. (فَصْلٌ النَّذْرُ الْتِزَامُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ)
ش: قَالَ فِي الْإِكْمَالِ: نَذِرَ بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ نِذَارَةً عَلِمَ بِالشَّيْءِ وَنَذَرْتُ لِلَّهِ تَعَالَى نَذْرًا بِفَتْحِهَا مَعْنَاهُ وَعَدْتُ ابْنُ عَرَفَةَ النَّذْرُ الْأَعَمُّ مِنْ الْجَائِزِ إيجَابُ امْرِئٍ عَلَى نَفْسِهِ لِلَّهِ تَعَالَى أَمْرًا لِحَدِيثِ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ، وَإِطْلَاقُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْمُحَرَّمِ نَذْرًا وَأَخَصَّهُ الْمَأْمُورُ بِأَدَائِهِ الْتِزَامَ طَاعَةٍ بِنِيَّةِ قُرْبَةٍ لَا لِامْتِنَاعٍ مِنْ أَمْرٍ هَذَا يَمِينٌ حَسْبَمَا مَرَّ، وَقَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: مُسْلِمٍ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ رُشْدٍ أَدَاءُ مُلْتَزِمِهِ كَافِرًا بَعْدَ إسْلَامِهِ عِنْدَنَا نَدْبٌ ابْنُ زَرْقُونٍ الْمُغِيرَةُ فَوَجَبَ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَ بِالْكُفْرِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: مُكَلَّفٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ رَسْمِ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ: وَلَا اخْتِلَافَ أَعْلَمُهُ أَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ مَا نَذَرَهُ
[ ٣ / ٣١٦ ]
عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوَفَاءُ بِهِ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَشَرْطُ إيجَابِ الْحِنْثِ الْكَفَّارَةُ وَغَيْرُهُ فِي التَّعْلِيقِ فِي يَمِينٍ كَذَلِكَ مِنْ مُكَلَّفٍ مُسْلِمٍ يَنْفُذُ مِنْهُ، انْتَهَى.
وَشَمَلَ قَوْلُهُ: كُلِّفَ الْعَبْدُ وَالْأَمَةَ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي النَّذْرِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَا لَكِنْ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُمَا مِنْ الْوَفَاءِ بِهِ فِي حَالِ الرِّقِّ، فَإِذَا أُعْتِقَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَا، فَإِنْ رَدَّ سَيِّدُهُمَا النَّذْرَ وَأَبْطَلَهُ فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ قَالَ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ كُلُّ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ إلَى ثَلَاثِينَ سَنَةٍ حُرٌّ فَعَتَقَ ثُمَّ ابْتَاعَ رَقِيقًا قَبْلَ الْأَجَلِ فَإِنَّهُمْ يَعْتِقُونَ، وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ مِنْ الْعَبِيدِ مَا يَمْلِكُ.
وَهُوَ فِي مِلْكِ سَيِّدِهِ، إذْ لَا يَجُوزُ عِتْقُ الْعَبْدِ لِعَبِيدِهِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ سَوَاءٌ تَطَوَّعَ بِعِتْقِهِمْ أَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ فَحَنِثَ إلَّا أَنْ يُعْتِقَ وَهُمْ فِي يَدِهِ فَيَعْتِقُونَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَرُدَّ السَّيِّدُ عِتْقَهُ حِينَ عَتَقَ، أَمَّا إنْ رَدَّهُ سَيِّدُهُ قَبْلَ عِتْقِهِ وَبَعْدَ حِنْثِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ فِيهِمْ عِتْقٌ وَلَزِمَهُ بَعْدَ عِتْقِهِ عِتْقُ مَا يَمْلِكُ بَقِيَّةَ الْأَجَلِ، وَكَذَلِكَ أَمَةٌ حَلَفَتْ بِصَدَقَةِ مَالِهَا أَنْ لَا تُكَلِّمَ أُخْتَهَا فَعَلَيْهَا إنْ كَلَّمَتْهَا صَدَقَةٌ ثُلُثُ مَالِهَا ذَلِكَ بَعْدَ عِتْقِهَا إذَا لَمْ يَرُدَّ السَّيِّدُ ذَلِكَ حَتَّى عَتَقَتْ، انْتَهَى.
وَقَالَ فِي كِتَابِ الْكَفَالَةِ: وَلَا يَجُوزُ لِعَبْدٍ وَلَا مُدْبَرٍ وَلَا مُكَاتَبٍ وَلَا أُمِّ وَلَدٍ كَفَالَةٌ وَلَا عِتْقٌ وَلَا هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ، فَإِنْ فَعَلُوا بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَجُزْ إنْ رَدَّهُ السَّيِّدُ، فَإِنْ رَدَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُمْ وَإِنْ عَتَقُوا، وَإِنْ لَمْ يَرُدُّوا حَتَّى عَتَقُوا لَزِمَهُمْ ذَلِكَ عَلِمَ السَّيِّدُ قَبْلَ عِتْقِهِمْ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَذْرُ ذِي رِقٍّ مَا يَلْزَمُ الْحُرَّ يَلْزَمُهُ وَلِرَبِّهِ مَنْعُهُ فَعَلَهُ ابْنُ حَارِثٍ اتَّفَقُوا فِي الْأَمَةِ تَنْذُرُ مَشْيَهَا إلَى مَكَّةَ فَيَرُدُّهُ رَبُّهَا، ثُمَّ تَعْتِقُ أَنَّهُ يَلْزَمُهَا لَوْ رَدَّ صَدَقَةَ نَذْرِهَا فَفِي سُقُوطِهَا قَوْلُ سَحْنُونٍ وَرِوَايَةُ اعْتِكَافِهَا، وَفِي سُقُوطِ نَذْرِهِ بِرَدِّ رَبِّهِ عِتْقُهُ مُتَقَدِّمٌ، نَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي نَذْرِهِ حِجًّا، انْتَهَى.
[فَرْعٌ فِي مَنْ سُئِلَ أَمْرًا فَقَالَ عَلَيَّ فِيهِ صَدَقَةٌ أَوْ مَشْيٌ كَاذِبًا إنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَمْنَعَهُ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ سُئِلَ أَمْرًا فَقَالَ: عَلَيَّ فِيهِ صَدَقَةٌ أَوْ مَشْيٌ كَاذِبًا إنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَمْنَعَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنَّمَا يَلْزَمُهُ فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْيَمِينِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ فِي الْيَمِينِ هَلْ تَنْعَقِدُ بِإِنْشَاءِ كَلَامِ النَّفْسِ وَحْدَهُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ اللَّفْظِ، وَتَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ وَانْظُرْ أَيْضًا هَلْ يَنْعَقِدُ النَّذْرُ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَحْدَهُ أَوْ لَا يَنْعَقِدُ أَوْ يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ كَمَا فِي الْيَمِينِ قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي تَمْيِيزِ الْفَتَاوَى مِنْ الْأَحْكَامِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ النَّذْرِ وَالْحُكْمِ، السُّؤَالُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ فَإِذَا قُلْتُمْ: إنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ إنْشَاءٌ فِي النَّفْسِ، وَالنَّذْرُ أَيْضًا إنْشَاءُ حُكْمٍ لَمْ يَكُنْ مُتَقَرِّرًا فَقَدْ اسْتَوَيَا فِي الْإِنْشَاءِ، وَإِنَّ كِلَيْهِمَا مُتَعَلِّقٌ يَجْرِي دُونَ شَرْعٍ عَامٍّ، فَهَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ أَوْ هُمَا سَوَاءٌ، جَوَابُهُ أَنَّهُمَا وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْإِنْشَاءِ فَبَيْنَهُمَا فُرُوقٌ: أَحَدُهَا أَنَّ الْعُمْدَةَ الْكُبْرَى فِي النَّذْرِ اللَّفْظُ فَإِنَّهُ السَّبَبُ الشَّرْعِيُّ النَّاقِلُ لِذَلِكَ الْمَنْدُوبِ الْمَنْذُورِ إلَى الْوُجُوبِ، كَمَا أَنَّ سَبَبَ حُكْمِ الْحَاكِمِ إنَّمَا هُوَ الْحُجَّةُ، وَسَبَبُ حُكْمِ الْحَاكِمِ يَسْتَقِلُّ دُونَ نُطْقٍ، وَالْقَوْلُ الْوَاقِعُ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ بِمَا حَكَمَ بِهِ، وَأَمْرٌ بِالتَّحَمُّلِ عَنْهُ الشَّهَادَةَ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَقَالَ الْحَفِيدُ ابْنُ رُشْدٍ فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: وَاتَّفَقُوا عَلَى لُزُومِ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ فِي الْقُرْبِ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ النَّذْرَ الْمُطْلَقَ لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى لُزُومِ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الرِّضَا لَا عَلَى وَجْهِ اللَّجَاجِ، وَصُرِّحَ فِيهِ بِلَفْظِ النَّذْرِ لَا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ، وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ النَّذْرِ فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ هَلْ يَجِبُ النَّذْرُ بِالنِّيَّةِ وَاللَّفْظِ مَعًا أَوْ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ.؟ فَمَنْ قَالَ بِهِمَا مَعًا قَالَ إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا، وَكَذَا وَلَمْ يَقُلْ نَذْرًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِوُجُوبِ شَيْءٍ لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِجِهَةِ الْوُجُوبِ، وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ اللَّفْظُ قَالَ يَنْعَقِدُ النَّذْرُ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، أَعْنِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِ النَّذْرِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ النَّذْرَ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَاللَّفْظِ
[ ٣ / ٣١٧ ]
لَكِنْ رَأَى أَنَّ حَذْفَ لَفْظِ النَّذْرِ مِنْ الْقَوْلِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْأَقَاوِيلِ الَّتِي مَخْرَجُهَا مَخْرَجُ النَّذْرِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِلَفْظِ النَّذْرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ، وَمَنْ قَالَ إنْ فَعَلْتُ كَذَا بِلَفْظٍ قَالَ الْحَفِيدُ اخْتَلَفُوا إذَا لَمْ يَلْفِظْ بِالنَّذْرِ هَلْ يُلْزَمُ أَمْ لَا إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ هَلْ يَلْزَمُهُ بِالنِّيَّةِ أَوْ بِلَفْظِ النَّذْرِ مَالِكٌ يَلْزَمُهُ بِالنَّذْرِ وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا إذَا لَفَظَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ قَالَ ابْنُ فَرَسٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا إذَا لَفَظَ بِالنَّذْرِ، انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ الْمُتَبَادَرُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْيَمِينِ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ لَا النَّهَارِ فَقَطْ فَبِاللَّفْظِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَوْ قَالَ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي أَوْ أَرَى خَيْرًا مِنْهُ)
ش: فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَوْ قَالَ فِي بَعْضِهَا وَإِنْ وَهِيَ الْأَحْسَنُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْفَرْعَ فِي ظَنِّي أَنَّهُ عَارٍ مِنْ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ فِي الْقَوَانِينِ: يُنْظَرُ فِي النَّذْرِ إلَى النِّيَّةِ ثُمَّ إلَى الْعُرْفِ ثُمَّ إلَى مُقْتَضَى اللَّفْظِ لُغَةً، وَلَا يَنْفَعُ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ بِالْمَشِيئَةِ، انْتَهَى. يُرِيدُ إلَّا الْمُبْهَمَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَالصَّدَقَةِ وَالْمَشْيِ، وَأَمَّا فِي النَّذْرِ الْمُبْهَمِ فَيُفِيدُ، انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابِ الْيَمِينِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يُفِدْ فِي غَيْرِ اللَّهِ كَالِاسْتِثْنَاءِ بِإِنْ شَاءَ اللَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (بِخِلَافِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ فُلَانٌ فَبِمَشِيئَتِهِ) ش قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ أَوْ يَرُدَّ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَالِفِ، انْتَهَى.
. ص (وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نَدَبَ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ نَذْرُ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمٌ، وَفِي كَوْنِ الْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ كَذَلِكَ أَوْ مِثْلَهُمَا قَوْلًا الْأَكْثَرُ مَعَ ظَاهِرِ الْمُوَطَّإِ وَالْمُقَدِّمَاتِ، انْتَهَى. وَمَا عَزَاهُ لِابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ نَحْوُهُ لَهُ فِي رَسْمِ سَلَفَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ وَنَصُّهُ: النَّذْرُ يَنْقَسِمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ نَذْرٌ فِي طَاعَةِ اللَّهِ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَنَذْرٌ فِي مَعْصِيَةٍ يَحْرُمُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَنَذْرٌ فِي مَكْرُوهٍ يُكْرَهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَنَذْرٌ فِي مُبَاحٍ يُبَاحُ الْوَفَاءُ بِهِ، انْتَهَى. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَقَسَّمَ اللَّخْمِيُّ نَذْرَ الْمَعْصِيَةِ كَصَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ أَوْ الْأَضْحَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ إنْ كَانَ النَّاذِرُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِطَاعَةٍ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ فَظَنَّ أَنَّ فِي صَوْمِهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ لِمَنْعِهِ نَفْسَهُ لَذَّتَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَهَذَا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْقَضَاءُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ فِي جَوَازِ الصَّوْمِ كَغَيْرِهِ كَانَ فِي الْقَضَاءِ قَوْلَانِ، انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ وَانْظُرْ ابْنَ نَاجِي عَلَى الرِّسَالَةِ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَوْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ النَّائِيَةِ عَنْ مَحِلِّهِ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا نَصَّهُ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ فِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ لَمْ يَلْزَمْهُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِقْدَامِ عَلَى الْوَفَاءِ بِذَلِكَ وَالذَّهَابِ إلَى الْمَسْجِدِ النَّائِي لِأَجْلِ الصَّلَاةِ أَوْ الِاعْتِكَافِ لِمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَدَمَ اللُّزُومِ أَعَمُّ مِنْ الْمَنْعِ (قُلْتُ) لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَدَمَ اللُّزُومِ كَمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَنْعِ فَكَذَلِكَ هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْإِذْنِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ غَالِبَ مَسَائِلِ النَّذْرِ أَوْ جَمِيعَهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ قِسْمَيْ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ نَذْرَ الطَّاعَةِ لَازِمٌ وَنَذْرَ مَا عَدَاهَا لَا يَلْزَمُ، وَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ كَنَذْرِ الْمَشْيِ فِي السُّوقِ أَوْ لُبْسِ ثَوْبٍ وَشَبَهِهِ، انْتَهَى.
. ص (كَلِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ عَلَيَّ ضَحِيَّةٌ)
[ ٣ / ٣١٨ ]
ش: قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: وَاخْتُلِفَ فِي الْمَذَاهِبِ إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا وَأَنْ لَا أَفْعَلَ كَذَا لِقُرْبَةٍ مِنْ الْقُرَبِ، وَلَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ النَّذْرِ هَلْ يَلْزَمُ أَمْ لَا.؟ فَعِنْدَنَا فِيهِ قَوْلَانِ وَالصَّحِيحُ لُزُومُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] انْتَهَى.
. ص (وَنَذْرُ الْمُطْلَقِ)
ش: يُشِيرُ بِهِ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ النَّذْرُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ النَّذْرُ الْمُطْلَقُ الَّذِي يُوجِبُهُ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا كَانَ وَمَضَى، انْتَهَى. وَقَالَ فِي التَّلْقِينِ: وَيَلْزَمُ بِإِطْلَاقِهِ، انْتَهَى. وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ يَعْنِي إذَا قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ وَلَمْ يُعَلِّقْهُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ وَيَنْدُبُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِمَّا يُقْبَلُ أَنْ يَنْذُرَ، انْتَهَى. وَهَذَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِأَنَّ هَذَا نَذْرٌ مُبْهَمٌ، وَفِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَكُرِهَ الْمُكَرَّرُ)
ش: اُنْظُرْ قَوْلَهُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ فِي الصِّيَامِ: وَنَذْرُ يَوْمٍ مُكَرَّرٍ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ فِيهِ تَكْرَارًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
. ص (وَفِي كُرْهِ الْمُعَلَّقِ تَرَدُّدٌ)
ش: الْكَرَاهَةُ فِيهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ مَعَ لُزُومِهَا قَالَ فِي التَّلْقِينِ: وَيَلْزَمُ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ شَرْطُهُ مُبَاحًا أَوْ مَحْظُورًا أَوْ طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً كَانَ فِعْلًا لِلنَّاذِرِ أَوْ لِغَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادِ أَوْ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، انْتَهَى. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ - ﵊ - «أَنَّهُ قَالَ: لَا تَنْذُرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يَرُدُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ شَيْئًا» قَالَ الْقُرْطُبِيُّ مَحِلُّ النَّهْيِ أَنْ يَقُولَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ عِتْقٌ أَوْ صَدَقَةٌ وَنَحْوُهُ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمَّا وَقَفَ فِعْلَ الْقُرْبَةِ عَلَى حُصُولِ غَرَضٍ عَاجِلٍ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِتَمَحُّضِ نِيَّتِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ سَلَكَ سَبِيلَ الْمُعَاوَضَةِ، وَهَذَا حَالُ الْبَخِيلِ الَّذِي لَا يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ إلَّا بِعِوَضٍ عَاجِلٍ أَكْثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ يَنْضَافُ إلَى هَذَا اعْتِقَادُ جَاهِلٍ يَظُنُّ أَنَّ النَّذْرَ يُوجِبُ حُصُولَ ذَلِكَ الْغَرَضِ أَوْ أَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ لَهُ ذَلِكَ الْغَرَضَ لِأَجْلِ النَّذْرِ وَإِلَيْهِمَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يَرُدُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ شَيْئًا، فَالْأُولَى تُقَارِبُ الْكُفْرَ وَالثَّانِيَةُ خَطَأٌ صُرَاحٌ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَهَلْ النَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوْ عَلَى الْكَرَاهَةِ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ الْكَرَاهَةُ.
(قُلْتُ) وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي التَّحْرِيمُ فِي حَقِّ مَنْ
[ ٣ / ٣١٩ ]
يُخَافُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ الْفَاسِدُ فَيَكُونُ إقْدَامُهُ عَلَى ذَلِكَ مُحَرَّمًا، وَالْكَرَاهَةُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ، وَإِذَا وَقَعَ النَّذْرُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ قَطْعًا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَمِمَّا يَلْحَقُ هَذَا فِي الْكَرَاهَةِ النَّذْرُ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّمِ وَالتَّحَرُّجِ فَالْأُولَى لِمَنْ يَسْتَثْقِلُ عَبْدَ الْقِلَّةِ مَنْفَعَتَهُ وَكَثْرَةَ مُؤْنَتِهِ فَيَنْذُرُ عِتْقَهُ تَخَلُّصًا مِنْهُ وَإِبْعَادًا لَهُ، وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَمَحُّضِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ.
وَالثَّانِي أَنْ يَقْصِدَ التَّضْيِيقَ عَلَى نَفْسِهِ وَالْحَمْلَ عَلَيْهَا بِأَنْ يَنْذُرَ كَثِيرًا مِنْ الصَّوْمِ أَوْ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، أَمَّا لَوْ الْتَزَمَ بِالنَّذْرِ مَا لَا يُطِيقُهُ لَكَانَ مُحَرَّمًا، وَأَمَّا النَّذْرُ الْخَارِجُ عَمَّا تَقَدَّمَ فَمَا كَانَ مِنْهُ غَيْرُ مُعَلَّقٍ عَلَى شَيْءٍ وَكَانَ طَاعَةً جَازَ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ وَلَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ فَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ كَمَنْ شُفِيَ مَرِيضُهُ فَنَذَرَ أَنْ يَصُومَ أَوْ يَتَصَدَّقَ، انْتَهَى.
[فَرْعٌ أَدَاءِ النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ عَلَى أَمْرٍ بِحُضُورِهِ وَاضِحٌ وَبِحُضُورِ بَعْضِهِ]
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَوُجُوبُ أَدَاءِ النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ عَلَى أَمْرٍ بِحُضُورِهِ وَاضِحٌ وَبِحُضُورِ بَعْضِهِ ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ عَدَمُهُ بِخِلَافِ الْيَمِينِ، وَسَمِعَ أَبُو زَيْدِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ نَذَرَ إنْ رَزَقَهُ اللَّهُ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَامَهَا بَعْدَ أَنْ رُزِقَ دِينَارَيْنِ ثُمَّ رُزِقَ الثَّالِثُ لَمْ يُجْزِهِ صَوْمُهُ، وَلَوْ نَذَرَ إنْ قَضَى اللَّهُ عَنْهُ دَيْنَهُ مِائَةَ دِينَارٍ صَامَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَصَامَهَا بَعْدَ قَضَاءِ الْمِائَةِ إلَّا دِينَارًا وَنِصْفًا أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ، وَأَفْتَى بِهِ وَضَعَّفَهُ ابْنُ رُشْدٍ الْقِيَاسُ عَدَمُ إجْزَائِهِ، وَوَجْهُ رَجَائِهِ اعْتِبَارُ كَوْنِ التَّعْلِيقِ عَلَى زَوَالِ ثِقَلِ الدَّيْنِ، وَيَقُومُ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَصُومَ بِقَدْرِ مَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ، انْتَهَى.
. ص (وَلَزِمَ الْبَدَنَةُ بِنَذْرِهَا)
ش: يَجُوزُ إثْبَاتُ التَّاءِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَحَذْفُهَا كَمَا فِي بَعْضِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْبَدَنَةَ تُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَلَيْسَ بِمُؤَنَّثٍ حَقِيقِيٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (ثُمَّ سَبْعُ شِيَاهٍ لَا غَيْرُ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا لَا أَعْرِفُ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْغَنَمَ صَوْمًا إنْ أَحَبَّ صِيَامَ عَشَرَةِ الْأَيَّامِ، فَإِنْ أَيْسَرَ كَانَ عَلَيْهِ مَا نَذَرَ لِقَوْلِ مَالِكٍ فِي عَاجِزٍ عَنْ عِتْقِ مَا نَذَرَهُ: لَا يَجِبُ بِهِ صَوْمٌ إنْ أَحَبَّ صِيَامَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَيْسَرَ أَعْتَقَ الصَّقَلِّيُّ إنْ شَاءَ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: شَهْرَيْنِ إنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً وَلَمْ أَرَهُ، انْتَهَى وَهُوَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ النُّذُورِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
ص (وَصِيَامٌ بِثَغْرٍ)
ش: هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي الِاعْتِكَافِ: وَإِتْيَانُ سَاحِلٍ لِنَذْرِ صَوْمٍ بِهِ مُطْلَقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صِيَامٌ وَلَمْ يُسَمِّهِ أَوْ قَالَ صَدَقَةٌ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ رَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صِيَامٌ وَلَمْ يُسَمِّهِ أَوْ قَالَ: صَدَقَةٌ فَإِنَّهُ يَصُومُ مَا شَاءَ وَيَتَصَدَّقُ بِالدِّرْهَمِ وَبِنِصْفِ الدِّرْهَمِ وَالرُّبْعِ دِرْهَمِ قِيلَ: فَالْفِلْسُ وَالْفِلْسَيْنِ قَالَ: مَا زَادَ فَهُوَ حَسَنٌ، انْتَهَى. وَالْمَسْأَلَةُ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِهَا: وَهَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ لِلْحَالِفِ نِيَّةٌ وَلَا بِسَاطٌ وَلَا عُرْفٌ وَلَا مَقْصِدٌ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ: النَّاذِرُ الصَّوْمَ يَلْزَمُهُ يَوْمٌ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْقَوَانِينِ: إذَا نَذَرَ الصَّوْمَ وَلَمْ يُعَيِّنْ عَدَدًا كَفَاهُ يَوْمٌ وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ إذَا نَذَرَ صَلَاةً وَلَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا كَفَتْهُ رَكْعَتَانِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الشَّامِلِ وَأَتَى بِعِبَادَةٍ كَامِلَةٍ إنْ نَذَرَ صَوْمَ بَعْضِ يَوْمٍ أَوْ صَلَاةَ رَكْعَةٍ أَوْ طَوَافَ شَوْطٍ، وَقِيلَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) فَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ أَيَّامًا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ.
[فَرْعٌ نَذَرَ إطْعَامَ مَسَاكِينَ أَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ خَمْسَ تَمَرَاتٍ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ قِيلَ: فَمَنْ نَذَرَ إطْعَامَ مَسَاكِينَ أَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ خَمْسَ تَمَرَاتٍ قَالَ مَا هَذَا وَجْهُ إطْعَامِهِمْ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَلْيُطْعِمْ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا بِمُدٍّ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] فَكَانَ مُدًّا لِكُلِّ مِسْكِينٍ، انْتَهَى. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَاخِرَ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِهَا: وَلَيْسَ هَذَا بِمُوجَبٍ عِنْدَ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ اسْتِحْسَانٌ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا بِالْمَعْنَى.
. ص (وَثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ
[ ٣ / ٣٢٠ ]
وَسُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ عَمَّنْ حَلَفَ بِالصَّدَقَةِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأَجَابَ يُؤَدِّي دَيْنَهُ وَمَهْرَ امْرَأَتِهِ، وَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ تَصَدَّقَ بِثُلُثِهِ، قَالَ الْبُرْزُلِيُّ قُلْتُ: هَذَا فِي الْحُقُوقِ الْمُعَيَّنَةِ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَغْرَقَ الذِّمَّةِ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَفِيهِ خِلَافٌ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ إخْرَاجُ الثُّلُثِ فَتَارَةً لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ، وَتَارَةً يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ، قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ: وَمَنْ جَعَلَ مَالَهُ هَدْيًا أَوْ صَدَقَةً أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ، وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ إنْ جَعَلَهُ لِمَسَاكِينَ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ، وَإِنْ جَعَلَهُ لِمُعَيَّنِينَ، فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ، وَإِنْ جَعَلَهُ لِمَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ قِيلَ: يُقْضَى عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يُقْضَى عَلَيْهِ انْتَهَى.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ بَابِ الْهِبَةِ: وَإِنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِهَا وَلَمْ يُعَيِّنْ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْمُعَيَّنِ، وَفِي مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ قَوْلَانِ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي بَابِ الْعِتْقِ وَوَجَبَ بِالنَّذْرِ وَلَمْ يُقْضَ إلَّا بِبَتٍّ مُعَيَّنٍ، انْتَهَى. .
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ: وَمَنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ، أَوْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ يَمِينٍ بَتْلًا فَلْيُقْضَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الرَّجُلُ بِعَيْنِهِ، وَلَوْ قَالَ: كُلُّ مَالٍ أَمْلِكُهُ صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى صَدَقَةٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَآمُرْهُ بِإِخْرَاجِ صَدَقَةِ ثُلُثٍ مِنْ عَيْنٍ وَعَرْضٍ وَدَيْنٍ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي أُمِّ وَلَدِهِ وَمُدَبَّرَتِهِ، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُونَ فَيُخْرِجُ ثُلُثَهُ قِيمَةَ كِتَابَتِهِمْ، فَإِنْ رَقُّوا يَوْمًا مَا نُظِرَ إلَى قِيمَةِ رِقَابِهِمْ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ كِتَابَتِهِمْ يَوْمَ أَخْرَجَ ذَلِكَ فَلْيُخْرِجْ ثُلُثَ الْفَضْلِ، قَالَ: وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ ثُلُثَ مَالِهِ حَتَّى ضَاعَ مَالُهُ كُلُّهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَرَّطَ أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ ذَلِكَ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ فَلَمْ يُخْرِجْ ثُلُثَهُ حَتَّى تَلِفَ جُلُّ مَالِهِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا إخْرَاجُ ثُلُثِ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ، انْتَهَى.
قَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ مَسْأَلَةِ الدَّارِ وَحَيْثُ قَالُوا: يُؤْمَرُ وَلَا يُجْبَرُ، لَيْسَ لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ أَثِمَ فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِخْرَاجِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ جَعْلِ مَالِهِ صَدَقَةً مِنْ إخْرَاجِ ثُلُثِهِ إنْ كَانَ لِمُعَيَّنٍ أُجْبِرَ عَلَيْهِ وَلِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فِي جَبْرِهِ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ طَلَبَ مُعَيَّنٍ وَيَلْزَمُهُ فِي الزَّكَاةِ.
(قُلْتُ) لَهَا طَالِبٌ مُعَيَّنٌ وَهُوَ الْإِمَامُ، انْتَهَى. ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الدَّارِ الْمَذْكُورَةَ عَنْ كِتَابِ الْهِبَاتِ وَلَمْ يَذْكُرْ نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي بَعْدَهَا مَعَ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي مَسْأَلَةِ الْبَاجِيِّ، وَالْعَجَبُ مِنْ الْبَاجِيِّ حَيْثُ لَمْ يَعْزُ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الْجَبْرِ لِلْمُدَوِّنَةِ، وَإِنَّمَا عَزَاهُ لِأَشْهَبَ، بَلْ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ مُوَافِقٌ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَذْكُرْ خِلَافَهُ، وَقَدْ قَالَ سَنَدٌ فِي آخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ: إنَّ عَادَتَهُ إذَا رَوَى مَا لَا يَرْتَضِيهِ أَنْ يُبَيِّنَ مُخَالَفَتَهُ لَهُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ مَا يُخْرِجُ ثُلُثَهُ وَمَا لَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ.
[فُرُوعٌ نَذَرَ شَيْئًا مُعَيَّنًا وَكَانَ ذَلِكَ جَمِيعَ مَالِهِ]
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَلَوْ قَالَ كُلُّ مَالٍ أَمْلِكُهُ، قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ إخْرَاجُ جَمِيعِ مَالِهِ، قَالَ: وَيُتْرَكُ لَهُ كَمَا يُتْرَكُ لِمَنْ فَلَّسَ مَا يَعِيشُ بِهِ هُوَ وَأَهْلُهُ الْأَيَّامَ ابْنُ الْمَوَّازِ كَالشَّهْرِ ذَكَرَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ النَّوَادِرِ وَعَنْ صَاحِبِ النُّكَتِ، وَانْظُرْ هَلْ يُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا نَذَرَ شَيْئًا مُعَيَّنًا وَكَانَ ذَلِكَ جَمِيعَ مَالِهِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا حَلَفَ بِصَدَقَةِ مَا يَفِيدُهُ أَوْ يَكْسِبُهُ أَبَدًا فَحَنِثَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ بِاتِّفَاقِ الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا إنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا يَفِيدُهُ أَبَدًا فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا يَفِيدُهُ إلَى أَجَلِ كَذَا فَيَلْزَمُهُ إخْرَاجُ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا، وَاخْتُلِفَ إذَا حَلَفَ بِصَدَقَةِ مَا يَفِيدُهُ أَوْ يَكْتَسِبُهُ إلَى مُدَّةٍ مَا أَوْ فِي بَلْدَةٍ مَا فَحَنِثَ، عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إخْرَاجُ جَمِيعِ مَا يَفِيدُهُ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ، انْتَهَى.
[قَالَ لِرَجُلٍ كُلُّ مَالٍ أَمْلِكُهُ صَدَقَةٌ إنْ فَعَلْتَ كَذَا فَحَنِثَ]
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ
[ ٣ / ٣٢١ ]
وَإِذَا قَالَ لِرَجُلٍ: كُلُّ مَالٍ أَمْلِكُهُ إلَى كَذَا مِنْ الْأَجَلِ صَدَقَةٌ إنْ فَعَلْتَ كَذَا فَحَنِثَ، فِيهَا خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ ثُلُثِ مَالِهِ السَّاعَةَ وَجَمِيعِ مَا يَمْلِكُهُ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، انْتَهَى.
ص (إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِيَ)
ش: سَوَاءٌ كَانَ النُّقْصَانُ مِنْ سَبَبِهِ أَوْ مِنْ أَمْرٍ مِنْ اللَّهِ دُونَ تَفْرِيطٍ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَتَخَيَّرَهُ، وَظَاهِرُهُ كَانَ النُّقْصَانُ بَعْدَ الْحِنْثِ أَوْ قَبْلَهُ، فَأَمَّا قَبْلَ الْحِنْثِ فَالْمَشْهُورُ مَا قَالَهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَأَمَّا بَعْدَ الْحِنْثِ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَضْمَنُ إذَا أَنْفَقَهُ أَوْ ذَهَبَ مِنْهُ كَزَكَاةٍ فَرَّطَ فِيهَا حَتَّى ذَهَبَ الْمَالُ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا أَنْفَقَهُ بَعْدَ الْحِنْثِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ إذَا فَرَّطَ فِي إخْرَاجِ الثُّلُثِ حَتَّى ذَهَبَ الْمَالُ ضَمِنَ، وَفِي الْوَاضِحَةِ مَنْ حَلَفَ بِصَدَقَةِ مَالِهِ فَحَنِثَ، ثُمَّ ذَهَبَ مَالُهُ بِاسْتِنْفَاقٍ، فَذَلِكَ دَيْنٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ ذَهَبَ بِغَيْرِ سَبَبِهِ، فَلَا يَضْمَنُ، وَلَا يَضُرُّهُ تَفْرِيطٌ حَتَّى أَصَابَهُ ذَلِكَ.
ص (وَهُوَ الْجِهَادُ وَالرِّبَاطُ بِمَحَلٍّ خِيفَ) ش قَالَ فِي كِتَابِ النُّذُورِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إذَا جَعَلَ مَالَهُ أَوْ غَيْرَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَذَلِكَ الْجِهَادُ وَالرِّبَاطُ مِنْ السَّوَاحِلِ وَالثُّغُورِ، وَلَيْسَ جُدَّةُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا كَانَ الْخَوْفُ فِيهَا مَرَّةً، انْتَهَى. وَقَالَ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ: وَمَنْ حَبَسَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَرَسًا أَوْ مَتَاعًا، فَذَلِكَ فِي الْغَزْوِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ فِي مَوَاحِيزِ الرِّبَاطِ كَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَنَحْوِهَا، وَأَمَرَ مَالِكٌ فِي مَالٍ جُعِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنْ يُفَرَّقَ فِي السَّوَاحِلِ مِنْ الشَّامِ وَمِصْرَ وَلَمْ يَرَ جُدَّةَ مِنْ ذَلِكَ، قِيلَ لَهُ: قَدْ نَزَلَ بِهَا الْعَدُوُّ، قَالَ: كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا خَفِيفًا وَسَأَلَهُ قَوْمٌ أَيَّامَ كَانَ مِنْ دَهْلِك مَا كَانَ، وَقَدْ تَجَهَّزُوا يُرِيدُونَ الْغَزْوَ إلَى عَسْقَلَانَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّة وَبَعْضِ السَّوَاحِلِ، وَاسْتَشَارُوهُ أَنْ يَنْصَرِفُوا إلَى جُدَّةَ فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُمْ: الْحَقُوا بِالسَّوَاحِلِ، انْتَهَى. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ مَالِكٍ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ حَالُهَا الْيَوْمَ كَحَالِهَا فِي الزَّمَنِ الْمُتَقَدِّمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الثَّغْرَ فِي الِاصْطِلَاحِ مَوْضُوعٌ لِلْمَكَانِ الْمَخُوفِ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ فَكَمْ مِنْ رِبَاطٍ فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ زَالَ عَنْهُ ذَلِكَ الْوَصْفُ فِي زَمَانِنَا وَبِالْعَكْسِ، انْتَهَى. وَأَصْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَزَادَ: فَيَجِبُ أَنْ لَا يَحْكُمَ عَلَى مَوْضِعٍ مَا أَبَدًا بِأَنَّهُ ثَغْرٌ كَمَا يَعْتَقِدُهُ بَعْضُ جَهَلَةِ زَمَانِنَا، انْتَهَى. .
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْبَاجِيُّ إذَا ارْتَفَعَ الْخَوْفُ مِنْ الثَّغْرِ لِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ بِهِ أَوْ بُعْدِهِ عَنْ الْعَدُوِّ زَالَ حُكْمُ الرِّبَاطِ عَنْهُ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ جَعَلَ شَيْئًا فِي السَّبِيلِ لَا يَجْعَلُهُ بِجُدَّةِ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ الَّذِي كَانَ بِهَا قَدْ ذَهَبَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ رَوَى إذَا نَزَلَ الْعَدُوُّ بِمَوْضِعٍ مَرَّةً فَهُوَ رِبَاطٌ أَرْبَعِينَ سَنَةً، انْتَهَى.
وَالْمَوَاحِيزُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ النَّوَاحِي جَمْعُ مَاحُوزٍ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ: وَلَا بَأْسَ بِالطَّوَى مِنْ مَاحُوزٍ إلَى مَاحُوزٍ أَنْ يَقُولَ لِصَاحِبِهِ خُذْ بَعْثِي وَآخُذُ بَعْثَكَ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ: مَاحُوزٍ إلَى مَاحُوزٍ أَيْ مِنْ نَاحِيَةٍ إلَى نَاحِيَةٍ، قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَالطَّوِيُّ الْمُبَادَلَةُ، انْتَهَى.
وَجُدَّةُ هِيَ الْآنَ سَاحِلُ مَكَّةَ الْأَعْظَمُ، وَعُثْمَانُ - ﵁ - أَوَّلُ مَنْ جَعَلَهَا سَاحِلًا بَعْدَ أَنْ شَاوَرَ النَّاسَ فِي ذَلِكَ لَمَّا سُئِلَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَكَانَتْ الشُّعْبِيَّةُ سَاحِلَ مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ فِي تَارِيخِهِ عَنْ الْفَاكِهِيِّ بِسَنَدِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَكَّةُ رِبَاطٌ وَجُدَّةُ جِهَادٌ» وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ إنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ يَكُونَ فَضْلُ رِبَاطِ جُدَّةَ عَلَى سَائِرِ الْمَرَابِطِ كَفَضْلِ مَكَّةَ عَلَى سَائِرِ الْبِلَادِ، وَعَنْ ضَوْءِ بْنِ فَخْرٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنَا فِي أَفْضَلِ الْمَجَالِسِ وَأَشْرَفِهَا، قَالَ: وَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ جُدَّةَ الصَّلَاةُ فِيهَا بِسَبْعَةَ عَشْرَ أَلْفَ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَالدِّرْهَمُ فِيهَا بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَأَعْمَالُهَا بِقَدْرِ ذَلِكَ، يُغْفَرُ لِلنَّاظِرِ مَدَّ بَصَرِهِ، قَالَ: قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ مِمَّا يَلِي الْبَحْرَ، قَالَ: مِمَّا يَلِي الْبَحْرَ، وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَنَا فَرْقَدٌ السِّنْجِيُّ بِجُدَّةِ، فَقَالَ: إنِّي رَجُلٌ أَقْرَأُ هَذِهِ الْكُتُبَ، وَإِنِّي لَأَجِدُ
[ ٣ / ٣٢٢ ]
فِيهَا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ مِنْ كُتُبِهِ جُدَّةُ أَوْ جَدِيدَةُ يَكُونُ بِهَا قَتْلَى وَشُهَدَاءُ لَا شَهِيدَ يَوْمئِذٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَفْضَلُ مِنْهُمْ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ: إنَّ الْحَبَشَةَ جَاءَتْ جُدَّةَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ فِي مَصْدَرِهَا فَوَقَعُوا بِأَهْلِ جُدَّةَ فَخَرَجَ النَّاسُ مِنْ مَكَّةَ إلَى جُدَّةَ وَأَمِيرُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ إبْرَاهِيمَ، فَخَرَجَ النَّاسُ غُزَاةً فِي الْبَحْرِ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا هُوَ أَخُو السَّفَّاحِ وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ وَلِيُّ مَكَّةَ لِلرَّشِيدِ بْنِ الْمَهْدِيِّ، وَعَلَى هَذَا فَسَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ الْمُشَارُ إلَيْهَا فِي هَذَا الْخَبَرِ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، انْتَهَى.
فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ النُّزُولَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ صَارَتْ جُدَّةُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ رِبَاطًا لِخَوْفِ نُزُولِ الْعَدُوِّ بِهَا خُصُوصًا فِي أَوَاخِرِ فَصْلِ الشِّتَاءِ وَأَوَائِلِ فَصْلِ الرَّبِيعِ عِنْدَ وُصُولِ مَرَاكِبِ الْهِنْدِ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ - خَذَلَهُمْ اللَّهُ - تَوَصَّلُوا إلَى بِلَادِ الْهِنْدِ فِي أَوَائِلِ هَذَا الْقَرْنِ وَأَوَاخِرِ الَّذِي قَبْلَهُ، ثُمَّ لَمْ يَزَالُوا يَسْتَوْلُونَ عَلَيْهِ حَتَّى اسْتَوْلَوْا عَلَى بِلَادٍ كَثِيرَةٍ مِنْهُ، ثُمَّ إنَّهُمْ خَذَلَهُمْ اللَّهُ قَصَدُوا إلَى جَدَّة فِي سَنَةِ تِسْعَةَ عَشْرَ وَتِسْعِمِائَةٍ وَوَصَلُوا إلَى سَاحِلٍ يُسَمَّى كَمَرَان مِنْ سَوَاحِلِ الْيَمَنِ بِالْقُرْبِ مِنْ جُدَّةَ وَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَنَزَلَ النَّاسُ إلَى جُدَّةَ، ثُمَّ إنَّهُمْ خَذَلَهُمْ اللَّهُ رَجَعُوا مِنْ كَمَرَان بَعْدَ أَنْ نَزَلُوا فِيهَا وَبَنَوْا بِهَا حِصْنًا لِوَخَمٍ أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ جَاءُوا فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَنَزَلُوا بِسَاحِلِ جُدَّةَ فِي ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ قِطْعَةً بَيْنَ غُرَابٍ وَبُرْشَةٍ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي عَشِيَّةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَادِسَ عَشْرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، أَوْ خَامِسَ عِشْرِينِهِ، وَحَصَلَ لِلنَّاسِ وَجَلٌ عَظِيمٌ وَأَيْقَنُوا بِالْأَخْذِ، وَنَزَلَ النَّاسُ إلَى جِدَّةَ وَأَتَوْا إلَيْهَا مِنْ الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَغَيْرِهَا، لَكِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَمْ يُصَلُّوا إلَّا بَعْدَ أَنْ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ، وَكَانَ اجْتَمَعَ بِجُدَّةِ قَبْلَ وُصُولِهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ؛ لِأَنَّ النَّاسَ سَمِعُوا بِهِمْ قَبْلَ وُصُولِهِمْ بِمُدَّةٍ وَحَصَّنَ النَّاسُ جُدَّةَ بِالْمَدَافِعِ
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْقَى فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ وَحَبَسَهُمْ عَنْ النُّزُولِ إلَى الْبَرِّ بِمَا حَبَسَ بِهِ الْفِيلَ فَلَمْ يَنْزِلُوا وَلَمْ يُقَاتِلُوا وَأَقَامُوا نَحْوَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ إنَّهُمْ رَجَعُوا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ فَتَلَا النَّاسُ هَذِهِ الْآيَةَ كَأَنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] ثُمَّ إنَّهُمْ تَشَتَّتُوا وَتَفَرَّقُوا وَأَهْلَكَهُمْ اللَّهُ وَأَدْرَكَهُمْ الْأَمِيرُ سَلْمَانُ أَمِيرُ جُدَّةَ وَغَنِمَ مِنْهُمْ غُرَابًا وَأَخَذَهُ وَأَسَرَ مَنْ فِيهِ، وَاتَّفَقَ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ جُدَّةَ أَنْ تَأَخَّرَ مِنْهُمْ غُرَابٌ فَأَرَادَ الْأَمِيرُ سَلْمَانُ إدْرَاكَهُ فَنَزَلَ إلَيْهِ فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ رَجَعَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ نَحْوُ عَشْرَةِ أَغْرِبَةٍ، فَقَصَدَهُمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ خَوْفَ أَنْ يَظْفَرُوا بِهِ، فَقَدَّرَ أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا عَلَى الْكَفَرَةِ مِدْفَعًا فَرَجَعَ عَلَيْهِمْ وَأَحْرَقَ شِرَاعَهُمْ وَأَحْرَقَ بَعْضَهُمْ رَأَيْتُ مِنْهُمْ نَحْوَ الثَّلَاثَةِ مُحْرَقِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْأَمِيرُ ذَلِكَ رَجَعَ بِسُرْعَةٍ إلَى جُدَّةَ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ، وَشَنَقَ الَّذِي أَطْلَقَ الْمِدْفَعَ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: إنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَيُقَالُ إنَّ إسْلَامَهُ فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ رَآهُمْ النَّاسُ مِنْ بَعْدُ قُرْبِ الْبَرِّ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَزَلُوا إلَى الْبَرِّ فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ وَسَارُوا إلَى الْقُرْبِ مِنْهُمْ، فَلَمْ يَنْزِلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَخْذُلَهُمْ وَيَكُفَّ شَرَّهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ آمِينَ وَدَهْلَكُ الْمَذْكُورَةُ قَالَ عِيَاضٌ: بِفَتْحِ الدَّالِ اسْمُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ السُّودَانِ وَبِهِ سُمِّيَ الْبَلَدُ، وَهُوَ جَزِيرَةُ سَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ، قَالَ وَتِلْكَ النَّاحِيَةُ أَقْصَى تِهَامَةِ الْيَمَنِ، قَالَ عِيَاضٌ: دَهْلَكٌ أَقْدَمُ مِنْ الزَّمَنِ الَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ مَالِكٌ، انْتَهَى.
وَلَمْ أَقِفْ عَلَى حَقِيقَةِ ذَلِكَ مَا هُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ أَتَوْا إلَى قُرْبِ جُدَّةَ وَرَجَعُوا مَخْذُولِينَ، ثُمَّ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أُشِيعَ أَنَّهُمْ وَاصِلُونَ إلَى جُدَّةَ، وَتَتَابَعَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ إلَى رَابِعِ جُمَادَى الْأَخِيرَةِ، فَجَاءَ الْخَبَرُ بِأَنَّهُ مَرَّ بَعْضُ الْجُلَّابِ عَلَى مَوَاضِعَ قَرِيبَةٍ مِنْ جُدَّةَ وَسَمِعَ مَدَافِعَ كَثِيرَةً فِيهِ فَمَا شَكَّ النَّاسُ أَنَّهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْكَفَرَةُ وَأَنَّهُمْ وَاصِلُونَ فِي الْقُرْبِ، فَبَادَرَ النَّاسُ إلَى
[ ٣ / ٣٢٣ ]
النُّزُولِ إلَى جُدَّةَ وَإِلَى تَحْصِينِهَا بِالْمَدَافِعِ وَالْآلَاتِ وَأَقَامُوا بِهَا مُدَّةً، ثُمَّ لَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ خَبَرٌ وَلَمْ يَأْتِ مِنْهُمْ أَحَدٌ بَعْدَ تِلْكَ السَّنَةِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، غَيْرَ أَنَّهُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ يُذْكَرُ أَنَّ بَعْضَ مَرَاكِبَ مِنْهُمْ فِي الْبَحْرِ فِي طَرِيقِ عَدَنَ وَسَوَاحِلِ الْيَمَنِ إلَى سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ، فَجَاءَ مِنْهُمْ بَعْضُ أَغْرِبَةٍ فِي تِلْكَ السَّنَةِ إلَى أَنْ وَصَلُوا إلَى سَاحِلِ جُدَّةَ، وَأَخَذُوا بَعْضَ الْجُلَّابِ الْوَاصِلَةِ إلَى جُدَّةَ مِنْ الشَّامِ وَمَنْ الْيَمَنِ، وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْحُجَّاجِ فَكَّ اللَّهُ أَسْرَهُمْ وَنَصَرَ الْمُسْلِمِينَ وَأَلْهَمَهُمْ رُشْدَهُمْ وَخَذَلَ الْكَفَرَةَ وَرَدَّ كَيْدَهُمْ فِي نَحْرِهِمْ آمِينَ آمِينَ
ص (إلَّا الْمُتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مُعَيَّنٍ فَالْجَمِيعُ)
ش: ذَكَرَ هَذَا الْفَرْعَ فِي النَّوَادِرِ، وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْهَا، وَذَكَرَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ مِنْ النُّكَتِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ قَالَ عَنْهُ وَيُتْرَكُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ كَمَا يُتْرَكُ لِمَنْ فَلَّسَ وَأَخِذَ مَالُهُ مَا يَعِيشُ بِهِ هُوَ وَأَهْلُهُ الْأَيَّامَ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي أَوْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ أَوْ أَكْثَرُ، فَلْيُخْرِجْ جَمِيعَ مَا سَمَّى مَا لَمْ يَقُلْ مَالُهُ كُلُّهُ، انْتَهَى.
وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ حَيْثُ أَبْقَى لِنَفْسِهِ شَيْئًا لَزِمَهُ مَا نَذَرَ وَحَيْثُ لَمْ يُبْقِ لَزِمَهُ الثُّلُثُ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ إذَا نَذَرَ جَمِيعَهُ لِشَخْصٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لَهُ مُعَيَّنٌ يُطَالِبُ بِهِ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ فِيمَا إذَا نَذَرَ شَيْئًا مُعَيَّنًا وَكَانَ ذَلِكَ جَمِيعَ مَالِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَبْقَى شَيْئًا، وَلَوْ ثِيَابَ بَدَنِهِ وَمَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مِنْ الْمَالِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
. ص (وَكَرَّرَ إنْ أَخْرَجَ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا حَلَفَ بِمَالِهٍ وَأَخْرَجَ ثُلُثَهُ، ثُمَّ حَلَفَ بِمَالِهِ، فَإِنَّهُ يُكَرِّرُ إخْرَاجَ ثُلُثِهِ وَكَذَلِكَ ثَالِثًا وَرَابِعًا، هَذَا إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ الثَّانِيَةُ وَحِنْثُهَا بَعْدَ الْحِنْثِ وَالْإِخْرَاجِ، فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ وَحِنْثُهُ بَعْدَ الْحِنْثِ فِي الْأُولَى وَقَبْلَ الْإِخْرَاجِ فَفِيهَا قَوْلَانِ، وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ الثَّانِيَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ وَالْإِخْرَاجِ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اخْتَلَفَ نَظَرُ الشُّيُوخِ هَلْ يَجْرِي فِيهِ الْقَوْلَانِ أَوْ لَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ الْقَوْلَانِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْبَاجِيُّ، وَإِذَا قُلْنَا يَكْفِي ثُلُثٌ وَاحِدٌ، فَقَالَ: يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ سَوَاءٌ كَانَتْ أَيْمَانُهُ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ أَوْ أَيْمَانٍ مُخْتَلِفَةٍ فَحَنِثَ فِيهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ حَنِثَ فِيهَا حِنْثًا بَعْدَ حِنْثٍ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَلَوْ كَرَّرَهُ قَبْلَ حِنْثِهِ فَفِي لُزُومِ ثُلُثٍ وَاحِدٍ لِجَمِيعِ الْأَيْمَانِ، وَلَوْ اخْتَلَفَتْ وَتَعَدَّدَتْ أَوْقَاتُهَا أَوْ أَوْقَاتُ حِنْثِهَا حَنِثَ فِي بَعْضِهَا فَأَخْرَجَ ثُلُثَهُ، ثُمَّ حَنِثَ فِي بَقِيَّتِهَا كَتَكَرُّرِهَا بِعِتْقِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ لِأَوَّلِ حِنْثِهِ ثُلُثُهُ، وَلِثَانِيهِ ثُلُثُ مَا بَقِيَ نَقْلًا ابْنُ رُشْدٍ عَنْ سَمَاعِ يَحْيَى بْنِ الْقَاسِمِ قَائِلًا: كَانَتْ أَيْمَانُهُ فِي أَيَّامٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَوْ غَيْرِ مُتَفَرِّقَةٍ أَوْ كَانَ حِنْثُهُ كَذَلِكَ وَعَنْ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مُحْتَمَلًا كَوْنُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ لِابْنِ كِنَانَةَ، انْتَهَى.
ص (وَمَا سَمَّى، وَإِنْ مُعَيَّنًا أَتَى عَلَى الْجَمِيعِ)
ش: وَفِي مَسَائِلِ الْقَابِسِيِّ فِيمَنْ حَلَفَ بِصَدَقَةِ رَبْعِهِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ ثَمَنِ الرَّبْعِ مَا يَحُجُّ بِهِ نَفَقَةً بِلَا تَرَفُّهٍ، وَلَا إسْرَافٍ، وَلَا هَدِيَّةٍ، وَلَا تَفَضُّلٍ عَلَى أَحَدٍ، وَمَا فَضَلَ مِنْ ثَمَنِهِ تَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَاتُ أَيْمَانٍ تَسْتَغْرِقُ ثَمَنَ الرَّبْعِ الَّذِي حَلَفَ بِصَدَقَتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِكَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ، وَلَا تُؤَخَّرُ فَمَا فَضَلَ عَنْهَا كَانَ فِي الْيَمِينِ بِالصَّدَقَةِ، وَإِنْ أَيْسَرَ قَبْلَ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ فَكَفَّارَةُ الْأَيْمَانِ فِي يُسْرِهِ، وَالرَّبْعُ يُصْرَفُ فِي يَمِينِهِ الَّتِي حَلَفَ، انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْإِنْسَانِ إلَّا قُوتُ يَوْمِ الْفِطْرِ وَقَدْ نَذَرَ إخْرَاجَهُ]
(مَسْأَلَةٌ) إذَا
[ ٣ / ٣٢٤ ]
لَمْ يَكُنْ لِلْإِنْسَانِ إلَّا قُوتُ يَوْمِ الْفِطْرِ لَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَلَوْ نَذَرَ إخْرَاجَهُ لَزِمَهُ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فِي قَوْلِهِ: وَفِي رُكُوبِهَا الْبَحْرَ وَالْمَشْيِ الْبَعِيدِ.
ص (كَهَدْيٍ)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا نَذَرَ هَدْيَ شَيْءٍ مِمَّا يُهْدَى كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَكَانَ يُمْكِنُ وُصُولُهُ لَزِمَهُ إرْسَالُهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وُصُولُهُ بِيعَ وَعَوَّضَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ، فَإِنْ ابْتَاعَهَا مِنْ مَكَّةَ فَلْيُخْرِجْهَا إلَى الْحِلِّ ثُمَّ يُدْخِلْهَا إلَى الْحَرَمِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ يَشْتَرِي مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يَبْلُغُهُ لَا يُؤَخِّرُ إلَى مَوْضِعٍ أَغْلَى إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَسُوقُهُ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَخِّرَ إلَى مَكَّةَ، وَلَوْ وَجَدَ مِثْلَ الْأَوَّلِ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ لَمْ يُؤَخِّرْ لِأَفْضَلَ مِنْهُ بِمَكَّةَ.
(قُلْتُ) فِيهَا لِمَالِكٍ يَشْتَرِي بِثَمَنِ الشَّاةِ شَاةً بِمَكَّةَ، وَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَا لَا يَصِلُ مِنْ إبِلٍ يَشْتَرِي بِثَمَنِهَا مِنْ الْمَدِينَةِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ حَيْثُ أَحَبَّ، وَلَهُ أَيْضًا فِيمَا لَا يَبْلُغُ مِنْ بَقَرٍ يَشْتَرِي بِثَمَنِهَا هَدْيًا مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ وَيُجْزِئُهُ عِنْدَ مَالِكٍ مِنْ مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ مِنْ حَيْثُ أَحَبَّ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ، انْتَهَى.
ص (وَلَوْ مَعِيبًا عَلَى الْأَصَحِّ)
ش: أَيْ يَلْزَمُ بَعْثُ الْهَدْيِ، وَلَوْ كَانَ مَعِيبًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَانْظُرْ مَنْ صَحَّحَهُ، وَظَاهِرُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَوِّضَهُ بِالسَّلِيمِ إذَا عَيَّنَهُ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ فَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ السَّلِيمُ، وَإِذَا قُلْنَا يَلْزَمُ بَعْثُ الْمَعِيبِ وَتَعَذَّرَ وُصُولُهُ وَبَاعَهُ فَهَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ شِرَاءُ السَّلِيمِ أَمْ لَا؟ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ السَّلِيمُ.
ص (وَلَهُ فِيهِ إذَا بِيعَ الْإِبْدَالُ بِالْأَفْضَلِ) ش الضَّمِيرُ فِي فِيهِ يَتَعَيَّنُ رَدُّهُ إلَى قَوْلِهِ: كَهَدْيٍ يَعْنِي أَنَّهُ لَهُ فِيهِ خَاصَّةً إبْدَالُهُ بِالْأَفْضَلِ، بِخِلَافِ الْفَرَسِ وَالسِّلَاحِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ إذَا لَمْ يَصِلْ غَيْرُ جِنْسِهِ مِنْ سِلَاحٍ وَكُرَاعٍ، وَلَوْ كَانَ الِاحْتِيَاجُ إلَى الْغَيْرِ أَكْثَرَ، انْتَهَى.
. ص (، وَإِنْ كَانَ كَثَوْبٍ بِيعَ وَكُرِهَ بَعْثُهُ وَأُهْدِيَ بِهِ)
ش: أَيْ فَإِنْ كَانَ مَا نَذَرَهُ هَدْيًا مِمَّا لَا يُهْدَى، مِثْلُ الثَّوْبِ وَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ بَاعَهُ وَعَوَّضَ بِثَمَنِهِ هَدْيًا، فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ وَبَعَثَهُ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ وَبَاعَهُ وَأَهْدَى بِهِ، فَقَوْلُهُ: وَأَهْدَى بِهِ يَعْنِي، فَإِنْ فَعَلَ الْمَكْرُوهَ وَبَعَثَهُ بِيعَ هُنَاكَ وَاشْتُرِيَ بِهِ هَدْيٌ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَهَلْ اُخْتُلِفَ هَلْ يُقَوِّمُهُ إلَخْ)
ش: مَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ بَهْرَامُ هُوَ
[ ٣ / ٣٢٥ ]
الظَّاهِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (فَإِنْ عَجَزَ عَوَّضَ الْأَدْنَى)
ش: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَيْ فَإِنْ قَصُرَ الثَّمَنُ فِي مَسْأَلَةِ الْهَدْيِ وَالْجِهَادِ عَنْ شِرَاءِ الْمِثْلِ فَإِنَّهُ يُعَوِّضُ الْأَدْنَى ابْنُ هَارُونَ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ اهـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَمَا الْتَزَمَ إخْرَاجَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِمَّا يَصْلُحُ بِعَيْنِهِ لِلْجِهَادِ أَوْ حَلَفَ بِهِ كَالْهَدْيِ فِي إخْرَاجِ عَيْنِهِ أَوْ ثَمَنِهِ إنَّ تَعَذَّرَ وُصُولُهُ لِمَحَلِّهِ، إلَّا إنَّهُ لَا يَشْتَرِي بِثَمَنِهِ إلَّا مِثْلَهُ لِاخْتِلَافِ الْمَنَافِعِ فِيهِ التُّونُسِيُّ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ مِثْلَهُ اشْتَرَى بِهِ أَقْرَبَ غَيْرِهِ إلَيْهِ، فَإِنْ قَصُرَ عَنْهُ فَكَمَا لَا يَصْلُحُ فِيهَا كَعَبْدِهِ يَبِيعُهُ وَيَدْفَعُ ثَمَنَهُ مَنْ يَغْزُو بِهِ مِنْ مَوْضِعِهِ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا بَعَثَ بِهِ إلَيْهِ، انْتَهَى.
فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ عَجَزَ يَعْنِي، فَإِنْ عَجَزَ ثَمَنُ مَا نَذَرَ أَنَّهُ هَدْيٌ وَلَمْ يُمْكِنْ وُصُولُهُ، وَلَا ثَمَنُ مَا نَذَرَ فِي السَّبِيلِ مِمَّا لَمْ يَصِلْ أَيْضًا أَوْ ثَمَنُ مَا لَا يُهْدَى عَنْ أَعْلَى الْهَدْيِ عَوَّضَ الْأَدْنَى، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ مِنْ أَدْنَى الْهَدْيِ وَهُوَ شَاةٌ، فَإِنَّهُ يُدْفَعُ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ
ص (ثُمَّ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُصْرَفُ فِيهَا إنْ احْتَاجَتْ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ وَأَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ؛ لِأَنَّهُ وِلَايَةٌ مِنْهُ - ﵊ -)
ش: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا عَجَزَ ثَمَنُ مَا لَا يُهْدَى عَنْ قِيمَةِ أَدْنَى الْهَدْيِ، وَهُوَ الشَّاةُ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُصْرَفُ فِيهَا إنْ احْتَاجَتْ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ ثَمَنَ هَدْيٍ وَأَدْنَاهُ شَاةٌ أَوْ فَضُلَ مِنْهُ مَا لَا يَبْلُغُ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ يَبْعَثُهُ إلَى خَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُنْفَقُ عَلَيْهَا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيْثُ شَاءَ، وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ قَوْلَ مَالِكٍ بِأَنَّ الْكَعْبَةَ لَا تُنْقَضُ فَتُبْنَى، وَلَا يَكْسُوهَا إلَّا الْمُلُوكُ، وَيَأْتِيهَا مِنْ الطَّيِّبِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَمَكَانِسُهَا خُوصٌ لَا تُسَاوِي إلَّا مَا لَا بَالَ لَهُ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ تَأْكُلَهُ الْحَجَبَةُ، وَلَيْسَ مِنْ قَصْدِ النَّاذِرِ فِي شَيْءٍ، لَكِنْ وَقَعَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ مَا يُزِيلُ هَذَا الْإِشْكَالَ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: يُنْفَقُ عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ تَحْتَجْ الْكَعْبَةُ إلَيْهِ تَصَدَّقَ بِهِ، وَسَاقَهُ ابْنُ يُونُسَ عَلَى أَنَّهُ تَفْسِيرٌ، وَنَبَّهَ الْمُصَنِّفُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إنْ احْتَاجَتْ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ.
، ثُمَّ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَأَعْظَمَ مَالِكٌ إلَخْ إلَى مَسْأَلَةٍ تَتَعَلَّقُ بِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ، وَلَيْسَتْ مِنْ بَابِ النُّذُورِ، وَلَكِنْ ذَكَرَهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيهِ فَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ
(وَلَمَّا تَعَرَّضَ الْمُصَنِّفُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ نَبْسُطَ الْقَوْلَ فِيهَا وَنَذْكُرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْمَسَائِلِ وَالْأَحْكَامِ تَتْمِيمًا لِلْفَائِدَةِ إذْ لَيْسَ لَهَا مَحَلٌّ غَيْرُ هَذَا) فَأَقُولُ: الْخَزَنَةُ جَمْعُ خَازِنٍ، وَخَزَنَةُ الْكَعْبَةِ هُمْ بَنُو شَيْبَةَ يُقَالُ لَهُمْ: خَزَنَةٌ وَسَدَنَةٌ وَحَجَبَةٌ، مَنْصِبُهُمْ يُقَالُ لَهُ: حِجَابَةٌ وَسِدَانَةٌ وَخِزَانَةٌ بِكَسْرِ الْخَاءِ، قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الْبَابِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ كِتَابِ الْقُرْبَى: الْحِجَابَةُ مَنْصِبُ بَنِي شَيْبَةَ وَلَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إيَّاهَا كَمَا وَلَّى السِّقَايَةَ لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ - ﵁ -، وَصَحَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَلَا إنَّ كُلَّ مَأْثُرَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهِيَ تَحْتَ قَدَمِي إلَّا سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَسِدَانَةَ الْبَيْتِ» وَالْمَأْثُرَةُ: الْمَكْرُمَةُ وَالْمَفْخَرَةُ الَّتِي تُؤْثَرُ عَنْهُمْ أَيْ تُرْوَى عَنْهُمْ وَتُذْكَرُ، وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إسْقَاطُهَا وَحَطُّهَا إلَّا هَاتَيْنِ الْمَأْثُرَتَيْنِ، وَسِدَانَةُ الْبَيْتِ خِدْمَتُهُ وَتَوَلِّي أَمْرِهِ وَفَتْحُ بَابِهِ وَإِغْلَاقُهُ، يُقَالُ: سَدَنَ يَسْدُنُ فَهُوَ سَادِنٌ وَالْجَمْعُ سَدَنَةٌ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ قَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ: ائْتِ بِالْمِفْتَاحِ.
قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيَّ، وَقَالَ: خُذُوهَا يَا بَنِي أَبِي طَلْحَةَ خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلَّا ظَالِمٌ، ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ يَزَلْ عُثْمَانُ يَلِي الْبَيْتَ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ، فَدَفَعَ ذَلِكَ إلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ فَبَقِيَتْ الْحِجَابَةُ فِي بَنِي شَيْبَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَفَعَ الْمِفْتَاحَ يَوْمَ الْفَتْحِ إلَى عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَإِلَى ابْنِ عَمِّهِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَقَالَ: خُذُوهَا خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلَّا ظَالِمٌ قَالَ، ثُمَّ نَزَلَ عُثْمَانُ الْمَدِينَةَ فَأَقَامَ بِهَا إلَى أَنْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى مَكَّةَ فَسَكَنَهَا حَتَّى مَاتَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - سَنَةَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: قُتِلَ بِأَجْنَادِينَ، ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ الْوَاحِدِيِّ أَنَّ أَخْذَ الْمِفْتَاحِ مِنْ عُثْمَانَ وَرَدَّهُ إلَيْهِ وَنُزُولَ الْآيَةِ بِالْأَمْرِ بِرَدِّهِ
[ ٣ / ٣٢٦ ]
كَانَ عُثْمَانُ كَافِرًا، انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ، وَأَجْنَادِينُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسِرُهَا، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالشَّامِ كَانَتْ بِهِ وَقْعَةٌ مَشْهُورَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ فِي تَرْجَمَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَسْلَمَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَشَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ وَدَفَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ إلَيْهِ وَإِلَى ابْنِ عَمِّهِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ «وَقَالَ: خُذُوهَا يَا بَنِي أَبِي طَلْحَةَ خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلَّا ظَالِمٌ» وَنَزَلَ عُثْمَانُ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ مَكَّةَ وَرَوَى عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - وَتُوُفِّيَ بِمَكَّةَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: قُتِلَ يَوْم أَجْنَادِينَ وَقُتِلَ أَبُو طَلْحَةَ وَعَمُّهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ يَوْمَ أُحُدٍ كَافِرَيْنِ، وَذَكَرَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي آخِرِ كَلَامِ الْوَاحِدِيِّ أَنَّهُ جَاءَ جِبْرِيلُ وَقَالَ: مَا دَامَ هَذَا الْبَيْتُ، فَإِنَّ الْمِفْتَاحَ وَالسِّدَانَةَ فِي أَوْلَادِ عُثْمَانَ، زَادَ الْوَاحِدِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ: وَهُوَ الْيَوْمَ فِي أَيْدِيهمْ، وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: وَقَوْلُهُ: خَالِدَةً تَالِدَةً، لَعَلَّهُ مِنْ التَّالِدِ، وَهُوَ الْمَالُ الْقَدِيمُ، أَيْ أَنَّهَا لَكُمْ مِنْ أَوَّلُ وَمِنْ آخِرُ، أَوْ يَكُونُ أَتْبَاعًا لِخَالِدَةٍ بِمَعْنَاهَا، قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْزِعَهَا مِنْهُمْ، قَالُوا: وَهِيَ وِلَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَأَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ، قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ قُلْتُ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ هَذَا إذَا حَافَظُوا عَلَى حُرْمَتِهِ، وَلَازَمُوا فِي خِدْمَتِهِ الْأَدَبَ، أَمَّا إذَا لَمْ يَحْفَظُوا حُرْمَتَهُ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ عَلَيْهِمْ مُشْرِفٌ يَمْنَعُهُمْ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ، وَرُبَّمَا تَعَلَّقَ الْعِنِّينُ الرَّأْيَ الْمَعْكُوسُ الْفَهْمِ بِقَوْلِهِ - ﷺ - وَكُلُوا بِالْمَعْرُوفِ فَاسْتَبَاحَ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى دُخُولِ الْبَيْتِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ مِنْ أَشْنَعِ الْبِدَعِ وَأَقْبَحِ الْفَوَاحِشِ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ إنْ صَحَّتْ فَيُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى إقَامَةِ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْأُجْرَةِ لَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَإِنَّمَا الْإِشَارَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَى مَا يَقْصِدُونَ بِهِ مِنْ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّرِ، فَلَهُمْ أَخْذُهُ، وَذَلِكَ أَكْلٌ بِالْمَعْرُوفِ لَا مَحَالَةَ، أَوْ إلَى مَا يَأْخُذُونَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى مَا يَتَوَلَّوْنَهُ مِنْ خِدْمَتِهِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ مِنْهُ إلَّا قَدْرُ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ، انْتَهَى.
وَنَقَلَ الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ الْفَاسِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي شِفَاءِ الْغَرَامِ بِأَخْبَارِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ فِي الْبَابِ الثَّامِنِ مِنْهُ كَلَامَ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ مُخْتَصَرًا.
(قُلْتُ) وَمَا ذَكَرَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ مِنْ أَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، لَا كَمَا يَعْتَقِدُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ فِي الْبَيْتِ الشَّرِيفِ مَا شَاءُوا، فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ نَزْعُ الْمِفْتَاحِ مِنْهُمْ، وَأَمَّا إجْرَاءُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَيْهِمْ وَمَنْعُهُمْ مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ انْتِهَاكٌ لِحُرْمَةِ الْبَيْتِ أَوْ قِلَّةُ أَدَبٍ، فَهَذَا وَاجِبٌ لَا يُخَالِفُ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَحْرِيمِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى فَتْحِ الْبَيْتِ ظَاهِرٌ أَيْضًا لَا شَكَّ فِيهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ أَخْذَ الْأُجْرَةِ إنَّمَا يَجُوزُ عَلَى مَا يَخْتَصُّ الْإِنْسَانُ بِمَنْفَعَتِهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، وَالْبَيْتُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدٌ دُونَ أَحَدٍ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى فَتْحِهِ، وَإِنَّمَا لَهُمْ الْوِلَايَةُ عَلَى فَتْحِهِ وَإِغْلَاقِهِ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِفَتْحِهِ فِيهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ إغْلَاقُهُ وَمَنْعُ النَّاسِ مِنْهُ دَائِمًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ حُكْمَ فَتْحِ الْمَقَامِ وَأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ كَذَلِكَ وَلَمْ أَقِفْ لِأَحَدٍ فِي ذَلِكَ عَلَى كَلَامٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ عَادَةُ الشَّيْبِيِّينَ تَقْدِيمِ الْأَكْبَرِ فَالْأَكْبَرِ فِي كَوْنِ مِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ عِنْدَهُ]
(مَسْأَلَةٌ) جَرَتْ عَادَةُ الشَّيْبِيِّينَ فِي زَمَانِنَا وَقَبْلَهُ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ بِتَقْدِيمِ الْأَكْبَرِ مِنْهُمْ فَالْأَكْبَرِ فِي السِّنِّ فِي كَوْنِ الْمِفْتَاحِ عِنْدَهُ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَفَعَ الْمِفْتَاحَ إلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ مَعَ وُجُودِ ابْنِ عَمِّهِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ وَلِيَ شَيْبَةُ الْمِفْتَاحَ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ شَأْنَ وُلَاةِ الْبَيْتِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ: فَوُلِّيَتْ خُزَاعَةُ الْبَيْتَ يَتَوَارَثُونَ ذَلِكَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ حَتَّى كَانَ آخِرُهُمْ خَلِيلَ بْنَ حُبَشْيَةَ الْخُزَاعِيَّ وَالدَّحْبِيَّ زَوْجَةَ قُصَيٍّ الَّذِي وَرِثَ مِنْهُ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ الْمَرْوِيَّةِ
[ ٣ / ٣٢٧ ]
وَخَلَّفَهُ عَلَيْهِ أَكْبَرُ بَنِيهِ عَبْدُ الدَّارِ، فَكَانَ فِيهِ، وَفِي وَلَدِهِ إلَى وَقْتِ فَتْحِ مَكَّةَ فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعِزِّي بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنُ قُصَيٍّ الْقُرَشِيُّ الْعَبْدَرِيُّ وَرَدَّهُ إلَيْهِ - ﷺ - فِي يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وَفِي كَلَامِ ابْنِ جُبَيْرٍ فِي رِحْلَتِهِ، وَفِي كَلَامِ الْفَاسِيِّ فِي عَقْدِهِ مَا يَقْتَضِي اخْتِلَالَ هَذِهِ الْعَادَةِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِتَعَدٍّ مِنْ بَعْضِ الْوُلَاةِ أَوْ لِسَبَبٍ اقْتَضَى ذَلِكَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمَا، وَقَالَ الْأَزْرَقِيُّ فِي مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ: فَخَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ إلَى هِجْرَتِهِ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَقَامَ ابْنُ عَمِّهِ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ فَلَمْ يَزَلْ يَحْجُبُ هُوَ وَوَلَدُهُ وَوَلَدُ أَخِيهِ وَهْبِ بْنِ عُثْمَانَ حَتَّى قَدِمَ وَلَدُ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ وَوَلَدُهُ مُسَافِعُ بْنُ طَلْحَةَ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَكَانُوا بِهَا دَهْرًا طَوِيلًا فَلَمَّا قَدِمُوا حَجَبُوا مَعَ بَنِي عَمِّهِمْ فَوَلَدُ أَبِي طَلْحَةَ جَمِيعًا يَحْجُبُونَ، انْتَهَى.
فَهَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَحْجُبُونَ جَمِيعًا وَكَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يُشِيرُ بِهِ إلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّهُمْ إذَا فَتَحُوا الْبَيْتَ جَلَسُوا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَلِّي لِلْفَتْحِ مِنْهُمْ هُوَ الْأَكْبَرُ، وَإِلَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحِجَابَةِ، فَإِنَّ بَنِي شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ مَنَعُوا أَوْلَادَ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ مِنْ الْحِجَابَةِ كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ الْفَاكِهِيُّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ وَنَصُّهُ: قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ الْمَكِّيِّينَ يَقُولُ: إنَّ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ خَرَجَ إلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرًا وَدَفَعَ الْمِفْتَاحَ إلَى ابْنِ عَمِّهِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَزَلْ وَلَدُ شَيْبَةَ يَحْجُبُونَ وَوَلَدُ عُثْمَانَ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ أَبِي جَعْفَرٍ انْتَقَلَ وَلَدُ عُثْمَانَ إلَى مَكَّةَ فَدَفَعَهُمْ وَلَدُ شَيْبَةَ عَنْ الْحِجَابَةِ فَرَكِبُوا إلَى أَبِي جَعْفَرٍ فَأَعْلَمُوهُ، فَكَتَبَ إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ يَسْأَلُهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - دَفَعَ الْمِفْتَاحَ إلَى عُثْمَانَ فَادْفَعْهُ إلَى وَلَدِهِ، فَدَفَعَهُ إلَى وَلَدِ عُثْمَانَ فَدَفَعُوا وَلَدَ شَيْبَةَ عَنْ الْحِجَابَةِ، فَرَكِبُوا إلَى أَبِي جَعْفَرٍ فَأَعْلَمُوهُ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ يَشْهَدُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «خُذُوهَا يَا بَنِي أَبِي طَلْحَةَ خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَظْلِمُكُمْ عَلَيْهَا إلَّا ظَالِمٌ، وَإِنَّ الْحِجَابَةَ إلَى وَلَدِ أَبِي طَلْحَةَ» فَكَتَبَ إلَى عَامِلِهِ إنْ شَهِدَ ابْنُ جُرَيْجٍ بِذَلِكَ، فَأَدْخَلَ بَنِي شَيْبَةَ وَوَلَدَ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْحِجَابَةِ، فَشَهِدَ ابْنُ جُرَيْجٍ عِنْدَ الْعَامِلِ عَلَى ذَلِكَ فَجَعَلَ الْحِجَابَةُ لَهُمْ كُلِّهِمْ جَمِيعًا، انْتَهَى.
وَانْظُرْ إذَا اخْتَلَفُوا هَلْ يُقْضَى لَهُمْ بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ مِنْ تَقَدُّمِ الْأَكْبَرِ فَالْأَكْبَرِ أَمْ لَا، وَرُبَّمَا كَانَ الْأَكْبَرُ غَيْرَ مَرَضِيِّ الْحَالِ، لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
(قُلْتُ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقْضَى لَهُمْ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْبَرُ غَيْرَ مَرَضِيِّ الْحَالِ فَيُجْعَلُ مَعَهُ مُشْرِفًا، أَمَّا الْقَضَاءُ لَهُمْ بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ فَتَشْهَدُ لَهُ مَسَائِلُ، مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ فَرْحُونٍ إنَّهُ إذَا جَرَتْ عَادَةُ وُلَاةِ الْوَقْفِ عَلَى أَمْرٍ فِي تَرْتِيبِهِ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ كِتَابُ وَقْفٍ أَنَّهُمْ يُحْمَلُونَ عَلَى عَادَتِهِمْ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِيمَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي صَحْرَاءَ: أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى تَرْوِي مَاشِيَتُهُ، قَالَ: وَلَا تُبَاعُ وَلَا تُورَثُ عَلَى وَجْهِ الْمِلْكِ إلَّا أَنَّ الْوَرَثَةَ يَتَنَزَّلُونَ مَنْزِلَةَ مُوَرِّثِهِمْ فِي التَّبْدِئَةِ، قَالَ: فَإِنْ تَشَاحَّ أَهْلُ الْبِئْرِ فِي التَّبْدِئَةِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ كَانَتْ لَهُمْ سُنَّةٌ مِنْ تَقْدِيمِ ذِي الْمَالِ الْكَثِيرِ أَوْ قَوْمٍ عَلَى قَوْمٍ أَوْ كَبِيرٍ عَلَى صَغِيرٍ حُمِلُوا عَلَيْهَا وَإِلَّا اسْتَهَمُوا، انْتَهَى.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ أَمْرٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِي الشَّرِيعَةِ فِي أَبْوَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ كَمَسْأَلَةِ اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ، فَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّهُ لِلنِّسَاءِ حُكِمَ بِهِ الْمَرْأَةُ، وَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ أَنَّهُ لِلرِّجَالِ حُكِمَ بِهِ لِلزَّوْجِ، وَإِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ سِكَكٌ مُخْتَلِفَةٌ وَلَمْ يَنْعَقِدْ النِّكَاحُ وَالْبَيْعُ عَلَى سِكَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْهَا فَيَقْضِي بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِالتَّعَامُلِ بِهِ غَالِبًا، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ، فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرَى إلَّا إذَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ مِثْلَ تِلْكَ السِّلْعَةِ لَا يَذْهَبُ بِهَا الْمُشْتَرِي حَتَّى يَدْفَعَ الثَّمَنَ فَيُحْكَمُ فِي ذَلِكَ بِالْعَادَةِ، وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَفَسَادِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ إلَّا إذَا غَلَبَ الْفَسَادُ فِي الْعَادَةِ فَيُحْكَمُ بِهِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَآجِرَانِ
[ ٣ / ٣٢٨ ]
فِي تَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ وَلَمْ يَكُنْ شَرْطٌ فَيُحْكَمُ بَيْنَهُمَا بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فِي ذَلِكَ، وَفِي بَابِ الْأَيْمَانِ مَسَائِلُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْبَابِ السَّابِعِ وَالْخَمْسِينَ مِنْ تَبْصِرَتِهِ مَسَائِلَ مُتَعَدِّدَةً مِنْ ذَلِكَ وَبَقِيَتْ مَسَائِلُ أُخَرُ غَيْرُ مَا ذُكِرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيهٌ الْحَجَبِيُّونَ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ مَنْسُوبُونَ إلَى حَجَبَةِ الْكَعْبَةِ]
(تَنْبِيهٌ عَلَى وَهْمٍ وَغَلَطٍ، رَأَيْتُ بِخَطِّ) بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مَنْقُولًا مِنْ كِتَابِ الْجَوْهَرِ الْمَكْنُونِ فِي الْقَبَائِلِ وَالْبُطُونِ لِلشَّرِيفِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْعَدَ الْجَوَّانِيِّ النَّسَّابَةِ مَا نَصُّهُ: الْحَجَبِيُّونَ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ مَنْسُوبُونَ إلَى حَجَبَةِ الْكَعْبَةِ قَدَّسَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَهُمْ وَلَدُ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ بْنِ كِلَابٍ، قَالَ الشَّيْخُ الشَّرِيفُ ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْحَسَنِيُّ النَّسَّابَةُ. وَقَالُوا: لَيْسَ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ بَقِيَّةُ دَرَجٍ عَقِبَهُمْ زَمَانَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ مَرْوَانَ فَوَرِثُوا كَلَالَةً، وَرِثَهُمْ تِسْعُ نَفَرٍ بِتَقْدِيمِ التَّاءِ بِالْقَعَدِ مِنْ قُصَيٍّ مِنْهُمْ عَلِيٌّ وَجَعْفَرٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَجَعْفَرٌ وَقُثَمُ وَالْعَبَّاسُ بَنُو تَمَّامِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ وَمُحَمَّدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدِ بْنِ ثُوَيْبِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ كُلُّ مَنْ يُدْعَى إلَى هَذَا الْبَطْنِ فَهُوَ فِي ضِحٍّ، انْتَهَى. قَالَ النَّاقِلُ: وَلِلشَّرِيفِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِ ذِكْرِ أَوَائِلِ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ وَالْيَمَنِ نَحْوُ ذَلِكَ، وَالضِّحُّ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: ضَوْءُ الشَّمْسِ فَكَأَنَّهُ يَعْنِي فِي أَمْرٍ بَيِّنٍ بُطْلَانُهُ مِثْلُ ضَوْءِ الشَّمْسِ.
(قُلْتُ) وَقَوَّى بَعْضُ النَّاسِ مَا ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ النَّسَّابَةُ بِمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ مُؤَرِّخُ مَكَّةَ قَدِيمًا وَنَقَلَهُ عَنْهُ مُؤَرِّخُهَا قَاضِي الْقُضَاةِ تَقِيُّ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَاسِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي عِدَّةٍ مِنْ تَوَارِيخِهِ مِنْ أَنَّ مُعَاوِيَةَ - ﵁ - أَجْرَى لِلْكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ وَظِيفَةَ الطِّيبِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَكَانَ يَبْعَثُ بِالْمِجْمَرِ وَالْخَلُوقِ فِي الْمَوْسِمِ وَفِي رَجَبٍ، وَأَخْدَمَهَا عَبِيدًا، ثُمَّ اتَّبَعَتْ ذَلِكَ الْوُلَاةُ بَعْدُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ) وَذَلِكَ كُلُّهُ وَهْمٌ وَغَلَطٌ، أَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ الشَّرِيفِ النَّسَّابَةِ فَمَرْدُودٌ بِنُصُوصِ عُلَمَاءِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ الَّذِينَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ - ﵀ - فِي كِتَابِ النُّذُورِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ إمَامِنَا إمَامِ دَارِ الْهِجْرَةِ مَالِكٍ - ﵁ -، وَنَصُّهُ: وَأَعْظَم مَالِكٌ أَنْ يُشْرَكَ مَعَ الْحَجَبَةِ فِي الْخِزَانَةِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ مِنْ النَّبِيِّ - ﷺ - إذْ دَفَعَ الْمِفْتَاحَ لِعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، انْتَهَى. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ: الْخِزَانَةُ بِكَسْرِ الْخَاءِ أَمَانَةُ الْبَيْتِ، انْتَهَى. فَالشَّرِيفُ النَّسَّابَةُ يَقُولُ: إنَّهُ دَرَجُ عَقِبِهِمْ فِي زَمَانِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقَدْ مَاتَ هِشَامٌ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَصَرِيحُ كَلَامِ مَالِكٍ أَنَّهُمْ مَوْجُودُونَ فِي زَمَنِهِ، وَقَدْ عَاشَ مَالِكٌ إلَى سَنَةِ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَدْرَكَ زَمَنَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَإِنَّهُ - ﵁ - وُلِدَ بَعْدَ التِّسْعِينَ فِي الْمِائَةِ الْأُولَى، وَخِلَافَةُ هِشَامٍ نَحْوُ الْعِشْرِينَ سَنَةً، فَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ هِشَامٍ لَمَا خَفِيَ عَلَى مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، فَلَا يَخْفَى عَلَى الْعَوَامّ فَضْلًا عَنْ الْعُلَمَاءِ، وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَتَنَازَعَتْ قُرَيْشٌ فِي ذَلِكَ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَنَقَلَ ذَلِكَ الْمُؤَرِّخُونَ فِي كُتُبِهِمْ، وَلَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْهُمْ بَلْ الْمَوْجُودُ فِي كَلَامِهِمْ خِلَافُهُ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَلَقَّى أَصْحَابُ مَالِكٍ جَمِيعُهُمْ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ بِالْقَبُولِ وَنَقَلُوهُ فِي مُتُونِهِمْ وَشُرُوحِهِمْ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، بَلْ نَقَلَ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَذْهَبِهِ وَتَلَقَّوْهُ كُلُّهُمْ بِالْقَبُولِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ أَبِي الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْفَاكِهِيِّ الْمَكِّيِّينَ مُؤَرِّخَيْ مَكَّةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ تَارِيخَيْهِمَا، فَمِنْ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِمَا إنَّ وَلَدَ عُثْمَانَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ دَهْرًا، ثُمَّ قَدِمُوا وَحَجَبُوا مَعَ بَنِي عَمِّهِمْ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ
وَقَدْ بَيَّنَ الْفَاكِهِيُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي وِلَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَهُوَ بَعْدَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ؛ لِأَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ
[ ٣ / ٣٢٩ ]
مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ وَهِشَامٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيُّ فِي كِتَابِ الْعَهْدِ الَّذِي كُتِبَ بَيْنَ الْأَمِينِ وَالْمَأْمُون ابْنَيْ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَفِيهِ شَهَادَةُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْحَجَبَةِ، وَلَفْظُ الْفَاكِهِيِّ كَانَ الشُّهُودُ الَّذِينَ شَهِدُوا فِي الشَّطْرَيْنِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَسَمَّاهُمْ، ثُمَّ قَالَ وَمِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ وَسَمَّى الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ الْأَزْرَقِيُّ وَتَارِيخُ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيُّ فِي عَمَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ: وَكَانَ الَّذِي وَلِيَ عِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي جَعْفَرٍ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيِّ، وَهُوَ أَمِيرُ مَكَّةَ وَكَانَ عَلَى شُرْطَتِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسَافِعٍ الشَّيْبِيُّ جَدُّ مُسَافِعِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيُّ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الذَّهَبِ الَّذِي فِي الْمَقَامِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شُعَيْبِ بْنِ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ يَقُولُ ذَهَبْنَا نَرْفَعُ الْمَقَامَ فِي زَمَنِ الْمَهْدِيِّ فَانْثَلَمَ إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، فَهَذَا صَرِيحٌ فِي وُجُودِهِمْ فِي خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ وَهُوَ وَلَدُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ وَمَاتَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْأَزْرَقِيَّ وَالْفَاكِهِيَّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَمَّا ذَكَرَا رُبَاعَ مَكَّةَ ذَكَرَا جُمْلَةً مِنْ رُبَاعِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ وَلَمْ يَذْكُرَا أَنَّهَا انْتَقَلَتْ إلَى غَيْرِهِمْ كَمَا هِيَ عَادَتُهُمَا، وَفِي كَلَامِهِمَا مَوَاضِعُ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَالْأَزْرَقِيُّ كَانَ مَوْجُودًا بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَالْفَاكِهِيُّ كَانَ مَوْجُودًا بَعْدَ السَّبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُمَا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَمِنْ أَسْبَقِ النَّاسِ بِذَلِكَ وَلَهُمَا الْمَعْرِفَةُ التَّامَّةُ بِأَخْبَارِهَا، وَلَمْ يَذْكُرَا ذَلِكَ بَلْ كَلَامُهُمَا صَرِيحٌ فِي خِلَافِهِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَمَا خَفِيَ عَلَيْهِمَا وَلَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُنَبِّهَانِ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَبَّهَا عَلَى مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ طَالَعَ كَلَامَهُمَا
وَمِمَّا يَرُدُّ مَا نُقِلَ عَنْ الشَّرِيفِ النَّسَّابَةِ مَا ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَاضِي مَالِكٍ وَمُؤَلَّفُ كِتَابِ النَّسَبِ لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَ دَفْعِ الْمِفْتَاحِ إلَى شَيْبَةَ، قَالَ: فَبَنُو أَبِي طَلْحَةَ هُمْ الَّذِينَ يَلُونَ سِدَانَةَ الْكَعْبَةِ دُونَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ عَاشَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ إلَى سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فِي كِتَابِ جَمْهَرَةِ النَّسَبِ لَمَّا ذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ قَالَ: فَبَنُو أَبِي طَلْحَةَ هُمْ وُلَاةُ الْكَعْبَةِ إلَى الْيَوْمِ دُونَ سَائِرِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ وَعَاشَ ابْنُ حَزْمٍ إلَى سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ الِاسْتِيعَابِ فِي تَرْجَمَةِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ وَنَصُّهُ: قَالَ أَبُو عُمَرَ شَيْبَةُ: هَذَا جَدُّ بَنِي شَيْبَةَ حَجَبَةِ الْكَعْبَةِ إلَى الْيَوْمِ، انْتَهَى. وَعَاشَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إلَى سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَمِمَّنْ قَدِمَ إلَيْهَا مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهَذَا الشَّأْنِ الَّذِينَ لَوْ وَقَعَ هَذَا الْأَمْرُ لَمَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ كَالْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُهُ وَابْنِ جُبَيْرٍ فِي رِحْلَتِهِ وَابْنِ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِ الْأَنْسَابِ لَهُ وَسَيَأْتِي كَلَامُهُ وَالْقَاضِي تَقِيِّ الدِّينِ الْفَاسِيِّ، وَأَنَّهُ تَرْجَمَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي الْعِقْدِ الثَّمِينِ وَكَرَّرَ ذِكْرَهُمْ فِي شِفَاءِ الْغَرَامِ وَغَيْرِهِ مِنْ تَآلِيفِهِ وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى انْقِرَاضِهِمْ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَكَذَلِكَ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَلْقَشَنْدِيُّ، فَإِنَّ كَلَامَهُ فِي كِتَابِ نِهَايَةِ الْأَرِبِ فِي مَعْرِفَةِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ يَدُلُّ عَلَى بَقَائِهِمْ إلَى زَمَنِهِ، وَقَدْ عَاشَ إلَى سَنَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ، وَلَوْ كَانَ مَا نُقِلَ عَنْ الشَّرِيفِ النَّسَّابَةِ حَقِيقَةً لَمَا خَفِيَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُحِبّ الطَّبَرِيِّ عَنْ الْوَاحِدِيِّ أَنَّ جِبْرِيلَ - ﵇ - قَالَ مَا دَامَ هَذَا الْبَيْتُ، فَإِنَّ الْمِفْتَاحَ وَالسِّدَانَةَ فِي أَوْلَادِ عُثْمَانَ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ اتِّصَالُ نَسَبِ ذُرِّيَّتِهِ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَانِنَا الْآنَ
وَقَوْلُ الْوَاحِدِيِّ بَعْدَهُ، وَهُوَ الْيَوْمَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَعَاشَ الْوَاحِدِيُّ إلَى سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَقَالَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ - ﷺ - فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: خَالِدَةً تَالِدَةً: أَشَارَ بِهِ إلَى بَقَاءِ عَقِبِهِمْ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْأَزْرَقِيُّ مِنْ إخْدَامِ سَيِّدِنَا
[ ٣ / ٣٣٠ ]
مُعَاوِيَةَ - ﵁ - الْكَعْبَةَ عَبِيدًا، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى انْقِرَاضِ الْحَجَبَةِ؛ لِأَنَّ خُدَّامَ الْكَعْبَةِ غَيْرُ وُلَاةِ فَتْحِهَا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مُقَرَّرٌ إلَى زَمَانِنَا، وَكَثِيرًا يَقَعُ فِي كَلَامِ الْأَزْرَقِيِّ وَالْفَاكِهِيِّ ذِكْرُ الْحَجَبَةِ، ثُمَّ ذِكْرُ خَدَمَةِ الْكَعْبَةِ أَوْ عَبِيدِهَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى التَّغَايُرِ بَيْنَهُمَا، وَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ انْقِرَاضُهُمْ فِي زَمَانِ سَيِّدِنَا مُعَاوِيَةَ - ﵁ -، وَالنُّصُوصُ الْمُتَقَدِّمَةُ صَرِيحَةٌ فِي بَقَائِهِمْ بَعْدَهُ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، بَلْ قَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِ الْأَنْسَابِ أَنَّ شَيْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَاشَ إلَى أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَلَامُهُ يَدُلُّ عَلَى بَقَائِهِمْ إلَى زَمَانِهِ، وَقَدْ عَاشَ إلَى سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَلَوْ انْقَرَضُوا لَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَالْمَقْطُوعِ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَقِفَ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ عَلَى مَا نَقَلَ الشَّرِيفُ النَّسَّابَةُ خُصُوصًا مَعَ مَا قَوَّى بِهِ مِمَّا نُسِبَ لِسَيِّدِنَا مُعَاوِيَةَ فَيُتَوَهَّمُ خِلَافُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَالتَّحْقِيقُ مَا أَشَارَ الْعُلَمَاءُ إلَى اسْتِنْبَاطِهِ مِنْ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ مِنْ بَقَائِهِمْ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[فَوَائِدُ كَانُوا يَقُولُونَ لَا يَفْتَحُ الْكَعْبَةَ إلَّا الْحَجَبَةُ]
(فَوَائِدُ الْأُولَى) ذَكَرَ الْفَاكِهِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا أَخَذَ الْمِفْتَاحَ مِنْ عُثْمَانَ فَتَحَهَا بِيَدِهِ، وَقَدْ كَانُوا يَقُولُونَ لَا يَفْتَحُ الْكَعْبَةَ إلَّا الْحَجَبَةُ.
(الثَّانِيَةُ) ذَكَرَ الْفَاكِهِيُّ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا دَفَعَ الْمِفْتَاحَ إلَى عُثْمَانَ كَانَ مُضْطَبِعًا عَلَيْهِ رِدَاءَهُ مُغَيِّبًا لَهُ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ مِنْ وَرَاءِ الثَّوْبِ، وَقَالَ: غَيِّبُوهُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَلِذَلِكَ يُغَيَّبُ الْمِفْتَاحُ، انْتَهَى.
(قُلْتُ:) فَلِذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - يُرْخُونَ سِتْرَ الْبَابِ حِينَ فَتْحِهِ وَحِينَ إغْلَاقِهِ
[سُنَّة الْمَكِّيِّينَ إذَا ثَقَلَ لِسَانُ الصَّبِيِّ]
(الثَّالِثَةُ) قَالَ الْفَاكِهِيُّ أَيْضًا: كَانَ مِنْ سُنَّةِ الْمَكِّيِّينَ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إلَى الْيَوْمِ إذَا ثَقَلَ لِسَانُ الصَّبِيِّ وَأَبْطَأَ كَلَامُهُ عَنْ وَقْتِهِ جَاءُوا بِهِ إلَى حَجَبَةِ الْكَعْبَةِ فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُدْخِلُوا مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ فِي فَمِهِ فَيَأْخُذُونَهُ الْحَجَبَةُ فَيَدْخُلُونَ خِزَانَةَ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ يُغَطُّونَ وَجْهَهُ، ثُمَّ يُدْخَلُ مِفْتَاحُ الْكَعْبَةِ فِي فَمِهِ فَيَتَكَلَّمُ سَرِيعًا وَيَنْطَلِقُ لِسَانُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ مُجَرَّبٌ بِمَكَّةَ إلَى يَوْمِنَا هَذَا، انْتَهَى. قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ شُيُوخِنَا وَإِلَى عَصْرِنَا هَذَا، وَهُوَ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَمَانِمِائَةٍ (قُلْتُ:) وَإِلَى وَقْتِنَا هَذَا، وَهُوَ سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ، وَلَا يَخُصُّونَ بِذَلِكَ مَنْ ثَقَلَ لِسَانُهُ بَلْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِالصِّغَارِ مُطْلَقًا تَبَرُّكًا بِذَلِكَ وَرَجَاءَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بِالْحِفْظِ وَالْفَهْمِ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِنَا آبَاؤُنَا وَفَعَلْنَاهُ بِأَوْلَادِنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ
. ص (وَالْمَشْيُ لِمَسْجِدِ مَكَّةَ، وَلَوْ لِصَلَاةٍ)
ش: قَالَ الْقَرَافِيُّ وَفِي الْكِتَابِ إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَعَلَيَّ الْمَشْيُ، فَكَلَّمَهُ لَزِمَهُ الْمَشْيُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَالْمُدْرَكُ إمَّا لِأَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ الْعَادَةُ تَلْزَمُ أَحَدَهُمَا، وَإِمَّا لِأَنَّ دُخُولَ مَكَّةَ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِإِحْرَامٍ بِأَحَدِهِمَا، فَكَانَ اللَّفْظُ دَالًّا عَلَيْهِمَا بِالِالْتِزَامِ، قَالَ اللَّخْمِيُّ النَّاذِرُ الْمَشْيَ إنْ نَوَى حَجًّا أَوْ عُمْرَةً أَوْ طَوَافًا أَوْ صَلَاةً لَزِمَهُ، وَيَدْخُلُ مُحْرِمًا إذَا نَوَى حَجًّا أَوْ عُمْرَةً، وَإِنْ نَوَى طَوَافًا يَتَخَرَّجُ دُخُولُهُ مُحْرِمًا عَلَى الْخِلَافِ فِي جَوَازِ دُخُولِ مَكَّةَ حَلَالًا، وَنَاذِرُ السَّعْيِ يُخْتَلَفُ فِيهِ هَلْ يَسْقُطُ نَذْرُهُ أَوْ يَأْتِي بِعُمْرَةٍ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ بِانْفِرَادِهِ، فَيُصَحِّحُ نَذْرَهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةَ فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ أَتَى مَكَّةَ وَوَفَّى بِنَذْرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِي لِلنَّفْلِ، فَإِنْ نَوَى الْوُصُولَ خَاصَّةً، وَهُوَ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا أَنَّهُ لَا قُرْبَةَ فِيهِ كَانَ نَذْرُهُ مَعْصِيَةً فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ الْمَشْيِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةُ مَشْيٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا. وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ إذَا حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ وَنَوَى الْوُصُولَ وَيَعُودُ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ وَفَضِيلَةٌ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَا مَشْيَ وَلَا غَيْرَهُ، أَوْ يَكُونُ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا فَضِيلَةَ فِي نَذْرِهِ وَوُصُولِهِ إلَى مَكَّةَ فَيَكُونُ نَذْرُهُ مَعْصِيَةً، وَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ قَوْلَانِ قَائِمَانِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَجْعَلُ ذَلِكَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ وُجُوبًا، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَعْكِسَ نَذْرَهُ فِي
[ ٣ / ٣٣١ ]
طَاعَةٍ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إذَا وَجَدَ الِاسْتِطَاعَةَ، فَإِذَا لَمْ يَجِدْ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَشْيُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ نِيَّةُ الْمَشْيِ إذَا وَجَدَ التَّمَكُّنَ مِنْ ذَلِكَ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَإِحْرَامُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ لَا مِنْ مَوْضِعِهِ، انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) قَالَ اللَّخْمِيُّ وَاخْتُلِفَ فِي مَشْيِ الْمَنَاسِكِ إذَا نَذَرَ الْحَجَّ، فَقَالَ مَالِكٌ يَمْشِي الْمَنَاسِكَ وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّهُ يَرْكَبُهَا، وَرَجَعَ مَالِكٌ مَرَّةً لِمِثْلِ ذَلِكَ فَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنْ جَهِلَ فَرَكِبَ الْمَنَاسِكَ وَمَشَى ذَلِكَ قَابِلًا، فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَمْ يَرَهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَجَزَ فِي الطَّرِيقِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ فِيمَا ظَنَنْتُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ رَأَى أَنَّ مَشْيَهُ الْأَوَّلَ يُجْزِئُهُ وَأَرْخَصَ فِي الرُّكُوبِ إلَى عَرَفَةَ، قَالَ الشَّيْخُ: وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّ النَّاذِرَ إنَّمَا قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ فَجَعَلَ غَايَةَ مَشْيِهِ إلَى مَكَّةَ فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الْحَجَّ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مِصْرَ فِي حَجٍّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ إلَّا إلَى مِصْرَ لَمْ يَرْكَبْ وَيَحُجُّ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ فِي حَجٍّ يَمْشِي إلَى مَكَّةَ وَيَرْكَبُ فِيمَا سِوَاهَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَشْيَ الْمَنَاسِكِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ يَمْشِي لِرَمْيِ الْجِمَارِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَفَاضَ فَلِعَادَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَ، انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ظَاهِرٌ إذَا قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ أَوْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ فِي حَجٍّ، وَأَمَّا إذَا قَالَ عَلَيَّ الْحَجُّ مَاشِيًا فَالظَّاهِرُ لُزُومُ مَشْيِهِ الْجَمِيعَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فَلَوْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْمَشْيُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، بَلْ اللَّازِمُ لَهُ الْمُضِيُّ إلَيْهَا، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، انْتَهَى. فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْمَسِيرُ إلَيْهَا جَمِيعِهَا فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(الْخَامِسُ) الْقَائِلُ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ هُوَ الْكَعْبَةُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهُ لِاشْتِهَارِهِ، وَانْظُرْ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَالرَّجْرَاجِيَّ وَأَبَا الْحَسَنِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَلَوْ لِصَلَاةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
. ص (خَرَجَ مَنْ بِهَا وَأَتَى بِعُمْرَةٍ) ش شَمِلَ قَوْلُهُ بِهَا مَنْ كَانَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، فَيَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِعُمْرَةٍ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ خِلَافًا سَوَاءٌ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْمَسْجِدِ أَوْ إلَى مَكَّةَ، وَكَذَا مَنْ كَانَ خَارِجَهُ وَنَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَكَّةَ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ خَارِجَهُ وَنَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْمَسْجِدِ فَذَكَرُوا لِابْنِ الْقَاسِمِ فِيهِ قَوْلَيْنِ، قَالَ اللَّخْمِيُّ فِي تَبْصِرَتِهِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِذَا قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ وَهُوَ بِهَا خَرَجَ إلَى الْحِلِّ فَيَأْتِي بِعُمْرَةٍ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ أَنْ يَأْتِيَ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا، وَأَقَلُّ ذَلِكَ أَوَائِلُ الْحِلِّ، وَإِنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ بِمَكَّةَ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ مِنْ مَوْضِعِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ، وَقَالَ مَرَّةً يَخْرُجُ إلَى الْحِلِّ كَالْأَوَّلِ، وَإِنْ قَالَ وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ، ثُمَّ يَدْخُلُ بِعُمْرَةٍ، انْتَهَى. وَقَرِيبٌ مِنْهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ الْحِلِّ وَأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ خَرَجَ رَاكِبًا وَمَشَى مِنْ الْحِلِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (مِنْ حَيْثُ نَوَى)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ لَا يُجَوِّزُ نَذْرَ التَّحْلِيقِ فِي الْمَشْيِ كَنَذْرِ مَدَنِيٍّ مَشْيًا إلَى الْعِرَاقِ أَوْ الشَّامِ، انْتَهَى.
ص (وَلِحَاجَةٍ)
ش: أَيْ نَسِيَهَا
[ ٣ / ٣٣٢ ]
وَرَجَعَ إلَيْهَا.
ص (وَرَجَعَ وَأَهْدَى إنْ رَكِبَ كَثِيرًا بِحَسَبِ مَسَافَتِهِ أَوْ الْمَنَاسِكِ وَالْإِفَاضَةِ نَحْوُ الْمِصْرِيِّ فَيَرْجِعُ قَابِلًا)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) الْهَدْيُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ رُجُوعِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ إنَّمَا يُهْدِي إذَا حَجَّ ثَانِيَةً، وَلَا يُقَدِّمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ هُنَا أَجْزَأَهُ، قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ، وَلَا يَجْعَلُ مَشْيَهُ الْأَوَّلَ، وَلَا الثَّانِيَ فِي فَرِيضَةٍ.
(الثَّالِثُ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ فِيمَا إذَا رَكِبَ فِي الْمَنَاسِكِ وَالْإِفَاضَةِ أَنَّهُ يَرْجِعُ فَيَحُجُّ رَاكِبًا وَيَمْشِي فِي الْمَنَاسِكِ يَعْنُونَ بِهِ إذَا سَافَرَ مِنْ مَكَّةَ، وَأَمَّا لَوْ أَقَامَ بِمَكَّةَ إلَى الْعَامِ الْقَابِلِ لَحَجَّ مِنْ مَكَّةَ مَاشِيًا وَأَجْزَأَهُ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَكَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي الْفَرْعِ الْخَامِسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) لَوْ رَكِبَ فِي مَشْيِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ ثَانِيًا، فَلَوْ لَمْ يَرْجِعْ فِي الْعَامِ الَّذِي يَلِيهِ وَحَجَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَمَدٍ أَجْزَأَهُ، نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ.
(الْخَامِسُ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ اُنْظُرْ إذَا عَجَزَ فَرَكِبَ هَلْ يَرْجِعُ إلَى مَنْزِلِهِ، وَحِينَئِذٍ يَبْتَدِئُ الرُّكُوبَ مِنْ هُنَاكَ، ثُمَّ يَمْشِي مَا رَكِبَ أَمْ لَا، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إلَى حَيْثُ ابْتَدَأَ مِنْهُ الرُّكُوبَ فَيَمْشِي مَا رَكِبَ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَوْضِعِهِ فَيَبْتَدِئُ الرُّكُوبَ مِنْ هُنَاكَ فَيَرْكَبُ مَا مَشَى، ثُمَّ يَمْشِي مَا رَكِبَ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ لَوْ مَشَى أَوَّلًا شَيْئًا كَثِيرًا، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ هَذَا يَعْنِيَ الرُّكُوبَ قَالَ: يَمْشِي مِنْ حَيْثُ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَاعْتَدَّ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَشْيِ الْمُنْفَرِدِ، انْتَهَى.
ص (فَيَمْشِي مَا رَكِبَ)
ش: هَذَا إذَا عَلِمَ بِتِلْكَ الْمَوَاضِعِ وَإِلَّا فَيَلْزَمُ مَشْيُ الْجَمِيعِ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ وَابْنَ عَرَفَةَ
[ ٣ / ٣٣٣ ]
ص (إنْ ظَنَّ أَوَّلًا الْقُدْرَةَ وَإِلَّا مَشَى مَقْدُورُهُ وَرَكِبَ وَأَهْدَى فَقَطْ)
ش: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْهَدْيَ وَاجِبٌ، وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْهَدْيَ مُسْتَحَبٌّ فَانْظُرْهُ.
ص (وَلَوْ قَادِرًا)
ش: هَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْخِلَافِ خِلَافُ مَا نَسَبَهُ ابْنُ رُشْدٍ لِلْمَذْهَبِ وَاللَّخْمِيُّ أَنَّ الْقَادِرَ إذَا رَكِبَ يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ ثَانِيَةً، وَلَا يُجْزِئُهُ الْمَشْيُ، وَسَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَانْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ.
ص (وَكَانَ فَرَّقَهُ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ) ش ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ هَذَا يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ؛ لِأَنَّهُ عَدَّهُ فِي جُمْلَةِ النَّظَائِرِ الْوَاجِبِ فِيهَا الْهَدْيُ وَلَمْ أَرَ الْآنَ مَنْ صَرَّحَ بِلُزُومِ الْهَدْيِ مَعَ التَّفْتِيشِ عَلَيْهِ، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ وُجُوبُ الْهَدْيِ مِمَّا قَالُوا فِيمَا إذَا أَفْسَدَهُ إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ هَدْيَانِ هَدْيٌ لِلْفَسَادِ وَهَدْيٌ لِتَبْعِيضِ الْمَشْيِ فَتَأَمَّلْهُ، وَكَذَلِكَ الْفَرْعُ الَّذِي قَبْلَهُ لَمْ أَرَ مَنْ نَصَّ عَلَى لُزُومِ الْهَدْيِ غَيْرَ ابْنِ غَازِيٍّ وَلَمْ يَعْزُهُ، وَلَكِنَّ لُزُومَ الْهَدْيِ فِيهِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ بِمَنْزِلَةِ الرُّجُوعِ ثَالِثَةً، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ وَيَلْزَمُ الْهَدْيُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
. ص (يَمْشِي عَقَبَةً وَيَرْكَبُ أُخْرَى)
ش: الْعَقَبَةُ سِتَّةُ أَمْيَالٍ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ.
ص (وَلَوْ أَفْسَدَ أَتَمَّهُ وَمَشَى فِي قَضَائِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ)
ش: هَذَا أَعْلَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا أَوْ مُبْهَمًا اُنْظُرْ الْمُدَوَّنَةَ، وَعِبَارَةُ
[ ٣ / ٣٣٤ ]
الْمُصَنِّفِ نَحْوُ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ يُصَرِّحْ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ هَلْ يَتَمَادَى بَعْدَ الْإِفْسَادِ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ؛ لِأَنَّ إتْمَامَهُ لَيْسَ مِنْ النَّذْرِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ لِإِتْمَامِ الْحَجِّ، انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ الْأَقْرَبُ صَرَّحَ بِهِ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهِ: وَمُسَاوَاتُهُ بَيْنَ أَنْ يَرْكَبَ مِنْ حَيْثُ أَفْسَدَ حَجَّهُ أَوْ يَمْضِيَ مَاشِيًا إلَى تَمَامِ حَجِّهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ لَا يُجْزِئُهُ بَعْدَ الْوَطْءِ لِفَسَادِ الْحَجِّ وَوُجُوبِ قَضَائِهِ عَلَيْهِ وَسَوَاءٌ رَكِبَ أَوْ مَشَى، انْتَهَى. وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ وَمَشَى فِي قَضَائِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ هُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ فِي سَمَاعِ يَحْيَى الْمَذْكُورِ وَنَقَلَهُ الصَّقَلِّيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ، فَقَالَ: وَقَوْلُهُ: إنَّهُ يَمْشِي مِنْ مِيقَاتِهِ وَيُجْزِئُهُ الْمَشْيُ الَّذِي مَشَى مِنْ حَيْثُ حَلَفَ إلَى الْمِيقَاتِ خِلَافُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ مِنْ أَنَّ مَنْ رَكِبَ مِنْ غَيْرِ عَجْزٍ عَنْ الْمَشْيِ أَعَادَ الْمَشْيَ كُلَّهُ إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ مَشْيَهُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ، وَيُهْدِي لِأَنَّهُ لَمَّا وَطِئَ فَرَّقَ مَشْيَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، ثُمَّ قَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَطِئَهُ نَاسِيًا يَمْشِي مِنْ الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ عَلَى التَّفْرِقَةِ بِالْوَطْءِ نَاسِيًا، انْتَهَى.
. ص (وَإِنْ حَجَّ نَاوِيًا نَذْرَهُ وَفَرْضَهُ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَوْ قَرَنَ يُرِيدُ بِالْعُمْرَةِ الْمَشْيَ عَلَيْهِ وَبِالْحَجِّ فَرِيضَتَهُ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْفَرْضِ وَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ، كَمَنْ نَذَرَ مَشْيًا فَحَجَّ مَاشِيًا وَهُوَ صَرُورَةٌ يَنْوِي بِذَلِكَ نَذْرَهُ وَفَرِيضَتَهُ أَجْزَأَهُ لِنَذْرِهِ لَا لِفَرْضِهِ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْفَرِيضَةِ قَابِلًا، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ: مَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ بِعُمْرَةٍ عَنْ نَذْرِهِ وَأَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ عَنْ فَرْضِهِ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ فَرْضِهِ وَيُجْزِئُهُ عَنْ نَذْرِهِ، وَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ الْبُرْزُلِيُّ يُرِيدُ أَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَ الْعُمْرَةَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُرْتَدَفُ، وَلَوْ كَانَ فِي وَقْتٍ لَا تَرْتَدِفُ بِحَيْثُ تَمَّتْ عُمْرَتُهُ جَازَ عَنْهُمَا وَكَانَ مُتَمَتِّعًا وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَأْخِيرِ الْحَلَّاقِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إذَا مَشَى لِنَذْرِهِ حَتَّى بَلَغَ مِيقَاتَهُ فَأَحْرَمَ بِحَجَّةٍ نَوَى بِهَا فَرْضَهُ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ لِفَرْضِهِ، ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ مِيقَاتِهِ لِيَمْشِيَ مَا بَقِيَ مِنْ نَذْرِهِ، انْتَهَى مِنْ التَّوْضِيحِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ أَحْرَمَ وَلَمْ يَقْصِدْ فَرْضًا وَلَا نَذْرًا لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ لِلْحَجِّ كَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَنْوِ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا، فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ لِلْفَرْضِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ سَنَدٌ وَغَيْرُهُ.
ص (ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ مَكَّةَ عَلَى الْفَوْرِ)
ش: يَعْنِي إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الضَّرُورَةِ جَعْلُهُ فِي عُمْرَةٍ، ثُمَّ يَحُجُّ إذَا قُلْنَا إنَّ الْحَجَّ عَلَى الْفَوْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَجَّلَ الْإِحْرَامَ فِي أَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أَحْرَمَ إنْ قَيَّدَ بِيَوْمِ كَذَا) ش يَعْنِي أَنَّ النَّاذِرَ لِلْإِحْرَامِ إذَا قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ يَوْمَ أَفْعَلُ كَذَا، فَإِنَّهُ يَوْمَ يَفْعَلُهُ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ سَوَاءٌ نَذَرَ
[ ٣ / ٣٣٥ ]
الْإِحْرَامَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَدَاءُ الْإِحْرَامِ نَذْرًا أَوْ يَمِينًا إنْ قَيَّدَهُ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَان لَزِمَ مِنْهُ قَالَهُ الْبَاجِيُّ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَعَزَاهُ الشَّيْخُ لِلْمَوَّازِيَّةِ.
(قُلْتُ) هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِزِيَادَةٍ، وَلَوْ نَوَاهُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، انْتَهَى. وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَمَنْ قَالَ إذَا كَلَّمْتُ فُلَانًا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَإِنْ كَلَّمَهُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إلَى دُخُولِ أَشْهُرِ الْحَجِّ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ مُحْرِمٌ مِنْ يَوْمَ حَنِثَ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا وَقْتَ حِنْثِهِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ صَحَابَةً وَيَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ فَلْيُؤَخِّرْ حَتَّى يَجِدَ فَيُحْرِمُ حِينَئِذٍ، وَإِحْرَامُهُ بِذَلِكَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ مَوْضِعِهِ لَا مِنْ مِيقَاتِهِ إنْ لَمْ يَنْوِهِ فَلَهُ نِيَّتُهُ، وَمَنْ قَالَ: أَنَا مُحْرِمٌ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا، فَإِنَّهُ يَوْمَ يُكَلِّمُهُ مُحْرِمٌ، وَقَوْلُهُ: يَوْمَ أَفْعَلُ كَذَا فَأَنَا أُحْرِمُ بِحَجَّةٍ كَقَوْلِهِ: فَأَنَا مُحْرِمٌ، انْتَهَى. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَوْلُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُحْرِمَ إلَى دُخُولِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ هَذَا إنْ كَانَ يَصِلُ مِنْ بَلَدِهِ إلَى مَكَّةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصِلُ مِنْ بَلَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ أَشْهُرُ الْحَجِّ فَيَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مِنْ وَقْتِ حِنْثِهِ ابْنُ يُونُسَ يُرِيدُ مِنْ وَقْتِ يَصِلُ فِيهِ إلَى مَكَّةَ وَيُدْرِكُ الْحَجَّ، وَقَالَ الْقَابِسِيُّ بَلْ يَخْرُجُ مِنْ بَلَدِهِ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْهُ أَشْهُرُ الْحَجِّ أَحْرَمَ، وَقَوْلُ أَبِي مُحَمَّدٍ أَوْلَى؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنَا مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ أَيْ إذَا جَاءَ وَقْتُ خُرُوجِ النَّاسِ خَرَجْتُ وَأَنَا وَحْدِي وَعَلَيْهِ يَدُلُّ لَفْظُهُ، وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ مَا يُؤَيِّدُهُ، وَقَوْلُهُ فِي الْعُمْرَةِ يُحْرِمُ وَقْتَ حِنْثِهِ حُكِيَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا وَقْتَ لَهَا، فَلِذَا وَجَبَ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا وَقْتَ حِنْثِهِ، بِخِلَافِ الْحَجِّ
وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ صَحَابَةً، وَقَالَ سَحْنُونٌ يُحْرِمُ وَيَبْقَى حَتَّى يَجِدَ صَحَابَةً، وَقَوْلُهُ: مِنْ مَوْضِعِهِ لَا مِنْ مِيقَاتِهِ، وَقِيلَ: مِنْ مِيقَاتِهِ، وَقَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَوْمَ يُكَلِّمُهُ مُحْرِمٌ ظَاهِرُهُ يَكُونُ مُحْرِمًا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْنَافِ إحْرَامٍ وَبِهَذَا الظَّاهِرِ قَالَ سَحْنُونٌ، وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: يَسْتَأْنِفُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: وَقَوْلُهُ يَوْمَ أَفْعَلُ كَذَا فَأَنَا أُحْرِمُ بِحَجَّةٍ كَقَوْلِهِ فَأَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أُحْرِمُ، اتَّفَقَ فِيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْإِحْرَامَ، وَهُوَ مَنْصُوصٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْإِحْرَامَ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ لَمْ يُبَيِّنْ فِي الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ: مُحْرِمٌ هَلْ يَكُونُ مُحْرِمًا حِينَئِذٍ أَوْ يَسْتَأْنِفُ؟ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْرِمًا بِنَفْسِ الْفِعْلِ حَتَّى يُحْرِمَ صَحَّ مِنْهُ، فَفَرَّقَ سَحْنُونٌ بَيْنَ أَنَا مُحْرِمٌ وَأَنَا أُحْرِمُ، وَسَوَّى ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَهُمَا، قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنَّمَا قَالَ سَحْنُونٌ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ مَعْنَى يَتَعَلَّقُ بِالْحَصْرِ، قَالَ الشَّيْخُ يَعْنِي بِالشَّرْطِ، قَالَ: فَإِذَا وَجَبَ شَرْطٌ وَجَبَ حُصُولُهُ أَصْلُهُ الطَّلَاقُ وَلَا يَلْزَمُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُضَيَّقَةٌ فِي بَابِ النِّيَّةِ عَنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَالْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ وُسِّعَ فِي نِيَّتِهِ مَا لَمْ يُوَسَّعْ فِي غَيْرِهِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ النِّيَابَةِ فِيهِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، وَعِنْدَ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ يُحْرِمُ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَيَكُونُ إذَا أَفَاقَ مُحْرِمًا بِذَلِكَ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْرِمًا حَتَّى يَسْتَأْنِفَ إحْرَامًا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ صَحَّ مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ مُحْرِزٍ، وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ سَوَّى ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ قَوْلِهِ: أَنَا مُحْرِمٌ، وَأَنَا أُحْرِمُ فَأَوْجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ مُحْرِمًا بِنَفْسِ الْحِنْثِ حَتَّى يُحْرِمَ بَعْدَ الْحِنْثِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا: هُوَ خِلَافٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ قَدِيمًا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْعِلَّةَ إنَّمَا هِيَ لَمَّا وُجِدَتْ لَفْظَةُ مُحْرِمٍ مُشْتَرِكًا فِيهَا الْحَالُ وَالِاسْتِقْبَالُ، فَلَمْ يَكُنْ يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِالشَّكِّ حَتَّى يُحْدِثَ إحْرَامًا مُسْتَقْبَلًا، فَصَحَّ بِهَذَا أَنْ لَا يَكُونَ مُحْرِمًا بِنَفْسِ الْإِحْرَامِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَأَنَا أُحْرِمُ فَبِاتِّفَاقٍ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْرِمًا إلَّا بِتَجْدِيدِ إحْرَامٍ، انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: بِنَفْسِ الْإِحْرَامِ صَوَابُهُ بِنَفْسِ الْحِنْثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إذَا قَالَ: إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَأَنَا أُحْرِمُ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ فَكَلَّمَهُ، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْرِمًا حَتَّى يُنْشِئَ الْإِحْرَامَ، وَإِنْ قَالَ: أَنَا مُحْرِمٌ، فَقَالَ مَالِكٌ لَا يَكُونُ مُحْرِمًا حَتَّى يُنْشِئَ الْإِحْرَامَ، وَقَالَ سَحْنُونٌ يَكُونُ مُحْرِمًا، وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي مَعْنَاهُ، وَاسْتُشْكِلَ كَوْنُهُ
[ ٣ / ٣٣٦ ]
مُحْرِمًا بِنَفْسِ الْحِنْثِ، وَهُوَ حَقِيقٌ بِالْإِشْكَالِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ فَمَشَى الْمُؤَلِّفُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ
. ص (كَالْعُمْرَةِ مُطْلِقًا)
ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ مُطْلِقًا بِكَسْرِ اللَّامِ يَعْنِي لَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَوْلِهِ: يَوْمَ أَفْعَلُ كَذَا، بَلْ قَالَ: إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا وَقْتَ حِنْثِهِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ صَحَابَةً وَيَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ فَيُؤَخِّرُ حَتَّى يَجِدَ.
ص (إلَّا الْحَجَّ)
ش: يَعْنِي فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ فَكَلَّمَهُ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إلَى دُخُولِ أَشْهُرِ الْحَجِّ إنْ كَانَ يَصِلُ إلَى مَكَّةَ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ فِيهَا فَيَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ مِنْ حِينِ يَصِلُ فِيهِ وَيُحْرِمُ حِينَئِذٍ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ يُونُسَ.
ص (وَالْمَشْيُ)
ش: يَعْنِي إذَا قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَكَلَّمَهُ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَشْيُ عَلَى الْفَوْرِ؟ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ بَعْدَ مَسْأَلَةِ تَعْجِيلِ الْإِحْرَامِ وَخُرِّجَ عَلَيْهِ الْمَشْيُ فِي الْفَوْرِيَّةِ لَا فِي الْإِحْرَامِ، وَالْمَشْهُورُ التَّرَاخِي يَعْنِي وَخَرَجَ قَوْلُهُ: بِالْفَوْرِيَّةِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِحْرَامِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْمَشْهُورَ التَّرَاخِي ثَبَتَ فِي نُسْخَتِي وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُورُ كَذَلِكَ فِي الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ رُكْنٌ وَالْمَشْيُ وَسِيلَةٌ وَالْوَسَائِلُ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْ الْمَقَاصِدِ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ) لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي التَّوْضِيحِ عَلَى قَوْلِهِ: إلَّا فِي الْإِحْرَامِ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ فِي قَوْلِهِ: عَلَى الْمَشْيِ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ يُرِيدُ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مَوْضِعِهِ قِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ: فَأَنَا مُحْرِمٌ؛ لِأَنَّهُ هُنَا صَرَّحَ بِالْإِحْرَامِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ فِي قَوْلِهِ: فَعَلَيَّ الْمَشْيُ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَأَنَا مُحْرِمٌ وَإِحْرَامُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، بِخِلَافِ مَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ، فَهَذَا يُحْرِمُ مِنْ مِيقَاتِهِ، جَعَلَ مَشْيَهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَلَا يَلْزَمُ الْفَوْرُ فِي الْمَشْيِ عَلَى الْمَنْصُوصِ، انْتَهَى. وَقَالَ الرَّجْرَاجِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فِيمَنْ نَذَرَ إحْرَامًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ إنْ فَعَلَ كَذَا، فَلَا يَخْلُو أَنْ يُقَيِّدَ يَمِينَهُ بِوَقْتٍ أَوْ لَا يُقَيِّدُهَا، فَإِنْ قَيَّدَهَا بِوَقْتٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَكَانَتْ يَمِينُهُ بِحَجٍّ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ يَوْمَ يَفْعَلُ كَذَا فَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَدْ قَالَ فِي الْكِتَابِ: إنَّهُ يَكُونُ مُحْرِمًا يَوْمَ كَلَّمَهُ وَكَذَلِكَ الْعُمْرَةُ، وَهَلْ يَكُونُ مُحْرِمًا بِنَفْسِ الْفِعْلِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ إحْرَامٍ، وَيُحْرِمُ بِهِ فَيَصِيرُ بِإِحْرَامِهِ مُحْرِمًا، فَأَنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْرِمًا بِنَفْسِ الْفِعْلِ حَتَّى يَبْتَدِئَ الْإِحْرَامَ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْكِتَابِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ يَكُونُ مُحْرِمًا بِنَفْسِ الْفِعْلِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ سَحْنُونٍ، فَإِنْ تَمَكَّنَ لَهُ الْخُرُوجُ خَرَجَ فِي الْحَالِ وَإِلَّا بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يُصِيبَ الطَّرِيقَ، وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، فَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ يَمِينَهُ بِوَقْتٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ إنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ مُحْرِمٌ أَوْ أَنَا مُحْرِمٌ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَأَمَّا الْحَجُّ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَحْنَثَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ فِي أَشْهُرِهِ، فَإِنْ حَنِثَ قَبْلَهَا، فَإِمَّا فِي قَوْلِهِ: أَنَا أُحْرِمُ، فَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْرِمًا بِنَفْسِ الْحِنْثِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُحْرِمًا إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَشْهُرُ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ وَقْتَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَهَا لَا يَجُوزُ، فَإِذَا حَنِثَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَخَّرَ حَتَّى تَدْخُلَ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ فَيَكُونُ مُحْرِمًا يَوْمَ حَنِثَ كَمَا قَالَ فِي الْكِتَابِ غَيْرَ أَنَّهُ يَنْظُرُ، فَإِنْ كَانَ إذَا أَخَّرَ الْخُرُوجَ إلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَصِلْ وَلَمْ يُدْرِكْ الْحَجَّ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ
، فَإِذَا دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ فِي طَرِيقِهِ أَحْرَمَ، فَإِنْ حَنِثَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنَّ الْإِحْرَامَ لَمْ يَلْزَمْهُ وَيُكَلَّفُ الْخُرُوجَ لِيُوفِيَ بِعُهْدَةِ يَمِينِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَأَنَا مُحْرِمٌ هَلْ هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: فَأَنَا أُحْرِمُ وَالْمَذْهَبُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّ قَوْلَهُ فَأَنَا مُحْرِمٌ كَقَوْلِهِ: فَأَنَا أُحْرِمُ، فَلَا يَكُونُ مُحْرِمًا بِنَفْسِ الْحِنْثِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ النُّذُورِ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَكُونُ مُحْرِمًا بِنَفْسِ الْحِنْثِ فِي أَنَا مُحْرِمٌ، وَفِي أَنَا أُحْرِمُ، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَالثَّالِثُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ يَحْنَثُ الْحَالِفُ بِهَا، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ أَوْ لَا، فَإِنْ أَمْكَنَهُ
[ ٣ / ٣٣٧ ]
الْخُرُوجُ وَوَجَدَ الْأَصْحَابَ، فَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ إلَّا مُتَأَوِّلًا، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مَعَ الِانْتِظَارِ، وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ إلَّا مَعَ الْمَشْيِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْكِتَابِ، انْتَهَى.
وَفِي كَلَامِهِ تَعَارُضٌ؛ لِأَنَّهُ حَكَى أَوَّلًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ فِي أَنَا أُحْرِمُ بِنَفْسِ الْحِنْثِ بِلَا خِلَافٍ، ثُمَّ ذَكَرَ إنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحِنْثُ فِي قَوْلِ سَحْنُونٍ وَمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا هُوَ الصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِمَا نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ مُحْرِزٍ وَأَبُو عِمْرَانَ وَابْنُ رَاشِدٍ وَغَيْرُهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ وَكَلَامِ صَاحِبِ التَّوْضِيحِ وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَكُونُ مُحْرِمًا إذَا دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ يَعْنِي يُؤْمَرُ بِالْإِحْرَامِ إذَا دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ لَا أَنَّهُ يَكُونُ مُحْرِمًا بِنَفْسِ دُخُولِهَا إذْ لَا قَائِلَ بِهِ، وَقَوْلُهُ فِيمَا إذَا كَانَ لَا يَصِلُ إذَا خَرَجَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَنَّهُ يُحْرِمُ وَيُؤَخِّرُ الْإِحْرَامَ إلَى دُخُولِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، هُوَ قَوْلُ الْقَابِسِيِّ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ يُونُسَ وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ إذَا قَالَ: إنْ كَلَّمْتَ فُلَانًا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَإِنْ نَوَى تَقْدِيمًا أَوْ تَأْخِيرًا وَصَرَّحَ بِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا مَا نَوَى أَوْ صَرَّحَ بِهِ، انْتَهَى. فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ الْمُتَقَدِّمِ وَكَلَامِهِ هُنَا وَكَلَامِ الرَّجْرَاجِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَعَجَّلَ الْإِحْرَامَ فِي أَنَا مُحْرِمٌ أَوْ أُحْرِمُ إنْ قَيَّدَ بِيَوْمِ كَذَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْإِحْرَامَ أَوْ حَلَفَ بِهِ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ، فَإِنْ قَيَّدَهُ بِيَوْمٍ يُرِيدُ بِلَفْظٍ أَوْ نِيَّةٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَجِّلَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي سَمَّاهُ أَوْ نَوَاهُ سَوَاءٌ كَانَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ: وَعَجَّلَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْرِمًا بِنَفْسِ الْحِنْثِ فِي قَوْلِهِ: أَنَا مُحْرِمٌ كَمَا هُوَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ
، ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْقِسْمِ الْمُقَيَّدِ ذَكَرَ الْمُطْلَقَ وَبَدَأَ بِالْعُمْرَةِ، فَقَالَ: كَالْعُمْرَةِ مُطْلِقًا وَيَعْنِي أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْإِحْرَامَ بِعُمْرَةٍ مُطْلِقًا أَيْ غَيْرَ مُقَيِّدٍ ذَلِكَ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ لَا بِلَفْظٍ، وَلَا بِنِيَّةٍ كَمَنْ قَيَّدَهَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَجِّلَ الْإِحْرَامَ بِهَا يَوْمَ حِنْثِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ فَقَوْلُهُ: مُطْلِقًا بِكَسْرِ اللَّامِ كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ الْقَيْدَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ وُجُودُ الْأَصْحَابِ، وَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ رُفْقَةً أَخَّرَ الْإِحْرَامَ حَتَّى يَجِدَ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ، ثُمَّ قَالَ لَا الْحَجُّ يَعْنِي الْحَجَّ الْمُطْلَقَ، فَإِذَا نَذَرَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ مُطْلِقًا غَيْرَ مُقَيِّدٍ إحْرَامَهُ بِزَمَنٍ لَا بِلَفْظٍ، وَلَا بِنِيَّةٍ، ثُمَّ حَنِثَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ حَتَّى تَدْخُلَ أَشْهُرُ الْحَجِّ إنْ كَانَ يَصِلُ فِيهَا إلَى مَكَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ وَيَخْرُجَ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي يَصِلُ كَمَا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ يُونُسَ خِلَافًا لِلْقَابِسِيِّ فِي قَوْلِهِ: يَدْخُلُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، فَإِذَا دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ أَحْرَمَ، وَاسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ هُنَا حَيْثُ لِلزَّمَانِ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: وَهُوَ لِلْمَكَانِ اتِّفَاقًا، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: وَقَدْ تَرِدُ لِلزَّمَانِ، وَقَوْلُهُ: عَلَى الْأَظْهَرِ نُوقِشَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا هُوَ لِابْنِ يُونُسَ لَا لِابْنِ رُشْدٍ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَا الْمَشْيُ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْإِحْرَامِ الْمُطْلَقِ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي كَوْنِهِ عَلَى الْفَوْرِ قَوْلَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ، فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ بَعْدَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ: وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا لَا بِلَفْظٍ، وَلَا بِنِيَّةٍ فَالْقَوْلُ بِالْفَوْرِ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ النُّذُورَ الْمُطْلَقَةَ مَحَلُّهَا عَلَى الْفَوْرِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ، وَتَأَوَّلَ الْبَاجِيُّ قَوْلَ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
[فَرْعٌ كَلَّمَهُ فَحَنِثَ بِالْحَجِّ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْرِكَ الْحَجَّ]
(فَرْعٌ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ لَوْ كَلَّمَهُ فَحَنِثَ بِالْحَجِّ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْرِكَ الْحَجَّ لِضِيقِ الْوَقْتِ، قَالُوا: يُحْرِمُ وَيُقِيمُ عَلَى إحْرَامِهِ إلَى قَابِلٍ؛ لِأَنَّهُ ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْيَوْمِ، انْتَهَى مِنْ شَرْحِ قَوْلِهِ: يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا، وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا حَنِثَ فِي الْمُطْلَقِ وَكَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
. ص (وَلَا يَلْزَمُ فِي مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ بَابِهَا)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ: مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ فِي رِتَاجِهَا أَوْ حَطِيمِهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ لَا تُنْقَضُ فَتُبْنَى، وَالرِّتَاجُ: الْبَابُ، وَالْحَطِيمُ: مَا بَيْنَ الْبَابِ إلَى
[ ٣ / ٣٣٨ ]
الْمَقَامِ، زَادَ ابْنُ يُونُسَ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ وَلَا غَيْرَهَا، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْحَطِيمُ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ إلَى الْبَابِ إلَى الْمَقَامِ عَلَيْهِ يَتَحَطَّمُ النَّاسُ أَبُو مُحَمَّدٍ، فَعَلَى تَفْسِيرِ ابْنِ حَبِيبٍ ذَلِكَ كُلُّهُ حَطِيمُ الْجِدَارِ مِنْ الْكَعْبَةِ، وَالْفَضَاءُ الَّذِي بَيْنَ الْبَيْتِ وَالْمَقَامِ الْآنَ، انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ عِيَاضٍ فِي الْمَشَارِقِ: وَالْحَطْمُ الْهَلَاكُ مَأْخُوذٌ مِنْ هَلَاكِ الْجَبَابِرَةِ هُنَاكَ بِالدُّعَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ تَحْطِيمِ الذُّنُوبِ، وَالْحَطْمُ هُوَ الِانْكِسَارُ، انْتَهَى. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ فِي بِنَائِهَا، فَلِذَلِكَ قَالَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ نَوَى ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ نَوَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا لَزِمَهُ، انْتَهَى. وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِهِ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَنُقِلَ فِي الِاسْتِذْكَارِ أَنَّ إسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي أُوَيْسٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ ثُلُثِ مَالِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَرَى أَنْ يَسْأَلَ، فَإِنْ نَوَى أَنْ يَكُونَ مَالُهُ فِي الْكَعْبَةِ فَيَدْفَعُ ثُلُثَهُ لِلْخَزَنَةِ يَصْرِفُونَهُ فِي مَصَالِحِهَا، فَإِنْ اسْتَغْنَتْ عَنْهُ بِمَا أَقَامَهُ السُّلْطَانُ مِنْ ذَلِكَ تَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَنْوِ شَيْئًا، وَلَا أَعْرِفُ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ تَأْوِيلًا، فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ أَحَبُّ إلَيَّ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي نَذْرٍ أَوْ يَمِينٍ، انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلَ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، وَنَصَّهُ أَبُو عُمَرَ عَنْ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ: مَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ إخْرَاجُ ثُلُثِ مَالِهِ لَا كَفَّارَةِ يَمِينٍ، انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِهِ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِدَلِيلِ هَذَا الْفَرْعِ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ مَا نَصُّهُ: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ قَالَ: مَالِي فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ أَوْ طِيبِهَا أَهْدَى ثُلُثَ مَالِهِ يَدْفَعُهُ إلَى الْحَجَبَةِ، انْتَهَى. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالظَّاهِرُ فِي زَمَانِنَا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُلُوكَ تَكَفَّلَتْ بِالْكَعْبَةِ، وَلَا يَتْرُكُونَ أَحَدًا يَكْسُوهَا، وَالْحَجَبَةُ لَا يُؤْمَنُونَ فِي الْغَالِبِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ، وَهُوَ يُؤْخَذُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ، انْتَهَى. يُشِيرُ إلَى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَإِنْ قَصُرَ يَعْنِي ثَمَنَ الْهَدْيِ عَنْ التَّعْوِيضِ، فَقَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ يَتَصَدَّقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَ، وَفِيهَا أَيْضًا يَبْعَثُهُ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُنْفَقُ عَلَيْهَا، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَشْعَرَ قَوْلُهُ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا، وَفِي قَوْلِ مَالِكٍ إشْكَالٌ وَلَعَلَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُوجِبُ لِنِسْبَةِ ذَلِكَ لِلْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْكَعْبَةَ لَا تُنْقَضُ وَتُبْنَى، وَلَا يَكْسُوهَا إلَّا الْمُلُوكُ، وَيَأْتِيهَا مِنْ الطِّيبِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَهِيَ إنْ كَانَتْ تُكْنَسُ فَمَكَانِسُهَا مِنْ خُوصٍ قَبْلَ الْكَنْسِ لَا تُسَاوِي الْفَلْسَ وَبَعْدَهُ تُسَاوِيَ الدِّرْهَمَ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَأْكُلَهُ الْخَزَنَةُ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَصْدِ النَّاذِرِ فِي شَيْءٍ لَكِنْ فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَا يَدْفَعُ هَذَا الْإِشْكَالَ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: يُنْفَقُ عَلَيْهَا، فَإِنْ لَمْ تَحْتَجْ إلَيْهِ الْكَعْبَةُ تَصَدَّقَ بِهِ، وَسَاقَهُ ابْنُ يُونُسَ عَلَى أَنَّهُ تَقْيِيدٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، انْتَهَى. وَلِقُوَّةِ ذَلِكَ عِنْدَهُ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَنَقَلَ ابْنُ فَرْحُونٍ كَلَامَهُ وَقَبِلَهُ غَيْرَ أَنَّ فِيهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ هَارُونَ فَمَا أَدْرِي تَصَحَّفَ عَلَيْهِ أَمْ قَالَهُ ابْنُ هَارُونَ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فُرُوعٌ الْأَوَّلُ قَالَ أَنَا أَضْرِبُ بِمَالِي أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ بِعَيْنِهِ حَطِيمَ الْكَعْبَةِ أَوْ الرُّكْنَ]
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ أَنَا أَضْرِبُ بِمَالِي أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ بِعَيْنِهِ حَطِيمَ الْكَعْبَةِ أَوْ الرُّكْنَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَنَا أَضْرِبُ بِكَذَا الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ فَلْيَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرْ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يُرِدْ حُمْلَانَ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَى عُنُقِهِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ ابْنُ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَإِنْ أَرَادَ حُمْلَانَهُ وَكَانَ يَقْوَى عَلَى حَمْلِهِ فَكَذَلِكَ يَحُجُّ أَوْ يَعْتَمِرُ رَاكِبًا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْوَى عَلَى حَمْلِهِ مَشَى وَأَهْدَى، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا قَالَ: أَنَا أَضْرِبُ بِكَذَا لِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ أَوْ الْكَعْبَةَ وَأَرَادَ حَمْلَهُ عَلَى عُنُقِهِ مَشَى إلَى الْبَيْتِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَأَهْدَى، فَلَا يَحْمِلُهُ، ثُمَّ يَدْفَعُ مَا سَمَّى إنْ كَانَ لَا يَبْلُغُ ثَمَنَ هَدْيٍ إلَى خَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهَا، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَقَالَ اُنْظُرْ الْهَدْيُ هُنَا خَفِيفٌ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ مَعْنَى قَوْلِهِ: أَضْرِبُ بِمَالِي حَطِيمَ الْكَعْبَةِ، أَيْ أَسِيرُ بِهِ وَأُسَافِرُ بِهِ إلَى الْكَعْبَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى
[ ٣ / ٣٣٩ ]
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١] أَيْ سَافَرْتُمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: ضَرَبَ الْمُقَارِضُ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرُ بِهِ وَيَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ لِابْتِغَاءِ الرِّزْقِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ مَا عِنْدَ النَّاسِ مِنْ الضَّرْبِ بِمَالِهِ الْكَعْبَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِخْفَافٌ مِنْ فَاعِلِهِ وَغَيْرُ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ التَّعْظِيمِ لَهَا، انْتَهَى. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَقَالَ بَعْدَهُ: وَحَمَلَ اللَّخْمِيُّ هَذَا عَلَى الضَّرْبِ حَقِيقَةً، قَالَ: ظَاهِرُهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ لَا شَيْءَ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الضَّرْبَ الَّذِي هُوَ السَّيْرُ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ، انْتَهَى. وَقَالَ قَبْلَهُ: قَوْلُهُ هُنَا يُنَاقِضُ مَا قَالَ فِيمَنْ قَالَ عَلَيَّ الِانْطِلَاقُ إلَى مَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ أَنَا أَضْرِبُ قَدْ عَبَّرَ بِلَفْظٍ بِغَيْرِ لَفْظِ الْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ، وَبِغَيْرِ لَفْظِ الرُّكُوبِ الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُهُ الشَّيْخُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ هُنَا ذَكَرَ الْبَيْتَ أَوْ بَعْضَهُ، وَهُنَاكَ إنَّمَا ذَكَرَ مَكَّةَ، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْبَيْتِ وَغَيْرِهِ، فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ أَضَافَ السَّيْرَ وَالذَّهَابَ إلَى الْبَيْتِ لَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ هُنَا يَلْزَمُهُ انْتَهَى. فَتَحَصَّلَ أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَضْرِبُ بِكَذَا فِي الْبَيْتِ أَوْ جُزْءٍ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ الضَّرْبَ الْحَقِيقِيَّ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَإِنْ أَرَادَ السَّيْرَ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ حَمْلَهُ حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ رَاكِبًا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادَ حَمْلَهُ فَعِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ يَفْصِلُ فِيهِ إنْ كَانَ يَقْوَى عَلَيْهِ فَمِثْلُ الْأَوَّلِ وَإِلَّا مَشَى وَأَهْدَى، وَعِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ يَمْشِي وَيُهْدِي وَيَدْفَعُ مَا سَمَّى إنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ هَدْيٍ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَوْلَا حَدَاثَةُ قَوْمِكَ بِكُفْرٍ لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قَالَ الْقُرْطُبِيُّ كَنْزُ الْكَعْبَةِ الْمَالُ الْمُجْتَمِعُ مِمَّا يُهْدَى إلَيْهَا بَعْدَ نَفَقَةِ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلَيْسَ مِنْ كَنْزِ الْكَعْبَةِ مَا تُحَلَّى بِهِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ حِلْيَتَهَا حَبْسٌ عَلَيْهَا كَحُصْرِهَا وَقَنَادِيلِهَا لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا فِي غَيْرِهَا، وَحُكْمُ حُلِيِّهَا حُكْمُ حِلْيَةِ السَّيْفِ وَالْمُصْحَفِ الْمُحْبَسَيْنِ، انْتَهَى.
[الفرع الثَّانِي النَّذْرُ لِلْكَعْبَةِ]
(الثَّانِي) وَأَمَّا النَّذْرُ لِلْكَعْبَةِ، فَإِمَّا أَنْ يَقْصِدَ بِهَا خِدْمَتَهَا وَهُوَ الْغَالِبُ، أَوْ مُطْلَقَ أَهْلِ الْحَرَمِ فَيُصْرَفُ لِمَنْ قَصَدَ، أَوْ يَقْصِدَ أَنْ يُصْرَفَ فِي مَصَالِحِهَا، وَحُكْمُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي مَسْأَلَةِ مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ بَابِهَا أَوْ طِيبِهَا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُصْرَفَ فِي غَالِبِ مَا يَقْصِدُهُ النَّاسُ بِنُذُورِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الفرع الثَّالِثُ وَنَذْرُ شَيْءٍ لِمَيِّتٍ صَالِحٍ مُعَظَّمٍ فِي نَفْسِ النَّاذِرِ]
(الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَذْرُ شَيْءٍ لِمَيِّتٍ صَالِحٍ مُعَظَّمٍ فِي نَفْسِ النَّاذِرِ لَا أَعْرِفُ نَصًّا فِيهِ، وَأَرَى إنْ قَصَدَ مُجَرَّدَ كَوْنِ الثَّوَابِ لِلْمَيِّتِ تَصَدَّقَ بِهِ بِمَوْضِعِ النَّاذِرِ، وَإِنْ قَصَدَ الْفُقَرَاءَ الْمُلَازِمِينَ لِقَبْرِهِ أَوْ زَاوِيَتِهِ تَعَيَّنَ لَهُمْ إنْ أَمْكَنَ وُصُولُهُ لَهُمْ، انْتَهَى. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَقَالَ: الْبُرْزُلِيُّ فِي آخِرِ مَسَائِلِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ: وَسَأَلْتُ شَيْخَنَا الْإِمَامَ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ عَمَّا يَأْتِي إلَى الْمَوْتَى مِنْ الْفُتُوحِ وَيُوعَدُونَ بِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ بَلَّغْتَ كَذَا لِسَيِّدِي فُلَانٍ كَذَا مَا يُصْنَعُ بِهِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى قَصْدِ الْمُتَصَدِّقِ، فَإِنْ قَصَدَ نَفْعَ الْمَيِّتِ تَصَدَّقَ بِهِ حَيْثُ شَاءَ، وَإِنْ قَصَدَ الْفُقَرَاءَ الَّذِينَ يَكُونُونَ عِنْدَهُ فَلْيُدْفَعْ ذَلِكَ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ فَلْيُنْظَرْ عَادَةُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي قَصْدِهِمْ الصَّدَقَةَ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْخِ، وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَ ذُرِّيَّةُ الْوَلِيِّ فِيمَا يُؤْتَى بِهِ إلَيْهِ مِنْ الْفُتُوحِ فَلْيُنْظَرْ قَصْدَ الْآتِي بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ حُمِلَ عَلَى الْعَادَةِ فِي إعْطَاءِ ذَلِكَ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ لَهُمْ أَوْ لِلْأَغْنِيَاءِ، وَسَمِعْتُهُ حِينَ سُئِلَ إنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى سَيِّدِي مُحْرِزٍ بِدِرْهَمٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَقَالَ: يُعْطِي ذَلِكَ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ عَلَى بَابِهِ، انْتَهَى. وَقَالَ الدَّمَامِينِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ الْأَوَّلَ: وَبَقِيَ عَلَيْهِ مَا إذَا عَلِمْنَا نَذْرَهُ وَجَهِلْنَا قَصْدَهُ وَتَعَذَّرَ اسْتِفْسَارُهُ فَعَلَى مَاذَا يُحْمَلُ؟ وَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى مَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ بِمَوْضِعِ النَّاذِرِ، انْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ يُؤْخَذُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ يَنْذِرُ شَيْئًا لِلنَّبِيِّ - ﷺ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
. ص (أَوْ أَهْدَى لِغَيْرِ مَكَّةَ)
ش: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَإِذَا الْتَزَمَ هَدْيًا لِغَيْرِ مَكَّةَ لَمْ يَفْعَلْهُ؛ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَسَوْقُ الْبُدْنِ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ مِنْ الضَّلَالِ
[ ٣ / ٣٤٠ ]
انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ إنَّمَا يَكُونُ قُرْبَةً إذَا كَانَ لِمَكَّةَ يُرِيدُ إذَا ذَكَرَ لَفْظَ الْهَدْيِ؛ لِأَنَّ سَوْقَ الْبُدْنِ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ مِنْ الضَّلَالِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ الْتَزَمَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ النَّذْرِ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ سَوَاءٌ كَانَ مُعَلَّقًا أَوْ غَيْرَ مُعَلَّقٍ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا شَكَّ أَنَّ نَاذِرَ الْهَدْيِ وَفِي مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ بَدَنَةٌ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَذْرًا مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِبَلَدٍ، أَوْ مُقَيَّدًا بِبَلَدٍ، وَالْبَلَدُ إمَّا مَكَّةَ أَوْ غَيْرُهَا، وَالْحُكْمُ فِي الثَّانِي مِنْ الْأَقْسَامِ بَيِّنٌ وَكَذَلِكَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْمُطْلَقُ؛ لِأَنَّ مَكَّةَ وَمِنًى مَحَلُّ الْهَدَايَا، وَعَلَى هَذَا الْقِسْمِ تَكَلَّمَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَشَارَ فِيهَا إلَى الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ: وَسَوْقُ الْبُدْنِ لِغَيْرِ مَكَّةَ مِنْ الضَّلَالِ وَالْمُصَنِّفِ لَمَّا كَانَ مَذْهَبُهُ الِاخْتِصَارَ اعْتَمَدَ الْكَلَامَ عَلَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَسَكَتَ عَنْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ عَلَى الثَّالِثِ يَسْتَلْزِمُ الْكَلَامَ عَلَيْهِمَا، وَلَا يَنْعَكِسُ أَعْنِي إذَا كَانَ مَنْ سَمَّى غَيْرَ مَكَّةَ لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَنْحَرَ إلَّا بِمَكَّةَ فَأَحْرَى مَنْ لَمْ يُسَمِّ أَوْ سَمَّاهَا، وَهُوَ بَيِّنٌ، انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ إلَّا أَنَّ آخِرَ كَلَامِهِ يُوهِمُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ هَدْيًا لِغَيْرِ مَكَّةَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْحَرَهُ بِمَكَّةَ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مُرَادُهُ لَا يَجُوزُ لَهُ نَحْرُهُ بِغَيْرِ مَكَّةَ، فَإِنْ أَرَادَ نَحْرَهُ، فَإِنَّمَا يَنْحَرُ بِمَكَّةَ
وَيُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ اللَّخْمِيِّ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ: عَلَيَّ لِلَّهِ أَنْ أَنْحَرَ بَدَنَةً، أَوْ قَالَ: لِلَّهِ هَدْيٌ فَلْيَنْحَرْ ذَلِكَ بِمَكَّةَ ابْنُ يُونُسَ أَوْ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ، وَقَالَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا يَنْحَرُ مَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَحْرُ بَدَنَةٍ أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ بِمَكَّةَ.
(قُلْتُ) يُرِيدُ أَوْ بِمِنًى بِشَرْطِهِ، انْتَهَى. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ لِلْمُتَقَدِّمِينَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ كَمَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ مَفْهُومَ كَلَامِ ابْنِ يُونُسَ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ نَحْرِهِ بِيَوْمِ النَّحْرِ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أَوْ بِمِنًى بِشَرْطِهِ لِيَدْخُلَ فِي ذَلِكَ مَا بَعْدَ يَوْمَ النَّحْرِ مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ نَحْرُ الْهَدْيِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ كَلَامِ الشَّيْخِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ أَشْهَبَ مَنْ حَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَمَعَهُ هَدْيُ تَطَوُّعٍ نَحَرَهُ بِمَكَّةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَذَرَهُ بِمِنًى، فَإِنْ نَحَرَهُ بِمَكَّةَ قَبْلَ عَرَفَةَ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ، انْتَهَى. ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلِلَّهِ عَلَيَّ جَزُورٌ أَوْ أَنْ أَنْحَرَ جَزُورًا فَلْيَنْحَرْهَا بِمَوْضِعِهِ، وَلَوْ نَوَى مَوْضِعًا أَوْ سَمَّاهُ فَلَا يُخْرِجُهَا إلَيْهِ كَانَتْ الْجَزُورُ بِعَيْنِهَا أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهَا، وَكَذَلِكَ إنْ نَذَرَهَا لِمَسَاكِينِ بَلَدِهِ، وَهُوَ بِغَيْرِهَا فَلْيَنْحَرْهَا بِمَوْضِعِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى مَسَاكِينِ مَنْ عِنْدَهُ، وَسَوْقُ الْبُدْنِ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ مِنْ الضَّلَالِ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَمُقَابِلُهُ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ يُونُسَ إثْرَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمَ، قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَهُوَ كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ بِمِصْرَ مِائَةَ رَكْعَةٍ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ غَيْرِهَا إنَّهُ لَا يُصَلِّي إلَّا بِمَوْضِعِهِ، قَالَ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مَرَّةً إنَّهُ يَنْحَرُهَا حَيْثُ نَوَى، وَقَالَهُ أَشْهَبُ، قَالَ أَشْهَبُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ نَحَرَهَا بِمَوْضِعِهَا، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامَ أَشْهَبَ وَصَوَّبَهُ اللَّخْمِيُّ، قَالَ: وَلَوْ نَوَى هَدْيَهُ لِذَلِكَ الْبَلَدِ كَانَ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَفِيَ بِهِ بِمَكَّةَ، انْتَهَى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ الْجَزُورَ بِمَكَّةَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْحَرَهَا بِهَا، وَلَيْسَ بِهَدْيٍ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ بِلَفْظِ نَحَرَهُ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُقَلِّدَهُ وَيُشْعِرَهُ (قُلْتُ) ظَاهِرُهُ لَهُ كَذَلِكَ فَيَصِيرُ هَدْيًا كَفِعْلِ ذَلِكَ فِي نُسُكٍ، انْتَهَى. يُعْنَى بِالنُّسُكِ الْفِدْيَةَ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: أَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْحَرَ شَيْئًا وَيُطْعِمَ الْمَسَاكِينَ لَحْمًا يَكُونُ قَدْرُهُ قَدْرَ لَحْمِ الْجَزُورِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا قُرْبَةَ فِي النَّحْرِ، انْتَهَى. وَالْبَعْضُ الْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ الْبَاجِيُّ وَعَنْهُ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَنَصَّهُ الْبَاجِيُّ وَعِنْدِي أَنَّ النَّذْرَ إنَّمَا هُوَ فِي إطْعَامِ لَحْمِهَا لَا فِي إرَاقَةِ دَمِهَا، فَمَنْ نَذَرَ نَحْرَ جَزُورٍ بِغَيْرِ مَكَّةَ فَاشْتَرَاهُ مَنْحُورًا وَتَصَدَّقَ بِهِ أَجْزَأَهُ، انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْبَدَنَةُ عِنْدَهُمْ مَا يُذْبَحُ فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ، وَالْجَزُورُ النَّاقَةُ الْمُعَدَّةُ لِلنَّحْرِ فِي غَيْرِ مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ، انْتَهَى.
[تَنْبِيهَاتٌ فَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِهِ لِحُرٍّ أَنَا أُهْدِيكَ وَقَوْلِهِ لِعَبْدِ غَيْرِهِ هُوَ هَدْيٌ]
ص (أَوْ مَالِ غَيْرُ إنْ لَمْ يُرِدْ أَنَّ مِلْكَهُ)
ش: سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ
[ ٣ / ٣٤١ ]
مِمَّا يُهْدَى أَوْ مِمَّا لَا يُهْدَى، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ مِلْكَهُ فَالْمَشْهُورُ يَلْزَمُهُ وَيَجْرِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيمَا يَصِحُّ هَدْيُهُ وَمَا لَا يَصِحُّ هَدْيُهُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ إنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: لِحُرٍّ: أَنَا أُهْدِيكَ، وَقَوْلِهِ: لِعَبْدِ غَيْرِهِ هُوَ هَدْيٌ، وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا لَا مِلْكَ لَهُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَصِحُّ مِلْكُهُ فَيُخْرِجُ عِوَضَهُ، وَهُوَ نِيَّتُهُ، وَأَمَّا الْحُرُّ فَلَيْسَ مِمَّا يَصْلُحُ مِلْكُهُ، وَلَا يُخْرِجُ عِوَضَهُ فَجَعَلَ عَلَيْهِ فِيهِ الْهَدْيَ إذَا قَصَدَ الْقُرْبَةَ، انْتَهَى.
(الثَّانِي) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَقَعَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ قَالَ: أَنَا أَنْحَرُ عَبْدَ فُلَانٍ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، كَمَنْ قَالَ: أَنَا أُهْدِي هَدْيًا كَمَا إذَا قَالَ: أَنَا أَنْحَرُ فُلَانًا، انْتَهَى. وَهَذَا لَيْسَ هُوَ الْمَشْهُورَ فِي قَوْلِهِ: أَنَا أَنْحَرُ فُلَانًا، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ]
(الثَّالِثُ) أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الْمَرْأَةِ الْأَنْصَارِيَّةِ الَّتِي أُسِرَتْ وَكَانَتْ الْعَضْبَاءُ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَخَذَهَا الْعَرَبُ الَّذِينَ أَسَرُوا الْمَرْأَةَ فَهَرَبَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الْعَضْبَاءِ وَنَذَرَتْ إنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «بِئْسَمَا جَزَتْهَا لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ» قَالَ الْقُرْطُبِيُّ ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي صَدَرَ مِنْ الْمَرْأَةِ مَعْصِيَةٌ؛ لِأَنَّهَا الْتَزَمَتْ أَنْ تُهْلِكَ مَالَ الْغَيْرِ فَتَكُونُ عَاصِيَةً بِهَذَا الْقَصْدِ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا مِنْ النَّبِيِّ - ﷺ - بَيَانُ تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَلَمْ تَقْصِدْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ التَّقَدُّمِ إلَيْهِ، وَبَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ كَانَ عَاصِيًا بِذَلِكَ الْقَصْدِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْمِلْكِ، كَقَوْلِهِ: إنْ مَلَكْتُ هَذَا الْبَعِيرَ فَهُوَ هَدْيٌ أَوْ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ مُعَلَّقٌ عَلَى مِلْكِهِ لَا مِلْكِ غَيْرِهِ، انْتَهَى. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَلِفَ الْإِنْسَانِ بِمِلْكِ الْغَيْرِ مُحَرَّمٌ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ: لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا عَلَّقَ الْعِتْقَ أَوْ الْهَدْيَ أَوْ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمِلْكِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ مَلَكْتُ عَبْدَ فُلَانٍ فَهُوَ حُرٌّ فَلَمْ يُلْزِمْهُ الشَّافِعِيُّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَمَّ أَوْ خَصَّ تَمَسُّكًا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَأَلْزَمَهُ أَبُو حَنِيفَةَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَمَّ أَوْ خَصَّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعُقُودِ الْمَأْمُورِ بِالْوَفَاءِ بِهَا، وَوَافَقَ أَبَا حَنِيفَةَ مَالِكٌ فِيمَا إذَا خَصَّ تَمَسُّكًا بِمِثْلِ مَا تَمَسَّكَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَخَالَفَهُ إذَا عَمَّ رَفْعًا لِلْحَرَجِ الَّذِي أَدْخَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلِمَالِكٍ قَوْلٌ آخَرُ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلِلْحَجْرِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ مَنْعُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ الْمَوْجُودِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ احْتِرَازًا مِمَّا لَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنْ الْمَالِ كَالْتِزَامِهِ عَطِيَّةَ شَيْءٍ مَا إنْ مَلَكَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْآنَ، وَلَكِنَّهُ إنْ مَلَكَ ذَلِكَ الشَّيْءَ، وَقَدْ زَالَ عَنْهُ حُكْمُ الْفَلَسِ لَزِمَهُ مَا الْتَزَمَ، وَإِلَّا كَانَ لِلْغُرَمَاءِ مَنْعُهُ، انْتَهَى.
. ص (إنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالْهَدْيِ أَوْ يَنْوِهِ أَوْ يَذْكُرْ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ)
ش: يَعْنِي، فَإِنْ تَلَفَّظَ بِالْهَدْيِ كَأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ فُلَانًا، أَوْ نَوَاهُ كَمَا إذَا قَالَ: عَلَيَّ أَنْ أَنْحَرَ فُلَانًا وَنَوَى بِذَلِكَ الْهَدْيَ، أَوْ ذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ كَمَا إذَا قَالَ أَنْحَرُ فُلَانًا فِي مَقَامِ إبْرَاهِيمَ يُرِيدُ أَوْ الْبَيْتَ أَوْ الْمَسْجِدَ أَوْ مِنًى أَوْ مَكَّةَ أَوْ الصَّفَا أَوْ الْمَرْوَةَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْن بَشِيرٍ: أَوْ يَذْكُرُ مَوْضِعًا مِنْ مَوَاضِعِ مَكَّةَ أَوْ مِنًى.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ لَزِمَهُ الْهَدْيُ فِي الْقَرِيبِ وَالْأَجْنَبِيِّ، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ لِلْبَاجِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَقْيِيدٌ وَخَصَّ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ ذَلِكَ بِالْقَرِيبِ.
(الثَّانِي) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي نَذْرٍ أَوْ تَعْلِيقٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ يُونُسَ كَمَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ بِالتَّعْلِيقِ، قَالَ: وَأَمَّا إنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَحْرُ فُلَانٍ أَوْ وَلَدِي، فَلَا يَلْزَمُهُ.
(الثَّالِثُ) قَيَّدَ ابْنُ بَشِيرٍ مَسْأَلَةَ مَا إذَا ذَكَرَ الْهَدْيَ بِأَنْ لَا يَقْصِدَ الْمَعْصِيَةَ يَعْنِي ذَبْحَهُ، قَالَ: فَلَا يَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ شَيْءٌ وَيُقَيِّدُ بِهِ مَسْأَلَةَ نِيَّةِ الْهَدْيِ، وَذِكْرُ الْمَقَامِ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَارْتَضَى الْقَيْدَ فِي الشَّامِلِ وَأَتَى بِهِ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ
[ ٣ / ٣٤٢ ]
ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ خَلِيلٌ: الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ قَصَدَ الْهَدْيَ وَالْقُرْبَةَ لَزِمَهُ بِاتِّفَاقٍ، وَمَنْ قَصَدَ الْمَعْصِيَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ بِاتِّفَاقٍ، وَاخْتُلِفَ حَيْثُ لَا نِيَّةَ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، انْتَهَى.
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْبَاجِيِّ إذَا عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَكَانِ النَّحْرِ كَأَنْ يَقُولَ: أَنَحْرُكَ عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ، قَالَ فَانْظُرْ قَوْلَهُ، فَإِنْ عَلَّقَ ذَلِكَ بِمَكَانِ الذَّبْحِ وَعِنْدَ الْمَقَامِ، فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ ابْنُ هَارُونَ إنَّ الْمُرَادَ بِمَقَامِ إبْرَاهِيمَ قَضِيَّتُهُ فِي الْتِزَامِ ذَبْحِ وَلَدِهِ وَفِدَاؤُهُ بِالْهَدْيِ لَا مَقَامُ مُصَلَّاهُ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ عِنْدَ ذِكْرِ كَلَامِ ابْنِ هَارُونَ: وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، انْتَهَى. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ نَحْوُ مَا ذُكِرَ عَنْ الْبَاجِيِّ، قَالَ: وَإِنْ قَالَ عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ، انْتَهَى.
(الْخَامِسُ) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَوْ قَالَ لِعِدَّةٍ مِنْ وَلَدِهِ أَوْ غَيْرِهِ: أَنَا أَنَحْرُكُمْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ هَدْيًا، وَقَدْ قِيلَ عَلَيْهِ هَدْيٌ لِجَمِيعِهِمْ، وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيْنَا، وَهُوَ الْحَقُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ، وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَذْبَحَ نَفْسَهُ فَلْيَذْبَحْ كَبْشًا، أَرَاهُ يُرِيدُ إنْ سَمَّى مَوْضِعَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ، انْتَهَى.
(السَّابِعُ) قَالَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ النُّذُورِ إذَا قَالَ لِوَلَدِهِ: أَنْتَ بَدَنَةٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى الْهَدْيَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ: فِي ابْنِهِ هُوَ بَدَنَةٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَنَا أَنْحَرُهُ، وَقَوْلُهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى الْهَدْيَ هُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ مَالِكٍ، وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ إنَّهُ إنْ أَرَادَ الْهَدْيَ أَوْ سَمَّى الْمَنْحَرَ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، وَلَا سَمَّى الْمَنْحَرَ، فَمَرَّةً رَأَى عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ وَمَرَّةً لَمْ يَرَ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
. ص (كَنَذْرِ الْهَدْيِ بَدَنَةً)
ش: يُشِيرُ إلَى قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَإِنْ نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا فَالْبَدَنَةُ أَوْلَى وَالْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ تُجْزِئُ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَوْلُهُ مُطْلَقًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ سَوَاءٌ كَانَ مُعَلَّقًا أَمْ لَا، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْبَدَنَةَ أَوْلَى وَالْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ تُجْزِئُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْحَجِّ الثَّانِي، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَمَنْ نَذَرَ هَدْيًا بَدَنَةً أَوْ غَيْرَهَا أَجْزَأَهُ شِرَاؤُهَا، وَلَوْ مِنْ مَكَّةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي أَنَّ مَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ، وَهُوَ بِغَيْرِ مَكَّةَ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُهْدِيَهَا مِنْ بَلَدِهِ، وَإِنْ أَمْكَنَ وُصُولُهَا إلَى مَكَّةَ؛ لِأَنَّ نَذْرَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَحَيْثُ اشْتَرَاهُ مِنْ مَكَّةَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَى الْحِلِّ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَهُ وَيَفْعَلَ بِهِ مِنْ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ مَا هُوَ سُنَّةٌ فِيهِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ وَنَصَّ عَلَى بَعْضِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، انْتَهَى. وَبَعْضُهُ فِي التَّوْضِيحِ.
ص (كَنَذْرِ الْحَفَاءِ)
ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ وَمَشَى فِي نَذْرِ الْحَفَاءِ وَالْحَبْوِ وَالزَّحْفِ، انْتَهَى.
ص (أَوْ حَمْلِ فُلَانٍ إنْ نَوَى التَّعَبَ) ش قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي مَسَائِلِ الْكُتُبِ فِي قَوْلِهِ: أَحْمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: تَارَةً يَحُجُّ الْحَالِفُ وَحْدَهُ، وَهَذَا إذَا أَرَادَ الْمَشَقَّةَ عَلَى نَفْسِهِ بِحَمْلِهِ عَلَى عُنُقِهِ، وَتَارَةً يَحُجُّ الْمَحْلُوفُ بِهِ وَحْدَهُ إذَا أَرَادَ حَمْلَهُ فِي مَالِهِ، وَتَارَةً يَحُجَّانِ جَمِيعًا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ اُنْظُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ.
. ص (وَأَلْغَى عَلَى الْمَسِيرِ وَالذَّهَابِ وَالرُّكُوبِ لِمَكَّةَ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَعَلَيَّ أَنْ أَسِيرَ أَوْ أَذْهَبَ أَوْ أَنْطَلِقَ أَوْ آتِي أَوْ أَرْكَبَ إلَى مَكَّةَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يَأْتِيَهَا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فَيَأْتِيهَا رَاكِبًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَاشِيًا، وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الرُّكُوبِ فَأَوْجَبَهُ مَرَّةً وَأَشْهَبُ يَرَى إتْيَانَ مَكَّةَ فِي هَذَا كُلِّهِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا.
ص (وَمُطْلَقُ الْمَشْيِ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ وَلَمْ يَقُلْ لِبَيْتِ اللَّهِ، فَإِنْ نَوَى مَكَّةَ مَشَى، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَلْيَمْشِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَسْجِدًا فَلَهُ نِيَّتُهُ.
ص (وَمَشَى لِمَسْجِدٍ
[ ٣ / ٣٤٣ ]
وَإِنْ لِاعْتِكَافٍ إلَّا الْقَرِيبَ جِدًّا فَقَوْلَانِ تَحْتَمِلُهُمَا) ش أَيْ هَلْ يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ إلَيْهِ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ، وَإِذَا لَزِمَهُ فَيَذْهَبُ إلَيْهِ مَاشِيًا، وَلَا يَرْكَبُ، وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِي رُكُوبِهِ قَوْلَيْنِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَقْرَبُ لُزُومُهُ الذَّهَابُ لِتَنَاوُلِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ لَهُ، وَعَدَمُ تَنَاوُلِ حَدِيثِ إعْمَالِ الْمَطِيِّ، ثُمَّ الْأَقْرَبُ لُزُومُ الْمَشْيِ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْمَاشِي إلَى الْمَسْجِدِ مِنْ الْفَضْلِ مَا لَمْ يَأْتِ مِثْلُهُ فِي الرَّاكِبِ، انْتَهَى. وَحَدُّ الْقُرْبِ قَالُوا مَا لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى إعْمَالِ الْمَطِيِّ وَشَدِّ الرِّحَالِ.
[فَرْعٌ فِي نَاذِرِ زِيَارَتِهِ ﷺ]
ص (وَمَشَى لِلْمَدِينَةِ)
ش: (فَرْعٌ) قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَتَوَقَّفَ الشَّيْخُ عِيسَى الْغُبْرِينِيُّ فِي نَاذِرِ زِيَارَتِهِ - ﷺ - لِعَدَمِ النَّصِّ، وَاسْتَظْهَرَ غَيْرُهُ اللُّزُومَ لِتَحَقُّقِ الْقُرْبَةِ، وَأَنْكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ زِيَارَةَ قَبْرِ غَيْرِهِ - ﵇ - لِلتَّبَرُّكِ، وَعَدَّهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْدُوبَاتِ، وَأَجَازَ الرِّحْلَةَ لَهُ فِي آدَابِ السَّفَرِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِّ كَلَامَهُ بِنَصِّهِ وَحُرُوفِهِ فَانْظُرْهُ، انْتَهَى.، وَقَالَ السَّيِّدُ السَّمْهُودِيُّ فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ الشَّافِعِيَّةِ فِي نَذْرِ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَقَالَ الْعَبْدِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: وَأَمَّا النَّذْرُ لِلْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ فَلَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ إلَى الْمَدِينَةِ لِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَفْضَلُ مِنْ الْكَعْبَةِ وَمِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ حَجٌّ، وَلَا عُمْرَةٌ، فَإِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَزِمَهُ، فَالْكَعْبَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَيَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا فِي الْمَسْجِدَيْنِ الْآخَرَيْنِ، انْتَهَى. مِنْ خُلَاصَةِ الْوَفَا وَانْظُرْ الْبُرْزُلِيَّ.
ص (إنْ لَمْ يَنْوِ صَلَاةً بِمَسْجِدَيْهِمَا)
ش: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ ظَاهِرُهُ كَانَتْ فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً أَمَّا إنْ نَوَى صَلَاةَ الْفَرِيضَةِ، فَلَا إشْكَالَ، وَأَمَّا إنْ نَوَى صَلَاةَ النَّافِلَةِ، فَلَا تَضْعِيفَ فِيهَا، بَلْ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ، وَانْظُرْ أَوَاخِرَ الشِّفَاءِ فَإِنَّهُ حَكَى فِيهِ قَوْلَيْنِ الشَّيْخُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يُقِيمَ أَيَّامًا يَتَنَفَّلُ فَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ صَلَاةَ الْفَرْضِ، انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ عِنْدَ كُلِّ سَارِيَةٍ مِنْ سِوَارِي الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ يَعُدُّ السَّوَارِيَ وَيُصَلِّي إلَى وَاحِدَةٍ لِكُلِّ سَارِيَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، انْتَهَى
. ص (وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ، ثُمَّ مَكَّةُ)
ش: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: مَكَّةُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ بَعْدَ إجْمَاعِ الْكُلِّ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ قَبْرِهِ - ﵊ - أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ، قَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: قُلْتُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ بَعْدَهُ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَانْظُرْهُ، انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ السَّمْهُودِيُّ فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ: نَقَلَ عِيَاضٌ وَقَبْلَهُ أَبُو الْوَلِيدِ وَالْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْإِجْمَاعَ عَلَى تَفْضِيلِ مَا ضَمَّ الْأَعْضَاءَ الشَّرِيفَةَ عَلَى
[ ٣ / ٣٤٤ ]
الْكَعْبَةِ بَلْ نَقَلَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيِّ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْعَرْشِ، وَصَرَّحَ التَّاجُ الْفَاكِهِيُّ بِتَفْضِيلِهَا عَلَى السَّمَوَاتِ، قَالَ: بَلْ الظَّاهِرُ الْمُتَعَيَّنُ جَمِيعُ الْأَرْضِ عَلَى السَّمَوَاتِ لِحُلُولِهِ - ﷺ - بِهَا، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ الْأَكْثَرِ بِخَلْقِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهَا وَدَفْنِهِمْ فِيهَا، لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ: الْجُمْهُورُ عَلَى تَفْضِيلِ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ أَيْ مَا عَدَا مَا ضَمَّ الْأَعْضَاءَ الشَّرِيفَةَ، وَأَجْمَعُوا بَعْدُ عَلَى تَفْضِيلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ عَلَى سَائِرِ الْبِلَادِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا، وَالْخِلَافُ فِيمَا عَدَا الْكَعْبَةَ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَدِينَةِ اتِّفَاقًا، انْتَهَى. مِنْ خُلَاصَةِ الْوَفَا، وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاخْتَلَفُوا فِي مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَدِينَةَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ حَبِيبٍ مَكَّةُ أَفْضَلُ.
[مَسْأَلَةٌ حُكْمُ مَا زِيدَ فِي مَسْجِدِهِ ﵇ حُكْمُ الْمَزِيدِ فِيهِ فِي الْفَضْلِ]
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ: وَحُكْمُ مَا زِيدَ فِي مَسْجِدِهِ - ﵊ - حُكْمُ الْمَزِيدِ فِيهِ فِي الْفَضْلِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَحَادِيثَ وَرِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ تَسْهِيلِ الْمُهِمَّاتِ لِوَالِدِهِ، وَنَصُّ كَلَامِهِ وَحُكْمُ مَا زِيدَ فِي مَسْجِدِهِ - ﷺ - حُكْمُ الْمَزِيدِ فِي الْفَضْلِ لِأَحَادِيثَ عَنْهُ - ﷺ -، وَآثَارٍ عَنْ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - مُصَرِّحَةٍ بِذَلِكَ، ذَكَرَهَا الْمُؤَرِّخُونَ فِي كُتُبِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا، قَالَ عُمَرُ - ﵁ - لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَمِنْ زِيَادَتِهِ لَوْ انْتَهَى بِنَاؤُهُ إلَى الْجَبَّانَةِ لَكَانَ الْكُلُّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «لَوْ زِيدَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ إلَى صَنْعَاءَ كَانَ مَسْجِدِي»، وَعَنْ ابْنِ أَبِي ذُؤَيْبٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - ﵁ - قَالَ: لَوْ مُدَّ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ لَكَانَ مِنْهُ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَوْصِلِيُّ: بَلَغَنِي عَنْ ثِقَاتٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: مَا زِيدَ فِي مَسْجِدِي فَهُوَ مِنْهُ، وَلَوْ بَلَغَ مَا بَلَغَ» وَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ حُكْمُ الزِّيَادَةِ حُكْمُ الْمَزِيدِ فِيهِ، وَصَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ غَيْرُ النَّوَوِيِّ، فَذَكَرَ أَنَّ مُضَاعَفَةَ الصَّلَاةِ تَخْتَصُّ بِمَسْجِدِهِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْفَقِيهُ مُحِبُّ الدِّينِ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّوَوِيَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي مَنْسَكِ الْحَجِّ: حُكْمُ الزِّيَادَةِ حُكْمُ الْمَزِيدِ فِيهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، وَنَقَلَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرْحُونٍ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْمُوَطَّإِ لَهُ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ فِيهِ أَنَّ مَالِكًا - ﵀ - سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ الصَّلَاةُ فِيمَا زِيدَ فِي مَسْجِدِهِ - ﵊ - كَالصَّلَاةِ فِي الْمَزِيدِ فِيهِ مِنْ الْفَضْلِ، فَقَالَ: مَا أَرَاهُ - ﵇ - أَشَارَ بِقَوْلِهِ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا إلَّا لِمَا سَيَكُونُ مِنْ مَسْجِدِهِ بَعْدَهُ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَعَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَشَارَ إلَيْهِ، انْتَهَى.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ هَذَا إلَى إخْرَاجِ مَا عَدَاهُ مِنْ مَسَاجِدِهِ الَّتِي تُنْسَبُ إلَيْهِ كَمَسْجِدِ قُبَاءَ وَمَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَمَسْجِدِ الْعِيدِ وَمَسْجِدِ الْفَتْحِ وَغَيْرِهَا، انْتَهَى مِنْ تَسْهِيلِ الْمُهِمَّاتِ، وَذَكَرَ ذَلِكَ وَالِدُهُ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَلَا تُعَادُ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ مَعَ وَاحِدٍ فَأَكْثَرَ، وَقَالَ السَّيِّدُ السَّمْهُودِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ الْمُسَمَّى خُلَاصَةُ الْوَفَا لَمَّا تَكَلَّمَ فِي تَخْصِيصِ الْمُضَاعَفَةِ بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الْأَصْلِيِّ وَعُمُومِهَا لِمَا زِيدَ فِيهِ، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ صَاحِبُهُ، فَقَالَ: بَلْ هُوَ يَعْنِي الْمَسْجِدَ الَّذِي جَاءَ فِيهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَخْبَرَ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ وَزُوِّيَتْ لَهُ الْأَرْضُ فَرَأَى مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَتَحَدَّثَ بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ، وَلَوْلَا هَذَا مَا اسْتَجَازَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَنْ يَزِيدُوا فِيهِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مُنْكِرٌ قَالَ السَّيِّدُ: انْتَهَى. يَعْنِي كَلَامَ مَالِكٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بَلْ نَقَلَ الْبُرْهَانَ ابْنُ فَرْحُونٍ أَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إلَّا النَّوَوِيُّ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: وَنِسْبَةُ الْمِحْرَابِ إلَيْهِ - ﷺ - كَنِسْبَةِ جَمِيعِ
[ ٣ / ٣٤٥ ]
الْمَسْجِدِ إلَيْهِ فَيُقَالُ: مَسْجِدُ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَلَوْ زِيدَ فِيهِ، وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ الصَّلَاةَ تُضَاعَفُ فِيمَا زِيدَ فِيهِ كَمَا تُضَاعَفُ فِي الْمَسْجِدِ الْقَدِيمِ، وَلَمَّا زَادَ عُمَرُ - ﵁ - فِي الْمَسْجِدِ مِنْ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ وَنَقَلَ مَحَلَّ الْإِمَامِ إلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ وَكَانَ فِيهَا مِحْرَابٌ وَاسْتَشْهَدَ - ﵁ - فِي ذَلِكَ الْمِحْرَابِ، ثُمَّ زَادَ بَعْدَهُ عُثْمَانُ مِنْ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ أَيْضًا، وَأَيْضًا انْتَقَلَ مَحَلُّ الْإِمَامِ إلَى الْمِحْرَابِ الَّذِي فِي الْقِبْلَةِ الْآنَ، وَهُوَ مِحْرَابُ عُثْمَانَ، وَكَانَ فِي أَيَّامِ مَالِكٍ يُصَلِّي الْإِمَامُ فِي مِحْرَابِ عُثْمَانَ، فَلَمَّا قَلَّ النَّاسُ رَجَعُوا إلَى مِحْرَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - الَّذِي بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ، انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.