[بَابٌ وَقْفُ مَمْلُوكٍ]
ص (بَابٌ صَحَّ وَقْفُ مَمْلُوكٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْوَقْفُ مَصْدَرًا إعْطَاءُ مَنْفَعَةِ شَيْءٍ مُدَّةَ وُجُودِهِ لَازِمًا بَقَاؤُهُ فِي مِلْكِ مُعْطِيهِ وَلَوْ تَقْدِيرًا فَتَخْرُجُ عَطِيَّةُ الذَّوَاتِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْعُمْرَى وَالْعَبْدِ الْمُخْدِمِ حَيَاتَهُ يَمُوتُ قَبْلَ مَوْتِ رَبِّهِ لِعَدَمِ لُزُومِ بَقَائِهِ فِي مِلْكِ مُعْطِيهِ لِجَوَازِ بَيْعِهِ بِرِضَاهُ مَعَ مُعْطَاهُ وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إعْطَاءُ مَنَافِعَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ يَبْطُلُ طَرْدُهُ بِالْمُخْدِمِ حَيَاتَهُ وَلَا يُرَدُّ بِأَنَّ جَوَازَ بَيْعِهِ مَمْنُوعٌ انْدِرَاجُهُ تَحْتَ التَّأْبِيدِ لِأَنَّ التَّأْبِيدَ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِعْطَاءِ وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى الْمُخْدِمِ الْمَذْكُورِ لَا فِي لُزُومِ بَقَائِهِ فِي مِلْكِ مُعْطِيهِ وَهُوَ اسْمًا مَا أُعْطِيت مَنْفَعَتُهُ مُدَّةً إلَى آخِرِهِ وَصَرَّحَ الْبَاجِيُّ بِبَقَاءِ مِلْك الْمُحْبِسِ عَلَى مُحْبَسِهِ وَهُوَ لَازِمُ تَزْكِيَةِ حَوَائِطِ الْإِحْبَاسِ عَلَى مِلْكِ مُحْبِسِهَا وَقَوْلُ اللَّخْمِيُّ آخِرُ الشُّفْعَةِ الْحَبْسُ يُسْقِطُ مِلْكَ الْمُحْبَسِ غَلَطٌ انْتَهَى.
وَيَخْرُجُ مِنْ حَدِّ ابْنِ عَرَفَةَ الْحَبْسُ غَيْرُ الْمُؤَبَّدِ وَقَدْ صَرَّحَ بِجَوَازِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ الصَّدَقَةِ وَيَتَعَذَّرُ عُرُوضُ وُجُوبِهِ بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالْإِحْبَاسُ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ عَمِلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ بَعْدِهِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي اللُّبَابِ حُكْمُهُ الْجَوَازُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَحَقِيقَتُهُ لُغَةً الْحَبْسُ وَشَرْعًا حَبْسُ عَيْنٍ لِمَنْ يَسْتَوْفِي مَنَافِعَهُمَا عَلَى التَّأْبِيدِ انْتَهَى. قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ مِمَّا اُخْتُصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ - ﵁ - لَمْ يَحْبِسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا عَلِمْته دَارًا وَلَا أَرْضًا تَبَرُّرًا بِحَبْسِهَا وَإِنَّمَا حَبَسَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ مَمْلُوكٍ تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَاحْتُرِزَ بِهِ مِنْ وَقْفِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ عَلَى نَوْعٍ مَا مِنْ الْعِبَادَاتِ كَذَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَلَمَّا كَانَ كَلَامُهُ شَامِلًا لِكُلِّ مَمْلُوكٍ بَيَّنَ مَا هُوَ دَاخِلٌ وَمَا فِيهِ تَرَدُّدٌ بِقَوْلِهِ وَإِنْ بِأُجْرَةٍ إلَى قَوْلِهِ تَرَدُّدٌ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ سَوَاءٌ كَانَ مُشَاعًا أَوْ غَيْرَ مُشَاعٍ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ يَصِحُّ فِي الْعَقَارِ الْمَمْلُوكِ لَا الْمُسْتَأْجَرِ مِنْ الْأَرَاضِي وَالدِّيَارِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْحَوَائِطِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْمَصَانِعِ وَالْآبَارِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْمَقَابِرِ وَالطُّرُقِ شَائِعًا وَغَيْرَهُ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُهُ شَائِعًا أَوْ غَيْرَهُ يَعْنِي يَجُوزُ وَقْفُ الْعَقَارِ سَوَاءٌ كَانَ شَائِعًا كَمَا لَوْ وَقَفَ نِصْفَ دَارٍ أَوْ غَيْرَ شَائِعٍ وَلَا يُرِيدُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَقْفُ الْمَشَاعِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً أَعْنِي فِيمَا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ وَاخْتُلِفَ إنْ فُعِلَ هَلْ يَنْفُذُ تَحْبِيسُهُ أَمْ لَا وَعَلَى الثَّانِي اقْتَصَرَ اللَّخْمِيُّ آخِرَ الشُّفْعَةِ. قَالَ لِأَنَّ الشَّرِيكَ لَا يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِ جَمِيعِهَا وَإِنْ فَسَدَ فِيهَا شَيْءٌ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُصْلِحُهُ مَعَهُ وَاخْتَارَ ابْنُ زَرْبٍ الْأَوَّلَ اللَّخْمِيُّ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا تَنْقَسِمُ جَازَ لَهُ الْحَبْسُ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ
وَسَأَلَ ابْنُ حَبِيبٍ ابْنَ الْمَاجِشُونِ
[ ٦ / ١٨ ]
عَمَّنْ لَهُ شِرْكٌ فِي دُورٍ وَنَخْلٍ مَعَ قَوْمٍ فَتَصَدَّقَ بِحِصَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَوْلَادِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ صَدَقَةً مُحْبَسَةً وَمِنْهَا مَا يَنْقَسِمُ وَمِنْهَا مَا لَا يَنْقَسِمُ وَمِنْ الشُّرَكَاءِ مَنْ يُرِيدُ الْقِسْمَ؛ قَالَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ مَا انْقَسَمَ فَمَا أَصَابَ الْمُتَصَدِّقُ مِنْهَا فَهُوَ عَلَى التَّحْبِيسِ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ بِيعَ فَمَا أَصَابَ الْمُتَصَدِّقُ مِنْ الثَّمَنِ فِي حِصَّتِهِ اشْتَرَى بِهِ مَا يَكُونُ صَدَقَةً مُحْبَسَةً فِي مِثْلِ مَا سَبَّلَهَا فِيهِ الْمُتَصَدِّقُ وَاخْتُلِفَ هَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ انْتَهَى.
وَبَعْضُهُ فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَإِطْلَاقُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ إجَازَتَهُ فِي الشَّائِعِ كَقَوْلِهَا فِي آخِرِ الشُّفْعَةِ. قَالَ مَالِكٌ إنْ حَبَسَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي دَارٍ حَظَّهُ مِنْهَا عَلَى رَجُلٍ وَوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ فَبَاعَ شَرِيكُهُ حَظَّهُ مِنْهَا فَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِلْمُحْبِسِ عَلَيْهِمْ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْحَبْسِ فَيَجْعَلَهُ فِي مِثْلِ مَا جَعَلَ حَظَّهُ فِيهِ. اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَتْ الدَّارُ تَحْمِلُ الْقِسْمَ جَازَ الْحَبْسُ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى شَرِيكِهِ بِذَلِكَ إنْ كَرِهَ الْبَقَاءَ عَلَى الشَّرِكَةِ قَاسَمَ (قُلْت) هَذَا عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ تَمْيِيزُ حَقٍّ وَعَلَى أَنَّهُ بَيْعٌ يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ الْحَبْسِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَمْنُوعُ بَيْعُهُ مَا كَانَ مُعَيَّنًا لَا الْمَعْرُوضُ لِلْقَسْمِ لِأَنَّهُ كَالْمَأْذُونِ فِي بَيْعِهِ مِنْ مُحْبِسِهِ. قَالَ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ فَلِلشَّرِيكِ رَدُّ الْحَبْسِ (قُلْت) وَمِثْلُهُ فِي نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ. قَالَ وَإِنْ كَانَ عُلُوٌّ وَسُفْلٌ لِرَجُلَيْنِ فَلِرَبِّ الْعُلُوِّ رَدُّ تَحْبِيسِ ذِي السُّفْلِ لِأَنَّهُ إنْ فَسَدَ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُصْلِحُهُ وَلِرَبِّ السُّفْلِ رَدُّ تَحْبِيسِ ذِي الْعُلُوِّ لِلضَّرَرِ مَتَى وَهِيَ مِنْهُ مَا يُفْسِدُ سُفْلَهُ وَالْحَائِطُ كَالدَّارِ فِيمَا يَنْقَسِمُ وَمَا لَا يَنْقَسِمُ (قُلْت) وَمِثْلُ إطْلَاقِهَا فِي تَحْبِيسِ الشَّرِيكِ فِي الدَّارِ وَقَعَ فِي رَسْمٍ كُتِبَ عَلَيْهِ ذِكْرُ حَقٍّ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ الشُّفْعَةِ فَتَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ رُشْدٍ بِحُكْمِ الشُّفْعَةِ وَأَعْرَضَ عَنْ حُكْمِ الْحَبْسِ الْمُشَاعِ
وَلِابْنِ سَهْلٍ عَنْ ابْنِ زَرْبٍ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ لَهُ حِصَّةٌ فِي دَارٍ لَا تَنْقَسِمُ فَحَبَسَهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ تَحْبِيسُهُ لَا يَنْفُذُ وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ وَبِإِجَازَتِهِ أَقُولُ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ ثُمَّ قَالَ قُلْت فِي جَوَازِ تَحْبِيسِ مُشَاعِ رُبْعٍ وَرِثُوهُ مُشْتَرَكٌ فِيهِ مُطْلَقًا وَوَقَفَهُ عَلَى إذْنِ شَرِيكِهِ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ وَإِلَّا بَطَلَ ثَالِثُهَا يَجُوزُ مُطْلَقًا أَوْ يُجْعَلُ ثَمَنُ الْحَظِّ الْمُحْبَسِ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ مِثْلُ مَا حَبَسَهُ فِيهِ لِظَاهِرِهَا مَعَ ظَاهِرِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَنَصَّ ابْنُ زَرْبٍ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَالْمَذْهَبِ وَابْنُ حَبِيبٍ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَيَتَخَرَّجُ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ فِي الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ انْتَهَى.
وَأَقْوَى الْأَقْوَالِ الثَّانِي لِجَعْلِهِ اللَّخْمِيَّ الْمَذْهَبَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمُتَيْطِيُّ إنْ أَقَرَّ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِتَحْبِيسِ رُبْعٍ نَفَذَ إقْرَارُهُ فِي حَظِّهِ فَقَطْ (قُلْت) مِثْلُهُ فِي النَّوَادِرِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ وَظَاهِرُهُ نُفُوذُهُ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِهِ مُطْلَقًا فِي تَحْبِيسِ الْمُشَاعِ وَاضِحٌ وَعَلَى وَقْفِهِ عَلَى إذْنِ شَرِيكِهِ فِيهِ نَظَرٌ. قَالَ وَأَشَدُّ مَا عَلَى الْمُنْكِرِ الْحَلِفُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَنَّ الْمُحْبَسَ حُبِسَ عَلَيْهِمْ (قُلْت) يُرِيدُ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ الْعِلْمُ. قَالَ وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْيَمِينِ لِأَنَّ الْحَبْسَ لَا يُمَلِّكُ مِلْكَ الْمَبِيعِ لِأَنَّ مَصِيرَهُ لِلْأَعْقَابِ وَالْمَرْجِعِ وَلَا يَحْلِفُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَوْ نَكَلَ إذَا رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ لَمْ يَبْطُلْ الْحَبْسُ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ فَهَذِهِ وُجُوهٌ تَمْنَعُ رَدَّ الْيَمِينِ فِي الْحَبْسِ وَالْبَاجِيُّ اخْتَلَفَ هَلْ عَلَى الْمُنْكِرِ يَمِينٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَبَعْضُهُمْ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ ابْنُ زَرْبٍ نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ حَبَسَ مَالًا وَثَبَتَ حَوْزُهُ فَادَّعَى بَعْضُ وَرَثَتِهِ أَنَّ الْحَبْسَ رَجَعَ إلَيْهِ وَسَكَنَ فِيهِ حَتَّى مَاتَ وَأَرَادَ تَحْلِيفَ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ فَقُلْت لَا يَمِينَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ عَصْرِنَا عَلَيْهِمْ الْيَمِينُ وَهُوَ عِنْدِي خَطَأٌ انْتَهَى.
وَقَوْلُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمَقَابِرُ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ اللَّخْمِيِّ ثُمَّ قَالَ يُرِيدُ بِالْمَقَابِرِ الْمُتَّخَذَةَ حَيْثُ يَجُوزُ اتِّخَاذُهَا سَمِعَ ابْنَ الْقَاسِمِ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ السَّمَاعِ مُخْتَصَرًا وَلْنَأْتِ بِالسَّمَاعِ مِنْ أَصْلِهِ وَنَصُّهُ وَسُئِلَ عَنْ فِنَاءِ قَوْمٍ كَانُوا يَرْمُونَ فِيهِ وَفِيهِ عَرْضٌ لَهُمْ ثُمَّ إنَّهُمْ غَابُوا عَنْ ذَلِكَ فَاُتُّخِذَ مَقْبَرَةً ثُمَّ جَاءُوا فَقَالُوا نُرِيدُ أَنْ نُسَوِّيَ هَذِهِ الْمَقَابِرَ وَنَرْمِيَ عَلَى حَالِ مَا كُنَّا نَرْمِي فَقَالَ مَالِكٌ أَمَّا مَا قَدِمَ مِنْهَا فَأَرَى ذَلِكَ لَهُمْ وَأَمَّا كُلُّ شَيْءٍ جَدِيدٍ فَلَا أُحِبُّ لَهُمْ دَرْسَ ذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ أَفْنِيَةُ الدُّورِ الْمُتَّصِلَةِ
[ ٦ / ١٩ ]
بِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَتْ بِمِلْكٍ لِأَرْبَابِ الدُّورِ كَالْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ الَّتِي لِأَرْبَابِهَا تَحْجِيرُهَا عَلَى النَّاسِ لِمَا لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الِارْتِفَاقِ بِهَا فِي مُرُورِهِمْ إذَا ضَاقَ الطَّرِيقُ عَنْهُمْ بِالْأَحْمَالِ وَشَبَهِهَا إلَّا أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالِانْتِفَاعِ بِهَا فِيمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الرَّمْيِ وَغَيْرِهِ فَمِنْ حَقِّهِمْ إذَا اُتُّخِذَتْ مَقْبَرَةً فِي مَغِيبِهِمْ أَنْ يَعُودُوا إلَى الِانْتِفَاعِ بِالرَّمْيِ فِيهَا إذَا قَدِمُوا إلَّا أَنَّهُ كَرِهَ لَهُمْ دَرْسَهَا إذَا كَانَتْ جَدِيدَةً مُسَنَّمَةً لَمْ تَدْرُسْ وَلَا عَفَتْ لِمَا فِي دَرْسِ الْقُبُورِ وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «لَأَنْ يَمْشِيَ أَحَدُكُمْ عَلَى الرَّضْفِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى قَبْرِ أَخِيهِ» وَقَالَ «إنَّ الْمَيِّتَ يُؤْذِيهِ فِي قَبْرِهِ مَا يُؤْذِيهِ فِي بَيْتِهِ» وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ إنَّمَا يُكْرَهُ دَرْسُهَا لِأَنَّهَا مِنْ الْأَفْنِيَةِ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ الْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ لَمْ يُكْرَهْ ذَلِكَ وَكَانَ لَهُمْ الِانْتِفَاعُ بِظَاهِرِهَا وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ وَارُوا فِي بَاطِنِهَا وَانْتَفِعُوا بِظَاهِرِهَا. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ الْأَمْلَاكِ الْمَحُوزَةِ قَدْ دُفِنَ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِهِمْ لَكَانَ مِنْ حَقِّهِمْ نَبْشُهُمْ مِنْهَا وَتَحْوِيلُهُمْ إلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ فُعِلَ ذَلِكَ بِقَتْلَى أُحُدٍ لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ إجْرَاءَ الْعَيْنِ الَّتِي إلَى جَانِبِ أُحُدٍ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى فِي الْمَدِينَةِ مَنْ كَانَ لَهُ قَتِيلٌ فَلْيَخْرُجْ إلَيْهِ وَيَنْبُشُهُ وَلْيُحَوِّلْهُ. قَالَ جَابِرٌ فَأَتَيْنَاهُمْ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ رِطَابًا لَيِّنِينَ انْتَهَى.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِفِعْلِ مُعَاوِيَةَ نَظَرٌ لِأَنَّ قَتْلَى أُحُدٍ مَا أُقْبِرُوا إلَّا حَيْثُ جَازَ إقْبَارُهُمْ وَاسْتِدْلَالُهُ بِإِخْرَاجِهِمْ يُوهِمُ كَوْنَ الْقَبْرِ غَيْرَ حَبْسٍ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ فَعَلَهُ لِتَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ عَامَّةٍ حَاجِيَّةٍ حَسْبَمَا يَأْتِي فِي بَيْعِ الْحَبْسِ لِتَوْسِعَةِ جَامِعِ الْخُطْبَةِ وَلِابْنِ عَاتٍ سُئِلَ بَعْضُهُمْ أَيَجُوزُ حَرْثُ الْبَقِيعِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً دُونَ دَفْنٍ فِيهِ وَأَخْذُ تُرَابِهِ لِلْبِنَاءِ؟ قَالَ الْحَبْسُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَمَلَّكَ انْتَهَى. وَلَمْ يَظْهَرْ لِي فِي تَعْقِيبِ ابْنِ عَرَفَةَ وَجَلْبِهِ لِهَذَا الْكَلَامِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَإِنْ بِأُجْرَةٍ)
ش: هَذَا خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمُتَقَدِّمِ لَا الْمُسْتَأْجَرُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْمَمْلُوكُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرِيدَ الْمُؤَلِّفُ بِهَذَا الْقَيْدِ اشْتِرَاطَ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَإِنْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ وَحْدَهَا لَا يَكْفِي فِي التَّحْبِيسِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ إلَّا الْمُسْتَأْجَرُ فَيَكُونُ مُرَادُهُ الْمَمْلُوكُ رَقَبَتُهُ لَا مَنْفَعَتُهُ بِخُصُوصِيَّتِهَا وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَظْهَرَ فَاعِلُ اسْمِ الْمَفْعُولِ فَيَقُولُ الْمَمْلُوكُ رَقَبَتَهُ وَيَقُولُ لَا مَنْفَعَةَ وَيَبْقَى مُطْلَقُ الْمَنْفَعَةِ الْمُقَابِلُ لِلرَّقَبَةِ وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَنْفَعَةِ الِاسْتِئْجَارِ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَيَصِحُّ فِي الْعَقَارِ الْمَمْلُوكِ لَا الْمُسْتَأْجَرِ انْتِصَارًا لِقَوْلِ ابْنِ شَاسٍ لَا يَجُوزُ وَقْفُ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَفِي كَوْنِ مُرَادِ ابْنِ شَاسٍ إنْ وَقَفَ مَالِكٌ مَنْفَعَتَهَا أَوْ بَائِعُهَا نَظَرٌ وَفَسَّرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي لَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِالْأَوَّلِ وَهُوَ بَعِيدٌ لِخُرُوجِهِ بِالْمَمْلُوكِ وَالْأَظْهَرُ الثَّانِي وَفِي نَقْلِهِ الْحُكْمَ بِإِبْطَالِهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْحَبْسَ إعْطَاءُ مَنْفَعَةٍ دَائِمًا وَأَمَدُ الْإِجَارَةِ خَاصٌّ بِالزَّائِدِ عَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَبْسُ لِسَلَامَتِهِ مِنْ الْمُعَارِضِ ثُمَّ فِي لَغْوِ حَوْزِ الْمُسْتَأْجِرِ لِلْحَبْسِ فَيَفْتَقِرُ لِحَوْزِهِ بَعْدَ أَمَدِ الْإِجَارَةِ وَصِحَّتُهُ لَهُ فَيَتِمُّ مِنْ حِينِ عَقَدَهُ قَوْلَانِ مُخَرَّجَانِ عَلَى قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ فِي لَغْوِ حَوْزِ الْمُسْتَأْجِرِ مَا فِي إجَارَتِهِ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ بَعْدَ إجَارَتِهِ وَصِحَّتُهُ لَهُ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي اسْتَظْهَرَهُ فِي كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ فَهِمَهُ الْقَرَافِيُّ عَلَيْهِ وَنَصُّهُ: فَرْعٌ. قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ يُمْنَعُ وَقْفُ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِاسْتِحْقَاقِ مَنَافِعِهَا لِلْإِجَارَةِ فَكَأَنَّهُ وَقْفُ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَقْفُ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لَا يَصِحُّ انْتَهَى. وَهَذَا التَّوْجِيهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ الظَّاهِرُ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ بِصِحَّةِ الْحَبْسِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاسْتِبْعَادُ ابْنِ عَرَفَةَ حَمْلَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ لِقَوْلِهِ فِي تَرْجَمَةِ الْإِجَارَةِ فِي الصِّنَاعَاتِ مِنْ كِتَابِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُكْرِيَ أَرْضَهُ عَلَى أَنْ تُتَّخَذَ مَسْجِدًا عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا انْقَضَتْ كَانَ النَّقْضُ لَهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْإِجَارَةِ وَلِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّأْبِيدُ إلَّا أَنَّ كَلَامَ ابْنِ عَرَفَةَ جَارٍ عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي حَدِّ الْوَقْفِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ
[ ٦ / ٢٠ ]
يَخْرُجُ مِنْ حَدِّهِ الْحَبْسُ غَيْرُ الْمُؤَبَّدِ. قَالَ الرَّصَّاعُ فِي شَرْحِ حُدُودِ ابْنِ عَرَفَةَ فَإِنْ قُلْت إذَا اكْتَرَى أَرْضًا عَشْرَ سِنِينَ لِيُصَيِّرَهَا حَبْسًا مَسْجِدًا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَكَيْفَ يَصْدُقُ عَلَيْهَا حَدُّ الشَّيْخِ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ (قُلْت) هَذِهِ الصُّورَةُ ذَكَرُوهَا فِي الْحَبْسِ وَقَالُوا لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُحْبِسِ مَالِكَ الرَّقَبَةِ بَلْ مَا هُوَ أَعَمُّ كَالْمَنْفَعَةِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وَإِنْ بِأُجْرَةٍ فَيَحْتَاجُ هَذَا إلَى تَأَمُّلٍ فِي دُخُولِهَا انْتَهَى كَلَامُ الرَّصَّاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ تَحْبِيسِ مَا سِوَى الْأَرْضَ]
ص (وَلَوْ حَيَوَانًا)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ (فَرْعٌ) وَأَمَّا الثِّيَابُ فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي الثِّيَابِ طَرِيقَانِ اللَّخْمِيُّ فِي جَوَازِهَا وَمَنْعِهِ قَوْلَانِ لَهَا وَلِنَقْلِ ابْنِ الْعَطَّارِ مَعَ الْقَاضِي الْبَاجِيِّ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّة لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الثِّيَابِ شَيْئًا وَلَا بَأْسَ بِهِ وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ فَعَلَى جَوَازِهِ يَلْزَمُ لِمُوَافَقَتِهِ الشَّرْعَ وَكَوْنِهِ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ وَعَلَى كَرَاهَتِهِ فَفِي جَوَازِهِ وَلُزُومِهِ رِوَايَتَانِ (قُلْت) يُرِيدُ بِالْجَوَازِ عَدَمَ اللُّزُومِ لَا أَحَدَ أَحْكَامِ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ وَإِلَّا لَزِمَ كَوْنُ قَسِيمِ الشَّيْءِ قِسْمًا مِنْهُ وَهُوَ مُحَالٌ انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ وَالْمُتَيْطِيِّ الْأَصْلُ فِي تَحْبِيسِ مَا سِوَى الْأَرْضِ قَوْلُهُ - ﷺ - «مَنْ حَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إيمَانًا بِاَللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ فِي مِيزَانِهِ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ شَنِيعٌ فِي فَهْمِهِ إنْ ضَبَطَ بَاءَ حَبَسَ بِالتَّخْفِيفِ وَفِي رِوَايَتِهِ إنْ ضَبَطَهَا بِالتَّشْدِيدِ وَفِي مِثْلِ هَذَا كَانَ بَعْضُ مَنْ لَاقَيْنَاهُ يَحْكِي عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ اسْتِدْلَالَاتُ بَعْضِ شُيُوخِ مَذْهَبِنَا لَا يَنْبَغِي ذِكْرُهَا خَوْفَ اعْتِقَادِ سَامِعِهَا وَلَا سِيَّمَا مَنْ هُوَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، إنَّ حَالَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَوْ جُلِّهِمْ مِثْلُ هَذَا الْمُسْتَدِلِّ. قَالَ وَلَقَدْ رَأَيْت لِبَعْضِ مُتَكَلِّمِي الْمُتَقَدِّمِينَ رَدًّا عَلَى الْمُنَجِّمِينَ وَدِدْت أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ لِسَخَافَتِهِ وَرَأَيْت لِلْآمِدِيِّ رَدًّا عَلَيْهِمْ لَيْسَ مُنْصِفًا وَقَفَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
(قُلْت) كَلَامُهُ - ﵀ - يَقْتَضِي أَنَّ لَفْظَ الرِّوَايَةِ فِي الْبُخَارِيِّ حَبَسَ بِتَخْفِيفِ الْبَاءِ عَلَى وَزْنِ نَصَرَ وَاَلَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «مَنْ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إيمَانًا وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فَكَانَ شِبَعُهُ وَرِيُّهُ وَرَوْثُهُ وَبَوْلُهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» انْتَهَى.
فَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ احْتَبَسَ عَلَى وَزْنِ افْتَعَلَ وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ عَنْ الْبُخَارِيِّ وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ - ﵀ - إنْ حَبَسَ بِالتَّخْفِيفِ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَوْقَفَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ وَنَصُّهُ فِي بَابِ الْجَامِعِ فِي قَوْلِهِ وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّهُ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ أَيْ أَوْقَفَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ أَحْبَسَ. قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَيُقَال حَبَسَ مُخَفَّفًا وَحَبَّسَ مُشَدَّدًا انْتَهَى.
فَدَلَّ كَلَامُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ حَبَسَ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى حَبَّسَ بِالتَّشْدِيدِ وَهُوَ الْوَقْفُ فَصَحَّ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ وَالْمُتَيْطِيُّ هَذَا إذَا كَانَا نَقَلَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ حَبَسَ وَإِنْ كَانَا نَقَلَاهُ بِلَفْظِ احْتَبَسَ كَمَا هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فَحَرَّفَهُ النُّسَّاخُ فَمَعْنَى احْتَبَسَ أَوْقَفَ كَمَا تَقَدَّمَ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ فَصَحَّ مَا قَالَاهُ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ أَصْلٌ فِي تَحْبِيسِ مَا سِوَى الْأَرْضَ وَكَذَا حَدِيثُ خَالِدٍ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَبَقِيَ النَّظَرُ فِيمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ الرِّوَايَةَ حَبَسَ فَإِنَّهُ خِلَافُ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (كَعَبْدٍ عَلَى مَرَضِي)
ش: اُنْظُرْ الْمُتَيْطِيَّ.
ص (وَفِي وَقْفٍ كَطَعَامٍ تَرَدُّدٌ)
[ ٦ / ٢١ ]
ش أَتَى بِالْكَافِ لِتَدْخُلَ الْمِثْلِيَّاتُ وَيُشِيرُ بِالتَّرَدُّدِ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْجَوَاهِرِ مِنْ مَنْعِ وَقْفِ الطَّعَامِ إنْ حُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَيَانِ أَنَّ وَقْفَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَمَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ إذَا غُيِّبَ عَلَيْهِ مَكْرُوهٌ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ فِي هَذَا التَّرَدُّدِ نَظَرٌ لِأَنَّك إنْ فَرَضْت الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا قَصَدَ بِوَقْفِ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ بَقَاءَ عَيْنِهِ فَلَيْسَ إلَّا الْمَنْعُ لِأَنَّهُ تَحْجِيرٌ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ تَعُودُ عَلَى أَحَدٍ وَذَلِكَ مِمَّا يُؤَدِّي إلَى فَسَادِ الطَّعَامِ الْمُؤَدِّي إلَى إضَاعَةِ الْمَالِ وَإِنْ كَانَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ أَوْقَفَهُ لِلسَّلَفِ إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ مُحْتَاجٌ ثُمَّ يَرُدُّ عِوَضَهُ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا الْجَوَازُ وَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ ضَعِيفٌ وَأَضْعَفُ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ إنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَعَلَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ وَابْنَ شَاسٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَقْفُهُ بِشَرْطِ بَقَاءِ عَيْنِهِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَفِيهَا جَوَازُ وَقْفِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَحَمَلَ عَلَيْهِ الطَّعَامَ وَقِيلَ يُكْرَهُ انْتَهَى.
ص (عَلَى أَهْلٍ لِلتَّمَلُّكِ)
ش: هَذَا الضَّابِطُ لَيْسَ بِشَامِلٍ لِخُرُوجِ نَحْوِ الْمَسْجِدِ وَالْقَنْطَرَةِ مِنْهُ وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ مَا جَازَ صَرْفُ مَنْفَعَةِ الْحَبْسِ لَهُ أَوْ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا يَصِحُّ رَدُّهُ اُعْتُبِرَ قَبُولُهُ ابْنُ شَاسٍ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ قَبُولُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا أَهْلًا لِلرَّدِّ وَالْقَبُولِ وَفِي كَوْنِ قَبُولِهِ شَرْطًا فِي اخْتِصَاصِهِ بِهِ أَوْ فِي أَصْلِ الْوَقْفِ خِلَافٌ انْتَهَى.
ص (كَمَنْ سَيُولَدُ لَهُ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا كَعَلَى وَلَدِي وَلَا وَلَدَ لَهُ فِي كَوْنِهِ جَعَلَ لَهُ بَيْعَهُ لِأَنَّهُ هُنَا تَكَلَّمَ عَلَى صِحَّةِ الْوَقْفِ وَهُنَاكَ عَلَى لُزُومِهِ وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمُتَيْطِيُّ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ عَلَيْهِ صِحَّتُهُ عَلَى الْحَمْلِ ابْنِ الْهِنْدِيِّ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْحَمْلِ وَالرِّوَايَاتُ وَاضِحَةٌ بِصِحَّتِهِ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لَهُ وَبِهَا احْتَجَّ الْجُمْهُورُ عَلَى الْحَمْلِ وَفِي لُزُومِهِ بِعَقْدِهِ عَلَى مَنْ يُولَدُ قَبْلَ وِلَادَتِهِ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَالِكٍ لِنَقْلِ الشَّيْخِ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ عَبْدُوسٍ لِمَنْ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا وَلَدَ لَهُ بَيْعُ مَا حَبَسَهُ مَا لَمْ يُولَدْ لَهُ وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَائِلًا لَوْ جَازَ لَجَازَ بَعْدَ وُجُودِ الْوَلَدِ وَمَوْتِهِ (قُلْت) يُرَدُّ بِأَنَّهُ لَمَّا لَزِمَ بِوُجُودِهِ اسْتَمَرَّ ثُبُوتُهُ لِوُجُودِ مُتَعَلِّقِهِ وَقَبْلَهُ لَا وُجُودَ لِمُتَعَلِّقِهِ حُكْمًا وَالْأَوْلَى احْتِجَاجُ غَيْرِهِ بِأَنَّهُ حَبْسٌ قَدْ صَارَ عَلَى مَجْهُولِ مَنْ يَأْتِي فَصَارَ مَوْقُوفًا أَبَدًا وَمَرْجِعُهُ لِأَوْلَى النَّاسِ بِالْمُحْبَسِ وَلَهُمْ فِيهِ مُتَكَلَّمٌ انْتَهَى.
وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَوْ قَالَ عَلَى أَوْلَادِي وَلَا وَلَدَ لَهُ فَفِي جَوَازِ بَيْعِهِ قَبْلَ إيَاسِهِ قَوْلَانِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُحْكَمُ بِحَبْسِهِ وَيُخْرَجُ إلَى يَدِ ثِقَةٍ لِيَصِحَّ الْحَوْزُ وَتُوقَفُ ثَمَرَتُهُ فَإِنْ وُلِدَ لَهُ فَلَهُمْ وَإِلَّا فَلِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ ثَالِثٌ يَرَى أَنَّ الْحَبْسَ قَدْ تَمَّ وَإِنْ لَمْ يُولَدْ لَهُ رَجَعَ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبَسِ وَقَوْلُهُ فَإِنْ وُلِدَ لَهُ فَلَهُمْ أَيْ الْحَبْسُ وَالثَّمَرَةُ وَإِذَا بَقِيَ وَقْفًا عَلَيْهِمْ رُدَّ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يَصِحُّ حَوْزُهُ لِوَلَدِهِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ انْتَهَى. وَمِنْ التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ لَهُ صَارَ مِيرَاثًا انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ الْوَقْفُ عَلَى الْأَوْلَادِ]
(مَسْأَلَةٌ) سُئِلْت عَنْهَا وَهِيَ رَجُلٌ. قَالَ فِي كِتَابِ وَقْفِهِ أَوْقَفَ كَاتِبُهُ الدَّارَ الْفُلَانِيَّةَ عَلَى وَلَدِهِ فُلَانٍ ثُمَّ بَعْدَهُ عَلَى أَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَعَلَى مَنْ يُحْدِثُهُ اللَّهُ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ هَلْ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ لَهُ يَرْجِعُ إلَى الْوَاقِفِ أَوْ إلَى الْوَلَدِ (فَأَجَبْت) أَنَّ الظَّاهِرَ عَوْدُهُ عَلَى الْوَلَدِ لِأَنَّهُ الْأَقْرَبُ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ فَقَالَ السَّائِلُ أَنَّ الْوَاقِفَ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ إنِّي أَوْقَفْت الدَّارَ عَلَى وَلَدِي فُلَانٍ وَعَلَى مَنْ يُحْدِثُهُ اللَّهُ لِي مِنْ الْأَوْلَادِ فَبَيَّنَ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ فَأَجَبْت بِأَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فَإِنَّ ابْنَ رُشْدٍ قَالَ فِي أَجْوِبَتِهِ يَجِبُ أَنْ يُتَّبَعَ قَوْلُ الْمُحْبِسِ فِي وُجُوهِ تَحْبِيسِهِ فَمَا كَانَ مِنْ نَصٍّ جَلِيٍّ لَوْ كَانَ حَيًّا فَقَالَ إنَّهُ أَرَادَ مَا يُخَالِفُهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ وَوَجَبَ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ وَلَا يُخَالَفُ حَدُّهُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَمَا كَانَ مِنْ كَلَامٍ مُحْتَمَلٍ لِوَجْهَيْنِ فَأَكْثَرَ حُمِلَ عَلَى أَظْهَرِ مُحْتَمَلَاتِهِ إلَّا أَنْ يُعَارِضَ أَظْهَرَهُمَا أَصْلٌ فَيُحْمَلُ عَلَى
[ ٦ / ٢٢ ]
الْأَظْهَرِ مِنْ بَاقِيهَا إذَا كَانَ الْمُحْبِسُ قَدْ مَاتَ فَفَاتَ أَنْ يَسْأَلَ عَمَّا أَرَادَ بِقَوْلِهِ مِنْ مُحْتَمَلَاتِهِ فَيُصَدَّقُ فِيهِ إذْ هُوَ أَعْرَفُ بِمَا أَرَادَ وَأَحَقُّ بِبَيَانِهِ مِنْ غَيْرِهِ انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْهُ إذَا كَانَ حَيًّا وَفَسَّرَ اللَّفْظَ بِأَحَدِ احْتِمَالَاتِهِ قُبِلَ تَفْسِيرُهُ وَلَوْ كَانَ خِلَافَ الظَّاهِرِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الصَّرِيحِ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ أَرَادَ خِلَافَ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي مَسَائِلِ الْحَبْسِ مِنْ الْبُرْزُلِيِّ إذَا قَالَ حَبْسٌ عَلَى فُلَانٍ وَكُلِّ وَلَدٍ يُحْدِثُهُ اللَّهُ لَهُ فَقَطْ فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الِابْنِ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ لِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى الْأَقْرَبِ انْتَهَى.
(فَرْعٌ) قَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ فِي بَابِ الْحَبْسِ مِنْ كِتَابِ الدَّعْوَى فَرْعٌ وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْعَصْرِ وَهُوَ بَعِيدٌ يَنْبَغِي الْوُقُوفُ عَلَيْهِ وَهُوَ إذَا قَالَ الْوَاقِفُ فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَنَصِيبُهُ لِأَهْلِ طَبَقَتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا الشَّرْطِ ذِكْرُ الْوَاقِفِ فَبَقِيَ الضَّمِيرُ دَائِرًا بَيْنَ طَبَقَةِ الْوَاقِفِ وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي تَعْيِينُ الْمَقْصُودِ فِي الْكِتَابَةِ وَإِذَا نَصَّ عَلَى طَبَقَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَيُمَيَّزُ بَيْنَ الْأَخِ وَابْنِ الْعَمِّ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ الْجَمِيعُ أَوْلَادُ عَمٍّ وَهُوَ مَعَ أَخِيهِ الْكُلُّ إخْوَةٌ فَكِلَا الْجِهَتَيْنِ طَبَقَةٌ وَاحِدَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ فَيَقُولَ مِنْ إخْوَتِهِ أَوْ يَقُولَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ فَيَتَعَيَّنَ الْأَخُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي الطَّبَقَةِ وَابْنُ الْعَمِّ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْأَخَ أَقْرَبُ فَإِنْ قَالَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ فَأَفْتَوْا بِالتَّسْوِيَةِ فِي الشَّقِيقِ وَالْأَخِ لِلْأَبِ فَإِنَّ حَجْبَ الشَّقِيقِ لَهُ لَيْسَ بِالْقُرْبِ بَلْ بِالْقُرْعَةِ فَإِنْ قَالَ طَبَقَتُهُ وَسَكَتَ فَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِالْأَخِ دُونَ ابْنِ الْعَمِّ. قَالَ لِأَنَّهُ حَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى أَتَمِّ مُرَادِهِ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ إذَا قِيلَ فِي طَبَقَتِهِ فَلَا احْتِمَالَ فِيهِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ لِمَا بَيَّنْت لَك انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فَلَا احْتِمَالَ فِيهِ أَنَّهُ إذَا قِيلَ فِي طَبَقَتِهِ فَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْإِخْوَةُ فَقَطْ دُونَ بَنِي عَمِّ الْعَمِّ مِنْ غَيْرِ احْتِمَالٍ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا قِيلَ رَجَعَ نَصِيبُهُ لِمَنْ فِي طَبَقَتِهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ إنَّمَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ إخْوَتُهُ فَقَطْ دُونَ بَنِي عَمٍّ إمَّا أَصَالَةً كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَوْ يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى أَتَمِّ مُرَادِهِ كَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ فَرْعٌ حَسَنٌ.
ص (وَذِمِّيٍّ)
ش: ابْنُ عَرَفَةَ تَبِعَ ابْنُ الْحَاجِبِ ابْنَ شَاسٍ فِي قَوْلِهِ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الذِّمِّيِّ وَقَبِلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا أَعْرِفُ فِيهَا نَصًّا لِلْمُتَقَدِّمِينَ وَالْأَظْهَرُ جَرْيُهَا عَلَى حُكْمِ الْوَصِيَّةِ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمَوَّاقُ فِي نَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ مَنْ حَبَسَ عَلَى مَسَاكِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى جَازَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾ [الإنسان: ٨] وَنَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَأَقَارِبُهُ أَقَارِبُ جِهَتَيْهِ وَإِنْ نَصَارَى.
ص (وَبَطَلَ عَلَى مَعْصِيَةٍ)
ش: وَانْظُرْ الْوَقْفَ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَإِنَّهُ يَمْضِي وَإِنْ
[ ٦ / ٢٣ ]
اُتُّفِقَ عَلَى كَرَاهَتِهِ فَلَا يُصْرَفُ فِي تِلْكَ الْجِهَةِ وَيُتَوَقَّفُ فِي بُطْلَانِهِ أَوْ صَرْفِهِ إلَى جِهَةِ قُرْبِهِ وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ فِي فَصْلِ الْأَذَانُ جَمَاعَةً بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ أَنَّ الْأَذَانَ جَمَاعَةً عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ مَكْرُوهٌ. قَالَ وَفِعْلُهُمْ ذَلِكَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ الثَّوَابِ فَالثَّوَابُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالِاتِّبَاعِ أَوْ لِأَهْلِ الْجَامِكِيَّةِ وَالْجَامَكِيَّةُ لَا تُصْرَفُ فِي بِدْعَةٍ كَمَا أَنَّهُ يُكْرَهُ الْوَقْفُ عَلَيْهَا ابْتِدَاءً انْتَهَى.
ص (وَكَافِرٍ لِكَمَسْجِدٍ) ش. قَالَ فِي الْإِكْمَالِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى بِنَاءِ مَسْجِدِهِ - ﷺ - قَالَ الْمَازِرِيُّ أَمَّا نَبْشُ الْقُبُورِ وَإِزَالَةُ الْمَوْتَى فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَعَلَّهُ أَنَّ أَصْحَابَ الْحَائِطِ لَمْ يُمَلِّكُوهُمْ تِلْكَ الْبُقْعَةَ عَلَى التَّأْبِيدِ أَوْ لَعَلَّهُ تَحْبِيسٌ وَقَعَ مِنْهُمْ فِي حَالِ الْكُفْرِ وَالْكَافِرُ لَا تَلْزَمُهُ الْقُرْبَةُ كَمَا قَالُوا إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا وَهُمَا كَافِرَانِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ فِي الرِّقِّ قَبْلَ إسْلَامِهِمَا مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَلَدِهِ وَلَمْ يُقِرَّ أَنَّ أَيْدِيَ أَصْحَابِ الْحَوَائِطِ زَالَتْ عَنْ الْقُبُورِ لِأَجْلِ مَنْ دُفِنَ فِيهَا. قَالَ عِيَاضٌ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَحْبِيسِ أَهْلِ الْكُفْرِ بَقَاءُ أَيْدِيهِمْ أَوْ زَوَالُهَا إذْ الْقُرْبَةُ لَا تَصِحُّ مِنْهُمْ وَعُقُودُهُمْ فِيهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ فَلَهُمْ عِنْدَ أَشْيَاخِنَا بِلَا خِلَافٍ الرُّجُوعُ فِي أَحْبَاسِهِمْ وَمَنْعُهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا كَيْفَ شَاءُوا وَيَفْتَرِقُ مِنْ الْعِتْقِ الَّذِي شَرَطَ فِي إمْضَائِهِ شُيُوخُنَا خُرُوجَهُ مِنْ يَدِهِ إذْ صَارَ ذَلِكَ حَقًّا لِلْمُعْتِقِ بِرَفْعِ يَدِهِ عَنْهُ وَتَسْرِيحِهِ إيَّاهُ وَتَمْلِيكِهِ نَفْسَهُ فَأَشْبَهَ عُقُودَ هِبَاتِهِمْ وَأَعْطِيَتِهِمْ اللَّازِمَةِ انْتَهَى.
ص (وَعَلَى بَنِيهِ دُونَ بَنَاتِهِ)
ش: أَمَّا إذَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ نَصِيبًا فَظَاهِرٌ وَإِذَا شَرَطَ إخْرَاجَهُنَّ إذَا تَزَوَّجْنَ فَصَرَّحَ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ إخْرَاجِ الْبَنَاتِ مِنْ الْحَبْسِ وَأَنَّهُ يَبْطُلُ وَانْظُرْ لَوْ حَبَسَ عَلَى الْبَنَاتِ دُونَ الْبَنِينَ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَيْطِيِّ أَنَّهُ صَحِيحٌ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ صِفَةَ مَا يُكْتَبُ فِي اشْتِرَاطِ الْمُحْبِسِ أَنْ يَكُونَ الْحَبْسُ لِبَنِيهِ دُونَ بَنَاتِهِ عَقَّبَهُ بِالْخِلَافِ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ صِفَةَ مَا يُكْتَبُ فِي اشْتِرَاطِ الْمُحْبِسِ أَنْ يَكُونَ الْحَبْسُ لِبَنَاتِهِ دُونَ بَنِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا فَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرُ كَلَامِ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّة وَكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ عَلَيْهَا وَنَصُّ كَلَامِ مَالِكٍ فِي آخِرِ الرَّسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ وَهِيَ آخِرُ مَسْأَلَةٍ مِنْهُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَصَدَّقَ عَلَى بَنَاتِهِ حَبْسًا فَإِذَا انْقَرَضَ بَنَاتُهُ فَهِيَ لِذُكُورِ وَلَدِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ مُبَتَّلٌ ذَلِكَ لِهَذَا فَيَكُونُ لِلْإِنَاثِ حَتَّى يَهْلِكْنَ جَمِيعُهُنَّ وَلِلرَّجُلِ يَوْمَ هَلَكْنَ كُلُّهُنَّ وَلَدٌ وَوَلَدُ وَلَدِ ذُكُورٍ فَقَالَ وَلَدُ الْوَلَدِ نَحْنُ مِنْ وَلَدِهِ نَدْخُلُ فِي صَدَقَةِ جَدِّنَا وَقَالَ وَلَدُهُ لِصُلْبِهِ نَحْنُ آثَرُ وَأَوْلَى فَقَالَ مَالِكٌ أَرَى أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُمْ وَلَدُ الْوَلَدِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ إنَّهُ يَدْخُلُ وَلَدُ الْوَلَدِ بِقَوْلِهِ فَهِيَ لِذُكُورِ وَلَدِهِ صَحِيحٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَذْهَبِ لِأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ الذَّكَرَ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ إذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ فِي الْمِيرَاثِ فَلَمَّا كَانَ لَهُ حُكْمُ الْوَلَدِ فِي الْمِيرَاثِ وَجَبَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْحَبْسِ وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ مَعَ بَنَاتِهِ لِصُلْبِهِ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى بَنَاتِهِ بِصَدَقَةٍ حَبَسَ بَنَاتِ بَنِيهِ الذُّكُورِ لِأَنَّ بِنْتَ الِابْنِ بِمَنْزِلَةِ الِابْنِ فِي الْمِيرَاثِ إذَا لَمْ يَكُنْ ابْنٌ وَلَا ابْنَةٌ فَلَا شَيْءَ لِذُكُورِ وَلَدِ الْمُحْبِسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى تَنْقَرِضَ بَنَاتُهُ وَبَنَاتُ بَنِيهِ الذُّكُورِ انْتَهَى.
فَقَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ فَلَا شَيْءَ لِذُكُورِ وَلَدِ الْمُحْبِسِ إلَى آخِرِهِ مَعَ جَوَابِ مَالِكٍ عَمَّا سُئِلَ عَنْهُ مِنْ دُخُولِ وَلَدِ الْوَلَدِ مَعَ الْأَوْلَادِ وَعَدَمِ تَعَرُّضِهِ لِلْحُكْمِ فِي تَخْصِيصِ الْبَنَاتِ دُونَ الْبَنِينَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَائِزًا لَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ عَادَ لِسُكْنَى مَنْزِلِهِ قَبْلَ عَامٍ)
[ ٦ / ٢٤ ]
ش وَأَمَّا إنْ عَادَ إلَى السُّكْنَى بَعْدَ عَامٍ فَلَا يَبْطُلُ وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ يَحُوزُ لِنَفْسِهِ وَأَمَّا مَنْ يَحُوزُ لَهُ الْوَاقِفُ فَإِنَّهُ إنْ عَادَ إلَى السُّكْنَى بَطَلَ الْحَبْسُ وَالْهِبَةُ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ وَابْنَ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ وَانْظُرْ كَلَامَ الشَّيْخِ مَرْزُوقٍ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فَإِنْ لَمْ يَدَعْ سُكْنَاهُ حَتَّى مَاتَ بَطَلَتْ.
ص (أَوْ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ لَهُ)
ش: هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى صِغَارِ وَلَدِهِ أَوْ مَنْ فِي حِجْرِهِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى حِيَازَةَ وَقْفِهِمْ وَالنَّظَرَ لَهُمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَة أَوْقَفَ وَقْفًا وَشَرَطَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ]
(مَسْأَلَةٌ) سُئِلْت عَنْ رَجُلٍ أَوْقَفَ وَقْفًا وَشَرَطَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ وَحَكَمَ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ قَاضٍ مَالِكِيٌّ فَانْتَقَلَ الْقَاضِي الْمَذْكُورُ وَالْوَاقِفُ بِالْوَفَاةِ بَعْدَ مُدَّةٍ فَدَعَتْ زَوْجَةُ الْوَاقِفِ أَوْلَادَهُ إلَى قَاضٍ مَالِكِيٍّ آخَرَ فِي مِيرَاثِهَا مِنْ الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ فَأَظْهَرُوا كِتَابَ الْوَقْفِ فَأَبْطَلَهُ وَحَكَمَ لَهَا بِإِرْثِهَا فَهَلْ يَصِحُّ نَقْضُ الثَّانِي أَمْ لَا؟ فَأَجَبْت حُكْمُ الْقَاضِي الْأَوَّلِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ إمَامِهِ وَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يُنْقِضَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْقَاضِي الْأَوَّلُ مِمَّنْ تُنَفَّذُ أَحْكَامُهُ بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالْجَوْرِ وَأَنَّهُ يَتَعَمَّدُ الْأُمُورَ الْبَاطِنَةَ أَوْ بِأَنَّهُ يَحْكُمُ بِالْجَهْلِ مِنْ غَيْرِ مُشَاوَرَةِ الْعُلَمَاءِ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَحُكْمُهُ بَاطِلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَكَذَلِكَ الثَّانِي إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْجَوْرِ أَوْ بِأَنَّهُ يَحْكُمُ بِالْجَهْلِ مِنْ غَيْرِ مُشَاوَرَةِ الْعُلَمَاءِ فَأَحْكَامُهُ أَيْضًا بَاطِلَةٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ لَمْ يَحُزْهُ كَبِيرٌ وَلَوْ سَفِيهًا)
ش: أَشَارَ بِقَوْلِهِ سَفِيهًا إلَى أَنَّ حِيَازَةَ السَّفِيهِ لِمَا أُوقِفَ عَلَيْهِ جَائِزَةٌ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ وَفِي وَثَائِقِ الْبَاجِيِّ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ حِيَازَةَ السَّفِيهِ لِمَا وَقَفَ عَلَيْهِ مَطْلُوبَةٌ ابْتِدَاءً وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْحَائِزُ لَهُ ابْتِدَاءً وَلِيُّهُ أَوْ وَصِيُّهُ أَوْ مَنْ يُقَدِّمُهُ الْقَاضِي لَهُ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا حَازَ لِنَفْسِهِ هَلْ يَصِحُّ حَوْزُهُ أَمْ لَا؟ فَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ أَنَّ حِيَازَتَهُ لِمَا وَقَفَ عَلَيْهِ جَائِزَةٌ وَاَلَّذِي فِي وَثَائِقِ الْبَاجِيِّ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَنَقَلَهُ الشَّارِحُ وَالْخِلَافُ فِي صِحَّةِ حِيَازَةِ السَّفِيهِ وَعَدَمِ صِحَّتِهَا إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ لَهُ وَلِيٌّ. قَالَ فِي الشَّامِلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ جَازَتْ حِيَازَتُهُ اتِّفَاقًا انْتَهَى.
وَقَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَأَمَّا حِيَازَةُ وَلِيِّهِ لَهُ فَجَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ بَلْ هُوَ الْمَطْلُوبُ ابْتِدَاءً وَلَا يُقَالُ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ كَبِيرًا سَفِيهًا فَلَا تَكْفِي حِيَازَةُ الْمَوْلَى لَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ حَوْزِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْحَائِزَ لَهُ ابْتِدَاءً إنَّمَا هُوَ وَلِيُّهُ وَيُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ إلَّا لِمَحْجُورِهِ.
ص (أَوْ وَلِيٌّ صَغِيرٌ)
ش: أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْحُكْمَ ابْتِدَاءٌ فِي الصَّغِيرِ أَنَّ الْحَائِزَ لَهُ وَلِيُّهُ وَلَوْ حَازَ لِنَفْسِهِ لَصَحَّ حَوْزُهُ كَالسَّفِيهِ فَحُكْمُ الصَّغِيرِ كَالسَّفِيهِ. قَالَ فِي كِتَابِ الطُّرَرِ وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى صَغِيرٍ مِنْ أَبٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ الصَّدَقَةَ إلَى ذَلِكَ الصَّغِيرِ وَحَازَهَا فِي صِحَّةِ الْمُتَصَدِّقِ بِهَا فَإِنَّهَا حِيَازَةٌ تَامَّةٌ وَإِنْ كَانَ الْحَائِزُ صَغِيرًا وَتُنَفَّذُ الصَّدَقَةُ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ ابْتِدَاءً أَنْ يَحُوزَ الصَّغِيرُ فَإِنْ وَقَعَ نَفَذَ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) حُكْمُ
[ ٦ / ٢٥ ]
الْهِبَةِ حُكْمُ الْوَقْفِ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ وَحَكَى الْقَوْلَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(الثَّانِي) قَالَ فِي الشَّامِلِ وَصَحَّ أَيْ الْحَوْزُ بِوَكَالَةٍ مِنْ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ وَإِنْ بِحُضُورِهِ وَإِنْ قَدَّمَ الْوَاقِفُ مَنْ يَحُوزُ لَهُ جَازَ وَفِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ يَجُوزُ لِلْغَائِبِ فَقَطْ.
ص (قَبْلَ فَلَسِهِ وَمَوْتِهِ وَمَرَضِهِ)
ش: دَخَلَ فِي الْمَرَضِ الْجُنُونُ. قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّة وَكَذَلِكَ إنْ فَقَدَ عَقْلَهُ قَبْلَ أَنْ تُحَازَ عَنْهُ الصَّدَقَةُ بَطَلَتْ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ عَقْلُهُ قَبْلَ أَنْ تُحَازَ الصَّدَقَةُ عَنْهُ أَوْ يَصِحَّ مِنْ مَرَضِهِ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَ فَتُنَفَّذَ الصَّدَقَةُ وَيُؤْخَذَ مِنْهُ انْتَهَى.
ص (إلَّا لِمَحْجُورِهِ)
ش: قَالَ فِي الشَّامِلِ وَفِي حَوْزِ الْحَاضِنِ ثَالِثُهَا إنْ كَانَ أُمًّا أَوْ جَدَّةً صَحَّ وَرَابِعُهَا إنْ كَانَ غَيْرَ جَدَّةٍ وَأَخٍ وَإِلَّا فَلَا وَالْمَنْصُوصُ لَيْسَ بِحَوْزٍ مُطْلَقًا فَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ الْأَبَ صَرَفَ الْغَلَّةَ فِي مَصَالِحِ نَفْسِهِ فَالْمَشْهُورُ الْبُطْلَانُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (أَوْ عَلَى وَارِثٍ بِمَرَضِ مَوْتٍ)
[ ٦ / ٢٦ ]
ش:. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَإِنْ شُرِكَ فَمَا خَصَّ الْوَارِثَ فَمِيرَاثٌ وَيَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِ الْوَارِثِ إلَى مَرْجِعِهِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ يَعْنِي فَإِنْ شَرِكَ الْمَرِيضُ الْوَارِثَ فِي الْوَقْفِ مَعَ غَيْرِهِ فَذَلِكَ لَا يُوجِبُ صِحَّةَ الْوَقْفِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا يَصِحُّ مِنْهُ مَا لِلْأَجْنَبِيِّ وَمَا خَصَّ الْوَارِثَ مِيرَاثٌ عَلَى جِهَةِ الْمِلْكِيَّةِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعَقِّبًا وَإِنْ كَانَ مُعَقِّبًا رَجَعَ النَّصِيبُ الْمَوْقُوفُ بَيْنَ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ وَلَا يَبْطُلُ الْوَقْفُ بِسَبَبِ مَا فِيهِ مِنْ التَّعْقِيبِ وَيَبْقَى بِيَدِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ عَلَى حُكْمِ الْإِرْثِ مَا دَامَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ مَوْجُودًا فَإِذَا انْقَرَضَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ رَجَعَ إلَى مَرْجِعِهِ انْتَهَى. وَانْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ وَلَدِ الْأَعْيَانِ.
ص (بِحَبَسْت وَوَقَفْت أَوْ تَصَدَّقْت إنْ قَارَنَهُ قَيْدٌ أَوْ جِهَةٌ لَا تَنْقَطِعُ أَوْ لِمَجْهُولٍ وَإِنْ حُصِرَ)
ش: هَذَا هُوَ الرُّكْنُ الرَّابِعُ وَهُوَ الصِّيغَةُ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا ثُمَّ بَيَّنَ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا بِقَوْلِهِ وَلَوْ أَذِنَ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَخُصَّ شَخْصًا وَلَا زَمَانًا فَكَالصَّرِيحِ انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ فَلَوْ أَذِنَ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا أَيْ إذْنًا مُطْلَقًا أَوْ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَخُصَّ بِهِ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا وَقَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ وَلَوْ بَنَى مَسْجِدًا وَأَذِنَ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ فَذَلِكَ كَالصَّرِيحِ لِأَنَّهُ وَقْفٌ وَإِنْ لَمْ يَخُصَّ زَمَانًا وَلَا شَخْصًا وَلَا قَيَّدَ الصَّلَاةَ فِيهِ بِفَرْضٍ وَلَا نَفْلٍ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَيُحْكَمُ بِوَقْفِيَّتِهِ انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ وَالِدُهُ فِي الْبَابِ السَّبْعِينَ مِنْ تَبْصِرَتِهِ ثُمَّ ذَكَرَ اللَّفْظَ ثُمَّ قَالَ وَلَفْظُ وَقَفْت يُفِيدُ التَّأْبِيدَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي أَنَّهَا أَصْرَحُ أَلْفَاظِ الْفَصْلِ وَلِأَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى التَّأْبِيدِ بِغَيْرِ ضَمِيمَةٍ وَعَزَاهُ فِي التَّوْضِيحِ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ. قَالَ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ وَابْنُ زَرْقُونٍ لَفْظُ الْوَقْفِ وَالْحَبْسِ سَوَاءٌ وَيَدْخُلُ فِي لَفْظِ وَقَفْت مِنْ الْخِلَافِ مَا يَدْخُلُ فِي حَبَسْت انْتَهَى.
وَهَذَا الثَّانِي
[ ٦ / ٢٧ ]
هُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ لِأَنَّهُ قَدَّمَ لَفْظَ الْحَبْسِ عَلَى لَفْظِ الْوَقْفِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ رَاجِعًا إلَى الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَحَبَسْت وَتَصَدَّقْت إنْ اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّأْبِيدِ مِنْ قَيْدٍ أَوْ جِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ تَأَبَّدَ وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَعْنِي أَنَّ لَفْظَتَيْ حَبَسْت وَتَصَدَّقْت لَا يَدُلَّانِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِمُجَرَّدِهِمَا بَلْ لَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ ضَمِيمَةِ قَيْدٍ فِي الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ حَبْسٌ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَشِبْهُ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ أَوْ الْجَمْعِ بَيْنَ اللَّفْظَتَيْنِ مَعًا كَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إذَا قَالَ حَبْسًا صَدَقَةً أَوْ ذَكَرَ لَفْظَ التَّأْبِيدِ أَوْ ضَمِيمَةَ جِهَةٍ فِي الْحَبْسِ لَا تَنْقَطِعُ وَمُرَادُهُ عَدَمُ انْحِصَارِ مَنْ يُصْرَفُ إلَيْهِ الْحَبْسُ بِأَشْخَاصٍ مُعَيَّنِينَ كَقَوْلِهِ حَبْسٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ أَوْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ فَإِنْ انْعَدَمَتْ هَذِهِ الْقُيُودُ وَالْجِهَاتُ وَشِبْهُهَا فَفِي التَّأْبِيدِ حِينَئِذٍ رِوَايَتَانِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ فِي التَّأْبِيدِ إذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الْقُيُودُ أَوْ الْجِهَاتُ وَذَلِكَ قَرِيبٌ مِمَّا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا قَالَ حَبْسٌ صَدَقَةٌ أَوْ حَبْسٌ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ إنَّ قَوْلَ مَالِكٍ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذَا أَنَّهُ صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةٌ تَرْجِعُ بِمَرَاجِعِ الْأَحْبَاسِ وَلَا تَرْجِعُ إلَى الْمُحْبِسِ مِلْكًا وَمَعَ ذَلِكَ فَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ حَكَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ مِلْكًا بَعْدَ مَوْتِ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ وَإِنْ قَالَ حَبْسٌ صَدَقَةٌ وَكَذَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ إنَّهَا تَرْجِعُ مِلْكًا إذَا حَبَسَ عَلَى مُعَيَّنِينَ وَلَوْ قَالَ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ نَعَمْ يَعِزُّ وُجُودُ الْخِلَافِ بَلْ يَنْتَفِي إذَا اقْتَرَنَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْجِهَاتِ غَيْرِ الْمَحْصُورَةِ وَالْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَى مَدْلُولِ الْعُرْفِ انْتَهَى.
وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِهِ فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ الرَّاجِحَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ وَقَفْت وَحَبَسْت يُفِيدَانِ التَّأْبِيدَ سَوَاءٌ أُطْلِقَا أَوْ قُيِّدَا بِجِهَةٍ لَا تَنْحَصِرُ أَوْ عَلَى مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إلَّا فِي الصُّورَةِ الْآتِيَةِ وَهِيَ مَا إذَا قَالَ وَقْفٌ أَوْ حَبْسٌ عَلَى فُلَانٍ الْمُعَيَّنِ حَيَاتَهُ أَوْ عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ حَيَاتَهُمْ وَقَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ حَيَاتَهُمْ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ مِلْكًا لِلْوَاقِفِ إنْ كَانَ حَيًّا أَوْ لِوَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا وَكَذَلِكَ إذَا ضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا فَقَالَ حَبْسٌ عَشْرَ سِنِينَ أَوْ خَمْسًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ وَالْمُتَيْطِيُّ. قَالَا وَلَا خِلَافَ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَيْ إذَا ضَرَبَ لِلْوَقْفِ أَجَلًا أَوْ قَيَّدَهُ بِحَيَاةِ شَخْصٍ وَأَمَّا لَفْظُ الصَّدَقَةِ فَلَا يُقَيِّدُ التَّأْبِيدَ إلَّا إذَا قَارَنَهُ قَيْدٌ كَقَوْلِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ أَوْ جِهَةٌ لَا تَنْقَطِعُ كَصَدَقَةٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَطَلَبَةِ الْعِلْمِ وَالْمُجَاهِدِينَ يَسْكُنُونَهَا أَوْ يَسْتَغِلُّونَهَا أَوْ عَلَى مَجْهُولٍ وَلَوْ كَانَ مَحْصُورًا كَعَلَى فُلَانٍ وَعَقِبِهِ وَغَيْرَ الْمَحْصُورِ كَعَلَى أَهْلِ الْمَدْرَسَةِ الْفُلَانِيَّةِ أَوْ الرِّبَاطِ الْفُلَانِيِّ فَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يُفِيدُ الْوَقْفَ فَإِنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ كَقَوْلِهِ صَدَقَةٌ عَلَى فُلَانٍ فَهِيَ لَهُ مِلْكٌ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ فَالنَّاظِرُ يَصْرِفُ ثَمَنَهَا بِاجْتِهَادِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْحُكْمِ وَلَا يَلْزَمُ التَّعْمِيمُ.
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَلِلتَّحْبِيسِ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ حَبْسٌ وَوَقْفٌ وَصَدَقَةٌ ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَإِنْ تَصَدَّقَ بِذَلِكَ عَلَى مُعَيَّنِينَ وَلَا مَحْصُورِينَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ هَذِهِ الدَّارُ صَدَقَةٌ عَلَى فُلَانٍ فَهَذَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّهَا لِفُلَانٍ مِلْكٌ يَبِيعُهَا وَيَهَبُهَا وَتُورَثُ عَنْهُ وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ وَلَا مَحْصُورِينَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ هَذِهِ الدَّارُ صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَوْ فِي السَّبِيلِ أَوْ عَلَى بَنِي زُهْرَةَ أَوْ بَنِي تَمِيمٍ فَإِنَّهَا تُبَاعُ وَيُتَصَدَّقُ عَلَى الْمَسَاكِينِ عَلَى قَدْرِ الِاجْتِهَادِ إلَّا أَنْ يَقُولَ صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ يَسْكُنُونَهَا أَوْ يَسْتَغِلُّونَهَا فَتَكُونُ حَبْسًا عَلَى الْمَسَاكِينِ لِلسُّكْنَى وَالِاغْتِلَالِ وَلَا تُبَاعُ وَإِنْ تَصَدَّقَ بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ إلَّا أَنَّهُمْ مَحْصُورُونَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ دَارِي صَدَقَةٌ عَلَى فُلَانٍ وَعَقِبِهِ هَلْ تَرْجِعُ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْعَقِبِ مَرْجِعَ الْأَحْبَاسِ عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبِسِ أَوْ تَكُونُ لِآخِرِ الْعَقِبِ مِلْكًا مُطْلَقًا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَكُونُ لِآخِرِ الْعَقِبِ مِلْكًا مُطْلَقًا وَحَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ أَنَّهَا تَرْجِعُ مَرْجِعَ الْأَحْبَاسِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَبَعْضِ رِجَالِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ إنَّ ذَلِكَ إعْمَارٌ وَتَرْجِعُ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْعَقِبِ
[ ٦ / ٢٨ ]
إلَى الْمُصَدِّقِ مِلْكًا انْتَهَى.
[فَائِدَة اخْتَلَطَ عَدَدٌ مَحْصُورٌ بِعَدَدٍ مَحْصُورٍ أَوْ بِغَيْرِ مَحْصُورٍ]
(فَائِدَةٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ قَوْلُهُمْ لَوْ اخْتَلَطَ عَدَدٌ مَحْصُورٌ بِعَدَدٍ مَحْصُورٍ أَوْ بِغَيْرِ مَحْصُورٍ هَذَا اللَّفْظُ مِمَّا يَتَكَرَّرُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَقَلَّ مَنْ يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَقَدْ نَقَلْت فِي الرَّوْضَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّيْدِ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ فِيهِ. قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ إنْ قُلْت كُلُّ عَدَدٍ فَهُوَ مَحْصُورٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ وَلَوْ أَرَادَ إنْسَانٌ حَصْرَ أَهْلِ الْبَلَدِ لَقَدَرَ عَلَيْهِ إنْ تَمَكَّنَ مِنْهُمْ فَاعْلَمْ أَنَّ تَحْرِيرَ أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَإِنَّمَا يُضْبَطُ بِالتَّقْرِيبِ فَنَقُولُ كُلُّ عَدَدٍ لَوْ اجْتَمَعَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ لَعَسَرَ عَلَى النَّاظِرِ عَدَدُهُ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ كَالْأَلْفِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَحْصُورٍ وَمَا سَهُلَ كَالْعَشَرَةِ وَالْعِشْرِينَ فَهُوَ مَحْصُورٌ وَبَيْنَ الطَّرَفَيْنِ أَوْسَاطٌ مُتَشَابِهَةٌ تَلْحَقُ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ بِالظَّنِّ وَمَا وَقَعَ الشَّكُّ فِيهِ اسْتَفْتِ فِيهِ الْقَلْبَ هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ
[فَرْعٌ أَعْطَى فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقِيلَ لَهُ هُوَ لَك فِي سَبِيلِ اللَّهِ]
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّمْهِيدِ قَالَ مَالِكٌ إذَا أَعْطَى فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقِيلَ لَهُ هُوَ لَك فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ وَإِنْ قِيلَ هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَكِبَهُ وَرَدَّهُ وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ قَالَ مَالِكٌ مَنْ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَا أَرَى لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنْ ثَمَنِهِ فِي غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ شَأْنَك بِهِ فَافْعَلْ بِهِ مَا أَرَدْت فَإِنْ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ فَأَرَاهُ مَالًا مِنْ مَالِهِ يَعْمَلُ بِهِ فِي غَزْوِهِ إذَا هُوَ بَلَغَهُ مَا يَعْمَلُ بِهِ فِي مَالِهِ. قَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْطَى ذَهَبَا أَوْ وَرِقًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِيمَنْ أُعْطِيَ مَالًا يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّهُ يُنْفِقُهُ فِي الْغَزْوِ فَإِنْ فَضَلَتْ مِنْهُ فَضْلَةٌ بَعْدَ مَا مَرَّ غَزْوُهُ لَمْ يَأْخُذْهَا لِنَفْسِهِ وَأَعْطَاهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَدَّهَا إلَى صَاحِبِهَا انْتَهَى مِنْ شَرْحِ الْحَدِيثِ السَّادِسَ عَشَرَ لِنَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ وَمَا جُعِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ الْعَلَفِ وَالطَّعَامِ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ إلَّا أَهْلُ الْحَاجَةِ وَمَا جُعِلَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْمَاءِ فَلْيَشْرَبْ مِنْهُ كُلُّ أَحَدٍ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ عُمُومُ النَّاسِ وَلَا مَهَانَةَ فِيهِ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ مَسْأَلَةٌ فَإِنْ قِيلَ مَا تَقُولُونَ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ تُوجَدُ عَلَى ظُهُورِهَا وَهَوَامِشِهَا كِتَابَةُ الْوَقْفِ هَلْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِكَوْنِهَا وَقْفًا بِذَلِكَ قِيلَ هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ فَإِنْ رَأَيْنَا كُتُبًا مَوْدُوعَةً فِي خِزَانَةٍ فِي مَدْرَسَةٍ وَعَلَيْهَا كِتَابَةُ الْوَقْفِ وَقَدْ مَضَى عَلَيْهَا مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ كَذَلِكَ وَقَدْ اشْتَهَرَتْ بِذَلِكَ لَمْ يُشَكَّ فِي كَوْنِهَا وَقْفًا وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمَدْرَسَةِ فِي الْوَقْفِيَّةِ فَإِنْ انْقَطَعَتْ كُتُبُهَا أَوْ فُقِدَتْ ثُمَّ وُجِدَتْ وَعَلَيْهَا تِلْكَ الْوَقْفِيَّةُ وَشُهْرَةُ كُتُبِ الْمَدْرَسَةِ فِي الْوَقْفِيَّةِ مَعْلُومَةٌ فَيَكْفِي فِي ذَلِكَ الِاسْتِفَاضَةُ وَيَثْبُتُ مَصْرِفُهُ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَأَمَّا إذَا رَأَيْنَا كُتُبًا لَا نَعْلَمُ مَقَرَّهَا وَلَا نَعْلَمُ مَنْ كَتَبَ عَلَيْهَا الْوَقْفِيَّةَ فَهَذِهِ يَجِبُ التَّوَقُّفُ فِي أَمْرِهَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَالُهَا وَهُوَ عَيْبٌ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي بِهِ الرَّدُّ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَنْبَغِي الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا يُوجَدُ عَلَى أَبْوَابِ الرُّبُطِ وَالْمَدَارِسِ وَالْأَحْجَارِ الْمَكْتُوبَةُ عَلَيْهَا الْوَقْفِيَّةُ وَتَخْلِيصُ شُرُوطِهَا إذَا كَانَتْ تِلْكَ الْأَحْجَارُ قَدِيمَةً وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمُتَوَلِّي لِذَلِكَ الْوَقْفِ فِي مَصْرِفِهِ إذَا لَمْ يُوجَدْ كِتَابُ الْوَقْفِ انْتَهَى مِنْ التَّبْصِرَةِ انْتَهَى كَلَامُ الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ وَقَالَهُ الْبُرْزُلِيُّ وَابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَرَجَعَ إنْ انْقَطَعَ لِأَقْرَبِ فُقَرَاءِ عَصَبَةِ الْمُحْبِسِ)
ش: فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْمُرْجِعِ أَغْنِيَاءَ فَقِيلَ يَرْجِعُ إلَى أَوْلَى
[ ٦ / ٢٩ ]
النَّاسِ بِهِمْ وَقِيلَ يَرْجِعُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ انْتَهَى. مِنْ وَثَائِقِ الْجَزِيرِيِّ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْفُقَرَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَعَلَى اثْنَيْنِ وَبَعْدَهُمَا عَلَى الْفُقَرَاءِ نَصِيبُ مَنْ مَاتَ لَهُمْ)
ش: اُنْظُرْ الْقَاضِي عَبْدَ الْوَهَّابِ وَالْفَاكِهَانِيَّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ رَجَعَ نَصِيبُهُ عَلَى مَنْ بَقِيَ اُنْظُرْ كَلَامَ ابْنِ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ وَأَظُنُّهُ فِي النَّوَادِرِ وَقَدْ نَقَلْت بَعْضَهُ فِي الْهِبَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعُمْرَى وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَسْأَلَتَانِ سُئِلْت عَنْهُمَا إحْدَاهُمَا فِي امْرَأَةٍ أَوْقَفَتْ دَارًا لَهَا عَلَى وَلَدِهَا عُمَرَ وَعَلَى ذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا وَالطَّبَقَةُ الْعُلْيَا تَحْجُبُ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى فَتُوُفِّيَتْ الْوَاقِفَةُ وَتَسَلَّمَ الْوَقْفَ وَلَدُهَا عُمَرُ الْمَذْكُورُ ثُمَّ مَاتَ عَنْ ذَكَرٍ وَثَلَاثِ بَنَاتٍ ثُمَّ تُوُفِّيَ مِنْ الْبَنَاتِ اثْنَتَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ عَنْ أَوْلَادٍ فَهَلْ لِأَوْلَادِهِمْ حِصَّةٌ مَعَ وُجُودِ خَالِهِمْ وَخَالَتِهِمْ أَمْ لَا؟
فَأَجَبْت لِأَوْلَادِ كُلِّ مَيِّتَةٍ حِصَّةُ وَالِدَتِهِمْ وَلَيْسَ لِخَالِهِمْ وَلِخَالَتِهِمْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْوَاقِفِ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا تَحْجُبُ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى حَسْبَمَا ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَثْنَاءِ شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ مِنْ أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ حَبَسَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَحَظُّهُ لِوَالِدِهِ دُونَ إخْوَتِهِ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَذَكَرَ أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي آخِرِ الرَّدِّ خَطَأٌ صُرَاحٌ وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَهُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْكَلَامِ عَلَى تَحْقِيقِ لَفْظِ الْمُحْبِسِ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَقْفِ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَسْأَلَةَ أَيْضًا فِي نَوَازِلِهِ وَنَقَلَهَا عَنْهُ الْبُرْزُلِيُّ أَيْضًا فِي مَسَائِلِ الْحَبْسِ وَهَذَا الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَعَلَى اثْنَيْنِ وَبَعْدَهُمَا عَلَى الْفُقَرَاءِ نَصِيبُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَأَفْتَى بِذَلِكَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ اللَّقَانِيُّ وَغَيْرُهُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ أَعْنِي قَوْلَهُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا تَحْجُبُ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى وَأَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّ الْفُرُوعَ لَا تَدْخُلُ مَعَ أُصُولِهِمْ وَلَا يُشَارِكُونَهُمْ وَأَنَّ الْوَلَدَ يَسْتَحِقُّ مَا كَانَ لِأَبِيهِ مُعْتَمِدِينَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ رُشْدٍ مِنْ مَسْأَلَةِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ هَذِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا إذَا قَالَ وَأَوْلَادُهُمْ فَيَدْخُلُ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ مَعَ الْأَوْلَادِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي مَسَائِلِ الْحَبْسِ مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي مَسْأَلَةِ قَطِيعٌ حُبِسَ مِنْ جَنَّةٍ وَفِي غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ٦ / ٣٠ ]
وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) شَخْصٌ أَوْقَفَ مَالَهُ الْفُلَانِيَّ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لَهُ مِنْ ظَهْرِهِ مِنْ الْأَوْلَادِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَعَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا وَتَعَاقَبُوا بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ وَعَقِبًا بَعْد عَقِبٍ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَبْنَاءُ مَعَ الْآبَاءِ عَدَا أَوْلَادِ الْبَنَاتِ مِنْ بَنِيهِ وَبَنَاتِ بَنِيهِ وَمَنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ فَلَيْسَ لَهُمْ دُخُولٌ فِي ذَلِكَ وَقْفًا صَحِيحًا عَلَى مَنْ سَيُولَدُ مِنْ ظَهْرِهِ وَعَلَى مَنْ ذَكَرَ بَعْدَهُمْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَبْنَاءُ مَعَ الْآبَاءِ فَهَلْ قَوْلُهُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ يَمْنَعُ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى مِنْ الدُّخُولِ مَعَ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْتُمْ يَمْنَعُ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ يَدْخُلُ الْأَبْنَاءُ مَعَ الْآبَاءِ؟ .
وَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَمْنَعُ فَهَلْ يُقَيَّدُ دُخُولُ الْأَبْنَاءِ بِوُجُودِ الْآبَاءِ بِحَيْثُ إنَّ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ لَا يَدْخُلُ لِأَنَّ دُخُولَهُ كَانَ مُقَيَّدًا بِوُجُودِ أَبِيهِ؟ فَأَجَبْت لَا أَعْلَمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِخُصُوصِهَا مَنْصُوصَةً أَعْنِي إذَا قَالَ الْوَاقِفُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ ثُمَّ قَالَ وَيَدْخُلُ الْأَبْنَاءُ مَعَ الْآبَاءِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِ الْأَبْنَاءِ مَعَ الْآبَاءِ وَكَلَامُ الْوَاقِفِ يَدُلُّ عَلَى دُخُولِهِمْ مَعَ آبَائِهِمْ فِي مَوْضِعَيْنِ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَنَّهُ عَطَفَ الْأَبْنَاءَ عَلَى الْآبَاءِ بِالْوَاوِ وَهِيَ مُقْتَضِيَةٌ لِدُخُولِهِمْ مَعَهُمْ كَمَا جَزَمَ بِذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا (وَالثَّانِي) وَهُوَ أَقْوَاهُمَا تَصْرِيحُهُمْ بِدُخُولِهِمْ مَعَ الْآبَاءِ مَرَّتَيْنِ وَأَمَّا قَوْلُهُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ وَعَقِبًا بَعْدَ عَقِبٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ التَّنْصِيصَ عَلَى تَأْكِيدِ اسْتِمْرَارِ الْوَقْفِ وَتَأْبِيدِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَلَى جَمِيعِ الْبُطُونِ وَالْأَعْقَابِ وَإِذَا ظَهَرَ دُخُولُهُمْ فِي الْوَقْفِ مَعَ آبَائِهِمْ فَدُخُولُ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ فِي الْوَقْفِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ أَحْرَى وَأَوْلَى وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْوَاقِفِ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَبْنَاءُ مَعَ الْآبَاءِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ؛ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِنْ الْمَنْطُوقِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِفَحْوَى الْخِطَابِ لِأَنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّاسَ يَقْصِدُونَ أَنْ يَكُونَ مَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَوْلَادِهِمْ لِأَوْلَادِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِذَا صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِدُخُولِهِمْ مَعَ أَبِيهِمْ فِي حَيَاتِهِ فَدُخُولُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى وَأَيْضًا فَقَدْ صَرَّحَ عُلَمَاؤُنَا فِيمَا إذَا وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ بِأَنَّ الْأَبْنَاءَ لَا يَدْخُلُونَ مَعَ آبَائِهِمْ.
قَالُوا: فَإِذَا مَاتَ وَلَدٌ مِنْ أَوْلَادِهِ وَلَهُ أَوْلَادٌ فَإِنَّ أَوْلَادَهُ يَسْتَحِقُّونَ مَا كَانَ لِأَبِيهِمْ وَيَدْخُلُونَ فِي الْوَقْفِ مَعَ وُجُودِ أَعْمَامِهِمْ وَلَا يُقَالُ إنَّ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ لَا يَدْخُلُونَ فِي الْوَقْفِ إلَّا بَعْدَ انْقِرَاضِ جَمِيعِ الْأَوْلَادِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْمُولُ بِهِ وَأَفْتَى شُيُوخُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ الَّذِينَ أَدْرَكْنَاهُمْ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّ قَوْلَ الْوَاقِفِ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا تَحْجُبُ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى إنَّمَا يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِ الْوَلَدِ مَعَ أَبِيهِ لَا مِنْ دُخُولِهِ مَعَ أَعْمَامِهِ وَمَنْ فِي طَبَقَةِ أَبِيهِ فَإِذَا صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِدُخُولِ الْأَوْلَادِ مَعَ آبَائِهِمْ فَلَا يُشَكُّ فِي دُخُولِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَسْأَلَةٌ رَاسَلَنِي بِهَا شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْغَفَّارِ مِنْ الْمَدِينَةِ وَنَصُّهُ وَقَعَتْ لَنَا مَسْأَلَةٌ بِالْمَدِينَةِ وَهِيَ شَخْصٌ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِهِمْ وَشَرَطَ أَنَّ الطَّبَقَةَ الْعُلْيَا تَحْجُبُ الطَّبَقَةَ السُّفْلَى ثُمَّ قَالَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ هُوَ فِي طَبَقَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ فَمَاتَ شَخْصٌ مِنْ طَبَقَتِهِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَثَمَّ شَخْصٌ فِي طَبَقَتِهِ إلَّا أَنَّ أَبَا هَذَا الشَّخْصِ مَوْجُودٌ وَهُوَ مَحْجُوبٌ بِهِ لَيْسَ لَهُ فِي الْوَقْفِ اسْتِحْقَاقٌ فَهَلْ يَكُونُ نَصِيبُ هَذَا الْمَيِّتِ لِهَذَا الْمَحْجُوبِ بِأَبِيهِ عَمَلًا بِقَوْلِ الْوَاقِفِ لِمَنْ هُوَ فِي طَبَقَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الطَّبَقَةِ وَمِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّهُ مِنْ أَوْلَادِ الْوَاقِفِ.
وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُ الْوَاقِفِ تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّبَقَةِ يَحْجُبُ فُرُوعَهُ لَا فُرُوعَ غَيْرِهِ أَوْ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ الْآنَ إلَّا بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ الْوَاقِفِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ إنَّمَا هُوَ مَنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا بِالْفِعْلِ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي ظَهَرَ لِي وَلَمْ أَجْزِمْ فِي الْمَسْأَلَةِ بِشَيْءٍ فَاكْتُبْ لِي مَا عِنْدَك فِيهَا نَقْلًا أَوْ بَحْثًا انْتَهَى كَلَامُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَفِي كَقَنْطَرَةٍ
[ ٦ / ٣١ ]
لَمْ يُرْجَ عَوْدُهَا فِي مِثْلِهَا)
ش: قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي أَوَائِلِ مَسَائِلِ الْحَبْسِ وَإِنْ جَعَلَهُ عَلَى وَجْهٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ كَقَوْلِهِ حَبْسٌ فِي السَّبِيلِ أَوْ فِي وَقَيْدِ مَسْجِدٍ أَوْ إصْلَاحِ قَنْطَرَةٍ كَذَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُبْهَمِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ وَيُوقَفُ عَلَى التَّأْبِيدِ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ الْوَجْهُ لِخَلَاءِ الْبَلَدِ أَوْ فَسَادِ مَوْضِعِ الْقَنْطَرَةِ حَتَّى لَا يُمْكِنَ بِنَاؤُهَا وُقِفَ إنْ طَمِعَ بِصَرْفِهِ إلَيْهِ أَوْ صَرْفِهِ فِي مِثْلِهِ (قُلْت) وَقَعَتْ بِتُونُسَ حَبَسَ الْأَمِيرُ أَبُو الْحَسَنِ كُتُبًا لِمَدْرَسَةٍ ابْتَدَأَهَا بِالْقَيْرَوَانِ وَأُخْرَى بِتُونُسَ وَجَعَلَ مَقَرَّهَا بَيْتًا بِجَامِعِ الزَّيْتُونَةِ فَلَمَّا أَيِسَ مِنْ تَمَامِهَا قُسِمَتْ الْكُتُبُ عَلَى مَدَارِسِ تُونُسَ انْتَهَى.
ص (وَلَا يُشْتَرَطُ التَّنْجِيزُ)
ش: وَيَصِيرُ كَالْمُعْتَقِ إلَى أَجَلٍ لِأَنَّ الْمُعْتَقَ إلَى أَجَلٍ لَا يَضُرُّهُ اسْتِحْدَاثُ سَيِّدِهِ دَيْنًا قَبْلَ الْأَجَلِ وَذَلِكَ يَضُرُّ عِنْدَ التَّحْبِيسِ
[ ٦ / ٣٢ ]
قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ظَاهِرٌ إنْ لَمْ يَحُزْ عَنْهُ وَإِنْ حِيزَ عَنْهُ فَإِنَّ لَهُ مَنْفَعَتَهُ فِي الْأَجَلِ لِغَيْرِهِ لَمْ يَضُرَّهُ حُدُوثُ الدَّيْنِ وَإِنْ أَبْقَاهَا لِنَفْسِهِ بَطَلَ بِحُدُوثِ الدَّيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي لَغْوِ حَوْزِ الْمُسْتَأْجَرِ لِغَيْرِهِ وَعَلَى إعْمَالِهِ لَا يَبْطُلُ بِهِ انْتَهَى.
ص (وَاتَّبَعَ شَرْطَهُ إنْ جَازَ لِتَخْصِيصِ مَذْهَبٍ) ش مَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ جَازَ أَنَّهُ إنْ شَرَطَ مَا لَا يَجُوزُ لَا يُتَّبَعُ وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا شَرَطَ شَيْئًا مُتَّفَقًا عَلَى مَنْعِهِ وَإِلَّا فَقَدْ نَصَّ فِي النَّوَادِرِ وَالْمُتَيْطِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ إذَا شَرَطَ فِي وَقْفِهِ إنْ وَجَدَ فِيهِ ثَمَنَ رَغْبَةِ بَيْعٍ وَاشْتَرَى غَيْرَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ مَضَى وَعَمِلَ بِشَرْطِهِ. قَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي تَرْجَمَةِ الرُّجُوعُ فِي الْحَبْسِ وَهَلْ يُبَاعُ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا أَرَى أَنْ يَسْتَثْنِيَ فِي الدَّارِ أَنْ يَقُولَ إذَا وَجَدَ فِي الدَّارِ ثَمَنًا رَغِيبًا فَلْتُبَعْ وَيَشْتَرِ بِثَمَنِهَا دَارًا وَكَذَلِكَ الْأُصُولُ فَإِنْ اسْتَثْنَاهُ فِي حَبْسِهِ جَازَ وَمَضَى انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ فِي تَرْجَمَةِ مَا جَاءَ فِي مَرَاجِعِ الْأَحْبَاسِ: قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ فِي الْوَاضِحَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ الْحَبْسِ فِي الرِّبَاعِ إنْ وَجَدَ ثَمَنًا رَغِيبًا فَقَدْ أَذِنَتْ فِي بَيْعِ ذَلِكَ وَأَنْ يُبْتَاعَ بِثَمَنِ ذَلِكَ رَبْعًا مِثْلَهُ لِأَنَّ هَذَا لَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى بَيْعِ ذَلِكَ وَالْعُذْرُ فِي تَغْيِيرِهِ مَا وَقَعَ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَإِنْ اسْتَثْنَاهُ مُسْتَثْنٍ جَازَ وَمَضَى انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ أَيْضًا وَمِنْ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ إخْرَاجِ الْبَنَاتِ مِنْ الْوَقْفِ إذَا تَزَوَّجْنَ وَحَصَّلَ ابْنُ رُشْدٍ فِيهَا بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ وَلْنَذْكُرْ كَلَامَ الْعُتْبِيَّة وَكَلَامَهُ بِرُمَّتِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَوَائِدِ: قَالَ فِي الْعُتْبِيَّة فِي أَثْنَاءِ الرَّسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ: قَالَ مَالِكٌ مَنْ حَبَسَ حَبْسًا عَلَى ذُكُورِ وَلَدِهِ وَأَخْرَجَ الْبَنَاتِ مِنْهُ إذَا تَزَوَّجْنَ فَإِنِّي لَا أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَقُلْت لِمَالِكٍ أَتَرَى أَنْ يَبْطُلَ ذَلِكَ وَيُسَجَّلُ الْحَبْسُ؟ قَالَ نَعَمْ وَذَلِكَ وَجْهُ الشَّأْنِ فِيهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَكِنْ إذَا فَاتَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى مَا حَبَسَ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الْمُحْبِسُ حَيًّا وَلَمْ يَحُزْ الْحَبْسَ فَأَرَى أَنْ يَفْسَخَهُ وَيُدْخِلَ فِيهِ الْإِنَاثَ وَإِنْ كَانَ قَدْ حِيزَ أَوْ مَاتَ فَهُوَ كَفَوْتٍ وَيَكُونُ عَلَى مَا جَعَلَهُ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا أَنَّ الْحَبْسَ لَا يَجُوزُ وَيَبْطُلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ خِلَافَ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَنَّهُ يَمْضِي إذَا فَاتَ وَلَا
[ ٦ / ٣٣ ]
يُنْقَضُ وَفَوْتُ الْحَبْسِ عِنْدِي أَنْ يُحَازَ عَنْ الْمُحْبِسِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَوْ يَمُوتَ يُرِيدُ أَوْ يَمُوتَ بَعْدَ أَنْ حِيزَ عَنْهُ وَرَأَى أَنَّ الْحَبْسَ إذَا لَمْ يُحَزْ عَنْ الْمُحْبِسِ عَنْهُ أَنْ يَبْطُلَ الْحَبْسُ وَيَدْخُلَ الْإِنَاثُ فِيهِ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِمْ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ وَالْأَحْبَاسَ لَا تَلْزَمُ وَلَا يَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا حَتَّى تُقْبَضَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ مِنْ الْعَمَلِ فَعَلَى قَوْلِهِ هَذَا لَا يُفْسَخُ الْحَبْسُ إلَّا أَنْ يَرْضَى الْمُحْبَسُ عَلَيْهِمْ بِفَسْخِهِ وَهُمْ كِبَارٌ وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فَقَالَ إنَّمَا يُفْعَلُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ مِنْ فَسْخِ الْحَبْسِ وَأَنْ يَجْعَلَهُ مُسَجَّلًا إنَّمَا ذَلِكَ مَا لَمْ يَأْبَهُ مَنْ حُبِسَ عَلَيْهِمْ فَإِنْ أَبَوْا لَمْ يَجُزْ لَهُ فَسْخُهُ وَيُقِرُّ عَلَى مَا حَبَسَ وَإِنْ كَانَ حَيًّا إلَّا أَنْ يَرْضَوْا لَهُ بِرَدِّهِ وَهُمْ كِبَارٌ.
قَالَ مَالِكٌ إنْ لَمْ يُخَاصِمْ فَلْيَرُدَّ الْحَبْسَ حَتَّى يَجْعَلَهُ عَلَى صَوَابٍ. ظَاهِرُهُ إنْ كَانَ لَمْ يَحُزْ عَنْهُ وَهُوَ عَلَى قِيَاسِ الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ مَكْرُوهٌ مِنْ الْفِعْلِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ خُوصِمَ فَلْيُقِرَّهُ عَلَى حَالِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِهِ إنْ كَانَ قَدْ حِيزَ عَنْهُ وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ التَّأْوِيلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ أَنَّهُ فَرَّقَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي فَسْخِ الْحَبْسِ بِأَنْ يُحَازَى عَنْهُ أَوْ لَا يُحَازَ وَقَدْ تَأَوَّلَ عَلَى مَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْحَبْسَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يُحَزْ عَنْهُ إلَّا بِإِذْنِ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ وَرِضَاهُمْ وَقَدْ تَأَوَّلَ أَيْضًا أَنَّ لَهُ أَنْ يَفْسَخَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ حِيزَ عَنْهُ وَإِنْ أَبَى الْمُحْبَسُ عَلَيْهِمْ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ لَا يَرَى إعْمَالَ الْحَبْسِ جُمْلَةً وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ شَكٍّ بَعْدَ هَذَا مِنْ هَذَا السَّمَاعِ وَفِي رَسْمِ نَذْرٍ وَتَأَوَّلَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْحَبْسَ يُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ مَاتَ الْمُحْبَسُ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ حِيزَ عَنْهُ الْحَبْسُ فَيَتَحَصَّلُ عَلَى هَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا أَنَّ الْحَبْسَ يُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ مَاتَ الْمُحْبِسُ بَعْدَ أَنْ حِيزَ عَنْهُ الْحَبْسُ وَيَرْجِعَ لِمِلْكِهِ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُحْبِسَ يَفْسَخُهُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْبَنَاتُ وَإِنْ حِيزَ عَنْهُ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَفْسَخُهُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْبَنَاتُ مَا لَمْ يُحَزْ عَنْهُ فَإِنْ حِيزَ عَنْهُ لَمْ يَفْعَلْ إلَّا بِرِضَا الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ وَالرَّابِعُ أَنَّهُ لَا يَفْسَخُهُ.
وَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِنَاثُ وَإِنْ لَمْ يُحَزْ عَنْهُ إلَّا بِرِضَا الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ انْتَهَى.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ وَإِخْرَاجُ الْبَنَاتِ مِنْ الْحَبْسِ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَكْرَهُ ذَلِكَ وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّة إنْ أَخْرَجَ الْبَنَاتِ إنْ تَزَوَّجْنَ فَالْحَبْسُ بَاطِلٌ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الْمُحْبِسُ حَيًّا فَأَرَى أَنْ يَفْسَخَهُ وَيُدْخِلَ فِيهِ الْبَنَاتِ وَإِنْ حِيزَ أَوْ مَاتَ فَاتَ وَكَانَ عَلَى مَا حَبَسَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ أَيْضًا إنْ كَانَ الْمُحْبِسُ حَيًّا فَلْيَفْسَخْهُ وَيَجْعَلُهُ مُسَجَّلًا وَإِنْ مَاتَ لَمْ يُفْسَخْ فَجَعَلَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بَعْدَ الْحَوْزِ وَيَجْعَلَهُ مُسَجَّلًا مَا لَمْ يَمُتْ وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ مَنْ أَخْرَجَ الْبَنَاتِ أَبْطَلَ وَقْفَهُ وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّة فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يُكْرَهُ فَإِنْ نَزَلَ مَضَى وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يَبْطُلُ إنْ لَمْ يُشْرِكْهُمْ فِيهِ وَعَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُفْسَخُ مَا لَمْ يَحُزْهُ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يُفْسَخُ وَإِنْ حِيزَ مَا لَمْ يَفُتْ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَهُمَا بِرُمَّتِهِ وَقَالَ إثْرَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ قُلْت فِي قَوْلِهِ هُوَ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ إنَّهُ مَكْرُوهٌ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ إذَا وَقَعَ أُمْضِيَ وَلَمْ يُفْسَخْ وَذَكَرَ الْأَرْبَعَةَ ابْنُ زَرْقُونٍ وَقَالَ: الْأَوَّلَانِ تَأَوَّلَا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالثَّالِثُ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِهِ وَالرَّابِعُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَقَالَ الْبَاجِيُّ قَبْلَ ذِكْرِهَا ابْنُ زَرْقُونٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ فَاتَ ذَلِكَ مَضَى عَلَى شَرْطِهِ وَإِنْ كَانَ حَيًّا وَلَمْ يُحَزْ عَنْهُ فَأَرَى أَنْ يَرُدَّهُ وَيَدْخُلَ فِيهِ الْبَنَاتُ وَنَحْوُهُ لِعِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَنْكَرَهُ سَحْنُونٌ.
(قُلْت) اُنْظُرْ هَلْ هَذَا زَائِدٌ عَلَى الْأَرْبَعَةِ أَوْ هُوَ تَقْيِيدٌ لِمَا سِوَى الْأَوَّلِ مِنْهَا وَإِنَّ الثَّلَاثَةَ إنَّمَا هِيَ مَا لَمْ يَمُتْ فَإِنْ مَاتَ مَضَى وَهُوَ أَبْيَنُ ثُمَّ قَالَ فَفِي الْحَبْسِ عَلَى الْبَنِينَ دُونَ الْبَنَاتِ مُطْلَقًا أَوْ إنْ تَزَوَّجْنَ أَرْبَعَةٌ ابْنُ رُشْدٍ وَخَامِسُهَا جَوَازُهُ وَسَادِسُهَا كَرَاهَتُهُ وَسَابِعُهَا فَوْتُهُ بِحَوْزِهِ وَإِلَّا فَسَخَهُ
[ ٦ / ٣٤ ]
وَدَخَلَ فِيهِ الْبَنَاتُ لِلْوَقَارِ وَرِوَايَةُ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَاللَّخْمِيِّ عَنْ أَوَّلِ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى.
فَعَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّ إخْرَاجَهُنَّ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجْنَ أَوْ قَبْلُ يَتَحَصَّلُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْحَبْسَ يُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ حِيزَ عَنْهُ أَوْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ حِيزَ عَنْهُ وَيَرْجِعُ لِمِلْكِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّة. الثَّانِي أَنَّهُ يُفْسَخُ وَيَرْجِعُ لِمَالِكِهِ مَا لَمْ يُحَزْ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْهُ. الثَّالِثُ أَنَّهُ يُفْسَخُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْبَنَاتُ وَإِنْ حِيزَ عَنْهُ وَهُوَ مُتَأَوَّلٌ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّة. الرَّابِعُ أَنَّهُ يُفْسَخُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْبَنَاتُ مَا لَمْ يُحَزْ عَنْهُ لَمْ يَدْخُلْنَ إلَّا بِرِضَا الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا السَّمَاعِ. وَالْخَامِسُ أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِنَاثُ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ عَنْهُ إلَّا بِرِضَا الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَصُّهُ وَإِنْ حَبَسَ دَارًا وَشَرَطَ عَلَى الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ أَنْ يَرُمَّهَا إنْ احْتَاجَتْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَذَلِكَ كِرَاءٌ وَلَيْسَ بِحَبْسٍ فَإِذَا نَزَلَ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَرَمَّتُهَا مِنْ غَلَّتِهَا فَأَجَازَ الْحَبْسَ وَأَسْقَطَ الشَّرْطَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُرَدُّ الْحَبْسُ مَا لَمْ يُقْبَضْ انْتَهَى. وَذَكَرَ مَسَائِلَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِيمَا لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً وَاخْتُلِفَ فِيهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَالنُّزُولِ فَرَاجِعْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ وَسُئِلَ عَمَّنْ حَبَسَ حَبْسًا وَشَرَطَ فِي حَبْسِهِ أَنَّهُ إنْ تَمَادَى بِهِ الْعُمْرُ وَاحْتَاجَ رَجَعَ فِي حَبْسِهِ وَبَاعَهُ وَأَنْفَقَهُ عَلَى نَفْسِهِ هَلْ يَنْفُذُ الْحَبْسُ وَيَجُوزُ الشَّرْطُ أَوْ يَنْفُذُ الشَّرْطُ وَيَبْطُلُ الْحَبْسُ فَأَجَابَ بِأَنْ قَالَ الشَّرْطُ الَّذِي ذَكَرْت إنْ كَانَ فِي التَّحْبِيسِ يُوجِبُ صَرْفَ الْحَبْسِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُحْبِسِ إلَى مَعْنَى الْوَصِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فَإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ نَفَذَ الْحَبْسُ مِنْ ثُلُثِهِ إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ فَاحْمِلْ مِنْهُ الثُّلُثَ.
[فَرَعٌ الرَّجُلِ يَحْبِسُ الْحَائِطَ صَدَقَةً عَلَى الْمَسَاكِينِ]
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الثَّالِثِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَحْبِسُ الْحَائِطَ صَدَقَةً عَلَى الْمَسَاكِينِ أَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ تَمْرًا أَمْ يُبَاعُ ثُمَّ يُقَسَّمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ وَذَلِكَ إلَى مَا قَالَ فِيهِ الْمُتَصَدِّقُ أَوْ إلَى رَأْيِ الَّذِي يَلِي ذَلِكَ وَاجْتِهَادِهِ إنْ كَانَ الْمُتَصَدِّقُ لَمْ يَقُلْ فِي ذَلِكَ شَيْئًا إنْ رَأَى خَيْرًا أَنْ يَبِيعَ وَيُقَسِّمَ ثَمَنَهُ وَإِنْ رَأَى خَيْرًا أَنْ يُقَسِّمَ ثَمَرَهُ قَسَّمَهُ ثَمَرًا فَذَلِكَ يَخْتَلِفُ فَرُبَّمَا كَانَ الْحَائِطُ نَائِيًا بِالْمَدِينَةِ فَإِنْ حُمِلَ أَضَرَّ ذَلِكَ بِالْمَسَاكِينِ حَمْلُهُ وَرُبَّمَا كَانَ فِي النَّاسِ الْحَاجَةُ إلَى الطَّعَامِ فَيَكُونُ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ الثَّمَنِ فَيُقَسَّمُ إذَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ أَفْضَلُ وَخَيْرٌ وَهَذِهِ صَدَقَاتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - مِنْهَا مَا يُبَاعُ فَيُقَسَّمُ ثَمَنُهُ وَمِنْهَا مَا يُقَسَّمُ ثَمَرًا ابْنُ رُشْدٍ هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَهُ أَنَّ ذَلِكَ يُصْرَفُ إلَى اجْتِهَادِ النَّاظِرِ فِي ذَلِكَ إنْ لَمْ يَقُلْ الْمُتَصَدِّقُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا وَإِنْ قَالَ شَيْئًا أَوْ حَدَّ فِيهِ حَدًّا وَجَبَ أَنْ يُتَّبَعَ قَوْلُهُ فِي صَدَقَتِهِ وَلَا يُخَالَفَ فِيمَا حَدَّهُ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي مُقْنِعِهِ وَلَفْظُهُ وَفِي الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مَنْ حَبَسَ حَائِطًا عَلَى الْمَسَاكِينِ إنْ لَمْ يَنُصَّ الْمَيِّتُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا فَلِمُتَوَلِّي النَّظَرِ فِيهِ الِاجْتِهَادُ إنْ رَأَى بَيْعَ الثَّمَرَةِ وَقَسْمَ ذَلِكَ ثَمَنًا فَعَلَ وَإِنْ رَأَى خَيْرًا لِلْمَسَاكِينِ قِسْمَتَهُ ثَمَرًا فَعَلَ فَرُبَّ حَائِطٍ يَبْعُدُ عَنْ الْمَدِينَةِ فَيَضُرُّ بِهِمْ حَمْلُهُ وَرُبَّمَا كَانَتْ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَى الطَّعَامِ فَيَكُونُ قِسْمَتُهُ ثَمَرًا خَيْرًا لَهُمْ وَهَذِهِ صَدَقَاتُ عُمَرَ تُبَاعُ ثَمَرَتُهُ وَيُقَسَّمُ ثَمَنُهَا فَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى النَّظَرِ لِلْمَسَاكِينِ انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ الْأَبْهَرِيِّ عَنْ مَالِكٍ
[فَرْعٌ أَوْقَفَ وَقْفًا عَلَى مَنَافِعِ الْجَامِعِ]
(الثَّانِي) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ مَنْ أَوْقَفَ وَقْفًا عَلَى مَنَافِعِ الْجَامِعِ صُرِفَ فِي الْعِمَارَةِ وَالْحُصُرِ وَالزَّيْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يُعْطَى مِنْهُ الْإِمَامُ وَالْمُؤَذِّنُ ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَفِيدُ فِي مُخْتَصَرِهِ الصَّغِيرِ وَكُلُّ جَامِعٍ مَسْجِدٌ وَلَا يَنْعَكِسُ انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ مَنْ أَوْقَفَ عَلَى مَنَافِعِ مَسْجِدٍ وَقْفًا صُرِفَ فِي مَنَافِعِهِ مِنْ بِنَاءٍ وَحُصُرٍ وَبِنَاءِ مَا رَثَّ مِنْ الْجُدْرَانِ إنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ فَإِنْ صُرِفَ لِلْإِمَامِ شَيْءٌ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ فَلَا يُرْجَعُ بِهِ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ دَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ لِأَنَّ الْمُحْبِسَ لَمَّا لَمْ يَنُصَّ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي التَّحْبِيسِ
[ ٦ / ٣٥ ]
وَلَا عَلَى أَنَّهُ خَارِجٌ حَكَمْنَا بِظَاهِرِ اللَّفْظِ فَلَمْ يَدْخُلْ إلَّا بِيَقِينٍ وَإِذَا قَبَضَ شَيْئًا لَمْ يَغْرَمْهُ إيَّاهُ إلَّا بِيَقِينٍ وَلَا يَقِينَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُحْبِسُ قَدْ أَرَادَ بِحَبْسِهِ خِلَافَ ظَاهِرِ لَفْظِهِ وَلَعَلَّ إيهَامَ ذَلِكَ تَقْصِيرٌ مِنْ الْكَاتِبِ.
[فَرْعٌ حَبَسَ كُتُبًا وَشَرَطَ فِي تَحْبِيسِهِ أَنَّهُ لَا يُعْطَى إلَّا كِتَابٌ بَعْدَ كِتَابٍ]
(الثَّالِثُ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْحَبْسِ سُئِلَ الْقَابِسِيُّ عَمَّنْ حَبَسَ كُتُبًا وَشَرَطَ فِي تَحْبِيسِهِ أَنَّهُ لَا يُعْطَى إلَّا كِتَابٌ بَعْدَ كِتَابٍ فَإِذَا احْتَاجَ الطَّالِبُ إلَى كِتَابَيْنِ أَوْ تَكُونُ كُتُبًا شَتَّى فَهَلْ يُعْطِي كِتَابَيْنِ مِنْهَا أَمْ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا إلَّا كِتَابًا بَعْدَ كِتَابٍ؟ فَأَجَابَ إنْ كَانَ الطَّالِبُ مَأْمُونًا وَاحْتَاجَ إلَى أَكْثَرَ مِنْ كِتَابٍ أَخَذَهُ لِأَنَّ غَرَضَ الْمُحْبِسِ أَنْ لَا يَضِيعَ فَإِذَا كَانَ الطَّالِبُ مَأْمُونًا أُمِنَ هَذَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ فَلَا يُدْفَعُ إلَيْهِ إلَّا كِتَابٌ وَاحِدٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ خَشْيَةَ الْوُقُوعِ فِي ضَيَاعِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ (قُلْت) تَقَدَّمَ بَعْضُ أَحْكَامِ شُرُوطِ الْحَبْسِ مِنْ كَلَامِ أَبِي عِمْرَانَ وَغَيْرِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى مَا شَرَطَهُ لِقَوْلِهِ - ﵇ - «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» .
وَظَاهِرُ مَا فِي هَذَا السُّؤَالِ أَنَّهُ يُرَاعَى قَصْدُ الْمُحْبِسِ لَا لَفْظُهُ وَمِنْهُ مَا جَرَى بِهِ الْعُرْفُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُحْبَسَةِ يُشْتَرَطُ عَدَمُ خُرُوجِهَا مِنْ الْمَدْرَسَةِ وَجَرَتْ الْعَادَةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ بِخُرُوجِهَا بِحَضْرَةِ الْمُدَرِّسِينَ وَرِضَاهُمْ وَرُبَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَلِغَيْرِهِمْ وَهُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ هَذَا الشَّيْخُ لَا لَفْظُهُ وَمِثْلُهُ مَا فَعَلْته أَنَا فِي مَدْرَسَةِ الشَّيْخِ الَّتِي بِالْقَنْطَرَةِ غَيَّرْت بَعْضَ أَمَاكِنِهَا مِثْلَ الْمِيضَأَةِ وَرَدَدْتهَا بَيْتًا وَنَقَلْتهَا إلَى مَحَلِّ الْبِئْرِ لِانْقِطَاعِ السَّاقِيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَأْتِيهَا وَرَدَدْت الْعُلُوَّ الْمُحْبَسَ عَلَى عَقِبِهِ الْمَذْكُورِ بُيُوتًا لِسُكْنَى الطَّلَبَةِ بَعْدَ إعْطَاءِ عُلُوٍّ مِنْ الْمُحْبَسِ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الْمَنْفَعَةِ بِمُوجَبِ مَذْكُورٍ فِي مَحَلِّهِ وَكَزِيَادَةٍ فِي رَوَاتِبِ طَلَبَةٍ لَمَّا أَنْ كَثُرُوا وَيَدْخُلُ شَيْءٌ مِنْ خَرَاجِهَا بِحَيْثُ لَوْ كَانَ الْمُحْبِسُ حَاضِرًا لَارْتَضَاهُ وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِرِضَا النَّاظِرِ فِي الْحَبْسِ النَّظَرَ التَّامَّ كَيْفَ ظَهَرَ لَهُ الصَّوَابُ يُعْطِي حَسْبَمَا ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ التَّحْبِيسِ، وَعَلَى مُرَاعَاةِ لَفْظِ الْمُحْبِسِ فِي شَرْطِهِ أَفْتَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيمَنْ بَنَى مَدْرَسَةً وَجَعَلَ فِيهَا بُيُوتًا لِلسُّكْنَى وَشَرَطَ فِي أَصْلِ تَحْبِيسِهَا أَنْ لَا يَسْكُنَهَا إلَّا مَنْ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي مَسْجِدِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ إمَامًا فِي غَيْرِهَا وَأَنْ يُحَضِّرَ الْحِزْبَ الْمُرَتَّبَ فِيهَا لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إنْ كَانَ قَارِئًا وَيُحَضِّرَ الْمِيعَادَ فِي وَقْتِهِ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ سُكْنَى فَأَجَابَ بِأَنَّ الشُّرُوطَ الْمَذْكُورَةَ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا وَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى الدُّخُولُ لِلْمَدَارِسِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ بِهَا وَالْوُضُوءِ وَالشُّرْبِ مِنْ مَائِهَا وَهُوَ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا أُعِدَّتْ الْمِيضَأَةُ وَالشُّرْبُ إلَّا لِأَهْلِهَا فَسَأَلْت شَيْخَنَا الْإِمَامَ عَنْهَا فَأَجَابَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ أَهْلِهَا سَاغَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَبْسَ لِأَهْلِ ذَلِكَ الصِّنْفِ وَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَمَتَى وُجِدَ ذَلِكَ الصِّنْفُ جَرَى حُكْمُهُ عَلَى مَا صَحَّ لِأَهْلِهَا فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ صِنْفِ أَهْلِ ذَلِكَ الْحَبْسِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ وَكَذَلِكَ عَارِيَّةُ بَيْتٍ لِلسُّكْنَى مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْحَبْسِ فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَعِيرُ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْحَبْسِ جَازَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لِوَجْهَيْنِ لِفِقْدَانِ شَرْطِ التَّحْبِيسِ عَادَةً وَالتَّصَرُّفُ فِي الْمَنْفَعَةِ بِالْهِبَةِ وَهُوَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي نَفْسِهِ فَقَطْ وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فَسُئِلْت عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَأَجَبْت بِمَنْعِ عَارِيَّتِهَا ثُمَّ إنِّي فَعَلْت ذَلِكَ اسْتَعَرْت بَيْتًا فِي مَدْرَسَةِ شَيْخُونٍ وَآخَرَ فِي النَّاصِرِيَّةِ فَتَعَقَّبَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي مَا ذَكَرَهُ فَأَجَبْت بِمَا قَالَ شَيْخُنَا فَسَلِمَ ذَلِكَ لِي انْتَهَى.
وَذَكَرَهُ أَيْضًا قَبْلَ هَذَا فِي مَسَائِلِ الشَّرِكَةِ وَذَكَرَ ذَلِكَ مَعَ مَسْأَلَةِ النُّزُولِ فِي الْوَظَائِفِ.
[فَرْعٌ وَقَفَ كِتَابًا عَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَشَرَطَ أَنْ لَا يُعَارَ إلَّا بِرَهْنٍ]
(الرَّابِعُ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ سُئِلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إذَا وَقَفَ كِتَابًا عَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَشَرَطَ أَنْ لَا يُعَارَ إلَّا بِرَهْنٍ فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا الرَّهْنُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ لَا يَصِحُّ هَذَا الرَّهْنُ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَأْمُونَةٍ فِي يَدِ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ وَلَا يُقَالُ لَهَا عَارِيَّةٌ أَيْضًا بَلْ الْآخِذُ لَهَا إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ مُسْتَحِقًّا لِلِانْتِفَاعِ فَيَدُهُ عَلَيْهَا يَدُ أَمَانَةٍ فَشَرْطُ أَخْذِ الرَّهْنِ عَلَيْهَا فَاسِدٌ وَيَكُونُ فِي يَدِ الْخَازِنِ لِلْكُتُبِ أَمَانَةٌ لِأَنَّ فَاسِدَ الْعُقُودِ فِي الضَّمَانِ كَصَحِيحِهَا وَالرَّهْنُ أَمَانَةٌ
[ ٦ / ٣٦ ]
هَذَا إذَا أُرِيدَ الرَّهْنُ الشَّرْعِيُّ وَأَمَّا إنْ أُرِيدَ مَدْلُولُهُ لُغَةً وَأَنْ يَكُونَ تَذْكِرَةً فَيَصِحُّ الشَّرْطُ لِأَنَّهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُعْلَمْ مُرَادُ الْوَاقِفِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالْبُطْلَانِ بِالشَّرْطِ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالصِّحَّةِ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى وَهُوَ الْأَقْرَبُ لِصِحَّتِهِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ بَنَى مَسْجِدًا وَشَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنْ لَا يَتَوَلَّاهُ إلَّا مَالِكِيُّ الْمَذْهَبِ]
(الْخَامِسُ) إذَا خَصَّ مَسْجِدًا بِمُعَيَّنِينَ فَقَالَ فِي أَسْئِلَةِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيِّ فِيمَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَشَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنْ لَا يَتَوَلَّاهُ إلَّا مَالِكِيُّ الْمَذْهَبِ مَثَلًا فَهَلْ يَجِبُ اتِّبَاعُ شَرْطِهِ وَتَكُونُ وِلَايَةُ مَنْ خَالَفَهُ بَاطِلَةً أَمْ لَا وَإِذَا وَجَبَ اتِّبَاعُهُ وَتَوَلَّاهُ مَنْ هُوَ عَلَى شَرْطِهِ ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى مَذْهَبٍ آخَرَ هَلْ تُفْسَخُ وِلَايَتُهُ أَمْ لَا، وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ هَذَا الشَّرْطُ مِنْ الْوَاقِفِ وَلَكِنْ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ اتِّبَاعُ مَذْهَبٍ كَأَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة وَمِصْرَ فَهَلْ يَتَنَزَّلُ هَذَا مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ، وَمَا حُكْمُ الِائْتِمَامِ بِهَذَا الْإِمَامِ؟ فَأَجَابَ إنْ وَقَفَ الْوَاقِفُ عَلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ غَيْرُهُ وَإِنْ خَصَّ الْمَسْجِدَ بِمُعَيَّنِينَ لَمْ يَخْتَصَّ بِهِمْ وَإِذَا غَلَبَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ مَذْهَبٌ عَلَى أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ فِيهَا غَيْرُهُ حُمِلَ الْوَقْفُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ يَنْتَقِلُ عَنْ مَذْهَبِهِ إلَى مَذْهَبٍ آخَرَ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْإِمَامُ مُعْتَقِدًا لِجَوَازِ مَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِالِائْتِمَامِ بِهِ وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ فَالِائْتِمَامُ بِهِ اقْتِدَاءٌ بِفَاسِقٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَرْعٌ وَلَّاهُ الْوَاقِفُ عَلَى وَظِيفَةٍ بِأُجْرَةٍ فَاسْتَنَابَ فِيهَا غَيْرَهُ]
(السَّادِسُ) قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ مَنْ وَلَّاهُ الْوَاقِفُ عَلَى وَظِيفَةٍ بِأُجْرَةٍ فَاسْتَنَابَ فِيهَا غَيْرَهُ وَلَمْ يُبَاشِرْ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَنَاوُلُ الْأُجْرَةِ وَلَا لِنَائِبِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ وَمَا عَيَّنَ لَهُ النَّاظِرُ لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا بِمُبَاشَرَتِهِ بِنَفْسِهِ وَلَا عَيَّنَ النَّاظِرُ النَّائِبَ فِي الْوَظِيفَةِ فَمَا تَنَاوَلَاهُ حَرَامٌ قَالَهُ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ الْأَقْفَهْسِيُّ الْمَالِكِيُّ انْتَهَى. يَعْنِي اسْتَنَابَ فِيهَا فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الْأَعْذَارِ وَأَمَّا إذَا اسْتَنَابَ فِي أَيَّامِ الْعُذْرِ جَازَ لَهُ تَنَاوُلُ رِيعِ الْوَقْفِ وَأَنْ يُطْلَقَ لِنَائِبِهِ مَا أَحَبَّ مِنْ ذَلِكَ الرِّيعِ وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الْخَامِسَ عَشَرَ وَالْمِائَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ سَأَلْت شَيْخَنَا الْفَقِيهَ الْإِمَامَ - ﵀ - هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ بِوَظِيفَةِ الْقِرَاءَةِ الَّتِي عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ لَكِنَّهُ جَعَلَهُ إجَارَةً انْتَهَى.
ص (أَوْ نَاظِرٌ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالنَّظَرُ فِي الْحَبْسِ لِمَنْ جَعَلَهُ إلَيْهِ مُحْبِسُهُ الْمُتَيْطِيُّ يَجْعَلُهُ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ فِي دِينِهِ فَإِنْ غَفَلَ الْمُحْبِسُ عَنْ ذَلِكَ كَانَ النَّظَرُ فِيهِ لِلْحَاكِمِ يُقَدِّمُ لَهُ مَنْ يَرْتَضِيهِ وَيَجْعَلُ لِلْقَائِمِ بِهِ مِنْ كِرَائِهِ مَا يَرَاهُ سَدَادًا عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِهِ انْتَهَى.
(قُلْت) قَوْلُهُ فَإِنْ غَفَلَ الْمُحْبِسُ عَنْ ذَلِكَ كَانَ النَّظَرُ فِيهِ لِلْحَاكِمِ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا مَالِكًا أَمْرَ نَفْسِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ مَالِكًا أَمْرَ نَفْسِهِ وَلَمْ يُوَلِّ الْمُحْبِسُ عَلَى حَبْسِهِ أَحَدًا فَهُوَ الَّذِي يَجُوزُ وَيَتَوَلَّاهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ غَالِبُ عِبَارَاتِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ وَكِتَابِ الصَّدَقَةِ وَكِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَشَرْطُ الْوَقْفِ حَوْزُهُ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ وَانْظُرْ مَسْأَلَةَ رَسْمِ شَكٍّ فِي طَوَافِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ فَفِيهَا إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ وَذَكَرَ فِيهَا أَنَّ النَّاظِرَ عَلَى الْحَبْسِ إذَا كَانَ سَيِّئَ النَّظَرِ غَيْرَ مَأْمُونٍ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَعْزِلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ مَالِكًا أَمْرَ نَفْسِهِ وَيَرْضَى بِهِ وَيَسْتَمِرُّ وَفِي رَسْمِ اسْتَأْذَنَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مَسْأَلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالنَّاظِرِ قَالَ فِيهَا: إنَّهُ لَا يُوصِي بِالنَّظَرِ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلَكِنْ إنْ كَانَ الْمُحْبِسُ حَيًّا كَانَ النَّظَرُ لَهُ فِيمَنْ يُقَدِّمُهُ وَإِنْ كَانَ مَاتَ فَإِنْ كَانَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِمْ كِبَارًا أَهْلَ رِضًا تَوَلَّوْا حَبْسَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَإِلَّا قَدَّمَ السُّلْطَانُ بِنَظَرِهِ وَإِنْ كَانَ لِلْمُحْبِسِ وَصِيٌّ كَانَ النَّظَرُ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُحْبِسُ قَالَ لِمَنْ وَلَّاهُ إذَا حَدَثَ بِك الْمَوْتُ فَأَسْنِدْهُ إلَى مَنْ شِئْت فَإِنَّهُ يُسْنِدُهُ لِمَنْ شَاءَ وَإِنْ أَوْصَى وَصِيًّا عَلَى مَالِهِ وَعَلَى مَنْ كَانَ فِي حِجْرِهِ كَانَ لَهُ النَّظَرُ فِي الْحَبْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ مَسْأَلَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُحْبَسَ عَلَيْهِمْ إذَا كَانُوا كِبَارًا تَوَلَّوْا حَبْسَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ
[ ٦ / ٣٧ ]
مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ كِرَاءِ الْأَحْبَاسِ مُدَّةً طَوِيلَةً وَهِيَ فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ قَطِيعٌ مُحْبَسٌ بَاعَتْهُ الْمُحْبِسَةُ، وَفِي مَسْأَلَةِ الدَّارِ الْمُحْبَسَةِ عَلَى رَجُلَيْنِ أَكْرَاهَا أَحَدُهُمَا وَانْظُرْ النَّوَادِرَ فِي تَرْجَمَةِ الْحَبْسِ يُزَادُ فِيهِ أَوْ يَعْمُرُ مِنْ غَلَّتِهِ وَكِرَاءُ الْحَبْسِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ.
[تَنْبِيهٌ حَبَسَ حَبْسًا وَجَعَلَ امْرَأَتَهُ تَلِيهِ وَتَقْسِمُهُ بَيْنَ بَنِيهَا بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ فَمَاتَتْ]
(تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِيمَنْ حَبَسَ حَبْسًا وَجَعَلَ امْرَأَتَهُ تَلِيهِ وَتَقْسِمُهُ بَيْنَ بَنِيهَا بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ فَكَانَتْ تَلِي ذَلِكَ فَمَاتَتْ؛ قَالَ يَلِي ذَلِكَ مِنْ وَرَثَتِهَا أَهْلُ حُسْنِ الرَّأْيِ مِنْهُمْ انْتَهَى مِنْ تَرْجَمَةِ جَامِعُ مَسَائِلَ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ الْأَحْبَاسِ وَالْعُمْرَى وَالْخِدْمَةِ وَهَذَا لَعَلَّهُ فِي بَلَدٍ لَيْسَ فِيهِ حَاكِمٌ أَوْ فِيهِ وَلَا يَصِلُ إلَيْهِ وَلَا يَلْتَفِتُ لِلنَّظَرِ فِي الْأَحْبَاسِ أَوْ يَكُونُ نَظَرُهُ فِيهَا سَبَبًا لِهَلَاكِهَا وَضَيْعَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ حَوْزُ الْأَبِ عَلَى مَنْ يُوَلَّى عَلَيْهِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِذَا حَبَسَ عَلَى أَوْلَادِهِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ حَبْسًا وَكُلُّ مَنْ يَقُومُ بِهِ فَذَلِكَ لَهُ فَإِنْ بَلَغُوا كُلُّهُمْ فَأَرَادُوا الْقِيَامَ بِالْحَبْسِ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِمْ وَالْوَكِيلُ يَقُومُ بِحَالِهِ. قَالَ مُحَمَّدٌ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ كَبِيرٌ يَوْمَ وَكَّلَ فَلَهُمْ إذَا كَبِرُوا قَبْضُ حَبْسِهِمْ فَأَمَّا إنْ كَانَ فِيهِمْ كَبِيرٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ لَوْ كَانُوا كِبَارًا كُلُّهُمْ يَوْمَئِذٍ انْتَهَى.
وَمَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ إذَا كَانُوا صِغَارًا كُلُّهُمْ وَوَكَّلَ عَلَيْهِمْ أَنَّ لَهُمْ إذَا كَبِرُوا قَبْضَ حَبْسِهِمْ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا فُهِمَ أَنَّ ذَلِكَ مُرَادُ الْمُحْبِسِ أَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُنْزَعُ مِنْ النَّاظِرِ مَا كَانَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ مَاتَ الْوَكِيلُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ إلَى غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَعَلَ ذَلِكَ الْأَبُ إلَيْهِ. قَالَ أَصْبَغُ وَلْيَرْجِعْ الْقِيَامُ بِذَلِكَ إلَى الْمُحْبِسِ أَوْ وَصِيِّهِ انْتَهَى فَتَأَمَّلْهُ.
(الثَّانِي) عُلِمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا جَعَلَ النَّظَرَ لِشَخْصٍ فَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُوصِيَ بِالنَّظَرِ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ لَهُ الْوَاقِفُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ رَسْمِ اسْتَأْذَنَ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ اجْعَلْهُ إلَى مَنْ شِئْت وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ كُلُّ مَنْ مَلَكَ حَقًّا عَلَى وَجْهٍ يَمْلِكُ مَعَهُ عَزْلَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ كَالْقَاضِي وَالْوَكِيلِ وَلَوْ مُفَوَّضًا وَخَلِيفَةَ الْقَاضِي لِلْأَيْتَامِ وَشِبْهَ ذَلِكَ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) لَوْ غَابَ النَّاظِرُ فِي بَلْدَةٍ بَعِيدَةٍ وَاحْتَاجَ الْحَبْسُ إلَى مَنْ يَنْظُرُ فِي بَعْضِ شَأْنِهِ فَهَلْ لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ أَوْ يُوقِفَ الْأَمْرَ حَتَّى يَأْتِيَ الْغَائِبُ؟ الظَّاهِرُ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ وَيُمْضِيَ مَا فَعَلَهُ فِي غَيْبَةِ النَّاظِرِ وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ إبْطَالُ مَا فَعَلَهُ الْقَاضِي فِي غَيْبَتِهِ وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا إلَّا فُتْيَا وُجِدَتْ مَنْسُوبَةً لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ يُسَمَّى عَلِيُّ بْنُ الْجَلَالِ وَصُورَتُهَا (مَا تَقُولُ) السَّادَاتُ الْعُلَمَاءُ فِي دَرْسٍ بِمَكَّةَ بِهِ مُدَرِّسٌ وَطَلَبَةٌ وَنَاظِرٌ وَقْفِهِ غَائِبٌ بِالْقَاهِرَةِ فَشَغَرَتْ وَظِيفَةُ طَلَبٍ بِالدَّرْسِ الْمَذْكُورِ بِحُكْمِ وَفَاةِ مَنْ كَانَ بِهَا فَوَلَّى قَاضِي مَكَّةَ تِلْكَ الْوَظِيفَةَ شَخْصًا لِغَيْبَةِ النَّاظِرِ عَلَى الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ بِالْقَاهِرَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ فَهَلْ تَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ أَمْ لَا؟ وَإِذَا صَحَّتْ التَّوْلِيَةُ فَهَلْ لِلنَّاظِرِ بَعْدَ أَنْ بَلَغَهُ تَوْلِيَةُ الْقَاضِي الْمَذْكُورِ أَنْ يُوَلِّيَ شَخْصًا آخَرَ خِلَافَ مَنْ وَلَّاهُ الْقَاضِي مُعْتَقِدًا أَنَّ الْقَاضِيَ لَا نَظَرَ لَهُ أَوْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) وِلَايَةُ قَاضِي مَكَّةَ لِلشَّخْصِ الْمَذْكُورِ الْوَظِيفَةَ عِنْدَ غَيْبَةِ النَّاظِرِ لِلْمَدْرَسَةِ الْغَيْبَةَ الْبَعِيدَةَ وَشُغُورِ الْوَظِيفَةِ عَمَّنْ كَانَ بِهَا بِمَوْتِهِ صَحِيحَةٌ وَاقِعَةٌ بِمَحَلِّهَا لِأَنَّهُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ كَالْمَرْأَةِ إذَا غَابَ وَلِيُّهَا وَاحْتَاجَتْ إلَى التَّزْوِيجِ فَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ إبْطَالُ مَا وَقَعَ مِنْ تَوْلِيَةِ الْحَاكِمِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَتَبَهُ عَلِيُّ بْنُ الْجَلَالِ الْمَالِكِيُّ وَأَجَابَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَجَابَ سِرَاجُ الدِّينِ عُمَرُ الْبُلْقِينِيُّ الشَّافِعِيُّ بِمَا نَصُّهُ نَعَمْ يَصِحُّ تَوْلِيَةُ الْقَاضِي الْوَظِيفَةَ لِمَنْ ذَكَرَ وَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُوَلِّيَ شَخْصًا آخَرَ خِلَافَ مَنْ وَلَّاهُ الْقَاضِي وَالِاعْتِقَادُ الْمَذْكُورُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَأَجَابَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الأنبابي الشَّافِعِيُّ بِمَا أَجَابَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ وَكَذَا أَجَابَ كُلٌّ مِنْ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ السُّعُودِيِّ الْحَنَفِيِّ وَالشَّيْخِ
[ ٦ / ٣٨ ]
عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْبَغْدَادِيِّ الْحَنْبَلِيِّ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَبِذَلِكَ أَيْضًا أَفْتَى بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ وَقَالَ: لِلْقَاضِي أَنْ يُقَرِّرَ فِي ذَلِكَ وَيَنْظُرَ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ أَصْلَ مَذْهَبِ مَالِكٍ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ إذَا كَانَتْ غَيْبَتُهُ غَيْبَةً بَعِيدَةً وَبِأَنَّ مَنْ يُرِيدُ التَّقْرِيرَ مَثَلًا فِي الْوَظِيفَةِ فِي الْوَقْفِ لَهُ شِبْهُ الْحَقِّ عَلَى النَّاظِرِ فِي وُجُوبِ إنْفَاذِ أَمْرِ الْوَاقِفِ وَعَدَمِ تَعْطِيلِ وَقْفِهِ فَإِذَا عَيَّنَ الْقَاضِي الْمَذْكُورُ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهَا كَانَ كَحُكْمِهِ عَلَيْهِ فِيمَا يَدَّعِي بِهِ وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِيمَا إذَا ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ بِدَيْنٍ سَاغَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَبِيعَ دَارَ الْغَائِبِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ ثُمَّ إذَا قَدِمَ الْغَائِبُ بِبَرَاءَةٍ أَوْ بِمَا يُتْرَكُ عَنْهُ الْحَقُّ أَنَّ الْبَيْعَ مَاضٍ وَيَتْبَعُ بِالثَّمَنِ مَنْ أَخَذَهُ فَإِذَا مَضَى حُكْمُ الْقَاضِي عَلَى الْغَائِبِ فِيمَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ شَرْعًا فَأَحْرَى أَنْ يَمْضِيَ التَّقْرِيرُ فِي الْوَظِيفَةِ الْمَذْكُورَةِ إذْ لَيْسَ مِلْكًا لَهُ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَنَّهُ إذَا غَابَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ وَبِمَا قَالَهُ أَيْضًا فِي تَرْجَمَةِ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ مِنْ النَّوَادِرِ وَنَصُّهُ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إذَا كَانَ الْغَائِبُ صَغِيرًا لَمْ يَضْرِبْ لَهُ أَجَلًا لِأَنَّهُ لَوْ حَضَرَ لَمْ يَكُنْ يُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا أَخَذَ لَهَا وَلَكِنْ إنْ كَانَ فِي وِلَايَةِ أَحَدٍ غَائِبٍ ضَرَبَ لِوَلِيِّهِ أَجَلًا وَإِنْ حَضَرَ خَاصَمَ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ حَكَمَ عَلَيْهِ وَأَشْهَدَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَلِيٌّ فَلْيُوَلِّ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ وَلِيًّا يَكُونُ وَلِيًّا لَهُ فِي هَذِهِ الْخُصُومَةِ وَغَيْرِهَا ثُمَّ يَحْكُمُ عَلَيْهِ وَلِيُّهُ لَهُ وَلَا يَخُصُّهُ بِالْوِلَايَةِ فِي هَذِهِ الْخُصُومَةِ فَقَطْ فَيَكُونُ قَدْ نَصَبَ لَهُ وَكِيلًا يُخَاصِمُ عَنْهُ وَهَذَا لَا يَكُونُ انْتَهَى كَلَامُ الْمُفْتِي. وَقَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ حَكَمَ عَلَيْهِ وَأَشْهَدَ لَمْ أَرَهَا فِي النَّوَادِرِ وَرَأَيْتُهَا بِخَطِّ الْمُفْتِي مُزَادَةً فِي الْهَامِشِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَبْقَى هُنَا مَسْأَلَةٌ وَهِيَ لَوْ جَعَلَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ لِشَخْصٍ غَائِبٍ عَنْ الْبَلَدِ وَإِقَامَتُهُ إنَّمَا هِيَ فِي بَلْدَةٍ أُخْرَى وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ إلَى بَلَدِ الْوَاقِفِ كَمَا لَوْ جَعَلَ النَّظَرَ فِي حَبْسِهِ الَّذِي بِمَكَّةَ لِمَنْ كَانَ سُلْطَانًا بِمِصْرَ فَالظَّاهِرُ هُنَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ وَيُوقَفُ الْأَمْرُ إلَى أَنْ يُعْلَمَ مَا يَأْمُرُ بِهِ النَّاظِرُ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ قَدَّمَ الْمُحْبِسُ مَنْ رَأَى لِذَلِكَ أَهْلًا فَلَهُ عَزْلُهُ وَاسْتِبْدَالُهُ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ حَبَسَ عَلَى بَنَاتٍ لَهُ وَقَدْ بَلَغْنَ فَحُزْنَ أَمْوَالَهُنَّ وَكَانَ عَمُّهُنَّ يَلِي حَبْسَهُنَّ فَاتَّهَمْنَهُ فِي غَلَّتِهِنَّ وَطَلَبَ بَعْضُهُنَّ أَنْ يُوَكِّلَ لِحَقِّهِ فَإِنْ كَانَ حَسَنَ النَّظَرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ جُعِلَ مَعَهُ مَنْ يُوَكِّلُهُ بِذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَمَّ قَدَّمَهُ الْمُحْبِسُ وَلَوْ كَانَ بِتَقْدِيمِهِنَّ لَهُ لَكَانَ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ تَوْكِيلُ غَيْرِهِ عَلَى حَقِّهَا وَلَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَقَوْلُهُ إنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ يُرِيدُ سَيِّئَ النَّظَرِ أَوْ غَيْرَ مَأْمُونٍ وَإِنَّمَا رَأَى أَنْ تُوَكِّلَ لِحَقِّهَا وَلَمْ تَعْزِلْهُ لِأَنَّهُ رَضِيَهُ بَعْضُهُنَّ وَلَوْ لَمْ تَرْضَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لَعَزَلَهُ الْقَاضِي عَنْهُنَّ وَلَوْ كُنَّ غَيْرَ مَالِكَاتٍ لِأَنْفُسِهِنَّ لَوَجَبَ تَقْدِيمُ السُّلْطَانِ غَيْرَهُ.
وَقَالَ ابْنُ دَحُونٍ لَوْ اتَّهَمَهُ جَمِيعُهُنَّ لَكَانَ لَهُنَّ عَزْلُهُ وَإِنَّمَا بَقِيَ لِأَنَّهُنَّ اخْتَلَفْنَ فِي تُهْمَتِهِ وَفِي قَوْلِهِ نَظَرٌ (قُلْت) قَوْلُ ابْنِ دَحُونٍ هُوَ مَعْنًى مُتَقَدِّمٌ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ فَتَأَمَّلْهُ. وَنَزَلَتْ فِي حَبْسٍ حَبَسَتْهُ حُرَّةٌ أُخْتُ أَمِيرِ بَلَدِنَا وَجَعَلَتْهُ بِيَدِ شَيْخِنَا ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى أَنَّهُ يُدَرِّسُ بِهِ ثُمَّ نَقَلَتْهُ لِشَيْخِنَا ابْنِ سَلَامَةَ فَقَبِلَهُ وَشَهِدَ فِي الْعَزْلِ وَالتَّوْلِيَةِ جَمِيعُ الشُّهُودِ الَّذِينَ كَانُوا حِينَئِذٍ مُنْتَصِبِينَ لِلشَّهَادَةِ وَعَلَّلُوا ذَلِكَ بِالتَّفْرِيطِ ا. هـ. وَلَكِنْ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ لِذَلِكَ نَظَرٌ لَا يَخْفَى فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَسَأَلَ ابْنُ دَحُونٍ ابْنَ زَرْبٍ عَنْ الْوَصِيِّ يَتَخَلَّى عَنْ النَّظَرِ إلَى رَجُلٍ آخَرَ. قَالَ ذَلِكَ جَائِزٌ وَيَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ قِيلَ لَهُ فَلَوْ أَرَادَ الْعَوْدَةَ فِي نَظَرِهِ؟ قَالَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَقَدْ تَخَلَّى مِنْهُ إلَى الَّذِي وَكَّلَهُ (قُلْت) يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ حَبَسَ شَيْئًا وَجَعَلَهُ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ ثُمَّ أَرَادَ عَزْلَهُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِمُوجِبٍ يَظْهَرُ كَالْقَاضِي إذَا قَدَّمَ أَحَدًا وَنَزَلْتُ بِشَيْخِنَا الْإِمَامِ وَكَانَ يُقَدِّمُ عَلَى أَحْبَاسِهِ مَنْ يَسْتَحْسِنُهُ وَيَعْزِلُ مَنْ يَظْهَرُ لَهُ عَزْلُهُ وَهُوَ عِنْدِي صَوَابٌ لِأَنَّ نَظَرَ الْمُحْبِسِ أَقْوَى مِنْ نَظَرِ الْقَاضِي فِي حَبْسِهِ فَلَا يَتَسَوَّرُ عَلَيْهِ فِيهِ مَا دَامَ حَيًّا كَمَا لَهُ التَّقْدِيمُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ
[ ٦ / ٣٩ ]
يَنْظُرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ قَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الْخَامِسُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ فَتُّوحٍ لِلْقَاضِي تَقْدِيمُ مَنْ يَنْظُرُ فِي أَحْبَاسِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَرْتَفِعُ تَقْدِيمُهُ بِمَوْتِهِ وَيَرْتَفِعُ بِرَفْعِهِ مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ انْتَهَى.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ إذَا قَدَّمَ الْقَاضِي أَحَدًا عَلَى الْحَبْسِ فَلَا يَعْزِلُهُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ إلَّا بِمُوجِبٍ لِأَنَّهُ كَحُكْمِهِ فِي الْقَضَايَا انْتَهَى.
(السَّادِسُ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ فَتُّوحٍ لِلْقَاضِي أَنْ يَجْعَلَ لِمَنْ قَدَّمَهُ لِلنَّظَرِ فِي الْأَحْبَاسِ رِزْقًا مَعْلُومًا فِي كُلِّ شَهْرٍ بِاجْتِهَادِهِ فِي قَدْرِ ذَلِكَ بِحَسَبِ عَمَلِهِ وَفَعَلَهُ الْأَئِمَّةُ. ابْنُ عَتَّابٍ عَنْ الْمُشَاوِرِ لَا يَكُونُ أَجْرُهُ إلَّا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ الْأَحْبَاسِ أُخِذَتْ مِنْهُ وَرَجَعَ بِأَجْرِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يُعْطَ مِنْهَا فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِلْوَصَايَا وَبِمِثْلِ قَوْلِ الْمُشَاوِرِ أَفْتَى ابْنُ وَرْدٍ وَقَالَ لَا يَجُوزُ أَخْذُ أُجْرَتِهِ مِنْ الْأَحْبَاسِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَنْ حَبَسَ وَخَالَفَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ عَطِيَّةَ وَقَالَ ذَلِكَ جَائِزٌ لَا أَعْلَمُ فِيهِ نَصَّ خِلَافٍ انْتَهَى. وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيُّ كَلَامَ عَبْدِ الْحَقِّ وَابْنِ عَطِيَّةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّابِعُ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَسُئِلَ السُّيُورِيُّ عَنْ إمَامِ مَسْجِدٍ وَمُؤَذِّنِهِ وَمُتَوَلِّي جَمِيعِ أُمُورِهِ قَامَ عَلَيْهِ مُحْتَسِبٌ بَعْدَ أَعْوَامٍ فِي غَلَّةِ حَوَانِيتَ لَهُ وَقَالَ فَضَلَتْ فَضْلَةٌ عَمَّا أَنْفَقَتْ وَقَالَ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَقَالَ لَهُ بَيِّنْ لِلْقَاضِي صِفَةَ الْخُرُوجِ فَقَالَ لَا يَجِبُ عَلَيَّ ذَلِكَ وَلَوْ عَلِمْت أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيَّ مَا تَوَلَّيْتُهُ وَلَا قُمْت بِهِ وَلَا يُوجَدُ مَنْ يَقُومُ بِهِ إلَّا هُوَ وَلَوْلَا هُوَ لَضَاعَ هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا زَعَمَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ إذَا كَانَ يُشْبِهُ مَا قَالَ الْبُرْزُلِيُّ وَهَذَا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ دَخْلًا وَلَا خَرْجًا إلَّا بِإِشْهَادٍ انْتَهَى.
(الثَّامِنُ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ الْقَائِمُ بِالْحَبْسِ إذَا قَالَ أَعْمُرُهَا مِنْ مَالِي ثُمَّ قَالَ إنَّمَا عَمَّرْتهَا مِنْ الْغَلَّةِ جَازَ. قَالَ فَإِنْ قَالَ مِنْ الْغَلَّةِ أَنْفَقْت فَقَدْ أَنْفَذَ الْوَصِيَّةَ وَإِنْ قَالَ مِنْ مَالِي عُمْرَتُهَا حَلَفَ وَرَجَعَ بِذَلِكَ فِي الْغَلَّةِ وَلَا يَضُرُّهُ قَوْلُهُ أَعْمَرْتُهَا مِنْ مَالِي انْتَهَى وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ لِلْقَائِمِ عَلَى الْحَبْسِ أَنْ يَسْتَقْرِضَ عَلَيْهِ وَيَعْمُرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(التَّاسِعُ) لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي وَلَا لِلنَّاظِرِ التَّصَرُّفُ إلَّا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ وَلَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَجْعَلَ بِيَدِ النَّاظِرِ التَّصَرُّفَ كَيْفَ شَاءَ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الْبُرْزُلِيِّ فِي آخِرِ الْإِقْرَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِنْ أَبْرَأَ فُلَانًا.
ص (أَوْ تَبْدِئَةُ فُلَانٍ بِكَذَا وَإِنْ مِنْ غَلَّةِ ثَانِي عَامٍ إنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ غَلَّةِ كُلِّ عَامٍ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِمَا فَرَضَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ تَبْدِئَةِ فُلَانٍ مِنْ غَلَّةِ ثَانِي عَامٍ وَلِمَا فَرَضَهُ الْمُتَيْطِيُّ مِنْ تَبْدِئَتِهِ مِنْ غَلَّةِ الْعَامِ الْمَاضِي إنْ كَانَ بَقِيَ مِنْهَا شَيْءٌ وَالْغَلَّةُ وَالْمُبَالَغَةُ بِأَنَّ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ مِنْ غَلَّةِ ثَانِي عَامٍ تُرْشِدُ لِذَلِكَ فَتَأَمَّلْهُ. قَالَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِدِينَارٍ مِنْ غَلَّةِ دَارِهِ كُلَّ سَنَةٍ أَوْ بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ غَلَّةِ حَائِطِهِ كُلَّ عَامٍ وَالثُّلُثُ يَحْمِلُ الدَّارَ أَوْ الْحَائِطَ فَأَخَذَ ذَلِكَ عَامًا ثُمَّ بَارَ ذَلِكَ أَعْوَامًا فَلِلْمُوصَى لَهُ أَخْذُ وَصِيَّةِ كُلِّ عَامٍ مَا بَقِيَ مِنْ غَلَّةِ الْعَامِ الْأَوَّلِ شَيْءٌ فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ فَإِذَا أَغَلَّ ذَلِكَ أَخَذَ مِنْهُ لِكُلِّ عَامٍ مَضَى وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا وَلَوْ أَكْرُوا الدَّارَ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَضَاعَتْ إلَّا دِينَارًا كَانَ ذَلِكَ لِلْمُوصَى لَهُ لِأَنَّ كِرَاءَ الدَّارِ لَا شَيْءَ لِلْوَرَثَةِ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ أَخْذِ الْمُوصَى لَهُ مِنْهُ وَصِيَّتَهُ وَكَذَلِكَ غَلَّةُ الْجِنَانِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ قَالَ أَعْطُوهُ مِنْ غَلَّةِ كُلِّ سَنَةٍ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَوْ مِنْ كِرَاءِ كُلِّ سَنَةٍ دِينَارًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ غَلَّةَ سَنَةٍ عَنْ سَنَةٍ أُخْرَى لَمْ تُغَلَّ وَلَوْ أُكْرِيَتْ الدَّارُ أَوَّلَ عَامٍ بِأَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ أَوْ جَاءَتْ النَّخْلُ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ لَمْ يَرْجِعْ بِتَمَامِ ذَلِكَ فِي عَامٍ بَعْدَهُ انْتَهَى.
وَلَوْ طَلَبَ أَنْ يُوقَفَ لَهُ مِنْ غَلَّةِ الْعَامِ الْأَوَّلِ شَيْءٌ أَوْ يُعْطَاهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فَهَلْ يُجَابُ إلَى ذَلِكَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى؟ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَإِنْ اغْتَلَّتْ أَوَّلَ سَنَةٍ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَأَخَذَ دِينَارًا وَبَقِيَ تِسْعَةٌ نُظِرَ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ مَأْمُونَةً أَنَّهَا لَا تَبُورُ أَوْ إنْ بَارَتْ تَأْتِي كُلَّ سَنَةٍ بِأَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ أَخَذَ الْوَرَثَةُ هَذِهِ التِّسْعَةَ وَإِنْ كَانَ يُخْشَى أَنْ لَا تَأْتِيَ بِذَلِكَ وُقِفَ مِنْهَا مَا يُخَافُ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَارِثُ مَأْمُونًا غَيْرَ مُلِدٍّ وَلَا مُمْتَنِعٍ
[ ٦ / ٤٠ ]
وَرَضِيَ أَنْ يَأْخُذَهَا فِي ذِمَّتِهِ فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهَا لِأَنَّ لَهُ فِيهَا شُبْهَةَ الْمِلْكِ وَالْوَقْفُ غَيْرُ مُفِيدٍ لِلْمُوصَى لَهُ انْتَهَى.
ص (أَوْ أَنَّ مَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ مِنْ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ بَاعَ وَإِنْ تَسَوَّرَ عَلَيْهِ قَاضٍ أَوْ غَيْرُهُ رَجَعَ لَهُ أَوْ لِوَارِثِهِ)
[ ٦ / ٤١ ]
ش:. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْوَقْفُ لَازِمٌ وَلَوْ قَالَ لِي الْخِيَارُ مَا نَصُّهُ قَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ إنَّ الْمُحْبِسَ إذَا شَرَطَ فِي حَبْسِهِ أَنَّهُ إنْ ذَهَبَ قَاضٍ أَوْ غَيْرُهُ إلَى التَّسَوُّرِ عَلَى حَبْسِهِ أَوْ النَّظَرِ فِيهِ فَجَمِيعُ حَبْسِهِ رَاجِعٌ إلَيْهِ إنْ كَانَ حَيًّا أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ أَوْ صَدَقَةٌ لِفُلَانٍ أَنَّ لَهُ شَرْطَهُ وَكَذَلِكَ قَالُوا إذَا شَرَطَ
[ ٦ / ٤٢ ]
أَنَّ مَنْ احْتَاجَ مِنْ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ بَاعَ الْحَبْسَ أَنَّهُ يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ وَلَزِمَ الْمُحْبَسَ عَلَيْهِ إثْبَاتُ حَاجَتِهِ وَالْيَمِينُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُحْبِسُ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فَلَهُ الْبَيْعُ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتٍ انْتَهَى.
وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ إذَا لَمْ يَقُلْ يَصْدُقُ فَعَلَيْهِ إثْبَاتُ الْحَاجَةِ وَيَحْلِفُ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ بَاطِنٌ يَكْتُمُهُ وَلَا ظَاهِرٌ يَعْلَمُهُ فَحِينَئِذٍ يَبِيعُهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ فَإِنْ شَرَطَ الْمُحْبِسُ أَنَّ مَنْ ادَّعَى مِنْهُمْ حَاجَةً فَهُوَ مُصَدَّقٌ فَيُصَدَّقُ وَيَنْفُذُ الشَّرْطُ وَمَنْ ادَّعَى مِنْهُمْ حَاجَةً وَلَمْ يَثْبُتْ غِنَاهُ انْطَلَقَ يَدُهُ عَلَى بَيْعِهِ انْتَهَى.
وَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ هُنَا الثَّانِيَةُ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَأَصْلُهَا فِي رَسْمِ سِلْعَةٍ سَمَّاهَا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ. قَالَ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ جَعَلَ دَارًا لَهُ حَبْسًا صَدَقَةً عَلَى وَلَدِهِ لَا تُبَاعُ إلَّا أَنْ يَحْتَاجُوا إلَى بَيْعِهَا فَإِنْ احْتَاجُوا إلَيْهَا وَاجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَاعُوا فَاقْتَسَمُوا ثَمَنَهَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ فَهَلَكُوا جَمِيعًا إلَّا رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَرَادَ بَيْعَهَا إذْ ذَلِكَ لَهُ وَقَدْ احْتَاجَ إلَى بَيْعِهَا. قَالَ نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ إنَّ امْرَأَةً ثَمَّ وَهِيَ بِنْتُ أُخْتِ الْبَاقِي الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ وَهِيَ مِنْ بَنَاتِ الْمُحْبِسِ قَالَتْ إنْ بِعْت فَأَنَا آخُذُ مِيرَاثِي مِنْ أُمِّي. قَالَ لَا أَرَى لَهَا فِي ذَلِكَ شَيْئًا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَوْ اجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ عَلَى بَيْعِهَا قَسَّمُوا ثَمَنَهَا عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى سَوَاءً لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ حَازُوهَا وَلَيْسَتْ تَرْجِعُ بِمَا يَرْجِعُ الْمَوَارِيثُ إلَى عَصَبَةِ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهَا. ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَحْتَاجُوا إلَى بَيْعِهَا يُرِيدُ أَوْ يَحْتَاجُ أَحَدُهُمْ إلَى بَيْعِ حَظِّهِ مِنْهَا - قَلَّ الْحَبْسُ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ أَوْ كَثُرَ لِقِلَّتِهِمْ - فَيَكُونُ لَهُمْ وَيَبْطُلُ الْحَبْسُ فِيهِ وَيَكُونُ ثَمَنُهُ مَالًا مِنْ مَالِهِ وَكَذَلِكَ إنْ احْتَاجُوا كُلُّهُمْ فَبَاعُوا كَانَ الثَّمَنُ لَهُمْ مَالًا مِنْ مَالِهِمْ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمْ فِي الْحَبْسِ - قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا - فَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا وَاحِدٌ فَاحْتَاجَ فَلَهُ الثَّمَنُ كُلُّهُ وَبَطَلَ الْحَبْسُ فِي الْجَمِيعِ بِشَرْطِ الْمُحْبِسِ وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَحْتَاجَ سَقَطَ حَقُّهُ إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا مَاتَ عَنْ حَبْسٍ لَا يُورَثُ عَنْهُ وَيَرْجِعُ إلَى مَنْ مَعَهُ فِي الْحَبْسِ وَلَا يُورَثُ شَيْءٌ مِنْهُ عَنْ مُحْبِسٍ انْتَهَى.
[فَرَعٌ قَدَّمَ الْمُحْبِسُ رَجُلًا عَلَى الْحَوْزِ لِبَنِيهِ الصِّغَارِ وَجَعَلَ لَهُ الْبَيْعَ عَلَيْهِمْ إنْ احْتَاجُوا]
(فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَإِذَا قَدَّمَ الْمُحْبِسُ رَجُلًا عَلَى الْحَوْزِ لِبَنِيهِ الصِّغَارِ وَجَعَلَ لَهُ الْبَيْعَ عَلَيْهِمْ إنْ احْتَاجُوا فَأَجَازَ ذَلِكَ أَحْمَدُ. ابْنُ بَقِيٍّ وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لِلْمُقَدَّمِ بَيْعُ الْحَبْسِ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَ الْقَاضِي الْعُذْرُ الَّذِي لَهُ يَبِيعُ وَالسَّدَادُ فِي الثَّمَنِ وَلَيْسَ الْوَكِيلُ كَالْمُحْبَسِ عَلَيْهِ انْتَهَى.
[فَرْعٌ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ حَبْسًا وَشَرَطَ لَهُمْ إنْ احْتَاجُوا بَاعُوا ذَلِكَ فَلَحِقَهُمْ دَيْنٌ]
(الثَّانِي) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ حَبْسًا وَشَرَطَ لَهُمْ إنْ احْتَاجُوا بَاعُوا ذَلِكَ فَلَحِقَهُمْ دَيْنٌ أَنَّ لِأَصْحَابِ الدَّيْنِ بَيْعَ الْحَبْسِ مِنْ أَجْلِ مَا شَرَطَهُ الْمُحْبِسُ لَهُمْ مِنْ الْبَيْعِ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ انْتَهَى.
وَالْمَسْأَلَةُ فِي الْعُتْبِيَّة فِي رَسْمِ أَخَذَ يَشْرَبُ خَمْرًا مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنَتَيْنِ بِدَارٍ عَلَى وَجْهِ الْحَبْسِ وَكَتَبَ لَهُمَا فِي كِتَابِ صَدَقَتِهِ إنْ شَاءَتَا بَاعَتَا وَإِنْ شَاءَتَا أَمْسَكَتَا فَرَهِقَ ابْنَتَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ دَايَنَتَا بِهِ النَّاسَ فَقَامَ عَلَيْهِمَا الْغُرَمَاءُ وَقَالُوا نَحْنُ نَبِيعُ الدَّارَ قَدْ كَتَبَ أَبُوكُمَا فِي صَدَقَتِهِ إنْ شِئْتُمَا بِعْتُمَا وَإِنْ شِئْتُمَا أَمْسَكْتُمَا قَالَ مَالِكٌ صَدَقُوا فِي ذَلِكَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا الدَّارَ حَتَّى يَسْتَوْفُوا. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لِمَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ خِلَافُ قَوْلِهِ هَذَا إنَّهُ لَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ ذَلِكَ وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي عَلَى مَالِهِ فِي كِتَابِ التَّفْلِيسِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي الرَّجُلِ يُفْلِسُ وَلَهُ أُمُّ وَلَدٍ وَمُدَبَّرُونَ وَلَهُمْ أَمْوَالٌ إنَّهُ لَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يُجْبِرُوهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ فَيَقْضِيَهَا إيَّاهُمْ وَلَا لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا إلَّا أَنْ يَشَاءَ هُوَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ انْتَهَى.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ الْمَسْأَلَةَ قُلْت قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَنْفَعَةَ الدَّارِ حَاصِلَةٌ الْآنَ لِلدَّيَّانَةِ وَرَقَبَتَهَا كَذَلِكَ لِلْحَاجَةِ إلَيْهَا وَقَدْ انْفَكَّ الْحَبْسُ عَنْهَا وَمَالُ الْعَبْدِ الْأَصْلُ أَنَّهُ لَهُ حَتَّى يَنْتَزِعَهُ بِدَلِيلِ شِرَائِهِ وَهُوَ يُضَافُ لِلْعَبْدِ لَا لِلسَّيِّدِ بِدَلِيلِ جَوَازِ بَيْعِهِ بِحَالِهِ عَلَى الْمَعْرُوفِ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِهِ حَتَّى يُحْدِثَ فِيهِ السَّيِّدُ حَدَثًا يَدُلُّ عَلَى الِانْتِزَاعِ وَلَا يُخَالِفُ هَذَا الْأَصْلُ مَسْأَلَةَ النُّذُورِ وَالْأَيْمَانِ عَلَى تَأْوِيلٍ فِيهَا وَبَعْضَ مَسَائِلِ الْعِتْقِ انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَاتَّبَعَ شَرْطَهُ حُكْمُ
[ ٦ / ٤٣ ]
مَا إذَا شَرَطَ الْمُحْبِسُ أَنَّهُ إنْ وَجَدَ فِي الْحَبْسِ ثَمَنَ رَغْبَةٍ فَقَدْ أَذِنْت فِي الْبَيْعِ وَيَبْتَاعُ بِثَمَنِهِ رُبْعًا مِثْلَهُ.
[مَسْأَلَة حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ وَقَالَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَلَمْ يُسَمِّ الْآخَرِينَ فَهَلْ يَدْخُلُونَ]
ص (وَتَنَاوَلَ الذُّرِّيَّةَ وَوَلَدَيْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ إلَخْ)
ش: تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ.
(مَسْأَلَةٌ) إذَا حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ وَقَالَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَلَمْ يُسَمِّ الْآخَرِينَ فَهَلْ يَدْخُلُونَ؟ قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ فِي الْوَصَايَا الْأَوَّلِ: قَالَ الْوَانُّوغِيُّ لَوْ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ وَقَالَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَلَمْ يُسَمِّ الْآخَرِينَ فَهَلْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَمَسْأَلَةِ الشُّيُوخِ الْمَشْهُورَةِ فِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ فِيمَنْ أَوْصَى وَقَالَ جَعَلْت النَّظَرَ عَلَى وَلَدَيْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ إلَى فُلَانٍ وَفِي أَوْلَادِهِ مَنْ لَمْ يُسَمِّ فَهَلْ الْإِيصَاءُ قَاصِرٌ عَلَى الْمُسَمَّيْنِ أَوْ لَا؟ فِيهِ تَنَازُعٌ بَيْنَ ابْنِ زَرْبٍ وَغَيْرِهِ فَهَلْ مَسْأَلَةُ التَّحْبِيسِ مِثْلُهَا أَوْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُ الْمَشَارِقَةِ لَيْسَ مِثْلَهَا لَا يَدْخُلُ فِي الْحَبْسِ وَيَدْخُلُ فِي الْإِيصَاءِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْأَوْلَادِ قَدْ عُلِمَ الْمَقْصُودُ بِهَا وَهُوَ الْقِيَامُ بِهِمْ وَهُوَ مَظِنَّةُ التَّعْمِيمِ فَالتَّسْمِيَةُ لَيْسَتْ لِلتَّخْصِيصِ وَأَمَّا فِي الْوَقْفِ فَالْمَقْصُودُ فِيهِ صَرْفُ الْمَنَافِعِ وَيَجُوزُ قَصْرُهَا عَلَى بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِلتَّسْمِيَةِ أَثَرٌ. قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ قُلْت وَهَذَا فَرْقٌ لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ الْوَانُّوغِيُّ وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ نَحْوُهُ اهـ.
ص (وَوَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي وَبَنِي، وَبَنِي بَنِيَّ)
ش: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا قَالَ وَقْفٌ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي أَوْ قَالَ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي أَوْ قَالَ عَلَى بَنِيَّ وَبَنِي بَنِيَّ فَإِنَّ الْحَفِيدَ لَا يَتَنَاوَلُهُ هَذَا اللَّفْظُ وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ الْوَاقِفَ أَتَى بِلَفْظَةٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ السِّتَّةِ فَقَالَ وَقْفٌ عَلَى وَلَدِي أَوْ قَالَ عَلَى وَلَدِ وَلَدِي أَوْ قَالَ عَلَى أَوْلَادِي أَوْ قَالَ أَوْلَادِ أَوْلَادِي أَوْ قَالَ عَلَى بَنِيَّ أَوْ قَالَ عَلَى بَنِي بَنِيَّ فَإِنَّهُ يَفُوتُهُ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ وَالْخِلَافُ فِيهِ قَوِيٌّ فَإِنَّ ابْنَ الْعَطَّارِ نَصَّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ قُرْطُبَةَ كَانُوا يُفْتُونَ بِدُخُولِهِمْ. قَالَ وَقَضَى بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ السَّلِيمِ بِفَتْوَى أَهْلِ زَمَانِهِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَإِذَا قَالَ عَلَى وَلَدِي أَوْ عَلَى أَوْلَادِي وَوَلَدِ وَلَدِي فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ عَلَى أَوْلَادِي ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ وَعَلَى أَعْقَابِهِمْ وَأَمَّا إذَا قَالَ وَقْفٌ عَلَى وَلَدِي وَعَلَى أَوْلَادِي فَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ عَدَمُ دُخُولِهِمْ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ إذَا قَالَ عَلَى وَلَدِ وَلَدِي فَقَطْ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص.
[ ٦ / ٤٤ ]
وَبَنِي أَبِي إخْوَتِهِ الذُّكُورِ وَأَوْلَادِهِمْ)
ش: يُرِيدُ الْإِخْوَةَ الْأَشِقَّاءَ وَالْإِخْوَةَ لِلْأَبِ وَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ وَكَانَ الْمُصَنِّفُ اعْتَمَدَ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ الْأَخَوَاتُ الْأَشِقَّاءُ وَالْأَخَوَاتُ لِلْأَبِ مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ أَوْلَادِ أَبِيهِ فَأَحْرَى الْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ لِخُرُوجِهِمْ بِقَوْلِهِ بَنِي أَبِي وَقَوْلِهِ وَأَوْلَادِهِمْ يَعْنِي الذُّكُورَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ.
(تَنْبِيهٌ) زَادَ فِي الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَدْخُلُ مَعَ ذُكُورِ إخْوَتِهِ وَأَوْلَادِهِمْ الذُّكُورِ ذُكُورُ وَلَدِهِ لِأَنَّهُمْ مِنْ وَلَدِ أَبِيهِ. قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَلَوْ قَالَ عَلَى بَنِي أَبِي دَخَلَ فِيهِ إخْوَتُهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَإِخْوَتُهُ لِأَبِيهِ وَمَنْ كَانَ ذَكَرًا مِنْ أَوْلَادِهِمْ خَاصَّةً مَعَ ذُكُورِ وَلَدِهِمْ انْتَهَى. وَقَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ فِي الزَّاهِي.
ص (وَمَوَالِيهِ الْمُعْتِقُ)
ش: وَلَمْ يَتَكَلَّمْ ﵀ عَلَى دُخُولِ الْمَوْلَى الْأَعْلَى بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَتِهِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي دُخُولِ الْمَوْلَى الْأَعْلَى مَعَ الْأَسْفَلِ إنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ قَوْلَانِ لِأَشْهَبَ وَنَصَّ وَصَايَاهَا انْتَهَى.
ص (وَشَمَلَ الْأُنْثَى كَالْأَرْمَلِ) ش تَصَوُّرُهُ ظَاهِرٌ وَسُئِلْت عَنْ وَقْفٍ عَلَى مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنْ فُقَرَاءِ الْأَنْدَلُسِ الْقَاطِنِينَ بِهَا فَهَلْ يَدْخُلُ النِّسَاءُ إذَا كُنَّ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فَأَجَبْت بِمَا صُورَتُهُ الظَّاهِرُ دُخُولُهُنَّ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِي مَسَائِلَ مُتَعَدِّدَةٍ أَعْنِي الْمَذْكُورَةَ هُنَا وَمَا أَشْبَهَهَا وَكَمَا يَشْهَدُ بِذَلِكَ الْعُرْفُ وَبِدُخُولِهِنَّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَالْمِلْكُ لِلْوَاقِفِ)
ش: ظَاهِرُهُ حَتَّى فِي الْمَسَاجِدِ وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمَسَاجِدَ ارْتَفَعَ
[ ٦ / ٤٥ ]
عَنْهَا الْمِلْكُ وَهُوَ خِلَافُ مَا حَكَاهُ فِي أَوَّلِ الْحَبْسِ مِنْ النَّوَادِرِ أَنَّ الْمَسَاجِدَ بَاقِيَةٌ أَيْضًا عَلَى مِلْكِ مُحْبِسِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَنَصُّهُ فِي أَثْنَاءِ التَّرْجَمَةِ الْأُولَى فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى جَوَازِ التَّحْبِيسِ وَالرَّدِّ عَلَى شُرَيْحٍ الْقَائِلِ لَا حَبْسَ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ وَبَقَاءُ أَحْبَاسِ السَّلَفِ دَائِرَةً دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ بَيْعِهَا وَمِيرَاثِهَا وَالْمَسَاجِدُ وَالْأَحْبَاسُ لَمْ يُخْرِجْهَا مَالِكُهَا إلَى مِلْكِ أَحَدٍ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ وَأَوْجَبَ تَسْبِيلَ مَنَافِعِهَا إلَى مَنْ حُبِسَتْ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ كَمَا يَعْقِدُ فِي الْعَبْدِ الْكِتَابَةَ وَالْإِجَارَةَ وَالْإِسْكَانَ وَأَصْلُ الْمِلْكِ لَهُ فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ حَلُّ شَيْءٍ مِمَّا أَوْجَبَ فِي الْمَرَافِقِ وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ بَاقِيًا عَلَيْهِ انْتَهَى. فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَا يَقْسِمُ إلَّا مَا مَضَى زَمَنُهُ) ش مَسْأَلَةٌ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيمَا تَجِبُ بِهِ الثَّمَرَةُ لِمَنْ حَبَسَ عَلَيْهِ اضْطِرَابٌ
[ ٦ / ٤٦ ]
يَعْنِي إذَا كَانَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا وَذَكَرَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُعَيَّنِينَ كَمَا لَوْ حَبَسَ عَلَى رَجُلٍ وَعَقِبِهِ فَفِي وُجُوبِهَا بِالطِّيبِ أَوْ الْقِسْمَةِ قَوْلَانِ (قُلْت) عَزَاهُمَا ابْنُ زَرْقُونٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ مَالِكٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ قَالَ وَثَالِثُهَا لِأَشْهَبَ بِالْآبَارِ انْتَهَى.
وَمَا عَزَاهُ ابْنُ زَرْقُونٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ صَرَّحَ بِهِ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَالرَّجْرَاجِيُّ عَزَاهُ أَيْضًا لِابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ كِنَانَةَ. قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَى إجْمَاعِ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا تَكُونُ غَلَّةً بِالطِّيبِ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَأَيْنَ هُمْ عَمَّا اسْتَخْرَجْنَاهُ مِنْ الْكُتُبِ وَاسْتَشْهَدْنَا عَلَيْهِ بِنُصُوصِ الْأُمَّهَاتِ وَالتَّوْفِيقُ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيه مَنْ يَشَاءُ انْتَهَى.
فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْقَوْلَ الَّذِي عَزَاهُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَمَّا الْحَبْسُ عَلَى بَنِي زُهْرَةَ فَلَا يَجِبُ إلَّا بِالْقَسْمِ فَمَنْ مَاتَ قَبْلَهُ سَقَطَ حَظُّهُ وَمَنْ وُلِدَ قَبْلَهُ ثَبَتَ حَظُّهُ وَمَسْأَلَةُ الْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَعَلَى بَنِي تَمِيمٍ وَنَحْوِهِمْ ثُمَّ قَالَ قُلْت وَالْحَبْسُ عَلَى الْقُرَّاءِ بِمَوَاضِعَ مُعَيَّنِينَ كَقُرَّاءِ جَامِعِ الزَّيْتُونَةِ إنْ كَانَ بِقَيْدٍ أَنَّ الثَّوَابَ لِمُعَيَّنٍ فَهُمْ كَالْأُجَرَاءِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الشُّيُوخِ فِي الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى الْأَذَانِ وَالْإِمَامِ يَمْرَضُ بَعْضَ الْأَيَّامِ وَإِمَامِ الْمَسْجِدِ يَمُوتُ وَعَلَيْهِ دَارٌ مُحْبَسَةٌ وَأَهْلُهُ بِهَا هَلْ يُخْرَجُ أَوْ يُقْسَمُ لِتَمَامِ الْعِدَّةِ وَإِنْ كَانَ الْحَبْسُ لَا بِقَيْدٍ كَقِرَاءَةِ شَفْعِ الْمِحْرَابِ بِجَامِعِ الزَّيْتُونَةِ فَهُمْ كَالْحَبْسِ عَلَى فُلَانٍ وَعَقِبِهِ انْتَهَى.
(قُلْت) وَمِثْلُهُ الْحَبْسُ عَلَى فُقَرَاءِ الرِّبَاطِ الْفُلَانِيِّ وَالْمَدْرَسَةِ الْفُلَانِيَّةِ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ فِي ذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّونَ إلَّا بِالْقَسْمِ.
(تَنْبِيهٌ) عَلَى هَذَا الْقَوْلُ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمْ وَتَقَدَّمَ لَهُ فِيهَا نَفَقَةٌ. قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ فَلَا خِلَافَ أَنَّ لِوَرَثَتِهِ الرُّجُوعَ بِالنَّفَقَةِ لِأَنَّ أَصْحَابَهُ قَدْ انْتَفَعُوا بِنَفَقَتِهِ فِيمَا عَمِلَهُ لَهُمْ وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ هَلْ الرُّجُوعُ بِالْأَقَلِّ فِيمَا أَنْفَقَ أَوْ بِمَا يَنُوبُهُ مِنْ الثَّمَرَةِ أَوْ إنَّمَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ النَّفَقَةِ نَقْدًا أَوْ ثَمَرَةً؟ الْخِلَافُ إذَا أُجِيحَتْ الثَّمَرَةُ هَلْ تَسْقُطُ الْمُطَالَبَةُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَمْ لَا؟ وَهُوَ ضَعِيفٌ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ.
ص (وَإِكْرَاءُ نَاظِرِهِ إنْ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ كَالسَّنَتَيْنِ)
ش: يَعْنِي أَنَّ الْحَبْسَ إذَا كَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ كَبَنِي فُلَانٍ فَلِلنَّاظِرِ أَنْ يُكْرِيَهُ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ سِنِينَ وَلَا يُكْرِيَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ لَا يَكُونُ كِرَاؤُهُ بِالنَّقْدِ اُنْظُرْ النَّوَادِرَ فِي تَرْجَمَةِ الْحَبْسِ يُزَادُ فِيهِ أَوْ يَعْمُرُ مِنْ غَلَّتِهِ وَكِرَاءُ الْحَبْسِ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْبَيَانِ فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ فَإِنْ وَقَعَ الْكِرَاءُ فِي السِّنِينَ الْكَثِيرَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَعَثَرَ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ مَضَى بَعْضُهَا فَإِنْ كَانَ الَّذِي بَقِيَ يَسِيرًا لَمْ يُفْسَخْ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فُسِخَ عَلَى مَا قَالَهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ اهـ.
(قُلْت) وَلَمْ يُبَيِّنْ حَدَّ الْيَسِيرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ كِرَاءِ الْوَصِيِّ رُبْعَ الصَّغِيرِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ رُشْدُهُ وَذَكَرَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْحَبْسِ عَنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى بَنِي فُلَانٍ أَكْرَى أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ خَمْسِينَ عَامًا فَأَجَابَ إنْ وَقَعَ الْكِرَاءُ لِهَذِهِ الْمُدَّةِ عَلَى النَّقْدِ فُسِخَ وَفِي جَوَازِهِ عَلَى غَيْرِ النَّقْدِ قَوْلَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا عِنْدِي الْمَنْعُ وَهَذَا فِيمَا يَنْفَسِخُ فِيهِ الْكِرَاءُ بِمَوْتِ الْمُكْرِي وَهَذَا كَمَسْأَلَتِك أَمَّا الْحَبْسُ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَالْمَسَاكِينِ وَشِبْهِهِمَا فَلَا يُكْرِيهَا النَّاظِرُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ إنْ كَانَتْ أَرْضًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ إنْ كَانَتْ دَارًا وَهُوَ عَمَلُ النَّاسِ وَمَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ فَإِنْ أَكْرَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مَضَى إنْ كَانَ نَظَرًا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ وَلَا يُفْسَخُ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَجَازَ كِرَاءُ بُقْعَةٍ مِنْ أَرْضٍ مُحْبَسَةٍ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً لِتُبْنَى دَارًا وَعُمِلَ بِهِ انْتَهَى. وَانْظُرْ أَحْكَامَ ابْنِ سَهْلٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ مَسَائِلِ الْحَبْسِ فِي تَرْجَمَةِ قَطِيعٌ مُحْبَسٌ بَاعَتْهُ الْمُحْبِسَةُ وَانْظُرْ الْأَحْكَامَ الصُّغْرَى فِي مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ.
ص (أَوْ عَلَى كَوَلَدِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُمْ فَضَّلَ الْمُتَوَلِّي أَهْلَ
[ ٦ / ٤٧ ]
الْحَاجَةِ وَالْعِيَالَ فِي غَلَّةٍ وَسُكْنَى)
ش:. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَبْدَأُ فِي الْحَبْسِ أَهْلُ الْحَاجَةِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ فِي السُّكْنَى وَالْغَلَّةِ فَلَا سُكْنَى لِلْأَغْنِيَاءِ مَعَهُمْ إلَّا أَنْ يَفْضُلَ عَنْهُمْ شَيْءٌ فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى وَلَمْ يَسَعْهُمْ أُكْرِيَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقُسِمَ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمْ شَرْعًا سَوَاءٌ إلَّا أَنْ يَرْضَى أَحَدُهُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ بِمَا يَصِيرُ لِأَصْحَابِهِ مِنْ الْكِرَاءِ وَيَسْكُنَ فِيهَا فَيَكُونَ لَهُ ذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ انْتَهَى.
مِنْ سَمَاعِ سَحْنُونٍ مِنْ كِتَابِ الْحَبْسِ وَقَالَ فِي الشَّامِلِ وَمَنْ وَقَفَ عَلَى قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ أَوْ مَنْ لَا يُحَاطُ بِهِمْ فَضَّلَ النَّاظِرُ ذَا حَاجَةٍ وَعِيَالٍ فِي غَلَّةٍ وَسُكْنَى عَلَى الْمَشْهُورِ بِاجْتِهَادِهِ فَإِنْ اسْتَوَوْا فَقْرًا وَغِنًى أُوثِرَ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ وَدَفَعَ الْفَضْلَ لِمَنْ يَلِيهِ فَأَمَّا عَلَى وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ أَوْ مَوَالِيهِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُمْ فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ سَوَاءٌ فَإِنْ عَيَّنَهُمْ سَوَّى بَيْنَهُمْ فَإِنْ كَانَ لِلْغَنِيِّ وَلَدٌ فَقِيرٌ أُعْطِيَ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ مَنْ حَبَسَ عَلَى قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ كَالصَّدَقَةِ لَا يُعْطَى الْغَنِيُّ مِنْهَا شَيْئًا وَيُعْطَى الْمُسَدَّدُ بِقَدْرِ حَالِهِ فَإِنْ كَانَ لِلْأَغْنِيَاءِ أَوْلَادٌ كِبَارٌ فُقَرَاءُ وَقَدْ بَلَغُوا أُعْطُوا بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ الْبَاجِيُّ يُرِيدُ بِالْمُسَدَّدِ الَّذِي لَهُ كِفَايَةٌ وَرُبَّمَا ضَاقَ حَالُهُ لِكَثْرَةِ عِيَالِهِ انْتَهَى. وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُمْ أَنَّهُ لَوْ عَيَّنَهُمْ أَنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَهُمْ وَهُوَ كَذَلِكَ.
[مَسْأَلَةٌ قِسْمَةُ الْوَقْفِ عَلَى الْأَعْقَابِ]
(مَسْأَلَةٌ) مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ سَأَلَهُ عَنْهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهُوَ عَقْدٌ تَضَمَّنَ تَحْبِيسَ فُلَانٍ عَلَى ابْنَيْهِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ لِجَمِيعِ الرَّحَا الْكِرَاءُ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَلِاعْتِدَالِ حَبْسِهَا عَلَيْهِمَا وَعَلَى عَقِبِهِمَا حَبْسًا مُؤَبَّدًا وَتَمَّمَ عَقْدَ التَّحْبِيسِ عَلَى وَاجِبِهِ وَحَوْزِهِ وَمَاتَ الْأَبُ وَالِابْنَانِ بَعْدَهُ وَتَرَكَا عَقِبًا كَثِيرًا وَعَقِبُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ عَقِبِ الْآخَرِ وَفِي بَعْضِهِمْ حَاجَةٌ فَكَيْفَ تَرَى قِسْمَةَ هَذَا الْحَبْسِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْأَعْقَابِ هَلْ عَلَى الْحَاجَةِ أَمْ عَلَى السَّوِيَّةِ أَمْ يَبْقَى فِي يَدِ كُلِّ عَقِبٍ مَا كَانَ بِيَدِ أَبِيهِ؟ فَأَجَابَ الْوَاجِبُ فِي هَذَا الْحَبْسِ إذَا كَانَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مَا وَصَفْت أَنْ يُقْسَمَ عَلَى أَوْلَادِ الْعَقِبَيْنِ جَمِيعًا عَلَى عَدَدِهِمْ وَإِنْ كَانَ عَقِبُ الْوَلَدِ الْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِنْ عَقِبِ الْآخَرِ بِالسَّوَاءِ إنْ اسْتَوَتْ حَاجَتُهُمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فُضِّلَ ذُو الْحَاجَةِ مِنْهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُ بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ عَلَى قَدْرِ قِلَّةِ الْعِيَالِ أَوْ كَثْرَتِهِمْ وَلَا يَبْقَى بِيَدِ وَلَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا كَانَ بِيَدِ أَبِيهِ قَبْلَهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[مَسْأَلَة ثَبَتَ الْوَقْفُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالشُّيُوعِ]
(مَسْأَلَةٌ) سُئِلَ عَنْهَا الْوَالِدُ عَنْ أَرْضِ وَقْفٍ تُسَمَّى بِالرَّهْطِ وَتُنْسَبُ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - ﵁ - وَأَنَّهُ أَوْقَفَهَا عَلَى ذُرِّيَّتِهِ وَذُرِّيَّتُهُ أَفْخَاذٌ مِنْهُمْ الرُّخَامِيُّ وَالْحُطَامِيُّ وَالسَّارِيُّ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِيَدِهِ قِطْعَةٌ أَخَذَهَا مِنْ آبَائِهِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَقْسِمَهَا بَيْنَ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَيَكُونُ لِمَنْ مَاتَ مِنْ الْإِنَاثِ أَنْ تَنْقُلَ حَظَّهَا لِأَوْلَادِهَا حَتَّى أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنْ فَخِذٍ آخَرَ أَخَذُوا مَا صَارَ لَهُمْ مِنْ أَبِيهِمْ وَمَا صَارَ لَهُمْ مِنْ أُمِّهِمْ وَلَيْسَ ثَمَّ كِتَابٌ وَلَا شَرْطٌ؟ فَأَجَابَ إذَا ثَبَتَ الْوَقْفُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالشُّيُوعِ فَإِنْ عُلِمَ شَرْطُ الْوَاقِفِ بِكِتَابِ وَقْفٍ أَوْ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِهِ وَلَوْ بِالشُّيُوعِ اُتُّبِعَ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ شَرْطُ الْوَاقِفِ وَثَبَتَ لَهُ عَادَةٌ قَدِيمَةٌ فَيُصْرَفُ الْوَقْفُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْقَدِيمَةُ إذَا لَمْ تَكُنْ مُخَالِفَةً لِلْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَلَيْسَ لِمَنْ صَارَ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِنْ الْوَقْفِ أَنْ يَبِيعَهُ وَلَا يَقْسِمَهُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ وَلَا يُؤَجِّرَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً بَلْ يَبْقَى بِيَدِهِ فَإِذَا مَاتَ انْتَقَلَ لِمَنْ جَرَتْ الْعَوَائِدُ الْمَذْكُورَةُ أَعْلَاهُ بِانْتِقَالِهِ إلَيْهِ ثُمَّ سُئِلَ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرَى فَأَجَابَ عَنْهُ بِمَا تَقَدَّمَ وَزَادَ فِيهِ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ شَرْطٌ وَلَا عَادَةٌ وَثَبَتَ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ قُسِمَ بَيْنَهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَلَى السَّوِيَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مُحْتَاجٌ فَلِلنَّاظِرِ أَنْ يُؤْثِرَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَمُسْتَنَدُهُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي الْبَابِ السَّابِعِ وَالْخَمْسِينَ وَالْبَابِ السَّبْعِينَ. قَالَ فِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ مُتَوَلِّي نَظَرَ الْوَقْفَ فِي مَصْرِفِهِ إذَا لَمْ يُوجَدْ كِتَابُ الْوَقْفِ وَذَكَرَ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِصَرْفِ غَلَّتِهِ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي يَذْكُرُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (وَلَمْ يَخْرُجْ
[ ٦ / ٤٨ ]
سَاكِنٌ لِغَيْرِهِ إلَّا لِشَرْطٍ)
ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا يَخْرُجُ السَّاكِنُ لِغَيْرِهِ وَإِنْ غَنِيًّا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ الْمُسَاوَاةِ وَالتَّرْجِيحِ قَبْلَ السُّكْنَى فَحَثَّ عَلَى مَا إذَا سَكَنَ أَحَدُهُمْ لِمُوجَبِ الْفَقْرِ ثُمَّ اسْتَغْنَى فَإِنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ لَا يَرْتَفِعُ بِارْتِفَاعِ سَبَبِهِ وَهُوَ الْفَقْرُ وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِأَنَّ عَوْدَتَهُ لَا تُؤْمَنُ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ أَنْ يَخْرُجَ وَهَذَا فِي الْوَقْفِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قُلْت فِي لَفْظِهِ وَلَفْظِ ابْنِ الْحَاجِبِ إجْمَالٌ لِأَنَّ ظَاهِرَ لَفْظِهِمَا سَوَاءٌ كَانَ الْحَبْسُ عَلَى مُعْقِبٍ وَنَحْوِهِ أَوْ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَسَكَنَ بَعْضُهُمْ لِاتِّصَافِهِ بِالْفَقْرِ ثُمَّ اسْتَغْنَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لِغَيْرِهِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الشَّجَرَةِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ اسْتَحَقَّ مَسْكَنًا مِنْ حَبْسٍ هُوَ عَلَى الْفُقَرَاءِ لِفَقْرِهِ أُخْرِجَ مِنْهُ إنْ اسْتَغْنَى وَفِي رَسْمِ أَدْرَكَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ اسْتَحَقَّ مَسْكَنًا مِنْ حَبْسٍ هُوَ عَلَى الْعَقِبِ وَهُوَ غَنِيٌّ لِانْقِطَاعِ غَيْبَةِ الْمُحْتَاجِ ثُمَّ قَدِمَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ سَكَنَ بِهَا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَوْلَى بِهَا مِنْهُ وَرَوَى الْبَاجِيُّ لَوْ سَافَرَ مُسْتَحِقُّ السُّكْنَى لِبَعْضِ مَا يَعْرِضُ لِلنَّاسِ كَانَ لَهُ كِرَاءُ مَسْكَنِهِ إلَى أَنْ يَعُودَ وَلَوْ انْتَقَلَ إلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ رُدَّ لِمَنْزِلِهِ وَأُخْرِجَ مِنْهُ مَنْ دَخَلَ فِيهِ انْتَهَى مِنْ آخِرِ كِتَابِ الْحَبْسِ مِنْهُ وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الرِّسَالَةِ وَمَنْ سَكَنَ فَلَا يَخْرُجُ لِغَيْرِهِ مَا نَصُّهُ إلَّا أَنْ يَرَى النَّاظِرُ إخْرَاجَهُ وَإِسْكَانَ غَيْرِهِ مَصْلَحَةً لِلْحَبْسِ فَلَهُ ذَلِكَ لَا سِيَّمَا إنْ خَافَ مِنْ سُكْنَاهُ ضَرَرًا وَلِمِثْلِ هَذَا جَعْلُ النَّاظِرِ انْتَهَى مِنْ الشَّيْخِ زَرُّوقٍ نَاقِلًا لَهُ عَنْ الْفَاكِهَانِيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.