قوله: (باب) هذا باب يذكر فيه مسائل الاعتكاف، وحقيقته في اللغة: اللبث في المكان، وفي الشريعة: اللبث في المسجد للعبادة، وهو قربة ومن نوافل الخير لاسيما في العشر الأواخر من رمضان لطلب ليلة القدر، وحكم مشروعيته التشبه بالملائكة الكرام في استغراق الأوقات بالعبادة، وحبس النفس عن شهواتها، وكف اللسان عن الخوض فيما لا ينبغي. ومما يدل على أنه قربة ما وقع لمالك في العتبية من رواية ابن القاسم لما قيل له: من كان منزله من الفسطاط على ثلاثة أميال، أيعتكف في مسجد قريته؟ أم يسير إلى الجمعة؟ لأن قريته لا تجمع فيها الجمعة؟ قال: اعتكافه أولى من مسيره إلى الجمعة. انتهى من التوضيح (^١).
قوله: (الاعتكاف نافلة. وصحته لمسلم مميز) أي من نوافل الخير. أجمل الشيخ ﵀ لأن النفل يشمل السنن وغيرها، لأن النفل ما سوى الفرض، وصحة الاعتكاف إنما تكون لمسلم لا لكافر، لأن الإيمان شرط الطاعة، ويكون ذلك المسلم مميزا لا يصح لبالغ غير عاقل، ولا لصبي غير مميز، سواء كان المسلم حرا أو عبدا، ذكرا أو أنثى.
قوله: (بمطلق صوم، ولو ندرا) متعلق بقوله: (وصحته) أي وصحة الاعتكاف بصوم مطلق أي سواء كان فرضا كرمضان أو قضاؤه، أو تطوعا أو غيره قصد له أم لا، ولو كان ذلك الاعتكاف نذرا خلافا لعبد الملك أنه قال: لا بد من صوم يخصه به، غفل الشارح هنا ﵀؛ لأنه قال: ولو كان الصوم قد نذر (^٢).
وقوله: نذر ضبطه المؤلف بضم النون وكسر الذال.
عياض: وشرط صحته الصوم وإن لم ينطق به، لأنه ﷺ لم يعتكف إلا وهو صائم، ولأن الله تعالى إنما ذكر الاعتكاف للصائم، فقال: ﴿ولا تباشروهن﴾ [البقرة الآية: ١٧٨]. ولأنه عمل أهل المدينة. وأسقط شرطيته الشافعية، وابن لبابة من أصحابنا، محتجين بأنه ﷺ اعتكف في رمضان (^٣).
_________________
(١) التوضيح: ج ٢، ص ٤٦٢
(٢) لم أطلع عليه
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص:١٤٠
[ ١ / ٥١٩ ]
قوله: (ومسجد) أي وصحته كونه في مسجد مطلقا جامعا كان أو غيره بدليل الاستثناء، وغفل فيه الشارح أيضا لأنه عطفه على مطلق صوم بقوله: ﴿إلا لمن فرضه الجمعة، وتجب به، فالجامع مما تصح فيه الجمعة﴾ أي وصحته أن يكون في مسجد مطلقا، إلا أن يكون المعتكف ممن تلزمه الجمعة، وهو حر ذكر بالغ متوطن، والحالة أن الجمعة تجب في زمن الاعتكاف، فإن الجامع حينئذ متعين بحيث تصح فيه الجمعة لا سطحه، وبيت القناديل لاستلزام الخروج إلى الجمعة بطلان الاعتكاف، وإليه أشار بقوله: (وإلا خرج وبطل) أي وإن اعتكف في غير الجامع زمنا تجب فيه الجمعة، فإنه يخرج إلى الجامع ويبطل اعتكافه.
وقيل: لا يبطل وعليه هل يتمه في الجامع؟ أو يرجع إلى معتكفه؟ فيه قولان.
قوله: (كمرض أبويه) تشبيه لإفادة الحكم أي كما يخرج لأجل مرض أبويه، أو أحدهما ليعودهما.
قوله: (لا جنازتهما معا) أي لا يخرج لجنازة أبويه إن ماتا معا. ابن القاسم: يخرج لمرض أحد أبويه، وفي الموطأ: لا يخرج لجنازتهما (^١).
وفرق الباجي بأنهما إذا كانا حيين لزمه طلب مرضاتهما، واجتناب ما يسخطهما (^٢)، فيجمع بين الأمرين: بر الأبوين بالخروج إليهما، والإتيان باعتكافه بأن يبديه، ولا يلزم على ذلك حضور جنازتهما إذ لا يعرفان حضوره فيرضيهما ذلك، ولا يعلمان بتخلفه، فيسخطهما ذلك، فاعترض بأن ذلك من حقوقهما، وألزم عليه الخروج إذا مات أحدهما فإن عدم خروجه يسخط الآخر كذا في التوضيح (^٣).
وغايته أنه إلزام لما قص لا نص، فلتزم هنا ذلك.
فقال: لا جنازتهما معا، ولم يقل ذلك في مرضهما إذ لا فرق بين مرضهما معا ومرض أحدهما.
قوله: (وكشهادة وإن وجبت، ولتؤد بالمسجد، أو تنقل عنه) أي الواجب إسقاط الواو إذ هو تشبيه لإفادة الحكم أي كما لا يخرج لأجل شهادة يؤديها إن وجبت عليه، وليؤدها في المسجد إن كان به حاكم أو تنقل عنه الشهادة.
_________________
(١) الموطأ: ج ١، ص: ٣١٧.
(٢) الحطاب: ج ٢، ص: ٥٣٥.
(٣) التوضيح: ج ٢، ص: ٤٦٨.
[ ١ / ٥٢٠ ]
قوله: (وكردة)، يعني عنه: (وكمبطل صومه وكسكره ليلا)، لأن الردة والعياذ بالله منها مبطلة للصوم أي ويبطل الاعتكاف بمبطل الصوم، وكذا يبطل بسكره ليلا، ظاهره وإن صحا قبل الفجر، وهو كذلك لم يفرق الشيخ بين السكر بالحرام والحلال، وقال بعضهم: معناه إذا أسكر بالحرام، وأما إن سكر نهارا يدخل في مبطلات الصوم.
قوله: (وفي إلحاق الكبائر به) أي وفي إلحاق الذنوب الكبائر كالكذب والنميمة والغيبة بالسكر، وعدم لحوقها به (تأويلان).
قوله: (وبعدم وطء، وقبلة شهوة، ولمس، ومباشرة) أي وصحة الاعتكاف مشروطة بعدم وطء ليلا أو نهارا، أو بعدم قبلة شهوة أو لمس أو مباشرة بها، لا إن قبلها لوداع أو رحمة.
قوله: (وإن لحائض ناسية) أي وإن كانت القبلة أو اللمس أو المباشرة حاصل من حائض أو نفساء في حال كونها ناسية لحرمة الاعتكاف التي عليها، فإن اعتكافها يبطل.
قوله: (وإن أذن لعبد أو امرأة) أي وإن أذن السيد لعبد ذكر أو أنثى، أو أمر الزوج الزوجة (في ندر) الاعتكاف فنذرته، (فلا منع) له بعد ذلك، سواء دخل في المنذور أم لا للزومه بالنذر، وكذلك إذا أذن له في تنفيذ النذر.
قوله: (كغيره: إن دخلا) أي كما لا يمنع له إذا أذن له في غير النذر بشرط أن يدخلا فيه، وأما قبل الدخول فله المنع.
قوله: (وأتمت ما سبق منه أو عدة) أي وأتمت المرأة ما سبق من الاعتكاف، أو من العدة أي فإذا طلقت امرأة، أو توفي عنها زوجها وهي معتكفة، فإنها تمكث إلى أن ينقضي اعتكافها، فتخرج فتتم ما بقي من عدتها، فإن طلقت أو توفي عنها قبل الاعتكاف، فإنها تتمادى على عدتها، وليس لها أن تعتكف حتى تنقضي العدة. الحاصل أنها تنظر إلى السابق منهما.
قوله: (إلا أن تحرم، وإن بعدة موت فينفذ، وتبطل) أي إلا أن تحرم المعتدة وإن في عدة وفاة، وأحرى عدة طلاق، فإن الإحرام ينفذ ويبطل المبيت في العدة، ولكن هي عاصية بالإحرام وهي معتدة، وإنما غياها بعدة الموت لأنه أشد من عدة الطلاق لما يلزم فيها من الإحداد.
[ ١ / ٥٢١ ]
قوله: (وإن منع عبده نذرا فعليه إن عتق ولا يمنع مكاتب يسيره) أي وإن منع السيد عبده من وفاء نذر نذره، وأوجبه على نفسه من اعتكاف أو غيره فعليه الوفاء به إن عتق يوما ما، يريد إذا كان مضمونا وإلا فلا، ولا يمنع السيد مكاتبه من يسير النذر، وحد اليسير ما لا يضر بسيده ولا بوفاء كتابته.
قوله: (ولزم يوم إن نذر ليلة، لا بعض يوم) أي ولزم اعتكاف يوم إن نذر اعتكاف ليلة أو العكس، لأن الاعتكاف لا يكون إلا بصيام ولا صوم في ليل، لا إن نذر اعتكاف بعض يوم فإنه لا يلزمه شيء، كمن نذر صلاة ركعة واحدة.
قوله: (وتتابعه في مطلقه) أي ويلزم تتابع الاعتكاف إذا أطلقه ولم يقيده بتتابع ولا غيره.
ومذهب الشافعي: لا يلزمه التتابع.
وحجتنا أن الإعتكاف متصل بعضه ببعض، وأما إن قيده بالتتابع فإنه يلزمه بلا خلاف.
قوله: (ومنويه حين دخوله) أي ولزم المعتكف منويه حين دخوله في الاعتكاف وإن خالف منويه قبل ذلك، وأما بمجرد النية فلا يلزم، لأن الاعتكاف لا يلزم إلا أن ينذره بلفظ أو نية مع دخول.
قوله: (كمطلق الجوار) أي كما يلزم منويه حين دخوله في الجوار المطلق، والمطلق هو غير المقيد بنهار، ويلزم بالنذر باللفظ وبالدخول مع النية، وفيه الصيام؛ لأنه كالاعتكاف، ويلزم التتابع في مطلقه.
الجوار بضم الجيم، وكسرها من المجاورة الجوار سواء في مسجد مكة أو المدينة أو غيرهما من المساجد.
قال الأبي في كتابه إكمال الإكمال: الجوار عرفا كالاعتكاف في أنه ملازمة المسجد للعبادة غير أنه لا يشترط فيه الصوم، ولا يلزمه بالدخول فيه، ولا يقتصر فيه على عبادة معينة، ولا يلزم فيه الجمع بين الليل والنهار، بل يجوز أن يجاور أحدهما فقط، ومن نذره في مسجد بلده لزمه، وفي غيره لا يلزمه إلا أن يكون أحد المساجد الثلاث. انتهى (^١).
الاعتكاف مرغب فيه ليس بواجب إجماعا. انتهى.
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ١٣٩.
[ ١ / ٥٢٢ ]
قوله: (لا النهار فقط فباللفظ، ولا يلزم فيه حينئذ صوم) أي لا يلزمه إن قيده بالنهار إلا أن يلفظ به فيلزمه به، وحيث لزمه باللفظ فلا يلزمه فيه حينئذ الصوم الذي هو من لوازم الاعتكاف.
قوله: (وفي يوم دخوله)، ضبط الشيخ يوم بالتنوين أي وإن قيده بالنهار فهل يلزمه يوم دخوله فيه؟ أولا يلزمه فيه (تأويلان)، وأما ما بعد ذلك فلا خلاف أنه لا يلزمه.
قوله: (وإتيان ساحل لناذر صوم به مطلقا، والمساجد الثلاثة فقط لناذر عكوف بها) أي ولزمه إتيان الساحل من نذر صوم يوم فيه مطلقا أي سواء كان موضع نذره أفضل كمكة والمدينة - زادهم الله شرفا - من موضع المنذور فيه الصوم - لما فيه من الرباط وسد الثغور.
الساحل: شاطئ البحر.
وكذلك يلزم إتيان المساجد الثلاث: مسجد النبي ﷺ، ومسجد مكة ومسجد بيت المقدس لمن نذر العكوف بها أي فيها، ولا يلزمه الإتيان في غير الثلاث، ولو كان مسجد قباء الذي أسس على التقوى.
عياض في إكمال الإكمال: أجمعوا على أن موضع قبره ﷺ أفضل بقاع الأرض، وأن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض، ثم اختلفوا فيما عدا موضع قبره ﷺ من المدينة ومكة أيهما أفضل فمذهب بعض الصحابة، ومالك أن المدينة أفضل، وقالوا معنى الاستثناء إلا المسجد الحرام، فإنها في مسجده ﷺ أفضل منها فيه بأقل من ألف وذهب ابن وهب وابن حبيب والشافعي والمكيون والكوفيون إلى أن مكة أفضل (^١).
قوله: (وإلا فبموضعه) أي وإن نذر الاعتكاف في غير أحد المساجد الثلاث، فإنه يعتكف في مسجد موضعه.
قوله: (وكره أكله خارج المسجد، واعتكافه غير مكفي، ودخوله منزله وإن لغائط، واشتغاله بعلم وكتابته وإن مصحفا إن كثر) أي خارج المسجد، هذا شروع منه ﵀ فيما يكره فعله للمعتكف أي وكره للمعتكف أن يخرج من المسجد للأكل، بل يأكل في المسجد. وكذلك يكره له أن يدخل في الاعتكاف وهو غير مكفي لصلاح شأنه،
_________________
(١) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ٥٠٦ - ٥٠٧.
[ ١ / ٥٢٣ ]
وينبغي له أن لا يبتدئ الاعتكاف حتى يعد جميع ما يحتاج إليه، وكذلك يكره له الدخول في منزله وإن لغائط وغيره، أحرى إذا كان فيه أهله، لئلا يرى شيئا في منزله، فيأمر بإصلاحه، فيكون في غير عمل الاعتكاف، وأما إذا كان منزله خاليا فلا يكره له دخوله. وكذلك يكره له الاشتغال بكتب العلم المتقدم، وإن كان الاشتغال بالعلم أفضل الأعمال، ولكن ليس من عمل الاعتكاف، وكذلك يكره الاشتغال بكتب العلم، وإن كان كتب المصحف إن كثر، ذكر هذا لئلا يتوهم أن كتابة القرآن كقراءته، وذلك كله إن كثر الاشتغال بالكتابة، وأما إن خف فلا يكره.
قوله: (وفعل غير ذكر وصلاة وتلاوة، كعيادة وجنازة، ولو لاصقت، وصعوده لتأذين بمنار أو سطح، وترتبه للإمامة، وإخراجه لحكومة إن لم يلد به) أي ومما يكره للمعتكف أن يعمل عملا من الطاعات غير ذكر وصلاة وتلاوة قرآن، فلا ينبغي له أن يفعل غير هذه الثلاثة، وكره له عيادة مريض إلا أن يصل بجنبه، فلا بأس أن يسلم عليه، ولا يقوم لتعزية ولا لتهنئة.
وكذلك يكره له الصلاة على الجنازة، ولو لاصقت به الصفوف، وكذلك يكره للمعتكف صعود المنار أو السطح لأجل التأذين، ويفهم منه أنه يجوز له التأذين في موضعه. وكذلك يكره له الترتب في الإمامة إذ ربما يشغله عن بعض وظائف الإعتكاف، لا مطلق الإمامة.
ويكره للحاكم إخراج المعتكف لخصومة، إن لم يظهر أنه قصد بالاعتكاف اللدد، وأما إن قصد به اللدد، فإنه يخرجه.
قوله: (وجاز إقراء قرآن، وسلامه على من بقربه، وتطيبه، وأن ينكح وينكح بمجلسه، وأخذه إذا خرج لكغسل جمعة ظفرا، أو شاربا، وانتظار غسل ثوبه أو تجفيفه)، لما فرغ من المكروهات شرع في الجائزات أي وجاز لمعتكف إقراء قرآن أي تعليمه. وكذلك يجوز له أن يسلم على من في قربه من المسجد، ولا يقوم إليه ليعزيه ولا ليهنئه.
قال اللخمي: وأجاز مالك أن يتحدث مع من يأتيه ما لم يكثر، وأن يجلس للعلم، ويكتبه إذا لم يكثر أيضا، وترك ذلك أحب إليه (^١).
وكذلك يجوز له أن يتطيب (^٢) ذكرا كان أو أنثى، ويجوز له أن يتزوج، وأن يعقد
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ٢، ص: ٨٤١.
(٢) تبصرة اللخمي: ج ٢، ص: ٨٤٢.
[ ١ / ٥٢٤ ]
نكاح غيره في مجلسه من المسجد لا غيره، بخلاف المحرم، وفرق بينهما بأن المحرم يخالط النساء بخلاف المعتكف، لأن له زاجر وهو المسجد، وبأن الأصل فيهما الجواز، وبقي المعتكف على الأصل، وخرج المحرم عن الأصل، وبأن الاعتكاف إذا بطل أمره. خفيف بخلاف الحج، وكذلك يجوز له أخذ ظفره أي قلمه، أو قص شاربه لا حلق رأسه إذا خرج لغسل جمعته، أو جنابته، أو حاجة الإنسان، أو لشراء طعامه، ولا يأخذ من شعره وأظفاره في المسجد وإن جمعه وألقاه، ويجوز له انتظار غسل ثوبه وتجفيفه للضرورة والضرورة إذا لم يكن عنده غيره، أو لم يجد من يحفظ ثوبه.
قال في المدونة: ولا ينتظر غسل ثوبه وتجفيفه (^١) يحتمل أن لا ينتظرهما جميعا، وأما أحدهما فينتظره فيكون وفاقا لما هنا، ويحتمل أن لا ينتظرهما، ولا أحدهما، وظاهر كلام الشيخ أن المنع في انتظارهما معا كنص ابن الحاجب. انتهى.
قال اللخمي: ويستحب أن يكون اغتساله وقضاء حاجته في أقرب المواضع إليه. وقال في المجموعة: بموضع غير مسكون (^٢).
قوله: (وندب إعداد ثوب، ومكثه ليلة العيد)، هذا شروع منه ﵀ في مندوبات المعتكف أي وندب له أن يعد أي يحضر ثوبا يلبسه، إذا تنجس ثوبه من جنابة أو غيرها. وكذلك يندب له أن يمكث في المسجد في معتكفه ليلة العيد إن وافق آخر اعتكافه، لتتصل العبادة بالعبادة.
وقيل: يجب المكث اقتداء بالنبي ﷺ وأفعاله ﷺ هي على الوجوب، أو على الندب.
قوله: (ودخوله قبل الغروب. وصح إن دخل قبل الفجر، واعتكاف عشرة، وبآخر المسجد وبرمضان، وبالعشر الأخير لليلة القدر الغالبة به) أي ومما يندب للمعتكف دخوله في اعتكافه قبل الغروب من أول ليلة أراد أن يعتكف فيها، ويصح اعتكافه إن دخل فيه قبل الفجر، ولكن ترك المندوب، وإن لم يدخل إلا بعد الفجر فلا يعتد بذلك اليوم، وكذلك يندب له أن يكون اعتكافه إن دخل فيه قبل الفجر عشر ليال لا أقل، لأن في المدونة: قال ابن القاسم: لا أرى الاعتكاف دون عشرة أيام (^٣). وقول اللخمي: تكره
_________________
(١) المدونة الكبرى: ج ٢، ص: ١٩٨.
(٢) تبصرة اللخمي: ج ٢، ص: ٨٤٤.
(٣) المدونة الكبرى: ج ١، ص: ١٩٨.
[ ١ / ٥٢٥ ]
الزيادة عليها (^١) خلاف لظاهر الرسالة، لأنه قال: وأقل ما هو أحب إلينا من الاعتكاف عشرة أيام (^٢).
وكذلك يندب له أن يكون معتكفه في عجز المسجد أي آخره، لأنه أخفى للعبادة وأبعد من الأصوات.
ويندب له أن يوقع اعتكافه في رمضان، ويكون في العشر الأواخر منه، طلبا لليلة القدر الغالبة فيه، سميت ليلة القدر لشرفها، لأن القدر هو الشرف أو للضيق لأن الملائكة يضيقون الطرق بالناس، وقال تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ [الطلاق: ٧]، أو لأنه يقدر الله ما يكون في تلك السنة من الأرزاق والآجال وغير ذلك.
والمراد بهذا التقدير، إظهاره سبحانه للملائكة ﵈ مما يكون من أفعاله بما سبق به علمه وقضاؤه في الأزل، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿تنزل الملائكة والروح﴾ [القدر: ٤]، وبقوله: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان: ٤]. انتهى من إكمال الإكمال (^٣).
قال الله: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ [القدر: ٣] إلى آخره. يريد سبحانه: فيما يضاعف فيها من الثواب، فالحسنات تضاعف في غيرها بسبعمائة، وتزيد فيها على أكثر من ألف.
قال مالك: «سمعت ممن أثق به يقول: إن رسول الله ﷺ أري أعمار الناس قبله، وما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغه غيرهم من طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر» (^٤) فمن أقامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. انتهى من اللخمي (^٥).
وقال ﷺ: «من صلى من أول شهر رمضان إلى آخره في جماعة، فقد أخذ حظه من ليلة القدر» (^٦).
قوله: (وفي كونها بالعام أو برمضان خلاف. وانتقلت، والمراد بكسابعة ما بقي أي
_________________
(١) انظر تبصرة اللخمي: ج ٢، ص: ٨٣٤.
(٢) متن الرسالة، (٢٤) / باب في الاعتكاف، ص: ٥٧ - ٥٨.
(٣) إكمال الإكمال للأبي: ج ٤، ص: ١٢٦.
(٤) الموطأ (١٩) / كتاب الاعتكاف (٦) / باب ما جاء في ليلة القدر. الحديث: ١٥.
(٥) تبصرة اللخمي: ج ٢، ص: ٨٥٠.
(٦) أخرجه أبو نعيم في الحلية: ج ٥، ص: ٦٤.
[ ١ / ٥٢٦ ]
وفي كون ليلة القدر في العام كله، أو إنما هي في رمضان فقط وعليه الأكثر في ذلك خلاف، وتنتقل عن ليلة إلى ليلة أخرى، لقول ابن رشد: أصح الأقوال أنها تنتقل، فلا تختص بليلة معينة (^١).
وفيها قال ابن وهب قال مالك في حديث النبي ﷺ: «التمسوا ليلة القدر في التاسعة والسابعة والخامسة» (^٢)، أرى والله أعلم أنه إنما أراد بالتاسعة من العشر الأواخر ليلة إحدى وعشرين، والسابعة ليلة ثلاث وعشرين، وبالخامسة ليلة خمس وعشرين (^٣)، وعليه يكون المراد بكسابعة في الحديث ما بقي أي التمسوها لتاسعة تبقى وخامسة تبقى، ويشهد لذلك ما في مسلم عن أبي سعيد الخدري أنه لما سئل عن الخامسة، والسابعة والتاسعة؟ فقال: إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها اثنتان وعشرون، فهي التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضت خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة» (^٤).
وأخرج البخاري نحوه من حديث ابن عباس (^٥)، لكن الحديثين مبنيان على كمال الشهر، وقول مالك مبني على نقصانه، كأنه اعتبر المحقق وألغى المشكوك، فينبغي التماسها في السنة كلها.
قوله: (وبنى بزوال إغماء أو جنون) هذا شروع منه تخلله فيما يبني فيه المعتكف أي وإن أغمي عليه في اعتكافه ثم أفاق، فإنه يبني من حيث زال عنه الإغماء، أو أفاق من الجنون، فإن أخر البناء بطل اعتكافه.
قوله: (كأن منع من الصوم لمرض، أو حيض، أو عيد) أي كما يبني إذا منع من الصوم في اعتكافه، لأجل مرض لا يقدر معه على الصوم، أو لأجل حيض، أو نفاس طرأ عليها بلا خلاف. وكذلك يبني على ما مضى من اعتكافه إذا خرج لأجل
_________________
(١) المقدمات لابن رشد: ج ١، ص: ٢٦٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، (٣٧) - كتاب صلاة التراويح. (٥) - باب رفع معرفة ليلة القدر الحديث: ١٩١٩. وأخرجه مالك في الموطأ. (١٩) - كتاب الاعتكاف (٦) - باب ما جاء في ليلة القدر. الحديث: ١٣.
(٣) المدونة الكبرى: ج ١، ص: ٢٠٧.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، (١٢) - كتاب الصيام. (٤٠) - باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها. الحديث: (٢١٧ - ١١٦٧).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٧) - كتاب صلاة التراويح. (٥) - باب رفع ليلة القدر لتلاحي الناس. الحديث: ١٩١٩.
[ ١ / ٥٢٧ ]
صلاة العيد.
اللخمي: وكذلك إن طرأ المرض والخوف، فإنه يبني، وهو المرجوع إليه، وقال فيمن أخرجه القاضي لدين إن بنى أجزأه. واستحب الابتداء، وقال ابن القاسم: يبتدئ. انتهى من التبصرة (^١).
قوله: (وخرج وعليه حرمته) أي وإن طرأ العذر المبيح للخروج على معتكف، فإنه يخرج وعليه حرمة الاعتكاف، ويجتنب كل ما يجتنبه.
قال القرافي: وجملة ما يخرج إليه خمسة نظمها قوله: (^٢)
وما له أن يخرجا إذا نوى أن يبرحا … إلا بخمسة قد صرحا
منها هدية حاجة الإنسان … والحيض والنفاس للنسوان
ونازل من حادث أو من مرض … وسعيه في فوته لا يعترض
قوله: (وإن أخره بطل؛ إلا ليلة العيد ويومه) أي وإن زال عذر المعذور، وأخر البناء بطل اعتكافه، إلا أن يكون التأخير لأجل عيد وافقه، فإن ذلك لا يبطل اعتكافه، لأن الليل كالتبع ليومه، ويوم العيد عذره.
قوله: (وإن اشترط سقوط القضاء لم يفده) أي وإن اشترط المعتكف في اعتكافه متى عرضت له ضرورة توجب القضاء فلا قضاء، لم يفده ذلك الشرط لقوله: ﴿كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط﴾ (^٣). انتهى.
وتفسير الشارح في هذا الفصل فيه ما فيه.
_________________
(١) تبصرة اللخمي: ج ٢، ص: ٨٤٦.
(٢) الأبيات للغافقي انظر شرح زروق لرسالة ابن أبي زيد: ج ١، ص: ٣١٣.
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير من اسمه سيف، ص: ٢٩٧. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (١٦) - كتاب الصلاة، الحديث: ٤٢٧٢. وأخرجه أحمد في مسنده، الحديث: ٢٥٨٢٧.
[ ١ / ٥٢٨ ]