًا كَثِيرًا فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَا يَخْلَعْهُ فِيهِ قَالَ وَقَدْ قِيلَ يَخْلَعُهُ وَيَتْرُكُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيُغَطِّي الدَّمَ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَلْشَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ مَنْ رَأَى بِثَوْبِهِ كَثِيرَ دَمٍ فَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلَوْ كَانَ فِي صَلَاةٍ وَقَالَ غَيْرُهُ يَنْزِعُهُ وَيَتْرُكُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ سَاتِرًا نَجَاسَتَهُ بِبَعْضِهِ وَقَالَ الْقَلْشَانِيُّ قُلْت وَعَلَيْهِمَا الْخِلَافُ فِي إدْخَالِ النَّعْلِ الَّذِي لَحِقَتْهُ نَجَاسَةٌ فِي مَحْفَظَةٍ أَوْ مَلْفُوفَةً فِي خِرْقَةٍ كَثِيفَةٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ قَالَ الْجُزُولِيُّ وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ بِالثَّوْبِ النَّجِسِ مَكْرُوهٌ وَكَذَلِكَ نَعْلَيْهِ إذَا كَانَ فِيهِمَا نَجَاسَةٌ فَلَا يُدْخِلُهُمَا الْمَسْجِدَ حَتَّى يَحُكَّهُمَا وَلَا يَغْسِلَهُمَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُهُمَا انْتَهَى.
فَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ مُخَالِفٌ لِمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فَظَاهِرٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِلَافًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَبَيْعٌ)
ش: أَيْ يُكْرَهُ الْبَيْعُ فِي الْمَسْجِدِ وَفِي جَامِعِ الذَّخِيرَةِ وَجَوَّزَ مَالِكٌ أَنْ يُسَاوِمَ رَجُلًا ثَوْبًا عَلَيْهِ أَوْ سِلْعَةً تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهَا انْتَهَى.
وَقَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا الشِّرَاءُ وَاخْتُلِفَ إذَا رَأَى سِلْعَةً خَارِجَ الْمَسْجِدِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ الْبَيْعَ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ لَا قَوْلَانِ مِنْ غَيْرِ سِمْسَارٍ وَأَمَّا الْبَيْعُ بِالسِّمْسَارِ فِيهِ فَمَمْنُوعٌ بِاتِّفَاقٍ فَإِنْ وَقَعَ الْبَيْعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ وَأَنَّهُ مَاضٍ انْتَهَى مِنْ بَابِ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ وَانْظُرْهُ فِي الِاعْتِكَافِ وَقَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَإِنْ حَضَرَتْ السِّلْعَةُ وَالسَّوَامُّ فَذَلِكَ حَرَامٌ انْتَهَى أَوَّلَهُ بِالْمَعْنَى.
ص (وَإِنْشَادُ ضَالَّةٍ)
ش: قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ فِي كِتَابِ الْبِدَعِ وَلَوْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ صَوْتَهُ وَلَكِنْ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ جُلَسَاءَهُ غَيْرَ رَافِعٍ صَوْتَهُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ
[ ٦ / ١٤ ]
مِنْ جِنْسِ الْمُحَادَثَةِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ انْتَهَى. يُرِيدُ غَيْرَ مَكْرُوهٍ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِهِ إنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ يَنْشُدُ الشِّعْرَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَحَظَ إلَيْهِ قَالَ أَيْ أَوْمَأَ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ أَنْ اُسْكُتْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ إنْشَادَ الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ قَدْ بَنَى رَحْبَةً فِي خَارِجِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْغَطَ أَوْ يَنْشُدَ شِعْرًا فَلْيَخْرُجْ إلَى هَذِهِ الرَّحْبَةِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَمِنْ مَانِعٍ مُطْلَقًا وَمِنْ مُجِيزٍ مُطْلَقًا وَالْأَوْلَى التَّفْصِيلُ فَمَا كَانَ يَقْتَضِي الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْ عَلَى رَسُولِهِ أَوْ الذَّبَّ عَنْهُمَا كَمَا كَانَ شِعْرُ حَسَّانَ أَوْ يَتَضَمَّنُ الْحَثَّ عَلَى الْخَيْرِ فَهُوَ حَسَنٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا وَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الشِّعْرَ لَا يَخْلُو فِي الْغَالِبِ عَنْ الْكَذِبِ وَالْفَوَاحِشِ وَالتَّزْيِينِ بِالْبَاطِلِ وَلَوْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ فَأَقَلُّ مَا فِيهِ اللَّغْوُ وَالْهَذْرُ وَالْمَسَاجِدُ مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦] وَلِقَوْلِهِ - ﵇ - «إنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إنَّمَا هِيَ لِلذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» انْتَهَى.
[فَرْعٌ كِتَابَةِ الْمَصَاحِفِ فِي الْمَسَاجِدِ]
(فَرْعٌ) قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ وَلَمْ أَرَ لِمَالِكٍ شَيْئًا فِي كِتَابَةِ الْمَصَاحِفِ فِي الْمَسَاجِدِ قَالَ وَأَمَّا الرَّجُلُ الْمُتَّقِي الَّذِي يَصُونُ الْمَسْجِدَ وَيَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ فَظَاهِرُهُ الْجَوَازُ انْتَهَى.
[فَرْعٌ الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ]
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي قَوْلِهِ وَيُكْرَهُ الْعَمَلُ فِي الْمَسَاجِدِ مِنْ خِيَاطَةٍ وَنَحْوِهَا حَكَى الْبَاجِيُّ فِي الْوُضُوءِ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ قَوْلَيْنِ وَالْقَوْلَانِ فِي الْوَاضِحَةِ أَيْضًا قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ رَأَيْت بَعْضَ أَشْيَاخِي تَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَظُنُّهُ بَلَعَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي آخِرِ سَمَاعِ مُوسَى مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَتَوَضَّأُ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ وُضُوءًا طَاهِرًا فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَسُئِلَ عَنْهَا سَحْنُونٌ فَقَالَ لَا يَجُوزُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَا وَجْهَ لِلتَّخْفِيفِ فِي ذَلِكَ وَقَوْلُ سَحْنُونٍ لَا يَجُوزُ أَحْسَنُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] فَوَاجِبٌ أَنْ تُرْفَعَ وَتُنَزَّهَ عَنْ أَنْ يُتَوَضَّأَ فِيهَا لِمَا يَسْقُطُ فِيهَا مِنْ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ مِنْ أَوْسَاخٍ وَلِتَمَضْمُضِهِ فِيهِ أَيْضًا وَقَدْ يُحْتَاجُ إلَى الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيَتَأَذَّى الْمُصَلِّي بِالْمَاءِ الْمُهْرَاقِ فِيهِ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «اجْعَلُوا مَطَاهِرَكُمْ عَلَى أَبْوَابِ مَسَاجِدِكُمْ» وَلَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَتَوَضَّأَ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنْ يُسْقِطَ وُضُوءَهُ فِي طَسْتٍ وَذَكَرَ أَنَّ هِشَامًا فَعَلَهُ فَأَنْكَرَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ قَالَ الْبَاجِيُّ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْوُضُوءِ فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي صَحْنِهِ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ وَكَرِهَهُ سَحْنُونٌ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَجِّ الرِّيقِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ الْبَاجِيُّ وَرِحَابُ الْمَسْجِدِ كَالْمَسْجِدِ فِي التَّنْزِيهِ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمَدْخَلِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْإِمَامِ وَالْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ فِي الْمَسْجِدِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْخَلَاوِي الْمَبْنِيَّةِ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَقَدْ مَنَعَ عُلَمَاؤُنَا الْوُضُوءَ فِي الْمَسْجِدِ وَمَنْ كَانَ سَاكِنًا فِي سُطُوحِهِ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ فِيهِ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ حُرْمَةَ سَطْحِهِ كَحُرْمَتِهِ وَاخْتُلِفَ فِي الْخَطِيبِ إذَا أَحْدَثَ أَثْنَاءَ خُطْبَتِهِ أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ فِي صَحْنِهِ وُضُوءًا طَاهِرًا وَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَإِنْ كَانَ فِي طَسْتٍ وَمَنْ يَتَوَضَّأُ فِي سَطْحِهِ أَوْ فِي الْبُيُوتِ الَّتِي فِيهِ إنَّمَا يَتَوَضَّأُ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ انْتَهَى.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ وَأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْخَطِيبِ فَانْظُرْهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ.
الثَّامِنُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَبَاحَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ الْعِلْمُ الْوُضُوءَ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ لَا يُتَوَضَّأَ فِي مَكَان يَتَأَذَّى النَّاسُ بِهِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَحْصُلَ تَمَخُّطٌ بِالِاسْتِنْشَاقِ وَلَا بُصَاقٌ بِالْمَضْمَضَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ التَّنَخُّمِ وَإِلَّا فَيَنْتَهِي إلَى التَّحْرِيمِ وَحَكَى الْمَازِرِيُّ
[ ٦ / ١٥ ]
عَنْ بَعْضِهِمْ الْجَوَازَ مَعَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْبُصَاقَ إذَا خَالَطَهُ الْمَاءُ صَارَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكِ فَكَانَ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ يَحْرُمُ وَلَا شَكَّ فِيهِ، قَالَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْلَعَ الْمَاءَ الَّذِي يَتَمَضْمَضُ بِهِ لِلْخَلَاصِ مِنْ ذَلِكَ وَتَحْصُلُ بِهِ سُنَّةُ الْمَضْمَضَةِ ثُمَّ قَالَ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتُهُ تَنْزِيهًا لِلْمَسْجِدِ اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ
ص (وَلِذِي مَاجِلٍ وَبِئْرٍ) ش نَبَّهَ بِقَوْلِهِ مَاجِلٍ وَبِئْرٍ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يَنْقُصُ بِالِاغْتِرَافِ وَلَا يَخْلُفُهُ غَيْرُهُ كَالْمَاجِلِ أَوْ يَخْلُفُهُ غَيْرُهُ كَالْبِئْرِ.
ص (بِهَدْمِ بِئْرٍ)
ش: هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ خِيفَ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ زَرَعَ عَلَى مَاءٍ وَأَنَّهُ لَوْ زَرَعَ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ لَمْ يَجِبْ عَلَى جَارِهِ دَفْعُ فَضْلِ مَائِهِ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ حَرِيمِ الْآبَارِ وَلَوْ حَرَثَ جَارٌ لَك عَلَى غَيْرِ أَصْلِ مَاءٍ لَهُ فَلَكَ مَنْعُهُ أَنْ يَسْقِيَ بِفَضْلِ مَاءِ بِئْرِك الَّتِي فِي أَرْضِك إلَّا بِثَمَنٍ إنْ شِئْت أَبُو الْحَسَنِ قَالُوا هَذَا إذَا كَانَ لَهُ ثَمَنٌ ابْنُ يُونُسَ أَمَّا إذَا كَانَ لَا ثَمَنَ لَهُ وَلَا يَنْتَفِعُ صَاحِبُهُ بِفَضْلِهِ فَمَا الَّذِي يَمْنَعُ الْجَارَ أَنْ يَبْتَدِئَ الزَّرْعَ عَلَيْهِ وَذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ آخِرِ مَسْأَلَةٍ مِنْ نَوَازِلِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ مِنْ حَقِّ مَنْ قَرُبَ مِنْ الْمِيَاهِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِمَا فَضَلَ مِنْهَا دُونَ ثَمَنٍ إنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ صَاحِبُهُ ثَمَنًا بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ وَجَدَ فَعَلَى
[ ٦ / ١٦ ]
اخْتِلَافٍ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ سَالَ مَطَرٌ بِمُبَاحٍ سَقَى الْأَعْلَى)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ وَسُئِلْت عَنْ أَرْضٍ كَانَتْ تَشْرَبُ بِالسَّيْلِ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ بِغَيْرِ تَسَبُّبٍ لِلْمَاءِ ثُمَّ يَمُرُّ بَعْدَ شُرْبِهَا إلَى أَرْضٍ أَسْفَلَ مِنْهَا ثُمَّ إنَّ
[ ٦ / ١٧ ]
السُّيُولَ تَكَاثَرَتْ وَعَظُمَتْ فَأَحْرَجَتْ مَشْرَبَهَا وَأَحَالَتْ الْمَاءَ مِنْ مَمَرِّهِ الْقَدِيمِ إلَى مَمَرٍّ آخَرَ فَصَارَ يَسْقِي السُّفْلَى وَتَعَطَّلَتْ الْعُلْيَا وَانْدَرَسَ مَشْرَبُهَا مُدَّةَ سِنِينَ فَأَرَادَ أَهْلُ الْعُلْيَا أَنْ يَعْمُرُوا مَشْرَبَهُمْ وَيَتَسَبَّبُوا لِلْمَاءِ فَمَنَعَهُمْ أَهْلُ السُّفْلَى فَهَلْ لَهُمْ ذَلِكَ أَمْ؟ لَا فَأَجَبْت أَوَّلًا لِأَهْلِ الْأَرْضِ الْعُلْيَا أَنْ يَعْمُرُوا مَشْرَبَهُمْ الْمُنْدَرِسَ وَلَيْسَ لِأَهْلِ السُّفْلَى مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ الْعُلْيَا أَنْ يَسُدُّوا الْمَشْرَبَ الَّذِي أَحْدَثَتْهُ السُّيُولُ لِلْمَاءِ قَبْلَ بُلُوغِهِ إلَى أَرْضِهِمْ لِأَنَّ الْمَاءَ غَيْثٌ يَسُوقُهُ اللَّهُ إلَى مَنْ يَشَاءُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠] يُرِيدُ الْمَطَرَ فَإِذَا صَرَفَهُ إلَى قَوْمٍ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقْطَعَهُ عَنْهُ ثُمَّ حَصَلَ عِنْدِي تَوَقُّفٌ فِي ذَلِكَ لِكَوْنِ الْأَرْضِ الَّتِي تُسْقَى أَسْفَلَ مِنْ الْأَرْضِ الْأُخْرَى أَمَّا إذَا كَانَ الْمَشْرَبُ الَّذِي انْفَتَحَ تَشْرَبُ بِهِ أَرْضٌ أَعْلَى مِنْ أَرْضِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ سَدَّ الْمَشْرَبِ الْمُنْفَتِحِ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ بِلَا تَوَقُّفٍ وَقَطَعْت السُّؤَالَ الَّذِي كَتَبْت عَلَيْهِ الْجَوَابَ أَوَّلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَالْمَسْأَلَةُ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ وَنَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.