ص (كِتَابُ الْإِقْرَارِ)
ش: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَهَذِهِ الْمَادَّةُ وَهِيَ الْإِقْرَارُ وَالْقَرَارُ وَالْقَرُّ وَالْقَارُورَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ السُّكُونِ وَالثُّبُوتِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يُثْبِتُ الْحَقَّ وَالْمُقِرُّ أَثْبَتَ الْحَقَّ عَلَى نَفْسِهِ وَالْقَرَارُ السُّكُونُ وَالْقَرُّ الْبَرْدُ وَهُوَ يُسْكِنُ الدِّمَاءَ وَالْأَعْضَاءَ وَالْقَارُورَةُ يَسْتَقِرُّ فِيهَا مَائِعٌ انْتَهَى. وَمِنْهَا قَاعِدَةُ الْإِقْرَارِ وَالدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ كُلُّهَا إخْبَارَاتٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا أَنَّ الْإِخْبَارَ إنْ كَانَ يَقْتَصِرُ حُكْمُهُ عَلَى قَائِلِهِ، فَهُوَ الْإِقْرَارُ وَإِنْ لَمْ يَقْتَصِرْ، فَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُخْبِرِ فِيهِ نَفْعٌ وَهُوَ الشَّهَادَةُ أَوْ يَكُونَ وَهُوَ الدَّعْوَى انْتَهَى وَقَالَ السُّبْكِيُّ: فِي نُكَتِهِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة: ٨٤] يَدُلُّ عَلَى تَغَايُرِ الْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ انْتَهَى وَفِيهِ خِلَافٌ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْإِقْرَارَ شَهَادَةٌ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْإِقْرَارُ لَمْ يُعَرِّفُوهُ وَكَأَنَّهُ عِنْدَهُمْ بَدِيهِيٌّ وَمَنْ أَنْصَفَ لَمْ يَدَّعِ بَدَاهَتَهُ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى حَالِ مُدَّعِيهَا أَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ حَقًّا عَلَى قَائِلِهِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ نَظَرِيٌّ فَيُعَرَّفُ بِأَنَّهُ خَبَرٌ يُوجَبُ حُكْمَ صِدْقِهِ عَلَى قَائِلِهِ فَقَطْ بِلَفْظِهِ أَوْ بِلَفْظِ نَائِبِهِ فَيَدْخُلُ إقْرَارُ الْوَكِيلِ وَتَخْرُجُ الْإِنْشَاءَاتُ كَبِعْت وَطَلَّقْت وَنُطْقِ الْكَافِرِ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَازِمِهِمَا عَنْهَا لَا الْإِخْبَارُ كَكُنْتُ بِعْت وَطَلَّقْت وَأَسْلَمْت وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالرِّوَايَةُ وَالشَّهَادَةُ وَقَوْلُهُ زَيْدٌ زَانٍ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ أَوْجَبَ حُكْمًا عَلَى قَائِلِهِ فَقَطْ، فَلَيْسَ لَهُ هُوَ حُكْمُ مُقْتَضَى صِدْقِهِ.
ص (يُؤَاخَذُ الْمُكَلَّفُ بِلَا حَجْرٍ بِإِقْرَارِهِ)
ش: خَرَجَ بِالْمُكَلَّفِ إقْرَارُ الْمُكْرَهِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِي آخِرِ بَابِ الدِّيَاتِ شَرْطُ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ أَنْ لَا يَكُونَ بِإِكْرَاهٍ، وَأَمَّا الْمَحْبُوسُ وَالْمُتَهَدِّدُ فَاخْتُلِفَ فِي أَخْذِهِ بِإِقْرَارِهِ وَاضْطَرَبَ الْمَذْهَبُ فِي إقْرَارِهِ بَعْدَ الْحَبْسِ وَالتَّهْدِيدِ هَلْ يُقْبَلُ جُمْلَةً أَوْ لَا يُقْبَلُ جُمْلَةً أَوْ الْفَرْقُ فَيُقْبَلُ إذَا عَيَّنَ مَا اعْتَرَفَ بِهِ مِنْ قَتْلٍ وَسَرِقَةٍ أَوْ لَا يُقْبَلُ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ انْتَهَى. وَقَالَ الدَّمَامِينِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِي قَوْلِهِ زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ وَعَنْ الْإِمَامِ
[ ٥ / ٢١٦ ]
مَالِكٍ إنَّ الْمَذْعُورَ لَا يَلْزَمُهُ مَا صَدَرَ مِنْهُ فِي حَالِ ذُعْرِهِ مِنْ بَيْعٍ وَإِقْرَارٍ وَغَيْرِهِ انْتَهَى بِلَفْظِهِ (مَسْأَلَةٌ) امْرَأَةٌ ادَّعَتْ عَلَى أَخِيهَا بِمِيرَاثِهَا مِنْ أَبِيهَا فِي أَمْلَاكٍ سَمَّتْهَا فَقَالَ وَكِيلُ الْأَخِ: إنَّ أَخَاهَا قَدْ قَاسَمَهَا جَمِيعَ الْأَمْلَاكِ وَقَبَضَتْ حِصَّتَهَا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ: إنْ كَانَ الْأَخُ جَعَلَ لِوَكِيلِهِ الْإِقْرَارَ فَقَوْلُهُ إنَّ مُوَكِّلَهُ قَدْ قَاسَمَ أُخْتَهُ فِي جَمِيعِ الْأَمْلَاكِ الَّتِي وُقِفَ عَلَيْهَا إقْرَارٌ مِنْهُ عَلَيْهِ بِمُشَارَكَةِ أُخْتِهِ لَهُ فِي جَمِيعِهَا، فَيُقْضَى لَهَا بِمِيرَاثِهَا فِي سَائِرِهَا إنْ كَانَتْ فِي يَدَيْهِ انْتَهَى. وَفِي مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ مَنْ طَلَبَتْ مِنْهُ أُخْتُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ أَمْلَاكِ أَبِيهَا فَقَالَ: بِيَدَيَّ رَبْعٌ مَلَكْتُهُ مِنْ أَبِي وَرَبْعٌ مَلَكْتُهُ بِكَسْبِي وَغَفَلَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ إنَّ عَلَى وَرَثَتِهِ إثْبَاتَ مَا ادَّعَى أَنَّهُ اسْتَفَادَهُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ وَإِلَّا حَلَفَتْ مَا عَلِمَتْ بِمَا اسْتَفَادَهُ وَقُسِّمَ بَيْنَهُمَا انْتَهَى.
(فَرْعٌ): قَالَ فِي الْكَافِي فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ عَنْ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ: وَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ قَالَ: مَا أُقِرَّ بِهِ عَلَى فُلَانٍ فَهُوَ لَازِمٌ لِي إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ انْتَهَى.
(فَرْعٌ): يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ الْإِقْرَارِ بِالْمُجْمَلِ قَالَ فِي وَثَائِقِ الْجَزِيرِيِّ فِي إقْرَارِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ وَالسَّيِّدُ لِأُمِّ وَلَدِهِ يَقُولُ: أَشْهَدَ فُلَانٌ أَنَّ جَمِيعَ مَا يُغْلَقُ عَلَيْهِ بَابُ الْبَيْتِ الَّذِي يَسْكُنُهُ مَعَ زَوْجَتِهِ فُلَانَةُ أَوْ مَعَ أُمِّ وَلَدِهِ مِنْ الْوِطَاءِ وَالْغِطَاءِ وَالثِّيَابِ وَالتَّوَابِيتِ وَالْمَوَاعِينِ وَالْحُلِيِّ وَالْأَثَاثِ لِزَوْجَتِهِ فُلَانَةَ مَالُهَا، وَمِنْ كَسْبِ يَدِهَا لَا حَقَّ لِي مَعَهَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ يَجُوزُ إقْرَارُ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ وَالسَّيِّدِ لِأُمِّ وَلَدِهِ، فَإِنْ سَمَّى مَا أَقَرَّ بِهِ كَانَ أَتَمَّ، وَإِنْ أَجْمَلَ جَازَ، فَإِنْ مَاتَ وَادَّعَى الْوَرَثَةُ أَنَّهُ لِلْمَيِّتِ اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الْإِشْهَادِ، فَعَلَيْهِمْ الْبَيِّنَةُ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يَقْطَعُوا أَنَّهُ اكْتَسَبَ شَيْئًا مَعْلُومًا يُسَمُّونَهُ بَعْدَ تَارِيخِ الْإِشْهَادِ فَلَهُمْ عَلَيْهَا الْيَمِينُ، وَلَهَا رَدُّهَا عَلَيْهِمْ انْتَهَى.
قَالَهُ فِي بَابِ الْوَصَايَا فَصَرِيحُ كَلَامِهِ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْمُجْمَلِ يَصِحُّ وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ الثَّانِي مَا يُخَالِفُهُ وَنَصُّ السَّمَاعِ مَسْأَلَةٌ وَسُئِلَ عَنْ الَّذِي يَشْهَدُ لِامْرَأَتِهِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِ بَابُ بَيْتِهَا، فَهُوَ لَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَى لَهَا مِنْ مَتَاعِ الرِّجَالِ شَيْئًا وَأَشْهَدَ لَهَا، فَقَالَ سَوَاءٌ أَشْهَدَ لَهَا أَوْ لَمْ يُشْهِدْ لَهَا مَا فِي الْبَيْتِ مِمَّا يُعْرَفُ أَنَّهُ مَتَاعُ النِّسَاءِ، فَهُوَ لَهَا أَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِيهِ لَهَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُشْهِدَ لِامْرَأَتِهِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ تُوُفِّيَ، فَقَامَتْ تَدَّعِي مَا فِي الْبَيْتِ مِنْ مَتَاعِ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ فَلَمْ يَرَ لَهَا فِيمَا أَشْهَدَ لَهَا بِهِ مَنْفَعَةً إذَا لَمْ يَشْهَدْ لَهَا عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ لَهَا، وَإِنَّمَا أَشْهَدَ لَهَا بِمَا فِي بَيْتِهَا، وَلَعَلَّ مَا تَدَّعِيهِ مِنْ مَتَاعِ الرِّجَالِ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِهَا يَوْمَ الْإِشْهَادِ، فَقَالَ سَوَاءٌ أَشْهَدَ لَهَا، أَوْ لَمْ يُشْهِدْ لَهَا مَا فِي الْبَيْتِ مِمَّا يَعْرِفُ أَنَّهُ مِنْ مَتَاعِ النِّسَاءِ فَهُوَ لَهَا يُرِيدُ، وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ مَتَاعِ الرِّجَالِ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَى لَهَا مِنْ مَتَاعِ الرِّجَالِ شَيْئًا فَأَشْهَدَ لَهَا أَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِيهِ لَهَا وَفِي قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَى لَهَا إلَى آخِرِ قَوْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَشْهَدَ لَهَا عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ مِنْ مَتَاعِ الرِّجَالِ أَنَّهُ لَهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا، وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ أَصْلَ الْمِلْكِ لَهُ صَحَّ الْإِقْرَارُ لَهَا، وَإِنْ عَلِمَ أَصْلَ الْمِلْكِ لَهُ كَانَ إقْرَارُهُ هِبَةً تَصِحُّ لَهَا بِحِيَازَتِهَا إيَّاهَا لِكَوْنِهَا فِي بَيْتِهَا، وَتَحْتَ يَدِهَا إلَّا مَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْحِيَازَةِ إنَّ هَذَا آلَ إلَى الضَّعْفِ وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ يَدَ الزَّوْجِ عِنْدَهُ هِيَ الْمُغَلَّبَةُ عَلَى يَدِ الزَّوْجَةِ إذَا اخْتَلَفَا فِيمَا هُوَ مِنْ مَتَاعِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَلَوْ قَامَتْ فِي حَيَاتِهِ تَدَّعِي مَا فِي بَيْتِهَا مِنْ مَتَاعِ الرِّجَالِ وَتَحْتَجُّ بِمَا أَشْهَدَ لَهَا بِهِ مِنْ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي بَيْتِهَا لَهَا فَنَاكَرَهَا فِي ذَلِكَ.
وَادَّعَى لِنَفْسِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِهَا يَوْمَ أَشْهَدَ لَهَا بِمَا أَشْهَدُوا أَنَّهُ إنَّمَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَنْفَعَهَا الْإِشْهَادُ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهَا مَعَ يَمِينِهَا إلَّا أَنْ يُقِيمَ هُوَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اكْتَسَبَ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِشْهَادِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ أَشْهَدَ لَهَا بِذَلِكَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَلَا يَكُونُ فِي بُطْلَانِ الشَّهَادَةِ إشْكَالٌ وَلَا فِي أَنَّهَا لَا يَكُونُ لَهَا مِنْ مَتَاعِ الرِّجَالِ إلَّا مَا أَشْهَدَ عِنْدَ اشْتِرَائِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَشْتَرِيهِ لَهَا فَلَا كَلَامَ
[ ٥ / ٢١٧ ]
انْتَهَى فَقَوْلُهُ فَلَمْ يَرَ لَهَا فِيمَا أَشْهَدَ لَهَا بِهِ مَنْفَعَةً إذْ لَمْ يُشْهِدْ لَهَا عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْمُجْمَلِ لَا يَصِحُّ وَنَقَلَ ابْنُ سَلْمُونٍ فِي وَثَائِقِهِ فِي بَابِ الْوَصَايَا فِيهِ الْخِلَافَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ وَنَصُّهُ بَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ، فَإِنْ قَالَ فِي مَرَضِهِ هَذِهِ وَلَدَتْ مِنِّي وَلَا وَلَدَ لَهَا فَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ غَيْرِهَا جَازَ إقْرَارُهُ وَعَتَقَتْ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَإِلَّا لَمْ يُصَدَّقْ وَرَقَّتْ، وَكَذَلِكَ إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا، وَقَدْ كَانَ أَقَرَّ لَهَا فِي صِحَّتِهِ بِجَمِيعِ مَا فِي بَيْتِهَا مِنْ الثِّيَابِ وَالْمَاعُونِ وَالْحُلِيِّ وَالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهَا، وَكَذَلِكَ إنْ أَشْهَدَ لَهَا بِهِ مُجْمَلًا وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ لَهَا بِذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ لَهَا إلَّا الشَّيْءُ الْخَفِيفُ مِثْلُ كِسْوَتِهَا وَشِبْهُ ذَلِكَ وَإِنْ ادَّعَتْهُ وَكَانَ مِنْ زِيِّهَا وَهِيَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الْحُرَّةِ وَيَكْتُبُ فِي ذَلِكَ عَقْدًا أَشْهَدَ فُلَانٌ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ بَرِئَ مِنْ أُمِّ وَلَدِهِ فُلَانَةَ مِنْ عَلَقِهِ كُلِّهَا وَتَبِعَاتِهِ أَجْمَعْهَا وَأَقَرَّ أَنَّهُ لَا مَرْفُوعَ لَهُ عِنْدَهَا وَلَا مُودَعَ وَلَا فِي ذِمَّتِهَا، وَلَا فِي أَمَانَتِهَا وَأَنَّ مَا يُغْلَقُ عَلَيْهِ مَوْضِعُ سُكْنَاهَا مَعَهُ مِنْ الْأَثَاثِ وَالْمَتَاعِ وَمَا بِيَدِهَا مِنْ الْحُلِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ شَاكِلَةُ النِّسَاءِ، فَهُوَ مَالُهَا وَمَتَاعُهَا لَا حَقَّ لَهُ مَعَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَمَنْ ادَّعَى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِدَعْوَى أَوْ طَالَبَهَا بِمَطْلَبٍ بِسَبَبِهِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَمَطْلَبُهُ بَاطِلٌ وَدَعْوَاهُ كَاذِبَةٌ أَوْ قَصَدَ تَحْلِيفَهَا أَوْ تَحْنِيثَهَا، فَاَللَّهُ حَسِيبُهُ وَسَائِلُهُ إشْهَادًا صَحِيحًا، وَكَذَلِكَ تُعْقَدُ لِلزَّوْجَةِ إنْ نَسَبَهَا إلَى ذَلِكَ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مُوجِبِ هَذِهِ الْوَثِيقَةِ فَقَالَ ابْن زَرْبٍ ذَلِكَ لَهَا، وَيَصِحُّ إشْهَادُهُ بِذَلِكَ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ وَحُكِيَ أَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ كَانَ يُفْتِي بِأَنْ لَا يَمِينَ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يُحَقِّقَ الْوَرَثَةُ عَلَيْهَا مَا يَجِبُ عَلَيْهَا فِيهِ الْيَمِينُ قَالَ: وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْيَمِينِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: عَقْدُ مِثْلِ هَذِهِ الْوَثِيقَةِ لَا يَجُوزُ وَإِقْرَارُهُ لَا يَصِحُّ وَإِشْهَادُهُ وَعَدَمُ إشْهَادِهِ سَوَاءٌ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْإِشْهَادُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِشْهَادُ وَهُوَ مَرِيضٌ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ وَسُئِلَ ابْنُ زَرْبٍ فِي ذَلِكَ أَيْضًا فَقَالَ: أَمَّا مَا كَانَ مِنْ زِيِّهَا أَوْ زِيِّهِ فَلَا تَأْخُذُهُ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهَا، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ زِيِّهَا فَإِنَّهَا تَأْخُذُهُ بِلَا يَمِينٍ وَأَفْتَى ابْنُ وَضَّاحٍ الْمُرْسِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ عَامٌّ إلَّا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ ثِيَابِهِ أَوْ زِيِّهِ أَوْ عُرُوضٍ أَوْ طَعَامٍ، فَهُوَ مَوْرُوثٌ إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ وَيُعَيِّنَهُ الشُّهُودُ انْتَهَى.
ص (لِأَهْلٍ لَمْ يُكَذِّبْهُ)
ش: اُحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ لَمْ يُكَذِّبْهُ مِمَّا إذَا قَالَ: لَا أَعْلَمُ لِي عَلَيْكَ شَيْئًا، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: نَعَمْ لِي عَلَيْكَ فَأَنْكَرَ الْمُقِرُّ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ إنْكَارُهُ.
نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ النَّوَادِرِ وَنَصُّ النَّوَادِرِ مَنْ أَقَرَّ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَ: مَا لِي عَلَيْكَ شَيْءٌ فَقَدْ بَرِئَ بِذَلِكَ فَإِنْ أَعَادَ الْمُقِرُّ الْإِقْرَارَ بِالْأَلْفِ فَقَالَ الْآخَرُ أَجَلْ هِيَ لِي عَلَيْكَ أَخَذْتُهُ بِهَا قَالَ سَحْنُونٌ: إذَا قَالَ لَكَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَقَالَ الْآخَرُ: مَا لِي عَلَيْك شَيْءٌ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: هِيَ لِي عَلَيْكَ فَأَنْكَرَهَا الْمُقِرُّ فَالْمُقِرُّ مُصَدَّقٌ، وَلَا شَيْءَ لِلطَّالِبِ، وَلَكِنْ إنْ قَالَ الطَّالِبُ: مَا أَعْلَمُ لِي عَلَيْكَ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ نَعَمْ هِيَ لِي عَلَيْكَ فَأَنْكَرَ الْمُقِرُّ، فَهَهُنَا يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ وَلَا يَنْفَعُهُ إنْكَارُهُ، وَإِنْ قَالَ هَذِهِ الْجَارِيَةُ غَصَبْتُهَا مِنْ فُلَانٍ فَقَالَ فُلَانٌ: لَيْسَتْ لِي لَمْ يَلْزَمْ الْمُقِرَّ شَيْءٌ فَإِنْ أَعَادَ الْإِقْرَارَ فَادَّعَاهَا الطَّالِبُ دُفِعَتْ إلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ هَذَا الْعَبْدُ لَكَ فَقَالَ الْآخَرُ هُوَ لَيْسَ لِي، ثُمَّ قَالَ هُوَ لِي قَبْلَ أَنْ يُعِيدَ الْمُقِرُّ الْإِقْرَارَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْعَبْدُ وَلَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ عَلَيْهِ إنْ أَقَامَهَا؛ لِأَنَّهُ بَرِئَ مِنْهُ انْتَهَى. وَحَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ وَنَصَّهُ إثْرَ قَوْلِ الْعُتْبِيَّةِ فِي رَسْمِ يُوصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ الْمِائَةُ دِينَارٍ الَّتِي اسْتَوْدَعْتُكَهَا فَيَقُولُ مَا اسْتَوْدَعْتنِيهَا وَلَكِنْ
[ ٥ / ٢١٨ ]
أَعْطَيْتَنِيهَا قِرَاضًا، وَهَذِهِ مِائَةُ دِينَارٍ رَبِحْت فِيهَا فَلَكَ مِنْهَا خَمْسُونَ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ الْخَمْسِينَ قَالَ: إنْ أَبَى أَنْ يَأْخُذَهَا حَبَسَهَا وَاسْتَأْنَى سِنِينَ لَعَلَّهُ أَنْ يَأْخُذَهَا فَإِنْ أَبَى أَنْ يَأْخُذَهَا تَصَدَّقَ بِهَا قِيلَ لَهُ إنْ مَاتَ فَأَحَبَّ وَرَثَتُهُ أَنْ يَأْخُذُوهَا قَالَ: يَأْخُذُونَهَا إنْ شَاءُوا إذَا أَحَبَّ الْمُقِرُّ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِمْ قُلْت وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِدَفْعِهَا إلَى وَرَثَتِهِ قَالَ: لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِدَفْعِهَا إلَيْهِمْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ يَتَحَصَّلُ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْخَمْسِينَ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا إلَّا أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ وَيَرْجِعَ إلَى تَصْدِيقِهِ وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى مَا لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَا لِأَشْهَبَ فِي كِتَابِ إرْخَاءِ السُّتُورِ مِنْهَا، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْخَمْسِينَ وَإِنْ رَجَعَ إلَى تَصْدِيقِهِ، وَكَذَّبَ نَفْسَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ هَهُنَا، وَفِي وَرَثَتِهِ إنْ مَاتَ وَنَصُّ مَا فِي رَسْمِ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ.
وَالثَّالِثُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا عَلَى الْإِنْكَارِ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ فِي نَوَازِلِهِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنْ يَأْخُذَهَا إنْ كَذَّبَ نَفْسَهُ وَرَجَعَ إلَى تَصْدِيقِ صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ صَاحِبُهُ بِالرُّجُوعِ إلَى قَوْلِهِ وَتَكْذِيبِ نَفْسِهِ فَتَحَصَّلَ مِنْ الْقَوْلِ أَنَّ مَنْ سَبَقَ مِنْهُمَا بِالرُّجُوعِ إلَى قَوْلِ صَاحِبِهِ كَانَتْ لَهُ الْخَمْسُونَ دُونَ يَمِينٍ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى. وَانْظُرْ آخِرَ كِتَابِ السَّرِقَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَ فُلَانًا وَكَذَّبَهُ، وَمَسْأَلَةُ إرْخَاءِ السُّتُورِ وَالنِّكَاحِ الثَّالِثِ فِيمَا إذَا أَقَرَّ الزَّوْجُ بِالْوَطْءِ وَأَنْكَرَتْهُ الْمَرْأَةُ وَمَسْأَلَةُ كِتَابِ الرُّهُونِ فِي اخْتِلَافِ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعِ فِي الْأَجَلِ وَالثَّمَنِ (مَسْأَلَةٌ): قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى فَرْعٌ: قَالَ أَشْهَبُ إنْ قُلْت بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ وَدَبَّرْتُهُ وَأَنْكَرَ لَزِمَكَ التَّدْبِيرُ وَتَأْخُذُ الثَّمَنَ مِنْ خِدْمَتِهِ الَّتِي تَدَّعِي إلَّا أَنْ يُقِرَّ فَتُعْطِيَهُ مَا بَقِيَ مِنْهُ فَإِنْ اسْتَوْفَيْت بَقِيَ مُدَبَّرًا مُؤَاخَذَةً لَك بِإِقْرَارِك فَإِنْ مِتَّ وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ وَإِنْ كَانَ عَلَيْك دَيْنٌ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَالْعَبْدِ فِي غَيْرِ الْمَالِ)
ش: وَأَمَّا فِي الْمَالِ. فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي ثَوْبٍ بِيَدِ الْعَبْدِ يَقُولُ فُلَانٌ أَوْدَعَنِيهِ وَسَيِّدُهُ يَدَّعِيهِ فَالسَّيِّدُ مُصَدَّقٌ إلَّا أَنْ يُقِيمَ فُلَانٌ الْبَيِّنَةَ انْتَهَى.
قَالَ فِي النُّكَتِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَيَحْلِفُ فَإِنْ قَالَ هُوَ لِي حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لِعَبْدِي أَعْلَمُ أَصْلَ شِرَائِهِ أَوْ مِلْكِهِ، وَأَمَّا إنْ قَالَ هُوَ بِيَدِ عَبْدِي أَوْ حَوْزِهِ فَيَحْلِفُ مَا أَعْلَمُ لَكَ فِيهِ حَقًّا انْتَهَى، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِلَا حَجْرٍ؛ لِأَنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ فِيمَا بِيَدِهِ وَمَا جَاوَزَ ذَلِكَ، فَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ فَسْخُهُ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ وَدِيعَةٍ أَوْ أَمَانَةٍ فَاسْتَهْلَكَهُ، فَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ فَسْخُهُ قَالَهُ فِي كِتَابِ الْمَأْذُونِ لَهُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْذُونِ لَهُ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ فِي مَالِهِ وَيَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ إنْ عَتَقَ إلَّا أَنْ يُسْقِطَهُ السَّيِّدُ أَوْ السُّلْطَانُ قَالَهُ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ.
ص (وَمَرِيضٌ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْحَمَالَةِ وَمَا أَقَرَّ بِهِ الْمَرِيضُ أَنَّهُ فَعَلَهُ فِي صِحَّتِهِ مِنْ عِتْقٍ أَوْ كَفَالَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِهِ لِوَارِثٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِقْرَارُهُ بَاطِلٌ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي ثُلُثٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَيَكُونُ مِيرَاثًا وَإِنْ أَوْصَى مَعَ ذَلِكَ بِوَصَايَا كَانَتْ الْوَصَايَا فِي ثُلُثِ مَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْ وَصِيَّتِهِ لَمْ تَدْخُلْ الْوَصَايَا فِي شَيْءٍ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ انْتَهَى قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَقَوْلُهُ فِي الْعِتْقِ لَا يَلْزَمُ فِي ثُلُثٍ وَلَا غَيْرِهِ هُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يَقُولَ أَنُفِذُوا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، فَتَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ انْتَهَى، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ الْإِقْرَارِ فِي الْمَرَضِ بِالْكَفَالَةِ فِي الصِّحَّةِ فِيهِ كَلَامُ الشُّيُوخِ فَانْظُرْ ابْنَ يُونُسَ وَأَبَا الْحَسَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ لِمُلَاطِفِهِ أَوْ لِمَنْ لَمْ يَرِثْهُ)
ش: يَعْنِي لِقَرِيبٍ لَا يَرِثُهُ، وَلَا يُرِيدُ بِذَلِكَ الْأَجْنَبِيَّ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ إقْرَارِهِ لِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَرِثَهُ وَلَدٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ إقْرَارَهُ لِلْأَجْنَبِيِّ جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ وَلَدٌ
[ ٥ / ٢١٩ ]
أَوْ لَمْ يَكُنْ وَعَلِمَ ذَلِكَ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْوَلَدِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ لِغَيْرِ الْمُلَاطِفِ وَالْقَرِيبِ الَّذِي لَمْ يَرِثْهُ وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ لِمَا قَدَّمَهُ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ لِمَنْ يَتَّهِمُ عَلَيْهِ إذَا أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ.
ص (أَوْ مَجْهُولٍ حَالُهُ) ش سَوَاءٌ أَوْصَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَنْ صَاحِبِهِ أَوْ يُوقَفَ هَكَذَا قَالَ فِي الْبَيَانِ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ إنْ أَوْصَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ أَوْ يُوقَفَ لَهُمْ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ): ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ لِلْمَجْهُولِ وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا فِي الْبَيَانِ وَالْمُقَدِّمَاتِ وَنَقَلَهَا فِي التَّوْضِيحِ وَلَيْسَ فِيهَا قَوْلٌ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْأَوَّلِ أَنَّ إقْرَارَهُ جَائِزٌ إنْ أَوْصَى أَنَّهُ يُوقَفُ حَتَّى يَأْتِيَ لَهُ طَالِبٌ وَإِنْ أَوْصَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ لَمْ يَصِحَّ لَا مِنْ الثُّلُثِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ مِنْ الثُّلُثِ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَسِيرًا فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يَجُزْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلَا مِنْ الثُّلُثِ وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّامِلِ أَنَّ فِيهَا قَوْلًا بِالْبُطْلَانِ، وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ
ص (كَزَوْجٍ عُلِمَ بُغْضُهُ لَهَا أَوْ جُهِلَ إلَى آخِرِهِ)
ش: سُئِلْت عَنْ رَجُلٍ أَقَرَّ أَنَّ جَمِيعَ مَا بِيَدِ زَوْجَتِهِ مِنْ قُمَاشٍ وَكَذَا وَكَذَا مِلْكٌ لَهَا لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ وَكَتَبَ بِذَلِكَ خَطَّهُ فِي شَهْرِ شَوَّالٍ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ حَيًّا إلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي صَفَرَ مِنْ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَانْحَصَرَ إرْثُهُ فِي زَوْجَتِهِ وَبِنْتٍ وَبَيْتِ الْمَالِ فَوَضَعَتْ زَوْجَتُهُ الْمَذْكُورَةُ يَدَهَا عَلَى أَعْيَانٍ كَثِيرَةٍ مِمَّا كَانَ لِلْمُقِرِّ مِنْ كُتُبٍ وَمَصَاغٍ وَكَذَا وَكَذَا وَادَّعَتْ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمَّا يَشْمَلُهُ الْإِقْرَارُ، فَإِذَا ادَّعَى وَكِيلُ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ وَارِثٌ أَوْ مُدَّعٍ شَرْعِيٌّ عَلَى الزَّوْجَةِ أَنَّ جَمِيعَ مَا وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَيْهِ مِمَّا ذُكِرَ أَعْلَاهُ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهَا حِينَ الْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ هَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بِذَلِكَ وَإِذَا قُلْتُمْ تُسْمَعُ فَإِذَا وَقَعَتْ الدَّعْوَى بِذَلِكَ فَهَلْ عَلَيْهَا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ أَوْ يَمِينٍ شَرْعِيَّةٍ فَأَجَبْت تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَى الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ بِمَا ذَكَرَهُ، وَعَلَى الْمُدَّعِي إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِأَنَّهَا وَضَعَتْ يَدَهَا بَعْدَ الْإِقْرَارِ فَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ الْبَيِّنَةُ، فَلَهُ تَحْلِيفُهَا عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ اتَّهَمَهَا فَإِنَّ الْإِقْرَارَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ تَخْصِيصُهَا بِمَا ذَكَرَهُ، فَلَهُ تَحْلِيفُهَا عَلَى ذَلِكَ هَذَا إذَا كَانَ الْإِقْرَارُ فِي الصِّحَّةِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي الْمَرَضِ فَهُوَ بَاطِلٌ إذَا عُلِمَ مَيْلُهُ لَهَا، وَإِنْ عُلِمَ بُغْضُهُ لَهَا، فَالْإِقْرَارُ صَحِيحٌ وَإِنْ جُهِلَ حَالُهُ وَكَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ صَغِيرٌ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا عَدَا الدُّيُونِ السَّابِقَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ فَإِنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِهِ بِلَا خِلَافٍ وَانْظُرْ ابْنَ سَلْمُونٍ فِي الْبُيُوعِ فِي بَيْعِ التَّوْلِيجِ وَالتَّصْيِيرِ وَفِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ وَالْوَصَايَا.
ص (وَمَعَ الْإِنَاثِ وَالْعَصَبَةِ قَوْلَانِ) ش
[ ٥ / ٢٢٠ ]
يَعْنِي أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ لِلزَّوْجَةِ الَّتِي جُهِلَ بُغْضُهُ لَهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهَا ابْنٌ وَلَا بَنُونَ وَإِنَّمَا كَانَ لَهَا بَنَاتٌ وَعَصْبَةٌ فَفِي صِحَّةِ إقْرَارِهِ لَهَا قَوْلَانِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْبَنَاتُ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ صِغَارًا أَوْ كِبَارًا إذَا كُنَّ مِنْ غَيْرِهَا أَوْ كِبَارًا مِنْهَا، وَأَمَّا إنْ كُنَّ صِغَارًا مِنْهَا، فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لَهَا قَوْلًا وَاحِدًا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ التَّفْلِيسِ، وَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوَّلًا إلَّا أَنْ تَنْفَرِدَ بِالصَّغِيرِ وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ لِأَمَةٍ)
ش: هَذَا كَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ إنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ لِلزَّوْجَةِ الَّتِي جُهِلَ بُغْضُهُ لَهَا إذَا كَانَ لَهَا ابْنٌ أَوْ بَنُونَ كَمَا قَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ عَاقًّا فَفِي صِحَّةِ إقْرَارِهِ لِلزَّوْجَةِ قَوْلَانِ صَرَّحَ بِهِمَا ابْنُ رُشْدٍ، وَنَقَلَهُمَا فِي التَّوْضِيحِ إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لِأُمِّهِ وَابْنُ رُشْدٍ فَرَضَهُ فِي الزَّوْجَةِ كَانَتْ أَمَهُ أَمْ لَا.
[مَسْأَلَةٌ بَاعَ مِنْ بَعْضِ وَلَدِهِ دَارًا أَوْ مِلْكًا وَذَكَرَ فِي الْعَقْدِ أَنَّهُ بَاعَهُ ذَلِكَ بَيْعًا صَحِيحًا]
ص (لَا الْمُسَاوِي وَالْأَقْرَبُ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ (مَسْأَلَةٌ): مَنْ بَاعَ مِنْ بَعْضِ وَلَدِهِ دَارًا أَوْ مِلْكًا وَذَكَرَ فِي الْعَقْدِ أَنَّهُ بَاعَهُ ذَلِكَ بَيْعًا صَحِيحًا بِثَمَنٍ قَبَضَهُ، فَقَامَ بَاقِي الْوَرَثَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَذَكَرُوا أَنَّ الْبَيْعَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ فِيهِ ثَمَنًا وَأَنَّهُ تَوْلِيجٌ مِنْ الْأَبِ إلَيْهِ، فَلَا وَجْهَ لِدَعْوَاهُمْ عَلَيْهِ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُثْبِتُوا أَنَّ الْأَبَ كَانَ يَمِيلُ إلَيْهِ، فَتَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ (تَنْبِيهٌ): قَالُوا وَلَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِمُعَايَنَةِ الْقَبْضِ لَمْ تَتَرَتَّبْ يَمِينٌ عَلَى الِابْنِ، وَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِمَيْلِ الْأَبِ إلَيْهِ وَانْحِرَافِهِ عَنْ سَائِرِ وَلَدِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّوْلِيجِ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ الِابْنَ انْتَهَى. مِنْ مُعِينِ الْحُكَّامِ وَفِي وَثَائِقِ الْغَرْنَاطِيِّ وَلَا يَثْبُتُ التَّوْلِيجُ إلَّا بِإِقْرَارِ الْمُولَجِ إلَيْهِ انْتَهَى مِنْ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ.
(فَرْعٌ): فِي حُكْمِ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ فِي صِحَّتِهِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ فَيُقَدَّمُ الْمُقِرُّ لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ قَالَ فِي رَسْمِ الْبَرَاءَةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَسَأَلْتُهُ عَنْ الرَّجُلِ يُقِرُّ لِوَلَدِهِ وَلِامْرَأَتِهِ وَلِبَعْضِ مَنْ يَرِثُهُ بِدَيْنٍ فِي الصِّحَّةِ، ثُمَّ يَمُوتُ الرَّجُلُ بَعْدَ سِنِينَ فَيَطْلُبُ الْوَارِثُ الدَّيْنَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ قَالَ ذَلِكَ لَهُ إذَا أَقَرَّ بِهِ فِي الصِّحَّةِ امْرَأَةً كَانَتْ أَوْ وَلَدًا فَمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ فِي الصِّحَّةِ فَذَلِكَ لَهُ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَوَقَعَ فِي الْمَبْسُوطِ لِابْنِ كِنَانَةَ وَالْمَخْزُومِيِّ وَابْنِ أَبِي حَازِمٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ فِي صِحَّتِهِ إذَا لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَيِّنَةً حَتَّى هَلَكَ إلَّا أَنْ يَعْرِفَ سَبَبَ ذَلِكَ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ بَاعَ لَهُ أَصْلًا أَوْ أَخَذَ مِنْ مَوْرُوثِ أُمِّهِ شَيْئًا فَإِنْ عَرَفَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَهُوَ قَوْلٌ لَهُ وَجْهٌ مِنْ النَّظَرِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يُتَّهَمُ أَنْ يُقِرَّ بِدَيْنٍ فِي صِحَّتِهِ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ وَرَثَتِهِ عَلَى أَنْ لَا يَقُومَ بِهِ حَتَّى يَمُوتَ فَيَكُونَ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى. وَقَالَ فِي آخِرِ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا: وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَمُوتُ فَيَتْرُكُ عَمَّهُ وَأُمَّهُ وَتَقُومُ الْأُمُّ بِدَيْنٍ لَهَا كَانَ أَقَرَّ لَهَا بِهِ فِي الصِّحَّةِ قَالَ: لَا كَلَامَ لِلْعَمِّ قُلْت أَرَأَيْت إنْ طَلَبَ مِنْهَا الْيَمِينَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ تَوْلِيجًا؟ قَالَ أَصْبَغُ أَمَّا فِي الْحُكْمِ فَلَا يَلْزَمُهَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبُ أَنَّ إقْرَارَ الرَّجُلِ لِوَارِثِهِ بِالدَّيْنِ فِي الصِّحَّةِ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ بِهِ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: يَجُوزُ لَهُ إقْرَارُهُ لَهَا فِي حَيَاتِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ لِذَلِكَ سَبَبٌ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَاعَ لَهُ رَأْسًا أَوْ أَخَذَ لَهُ مَوْرُوثًا وَبِهِ قَالَ الْمَخْزُومِيُّ وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَقَوْلُ أَصْبَغَ فِي الْيَمِينِ إنَّهَا لَا تَلْزَمُهَا فِي الْحُكْمِ يُرِيدُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا يَمِينُ تُهْمَةٍ فَقَوْلُهُ عَلَى الْقَوْلِ بِسُقُوطِ يَمِينِ التُّهْمَةِ وَالْأَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لُحُوقُ الْيَمِينِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ لَمْ يُعْمِلْ الْإِقْرَارَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
وَصَرَّحَ ابْنُ سَلْمُونٍ بِلُزُومِ الْيَمِينِ إنْ ثَبَتَ مَيْلُ الْمَيِّتِ لِلْمُقِرِّ لَهُ ذَكَرَهُ فِي فَصْلِ التَّصْيِيرِ فِي تَرْجَمَةِ الْبُيُوعِ وَمِثْلُ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ مَا إذَا صَيَّرَ الْأَبُ لِابْنِهِ دَارًا أَوْ عَرَضًا فِي دَيْنٍ أَقَرَّ بِهِ لَهُ فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ سَبَبَ ذَلِكَ الدَّيْنِ جَازَ لَهُ التَّصْيِيرُ سَوَاءٌ كَانَ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَصْلَهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ فَإِنْ كَانَ فِي الصِّحَّةِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ (أَحَدُهُمَا): إنَّهُ نَافِذٌ وَيَأْخُذُهُ مِنْ
[ ٥ / ٢٢١ ]
تَرِكَتِهِ فِي الْمَوْتِ وَيُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ (وَالثَّانِي): أَنَّهُ لَا يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءُ، وَلَا يَأْخُذُهُ مِنْ التَّرِكَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ انْتَهَى مِنْ ابْنِ سَلْمُونٍ فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِقْرَارَ لِلْوَارِثِ بِشَيْءٍ إذَا قَامَ بِهِ الْمُقِرُّ لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُقِرِّ وَشَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ كَانَ يُعْرَفُ وَجْهُ ذَلِكَ أَوْ سَبَبٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَازَ ذَلِكَ وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِقْرَارُ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ وَجْهُهُ، وَلَا سَبَبُهُ وَكَانَ الْإِقْرَارُ فِي الصِّحَّةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ:
(أَحَدُهُمَا): إنَّهُ نَافِذٌ وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ فِي الْمَوْتِ وَيُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءُ فِي الْفَلَسِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ (وَالثَّانِي): أَنَّهُ لَا يُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءُ فِي الْفَلَسِ، وَلَا يَأْخُذُهُ مِنْ التَّرِكَةِ فِي الْمَوْتِ وَهُوَ قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ لِلتُّهْمَةِ عِنْدَهُمْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَا يُحَاصُّ بِهِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا مَعَ الدَّيْنِ الَّذِي اسْتَدَانَهُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، وَأَمَّا الْقَدِيمُ قَبْلَ الْإِقْرَارِ فَإِنْ ثَبَتَ مَيْلُهُ إلَيْهِ، فَيَلْزَمُ الْمُقِرَّ لَهُ الْيَمِينُ عَلَى صِحَّةِ تَرَتُّبِ ذَلِكَ قَبْلَهُ، وَاخْتَارَ ابْنُ رُشْدٍ إبْطَالَ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ الْمَدَنِيِّينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (مَسْأَلَةٌ) وَإِنْ وَلَّاهُ مَا اشْتَرَاهُ بِثَمَنٍ كَثِيرٍ بِثَمَنٍ يَسِيرٍ أَوْ أَشْهَدَ أَنَّهُ بَاعَهُ مَنْزِلَهُ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، وَهُوَ يُسَاوِي شَيْئًا كَثِيرًا، فَذَلِكَ تَوْلِيجٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ وَفِي رَسْمِ كَتَبَ عَلَيْهِ ذِكْرُ حَقٍّ وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ الثَّانِي الْوَاقِعِ بَعْدَ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْهُ وَاخْتُلِفَ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ يَبْطُلُ ذَلِكَ مُطْلَقًا؟ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ هِبَةً فَيَكْفِي فِيهِ الْحَوْزُ وَعَزَاهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ يَكُونُ كَالْهِبَةِ إنْ حَازَهُ الْأَبُ لَهُ جَازَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا إذَا أَقَرَّ لَهُ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ مَتَاعٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْهِبَةِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا إقْرَارُ الرَّجُلِ بِمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الدُّورِ وَالْمَتَاعِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ مِلْكُهُ لَهَا إنَّهَا لِابْنِهِ مِنْ مِيرَاثِهِ فِي أُمِّهِ كَإِقْرَارِهِ لَهُ فِي مَرَضِهِ بِالدَّيْنِ مِنْ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُشْبِهَ قَوْلَهُ وَيُعْرَفَ وَجْهُ إقْرَارِهِ أَنَّهُ كَانَ لِأُمِّهِ مِنْ الْمَالِ نَحْوُ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ إنْ أَقَرَّ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ بِالدَّيْنِ لِابْنِهِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَجْهٌ أَوْ سَبَبٌ يَدُلُّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَاطِعًا، وَلَوْ كَانَتْ الدُّورُ الَّتِي أَقَرَّ أَنَّهَا لِابْنِهِ مِنْ مِيرَاثِهِ فِي أُمِّهِ يَعْرِفُ مِلْكَهُ لَهَا لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ لِابْنِهِ بِهَا فِي مَرَضِهِ عَلَى حَالٍ، وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِهَا فِي صِحَّتِهِ لَكَانَ إقْرَارُهُ لَهُ بِهَا كَالْهِبَةِ تَصِحُّ لَهُ إنْ حَازَهَا بِيَدِ تَحْوِيزِ الْآبَاءِ لِمَنْ يَلْزَمُهُمْ مِنْ الْأَبْنَاءِ عَلَى مَا فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَوَاضِعِ خِلَافُ قَوْلِ أَصْبَغَ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ انْتَهَى.
يَعْنِي أَنَّ أَصْبَغَ يَقُولُ: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِلِابْنِ، وَلَوْ حَازَهُ الْأَبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّهِ هِبَةً وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ رَسْمِ الْوَصَايَا مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا إقْرَارُ الرَّجُلِ فِي صِحَّتِهِ أَوْ فِي مَرَضِهِ بِمَا يَعْرِفُ مِلْكَهُ لَهُ مِنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ أَنَّهُ لِفُلَانٍ وَفُلَانٌ وَارِثٌ أَوْ غَيْرُ وَارِثٍ يَجْرِي مَجْرَى الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَيَحِلُّ مَحَلَّهَا، وَيُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهَا إنْ حَازَ ذَلِكَ الْمُقَرُّ لَهُ بِهِ فِي صِحَّةِ الْمُقِرِّ جَازَ لَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ هَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَحْفَظُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِذَارِ، فَلَا يَلْزَمُهُ حَسْبَمَا مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ فِي رَسْمِ الْبَزِّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ وَفِي رَسْمِ الْعُشُورِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى، وَالصُّلْحِ وَانْظُرْ نَوَازِلَ ابْنِ رُشْدٍ فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ وَالْمَشَذَّالِيُّ فِي آخِرِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ وَأَحْكَامَ ابْنِ سَهْلٍ، وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ مَا نَصُّهُ عَنْ نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ مَنْ أَقَرَّ بِمَالٍ فِي يَدِهِ أَنَّهُ لِرَجُلٍ هُوَ كَالْهِبَةِ إنْ قَامَ فِي صِحَّتِهِ أَخَذَهُ وَإِنْ قَامَ فِي مَرَضِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ هُوَ مِيرَاثٌ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: قُلْت: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ إذَا قَالَ رَجُلٌ أَوْ وُجِدَ بِخَطِّهِ لِفُلَانٍ قِبَلِي كَذَا وَثَبَتَ إقْرَارُهُ أَوْ خَطُّهُ بِلَفْظِهِ قِبَلِي، وَقَدْ مَرَّتْ قَبْلَ هَذَا، وَهَذَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ سَبَبًا انْتَهَى.
وَلَهُ نَحْوُ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْهِبَةِ يُشِيرُ إلَى مَا قَدَّمَهُ فِي مَسَائِلِ الْقِرَاضِ وَفِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ عَنْ نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ أَيْضًا وَنَصُّهُ إذَا قَالَ
[ ٥ / ٢٢٢ ]
لِرَجُلٍ أَوْ وَجَدَ بِخَطِّهِ لِفُلَانٍ قِبَلِي كَذَا وَثَبَتَ إقْرَارُهُ أَوْ خَطُّهُ فَلَفْظَةُ قِبَلِي مُحْتَمِلَةٌ أَنْ يَكُونَ أَوْجَبَ لَهُ قِبَلَهُ هِبَةً أَوْ صَدَقَةً فَمَوْتُهُ أَوْ فَلَسُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ يُبْطِلُهَا بَعْدَ الِاسْتِظْهَارِ بِيَمِينِ الْوَرَثَةِ فِي الْمَوْتِ لَا يَعْلَمُونَ مَوْرُوثَهُمْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا أَوْجَبَهَا قِبَلَهُ وَلَا أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَفْظَةُ قِبَلِي يَسْتَوْجِبُ بِهَا الْحُكْمَ بِالدَّيْنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِي حَالِ الرَّجُلَيْنِ، فَإِنْ قَالَ قِبَلِي مَنْ سَلَفٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ، فَلَا إشْكَالَ فِي لُزُومِهِ هُنَا انْتَهَى.
(مَسْأَلَةٌ): قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ فِي الْفَرْقِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ: إذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ أَنَّ مَا تَرَكَهُ أَبُوهُ مِيرَاثٌ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا عُهِدَ فِي الشَّرِيعَةِ، وَعَلَى مَا يَحْمِلُ عَلَيْهِ الدِّيَانَةُ، ثُمَّ جَاءَ بِشُهُودٍ أَخْبَرُوهُ أَنَّ أَبَاهُمْ أَشْهَدَهُ أَنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ فِي صِغَرِهِ بِهَذِهِ الدَّارِ وَحَازَهَا لَهُ أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ مَلَكَهَا عَلَيْهِ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ، فَإِنَّهُ إذَا رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ بِأَنَّ التَّرِكَةَ كُلَّهَا مَوْرُوثَةٌ إلَّا هَذِهِ الدَّارَ الْمَشْهُودَ لَهُ بِهَا دُونَ الْوَرَثَةِ، وَاعْتَذَرَ بِإِخْبَارِ الْبَيِّنَةِ لَهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِذَلِكَ بَلْ أَقَرَّ بِنَاءً عَلَى الْعَادَةِ، وَمُقْتَضَى ظَاهِرِ الشَّرِيعَةِ أَنَّهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَيُقْبَلُ عُذْرُهُ وَيُقِيمُ بَيِّنَتَهُ وَلَا يَكُونُ إقْرَارُهُ السَّابِقُ مُكَذِّبًا لِلْبَيِّنَةِ وَقَادِحًا فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ عَادِيٌّ يُسْمَعُ مِثْلُهُ انْتَهَى كَلَامُ الْقَرَافِيِّ بِلَفْظِهِ. وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَانْظُرْ مَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ مَعَ مَا نَقَلَهُ فِي النَّوَادِرِ عَنْ سَحْنُونٍ فِي كِتَابِ ابْنِهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ فِي تَرْجَمَةِ الْمُدَّعِي يُكَذِّبُ بَيِّنَتَهُ وَنَصُّهُ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَسَأَلَهُ شَجَرَةُ عَمَّنْ ادَّعَى دَارًا بِيَدِ امْرَأَةِ ابْنِهِ أَنَّهَا لِابْنَةٍ تَرَكَهَا بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَسَمَّاهُمْ، ثُمَّ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ أُخْرَى أَنَّ أَبَاهُ أَشْهَدَ لَهُ فِي صِحَّتِهِ بِنِصْفِهَا صَيَّرَهُ إلَيْهِ فِي حَقٍّ لَهُ قِبَلَهُ مِنْ قِبَلِ مِيرَاثِهِ لِأُمِّهِ، وَذَلِكَ عِنْدَ مَخْرَجِهِ إلَى الْحَجِّ، ثُمَّ رَجَعَ فَسَكَنَهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ لَهُ الْحَاكِمُ قَدْ ادَّعَيْتَهَا أَوَّلًا مِيرَاثًا وَالْآنَ لِنَفْسِكَ قَالَ لَمْ أَعْلَمْ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ الْأَخِيرَةِ قَالَ سَحْنُونٌ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يُرِيدُ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَ بَيِّنَتَهُ بِدَعْوَاهُ الْأُولَى انْتَهَى.
فَعُلِّلَ عَدَمُ قَبُولِ دَعْوَاهُ الثَّانِيَةِ بِأَنَّهُ كَذَّبَ بَيِّنَتَهُ بِدَعْوَاهُ الْأُولَى فَتَأَمَّلْهُ مَعَ مَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَزَلَتْ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَتْ وَلَهَا زَوْجٌ وَإِخْوَةٌ وَأَبٌ فَادَّعَى بَعْضُ الْإِخْوَةِ أَنَّ بَعْضَ مُتَخَلِّفِهَا مِلْكٌ لِأُمِّهِمْ فَأَثْبَتَ الزَّوْجُ أَنَّهُ مِلْكٌ لِزَوْجَتِهِ، فَادَّعَى بَقِيَّةُ الْإِخْوَةِ أَنَّهَا أَوْصَتْ لَهُ بِتِلْكَ الْحَوَائِجِ فَهَلْ دَعْوَاهُمْ الْأُولَى مُكَذِّبَةٌ؟ لِدَعْوَاهُمْ الثَّانِيَةِ أَمْ لَا فَأَجَبْت بِمَا صُورَتُهُ إذَا كَانَ الْمُدَّعِي الْوَصِيَّةَ مِنْ الْإِخْوَةِ الْمُدَّعِينَ عَلَى الزَّوْجِ أَنَّ الْحَوَائِجَ مِلْكٌ لِأُمِّهِمْ فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مُكَذِّبٌ لِدَعْوَاهُمْ الْوَصِيَّةَ فَلَا تُسْمَعُ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي لِمِلْكِيَّةِ الْأُمِّ غَيْرُهُمْ مِنْ الْوَرَثَةِ، فَدَعْوَاهُ مَسْمُوعَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَسُئِلْت أَيْضًا عَمَّنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي هَذِهِ الْعُزْلَةِ الَّتِي هِيَ وَقْفٌ مِنْ قِبَلِ فُلَانَةَ، وَأَنَّهَا لَمْ تَزَلْ جَارِيَةً فِي مِلْكِهَا إلَى حِينِ وَقْفِهَا، ثُمَّ مَاتَ شَخْصٌ قَرِيبٌ لِلْمُقِرِّ، فَادَّعَى أَنَّ لِمُوَرِّثِهِ فِيهَا حِصَّةً فَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ أَمْ لَا؟
فَأَجَبْت إقْرَارُ الشَّخْصِ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي هَذِهِ الْعُزْلَةِ الَّتِي هِيَ وَقْفٌ قِبَلَ فُلَانَةَ، وَأَنَّهَا لَمْ تَزَلْ جَارِيَةً فِي مِلْكِهَا إلَى حِينِ وَقْفِهَا مُبْطِلٌ لِدَعْوَاهُ أَنَّ لِمُوَرِّثِهِ فِيهَا حِصَّةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَزِمَ لِحَمْلٍ)
ش: سَوَاءٌ أَطْلَقَ الْإِقْرَارَ كَقَوْلِهِ لِحَمْلِ فُلَانَةَ أَلْفٌ أَوْ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ أَلْفٌ مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَلَا إشْكَالَ إذَا قَيَّدَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ يَصِحُّ لِلْجَنِينِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا إنْ قَالَ أَقْرَضَنِيهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ فَذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ سَحْنُونٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَالَ: وَخَرَجَ عَدَمُ اللُّزُومِ مِنْ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ عَلَّقَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْحَجْرِ وَخَرَجَ عَدَمُ اللُّزُومِ أَيْضًا فِيمَا إذَا طَلَّقَ مِنْ الْمَوَّازِيَّةِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ فِي الْإِقْرَارِ لِحَمْلٍ إنْ قَيَّدَهُ بِمَا يَصِحُّ كَقَوْلِهِ لِهَذَا الْحَمْلِ عِنْدِي مِائَةُ دِينَارٍ مِنْ وَصِيَّةٍ أَوْصَى لَهُ بِهَا أَوْ مِيرَاثٍ صَحَّ وَإِنْ قَيَّدَهُ بِمَا يَمْتَنِعُ بَطَلَ كَقَوْلِهِ لِهَذَا الْحَمْلِ عِنْدِي مِائَةُ دِينَارٍ مِنْ مُعَامَلَةٍ عَامَلَنِي بِهَا وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: يَلْزَمُهُ وَتَقْيِيدُهُ بِمَا ذُكِرَ نَدَمُ ذِكْرٍ، ثُمَّ عَنْ الْمَازِرِيِّ التَّخْرِيجُ فِيمَا إذَا أَطْلَقَ فَتَحَصَّلَ فِيمَا إذَا قَيَّدَهُ بِوَجْهٍ لَا يَصِحُّ لِلْجَنِينِ قَوْلَانِ لِسَحْنُونٍ مَعَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَنَقَلَ الْمَازِرِيُّ وَفُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْإِقْرَارَ
[ ٥ / ٢٢٣ ]
لِصَبِيٍّ لَا يَعْقِلُ أَوْ لِمَجْنُونٍ صَحِيحٌ مِنْ بَابِ أَحْرَى وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَمَا أُقِرَّ بِهِ لِمَجْنُونٍ أَخَذَهُ وَلِيُّهُ أَوْ السُّلْطَانُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ انْتَهَى.
ص (وَوُضِعَ لِأَقَلِّهِ)
ش: كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِب وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ هَارُونَ وَالْمُصَنِّفُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لِأَنَّ حُكْمَ السِّتَّةِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ مَا زَادَ عَلَيْهَا اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا تَبِعَ ابْنُ الْحَاجِبِ ابْنَ شَاسٍ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ، وَصَوَّبَ ابْنُ عَرَفَةَ تَعَقُّبَهُمْ، ثُمَّ قَالَ إلَّا أَنَّ لِابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ فِي ذَلِكَ عُذْرًا، وَهِيَ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ مِنْ كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَذَكَرَ لَفْظَ الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ قَالَ فَالتَّعَقُّبُ عَلَيْهِمَا فِي لَفْظِهِمَا بِمَا هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ أَخَفُّ مِنْ التَّعَقُّبِ عَلَيْهِمَا فِي لَفْظٍ هُوَ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمَا انْتَهَى.
وَانْظُرْ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ ظَاهِرَةَ الْحَمْلِ يَوْمَ الْإِقْرَارِ وَتَأَخَّرَ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ، وَيَلْزَمُ الْإِقْرَارُ لِلْحَمْلِ كَمَا قَالُوهُ فِي غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِلَّا فَلِأَكْثَرِهِ)
ش: أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأَمَةُ مَوْطُوءَةً فَإِنَّ الْإِقْرَارَ يَلْزَمُ لِمَا تَضَعُهُ لِأَكْثَرِ الْحَمْلِ، وَهُوَ أَرْبَعُ سِنِينَ أَوْ خَمْسٍ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ الْعِدَّةِ، وَانْظُرْ هَلْ يُعْتَبَرُ أَكْثَرُ الْحَمْلِ مِنْ يَوْمَ وُطِئَتْ أَوْ مِنْ يَوْمِ الْإِقْرَارِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْحَمْلِ يَوْمَ الْإِقْرَارِ، وَهُوَ وَضْعُهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ، وَهُوَ وَضْعُهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ الْإِقْرَارِ قَالَ وَإِنْ وَضَعَتْهُ لِمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ، وَلَيْسَتْ بِذَاتِ زَوْجٍ وَلَا سَيِّدٍ يَطَؤُهَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ كَانَ مَخْلُوقًا لَا تَحِلُّ إضَافَتُهُ لِلزِّنَا انْتَهَى.
(قُلْت): أَوَّلُ كَلَامِهِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ يَوْمِ الْإِقْرَارِ وَآخِرُ كَلَامِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مِنْ يَوْمِ وُطِئَتْ لِقَوْلِهِ حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ كَانَ مَخْلُوقًا لَا تَحِلُّ إضَافَتُهُ لِلزِّنَا، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ وَهَبَتْهُ لِي)
ش:؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَعْوَى وَاخْتُلِفَ هَلْ يَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ أَمْ لَا قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ وَلَعَلَّهُمَا
[ ٥ / ٢٢٤ ]
جَارِيَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْيَمِينِ هَلْ تَتَوَجَّهُ عَلَى دَعْوَى الْمَعْرُوفِ أَمْ لَا؟ انْتَهَى.
ص (لَا أُقِرُّ)
ش: هُوَ بِلَا النَّافِيَةِ الدَّاخِلَةِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ الْمُثْبَتِ كَمَا قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ وَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِهِ وَكَلَامِ الشَّارِحِ (مَسْأَلَةٌ): مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ بَلْ قَالَ عَقِبَ دَعْوَى الْمُدَّعِي، وَأَنَا أَيْضًا لِي عَلَيْكَ مَالٌ أَوْ شَيْءٌ سَمَّاهُ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إقْرَارًا نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ الْمَازِرِيِّ فِي الْفَصْلِ السَّابِعِ فِي الْكَلَامِ عَلَى النِّيَّاتِ (مَسْأَلَةٌ): اُخْتُلِفَ فِي السُّكُوتِ هَلْ هُوَ كَالْإِقْرَارِ أَمْ لَا قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي رَسْمِ الْعَرِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ التَّفْلِيسِ: مَسْأَلَةٌ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ جَاءَ قَوْمًا فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ: أَنَا أُشْهِدُكُمْ أَنَّ لِي عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا وَفُلَانٌ ذَلِكَ مَعَ الْقَوْمِ فِي الْمَجْلِسِ فَسَكَتَ، وَلَمْ يَقُلْ نَعَمْ وَلَا لَا، وَلَمْ يَسْأَلْهُ الشُّهُودُ عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ جَاءَ يَطْلُبُ ذَلِكَ قِبَلَهُ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ لَازِمٌ إذَا سَكَتَ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ فِي السُّكُوتِ هَلْ هُوَ يُعَدُّ إذْنًا فِي الشَّيْءِ وَإِقْرَارًا بِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِمَا لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ.
(أَحَدُهُمَا): أَنَّهُ إذْنٌ (وَالثَّانِي): أَنَّهُ لَيْسَ بِإِذْنٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْقَاسِمِ أَيْضًا فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْمُدَبَّرِ وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَيْسَ بِإِذْنٍ؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - «وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» دَلِيلًا عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْبِكْرِ بِخِلَافِ الْبِكْرِ فِي الصَّمْتِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَاسَ مَا عَدَاهُ عَلَيْهِ إلَّا مَا يَعْلَمُ بِمُسْتَقِرِّ الْعَادَةِ أَنَّ أَحَدًا لَا يَسْكُتُ عَلَيْهِ إلَّا بِرِضَا مِنْهُ فَلَا يُخْتَلَفُ فِي أَنَّ السُّكُوتَ عَلَيْهِ إقْرَارٌ كَاَلَّذِي يَرَى حَمْلَ امْرَأَتِهِ فَيَسْكُتُ وَلَا يُنْكِرُهُ، ثُمَّ يُنْكِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي رَسْمِ أَسْلَمَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ وَفِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا انْتَهَى. وَنَقَلَ ابْنُ سَلْمُونٍ فِي وَثَائِقِهِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا وَذَكَرَ قَبْلَهُ مَسْأَلَةَ مَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَيِّتٍ وَقُسِّمَتْ تَرِكَتُهُ بِحَضْرَتِهِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَنَّ ذَلِكَ مُسْقِطٌ لِحَقِّهِ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ ظَهَرَ دَيْنٌ وَكَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ عِيسَى وَكَلَامُ ابْنِ فَرْحُونٍ وَالْمُتَيْطِيِّ زَادَ ابْنُ فَرْحُونٍ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ مَسْأَلَةً قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِيمَنْ سُئِلَ عِنْدَ مَوْتِهِ هَلْ لِأَحَدٍ عِنْدَك شَيْءٌ فَقَالَ لَا قِيلَ لَهُ وَلَا لِامْرَأَتِك وَالْمَرْأَةُ سَاكِتَةٌ وَلَمْ تَتَكَلَّمْ، وَهِيَ تَسْمَعُ فَإِنَّهَا تَحْلِفُ أَنَّ حَقَّهَا عَلَيْهِ يُرِيدُ إلَى الْآنِ، وَتَأْخُذُهُ إنْ قَامَتْ لَهَا بِهِ بَيِّنَةٌ، وَلَا يَضُرُّهَا سُكُوتُهَا مِنْ الْمَذْهَبِ لِابْنِ رَاشِدٍ، ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْعُتْبِيَّةِ الْمَذْكُورَةَ هُنَا، وَلَمْ يَنْقُلْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: فَرْعٌ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ فُلَانٌ السَّاكِنُ فِي مَنْزِلِك لِمَ أَسْكَنْتَهُ فَقَالَ أَسْكَنْتُهُ بِالْكِرَاءِ وَالسَّاكِنُ يَسْمَعُ وَلَا يُنْكِرُ وَلَا يُغَيِّرُ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ الْمَنْزِلَ لَهُ فَقَالَ لَا يَقْطَعُ سُكُوتُهُ دَعْوَاهُ إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْمَنْزِلَ لَهُ وَلَا يَحْلِفُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: ظَنَنْت أَنَّهُ يُدَاعِبُهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ سَلْمُونٍ أَيْضًا إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ وَزَادَ بَعْدَهُ وَكَتَبَ شَجَرَةُ إلَى سَحْنُونٍ رَجُلٌ أَوْصَى بِعِتْقِ أَمَتِهِ وَهِيَ حَاضِرَةٌ سَاكِتَةٌ تَسْمَعُ وَلَا تَدَّعِي الْحُرِّيَّةَ، فَلَمَّا مَاتَ الْمُوصِي قَالَتْ إنَّهَا حُرَّةٌ، فَلَا يَضُرُّهَا سُكُوتُهَا انْتَهَى، وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَائِلِ الْقِسْمَةِ عَنْ التُّونُسِيِّ أَنَّهُ إذَا قَسَمَ بَعْضَ الْعَقَارِ، وَتَرَكَ بَعْضَهُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ مَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَيِّتٍ حِينَ الْقِسْمَةِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ الْكَلَامَ؛ لِأَنَّ بَقِيَّةَ الرَّبْعِ لَمْ يُقْسَمْ أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ انْتَهَى (مَسْأَلَةٌ): قَالَ ابْنُ سَهْلٍ فِي أَحْكَامِهِ فِي مَسَائِلِ
[ ٥ / ٢٢٥ ]
الْإِقْرَارِ إذَا دَفَعَ وَدِيعَةً لِرَسُولٍ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ فَسَكَتَ، ثُمَّ طَالَبَهُ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَا أَمَرَ فُلَانًا بِقَبْضِهِ وَمَا كَانَ سُكُوتُهُ رِضًا بِقَبْضِهِ، ثُمَّ يَغْرَمُهُ وَلَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ فَقَالَ لِلدَّافِعِ: كَلِّمْ فُلَانًا الْقَابِضَ يَحْتَالُ لِي فِي الْمَالِ كَانَ رِضًا بِقَبْضِهِ فَلْيَطْلُبْهُ بِهِ وَالدَّافِعُ بَرِيءٌ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْوَدِيعَةِ فِي تَرْجَمَةِ الْمُودَعِ يَأْتِيهِ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّ رَبَّهَا أَمَرَهُ بِأَخْذِهَا فَيَدْفَعُهَا إلَيْهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ فِي الَّذِي قَالَ لِلْمُودَعِ بَعَثَنِي رَبُّهَا لِآخُذَهَا مِنْك فَدَفَعَهَا إلَيْهِ، ثُمَّ اجْتَمَعَ مَعَ رَبِّهَا فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَسَكَتَ، ثُمَّ طَالَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَمَرَ فُلَانًا بِقَبْضِهَا وَمَا كَانَ سُكُوتُهُ رِضًا بِقَبْضِهِ، ثُمَّ يَغْرَمُهُ وَلَوْ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ عَلِمَ بِقَبْضِ الْقَابِضِ، فَجَاءَ إلَى الْمُودَعِ فَقَالَ لَهُ كَلِّمْ فُلَانًا الْقَابِضَ يَحْتَالُ لِي فِي الْمَالِ فَقَالَ هَذَا رِضَا بِقَبْضِهِ فَلْيَطْلُبْهُ بِهِ وَيَبْرَأُ الدَّافِعُ قَالَ وَلَوْ طَلَبَهَا رَبُّهَا فَجَحَدَ الدَّافِعُ فَقَالَ رَبُّهَا احْلِفْ مَا أَوْدَعْتُكَ قَالَ يَحْلِفُ لَهُ مَا لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَيَعْنِي أَيْضًا أَنَّ الدَّافِعَ أَيْقَنَ بِأَمْرِ رَبِّ الْوَدِيعَةِ لَهُ انْتَهَى.
ص (وَلَزِمَ إنْ نُوكِرَ فِي أَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ)
ش: يُرِيدُ وَيَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ.
ص (أَوْ عَبْدٍ وَلَمْ أَقْبِضْهُ) ش هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ وَغَيْرِهِمَا قَالَ أَصْبَغُ وَلَا يَحْلِفُ الْبَائِعُ إلَّا أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ أَيْضًا وَهُوَ يُؤْخَذُ مِنْ فَصْلِ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ.
ص (أَوْ اشْتَرَيْت عَبْدًا بِأَلْفٍ وَلَمْ أَقْبِضْهُ) ش فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَمْ يَقُولُوا بِتَبْعِيضِ الْإِقْرَارِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي مَسْأَلَةِ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ، وَلَمْ أَقْبِضْهُ، وَيُعَدُّ قَوْلُهُ وَلَمْ أَقْبِضْهُ نَدَمًا فَالْجَوَابُ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَهُ اشْتَرَيْت عَبْدًا بِأَلْفٍ يُوجِبُ عِمَارَةَ ذِمَّتِهِ بِالْأَلْفِ إلَّا بِشَرْطِ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ لَمْ يُقِرَّ بِهِ لَكِنْ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى عَلَيْك انْتَهَى.
(قُلْت): كَأَنَّهُ يُشِيرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
إلَى مَا تَقَرَّرَ أَنَّ الضَّمَانَ يَنْتَقِلُ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ بِالْعَقْدِ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ لَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا تَنَازَعَ الْمُتَبَايِعَانِ فِيمَنْ يَبْدَأُ بِالتَّسْلِيمِ أَنَّهُ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ أَوَّلًا، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي عَدَمِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ مِنْ حَقِّ الْبَائِعِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ حَتَّى يَقْبِضَ ثَمَنَهُ مِنِّي وَذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الْقِسْمِ السَّابِعِ مِنْ الرُّكْنِ السَّادِسِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ الشَّاهِدَانِ نَشْهَدَ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ مِائَةَ دِينَارٍ مِنْ ثَمَنِ سِلْعَةٍ اشْتَرَاهَا مِنْهُ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُمَا وَلَا يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ حَتَّى يَقُولَا وَقَبَضَ السِّلْعَةَ انْتَهَى.
ص (أَوْ أَقْرَرْت بِكَذَا وَأَنَا صَبِيٌّ)
ش: قَالَ فِي الْعُمْدَةِ وَإِنْ أَقَرَّ بَالِغًا عَاقِلًا
[ ٥ / ٢٢٦ ]
أَنَّهُ اسْتَهْلَكَ مَالًا فِي جُنُونِهِ أَوْ فِي صَبْوَتِهِ لَزِمَهُ وَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَقَرَّ بَالِغًا فَقَالَ بَلْ أَقْرَرْت غَيْرَ بَالِغٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَظُنُّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا جَعَلَ الْقَوْلَ قَوْلَ الْمُدَّعِي، وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُ أَقَرَّ مَجْنُونًا، وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ سَبْقُ جُنُونٍ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَوْ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ؟ رِوَايَتَانِ وَلَوْ قَالَ لَا أَدْرِي هَلْ كُنْتُ بَالِغًا أَمْ لَا أَوْ كُنْتُ عَاقِلًا أَمْ لَا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ قَالَ الْقَاضِي وَعَلَى الْقَوْلِ الْمَظْنُونِ يُشْبِهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ انْتَهَى.
(قُلْت) الظَّاهِرُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الصِّبَا وَالْجُنُونِ فَإِذَا قَالَ لَا أَدْرِي أَكُنْتُ صَبِيًّا أَوْ بَالِغًا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ بَالِغٌ وَإِذَا قَالَ: لَا أَدْرِي أَكُنْتُ بَالِغًا عَاقِلًا أَمْ لَا لَزِمَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَقْلُ حَتَّى يَثْبُتَ انْتِفَاؤُهُ فَتَأَمَّلْهُ.
ص (أَوْ بِقَرْضٍ شُكْرًا عَلَى الْأَصَحِّ)
ش: كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ عَلَيْهَا حَسَنٌ، وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِقَرْضٍ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِغَيْرِ الْقَرْضِ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ يَلْزَمُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَالشُّكْرُ إنَّمَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي قَضَاءِ السَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ يُوجِبُ شُكْرًا وَلَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مِنْ غَيْرِ قَرْضٍ وَادَّعَى قَضَاءَهُ لَمْ يُصَدَّقْ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَسَوَاءٌ قَالَ كَانَ عِنْدِي عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ أَوْ لَا انْتَهَى. وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَالتَّفْلِيسِ وَزَادَ فِيهِ إذْ لَيْسَ بِمَوْضِعِ شُكْرٍ عَلَى مَا مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ فِي رَسْمِ تَوَضَّأَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَيُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ أَشْهَدَ رَجُلًا أَنَّهُ تَقَاضَى مِنْ فُلَانٍ مِائَةَ دِينَارٍ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ، فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَإِنَّهُ أَحْسَنَ قَضَائِي فَلَيْسَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ فَقَالَ الْمَشْهُودُ لَهُ: قَدْ كَذَبَ إنَّمَا أَسْلَفْته الْمِائَةَ سَلَفًا إنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَشْهُودِ لَهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا مِثْلُ مَا فِي آخِرِ الْمِدْيَانِ مِنْهَا وَمَا فِي رَسْمِ الْمُكَاتَبِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالِاقْتِضَاءِ لَا يُصَدَّقُ فِي أَنَّهُ اقْتَضَاهُ مِنْ حَقٍّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إنَّ مَنْ أَقَرَّ بِسَلَفٍ وَادَّعَى قَضَاءَهُ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ لَا يَلْزَمُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالِاقْتِضَاءِ أَنَّ السَّلَفَ مَعْرُوفٌ يَلْزَمُهُ شُكْرُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] وَقَوْلِهِ ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
وَقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَزْكَتْ عَلَيْهِ يَدُ رَجُلٍ فَلْيَشْكُرْهَا» فَحُمِلَ الْمُقِرُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ إلَى أَدَاءِ مَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ مِنْ الشُّكْرِ لِفَاعِلِهِ لَا إلَى الْإِقْرَارِ عَلَى نَفْسِهِ بِوُجُوبِ السَّلَفِ عَلَيْهِ إذْ قَدْ قَضَاهُ إيَّاهُ عَلَى مَا ذُكِرَ وَحُسْنُ الْقَضَاءِ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ أَنْ يَفْعَلَهُ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُقْتَضِي أَنْ يَشْكُرَهُ فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الدَّعْوَى، وَهَذَا عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعَلَى أَصْلِ أَشْهَبَ فِي أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُقْتَضِي وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ نَصٌّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا
ص (وَقَبْلَ أَجَلِ مِثْلِهِ إلَخْ)
ش:
[ ٥ / ٢٢٧ ]
مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ صَحِيحٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ الْحَاجِبِ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَرْضِ الْحُلُولُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (إلَّا فِي غَصْبٍ فَقَوْلَانِ)
ش: كَذَا ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ أَشْهَبَ عَدَمُ لُزُومِ الْغَصْبِ، وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ اللُّزُومُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهِيَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْهَا وَنَصُّهَا مَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَ هَذَا الْخَاتَمَ، ثُمَّ قَالَ: وَفَصُّهُ لِي أَوْ أَقَرَّ لَك بِجُبَّةٍ، ثُمَّ قَالَ وَبِطَانَتُهَا لِي أَوْ أَقَرَّ لَك بِدَارٍ وَقَالَ بِنَاؤُهَا لِي لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ نَسَقًا انْتَهَى. وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ أَشْهَبَ نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ نَحْوُهُ خِلَافَ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، ثُمَّ قَالَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ فِي السَّمَاعِ ضَعِيفٌ وَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَصَحُّ وَأَوْلَى انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَفَى عَلَى الْأَحْسَنِ)
ش: كَلَامُهُ - ﵀ - يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي قَوْلِهِ لَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ حَقٌّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ حَقٌّ، فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ سَحْنُونًا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ إذَا قَالَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ حَقٌّ أَوْ فِي هَذِهِ الدَّارِ حَقٌّ فَقَالَ مَرَّةً: يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِمَا ذَكَرَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إنْ قَالَ: " مِنْ " لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ: " فِي " قُبِلَ وَالْخِلَافُ فِي قَوْلِهِ " فِي " وَفِي قَوْله " مِنْ " لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْقَوْلُ بِقَبُولِ تَفْسِيرِهِ فِي " مِنْ " إنَّمَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَرْجُوعُ عَنْهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ - ﵀ - رَأَى أَنَّ الْقَوْلَ بِقَبُولِ تَفْسِيرِهِ إنَّمَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَرْجُوعُ عَنْهُ، فَصَارَ كَالْعَدَمِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ إلَّا فِي قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ.
(فَرْعٌ): قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِي تَرْجَمَةِ مَنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِشَاةٍ فِي غَنَمِهِ أَوْ بَعِيرٍ فِي إبِلِهِ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَمَنْ بِيَدِهِ صُبْرَةُ قَمْحٍ فَقَالَ إنَّ لِفُلَانٍ مِنْهَا خَمْسِينَ إرْدَبًّا فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا دُونَ ذَلِكَ فَجَمِيعُهَا لِلْمُقَرِّ لَهُ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى خَمْسِينَ فَالزِّيَادَةُ لِلْمُقِرِّ وَلَوْ قَالَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ بِيعَ لَهُ مِنْهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْمَقَرِّ وَإِنْ لَمْ يَفِ ثَمَنَهَا بِالْعَشَرَةِ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْمُقِرِّ غَيْرُ ذَلِكَ وَإِنْ قَالَ لَهُ مِنْ ثَمَنِهَا عَشَرَةُ دَنَانِيرَ سُئِلَ مَا أَرَادَ فَإِنْ أَرَادَ كَانَ لَهُ مِنْ ثَمَنِهَا إذَا اشْتَرَيْت سُئِلَ كَمْ كَانَ ثَمَنُهَا فَكَانَ الْمُقَرُّ لَهُ شَرِيكًا فِيهَا بِعَشَرَةٍ وَإِنْ قَالَ أَرَدْت مِنْ ثَمَنِهَا إذَا بِيعَتْ فَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ طُلِبَتْ مِنْهُ الْيَمِينُ حَلَفَ عَلَى مَا يَقُولُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَ فَلِلْمُقَرِّ لَهُ الْأَقَلُّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فَكَذَلِكَ أَيْ فَكَالْوَجْهِ الْأَوَّلِ يُبَاعُ لَهُ مِنْهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ.
ص
[ ٥ / ٢٢٨ ]
وَسُجِنَ لَهُ)
ش: أَيْ لِلتَّفْسِيرِ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ تَفْسِيرُهُ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ.
ص (وَجُلُّ الْمِائَةِ أَوْ قُرْبُهَا أَوْ نَحْوُهَا الثُّلُثَانِ فَأَكْثَرُ بِالِاجْتِهَادِ)
ش: هَكَذَا قَالَ سَحْنُونٌ فِي نَوَازِلِهِ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَالتَّفْلِيسِ
[ ٥ / ٢٢٩ ]
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مَا نَصُّهُ، وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْمَيِّتِ الَّذِي يَتَعَذَّرُ سُؤَالُهُ عَنْ مُرَادِهِ، وَأَمَّا الْمُقِرُّ الْحَاضِرُ فَيُسْأَلُ عَنْ تَفْسِيرِ مَا أَرَادَ وَيُصَدَّقُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ إنْ نَازَعَهُ فِي ذَلِكَ الْمُقَرُّ لَهُ إنْ ادَّعَى أَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ لَهُ بِهِ، وَحَقَّقَ الدَّعْوَى فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُحَقِّقْ الدَّعْوَى، فَعَلَى قَوْلَيْنِ فِي إيجَابِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ إنْ فَسَّرَهُ الْمُقِرُّ بِأَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ، وَأَمَّا إنْ فَسَّرَهُ بِالنِّصْفِ أَوْ دُونَهُ، فَلَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَأَنْ حَلَفَ فِي غَيْرِ الدَّعْوَى)
ش: هَذَا جَمْعُ الْمُصَنِّفِ بَيْنَ نَقْلَيْ سَحْنُونٍ - ﵀ - وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ابْنُ عَرَفَةَ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَنَصُّ كَلَامِ الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ سَحْنُونٍ مَنْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إنْ حَلَفَ أَوْ إذَا حَلَفَ أَوْ مَتَى حَلَفَ أَوْ حِينَ يَحْلِفُ أَوْ مَعَ يَمِينِهِ أَوْ فِي يَمِينِهِ أَوْ بَعْدَ يَمِينِهِ، فَحَلَفَ فُلَانٌ عَلَى ذَلِكَ، وَنَكَلَ الْمُقِرُّ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي إجْمَاعِنَا.
وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَائِلًا: وَإِنْ حَلَفَ مُطْلَقًا إنْ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ أَوْ إنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ أَوْ إنْ أَعَارَنِي دَابَّتَهُ أَوْ دَارِهِ فَأَعَارَهُ ذَلِكَ أَوْ إنْ شَهِدَ بِهِ عَلَى فُلَانٍ، فَشَهِدَ وَلَوْ قَالَ إنْ حُكِمَ بِهَا عَلَى فُلَانٍ فَتَحَاكَمَا إلَيْهِ فَحَكَمَ بِهَا عَلَيْهِ لَزِمَهُ ابْنُ سَحْنُونٍ مَنْ أَنْكَرَ مَا ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْمُدَّعِي احْلِفْ وَأَنْتَ بَرِيءٌ أَوْ مَتَى حَلَفْت أَوْ أَنْتِ بَرِيءٌ مَعَ يَمِينِك أَوْ فِي يَمِينِك فَحَلَفَ فَقَدْ بَرِئَ وَلَوْ قَالَ لَهُ الطَّالِبُ لَا تَحْلِفْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ الْمَطْلُوبُ لِلْمُدَّعِي احْلِفْ وَأَنَا أَغْرَمُ لَك فَحَلَفَ لَزِمَهُ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَنْ قَوْلِهِ وَنُوقِضَ قَوْلُ سَحْنُونٍ بِعَدَمِ اللُّزُومِ فِي قَوْلِهِ إنْ حَلَفَ فَحَلَفَ بِقَوْلِهِ احْلِفْ وَأَنَا أَغْرَمُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ حَمَالَتِهَا احْلِفْ أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي تَدَّعِيهِ قِبَلَ أَخِي حَقٌّ وَأَنَا ضَامِنٌ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ وَلَا رُجُوعَ لَهُ وَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ إنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَإِنْ مَاتَ كَانَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ وَيُجَابُ بِأَنَّ شَرْطَ لُزُومِ الشَّيْءِ إمْكَانُهُ، وَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي قَوْلِهِ إنْ حَلَفَ وَأَخَوَاتُهُ لِمَا عُلِمَ أَنَّ مَلْزُومِيَّةَ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ لَا تَدُلُّ عَلَى إمْكَانِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِقْرَارُ لِعَدَمِ إتْيَانِهِ فِي لَفْظِهِ بِشَرْطِهِ، وَهُوَ الْإِمْكَانُ وَلَزِمَهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ احْلِفْ لِإِتْيَانِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ شَرْطِ اللُّزُومِ، وَهُوَ الْإِمْكَانُ لِدَلَالَةِ صِيغَةِ افْعَلْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَطْلُوبٍ عَادَةً مُمْكِنٌ انْتَهَى. وَانْظُرْ الْمَسْأَلَةَ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى مِنْ الْعُتْبِيَّةِ.
ص (أَوْ شَهِدَ فُلَانٌ غَيْرُ الْعَدْلِ)
ش: مَفْهُومُهُ إنْ كَانَ عَدْلًا لَزِمَهُ
[ ٥ / ٢٣٠ ]
مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ فَقَطْ وَاَلَّذِي حَصَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ إنْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى التَّبْكِيتِ لِصَاحِبِهِ وَالْإِنْزَاهِ لِلشَّاهِدِ عَنْ الْكَذِبِ، فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّبْكِيتِ فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ كَانَ يُحَقِّقُ عِلْمَ مَا نَازَعَهُ فِيهِ خَصْمُهُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لَا يُحَقِّقُهُ إلَّا أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ مَعَ شَاهِدٍ آخَرَ أَوْ يَمِينِ الْمُدَّعِي، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ وَعِيسَى بْنِ دِينَارٍ وَالثَّانِي إنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ كَانَ يُحَقِّقُ عِلْمَ مَا نَازَعَهُ فِيهِ خَصْمُهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُحَقِّقُهُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ دُونَ يَمِينِ الْمُدَّعِي وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إذَا كَانَ لَا يُحَقِّقُ مَعْرِفَةَ مَا نَازَعَهُ فِيهِ خَصْمُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ إنْ كَانَ يُحَقِّقُ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ دِينَارٍ وَابْنِ كِنَانَةَ وَاخْتِيَارُ سَحْنُونٍ وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّاهِدُ فِي هَذَا كُلِّهِ عَدْلًا أَوْ مَسْخُوطًا أَوْ نَصْرَانِيًّا وَقَدْ قِيلَ لَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ النَّصْرَانِيِّ بِخِلَافِ الْمَسْخُوطِ، وَإِذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ مِنْ صُورَةِ تَرَاجُعِهِمَا التَّبْكِيتُ مِنْ غَيْرِ التَّبْكِيتِ فَهُوَ فِيمَا نَازَعَهُ فِيهِ مِنْ قَوْلٍ قَالَهُ أَوْ فِعْلٍ فَعَلَهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّبْكِيتِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُ الرِّضَا وَالْتِزَامُ الْحُكْمِ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَفِيمَا نَازَعَهُ مِنْ حُدُودِ أَرْضٍ أَوْ دَيْنٍ عَلَى أَبِيهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ التَّبْكِيتِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ مِنْهُ التَّبْكِيتُ وَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ الرِّضَا بِقَوْلِهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَ وَذَلِكَ بِخِلَافِ الرِّضَا بِالتَّحْكِيمِ إذْ لَا يُخْتَلَفُ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْزِعَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَيَخْتَلِفُ هَلْ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْحُكْمِ انْتَهَى فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّاهِدَ إنْ كَانَ عَدْلًا لَمْ يَلْزَمْ مَا شَهِدَ بِهِ بِمُجَرَّدِ شَهَادَتِهِ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ الْأَقْوَالِ الَّذِي هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى غَيْرِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُؤَثِّرُ أَصْلًا لِأَحَدِهِمَا وَلَا مَعَ شَاهِدٍ آخَرَ أَوْ يَمِينٍ وَأَوَّلُ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ يُوهِمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مَا شَهِدَ بِهِ الْعَدْلُ بِمُجَرَّدِ شَهَادَتِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَنَصَّ مَالِكٌ فِي مَسْأَلَةِ إنْ شَهِدَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ وَقَيَّدَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَدْلًا، وَأَمَّا الْعَدْلُ فَيُقْبَلُ عَلَيْهِ يُوهِمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مَا شَهِدَ بِهِ الْعَدْلُ وَنَحْوُهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ، فَيُقْبَلُ عَلَيْهِ أَيْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَلَامُ النَّوَادِرِ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُ لَمَّا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ قَالَ مَا نَصُّهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَكِنْ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ عَدْلًا قُبِلَ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَانْظُرْ الْمَسْأَلَةَ أَيْضًا فِي رَسْمِ الْعِتْقِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَفِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَالتَّبْكِيتِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ كَالتَّقْرِيعِ وَالتَّعْنِيفِ وَبَكَّتَهُ بِالْحُجَّةِ أَيْ غَلَبَهُ انْتَهَى.
ص (وَلَك أَحَدُ ثَوْبَيْنِ عُيِّنَ إلَخْ)
ش: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ، وَانْظُرْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَعَ مَا قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ مَنْ أَقَرَّ بِعَدَدٍ مِنْ صِنْفَيْنِ لَمْ يَذْكُرْ كَمْ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِذَا قَالَ الْمَرِيضُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةٌ دَنَانِيرُ وَدَرَاهِمُ فَإِنْ أَمْكَنَ مَسْأَلَتُهُ سُئِلَ وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَيُجْبَرُ حَتَّى يُبَيِّنَ فَإِنْ مَاتَ فَوَرَثَتُهُ بِمَثَابَتِهِ يُقِرُّونَ بِمَا شَاءُوا مِنْ كُلِّ صِنْفٍ وَيَحْلِفُونَ فَإِنْ أَنْكَرَ، وَأَعْلَمَ ذَلِكَ جُعِلَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ بَعْدَ أَيْمَانِ
[ ٥ / ٢٣١ ]
الْوَرَثَةِ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ شَيْئًا وَبَعْدَ يَمِينِ الْمُقَرِّ لَهُ أَنَّهُ لَيْسَ حَقُّهُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْبَتِّ لَا عَلَى الْعِلْمِ انْتَهَى وَنَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي أَحْكَامِهِ فِي بَابِ مَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِهِ.
ص (وَإِنْ أَبْرَأَ فُلَانًا مِمَّا لَهُ قِبَلَهُ أَوْ مِنْ كُلِّ حَقٍّ أَوْ أَبْرَأَهُ بَرِئَ مُطْلَقًا وَمِنْ الْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ)
ش: قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِي تَرْجَمَةِ الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: وَمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ قِبَلَ فُلَانٍ، فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيْهِ وَفُلَانٌ بَرِيءٌ فِي إجْمَاعِنَا مِنْ كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ دَيْنًا أَوْ وَدِيعَةً أَوْ عَارِيَّةً أَوْ كَفَالَةً أَوْ غَصْبًا أَوْ قَرْضًا أَوْ إجَارَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَسْطُرٍ مِنْ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ قِبَلَ فُلَانٍ، ثُمَّ ادَّعَى قِبَلَهُ قَذْفًا أَوْ سَرِقَةً فِيهَا قُطِعَ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً فَلَا يُقْبَلُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَقُولَ الْبَيِّنَةُ إنَّهُ جَعَلَهُ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ قِبَلَهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَهُ بِقِصَاصٍ وَلَا حَدٍّ وَلَا أَرْشٍ وَلَا كَفَالَةٍ بِنَفْسٍ وَلَا بِمَالٍ وَلَا دَيْنٍ وَلَا مُضَارَبَةٍ وَلَا شَرِكَةٍ وَلَا مِيرَاثٍ وَلَا دَارٍ وَلَا أَرْضٍ وَلَا رَقِيقٍ وَلَا شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ مِنْ عُرُوضٍ وَغَيْرِهَا إلَّا مَا يَسْتَأْنِفُ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ فِي إجْمَاعِنَا انْتَهَى.
وَقَالَ قَبْلَهُ قَالَ سَحْنُونٌ: فِي بَعْضِ أَقَاوِيلِهِ: إذَا قَالَ: فُلَانٌ بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ حَقٍّ لِي عَلَيْهِ أَوْ قَالَ مِمَّا لِي عَلَيْهِ أَوْ مِمَّا لِي عِنْدَهُ أَوْ قَالَ لَا حَقَّ لِي قِبَلَهُ فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَمَانَةٍ أَوْ ضَمَانٍ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَنَا أَسْتَحْسِنُ قَوْلَهُ هُوَ بَرِيءٌ مِنْ حَقِّهِ قِبَلَهُ، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ جَمِيعِ حَقِّهِ، ثُمَّ قَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ بَعْضِ حَقِّي وَبَقِيَ الْبَعْضُ، فَلَا يُصَدَّقُ وَالْبَرَاءَةُ جَائِزَةٌ فِي إجْمَاعِنَا فِي جَمِيعِ حَقِّهِ انْتَهَى. وَهُوَ مَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَمِثْلُ ذَلِكَ إذَا قَالَ: وَهَذَا آخِرُ حَقٍّ لِي عَلَيْهِ قَالَ فِي النَّوَادِرِ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِرَجُلٍ أَنَّ فُلَانًا أَبْرَأَهُ مِنْ جَمِيعِ الدَّعَاوَى وَأَنَّهُ أَخَّرَ كُلَّ حَقٍّ لَهُ مَطْلَبٌ مِنْ جَمِيعِ الْمُعَامَلَاتِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَادَّعَى أَنَّهُ قَدْ غَلِطَ أَوْ نَسِيَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ حَقٍّ مُسَمًّى، وَفِي الْكِتَابِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ عَلَيْهِ، وَلَا قِبَلَهُ حَقٌّ، وَلَا عِنْدَهُ أَوْ شَهِدُوا لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُعَامَلَةٌ غَيْرُ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَلَيْسَ لَهُ بَعْد ذَلِكَ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ يُرِيدُ مِمَّا قَبْلَ تَارِيخِ الْكِتَابِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الَّذِي أَقَرَّ بِالْحَقِّ لَيْسَ هَذَا الَّذِي أَدَّيْت عَلَيَّ وَغَلَطْت فِي الْحِسَابِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ رَبَّ الْحَقِّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ مَا نَفَعَتْ الْبَرَاءَةُ وَلَا انْقَطَعَتْ الْمُعَامَلَةُ.
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ): ذَكَرَ صَاحِبُ الطِّرَازِ فِي تَرْجَمَةِ مُبَارَأَةِ الْوَصِيِّ عَنْ الْيَتِيمَةِ مَا يُخَالِفُ مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَالْمُؤَلِّفُ وَنَصُّهُ اُنْظُرْ لَوْ انْعَقَدَ بَيْنَ شَخْصَيْنِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دَعْوَى وَلَا حُجَّةٌ وَلَا يَمِينٌ وَلَا عُلْقَةٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ كُلِّهَا قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا، ثُمَّ قَامَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِحَقٍّ قَبْلَ تَارِيخِ الْإِشْهَادِ الْمَذْكُورِ، وَثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ صَاحِبُهُ بِهِ، وَلَا يَضُرُّهُ الْإِشْهَادُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْإِشْهَادِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَقْصِدَا فِيهِ لِإِسْقَاطِ الْبَيِّنَةِ قَالَهُ ابْنُ عَتَّابٍ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فَعَلَى هَذَا يُفْتَقَرُ إلَى ذِكْرِ إسْقَاطِ الْبَيِّنَةِ الْحَاضِرَةِ وَالْغَائِبَةِ فِي السِّرِّ وَالْإِعْلَانِ وَمَنْ أَقَامَ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، فَهِيَ زُورٌ وَإِفْكٌ لَا عَمَلَ عَلَيْهَا انْتَهَى مِنْ آخِرِ مَسَائِلِ الْأَنْكِحَةِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْبُرْزُلِيِّ وَمَا قَالَهُ خِلَافُ الْمَشْهُورِ اُنْظُرْ نَوَازِلَ ابْنِ الْحَاجِّ (الثَّانِي) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ بَلْ صَرِيحُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ أَنَّ الْإِبْرَاءَ يَشْمَلُ الْأَمَانَاتِ وَهِيَ مُعَيَّنَاتٌ وَفِي كَلَامِ الْقَرَافِيِّ فِي الذَّخِيرَةِ مَا يَقْتَضِي مُخَالَفَةَ ذَلِكَ وَنَصُّهُ فِي آخِرِ كِتَابِ الدَّعَاوَى تَنْبِيهٌ: الْإِبْرَاءُ مِنْ الْمُعَيَّنِ لَا يَصِحُّ بِخِلَافِ الدَّيْنِ فَلَا يَصِحُّ بَرَّأْتُكَ مِنْ دَارِي الَّتِي تَحْتَ يَدِك؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ الْإِسْقَاطُ وَالْمُعَيَّنُ لَا يَسْقُطُ نَعَمْ يَصِحُّ فِيهِ الْهِبَةُ وَنَحْوُهَا انْتَهَى، وَهُوَ كَلَامٌ ظَاهِرٌ فِي نَفْسِهِ إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ أَبْرَأْتُك مِنْ دَارِي الَّتِي تَحْتَ يَدِك أَيْ أَسْقَطْت مُطَالَبَتِي بِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُطَالَبَةَ تَقْتَضِي الْإِسْقَاطَ، فَالْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ فَتَأَمَّلْهُ مَعَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ خِلَافُ مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ الْإِسْقَاطِ فِي الْمُعَيَّنِ وَأَنَّ لَفْظَ الْإِبْرَاءِ أَعَمُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى
[ ٥ / ٢٣٢ ]
الْمُعَيَّنِ وَغَيْرِهِ فَرَاجِعْهُ وَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ): قَوْلُ الْمُؤَلِّفِ بَرِئَ مُطْلَقًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي أَبْرَأَهُ مِنْهُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا كَمَا قَالَ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ وَأَبْرَأَ وَإِنْ جَهِلَهُ الثَّلَاثَةُ وَفِي الْمَذْهَبِ مَسَائِلُ لَا يُفْسِدُهَا الْجَهْلُ وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ الْمُشَارَ إلَيْهِ عِنْدَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْوَكَالَةِ قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي بَابِ الْحَمَالَةِ نَظَائِرُ قَالَ الْعَبْدِيُّ يَجُوزُ الْمَجْهُولُ فِي الْحَمَالَةِ وَالْهِبَةِ زَادَ غَيْرُهُ الْوَصِيَّةَ وَالْبَرَاءَةَ مِنْ الْمَجْهُولِ وَالصُّلْحَ وَالْخُلْعَ وَالصَّدَاقَ فِي النِّكَاحِ وَالصَّدَقَةَ وَالْقِرَاضَ وَالْمُسَاقَاةَ وَالْمُغَارَسَةَ فَتَكُونُ إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً.
(الرَّابِعُ): مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ أَنَّ لَفْظَةَ عِنْدِي تَقْتَضِي الْأَمَانَةَ وَلَفْظَةُ عَلَيْهِ تَقْتَضِي الذِّمَّةَ نُقِلَ مِثْلُهُ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ عَنْ الْغَرْنَاطِيِّ وَنَصُّهُ وَمَنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ عِنْدَهُ بَرِئَ مِنْ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ مِنْ الضَّمَانَاتِ وَالدُّيُونِ وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عِنْدَهُ بَرِئَ مِنْ الضَّمَانَاتِ وَالْأَمَانَاتِ انْتَهَى. مِنْ وَثَائِقِ أَبِي إِسْحَاقَ الْغَرْنَاطِيِّ.
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ): إذَا عَمَّمَ الْمُبَارَآتِ بَعْدَ عَقْدِ الْخُلْعِ فَأَفْتَى ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِجَمِيعِ الدَّعَاوَى كُلِّهَا مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِالْخُلْعِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَأَفْتَى غَيْرُهُ بِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى أَحْكَامِ الْخُلْعِ خَاصَّةً ذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْخُلْعِ وَهِيَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ مَسَائِلِ الطَّلَاقِ، وَذَكَرْتُهَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ الِالْتِزَامِ الَّذِي أَلَّفْتُهُ (الثَّانِي) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَثْنَاءِ مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ نَاقِلًا لَهُ عَنْ تَعْلِيقَةِ التُّونُسِيِّ مَا نَصُّهُ وَهُوَ أَنَّ رَجُلًا قَامَ بِعَقْدِ اسْتِرْعَاءٍ وَطَلَبَ إثْبَاتَهُ عَلَى رَجُلٍ فَقَالَ: هَذَا الرَّجُلُ إنَّهُ سَاقِطٌ عَنِّي بِإِشْهَادِ هَذَا الْقَائِمِ عَلَى نَفْسِهِ بِقَطْعِ دَعْوَاهُ عَنِّي، وَإِنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ مُسْتَرْعَاةٍ قَدِيمَةٍ أَوْ حَدِيثَةٍ فَهِيَ سَاقِطَةٌ، فَقَالَ الْقَائِمُ إنِّي لَمْ أَفْهَمْ هَذِهِ الْوَثِيقَةَ الْمُنْعَقِدَةَ بَيْنِي وَبَيْنَك، وَهِيَ مَعْقُودَةٌ عَلَى الْكَمَالِ جَوَابُهَا إنْ شَهِدَ بِهَا، فَإِنَّهَا تَمْضِي عَلَى الْقَائِمِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ لَمْ أَفْهَمْهَا إبْطَالٌ لَهَا، وَتَزْوِيرٌ لِشُهُودِهَا، وَهَذَا بَابٌ عَظِيمٌ إنْ فُتِحَ لِلْخِصَامِ بَطَلَتْ بِهِ حُقُوقٌ كَثِيرَةٌ وَبَيِّنَاتٌ مُحَقَّقَةٌ، وَسَدُّ هَذَا الْبَابِ وَاجِبٌ انْتَهَى، وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ مَسَائِلُ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَاخِرِ مَسَائِلِ الْوَكَالَاتِ: مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُبْرِئَ عَنْ الْمَحْجُورِ الْبَرَاءَةَ الْعَامَّةَ، وَإِنَّمَا يُبْرِئُ عَنْهُ فِي الْمُعَيَّنَاتِ، وَكَذَلِكَ الْمَحْجُورُ يَقْرَبُ رُشْدُهُ لَا يُبْرِئُهُ إلَّا مِنْ الْمُعَيَّنَاتِ، وَلَا تَنْفَعُهُ الْمُبَارَأَةُ الْعَامَّةُ حَتَّى يَطُولَ رُشْدُهُ كَسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْمُتَيْطِيُّ وَمِنْ هَذَا لَا يُبْرِئُ الْقَاضِي النَّاظِرَ فِي أَحْبَاسِ الْمُبَارَآتِ الْعَامَّةِ وَإِنَّمَا يُبْرِئُهُ مِنْ الْمُعَيَّنَاتِ وَإِبْرَاؤُهُ عُمُومًا جَهْلٌ مِنْ الْقُضَاةِ، وَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ لِقَاضٍ يَزْعُمُ الْمَعْرِفَةَ، وَلَا يَعْلَمُ صِنَاعَةَ الْقَضَاءِ، وَكَذَلِكَ رَأَيْت تَقْدِيمَ قَاضٍ آخَرَ لِنَاظِرٍ فِي حَبْسٍ مُعَيَّنٍ، وَجَعَلَ بِيَدِهِ مِنْ ذَلِكَ النَّظَرَ التَّامَّ الْعَامَّ وَجَعَلَهُ مُصَدَّقًا فِي كُلِّ مَا يَتَوَلَّى دَخْلَهُ وَخَرْجَهُ دُونَ بَيِّنَةٍ لِثِقَتِهِ بِالْقِيَامِ بِهِ، وَهَذَا أَيْضًا جَهْلٌ؛ لِأَنَّ أَحْوَالَ الْأَحْبَاسِ كَأَمْوَالِ الْأَيْتَامِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] يَقُولُ لِئَلَّا تَضْمَنُوا وَيَقُولُ الْآخَرُ لِئَلَّا تَحْلِفُوا فَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَا يُصْرَفُ الْأَمْرُ إلَيْهِمْ عَلَى حَدِّ مَا يَصْرِفُهُ الْإِنْسَانُ فِي مَالِ نَفْسِهِ إذْ لَيْسَ لَهُ تَصَرُّفٌ إلَّا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ فَهُوَ مَحْجُورٌ عَنْ التَّصَرُّفِ التَّامِّ انْتَهَى.
ص (فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ وَإِنْ بِصَكٍّ إلَّا بِبَيِّنَةِ أَنَّهُ بَعْدَهُ)
ش: قَالَ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَتَى بِشَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّ هَذَا الْمُدَّعِيَ أَقَرَّ عِنْدَنَا مُنْذُ شَهْرَيْنِ أَنْ لَيْسَ لَهُ قِبَلَ فُلَانٍ شَيْءٌ وَلَا يَدْرِي الشَّاهِدَانِ اللَّذَانِ شَهِدَا عَلَى الْحَقِّ قَبْلَ هَؤُلَاءِ أَمْ بَعْدُ قَالَ أَرَى أَنْ يَقْضِيَ بِشَاهِدَيْ الْمَطْلُوبِ ابْنُ رُشْدٍ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَقَرَّ بِالْعِشْرِينَ وَادَّعَى الْبَرَاءَةَ مِنْهَا وَاسْتَظْهَرَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ بِإِقْرَارِ الطَّالِبِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عِنْدَهُ، فَالطَّالِبُ يَقُولُ إنَّمَا أَقْرَرْت قَبْلَ أَنْ تَجِبَ الْعِشْرُونَ وَالْمَطْلُوبُ يَقُولُ إنَّمَا أَقْرَرْت بَعْدَ وُجُوبِهَا فَقِيلَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ يَقْضِي بِشَاهِدَيْ الْمَطْلُوبِ مَعْنَاهُ يَقْضِي بِأَنْ
[ ٥ / ٢٣٣ ]
يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ شَاهِدَيْهِ وَقِيلَ الْقَوْلُ قَوْلُ الطَّالِبِ وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَطْلُوبِ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَوْ كَانَ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ قَدِيمٌ غَيْرُ هَذَا لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الطَّالِبِ قَوْلًا وَاحِدًا بِدَلِيلِ مَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْوَدِيعَةِ.
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ أَحَدٌ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عِنْدَ مَنْ يَكُونُ لَهُ عِنْدَهُ حَقٌّ، وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الدَّيْنَ وَجَبَ عَلَى الطَّالِبِ بِإِقْرَارِهِ، فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِيَقِينٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ الْمَطْلُوبُ بِالْعِشْرِينَ، وَأَتَى بِبَرَاءَةٍ مِنْهَا وَقَالَ: هِيَ الَّتِي أَقْرَرْت بِهَا وَقَالَ الطَّالِبُ: غَيْرُهَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الطَّالِبِ إنْ كَانَ لَهُ قِبَلَهُ غَيْرُهَا وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا قِبَلَهُ وَلَا بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ، وَيَخْتَلِفُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَلِسَحْنُونٍ فِي نَوَازِلِهِ مِنْ الْمِدْيَانِ ثَالِثٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ تَفْرِقَتُهُ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَطْلُوبُ بِبَرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ تَسْتَغْرِقُ الْعَدَدَ أَوْ بِبَرَاءَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ مُنْكِرًا لِلْعِشْرِينَ الَّتِي قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِهَا، فَلَا إشْكَالَ وَلَا اخْتِلَافَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الطَّالِبِ إذْ لَا تَسْقُطُ بَيِّنَتُهُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ، وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ إذَا أَتَى بِبَيِّنَتِهِ أَنَّهُ قَضَاهُ الْعِشْرِينَ بَعْدَ الْإِنْكَارِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
وَقَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ يَحْيَى هُوَ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ، وَنَصُّهُ وَسَأَلْت ابْنَ وَهْبٍ عَنْ الرَّجُلِ يَدَّعِي عَلَيْهِ رَجُلٌ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَيَدَّعِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَضَاهُ مِائَةَ دِينَارٍ وَعِشْرِينَ وَيَأْتِي عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ وَلَا تَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمِائَةِ الدِّينَارِ بِعَيْنِهَا أَنَّهَا دَخَلَتْ فِي الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ فَيَقُولُ الطَّالِبُ إنَّمَا لِي عَلَيْكَ مِائَةُ دِينَارٍ مِنْ ثَمَنِ عِطْرٍ بِعْتُكَهُ وَثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي فَيَقُولُ لَهُ الطَّالِبُ هَاتِ الْبَيِّنَةَ إنَّك قَضَيْتنِي ثَمَنَ الْعِطْرِ بِعَيْنِهِ وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي قَضَيْتُكَ مِائَةً وَعِشْرِينَ ثَمَنَ الْعِطْرِ فِيهَا فَهَلْ يَبْرَأُ الْمَطْلُوبُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَسَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْهَا فَقَالَ: يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِاَللَّهِ لَقَدْ دَخَلَتْ الْمِائَةُ دِينَارٍ ثَمَنُ الْعِطْرِ فِي الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي قَضَاهُ، ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ: وَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَأَتَى بِذِكْرِ حَقٍّ، فَأَتَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِبَرَاءَةٍ مَنْ أَلْفَيْ دِينَارٍ قَالَ: يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَبْرَأُ، وَهَذَا أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا.
قَالَ يَحْيَى: وَسَأَلْتُ ابْنَ نَافِعٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَمُلَابَسَةٌ فَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمَطْلُوبِ أَنَّ الْمِائَةَ دِينَارٍ ثَمَنَ الْعِطْرِ دَخَلَتْ فِي الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ وَإِلَّا غَرِمَ؛ لِأَنَّ الْمُخَالَطَةَ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ عَامَلَهُ فِي غَيْرِ الْعِطْرِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: سَقَطَ جَوَابُ ابْنِ وَهْبٍ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَثَبَتَ فِي بَعْضِهَا؟ قَالَ نَعَمْ فَقَوْلُهُ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمِثْلُ مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ، فَهُوَ خِلَافٌ لَهُمْ إذْ لَا فَرْقَ فِي مَذْهَبِهِمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ أَوْ لَا يَكُونَ، الْقَوْلُ عِنْدَهُمْ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا حَتَّى يَأْتِيَ الطَّالِبُ بِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ سِوَاهُ وَلَا اخْتِلَافَ إذَا لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ، وَلَا فِي أَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ غَيْرُهُ فِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الطَّالِبِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ وَمُلَابَسَةٌ انْتَهَى. وَلَهُ فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ نَحْوُ ذَلِكَ وَنَصُّهُ وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً فَقَامَ بِهِ عَلَيْهِ الْيَوْمَ فَزَعَمَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ، فَتَأْتِي الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ مُنْذُ تِسْعِ سِنِينَ أَوْ نَحْوِهَا وَيَأْتِي صَاحِبُ الْحَقِّ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ مُنْذُ سِنِينَ فَبِأَيِّ الشَّاهِدَيْنِ يُؤْخَذُ قَالَ: يُؤْخَذُ بِأَحْدَثِهِمَا وَهِيَ الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الَّذِي يُوجِبُهُ الْحُكْمُ أَنْ يُؤْخَذَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ لَهُ بِالْحَقِّ بَعْدَ أَنْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْقَضَاءِ حُمِلَ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا كَانَ لَهُ مِنْ حَقٍّ
[ ٥ / ٢٣٤ ]
آخَرَ قِبَلَهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ آخَرُ فَقَضَاهُ فَادَّعَى صَاحِبُ الْحَقِّ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِحَقٍّ قَدِيمٍ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَلَوْ كَانَ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْقَضَاءِ فَادَّعَى صَاحِبُ الْحَقِّ أَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِحَقٍّ آخَرَ كَانَ لَهُ قِبَلَهُ، وَأَنْكَرَ الْمَطْلُوبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ قِبَلَهُ سِوَى هَذَا الَّذِي قَدْ قَضَاهُ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَطْلُوبِ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ قَدِيمَةٌ وَاخْتُلِفَ إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ فَقِيلَ الْقَوْلُ قَوْلُ الطَّالِبِ، وَقِيلَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ وَلِسَحْنُونٍ فِي نَوَازِلِهِ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ ثَالِثٌ انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَطْلُوبِ أَوْ الطَّالِبِ، فَذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى، وَالصُّلْحِ وَهُوَ بَيِّنٌ وَاتَّضَحَ بِهِ أَيْضًا قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي مَسْأَلَةِ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ قَدِيمٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الطَّالِبِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُ فِي مَسْأَلَةِ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِالْبَرَاءَةِ بَلْ إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالْبَرَاءَةِ سَقَطَ كُلُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي قِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِالْقَضَاءِ بِشَيْءٍ مَخْصُوصٍ، فَيَدَّعِي الطَّالِبُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ حَقَّيْنِ وَأَنَّ الَّذِي ادَّعَاهُ، وَقَامَتْ لَهُ بِهِ الْبَيِّنَةُ غَيْرُ الَّذِي شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْمَطْلُوبِ بِقَضَائِهِ، وَيَدَّعِي الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ قَضَاهُمَا جَمِيعًا، فَهَذَا هُوَ الَّذِي لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الطَّالِبِ يَحْلِفُ، وَيَأْخُذُ حَقَّهُ، وَهُوَ بَيِّنٌ أَيْضًا، وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْمُشَارِ إلَيْهِ، وَهُوَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الشَّرِيكَيْنِ يَتَحَاسَبَانِ فَيَكْتُبُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ الْبَرَاءَةَ مِنْ آخِرِ حَقٍّ قِبَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ بِذِكْرِ حَقٍّ قِبَلَهُ لَمْ يَقَعْ فِي أَصْلِ الْبَرَاءَةِ اسْمُهُ فَادَّعَى صَاحِبُ الْبَرَاءَةِ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ هُوَ وَغَيْرُهُ قَالَ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَقَدْ دَخَلَ فِي حِسَابِنَا، وَيَبْرَأُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ إذَا تَحَاسَبُوا دَخَلَ أَشْبَاهُ هَذَا بَيْنَهُمْ، فَلَوْ كَانَ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حَقٍّ فِيهِ شُهَدَاءُ أَخَذَ بِمَا فِيهِ لَمْ يَتَحَاسَبُوا لِيَبْرَأَ بَعْضُهُمْ مِنْ تَبَاعَةِ بَعْضٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا بَيِّنٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ وَلَا اخْتِلَافَ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْحَقِّ الَّذِي قَامَ بِهِ الطَّالِبُ قَبْلَ الْبَرَاءَةِ، وَإِذَا كَانَ قَبْلَهَا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي الْبَرَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ إذَا كَانَتْ بِتَوَارِيخَ مُخْتَلِفَةٍ، فَالْبَرَاءَةُ مِنْ شَيْءٍ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِمَّا قَبْلَهُ، وَهَذَا مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِمْ فِيمَنْ أَكْرَى دَارًا مُشَاهَرَةً أَوْ مُسَانَاةً إنْ دَفَعَ كِرَاءً شَهْرًا وَسَنَةً بَرَاءَةً لِلدَّافِعِ مِمَّا قَبْلَ ذَلِكَ، وَمِثْلُ مَا فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ فِي التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ فِي الَّذِي يُبَارِئُ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَامِلٌ عَلَى أَنْ تَكْفِيَهُ مُؤْنَةَ الرَّضَاعِ، ثُمَّ تَطْلُبُهُ بِنَفَقَةِ الْحَمْلِ فَقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهَا الرَّضَاعَ أَوْ يُعْطِيهَا هَذَا وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ إذَا قَامَ بِذِكْرِ حَقٍّ، فَزَعَمَ أَنَّهُ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ، وَزَعَمَ الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ قَبْلَ الْبَرَاءَةِ، وَأَنَّهُ دَخَلَ فِيهَا، وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ مَضَى تَحْصِيلُهَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ انْتَهَى.
[تَنْبِيهٌ إنَّمَا يَلْزَمُ الْمَطْلُوبَ الْيَمِينُ إذَا حَقَّقَ الطَّالِبُ الدَّعْوَى]
(تَنْبِيهٌ): إنَّمَا يَلْزَمُ الْمَطْلُوبَ الْيَمِينُ إذَا حَقَّقَ الطَّالِبُ الدَّعْوَى وَإِنَّهَا بَعْدَ الْبَرَاءَةِ وَلَوْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ كَانَتْ الْيَمِينُ يَمِينَ تُهْمَةٍ وَتَجْرِي عَلَى أَيْمَانِ التُّهَمِ قَالَ فِي الرَّسْمِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ أَيْضًا وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَقَضَاهُ وَاكْتَتَبَ مِنْهُ بَرَاءَةً فِيهَا، وَهُوَ آخِرُ حَقٍّ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيَأْتِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حَقٍّ لَا يَعْلَمُ أَكَانَ قَبْلَ الْبَرَاءَةِ أَوْ بَعْدَهَا قَالَ أَرَى بَرَاءَتَهُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَحْلِفَ لَقَدْ دَخَلَ هَذَا الذِّكْرُ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الْبَرَاءَةِ، وَيَبْرَأُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الطَّالِبَ لَمَّا أَتَى بِذِكْرِ الْحَقِّ أُشْكِلَ أَكَانَ قَبْلَ الْبَرَاءَةِ أَوْ بَعْدَهَا إمَّا لِكَوْنِهِمَا مُؤَرَّخَيْنِ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ أَوْ عَارِيَّيْنِ مِنْ التَّارِيخِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَوَقَعَ قَوْلُهُ لَا يَعْلَمُ أَكَانَ قَبْلَ الْبَرَاءَةِ مُعَرًّى مِنْ الضَّبْطِ فَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ الطَّالِبَ لَا يَعْلَمُ أَكَانَ ذِكْرُ الْحَقِّ الَّذِي قَامَ بِهِ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ فَإِيجَابُهُ الْيَمِينَ عَلَى الْمَطْلُوبِ لَقَدْ دَخَلَ هَذَا الذِّكْرُ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الْبَرَاءَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا يَمِينُ تُهْمَةٍ مِنْ غَيْرِ تَحَقُّقِ دَعْوَى، فَيَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْلُومِ فِي لُحُوقِ يَمِينِ التُّهْمَةِ وَصَرْفِهَا وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ
[ ٥ / ٢٣٥ ]
الطَّالِبَ ادَّعَى أَنَّ ذِكْرَ حَقِّهِ الَّذِي قَامَ بِهِ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ، وَحَقَّقَ الدَّعْوَى بِذَلِكَ، وَلَمْ يَعْلَمْ صِحَّةَ قَوْلِهِ لِالْتِبَاسِ التَّوَارِيخِ فَلَا اخْتِلَافَ وَلَا إشْكَالَ فِي لُحُوقِ الْيَمِينِ وَلَا فِي وُجُوبِ صَرْفِهَا إلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ هَلْ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الطَّالِبِ أَوْ الْمَطْلُوبِ؟ انْتَهَى.
وَنَصُّ مَا لِسَحْنُونٍ فِي نَوَازِلِهِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ قِيلَ لَهُ أَرَأَيْت إنْ أَتَى بِذِكْرِ حَقٍّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ، فَأَتَى الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِبَرَاءَةِ أَلْفَيْ دِينَارٍ يَزْعُمُ أَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَ دَخَلَتْ فِي هَذِهِ الْمُحَاسَبَةِ وَالْقَضَاءِ قَالَ: يَحْلِفُ وَيَبْرَأُ قِيلَ لَهُ، فَإِنْ أَتَى بِبَرَاءَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ إذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ الذِّكْرِ الْحَقِّ أَوْ الذُّكُورَاتِ الْحَقِّ كَانَتْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَنْسُوبًا أَنَّهُ مِنْ الذُّكُورَاتِ الْحَقِّ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ فَقَالَ إذَا كَانَتْ الْبَرَاءَاتُ مُتَفَرِّقَةً وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهَا إذَا انْفَرَدَتْ فِيهَا جَمِيعُ هَذِهِ الذُّكُورَاتِ الْحَقِّ أَوْ الذِّكْرِ الْحَقِّ فَإِنِّي لَا أَرَاهَا بَرَاءَةً مِمَّا ثَبَتَ قَبْلَهُ وَإِنْ كَانَ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا جَمِيعُ هَذَا الْحَقِّ وَصَارَتْ بَقِيَّةُ الْبَرَاءَاتِ زِيَادَةً عَلَى مَا ثَبَتَ قَبْلَهُ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَحْلِفَ وَيَبْرَأَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ تَفْرِقَةُ سَحْنُونٍ هَذِهِ ضَعِيفَةٌ لَا وَجْهَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يُقْضَى مُجْتَمِعًا وَمُتَفَرِّقًا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُهُ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى أَنْ يَبْرَأَ بِالْبَرَاءَاتِ الْمُتَفَرِّقَةِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا إذَا انْفَرَدَتْ كَفَافًا بِالذِّكْرِ الْحَقِّ، وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ إنْ كَانَ الْبَرَاءَةُ أَوْ الْبَرَاءَاتُ إذَا اجْتَمَعَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الْحَقِّ لَمْ تَكُنْ بَرَاءَةً لَكَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ بِأَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَنْكَرَ الْمُخَالَطَةَ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يُبَايِعْهُ سِوَى هَذِهِ الْمُبَايَعَةِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْحَقِّ وَادَّعَاهَا الطَّالِبُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَرَاءَةِ الْوَاحِدَةِ أَوْ الْبَرَاءَاتِ أَكْثَرُ مِنْ ذِكْرِ الْحَقِّ لَمْ يَكُنْ لِلطَّالِبِ دَلِيلٌ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْمُخَالَطَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَحْلِفَ الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَى ذِكْرِ الْحَقِّ وَتَكُونُ الْبَرَاءَةُ أَوْ الْبَرَاءَاتُ بَرَاءَةً لَهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَرَاءَةِ الْوَاحِدَةِ أَوْ الْبَرَاءَاتِ زِيَادَةٌ عَلَى ذِكْرِ الْحَقِّ كَانَ فِي ذَلِكَ لِلطَّالِبِ دَلِيلٌ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْمُخَالَطَةِ، وَأَنَّهُ عَامَلَهُ غَيْرَ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَحْلِفَ الطَّالِبُ أَنَّهُ قَدْ عَامَلَهُ فِيمَا سِوَى هَذَا الْحَقِّ، وَأَنَّ الْبَرَاءَةَ أَوْ الْبَرَاءَاتِ الَّتِي اسْتَظْهَرَ بِهَا الْمَطْلُوبَ إنَّمَا هِيَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَرَاءَةً لِلْمَطْلُوبِ مِنْ ذِكْرِ الْحَقِّ انْتَهَى.
وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَرَاءَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ وَأَنَّ هَذَا آخِرُ حَقٍّ لَهُ قِبَلَهُ فَإِنْ كَانَ فِيهَا ذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَطْلُوبِ بِيَمِينٍ إنْ لَمْ يَعْلَمْ التَّارِيخَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَدُونَ يَمِينٍ إنْ كَانَ ذَكَرَ الْحَقَّ الَّذِي بِيَدِ الطَّالِبِ تَارِيخَهُ مُقَدَّمًا عَلَى تَارِيخِ الْبَرَاءَةِ الَّتِي فِيهَا ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ فِي رَسْمِ الْكِرَاءِ وَالْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ: وَسَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ.
وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْتِي بِذِكْرِ حَقٍّ فِيهِ شُهُودٌ عَلَى رَجُلٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَيَأْتِي الْمَطْلُوبُ بِبَرَاءَةٍ دَفَعَهَا إلَيْهِ لَا يَدْرِي شُهُودَهَا أَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ الذِّكْرِ بِحَقٍّ أَوْ بَعْدَهُ لَيْسَ فِيهَا تَارِيخٌ قَالَ: يَحْلِفُ، وَيَبْرَأُ يَعْنِي صَاحِبَ الْبَرَاءَةِ قُلْت: يَعْنِي يَحْلِفُ أَنَّهُ قَضَاءٌ لِذَلِكَ الْحَقِّ، وَيَبْرَأُ وَقَالَهُ أَصْبَغُ، وَهَذَا هُوَ الْقَضَاءُ وَصَوَابُهُ، وَلَا يَجْعَلُ لَهُ مَالَيْنِ كَمَا لَوْ كَانَ لِلْحَقِّ تَارِيخٌ وَالْبَرَاءَةُ بَعْدَهُ بِمَالٍ دَفَعَهُ، وَادَّعَى صَاحِبُ الْحَقِّ أَنَّهُ غَيْرُهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ بَرِيءٌ، وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ أَتَى بِذِكْرِ حَقٍّ عَلَى رَجُلٍ فِيهِ أَلْفُ دِينَارٍ فَأَتَى الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِبَرَاءَتِهِ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ، فَزَعَمَ أَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَ دَخَلَتْ فِي هَذِهِ الْمُحَاسِبَةِ وَالْقَضَاءِ، وَأَتَى بِبَرَاءَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ إذَا اجْتَمَعَتْ اسْتَوَتْ مَعَ الذِّكْرِ الْحَقِّ أَوْ الذُّكُورَاتِ الْحَقِّ أَوْ كَانَتْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ مَنْسُوبٌ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الذُّكُورَاتِ الْحَقِّ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَيَقُولُ فِي الْأَكْثَرِ قَدْ دَخَلَ فِيهِ عِنْدَ الْحِسَابِ وَالْقَضَاءِ مَعَ غَيْرِهِ، فَرَأَى ذَلِكَ كُلَّهُ سَوَاءً وَأَنَّهُ لَهُ بَرَاءَةٌ، وَيَحْلِفُ فِي ذَلِكَ إنْ ادَّعَى الْآخَرُ غَيْرَ ذَلِكَ، وَقَالَهُ لَفْظًا ثَابِتًا، وَيَتِمُّ لَهُ بَقِيَّةُ الذُّكُورَاتِ إذَا كَانَتْ الْبَرَاءَاتُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ قَالَ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ، وَهُوَ الَّذِي أَرَى وَأَسْتَحْسِنُ.
قَالَ أَصْبَغُ: رَدَدْتُهَا عَلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ أَصْبَغُ كُلُّهُ بَابٌ وَاحِدٌ
[ ٥ / ٢٣٦ ]
وَهُوَ كَالطَّلَاقِ وَلِلطَّلَاقِ تَفْسِيرٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مُسَاوَاتُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْبَرَاءَةُ الْوَاحِدَةُ أَوْ الْبَرَاءَاتُ أَقَلَّ مِنْ ذِكْرِ الْحَقِّ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ لِلْمَطْلُوبِ، هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ الْأَظْهَرِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَقَدْ قِيلَ إنَّهَا لَا تَكُونُ لَهُ بَرَاءَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَذَلِكَ إذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ، وَأَمَّا إنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ، فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهَا تَكُونُ لَهُ بَرَاءَةٌ انْتَهَى، ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى قَوْلِهِ، وَهُوَ كَالطَّلَاقِ إلَخْ وَنَقَلْت كَلَامَهُ فِي بَابِ الرَّجْعَةِ فَرَاجِعْهُ وَاسْتِظْهَارُ ابْنِ رُشْدٍ هُنَا لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ مِنْ اسْتِظْهَارِ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ، فَلَعَلَّهُ رَجَعَ إلَى اسْتِظْهَارِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ هُنَا مُتَأَخِّرٌ عَنْ ذَلِكَ وَصَرَّحَ هُنَا بِأَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ الْوَدِيعَةِ هُوَ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ.
وَنَصُّهُ وَسُئِلَ مَالِكٌ فَقِيلَ لَهُ كَانَتْ لِي عِنْدَ رَجُلٍ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا وَدِيعَةً فَكُنْتُ آخُذُ مِنْهُ الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ حَتَّى بَقِيَتْ لِي عِنْدَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَسَأَلْتُهُ إيَّاهَا، فَقَالَ دَفَعْتُهَا فِي بَعْضِ حَاجَتِي، وَلَكِنْ اُكْتُبْهَا عَلَيَّ فَكَتَبْتُهَا عَلَيْهِ بِالشُّهُودِ وَالْبَيِّنَةِ مُؤَرَّخَةً فَغِبْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَتَقَاضَيْتُهُ إيَّاهَا، فَجَاءَ بِبَرَاءَةٍ مَكْتُوبٍ فِيهَا بَرَاءَةٌ لِفُلَانٍ بْنِ فُلَانٍ مِنْ أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ لَيْسَتْ الْأَرْبَعَةُ مُؤَرَّخَةً وَلَا مَنْسُوبَةً مِنْ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ وَلَا مِنْ الثَّلَاثَةِ وَالْعِشْرِينَ فَهُوَ يَقُولُ مِنْ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ وَأَقُولُ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي كَانَتْ لِي عَلَيْكَ قَبْلَ أَنْ أَكْتُبَ عَلَيْكَ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقَالَ أَيُقِرُّ لَك بِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَكَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ فَقَالَ: لَا فَأَطْرَقَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: إنْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَدْ كَانَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا حَلَفْت بِاَللَّهِ مَا هَذِهِ الْبَرَاءَةُ مِنْ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ، وَكَانَتْ لَكَ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ، وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ أَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْبَيِّنَةَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ إنَّ الْبَرَاءَةَ لَيْسَتْ مِنْ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ، وَإِنَّهَا مِنْ الثَّلَاثَةِ وَالْعِشْرِينَ، وَلَوْ لَمْ يُقِرَّ بِذَلِكَ، وَلَا قَامَتْ عَلَيْهِ بِهِ بَيِّنَةٌ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَطْلُوبِ إنَّهَا مِنْ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ بِاتِّفَاقٍ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي بَعْدَ تَرْجَمَةِ الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِذَا دَفَعَ إلَيْهِ خَمْسِينَ دِينَارًا وَكَتَبَ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ آخِرُ حَقٍّ لَهُ قِبَلَهُ، ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ، فَقَالَ هُوَ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ وَقَالَ الْآخَرُ: قَبْلَهَا فَكُلَّمَا أُشْكِلَ مِنْ هَذَا أَهُوَ قَبْلَ الْبَرَاءَةِ أَمْ بَعْدَهَا، فَلَا يُقْضَى بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَخْرَجَ هَذَا ذِكْرَ حَقٍّ لَا تَارِيخَ فِيهِ، وَبِيَدِ الْآخَرِ بَرَاءَةٌ لَا تَارِيخَ فِيهَا فَالْبَرَاءَةُ أَحَقُّ، وَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا تَارِيخٌ حُكِمَ بِاَلَّذِي فِيهِ التَّارِيخُ، وَبَطَلَ الْآخَرُ انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْحَقُّ الَّذِي يَقُومُ بِهِ قَبْلَ تَارِيخِ الْبَرَاءَةِ فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ بِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْبَرَاءَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَفِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ، وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ نَسِيَهُ أَوْ غَلِطَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ النَّوَادِرِ وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي بَابٍ جَامِعٍ فِي الْأَيْمَانِ مِنْ مُقَنَّعِهِ كَلَامَ النَّوَادِرِ بِرُمَّتِهِ، وَقَبْلَهُ، وَرَأَيْت مَكْتُوبًا عَلَى هَامِشِ نُسْخَتِهِ الَّتِي بِيَدِهِ مَا صُورَتُهُ فِي هَذَا خِلَافٌ فِي لُحُوقِ الْيَمِينِ وَبِلُحُوقِهَا الْعَمَلُ.
اُنْظُرْ نَوَازِلَ ابْنِ الْحَاجِّ وَالْمُفِيدِ وَالْفَتْحُونِيَّة فَانْظُرْهُ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَالْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ دَعْوَاهُ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَاتٍ فِي تَرْجَمَةِ مُبَارَأَةِ الْوَصِيِّ، فَهُوَ بَعِيدٌ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْحَقُّ الَّذِي يَقُومُ بِهِ لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ بَعْدَ تَارِيخِ الْبَرَاءَةِ بَلْ أُشْكِلَ أَمْرُهُ أَكَانَ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا إمَّا لِكَوْنِهِمَا مُؤَرَّخَيْنِ بِشَهْرٍ وَاحِدٍ أَوْ عَارِيَّيْنِ مِنْ التَّارِيخِ أَوْ أَحَدُهُمَا مُؤَرَّخٌ وَالْآخَرُ غَيْرُ مُؤَرَّخٍ، فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ الطَّالِبُ أَنَّهُ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ أَوْ يَقُولَ لَا عِلْمَ لِي فَإِنْ حَقَّقَ أَنَّهُ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ مَعَ يَمِينِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِمَا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فِي رَسْمِ الْكِرَاءِ
[ ٥ / ٢٣٧ ]
وَالْأَقْضِيَةِ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْأَقْوَالِ كَمَا تَقَدَّمَ وَالثَّانِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الطَّالِبِ مَعَ يَمِينِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا وَالثَّالِثُ تَفْرِقَةُ سَحْنُونٍ بَيْنَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَطْلُوبُ بِبَرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ تَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْعَدَدِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَطْلُوبِ أَوْ يَأْتِيَ بِبَرَاءَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ إذَا جُمِعَتْ كَانَتْ مِثْلَ الْحَقِّ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ فَلَا يَبْرَأُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ وَهَذِهِ تَفْرِقَةٌ ضَعِيفَةٌ لَا وَجْهَ لَهَا كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا، وَهَذَا إذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ قَوْلًا وَاحِدًا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُحَقِّقْ الطَّالِبُ أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي قَامَ بِهِ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ، وَإِنَّمَا قَالَ: لَا عِلْمَ لِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ.
، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ فِيهِ خِلَافًا كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا حَكَى الْخِلَافَ فِي وُجُوبِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ وَإِجْرَائِهِ عَلَى الْخِلَافِ فِي يَمِينِ التُّهْمَةِ قَالَهُ فِي الرَّسْمِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ): عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ وَإِنْ بِصَكٍّ شَامِلٍ لِمَا عُلِمَ أَنَّهُ قَبْلَ تَارِيخِ الْبَرَاءَةِ وَلِمَا جُهِلَ، وَأَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ إذَا جَهِلَ التَّارِيخَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي الرَّسْمِ الثَّانِي مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ، وَفِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى وَالصُّلْحِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَبْلَ تَارِيخِ الْبَرَاءَةِ.
فَفِي لُحُوقِ الْيَمِينِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ النَّوَادِرِ وَابْنِ رُشْدٍ وَمَا رَأَيْتُهُ عَلَى هَامِشِ النُّسْخَةِ الَّتِي مِنْ كِتَابِ ابْنِ بَطَّالٍ (الثَّانِي): ذَكَرَ ابْنُ غَازِيٍّ - ﵀ - اسْتِظْهَارَ ابْنِ رُشْدٍ لِقَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ فَقَطْ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَشْهِيرَهُ لِلْقَوْلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ وَاسْتِظْهَارَهُ إيَّاهُ مَعَ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِمَا، فَلِذَلِكَ اعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ، وَكَأَنَّ ابْنُ غَازِيٍّ لَمْ يَقِفْ عَلَى الْكَلَامِ الثَّانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الِاسْتِلْحَاقُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ ادِّعَاءُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ أَبٌ لِغَيْرِهِ فَيَخْرُجُ قَوْلُهُ هَذَا أَبِي، وَهَذَا أَبُو فُلَانٍ انْتَهَى. .
ص (فَصْلٌ إنَّمَا يَسْتَلْحِقُ الْأَبُ مَجْهُولَ النَّسَبِ)
ش: أَتَى بِأَدَاةِ الْحَصْرِ لِيُنَبِّهَ أَنَّ الِاسْتِلْحَاقَ لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ الْأَبِ فَقَطْ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَحَكَى الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ الْجَدَّ يَسْتَلْحِقُ، وَتَأَوَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِمَا سَيَأْتِي، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ قُلْت فَإِنْ اسْتَلْحَقَ وَلَدَ وَلَدٍ فَقَالَ: هَذَا ابْنُ ابْنِي وَابْنُهُ مَيِّتٌ هَلْ يُلْحَقُ بِهِ إذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ مَعْرُوفٌ كَمَا يُلْحَقُ بِهِ ابْنُهُ لِصُلْبِهِ قَالَ لَا؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْأَخِ وَالْعَصْبَةِ وَلَا وَلِيَّ لَا يَجُوزُ اسْتِلْحَاقُهُ إذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ مَعْرُوفٌ وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَهُ لَوْ كَانَ حَيًّا، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ابْنُهُ لَمْ يَكُنْ لِلْجَدِّ أَنْ يَسْتَلْحِقَهُ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُلْحِقَ بِوَلَدِهِ وَلَدًا هُوَ لَهُ مُنْكِرٌ، وَقِيلَ إذَا اسْتَلْحَقَ الْجَدُّ وَلَدَ وَلَدِهِ لَحِقَ بِهِ حَكَاهُ التُّونُسِيُّ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ إلَّا عَلَى مَا يَذْكُرُهُ فَإِنْ قَالَ: هَذَا ابْنُ وَلَدِي أَوْ وَلَدُ ابْنِي لَمْ يُصَدَّقْ، وَإِنْ قَالَ أَبُو هَذَا ابْنِي أَوْ وَالِدُ هَذَا ابْنِي صُدِّقَ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ إنَّمَا يُصَدَّقُ فِي إلْحَاقِ وَلَدٍ بِفِرَاشِهِ لَا فِي إلْحَاقِهِ بِفِرَاشِ غَيْرِهِ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ اهـ. وَنَحْوُهُ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ.
وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَزَادَ بَعْدَهُ قُلْت قَالَ الْبَاجِيُّ: قَالَ مَالِكٌ: فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ لَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُ الْجَدِّ وَلَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ الْأَبِ سَحْنُونٌ مَا عَلِمْت فِيهِ خِلَافًا وَقَالَ أَشْهَبُ: يَسْتَلْحِقُ الْأَبُ وَالْجَدُّ انْتَهَى. وَنَقَلَ كَلَامَ الْبَاجِيِّ كَالْمُنَكِّتِ بِهِ
[ ٥ / ٢٣٨ ]
عَلَى ابْنِ رُشْدٍ، وَخَرَجَ بِأَدَاةِ الْحَصْرِ اسْتِلْحَاقُ الْأُمِّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَاسْتِلْحَاقُ الْأُمِّ لَغْوٌ وَفِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ فِي رَجُلٍ لَهُ امْرَأَةٌ وَلَهُ وَلَدٌ فَتَزْعُمُ الْمَرْأَةُ أَنَّ الْغُلَامَ وَلَدُهَا مِنْ زَوْجٍ غَيْرِهِ، وَيَزْعُمُ الرَّجُلُ أَنَّ الْغُلَامَ وَلَدُهُ مِنْ امْرَأَةٍ غَيْرِهَا أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالزَّوْجِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ ابْنُ رُشْدٍ لَا اخْتِلَافَ أَعْلَمُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَجُوزُ لَهَا اسْتِلْحَاقُ وَلَدِهَا بِخِلَافِ الْأَبِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَنْتَسِبُ إلَى أَبِيهِ لَا إلَى أُمِّهِ وَلَوْلَا مَا أَحْكَمَ الشَّرْعُ لَكَانَ نِسْبَتُهُ إلَى أُمِّهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا أَخَصُّ بِهِ مِنْ أَبِيهِ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الْمَاءِ وَاخْتَصَّتْ بِالْحَمْلِ وَالْوَضْعِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي الْقَذْفِ مِنْهَا إنْ نَظَرَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَجُلٍ وَقَالَتْ: ابْنِي وَمِثْلُهُ يُولَدُ لَهَا، وَصَدَّقَهَا لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهَا إذْ لَيْسَ هُنَا أَبٌ يُلْحَقُ بِهِ وَفِي الْوَلَاءِ مِنْهَا إنْ جَاءَتْ امْرَأَةٌ بِغُلَامٍ مَفْصُولٍ ادَّعَتْ أَنَّهُ وَلَدُهَا لَمْ يُلْحَقُ بِهَا فِي مِيرَاثٍ وَلَا يُحَدُّ مَنْ افْتَرَى عَلَيْهَا بِهِ انْتَهَى، وَقَوْلُهُ مَجْهُولُ النَّسَبِ هُوَ أَيْضًا مِمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَدَاةُ الْحَصْرِ أَيْ إنَّمَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُ الْأَبِ وَلَدًا مَجْهُولَ النَّسَبِ أَمَّا مَنْ كَانَ نَسَبُهُ مَعْلُومًا، فَلَا يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ قَالَ فِي كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمِمَّا يُعْرَفُ بِهِ كَذِبُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ أَبٌ مَعْرُوفٌ أَوْ هُمْ مِنْ الْمَحْمُولِينَ مِنْ بَلَدٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهُ قَطُّ كَالزِّنْجِ وَالصَّقَالِبَةِ أَوْ تَقُومُ بَيِّنَةٌ أَنَّ أُمَّ هَذَا الصَّبِيِّ لَمْ تَزَلْ زَوْجَةً لِغَيْرِ هَذَا الْمُدَّعِي حَتَّى مَاتَتْ، فَإِنْ قَالُوا: لَمْ تَزَلْ مِلْكًا لِغَيْرِهِ، فَلَا أَدْرِي مَا هَذَا، وَلَعَلَّهُ تَزَوَّجَهَا انْتَهَى. قَالَ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ: قَالَ بَعْضُ أَشْيَاخِنَا إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ أُمَّ الصَّبِيِّ لَمْ تَزَلْ زَوْجَةً لِفُلَانٍ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَى هَذَا الْمُدَّعِي، وَكَذَلِكَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِنَا إذَا عُرِفَ لِلْوَلَدِ نَسَبٌ، وَادَّعَاهُ رَجُلٌ أَنَّهُ يُحَدُّ الْمُدَّعِي وَكَأَنَّهُ نَفَاهُ مِنْ نَسَبِهِ، وَفِي هَذَا عِنْدِي نَظَرٌ انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ زَوْجَةً لِغَيْرِهِ وَيُحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهُ نَفَاهُ مِنْ نَسَبِهِ انْتَهَى. وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(تَنْبِيهٌ): ثُمَّ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ اسْتَلْحَقَ مَحْمُولًا مِنْ بَلْدَةٍ دَخَلَهَا لَحِقَ بِهِ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَمْرٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يُعْتَبَرُ شَرْطًا فِي الِاسْتِلْحَاقِ أَمْ لَا، وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ تَقَدُّمَ مِلْكِ أُمِّ هَذَا الْوَلَدِ أَوْ نِكَاحِهَا لِهَذَا الْمُقِرِّ قَالَ سَحْنُونٌ يُعْتَبَرُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهُوَ قَوْلٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ فِي النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُمْ اعْتَبَرُوا فِي هَذَا الْبَابِ الْإِمْكَانَ وَحْدَهُ مَا لَمْ يُقِرَّ دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِ الْمُقِرِّ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ بَلَدٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهُ قَطُّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ دَخَلَهُ قَطُّ وَعَلَيْهَا اخْتَصَرَهَا ابْنُ يُونُسَ فَعَلَى رِوَايَةِ الْبَرَاذِعِيِّ يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى الصِّدْقِ مَعَ الْإِشْكَالِ وَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ يُونُسَ يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى غَيْرِ الصِّدْقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قُلْت): وَكَلَامُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ ذَلِكَ قَالَ فِيهَا: وَمَنْ اسْتَلْحَقَ وَلَدًا لَا يُعْرَفُ لَهُ نَسَبٌ لَحِقَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ مَلَكَ أُمَّهُ بِشِرَاءٍ أَوْ نِكَاحٍ، وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَلْحَقَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ لَحِقَا بِهِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ وَمِمَّا يُعْرَفُ بِهِ كَذِبُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَبٌ مَعْرُوفٌ إلَخْ مَا تَقَدَّمَ، فَحَاصِلُهُ أَنَّ سَحْنُونًا يَشْتَرِطُ عِلْمَ تَقَدُّمِ النِّكَاحِ أَوْ التَّسَرِّي وَابْنَ الْقَاسِمِ لَا يَشْتَرِطُهُ أَمَّا لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ نِكَاحٌ، وَلَا تَسَرٍّ أَبَدًا لَمْ يُلْحَقْ بِهِ، وَهَذَا دَاخِلٌ فِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ لَمْ يُكَذِّبْهُ الْعَقْلُ؛ لِأَنَّ مَنْ عُلِمَ مِنْهُ عَدَمُهُمَا يَسْتَحِيلُ مِنْهُ الْوَلَدُ عَقْلًا لَكِنَّ الْعِلْمَ بِعَدَمِ النِّكَاحِ وَالتَّسَرِّي عَسِيرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَمْ يَكُنْ رِقًّا لِمُكَذِّبِهِ أَوْ مَوْلَى لَكِنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ)
ش: كَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْنَاهَا وَهُوَ كَلَامٌ مُتَدَافِعٌ؛ لِأَنَّ
[ ٥ / ٢٣٩ ]
أَوَّلَ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّ شَرْطَ الِاسْتِلْحَاقِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُسْتَلْحَقُ رِقًّا لَمْ يَكْذِبْ الْمُسْتَلْحِقُ أَوْ مَوْلَى لَهُ، وَأَنَّهُ إنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِلْحَاقُ، وَقَوْلُهُ آخِرًا لَكِنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِهِ مُنَاقِضٌ، فَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ: وَمَنْ اسْتَلْحَقَ صَبِيًّا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَبَعْدَ أَنْ أَعْتَقَهُ غَيْرُهُ لَمْ يُصَدَّقْ إذَا كَذَّبَهُ الْحَائِزُ لِرِقِّهِ وَوَلَائِهِ وَلَا يَرِثُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَثْبُتُ أَبُو الْحَسَنِ هَذَا هُوَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ لِابْنِ يُونُسَ وَيُشِيرُ إلَى قَوْلِ ابْنِ يُونُسَ اسْتِحْقَاقُ الْوَلَدِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَلْحِقَ وَلَدًا وُلِدَ عِنْدَهُ مِنْ أَمَتِهِ أَوْ وُلِدَ لَهُ بَعْدَ أَنْ بَاعَهَا بِمِثْلِ مَا تُلْحَقُ فِيهِ الْأَنْسَابُ، وَلَمْ يَطْلُبْهُ الْمُبْتَاعُ وَلَا زَوْجٌ وَلَا تَبَيَّنَ كَذِبُهُ.
فَهَذَا يُلْحَقُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ وَالثَّانِي أَنْ يَسْتَلْحِقَ وَلَدًا لَمْ يُولَدْ عِنْدَهُ وَلَا عُلِمَ أَنَّهُ مَلَكَ أُمَّهُ بِشِرَاءٍ وَلَا نِكَاحٍ، فَهَذَا يُلْحَقُ بِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ كَذِبُهُ وَلَا يُلْحَقُ بِهِ عِنْدَ سَحْنُونٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَلْحِقَ وَلَدًا وُلِدَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ أَوْ بَعْدَهُ إنْ أَعْتَقَهُ غَيْرُهُ، فَهَذَا لَا يُلْحَقُ بِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ أَشْهَبُ: يُلْحَقُ بِهِ، وَيَكُونُ ابْنًا لَهُ وَمَوْلَى لِمَنْ أَعْتَقَهُ أَوْ عَبْدًا لِمَنْ مَلَكَهُ انْتَهَى. وَالصَّوَابُ حَذْفُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَكِنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ لِيَكُونَ جَارِيًا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَوْ عَدَمُ اشْتِرَاطِ مَا ذُكِرَ وَأَنْ يُلْحَقَ بِمَنْ اسْتَلْحَقَهُ مَعَ بَقَاءِ رِقِّهِ وَوَلَائِهِ لِحَائِزِهِمَا لِيَكُونَ جَارِيًا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْهُ بَلْ وَقَعَ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا فِي أَوَّلِ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ نَحْوُهُ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هُوَ الصَّحِيحُ إذْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ وَلَدًا لِلْمُقِرِّ بِهِ الْمُسْتَلْحَقِ لَهُ وَعَبْدًا لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ وَقَالَ: إنَّهُ خِلَافُ مَا فِي كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّ كَلَامِهِ قَالَ عِيسَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي الْقَوْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ يُسْلِمُونَ جَمَاعَةً وَيَسْتَلْحِقُونَ أَوْلَادًا مِنْ زِنَا قَالَ: إذَا كَانُوا أَحْرَارًا، وَلَمْ يَدْعُهُمْ أَحَدٌ لِفِرَاشِهِ، فَإِنَّهُمْ يُلْحَقُونَ بِهِ وَقَدْ نَاطَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ - مَنْ وُلِدَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِمَّنْ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ زَوْجُ الْحُرَّةِ أَوْ سَيِّدُ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» فَإِذَا ادَّعَاهُ مَعَ سَيِّدِ الْأَمَةِ أَوْ زَوْجِ الْحُرَّةِ، فَهُوَ أَحَقُّ قُلْت وَالنَّصَارَى يُسْلِمُونَ فَيَدَّعُونَ أَوْلَادًا مِنْ زِنَا كَانُوا فِي نَصْرَانِيَّتِهِمْ قَالَ يُلْحَقُونَ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ فِي دِينِهِمْ الزِّنَا وَغَيْرَهُ.
(قُلْت) فَإِنْ اسْتَلْحَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ وَلَدَ أَمَةٍ مُسْلِمٍ أَوْ نَصْرَانِيٍّ قَالَ إذَا أَلْحَقهُ بِهِ فَإِنْ عَتَقَ يَوْمًا مَا كَانَ وَلَدَهَا وَوَرِثَتْهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ: إذَا كَانُوا أَحْرَارًا وَلَمْ يَدْعُهُمْ لِفِرَاشٍ، فَهُمْ وَلَدُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا عَبِيدًا لَا يُلْحَقُونَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَدْعُهُمْ أَحَدٌ لِفِرَاشٍ وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا فِي كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ إذَا أَلْحَقَهُ فَإِنْ أَعْتَقَهُ يَوْمًا مَا كَانَ وَلَدَهُ وَوَرِثَهُ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ الصَّحِيحُ إذْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ وَلَدًا لِلْمُقِرِّ بِهِ الْمُسْتَلْحَقُ لَهُ وَعَبْدًا لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ وَقَوْلُهُ إذَا أَلْحَقهُ بِهِ فَإِنْ أُعْتِقَ إلَخْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي اللَّفْظِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَحَقِيقَتُهُ إذَا أُلْحِقَ بِهِ وَيَكُونُ وَلَدَهُ فَإِنْ عَتَقَ يَوْمًا وَرِثَهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ، انْتَهَى.
بِلَفْظِهِ وَفِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ فِي دِينِهِمْ الزِّنَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِلُّونَ الزِّنَا لَا يُلْحَقُ بِهِمْ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ إثْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَصَّهُ أَبُو عُمَرَ كَانَ عُمَرُ يُنِيطُ أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنْ اسْتَلْحَقَهُمْ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فِرَاشٌ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فِي الْإِسْلَامِ فَلَا يُلْحَقُ وَلَدُ الزِّنَا بِمُدَّعِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَانَ هُنَاكَ فِرَاشٌ أَمْ لَا الْبَاجِيُّ كَانَ النِّكَاحُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ الْأَوَّلُ: الِاسْتِبْضَاعُ وَهُوَ أَنْ يُعْجِبَ الرَّجُلَ نَجَابَةُ الرَّجُلِ وَسَلْبُهُ فَيَأْمُرُ مَنْ تَكُونُ لَهُ مِنْ أَمَةٍ أَوْ حُرَّةٍ أَنْ تُبِيحَ لَهُ نَفْسَهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ مِنْهُ رَجَعَ هُوَ إلَى وَطْئِهَا حِرْصًا عَلَى
[ ٥ / ٢٤٠ ]
نَجَابَةِ الْوَلَدِ وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ لَا زَوْجَ لَهَا، فَيَغْشَاهَا جَمَاعَةٌ، فَإِذَا حَمَلَتْ دَعَتْهُمْ وَقَالَتْ لِأَحَدِهِمْ هَذَا مِنْك فَيُلْحَقُ بِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ، وَالثَّالِثُ: الْبَغَايَا كُنَّ يَجْعَلْنَ الرَّايَاتِ عَلَى مَوَاضِعِهِنَّ فَيَغْشَاهَا مَنْ شَاءَ فَإِنْ اسْتَمَرَّ بِهَا حَمْلٌ قَالَتْ لِأَحَدِهِمْ هُوَ مِنْك فَيُلْحَقُ بِهِ، وَالرَّابِعُ: النِّكَاحُ الصَّحِيحُ أَبْطَلَ الْإِسْلَامُ الثَّلَاثَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ انْتَهَى.
(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَشْرَحْ الشَّارِحَانِ قَوْلَ الْمُؤَلِّفِ لَكِنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ، وَأَمَّا ابْنُ غَازِيٍّ فَقَالَ: ظَاهِرُ هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ رِقِّهِ أَوْ وَلَائِهِ لِحَائِزِهِمَا، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ ابْنُ الْقَاسِمِ هُنَا، وَإِنَّمَا نَسَبَهُ ابْنُ يُونُسَ لِأَشْهَبَ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: نَحْوَ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ فِيمَنْ ابْتَاعَ أَمَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ، فَادَّعَى الْبَائِعُ بَعْدَ عِتْقِ الْمُبْتَاعِ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ قَالَ: هُنَاكَ أُلْحِقَتْ بِهِ نَسَبَ الْوَلَدِ، وَلَمْ أَزِلْ عَنْ الْمُبْتَاعِ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ وَلَائِهِمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ لَمْ يَمْلِكْ أُمَّهُ، فَلَيْسَ مَعَهُ قَرِينَةٌ تُصَدِّقُهُ بِخِلَافِ هَذِهِ.
وَفِي بَعْضِ نُسَخِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ، فَإِنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِهِ وَهُوَ كَالْحَشْوِ اهـ.
ص (وَفِيهَا أَيْضًا يُصَدَّقُ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ مُشْتَرِيهِ إنْ لَمْ يُسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِ)
ش: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: بَعْدَ نَصِّهَا الْمُتَقَدِّمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي بَابٍ آخَرَ أَرَأَيْت مَنْ بَاعَ صَبِيًّا وُلِدَ عِنْدَهُ، فَأَعْتَقَهُ الْمُبْتَاعُ، ثُمَّ اسْتَلْحَقَهُ الْبَائِعُ أَتُقْبَلُ دَعْوَاهُ، وَيُنْقَضُ الْبَيْعُ فِيهِ، وَالْعِتْقُ قَالَ إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ كَذِبُ الْبَائِعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ سَحْنُونٌ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَعْدَلُ قَوْلِهِ فِي هَذَا الْأَصْلِ انْتَهَى. فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِنَصِّهَا الْمُتَقَدِّمِ أَيْ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فِي قَوْلِهَا وَمَنْ اسْتَلْحَقَ صَبِيًّا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَبَعْدَ أَنْ أَعْتَقَهُ غَيْرُهُ إلَخْ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْخِلَافِ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَوْ اسْتَلْحَقَهُ بَائِعُهُ بَعْدَ أَنْ أَعْتَقَهُ مُشْتَرِيهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي أَوَّلِ الْبَابِ إنْ كَذَّبَهُ مَنْ أَعْتَقَهُ لَمْ يُصَدَّقْ، وَقَالَ بَعْدَهُ إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ كَذِبُ الْبَائِعِ قَبْلَ قَوْلِهِ، وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِهِ، وَهُوَ أَشْهَبُ وَرَجَّحَهُ سَحْنُونٌ وَقَالَ هُوَ أَعْدَلُ قَوْلِهِ انْتَهَى. وَفَرَّقَ أَبُو الْحَسَن بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ فِي الْأُولَى لَمْ يَمْلِكْ أُمَّهُ فَلَيْسَ مَعَهُ قَرِينَةٌ تُصَدِّقُهُ بِخِلَافِ هَذِهِ اهـ.
وَهَذِهِ التَّفْرِقَةُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ لِمَا سَيَأْتِي، وَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْأُولَى لَمْ يَدْخُلْ الْعَبْدُ فِي مِلْكِهِ، وَالثَّانِيَةُ كَانَ فِي مِلْكِهِ كَانَ أَبَيْنَ، فَإِنَّ جَمِيعَ الْمَسَائِلِ الْآتِيَةَ الَّتِي قَالَ فِيهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ كَانَ الْعَبْدُ أَوْ أُمُّهُ فِي مِلْكِهِ، فَتَأَمَّلْهُ وَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى الْخِلَافِ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الرَّجْرَاجِيِّ وَالْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ أَكْثَرِ مَسَائِلِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِيهَا: وَمَنْ بَاعَ صَبِيًّا وُلِدَ عِنْدَهُ أَوْ لَمْ يُولَدْ عِنْدَهُ، ثُمَّ اسْتَلْحَقَهُ بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ لَحِقَ بِهِ وَرَدَّ الثَّمَنَ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ اهـ. فَظَاهِرُ هَذَا سَوَاءٌ مَلَكَ أُمَّهُ أَوْ لَا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الَّتِي أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ أَوْ بَاعَ وَنَقَضَ، ثُمَّ قَالَ فِيهَا: وَمَنْ ابْتَاعَ أَمَةً، فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَلَمْ يَدَّعِهِ فَادَّعَاهُ الْبَائِعُ، فَإِنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ، وَيَرُدُّ الْبَيْعَ، وَتَعُودُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ إنْ لَمْ يُتَّهَمْ فِيهَا، وَإِنْ ادَّعَاهُ بَعْدَ عِتْقِ الْمُبْتَاعِ لِلْأُمِّ وَالْوَلَدِ أُلْحِقَتْ بِهِ نَسَبَ الْوَلَدِ، وَلَمْ أَزَلْ عَنْ الْمُبْتَاعِ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ وَلَائِهِمَا، وَيَرُدُّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ، وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَلْحَقَهُ بَعْدَ مَوْتِهِمَا، وَلَوْ عَتَقَتْ الْأُمُّ خَاصَّةً لَمْ أَقْبَلْ قَوْلَهُ فِيهَا وَقَبِلْتُهُ فِي الْوَلَدِ، وَلَحِقَ بِهِ وَرَدَّ الثَّمَنَ لِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ ثَمَنُ أُمِّ الْوَلَدِ، وَلَوْ كَانَ الْوَلَدُ خَاصَّةً هُوَ الْمُعْتَقُ لَثَبَتَ الْوَلَاءُ لِمُعْتِقِهِ وَأَلْحَقَتْ الْوَلَدَ بِمُسْتَلْحِقِهِ، وَأَخَذَ الْأُمَّ إنْ لَمْ يُتَّهَمْ فِيهَا لِدَنَاءَتِهَا، وَرَدَّ الثَّمَنَ، وَإِنْ اُتُّهِمَ فِيهَا لَمْ تُرَدَّ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ إذَا بَاعَ الْأَمَةَ وَهِيَ حَامِلٌ فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ فِيمَا ذَكَرْنَا انْتَهَى.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ بَاعَهَا، فَوَلَدَتْ فَاسْتَلْحَقَهُ إلَخْ وَهُوَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ، وَلَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ أَعْتَقَ الْأُمَّ وَالْوَلَدَ أَوْ لَمْ يَعْتِقْهُمَا أَوْ أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَلْحَقْنَا بِهِ نَسَبَ الْوَلَدِ، وَلَمْ أَزِلْ عَنْ الْبَائِعِ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ وَلَائِهِمَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إنَّهُ يَنْقُضُ الْبَيْعَ وَالْعِتْقَ
[ ٥ / ٢٤١ ]
فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ إذَا اسْتَلْحَقَ مَنْ هُوَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ أَوْ وَلَائِهِ هَلْ يُصَدَّقُ، وَيُلْحَقُ بِهِ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِتَصْدِيقِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَلْحَقُ مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ، فَإِنَّهُ يَبْقَى فِي مِلْكِ مَالِكِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عِيسَى، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْبَائِعَ لَهُ، فَإِنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ، وَيُنْقَضُ الْبَيْعُ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَعْتِقْهُ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي فَهَلْ يُنْقَضُ الْبَيْعُ وَالْعِتْقُ أَوْ لَا؟
قَوْلَانِ، وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِنَقْضِ الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ نَوَازِلِ سَحْنُونٍ وَإِذَا اسْتَلْحَقَ الْوَلَدَ الَّذِي بَاعَ أُمَّهُ، وَكَانَ وُلِدَ عِنْدَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ، وَهُوَ حَيٌّ فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ، وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ فِيهِ، وَيُرَدُّ إلَيْهِ وَلَدٌ أَوْ أُمُّهُ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ قَدْ أُعْتِقَ، وَيُنْقَضُ الْعِتْقُ، وَقِيلَ إنَّهُ لَا يُنْقَضُ اهـ.
وَلِابْنِ رُشْدٍ كَلَامٌ يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ اشْتَرَى مُسْتَلْحِقُهُ.
ص (وَوَرِثَهُ إنْ وَرِثَهُ ابْنٌ)
ش: ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ إنَّمَا هُوَ فِي إرْثِهِ مِنْهُ، وَأَمَّا النَّسَبُ فَلَا حَقَّ بِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ إنَّمَا يَرِثُهُ إذَا وَرِثَهُ ابْنٌ ذَكَرٌ وَأَنَّهُ إذَا وَرِثَهُ بِنْتٌ أَوْ غَيْرُهَا لَمْ يَرِثْهُ وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي اللِّعَانِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَوَرِثَ الْمُسْتَلْحِقُ الْمَيِّتَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ، وَقَلَّ الْمَالُ وَمَا قَالَهُ فِي اللِّعَانِ هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَبِي الْحَسَنِ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ، وَنَصُّ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ نَفَى وَلَدًا بِلِعَانٍ، ثُمَّ ادَّعَاهُ بَعْدَ أَنْ مَاتَ الْوَلَدُ عَنْ مَالٍ، فَإِنْ كَانَ لِوَلَدِهِ وَلَدٌ ضُرِبَ الْحَدَّ وَلَحِقَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ فِي مِيرَاثِهِ وَحُدَّ وَلَا يَرِثُهُ انْتَهَى. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَالَ فَضْلُ بْنُ مَسْلَمَةَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَالُ يَسِيرًا قَالَ غَيْرُهُ: أَوْ يَكُونَ وَلَدُهُ عَبْدًا، وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي الْمِيرَاثِ، وَأَمَّا النَّسَبُ فَلَا حَقَّ؛ لِأَنَّ إلْحَاقَ النَّسَبِ يَنْفِي كُلَّ تُهْمَةِ الشَّيْخُ وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَرِثَ وَلَكِنْ سَبَقَ النَّفْيُ إلَى هَذَا الْوَلَدِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي بَابِ اللِّعَانِ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَلَوْ كَانَ الْوَلَدُ بِنْتًا وَذَكَرَ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ خَالِدٍ أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ الْوَلَدُ بِنْتًا لَمْ يَرِثْ مَعَهَا بِخِلَافِ إقْرَارِ الْمَرِيضِ لِصَدِيقٍ مُلَاطِفٍ إنْ تَرَكَ بِنْتًا صَحَّ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُصُ قَدْرُ إرْثِهَا ابْنُ حَارِثٍ اتَّفَقُوا فِيمَنْ لَاعَنَ، وَنَفَى الْوَلَدَ، ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ عَنْ مَالٍ، وَوَلَدٍ فَأَقَرَّ الْمُلَاعِنُ بِهِ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ، وَيُحَدُّ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا لَمْ يُلْحَقْ بِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمِيرَاثِ فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْمِيرَاثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَتْرُكْ وَلَدًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ لِتُهْمَتِهِ فِي الْإِرْثِ، وَإِنْ تَرَكَ وَلَدًا قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ نَسَبٌ يَلْحَقُ بِهِ وَرَوَى الْبَرْقِيُّ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ الْمِيرَاثَ قَدْ تُرِكَ لِمَنْ تَرَكَ، وَلَا يَجِبُ لَهُ مِيرَاثٌ وَإِنْ تَرَكَ وَلَدًا وَذَكَرَ أَبُو إبْرَاهِيمَ عَنْ فَضْلٍ إنْ كَانَ الْمَالُ يَسِيرًا قُبِلَ قَوْلُهُ، ثُمَّ قَالَ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَارِثٍ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ اسْتِلْحَاقِهِ إنْ كَانَ الْوَلَدُ قَدْ مَاتَ مِثْلُهُ لِابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ وَقَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْفَاسِيِّينَ: إنَّمَا يُتَّهَمُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فِي مِيرَاثِهِ فَقَطْ، وَأَمَّا نَسَبُهُ، فَثَابِتٌ بِاعْتِرَافِهِ انْتَهَى، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ وَقَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْعَاشِرَةِ مِنْهَا قَوْلُ سَحْنُونٍ فِي ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ يَهْلِكُ وَيَتْرُكُ ابْنَةً وَعَصَبَةً، ثُمَّ يَسْتَلْحِقُ الْأَبُ ابْنَةَ الْمَيِّتِ قَالَ تُلْحَقُ ابْنَةُ الْمَيِّتِ بِجَدِّهَا وَيَرْجِعُ الْجَدُّ عَلَى الْعَصَبَةِ بِالنِّصْفِ الَّذِي أَخَذُوا مِنْ مِيرَاثِ وَلَدِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ اسْتِلْحَاقَهُ لِابْنَةِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَاعَنَ بِهِ اسْتِلْحَاقٌ مِنْهُ لِابْنَتِهِ، فَهِيَ تَلْحَقُ بِجَدِّهَا، وَهِيَ مِثْلُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّ الْمُلَاعِنَ لَهُ أَنْ يَسْتَلْحِقَ وَلَدَهُ الَّذِي لَاعَنَ بِهِ بَعْدَ أَنْ مَاتَ، وَلَا يُتَّهَمُ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَلْحَقَهُ لِيَرِثَهُ إذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ، فَكَمَا لَا يُتَّهَمُ مَعَ الْوَلَدِ، وَإِنْ كَانَ يَرِثُ مَعَهُ السُّدُسَ، فَكَذَلِكَ لَا يُتَّهَمُ مَعَ الِابْنَةِ، وَإِنْ كَانَ يَرِثُ مَعَهَا النِّصْفَ إذْ قَدْ يَكُونُ مَالُ الَّذِي تَرَكَ الْوَلَدَ الذَّكَرَ كَثِيرًا، فَيَكُونُ السُّدُسُ عِنْدَهُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ مَالِ الَّذِي تَرَكَ الِابْنَةَ انْتَهَى.
فَحَمَلَ ابْنُ رُشْدٍ لَفْظَ الْوَلَدِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى الذَّكَرِ لَكِنَّهُ سَاوَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِابْنَةِ فِي الْحُكْمِ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ غَازِيٍّ فِي
[ ٥ / ٢٤٢ ]
بَابِ اللِّعَانِ أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا، وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ.
(فَرْعٌ): وَلَوْ وَرِثَ الْمُسْتَلْحِقُ غَيْرَ الِابْنِ وَالِابْنَةِ لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هِيَ أَنَّ اسْتِلْحَاقَهُ الْمَيِّتَ اسْتِلْحَاقٌ لِمَنْ تَرَكَ مِنْ الْأَوْلَادِ، وَذَلِكَ يَرْفَعُ التُّهْمَةَ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا، وَأَقَامَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي حَتَّى جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً مَاتَ مِنْهَا، ثُمَّ اسْتَلْحَقَهُ الْبَائِعُ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ، وَيَرِثُ مِنْهُ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ، فَإِنْ كَانَ وَلَدُ الْمَيِّتِ حُرًّا وَرِثَ مَعَهُ الْأَبُ الْمُسْتَلْحِقُ حَظَّهُ مِنْ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا وَرِثَ جَمِيعَ الدِّيَةِ قَالَ: لِأَنَّ اسْتِلْحَاقَهُ لِوَلَدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ اسْتِلْحَاقٌ لِوَلَدِ وَلَدِهِ وَاسْتِلْحَاقُ النَّسَبِ يَرْفَعُ التُّهْمَةَ فِي الْمِيرَاثِ انْتَهَى. وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَائِدَتَانِ: الْأُولَى: مِنْهُمَا أَنَّ وُجُودَ وَلَدٍ لِلْمَيِّتِ كَافٍ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُوبًا مِنْ الْمِيرَاثِ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ اللِّعَانِ، وَقَدْ اعْتَرَضَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَالثَّانِيَةُ أَنَّ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمَ إنَّمَا هُوَ فِي ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَمَا فِي نَوَازِلِ ابْنِ سَحْنُونٍ مُوَافِقٌ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَرَجَعَ بِنَفَقَتِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ خِدْمَةٌ عَلَى الْأَرْجَحِ)
ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ، وَفِي رُجُوعِ مُبْتَاعِهِ بِنَفَقَتِهِ ثَالِثُهَا الْأَرْجَحُ إنْ كَانَتْ لَهُ خِدْمَةٌ لَمْ يَرْجِعْ، وَإِلَّا رَجَعَ انْتَهَى. وَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ مَسْأَلَةٌ وَيُحْكَمُ عَلَى الْبَائِعِ بِنَفَقَتِهِ الَّتِي اعْتَرَفَ أَنَّهُ بَاعَهَا وَكِسْوَتِهَا إلَى حِينِ رَدِّهَا؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّهُ بَاعَ مِنْهُ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ قَالَهُ سَحْنُونٌ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ: الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْبَائِعِ مِنْ النَّفَقَةِ الَّتِي أَنْفَقَهَا الْمُشْتَرِي مُدَّةَ بَقَائِهَا عِنْدَهُ انْتَهَى.
ص (وَلَمْ يُصَدَّقْ فِيهَا إنْ اُتُّهِمَ بِمَحَبَّةٍ أَوْ عَدَمِ ثَمَنٍ أَوْ وَجَاهَةٍ)
ش: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إثْرَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ قَوْلُهُ هَذَا إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ فِي الْجَارِيَةِ بِمَيْلٍ إلَيْهَا أَوْ زِيَادَةٍ فِي حَالِهَا أَوْ يَكُونَ مُغْرَمًا، فَتَمْضِيَ بِمَا يَنُوبُهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَيَرُدُّ الِابْنَ بِمَا يَنُوبُهُ مِنْهُ وَيَتْبَعُ بِهِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ انْتَهَى فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ أَوْ وَجَاهَةٍ هُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ بِقَوْلِهِ أَوْ زِيَادَةٍ فِي حَالِهَا، وَفِي كَلَامِ ابْنِ الْفُرَاتِ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجَاهَةِ أَنْ تَكُونَ الْجَارِيَةُ وَجِيهَةً أَيْ جَمِيلَةً حَسَنَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ اشْتَرَى مُسْتَلْحَقَهُ وَالْمِلْكُ لِغَيْرِهِ عَتَقَ)
ش: لَيْسَ فِي كَلَامِهِ - ﵀ - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ.
(تَنْبِيهٌ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إنَّمَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ حَيْثُ يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ، وَلَوْ عَلَى قَوْلٍ أَمَّا إذَا تَبَيَّنَ كَذِبُهُ فَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ قَالَ فِي رَسْمِ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ فِي رَجُلٍ فَارِسِيٍّ لَهُ غُلَامٌ هِنْدِيٌّ قَالَ هُوَ ابْنِي هَلْ يَصِيرُ حُرًّا قَالَ مَالِكٌ: مَا ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يَعْتَقِدُ النَّاسُ أَنَّهُ لَيْسَ بِابْنِهِ وَلَا وَلَدِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ إذَا اسْتَلْحَقَ مَنْ لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ابْنَهُ، وَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا اسْتَلْحَقَ مَنْ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ابْنَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَا يَدَّعِي مِنْ مِلْكِهِ لِأُمِّ الْمُسْتَلْحِقِ أَوْ تَزْوِيجَهُ إيَّاهَا فَإِنْ عَرَفَ مِلْكَهُ إنْ كَانَتْ أَمَةً أَوْ تَزْوِيجَهُ إنْ كَانَتْ حُرَّةً وَأَتَتْ لِمَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، وَلَمْ يَحُزْهُ غَيْرُهُ بِنَسَبٍ لَحِقَ بِهِ بِاتِّفَاقٍ، فَوَجْهٌ يُلْحَقُ بِهِ بِاتِّفَاقٍ، وَوَجْهٌ لَا يُلْحَقُ بِهِ بِاتِّفَاقٍ، وَوَجْهٌ يَخْتَلِفُ فِي إلْحَاقِهِ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يُلْحَقْ بِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَخْتَلِفُ فِي إلْحَاقِهِ بِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُلْحَقُ بِهِ، فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ عَبْدًا لَهُ انْتَهَى.
ص (كَشَاهِدٍ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ)
ش: قَالَ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ
[ ٥ / ٢٤٣ ]
عَبْدَهُ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، ثُمَّ ابْتَاعَهُ مِنْهُ أَوْ شَهِدَ عَلَى أَبِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ فِي وَصِيَّةٍ، فَصَارَ الْعَبْدُ لَهُ فِي قِسْمِهِ أَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ اشْتَرَى عَبْدًا أَنَّهُ حُرٌّ أَوْ شَهِدَ أَنَّ الْبَائِعَ أَعْتَقَهُ، وَالْبَائِعُ يُنْكِرُ أَوْ قَالَ: كُنْتُ بِعْت عَبْدِي هَذَا مِنْ فُلَانٍ، فَأَعْتَقَهُ وَفُلَانٌ يَجْحَدُ ذَلِكَ، فَالْعَبْدُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ حُرٌّ بِالْقَضَاءِ وَوَلَاؤُهُ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ انْتَهَى.
ص (وَإِنْ اسْتَلْحَقَ غَيْرَ وَلَدٍ لَمْ يَرِثْهُ إنْ لَمْ يَكُ وَارِثٌ، وَإِلَّا فَخِلَافٌ)
ش: اعْلَمْ أَنَّ النُّسَخَ اخْتَلَفَتْ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ، فَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ يَكُنْ بِلَفْظِ
[ ٥ / ٢٤٤ ]
الْمُضَارِعِ وَإِسْقَاطِ لَمْ وَكَتَبَ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا إنَّهَا كَذَلِكَ فِي نُسْخَةٍ مُقَابَلَةٍ عَلَى خَطِّ الْمُصَنِّفِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إنْ كَانَ وَارِثٌ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ أَيْضًا مُوَافِقَةٌ لِمَا قَبْلَهَا، وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِلنَّقْلِ، وَلِمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إنْ لَمْ يَكُ بِثُبُوتِ لَمْ وَهِيَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لِأَنَّهَا تُؤَدِّي عَكْسَ الْمُرَادِ وَالْمَعْنَى عَلَى النُّسْخَةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ مَنْ اسْتَلْحَقَ غَيْرَ وَلَدٍ لَمْ يَرِثْ الْمُسْتَلْحَقُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ وَلَدٍ هَذَا الَّذِي اسْتَلْحَقَهُ إنْ كَانَ هُنَاكَ وَارِثٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَارِثٌ، فَخِلَافُ هَذَا الَّذِي فَرَضَهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي صُورَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ عَكْسَ هَذَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إنَّمَا هَذَا إذَا كَانَ الْمُقِرُّ ذَا مَالٍ وَمَسْأَلَةُ الْمُؤَلِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ بِالْعَكْسِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ انْتَهَى، وَلَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ هَذَا أَخِي وَصَدَّقَهُ الْآخَرُ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ اسْتَلْحَقَ غَيْرَ وَلَدٍ، وَلِهَذَا تَرَكُوا الْكَلَامَ عَلَيْهَا، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ (تَنْبِيهَاتٌ:
الْأَوَّلُ): ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَارِثٌ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ مَعْرُوفٌ لَمْ يَرِثْهُ الْمُسْتَلْحَقُ، وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ الْمَعْرُوفُ غَيْرَ مُحِيطٍ بِإِرْثِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْخِلَافُ جَارٍ فِي ذَلِكَ أَيْضًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إقْرَارُ مَنْ يُعْرَفُ لَهُ وَارِثٌ مُحِيطٌ وَلَوْ بِوَلَاءٍ بِوَارِثٍ لَغْوٌ اتِّفَاقًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مُحِيطٌ أَوْ كَانَ وَلَمْ يُحِطْ كَذِي بِنْتٍ فَقَطْ فَفِي إعْمَالِ إقْرَارِهِ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِهِ مِنْ الِاسْتِلْحَاقِ مَعَ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ قَوْلِهِ فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا وَسَحْنُونٍ فِي نَوَازِلِهِ وَالْبَاجِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ وَأَصْبَغَ وَأَوَّلُ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ وَثَانِيهمَا مَعَ أَشْهَبَ انْتَهَى. وَعُلِمَ مِنْ هَذَا قُوَّةُ الْقَوْلِ بِالْإِرْثِ وَإِنْ كَانَ الْمُتَيْطِيُّ جَعَلَهُ شَاذًّا؛ لِأَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ إنَّمَا عَزَا مُقَابِلَهُ لِقَوْلِ سَحْنُونٍ الثَّانِي: مَعَ أَشْهَبَ وَعَزَا الْقَوْلَ بِالْإِرْثِ لِلْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورِينَ قَبْلَهُ، وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْحَوفِيِّ وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ وَقَالَ بِهِ الْعَمَلُ وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَهُوَ شَاذٌّ وَاسْتَحْسَنَهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ فِي زَمَانِهِ قَائِلًا لَيْسَ ثَمَّ بَيْتُ مَالٍ انْتَهَى. وَنَصُّ الْمُتَيْطِيَّةِ فَإِنْ كَانَ الْمَعْرُوفُ النَّسَبِ ذَا فَرْضٍ لَا يَسْتَوْعِبُ الْمَالَ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ فَرْضَهُ وَمَا بَقِيَ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ رُدَّ عَلَى الْوَارِثِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ مَنْ يَذْهَبُ إلَى الرَّدِّ وَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهُ إلَّا فِي قَوْلَةِ شَاذَّةٌ وَهِيَ إحْدَى قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ جَعَلَ مَا بَقِيَ لِلْمُقَرِّ لَهُ إذَا كَانَ مِنْ الْعَصْبَةِ انْتَهَى.
(الثَّانِي): قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُعْتَبَرُ فِي ثُبُوتِ الْوَارِثِ وَعَدَمِهِ إنَّمَا هُوَ يَوْمُ مَوْتِ الْمُقِرِّ لَا يَوْمَ الْإِقْرَارِ قَالَهُ أَصْبَغُ فِي نَوَازِلِهِ وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ رُشْدٍ غَيْرَهُ انْتَهَى وَيُشِيرُ إلَى قَوْلِهِ فِي نَوَازِلِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ فَإِنْ أَقَرَّ بِأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ وَارِثُهُ وَلَهُ وَرَثَةٌ مَعْرُوفُونَ فَلَمْ يَمُتْ الْمُقِرُّ حَتَّى مَاتَ وَرَثَتُهُ الْمَعْرُوفُونَ الَّذِينَ كَانُوا يَدْفَعُونَ الْمُقِرّ لَهُ أَيُجْعَلُ الْمَالُ لِهَذَا الْمُقِرِّ لَهُ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ وَارِثٌ مَعْرُوفٌ يَدْفَعُهُ فَكَأَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ لَهُ السَّاعَةَ، وَلَا وَارِثَ لَهُ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ): ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمِيرَاثَ لِلْمُقَرِّ لَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ دُونَ يَمِينٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنَّ ابْنَ رُشْدٍ قَالَ فِي رَسْمِ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ: قَدْ قِيلَ إنَّ الْمِيرَاثَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُتَوَفَّى حَقٌّ وَيَقُومُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ الْوَلَاءِ وَذَكَرَ ابْنُ سَهْلٍ أَنَّ مَالِكًا كَانَ يُفْتِي بِهِ نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَحَصَلَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ يَفْصِلُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ أَنْ يُبَيِّنَ الْمُقِرُّ وَجْهَ اتِّصَالِهِ بِالْمُقَرِّ لَهُ فِي جَدٍّ مُعَيَّنٍ فَلَا يَمِينَ أَوْ لَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ فَيَجِبُ الْيَمِينُ وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْحَوفِيِّ: وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْقَبُولِ، فَعَلَى الْمُقَرِّ لَهُ الْيَمِينُ عَلَى حَقِيقَةِ الْإِقْرَارِ وِفَاقًا لِابْنِ الْعَطَّارِ وَابْنِ مَالِكٍ وَخِلَافًا لِابْنِ عَتَّابٍ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَفْتَى فِيمَنْ أَقَرَّتْ بِابْنِ عَمِّ أَبِيهَا فِي عَقْدٍ، وَلَمْ يَرْفَعْ الْعَاقِدُ نَسَبَهَا لِجَدٍّ وَاحِدٍ بِيَمِينِ الْمُقَرِّ لَهُ.
(الرَّابِعُ): إذَا بَيَّنَ الْمُقَرُّ لَهُ وَجْهَ نِسْبَةِ الْمُقَرِّ بِهِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ هَذَا أَخِي شَقِيقِي أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ فَوَاضِحٌ وَإِنْ أَجْمَلَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: فَفِي ذَلِكَ اضْطِرَابٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ
[ ٥ / ٢٤٥ ]
إذَا قَالَ فُلَانٌ: وَارِثِي وَلَمْ يُفَسِّرْ حَتَّى مَاتَ إنَّ لَهُ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ إنْ كَانَ الْمُقِرُّ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَنْ يَرِثُهُ مِمَّنْ لَا يَرِثُهُ، وَأَمَّا الْجَاهِلُ الَّذِي لَا يَعْلَمُ مَنْ يَرِثُهُ مِمَّنْ لَا يَرِثُهُ فَقَوْلُهُ فُلَانٌ وَارَثَى حَتَّى يَقُولَ: ابْنُ عَمِّي أَوْ ابْنُ ابْنِ عَمِّي أَوْ مَوْلَايَ أَوْ أَعْتَقَنِي أَوْ أَعْتَقَ أَبِي أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقَنِي أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَكَذَا إنْ قَالَ: فُلَانٌ أَخِي قَاصِدًا لِلْإِشْهَادِ لَهُ بِالْمِيرَاثِ كَقَوْلِهِ أُشْهِدُكُمْ أَنَّ هَذَا يَرِثُنِي أَوْ يُقَالُ لَهُ هَلْ لَك وَارِثٌ فَقَالَ: نَعَمْ هَذَا أَخِي وَشِبْهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ قَالَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ هَذَا أَخِي أَوْ فُلَانٌ أَخِي وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يَرِثُ مِنْ مَالِهِ إلَّا السُّدُسَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَخًا لِأُمِّهِ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ فُلَانٌ أَخِي أَوْ هَذَا أَخِي، وَإِنَّمَا سَمِعُوهُ يَقُولُ: يَا أَخِي يَا أَخِي لَمْ يَجِبْ لَهُ بِذَلِكَ مِيرَاثٌ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَقُولُ أَخِي أَخِي لِمَنْ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إلَّا أَنْ تَطُولَ الْمُدَّةُ السِّنِينَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَدْعُو صَاحِبَهُ بِاسْمِ الْأُخُوَّةِ أَوْ الْعُمُومَةِ فَإِنَّهُمَا يَتَوَارَثَانِ انْتَهَى.
(الْخَامِسُ): فَإِنْ مَاتَ الْمُقَرُّ لَهُ فِي حَيَاةِ الْمُقِرِّ، ثُمَّ مَاتَ الْمُقِرُّ وَقَامَ أَوْلَادُ الْمُقَرِّ لَهُ بِهَذَا الْإِقْرَارِ لَمْ يَجِبْ لَهُمْ بِهِ مِيرَاثُ الْمُقِرِّ إذَا لَمْ يُقِرَّ إلَّا لِلْمَيِّتِ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَاقِيًا فِي حِينِ مَوْتِهِ فَوَلَدُهُ الْمَذْكُورُ بَنُو ابْنِ عَمِّهِ وَوَرِثَهُ الْمُحِيطُونَ بِمِيرَاثِهِ قَالَهُ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَسْأَلَةَ فِي الِاسْتِلْحَاقِ عَنْ ابْنِ سَهْلٍ قَائِلًا أَفْتَى أَكْثَرُ أَهْلِ بَطْلَيُوسَ أَنَّ الْوَلَدَ يَرِثُ الْمُقِرَّ وَإِنْ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ بَطْلَيُوسَ وَابْنِ مَالِكٍ وَابْنِ عَتَّابٍ أَفْتَوْا بِأَنَّهُ لَا يَرِثُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسُ): قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمٍ بَاعَ غُلَامًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ: لَا يَجُوزُ الْإِقْرَارُ بِوَارِثٍ إذَا كَانَ لَهُ وَارِثٌ مَعْرُوفُ النَّسَبِ أَوْ وَلَاءٌ إلَّا فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ الْإِقْرَارُ بِوَلَدٍ أَوْ وَلَدِ وَلَدٍ أَوْ أَبٍ أَوْ جَدٍّ أَوْ زَوْجَةٍ إذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ فَأَمَّا إذَا أَقَرَّ بِوَلَدٍ، فَيُلْحَقُ بِهِ نَسَبُهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَلَى اتِّفَاقٍ وَاخْتِلَافٍ، وَأَمَّا إذَا أَقَرَّ بِوَلَدِ وَلَدٍ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِهِ الْوَلَدُ، فَيَكُونُ هُوَ مُسْتَلْحِقَهُ أَوْ يَكُونُ قَدْ عَرَفَ أَنَّهُ وَلَدُهُ، فَيَكُونُ إنَّمَا اسْتَلْحَقَ هُوَ الْوَلَدَ، وَكَذَلِكَ الْوَلَدُ إذَا أَقَرَّ بِأَبٍ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ، وَيَرِثُهُ إلَّا إذَا أَقَرَّ بِهِ الْأَبُ، فَيَكُونُ الْأَبُ هُوَ الَّذِي اسْتَلْحَقَهُ، وَأَمَّا إذَا أَقَرَّ بِجَدٍّ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ الْجَدُّ بِابْنِهِ، وَيُقِرُّ أَبُوهُ بِهِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ اسْتَلْحَقَ ابْنَهُ، وَأَمَّا إذَا أَقَرَّ بِزَوْجَةٍ لَهَا وَلَدٌ أَقَرَّ بِهِ فَإِقْرَارُهُ بِالْوَلَدِ يَرْفَعُ التُّهْمَةَ بِالزَّوْجَةِ، فَتَرِثُهُ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ الزَّوْجِيَّةُ وَلَا عُرِفَتْ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. انْتَهَى.
وَانْظُرْ كَلَامَ ابْنِ سَهْلٍ وَكَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ فِي آخِرِ كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ وَمُخْتَصَرِ الْحَوفِيِّ لِابْنِ عَرَفَةَ.
(السَّابِعُ): فَإِنْ أَقَرَّ هَذَا الْمَشْهُودُ لِآخَرَ أَنَّهُ وَارِثُهُ أَوْ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ بَعْدَ إقْرَارِهِ الْأَوَّلِ بَطَلَ الْآخَرُ أَيْ الْإِقْرَارُ الثَّانِي قَالَهُ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ (الثَّامِنُ): إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَارِثٌ مَعْرُوفٌ، وَدَفَعَ لِلْمُسْتَلْحِقِ عَلَى أَحَدِ الْمَشْهُورِينَ الْمِيرَاثَ، ثُمَّ جَاءَ شَخْصٌ وَأَثْبَتَ أَنَّهُ وَارِثٌ مَعْرُوفٌ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَالَ مِنْ الْمُسْتَلْحِقِ الْمَذْكُورِ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ص (وَإِنْ قَالَ لِأَوْلَادِ أَمَتِهِ أَحَدُهُمْ وَلَدِي عَتَقَ الْأَصْغَرُ وَثُلُثَا الْأَوْسَطِ وَثُلُثُ الْأَكْبَرِ)
ش: هَكَذَا قَالَ سَحْنُونٌ فِي نَوَازِلِهِ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ وَحَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِهَا أَنَّ الْأَصْغَرَ حُرٌّ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي الْأَوْسَطِ وَالْأَكْبَرِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ مَا فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ: هُوَ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ قَالَ:؛ لِأَنَّا لَا نُحِيطُ عِلْمًا أَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ، وَلَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ وَالثَّانِي الْقُرْعَةُ وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمَا يُعْتَقَانِ أَيْضًا لِلشَّكِّ، وَخَرَّجَهُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَعْنِي قَوْلَهُ، وَإِنْ أَقَرَّ مَيِّتٌ بِأَنَّ فُلَانَةَ إلَخْ وَاسْتَظْهَرَهُ (قُلْت): وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ وَابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ مِنْهُمَا وَاحِدٌ.
(فَرْعٌ): قَالَ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ: وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ.
(فَرْعٌ): قَالَ فِيهَا أَيْضًا، وَلَا مِيرَاثَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فِيهِ نَظَرٌ وَاَلَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ حَظُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمِيرَاثِ بَيْنَهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ
[ ٥ / ٢٤٦ ]
يُعْتَقُونَ جَمِيعًا عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ إذْ قَدْ صَحَّ الْمِيرَاثُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَا يَدْرِي مَنْ هُوَ مِنْهُمْ، فَإِنْ ادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قُسِمَ بَيْنَهُمْ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ إنْ حَلَفُوا جَمِيعًا أَوْ نَكَلُوا، وَإِنْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ اخْتَصَّ بِهِ دُونَ النَّاكِلِ، وَإِنْ قَالُوا: لَا عِلْمَ عِنْدَنَا كَانَ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُمْ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَنْ أَرَادَهُ الْمَيِّتُ مِنْهُمْ عَلَى الْخِلَافِ فِي لُحُوقِ يَمِينِ التُّهْمَةِ وَإِنْ عَتَقَ بَعْضُهُمْ يَعْنِي عَلَى الْقَوْلِ بِهِ كَانَ لَهُ حَظُّهُ مِنْ الْإِرْثِ، وَيُوقَفُ حَظُّ مَنْ لَمْ يُعْتَقْ، فَإِنْ عَتَقَ أَخَذَهُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ رُدَّ إلَى الْوَرَثَةِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ افْتَرَقَتْ أُمَّهَاتُهُمْ فَوَاحِدٌ بِالْقُرْعَةِ)
ش: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِي الْمِيرَاثِ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِذَا وَلَدَتْ زَوْجَةُ رَجُلٍ وَأَمَةُ آخَرَ)
ش: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَّلِ نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ وَفَرَضَهَا كَمَا فَرَضَهَا الْمُصَنِّفُ فِي زَوْجَةِ رَجُلٍ وَأَمَةِ آخَرَ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَدَّعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَبِيًّا بِعَيْنِهِ غَيْرَ الَّذِي ادَّعَاهُ صَاحِبُهُ، وَيُلْحِقُهُ بِنَفْسِهِ وَيَنْفِي الْآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَلْحَقَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْ ادَّعَاهُ وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا وَلَدِي، وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَنْ تُدْعَى الْقَافَةُ وَلَوْ أَرَادَا فِي هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَدًا يَكُونُ ابْنَهُ مَعَ كَوْنِهِ لَا يَدَّعِي عِلْمَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ذَلِكَ بَلْ تُدْعَى الْقَافَةُ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَدَّعِيَا جَمِيعًا صَبِيًّا وَاحِدًا مِنْهُمَا يَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَذَا ابْنِي، وَيَتَنَازَعَانِ فِيهِ، وَيَنْفِيَانِ الْآخَرَ عَنْهُمَا قَالَ: وَالْوَاجِبُ فِي هَذَا عِنْدِي عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ تُدْعَى لَهُ الْقَافَةُ أَيْضًا إذْ لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَنْفِيَا الْآخَرَ عَنْ أَنْفُسِهِمَا، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ ابْنُ أَحَدِهِمَا، وَاَلَّذِي ادَّعَيَاهُ جَمِيعًا لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِهِ مِنْ صَاحِبِهِ انْتَهَى.
وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِأَنَّ الْقَافَةَ لَا يُحْكَمُ بِهَا فِي أَوْلَادِ الْحَرَائِرِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ، وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ هُوَ قُوَّةُ الْفِرَاشِ فِي النِّكَاحِ، فَيُلْحَقُ الْوَلَدُ بِصَاحِبِ الْفِرَاشِ الصَّحِيحِ دُونَ الْفَاسِدِ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ إذْ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِ الْفِرَاشَيْنِ عَلَى الْآخَرِ لِصِحَّتِهِمَا جَمِيعًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ): قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ: إذَا فُرِضَ عَدَمُ الْقَافَةِ، فَإِنَّهُ إذَا كَبِرَ الْوَلَدُ وَالَى أَيَّهُمَا شَاءَ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا أُشْكِلَ الْأَمْرُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ وَرِثَاهُ، وَإِنْ مَاتَا وَرِثَهُمَا مَعًا انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ وَجَدَتْ مَعَ ابْنَتِهَا أُخْرَى لَا تُلْحَقُ بِهِ وَاحِدَةٌ)
ش: كَذَا فَعَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ لَمَّا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى أَتَى بَعْدَهَا بِهَذِهِ، وَنَسَبَهَا لِابْنِ الْقَاسِمِ لَكِنَّهُ زَادَ بَعْدَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ سَحْنُونٌ: الْقَافَةُ فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ كَأَنَّهُ أَتَى بِهَذَا الْفَرْعِ إثْرَ الْأَوَّلِ إشَارَةً إلَى التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى التَّخْرِيجِ يَعْنِي تَخْرِيجَ الْخِلَافِ مِنْ الثَّانِيَةِ فِي الْأُولَى كَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهُوَ تَخْرِيجٌ ظَاهِرٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ
[ ٥ / ٢٤٧ ]
لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنَّمَا تَعْتَمِدُ الْقَافَةُ عَلَى أَبٍ لَمْ يُدْفَنْ)
ش: تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي قَصْرِ الْقَافَةِ عَلَى الْوَلَدِ الْحَيِّ وَعُمُومِهَا فِيهِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَفِي قَصْرِهَا عَلَى الْوَلَدِ حَيًّا، وَعُمُومِهَا فِيهِ حَيًّا وَمَيِّتًا سَمَاعُ أَصْبَغَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ وَضَعَتْهُ تَمَامًا مَيِّتًا لَا قَافَةَ فِي الْأَمْوَاتِ، وَنَقَلَ الصَّقَلِّيُّ عَنْ سَحْنُونٍ إنْ مَاتَ بَعْدَ وَضْعِهِ حَيًّا دُعِيَ لَهُ الْقَافَةُ.
(قُلْت) وَيُحْتَمَلُ رَدُّهُمَا إلَى وِفَاقٍ؛ لِأَنَّ السَّمَاعَ فِيمَنْ وُلِدَ مَيِّتًا وَقَوْلُ سَحْنُونٍ: فِيمَنْ وُلِدَ حَيًّا، وَلَمْ أَقِفْ لِابْنِ رُشْدٍ عَلَى نَقْلِ خِلَافٍ فِيهَا انْتَهَى.
(فَرْعٌ): قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِالْقَائِفِ الْوَاحِدِ وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ.
ص (وَإِلَّا فَحِصَّةُ الْمُقِرِّ كَالْمَالِ)
ش: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُقِرُّ عَدْلًا، فَإِنَّمَا يَرِثُ هَذَا الْمُقِرُّ بِهِ مِنْ حِصَّةِ الْمُقِرِّ فَقَطْ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا يَأْخُذُ مِنْهَا اعْتِمَادًا عَلَى مَا سَيَقُولُهُ فِي بَابِ الْفَرَائِضِ حَيْثُ يَقُولُ: وَإِنْ أَقَرَّ أَحَدُ الْوَرَثَةِ فَقَطْ بِوَارِثٍ، فَلَهُ مَا نَقَصَهُ الْإِقْرَارُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ: وَهَذَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْوَارِثَ إذَا أَقَرَّ بِوَارِثٍ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ إلَّا مَا زَادَ نَصِيبُهُ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى نَصِيبِهِ فِي الْإِقْرَارِ وَإِنْ نَقَصَ نَصِيبُ الْمُقِرِّ فِي الْإِنْكَارِ أَوْ لَمْ يَزِدْ عَلَى نَصِيبِهِ فِي الْإِقْرَارِ مِثْلَ أَنْ تُقِرَّ الزَّوْجَةُ بِأَخٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ انْتَهَى، وَهَذَا الْحُكْمُ عَلَى الْقَوْلِ الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ إقْرَارَ الْعَدْلِ بِالْوَارِثِ كَإِقْرَارِ غَيْرِ الْعَدْلِ لَا يَأْخُذُ الْمُقَرَّ بِهِ إلَّا مِنْ حِصَّةِ الْمُقِرِّ فَقَطْ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُقِرُّ رَشِيدًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ سَفِيهًا، فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ حِصَّتِهِ شَيْءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَالْمَالِ)
ش: تَشْبِيهٌ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَيْ إنْ شَهِدَ عَدْلَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ بِمَالٍ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ ثَبَتَ، وَإِنْ شَهِدَ عَدْلٌ حَلَفَ مَعَهُ، وَثَبَتَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا فَفِي صِحَّةِ الشَّاهِدِ قَالَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَصِيَّيْنِ أَوْ الْوَارِثَيْنِ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ، وَإِنْ شَهِدَ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ بِذَلِكَ وَاحِدٌ مِنْ الْوَرَثَةِ حَلَفَ مَعَهُ إنْ كَانَ عَدْلًا، وَاسْتَحَقَّ حَقَّهُ فَإِنْ نَكَلَ أَخَذَ مِنْ شَاهِدِهِ قَدْرَ مَا يُصِيبُهُ مِنْ
[ ٥ / ٢٤٨ ]
الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ فِي حِصَّتِهِ بِشَيْءٍ انْتَهَى. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَالَ عِيَاضٌ: ظَاهِرُهُ اشْتِرَاطُ الرُّشْدِ فِي الْعَدَالَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَأَنَّ شَهَادَةَ السَّفِيهِ لَا تَجُوزُ، وَلَوْ كَانَ عَدْلًا فِي نَفْسِهِ، وَأَجَازَهَا مَالِكٌ وَفِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَيِّتِ بِدَيْنٍ قَبُولُ شَهَادَتِهِ، وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا وَتَكَرَّرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هُنَا، وَفِي بَابِ الشَّرِكَةِ وَفِي الْمِدْيَانِ وَفِي الْوَصَايَا الْأُوَلِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا تَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
عَدْلٌ رَشِيدٌ: يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُؤْخَذُ بِشَهَادَتِهِ عَكْسُهُ سَفِيهٌ مَسْخُوطٌ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ سَفِيهٌ وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَسْخُوطٌ عَدْلٌ سَفِيهٌ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَهَلْ يُؤْخَذُ بِهِ قَوْلَانِ. رَشِيدٌ غَيْرُ عَدْلٍ: يُؤْخَذُ مِنْهُ وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ وَلَمْ أَرَ فِيهِ خِلَافًا انْتَهَى. كَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ أَنَّ شَهَادَةَ السَّفِيهِ لَا تَجُوزُ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَخَذَ مِنْ شَاهِدِهِ قَدْرَ مَا يُصِيبُهُ مِنْ الدَّيْنِ هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ يَقُولُ يَأْخُذُ جَمِيعَ دَيْنِهِ مِنْ نَصِيبِ الْمُقِرِّ إذْ لَا مِيرَاثَ إلَّا بَعْدَ أَدَاءِ الدَّيْنِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ إنَّهُ يَكُونُ شَرِيكًا مَعَ الْوَرَثَةِ إذَا حَلَفَ وَإِنْ نَكَلَ كَانَ شَرِيكًا لِلْمُقِرِّ وَهَذَا فِي الْوَصِيَّةِ بِالْجُزْءِ وَأَمَّا بِالْعَدَدِ فَكَالدَّيْنِ انْتَهَى.
وَانْظُرْ كِتَابَ الْوَصَايَا مِنْ النَّوَادِرِ وَآخِرَ كِتَابِ الْإِقْرَارِ مِنْهَا، فَإِنَّهُ عَقَدَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَابًا لِإِقْرَارِ الْوَارِثِ بِأَنَّ صُورَتَهُ أَوْصَى بِكَذَا أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ.
ص (فَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ الْوَرَثَةُ فَهُنَّ أَحْرَارٌ) ش يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ إقْرَارِ الْوَرَثَةِ إنْ تَشْهَدْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَالَ: إحْدَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ ابْنَتِي، وَلَمْ يُسَمِّهَا فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقٍ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ اسْتَلْحَقَ وَلَدًا، ثُمَّ أَنْكَرَهُ، ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ، فَلَا يَرِثُهُ وَوَقَفَ مَالِهِ)
ش: هَكَذَا قَالَ فِي رَسْمِ يُوصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَفِي قَوْلِهِ، وَوَقَفَ نَظَرٌ وَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مِيرَاثِهِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّ هَذَا الْمَالَ لَهُمْ لَا حَقَّ لَهُ مَعَهُمْ فِيهِ؛ وَهُمْ لَا يُكَذِّبُونَهُ فَلَا مَعْنَى لِتَوْقِيفِهِ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقْبَلَ رُجُوعُهُ فِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِرُجُوعِهِ إلَى اسْتِلْحَاقِ ابْنِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ثُبُوتُهُ عَلَى إنْكَارِهِ إلَى أَنْ مَاتَ (تَنْبِيهٌ): فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ الْمُسْتَلْحِقُ قَبْلَ الِابْنِ وَرِثَهُ الِابْنُ بِالْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ، وَالِاسْتِلْحَاقِ الَّذِي سَبَقَ، وَلَا يَسْقُطُ نَسَبُهُ بِإِنْكَارِهِ بَعْدَ اسْتِلْحَاقِهِ، ثُمَّ إنْ مَاتَ الِابْنُ بَعْدَ ذَلِكَ وَرِثَهُ عَصَبَتُهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ الْمُسْتَلْحِقِ لَهُ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الرَّسْمِ الْمَذْكُورِ وَابْنُ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ وَنَصُّ ابْنِ بَطَّالٍ: وَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَلْحِقُ الْأَبُ قَبْلَ الْمُسْتَلْحَقِ، وَوَرِثَهُ بِالْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ وَالِاسْتِلْحَاقِ الَّذِي سَبَقَ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى إنْكَارِهِ بَعْدَ الِاسْتِلْحَاقِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ الْمُسْتَلْحِقُ الْأَبُ لَوْ قَدَّمَ الْأَبَ، فَقَالَ الْأَبُ الْمُسْتَلْحِقُ لَكَانَ أَوْضَحَ.
(فَرْعٌ): قَالَ فِي الْمُقْنِعِ: وَإِنْ اسْتَلْحَقَ الرَّجُلُ رَجُلًا لَحِقَ بِهِ نَسَبًا أَوْلَادُ الْمُسْتَلْحِقِ، وَمَنْ نَفَى وَلَدَهُ، ثُمَّ اسْتَلْحَقَهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ انْتَهَى.
(فَائِدَتَانِ الْأُولَى): يَجْتَمِعُ لُحُوقُ الْوَلَدِ وَالْحُرِّ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ إحْدَاهَا: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْأَمَةُ، فَتَلِدُ مِنْهُ، فَيُقِرُّ بَعْدَ الْوِلَادَةِ أَنَّهُ غَصَبَهَا، فَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى قَطْعِ نَسَبِهِ وَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ، الثَّانِيَةُ: مَنْ اشْتَرَى أَمَةً فَوَلَدَتْ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ بِحُرِّيَّةٍ، فَذَكَرَ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ حُرَّةً وَوَطِئَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَيُحَدُّ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ الثَّالِثَةُ مَنْ اشْتَرَى جَارِيَتَيْنِ عَلَى أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ فِي إحْدَاهُمَا، فَأَقَرَّ أَنَّهُ اخْتَارَ وَاحِدَةً، ثُمَّ وَطِئَ الْأُخْرَى، فَإِنَّهُ يُحَدُّ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ الرَّابِعَةُ: مَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً، وَوَطِئَهَا فَخَاصَمَهُ رَبُّهَا، فَقَالَ ادْفَعْ ثَمَنَ جَارِيَتِي الَّتِي بِعْت مِنْك، فَيَقُولُ الْوَاطِئُ إنَّمَا تَرَكْتهَا عِنْدِي أَمَانَةً وَدِيعَةً، فَإِنَّهُ يُحَدُّ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ الْخَامِسَةُ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ بِأُمِّ امْرَأَتِهِ عَالِمًا بِذَلِكَ، فَتَلِدُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ انْتَهَى مِنْ مُعِينِ الْحُكَّامِ.
[ ٥ / ٢٤٩ ]
وَذَكَرَهَا فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الِاسْتِلْحَاقِ عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَيُحَدُّ الْوَاطِئُ الْعَالِمُ وَالْوَلَدُ رَقِيقٌ، وَلَا نَسَبَ لَهُ.
وَقَالَ بَعْدَهَا: وَلَيْسَ ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ بَلْ الضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ حَدٍّ يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ، وَيَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ، فَالنَّسَبُ ثَابِتٌ مِنْهُ، وَكُلُّ حَدٍّ لَازِمٌ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ فَالنَّسَبُ مَعَهُ غَيْرُ ثَابِتٍ انْتَهَى. وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَصْلُهَا لِابْنِ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْخَمْسَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّكَاحِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهَا مَا تَقَدَّمَ، وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ كَلَامَهُ فِي الرَّجْمِ وَأَشَارَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا مُخْتَصَرًا فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَزَادَ بَعْدَهُ مَا نَصَّهُ الشَّيْخُ فِي مَحَلِّ الْمِلْكِ وَالنِّكَاحِ وَهُوَ سِيَاقُ كَلَامِهِ انْتَهَى، وَزَادَ أَيْضًا هَذَا الْكَلَامَ فِي كِتَابِ الرَّجْمِ، وَعَدَّهَا فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ ثَمَانِيَةً نَاقِلًا لَهَا عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْهَا الْخَمْسَ الْمَذْكُورَةَ وَالسَّادِسَةُ الرَّجُلُ يَشْتَرِي جَارِيَةً فَيُوَلِّدُهَا، ثُمَّ يُقِرُّ أَنَّهَا مِمَّنْ تُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ عَالِمٌ بِذَلِكَ وَقْتَ الشِّرَاءِ، وَوَقْتَ الْوَطْءِ.
السَّابِعَةُ: الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فَتَلِدُ مِنْهُ، ثُمَّ يُقِرُّ أَنَّهُ كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَارْتَجَعَهَا قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ الثَّامِنَةُ: الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فَيُوَلِّدُهَا، ثُمَّ يُقِرُّ أَنَّ لَهُ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ سِوَاهَا، وَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ نِكَاحَ الْخَامِسَةِ حَرَامٌ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ: وَهِيَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ أُمَّ امْرَأَتِهِ عَالِمًا بِذَلِكَ، فَتَلِدُ مِنْهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ عِنْدِي إذَا لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ أَنَّهُ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ إلَّا بَعْدَ تَزْوِيجِهَا، وَأَمَّا لَوْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ قَبْلَ نِكَاحِهِ إيَّاهَا، فَهُوَ زِنًا مَحْضٌ لَا يُلْحَقُ مَعَهُ الْوَلَدُ انْتَهَى. وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ مِنْهَا سِتَّ مَسَائِلَ: نَاقِلًا لَهَا عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ عَدَّ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ وَالْخَامِسَةَ وَالثَّامِنَةَ وَالسَّادِسَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا عَكْسَ الرَّابِعَةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ اشْتَرَيْتُهَا، وَالسَّيِّدُ مُنْكِرٌ، وَلَا بَيِّنَةَ قَالَ: فَيُحَدُّ هُوَ وَالْجَارِيَةُ إنْ أَقَامَ السَّيِّدُ عَلَى إنْكَارِهِ وَعَبَّرَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيُقِرَّ أَنَّهُ أَوْلَدَهَا عَالِمًا أَنَّهَا ذَاتُ مَحْرَمٍ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ (الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ): قَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي شَرْحِ السِّيرَةِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ وَمُرُورِهِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي أَدْخَلْنَ عَلَى الرِّجَالِ مَا لَيْسَ مِنْهُمْ مِنْ الْأَوْلَادِ، فَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَتَابَتْ أُمُّهُ فَأَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ لِغَيْرِ رُشْدَةٍ لِيَسْتَعْفِفَ عَنْ مِيرَاثِهِمْ وَيَكُفَّ عَنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ أَوْ عَلِمَ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ حَالٍ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِلَّا كَانَ شَرَّ الثَّلَاثَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ فِي ابْنِ الزِّنَا أَنَّهُ شَرُّ الثَّلَاثَةِ، وَقَدْ يُؤَوَّلُ عَلَى وُجُوهٍ هَذَا أَقْرَبُهَا إلَى الصَّوَابِ انْتَهَى. وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِهِ أَيْ إذَا عَمِلَ بِعَمَلِ أَبَوَيْهِ وَفِي آخِرِ بَابِ الزِّنَا مِنْ النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَلَدُ الزِّنَا خَيْرُ الثَّلَاثَةِ إذَا اتَّقَى اللَّهَ قِيلَ لَهُ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ شَرُّ الثَّلَاثَةِ قَالَ هَذَا شَيْءٌ قَالَهُ كَعْبٌ لَوْ كَانَ شَرَّ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَنْتَظِرْ بِأُمِّهِ وِلَادَتُهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إنَّمَا قِيلَ شَرُّهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَوْ كَانَ شَرَّهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَا انْتَظَرَ بِأُمِّهِ أَنْ تَضَعَ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَكْرِمُوا وَلَدَ الزِّنَا وَأَحْسِنُوا إلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ إنْ أَحْسَنَ جُوزِيَ وَإِنْ أَسَاءَ عُوقِبَ وَقَالَ عُمَرُ: أَعْتِقُوا أَوْلَادَ الزِّنَا، وَأَحْسِنُوا إلَيْهِمْ، وَاسْتَوْصُوا بِهِمْ اهـ. وَانْظُرْ حَاشِيَتِي عَلَى مَنَاسِكِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَحُجَّ بِثَمَنِ وَلَدِ الزِّنَا